{"ً":{"ٌ":1082,"ٍ":"سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/sblslmhlq/","files":["sblslmhlq_1p.pdf|المقدمة","sblslmhlq_1.pdf","sblslmhlq_2.pdf","sblslmhlq_3.pdf","sblslmhlq_4.pdf","sblslmhlq_5.pdf","sblslmhlq_6.pdf","sblslmhlq_7.pdf","sblslmhlq_8.pdf","sblslmhlq_9.pdf"]},"ّ":"الكتاب: سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\nالمؤلف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني [ت ١١٨٢ هـ]\nحققه وخرج أحاديثه وضبط نصه: محمد صبحي حسن حلاق [ت ١٤٣٨ هـ]\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - السعودية\nالطبعة: الثالثة، ١٤٣٣ هـ\nعدد الأجزاء: ٩ (٨ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[سبل السلام - الصنعاني]\n\n١ - اسم الكتاب: سبل السلام شرح بلوغ المرام.\n٢ - اسم المؤلف: محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ثم الصنعاني (١١٨٢ هـ - ١٧٦٨ م).\n٣ - تصنيف الكتاب: أحاديث الأحكام.\n٤ - مذهبه:\n٥ - التعريف بالكتاب: وهذا الكتاب شرح لكتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام لشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) الذي جمع فيه معظم الأحاديث التي استنبط منها الفقهاء الأحكام الفقهية مبينا عقب كل حديث من خرجه من الأئمة، موضحا درجة الحديث ورتبه على أبواب الفقه وله عدة شروح منها شرح العلامة شرف الدين الحسين بن محمد المغربي ت (١١١٩ هـ) الذي سماه: \" البدر التمام في شرح بلوغ المرام \" وجاء الصنعاني فاختصر هذا الشرح وبين لغة الحديث وسنده ثم ذكر ما يدل عليه الحديث من الأحكام الفقهية ومن قال بها من الصحابة والتابعين ومذاهب الفقهاء الأربعة وأئمة مذاهب الزيدية والشيعة وبين من خالف هذه الأحكام من نوع المخالفة ودليلها ثم يرجح ما يراه موافقا للكتاب والسنة بدون تحيُّز لمذهب، والصنعاني يقتضب الشرح أحيانا ويستطرد في بعض المسائل أحيانا أخرى ويسهب الكلام في مجالات ثالثة.","ٓ":"2.0","ٔ":141,"ٕ":7,"ٖ":1770154036,"ٗ":87},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":2,"page":1},{"title":"الجدول الأول: نماذج من مخالفة الأستاذ طارق للمخطوط واعتماده على المطبوع، وتبديله لكلمات المخطوط بكلمات المطبوع وغير ذلك","level":3,"page":3},{"title":"الجدول الثاني: نماذج من أخذه من كتابي المطبوع وبخاصة النسخة التي اعتمدت عليها وهي (ب) بشكل واضح ولم ينبه على ذلك","level":3,"page":16},{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":2,"page":25},{"title":"تقديم بقلم فضيلة الدكتور: حسن محمد مقبولي الأهدل كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء","level":3,"page":28},{"title":"تقديم بقلم وكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية العلامة حمود بن محمد بن عبد الله شرف الدين حفظه الله ورعاه","level":3,"page":30},{"title":"الإهداء","level":2,"page":32},{"title":"مقدمة المحقق","level":2,"page":33},{"title":"الفصل الأول حياة مؤلف سبل السلام","level":3,"page":39},{"title":"المبحث الأول: السيرة الذاتية.","level":4,"page":39},{"title":"(١) اسمه ونسبه","level":5,"page":39},{"title":"(٢) مولده","level":5,"page":39},{"title":"(٣) نشأته","level":5,"page":40},{"title":"(٤) مشايخه","level":5,"page":40},{"title":"(٥) تلامذته","level":5,"page":41},{"title":"(٦) ورعه وزهده","level":5,"page":43},{"title":"(٧) ثناء العلماء عليه","level":5,"page":43},{"title":"(٨) وفاته","level":5,"page":44},{"title":"المبحث الثاني: السيرة العلمية.","level":4,"page":44},{"title":"أولا: فكره وثقافته","level":5,"page":44},{"title":"(أ) تمسكه بالدليل، وتخليه عن التقليد","level":6,"page":45},{"title":"(١) مسألة الاستثناء في اليمين","level":7,"page":45},{"title":"(٢) مسألة الرجوع في الهبة","level":7,"page":45},{"title":"(ب) موقفه من التقليد المذهبي","level":6,"page":46},{"title":"ثانيا: مؤلفاته","level":5,"page":48},{"title":"الفصل الثاني حياة مؤلف: \"بلوغ المرام\"","level":3,"page":55},{"title":"(١) اسمه ونسبه","level":4,"page":55},{"title":"(٢) لقبه وكنيته","level":4,"page":55},{"title":"(٣) مولده","level":4,"page":55},{"title":"(٤) نشأته وطلبه للعلم","level":4,"page":55},{"title":"(٥) زهده في القضاء","level":4,"page":56},{"title":"(٦) مكانته العلمية","level":4,"page":57},{"title":"(٧) مشايخه","level":4,"page":58},{"title":"(٨) تلاميذه","level":4,"page":59},{"title":"(٩) رحلاته","level":4,"page":60},{"title":"(أ) رحلاته في داخل مصر","level":5,"page":60},{"title":"(ب) رحلته إلى الديار الحجازية","level":5,"page":61},{"title":"(جـ) رحلته إلى الديار اليمنية","level":5,"page":61},{"title":"(د) - رحلته إلى الديار الشامية","level":5,"page":61},{"title":"(١٠) مؤلفاته","level":4,"page":61},{"title":"(أ) مصنفاته في علوم القرآن","level":5,"page":61},{"title":"(ب) مصنفاته في علوم الحديث، دراية ورواية","level":5,"page":62},{"title":"(جـ) مصنفاته في العقيدة","level":5,"page":66},{"title":"(د) مصنفاته في الفقه","level":5,"page":66},{"title":"(هـ) مصنفاته في التاريخ","level":5,"page":67},{"title":"(١١) وفاته","level":4,"page":67},{"title":"منهجي في تحقيق الكتاب وتخريجه","level":3,"page":84},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":87},{"title":"معنى الحمد لله","level":2,"page":88},{"title":"النعم الظاهرة والباطنة","level":2,"page":89},{"title":"معنى الصلاة والسلام على رسول الله","level":2,"page":91},{"title":"معنى الصحابي","level":2,"page":93},{"title":"العلم ميراث الأنبياء","level":2,"page":94},{"title":"معنى الأصل والدليل لغة وعرفا","level":2,"page":95},{"title":"ترجمة الإمام أحمد بن حنبل","level":2,"page":99},{"title":"ترجمة الإمام البخاري","level":2,"page":100},{"title":"ترجمة الإمام مسلم","level":2,"page":100},{"title":"ترجمة أبي داود","level":2,"page":101},{"title":"ترجمة الإمام الترمذي","level":2,"page":102},{"title":"ترجمة الإمام النسائي","level":2,"page":102},{"title":"ترجمة ابن ماجه","level":2,"page":103},{"title":"شرح اصطلاحات المؤلف","level":2,"page":104},{"title":"١ - كتاب الطهارة","level":1,"page":105},{"title":"[الباب الأول] باب المياه","level":2,"page":106},{"title":"طهارة ماء البحر","level":3,"page":107},{"title":"ترجمة أبي هريرة","level":3,"page":107},{"title":"ترجمة ابن أبي شيبة","level":3,"page":109},{"title":"ترجمة ابن خزيمة","level":3,"page":109},{"title":"تعريف الحديث الصحيح","level":3,"page":109},{"title":"بعض فوائد الحديث","level":3,"page":110},{"title":"طهارة الماء","level":3,"page":111},{"title":"ترجمة أبي سعيد","level":3,"page":112},{"title":"ترجمة أبي أمامة","level":3,"page":118},{"title":"ترجمة أبي حاتم","level":3,"page":119},{"title":"تعريف الحديث الضعيف","level":3,"page":119},{"title":"ترجمة البيهقي","level":3,"page":119},{"title":"حكم الماء إذا بلغ قلتين","level":3,"page":120},{"title":"ترجمة ابن عمر","level":3,"page":121},{"title":"ترجمة الحاكم","level":3,"page":121},{"title":"ترجمة ابن حبان","level":3,"page":122},{"title":"النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه","level":3,"page":122},{"title":"اغتسال المرأة بفضل الرجل والعكس","level":3,"page":126},{"title":"ترجمة ابن عباس","level":3,"page":127},{"title":"تطهير الإناء من ولوغ الكلب","level":3,"page":128},{"title":"أحكام فقهية من الحديث","level":3,"page":129},{"title":"طهارة الهرة وسؤرها","level":3,"page":133},{"title":"ترجمة أبي قتادة","level":3,"page":134},{"title":"سبب الحديث","level":3,"page":134},{"title":"نجاسة بول الإنسان","level":3,"page":135},{"title":"ترجمة أنس بن مالك","level":3,"page":136},{"title":"أحكام فقهية من الحديث","level":3,"page":137},{"title":"فوائد من الحديث","level":3,"page":139},{"title":"ما أحل من الميتة والدم","level":3,"page":140},{"title":"وقوع الذباب في الشراب","level":3,"page":142},{"title":"ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت","level":3,"page":144},{"title":"ترجمة أبي واقد الليثي","level":3,"page":144},{"title":"[الباب الثاني] باب الآنية","level":2,"page":147},{"title":"تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة","level":3,"page":147},{"title":"ترجمة حذيفة بن اليمان","level":3,"page":147},{"title":"أحكام فقهية من الحديث","level":3,"page":148},{"title":"ترجمة أم سلمة","level":3,"page":149},{"title":"إذا دبغ الإهاب فقد طهر","level":3,"page":151},{"title":"أقوال العلماء في تطهير جلد ميتة كل حيوان بالدباغ","level":3,"page":152},{"title":"ترجمة سلمة بن المحبق","level":3,"page":157},{"title":"ترجمة ميمونة","level":3,"page":158},{"title":"بم يجوز الدباغ","level":3,"page":159},{"title":"حكم استعمال آنية الكفار","level":3,"page":160},{"title":"ترجمة أبي ثعلبة الخشني","level":3,"page":160},{"title":"أحكام فقهية من الحديث","level":3,"page":160},{"title":"ترجمة عمران بن حصين","level":3,"page":163},{"title":"أحكام فقهية من الحديث","level":3,"page":164},{"title":"تضبيب الإناء بالفضة جائز","level":3,"page":164},{"title":"[الباب الثالث] باب إزالة النجاسة وبيانها","level":2,"page":166},{"title":"حكم تخليل الخمر","level":3,"page":166},{"title":"أقوال العلماء في خل الخمر","level":3,"page":167},{"title":"النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية","level":3,"page":167},{"title":"التحريم لازم للنجاسة دون العكس","level":3,"page":171},{"title":"لعاب ما يؤكل لحمه طاهر","level":3,"page":172},{"title":"ترجمة عمرو بن خارجة","level":3,"page":172},{"title":"المني طاهر أم نجس","level":3,"page":172},{"title":"ترجمة عائشة - ﵂ -","level":3,"page":173},{"title":"يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية","level":3,"page":176},{"title":"ترجمة أبي السمح","level":3,"page":176},{"title":"أقوال العلماء في تطهير بول الغلام والجارية","level":3,"page":178},{"title":"نجاسة دم الحيض ووجوب غسله","level":3,"page":179},{"title":"ترجمة أسماء بنت أبي بكر","level":3,"page":179},{"title":"العفو عن أثر الحيض في الثوب بعد غسله وحته","level":3,"page":181},{"title":"[الباب الرابع] باب الوضوء","level":2,"page":183},{"title":"فضائل الوضوء","level":3,"page":183},{"title":"فضل السواك","level":3,"page":185},{"title":"تعريف الحديث المعلق","level":3,"page":186},{"title":"حكم السواك","level":3,"page":189},{"title":"أحق الأوقات بالسواك","level":3,"page":189},{"title":"الوضوء","level":3,"page":190},{"title":"ترجمة حمران مولى عثمان","level":3,"page":191},{"title":"مسح الرأس","level":3,"page":196},{"title":"ترجمة علي - ﵁ -","level":3,"page":197},{"title":"أقوال العلماء في تثليث مسح الرأس","level":3,"page":198},{"title":"صفة مسح الرأس","level":3,"page":199},{"title":"ترجمة عبد الله بن زيد المازني","level":3,"page":200},{"title":"أقوال العلماء في صفة مسح الرأس","level":3,"page":200},{"title":"مسح الأذنين","level":3,"page":201},{"title":"ترجمة عبد الله بن عمرو بن العاص","level":3,"page":202},{"title":"الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم","level":3,"page":203},{"title":"غسل اليد لمن قام من نومه","level":3,"page":205},{"title":"المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم","level":3,"page":206},{"title":"ترجمة لقيظ بن صبرة","level":3,"page":207},{"title":"تخليل الأصابع واجب","level":3,"page":209},{"title":"الأحكام الفقهية من حديث الباب","level":3,"page":210},{"title":"تخليل اللحية","level":3,"page":210},{"title":"ترجمة عثمان بن عفان","level":3,"page":210},{"title":"مقدار ماء الوضوء","level":3,"page":213},{"title":"مشروعية إطالة الغرة والتحجيل","level":3,"page":221},{"title":"هديه - ﷺ - في الترجل والتنعل","level":3,"page":223},{"title":"المسح على الناصية والعمامة والخف","level":3,"page":226},{"title":"ترجمة المغيرة بن شعبة","level":3,"page":226},{"title":"ترجمة جابر بن عبد الله","level":3,"page":227},{"title":"ترجمة الدارقطني","level":3,"page":229},{"title":"حكم التسمية على الوضوء","level":3,"page":230},{"title":"ترجمة سعيد بن زيد","level":3,"page":233},{"title":"أقوال العلماء في التسمية","level":3,"page":234},{"title":"الفصل بين المضمضة والاستنشاق","level":3,"page":235},{"title":"ترجمة طلحة بن مصرف","level":3,"page":235},{"title":"الجمع بين المضمضة والاستنشاق","level":3,"page":238},{"title":"إعادة الوضوء من مثل الظفر لم يصبه الماء","level":3,"page":239},{"title":"الاقتصاد في ماء الوضوء","level":3,"page":241},{"title":"ما يقال بعد الوضوء","level":3,"page":242},{"title":"ترجمة عمر بن الخطاب","level":3,"page":243},{"title":"[الباب الخامس] باب المسح على الخفين","level":2,"page":246},{"title":"[ما يشترط للمسح على الخفين]","level":3,"page":250},{"title":"كيفية المسح على الخفين","level":3,"page":251},{"title":"توقيت المسح على الخفين","level":3,"page":253},{"title":"ترجمة صفوان بن عسال","level":3,"page":253},{"title":"المسح على العصائب والتساخين","level":3,"page":255},{"title":"ترجمة ثوبان","level":3,"page":256},{"title":"تعريف الموقوف","level":3,"page":258},{"title":"ترجمة أبي بكرة","level":3,"page":259},{"title":"دليل عدم توقيت المسح ضعيف","level":3,"page":260},{"title":"ترجمة أبي بن عمارة","level":3,"page":260},{"title":"[الباب السادس] باب نواقض الوضوء","level":2,"page":262},{"title":"ما النوم الناقض للوضوء؟","level":3,"page":262},{"title":"أقوال العلماء في نقض الوضوء بالنوم","level":3,"page":263},{"title":"المستحاضة تتوضأ لكل صلاة","level":3,"page":266},{"title":"بماذا يميز دم الحيض من الاستحاضة؟","level":3,"page":268},{"title":"المذي ينقض الوضوء فقط","level":3,"page":270},{"title":"ترجمة المقداد بن الأسود","level":3,"page":270},{"title":"لمس المرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء","level":3,"page":272},{"title":"كل شيء على أصله حتى يتيقن خلاف ذلك","level":3,"page":274},{"title":"لا حجة للقائلين بعدم نقض مس الذكر للوضوء","level":3,"page":275},{"title":"ترجمة ابن المديني","level":3,"page":276},{"title":"مس الذكر ينقض الوضوء","level":3,"page":278},{"title":"لا يتوضأ من الرعاف والقيء والقلس","level":3,"page":281},{"title":"الوضوء من لحوم الإبل","level":3,"page":283},{"title":"ترجمة جابر بن سمرة","level":3,"page":284},{"title":"جواز تجديد الوضوء على الوضوء","level":3,"page":286},{"title":"الوضوء من غسل الميت وحمله","level":3,"page":286},{"title":"لا يمس القرآن إلا طاهر","level":3,"page":288},{"title":"ترجمة عبد الله بن أبي بكر بن حزم","level":3,"page":289},{"title":"ترجمة عمرو بن حزم","level":3,"page":289},{"title":"ذكر الله على كل حال","level":3,"page":291},{"title":"النوم مظنة لنقض الوضوء","level":3,"page":292},{"title":"ترجمة معاوية بن أبي سفيان","level":3,"page":293},{"title":"خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض للوضوء","level":3,"page":295},{"title":"نهي الشارع عن متابعة الوساوس والأوهام","level":3,"page":296},{"title":"ترجمة البزار","level":3,"page":297},{"title":"[الباب السابع] باب آداب قضاء الحاجة","level":2,"page":299},{"title":"عدم اصطحاب ما فيه اسم الله","level":3,"page":299},{"title":"الاستعاذه عند دخول الكنيف","level":3,"page":301},{"title":"الاستنجاء بالماء والحجارة","level":3,"page":302},{"title":"الأحكام الفقهية من الحديث","level":3,"page":303},{"title":"يستحب الاستتار عند قضاء الحاجة","level":3,"page":304},{"title":"النهي عن التخلي في طريق الناس وظلهم","level":3,"page":305},{"title":"الأماكن المنهي عن التخلي بها","level":3,"page":307},{"title":"ترجمة الطبراني","level":3,"page":308},{"title":"النهي عن الكلام عند قضاء الحاجة","level":3,"page":309},{"title":"ترجمة ابن السكن","level":3,"page":310},{"title":"ترجمة ابن القطان","level":3,"page":310},{"title":"النهي عن الاستنجاء باليمين","level":3,"page":311},{"title":"النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة","level":3,"page":312},{"title":"ترجمة سلمان الفارسي","level":3,"page":313},{"title":"أقوال العلماء في النهي عن استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة","level":3,"page":314},{"title":"جواز استقبال أو استدبار القمرين","level":3,"page":318},{"title":"ترجمة أبي أيوب الأنصاري","level":3,"page":318},{"title":"من أتى البول أو الغائط فليستتر","level":3,"page":319},{"title":"ما يقول إذا فرغ من قضاء الحاجة","level":3,"page":320},{"title":"يستنجي في كل واحد من السبيلين بثلاثة أحجار","level":3,"page":322},{"title":"ترجمة ابن مسعود","level":3,"page":323},{"title":"النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث","level":3,"page":326},{"title":"التنزه من البول وأن عامة عذاب القبر منه","level":3,"page":327},{"title":"يجلس لقضاء الحاجة معتمدا على اليسرى","level":3,"page":330},{"title":"ترجمة سراقة بن مالك","level":3,"page":330},{"title":"إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات","level":3,"page":331},{"title":"الجمع بين الحجارة والماء عند الاستنجاء","level":3,"page":332},{"title":"[الباب الثامن] باب الغسل وحكم الجنب","level":2,"page":335},{"title":"هل الدلك داخل في الغسل لغة؟","level":3,"page":335},{"title":"وجوب الغسل بالتقاء الختانين","level":3,"page":337},{"title":"تغتسل المرأة إذا رأت في نومها ما يرى الرجل","level":3,"page":339},{"title":"كان - ﷺ - يغتسل من أربع","level":3,"page":341},{"title":"إيجاب غسل الكافر إذا أسلم","level":3,"page":342},{"title":"ترجمة عبد الرزاق الصنعاني","level":3,"page":343},{"title":"هل غسل الجمعة واجب؟","level":3,"page":344},{"title":"ترجمة سمرة بن جندب","level":3,"page":345},{"title":"تحقيق عن الجنب القرآن","level":3,"page":347},{"title":"من أتى ثم أراد أن يعود فليتوضأ","level":3,"page":349},{"title":"عدم وجوب الوضوء على من أراد النوم جنبا","level":3,"page":351},{"title":"صفة غسل النبي - ﷺ -","level":3,"page":352},{"title":"هل تنقض المرأة شعرها في الغسل","level":3,"page":356},{"title":"نهي الجنب والحائض عن المكث في المسجد","level":3,"page":359},{"title":"جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد","level":3,"page":359},{"title":"[الباب التاسع] باب التيمم","level":2,"page":363},{"title":"جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض","level":3,"page":363},{"title":"تعليم النبي - ﷺ - التيمم لعمار","level":3,"page":367},{"title":"ترجمة عمار بن ياسر","level":3,"page":368},{"title":"التيمم ضربة للوجه والكفين","level":3,"page":371},{"title":"الصعيد وضوء المسلم ما لم يجد الماء","level":3,"page":372},{"title":"ترجمة أبي ذر الغفاري","level":3,"page":374},{"title":"لا يعيد من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت","level":3,"page":375},{"title":"المسح على الجبيرة","level":3,"page":379},{"title":"لم يصح في التيمم لكل صلاة شيء","level":3,"page":381},{"title":"[الباب العاشر] باب الحيض","level":2,"page":383},{"title":"أحكام المستحاضة","level":3,"page":383},{"title":"المستحاضة تتوضأ لكل صلاة","level":3,"page":385},{"title":"ترجمة أسماء بنت عميس","level":3,"page":385},{"title":"حديث حمنة بنت جحش في استحاضتها","level":3,"page":387},{"title":"المستحاضة تتحرى أيام عادتها","level":3,"page":390},{"title":"لا تعد الكدرة والصفرة بعد الطهر حيضا","level":3,"page":391},{"title":"ترجمة أم عطية","level":3,"page":391},{"title":"يباح الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج","level":3,"page":392},{"title":"كفارة من يأتي زوجته وهي حائض","level":3,"page":394},{"title":"ما يحرم على الحائض فعله","level":3,"page":395},{"title":"الحائض تعمل أعمال الحج إلا الطواف","level":3,"page":397},{"title":"ترجمة معاذ بن جبل","level":3,"page":398},{"title":"٢ - كتاب الصلاة","level":1,"page":401},{"title":"[الباب الأول] باب المواقيت","level":2,"page":401},{"title":"مواقيت الصلاة","level":3,"page":401},{"title":"ترجمة بريدة","level":3,"page":406},{"title":"ترجمة أبي موسى","level":3,"page":407},{"title":"ترجمة أبي برزة","level":3,"page":408},{"title":"التغليس بالفجر","level":3,"page":409},{"title":"الحث على المسارعة بصلاة المغرب","level":3,"page":409},{"title":"ترجمة رافع بن خديج","level":3,"page":410},{"title":"أفضل وقت العشاء آخره","level":3,"page":411},{"title":"الإبراد بالظهر","level":3,"page":411},{"title":"الإسفار بالفجر","level":3,"page":413},{"title":"من أدرك من الصبح أو العصر ركعة فقد أدركها","level":3,"page":415},{"title":"بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة","level":3,"page":417},{"title":"ترجمة عقبة بن عامر","level":3,"page":420},{"title":"تخصيص زوال الجمعة عن عموم النهي عن النافلة","level":3,"page":422},{"title":"لا يكره الطواف ولا الصلاة عند البيت في أي ساعة","level":3,"page":424},{"title":"ترجمة جبير بن مطعم","level":3,"page":424},{"title":"الشفق: الحمرة","level":3,"page":426},{"title":"الحق أن للمغرب وقتين","level":3,"page":427},{"title":"ما هو الفجر الذي تجب به الصلاة؟","level":3,"page":428},{"title":"أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها","level":3,"page":429},{"title":"حديث: أول الوقت رضوان الله، موضوع","level":3,"page":432},{"title":"ترجمة أبي محذورة","level":3,"page":433},{"title":"لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر","level":3,"page":434},{"title":"صلاة النبي - ﷺ - بعد صلاة العصر نافلة","level":3,"page":436},{"title":"[الباب الثاني] باب الأذان","level":2,"page":438},{"title":"ترجمة عبد الله بن زيد","level":3,"page":438},{"title":"بيان حكم الأذان","level":3,"page":439},{"title":"زيادة \"الصلاة خير من النوم\" في أذان الفجر الأول","level":3,"page":441},{"title":"زيادة الترجيع في الأذان","level":3,"page":443},{"title":"تربيع التكبير في أول الأذان","level":3,"page":445},{"title":"الالتفات يمينا وشمالا عند الحيعلتين في الأذان","level":3,"page":448},{"title":"ترجمة أبي جحيفة","level":3,"page":448},{"title":"لا يؤذن للعيد ولا يقال الصلاة جامعة","level":3,"page":450},{"title":"مشروعية الأذان للفائتة","level":3,"page":451},{"title":"تعدد الأذان والإقامة في الصلاتين المجموعتين","level":3,"page":452},{"title":"أذان بلال قبل الفجر لإيقاظ النائم","level":3,"page":454},{"title":"ما يؤخذ من الحديث","level":3,"page":456},{"title":"يقول سامع المؤذن كما يقول المؤذن","level":3,"page":457},{"title":"النهي عن أخذ الأجرة على الأذان","level":3,"page":461},{"title":"ترجمة عثمان بن أبي العاص","level":3,"page":462},{"title":"ترجمة مالك بن الحويرث","level":3,"page":463},{"title":"ينتظر المؤذن وقتا يتسع لحضور من يريد الجماعة","level":3,"page":464},{"title":"هل يشترط للأذان والإقامة الطهارة","level":3,"page":465},{"title":"ترجمة زياد بن الحارث","level":3,"page":467},{"title":"ترجمة ابن عدي","level":3,"page":469},{"title":"الدعاء بين الأذان والإقامة","level":3,"page":471},{"title":"[الباب الثالث] باب شروط الصلاة","level":2,"page":475},{"title":"ستر العورة في الصلاة","level":3,"page":476},{"title":"إذا أشكلت عليه القبلة اجتهد وصلى","level":3,"page":481},{"title":"ترجمة عامر بن ربيعة العنزي","level":3,"page":482},{"title":"صلاة النافلة على الراحلة صحيحة","level":3,"page":485},{"title":"المواضع المنهي عن الصلاة فيها","level":3,"page":488},{"title":"تحريم الصلاة إلى القبر","level":3,"page":490},{"title":"ترجمة أبي مرثد الغنوي","level":3,"page":490},{"title":"الصلاة بالنعلين","level":3,"page":491},{"title":"تطهر النعل بالدلك في التراب","level":3,"page":493},{"title":"النهي عن الكلام في الصلاة","level":3,"page":495},{"title":"ماذا يصنع من نابه أمر وهو في الصلاة","level":3,"page":497},{"title":"البكاء والأنين لا يبطل الصلاة","level":3,"page":498},{"title":"ترجمة مطرف بن عبد الله بن الشخير","level":3,"page":499},{"title":"السلام على المصلي وكيف يرد عليه المصلي","level":3,"page":501},{"title":"أقوال العلماء في رد السلام في الصلاة على من سلم على المصلي","level":3,"page":502},{"title":"حمل الصبيان في الصلاة وطهارة ثيابهم وأبدانهم","level":3,"page":503},{"title":"لا تبطل الصلاة بقتل الحية والعقرب فيها","level":3,"page":504},{"title":"[الباب الرابع] باب سترة المصلي","level":2,"page":507},{"title":"تشديد الوعيد في المرور بين المصلي وسترته","level":3,"page":507},{"title":"ما الحكمة من السترة؟","level":3,"page":509},{"title":"مقدار ما يجزئ في السترة","level":3,"page":509},{"title":"ترجمة سبرة بن معبد","level":3,"page":510},{"title":"مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود بين يدي المصلي","level":3,"page":510},{"title":"يدفع المصلي المار بين يديه بلطف فإن لم يندفع دفعه بشدة","level":3,"page":513},{"title":"[الباب الخامس] باب الحث على الخشوع في الصلاة","level":2,"page":520},{"title":"النهي عن الاختصار في الصلاة لأنه فعل اليهود","level":3,"page":521},{"title":"يقدم العشاء إذا حضر على الصلاة","level":3,"page":522},{"title":"النهي عن تقليب الحصى ومسحه في الصلاة إلا لضرر","level":3,"page":524},{"title":"ترجمة معقيب بن أبي فاطمة","level":3,"page":525},{"title":"كراهة الالتفات في الصلاة","level":3,"page":526},{"title":"لا يبصق المصلي أمامه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه","level":3,"page":527},{"title":"وجوب إزالة ما يلهي المصلي عن الخشوع","level":3,"page":530},{"title":"النهي عن رفع البصر في الصلاة","level":3,"page":532},{"title":"النهي عن التثاؤب في الصلاة","level":3,"page":533},{"title":"[الباب السادس] باب المساجد","level":2,"page":535},{"title":"تغليظ النهي عن اتخاذ القبور مساجد","level":3,"page":536},{"title":"جواز دخول الكفار المساجد لحاجة من غير إيذاء","level":3,"page":539},{"title":"جواز إنشاد الشعر في المساجد","level":3,"page":540},{"title":"السؤال عن الضالة في المساجد منهي عنه","level":3,"page":541},{"title":"يحرم البيع والشراء في المساجد","level":3,"page":542},{"title":"لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها","level":3,"page":543},{"title":"ترجمة حكيم بن حزام","level":3,"page":543},{"title":"جواز النوم وبقاء المريض في المسجد","level":3,"page":544},{"title":"ترجمة سعد بن معاذ","level":3,"page":545},{"title":"اللعب المباح في المسجد","level":3,"page":545},{"title":"المبيت والمقيل والخيمة في المسجد","level":3,"page":547},{"title":"تنظيف المساجد عن القاذورات","level":3,"page":548},{"title":"النهي عن زخرفة المساجد وتشييدها","level":3,"page":549},{"title":"تحية المسجد","level":3,"page":553},{"title":"[الباب السابع] باب صفة الصلاة","level":2,"page":555},{"title":"حديث المسيء لصلاته وتعليم النبي ﷺ له","level":3,"page":555},{"title":"ما يدل عليه حديث المسيء صلاته","level":3,"page":559},{"title":"كل ما ذكر في حديث المسيء فهو واجب","level":3,"page":560},{"title":"دعاء الاستفتاح عن علي بن أبي طالب","level":3,"page":566},{"title":"دعاء الاستفتاح عن أبي هريرة","level":3,"page":568},{"title":"دعاء الاستفتاح عن عمر","level":3,"page":569},{"title":"سنة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه","level":3,"page":575},{"title":"السنة وضع اليدين على الصدر في الصلاة","level":3,"page":579},{"title":"ترجمة وائل بن حجر","level":3,"page":579},{"title":"حجة من قال بوجوب الفاتحة في كل ركعة","level":3,"page":581},{"title":"ترجمة عبادة بن الصامت","level":3,"page":582},{"title":"حجة من لا يجهر بالبسملة في الصلاة والجمع بين أحاديثها","level":3,"page":586},{"title":"ترجمة نعيم المجمر","level":3,"page":589},{"title":"تأمين الإمام والمأموم في الصلاة","level":3,"page":591},{"title":"ماذا يصنع من لم يحسن شيئا من القرآن","level":3,"page":593},{"title":"ترجمة عبد الله بن أبي أوفى","level":3,"page":593},{"title":"قراءة الفاتحة في كل ركعة وتطويل الأولى","level":3,"page":594},{"title":"مقدار قراءة النبي - ﷺ - في الصلاة","level":3,"page":596},{"title":"ترجمة سليمان بن يسار","level":3,"page":598},{"title":"قراءة النبي - ﷺ - في المغرب","level":3,"page":599},{"title":"قراءة النبي - ﷺ - في فجر الجمعة","level":3,"page":601},{"title":"ما يقول في الركوع والسجود","level":3,"page":602},{"title":"قراءة القرآن حرام حال الركوع والسجود","level":3,"page":603},{"title":"الدعاء في السجود وتعظيم الرب في الركوع","level":3,"page":605},{"title":"ما يقول عند كل خفض ورفع","level":3,"page":605},{"title":"ما يقول عند الاعتدال من الركوع","level":3,"page":608},{"title":"أعضاء السجود","level":3,"page":610},{"title":"مجانبة الذراعين عن الجنبين في السجود","level":3,"page":613},{"title":"ترجمة عبد الله بن مالك بن بحينة","level":3,"page":613},{"title":"ترجمة البراء بن عازب","level":3,"page":615},{"title":"المرأة تضم بعضها إلى بعض في السجود","level":3,"page":616},{"title":"كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود","level":3,"page":617},{"title":"شرعية الدعاء في القعود بين السجدتين","level":3,"page":618},{"title":"جلسة الاستراحة سنة","level":3,"page":618},{"title":"القنوت وموضعه والجمع بين أحاديثه","level":3,"page":619},{"title":"القنوت في النوازل","level":3,"page":621},{"title":"النهي عن القنوت في الفجر","level":3,"page":622},{"title":"ترجمة سعد بن طارق الأشجعي","level":3,"page":622},{"title":"القنوت الذي علمه النبي - ﷺ - للحسن بن علي","level":3,"page":623},{"title":"ترجمة الحسن بن علي - ﵄ -","level":3,"page":623},{"title":"يقدم المصلي يديه قبل ركبته عند الهوي للسجود","level":3,"page":625},{"title":"وضع اليدين على الركبتين في الجلوس","level":3,"page":630},{"title":"قبض الأصابع في التشهد وتحريك السبابة","level":3,"page":630},{"title":"الحكمة من الإشارة بالسبابة","level":3,"page":631},{"title":"طريقة العرب في عد الحساب","level":3,"page":632},{"title":"أصح ما روي في التشهد حديث ابن مسعود","level":3,"page":632},{"title":"ما يدعو به بعد التشهد","level":3,"page":635},{"title":"الأدلة على وجوب التشهد","level":3,"page":636},{"title":"تشهد ابن عباس","level":3,"page":637},{"title":"وجوب التحميد والثناء والصلاة عليه - ﷺ -","level":3,"page":637},{"title":"ترجمة فضالة بن عبيد","level":3,"page":638},{"title":"وجوب الصلاة والسلام على النبي وآله في الصلاة","level":3,"page":639},{"title":"ترجمة أبي مسعود الأنصاري","level":3,"page":639},{"title":"ترجمة بشير بن سعد الأنصاري","level":3,"page":640},{"title":"من هم آل النبي - ﷺ -","level":3,"page":642},{"title":"يتعوذ من أربع بعد التشهد","level":3,"page":643},{"title":"ما يستفاد من حديث أبي هريرة","level":3,"page":644},{"title":"ما كان يدعو به أبو بكر الصديق في الصلاة","level":3,"page":644},{"title":"ما يستفاد من حديث أبي بكر","level":3,"page":645},{"title":"وجوب التسليم على اليمين والشمال","level":3,"page":646},{"title":"ما كان يقول النبي - ﷺ - في دبر كل صلاة مكتوبة","level":3,"page":652},{"title":"كان - ﷺ - يتعوذ دبر الصلاة من الجبن","level":3,"page":653},{"title":"الاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل دبر الصلاة","level":3,"page":654},{"title":"قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد بعد الصلاة","level":3,"page":659},{"title":"أفعال النبي - ﷺ - وأقواله في الصلاة بيان لما أجمل من الأمر بالصلاة","level":3,"page":660},{"title":"صلاة المريض على قدر استطاعته","level":3,"page":661},{"title":"لا يتخذ المريض ما يسجد عليه","level":3,"page":664},{"title":"الباب الثامن باب سجود السهو وغيره (من سجود التلاوة والشكر)","level":2,"page":665},{"title":"التشهد الأول يجبر بسجود السهو","level":3,"page":665},{"title":"نية الخروج مع ظن التمام وكلام الجاهل والناسي لا يبطل الصلاة","level":3,"page":667},{"title":"فوائد قيمة في حديث ذي اليدين","level":3,"page":669},{"title":"هل للسهو تشهد","level":3,"page":671},{"title":"الشاك في الصلاة يبني على اليقين ويسجد للسهو","level":3,"page":672},{"title":"قيام الإمام إلى الخامسة لا يفسد صلاة المؤتم","level":3,"page":674},{"title":"ماذا يصنع من قام للثالثة بدون تشهد","level":3,"page":678},{"title":"ليس على من خلف الإمام سهو","level":3,"page":679},{"title":"هل يكتفى بسجود واحد إذا تكرر السهو","level":3,"page":680},{"title":"حكم سجود التلاوة ومواضعه","level":3,"page":681},{"title":"هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة","level":3,"page":683},{"title":"سجد - ﷺ - في ﴿ص﴾","level":3,"page":683},{"title":"سجد - ﷺ - النجم","level":3,"page":684},{"title":"في سورة الحج سجدتان","level":3,"page":685},{"title":"ترجمة خالد بن معدان","level":3,"page":685},{"title":"رأي عمر في السجود التلاوة","level":3,"page":687},{"title":"سجود التلاوة والتكبير له وموضعه وما يقول فيه","level":3,"page":688},{"title":"سجود الشكر مشروعيته وما يشترط فيه","level":3,"page":690},{"title":"[الباب التاسع] باب صلاة التطوع","level":2,"page":693},{"title":"الترغيب في النوافل","level":3,"page":693},{"title":"ترجمة ربيعة بن كعب بن مالك","level":3,"page":693},{"title":"يجبر نقص صلاة الفرض بصلاة النفل وكذلك الزكاة","level":3,"page":695},{"title":"حرص النبي ﷺ على ركعتي الفجر","level":3,"page":697},{"title":"ترجمة أم حبيبة","level":3,"page":698},{"title":"النفل قبل صلاة المغرب ثبت بالقول والفعل والتقرير","level":3,"page":699},{"title":"ترجمة عبد الله بن مغفل","level":3,"page":700},{"title":"ما يقرأ في ركعتي الفجر","level":3,"page":701},{"title":"الضجعة على الجنب الأيمن بعد ركعتي الفجر سنة","level":3,"page":703},{"title":"نافلة الليل مثنى مثنى","level":3,"page":705},{"title":"فضل صلاة الليل","level":3,"page":708},{"title":"حجة من قال بوجوب الوتر","level":3,"page":709},{"title":"حجة من قال بعدم وجوب الوتر","level":3,"page":711},{"title":"الوتر ليس بواجب","level":3,"page":711},{"title":"عدد ركعات القيام في رمضان","level":3,"page":715},{"title":"الاقتداء بالصحابة ليس تقليدا","level":3,"page":717},{"title":"ترجمة خارجة بن حذافة","level":3,"page":720},{"title":"تأكيد سنية الوتر","level":3,"page":722},{"title":"ترجمة عبد الله بن بريدة","level":3,"page":723},{"title":"بيان وقت الوتر وأنه الليل كله","level":3,"page":726},{"title":"يستحب الدوام على فعل الخير","level":3,"page":727},{"title":"إذا أوتر ثم أراد أن يتنفل فماذا يصنع؟","level":3,"page":728},{"title":"ما يقرأ في الوتر","level":3,"page":729},{"title":"ترجمة أبي بن كعب","level":3,"page":730},{"title":"وقت الوتر","level":3,"page":732},{"title":"يقضي الوتر إذا خرج وقته","level":3,"page":732},{"title":"صلاة الضحى وأقوال العلماء فيها","level":3,"page":735},{"title":"[الباب العاشر] باب صلاة الجماعة والإمامة","level":2,"page":741},{"title":"مضاعفة الأجر في الجماعة","level":3,"page":741},{"title":"دليل من قال بوجوب الجماعة من العلماء","level":3,"page":743},{"title":"حجة من قال بصرف الأمر من الوجوب إلى الندب","level":3,"page":747},{"title":"وجوب متابعة الإمام والنهي عن سبقه ومقارنته","level":3,"page":751},{"title":"الدليل على عدم فساد صلاة المقتدي بمخالفته لإمامه","level":3,"page":752},{"title":"النهي عن التأخر عن الصفوف","level":3,"page":757},{"title":"حكم صلاة النقل بجماعة","level":3,"page":757},{"title":"حكم صلاة المفترض خلف المتنفل","level":3,"page":758},{"title":"الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم","level":3,"page":761},{"title":"تخفيف الإمام الصلاة على المأمومين","level":3,"page":762},{"title":"يقدم في الإمامة أكثرهم قرآنا","level":3,"page":763},{"title":"ترجمة عمرو بن سلمة","level":3,"page":764},{"title":"من هم أولى بالإمامة","level":3,"page":766},{"title":"حكم تسوية الصفوف ورصها","level":3,"page":771},{"title":"خير الصفوف في الصلاة","level":3,"page":773},{"title":"أين يقف المؤتم؟","level":3,"page":775},{"title":"من وجد الإمام راكعا فلا يدخل في الصلاة حتى يصل الصف","level":3,"page":777},{"title":"لا صلاة لمنفرد خلف الصف","level":3,"page":778},{"title":"ترجمة وابصة","level":3,"page":779},{"title":"المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار","level":3,"page":781},{"title":"الندب إلى صلاة الجماعة","level":3,"page":783},{"title":"تؤم المرأة أهل دارها","level":3,"page":785},{"title":"ترجمة أم ورقة","level":3,"page":786},{"title":"تصح إمامة الأعمى","level":3,"page":787},{"title":"يأتم المصلي في أي جزء أدرك الإمام فيه","level":3,"page":789},{"title":"أعذار التخلف عن الجماعة","level":3,"page":791},{"title":"[الباب الحادي عشر] باب صلاة المسافر والمريض","level":2,"page":792},{"title":"استحباب إتيان الرخص","level":3,"page":796},{"title":"القول في تحديد مسافة القصر","level":3,"page":797},{"title":"كم يقيم المسافر حتى يقصر الصلاة","level":3,"page":800},{"title":"القول في جمع التقديم والتأخير في السفر","level":3,"page":804},{"title":"حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر","level":3,"page":807},{"title":"صلاة المريض على قدر طاقته","level":3,"page":810},{"title":"[الباب الثاني عشر] باب الجمعة","level":2,"page":812},{"title":"عقوبة تارك الجمعة","level":3,"page":812},{"title":"وقت صلاة الجمعة","level":3,"page":814},{"title":"ترجمة سهل بن سعد","level":3,"page":817},{"title":"الخطبة قائما ولا يشترط لها ولا للجمعة عدد معين","level":3,"page":818},{"title":"من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة","level":3,"page":818},{"title":"هل القيام شرط في الخطبة","level":3,"page":820},{"title":"كيف كان يخطب النبي - ﷺ -","level":3,"page":822},{"title":"تطويل الصلاة وتقصير الخطبة علامة فقه الرجل","level":3,"page":825},{"title":"قراءة سورة ق في الخطبة","level":3,"page":826},{"title":"النهي عن الكلام حال الخطبة","level":3,"page":827},{"title":"تحية المسجد والإمام يخطب","level":3,"page":829},{"title":"ما يقرأ في الجمعة والعيدين","level":3,"page":831},{"title":"الاكتفاء بالعيد عن الجمعة إذا اجتمعا","level":3,"page":832},{"title":"التنفل بعد الجمعة","level":3,"page":835},{"title":"يفصل بين الفرض والتنفل بكلام ونحوه","level":3,"page":836},{"title":"ترجمة السائب بن يزيد","level":3,"page":836},{"title":"فضل الاغتسال والتطيب والإنصات يوم الجمعة","level":3,"page":837},{"title":"إجابة الدعاء في ساعة الجمعة","level":3,"page":838},{"title":"ترجمة أبي بردة","level":3,"page":840},{"title":"ترجمة عبد الله بن سلام","level":3,"page":841},{"title":"لا يثبت في العدد حديث","level":3,"page":843},{"title":"قراءة آيات من القرآن في الخطبة","level":3,"page":846},{"title":"الذين تسقط عنهم الجمعة","level":3,"page":846},{"title":"ترجمة طارق بن شهاب","level":3,"page":847},{"title":"استقبال الناس الخطيب بوجوههم","level":3,"page":849},{"title":"اعتماد الخطيب على عصا ونحوها","level":3,"page":850},{"title":"[الباب الثالث عشر] باب الصلاة الخوف","level":2,"page":853},{"title":"غزوة ذات الرقاع وشرعية صلاة الخوف","level":3,"page":853},{"title":"ترجمة صالح بن خوات","level":3,"page":853},{"title":"صلاة الإمام بكل طائفة ركعة وقضاء كل طائفة ركعة","level":3,"page":855},{"title":"صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة","level":3,"page":857},{"title":"شروط صلاة الخوف","level":3,"page":863},{"title":"[الباب الرابع عشر] باب صلاة العيدين","level":2,"page":864},{"title":"يعتبر في ثبوت العيدين موافقة الناس","level":3,"page":864},{"title":"قضاء صلاة العيد إذا تركت لعذر","level":3,"page":865},{"title":"يسن أكل تمرات قبل الخروج لصلاة الفطر","level":3,"page":867},{"title":"يسن تأخير الأكل يوم الأضحى","level":3,"page":868},{"title":"خروج النساء إلى مصلى العيد","level":3,"page":869},{"title":"ترجمة نسيبة بنت الحارث","level":3,"page":869},{"title":"السنة تقديم صلاة العيد على الخطبة","level":3,"page":871},{"title":"لا صلاة قبل العيد ولا بعدها","level":3,"page":873},{"title":"لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين","level":3,"page":874},{"title":"شرعية الخروج إلى المصلى","level":3,"page":875},{"title":"التكبير في صلاة العيد","level":3,"page":877},{"title":"ترجمة عمرو بن شعيب","level":3,"page":877},{"title":"ما يقرأ في صلاة العيدين","level":3,"page":882},{"title":"مخالفة الطريق في العيد","level":3,"page":882},{"title":"الأعياد اثنان","level":3,"page":884},{"title":"الخروج إلى صلاة العيد ماشيا","level":3,"page":885},{"title":"[الباب الخامس عشر] باب صلاة الكسوف","level":2,"page":891},{"title":"الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان لموت أحد","level":3,"page":891},{"title":"كيف يقرأ في صلاة الكسوف","level":3,"page":893},{"title":"الجماعة لصلاة الكسوف والتطويل فيها","level":3,"page":895},{"title":"[الباب السادس عشر] باب صلاة الاستسقاء","level":2,"page":904},{"title":"حكم صلاة الاستسقاء وصفتها والخطبة لها","level":3,"page":905},{"title":"تحويل الرداء في الاستسقاء والحكمة فيه","level":3,"page":912},{"title":"استسقاء النبي - ﷺ - في خطبة الجمعة","level":3,"page":913},{"title":"كتاب الصلاة","level":3,"page":914},{"title":"التوسل بدعاء الأحياء مشروع","level":3,"page":915},{"title":"[الباب السابع عشر] باب اللباس أي ما يحل منه وما يحرم","level":2,"page":921},{"title":"تحريم الجلوس على الحرير","level":3,"page":923},{"title":"مقدار ما يباح من الحرير","level":3,"page":925},{"title":"لبس الحرير لعذر","level":3,"page":926},{"title":"جواز إهداء الحرير للرجال لغير اللبس","level":3,"page":927},{"title":"جواز لبس الحرير للنساء","level":3,"page":928},{"title":"الظهور بالمظهر الحسن من السنة","level":3,"page":929},{"title":"نهي الرجال عن لبس القسي والمعصفر","level":3,"page":930},{"title":"مقدار ما يجوز للرجال من الحرير","level":3,"page":932},{"title":"٣ - كتاب الجنائز","level":1,"page":934},{"title":"عدم تمني الموت","level":2,"page":936},{"title":"صفة النزع للمؤمن","level":2,"page":937},{"title":"الترغيب في تلقين المحتضر لا إله إلا الله محمد رسول الله","level":2,"page":938},{"title":"قراءة يس أو غيرها عند الميت لم يصح فيها حديث","level":2,"page":940},{"title":"يندب تغميض بصر الميت","level":2,"page":942},{"title":"تسجية الميت","level":2,"page":943},{"title":"تقبيل الميت","level":2,"page":944},{"title":"المبادره بقضاء دين الميت","level":2,"page":944},{"title":"غسل الميت وتكفينه","level":2,"page":945},{"title":"كيفية غسل رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":947},{"title":"كيفية غسل ابنته زينب","level":2,"page":948},{"title":"صفة كفنه ﷺ وما يلزم في الكفن","level":2,"page":951},{"title":"شرعية التكفين في القميص","level":2,"page":953},{"title":"يسن التكفين في الثياب البيض","level":2,"page":954},{"title":"أفضل الثياب في الكفن","level":2,"page":955},{"title":"دفن أكثر من واحد في قبر ومن يقدم؟","level":2,"page":957},{"title":"النهي عن المغالاة في الكفن","level":2,"page":960},{"title":"غسل أحد الزوجين الآخر","level":2,"page":961},{"title":"الصلاة على المقتول في حد","level":2,"page":963},{"title":"الصلاة على قاتل نفسه","level":2,"page":963},{"title":"الصلاة على قبر الميت بعد دفنه","level":2,"page":964},{"title":"النهي عن النعي كما في الجاهلية","level":2,"page":966},{"title":"الصلاة على الغائب","level":2,"page":967},{"title":"فضل كثرة المصلين على الميت","level":2,"page":969},{"title":"أين يقوم الإمام من الميت","level":2,"page":970},{"title":"صلاة الجنازة في المسجد","level":2,"page":971},{"title":"عدد التكبير في صلاة الجنازة","level":2,"page":972},{"title":"ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى","level":2,"page":973},{"title":"قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة","level":2,"page":976},{"title":"يدعو للميت بعد التكبيرة الثانية","level":2,"page":978},{"title":"الندب إلى الإسراع بالجنازة","level":2,"page":981},{"title":"الترغيب في اتباع الجنازة والصلاة عليها","level":2,"page":982},{"title":"أيهما أفضل المشي أمام الجنازة أم خلفها","level":2,"page":985},{"title":"ترجمة سالم بن عبد الله","level":2,"page":986},{"title":"النهي عن اتباع النساء الجنازة","level":2,"page":988},{"title":"القيام للجنازة","level":2,"page":990},{"title":"إدخال الميت القبر من جهة رأسه أو رجليه","level":2,"page":991},{"title":"ترجمة أبي إسحاق","level":2,"page":992},{"title":"ما يقال عند دفن الميت","level":2,"page":994},{"title":"يمتنع عن إيذاء الميت بما يتأذى به الحي","level":2,"page":995},{"title":"اللحد والشق في القبر","level":2,"page":995},{"title":"النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها","level":2,"page":998},{"title":"هل الحثي على القبر الميت مشروع","level":2,"page":1000},{"title":"استغفار الحي للميت وثبوت سؤال القبر","level":2,"page":1002},{"title":"هل القبر خاص بهذه الأمة؟","level":2,"page":1004},{"title":"ترجمة ضمرة بن حبيب","level":2,"page":1004},{"title":"زيارة النساء المقابر","level":2,"page":1008},{"title":"ترحيم النياحة وجواز البكاء","level":2,"page":1010},{"title":"يعذب الميت بما نيح به عليه","level":2,"page":1012},{"title":"جواز البكاء على الميت","level":2,"page":1015},{"title":"النهي عن دفن الميت ليلا إلا لضرورة","level":2,"page":1016},{"title":"إيناس أهل الميت بصنع الطعام","level":2,"page":1018},{"title":"ما يقول ويفعل في زيارة القبور","level":2,"page":1019},{"title":"النهي عن سب الأموات","level":2,"page":1026},{"title":"٤ - كتاب الزكاة","level":1,"page":1030},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":1030},{"title":"الإمام أو نائبه يتولى قبض الزكاة","level":3,"page":1030},{"title":"كتاب أبي بكر إلى أنس في الزكاة","level":3,"page":1031},{"title":"زكاة البقر ونصابها","level":3,"page":1038},{"title":"تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم","level":3,"page":1040},{"title":"للإمام أن يأخذ الزكاة قهرا","level":3,"page":1042},{"title":"نصاب الفضة والذهب","level":3,"page":1046},{"title":"لا زكاة على المال إلا بعد حولان الحول عليه","level":3,"page":1049},{"title":"الدعاء لمخرج الزكاة","level":3,"page":1054},{"title":"تعجيل الزكاة قبل مجيء وقتها","level":3,"page":1054},{"title":"بيان مفاهيم الأعداد في الأنصباء","level":3,"page":1056},{"title":"أصناف الحبوب التي تجب فيها الزكاة","level":3,"page":1059},{"title":"دليل وجوب الزكاة في حلي النساء","level":3,"page":1066},{"title":"الزكاة في حلي النساء","level":3,"page":1068},{"title":"الركاز الخمس","level":3,"page":1071},{"title":"[الباب الأول] باب صدقة الفطر","level":2,"page":1075},{"title":"وجوب صدقة الفطر","level":3,"page":1075},{"title":"مقدار ما يخرج من صدقة الفطر من كل نوع","level":3,"page":1079},{"title":"الصدقات تكفر السيئات","level":3,"page":1081},{"title":"[الباب الثاني] باب صدقة التطوع أي النفل","level":2,"page":1083},{"title":"فضل صدقة التطوع","level":3,"page":1083},{"title":"الحث على أنواع البر","level":3,"page":1085},{"title":"خير الصدقة عن ظهر غنى","level":3,"page":1086},{"title":"أفضل الصدقة جهد المقل","level":3,"page":1087},{"title":"بيان الأولوية في التصدق","level":3,"page":1088},{"title":"تصدق المرأة من بيت زوجها جائز","level":3,"page":1089},{"title":"بيان أن الصدقة على الأقرب أفضل","level":3,"page":1091},{"title":"النهي عن المسألة","level":3,"page":1092},{"title":"[النهي عن كثرة المسألة]","level":3,"page":1093},{"title":"[الترغيب في الأكل من عمل اليد]","level":3,"page":1094},{"title":"[المسألة كد يكد بها الرجل وجهه]","level":3,"page":1094},{"title":"[الباب الثالث] باب قسمة الصدقات أي قسمة الله للصدقات بين مصارفها","level":2,"page":1096},{"title":"[حد الغني الذي يمتنع به أخذ الصدقة]","level":3,"page":1096},{"title":"[تحريم الصدقة على الغني]","level":3,"page":1098},{"title":"[تحريم المسألة إلا لثلاثة]","level":3,"page":1099},{"title":"[الصدقة لا تحل للنبي - ﷺ - ولا لآله]","level":3,"page":1101},{"title":"[من هم آل النبي - ﷺ - الذين لا تحل لهم الصدقة؟]","level":3,"page":1103},{"title":"[حكم موالي آل محمد حكمهم في تحريم الصدقة]","level":3,"page":1105},{"title":"[ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس فخذه]","level":3,"page":1106},{"title":"٥ - كتاب الصيام","level":1,"page":1108},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":1108},{"title":"[النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين]","level":3,"page":1108},{"title":"[من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -]","level":3,"page":1110},{"title":"[يجب الصوم والفطر برؤية الهلال]","level":3,"page":1112},{"title":"[دليل العمل بخبر الواحد في الصوم]","level":3,"page":1114},{"title":"[النية في الصوم وأول وقتها]","level":3,"page":1116},{"title":"[فضل تعجيل الفطر وتأخير السحور]","level":3,"page":1119},{"title":"[فضل الإفطار على التمر أو الماء]","level":3,"page":1122},{"title":"[حكم الوصال لغير رسول الله - ﷺ -]","level":3,"page":1123},{"title":"[تأكيد النهي عن المحرمات في الصيام]","level":3,"page":1126},{"title":"[جواز القبلة والمباشرة للصائم]","level":3,"page":1127},{"title":"[القول في الحجامة في الصيام]","level":3,"page":1130},{"title":"[الكحل في الصيام]","level":3,"page":1134},{"title":"[من أكل أو شرب ناسيا]","level":3,"page":1135},{"title":"[لا يفطر الصائم بالقيء الغالب بل يفطر باستجلابه]","level":3,"page":1137},{"title":"[المسافر له أن يصوم وله أن يفطر]","level":3,"page":1138},{"title":"[أيهما أفضل في السفر الفطر أم الصوم؟]","level":3,"page":1141},{"title":"[حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام]","level":3,"page":1142},{"title":"كفارة المجامع في رمضان","level":3,"page":1143},{"title":"من أصبح جنبا في الصيام فلا شيء عليه","level":3,"page":1147},{"title":"الصوم عن الغير","level":3,"page":1148},{"title":"[الباب الأول] باب صوم التطوع وما نهي عن صومه","level":2,"page":1150},{"title":"فضل صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الاثنين","level":3,"page":1150},{"title":"يستحب صوم ستة أيام من شوال","level":3,"page":1151},{"title":"فضل الصيام في سبيل الله","level":3,"page":1153},{"title":"فضل صوم شعبان","level":3,"page":1154},{"title":"فضل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر","level":3,"page":1155},{"title":"الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم","level":3,"page":1157},{"title":"تحريم صوم العيدين","level":3,"page":1158},{"title":"النهي عن صوم أيام التشريق","level":3,"page":1158},{"title":"صوم أيام التشريق جائز لمن لم يجد الهدي","level":3,"page":1160},{"title":"النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم وليلتها بقيام","level":3,"page":1160},{"title":"النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان","level":3,"page":1163},{"title":"النهي عن إفراد يوم السبت بصيام","level":3,"page":1164},{"title":"إذا قرن بيوم آخر جاز صوم السبت","level":3,"page":1166},{"title":"النهي عن صوم عرفة بعرفة","level":3,"page":1167},{"title":"يكره صوم الدهر","level":3,"page":1168},{"title":"[الباب الثاني] باب الاعتكاف وقيام رمضان","level":2,"page":1171},{"title":"في العشر الأواخر من رمضان يستحب الاجتهاد في العمل","level":3,"page":1173},{"title":"مشروعية الاعتكاف","level":3,"page":1174},{"title":"لا يخرج المعتكف من المسجد","level":3,"page":1174},{"title":"الأعمال التي لا تبطل الاعتكاف","level":3,"page":1175},{"title":"وقت ليلة القدر","level":3,"page":1177},{"title":"ماذا يقول من وافق ليلة القدر","level":3,"page":1179},{"title":"يحرم شد الرحال لزيارة الصالحين لقصد التبرك","level":3,"page":1180},{"title":"٦ - كتاب الحج","level":1,"page":1184},{"title":"[الباب الأول] باب فضله وبيان من فرض عليه","level":2,"page":1184},{"title":"فضل العمرة وتكرارها","level":3,"page":1184},{"title":"حكم العمرة وأقوال العلماء في ذلك","level":3,"page":1186},{"title":"حجة من قال بوجوب العمرة","level":3,"page":1188},{"title":"حج الصبي","level":3,"page":1191},{"title":"الحج عن الغير وما قيل فيه","level":3,"page":1193},{"title":"حج الصبي والعبد","level":3,"page":1196},{"title":"تحريم الخلوة بالأجنبية وسفرها من غير محرم","level":3,"page":1197},{"title":"يبدأ أولا بالحج عن نفسه","level":3,"page":1200},{"title":"يجب الحج مرة واحدة في العمر","level":3,"page":1202},{"title":"[الباب الثاني] باب المواقيت","level":2,"page":1204},{"title":"مواقيت الحج","level":3,"page":1204},{"title":"[الباب الثالث] باب وجوه الإحرام [وصفته]","level":2,"page":1211},{"title":"الإحرام بأنواع الحج الثلاثة","level":3,"page":1211},{"title":"[الباب الرابع] باب الإحرام وما يتعلق به","level":2,"page":1214},{"title":"رفع الصوت بالتلبية","level":3,"page":1217},{"title":"الاغتسال والتطيب للإحرام","level":3,"page":1218},{"title":"ما يلبسه المحرم","level":3,"page":1219},{"title":"تطيب رسول الله - ﷺ - لإحرامه ولحله","level":3,"page":1221},{"title":"تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة","level":3,"page":1222},{"title":"حل صيد الحلال للمحرمين","level":3,"page":1224},{"title":"لا يحل لحم الصيد للمحرم","level":3,"page":1226},{"title":"قتل الفواسق الخمس في الحرم","level":3,"page":1228},{"title":"جواز الحجامة للمحرم","level":3,"page":1231},{"title":"حرمة مكة","level":3,"page":1233},{"title":"يحرم من المدينة ما يحرم من مكة","level":3,"page":1236},{"title":"[الباب الخامس] باب صفة الحج ودخول مكة","level":2,"page":1238},{"title":"يستحب الدعاء عند الانتهاء من كل تلبية","level":3,"page":1247},{"title":"منى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف","level":3,"page":1248},{"title":"الاغتسال لدخول مكة","level":3,"page":1250},{"title":"أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط في الطواف","level":3,"page":1252},{"title":"تقبيل الحجر سنة واتباع","level":3,"page":1254},{"title":"استلام الحجر بآلة إذا تعذر باليد وتقبيلها","level":3,"page":1255},{"title":"الاضطباع في الطواف","level":3,"page":1256},{"title":"من كبر مكان التلبية فلا بأس عليه","level":3,"page":1257},{"title":"جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر لعذر","level":3,"page":1258},{"title":"الوقوف بالمزدلفة وقبلها الوقوف بعرفة","level":3,"page":1261},{"title":"وقت الإفاضة من مزدلفة","level":3,"page":1263},{"title":"استمرار التلبية حتى رمي الجمرة","level":3,"page":1263},{"title":"هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها","level":3,"page":1264},{"title":"وقت رمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس","level":3,"page":1265},{"title":"هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها والدعاء عندها","level":3,"page":1265},{"title":"الحلق أفضل من التقصير","level":3,"page":1266},{"title":"تقديم الحلق أو الرمي على النحر","level":3,"page":1268},{"title":"تقديم النحر على الحلق","level":3,"page":1270},{"title":"رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرم على المحرم إلا النساء","level":3,"page":1271},{"title":"على النساء التقصير وليس الحلق","level":3,"page":1271},{"title":"المبيت بمنى ليالي النحر واجب إلا لعذر","level":3,"page":1272},{"title":"ترجمة عاصم بن عدي","level":3,"page":1273},{"title":"خطبة يوم النحر من غير صلاه عيد","level":3,"page":1274},{"title":"يكفي القارن طواف وسعي واحد لحجه وعمرته","level":3,"page":1275},{"title":"لم يرمل السبع الذي أفاض فيه","level":3,"page":1277},{"title":"هل النزول بالمحصب من النسك","level":3,"page":1277},{"title":"الأمر بطواف الوداع","level":3,"page":1278},{"title":"مضاعفة الثواب على الصلاة في المساجد الثلاث","level":3,"page":1279},{"title":"[الباب السادس] باب الفوات والإحصار","level":2,"page":1284},{"title":"ماذا يصنع المحصر","level":3,"page":1284},{"title":"الاشتراط في الحج","level":3,"page":1286},{"title":"ماذا يعمل من قام به مانع من الاستمرار في الحج","level":3,"page":1287},{"title":"٧ - كتاب البيوع","level":1,"page":1291},{"title":"[الباب الأول] باب شروطه وما نهى عنه","level":2,"page":1293},{"title":"أفضل الكسب","level":3,"page":1293},{"title":"حكم بيع المحرمات","level":3,"page":1295},{"title":"اختلاف المتبايعين","level":3,"page":1298},{"title":"النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن","level":3,"page":1300},{"title":"بيع الحيوان واستثناء ركوبه","level":3,"page":1301},{"title":"بيع مال المفلس","level":3,"page":1303},{"title":"حكم الفأره تقع في السمن","level":3,"page":1304},{"title":"النهي عن ثمن السنور والكلب","level":3,"page":1306},{"title":"ترجمة أبي الزبير محمد بن مسلم","level":3,"page":1307},{"title":"شروط الولاء","level":3,"page":1308},{"title":"حكم بيع أمهات الأولاد وهبتهن","level":3,"page":1312},{"title":"حرمة بيع فضل الماء والملح والكلأ","level":3,"page":1315},{"title":"النهي عن عسب الفحل","level":3,"page":1317},{"title":"النهي عن بيع حبل الحبلة","level":3,"page":1318},{"title":"النهي عن بيع الولاء وهبته","level":3,"page":1319},{"title":"النهي عن بيع الغرر","level":3,"page":1320},{"title":"منع التصرف في المبيع المكيل إلا بعد اكتياله","level":3,"page":1321},{"title":"النهي عن بيعتين في بيعة","level":3,"page":1323},{"title":"النهي عن سلف وبيع","level":3,"page":1324},{"title":"النهي عن العربان","level":3,"page":1326},{"title":"النهي عن بيع المبيع قبل حيازته","level":3,"page":1327},{"title":"النهي عن النجش في البيع","level":3,"page":1329},{"title":"النهي عن المحاقلة والمزابنة","level":3,"page":1331},{"title":"النهي عن تلقي الركبان وعن بيع حاضر لباد","level":3,"page":1335},{"title":"النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه","level":3,"page":1339},{"title":"[التفريق بين الوالدة وولدها]","level":3,"page":1343},{"title":"[التفريق بين الأقارب في البيع]","level":3,"page":1344},{"title":"[حكم التسعير]","level":3,"page":1345},{"title":"[حكم الاحتكار وفيم يكون]","level":3,"page":1346},{"title":"[ترجمة معمر بن عبد الله]","level":3,"page":1347},{"title":"[التصرية في البيع وحكمها]","level":3,"page":1348},{"title":"[تحريم الغش]","level":3,"page":1353},{"title":"[بيع العنب لمن يتخذه خمرا]","level":3,"page":1354},{"title":"[ترجمة عبد الله بن بريدة]","level":3,"page":1354},{"title":"[العقد الموقوف الذي لنفذ بالإجازة]","level":3,"page":1358},{"title":"[بعض البيوع المنهي عنها]","level":3,"page":1360},{"title":"[النهي عن بيع المضامين والملاقيح]","level":3,"page":1364},{"title":"[بيان فضل الإقالة]","level":3,"page":1365},{"title":"الباب الثاني باب الخيار","level":2,"page":1367},{"title":"[خيار المجلس]","level":3,"page":1367},{"title":"[آراء الفقهاء في خيار المجلس]","level":3,"page":1368},{"title":"[لا يحل ترك مجلس البيع خشية الاستقالة]","level":3,"page":1370},{"title":"[خيار الغبن]","level":3,"page":1371},{"title":"الباب الثالث باب الربا","level":2,"page":1374},{"title":"[بيان من يأثم من الربا]","level":3,"page":1374},{"title":"[النهي عن ربا الفضل]","level":3,"page":1376},{"title":"[أنواع الربويات]","level":3,"page":1378},{"title":"[شرط المثلية في الربويات]","level":3,"page":1381},{"title":"[بيع ما فيه ذهب بذهب]","level":3,"page":1383},{"title":"[النهي عن بيع الحيوان بالحيوان]","level":3,"page":1385},{"title":"[بيع العينة]","level":3,"page":1387},{"title":"[الهدية إلى الشافع من الربا]","level":3,"page":1389},{"title":"[لعن الراشي والمرتشي]","level":3,"page":1391},{"title":"النهي عن بيع المزابنة","level":3,"page":1394},{"title":"النهي عن بيع الرطب بتمر","level":3,"page":1395},{"title":"النهي عن بيع الكالئ بالكالئ","level":3,"page":1396},{"title":"[الباب الرابع] باب الرخصة في العرايا وبيع أصول الثمار","level":2,"page":1398},{"title":"الرخصة في بيع العرايا","level":3,"page":1399},{"title":"النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه","level":3,"page":1401},{"title":"النهي عن بيع الثمار حتى تزهى","level":3,"page":1404},{"title":"النهي عن بيع العنب حتى يسود","level":3,"page":1405},{"title":"ثمن ما أصابته جائحة من مال البائع","level":3,"page":1406},{"title":"الثمر بعد التأبير للبايع","level":3,"page":1408},{"title":"[الباب الخامس] أبواب السلم والقرض والرهن","level":2,"page":1409},{"title":"صحة السلف في المعدوم حال العقد","level":3,"page":1411},{"title":"ترجمة عبد الرحمن بن أبزى","level":3,"page":1411},{"title":"أعان الله من استدان وهو يريد الوفاء","level":3,"page":1412},{"title":"التأجيل إلى ميسرة صحيح","level":3,"page":1414},{"title":"الانتفاع بالمرهون في مقابلة نفقته","level":3,"page":1415},{"title":"الدليل على جواز قرض الحيوان","level":3,"page":1418},{"title":"[الباب السادس] باب التفليس والحجر","level":2,"page":1421},{"title":"من وجد متاعه عند مفلس فهو أحق به","level":3,"page":1421},{"title":"ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن","level":3,"page":1422},{"title":"مطل الغني ظلم","level":3,"page":1426},{"title":"الحجر على المدين","level":3,"page":1427},{"title":"أمارات البلوغ","level":3,"page":1432},{"title":"تصرف المرأة في مالها","level":3,"page":1434},{"title":"من تحل له المسألة","level":3,"page":1435},{"title":"[الباب السابع] باب الصلح","level":2,"page":1436},{"title":"انتفاع الجارد بحائط جاره","level":3,"page":1439},{"title":"حرمة اغتصاب المال","level":3,"page":1441},{"title":"[الباب الثامن] باب الحوالة والضمان","level":2,"page":1443},{"title":"مطل الغني ظلم","level":3,"page":1443},{"title":"ترك الصلاة على من مات وعليه دين","level":3,"page":1445},{"title":"قضاء الرسول - ﷺ - عمن مات وعليه دين","level":3,"page":1446},{"title":"[الباب التاسع] باب الشركة والوكالة","level":2,"page":1449},{"title":"الشركة ثابتة قبل الإسلام","level":3,"page":1450},{"title":"توكيل الإمام للعامل في قبض الصدقة","level":3,"page":1453},{"title":"صحة التوكيل في نحر الهدي","level":3,"page":1455},{"title":"صحة التوكيل في إقامة الحدود","level":3,"page":1455},{"title":"[الباب العاشر] باب الإقرار","level":2,"page":1456},{"title":"الدعوة لقول الحق","level":3,"page":1456},{"title":"[الباب الحادي عشر] باب العارية","level":2,"page":1458},{"title":"من ظفر بحقه أخذه من ظالمه","level":3,"page":1460},{"title":"ضمان العارية","level":3,"page":1464},{"title":"ترجمة يعلى بن أمية","level":3,"page":1464},{"title":"ترجمة صفوان بن أمية","level":3,"page":1465},{"title":"[الباب الثاني عشر] باب الغصب","level":2,"page":1467},{"title":"غصب الأرض وعقوبته","level":3,"page":1467},{"title":"من أتلف شيئا ضمنه","level":3,"page":1469},{"title":"من غصب أرضا فزرعها فله ما غرم","level":3,"page":1472},{"title":"يخير الزارع الغاصب بين إخراج فرسه أو أخذه نفقته عليه","level":3,"page":1473},{"title":"[الباب الثالث عشر] باب الشفعة","level":2,"page":1476},{"title":"الشفعة في المنقول","level":3,"page":1476},{"title":"الشفعة للجار على جاره","level":3,"page":1479},{"title":"شفعة الجار وشروطها","level":3,"page":1481},{"title":"[الباب الرابع عشر] باب القراض","level":2,"page":1484},{"title":"[الباب الخامس عشر] باب المساقاة والإجارة","level":2,"page":1487},{"title":"صحة كراء الأرض بأجرة معلومة","level":3,"page":1489},{"title":"جواز إعطاء الحجام أجره","level":3,"page":1492},{"title":"شدة جرم من ذكر في الحديث","level":3,"page":1494},{"title":"جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن","level":3,"page":1495},{"title":"إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه","level":3,"page":1497},{"title":"[الباب السادس عشر] باب إحياء الموات","level":2,"page":1499},{"title":"إحياء الأرض تملك لها إذا لم يثبت فيها حق للغير","level":3,"page":1499},{"title":"لا حمى إلا لله ولرسوله","level":3,"page":1501},{"title":"لا ضرر ولا ضرار","level":3,"page":1503},{"title":"حريم البئر","level":3,"page":1505},{"title":"حكم الإقطاع","level":3,"page":1507},{"title":"اشتراك الناس في الماء والنار والكلأ","level":3,"page":1509},{"title":"[الباب السابع عشر] باب الوقف","level":2,"page":1512},{"title":"وقف العقار وعدم بيعه","level":3,"page":1513},{"title":"وقف العروض","level":3,"page":1515},{"title":"[الباب الثامن عشر] باب الهبة، والعمرى، والرقبى","level":2,"page":1517},{"title":"تسوية الأولاد في الهبة","level":3,"page":1517},{"title":"الرجوع عن الهبة","level":3,"page":1519},{"title":"الهدية والثواب عليها","level":3,"page":1521},{"title":"الدليل على شرعية العمرى والرقبى","level":3,"page":1523},{"title":"النهي عن شراء الهبة والهدية","level":3,"page":1525},{"title":"الترغيب في الإهداء","level":3,"page":1526},{"title":"[الباب التاسع عشر] باب اللقطة","level":2,"page":1530},{"title":"حكم الالتقاط","level":3,"page":1531},{"title":"ترجمة زيد بن خالد الجهني","level":3,"page":1531},{"title":"تعريف اللقطة","level":3,"page":1533},{"title":"ترجمة عياض","level":3,"page":1537},{"title":"النهي عن لقطة الحاج","level":3,"page":1537},{"title":"ترجمة عبد الرحمن التيمي","level":3,"page":1538},{"title":"لقطة الذمي والمعاهد كلقطة المسلم","level":3,"page":1538},{"title":"[الباب العشرون] باب الفرائض","level":2,"page":1541},{"title":"منع التوريث بين المسلم والكافر","level":3,"page":1544},{"title":"ميراث البنت وبنت الابن والأخت","level":3,"page":1546},{"title":"ميراث الجد والجدة","level":3,"page":1547},{"title":"توريث الخال وذوي الأرحام","level":3,"page":1549},{"title":"ميراث المولود","level":3,"page":1551},{"title":"ميراث القاتل","level":3,"page":1552},{"title":"الولاء لا يورث","level":3,"page":1553},{"title":"ترجمة أبي قلابة","level":3,"page":1555},{"title":"[الباب الحادي والعشرون] باب الوصايا","level":2,"page":1557},{"title":"حكم الوصية","level":3,"page":1557},{"title":"الوصية عند الموت بثلث المال","level":3,"page":1561},{"title":"لا وصية لوارث","level":3,"page":1565},{"title":"تقديم الدين على الوصية في الأداء","level":3,"page":1570},{"title":"[الباب الثاني والعشرون] باب الوديعة","level":2,"page":1572},{"title":"عدم ضمان الوديعة","level":3,"page":1572},{"title":"٨ - كتاب النكاح","level":1,"page":1575},{"title":"[الباب الأول] أحكام النكاح","level":2,"page":1575},{"title":"الترغيب في النكاح","level":3,"page":1575},{"title":"القصد في العبادات والنهي عن الإضرار بالنفس","level":3,"page":1578},{"title":"تنكح المرأة لأربع","level":3,"page":1579},{"title":"الدعاء للمتزوج بالبركة","level":3,"page":1581},{"title":"خطبة الحاجة","level":3,"page":1582},{"title":"جواز النظر إلى المخطوبة","level":3,"page":1584},{"title":"النهي عن الخطبة على الخطبة","level":3,"page":1586},{"title":"مشروعية المهر ولو خاتما من حديد","level":3,"page":1588},{"title":"إعلان النكاح وضرب الدف فيه","level":3,"page":1594},{"title":"ترجمة عامر بن الزبير","level":3,"page":1594},{"title":"اشتراط الولي في النكاح","level":3,"page":1595},{"title":"إذن البكر واستئمار الثيب","level":3,"page":1600},{"title":"الثيب أحق بنفسها","level":3,"page":1602},{"title":"اشتراط الولي","level":3,"page":1603},{"title":"النهي عن نكاح الشغار","level":3,"page":1607},{"title":"تخيير من زوجت وهي كارهة","level":3,"page":1609},{"title":"من عقد لها وليان فهي للأول","level":3,"page":1611},{"title":"ترجمة الحسن أبي سعيد","level":3,"page":1611},{"title":"تحريم نكاح العبد بغير إذن سيده","level":3,"page":1612},{"title":"تحريم الجمع بين المرأة وعمتها","level":3,"page":1614},{"title":"نكاح المحرم","level":3,"page":1615},{"title":"شروط النكاح","level":3,"page":1616},{"title":"نكاح المتعة حرام","level":3,"page":1619},{"title":"تحريم التحليل","level":3,"page":1623},{"title":"نكاح الزاني والزانية","level":3,"page":1624},{"title":"لا تحل المطلقة لمطلقها حتى يذوق الآخر عسيلتها","level":3,"page":1625},{"title":"[الباب الثاني] باب الكفاءة والخيار","level":2,"page":1627},{"title":"الكفاءة واشتراطها","level":3,"page":1627},{"title":"ترجمة فاطمة بنت قيس","level":3,"page":1630},{"title":"تخيير من عتقت بعد زواجها","level":3,"page":1631},{"title":"من أسلم وتحته أختان فارق إحداهما","level":3,"page":1634},{"title":"ترجمة الضحاك","level":3,"page":1635},{"title":"من أسلم وتحته أكثر من أربع","level":3,"page":1636},{"title":"رد من أسلمت أبي زوجها بالنكاح الأول","level":3,"page":1638},{"title":"من أسلم فهو أحق بزوجته","level":3,"page":1641},{"title":"عيوب النكاح والفسخ بها","level":3,"page":1642},{"title":"[الباب الثالث] باب عشرة النساء","level":2,"page":1649},{"title":"الوصاة بالجار وبالنساء","level":3,"page":1652},{"title":"نهى - ﷺ - المسافر عن طروق أهله ليلا","level":3,"page":1655},{"title":"نهي الزوجين عن إفشاء ما يكون دينهما","level":3,"page":1656},{"title":"هجر الزوجة تأديبا","level":3,"page":1657},{"title":"ترجمة حكيم بن معاوية","level":3,"page":1658},{"title":"التسمية عند مباشرة الزوجة","level":3,"page":1660},{"title":"لعن الملائكة للمرأة إذا عصت زوجها","level":3,"page":1662},{"title":"لعن رسول الله - ﷺ - الواصلة والمستوصلة ...","level":3,"page":1665},{"title":"حكم الغيلة والعزل","level":3,"page":1666},{"title":"ترجمة جذامة بنت وهب","level":3,"page":1667},{"title":"القرآن لم ينه عن العزل","level":3,"page":1670},{"title":"لم يكن القسم بين نسائه - ﷺ - عليه واجبا","level":3,"page":1671},{"title":"[الباب الرابع] باب الصداق","level":2,"page":1673},{"title":"صحة جعل العتق صداقا","level":3,"page":1673},{"title":"ترجمة صفية بنت حيي","level":3,"page":1673},{"title":"مقدار المهر","level":3,"page":1675},{"title":"ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري","level":3,"page":1676},{"title":"ينبغي تقديم شيء للزوجة قبل الدخول","level":3,"page":1677},{"title":"الصداق والحباء والعدة","level":3,"page":1678},{"title":"مهر من لم يفرض لها صداق","level":3,"page":1680},{"title":"ترجمة علقمة النخعي","level":3,"page":1680},{"title":"يصح أن يكون المهر من غير الدراهم والدنانير","level":3,"page":1683},{"title":"ترجمة عبد الله بن عامر","level":3,"page":1684},{"title":"تقليل الصداق","level":3,"page":1684},{"title":"استحباب تخفيف المهر","level":3,"page":1685},{"title":"الدليل على شرعية المتعة للمطلقة قبل الدخول","level":3,"page":1687},{"title":"[الباب الخامس] باب الوليمة","level":2,"page":1689},{"title":"حكم وليمة العرس","level":3,"page":1689},{"title":"موانع إجابة الدعوة","level":3,"page":1693},{"title":"من دعي إلى وليمة العرس فليجب","level":3,"page":1695},{"title":"إذا دعي إلى وليمة العرس فليجب ولو كان صائما","level":3,"page":1696},{"title":"أيام الوليمة","level":3,"page":1697},{"title":"الوليمة بما تيسر من الطعام","level":3,"page":1699},{"title":"ترجمة صفية بنت شيبة","level":3,"page":1699},{"title":"الآكل متكئا","level":3,"page":1701},{"title":"حكم التسمية على الطعام","level":3,"page":1702},{"title":"النهي عن الأكل من وسط القصعة","level":3,"page":1704},{"title":"ما عاب النبي - ﷺ - طعاما قط","level":3,"page":1704},{"title":"النهي عن الأكل بالشمال","level":3,"page":1705},{"title":"آداب الشرب","level":3,"page":1705},{"title":"[الباب السادس] باب القسم بين الزوجات","level":2,"page":1709},{"title":"تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين","level":3,"page":1711},{"title":"للزوج البكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة","level":3,"page":1711},{"title":"جاز تنازل المرأة عن نوبتها","level":3,"page":1713},{"title":"ترجمة سودة بنت زمعة","level":3,"page":1713},{"title":"يجوز للرجل الدخول على من لم يكن يومها من نسائه","level":3,"page":1714},{"title":"إقراع المسافر بين نسائه","level":3,"page":1716},{"title":"النهي عن جلد المرأة","level":3,"page":1717},{"title":"ترجمة عبد الله بن زمعة","level":3,"page":1717},{"title":"[الباب السابع] باب الخلع","level":2,"page":1719},{"title":"الخلع ورد ما أخذت الزوجة","level":3,"page":1719},{"title":"أول خلع في الإسلام","level":3,"page":1724},{"title":"٩ - كتاب الطلاق","level":1,"page":1725},{"title":"طلاق الحائض","level":2,"page":1726},{"title":"طلاق الثلاث بلفظ واحد","level":2,"page":1731},{"title":"الجد والهزل في النكاح والطلاق والرجعة","level":2,"page":1739},{"title":"حكم ما تحدثت به النفس","level":2,"page":1740},{"title":"أعمال الخاطئ والناسي والمكره","level":2,"page":1741},{"title":"تحريم الحلال والقول بأنه لغو","level":2,"page":1743},{"title":"لا طلاق إلا بعد النكاح","level":2,"page":1746},{"title":"ترجمة المسور بن مخرمة","level":2,"page":1748},{"title":"١٠ - كتاب الرجعة","level":1,"page":1754},{"title":"[الباب الأول] باب الإيلاء والظهار والكفارة","level":2,"page":1757},{"title":"جواز حلف الرجل من زوجته","level":3,"page":1757},{"title":"أحكام الإيلاء","level":3,"page":1759},{"title":"حكم المولي بعد مضي مدة الإيلاء","level":3,"page":1761},{"title":"ترجمة سليمان بن يسار","level":3,"page":1761},{"title":"أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر","level":3,"page":1762},{"title":"أحكام الظهار","level":3,"page":1763},{"title":"ترتيب خصال الكفارة في الظهار","level":3,"page":1765},{"title":"ترجمة سلمة بن صخر","level":3,"page":1766},{"title":"[الباب الثاني] باب اللعان","level":2,"page":1773},{"title":"التفريق بين المتلاعنين إلى الأبد","level":3,"page":1773},{"title":"يبدأ الرجل باللعان","level":3,"page":1775},{"title":"هل فرقة اللعان فسخ أم طلاق بائن","level":3,"page":1777},{"title":"صحة اللعان للحامل","level":3,"page":1779},{"title":"يشرع للحاكم المبالغة في المنع من الحلف","level":3,"page":1780},{"title":"معنى قوله لا ترد يد لامس","level":3,"page":1782},{"title":"التحذير من نفي الولد بعد إثباته","level":3,"page":1783},{"title":"لا يحل نفي الولد بعد إثباته","level":3,"page":1785},{"title":"[الباب الثالث] باب العدة والإحداد والاستبراء، وغير ذلك","level":2,"page":1788},{"title":"عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي بالوضع","level":3,"page":1788},{"title":"هل للمطلقة ثلاثا نفقة وسكنى على زوجها؟","level":3,"page":1793},{"title":"ترجمة الشعبي","level":3,"page":1793},{"title":"لا تحد امرأة فوق ثلاث إلا على زوج","level":3,"page":1795},{"title":"ترجمة أم عطية","level":3,"page":1796},{"title":"إحداد الصغيرة كالكبيرة","level":3,"page":1796},{"title":"لا إحداد في الطلاق","level":3,"page":1797},{"title":"النهي عن الكحل للمعتدة","level":3,"page":1801},{"title":"تخرج المعتدة لحاجة","level":3,"page":1801},{"title":"المعتدة تمكث في بيت زوجها حتى تنقضي عدتها","level":3,"page":1802},{"title":"ترجمة فريعة","level":3,"page":1803},{"title":"عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها","level":3,"page":1805},{"title":"القرء الطهر والدليل عليه","level":3,"page":1807},{"title":"طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان","level":3,"page":1811},{"title":"تحريم وطء الحامل من غير الواطئ","level":3,"page":1814},{"title":"ترجمة رويفع بن ثابت","level":3,"page":1814},{"title":"ما تصنعه امرأة المفقود","level":3,"page":1815},{"title":"تحريم الخلوة بالأجنبية","level":3,"page":1819},{"title":"استبراء المسبية وجواز وطئها قبل الإسلام","level":3,"page":1820},{"title":"الولد للفراش وللعاهر الحجر","level":3,"page":1823},{"title":"[الباب الرابع] باب الرضاع","level":2,"page":1828},{"title":"لا يصير الصبي رضيعا بمصه للثدي مرة أو مرتين","level":3,"page":1828},{"title":"لا يحرم من الرضاع إلا ما كان من مجاعة","level":3,"page":1830},{"title":"الإرضاع في الكبر","level":3,"page":1831},{"title":"ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة","level":3,"page":1834},{"title":"ما معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟","level":3,"page":1837},{"title":"لا رضاع إلا الحولين","level":3,"page":1839},{"title":"شهادة المرضعة وحدها تقبل في الرضاع","level":3,"page":1840},{"title":"ترجمة عقبة بن الحارث","level":3,"page":1840},{"title":"[الباب الخامس] باب النفقات","level":2,"page":1843},{"title":"يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إذا منعها النفقة","level":3,"page":1843},{"title":"ما يدل عليه الحديث","level":3,"page":1844},{"title":"الإنفاق على القريب المعسر","level":3,"page":1846},{"title":"ترجمة طارق المحاربي","level":3,"page":1846},{"title":"حق المملوك طعامه وكسوته","level":3,"page":1849},{"title":"وجوب النفقة والكسوة للزوجة","level":3,"page":1849},{"title":"وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته","level":3,"page":1851},{"title":"نفقة المتوفى عنها زوجها","level":3,"page":1851},{"title":"دليل على وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد","level":3,"page":1853},{"title":"إيجاب مفارقة الزوجة إذا لم يقدر الزوج على الإنفاق","level":3,"page":1855},{"title":"الترغيب في الإنفاق وعدم الادخار","level":3,"page":1860},{"title":"حق الأم في البر مقدم على الأب","level":3,"page":1861},{"title":"[الباب السادس] باب الحضانة","level":2,"page":1863},{"title":"الأم أحق بحضانة ولدها","level":3,"page":1863},{"title":"الصبي بعد استغنائه بنفسه يخير بين الأم والأب","level":3,"page":1865},{"title":"القول في حضانة الكافرة والفاسقة","level":3,"page":1867},{"title":"الخالة كالأم في الحضانة","level":3,"page":1869},{"title":"يجب مناولة الخادم مما يقدمه من الطعام","level":3,"page":1871},{"title":"هل يحرم قتل الهرة","level":3,"page":1871},{"title":"١١ - كتاب الجنايات","level":1,"page":1873},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":1873},{"title":"أسباب حل دم المسلم","level":3,"page":1873},{"title":"حرمة دماء المسلمين","level":3,"page":1874},{"title":"عظم شأن دم الإنسان","level":3,"page":1876},{"title":"لا يقتل الوالد بولده","level":3,"page":1881},{"title":"لم يخص النبي - ﷺ - عليا ولا غيره بشيء من الدين","level":3,"page":1882},{"title":"القود بمثل ما قتل به إلا إذا كان بفعل محرم","level":3,"page":1886},{"title":"لا غرامة على الفقير في الخطأ إذا كانت عاقلته فقراء","level":3,"page":1890},{"title":"لا يقتص من الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك","level":3,"page":1891},{"title":"دية الجنين غرة","level":3,"page":1892},{"title":"الأولى","level":4,"page":1893},{"title":"[المسألة] الثانية","level":4,"page":1894},{"title":"الثالثة","level":4,"page":1894},{"title":"الرابعة","level":4,"page":1895},{"title":"الجنين غرة ذكرا كان أم أنثى","level":3,"page":1895},{"title":"الاقتصاص في السن","level":3,"page":1896},{"title":"الأولى","level":4,"page":1897},{"title":"لا قصاص في العظم دون السن لعدم إمكان المماثلة","level":5,"page":1898},{"title":"[المسألة] الثانية","level":4,"page":1898},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":1898},{"title":"على من تكون الدية لمن لم يعرف قاتله","level":3,"page":1899},{"title":"الأولى","level":4,"page":1899},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":1900},{"title":"الأول","level":5,"page":1900},{"title":"والقول الثاني","level":5,"page":1900},{"title":"عقوبة من أعان على القتل","level":3,"page":1901},{"title":"الأول","level":4,"page":1904},{"title":"والثاني","level":4,"page":1904},{"title":"والثالث","level":4,"page":1904},{"title":"من قتل له قتيل فهو مخير بين العقل والقود","level":3,"page":1905},{"title":"[الباب الأول] باب الديات","level":2,"page":1907},{"title":"المسائل الفقهية التي اشتمل عليها الحديث","level":3,"page":1910},{"title":"الأولى","level":4,"page":1910},{"title":"[المسألة] الثانية","level":4,"page":1910},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":1912},{"title":"المسألة الرابعة","level":4,"page":1913},{"title":"المسألة الخامسة","level":4,"page":1913},{"title":"السادسة","level":4,"page":1913},{"title":"[المسألة] السابعة","level":4,"page":1913},{"title":"المسألة الثامنة","level":4,"page":1913},{"title":"التاسعة","level":4,"page":1913},{"title":"العاشرة","level":4,"page":1914},{"title":"الحادية عشرة","level":4,"page":1914},{"title":"المسألة الثانية عشرة","level":4,"page":1915},{"title":"الثالثة عشرة","level":4,"page":1915},{"title":"الرابعة عشرة","level":4,"page":1915},{"title":"الخامسة عشرة","level":4,"page":1915},{"title":"اعتبار أسنان الإبل في الدية","level":3,"page":1916},{"title":"الثلاثة العتاة أزيد من غيرهم في العتو","level":3,"page":1918},{"title":"كيف تغلظ الدية","level":3,"page":1920},{"title":"مقدار دية الأعضاء","level":3,"page":1920},{"title":"ضمان المتطبب لما أتلفه","level":3,"page":1921},{"title":"دية أهل الذمة نصف دية المسلم","level":3,"page":1923},{"title":"إذا وقعت الجراح بحجر ونحوه من غير قصد فهي شبه عمد","level":3,"page":1926},{"title":"لا يطالب أحد بجناية غيره","level":3,"page":1928},{"title":"[الباب الثاني] باب دعوى الدم والقسامة","level":2,"page":1930},{"title":"لا تثبت دعوى القسامة من دون ما تستند عليه من اللوث ونحوه","level":3,"page":1930},{"title":"الأولى","level":4,"page":1932},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":1933},{"title":"[الباب الثالث] باب قتال أهل البغي","level":2,"page":1939},{"title":"من حمل السلاح على المسلمين فليس منهم","level":3,"page":1939},{"title":"حكم من فارق الجماعة","level":3,"page":1940},{"title":"تحقيق الكلام في حديث تقتل عمارا الفئة الباغية","level":3,"page":1941},{"title":"قتال البغاه والأحكام المتعلقة به","level":3,"page":1944},{"title":"الأولى","level":4,"page":1945},{"title":"المسالة الثانية","level":4,"page":1946},{"title":"المسالة الثالثة","level":4,"page":1946},{"title":"المسالة الرابعة","level":4,"page":1947},{"title":"من خرج على من اجتمعت عليه الكلمة حل دمه","level":3,"page":1948},{"title":"[الباب الرابع] باب قتال الجاني، وقتل المرتد","level":2,"page":1950},{"title":"من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد","level":3,"page":1950},{"title":"الجناية التي تقع لدفع الضرر","level":3,"page":1952},{"title":"عقاب من اطلع على أحد بغير إذنه","level":3,"page":1953},{"title":"ضمان ما أتلفته الماشية على أهلها","level":3,"page":1956},{"title":"هل يستتاب المرتد أم لا","level":3,"page":1958},{"title":"حكم من سب النبي - ﷺ -","level":3,"page":1961},{"title":"١٢ - كتاب الحدود","level":1,"page":1963},{"title":"[الباب الأول] باب حد الزاني","level":2,"page":1963},{"title":"حد الزاني غير المحصن","level":3,"page":1963},{"title":"تغريب الزاني","level":3,"page":1966},{"title":"الأولى","level":4,"page":1967},{"title":"المسالة الثانية","level":4,"page":1969},{"title":"الإقرار المعتبر في الزنى","level":3,"page":1971},{"title":"الأولى","level":4,"page":1971},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":1972},{"title":"التثبت وتلقين المسقط للحد","level":3,"page":1975},{"title":"الكلام على آية الرجم","level":3,"page":1975},{"title":"حد الأمة إذا زنت","level":3,"page":1977},{"title":"الأولى","level":4,"page":1977},{"title":"المسألة الثانية","level":4,"page":1978},{"title":"المسألة الثالثة","level":4,"page":1978},{"title":"المسألة الرابعة","level":4,"page":1979},{"title":"المسألة الخامسة","level":4,"page":1980},{"title":"من يقيم الحد على المماليك","level":3,"page":1980},{"title":"متى تحد الحامل؟","level":3,"page":1983},{"title":"إقامة الحد على الكافر إذا زنى","level":3,"page":1985},{"title":"إقامة حد الزنى على الضعيف","level":3,"page":1987},{"title":"حكم اللواط","level":3,"page":1988},{"title":"أما الحكم الأول","level":4,"page":1989},{"title":"وأما [الحكم] الثاني","level":4,"page":1989},{"title":"الأولى","level":5,"page":1989},{"title":"الأول","level":6,"page":1989},{"title":"والثاني","level":6,"page":1989},{"title":"الثالث","level":6,"page":1990},{"title":"والرابع","level":6,"page":1990},{"title":"المسألة الثانية","level":5,"page":1990},{"title":"الحديث رد على من زعم نسخ التغريب","level":3,"page":1991},{"title":"تخنث الرجال وترجل النساء","level":3,"page":1992},{"title":"درء الحدود بالشبهات","level":3,"page":1993},{"title":"من ألم بمعصية عليه أن يستتر","level":3,"page":1994},{"title":"[الباب الثاني] باب حد القدف","level":2,"page":1996},{"title":"ثبوت حد القذف","level":3,"page":1996},{"title":"ترجمة عبد الله بن عامر","level":3,"page":1999},{"title":"لا يحد المالك إذا قذف مملوكه","level":3,"page":2001},{"title":"[الباب الثالث] باب حد السرقة","level":2,"page":2003},{"title":"نصاب حد السرقة","level":3,"page":2003},{"title":"الشفاعة في الحدود","level":3,"page":2009},{"title":"عقاب الخائن والمختلس والمنتهب","level":3,"page":2013},{"title":"سرقة الثمر والكثر","level":3,"page":2015},{"title":"اعتراف السارق","level":3,"page":2016},{"title":"حسم القطع","level":3,"page":2018},{"title":"لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد","level":3,"page":2019},{"title":"اشتراط الحرز","level":3,"page":2021},{"title":"قتل من تكررت سرقته","level":3,"page":2026},{"title":"[الباب الرابع] باب حد الشارب، وبيان المسكر","level":2,"page":2031},{"title":"مقدار حد الشارب","level":3,"page":2035},{"title":"قتل من شرب الخمر أربع مرات","level":3,"page":2037},{"title":"لا يحل ضرب الوجه","level":3,"page":2039},{"title":"عدم إقامة الحد في المسجد","level":3,"page":2041},{"title":"تسمية النبيذ خمرا","level":3,"page":2042},{"title":"الخمر من خمسة أصناف","level":3,"page":2042},{"title":"كل مسكر حرام","level":3,"page":2043},{"title":"ما أسكر كثيره فقليله حرام","level":3,"page":2047},{"title":"جواز شرب النبيذ إذا اشتد","level":3,"page":2049},{"title":"التداوي بالخمر حرام","level":3,"page":2050},{"title":"[الباب الخامس] باب التعزير وحكم الصائل","level":2,"page":2052},{"title":"الفرق بين الحدود والتعزيرات","level":3,"page":2052},{"title":"إقالة ذوي الهيئات ومن هم","level":3,"page":2054},{"title":"ليس في الخمر حد محدود من رسول الله - ﷺ -","level":3,"page":2055},{"title":"وجوب الدفاع عن العرض والمال","level":3,"page":2057},{"title":"ما الذي ينبغي سلوكه في الفتنة","level":3,"page":2058},{"title":"١٣ - كتاب الجهاد","level":1,"page":2062},{"title":"[الباب الأول]","level":2,"page":2062},{"title":"وجوب العزم على الجهاد","level":3,"page":2062},{"title":"وجوب الجهاد بالنفس","level":3,"page":2063},{"title":"بر الوالدين أفضل من الجهاد","level":3,"page":2065},{"title":"وجوب الهجره من ديار المشركين","level":3,"page":2067},{"title":"الإخلاص في الجهاد واجب","level":3,"page":2069},{"title":"ثبوت حكم الهجرة","level":3,"page":2071},{"title":"ترجمة عبدالله بن السعدي","level":3,"page":2072},{"title":"الإغاره على العدو بلا إنذار","level":3,"page":2072},{"title":"ترجمة نافع مولى ابن عمر","level":3,"page":2073},{"title":"وصايا النبي - ﷺ - لأمراء الجيوش","level":3,"page":2075},{"title":"التورية عند الغزو","level":3,"page":2079},{"title":"القتال أول النهار وآخره","level":3,"page":2079},{"title":"ترجمة معقل بن النعمان بن مقرن","level":3,"page":2080},{"title":"النهي عن قتل النساء والصبيان","level":3,"page":2081},{"title":"لا نستعين بمشرك في الحرب","level":3,"page":2083},{"title":"النهي عن قتل النساء في الحرب","level":3,"page":2084},{"title":"قتل شيوخ المشركين وترك شبابهم","level":3,"page":2085},{"title":"المبارزة في الحرب","level":3,"page":2086},{"title":"الحمل على صفوف الكفار","level":3,"page":2087},{"title":"إتلاف أموال المحاربين","level":3,"page":2089},{"title":"النهي عن الغلول","level":3,"page":2089},{"title":"من قتل قتيلا فله سلبه","level":3,"page":2091},{"title":"للإمام أن يعطي السلب لمن يشاء","level":3,"page":2093},{"title":"يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق","level":3,"page":2093},{"title":"ترجمة مكحول","level":3,"page":2094},{"title":"إقامة الحدود بالحرم","level":3,"page":2095},{"title":"القتل صبرا","level":3,"page":2097},{"title":"ترجمة سعيد بن جبير","level":3,"page":2097},{"title":"جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين","level":3,"page":2098},{"title":"من أسلم من الكفار حرم دمه وماله","level":3,"page":2099},{"title":"ترجمة صخر بن أبي العيلة","level":3,"page":2100},{"title":"معرفة الجميل لأهله","level":3,"page":2103},{"title":"ترجمة جبير بن مطعم","level":3,"page":2103},{"title":"لا توطأ مسبية حتى تستبرأ أو تضع","level":3,"page":2104},{"title":"تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء","level":3,"page":2106},{"title":"سهم الفارس والفرس والراجل","level":3,"page":2108},{"title":"تفويض مقدار ما يتنفل به إلى الإمام","level":3,"page":2109},{"title":"ترجمة حبيب بن مسلمة","level":3,"page":2110},{"title":"الأخذ من طعام العدو قبل القسمة","level":3,"page":2111},{"title":"المحافظة على الفيء","level":3,"page":2112},{"title":"يجير على المسلمين أدناهم","level":3,"page":2113},{"title":"ترجمة أم هانئ","level":3,"page":2115},{"title":"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان","level":3,"page":2115},{"title":"إجلاء بني النضير من المدينة","level":3,"page":2120},{"title":"دليل على تنفيل الجيش","level":3,"page":2122},{"title":"لا يحبس الرسول ولا ينقض العهد","level":3,"page":2122},{"title":"حكم الأرض المفتوحة","level":3,"page":2123},{"title":"[الباب الثاني] باب الجزية والهدنة","level":2,"page":2124},{"title":"أخذ الجزية من المجوس","level":3,"page":2124},{"title":"أخذ الجزية من العرب","level":3,"page":2126},{"title":"ترجمة عاصم بن عمر","level":3,"page":2126},{"title":"مقدار الجزية على كل حالم","level":3,"page":2128},{"title":"علو الإسلام بالوقوف عند العمل به","level":3,"page":2131},{"title":"السلام على الكفار وحكمه","level":3,"page":2132},{"title":"وثيقة صلح الحديبية","level":3,"page":2134},{"title":"النهي عن قتل المعاهد","level":3,"page":2136},{"title":"[الباب الثالث] باب السبق والرمي","level":2,"page":2138},{"title":"سباق الخيل المضمرة وغيرها","level":3,"page":2138},{"title":"السباق على الخف والحافر والنصل","level":3,"page":2140},{"title":"محلل السباق","level":3,"page":2141},{"title":"شرعية التدرب على القوة","level":3,"page":2142},{"title":"١٤ - كتاب الأطعمة","level":1,"page":2143},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":2143},{"title":"تحريم ما له ناب من السباع","level":3,"page":2143},{"title":"تحريم ذي المخلب من الطير","level":3,"page":2145},{"title":"حكم أكل الحمر الأهلية","level":3,"page":2147},{"title":"حل أكل لحوم الخيل","level":3,"page":2150},{"title":"أكل الجراد","level":3,"page":2152},{"title":"أكل الأرنب","level":3,"page":2155},{"title":"حكم النملة والنحلة والهدهد والصرد","level":3,"page":2156},{"title":"حل أكل الضبع","level":3,"page":2156},{"title":"حكم أكل القنفذ","level":3,"page":2158},{"title":"النهي عن أكل الجلالة","level":3,"page":2158},{"title":"حل الحمار الوحشي والخيل","level":3,"page":2160},{"title":"أكل الضب","level":3,"page":2161},{"title":"حكم الضفدع","level":3,"page":2163},{"title":"[الباب الأول] باب الصيد والذبائح","level":2,"page":2165},{"title":"اقتناء الكلاب","level":3,"page":2165},{"title":"حل صيد الكلب المعلم","level":3,"page":2168},{"title":"الصيد لغير الكلاب","level":3,"page":2173},{"title":"صيد المعراض","level":3,"page":2174},{"title":"تحريم أكل ما أنتن","level":3,"page":2176},{"title":"النهي عن الخذف","level":3,"page":2179},{"title":"النهي عن جعل الحيوان هدفا يرمى إليه","level":3,"page":2180},{"title":"الذبح بالحجر","level":3,"page":2180},{"title":"شروط الذبح","level":3,"page":2182},{"title":"قتل الصبر","level":3,"page":2184},{"title":"إحسان القتلة والذبحة","level":3,"page":2185},{"title":"ترجمة شداد بن أوس","level":3,"page":2185},{"title":"ترك التسمية على الذبح","level":3,"page":2189},{"title":"[الباب الثاني] باب الأضاحي","level":2,"page":2190},{"title":"يستحب إضجاع الغنم على الجنب الأيسر ثم الدعاء بقبولها","level":3,"page":2192},{"title":"ما حكم الأضحية","level":3,"page":2193},{"title":"وقت الأضحية","level":3,"page":2196},{"title":"آخر وقت الأضحية","level":3,"page":2198},{"title":"عيوب الأضحية","level":3,"page":2200},{"title":"يستحب في الأضحية المسنة","level":3,"page":2201},{"title":"لا يعطي الجزار من الأضحية","level":3,"page":2206},{"title":"إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة","level":3,"page":2208},{"title":"أحكام لحوم الأضاحي","level":3,"page":2210},{"title":"[الباب الثالث] باب العقيقة","level":2,"page":2212},{"title":"مشروعية العقيقة","level":3,"page":2212},{"title":"العقيقة عن الغلام والجارية","level":3,"page":2214},{"title":"ترجمة أم كرز","level":3,"page":2216},{"title":"ارتهان الغلام بعقيقته","level":3,"page":2217},{"title":"يستحب اختيار الاسم الحسن","level":3,"page":2221},{"title":"١٥ - كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":2225},{"title":"النهي عن الحلف بغير الله","level":2,"page":2225},{"title":"اعتبار نية المستحلف في اليمين","level":2,"page":2229},{"title":"من حلف فرأى الحنث خيرا كفر عن يمينه","level":2,"page":2230},{"title":"الاستثناء في اليمين","level":2,"page":2233},{"title":"كيف كانت يمين النبي - ﷺ -؟","level":2,"page":2236},{"title":"ما يحلف عليه","level":2,"page":2238},{"title":"الكبر والصغر في الذنوب أمر نسبي","level":2,"page":2240},{"title":"عد الكبائر عن العلائي","level":2,"page":2240},{"title":"اللغو من الأيمان ما لا يكون عن قصد الحلف","level":2,"page":2242},{"title":"الخلاف في أسماء الله تعالى","level":2,"page":2243},{"title":"أقوال العلماء في معنى أحصاها","level":2,"page":2248},{"title":"الدعاء بخير لصانع المعروف","level":2,"page":2249},{"title":"حكم النذر","level":2,"page":2250},{"title":"كفارة النذر كفارة يمين","level":2,"page":2253},{"title":"من نذر أن يعصي الله فلا يعصه","level":2,"page":2255},{"title":"حكم من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام","level":2,"page":2258},{"title":"وفاء نذر الميت","level":2,"page":2259},{"title":"نذر المكان المعين","level":2,"page":2260},{"title":"ترجمة ثابت بن الضحاك","level":2,"page":2261},{"title":"لا يتعين المكان في النذر - وإن عين - إلا ندبا","level":2,"page":2262},{"title":"الوفاء بالنذر بعد الإسلام","level":2,"page":2263},{"title":"١٦ - كتاب القضاء","level":1,"page":2265},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":2265},{"title":"ينجو من النار من القضاة من عرف الحق وعمل به","level":3,"page":2265},{"title":"التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه","level":3,"page":2267},{"title":"شرط الحاكم الاجتهاد","level":3,"page":2271},{"title":"لا يقضي القاضي وهو مشوش الفكر","level":3,"page":2275},{"title":"لا يقضي القاضي حتى يسمع من الخصمين","level":3,"page":2277},{"title":"حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له الباطل","level":3,"page":2279},{"title":"الاهتمام بالعدل بين الناس","level":3,"page":2281},{"title":"خطر القضاء وكبير مسؤوليته","level":3,"page":2282},{"title":"لا يجوز تولية المرأة شيئا من أمور المسلمين العامة","level":3,"page":2284},{"title":"من ولي من أمور المسلمين شيئا فلا يحتجب عنهم","level":3,"page":2284},{"title":"النهي عن الرشوة والسعي بها","level":3,"page":2286},{"title":"تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس","level":3,"page":2288},{"title":"[الباب الأول] باب الشهادات","level":2,"page":2291},{"title":"خير الشهود الذي يشهد قبل أن يسأل","level":3,"page":2291},{"title":"خير القرون الثلاثة الأولى","level":3,"page":2293},{"title":"من لا تجوز شهادته","level":3,"page":2296},{"title":"لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية","level":3,"page":2299},{"title":"عدالة الشاهد بما يظهر من حاله","level":3,"page":2300},{"title":"من أكبر شهادة الزور","level":3,"page":2301},{"title":"الشهاده على ما استيقن","level":3,"page":2302},{"title":"القضاء باليمين والشاهد","level":3,"page":2304},{"title":"[الباب الثاني] باب الدعاوى والبينات","level":2,"page":2308},{"title":"لا تقبل دعوى إلا ببينة","level":3,"page":2308},{"title":"القرعة بين الخصوم في اليمين","level":3,"page":2309},{"title":"غضب الله على من أكل مال غيره بالباطل","level":3,"page":2310},{"title":"هل تغلظ اليمين بالزمان والمكان","level":3,"page":2313},{"title":"الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة","level":3,"page":2314},{"title":"اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها","level":3,"page":2316},{"title":"رد اليمين على طالب الحق","level":3,"page":2317},{"title":"الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب","level":3,"page":2318},{"title":"١٧ - كتاب العتق","level":1,"page":2323},{"title":"[باب. . .]","level":2,"page":2323},{"title":"الترغيب في العتق","level":3,"page":2323},{"title":"عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى","level":3,"page":2325},{"title":"من أعتق حظه من عبد عتق عليه كل العبد وضمن لشريكه نصيبه","level":3,"page":2326},{"title":"من ملك ذار رحم محرم عتق عليه","level":3,"page":2332},{"title":"حكم التبرع في المرض حكم الوصية","level":3,"page":2334},{"title":"يصح تعليق العتق","level":3,"page":2336},{"title":"الولاء لمن أعتق","level":3,"page":2336},{"title":"عدم صحة بيع الولاء ولا هبته","level":3,"page":2337},{"title":"[الباب الأول] باب المدبر، والمكاتب، وأم الولد","level":2,"page":2339},{"title":"يباع المكاتب لحاجة السيد","level":3,"page":2339},{"title":"المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد","level":3,"page":2341},{"title":"المكاتب كالحر إذا كان معه ما كوتب عليه","level":3,"page":2342},{"title":"تركة الرسول - ﷺ -","level":3,"page":2346},{"title":"ترجمة عمرو بن الحارث","level":3,"page":2346},{"title":"١٨ - كتاب الجامع","level":1,"page":2350},{"title":"[الباب الأول] باب الأدب","level":2,"page":2350},{"title":"حقوق المسلم على المسلم","level":3,"page":2350},{"title":"انظر لمن هو دونك تعرف نعمة الله","level":3,"page":2356},{"title":"البر حسن الخلق","level":3,"page":2357},{"title":"ترجمة النواس","level":3,"page":2358},{"title":"لا يتناجى اثنان دون الثالث","level":3,"page":2359},{"title":"من جلس في مكان مباح فهو أحق به","level":3,"page":2360},{"title":"لعق الأصابع والصحفة","level":3,"page":2361},{"title":"يسلم الصغير الكبير","level":3,"page":2363},{"title":"هل يبدأ الذمي بالسلام","level":3,"page":2367},{"title":"الكلام على الشرب قائما","level":3,"page":2369},{"title":"يبدأ باليمين في التنعل","level":3,"page":2369},{"title":"النهي من المشي في نعل واحدة","level":3,"page":2371},{"title":"لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء","level":3,"page":2372},{"title":"لا يأكل ولا يشرب بشماله","level":3,"page":2375},{"title":"لا يحل مجاوزة الحد في أي شيء","level":3,"page":2376},{"title":"[الباب الثاني] باب البر والصلة","level":2,"page":2378},{"title":"يبارك الله في العمر بصلة الرحم","level":3,"page":2378},{"title":"عقوبة قاطع الرحم","level":3,"page":2381},{"title":"النهي عن عقوق الوالدين","level":3,"page":2383},{"title":"بر الوالدين من رضى الله","level":3,"page":2387},{"title":"حق الجار أن يحب له ما يحب لنفسه","level":3,"page":2389},{"title":"أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا","level":3,"page":2392},{"title":"من الكبائر أن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه","level":3,"page":2392},{"title":"بماذا يزول التهاجر بين الأخوين","level":3,"page":2393},{"title":"كل معروف صدقة","level":3,"page":2395},{"title":"الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه","level":3,"page":2397},{"title":"الدال على الخير كفاعله","level":3,"page":2399},{"title":"من استعاذ وسأل بالله أعيذ وأعطي","level":3,"page":2400},{"title":"[الباب الثالث] باب الزهد والورع","level":2,"page":2402},{"title":"معنى الزهد والورع وما قيل فيهما","level":3,"page":2402},{"title":"الحلال بين والحرام بين","level":3,"page":2403},{"title":"التحذير من حب الدنيا","level":3,"page":2408},{"title":"الحث على الزهد في الدنيا","level":3,"page":2409},{"title":"يحرم التشبه بالكفار في زي وغيره","level":3,"page":2411},{"title":"حفظ الله أن تحفظ حدوده","level":3,"page":2412},{"title":"كيف يكون العبد محبوبا من الناس","level":3,"page":2417},{"title":"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه","level":3,"page":2419},{"title":"النهي عن كثرة الأكل","level":3,"page":2420},{"title":"دليل على قبول توبة من أخطأ","level":3,"page":2424},{"title":"فضل الصمت وقلة الكلام","level":3,"page":2425},{"title":"[الباب الرابع] باب الترهيب من مساوئ الأخلاق","level":2,"page":2427},{"title":"ذم الحسد وذكر مساويه","level":3,"page":2427},{"title":"جهاد النفس أعظم من جهاد العدو","level":3,"page":2430},{"title":"الظلم ظلمات يوم القيامة","level":3,"page":2433},{"title":"التحذير من الشح","level":3,"page":2434},{"title":"ذم الرياء","level":3,"page":2437},{"title":"خصال النفاق","level":3,"page":2442},{"title":"النهي عن سب المسلم وقتاله","level":3,"page":2444},{"title":"التحذير من الظن لأنه أكذب الحديث","level":3,"page":2446},{"title":"من ضيع من استرعاه الله أو خانهم حرم الله عليه الجنة","level":3,"page":2448},{"title":"أمر الوالي بالرفق برعيته","level":3,"page":2450},{"title":"النهي عن ضرب الوجه","level":3,"page":2451},{"title":"النهي عن الغضب","level":3,"page":2452},{"title":"لا يحل لمن ولي شيئا من الأموال العامة أن يأخذ فوق حاجته","level":3,"page":2453},{"title":"تحريم الظلم","level":3,"page":2453},{"title":"الغيبة وتغليظ النهي عنها","level":3,"page":2454},{"title":"النهي عن أسباب البغض بين المسلمين","level":3,"page":2458},{"title":"استعاذة الرسول - ﷺ - من منكرات الأخلاق","level":3,"page":2461},{"title":"تشديد الرسول - ﷺ - في المراء","level":3,"page":2463},{"title":"سوء الخلق يفسد كل خير","level":3,"page":2465},{"title":"انتصاف المرء لنفسه","level":3,"page":2467},{"title":"النهي عن مضارة المسلم","level":3,"page":2468},{"title":"المسلم ليس بذيئا ولا فاحشا","level":3,"page":2469},{"title":"النهي عن سب الأموات","level":3,"page":2470},{"title":"من كف غضبه كف الله عنه عذابه","level":3,"page":2472},{"title":"لا يحل تسمع حديث من يكره سماع حديثه","level":3,"page":2474},{"title":"العاقل يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب الناس","level":3,"page":2475},{"title":"التحذير من التعاظم في النفس","level":3,"page":2475},{"title":"العجلة من الشيطان","level":3,"page":2477},{"title":"الشؤم سوء الخلق","level":3,"page":2478},{"title":"النهي عن اللعن","level":3,"page":2478},{"title":"ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة","level":3,"page":2479},{"title":"ويل لمن يكذب ليضحك القوم","level":3,"page":2480},{"title":"من اغتاب أخاه فليتحلل منه","level":3,"page":2483},{"title":"الخصومة مذمومة ولو في الحق","level":3,"page":2484},{"title":"[الباب الخامس] باب الترغيب في مكارم الأخلاق","level":2,"page":2487},{"title":"معنى الصدق والكذب والبر والفجور","level":3,"page":2487},{"title":"النهي عن الظن","level":3,"page":2488},{"title":"حقوق الجلوس على قوارع الطرقات","level":3,"page":2489},{"title":"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين","level":3,"page":2490},{"title":"فضل حسن الخلق","level":3,"page":2491},{"title":"الحياء من الإيمان","level":3,"page":2492},{"title":"إذا لم تستح فاصنع ما شئت","level":3,"page":2493},{"title":"المؤمن القوي خير من الضعيف","level":3,"page":2494},{"title":"عدم التواضع يؤدي إلى البغي","level":3,"page":2497},{"title":"الصدقة لا تنقص المال","level":3,"page":2499},{"title":"الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم","level":3,"page":2502},{"title":"ترجمة تميم الداري","level":3,"page":2503},{"title":"حسن الخلق من أسباب دخول الجنة","level":3,"page":2505},{"title":"مما يساعد على جلب التحابب","level":3,"page":2505},{"title":"المؤمن مرآة آخيه","level":3,"page":2506},{"title":"مخالطة الناس والصبر على أذاهم","level":3,"page":2506},{"title":"[الباب السادس]: باب الذكر والدعاء","level":2,"page":2509},{"title":"فضل ذكر الله","level":3,"page":2512},{"title":"ذكر الله ينجي من عذابه","level":3,"page":2513},{"title":"يطلب ممن جلس مجلسا أن يذكر الله","level":3,"page":2515},{"title":"فضل الذكر بعد الصبح وبعد المغرب","level":3,"page":2519},{"title":"فضل التسبيح والتحميد مائة مرة","level":3,"page":2520},{"title":"فضل تكرار القول بكلمات الحديث","level":3,"page":2522},{"title":"بيان الباقيات الصالحات في الحديث","level":3,"page":2522},{"title":"أحب الكلام إلى الله أربع","level":3,"page":2523},{"title":"من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله","level":3,"page":2524},{"title":"فضل الدعاء","level":3,"page":2525},{"title":"مد اليدين بالدعاء","level":3,"page":2528},{"title":"مسح الوجه باليدين بعد الدعاء","level":3,"page":2529},{"title":"سيد الاستغفار","level":3,"page":2530},{"title":"سؤال العافية في الدين والدنيا والأهل والمال","level":3,"page":2533},{"title":"الاستعاذة من غلبة الدين والعدو وشماتة الأعداء","level":3,"page":2534},{"title":"معنى الصمد","level":3,"page":2536},{"title":"دعاء الصباح والمساء","level":3,"page":2537},{"title":"الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة","level":3,"page":2538},{"title":"الدعاء بغفران الجهل والخطأ والعمد والهزل ...","level":3,"page":2539},{"title":"الدعاء بخير الدارين","level":3,"page":2540},{"title":"على المؤمن أن يطلب العلم النافع","level":3,"page":2541},{"title":"من أدعية متنوعة للنبي -ﷺ-","level":3,"page":2542},{"title":"الوزن للأعمال يوم القيامة","level":3,"page":2543},{"title":"استدراكات عقيدية في سبل السلام","level":1,"page":2548}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,2":2,"المقدمة,3":3,"المقدمة,4":4,"المقدمة,5":5,"المقدمة,6":6,"المقدمة,7":7,"المقدمة,8":8,"المقدمة,9":9,"المقدمة,10":10,"المقدمة,11":11,"المقدمة,12":12,"المقدمة,13":13,"المقدمة,14":14,"المقدمة,15":15,"المقدمة,16":16,"المقدمة,17":17,"المقدمة,18":18,"المقدمة,19":19,"المقدمة,20":20,"المقدمة,21":21,"المقدمة,22":22,"المقدمة,23":23,"المقدمة,24":24,"1,5":25,"1,6":26,"1,7":27,"1,9":28,"1,10":29,"1,11":30,"1,12":31,"1,13":32,"1,15":33,"1,16":34,"1,17":35,"1,18":36,"1,19":37,"1,20":38,"1,21":39,"1,22":40,"1,23":41,"1,24":42,"1,25":43,"1,26":44,"1,27":45,"1,28":46,"1,29":47,"1,30":48,"1,31":49,"1,32":50,"1,33":51,"1,34":52,"1,35":53,"1,36":54,"1,37":55,"1,38":56,"1,39":57,"1,40":58,"1,41":59,"1,42":60,"1,43":61,"1,44":62,"1,45":63,"1,46":64,"1,47":65,"1,48":66,"1,49":67,"1,50":68,"1,51":69,"1,52":70,"1,53":71,"1,54":72,"1,55":73,"1,56":74,"1,57":75,"1,62":76,"1,63":77,"1,64":78,"1,65":79,"1,66":80,"1,67":81,"1,68":82,"1,69":83,"1,70":84,"1,71":85,"1,72":86,"1,73":87,"1,74":88,"1,75":89,"1,76":90,"1,77":91,"1,78":92,"1,79":93,"1,80":94,"1,81":95,"1,82":96,"1,83":97,"1,84":98,"1,85":99,"1,86":100,"1,87":101,"1,88":102,"1,89":103,"1,90":104,"1,91":105,"1,93":106,"1,94":107,"1,95":108,"1,96":109,"1,97":110,"1,98":111,"1,99":112,"1,100":113,"1,101":114,"1,102":115,"1,103":116,"1,104":117,"1,105":118,"1,106":119,"1,107":120,"1,108":121,"1,109":122,"1,110":123,"1,111":124,"1,112":125,"1,113":126,"1,114":127,"1,115":128,"1,116":129,"1,117":130,"1,118":131,"1,119":132,"1,120":133,"1,121":134,"1,122":135,"1,123":136,"1,124":137,"1,125":138,"1,126":139,"1,127":140,"1,128":141,"1,129":142,"1,130":143,"1,131":144,"1,132":145,"1,133":146,"1,134":147,"1,135":148,"1,136":149,"1,137":150,"1,138":151,"1,139":152,"1,140":153,"1,141":154,"1,142":155,"1,143":156,"1,144":157,"1,145":158,"1,146":159,"1,147":160,"1,148":161,"1,149":162,"1,150":163,"1,151":164,"1,152":165,"1,153":166,"1,154":167,"1,155":168,"1,156":169,"1,157":170,"1,158":171,"1,159":172,"1,160":173,"1,161":174,"1,162":175,"1,163":176,"1,164":177,"1,165":178,"1,166":179,"1,167":180,"1,168":181,"1,169":182,"1,170":183,"1,171":184,"1,172":185,"1,173":186,"1,174":187,"1,175":188,"1,176":189,"1,177":190,"1,178":191,"1,179":192,"1,180":193,"1,181":194,"1,182":195,"1,183":196,"1,184":197,"1,185":198,"1,186":199,"1,187":200,"1,188":201,"1,189":202,"1,190":203,"1,191":204,"1,192":205,"1,193":206,"1,194":207,"1,195":208,"1,196":209,"1,197":210,"1,198":211,"1,199":212,"1,200":213,"1,201":214,"1,202":215,"1,203":216,"1,204":217,"1,205":218,"1,206":219,"1,207":220,"1,208":221,"1,209":222,"1,210":223,"1,211":224,"1,212":225,"1,213":226,"1,214":227,"1,215":228,"1,216":229,"1,217":230,"1,218":231,"1,219":232,"1,220":233,"1,221":234,"1,222":235,"1,223":236,"1,224":237,"1,225":238,"1,226":239,"1,227":240,"1,228":241,"1,229":242,"1,230":243,"1,231":244,"1,232":245,"1,233":246,"1,234":247,"1,235":248,"1,236":249,"1,237":250,"1,238":251,"1,239":252,"1,240":253,"1,241":254,"1,242":255,"1,243":256,"1,244":257,"1,245":258,"1,246":259,"1,247":260,"1,248":261,"1,249":262,"1,250":263,"1,251":264,"1,252":265,"1,253":266,"1,254":267,"1,255":268,"1,256":269,"1,257":270,"1,258":271,"1,259":272,"1,260":273,"1,261":274,"1,262":275,"1,263":276,"1,264":277,"1,265":278,"1,266":279,"1,267":280,"1,268":281,"1,269":282,"1,270":283,"1,271":284,"1,272":285,"1,273":286,"1,274":287,"1,275":288,"1,276":289,"1,277":290,"1,278":291,"1,279":292,"1,280":293,"1,281":294,"1,282":295,"1,283":296,"1,284":297,"1,285":298,"1,286":299,"1,287":300,"1,288":301,"1,289":302,"1,290":303,"1,291":304,"1,292":305,"1,293":306,"1,294":307,"1,295":308,"1,296":309,"1,297":310,"1,298":311,"1,299":312,"1,300":313,"1,301":314,"1,302":315,"1,303":316,"1,304":317,"1,305":318,"1,306":319,"1,307":320,"1,308":321,"1,309":322,"1,310":323,"1,311":324,"1,312":325,"1,313":326,"1,314":327,"1,315":328,"1,316":329,"1,317":330,"1,318":331,"1,319":332,"1,320":333,"1,321":334,"1,322":335,"1,323":336,"1,324":337,"1,325":338,"1,326":339,"1,327":340,"1,328":341,"1,329":342,"1,330":343,"1,331":344,"1,332":345,"1,333":346,"1,334":347,"1,335":348,"1,336":349,"1,337":350,"1,338":351,"1,339":352,"1,340":353,"1,341":354,"1,342":355,"1,343":356,"1,344":357,"1,345":358,"1,346":359,"1,347":360,"1,348":361,"1,349":362,"1,350":363,"1,351":364,"1,352":365,"1,353":366,"1,354":367,"1,355":368,"1,356":369,"1,357":370,"1,358":371,"1,359":372,"1,360":373,"1,361":374,"1,362":375,"1,363":376,"1,364":377,"1,365":378,"1,366":379,"1,367":380,"1,368":381,"1,369":382,"1,370":383,"1,371":384,"1,372":385,"1,373":386,"1,374":387,"1,375":388,"1,376":389,"1,377":390,"1,378":391,"1,379":392,"1,380":393,"1,381":394,"1,382":395,"1,383":396,"1,384":397,"1,385":398,"1,386":399,"1,387":400,"2,5":401,"2,6":402,"2,7":403,"2,8":404,"2,9":405,"2,10":406,"2,11":407,"2,12":408,"2,13":409,"2,14":410,"2,15":411,"2,16":412,"2,17":413,"2,18":414,"2,19":415,"2,20":416,"2,21":417,"2,22":418,"2,23":419,"2,24":420,"2,25":421,"2,26":422,"2,27":423,"2,28":424,"2,29":425,"2,30":426,"2,31":427,"2,32":428,"2,33":429,"2,34":430,"2,35":431,"2,36":432,"2,37":433,"2,38":434,"2,39":435,"2,40":436,"2,41":437,"2,42":438,"2,43":439,"2,44":440,"2,45":441,"2,46":442,"2,47":443,"2,48":444,"2,49":445,"2,50":446,"2,51":447,"2,52":448,"2,53":449,"2,54":450,"2,55":451,"2,56":452,"2,57":453,"2,58":454,"2,59":455,"2,60":456,"2,61":457,"2,62":458,"2,63":459,"2,64":460,"2,65":461,"2,66":462,"2,67":463,"2,68":464,"2,69":465,"2,70":466,"2,71":467,"2,72":468,"2,73":469,"2,74":470,"2,75":471,"2,76":472,"2,77":473,"2,78":474,"2,79":475,"2,80":476,"2,81":477,"2,82":478,"2,83":479,"2,84":480,"2,85":481,"2,86":482,"2,87":483,"2,88":484,"2,89":485,"2,90":486,"2,91":487,"2,92":488,"2,93":489,"2,94":490,"2,95":491,"2,96":492,"2,97":493,"2,98":494,"2,99":495,"2,100":496,"2,101":497,"2,102":498,"2,103":499,"2,104":500,"2,105":501,"2,106":502,"2,107":503,"2,108":504,"2,109":505,"2,110":506,"2,111":507,"2,112":508,"2,113":509,"2,114":510,"2,115":511,"2,116":512,"2,117":513,"2,118":514,"2,119":515,"2,120":516,"2,121":517,"2,122":518,"2,123":519,"2,124":520,"2,125":521,"2,126":522,"2,127":523,"2,128":524,"2,129":525,"2,130":526,"2,131":527,"2,132":528,"2,133":529,"2,134":530,"2,135":531,"2,136":532,"2,137":533,"2,138":534,"2,139":535,"2,140":536,"2,141":537,"2,142":538,"2,143":539,"2,144":540,"2,145":541,"2,146":542,"2,147":543,"2,148":544,"2,149":545,"2,150":546,"2,151":547,"2,152":548,"2,153":549,"2,154":550,"2,155":551,"2,156":552,"2,157":553,"2,158":554,"2,159":555,"2,160":556,"2,161":557,"2,162":558,"2,163":559,"2,164":560,"2,165":561,"2,166":562,"2,167":563,"2,168":564,"2,169":565,"2,170":566,"2,171":567,"2,172":568,"2,173":569,"2,174":570,"2,175":571,"2,176":572,"2,177":573,"2,178":574,"2,179":575,"2,180":576,"2,181":577,"2,182":578,"2,183":579,"2,184":580,"2,185":581,"2,186":582,"2,187":583,"2,188":584,"2,189":585,"2,190":586,"2,191":587,"2,192":588,"2,193":589,"2,194":590,"2,195":591,"2,196":592,"2,197":593,"2,198":594,"2,199":595,"2,200":596,"2,201":597,"2,202":598,"2,203":599,"2,204":600,"2,205":601,"2,206":602,"2,207":603,"2,208":604,"2,209":605,"2,210":606,"2,211":607,"2,212":608,"2,213":609,"2,214":610,"2,215":611,"2,216":612,"2,217":613,"2,218":614,"2,219":615,"2,220":616,"2,221":617,"2,222":618,"2,223":619,"2,224":620,"2,225":621,"2,226":622,"2,227":623,"2,228":624,"2,229":625,"2,230":626,"2,231":627,"2,232":628,"2,233":629,"2,234":630,"2,235":631,"2,236":632,"2,237":633,"2,238":634,"2,239":635,"2,240":636,"2,241":637,"2,242":638,"2,243":639,"2,244":640,"2,245":641,"2,246":642,"2,247":643,"2,248":644,"2,249":645,"2,250":646,"2,251":647,"2,252":648,"2,253":649,"2,254":650,"2,255":651,"2,256":652,"2,257":653,"2,258":654,"2,259":655,"2,260":656,"2,261":657,"2,262":658,"2,263":659,"2,264":660,"2,265":661,"2,266":662,"2,267":663,"2,268":664,"2,269":665,"2,270":666,"2,271":667,"2,272":668,"2,273":669,"2,274":670,"2,275":671,"2,276":672,"2,277":673,"2,278":674,"2,279":675,"2,280":676,"2,281":677,"2,282":678,"2,283":679,"2,284":680,"2,285":681,"2,286":682,"2,287":683,"2,288":684,"2,289":685,"2,290":686,"2,291":687,"2,292":688,"2,293":689,"2,294":690,"2,295":691,"2,296":692,"3,5":693,"3,6":694,"3,7":695,"3,8":696,"3,9":697,"3,10":698,"3,11":699,"3,12":700,"3,13":701,"3,14":702,"3,15":703,"3,16":704,"3,17":705,"3,18":706,"3,19":707,"3,20":708,"3,21":709,"3,22":710,"3,23":711,"3,24":712,"3,25":713,"3,26":714,"3,27":715,"3,28":716,"3,29":717,"3,30":718,"3,31":719,"3,32":720,"3,33":721,"3,34":722,"3,35":723,"3,36":724,"3,37":725,"3,38":726,"3,39":727,"3,40":728,"3,41":729,"3,42":730,"3,43":731,"3,44":732,"3,45":733,"3,46":734,"3,47":735,"3,48":736,"3,49":737,"3,50":738,"3,51":739,"3,52":740,"3,53":741,"3,54":742,"3,55":743,"3,56":744,"3,57":745,"3,58":746,"3,59":747,"3,60":748,"3,61":749,"3,62":750,"3,63":751,"3,64":752,"3,65":753,"3,66":754,"3,67":755,"3,68":756,"3,69":757,"3,70":758,"3,71":759,"3,72":760,"3,73":761,"3,74":762,"3,75":763,"3,76":764,"3,77":765,"3,78":766,"3,79":767,"3,80":768,"3,81":769,"3,82":770,"3,83":771,"3,84":772,"3,85":773,"3,86":774,"3,87":775,"3,88":776,"3,89":777,"3,90":778,"3,91":779,"3,92":780,"3,93":781,"3,94":782,"3,95":783,"3,96":784,"3,97":785,"3,98":786,"3,99":787,"3,100":788,"3,101":789,"3,102":790,"3,103":791,"3,104":792,"3,105":793,"3,106":794,"3,107":795,"3,108":796,"3,109":797,"3,110":798,"3,111":799,"3,112":800,"3,113":801,"3,114":802,"3,115":803,"3,116":804,"3,117":805,"3,118":806,"3,119":807,"3,120":808,"3,121":809,"3,122":810,"3,123":811,"3,124":812,"3,125":813,"3,126":814,"3,127":815,"3,128":816,"3,129":817,"3,130":818,"3,131":819,"3,132":820,"3,133":821,"3,134":822,"3,135":823,"3,136":824,"3,137":825,"3,138":826,"3,139":827,"3,140":828,"3,141":829,"3,142":830,"3,143":831,"3,144":832,"3,145":833,"3,146":834,"3,147":835,"3,148":836,"3,149":837,"3,150":838,"3,151":839,"3,152":840,"3,153":841,"3,154":842,"3,155":843,"3,156":844,"3,157":845,"3,158":846,"3,159":847,"3,160":848,"3,161":849,"3,162":850,"3,163":851,"3,164":852,"3,165":853,"3,166":854,"3,167":855,"3,168":856,"3,169":857,"3,170":858,"3,171":859,"3,172":860,"3,173":861,"3,174":862,"3,175":863,"3,176":864,"3,177":865,"3,178":866,"3,179":867,"3,180":868,"3,181":869,"3,182":870,"3,183":871,"3,184":872,"3,185":873,"3,186":874,"3,187":875,"3,188":876,"3,189":877,"3,190":878,"3,191":879,"3,192":880,"3,193":881,"3,194":882,"3,195":883,"3,196":884,"3,197":885,"3,198":886,"3,199":887,"3,200":888,"3,201":889,"3,202":890,"3,203":891,"3,204":892,"3,205":893,"3,206":894,"3,207":895,"3,208":896,"3,209":897,"3,210":898,"3,211":899,"3,212":900,"3,213":901,"3,214":902,"3,215":903,"3,216":904,"3,217":905,"3,218":906,"3,219":907,"3,220":908,"3,221":909,"3,222":910,"3,223":911,"3,224":912,"3,225":913,"3,226":914,"3,227":915,"3,228":916,"3,229":917,"3,230":918,"3,231":919,"3,232":920,"3,233":921,"3,234":922,"3,235":923,"3,236":924,"3,237":925,"3,238":926,"3,239":927,"3,240":928,"3,241":929,"3,242":930,"3,243":931,"3,244":932,"3,245":933,"3,247":934,"3,248":935,"3,249":936,"3,250":937,"3,251":938,"3,252":939,"3,253":940,"3,254":941,"3,255":942,"3,256":943,"3,257":944,"3,258":945,"3,259":946,"3,260":947,"3,261":948,"3,262":949,"3,263":950,"3,264":951,"3,265":952,"3,266":953,"3,267":954,"3,268":955,"3,269":956,"3,270":957,"3,271":958,"3,272":959,"3,273":960,"3,274":961,"3,275":962,"3,276":963,"3,277":964,"3,278":965,"3,279":966,"3,280":967,"3,281":968,"3,282":969,"3,283":970,"3,284":971,"3,285":972,"3,286":973,"3,287":974,"3,288":975,"3,289":976,"3,290":977,"3,291":978,"3,292":979,"3,293":980,"3,294":981,"3,295":982,"3,296":983,"3,297":984,"3,298":985,"3,299":986,"3,300":987,"3,301":988,"3,302":989,"3,303":990,"3,304":991,"3,305":992,"3,306":993,"3,307":994,"3,308":995,"3,309":996,"3,310":997,"3,311":998,"3,312":999,"3,313":1000,"3,314":1001,"3,315":1002,"3,316":1003,"3,317":1004,"3,318":1005,"3,319":1006,"3,320":1007,"3,321":1008,"3,322":1009,"3,323":1010,"3,324":1011,"3,325":1012,"3,326":1013,"3,327":1014,"3,328":1015,"3,329":1016,"3,330":1017,"3,331":1018,"3,332":1019,"3,333":1020,"3,334":1021,"3,335":1022,"3,336":1023,"3,337":1024,"3,338":1025,"3,339":1026,"3,340":1027,"3,341":1028,"3,342":1029,"4,5":1030,"4,6":1031,"4,7":1032,"4,8":1033,"4,9":1034,"4,10":1035,"4,11":1036,"4,12":1037,"4,13":1038,"4,14":1039,"4,15":1040,"4,16":1041,"4,17":1042,"4,18":1043,"4,19":1044,"4,20":1045,"4,21":1046,"4,22":1047,"4,23":1048,"4,24":1049,"4,25":1050,"4,26":1051,"4,27":1052,"4,28":1053,"4,29":1054,"4,30":1055,"4,31":1056,"4,32":1057,"4,33":1058,"4,34":1059,"4,35":1060,"4,36":1061,"4,37":1062,"4,38":1063,"4,39":1064,"4,40":1065,"4,41":1066,"4,42":1067,"4,43":1068,"4,44":1069,"4,45":1070,"4,46":1071,"4,47":1072,"4,48":1073,"4,49":1074,"4,50":1075,"4,51":1076,"4,52":1077,"4,53":1078,"4,54":1079,"4,55":1080,"4,56":1081,"4,57":1082,"4,58":1083,"4,59":1084,"4,60":1085,"4,61":1086,"4,62":1087,"4,63":1088,"4,64":1089,"4,65":1090,"4,66":1091,"4,67":1092,"4,68":1093,"4,69":1094,"4,70":1095,"4,71":1096,"4,72":1097,"4,73":1098,"4,74":1099,"4,75":1100,"4,76":1101,"4,77":1102,"4,78":1103,"4,79":1104,"4,80":1105,"4,81":1106,"4,82":1107,"4,83":1108,"4,84":1109,"4,85":1110,"4,86":1111,"4,87":1112,"4,88":1113,"4,89":1114,"4,90":1115,"4,91":1116,"4,92":1117,"4,93":1118,"4,94":1119,"4,95":1120,"4,96":1121,"4,97":1122,"4,98":1123,"4,99":1124,"4,100":1125,"4,101":1126,"4,102":1127,"4,103":1128,"4,104":1129,"4,105":1130,"4,106":1131,"4,107":1132,"4,108":1133,"4,109":1134,"4,110":1135,"4,111":1136,"4,112":1137,"4,113":1138,"4,114":1139,"4,115":1140,"4,116":1141,"4,117":1142,"4,118":1143,"4,119":1144,"4,120":1145,"4,121":1146,"4,122":1147,"4,123":1148,"4,124":1149,"4,125":1150,"4,126":1151,"4,127":1152,"4,128":1153,"4,129":1154,"4,130":1155,"4,131":1156,"4,132":1157,"4,133":1158,"4,134":1159,"4,135":1160,"4,136":1161,"4,137":1162,"4,138":1163,"4,139":1164,"4,140":1165,"4,141":1166,"4,142":1167,"4,143":1168,"4,144":1169,"4,145":1170,"4,146":1171,"4,147":1172,"4,148":1173,"4,149":1174,"4,150":1175,"4,151":1176,"4,152":1177,"4,153":1178,"4,154":1179,"4,155":1180,"4,156":1181,"4,157":1182,"4,158":1183,"4,159":1184,"4,160":1185,"4,161":1186,"4,162":1187,"4,163":1188,"4,164":1189,"4,165":1190,"4,166":1191,"4,167":1192,"4,168":1193,"4,169":1194,"4,170":1195,"4,171":1196,"4,172":1197,"4,173":1198,"4,174":1199,"4,175":1200,"4,176":1201,"4,177":1202,"4,178":1203,"4,179":1204,"4,180":1205,"4,181":1206,"4,182":1207,"4,183":1208,"4,184":1209,"4,185":1210,"4,186":1211,"4,187":1212,"4,188":1213,"4,189":1214,"4,190":1215,"4,191":1216,"4,192":1217,"4,193":1218,"4,194":1219,"4,195":1220,"4,196":1221,"4,197":1222,"4,198":1223,"4,199":1224,"4,200":1225,"4,201":1226,"4,202":1227,"4,203":1228,"4,204":1229,"4,205":1230,"4,206":1231,"4,207":1232,"4,208":1233,"4,209":1234,"4,210":1235,"4,211":1236,"4,212":1237,"4,213":1238,"4,214":1239,"4,215":1240,"4,216":1241,"4,217":1242,"4,218":1243,"4,219":1244,"4,220":1245,"4,221":1246,"4,222":1247,"4,223":1248,"4,224":1249,"4,225":1250,"4,226":1251,"4,227":1252,"4,228":1253,"4,229":1254,"4,230":1255,"4,231":1256,"4,232":1257,"4,233":1258,"4,234":1259,"4,235":1260,"4,236":1261,"4,237":1262,"4,238":1263,"4,239":1264,"4,240":1265,"4,241":1266,"4,242":1267,"4,243":1268,"4,244":1269,"4,245":1270,"4,246":1271,"4,247":1272,"4,248":1273,"4,249":1274,"4,250":1275,"4,251":1276,"4,252":1277,"4,253":1278,"4,254":1279,"4,255":1280,"4,256":1281,"4,257":1282,"4,258":1283,"4,259":1284,"4,260":1285,"4,261":1286,"4,262":1287,"4,263":1288,"4,264":1289,"4,265":1290,"5,5":1291,"5,6":1292,"5,7":1293,"5,8":1294,"5,9":1295,"5,10":1296,"5,11":1297,"5,12":1298,"5,13":1299,"5,14":1300,"5,15":1301,"5,16":1302,"5,17":1303,"5,18":1304,"5,19":1305,"5,20":1306,"5,21":1307,"5,22":1308,"5,23":1309,"5,24":1310,"5,25":1311,"5,26":1312,"5,27":1313,"5,28":1314,"5,29":1315,"5,30":1316,"5,31":1317,"5,32":1318,"5,33":1319,"5,34":1320,"5,35":1321,"5,36":1322,"5,37":1323,"5,38":1324,"5,39":1325,"5,40":1326,"5,41":1327,"5,42":1328,"5,43":1329,"5,44":1330,"5,45":1331,"5,46":1332,"5,47":1333,"5,48":1334,"5,49":1335,"5,50":1336,"5,51":1337,"5,52":1338,"5,53":1339,"5,54":1340,"5,55":1341,"5,56":1342,"5,57":1343,"5,58":1344,"5,59":1345,"5,60":1346,"5,61":1347,"5,62":1348,"5,63":1349,"5,64":1350,"5,65":1351,"5,66":1352,"5,67":1353,"5,68":1354,"5,69":1355,"5,70":1356,"5,71":1357,"5,72":1358,"5,73":1359,"5,74":1360,"5,75":1361,"5,76":1362,"5,77":1363,"5,78":1364,"5,79":1365,"5,80":1366,"5,81":1367,"5,82":1368,"5,83":1369,"5,84":1370,"5,85":1371,"5,86":1372,"5,87":1373,"5,88":1374,"5,89":1375,"5,90":1376,"5,91":1377,"5,92":1378,"5,93":1379,"5,94":1380,"5,95":1381,"5,96":1382,"5,97":1383,"5,98":1384,"5,99":1385,"5,100":1386,"5,101":1387,"5,102":1388,"5,103":1389,"5,104":1390,"5,105":1391,"5,106":1392,"5,107":1393,"5,108":1394,"5,109":1395,"5,110":1396,"5,111":1397,"5,112":1398,"5,113":1399,"5,114":1400,"5,115":1401,"5,116":1402,"5,117":1403,"5,118":1404,"5,119":1405,"5,120":1406,"5,121":1407,"5,122":1408,"5,123":1409,"5,124":1410,"5,125":1411,"5,126":1412,"5,127":1413,"5,128":1414,"5,129":1415,"5,130":1416,"5,131":1417,"5,132":1418,"5,133":1419,"5,134":1420,"5,135":1421,"5,136":1422,"5,137":1423,"5,138":1424,"5,139":1425,"5,140":1426,"5,141":1427,"5,142":1428,"5,143":1429,"5,144":1430,"5,145":1431,"5,146":1432,"5,147":1433,"5,148":1434,"5,149":1435,"5,150":1436,"5,151":1437,"5,152":1438,"5,153":1439,"5,154":1440,"5,155":1441,"5,156":1442,"5,157":1443,"5,158":1444,"5,159":1445,"5,160":1446,"5,161":1447,"5,162":1448,"5,163":1449,"5,164":1450,"5,165":1451,"5,166":1452,"5,167":1453,"5,168":1454,"5,169":1455,"5,170":1456,"5,171":1457,"5,172":1458,"5,173":1459,"5,174":1460,"5,175":1461,"5,176":1462,"5,177":1463,"5,178":1464,"5,179":1465,"5,180":1466,"5,181":1467,"5,182":1468,"5,183":1469,"5,184":1470,"5,185":1471,"5,186":1472,"5,187":1473,"5,188":1474,"5,189":1475,"5,190":1476,"5,191":1477,"5,192":1478,"5,193":1479,"5,194":1480,"5,195":1481,"5,196":1482,"5,197":1483,"5,198":1484,"5,199":1485,"5,200":1486,"5,201":1487,"5,202":1488,"5,203":1489,"5,204":1490,"5,205":1491,"5,206":1492,"5,207":1493,"5,208":1494,"5,209":1495,"5,210":1496,"5,211":1497,"5,212":1498,"5,213":1499,"5,214":1500,"5,215":1501,"5,216":1502,"5,217":1503,"5,218":1504,"5,219":1505,"5,220":1506,"5,221":1507,"5,222":1508,"5,223":1509,"5,224":1510,"5,225":1511,"5,226":1512,"5,227":1513,"5,228":1514,"5,229":1515,"5,230":1516,"5,231":1517,"5,232":1518,"5,233":1519,"5,234":1520,"5,235":1521,"5,236":1522,"5,237":1523,"5,238":1524,"5,239":1525,"5,240":1526,"5,241":1527,"5,242":1528,"5,243":1529,"5,244":1530,"5,245":1531,"5,246":1532,"5,247":1533,"5,248":1534,"5,249":1535,"5,250":1536,"5,251":1537,"5,252":1538,"5,253":1539,"5,254":1540,"5,255":1541,"5,256":1542,"5,257":1543,"5,258":1544,"5,259":1545,"5,260":1546,"5,261":1547,"5,262":1548,"5,263":1549,"5,264":1550,"5,265":1551,"5,266":1552,"5,267":1553,"5,268":1554,"5,269":1555,"5,270":1556,"5,271":1557,"5,272":1558,"5,273":1559,"5,274":1560,"5,275":1561,"5,276":1562,"5,277":1563,"5,278":1564,"5,279":1565,"5,280":1566,"5,281":1567,"5,282":1568,"5,283":1569,"5,284":1570,"5,285":1571,"5,286":1572,"5,287":1573,"5,288":1574,"6,5":1575,"6,6":1576,"6,7":1577,"6,8":1578,"6,9":1579,"6,10":1580,"6,11":1581,"6,12":1582,"6,13":1583,"6,14":1584,"6,15":1585,"6,16":1586,"6,17":1587,"6,18":1588,"6,19":1589,"6,20":1590,"6,21":1591,"6,22":1592,"6,23":1593,"6,24":1594,"6,25":1595,"6,26":1596,"6,27":1597,"6,28":1598,"6,29":1599,"6,30":1600,"6,31":1601,"6,32":1602,"6,33":1603,"6,34":1604,"6,35":1605,"6,36":1606,"6,37":1607,"6,38":1608,"6,39":1609,"6,40":1610,"6,41":1611,"6,42":1612,"6,43":1613,"6,44":1614,"6,45":1615,"6,46":1616,"6,47":1617,"6,48":1618,"6,49":1619,"6,50":1620,"6,51":1621,"6,52":1622,"6,53":1623,"6,54":1624,"6,55":1625,"6,56":1626,"6,57":1627,"6,58":1628,"6,59":1629,"6,60":1630,"6,61":1631,"6,62":1632,"6,63":1633,"6,64":1634,"6,65":1635,"6,66":1636,"6,67":1637,"6,68":1638,"6,69":1639,"6,70":1640,"6,71":1641,"6,72":1642,"6,73":1643,"6,74":1644,"6,75":1645,"6,76":1646,"6,77":1647,"6,78":1648,"6,79":1649,"6,80":1650,"6,81":1651,"6,82":1652,"6,83":1653,"6,84":1654,"6,85":1655,"6,86":1656,"6,87":1657,"6,88":1658,"6,89":1659,"6,90":1660,"6,91":1661,"6,92":1662,"6,93":1663,"6,94":1664,"6,95":1665,"6,96":1666,"6,97":1667,"6,98":1668,"6,99":1669,"6,100":1670,"6,101":1671,"6,102":1672,"6,103":1673,"6,104":1674,"6,105":1675,"6,106":1676,"6,107":1677,"6,108":1678,"6,109":1679,"6,110":1680,"6,111":1681,"6,112":1682,"6,113":1683,"6,114":1684,"6,115":1685,"6,116":1686,"6,117":1687,"6,118":1688,"6,119":1689,"6,120":1690,"6,121":1691,"6,122":1692,"6,123":1693,"6,124":1694,"6,125":1695,"6,126":1696,"6,127":1697,"6,128":1698,"6,129":1699,"6,130":1700,"6,131":1701,"6,132":1702,"6,133":1703,"6,134":1704,"6,135":1705,"6,136":1706,"6,137":1707,"6,138":1708,"6,139":1709,"6,140":1710,"6,141":1711,"6,142":1712,"6,143":1713,"6,144":1714,"6,145":1715,"6,146":1716,"6,147":1717,"6,148":1718,"6,149":1719,"6,150":1720,"6,151":1721,"6,152":1722,"6,153":1723,"6,154":1724,"6,155":1725,"6,156":1726,"6,157":1727,"6,158":1728,"6,159":1729,"6,160":1730,"6,161":1731,"6,162":1732,"6,163":1733,"6,164":1734,"6,165":1735,"6,166":1736,"6,167":1737,"6,168":1738,"6,169":1739,"6,170":1740,"6,171":1741,"6,172":1742,"6,173":1743,"6,174":1744,"6,175":1745,"6,176":1746,"6,177":1747,"6,178":1748,"6,179":1749,"6,180":1750,"6,181":1751,"6,182":1752,"6,183":1753,"6,185":1754,"6,186":1755,"6,187":1756,"6,188":1757,"6,189":1758,"6,190":1759,"6,191":1760,"6,192":1761,"6,193":1762,"6,194":1763,"6,195":1764,"6,196":1765,"6,197":1766,"6,198":1767,"6,199":1768,"6,200":1769,"6,201":1770,"6,202":1771,"6,203":1772,"6,204":1773,"6,205":1774,"6,206":1775,"6,207":1776,"6,208":1777,"6,209":1778,"6,210":1779,"6,211":1780,"6,212":1781,"6,213":1782,"6,214":1783,"6,215":1784,"6,216":1785,"6,217":1786,"6,218":1787,"6,219":1788,"6,220":1789,"6,221":1790,"6,222":1791,"6,223":1792,"6,224":1793,"6,225":1794,"6,226":1795,"6,227":1796,"6,228":1797,"6,229":1798,"6,230":1799,"6,231":1800,"6,232":1801,"6,233":1802,"6,234":1803,"6,235":1804,"6,236":1805,"6,237":1806,"6,238":1807,"6,239":1808,"6,240":1809,"6,241":1810,"6,242":1811,"6,243":1812,"6,244":1813,"6,245":1814,"6,246":1815,"6,247":1816,"6,248":1817,"6,249":1818,"6,250":1819,"6,251":1820,"6,252":1821,"6,253":1822,"6,254":1823,"6,255":1824,"6,256":1825,"6,257":1826,"6,258":1827,"6,259":1828,"6,260":1829,"6,261":1830,"6,262":1831,"6,263":1832,"6,264":1833,"6,265":1834,"6,266":1835,"6,267":1836,"6,268":1837,"6,269":1838,"6,270":1839,"6,271":1840,"6,272":1841,"6,273":1842,"6,274":1843,"6,275":1844,"6,276":1845,"6,277":1846,"6,278":1847,"6,279":1848,"6,280":1849,"6,281":1850,"6,282":1851,"6,283":1852,"6,284":1853,"6,285":1854,"6,286":1855,"6,287":1856,"6,288":1857,"6,289":1858,"6,290":1859,"6,291":1860,"6,292":1861,"6,293":1862,"6,294":1863,"6,295":1864,"6,296":1865,"6,297":1866,"6,298":1867,"6,299":1868,"6,300":1869,"6,301":1870,"6,302":1871,"6,303":1872,"7,5":1873,"7,6":1874,"7,7":1875,"7,8":1876,"7,9":1877,"7,10":1878,"7,11":1879,"7,12":1880,"7,13":1881,"7,14":1882,"7,15":1883,"7,16":1884,"7,17":1885,"7,18":1886,"7,19":1887,"7,20":1888,"7,21":1889,"7,22":1890,"7,23":1891,"7,24":1892,"7,25":1893,"7,26":1894,"7,27":1895,"7,28":1896,"7,29":1897,"7,30":1898,"7,31":1899,"7,32":1900,"7,33":1901,"7,34":1902,"7,35":1903,"7,36":1904,"7,37":1905,"7,38":1906,"7,39":1907,"7,40":1908,"7,41":1909,"7,42":1910,"7,43":1911,"7,44":1912,"7,45":1913,"7,46":1914,"7,47":1915,"7,48":1916,"7,49":1917,"7,50":1918,"7,51":1919,"7,52":1920,"7,53":1921,"7,54":1922,"7,55":1923,"7,56":1924,"7,57":1925,"7,58":1926,"7,59":1927,"7,60":1928,"7,61":1929,"7,62":1930,"7,63":1931,"7,64":1932,"7,65":1933,"7,66":1934,"7,67":1935,"7,68":1936,"7,69":1937,"7,70":1938,"7,71":1939,"7,72":1940,"7,73":1941,"7,74":1942,"7,75":1943,"7,76":1944,"7,77":1945,"7,78":1946,"7,79":1947,"7,80":1948,"7,81":1949,"7,82":1950,"7,83":1951,"7,84":1952,"7,85":1953,"7,86":1954,"7,87":1955,"7,88":1956,"7,89":1957,"7,90":1958,"7,91":1959,"7,92":1960,"7,93":1961,"7,94":1962,"7,95":1963,"7,96":1964,"7,97":1965,"7,98":1966,"7,99":1967,"7,100":1968,"7,101":1969,"7,102":1970,"7,103":1971,"7,104":1972,"7,105":1973,"7,106":1974,"7,107":1975,"7,108":1976,"7,109":1977,"7,110":1978,"7,111":1979,"7,112":1980,"7,113":1981,"7,114":1982,"7,115":1983,"7,116":1984,"7,117":1985,"7,118":1986,"7,119":1987,"7,120":1988,"7,121":1989,"7,122":1990,"7,123":1991,"7,124":1992,"7,125":1993,"7,126":1994,"7,127":1995,"7,128":1996,"7,129":1997,"7,130":1998,"7,131":1999,"7,132":2000,"7,133":2001,"7,134":2002,"7,135":2003,"7,136":2004,"7,137":2005,"7,138":2006,"7,139":2007,"7,140":2008,"7,141":2009,"7,142":2010,"7,143":2011,"7,144":2012,"7,145":2013,"7,146":2014,"7,147":2015,"7,148":2016,"7,149":2017,"7,150":2018,"7,151":2019,"7,152":2020,"7,153":2021,"7,154":2022,"7,155":2023,"7,156":2024,"7,157":2025,"7,158":2026,"7,159":2027,"7,160":2028,"7,161":2029,"7,162":2030,"7,163":2031,"7,164":2032,"7,165":2033,"7,166":2034,"7,167":2035,"7,168":2036,"7,169":2037,"7,170":2038,"7,171":2039,"7,172":2040,"7,173":2041,"7,174":2042,"7,175":2043,"7,176":2044,"7,177":2045,"7,178":2046,"7,179":2047,"7,180":2048,"7,181":2049,"7,182":2050,"7,183":2051,"7,184":2052,"7,185":2053,"7,186":2054,"7,187":2055,"7,188":2056,"7,189":2057,"7,190":2058,"7,191":2059,"7,192":2060,"7,193":2061,"7,195":2062,"7,196":2063,"7,197":2064,"7,198":2065,"7,199":2066,"7,200":2067,"7,201":2068,"7,202":2069,"7,203":2070,"7,204":2071,"7,205":2072,"7,206":2073,"7,207":2074,"7,208":2075,"7,209":2076,"7,210":2077,"7,211":2078,"7,212":2079,"7,213":2080,"7,214":2081,"7,215":2082,"7,216":2083,"7,217":2084,"7,218":2085,"7,219":2086,"7,220":2087,"7,221":2088,"7,222":2089,"7,223":2090,"7,224":2091,"7,225":2092,"7,226":2093,"7,227":2094,"7,228":2095,"7,229":2096,"7,230":2097,"7,231":2098,"7,232":2099,"7,233":2100,"7,234":2101,"7,235":2102,"7,236":2103,"7,237":2104,"7,238":2105,"7,239":2106,"7,240":2107,"7,241":2108,"7,242":2109,"7,243":2110,"7,244":2111,"7,245":2112,"7,246":2113,"7,247":2114,"7,248":2115,"7,249":2116,"7,250":2117,"7,251":2118,"7,252":2119,"7,253":2120,"7,254":2121,"7,255":2122,"7,256":2123,"7,257":2124,"7,258":2125,"7,259":2126,"7,260":2127,"7,261":2128,"7,262":2129,"7,263":2130,"7,264":2131,"7,265":2132,"7,266":2133,"7,267":2134,"7,268":2135,"7,269":2136,"7,270":2137,"7,271":2138,"7,272":2139,"7,273":2140,"7,274":2141,"7,275":2142,"7,277":2143,"7,278":2144,"7,279":2145,"7,280":2146,"7,281":2147,"7,282":2148,"7,283":2149,"7,284":2150,"7,285":2151,"7,286":2152,"7,287":2153,"7,288":2154,"7,289":2155,"7,290":2156,"7,291":2157,"7,292":2158,"7,293":2159,"7,294":2160,"7,295":2161,"7,296":2162,"7,297":2163,"7,298":2164,"7,299":2165,"7,300":2166,"7,301":2167,"7,302":2168,"7,303":2169,"7,304":2170,"7,305":2171,"7,306":2172,"7,307":2173,"7,308":2174,"7,309":2175,"7,310":2176,"7,311":2177,"7,312":2178,"7,313":2179,"7,314":2180,"7,315":2181,"7,316":2182,"7,317":2183,"7,318":2184,"7,319":2185,"7,320":2186,"7,321":2187,"7,322":2188,"7,323":2189,"7,324":2190,"7,325":2191,"7,326":2192,"7,327":2193,"7,328":2194,"7,329":2195,"7,330":2196,"7,331":2197,"7,332":2198,"7,333":2199,"7,334":2200,"7,335":2201,"7,336":2202,"7,337":2203,"7,338":2204,"7,339":2205,"7,340":2206,"7,341":2207,"7,342":2208,"7,343":2209,"7,344":2210,"7,345":2211,"7,346":2212,"7,347":2213,"7,348":2214,"7,349":2215,"7,350":2216,"7,351":2217,"7,352":2218,"7,353":2219,"7,354":2220,"7,355":2221,"7,356":2222,"7,357":2223,"7,358":2224,"8,5":2225,"8,6":2226,"8,7":2227,"8,8":2228,"8,9":2229,"8,10":2230,"8,11":2231,"8,12":2232,"8,13":2233,"8,14":2234,"8,15":2235,"8,16":2236,"8,17":2237,"8,18":2238,"8,19":2239,"8,20":2240,"8,21":2241,"8,22":2242,"8,23":2243,"8,24":2244,"8,25":2245,"8,26":2246,"8,27":2247,"8,28":2248,"8,29":2249,"8,30":2250,"8,31":2251,"8,32":2252,"8,33":2253,"8,34":2254,"8,35":2255,"8,36":2256,"8,37":2257,"8,38":2258,"8,39":2259,"8,40":2260,"8,41":2261,"8,42":2262,"8,43":2263,"8,44":2264,"8,45":2265,"8,46":2266,"8,47":2267,"8,48":2268,"8,49":2269,"8,50":2270,"8,51":2271,"8,52":2272,"8,53":2273,"8,54":2274,"8,55":2275,"8,56":2276,"8,57":2277,"8,58":2278,"8,59":2279,"8,60":2280,"8,61":2281,"8,62":2282,"8,63":2283,"8,64":2284,"8,65":2285,"8,66":2286,"8,67":2287,"8,68":2288,"8,69":2289,"8,70":2290,"8,71":2291,"8,72":2292,"8,73":2293,"8,74":2294,"8,75":2295,"8,76":2296,"8,77":2297,"8,78":2298,"8,79":2299,"8,80":2300,"8,81":2301,"8,82":2302,"8,83":2303,"8,84":2304,"8,85":2305,"8,86":2306,"8,87":2307,"8,88":2308,"8,89":2309,"8,90":2310,"8,91":2311,"8,92":2312,"8,93":2313,"8,94":2314,"8,95":2315,"8,96":2316,"8,97":2317,"8,98":2318,"8,99":2319,"8,100":2320,"8,101":2321,"8,102":2322,"8,103":2323,"8,104":2324,"8,105":2325,"8,106":2326,"8,107":2327,"8,108":2328,"8,109":2329,"8,110":2330,"8,111":2331,"8,112":2332,"8,113":2333,"8,114":2334,"8,115":2335,"8,116":2336,"8,117":2337,"8,118":2338,"8,119":2339,"8,120":2340,"8,121":2341,"8,122":2342,"8,123":2343,"8,124":2344,"8,125":2345,"8,126":2346,"8,127":2347,"8,128":2348,"8,129":2349,"8,131":2350,"8,132":2351,"8,133":2352,"8,134":2353,"8,135":2354,"8,136":2355,"8,137":2356,"8,138":2357,"8,139":2358,"8,140":2359,"8,141":2360,"8,142":2361,"8,143":2362,"8,144":2363,"8,145":2364,"8,146":2365,"8,147":2366,"8,148":2367,"8,149":2368,"8,150":2369,"8,151":2370,"8,152":2371,"8,153":2372,"8,154":2373,"8,155":2374,"8,156":2375,"8,157":2376,"8,158":2377,"8,159":2378,"8,160":2379,"8,161":2380,"8,162":2381,"8,163":2382,"8,164":2383,"8,165":2384,"8,166":2385,"8,167":2386,"8,168":2387,"8,169":2388,"8,170":2389,"8,171":2390,"8,172":2391,"8,173":2392,"8,174":2393,"8,175":2394,"8,176":2395,"8,177":2396,"8,178":2397,"8,179":2398,"8,180":2399,"8,181":2400,"8,182":2401,"8,183":2402,"8,184":2403,"8,185":2404,"8,186":2405,"8,187":2406,"8,188":2407,"8,189":2408,"8,190":2409,"8,191":2410,"8,192":2411,"8,193":2412,"8,194":2413,"8,195":2414,"8,196":2415,"8,197":2416,"8,198":2417,"8,199":2418,"8,200":2419,"8,201":2420,"8,202":2421,"8,203":2422,"8,204":2423,"8,205":2424,"8,206":2425,"8,207":2426,"8,208":2427,"8,209":2428,"8,210":2429,"8,211":2430,"8,212":2431,"8,213":2432,"8,214":2433,"8,215":2434,"8,216":2435,"8,217":2436,"8,218":2437,"8,219":2438,"8,220":2439,"8,221":2440,"8,222":2441,"8,223":2442,"8,224":2443,"8,225":2444,"8,226":2445,"8,227":2446,"8,228":2447,"8,229":2448,"8,230":2449,"8,231":2450,"8,232":2451,"8,233":2452,"8,234":2453,"8,235":2454,"8,236":2455,"8,237":2456,"8,238":2457,"8,239":2458,"8,240":2459,"8,241":2460,"8,242":2461,"8,243":2462,"8,244":2463,"8,245":2464,"8,246":2465,"8,247":2466,"8,248":2467,"8,249":2468,"8,250":2469,"8,251":2470,"8,252":2471,"8,253":2472,"8,254":2473,"8,255":2474,"8,256":2475,"8,257":2476,"8,258":2477,"8,259":2478,"8,260":2479,"8,261":2480,"8,262":2481,"8,263":2482,"8,264":2483,"8,265":2484,"8,266":2485,"8,267":2486,"8,268":2487,"8,269":2488,"8,270":2489,"8,271":2490,"8,272":2491,"8,273":2492,"8,274":2493,"8,275":2494,"8,276":2495,"8,277":2496,"8,278":2497,"8,279":2498,"8,280":2499,"8,281":2500,"8,282":2501,"8,283":2502,"8,284":2503,"8,285":2504,"8,286":2505,"8,287":2506,"8,288":2507,"8,289":2508,"8,290":2509,"8,291":2510,"8,292":2511,"8,293":2512,"8,294":2513,"8,295":2514,"8,296":2515,"8,297":2516,"8,298":2517,"8,299":2518,"8,300":2519,"8,301":2520,"8,302":2521,"8,303":2522,"8,304":2523,"8,305":2524,"8,306":2525,"8,307":2526,"8,308":2527,"8,309":2528,"8,310":2529,"8,311":2530,"8,312":2531,"8,313":2532,"8,314":2533,"8,315":2534,"8,316":2535,"8,317":2536,"8,318":2537,"8,319":2538,"8,320":2539,"8,321":2540,"8,322":2541,"8,323":2542,"8,324":2543,"8,325":2544,"8,326":2545,"8,327":2546,"8,328":2547,"9,338":2548,"9,339":2549,"9,340":2550,"9,341":2551},"ٜ":{"المقدمة":[1,24],"1":[5,387],"2":[5,296],"3":[5,342],"4":[5,265],"5":[5,288],"6":[5,303],"7":[5,358],"8":[5,328],"9":[338,341]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,2","المقدمة,3","المقدمة,4","المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","9,338","9,339","9,340","9,341"],"ٞ":{"1":[1,2],"3":[3],"16":[4],"25":[5],"28":[6],"30":[7],"32":[8],"33":[9],"39":[10,11,12,13],"40":[14,15],"41":[16],"43":[17,18],"44":[19,20,21],"45":[22,23,24],"46":[25],"48":[26],"55":[27,28,29,30,31],"56":[32],"57":[33],"58":[34],"59":[35],"60":[36,37],"61":[38,39,40,41,42],"62":[43],"66":[44,45],"67":[46,47],"84":[48],"87":[49],"88":[50],"89":[51],"91":[52],"93":[53],"94":[54],"95":[55],"99":[56],"100":[57,58],"101":[59],"102":[60,61],"103":[62],"104":[63],"105":[64],"106":[65],"107":[66,67],"109":[68,69,70],"110":[71],"111":[72],"112":[73],"118":[74],"119":[75,76,77],"120":[78],"121":[79,80],"122":[81,82],"126":[83],"127":[84],"128":[85],"129":[86],"133":[87],"134":[88,89],"135":[90],"136":[91],"137":[92],"139":[93],"140":[94],"142":[95],"144":[96,97],"147":[98,99,100],"148":[101],"149":[102],"151":[103],"152":[104],"157":[105],"158":[106],"159":[107],"160":[108,109,110],"163":[111],"164":[112,113],"166":[114,115],"167":[116,117],"171":[118],"172":[119,120,121],"173":[122],"176":[123,124],"178":[125],"179":[126,127],"181":[128],"183":[129,130],"185":[131],"186":[132],"189":[133,134],"190":[135],"191":[136],"196":[137],"197":[138],"198":[139],"199":[140],"200":[141,142],"201":[143],"202":[144],"203":[145],"205":[146],"206":[147],"207":[148],"209":[149],"210":[150,151,152],"213":[153],"221":[154],"223":[155],"226":[156,157],"227":[158],"229":[159],"230":[160],"233":[161],"234":[162],"235":[163,164],"238":[165],"239":[166],"241":[167],"242":[168],"243":[169],"246":[170],"250":[171],"251":[172],"253":[173,174],"255":[175],"256":[176],"258":[177],"259":[178],"260":[179,180],"262":[181,182],"263":[183],"266":[184],"268":[185],"270":[186,187],"272":[188],"274":[189],"275":[190],"276":[191],"278":[192],"281":[193],"283":[194],"284":[195],"286":[196,197],"288":[198],"289":[199,200],"291":[201],"292":[202],"293":[203],"295":[204],"296":[205],"297":[206],"299":[207,208],"301":[209],"302":[210],"303":[211],"304":[212],"305":[213],"307":[214],"308":[215],"309":[216],"310":[217,218],"311":[219],"312":[220],"313":[221],"314":[222],"318":[223,224],"319":[225],"320":[226],"322":[227],"323":[228],"326":[229],"327":[230],"330":[231,232],"331":[233],"332":[234],"335":[235,236],"337":[237],"339":[238],"341":[239],"342":[240],"343":[241],"344":[242],"345":[243],"347":[244],"349":[245],"351":[246],"352":[247],"356":[248],"359":[249,250],"363":[251,252],"367":[253],"368":[254],"371":[255],"372":[256],"374":[257],"375":[258],"379":[259],"381":[260],"383":[261,262],"385":[263,264],"387":[265],"390":[266],"391":[267,268],"392":[269],"394":[270],"395":[271],"397":[272],"398":[273],"401":[274,275,276],"406":[277],"407":[278],"408":[279],"409":[280,281],"410":[282],"411":[283,284],"413":[285],"415":[286],"417":[287],"420":[288],"422":[289],"424":[290,291],"426":[292],"427":[293],"428":[294],"429":[295],"432":[296],"433":[297],"434":[298],"436":[299],"438":[300,301],"439":[302],"441":[303],"443":[304],"445":[305],"448":[306,307],"450":[308],"451":[309],"452":[310],"454":[311],"456":[312],"457":[313],"461":[314],"462":[315],"463":[316],"464":[317],"465":[318],"467":[319],"469":[320],"471":[321],"475":[322],"476":[323],"481":[324],"482":[325],"485":[326],"488":[327],"490":[328,329],"491":[330],"493":[331],"495":[332],"497":[333],"498":[334],"499":[335],"501":[336],"502":[337],"503":[338],"504":[339],"507":[340,341],"509":[342,343],"510":[344,345],"513":[346],"520":[347],"521":[348],"522":[349],"524":[350],"525":[351],"526":[352],"527":[353],"530":[354],"532":[355],"533":[356],"535":[357],"536":[358],"539":[359],"540":[360],"541":[361],"542":[362],"543":[363,364],"544":[365],"545":[366,367],"547":[368],"548":[369],"549":[370],"553":[371],"555":[372,373],"559":[374],"560":[375],"566":[376],"568":[377],"569":[378],"575":[379],"579":[380,381],"581":[382],"582":[383],"586":[384],"589":[385],"591":[386],"593":[387,388],"594":[389],"596":[390],"598":[391],"599":[392],"601":[393],"602":[394],"603":[395],"605":[396,397],"608":[398],"610":[399],"613":[400,401],"615":[402],"616":[403],"617":[404],"618":[405,406],"619":[407],"621":[408],"622":[409,410],"623":[411,412],"625":[413],"630":[414,415],"631":[416],"632":[417,418],"635":[419],"636":[420],"637":[421,422],"638":[423],"639":[424,425],"640":[426],"642":[427],"643":[428],"644":[429,430],"645":[431],"646":[432],"652":[433],"653":[434],"654":[435],"659":[436],"660":[437],"661":[438],"664":[439],"665":[440,441],"667":[442],"669":[443],"671":[444],"672":[445],"674":[446],"678":[447],"679":[448],"680":[449],"681":[450],"683":[451,452],"684":[453],"685":[454,455],"687":[456],"688":[457],"690":[458],"693":[459,460,461],"695":[462],"697":[463],"698":[464],"699":[465],"700":[466],"701":[467],"703":[468],"705":[469],"708":[470],"709":[471],"711":[472,473],"715":[474],"717":[475],"720":[476],"722":[477],"723":[478],"726":[479],"727":[480],"728":[481],"729":[482],"730":[483],"732":[484,485],"735":[486],"741":[487,488],"743":[489],"747":[490],"751":[491],"752":[492],"757":[493,494],"758":[495],"761":[496],"762":[497],"763":[498],"764":[499],"766":[500],"771":[501],"773":[502],"775":[503],"777":[504],"778":[505],"779":[506],"781":[507],"783":[508],"785":[509],"786":[510],"787":[511],"789":[512],"791":[513],"792":[514],"796":[515],"797":[516],"800":[517],"804":[518],"807":[519],"810":[520],"812":[521,522],"814":[523],"817":[524],"818":[525,526],"820":[527],"822":[528],"825":[529],"826":[530],"827":[531],"829":[532],"831":[533],"832":[534],"835":[535],"836":[536,537],"837":[538],"838":[539],"840":[540],"841":[541],"843":[542],"846":[543,544],"847":[545],"849":[546],"850":[547],"853":[548,549,550],"855":[551],"857":[552],"863":[553],"864":[554,555],"865":[556],"867":[557],"868":[558],"869":[559,560],"871":[561],"873":[562],"874":[563],"875":[564],"877":[565,566],"882":[567,568],"884":[569],"885":[570],"891":[571,572],"893":[573],"895":[574],"904":[575],"905":[576],"912":[577],"913":[578],"914":[579],"915":[580],"921":[581],"923":[582],"925":[583],"926":[584],"927":[585],"928":[586],"929":[587],"930":[588],"932":[589],"934":[590],"936":[591],"937":[592],"938":[593],"940":[594],"942":[595],"943":[596],"944":[597,598],"945":[599],"947":[600],"948":[601],"951":[602],"953":[603],"954":[604],"955":[605],"957":[606],"960":[607],"961":[608],"963":[609,610],"964":[611],"966":[612],"967":[613],"969":[614],"970":[615],"971":[616],"972":[617],"973":[618],"976":[619],"978":[620],"981":[621],"982":[622],"985":[623],"986":[624],"988":[625],"990":[626],"991":[627],"992":[628],"994":[629],"995":[630,631],"998":[632],"1000":[633],"1002":[634],"1004":[635,636],"1008":[637],"1010":[638],"1012":[639],"1015":[640],"1016":[641],"1018":[642],"1019":[643],"1026":[644],"1030":[645,646,647],"1031":[648],"1038":[649],"1040":[650],"1042":[651],"1046":[652],"1049":[653],"1054":[654,655],"1056":[656],"1059":[657],"1066":[658],"1068":[659],"1071":[660],"1075":[661,662],"1079":[663],"1081":[664],"1083":[665,666],"1085":[667],"1086":[668],"1087":[669],"1088":[670],"1089":[671],"1091":[672],"1092":[673],"1093":[674],"1094":[675,676],"1096":[677,678],"1098":[679],"1099":[680],"1101":[681],"1103":[682],"1105":[683],"1106":[684],"1108":[685,686,687],"1110":[688],"1112":[689],"1114":[690],"1116":[691],"1119":[692],"1122":[693],"1123":[694],"1126":[695],"1127":[696],"1130":[697],"1134":[698],"1135":[699],"1137":[700],"1138":[701],"1141":[702],"1142":[703],"1143":[704],"1147":[705],"1148":[706],"1150":[707,708],"1151":[709],"1153":[710],"1154":[711],"1155":[712],"1157":[713],"1158":[714,715],"1160":[716,717],"1163":[718],"1164":[719],"1166":[720],"1167":[721],"1168":[722],"1171":[723],"1173":[724],"1174":[725,726],"1175":[727],"1177":[728],"1179":[729],"1180":[730],"1184":[731,732,733],"1186":[734],"1188":[735],"1191":[736],"1193":[737],"1196":[738],"1197":[739],"1200":[740],"1202":[741],"1204":[742,743],"1211":[744,745],"1214":[746],"1217":[747],"1218":[748],"1219":[749],"1221":[750],"1222":[751],"1224":[752],"1226":[753],"1228":[754],"1231":[755],"1233":[756],"1236":[757],"1238":[758],"1247":[759],"1248":[760],"1250":[761],"1252":[762],"1254":[763],"1255":[764],"1256":[765],"1257":[766],"1258":[767],"1261":[768],"1263":[769,770],"1264":[771],"1265":[772,773],"1266":[774],"1268":[775],"1270":[776],"1271":[777,778],"1272":[779],"1273":[780],"1274":[781],"1275":[782],"1277":[783,784],"1278":[785],"1279":[786],"1284":[787,788],"1286":[789],"1287":[790],"1291":[791],"1293":[792,793],"1295":[794],"1298":[795],"1300":[796],"1301":[797],"1303":[798],"1304":[799],"1306":[800],"1307":[801],"1308":[802],"1312":[803],"1315":[804],"1317":[805],"1318":[806],"1319":[807],"1320":[808],"1321":[809],"1323":[810],"1324":[811],"1326":[812],"1327":[813],"1329":[814],"1331":[815],"1335":[816],"1339":[817],"1343":[818],"1344":[819],"1345":[820],"1346":[821],"1347":[822],"1348":[823],"1353":[824],"1354":[825,826],"1358":[827],"1360":[828],"1364":[829],"1365":[830],"1367":[831,832],"1368":[833],"1370":[834],"1371":[835],"1374":[836,837],"1376":[838],"1378":[839],"1381":[840],"1383":[841],"1385":[842],"1387":[843],"1389":[844],"1391":[845],"1394":[846],"1395":[847],"1396":[848],"1398":[849],"1399":[850],"1401":[851],"1404":[852],"1405":[853],"1406":[854],"1408":[855],"1409":[856],"1411":[857,858],"1412":[859],"1414":[860],"1415":[861],"1418":[862],"1421":[863,864],"1422":[865],"1426":[866],"1427":[867],"1432":[868],"1434":[869],"1435":[870],"1436":[871],"1439":[872],"1441":[873],"1443":[874,875],"1445":[876],"1446":[877],"1449":[878],"1450":[879],"1453":[880],"1455":[881,882],"1456":[883,884],"1458":[885],"1460":[886],"1464":[887,888],"1465":[889],"1467":[890,891],"1469":[892],"1472":[893],"1473":[894],"1476":[895,896],"1479":[897],"1481":[898],"1484":[899],"1487":[900],"1489":[901],"1492":[902],"1494":[903],"1495":[904],"1497":[905],"1499":[906,907],"1501":[908],"1503":[909],"1505":[910],"1507":[911],"1509":[912],"1512":[913],"1513":[914],"1515":[915],"1517":[916,917],"1519":[918],"1521":[919],"1523":[920],"1525":[921],"1526":[922],"1530":[923],"1531":[924,925],"1533":[926],"1537":[927,928],"1538":[929,930],"1541":[931],"1544":[932],"1546":[933],"1547":[934],"1549":[935],"1551":[936],"1552":[937],"1553":[938],"1555":[939],"1557":[940,941],"1561":[942],"1565":[943],"1570":[944],"1572":[945,946],"1575":[947,948,949],"1578":[950],"1579":[951],"1581":[952],"1582":[953],"1584":[954],"1586":[955],"1588":[956],"1594":[957,958],"1595":[959],"1600":[960],"1602":[961],"1603":[962],"1607":[963],"1609":[964],"1611":[965,966],"1612":[967],"1614":[968],"1615":[969],"1616":[970],"1619":[971],"1623":[972],"1624":[973],"1625":[974],"1627":[975,976],"1630":[977],"1631":[978],"1634":[979],"1635":[980],"1636":[981],"1638":[982],"1641":[983],"1642":[984],"1649":[985],"1652":[986],"1655":[987],"1656":[988],"1657":[989],"1658":[990],"1660":[991],"1662":[992],"1665":[993],"1666":[994],"1667":[995],"1670":[996],"1671":[997],"1673":[998,999,1000],"1675":[1001],"1676":[1002],"1677":[1003],"1678":[1004],"1680":[1005,1006],"1683":[1007],"1684":[1008,1009],"1685":[1010],"1687":[1011],"1689":[1012,1013],"1693":[1014],"1695":[1015],"1696":[1016],"1697":[1017],"1699":[1018,1019],"1701":[1020],"1702":[1021],"1704":[1022,1023],"1705":[1024,1025],"1709":[1026],"1711":[1027,1028],"1713":[1029,1030],"1714":[1031],"1716":[1032],"1717":[1033,1034],"1719":[1035,1036],"1724":[1037],"1725":[1038],"1726":[1039],"1731":[1040],"1739":[1041],"1740":[1042],"1741":[1043],"1743":[1044],"1746":[1045],"1748":[1046],"1754":[1047],"1757":[1048,1049],"1759":[1050],"1761":[1051,1052],"1762":[1053],"1763":[1054],"1765":[1055],"1766":[1056],"1773":[1057,1058],"1775":[1059],"1777":[1060],"1779":[1061],"1780":[1062],"1782":[1063],"1783":[1064],"1785":[1065],"1788":[1066,1067],"1793":[1068,1069],"1795":[1070],"1796":[1071,1072],"1797":[1073],"1801":[1074,1075],"1802":[1076],"1803":[1077],"1805":[1078],"1807":[1079],"1811":[1080],"1814":[1081,1082],"1815":[1083],"1819":[1084],"1820":[1085],"1823":[1086],"1828":[1087,1088],"1830":[1089],"1831":[1090],"1834":[1091],"1837":[1092],"1839":[1093],"1840":[1094,1095],"1843":[1096,1097],"1844":[1098],"1846":[1099,1100],"1849":[1101,1102],"1851":[1103,1104],"1853":[1105],"1855":[1106],"1860":[1107],"1861":[1108],"1863":[1109,1110],"1865":[1111],"1867":[1112],"1869":[1113],"1871":[1114,1115],"1873":[1116,1117,1118],"1874":[1119],"1876":[1120],"1881":[1121],"1882":[1122],"1886":[1123],"1890":[1124],"1891":[1125],"1892":[1126],"1893":[1127],"1894":[1128,1129],"1895":[1130,1131],"1896":[1132],"1897":[1133],"1898":[1134,1135,1136],"1899":[1137,1138],"1900":[1139,1140,1141],"1901":[1142],"1904":[1143,1144,1145],"1905":[1146],"1907":[1147],"1910":[1148,1149,1150],"1912":[1151],"1913":[1152,1153,1154,1155,1156,1157],"1914":[1158,1159],"1915":[1160,1161,1162,1163],"1916":[1164],"1918":[1165],"1920":[1166,1167],"1921":[1168],"1923":[1169],"1926":[1170],"1928":[1171],"1930":[1172,1173],"1932":[1174],"1933":[1175],"1939":[1176,1177],"1940":[1178],"1941":[1179],"1944":[1180],"1945":[1181],"1946":[1182,1183],"1947":[1184],"1948":[1185],"1950":[1186,1187],"1952":[1188],"1953":[1189],"1956":[1190],"1958":[1191],"1961":[1192],"1963":[1193,1194,1195],"1966":[1196],"1967":[1197],"1969":[1198],"1971":[1199,1200],"1972":[1201],"1975":[1202,1203],"1977":[1204,1205],"1978":[1206,1207],"1979":[1208],"1980":[1209,1210],"1983":[1211],"1985":[1212],"1987":[1213],"1988":[1214],"1989":[1215,1216,1217,1218,1219],"1990":[1220,1221,1222],"1991":[1223],"1992":[1224],"1993":[1225],"1994":[1226],"1996":[1227,1228],"1999":[1229],"2001":[1230],"2003":[1231,1232],"2009":[1233],"2013":[1234],"2015":[1235],"2016":[1236],"2018":[1237],"2019":[1238],"2021":[1239],"2026":[1240],"2031":[1241],"2035":[1242],"2037":[1243],"2039":[1244],"2041":[1245],"2042":[1246,1247],"2043":[1248],"2047":[1249],"2049":[1250],"2050":[1251],"2052":[1252,1253],"2054":[1254],"2055":[1255],"2057":[1256],"2058":[1257],"2062":[1258,1259,1260],"2063":[1261],"2065":[1262],"2067":[1263],"2069":[1264],"2071":[1265],"2072":[1266,1267],"2073":[1268],"2075":[1269],"2079":[1270,1271],"2080":[1272],"2081":[1273],"2083":[1274],"2084":[1275],"2085":[1276],"2086":[1277],"2087":[1278],"2089":[1279,1280],"2091":[1281],"2093":[1282,1283],"2094":[1284],"2095":[1285],"2097":[1286,1287],"2098":[1288],"2099":[1289],"2100":[1290],"2103":[1291,1292],"2104":[1293],"2106":[1294],"2108":[1295],"2109":[1296],"2110":[1297],"2111":[1298],"2112":[1299],"2113":[1300],"2115":[1301,1302],"2120":[1303],"2122":[1304,1305],"2123":[1306],"2124":[1307,1308],"2126":[1309,1310],"2128":[1311],"2131":[1312],"2132":[1313],"2134":[1314],"2136":[1315],"2138":[1316,1317],"2140":[1318],"2141":[1319],"2142":[1320],"2143":[1321,1322,1323],"2145":[1324],"2147":[1325],"2150":[1326],"2152":[1327],"2155":[1328],"2156":[1329,1330],"2158":[1331,1332],"2160":[1333],"2161":[1334],"2163":[1335],"2165":[1336,1337],"2168":[1338],"2173":[1339],"2174":[1340],"2176":[1341],"2179":[1342],"2180":[1343,1344],"2182":[1345],"2184":[1346],"2185":[1347,1348],"2189":[1349],"2190":[1350],"2192":[1351],"2193":[1352],"2196":[1353],"2198":[1354],"2200":[1355],"2201":[1356],"2206":[1357],"2208":[1358],"2210":[1359],"2212":[1360,1361],"2214":[1362],"2216":[1363],"2217":[1364],"2221":[1365],"2225":[1366,1367],"2229":[1368],"2230":[1369],"2233":[1370],"2236":[1371],"2238":[1372],"2240":[1373,1374],"2242":[1375],"2243":[1376],"2248":[1377],"2249":[1378],"2250":[1379],"2253":[1380],"2255":[1381],"2258":[1382],"2259":[1383],"2260":[1384],"2261":[1385],"2262":[1386],"2263":[1387],"2265":[1388,1389,1390],"2267":[1391],"2271":[1392],"2275":[1393],"2277":[1394],"2279":[1395],"2281":[1396],"2282":[1397],"2284":[1398,1399],"2286":[1400],"2288":[1401],"2291":[1402,1403],"2293":[1404],"2296":[1405],"2299":[1406],"2300":[1407],"2301":[1408],"2302":[1409],"2304":[1410],"2308":[1411,1412],"2309":[1413],"2310":[1414],"2313":[1415],"2314":[1416],"2316":[1417],"2317":[1418],"2318":[1419],"2323":[1420,1421,1422],"2325":[1423],"2326":[1424],"2332":[1425],"2334":[1426],"2336":[1427,1428],"2337":[1429],"2339":[1430,1431],"2341":[1432],"2342":[1433],"2346":[1434,1435],"2350":[1436,1437,1438],"2356":[1439],"2357":[1440],"2358":[1441],"2359":[1442],"2360":[1443],"2361":[1444],"2363":[1445],"2367":[1446],"2369":[1447,1448],"2371":[1449],"2372":[1450],"2375":[1451],"2376":[1452],"2378":[1453,1454],"2381":[1455],"2383":[1456],"2387":[1457],"2389":[1458],"2392":[1459,1460],"2393":[1461],"2395":[1462],"2397":[1463],"2399":[1464],"2400":[1465],"2402":[1466,1467],"2403":[1468],"2408":[1469],"2409":[1470],"2411":[1471],"2412":[1472],"2417":[1473],"2419":[1474],"2420":[1475],"2424":[1476],"2425":[1477],"2427":[1478,1479],"2430":[1480],"2433":[1481],"2434":[1482],"2437":[1483],"2442":[1484],"2444":[1485],"2446":[1486],"2448":[1487],"2450":[1488],"2451":[1489],"2452":[1490],"2453":[1491,1492],"2454":[1493],"2458":[1494],"2461":[1495],"2463":[1496],"2465":[1497],"2467":[1498],"2468":[1499],"2469":[1500],"2470":[1501],"2472":[1502],"2474":[1503],"2475":[1504,1505],"2477":[1506],"2478":[1507,1508],"2479":[1509],"2480":[1510],"2483":[1511],"2484":[1512],"2487":[1513,1514],"2488":[1515],"2489":[1516],"2490":[1517],"2491":[1518],"2492":[1519],"2493":[1520],"2494":[1521],"2497":[1522],"2499":[1523],"2502":[1524],"2503":[1525],"2505":[1526,1527],"2506":[1528,1529],"2509":[1530],"2512":[1531],"2513":[1532],"2515":[1533],"2519":[1534],"2520":[1535],"2522":[1536,1537],"2523":[1538],"2524":[1539],"2525":[1540],"2528":[1541],"2529":[1542],"2530":[1543],"2533":[1544],"2534":[1545],"2536":[1546],"2537":[1547],"2538":[1548],"2539":[1549],"2540":[1550],"2541":[1551],"2542":[1552],"2543":[1553],"2548":[1554]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,2548,2549,2550,2551],"numbers":{"1":107,"2":111,"3":117,"4":120,"5":122,"6":126,"7":127,"8":128,"9":133,"10":135,"11":140,"12":142,"13":144,"14":147,"15":149,"16":151,"17":157,"18":158,"19":160,"20":163,"21":164,"22":166,"23":167,"24":172,"25":172,"26":176,"27":179,"28":181,"29":185,"30":190,"31":196,"32":199,"33":201,"34":203,"35":205,"36":206,"37":210,"38":213,"39":215,"40":221,"41":223,"42":224,"43":226,"44":227,"45":229,"46":230,"47":235,"48":238,"49":238,"50":239,"51":241,"52":242,"53":246,"54":251,"55":253,"56":255,"57":255,"58":257,"59":258,"60":260,"61":262,"62":266,"63":270,"64":272,"65":274,"66":275,"67":278,"68":281,"69":283,"70":286,"71":288,"72":291,"73":292,"74":294,"75":295,"76":296,"77":298,"78":299,"79":301,"80":302,"81":304,"82":305,"83":307,"84":307,"85":308,"86":309,"87":311,"88":312,"89":318,"90":319,"91":320,"92":322,"93":326,"94":327,"95":329,"96":330,"97":331,"98":332,"99":335,"100":337,"101":339,"102":341,"103":342,"104":344,"105":345,"106":347,"107":349,"108":351,"109":352,"110":352,"111":356,"112":359,"113":359,"114":360,"115":362,"116":363,"117":366,"118":367,"119":367,"120":371,"121":372,"122":373,"123":375,"124":377,"125":378,"126":379,"127":381,"128":383,"129":385,"130":387,"131":390,"132":391,"133":392,"134":393,"135":394,"136":395,"137":397,"138":398,"139":399,"140":401,"141":406,"142":406,"143":407,"144":409,"145":409,"146":409,"147":411,"148":411,"149":413,"150":415,"151":416,"152":417,"153":419,"154":422,"155":424,"156":424,"157":426,"158":428,"159":428,"160":429,"161":432,"162":433,"163":434,"164":436,"165":436,"166":437,"167":438,"168":441,"169":442,"170":443,"171":445,"172":447,"173":448,"174":450,"175":450,"176":451,"177":451,"178":452,"179":453,"180":454,"181":456,"182":457,"183":459,"184":459,"185":461,"186":463,"187":464,"188":465,"189":467,"190":468,"191":468,"192":471,"193":475,"194":476,"195":478,"196":479,"197":480,"198":481,"199":483,"200":485,"201":486,"202":488,"203":489,"204":490,"205":491,"206":493,"207":495,"208":496,"209":497,"210":498,"211":500,"212":501,"213":503,"214":504,"215":507,"216":508,"217":509,"218":510,"219":512,"220":512,"221":513,"222":516,"223":518,"224":521,"225":522,"226":522,"227":524,"228":525,"229":526,"230":527,"231":530,"232":531,"233":532,"234":533,"235":533,"236":535,"237":536,"238":538,"239":539,"240":540,"241":541,"242":542,"243":543,"244":544,"245":545,"246":547,"247":548,"248":549,"249":550,"250":552,"251":553,"252":555,"253":556,"254":561,"255":566,"256":568,"257":569,"258":570,"259":571,"260":575,"261":578,"262":579,"263":579,"264":581,"265":586,"266":588,"267":590,"268":591,"269":593,"270":593,"271":594,"272":596,"273":598,"274":599,"275":601,"276":601,"277":602,"278":603,"279":605,"280":605,"281":608,"282":610,"283":613,"284":615,"285":617,"286":617,"287":618,"288":618,"289":619,"290":621,"291":622,"292":623,"293":624,"294":625,"295":627,"296":630,"297":632,"298":637,"299":637,"300":639,"301":643,"302":644,"303":646,"304":652,"305":653,"306":654,"307":655,"308":658,"309":659,"310":660,"311":661,"312":664,"313":665,"314":667,"315":671,"316":672,"317":674,"318":677,"319":678,"320":679,"321":680,"322":681,"323":683,"324":684,"325":685,"326":685,"327":686,"328":687,"329":688,"330":690,"331":690,"332":691,"333":693,"334":694,"335":696,"336":697,"337":697,"338":699,"339":699,"340":701,"341":701,"342":702,"343":703,"344":704,"345":705,"346":708,"347":709,"348":711,"349":712,"350":719,"351":722,"352":723,"353":725,"354":726,"355":727,"356":727,"357":728,"358":729,"359":729,"360":731,"361":732,"362":732,"363":733,"364":733,"365":735,"366":736,"367":737,"368":738,"369":739,"370":741,"371":743,"372":745,"373":746,"374":747,"375":748,"376":751,"377":757,"378":757,"379":758,"380":761,"381":762,"382":763,"383":766,"384":769,"385":771,"386":773,"387":775,"388":776,"389":777,"390":778,"391":779,"392":781,"393":783,"394":785,"395":787,"396":787,"397":788,"398":789,"399":792,"400":794,"401":796,"402":797,"403":800,"404":801,"405":801,"406":802,"407":804,"408":806,"409":809,"410":810,"411":810,"412":811,"413":811,"414":812,"415":814,"416":816,"417":818,"418":818,"419":820,"420":822,"421":825,"422":826,"423":827,"424":828,"425":829,"426":831,"427":832,"428":832,"429":835,"430":836,"431":837,"432":838,"433":839,"434":840,"435":840,"436":843,"437":845,"438":846,"439":846,"440":848,"441":849,"442":850,"443":853,"444":855,"445":857,"446":858,"447":859,"448":859,"449":860,"450":860,"451":861,"452":862,"453":864,"454":865,"455":867,"456":868,"457":869,"458":871,"459":873,"460":874,"461":875,"462":875,"463":877,"464":882,"465":882,"466":883,"467":884,"468":885,"469":886,"470":891,"471":893,"472":893,"473":895,"474":900,"475":900,"476":900,"477":901,"478":902,"479":905,"480":908,"481":912,"482":912,"483":913,"484":915,"485":916,"486":916,"487":917,"488":918,"489":919,"490":921,"491":923,"492":925,"493":926,"494":927,"495":928,"496":929,"497":930,"498":931,"499":932,"500":934,"501":936,"502":937,"503":938,"504":940,"505":942,"506":943,"507":944,"508":944,"509":945,"510":947,"511":948,"512":951,"513":953,"514":954,"515":955,"516":957,"517":960,"518":961,"519":962,"520":963,"521":963,"522":964,"523":966,"524":967,"525":969,"526":970,"527":971,"528":972,"529":974,"530":975,"531":976,"532":978,"533":979,"534":980,"535":981,"536":982,"537":985,"538":988,"539":990,"540":991,"541":994,"542":995,"543":995,"544":996,"545":998,"546":1000,"547":1002,"548":1004,"549":1006,"550":1007,"551":1008,"552":1010,"553":1010,"554":1012,"555":1015,"556":1016,"557":1018,"558":1019,"559":1020,"560":1026,"561":1027,"562":1030,"563":1031,"564":1038,"565":1040,"566":1041,"567":1042,"568":1046,"569":1049,"570":1051,"571":1052,"572":1054,"573":1054,"574":1056,"575":1056,"576":1057,"577":1059,"578":1061,"579":1062,"580":1064,"581":1066,"582":1068,"583":1069,"584":1071,"585":1072,"586":1073,"587":1075,"588":1078,"589":1079,"590":1081,"591":1083,"592":1084,"593":1085,"594":1086,"595":1087,"596":1088,"597":1089,"598":1091,"599":1092,"600":1093,"601":1094,"602":1094,"603":1096,"604":1098,"605":1099,"606":1101,"607":1103,"608":1105,"609":1106,"610":1108,"611":1110,"612":1112,"613":1114,"614":1114,"615":1116,"616":1116,"617":1118,"618":1119,"619":1120,"620":1121,"621":1122,"622":1123,"623":1126,"624":1127,"625":1130,"626":1131,"627":1134,"628":1134,"629":1135,"630":1137,"631":1138,"632":1141,"633":1142,"634":1143,"635":1147,"636":1148,"637":1150,"638":1151,"639":1153,"640":1154,"641":1155,"642":1157,"643":1158,"644":1158,"645":1160,"646":1160,"647":1163,"648":1163,"649":1164,"650":1166,"651":1167,"652":1168,"653":1169,"654":1171,"655":1173,"656":1174,"657":1174,"658":1175,"659":1175,"660":1177,"661":1177,"662":1178,"663":1179,"664":1180,"665":1184,"666":1185,"667":1186,"668":1188,"669":1189,"670":1191,"671":1193,"672":1195,"673":1196,"674":1197,"675":1200,"676":1202,"677":1204,"678":1207,"679":1209,"680":1211,"681":1214,"682":1217,"683":1218,"684":1219,"685":1221,"686":1222,"687":1224,"688":1226,"689":1228,"690":1231,"691":1232,"692":1233,"693":1236,"694":1237,"695":1238,"696":1247,"697":1248,"698":1249,"699":1250,"700":1251,"701":1252,"702":1252,"703":1253,"704":1254,"705":1255,"706":1256,"707":1257,"708":1257,"709":1258,"710":1259,"711":1260,"712":1261,"713":1263,"714":1263,"715":1264,"716":1265,"717":1265,"718":1266,"719":1268,"720":1270,"721":1271,"722":1271,"723":1272,"724":1273,"725":1274,"726":1275,"727":1275,"728":1277,"729":1277,"730":1278,"731":1278,"732":1279,"733":1284,"734":1286,"735":1287,"736":1293,"737":1295,"738":1298,"739":1300,"740":1301,"741":1303,"742":1304,"743":1305,"744":1306,"745":1308,"746":1312,"747":1313,"748":1315,"749":1317,"750":1318,"751":1319,"752":1320,"753":1321,"754":1323,"755":1324,"756":1326,"757":1327,"758":1328,"759":1329,"760":1331,"761":1332,"762":1335,"763":1339,"764":1339,"765":1343,"766":1344,"767":1345,"768":1346,"769":1348,"770":1353,"771":1353,"772":1354,"773":1355,"774":1358,"775":1360,"776":1361,"777":1362,"778":1364,"779":1365,"780":1367,"781":1370,"782":1371,"783":1374,"784":1375,"785":1376,"786":1378,"787":1379,"788":1379,"789":1381,"790":1381,"791":1383,"792":1385,"793":1387,"794":1389,"795":1391,"796":1392,"797":1394,"798":1395,"799":1396,"800":1398,"801":1399,"802":1401,"803":1404,"804":1405,"805":1406,"806":1408,"807":1409,"808":1411,"809":1412,"810":1414,"811":1415,"812":1417,"813":1418,"814":1419,"815":1421,"816":1426,"817":1427,"818":1428,"819":1432,"820":1433,"821":1434,"822":1435,"823":1436,"824":1439,"825":1441,"826":1443,"827":1445,"828":1446,"829":1448,"830":1449,"831":1450,"832":1450,"833":1452,"834":1453,"835":1453,"836":1455,"837":1455,"838":1456,"839":1458,"840":1460,"841":1464,"842":1464,"843":1467,"844":1469,"845":1472,"846":1473,"847":1475,"848":1476,"849":1479,"850":1480,"851":1481,"852":1483,"853":1484,"854":1484,"855":1487,"856":1489,"857":1491,"858":1492,"859":1493,"860":1494,"861":1495,"862":1497,"863":1498,"864":1499,"865":1500,"866":1501,"867":1503,"868":1504,"869":1505,"870":1507,"871":1508,"872":1509,"873":1512,"874":1513,"875":1515,"876":1517,"877":1519,"878":1520,"879":1521,"880":1522,"881":1523,"882":1525,"883":1526,"884":1526,"885":1527,"886":1528,"887":1530,"888":1531,"889":1533,"890":1536,"891":1537,"892":1538,"893":1541,"894":1544,"895":1546,"896":1546,"897":1547,"898":1548,"899":1549,"900":1550,"901":1551,"902":1552,"903":1553,"904":1554,"905":1555,"906":1557,"907":1561,"908":1564,"909":1565,"910":1568,"911":1572,"912":1575,"913":1578,"914":1579,"915":1580,"916":1581,"917":1582,"918":1584,"919":1586,"920":1588,"921":1594,"922":1595,"923":1598,"924":1600,"925":1602,"926":1603,"927":1607,"928":1609,"929":1611,"930":1612,"931":1614,"932":1615,"933":1616,"934":1616,"935":1617,"936":1619,"937":1621,"938":1623,"939":1624,"940":1625,"941":1627,"942":1630,"943":1630,"944":1631,"945":1634,"946":1636,"947":1638,"948":1640,"949":1641,"950":1642,"951":1644,"952":1646,"953":1646,"954":1649,"955":1652,"956":1652,"957":1655,"958":1656,"959":1657,"960":1659,"961":1660,"962":1662,"963":1665,"964":1666,"965":1668,"966":1670,"967":1671,"968":1673,"969":1675,"970":1677,"971":1678,"972":1680,"973":1683,"974":1683,"975":1684,"976":1685,"977":1685,"978":1687,"979":1689,"980":1692,"981":1695,"982":1696,"983":1697,"984":1699,"985":1700,"986":1700,"987":1701,"988":1702,"989":1704,"990":1704,"991":1705,"992":1705,"993":1706,"994":1709,"995":1711,"996":1711,"997":1712,"998":1713,"999":1714,"1000":1715,"1001":1715,"1002":1716,"1003":1717,"1004":1719,"1005":1723,"1006":1724,"1007":1725,"1008":1726,"1009":1731,"1010":1734,"1011":1735,"1012":1739,"1013":1740,"1014":1740,"1015":1741,"1016":1743,"1017":1745,"1018":1746,"1019":1747,"1020":1750,"1021":1750,"1022":1754,"1023":1756,"1024":1757,"1025":1759,"1026":1761,"1027":1762,"1028":1763,"1029":1765,"1030":1773,"1031":1778,"1032":1779,"1033":1780,"1034":1781,"1035":1781,"1036":1783,"1037":1785,"1038":1785,"1039":1788,"1040":1792,"1041":1793,"1042":1795,"1043":1800,"1044":1801,"1045":1801,"1046":1802,"1047":1805,"1048":1805,"1049":1807,"1050":1811,"1051":1814,"1052":1815,"1053":1819,"1054":1819,"1055":1820,"1056":1820,"1057":1823,"1058":1828,"1059":1830,"1060":1831,"1061":1834,"1062":1836,"1063":1837,"1064":1838,"1065":1839,"1066":1839,"1067":1840,"1068":1841,"1069":1843,"1070":1846,"1071":1849,"1072":1849,"1073":1850,"1074":1851,"1075":1851,"1076":1853,"1077":1855,"1078":1860,"1079":1860,"1080":1861,"1081":1863,"1082":1865,"1083":1867,"1084":1869,"1085":1871,"1086":1871,"1087":1873,"1088":1874,"1089":1876,"1090":1878,"1091":1881,"1092":1882,"1093":1886,"1094":1890,"1095":1891,"1096":1892,"1097":1895,"1098":1896,"1099":1899,"1100":1901,"1101":1902,"1102":1903,"1103":1905,"1104":1907,"1105":1916,"1106":1917,"1107":1918,"1108":1920,"1109":1920,"1110":1921,"1111":1923,"1112":1923,"1113":1926,"1114":1927,"1115":1928,"1116":1930,"1117":1935,"1118":1939,"1119":1940,"1120":1941,"1121":1944,"1122":1948,"1123":1950,"1124":1952,"1125":1953,"1126":1956,"1127":1958,"1128":1959,"1129":1961,"1130":1963,"1131":1966,"1132":1971,"1133":1975,"1134":1975,"1135":1977,"1136":1980,"1137":1983,"1138":1985,"1139":1987,"1140":1988,"1141":1991,"1142":1992,"1143":1993,"1144":1994,"1145":1996,"1146":1997,"1147":1999,"1148":2001,"1149":2003,"1150":2003,"1151":2007,"1152":2008,"1153":2009,"1154":2013,"1155":2015,"1156":2016,"1157":2018,"1158":2019,"1159":2021,"1160":2024,"1161":2026,"1162":2027,"1163":2031,"1164":2035,"1165":2037,"1166":2039,"1167":2041,"1168":2042,"1169":2042,"1170":2043,"1171":2047,"1172":2049,"1173":2050,"1174":2051,"1175":2052,"1176":2054,"1177":2055,"1178":2057,"1179":2058,"1180":2062,"1181":2063,"1182":2064,"1183":2065,"1184":2066,"1185":2067,"1186":2068,"1187":2069,"1188":2071,"1189":2072,"1190":2075,"1191":2079,"1192":2079,"1193":2081,"1194":2083,"1195":2084,"1196":2085,"1197":2086,"1198":2087,"1199":2089,"1200":2089,"1201":2091,"1202":2093,"1203":2093,"1204":2095,"1205":2097,"1206":2098,"1207":2099,"1208":2103,"1209":2104,"1210":2106,"1211":2108,"1212":2109,"1213":2109,"1214":2111,"1215":2111,"1216":2112,"1217":2113,"1218":2113,"1219":2114,"1220":2114,"1221":2115,"1222":2115,"1223":2120,"1224":2122,"1225":2122,"1226":2123,"1227":2124,"1228":2126,"1229":2128,"1230":2131,"1231":2132,"1232":2134,"1233":2135,"1234":2136,"1235":2138,"1236":2139,"1237":2140,"1238":2141,"1239":2142,"1240":2143,"1241":2145,"1242":2147,"1243":2152,"1244":2155,"1245":2156,"1246":2156,"1247":2158,"1248":2158,"1249":2160,"1250":2160,"1251":2161,"1252":2163,"1253":2165,"1254":2168,"1255":2174,"1256":2176,"1257":2176,"1258":2179,"1259":2180,"1260":2180,"1261":2182,"1262":2184,"1263":2185,"1264":2186,"1265":2189,"1266":2190,"1267":2192,"1268":2193,"1269":2196,"1270":2200,"1271":2201,"1272":2203,"1273":2206,"1274":2208,"1275":2212,"1276":2213,"1277":2214,"1278":2216,"1279":2217,"1280":2225,"1281":2226,"1282":2229,"1283":2230,"1284":2233,"1285":2236,"1286":2238,"1287":2242,"1288":2243,"1289":2249,"1290":2250,"1291":2253,"1292":2254,"1293":2255,"1294":2258,"1295":2258,"1296":2259,"1297":2260,"1298":2262,"1299":2263,"1300":2263,"1301":2265,"1302":2267,"1303":2268,"1304":2271,"1305":2275,"1306":2277,"1307":2278,"1308":2279,"1309":2281,"1310":2281,"1311":2281,"1312":2282,"1313":2284,"1314":2284,"1315":2286,"1316":2287,"1317":2288,"1318":2291,"1319":2293,"1320":2296,"1321":2299,"1322":2300,"1323":2301,"1324":2302,"1325":2304,"1326":2305,"1327":2308,"1328":2309,"1329":2310,"1330":2311,"1331":2311,"1332":2313,"1333":2314,"1334":2316,"1335":2317,"1336":2318,"1337":2323,"1338":2324,"1339":2324,"1340":2325,"1341":2326,"1342":2328,"1343":2332,"1344":2332,"1345":2334,"1346":2336,"1347":2336,"1348":2337,"1349":2339,"1350":2341,"1351":2342,"1352":2345,"1353":2346,"1354":2347,"1355":2348,"1356":2350,"1357":2356,"1358":2357,"1359":2359,"1360":2360,"1361":2361,"1362":2363,"1363":2365,"1364":2367,"1365":2368,"1366":2369,"1367":2369,"1368":2371,"1369":2372,"1370":2375,"1371":2376,"1372":2378,"1373":2381,"1374":2383,"1375":2387,"1376":2389,"1377":2392,"1378":2392,"1379":2393,"1380":2395,"1381":2396,"1382":2396,"1383":2397,"1384":2399,"1385":2400,"1386":2403,"1387":2408,"1388":2409,"1389":2411,"1390":2412,"1391":2417,"1392":2418,"1393":2419,"1394":2420,"1395":2424,"1396":2425,"1397":2427,"1398":2430,"1399":2433,"1400":2434,"1401":2437,"1402":2442,"1403":2444,"1404":2446,"1405":2448,"1406":2450,"1407":2451,"1408":2452,"1409":2453,"1410":2453,"1411":2454,"1412":2458,"1413":2461,"1414":2463,"1415":2465,"1416":2467,"1417":2468,"1418":2469,"1419":2469,"1420":2470,"1421":2470,"1422":2472,"1423":2473,"1424":2474,"1425":2475,"1426":2475,"1427":2477,"1428":2478,"1429":2478,"1430":2479,"1431":2480,"1432":2483,"1433":2484,"1434":2487,"1435":2488,"1436":2489,"1437":2490,"1438":2491,"1439":2492,"1440":2493,"1441":2494,"1442":2497,"1443":2497,"1444":2498,"1445":2499,"1446":2500,"1447":2502,"1448":2505,"1449":2505,"1450":2506,"1451":2506,"1452":2507,"1453":2512,"1454":2513,"1455":2513,"1456":2515,"1457":2519,"1458":2520,"1459":2522,"1460":2522,"1461":2523,"1462":2524,"1463":2525,"1464":2526,"1465":2526,"1466":2527,"1467":2528,"1468":2529,"1469":2530,"1470":2530,"1471":2533,"1472":2534,"1473":2534,"1474":2536,"1475":2537,"1476":2538,"1477":2539,"1478":2540,"1479":2541,"1480":2541,"1481":2542,"1482":2543},"number_max":1482,"number_pages":{"107":1,"111":2,"117":3,"120":4,"122":5,"126":6,"127":7,"128":8,"133":9,"135":10,"140":11,"142":12,"144":13,"147":14,"149":15,"151":16,"157":17,"158":18,"160":19,"163":20,"164":21,"166":22,"167":23,"172":25,"176":26,"179":27,"181":28,"185":29,"190":30,"196":31,"199":32,"201":33,"203":34,"205":35,"206":36,"210":37,"213":38,"215":39,"221":40,"223":41,"224":42,"226":43,"227":44,"229":45,"230":46,"235":47,"238":49,"239":50,"241":51,"242":52,"246":53,"251":54,"253":55,"255":57,"257":58,"258":59,"260":60,"262":61,"266":62,"270":63,"272":64,"274":65,"275":66,"278":67,"281":68,"283":69,"286":70,"288":71,"291":72,"292":73,"294":74,"295":75,"296":76,"298":77,"299":78,"301":79,"302":80,"304":81,"305":82,"307":84,"308":85,"309":86,"311":87,"312":88,"318":89,"319":90,"320":91,"322":92,"326":93,"327":94,"329":95,"330":96,"331":97,"332":98,"335":99,"337":100,"339":101,"341":102,"342":103,"344":104,"345":105,"347":106,"349":107,"351":108,"352":110,"356":111,"359":113,"360":114,"362":115,"363":116,"366":117,"367":119,"371":120,"372":121,"373":122,"375":123,"377":124,"378":125,"379":126,"381":127,"383":128,"385":129,"387":130,"390":131,"391":132,"392":133,"393":134,"394":135,"395":136,"397":137,"398":138,"399":139,"401":140,"406":142,"407":143,"409":146,"411":148,"413":149,"415":150,"416":151,"417":152,"419":153,"422":154,"424":156,"426":157,"428":159,"429":160,"432":161,"433":162,"434":163,"436":165,"437":166,"438":167,"441":168,"442":169,"443":170,"445":171,"447":172,"448":173,"450":175,"451":177,"452":178,"453":179,"454":180,"456":181,"457":182,"459":184,"461":185,"463":186,"464":187,"465":188,"467":189,"468":191,"471":192,"475":193,"476":194,"478":195,"479":196,"480":197,"481":198,"483":199,"485":200,"486":201,"488":202,"489":203,"490":204,"491":205,"493":206,"495":207,"496":208,"497":209,"498":210,"500":211,"501":212,"503":213,"504":214,"507":215,"508":216,"509":217,"510":218,"512":220,"513":221,"516":222,"518":223,"521":224,"522":226,"524":227,"525":228,"526":229,"527":230,"530":231,"531":232,"532":233,"533":235,"535":236,"536":237,"538":238,"539":239,"540":240,"541":241,"542":242,"543":243,"544":244,"545":245,"547":246,"548":247,"549":248,"550":249,"552":250,"553":251,"555":252,"556":253,"561":254,"566":255,"568":256,"569":257,"570":258,"571":259,"575":260,"578":261,"579":263,"581":264,"586":265,"588":266,"590":267,"591":268,"593":270,"594":271,"596":272,"598":273,"599":274,"601":276,"602":277,"603":278,"605":280,"608":281,"610":282,"613":283,"615":284,"617":286,"618":288,"619":289,"621":290,"622":291,"623":292,"624":293,"625":294,"627":295,"630":296,"632":297,"637":299,"639":300,"643":301,"644":302,"646":303,"652":304,"653":305,"654":306,"655":307,"658":308,"659":309,"660":310,"661":311,"664":312,"665":313,"667":314,"671":315,"672":316,"674":317,"677":318,"678":319,"679":320,"680":321,"681":322,"683":323,"684":324,"685":326,"686":327,"687":328,"688":329,"690":331,"691":332,"693":333,"694":334,"696":335,"697":337,"699":339,"701":341,"702":342,"703":343,"704":344,"705":345,"708":346,"709":347,"711":348,"712":349,"719":350,"722":351,"723":352,"725":353,"726":354,"727":356,"728":357,"729":359,"731":360,"732":362,"733":364,"735":365,"736":366,"737":367,"738":368,"739":369,"741":370,"743":371,"745":372,"746":373,"747":374,"748":375,"751":376,"757":378,"758":379,"761":380,"762":381,"763":382,"766":383,"769":384,"771":385,"773":386,"775":387,"776":388,"777":389,"778":390,"779":391,"781":392,"783":393,"785":394,"787":396,"788":397,"789":398,"792":399,"794":400,"796":401,"797":402,"800":403,"801":405,"802":406,"804":407,"806":408,"809":409,"810":411,"811":413,"812":414,"814":415,"816":416,"818":418,"820":419,"822":420,"825":421,"826":422,"827":423,"828":424,"829":425,"831":426,"832":428,"835":429,"836":430,"837":431,"838":432,"839":433,"840":435,"843":436,"845":437,"846":439,"848":440,"849":441,"850":442,"853":443,"855":444,"857":445,"858":446,"859":448,"860":450,"861":451,"862":452,"864":453,"865":454,"867":455,"868":456,"869":457,"871":458,"873":459,"874":460,"875":462,"877":463,"882":465,"883":466,"884":467,"885":468,"886":469,"891":470,"893":472,"895":473,"900":476,"901":477,"902":478,"905":479,"908":480,"912":482,"913":483,"915":484,"916":486,"917":487,"918":488,"919":489,"921":490,"923":491,"925":492,"926":493,"927":494,"928":495,"929":496,"930":497,"931":498,"932":499,"934":500,"936":501,"937":502,"938":503,"940":504,"942":505,"943":506,"944":508,"945":509,"947":510,"948":511,"951":512,"953":513,"954":514,"955":515,"957":516,"960":517,"961":518,"962":519,"963":521,"964":522,"966":523,"967":524,"969":525,"970":526,"971":527,"972":528,"974":529,"975":530,"976":531,"978":532,"979":533,"980":534,"981":535,"982":536,"985":537,"988":538,"990":539,"991":540,"994":541,"995":543,"996":544,"998":545,"1000":546,"1002":547,"1004":548,"1006":549,"1007":550,"1008":551,"1010":553,"1012":554,"1015":555,"1016":556,"1018":557,"1019":558,"1020":559,"1026":560,"1027":561,"1030":562,"1031":563,"1038":564,"1040":565,"1041":566,"1042":567,"1046":568,"1049":569,"1051":570,"1052":571,"1054":573,"1056":575,"1057":576,"1059":577,"1061":578,"1062":579,"1064":580,"1066":581,"1068":582,"1069":583,"1071":584,"1072":585,"1073":586,"1075":587,"1078":588,"1079":589,"1081":590,"1083":591,"1084":592,"1085":593,"1086":594,"1087":595,"1088":596,"1089":597,"1091":598,"1092":599,"1093":600,"1094":602,"1096":603,"1098":604,"1099":605,"1101":606,"1103":607,"1105":608,"1106":609,"1108":610,"1110":611,"1112":612,"1114":614,"1116":616,"1118":617,"1119":618,"1120":619,"1121":620,"1122":621,"1123":622,"1126":623,"1127":624,"1130":625,"1131":626,"1134":628,"1135":629,"1137":630,"1138":631,"1141":632,"1142":633,"1143":634,"1147":635,"1148":636,"1150":637,"1151":638,"1153":639,"1154":640,"1155":641,"1157":642,"1158":644,"1160":646,"1163":648,"1164":649,"1166":650,"1167":651,"1168":652,"1169":653,"1171":654,"1173":655,"1174":657,"1175":659,"1177":661,"1178":662,"1179":663,"1180":664,"1184":665,"1185":666,"1186":667,"1188":668,"1189":669,"1191":670,"1193":671,"1195":672,"1196":673,"1197":674,"1200":675,"1202":676,"1204":677,"1207":678,"1209":679,"1211":680,"1214":681,"1217":682,"1218":683,"1219":684,"1221":685,"1222":686,"1224":687,"1226":688,"1228":689,"1231":690,"1232":691,"1233":692,"1236":693,"1237":694,"1238":695,"1247":696,"1248":697,"1249":698,"1250":699,"1251":700,"1252":702,"1253":703,"1254":704,"1255":705,"1256":706,"1257":708,"1258":709,"1259":710,"1260":711,"1261":712,"1263":714,"1264":715,"1265":717,"1266":718,"1268":719,"1270":720,"1271":722,"1272":723,"1273":724,"1274":725,"1275":727,"1277":729,"1278":731,"1279":732,"1284":733,"1286":734,"1287":735,"1293":736,"1295":737,"1298":738,"1300":739,"1301":740,"1303":741,"1304":742,"1305":743,"1306":744,"1308":745,"1312":746,"1313":747,"1315":748,"1317":749,"1318":750,"1319":751,"1320":752,"1321":753,"1323":754,"1324":755,"1326":756,"1327":757,"1328":758,"1329":759,"1331":760,"1332":761,"1335":762,"1339":764,"1343":765,"1344":766,"1345":767,"1346":768,"1348":769,"1353":771,"1354":772,"1355":773,"1358":774,"1360":775,"1361":776,"1362":777,"1364":778,"1365":779,"1367":780,"1370":781,"1371":782,"1374":783,"1375":784,"1376":785,"1378":786,"1379":788,"1381":790,"1383":791,"1385":792,"1387":793,"1389":794,"1391":795,"1392":796,"1394":797,"1395":798,"1396":799,"1398":800,"1399":801,"1401":802,"1404":803,"1405":804,"1406":805,"1408":806,"1409":807,"1411":808,"1412":809,"1414":810,"1415":811,"1417":812,"1418":813,"1419":814,"1421":815,"1426":816,"1427":817,"1428":818,"1432":819,"1433":820,"1434":821,"1435":822,"1436":823,"1439":824,"1441":825,"1443":826,"1445":827,"1446":828,"1448":829,"1449":830,"1450":832,"1452":833,"1453":835,"1455":837,"1456":838,"1458":839,"1460":840,"1464":842,"1467":843,"1469":844,"1472":845,"1473":846,"1475":847,"1476":848,"1479":849,"1480":850,"1481":851,"1483":852,"1484":854,"1487":855,"1489":856,"1491":857,"1492":858,"1493":859,"1494":860,"1495":861,"1497":862,"1498":863,"1499":864,"1500":865,"1501":866,"1503":867,"1504":868,"1505":869,"1507":870,"1508":871,"1509":872,"1512":873,"1513":874,"1515":875,"1517":876,"1519":877,"1520":878,"1521":879,"1522":880,"1523":881,"1525":882,"1526":884,"1527":885,"1528":886,"1530":887,"1531":888,"1533":889,"1536":890,"1537":891,"1538":892,"1541":893,"1544":894,"1546":896,"1547":897,"1548":898,"1549":899,"1550":900,"1551":901,"1552":902,"1553":903,"1554":904,"1555":905,"1557":906,"1561":907,"1564":908,"1565":909,"1568":910,"1572":911,"1575":912,"1578":913,"1579":914,"1580":915,"1581":916,"1582":917,"1584":918,"1586":919,"1588":920,"1594":921,"1595":922,"1598":923,"1600":924,"1602":925,"1603":926,"1607":927,"1609":928,"1611":929,"1612":930,"1614":931,"1615":932,"1616":934,"1617":935,"1619":936,"1621":937,"1623":938,"1624":939,"1625":940,"1627":941,"1630":943,"1631":944,"1634":945,"1636":946,"1638":947,"1640":948,"1641":949,"1642":950,"1644":951,"1646":953,"1649":954,"1652":956,"1655":957,"1656":958,"1657":959,"1659":960,"1660":961,"1662":962,"1665":963,"1666":964,"1668":965,"1670":966,"1671":967,"1673":968,"1675":969,"1677":970,"1678":971,"1680":972,"1683":974,"1684":975,"1685":977,"1687":978,"1689":979,"1692":980,"1695":981,"1696":982,"1697":983,"1699":984,"1700":986,"1701":987,"1702":988,"1704":990,"1705":992,"1706":993,"1709":994,"1711":996,"1712":997,"1713":998,"1714":999,"1715":1001,"1716":1002,"1717":1003,"1719":1004,"1723":1005,"1724":1006,"1725":1007,"1726":1008,"1731":1009,"1734":1010,"1735":1011,"1739":1012,"1740":1014,"1741":1015,"1743":1016,"1745":1017,"1746":1018,"1747":1019,"1750":1021,"1754":1022,"1756":1023,"1757":1024,"1759":1025,"1761":1026,"1762":1027,"1763":1028,"1765":1029,"1773":1030,"1778":1031,"1779":1032,"1780":1033,"1781":1035,"1783":1036,"1785":1038,"1788":1039,"1792":1040,"1793":1041,"1795":1042,"1800":1043,"1801":1045,"1802":1046,"1805":1048,"1807":1049,"1811":1050,"1814":1051,"1815":1052,"1819":1054,"1820":1056,"1823":1057,"1828":1058,"1830":1059,"1831":1060,"1834":1061,"1836":1062,"1837":1063,"1838":1064,"1839":1066,"1840":1067,"1841":1068,"1843":1069,"1846":1070,"1849":1072,"1850":1073,"1851":1075,"1853":1076,"1855":1077,"1860":1079,"1861":1080,"1863":1081,"1865":1082,"1867":1083,"1869":1084,"1871":1086,"1873":1087,"1874":1088,"1876":1089,"1878":1090,"1881":1091,"1882":1092,"1886":1093,"1890":1094,"1891":1095,"1892":1096,"1895":1097,"1896":1098,"1899":1099,"1901":1100,"1902":1101,"1903":1102,"1905":1103,"1907":1104,"1916":1105,"1917":1106,"1918":1107,"1920":1109,"1921":1110,"1923":1112,"1926":1113,"1927":1114,"1928":1115,"1930":1116,"1935":1117,"1939":1118,"1940":1119,"1941":1120,"1944":1121,"1948":1122,"1950":1123,"1952":1124,"1953":1125,"1956":1126,"1958":1127,"1959":1128,"1961":1129,"1963":1130,"1966":1131,"1971":1132,"1975":1134,"1977":1135,"1980":1136,"1983":1137,"1985":1138,"1987":1139,"1988":1140,"1991":1141,"1992":1142,"1993":1143,"1994":1144,"1996":1145,"1997":1146,"1999":1147,"2001":1148,"2003":1150,"2007":1151,"2008":1152,"2009":1153,"2013":1154,"2015":1155,"2016":1156,"2018":1157,"2019":1158,"2021":1159,"2024":1160,"2026":1161,"2027":1162,"2031":1163,"2035":1164,"2037":1165,"2039":1166,"2041":1167,"2042":1169,"2043":1170,"2047":1171,"2049":1172,"2050":1173,"2051":1174,"2052":1175,"2054":1176,"2055":1177,"2057":1178,"2058":1179,"2062":1180,"2063":1181,"2064":1182,"2065":1183,"2066":1184,"2067":1185,"2068":1186,"2069":1187,"2071":1188,"2072":1189,"2075":1190,"2079":1192,"2081":1193,"2083":1194,"2084":1195,"2085":1196,"2086":1197,"2087":1198,"2089":1200,"2091":1201,"2093":1203,"2095":1204,"2097":1205,"2098":1206,"2099":1207,"2103":1208,"2104":1209,"2106":1210,"2108":1211,"2109":1213,"2111":1215,"2112":1216,"2113":1218,"2114":1220,"2115":1222,"2120":1223,"2122":1225,"2123":1226,"2124":1227,"2126":1228,"2128":1229,"2131":1230,"2132":1231,"2134":1232,"2135":1233,"2136":1234,"2138":1235,"2139":1236,"2140":1237,"2141":1238,"2142":1239,"2143":1240,"2145":1241,"2147":1242,"2152":1243,"2155":1244,"2156":1246,"2158":1248,"2160":1250,"2161":1251,"2163":1252,"2165":1253,"2168":1254,"2174":1255,"2176":1257,"2179":1258,"2180":1260,"2182":1261,"2184":1262,"2185":1263,"2186":1264,"2189":1265,"2190":1266,"2192":1267,"2193":1268,"2196":1269,"2200":1270,"2201":1271,"2203":1272,"2206":1273,"2208":1274,"2212":1275,"2213":1276,"2214":1277,"2216":1278,"2217":1279,"2225":1280,"2226":1281,"2229":1282,"2230":1283,"2233":1284,"2236":1285,"2238":1286,"2242":1287,"2243":1288,"2249":1289,"2250":1290,"2253":1291,"2254":1292,"2255":1293,"2258":1295,"2259":1296,"2260":1297,"2262":1298,"2263":1300,"2265":1301,"2267":1302,"2268":1303,"2271":1304,"2275":1305,"2277":1306,"2278":1307,"2279":1308,"2281":1311,"2282":1312,"2284":1314,"2286":1315,"2287":1316,"2288":1317,"2291":1318,"2293":1319,"2296":1320,"2299":1321,"2300":1322,"2301":1323,"2302":1324,"2304":1325,"2305":1326,"2308":1327,"2309":1328,"2310":1329,"2311":1331,"2313":1332,"2314":1333,"2316":1334,"2317":1335,"2318":1336,"2323":1337,"2324":1339,"2325":1340,"2326":1341,"2328":1342,"2332":1344,"2334":1345,"2336":1347,"2337":1348,"2339":1349,"2341":1350,"2342":1351,"2345":1352,"2346":1353,"2347":1354,"2348":1355,"2350":1356,"2356":1357,"2357":1358,"2359":1359,"2360":1360,"2361":1361,"2363":1362,"2365":1363,"2367":1364,"2368":1365,"2369":1367,"2371":1368,"2372":1369,"2375":1370,"2376":1371,"2378":1372,"2381":1373,"2383":1374,"2387":1375,"2389":1376,"2392":1378,"2393":1379,"2395":1380,"2396":1382,"2397":1383,"2399":1384,"2400":1385,"2403":1386,"2408":1387,"2409":1388,"2411":1389,"2412":1390,"2417":1391,"2418":1392,"2419":1393,"2420":1394,"2424":1395,"2425":1396,"2427":1397,"2430":1398,"2433":1399,"2434":1400,"2437":1401,"2442":1402,"2444":1403,"2446":1404,"2448":1405,"2450":1406,"2451":1407,"2452":1408,"2453":1410,"2454":1411,"2458":1412,"2461":1413,"2463":1414,"2465":1415,"2467":1416,"2468":1417,"2469":1419,"2470":1421,"2472":1422,"2473":1423,"2474":1424,"2475":1426,"2477":1427,"2478":1429,"2479":1430,"2480":1431,"2483":1432,"2484":1433,"2487":1434,"2488":1435,"2489":1436,"2490":1437,"2491":1438,"2492":1439,"2493":1440,"2494":1441,"2497":1443,"2498":1444,"2499":1445,"2500":1446,"2502":1447,"2505":1449,"2506":1451,"2507":1452,"2512":1453,"2513":1455,"2515":1456,"2519":1457,"2520":1458,"2522":1460,"2523":1461,"2524":1462,"2525":1463,"2526":1465,"2527":1466,"2528":1467,"2529":1468,"2530":1470,"2533":1471,"2534":1473,"2536":1474,"2537":1475,"2538":1476,"2539":1477,"2540":1478,"2541":1480,"2542":1481,"2543":1482}},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديَ له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد:\nفإنني أحمد الله العلي القدير على نفاد الطبعتين الأولى والثانية من كتابي هذا، كما أشكر الله سبحانه على ما وجد من قبول في مختلف البلاد العربية والإسلامية.\nسائلًا المولى أن يجعل ما كتبته في ميزان حسناتي يوم العرض عليه.\n* * *\n\nوقدَرًا وقفت على نسخة مطبوعة من \"سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\" بتحقيق وتعليق الأستاذ الفاضل: طارق بن عوض الله بن محمد.\nقال في مقدمته للكتاب (١/ ٧ - ٨): \"إن أغلب طبعات هذا الكتاب لم يتم تصحيحها على أصل خطيٍّ - كذا قال - ولم تأخذ حقها من التصحيح والضبط - كذا قال أيضًا - فكان ذلك دافعًا قويًا للبحث عن مخطوطاته للاستعانة بها في إخراج هذا الكتاب القيم … وبفضل الله تعالى تحقق لي ذلك\". اهـ.\nقلت: لم يتحقق هذا للأستاذ الفاضل كما ادّعى وإليك الدليل القاطع:\n١ - لم يتوفر له إلا مخطوطة واحدة فقط، وهذا لا يكفي كما سوف ترى، وكما هو معلوم لدى أهل التحقيق.","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"٢ - تأثر بالمطبوع حتى يخيل إليك أنه اقتصر على الأخذ منه.\n٣ - أخذ من المطبوع وخالف المخطوط في مواطن كثيرة جدًّا ولم ينبه على ذلك مطلقًا، كما وعد في مقدمته.\n٤ - هناك نقص واضح في نص الكتاب كما ستراه في هذه المقدمة.\n٥ - هناك زيادات عما في المخطوط الذي اعتمد عليه ولم ينبه عليها.\n٦ - بدل كلمات المخطوط بكلمات المطبوع ولم يشر إلى ذلك.\n٧ - أخذ من المطبوع الذي لم يقدر على إهماله، ألا وهو كتابي المطبوع وبخاصة النسخة التي اعتمدتُ عليها في تحقيق الكتاب (ب). كما ستراه في الجدول الثاني.\n* * *","vol":"المقدمة","page":2},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الجدول الأول: نماذج من مخالفة الأستاذ طارق للمخطوط واعتماده على المطبوع، وتبديله لكلمات المخطوط بكلمات المطبوع وغير ذلك</span>\n <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>١ </td> <td>بِتَعْظِم </td> <td>١/ ٢٥ </td> <td>بتعظم </td> <td>١/ ٢ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢ </td> <td>أحمد بن محمد بن حنبل </td> <td>١/ ٦٠ </td> <td>أحمد بن حنبل </td> <td>١/ ٥ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣ </td> <td>بفتح النون وفتح السين </td> <td>١/ ٦٣ </td> <td>بفتح النون والسين </td> <td>١/ ٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٤ </td> <td>الضعف </td> <td>١/ ٦٣ </td> <td>الضعيف </td> <td>١/ ٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٥ </td> <td>خلفًا </td> <td>١/ ٦٨ </td> <td>خلافًا </td> <td>١/ ٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٦ </td> <td>لحكمة </td> <td>١/ ٧٥ </td> <td>بحكمة </td> <td>١/ ١٠ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٧ </td> <td>بوروده </td> <td>١/ ٧٦ </td> <td>لوروده </td> <td>١/ ١٠ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨ </td> <td>الماء </td> <td>١/ ٨٣ </td> <td>بالماء </td> <td>١/ ١٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩ </td> <td>وولَغَ </td> <td>١/ ٨٦ </td> <td>ويالَغُ </td> <td>١/ ١٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠ </td> <td>بلا ريبٍ </td> <td>١/ ٨٨ </td> <td>بلا مريةٍ </td> <td>١/ ١٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١ </td> <td>وجدَتْ </td> <td>١/ ٩٥ </td> <td>وجد </td> <td>١/ ١٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٢ </td> <td>لما يأتي </td> <td>١/ ٩٨ </td> <td>كما يأتي </td> <td>١/ ١٨ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٣ </td> <td>المعنى الأخير </td> <td>١/ ٩٨ </td> <td>المعنى الآخر </td> <td>١/ ١٨ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٤ </td> <td>لإفادةِ </td> <td>١/ ١٠١ </td> <td>لإفادته </td> <td>١/ ١٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٥ </td> <td>وفي تشبيهه </td> <td>١/ ١٠٦ </td> <td>وفي تشبيه </td> <td>١/ ٢٠ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٦ </td> <td>ذو نجسٍ </td> <td>١/ ١١٠ </td> <td>ذوات نجسٍ </td> <td>١/ ٢٢ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٧ </td> <td>م حَرَّمًا﴾ </td> <td>١/ ١١٦ </td> <td>محرمًا </td> <td>١/ ٢٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٨ </td> <td>مفيدة لصحةِ </td> <td>١/ ١١٩ </td> <td>مفيد لصحةِ </td> <td>١/ ٢٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٩ </td> <td>تلاعب الشيطان </td> <td>١/ ١٢١ </td> <td>تلَعّب الشيطان </td> <td>١/ ٢٧ </td> <td> </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":3},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٢٠ </td> <td>يخلطْهُ غيره </td> <td>١/ ١٢١ </td> <td>يخالطه غيره </td> <td>١/ ٢٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢١ </td> <td>يشتدُّ </td> <td>١/ ١٣٣ </td> <td>ويشتدُّ </td> <td>١/ ٣٠ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٢ </td> <td>وقال زيد </td> <td>١/ ١٥٨ </td> <td>قال زيد </td> <td>١/ ٣٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٣ </td> <td>وإن كثر المعدلُ </td> <td>١/ ١٦١ </td> <td> </td> <td>١/ ٤٠ </td> <td>وهي في نسختي من (ب) (١/ ٢١٧) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٢٤ </td> <td>بعد تمامِهِ </td> <td>١/ ١٧٠ </td> <td>بعد تمامه </td> <td>١/ ٤٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٥ </td> <td>مظنة للنقض </td> <td>١/ ١٨٩ </td> <td>مظنة النقض </td> <td>١/ ٤٨ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٦ </td> <td>فبطلَ </td> <td>١/ ١٩٦ </td> <td>فيبطل </td> <td>١/ ٥١ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٧ </td> <td>مباشرًا البدن </td> <td>١/ ٢٠٩ </td> <td>مباشرًا لبدنه </td> <td>١/ ٥٥ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٨\" </td> <td>إنكاره </td> <td>١/ ٢١٤ </td> <td>إنكاره في السنن </td> <td>١/ ٥٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٢٩ </td> <td>ويعبِّرُ عنهُ </td> <td>١/ ٢١٧ </td> <td>ويعبِّرُ عنها </td> <td>١/ ٥٨ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٠ </td> <td>حبَسَهَ فيَّ </td> <td>١/ ٢٣٦ </td> <td>لحبسه فيَّ </td> <td>١/ ٦٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣١ </td> <td>بيدكَ على </td> <td>١/ ٢٨٩ </td> <td>بيديك على </td> <td>١/ ٧٨ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٢ </td> <td>أقاسوا عليه </td> <td>١/ ٢٨٠ </td> <td>قاسوا عليه </td> <td>١/ ٧٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٣ </td> <td>وإلا فهوَ </td> <td>١/ ٢٩٤ </td> <td>وإلا فهي </td> <td>١/ ٨٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٤ </td> <td>فهي حيض </td> <td>١/ ٢٩٤ </td> <td>فهو حيض </td> <td>١/ ٨٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٥ </td> <td>لا يساكنون </td> <td>١/ ٣٠٣ </td> <td>لا يساكنون </td> <td>١/ ٨٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٦ </td> <td>ذكر وقت </td> <td>١/ ٣١٧ </td> <td>ذكر . . . . . </td> <td>١/ ٩١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٢) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>٣٧ </td> <td>الحديث الثاني عشر </td> <td>١/ ٣٢٤ </td> <td>الحديث الثاني عشر وهو قوله: </td> <td>١/ ٩٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٣٨ </td> <td>بالمزدلفةِ؛ </td> <td>١/ ٣٦٠ </td> <td>في المزدلفةِ؛ </td> <td>١/ ١٠٥ </td> <td>وهي من نسخة (ب) (٢/ ٥٧) التعليقة (٣) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":4},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٣٩ </td> <td>للتأهيب للصلاة </td> <td>١/ ٣٧١ </td> <td>للتأهيب للصلاة </td> <td>١/ ١٠٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٤٠ </td> <td>الأمين على </td> <td>١/ ٣٧٥ </td> <td>أمين على </td> <td>١/ ١١٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٧٤) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٤١ </td> <td>وعدداهُ في </td> <td>١/ ٤٠٠ </td> <td>وعدداه في </td> <td>١/ ١١٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٤٢ </td> <td>فالعجب من نسبة </td> <td>١/ ٤١٢ </td> <td>فالعجب نسبة </td> <td>١/ ١٢١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٢١١) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٤٣ </td> <td>لا عن المار </td> <td>١/ ٤١٢ </td> <td>لا على المار </td> <td>١/ ١٢١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١١٢) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٤٤ </td> <td>بفتح السين المهملة </td> <td>١/ ٤١٤ </td> <td>بفتح السين </td> <td>١/ ١٢٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١١٤) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٤٥ </td> <td>\"لا يصلِّي لكم </td> <td>١/ ٤٣٤ </td> <td>لا يصلِّي بكم </td> <td>١/ ١٢٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٣٣) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٤٦ </td> <td>التجائي وانتهائي </td> <td>١/ ٤٧٤ </td> <td>التجائي وانتمائي </td> <td>١/ ١٤١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٧٢) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٤٧ </td> <td>فالخاء المعجمة </td> <td>١/ ٤٧٧ </td> <td>فالخاء </td> <td>١/ ١٤٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٧٥) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٤٨ </td> <td>وقبل سنتان </td> <td>١/ ٤٨٠ </td> <td>وقيل مسنونان </td> <td>١/ ١٤٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٧٧) التعليقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>٤٩ </td> <td>أهل الظاهر </td> <td>١/ ٤٩٧ </td> <td>الظاهرية </td> <td>١/ ١٤٩ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ١٩٦) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>٥٠ </td> <td>فيهما سنة </td> <td>١/ ٥٠٣ </td> <td>. . . . . . . </td> <td>١/ ١٥١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٢٠٢) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٥١ </td> <td>راجعنا سنن </td> <td>١/ ٥٥٤ </td> <td>راجعنا </td> <td>١/ ١٦٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٢٥٣) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٥٢ </td> <td>وتأتي أدلتُهم </td> <td>١/ ٥٨٢ </td> <td>وتأتي لأدلته </td> <td>١/ ١٧٧ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٢٨٠) التعليقة (٧) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":5},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٥٣ </td> <td>وقيلَ سنة ثلاث </td> <td>١/ ٥٩٢ </td> <td>وقيل ثلاث </td> <td>١/ ١٨٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٢/ ٢٩٠) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٥٤ </td> <td>هذا إجمالٌ فصَّله </td> <td>٢/ ٦ </td> <td>هذا إجمال فسَّره </td> <td>١/ ١٨٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٧) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٥٥ </td> <td>أقَرأ بأمِّ الكتاب؟ </td> <td>٢/ ٧ </td> <td>أقرأ أم الكتاب </td> <td>١/ ١٨٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٧) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٥٦ </td> <td>هو الثلث الآخرُ </td> <td>٢/ ٢٠ </td> <td>هو الثلث الأخير </td> <td>١/ ١٨٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٢١) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٥٧ </td> <td>اجتمعوا في </td> <td>٢/ ٢٤ </td> <td>اجتمعوا من </td> <td>١/ ١٨٧ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٢٥) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٥٨ </td> <td>أدوام عليها </td> <td>٢/ ٤٥ </td> <td>أدوام عليها </td> <td>١/ ١٩٢ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٥٩ </td> <td>ذلكَ للأعمى </td> <td>٢/ ٥٥ </td> <td>. . . . .  للأعمى </td> <td>١/ ١٩٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٥٩) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٦٠ </td> <td>وقال: رواه </td> <td>٢/ ٨٧ </td> <td>. . . .: رواه </td> <td>١/ ٢٠٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٩٢) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>٦١ </td> <td>في كل ركعة </td> <td>٢/ ٩٠ </td> <td>. . . . . . . . </td> <td>١/ ٢٠٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٩٥) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٦٢ </td> <td>مالك الحويرث </td> <td>٢/ ٩٢ </td> <td>مالك بن الحويرث </td> <td>١/ ٢٠٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٦٣ </td> <td>وهو فارسٌّ معرَّبٌ </td> <td>٢/ ١٠٥ </td> <td>وهو فارسيٌّ معرب </td> <td>١/ ٢١٠ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٦٤ </td> <td>إلخ ما تقدم ولم </td> <td>٢/ ١٣١ </td> <td>إلخ ولم </td> <td>١/ ٢١٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ١٣٦) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٦٥ </td> <td>أن وما بعده </td> <td>٢/ ١٤٤ </td> <td>أن وما بعدها </td> <td>١/ ٢٢١ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٦٦ </td> <td>الرمح أو أكبر </td> <td>٢/ ١٥٩ </td> <td>الرمح أو أكثر </td> <td>١/ ٢٢٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ١٦٣) التعليقة (٨) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":6},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٦٧ </td> <td>سجد الصف الثاني </td> <td>٢/ ١٦٦ </td> <td>سجد الثاني </td> <td>١/ ٢٢٧ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ١٧٠) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٦٨ </td> <td>وفي الحديث دليلٌ </td> <td>٢/ ١٨٧ </td> <td>وفيه دليل </td> <td>١/ ٢٣٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ١٩٢) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>٦٩ </td> <td>في الأحاديث نسبةُ </td> <td>٢/ ١٩٨ </td> <td>في الحديث نسبة </td> <td>١/ ٢٣٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٢٠٤) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٧٠ </td> <td>إلى القبلة </td> <td>٢/ ٢٤٦ </td> <td>. . . . . . القبلة </td> <td>١/ ٢٥٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٢٥٣) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٧١ </td> <td>فقيل كيف تجدُكَ </td> <td>٢/ ٢٤٦ </td> <td>فقال كيف تجدك </td> <td>١/ ٢٥٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٢٥٣) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٧٢ </td> <td>على خمسة أقوال </td> <td>٢/ ٢٨٩ </td> <td>على أقوال </td> <td>١/ ٢٥٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٣٠٠) التعليقة (٧) </td> </tr> <tr> <td>٧٣ </td> <td>؛ فالمسألة حمصيةٌ </td> <td>٢/ ٣٠٤ </td> <td>فهي مسألة حمصية </td> <td>١/ ٢٧٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٣١٩) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٧٤ </td> <td>يعذِّبُ بمجرد </td> <td>٢/ ٣١١ </td> <td>يعذب على مجرد </td> <td>١/ ٢٧٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٣/ ٣٢٧) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٧٥ </td> <td>شاةً واحدةً </td> <td>٢/ ٣٢٧ </td> <td>شاةً </td> <td>١/ ٢٧٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٤/ ١٠) التعليقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>٧٦ </td> <td>وصارتْ يناطُ </td> <td>٢/ ٣٣٦ </td> <td>وصارتْ نياط </td> <td>١/ ٢٨١ </td> <td>والصواب وما في نسختي (ب) تناط (٤/ ٢٠) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>٧٧ </td> <td>فلا أدري أعليٌّ </td> <td>٢/ ٣٣٧ </td> <td>فلا أدري أعليًا </td> <td>١/ ٢٨٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٤/ ٢١) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>٧٨ </td> <td>طعمةً للمسكين </td> <td>٢/ ٣٦٨ </td> <td>طعمةً للمساكين </td> <td>١/ ٢٩٢ </td> <td> </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":7},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٧٩ </td> <td>والقلبِ والروح </td> <td>٢/ ٤١٣ </td> <td>وللقلب والروح </td> <td>١/ ٣٠٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨٠ </td> <td>ويأثم عن الأكثر </td> <td>٢/ ٤٧٤ </td> <td>ويأثم عند الأكثر </td> <td>١/ ٣٢٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨١ </td> <td>خطبنا رسول الله </td> <td>٢/ ٤٨٣ </td> <td>قال: خطبنا رسول الله </td> <td>١/ ٣٢٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨٢ </td> <td>لما استوى به </td> <td>٢/ ٤٩٩ </td> <td>فلما استوى به </td> <td>١/ ٣٣٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨٣ </td> <td>تحريك الساكن </td> <td>٢/ ٥٠٦ </td> <td>تحريك الساكن </td> <td>١/ ٣٣٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٤/ ٢٠٢) التعليقة (١) </td> </tr> <tr> <td>٨٤ </td> <td>قال القاضي عياض </td> <td>٢/ ٥٢٥ </td> <td>قال عياض </td> <td>١/ ٣٤٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٤/ ٢١٨) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>٨٥ </td> <td>العدد قريب منه </td> <td>٢/ ٥٢٥ </td> <td>العدد قريبًا منه </td> <td>١/ ٣٤٢ </td> <td>في المخطوط خطأ لم ينبه عليه، وكتبه من المطبوع خطأ والصواب ما في نسختي (ب): [أو قريب] منه (٤/ ٢١٨) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>٨٦ </td> <td>يزُيد فيه </td> <td>٢/ ٥٦٣ </td> <td>يزاد فيه </td> <td>١/ ٣٥٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٤/ ٢٥٦) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>٨٧ </td> <td>بمالٍ لا على </td> <td>٣/ ٦ </td> <td>بمالٍ على </td> <td>٢/ ٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٥/ ٥) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>٨٨ </td> <td>مطلق متقيد </td> <td>٣/ ١٤ </td> <td>مطلق مقيد </td> <td>٢/ ٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٨٩ </td> <td>الحديث الحادي عشر </td> <td>٣/ ٢٦ </td> <td>الحادي عشر </td> <td>٢/ ٩ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩٠ </td> <td>كل واحدٍ منها </td> <td>٣/ ٤٦ </td> <td>كل واحدٍ منهما </td> <td>٢/ ١٥ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩١ </td> <td>وذهبت طائفة </td> <td>٣/ ٤٨ </td> <td>وذهب طائفة </td> <td>٢/ ١٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٥/ ٥٠) التعليقة (١٤) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":8},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>٩٢ </td> <td>الذين يعرفونَ الأسعار </td> <td>٣/ ٤٩ </td> <td>العارفين بالأسعار </td> <td>٢/ ١٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٥/ ١٥) المتعلقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>٩٣ </td> <td>في التفصيل </td> <td>٣/ ٨١ </td> <td>في التفاصيل </td> <td>٢/ ٢٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩٤ </td> <td>حتى تذهب عاهتها </td> <td>٣/ ١٠٦ </td> <td>حتى تذهب عاهتها </td> <td>٢/ ٣٤ </td> <td>في السطر ٢، وفي السطر ٥ </td> </tr> <tr> <td>٩٥ </td> <td>بدُوُّ الصالح </td> <td>٣/ ١٠٦ </td> <td>بدُوُّ الصلاح </td> <td>٢/ ٣٤ </td> <td>في السطر ٦، وفي السطر ٩ </td> </tr> <tr> <td>٩٦ </td> <td>مقيدًا تقريره </td> <td>٣/ ١١٥ </td> <td>مقيدًا لتقريره </td> <td>٢/ ٣٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩٧ </td> <td>لأجل عدم البلوغ </td> <td>٣/ ١٣٥ </td> <td>لأجل البلوغ </td> <td>٢/ ٤٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٥/ ١٤٧) المتعلقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>٩٨ </td> <td>الصلح جائرٌ بين </td> <td>٣/ ١٤٠ </td> <td>الصلح جائزٌ بين </td> <td>٢/ ٤٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>٩٩ </td> <td>على وجهة الإصلاح </td> <td>٣/ ١٤٠ </td> <td>على جهة الإصلاح </td> <td>٢/ ٤٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠٠ </td> <td>كما قيل </td> <td>٣/ ١٦٧ </td> <td>كما قيل، قاله الشارح </td> <td>٢/ ٥٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠١ </td> <td>لعرقٍ حقٌّ </td> <td>٣/ ١٧٦ </td> <td>لعرقِ ظالم حق </td> <td>٢/ ٥٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠٢ </td> <td>ذكرَ بعض </td> <td>٣/ ١٨١ </td> <td>ذِكْرَ حُكمِ بعض </td> <td>٢/ ٥٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠٣ </td> <td>أن لا يشتري </td> <td>٣/ ١٨٩ </td> <td>أن يشتري </td> <td>٢/ ٦٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٥/ ٢٠٠) المتعلقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>١٠٤ </td> <td>الواهب الموهبُ له </td> <td>٣/ ٢٣٢ </td> <td>الواهبُ الموهوبَ له </td> <td>٢/ ٧٣ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٠٥ </td> <td>واختلف العلماء </td> <td>٣/ ٢٩١ </td> <td>واختلف العلماء </td> <td>٢/ ٩٤ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٦/ ٢٧) المتعلقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>١٠٦ </td> <td>دعاؤهم له </td> <td>٣/ ٣٥٦ </td> <td>دعواهم له </td> <td>٢/ ١١٦ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٦/ ٩٤) المتعلقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>١٠٧ </td> <td>فتح المثناة التحتية </td> <td>٣/ ٣٥٨ </td> <td>فتح المثناة </td> <td>٢/ ١١٧ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٦/ ٩٦) المتعلقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>١٠٨ </td> <td>مالي في الرجل </td> <td>٣/ ٤٠٨ </td> <td>مالي في الرجال </td> <td>٢/ ١٣٢ </td> <td> </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":9},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>١٠٩ </td> <td>والخلع فيما دون </td> <td>٣/ ٤١٩ </td> <td>والخلع فيما بين </td> <td>٢/ ١٣٥ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١٠ </td> <td>أول خلع في خلع العرب </td> <td>٣/ ٤٢٠ </td> <td>أول خلع خلع في العرب </td> <td>٢/ ١٣٥ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١١ </td> <td>إلَّا أنه صرَّح </td> <td>٣/ ٤٢٥ </td> <td>إلَّا أنه قد صرَّح </td> <td>٢/ ١٣٦ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١٢ </td> <td>الدليل على القيد </td> <td>٣/ ٤٦٧ </td> <td>الدليل على القييد </td> <td>٢/ ١٥١ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١٣ </td> <td>فريعة، هذا المذكور </td> <td>٣/ ٥٠٤ </td> <td>فريعة هذه المذكورة </td> <td>٢/ ١٦٤ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١١٤ </td> <td>هذا الحكم مخصوصًا </td> <td>٣/ ٥٣٩ </td> <td>هذا الحكم مخصوص </td> <td>٢/ ١٨٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٦/ ٢٧٢) التعليقة (٧) </td> </tr> <tr> <td>١١٥ </td> <td>المازري من المالكية </td> <td>٣/ ٥١٩ </td> <td>المازري. </td> <td>٢/ ١٧٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٦/ ٢٥٣) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١١٦ </td> <td>المصة ولا المصتان </td> <td>٣/ ٥٢٧ </td> <td>المصة والمصتان </td> <td>٢/ ١٧٥ </td> <td>وهي في مسلم أيضًا موافقة لمخطوطه </td> </tr> <tr> <td>١١٧ </td> <td>فأرضعيه خمس رضعات </td> <td>٣/ ٥١٣ </td> <td>فأرضعيه خمس رضعات </td> <td>٢/ ١٧٦ </td> <td>وهي في سنن أبي داود أيضًا موافقة لمخطوطه </td> </tr> <tr> <td>١١٨ </td> <td>مسلمًا كان أو كافرًا </td> <td>٤/ ٧ </td> <td>مسلمًا أو كافرًا </td> <td>٢/ ١٩٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٧) التعليقة (٨) </td> </tr> <tr> <td>١١٩ </td> <td>لا يتمُّ قتل </td> <td>٤/ ٧٦ </td> <td>لا يتمّمُ قتل </td> <td>٢/ ٢١٧ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٢٠ </td> <td>بطن سريته </td> <td>٤/ ٧٧ </td> <td>بطن سرية </td> <td>٢/ ٢١٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٧٨) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٢١ </td> <td>أقرَّ أنهُ زَنَى </td> <td>٤/ ٩٥ </td> <td>زَنَى </td> <td>٢/ ٢٢٤ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٩٨) التعليقة (٥) </td> </tr> <tr> <td>١٢٢ </td> <td>يعني حين أخبر </td> <td>٤/ ١٠٢ </td> <td>حين أخبر </td> <td>٢/ ٢٢٧ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ١٠٦) التعليقة (٧) </td> </tr> <tr> <td>١٢٣ </td> <td>وله أشباهٌ لذلك </td> <td>٤/ ١٢٢ </td> <td>وله أشباه </td> <td>٢/ ٢٣٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ١٢٧) التعليقة (١) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":10},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>١٢٤ </td> <td>وله لمسلم: </td> <td>٤/ ١٣٥ </td> <td>وله: </td> <td>٢/ ٢٣٩ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ١٤١) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٢٥ </td> <td>كل محرَزٍ، </td> <td>٤/ ١٤٠ </td> <td>كل محروز </td> <td>٢/ ٢٤٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ١٤٨) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>١٢٦ </td> <td>أنهُ يختصُّ ذلك </td> <td>٤/ ٢٢٨ </td> <td>أنهُ يختصُّ </td> <td>٢/ ٢٧٠ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٢٤٠) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>١٢٧ </td> <td>التدرب على الحرب </td> <td>٤/ ٢٦٢ </td> <td>التمرين على الحرب </td> <td>٢/ ٢٧٩ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٢٧٢) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>١٢٨ </td> <td>وقولُه: \"مما أفاء </td> <td>٤/ ٢٤٢ </td> <td>وقولهم: \"مما أفاء </td> <td>٢/ ٢٧٤ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٢٥٤) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>١٢٩ </td> <td>جواز الادخار </td> <td>٤/ ٢٤٣ </td> <td>جواز ادخار الإنسان </td> <td>٢/ ٢٧٥ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٢٥٥) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٣٠ </td> <td>تصرف المودَعِ </td> <td>٤/ ٣٠٢ </td> <td>تصرف الوديع </td> <td>٢/ ٢٩١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٣١٦) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>١٣١ </td> <td>أن الجنين إذا أخْرِجَ </td> <td>٤/ ٣٠٦ </td> <td>أن الجنين إذا خرجَ </td> <td>٢/ ٢٩٢ </td> <td> </td> </tr> <tr> <td>١٣٢ </td> <td>ويبرك في سوادٍ </td> <td>٤/ ٣١٢ </td> <td>ويترك في سوادٍ </td> <td>٢/ ٢٩٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٣٢٥) التعليقة (٤) </td> </tr> <tr> <td>١٣٣ </td> <td>اللهم تقبل من محمد وآله </td> <td>٤/ ٣١٣ </td> <td>. . . . . . . . </td> <td>٢/ ٢٩٣ </td> <td>السطر (١٦ - ١٧) زيادة لم يشر إلى مصدرها </td> </tr> <tr> <td>١٣٤ </td> <td>يأتي تفسيره </td> <td>٤/ ٣٣١ </td> <td>يأتي تفسيرها </td> <td>٢/ ٢٩٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٣٤٩) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٣٥ </td> <td>ويستحبُّ تحنيكُه </td> <td>٤/ ٣٣٦ </td> <td>ويستحب تحنيك </td> <td>٢/ ٢٩٩ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٧/ ٣٥٧) التعليقة (٧) </td> </tr> <tr> <td>١٣٦ </td> <td>المستحلف مطلقًا </td> <td>٤/ ٣٤١ </td> <td>المستحلف </td> <td>٢/ ٣٠١ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ١٠) التعليقة (٦) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":11},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الكلمة في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>الكلمة في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>ملاحظات الجزء والصفحة من كتابي </th> </tr> <tr> <td>١٣٧ </td> <td>لا يقوم به إلا أفراد </td> <td>٤/ ٣٥٧ </td> <td>لا تقوم به إلا أفراد </td> <td>٢/ ٣٠٥ </td> <td>وهما من نسختي (ب) (٨/ ٢٩) التعليقة (١) و(٢) </td> </tr> <tr> <td>١٣٨ </td> <td>من حديث ابن عباس </td> <td>٤/ ٣٩١ </td> <td>. . . . . . . . . . </td> <td>٢/ ٣١٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ٦٥) التعليقة (٨) </td> </tr> <tr> <td>١٣٩ </td> <td>الأدنى منهما على الأعلى </td> <td>٤/ ٤٦٥ </td> <td>الأدني على الأعلى </td> <td>٢/ ٣٣٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ١٤٥) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>١٤٠ </td> <td>على فعل المعروف </td> <td>٤/ ٤٩٨ </td> <td>على المعروف </td> <td>٢/ ٣٤٠ </td> <td>زيادة من نسختي (ب) (٨/ ١٧٧) التعليقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>١٤١ </td> <td>عليه في الدارين؛ </td> <td>٤/ ٥٣٢ </td> <td>عليه </td> <td>٢/ ٣٤٨ </td> <td>زيادة من نسختي (ب) (٨/ ٢١١) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>١٤٢ </td> <td>فيه ثلاثةُ أقوال </td> <td>٤/ ٥٣٤ </td> <td>فيه تأويلات </td> <td>٢/ ٣٤٩ </td> <td>وهذه من نسختي (ب) (٨/ ٢١٤) التعليقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>١٤٣ </td> <td>أي علامةُ نفاقه </td> <td>٤/ ٥٤٢ </td> <td>. . . . . . . . </td> <td>٢/ ٣٥١ </td> <td>زيادة من نسختي (ب) (٨/ ٢٢٣) التعليقة (٦) </td> </tr> <tr> <td>١٤٤ </td> <td>أخرجه الترمذي وصححه </td> <td>٤/ ٥٦٧ </td> <td>أخرجه الترمذي </td> <td>٢/ ٣٥٨ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ٢٥٠) التعليقة (٢) </td> </tr> <tr> <td>١٤٥ </td> <td>عمَّا يكره كشفه </td> <td>٤/ ٥٦٩ </td> <td>. . . . . . . </td> <td>. ٢/ ٣٥٨ </td> <td>زيادة: من نسختي (ب) (٨/ ٢٥٢) التعليقة (٩) </td> </tr> <tr> <td>١٤٦ </td> <td>من الهادوية وغيرهم </td> <td>٤/ ٥٨٤ </td> <td>. . . . . . . </td> <td>. ٢/ ٣٦١ </td> <td>زيادة من نسختي (ب) (٨/ ٢٦٨) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٤٧ </td> <td>حقوق الله والمسلمين </td> <td>٤/ ٥٨٧ </td> <td>واجب عليه لله تعالى والمسلمين </td> <td>٢/ ٣٦٢ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ٢٧١) التعليقة (٣) </td> </tr> <tr> <td>١٤٨ </td> <td>الاستعمال الموجود في </td> <td>٤/ ٥٩٢ </td> <td>الاستعمال في </td> <td>٢/ ٣٦٣ </td> <td>وهي من نسختي (ب) (٨/ ٢٧٧) التعليقة (١٤) </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"• أما النقص الواضح في نص الكتاب، فقد وقفت على بعضه قدرًا ولم أتتبعه:\n١\" - في كتابه (٢/ ٢٤ - ٢٥) النص الناقص:\n\"فدلَّ على أنَّهُ عليكم الوتر، دلالةٌ على أن الوترَ غيرُ واجب\". اهـ.\nوإليك النص الصحيح من مخطوطته التي اعتمد عليها (٢/ ١٨٧):\n\"فدلَّ على أنَّهُ صلى ليلتين، وحديث الكتاب أنه صلى ليلةً واحدة وفى رواية أحمد: \"أنه صلى ثلاث ليالٍ وغصَّ المسجدُ بأهلهِ في الليلة الرابعة، وفى قوله: خشيت أن يكتب [الوتر] \" دلالة على أن الوتر غير واجب\" (^١). اهـ.\n٢\" - في كتابه (٤/ ٤٦٣) النص الناقص:\n\"وقد أخرج سعيد بن منصور أنه - ﷺ - كان إذا أكلَ بخمسٍ. وفي الحديث … \". اهـ.\nوإليك النص الصحيح من مخطوطته التي اعتمد عليها (٢/ ٣٣٢):\n\"وقد أخرج سعيد بن منصور أنه - ﷺ - كان إذا أكلَ بخمسِ. وهو مرسل. وفي الحديث\" (^٢). اهـ.\n٣\" - في كتابه (٤/ ٥٤٦ - ٥٤٧) النص الناقص:\n\"وقد وقد قسَّمَ الزمخشري الظن … \". اهـ.\nوإليك النص الصحيح من مخطوطته التي اعتمد عليها (٢/ ٣٥٣):\n\"وقد قالَ - ﷺ -: \"أخوك البكرى ولا تأمنه\". أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" عن عمرَ، وأبو داود عن عمرو بن [لعاص]. وقد قسَّم الزمخشري الظن … \" (^٣). اهـ.\n_________\n(^١) في كتابي (٣/ ٢٦) وكلمة [الوتر] زيادة من (ب).\n(^٢) في كتابي (٨/ ١٤٣).\n(^٣) في كتابي (٨/ ٢٢٨) وكلمة [العاص] زيادة من (ب).","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"٤\" - انظر أمثلة على النقص في كتابه أيضًا في (الجدول الأول) المتقدم رقم (٢٨) و(٣٧) و(٦٢) و(١٠٠) و(١٠١) و(١٠٢) و(١١١).\nوقد وضعت فوق الرقم علامة تنوين هكذا [٢٨\"]، للتمييز بسرعة.\n* * *\n\n• أما الزيادات عما في المخطوط الذي اعتمد عليه الأستاذ طارق، ولم ينبه إليها كما وعد في مقدمته.\nانظر الأرقام الآتية من (الجدول الأول) المتقدم كنماذج على ذلك:\nالرقم (٢٣) و(٣٦) و(٤٢) و(٤٤) و(٤٧) و(٥٠) و(٥١) و(٥٣) و(٥٩) و(٦٠) و(٦١) و(٦٤) و(٦٧) و(٦٨) و(٧٠) و(٧٢) و(٧٥) و(٨٤) و(٨٧) و(٨٩) و(١٠٣) و(١٠٧) و(١١٥) و(١١٨) و(١٢١) و(١٢٢) و(١٢٣) و(١٢٤) و(١٢٦) و(١٣٣) و(١٣٦) و(١٣٨) و(١٣٩) و(١٤٠) و(١٤١) و(١٤٣) و(١٤٤) و(١٤٥) و(١٤٦) و(١٤٨).\nوقد وضعت الرقم ضمن الدائرة هكذا [(٢٣)]، لسرعة التمييز.\n* * *\n\n• أما باقي الأرقام في (الجدول الأول) المتقدم فهي تدل على أن الأستاذ طارق بدل كلمات المخطوط بكلمات المطبوع ولم يشر إلى ذلك.\n* * *","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"• أما الأخطاء المطبعية فلم أنبه عليها ولم ألتفت إليها بل شدَّ انتباهي خطأ كبيرٌ فأحببت التنبيه عليه:\nالتعليقة (٣) في نص الكتاب (٤/ ٣١٣) يجب أن يكون الهامش في نفس الصفحة ولكنه جاء (٤/ ٣١٤).\nوكذلك التعليقة (٣) في (٤/ ٣١٤) جاء هامشها في (٤/ ٣١٥).\nوالتعليقة رقم (٥) في (٤/ ٣١٥) جاء هامشها في (٤/ ٣١٦).\nوالتعليقة رقم (٣) في (٤/ ٣١٦) جاء هامشها في (٤/ ٣١٧).\nوالتعليقة رقم (٢) في (٤/ ٣١٧) جاء هامشها في (٤/ ٣١٨).\nوالتعليقة رقم (٢) في (٤/ ٣١٨) جاء هامشها في (٤/ ٣١٩).\nوالتعليقة رقم (٣) في (٤/ ٣١٩) جاء هامشها في (٤/ ٣٢٠).\nوأيضًا التعليقة رقم (٥) في (٤/ ٣٢٢) جاء هامشها في (٤/ ٣٢٣).\nوالتعليقة رقم (٤) في (٤/ ٣٢٣) جاء هامشها (٤/ ٣٢٤).\nوالتعليقة رقم (٢) في (٤/ ٣٢٤) جاء هامشها في (٤/ ٣٢٥).\nوالتعليقة رقم (٣) في (٤/ ٣٢٥) جاء هامشها في (٤/ ٣٢٦).\nوالتعليقة رقم (٤) في (٤/ ٣٢٦) جاء في هامشها في (٤/ ٣٢٧).\n* * *","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الجدول الثاني: نماذج من أخذه من كتابي المطبوع وبخاصة النسخة التي اعتمدتُ عليها وهي (ب) بشكل واضح ولم ينبه على ذلك</span>\n <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>١ </td> <td>١/ ٢٤٦ </td> <td>٤ </td> <td>[فقالَ \"إنَّ الله يثني عليكم\"] </td> <td>١/ ٣٢٠ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٢ </td> <td>١/ ٤٤٩ </td> <td>٢ </td> <td>[أسلمَ عام الفتح، وعاش مائةً وعشرين سنةً: ستون في الجاهلية، وستون في الإسلام] </td> <td>٢/ ١٤٧ - ١٤٨ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٣ </td> <td>١/ ٥٠٨ </td> <td>١ </td> <td>[فتم ما ترجينا بقولنا]. </td> <td>٢/ ٢٠٧ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٤ </td> <td>١/ ٥٣٤ </td> <td>١ </td> <td>[ابنُ عمرَ] </td> <td>٢/ ٢٣٢ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٥ </td> <td>١/ ٥٩٤ </td> <td>١ </td> <td>[والمراد] </td> <td>٢/ ٢٩١ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٦ </td> <td>٢/ ١٣ </td> <td>١ </td> <td>[وثلاثُ ركعات الوتر تكونُ أربعين ركعةً في اليوم والليلة]. </td> <td>٣/ ١٣ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٧ </td> <td>٢/ ١٥ </td> <td>٤ </td> <td>[لأنه تفرد به] [عبد الواحد بن زياد] </td> <td>٣/ ١٥ </td> <td>٥، ٦ </td> </tr> <tr> <td>٨ </td> <td>٢/ ٥٢ </td> <td>١ </td> <td>[ولم يسلمْ لهُ هذا؛ لأنَّ الشرطيةَ لا بدَّ لها من دليل، ولذا قال أحمد وغيره: أنها واجبةُ غيرُ شرط]. </td> <td>٣/ ٥٦ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٩ </td> <td>٢/ ٦٧ </td> <td>١ </td> <td>[وقد جاءَ ما قاله معاذ مفسرًا بلفظ: \"فبلغ ذلك معاذًا، فقالَ: إنهُ منافق] </td> <td>٣/ ٧١ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>١٠ </td> <td>٢/ ٨٧ </td> <td>٣ </td> <td>[(معهم) أي: في الصفِّ] </td> <td>٣/ ٩٢ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>١١ </td> <td>٢/ ٩٤ </td> <td>١ </td> <td>[ذكره] </td> <td>٣/ ٩٩ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>١٢ </td> <td>٢/ ١٥١ </td> <td>٢ </td> <td>[قال]: </td> <td>٣/ ١٥٥ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>١٣ </td> <td>٢/ ١٥٥ </td> <td>٣ </td> <td>[وعمرَ] </td> <td>٣/ ١٥٩ </td> <td>٢ </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":16},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>١٤ </td> <td>٢/ ١٦٥ </td> <td>٢ </td> <td>[ثم ركع وركعنا جميعًا] </td> <td>٣/ ١٦٩ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>١٥ </td> <td>٢/ ٢٤٥ </td> <td>٣ </td> <td>[عن حذيفة]. </td> <td>٣/ ٢٥١ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>١٦ </td> <td>٢/ ٢٤٥ </td> <td>٤ </td> <td>[كما عرضهُ - ﷺ - على عمِّهِ عند السياقِ، وعلى الذميِّ الذي كانَ يخدمه فعادَهُ وعرض عليه الإسلام فأسلم]. </td> <td>٣/ ٢٥٢ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>١٧ </td> <td>٢/ ٣٢٨ </td> <td>١ </td> <td>[الزيادة، كذا في الشرح. ولو قيل مثلًا: إنهُ يدل على أنهما يتساويان في الحق والظلم لما بعُدَ الحديث عن إفادة] </td> <td>٤/ ١١ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>١٨ </td> <td>٢/ ٣٤٣ </td> <td>٣ </td> <td>[أنه لا دِلالةَ فيه و] </td> <td>٤/ ٢٨ </td> <td>٩ </td> </tr> <tr> <td>١٩ </td> <td>٢/ ٣٩٩ </td> <td>٤ </td> <td>[الحاكم] </td> <td>٤/ ٨٥ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٢٠ </td> <td>٢/ ٤١٢ </td> <td>٦ </td> <td>[ولم يحرِّمها إبقاءً على أصحابه] </td> <td>٤/ ٩٩ </td> <td>٩ </td> </tr> <tr> <td>٢١ </td> <td>٣/ ٤٤ </td> <td>١ </td> <td>[الاستثناء] </td> <td>٥/ ٤٥ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٢٢ </td> <td>٣/ ٥٠ </td> <td>٣ </td> <td>[الجماعة] </td> <td>٥/ ٥٣ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٢٣ </td> <td>٣/ ٧١ </td> <td>؟ </td> <td>[النهيُ] </td> <td>٥/ ٧٧ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٢٤ </td> <td>٣/ ١١٩ </td> <td>١ </td> <td>[قال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا الحديثُ عند جمهور الفقهاء تردُّه أصولٌ مجتمعةٌ، وآثارٌ ثابتة، لا يختلف في صحتها]. </td> <td>٥/ ١٣٠ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٢٥ </td> <td>٣/ ٢٤٥ </td> <td>٣ </td> <td>بن مَعْقِل </td> <td>٥/ ٢٥٩ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٢٦ </td> <td>٣/ ٢٤٨ </td> <td>٢ </td> <td>عبيد الله </td> <td>٥/ ٢٦٣ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٢٧ </td> <td>٣/ ٢٧٣ </td> <td>٢ </td> <td>[القرافي] </td> <td>٦/ ٧ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٢٨ </td> <td>٣/ ٣٠٣ </td> <td>٤ </td> <td>كما تقدم </td> <td>٦/ ٤٠ </td> <td>٨ </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":17},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>٢٩ </td> <td>٣/ ٣٢٨ </td> <td>٢ </td> <td>[هو غيلان] </td> <td>٦/ ٦٧ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٣٠ </td> <td>٣/ ٥٣٦ </td> <td>٢ </td> <td>[ما عدا أولاده] </td> <td>٦/ ٢٦٩ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٣١ </td> <td>٣/ ٥٣٩ </td> <td>٢ </td> <td>[تقبل شهادةُ] </td> <td>٦/ ٢٧٢ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٣٢ </td> <td>٤/ ١٢ </td> <td>١ </td> <td>[وفيها المثنى بنُ الصباحِ وهو ضعيف] </td> <td>٧/ ١٤ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٣٣ </td> <td>٤/ ٣٨ </td> <td>٢ </td> <td>[بضمِّ الهمزة وسكون الواو وكسر العين المهملة فموحدةٍ (جدعُهُ)] </td> <td>٧/ ٤٠ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٣٤ </td> <td>٤/ ٣٨ </td> <td>٢ </td> <td>[إذا قطع من أصلِهِ أو ما يمنع منه الكلام] </td> <td>٧/ ٤٠ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٣٥ </td> <td>٤/ ٦٩ </td> <td>٣، ٤ </td> <td>[قتلنا] . . . . [قتل] </td> <td>٧/ ٧٠ </td> <td>٢، ٣ </td> </tr> <tr> <td>٣٦ </td> <td>٤/ ٢٨٤ </td> <td>٣ </td> <td>[من حديث ابن مسعود] </td> <td>٧/ ٢٩٧ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٣٧ </td> <td>٤/ ٢٩٣ </td> <td>١ </td> <td>[سلمان] </td> <td>٧/ ٣٠٦ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٣٨ </td> <td>٤/ ٢٩٥ </td> <td>٢ </td> <td>[طرفها حديدة]. </td> <td>٧/ ٣٠٩ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٣٩ </td> <td>٤/ ٣٠٢ </td> <td>٤ </td> <td>[وبفتحا]. </td> <td>٧/ ٣١٧ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٤٠ </td> <td>٤/ ٣٠٣ </td> <td>١ </td> <td>[أي السكين]. </td> <td>٧/ ٣١٧ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٤١ </td> <td>٤/ ٣١٣ </td> <td>١ </td> <td>[وفي (لفظ عن محمد آلِ محمد)] </td> <td>٧/ ٣٢٧ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٤٢ </td> <td>٤/ ٣٣٩ </td> <td>٢ </td> <td>[واللفظ له] </td> <td>٨/ ٧ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٤٣ </td> <td>٤/ ٣٤٣ </td> <td>١ </td> <td>[لا يصح تقديمها قبل اليمين. ودلت رواية: \"ثم ائتِ الذي هو خيرٌ\" على أنه يقدمُ الكفارة قبل الحنث] </td> <td>٨/ ١٢ </td> <td>٢، ٣ </td> </tr> <tr> <td>٤٤ </td> <td>٤/ ٣٤٤ </td> <td>٣ </td> <td>[وأيوب بن موسى] </td> <td>٨/ ١٤ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٤٥ </td> <td>٤/ ٣٤٧ </td> <td>٤ </td> <td>[واللمَّةُ من الملكِ تارةً ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه الله] </td> <td>٨/ ١٧ </td> <td>٥، ٦ </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":18},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>٤٦ </td> <td>٤/ ٣٤٩ </td> <td>٢ </td> <td>[لا أنَّ] </td> <td>٨/ ١٩ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٤٧ </td> <td>٤/ ٣٥٩ </td> <td>١، ٢ </td> <td>[الأثير في \"النهاية\"] </td> <td>٨/ ٣٠ </td> <td>٤، ٥ </td> </tr> <tr> <td>٤٨ </td> <td>٤/ ٣٦٠ </td> <td>٢ </td> <td>[وإبانةُ أنهُ] </td> <td>٨/ ٣٢ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٤٩ </td> <td>٤/ ٣٧٤ </td> <td>١ </td> <td>[الحق وهو] </td> <td>٨/ ٤٦ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٥٠ </td> <td>٤/ ٣٧٨ </td> <td>٣ </td> <td>[حتى يناله] </td> <td>٨/ ٥٠ </td> <td>٩ </td> </tr> <tr> <td>٥١ </td> <td>٤/ ٣٧٩ </td> <td>١ </td> <td>[المقلد] </td> <td>٨/ ٥٢ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٥٢ </td> <td>٤/ ٤٠١ </td> <td>١ </td> <td>[أن المراد] </td> <td>٨/ ٧٦ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٥٣ </td> <td>٤/ ٤٣٤ </td> <td>٢ </td> <td>[عنه العتق نُسِب] </td> <td>٨/ ١١٢ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٥٤ </td> <td>٤/ ٤٣٥ </td> <td>٦ </td> <td>[وإنْ عَلَوْا] . . . [وإن سفُلُوا] . . .  [والأخوالُ والأعمامُ لا أولادهم] </td> <td>٨/ ١١٤ </td> <td>٦، ٧، ٨ </td> </tr> <tr> <td>٥٥ </td> <td>٤/ ٣٣٧ </td> <td>١ </td> <td>[أحاديٌّ]  . . . [بالإجماع]  . . . </td> <td>٨/ ١١٥ </td> <td>٣، ٤ </td> </tr> <tr> <td>٥٦ </td> <td>٤/ ٧٧ </td> <td>٢ </td> <td>[وأسرعَهُ] </td> <td>٧/ ٧٨ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٥٧ </td> <td>٤/ ١٠٦ </td> <td>٣ </td> <td>[عليها]. </td> <td>٧/ ١٠٩ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٥٨ </td> <td>٤/ ١١٢ </td> <td>٢ </td> <td>[باختصار]. </td> <td>٧/ ١١٦ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٥٩ </td> <td>٤/ ١١٥ </td> <td>٢ </td> <td>[بكسرِ العين فمثلثةِ] </td> <td>٧/ ١١٩ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٦٠ </td> <td>٤/ ١١٧ </td> <td>٢ </td> <td>[كذا قيلَ في بيانِ وجْهِ قولِ المصنفِ: إنَّ فيه اختلافًا]. </td> <td>٧/ ١٢١ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٦١ </td> <td>٤/ ١١٨ </td> <td>٢ </td> <td>[آخر قوليه]. </td> <td>٧/ ١٢٢ </td> <td>١١ </td> </tr> <tr> <td>٦٢ </td> <td>٤/ ١١٩ </td> <td>٢ </td> <td>[وأنَّ عمرَ ضربَ وغرَّبَ] </td> <td>٧/ ١٢٣ </td> <td>٨ </td> </tr> <tr> <td>٦٣ </td> <td>٤/ ١٢٦ </td> <td>١ </td> <td>[الأُولَى] </td> <td>٧/ ١٣١ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٦٤ </td> <td>٤/ ١٢٨ </td> <td>٢ </td> <td>[مملوكة]. </td> <td>٧/ ١٣٣ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٦٥ </td> <td>٤/ ١٢٨ </td> <td>٣ </td> <td>[إلى]. </td> <td>٧/ ١٣٤ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٦٦ </td> <td>٤/ ١٨٤ </td> <td>٢ </td> <td>[واختلافِ]. </td> <td>٧/ ١٩١ </td> <td>٣ </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":19},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>٦٧ </td> <td>٤/ ٢١٢ </td> <td>٢ </td> <td>[وشفقة مما عندي] </td> <td>٧/ ٢٢١ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٦٨ </td> <td>٤/ ٢٤٠ </td> <td>١ </td> <td>[ما لم يتغير] </td> <td>٧/ ٢٥٢ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٦٩ </td> <td>٤/ ٢٥٦ </td> <td>١ </td> <td>[المسلم] </td> <td>٧/ ٢٦٧ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٧٠ </td> <td>٤/ ٢٦٢ </td> <td>١ </td> <td>[وقيل] </td> <td>٧/ ٢٧٢ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٧١ </td> <td>٤/ ٢٧٦ </td> <td>٢ </td> <td>[قال فقبله] </td> <td>٧/ ٢٨٩ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٧٢ </td> <td>٤/ ٢٧٨ </td> <td>٤ </td> <td>[بن جُزْءٍ] </td> <td>٧/ ٢٩١ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٧٣ </td> <td>٤/ ٤٦٤ </td> <td>١ </td> <td>[المارّ] </td> <td>٨/ ١٤٥ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٧٤ </td> <td>٤/ ٤٦٥ </td> <td>١ </td> <td>[سلطانًا] </td> <td>٨/ ١٤٥ </td> <td>٨ </td> </tr> <tr> <td>٧٥ </td> <td>٤/ ٤٧١ </td> <td>٢ </td> <td>[أي نَعْلَه] </td> <td>٨/ ١٥١ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٧٦ </td> <td>٤/ ٤٧٢ </td> <td>٣ </td> <td>[فإنه قد ذكرَ] </td> <td>٨/ ١٥٢ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٧٧ </td> <td>٤/ ٤٨٥ </td> <td>١ </td> <td>[إليه] </td> <td>٨/ ١٦٥ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٧٨ </td> <td>٤/ ٤٩١ </td> <td>٤ </td> <td>[من المنافع بشرط الإيمان] </td> <td>٨/ ١٦٥ </td> <td>٣ </td> </tr> <tr> <td>٧٩ </td> <td>٤/ ٤٩٥ </td> <td>١ </td> <td>[بقوله:] </td> <td>٨/ ١٧٥ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٨٠ </td> <td>٤/ ٥٠٦ </td> <td>٣ </td> <td>[بضمها أيضًا] </td> <td>٨/ ١٨٤ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٨١ </td> <td>٤/ ٥٠٩ </td> <td>١ </td> <td>[في غير هذا الموضع] </td> <td>٨/ ١٨٧ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٨٢ </td> <td>٤/ ٥١٤ </td> <td>٣ </td> <td>[فيه ضعيف] </td> <td>٨/ ١٩٢ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٨٣ </td> <td>٤/ ٥١٥ </td> <td>١ </td> <td>[تخرجه عن الضعف] </td> <td>٨/ ١٩٢ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٨٤ </td> <td>٤/ ٥١٥ </td> <td>١ </td> <td>[حاجة من حوائج الدارين] </td> <td>٨/ ١٩٣ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٨٥ </td> <td>٤/ ٥١٥ </td> <td>١ </td> <td>[فإنَّ بيده أمورهما] </td> <td>٨/ ١٩٣ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٨٦ </td> <td>٤/ ٥٢٩، ٥٣٠ </td> <td>١ </td> <td>[وتوَّلد من طردِه كلُّ بلاءٍ وفتنةٍ عليه وعلى العباد] </td> <td>٨/ ٢٠٨ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٨٧ </td> <td>٤/ ٥٣٣، ٥٣٤ </td> <td>١ </td> <td>[فليسكت\" وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان: \"إذا غضب أحدكم] </td> <td>٨/ ٢١٣ </td> <td>٨ </td> </tr> </table>","vol":"المقدمة","page":20},{"text":" <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>الكلمات التي قال عنها الأستاذ طارق في كتابه \"زيادة من المطبوع\" - \"سقط من الأصل\" - \"في الأصل\" فهي من كتابي وبالتحديد من نسختي المخطوطة (ب) </th> <th>(كتابي). الجزء والصفحة </th> <th>رقم التعليقة (كتابي) </th> </tr> <tr> <td>٨٨ </td> <td>٤/ ٥٣٤ </td> <td>١ </td> <td>[في حقِّ مؤمنٍ أو كافرٍ أو فاسقٍ] </td> <td>٨/ ٢١٤ </td> <td>٨ </td> </tr> <tr> <td>٨٩ </td> <td>٤/ ٥٤٠ </td> <td>١ </td> <td>[أهل التقية] </td> <td>٨/ ٢٢١ </td> <td>٤ </td> </tr> <tr> <td>٩٠ </td> <td>٤/ ٥٤٤ </td> <td>١ </td> <td>[بكسر السين المهملة مصدرُ سبَّه] </td> <td>٨/ ٢٢٥ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٩١ </td> <td>٤/ ٥٥٥ </td> <td>١ </td> <td>[ذلكَ فكل] </td> <td>٨/ ٢٣٦ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٩٢ </td> <td>٤/ ٥٦٨ </td> <td>٣ </td> <td>[الكامل الإيمان] </td> <td>٨/ ٢٥١ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>٩٣ </td> <td>٤/ ٥٦٩ </td> <td>٢ </td> <td>[أو بالإيماء] </td> <td>٨/ ٢٥٢ </td> <td>٨ </td> </tr> <tr> <td>٩٤ </td> <td>٤/ ٥٦٩ </td> <td>٢ </td> <td>[تقدم الكلام على البخيل] </td> <td>٨/ ٢٥٤ </td> <td>٤، ٥ </td> </tr> <tr> <td>٩٥ </td> <td>٤/ ٥٧٤ </td> <td>٢ </td> <td>[قاله المنذري] </td> <td>٨/ ٢٥٧ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>٩٦ </td> <td>٤/ ٥٨١ </td> <td>٥ </td> <td>[وقال: غريب]. </td> <td>٨/ ٢٦٦ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>٩٧ </td> <td>٤/ ٥٨٣ </td> <td>٢ </td> <td>[بفتح حرف المضارعة]. </td> <td>٨/ ٢٦٨ </td> <td>٢ </td> </tr> <tr> <td>٩٨ </td> <td>٤/ ٥٨٥ </td> <td>١ </td> <td>[بالنصب محذّرٌ منه] </td> <td>٨/ ٢٦٩ </td> <td>٦ </td> </tr> <tr> <td>٩٩ </td> <td>٤/ ٥٨٧ </td> <td>١ </td> <td>[التي قد لا يقوم بها] </td> <td>٨/ ٢٧١ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>١٠٠ </td> <td>٤/ ٥٩١ </td> <td>٢ </td> <td>[من القويِّ والضعيف] </td> <td>٨/ ٢٧٦ </td> <td>١ </td> </tr> <tr> <td>١٠١ </td> <td>٤/ ٥٩٢ </td> <td>٣ </td> <td>[ولا اعتراض فيه على قدرٍ] </td> <td>٨/ ٢٧٧ </td> <td>٧ </td> </tr> <tr> <td>١٠٢ </td> <td>٤/ ٥٩٢ </td> <td>٣ </td> <td>[وعما هو في قدرته. فأما] </td> <td>٨/ ٢٧٧ </td> <td>٨ </td> </tr> <tr> <td>١٠٣ </td> <td>٤/ ٥٩٤ </td> <td>٤ </td> <td>[عنه] </td> <td>٨/ ٢٧٩ </td> <td>٥ </td> </tr> <tr> <td>١٠٤ </td> <td>٤/ ٦١٠ </td> <td>٢ </td> <td>[بالطاعات] </td> <td>٨/ ٢٩٥ </td> <td>٩ </td> </tr> </table>\n* * *","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"• أما قول الأستاذ طارق في مقدمته: \" … وإنما اختاروا - أي الذين حققوا سبل السلام - لأنفسهم ترقيمًا خاصًّا … \".\nقلت: كما فعل فضيلته أيضًا، بل اعتمد على ترقيمه ولم يعتمد على ترقيم الصنعاني في إرجاعاته وإليك نماذج على ذلك.\n <table dir=rtl> <tr> <th>الرقم المتسلسل </th> <th>الجزء والصفحة من كتابه </th> <th>رقم التعليقة </th> <th>إحالته في الهامش </th> </tr> <tr> <td>١ </td> <td>١/ ١٤٤ </td> <td>٤ </td> <td>سيأتي برقم (٣٨) </td> </tr> <tr> <td>٢ </td> <td>١/ ١٩٣ </td> <td>١ </td> <td>سيأتي برقم (١٢٦) </td> </tr> <tr> <td>٣ </td> <td>١/ ٢١١ </td> <td>٢ </td> <td>يأتي تخريجه برقم (١٠٥) </td> </tr> <tr> <td>٤ </td> <td>١/ ٢٥٥ </td> <td>١ </td> <td>تقدم برقم (٧٣) </td> </tr> <tr> <td>٥ </td> <td>١/ ٣٣٣ </td> <td>٢ </td> <td>تقدم تخريجه أثناء شرح حديث (١٤١) </td> </tr> <tr> <td>٦ </td> <td>٢/ ٧ </td> <td>١ </td> <td>يأتي برقم (٣٣٧) </td> </tr> <tr> <td>٧ </td> <td>٢/ ٢٧٧ </td> <td>١ </td> <td>تقدم برقم (٥١٦) </td> </tr> <tr> <td>٨ </td> <td>٢/ ٣٦٥ </td> <td>١ </td> <td>تقدم برقم (٥٥٨) </td> </tr> <tr> <td>٩ </td> <td>٢/ ٣٩٨ </td> <td>٢ </td> <td>سيأتي برقم (٦٠٥) </td> </tr> <tr> <td>١٠ </td> <td>٢/ ٤٥٦ </td> <td>٣ </td> <td>تقدم برقم (٥٣٠) </td> </tr> <tr> <td>١١ </td> <td>٣/ ١٧٠ </td> <td>٣ </td> <td>تقدم برقم (٨٢٧) </td> </tr> <tr> <td>١٢ </td> <td>٣/ ٣٠٠ </td> <td>٢ </td> <td>تقدم برقم (٩١٢) </td> </tr> <tr> <td>١٣ </td> <td>٣/ ٣٠٣ </td> <td>٢ </td> <td>تقدم برقم (٩١١) </td> </tr> <tr> <td>١٤ </td> <td>٣/ ٥٢٨ </td> <td>٢ </td> <td>سيأتي برقم (١٠٥٢) </td> </tr> <tr> <td>١٥ </td> <td>٤/ ٢٩١ </td> <td>٣ </td> <td>يأتي برقم (١٢٤١) </td> </tr> </table>\n* * *","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"• أما ما يتعلق بالتخريج والتعليق في كتاب الأستاذ طارق بن عوض الله فلا أريد تطويل الكلام عليه كما تكلمت على تحقيق نصر الكتاب، بل لا بد من إلماحات أراها ضرورية والله الهادي إلى سبيل الحق:\n١\" - انتقد بعض أهل الحديث العلماء الذين يقتصرون على عزو الحديث إلى الإمام الترمذي، والحاكم، والذهبي، والطبراني، والبزار وغيرهم دون أن ينقلوا كلام هؤلاء الأئمة على الحديث كما فعل الأستاذ طارق على مدار الكتاب في تخريجه للأحاديث انظر: \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" لابن حجر (١/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، و\"البدر المنير\" لابن الملقن (١/ ٢٨٠ - ٢٨١) وغيرهما.\n٢\" - اقتصر في عزوه للأحاديث على من ذكرهم الحافظ ابن حجر في البلوغ، رغم أن الحديث أخرجه غيرهم.\n٣\" - لم يتعرض لعلل الأحاديث الضعيفة، رغم أن الكتاب يعتمد على أدلة الأحكام، ومن الواضح أن الضعيف لا يعمل به حتى ولا في فضائل الأعمال.\n٤\" - اعتماده شبه الكامل على أرقام الأحاديث، وكذلك الجزء والصفحة، في تخريجاته المختصرة، على تخريجاتي المطولة على مدار الكتاب.\n٥\" - لم يقم بعزو ما نقله المؤلف من أقوال العلماء، إلى مصادرها الأصلية - كما وعد في مقدمته - كـ\"ضوء النهار\" و\"منحة الغفار\" حاشية على ضوء النهار، و\"البحر الزخار\" وغيرها من مصادر.\n٦\" - الإرجاعات اللغوية شبه مفقودة - كما وعد في مقدمته - وخاصة الإرجاع لقاموس المحيط وغيره.\n٧\" - لم يتعرض لشرح المفردات والكلمات الغريبة وكذلك الأماكن.\n٨\" - لم يعلق على المواضع التي تحتاج إلى تعليق وخاصة ما يتعلق بالمادة الفقهية - كما وعد في مقدمته -.\n٩\" - لم يترجم للعلماء الذين يحتاج القارئ إلى معرفتهم.","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"١٠ \" - ترجم محمد بن إسماعيل الأمير لرواة الحديث ولم يذكر مصادر ترجمتهم كما لم يفعل الأستاذ المعلق أيضًا.\nاللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة، ولوجهك خالصة، ولا تجعل فيها شركًا لأحد.\n\nالاثنين ٢٢/ جمادى الثاني/ ١٤٢٢ هـ\n١٠/ ٩/ ٢٠٠١ م\n\nكتبه\nأبو مصعب:\nمحمد صبحي بن حسن حلاق\nصنعاء","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nإن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلى له، ومن يضلل فلا هاديَ له.\nوأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد:\nفإنني ما كنت أتوقع يوم ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب أن تنفد نسخها في هذه المدة اليسيرة، وأن تجد ما وجدته من الإقبال في مختلف البلاد العربية والإسلامية - ولله الحمد والمنة - مع ما في الكتاب من أخطاء مطبعية غريبة، نتيجة أمور متعددة ولعله أبرزها طباعة الكتاب بعيدًا عني، فلم يتسن لي الإشراف المباشر على طباعته، ومتابعة \"مركز الصف في القاهرة\" المثقل بالأعمال الطباعية الأخرى …\nوكل هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى وقوع هذه الأخطاء المطبعية العجيبة، والمؤلمة لي أولًا، وللناشر ثانيًا، وللقارئ العزيز ثالثًا.\nوقبل أن أرفع القلم أقدم اعتذاري، وأسفي الشديد، عن وقوع هذه الأخطاء في الكتاب، والتي حصلت بعيدًا عن إرادتي.\nوإنني أقدم الطبعة الثانية للقراء الكرام خالية من الأخطاء - بعون الله - مزيدة، فيها بعض النقاط التي فاتني التعليق عليها، والحكم على بعض الأحاديث التي لم أحكم عليها، في الطبعة الأولى.\nوأتقدم بالشكر الجزيل للعاملين في دار ابن الجوزي بيروت على ما بذلوا","vol":"1","page":5},{"text":"من جهد طيب، ومتابعة دؤوبة، واهتمام فائق بهذا الكتاب الطيب المفيد.\nوقبل أن أضع القلم لا بد من القول والتنبيه:\nأن دار إحياء التراث العربي - بيروت قد طبعت كتاب \"نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار\" للإمام محمد بن علي الشوكاني، وكتبتْ على الغلاف الخارجي: خرَّج أحاديثها وعلَّق عليها: محمد صبحي حسن حلاق.\nوكتبتْ على صفحة العنوان من الداخل: رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه وقابله على نسخة خطية: (محمد حلاق).\nوكتبتْ مقدمة للكتاب وذيَّلتْها: وكتبه: محمد صبحي حسن حلاق أبو مصعب. وللأمانة العلمية أقول: أنني بريء مما كتبت هذه الدار على الكتاب، كما أنني بريء مما نسبت إليَّ، وهي تتحمل وزر ما فعلت …\nوالكتاب لا يزال العمل جاريًا فيه - تحقيقًا وصفًّا ومراجعة - وسيصدر إن شاء الله قريبًا عن دار ابن الجوزي، بتحقيق شامل وخدمة كاملة بـ /١٥/ مجلدًا.\nفلذا أود أن أصرح بان دار إحياء التراث العربي لم تطبع لي سوى:\n١ - حاشية ابن عابدين: بالاشتراك.\n٢ - اللباب، في تخريج المباركفوري لقول الترمذي وفي الباب.\nاللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ..\nولوجهك خالصة ..\nولا تجعل فيها شركًا لأحد.\n\nاليمن - صنعاء - مساء يوم الجمعة\n١٠ / رجب/ ١٤١٩ هـ\n٣٠/ ١٠/ ١٩٩٨ م\n\nأبو مصعب\nمحمد صبحي بن حسن حلاق","vol":"1","page":6},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n• تقديم بقلم: فضيلة الدكتور حسن محمد مقبولي الأهدل، كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء.\n• تقديم بقلم: العلَّامة حمود بن محمد بن عبد الله شرف الدين، وكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية.\n• الإهداء بقلم: أبي مصعب محمد صبحي بن حسن حلاق.\n• مقدمة المحقق: أبو مصعب محمد صبحي بن حسن حلاق.\n• ترجمة صاحب سبل السلام.\n• ترجمة صاحب بلوغ المرام.\n• وصف المخطوطات.\n• منهج المحقق في تحقيق الكتاب وتخريجه.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>تقديم بقلم فضيلة الدكتور: حسن محمد مقبولي الأهدل كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء</span>\nبسم اللَّهِ الرحمن الرحيم:\nالحمد للَّه رب العالمين، نحمدُه ﵎ ونشكرُهُ على ما أنعم به وأَوْلى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله - ﷺ -.\nوبعد:\nلقد أطلعني أخي العزيزُ الفاضل العلامة الشيخ أبو مصعب محمد صبحي بن حسن حلاق على ما كتبه على كتاب \"سبل السلام\"، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير - ﵀ -، من تعليق وتخريج وتحقيق للكتاب المذكور، ولم أرَ من سبقه إلى مثل هذا الجَهْد، رغم أن الكتاب المذكورَ قد طُبع مرارًا، فقد قام الشيخ المحقق بجهدٍ كبير، وخدمة لسفْر جليل من كتب السنة، ومرجع مفيد لطلاب العلم، وللباحثين.\nوهو مشهور في أوساط العلماء وطلاب العلم، ولا تخلو مدرسة، أو معهد، أو جامعة، أو مكتبة من هذا الكتاب الجليل، خاصة وأن مؤلف الكتاب من أشهر العلماء وأكابرهم، وهو شرح لكتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام، للحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر، والذي ضم معظم أدلة الأحكام الشرعية من السنة المطهرة.\nوقد قام المحقِّق، جزاه الله خيرًا، بتحقيق الكتاب، وترقيم أحاديثه وتخريجها، وبيان طرقها، وترجم لرواة الأحاديث، وتكلَّم عن الأحاديث صحَّة","vol":"1","page":9},{"text":"وضعفًا، وبيّن دلالاتها من كتب السنة المطهَّرة، ومراجعها المعتمدة، ووثَّق النصوص بما لا يدع للباحث شكًّا في توثيقها، وتكلم عن غريب الأحاديث وما دلَّت عليه الأحاديث من الأحكام، مع بيان مذاهب العلماء وآرائهم وأدلتهم.\nوبهذا الجهد الكبير يخرج الكتاب في ثوب قشيب، وحُلَّة جديدة، بعناية المحقِّق المذكور، جزاه الله خير الجزاء، فيما قدم من خدمة للسنة، وما أضافه إلى المكتبة الإسلامية من جهد يشكر عليه، ونسأل الله أن يثيبه ويكتب له الأجر على ذلك.\nوصلَّى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم.\n\nكتبه الدكتور\nحسن محمد مقبولي الأهدل","vol":"1","page":10},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type='title' id=toc-7>تقديم بقلم وكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية العلامة حمود بن محمد بن عبد الله شرف الدين حفظه الله ورعاه</span>\nالحمد للَّه الذي بلَّغنا الأماني ببلوغ المرام وسُبل السلام إلى خير شريعة وأفضل نظام، والصلاة والسلام على رسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام.\nوبعد:\nفلقد تصفَّحت الجهد الكبير الذي قام به الأخ العلَّامة الأستاذ الجليل: محمد صبحي بن حسن حلاق من التحقيق والتعليق لسبل السلام شرح بلوغ المرام، وإخراجه بطابع حديث وبلُغة سهلة ممتعة؛ لتكون للعامة كما هي للخاصة، لسدِّ حاجتنا إلى معرفة سنة سيد الأنام، وخاصة بعد أن تغيَّرت أساليب التعبير والإخراج والتصنيف في العصر الحديث.\nوما من شك، فالأستاذ محمد صبحي بن حسن حلاق أحد العلماء الأفذاذ الذين توفر لديهم الموهبة والاكتساب، وأوتوا من هذين البُعدين بنصيب كبير، فقدَّموا كلَّ ما في وسعهم خدمة للعلم وبالأخص المصدرين العظيمين: كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، كما أعطوا كل غالٍ ورخيص، وبذلوا قُصارى جهدهم، وأنفقوا أعمارهم في سبيل ذلك، فرضي الله عن الأخ العلامة محمد صبحي لهذا الجهد الكبير، فله مني الشكر الجزيل وعظيم الامتنان لكل ما بذله من جَهد لا ينكر من الأسلوب الرائع والعمل الطيِّب المثمِر، والتهذيب المتقَن لمؤلِف عَالَم","vol":"1","page":11},{"text":"من أعلام اليمن بل من أعلام الأمة الإسلامية، الإمام المجتهد الكبير محمد بن إسماعيل الأمير - ﵀ -، فضمَّ إلى مؤلَّفه مؤلَّفًا آخر لما اشتمل ذلك التحقيق من فوائد جليلة، فرضي اللَّهُ عنه وأرضاه وجعل ذلك في صحائف أعماله.\nآمين.\n\nوكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية\nحمود بن محمد بن عبد الله شرف الدين\nشهر محرم الحرام سنة ١٤١٥ هـ","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>الإهداء</span>\n• إلى أشد الناس تمسكًا بسبيل أهل القرون الثلاثة الأولى … أهل الحديث ....\n• إلى الذين قدَّموا قول رسول الله - ﷺ - على أقوال في الرجال …\n• إلى المحتكمين إلى سنة محمد - ﷺ - شؤون الحياة كلها عن رضى كامل بلا ضيق ولا حرج ....\n• إلى عدول هذه الأمة على مرِّ الأجيال ....\n• إلى القائمين بالدعوة إلى اللَّه، بكل وسيله خيِّرة، وطويقة نِّيرة …\n• إلى المتفهِّمين لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].\n• إلى المتمثلين بقول القائل:\nدينُ النبيِّ محمدٍ أخبارُ … نعمَ المطيَّةُ للفتى الآثارُ\nلا ترغبنَّ عن الحديث وآله … فالرأي ليلٌ والحديثُ نهارُ\nأقدم إِنتاجي\n\nأبو مصعب\nمحمد صبحي بن حسن حلاق\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>مقدِّمة المحقِّق</span>\nإنَّ الحمدَ للَّهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللَّهِ من شرورِ أنفسِنَا، وسيئَاتِ أعمالِنَا، من يهدِهِ اللَّهُ فلا مضلَّ لَهُ، ومن يُضْلِل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^١).\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\nأما بعد:\nفإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وأحسنَ الهدي هديُ رسولِ اللَّهِ، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النَّار.\nوبعد: فإن كتاب \"سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام\"، للإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - ﵀ -، من خير الشروح المتوسطة لأحاديث الأحكام، وقد اختصره من كتاب: \"البدر التمام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام\" (^٤)، للقاضي العلامة الحسين بن محمد المغربي (^٥)، الذي\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.\n(^٢) سورة النساء: الآية ١\n(^٣) سورة الأحزاب: الآيتان ٧٠ - ٧١.\n(^٤) لا يزال مخطوطًا. انظر: \"فهرست مخطوطات مكتبة الجامع الكبير\" صنعاء (١/ ٣٠٠، ٣٠١).\n(^٥) ستأتي ترجمته في أول الكتاب إن شاء الله تعالى ص ٧٣ - ٧٤.","vol":"1","page":15},{"text":"اعتمد في تخريج أحاديث الكتاب على \"التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير\" للحافظ ابن حجر - ﵀ - تعالى. كما استفاد في شرح متون الحديث من كتاب: \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\"، للحافظ ابن حجر أيضًا، و\"شرح النووي لصحيح مسلم\"، \"وشرح السنن\" لابن رسلان. واعتمد في معرفة اختلاف الفقهاء وأقوالهم على كتابين:\n(الأول): \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\"، للإمام أبي الوليد محمد بن رشد الحفيد.\n(والثاني): \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\"، للعلَّامة أحمد بن يحيى بن المرتضى.\nولكن المغربي - ﵀ - لم يهتم بترجيح الأقوال في كتابه المتقدم، ولنستمع إلى الأمير الصنعاني - ﵀ - تعالى وهو يتحدث عن عمله في مقدمة كتابه \"سبل السلام\":\n\"فهذا شرح لطيف على \"بلوغ المرام\" تأليف: الشيخ العلامة شيخ الإسلام \"أحمد بن علي بن حجر\" أحلَّه الله دار السلام، اختصرتُه عن شرح القاضي العلامة شرف الدين: \"الحسين بن محمد المغربي\" أعلى الله درجاته في عليين، مقتصرًا على حلِّ ألفاظه وبيان معانيه، قاصدًا بذلك وجه الله، ثم التقريب للطالبين والناظرين فيه، معرضًا عن ذكر الخلاف والأقاويل، إلا أن يدعو إليه ما يرتبط به الدليل، متجنِّبًا للإيجاز المخل والإطناب الممِل، وقد ضممت إليه زيادات جمَّة على ما في الأصل من الفوائد .... \".\nواعلم أن السنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول الأحكام الشرعية التي أجمع المسلمون على اعتبارها أصلًا مستقلًا. فالقرآن والسنة مصدران متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر.\nقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^١)، فما ورد في القرآن من الآيات مجملًا أو مطلقًا أو عامًّا، فإنَّ السنة النبوية القولية منها أو\n_________\n(^١) سورة النحل: الآية ٤٤.","vol":"1","page":16},{"text":"الفعلية تقوم ببيانها، فتقيِّد مطلقها، وتخصِّص عامها، وتفسِّر مجملَها، ولذا كان أثرها عظيمًا في إظهار المراد من الكتاب العزيز، وفي إزالة ما قد يقع في فهمه من خلافٍ أو شبهةٍ.\nوقد تظاهرت الآيات في وجوب العمل بالسنة المطهرة، والإذعان لها، وتحكيمها في شؤون حياتنا كلها.\nقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (^٢).\nكما حثَّ الله سبحانه على الاستجابة لما يدعو إليه النبي - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (^٣).\nولم يبح للمؤمنين مطلقًا أن يخالفوا حكمَهُ - ﷺ - أو أمرًا من أوامره، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ (^٤).\nوعدَّ من علامات النفاق الإعراض عن تحكيم الرسول - ﷺ - في مواطن الخلاف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾ (^٥).\nوأقسم الله تعالى على نفي إيمان من لم يُحَكِّم الرسول - ﷺ - فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^٦).\nوقد أنعم الله على هذه الأمة بأن قيَّض لها في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالفضل نخبة ممتازةً، وصفوة مختارة، نذرت أنفسها لخدمَة السنة المطهرَّة، فالتقطوها من أفواه سامعيها، وجمعوها من صدور حامليها، وقطعوا الفيافي والقِفار إلى حَفَظَتِهَا في كل قطر ومِصر.\n_________\n(^١) سورة الحشر: الآية ٧.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٨٠.\n(^٣) سورة الأنفال: الآية ٣٤.\n(^٤) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.\n(^٥) سورة النور: الآيتان ٤٨.\n(^٦) سورة النساء: الآية ٦٥.","vol":"1","page":17},{"text":"وبذلوا في سبيل ذلك أموالهم، وأفنوا أعمارهم (^١).\nفأثمرت تلك الجهود الكبيرة، والعزائم القوية، والعقول المبدعة، والقلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، تدوين المجامع والمسانيد والأجزاء والسنن والمستدرَكات التي حفظت سنة محمد - ﷺ -.\nفشكر الله لهم سعيَهم، وأجزل لهم المثوبات، وأحلّهم دارَ كرامتِهِ أعلى المقامات، وجعلَ لنا نصيبًا من ذلك، ومن جميع الخيرات، وغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا، إنَّهُ سميعُ الدعاء، وجزيلُ العطاء.\n* * *\n\n• وبعد أن وضعت هذه المقدِّمة في معرفة أهمية الكتاب، ووجوب اتِّباع السُنَّة، وجهود المحدِّثين في حفظ السنة النبوية من الضياع.\n• قمت بترجمة لصاحب سبل السلام في فصل يتضمَّن مبحثين:\n(المبحث الأول): السيرة الذاتية.\n١ - اسمه ونسبه.\n٢ - مولده.\n٣ - نشأته.\n٤ - مشايخه.\n٥ - تلاميذه.\n٦ - ورعه وزهده.\n٧ - ثناء العلماء عليه.\n٨ - وفاته\n(والمبحث الثاني): السيرة العلمية.\n(أولًا): فكره وثقافته:\n_________\n(^١) وأفضل كتاب يرجع إليه: كتاب \"الرحلة في طلب الحديث\" للخطيب البغدادي، تحقيق فضيلة الدكتور: نور الدين عتر.","vol":"1","page":18},{"text":" (أ) تمسكه بالدليل، وتخلِّيه عن التقليد:\n١ - مسألة الاستثناء في اليمين.\n٢ - مسألة الرجوع في الهبة.\n(ب) موقفه من التقليد المذهبي:\n١ - التناقض بين دعوى الناس بالاقتداء، وواقعهم في محاربة المقتدين.\n٢ - إنكاره التعصب، وجعل المذهبية نهجًا ومسلكًا.\n(ثانيًا) مؤلفاته.\n• كلما ترجمت لصاحب بلوغ المرام في فصل واحد، يتضمن ما يلي:\n١ - اسمه ونسبه.\n٢ - لقبه وكنيته.\n٣ - مولده.\n٤ - نشأته العلمية.\n٥ - زهده في القضاء.\n٦ - مكانته العلمية.\n٧ - مشايخه.\n٨ - تلاميذه.\n٩ - رحلاته:\nأ - رحلاته في داخل مصر.\nب - رحلته إلى الديار الحجازية.\nج - رحلته إلى الديار اليمنية.\nد - رحلته إلى الديار الشامية.\n١٠ - مؤلفاته:\nأ - مصنفاته في علوم القرآن.\nب - مصنفاته في علوم الحديث، دراية ورواية.\nج - مصنفاته في العقيدة.\nد - مصنفاته في الفقه.\nهـ - مصنفاته في التاريخ.\n١١ - وفاته.","vol":"1","page":19},{"text":"• وكذلك وصَفت المخطوطتين اللَّتين اعتمدت عليهما في التحقيق.\n• وفي الخاتمة: ذكرت منهجي في تحقيق الكتاب وتخريجه.\nاللَّهَ أسأل أن يتقبَّل هذا الجهدَ، وأنْ يغفرَ الزلَّة، ويمحو السيئةَ، ويرفَعَ الدرجة، إنَّهُ سميعٌ مجيبٌ.\n\nصنعاء\nالجمعة ٥ شعبان ١٤١٠ هـ\n٢ مارس - آذار - ١٩٩٠ م","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>الفصل الأول حياة مؤلف سُبل السلام</span>\nمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - ﵀ -\n١٠٩٩ هـ / ١١٨٢ هـ = ١٦٨٨ م / ١٧٦٩ م\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المبحث الأول: السيرة الذاتية.</span>\n<span data-type='title' id=toc-12>(١) اسمه ونسبه:</span>\nهو: محمد بن إسماعيل، بن صلاح، بن محمد، بن علي، بن حفظ الدين، بن شرف الدين، بن صلاح، بن الحسن، بن المهدي، بن محمد، بن إدريس، بن علي، بن محمد، بن أحمد، بن يحيى، بن حمزة بن سليمان، بن حمزة، بن الحسن، بن عبد الرحمن، بن يحيى، بن عبد الله، بن الحسين (^١) بن القاسم، بن إبراهيم، بن إسماعيل، بن إبراهيم، بن الحسن، بن الحسن، بن علي بن أبي طالب (^٢).\nوتسمَّى عائلته بعائلة الأمير، ويُطلق عليه الأمير الصنعاني.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>(٢) مولده:</span>\nولد - بمدينة كحلان (^٣)، وإليها ينسب فيقال له: الكحلاني، - ليلة الجمعة\n_________\n(^١) يلتقي نسبه مع نسب مؤلف التنقيح - ابن الوزير - في الحسين بن القاسم. انظر: \"العواصم والقواصم\" (١/ ١٠١).\n(^٢) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).\n(^٣) كحلان: مدينة جبلية في الشرق الشمالي من حجة، بمسافة (١٧ كم). \"معجم المدن والقبائل اليمنية\" المقحفي (٥٣٤).","vol":"1","page":21},{"text":"منتصف جُمادى الآخرة، سنة تسع وتسعين وألف (١٠٩٩ هـ) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-14>(٣) نشأته:</span>\nقال الشوكاني (^٢): لمَّا كان عام (١١٠٧) سبعة ومائة وألف من الهجرة، انتقل والده وأهله إلى صنعاء، وسنّه ثماني سنوات، فنشأ بها، وتعهَّده أبوه بالتربية والتعليم، وأسلمه إلى النحارير من أهل العلم، حتى تخرَّج عليهم عالمًا فاضلًا يُشار إليه بالبَنان.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>(٤) مشايخه:</span>\nذكر الشوكاني (^٣) أربعة من مشائخه بصنعاء وهم:\n١ - السيد العلامة: زيد بن محمد بن الحسن بن القاسم بن محمد، المحقِّق الكبير شيخ مشائخ صنعاء في عصره في العلوم. (١٠٧٥ هـ - ١١٢٣ هـ) (^٤).\n٢ - السيد العلامة: صلاح بن الحسين الأخفش الصنعاني، العالم المحقق الزاهد المشهور المتقشِّف المتعفِّف، كان لا يأكل إلا من عمل يده، وله في إنكار المنكر مقامات محمودة، وهو مقبول القول، عظيم الحرمة، مُهاب الجناب، وكان لا يخاف في الله لومة لائم. (ت: ١١٤٢ هـ) (^٥).\n٣ - السيد العلامة: عبد الله بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الإله بن أحمد بن إبراهيم، برع في العلوم الآلية والتفسير. (١٠٧٤ هـ - ١١٤٧ هـ)، وقيل: (ت: ١١٤٤ هـ) (^٦).\n٤ - القاضي العلامة: علي بن محمد بن أحمد العنسي الصنعاني، الشاعر البليغ، القاضي المشهور، كان له تعلق بالعلم وتدريس في فنون.\nقرأ عليه في النحو والمنطق. (ت: ١١٣٩) (^٧).\n_________\n(^١) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).\n(^٢) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).\n(^٣) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).\n(^٤) \"البدر الطالع\" (١/ ٢٥٣).\n(^٥) \"البدر الطالع\" (١/ ٢٩٦).\n(^٦) \"البدر الطالع\" (١/ ٣٨٨).\n(^٧) \"البدر الطالع\" (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).","vol":"1","page":22},{"text":"ولم يذكر الشوكاني من مشائخه غير هؤلاء الأربعة، كما لم يذكر بالتفصيل العلوم التي درسها عليهم، ولعله اقتصر على أشهر مشائخه أو أوائل من تلقَّى العلم عنهم، حيث قد ذكر غيره غيرهم.\nففي ترجمته في مقدمة \"ضوء النهار\" (^١) قال:\n- أخذ عن السيد: صلاح بن حسين في \"شرح الأزهار\"، قبل انتقاله مع أبيه إلى صنعاء.\n- وأخذ عن زيد بن محمد بن الحسين، في علوم شتى.\n- وأخذ عن السيد الحافظ: هاشم بن يحيى بن أحمد الشامي؛ أحد العلماء المشاهير، والأدباء المجيدين. (١١٠٤ هـ - ١١٥٨ هـ) (^٢).\n- وأخذ عن الشيخ عبد الخالق بن الزين الزجاجي الحنفي الزبيدي.\nوقد ارتحل إلى مكة والمدينة وغيرها من المناطق. والتقى خلالها بعلماء أفاضل، كعبد الرحمن بن أبي الغيث - خطيب المسجد النبوي - وطاهر بن إبراهيم بن حسين الكردي المدني، ومحمد بن عبد الهادي السندي، ومحمد بن أحمد الأسدي، وكان من شيوخه بالحرمين: سالم بن عبد الله البصري. (ت: ١١٣٤ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-16>(٥) تلامذته:</span>\nوقد كثر أتباع الصنعاني من الخاصة والعامة، وعملوا باجتهاده، وتظهروا بذلك، وقرأوا عليه كتب الحديث (^٣).\nوله تلامذة نبلاء علماء منهم:\n١ - السيد العلامة: عبد القادر بن أحمد بن عبد القادر بن الناصر، وهو الإمام المحدث الحافظ المسنِد المجتهد المطلق. (١١٣٥ هـ - ١٢٠٧ هـ) (^٤).\n٢ - القاضي العلامة: أحمد بن محمد بن عبد الهادي بن صالح بن\n_________\n(^١) (١/ ١٦).\n(^٢) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٧).\n(^٣) \"البدر الطالع\" (٢/ ٣٢١).\n(^٤) \"البدر الطالع\" (١/ ٣٦٠ - ٣٦٨).","vol":"1","page":23},{"text":"عبد الله بن أحمد قاطن، قال الشوكاني: وكان له شغف بالعلم، وله عرفان تام بفنون الاجتهاد على اختلاف أنواعها، وكان له عناية كاملة بعلم السنَّة. (١١١٨ هـ ١١٩١ هـ) (^١).\n٣ - القاضي العلامة: أحمد بن صالح بن أبي الرجال (١١٤٠ هـ - ١١٩١ هـ) (^٢).\n٤ - السيد العلامة: الحسن بن إسحاق بن المهدي (١٠٩٣ هـ - ١١٦٠ هـ) (^٣).\n٥ - السيد العلامة: محمد بن إسحاق بن الإمام المهدي أحمد بن الحسن.\nقال الشوكاني: هو من أئمة العلم المُجمع على جلالتهم ونبالتهم وإحاطتهم بعلوم الاجتهاد. ولد سنة (١٠٩٠ هـ) (^٤).\n٦ - السيد العلامة الحسين بن عبد القادر بن الناصر بن الناصر بن عبد الرب بن علي.\nقال الشوكاني: الشاعر المشهور المُجيد المُكثر المُبدع الفائق في الأدب، أشعاره كلها غُرر، وكلماته جميعها دُرر، وهو من محاسن اليمن، ومفاخر الزمن، مات سنة (١١١٢ هـ) (^٥).\nوقد أكمل منظومة الصنعاني لبلوغ المرام.\n• وكان من تلاميذه أبناؤه:\n٧ - إبراهيم بن محمد بن إسماعيل:\nقال الشوكاني عنه: هو من أعيان العلماء، وأكابر الفضلاء، عارف بفنون من العلم لا سيَّما الحديث والتفسير. (١١٤١ هـ - ١٢١٣ هـ) (^٦).\n٨ - عبد الله بن محمد بن إسماعيل:\n_________\n(^١) \"البدر الطالع\" (١/ ١١٤).\n(^٢) \"البدر الطالع\" (١/ ٦١ - ٦٢).\n(^٣) \"البدر الطالع\" (١/ ١٩٤).\n(^٤) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٥) \"البدر الطالع\" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٦) \"البدر الطالع\" (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، مقدمة ضوء النهار (١/ ١٩).","vol":"1","page":24},{"text":"قال الشوكاني: برع في النحو والصرف، والمعاني والبيان، والأصول، والحديث، والتفسير، وهو أحد علماء العصر المفيدين العاملين بالأدلة الراغبين عن التقليد، ولا شغلة له بغير العلم، والإكباب على كتب الحديث، ولد سنة (١١٦٠ هـ) (^١).\n٩ - القاسم بن محمد بن إسماعيل:\nقال الشوكاني: وقد برع في علوم الاجتهاد، وعمل بالأدلة وقال: الحاصل أنه من حسنات الزمن في جميع خصاله. (١١٦٦ هـ - ١٢٤٦ هـ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>(٦) ورعه وزهده:</span>\nإن الصنعاني - ﵀ - يمثِّل العالِم الورع الزاهد حاله كحال العلماء الأجلَّاء، ﵏، لا همَّ لهم إلَّا مغفرة الله وطلب رضوانه، ولا يعني الزهد والورع عدم ممارسة الحياة، والبحث عن الرزق، ولكنه يعني الارتفاع من أن تكون الدنيا غرضه وقصده، فيتهافت عليها كتهافت الفراش على النار.\nوهو القائل:\nوعفَفت عن أموالهم لا قطعة … أقطعت أو مكس من الأسواق\nأو كيلة من أي مخزان فلا … أشكو من الخزان والسواق\nعرضوا عليَّ وزارة وولاية … فوقاني الرحمن أفضل واق\nجعل الوزارة والولاية لذَّتي … في العلم ربي صادق الميثاق (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-18>(٧) ثناء العلماء عليه:</span>\n• قال عنه الشوكاني: (الإمام الكبير، المجتهد المطلق، صاحب التصانيف) (^٤).\n• وقال: (برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، وتفرَّد برئاسة العلم في صنعاء، وتظهّر بالاجتهاد، وعمل بالأدلة، ونفَّر عن التقليد، وزيَّف ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية) (^٥).\n_________\n(^١) \"البدر الطالع\" (١/ ٣٩٦ - ٣٩٧).\n(^٢) \"البدر الطالع\" (٢/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٣) من الديوان (ص ٢٩٤).\n(^٤) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).\n(^٥) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٣).","vol":"1","page":25},{"text":"• وقال: (وبالجملة فهو من الأئمة المجدِّدين لمعالم الدين) (^١).\n• وقال عنه العلامة محمد بن إسحاق المهدي، قصيدة تصل إلى أربعة عشر بيتًا، منها:\nللَّه درّك يا بن إسماعيلا … لم تتركن فتى سواك نبيلا\nحزت الفخار قليله وكثيره … هلَّا تركت من الفخار قليلا\nوسلكت نهج الحق وحدك جاعلًا … نور البصيرة لا سواه دليلا\nوصرفت عمرك في العبادة والإ … فادة والإجادة بكرة وأصيلا (^٢)\n• وقال عنه محمد محيي الدين في مقدمة \"التوضيح\" (^٣):\n\"ولقد كان الشارح المحقق في كتابه هذا - كما عهد فيه في مؤلفاته كلها - الرجل العارف بما قيل، ولم قيل؟ وماذا فيما قيل مما يرد عليه أو يَدْفع عنه أو يُدْفع به؟ وكان - مع ذلك كله - رجلًا حر الرأي، يوافق المصنف ما وافق الحق في نظره، ويخالفه ما انحرف عمَّا يعتقده صوابًا، ويبيِّن ما في عبارة المؤلف من قصور عن تأدية المعنى الذي يحوم حوله وما فيها من استيعاب أحيانًا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-19>(٨) وفاته:</span>\nومات - ﵀ - بصنعاء في يوم الثلاثاء، ثالث شعبان، سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف (١١٨٢ هـ / ١٧٦٩ م) (^٤).\nوقد دُفن غربي منارة جامع المدرسة بأعلى صنعاء عن ثلاث وثمانين سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المبحث الثاني: السيرة العلمية.</span>\n<span data-type='title' id=toc-21>أوَّلًا: فكره وثقافته:</span>\nلقد تميَّزت ثقافة، وعلم، ومنهج، محمد بن إسماعيل الأمير بمجموعة من المعالم، أهمها:\n_________\n(^١) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٨).\n(^٢) من الديوان (ص ٣١٣).\n(^٣) (ص ٧٧).\n(^٤) \"البدر الطالع\" (٢/ ١٣٩).","vol":"1","page":26},{"text":" <span data-type='title' id=toc-22>(أ) تمسُّكه بالدليل، وتخلِّيه عن التقليد:</span>\nلقد اتجه إلى النبع الصافي كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﷺ -، ليستضيء بنور الوحي الإلهي، فنبذ القول الذي لا يدعمه دليل، أو يسنده برهان واضح، وتقدم في طرائق العلم، ومعرفة دلائله حتى وصل إلى الاجتهاد. وإليك أمثلة على ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-23>(١) مسألة الاستثناء في اليمين:</span>\nقال ﵀ في شرح حديث عبد الله بن عمر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه\" (^١): \" … وذهبت الهادوية إلى أن الاستثناء بقوله: إن شاء الله معتبر فيه أن يكون المحلوف عليه فيما شاءه الله أو لا يشاؤه، فإن كان مما يشاؤه الله بأن كان واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا في المجلس، أو حال التكلم - لأن مشيئة الله حاصلة في الحال - فلا تبطل اليمين بل تنعقد به، وإن كان لا يشاؤه بأن يكون محظورًا، أو مكروهًا فلا تنعقد اليمين، فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد بالشرط، فيقع المعلَّق عند وقوع المعلَّق به وينتفي بانتفائه. وكذا قوله: إلا أن يشاء الله، حكمه حكم إن شاء الله، ولا يخفى أن الحديث لا تطابقه هذه الأقوال\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>(٢) مسألة الرجوع في الهبة:</span>\nعن ابن عباس - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه\" (^٣).\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح.\nأخرجه أبو داود (٣/ ٥٧٥ رقم ٣٢٦١)، والترمذي (٤/ ١٠٨ رقم ١٥٣١) وقال: حديث ابن عمر حديث حسن، والنسائي (٧/ ١٢ رقم ٣٧٩٣)، وابن ماجه (١/ ٦٨٠ رقم ٢١٠٥)، وأحمد (٦/ ٢ و١٠ و٤٨ و٦٨ و١٢٦ و١٢٧ و١٥٣).\nوالدارمي (٢/ ١٨٥)، وابن الجارود (٩٢٨)، وابن حبان (١١٨٣ - الموارد)، والبيهقي (١٠/ ٤٦) والحميدي (٦٩٠).\n(^٢) كما في \"سبل السلام\" رقم الحديث (٥/ ١٢٨٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥/ ٢٣٤ رقم ٢٦٢١)، ومسلم (٣/ ١٢٤١ رقم ٧/ ١٦٢٢)، وأبو داود (٣/ ٨٠٨ رقم ٣٥٣٨)، والترمذي (٣/ ٥٩٢ رقم ١٢٩٨)، والنسائي (٦/ ٢٦٥)، وابن ماجه (٢/ ٧٩٧ رقم ٢٣٨٥).","vol":"1","page":27},{"text":"قال الصنعاني (^١): \"فيه دلالة على تحريم الرجوع في الهبة، وهو مذهب جماهير العلماء. وبوَّب له البخاري: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، وقد استثنى الجمهور ما يأتي من الهبة للولد ونحوه. وذهبت الهادوية، وأبو حنيفة إلى حِلِّ الرجوع في الهبة دون الصدقة، إلَّا الهبة لذي رحم. قالوا: والحديث المراد به التغليظ في الكراهة.\nقال الطحاوي: قوله: كالعائد في قيئه وإن اقتضى التحريم لكن الزيادة في الرواية الأخرى. وهي قوله: كالكلب، تدل على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبَّد؛ فالقيء ليس حرامًا عليه، والمراد التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتُعقِّب باستبعاد التأويل، ومنافرةِ سياق الحديث له. وعُرْفُ الشرع في مثل هذه العبارة الزجرُ الشديد، كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب، ونقر الغراب، والتفات الثعلب، ونحوِه.\nولا يفهم من المقام إلَّا التحريم، والتأويل البعيد لا يلتفت إليه\" اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>(ب) موقفه من التقليد المذهبي:</span>\n(١) تصريحه ﵀ بالتناقض بين دعوى الناس بالاقتداء، وواقعهم في محاربة المقتدين.\nيقوله: (^٢)\nوأقبح من كل ابتداع سمعته … وأنكاه للقلب الموفق للرشد\nمذاهب من رام الخلاف لبعضها … يعض بأنياب الأساود والأسد\nيصب عليه سوط ذم وغيبة … ويجفوه من قد كان يهواه عن عمد\nويُعْزَى إليه كل ما لا يقوله … لتنقيصه عند التِّهامي والنَّجدي\nفيرميه أهل الرفض بالنصب فِرْيَةً … ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد\nوليس له ذنب سوى أنه غدا … يتابع قول الله في الحل والعقد\nويتبع أقوال النبي محمد … وهل غيره باللَّه في الشرع من يهدي\nلئن عَدَّه الجهال ذنبًا فحبذا … به حبذا يوم انفرادي في لحدي\n_________\n(^١) في \"سبل السلام\" رقم الحديث (٢/ ٨٧٧).\n(^٢) في ديوانه (ص ١٦٧ - ١٦٨).","vol":"1","page":28},{"text":"عَلَام جعلتم أيها الناس ديننا … لأربعة لا شك في فضلهم عندي\nهُمُ علماء الدين شرقًا ومغربًا … ونور عيون الفضل والحق والزهد\nولكنهم كالناس ليس كلامهم … دليلًا ولا تقليدهم في غدٍ يُجْدي\nولا زعموا حاشاهم أن قولهم … دليل فيستهدي به كلُّ مستهد\nبلى صرَّحوا أنَّا نقابل قولهم … إذا خالف المنصوص بالقدح والرد\n(٢) إنكاره ﵀ التعصب، وجَعْلَ المذهبية نهجًا ومسلكًا:\nيقول (^١):\n\"إن التمذهب منشأ فُرقة المسلمين، وباب كل فتنة في الدنيا والدين، وهل فرَّق الصلوات المأمور بالاجتماع لها في بيت الله الحرام إلَّا تفرُّق المذاهب، النابت عن غرس شجرة الالتزام، وهل سفكت الدماء، وكفَّر المسلمون بعضهم بعضًا إلَّا بسبب التمذهب، فإن الله تعالى فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ولم يوجب على الأمة طاعة واحد بعينه في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله - ﷺ -. واتفقت الأمة غير الرافضة أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلَّا رسول الله - ﷺ -، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - ﷺ - … \" اهـ.\nقلت: والأئمة - ﵃ - قد نهوا الناس عن تقليدهم:\n• قال الإمام أبو حنيفة ﵀: \"لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه\" (^٢).\n• وقال الإمام الشافعي ﵀: \"أجمع المسلمون على أن من استبانت له ستَّة عن رسول الله - ﷺ - لم يحل له أن يدعها لقول أحد\" (^٣).\n• وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: \"لا تقلِّدني، ولا تقلِّد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا\" (^٤).\n_________\n(^١) في: \"منحة الغفار حاشية ضوء النهار\" (١/ ٦٧). (وهو قيد التحقيق أعانني الله على إتمامه).\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في: \"الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء\" (ص ١٤٥).\n(^٣) ذكره ابن قيم الجوزية في: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٨٢).\n(^٤) ذكره ابن قيم الجوزية في: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٠١).","vol":"1","page":29},{"text":"وقال ابن خزيمة ﵀: \"لا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ - إذا صحَّ الخبر عنه\" (^١).\n• وقال ابن حزم ﵀: \"التقليد حرام لا يحل لأحدٍ أن يأخذ بقول أحد بلا برهان\" (^٢).\n• وقال ابن الجوزي ﵀: \"اعلم أن المقلِّد على غير ثقة فيما قلَّد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنَّه إنما خلق للتأمل والتدبُّر. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة، واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبُّر لما قال، وهذا عين الضلال؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل\" (^٣).\nوختامًا: انظر الفائدة الخامسة \"التقليد وأدلة القائلين به، والرد عليها\"، من كتابنا: \"مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\". [ص ١٦١ - ١٨٦].\n\n<span data-type='title' id=toc-26>ثانيًا: مؤلفاته:</span>\n١ - \" إجابة السائل شرح بغية الآمل منظومة الكامل في أصول الفقه\".\nوأصل النظم له في مجلد في غاية التحقيق (^٤). وقد طبع الكتاب بتحقيق القاضي: حسين بن أحمد السياغي، والدكتور: حسن محمد مقبولي الأهدل. ط: مؤسسة الرسالة - بيروت. ومكتبة الجيل الجديد - صنعاء.\n٢ - \"الإحراز لما في أساس البلاغة من كناية ومجاز\". ذكره محمد محيي الدين (^٥). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٣ - \"الإدراك لضعف أدلة تحريم التنباك\" (التبغ). خ/ بخط المؤلف/ مكتبة الحبشي. (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٤ - \"الأدلة الجليَّة في تحريم نظر الأجنبية\". خ/ جامع (٩٢) مجاميع.\n_________\n(^١) ذكره ابن قيم الجوزية في: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٢٨٣).\n(^٢) قاله في كتابه: \"النبذ في أصول الفقه الظاهري\"، بتحقيقي (ص ١١٤).\n(^٣) قاله في كتابه: \"تلبيس إبليس\" (ص ٩٤ - ٩٥).\n(^٤) مقدمة \"ضوء النهار\" (١/ ١٨).\n(^٥) مقدمة \"توضيح الأفكار\" (١/ ٧٤).","vol":"1","page":30},{"text":"ويعمل على تحقيقه وإخراجه فضيلة الدكتور عبد الوهاب بن لطف الديلمي حفظه الله. (وبحوزتي صورتان من مخطوطات الكتاب).\n٥ - \"إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد\". مطبوع مع \"الرسائل المنيرية\" (^١). وقد قام العبد الفقير: محمد صبحي حسن حلاق بتحقيقه. ن: مؤسسة الريان - بيروت.\n٦ - \"إسبال المطر بشرح نظم نخبة الفكر\".\nوهو مخطوط بمكتبة الحبشي (١٣٠٢) (^٢)، وفي جامعة الرياض برقم (٢٥٢/ ٢٤٥٨). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٧ - \"استيفاء المقال في حقيقة الإرسال\"، (وبحوزتي صورتان من مخطوطات الكتاب).\n٨ - \"الإصابة في الدعوات المجابة\". خ/ جامع (٥٠) مجاميع (^٣). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٩ - \"إقامة البرهان على جواز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن\". وقد طبع بتحقيق أحمد عبد الرزاق الرقيحي. ن: وزارة الأوقاف والإرشاد، في الجمهورية العربية اليمنية. (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n١٠ - \"إقامة الدليل على ضعف أدلة التكفير بالتأويل\" (خ/ جامع (١١٧١) برقم ٩) مجاميع (^٤).\n١١ - \"إقناع الباحث بإقامة الأدلة بصحة الوصية للوارث\". (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n١٢ - \"الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الألطاف\". خ/ جامع - المكتبة الغربية - (١٣٧) مجاميع (^٥). (وقد قمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n_________\n(^١) \"الرسائل المنيرية\" (١/ ٤٧).\n(^٢) مؤلفات الصنعاني للحبشي، \"العدة\" (١/ ٣٨).\n(^٣) مؤلفات الصنعاني للحبشي، \"العدة\" (١/ ٣٨).\n(^٤) مؤلفات الصنعاني للحبشي، \"العدة\" (١/ ٣٨).\n(^٥) مؤلفات الصنعاني للحبشي، \"العدة\" (١/ ٣٨).","vol":"1","page":31},{"text":"١٣ - \"الأنفاس الرحمانية اليمنية على الإفاضة المدنية\". كتبها جوابًا على رسالة الشيخ محمد بن الحسن السندي حول مسألة خلق أفعال العباد. خ/ الجامع - المكتبة الغربية. والعبيكان بالرياض برقم (٧١) (^١).\n١٤ - \"الأنوار على كتاب الإيثار\"، لم يكمل (^٢).\n١٥ - \"إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة\"، شرح حديث: \"كل مولود يولد على الفطرة\".\nيقول ابنه: هو أول مؤلفاته.\nخ/ مكتبة العبيكان (١٩٤)، وأخرى بالجامع والمكتبة الغربية، وثالثة بحجة (^٣). (وقد قمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n١٦ - \"بحث في إيقاع الطلاق بلفظ التحريم\" (^٤). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n١٧ - \"بذل الموجود في حكم الأعمار وامرأة المفقود\". خ/ جامع (٩) مجاميع (^٥). (وقد قمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n١٨ - \"بشرى الكئيب بلقاء الحبيب\"، منظومة وشرحها في المعاد (^٦). (وقد قمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n١٩ - \"التحبير لإيضاح معاني التيسير\"، شرح فيه كتاب \"تيسير الوصول\" لابن الديبع. خ (١٣٦٢) في خمسة أجزاء، المكتبة الغربية بصنعاء، (١٤) حديث، وأخرى خ (١١٧٧) بخط المؤلف (٢٥) حديث، ثالثة في (١١٨٢) بمكتبة الحبشي، وقد قرئت على المؤلف (^٧). (قيد التحقيق أعانني الله على إتمامه).\n٢٠ - \"تحقيق عبارات قصص القرآن\"، المسمَّى: \"الإيضاح والبيان\". خ (١١٧٥) جامع/ المكتبة الغربية (٥٥) مجاميع (^٨). (وبحوزتي صورتان من مخطوطات الكتاب).\n_________\n(^١) مؤلفات الصنعاني للحبشي، \"العدة\" (١/ ٣٨).\n(^٢) \"العدة\" (١/ ٣٩).\n(^٣) مؤلفات الصنعاني للحبشي.\n(^٤) مؤلفات الصنعاني للحبشي.\n(^٥) مؤلفات الصنعاني للحبشي.\n(^٦) \"العدة\" (١/ ٣٩).\n(^٧) مقدمة \"ضوء النهار\" (١/ ١٧) ومؤلفات الصنعاني.\n(^٨) مؤلفات الصنعاني.","vol":"1","page":32},{"text":"٢١ - \"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد\"؛ وهو كتاب صغير بيَّن فيه ما يجب على المسلم أن يعتقده، وهو مطبوع. وقد قام بتحقيقه العبد الفقير محمد صبحي بن حسن حلاق على مخطوطتين.\n٢٢ - \"تعليقات على البحر الزخار\" من كتاب الطهارة إلى الزكاة.\n٢٣ - \"التنوير\" وهو شرح على \"الجامع الصغير في حديث البشير النذير\" للسيوطي.\nقال الشوكاني: وهو في أربعة مجلدات، شرحه قبل أن يقف على \"شرح المناوي\". خ/ بقلم المؤلف في ثلاثة مجلدات بمكتبة الحبشي بصنعاء. وفي المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء برقم (١٣٠/ ١٣٣) حديث في أربعة مجلدات. (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٢٤ - \"توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار في علوم الآثار\". وقد طبعه محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ في مطبعة السعادة عام (١٣٦٦) هـ وفي مجلدين.\n٢٥ - \"الثمان المسائل المرضية\". طبع في جدة في ست عشرة صفحة. (وطبع أيضًا بتحقيقي ولله الحمد والمنة).\n٢٦ - \"ثمرات النظر في علم الأثر\"، حاشية على \"نخبة الفكر\" لابن حجر العسقلاني. خ الحبشي. أخرى: جامع المكتبة الغربية مجاميع. ثالثة: المكتبة التيمورية (٣٨١). (وقدمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n٢٧ - \"جمع الشتيت في شرح وذيل أبيات التثبيت\" للسيوطي. والكتاب في مجلد (^١) وقد طبع بمكة المكرمة عام (١٣٨١ هـ). وقمت بتحقيقه على مخطوطتين.\n٢٨ - \"حاشية على شرح الرضى على الكافية\". خ/ بمكتبة محمد عبد الخالق الأمير بصنعاء.\n٢٩ - \"حسن الاتباع وقبح الابتداع\" (^٢).\n٣٠ - \"حلُّ الأقفال عمَّا في رسالة الزكاة للجلال\". خ (٥٢) مجاميع (^٣).\n_________\n(^١) مقدمة \"ضوء النهار\" (١/ ١٧).\n(^٢) \"توضيح الأفكار\" (٢/ ٢٨٤).\n(^٣) مؤلفات الصنعاني.","vol":"1","page":33},{"text":"٣١ - \"الدراية بحاشية على شرح العناية نظم الهداية\". طبع مع كتاب \"هداية السول\" بصنعاء (^١).\n٣٢ - \"ديوان الأمير الصنعاني\". طبع سنة (١٩٦٤) م، طبعه علي آل ثاني، ويقع في (٤٦٨) صفحة.\n٣٣ - \"رسالة في تحقيق شرائط الجمعة\". خ/ جامع (٩) مجاميع (^٢).\n(وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٣٤ - \"رسالة في الرسالة\". جواب سؤال: هل التحدِّي بالقرآن مستمر؟ أم يرتفع إذا اختلف اللسان (^٣).\n٣٥ - \"رسالة في المفاضلة بين الصَّحاح والقاموس\". أبان فيها أن \"الصَّحاح\" و\"القاموس\" يشتركان في الجمع بين الحقيقة والمجاز.\n٣٦ - \"الروضة الندية شرح التحفة العلَوية\"، في مناقب الإمام علي. مجلَّد وهو مطبوع في الهند (١٣٢٢ هـ)، وصنعاء سنة (١٣٧١) (^٤). وله مخطوط عندي.\n٣٧ - \"الروض النضير في خطب السيد محمد الأمير\"، ذكره الزِّرَكلي (^٥). خ/ جامع (١٩٣) مجاميع (^٦). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٣٨ - \"سبل السلام\" وهو شرح على \"بلوغ المرام من أدلة الأحكام\" لابن حجر العسقلاني. وقد طبع مرارًا، ولعل أقدم طبعاته طبعة الهند سنة (١٣٠٢ هـ).\nوهو هذا الكتاب الذي بين يديك.\n٣٩ - \"السهم الصائب في نحر القول الكاذب\". ألَّفها عام (١١٥٣ هـ). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٤٠ - \"السيف الباقر في يمين الصابر والشاكر\". خ جامع (٩) مجاميع. وقد اختصره من \"عِدَة الصابرين\" لابن قيم الجوزية. (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n_________\n(^١) \"مؤلفات الصنعاني\".\n(^٢) \"مؤلفات الصنعاني\".\n(^٣) \"العدة\" (١/ ٤٠).\n(^٤) مقدمة \"ضوء النهار\" (١/ ١٧).\n(^٥) \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).\n(^٦) \"مؤلفات الصنعاني\".","vol":"1","page":34},{"text":"٤١ - \"العدة على إحكام الأحكام شرع عمدة الأحكام\". ألَّفه الصنعاني بمكة عام (١١٣٤ هـ)، نشره علي بن محمد الهندي سنة (١٣٧٩ هـ)، في أربعة مجلَّدات، وطبعته المكتبة السلفية، وترجم لمؤلفه الأستاذ محب الدين الخطيب ﵀. وله مخطوط عندي. (وهو قيد التحقيق أعانني الله على إتمامه).\n٤٢ - \"فتح الخالق شرح مجمع الحقائق والرقائق في ممادح رب الخلائق\". في مجلَّدين وهو شرع لديوان محمد بن إبراهيم الوزير. مخطوط بمكتبة السيد أحمد الوادعى (^١). (وبحوزتي صورة من المخطوط).\n٤٣ - \"كشف الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار\". تحقيق المحدِّث: محمد ناصر الدين الألباني طـ: المكتب الإسلامي. (وقد حصلت على مخطوط له).\n٤٤ - \"المسائل المرضية في بيان اتفاق أهل السنة في سنن الصلاة والزيدية\". خ/ جامع (٩) مجاميع (^٢). (وقد قمت بتحقيقها وللَّه الحمد والمنة).\nوذكره الزركلي (^٣) وقال. مخطوط في مكتبة عبيد بدمشق مع ردٍّ عليه باسم: \"السيوف المنضية على زخارف المسائل المرضية\"، وله مخطوط عندي.\n٤٥ - \"المسائل الثاقبة الأنظار في تصحيح أدلة فسخ امرأة المعسِر بالإعسار. خ/ جامع (٥٢) مجاميع (^٤). (وقد قمت بتحقيقها ولله الحمد والمنة).\n٤٦ - \"مفاتيح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن\". خ/ (١١٨٧/ ٦٩) تفسير. جامع أخرى بخط المؤلف في (٧٥/ ق - ٥٢٥، تفسير بنفس المكتبة (^٥). (وقد قمت بتحقيقها وللَّه الحمد والمنَّة).\n٤٧ - \"منحة الغفَّار على ضوء النهار\"، للحسن بن أحمد الجلال. وقد طبع مع \"ضوء النهار\"، نشره مجلس القضاء الأعلى في الجمهورية العربية اليمنية عام (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م). خ/ جامع ش (١١٨٨). (وقد حققته منفردًا ولله الحمد والمنَّة).\n_________\n(^١) مؤلفات الصنعاني.\n(^٢) مؤلفات الصنعاني.\n(^٣) \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).\n(^٤) مؤلفات الصنعاني.\n(^٥) \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).","vol":"1","page":35},{"text":"٤٨ - \"منسك الأمير الصنعاني\". وقد طبع في القاهرة سنة (١٣٤٨ هـ). (وقد قمت بتحقيقه ولله الحمد والمنَّة).\n٤٩ - \"منظومة بلوغ المَرام من أدلة الأحكام\". طبع في عدن عام (١٣٦٦ هـ)، وطبع في مصر عام (١٣٩٦ هـ) على نفقة الشيخ علي عامر الأسدي حفظه الله.\n٥٠ - \"نُصرة المعبود في الردِّ على أهل وحدة الوجود\"، ذكره الزركلي (^١).\n٥١ - \"نهاية التحرير، في الرد على قولهم في مختلف فيه نكير\". أبان فيه أن هذا القول ليس على إطلاقه، وأن مدار ذلك على ما صحَّ عن رسول الله - ﷺ - (^٢).\n٥٢ - \"الوفاء بأدلة حِلِّ بيع النساء\". خ/ جامع (٥٠) مجاميع (^٣).\n٥٣ - \"اليواقيت في المواقيت\" خ/ جامع (٥٠) مجاميع. قال الزركلي (^٤): مخطوطة بمكتبة عمر سميط تريم حضرموت رسالة. (وقد قمت بتحقيقها وللَّه الحمد والمنَّة). وغيرها من الكتب النافعة، والأبحاث المفيدة … التي سوف ترى النور بإذن الله.\n* * *\n_________\n(^١) \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).\n(^٢) \"العدة\" (١/ ٤٠).\n(^٣) مؤلفات الصنعاني.\n(^٤) \"الأعلام\" (٦/ ٣٨).","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>الفصل الثاني حياة مؤلف: \"بلوغ المرام\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-28>(١) اسمه ونسبه:</span>\nهو أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>(٢) لقبه وكنيته:</span>\nكان يلقَّب بشهاب الدين، ويكنى أبا الفضل، وقد كنَّاه بهذه الكنية والده.\n\n<span data-type='title' id=toc-30>(٣) مولده:</span>\nولد الحافظ ابن حجر في اليوم الثاني عشر من شهر شعبان، سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة هجرية (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-31>(٤) نشأته وطلبه للعلم:</span>\nماتت أمه قبل والده، وهو طفل، ثم مات والده في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة، بعد أن حجَّ وزار بيت المقدس وجاور في كل منهما، واستصحبه معه، وبعد أن أكمل الخامسة من عمره دخل المكتب، وقرأ القرآن، وتمَّ حفظه للقرآن وهو ابن تسع.\n_________\n(^١) \"نظم العقيان في أعيان الأعيان\" للحافظ السيوطي (ص ٤٥) رقم ٣٤.\nو\"الضوء اللامع\" للإمام السخاوي (٢/ ٣٦ رقم ١٠٤)، و\"البدر الطالع\" للشوكاني (١/ ٨٧ رقم ٥١).\n(^٢) \"الضوء اللامع\" (٢/ ٣٦)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٠).","vol":"1","page":37},{"text":"كما حفظ جملة من أمَّهات الكتب العلمية \"المتون\" المتداولة آنئذ، منها: \"العمدة\"، و\"الألفية في علوم الحديث\" لشيخه الحافظ العراقي، و\"الحاوي الصغير\"، و\"مختصر ابن الحاجب في الأصول\"، و\"مُلحة الإعراب \" ....\nكان قد حُبِّب إليه أوَّلًا النظر في التواريخ وهو بعدُ في المكتب، فعلق بذهنه شيءٌ كثير من أحوال الرواة، ثم نظر في فنون الأدب من سنة (٧٩٢ هـ) وتولَّع بالنظم، وقال الشعر، ونظم مقاطيع ومدائح نبوية.\nثم حُبِّب إليه طلب الحديث فابتدأ بذلك منذ سنة (٧٩٣ هـ) لكنه لم يلزم طلبه والتوفر عليه إلا سنة (٧٩٦ هـ) حيث أقبل بكلِّيته على الحديث وعلومه، وعكف على حافظ ذلك العصر زين الدين العراقي، فلازمه عشرة أعوام فتخرَّج به، وقرأ عليه ألفيته وشرحها، ونُكته على ابن الصلاح دراية وتحقيقًا، وقرأ الكثير من الكتب الكبار، والأجزاء القصار أيضًا، وحمل عنه من أماليه جملة نافعة من علم الحديث، سندًا ومتنًا وعللًا واصطلاحًا، كما استملى عليه بعضها.\nوارتحل إلى البلاد الشامية والحجازية واليمنية، ونبغ في العلم مبكرًا، حتى أذن له جُلُّ علماء عصره - كالبُلقيني والعراقي - بالإفتاء والتدريس.\nدرَّس في مراكز علمية كثيرة، من ذلك تدريسه التفسير في المدرسة الحسينية والمنصورية، وتدريسه الحديث في مدارس البيبرسية والزينية والشيخونية وغيرها، وإسماعه الحديث بالمحمودية، وتدريسه الفقه بالمؤيدية وغيرها.\nكما ولي مشيخة المدرسة البيبرسية ونظرها، ومدارس أخرى عدَّدها السخاوي في \"الضوء اللامع\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-32>(٥) زهده في القضاء:</span>\nصمَّم الحافظ على عدم الدخول في القضاء، حتى إنه لم يوافق صدر الدين المُناوي لما عرض عليه قبل سنة (٨٠٠ هـ) النيابة عنه.\nثم عُرض عليه الاستقلال بالقضاء في أيام الملك المؤيد فمن دونه وهو\n_________\n(^١) (٢/ ٣٩).","vol":"1","page":38},{"text":"يأبى، ثم أُلزم من أحبائه بقَبوله؛ فقبل واستقرَّ قاضيًا للقضاةِ الشافعية في عهد الملك الأشرف برسباي، في المحرم من سنة (٨٢٧ هـ)، وقد تزايد ندمه على قَبوله القيام به؛ لعدم تمييز أرباب الدولة بين العلماء وغيرهم، ومبالغتهم في اللوم لرد إشاراتهم وإن لم تكن وفق الحق، والاحتياج إلى مداراة كبيرهم وصغيرهم بحيث لا يمكنه مع ذلك القيام بكل ما يرومونه على وجه العدل (^١).\nوقد تكرَّر صرفه عن القضاء - وعزَل نفسه أحيانًا - إلى أن صمَّم على الإقلاع عنه عقب صرفه في سنة (٨٥٢ هـ) بعد زيادة مدة قضائه على (٢١) سنة، لكثرة ما توالى عليه من المحن بسبب سيرته فيه، وصلابته في الحق، وترك المداهنة في دين الله.\nفي سنة وفاته التي اعتزل فيها القضاء انقطع في بيته، ولازم الاشتغال بالعلم والتصنيف.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>(٦) مكانته العلمية:</span>\nاحتل الحافظ ابن حجر مكانة عظيمة في عصره، فقرأ عليه غالب علماء ذلك العهد، ورحل الناس إليه من سائر الأقطار.\nشهد له أعيان العلماء آنئذٍ بالحفظ، والتفرُّد في معرفة الرجال واستحضارهم، ومعرفة العالي والنازل، وعلل الأحاديث. وصار هو المعوَّل عليه في هذا الشأن، واعتنى بتحصيل تصانيفه كثير من شيوخه وأقرانه، ومن دونهم، وكتبها أكابر العلماء وانتشرت في حياته، وتبجَّح الأعيان بلقائه، والأخذ عنه طبقة بعد طبقة، وألحق الأصاغر بالأكابر كما قال الشوكاني (^٢).\nوقال ابن العماد في ترجمته (^٣): \"شيخ الإسلام، عَلم الأعلام، أمير المؤمنين في الحديث، حافظ عصره\" اهـ.\nووصفه الشوكاني بـ: \"الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة المتأخرة .. حتى صار إطلاق \"الحافظ\" عليه كلمة إجماع\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الضوء اللامع\" (٢/ ٣٨)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٩٢).\n(^٢) في: \"البدر الطالع\" (١/ ٩٢).\n(^٣) في: \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٠).\n(^٤) في: \"البدر الطالع\" (١/ ٨٧، ٨٨).","vol":"1","page":39},{"text":" <span data-type='title' id=toc-34>(٧) مشايخه:</span>\nأ - شيوخه في القراءات، (منهم): إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سعيد بن كامل بن علوان التنوخي، البعلي الأصل، الدمشقي المنشأ، نزيل القاهرة: (٧٠٩ هـ - ٨٠٥ هـ) (^١).\nب - شيوخه في الفقه، (منهم): سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب الدين بن عبد الخالق بن محمد بن مسافر الكناني الشافعي، الفقيه، المحدث، المفسر، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظَّار، بقية المجتهدين (٧٢٤ هـ - ٨٠٥ هـ) (^٢).\n(ومنهم): عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري، الأندلسي الأصل، المصري، نزيل القاهرة. (٧٢٣ هـ - ٨٠٤ هـ) (^٣).\n(ومنهم): إبراهيم بن موسى بن أيوب بن الأبناسي الفقيه الشافعي، برهان الدين أبو محمد، نزيل القاهرة، الورع، الزاهد، شيخ الشيوخ بالديار المصرية (٧٢٥ هـ - ٧٨٢ هـ) (^٤).\nجـ - شيوخه في أصول الفقه:\n(منهم): محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، عز الدين بن شرف الدين بن عز الدين بن بدر الدين، الشافعي (٧٤٩ هـ - ٨١٩ هـ) (^٥).\nد - شيوخه في اللغة العربية:\n(ومنهم): محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيرازي، الشيخ العلامة: مجد الدين أبو الطاهر الفيروزآبادي، اللغوي، الشافعي (٧٢٩ هـ - ٨١٧ هـ) (^٦).\n_________\n(^١) \"الدرر الكامنة\" (١/ ١١ - ١٢ رقم ١٤).\n(^٢) \"طبقات الشافعية\" لابن شهبة (٤/ ٣٦ رقم ٧٣٧).\n(^٣) \"الضوء اللامع\" (٦/ ١٠٠ رقم ٣٣٠).\n(^٤) \"الضوء اللامع\" (١/ ١٧٢ - ١٧٥).\n(^٥) \"الضوء اللامع\" (٧/ ١٧١ - ١٧٤ رقم ٤١٧).\n(^٦) \"البدر الطالع\" (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٤ رقم ٥٣١).","vol":"1","page":40},{"text":" (ومنهم): محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري، ثم المصري، ثم المالكي شمس الدين (٧٢٠ هـ - ٨٠٢ هـ) (^١).\nهـ - شيوخه في الحديث:\n(منهم): عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني المولد، العراقي الأصل، الكردي، الشيخ زين الدين العراقي، حافظ العصر (٧٢٥ هـ - ٨٠٦ هـ) (^٢).\n(ومنهم): علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح الهيثمي، الشيخ نور الدين أبو الحسن، الشافعي، الحافظ (٧٣٥ هـ - ٨٠٧ هـ) (^٣).\n(ومنهم): محمد بن محمد بن محمد بن عمر بن القدوة أبي بكر بن قوام البالسي، ثم الصالحي، الشيخ المسند الكبير، بدر الدين أبي عبد الله ابن الإمام أبي عبد الله بن أبي حفص بن القدوة أبي بكر (٧٢١ هـ - ٨٠٣ هـ) (^٤).\n(ومنهم): علي بن محمد بن محمد بن أبي المجد بن علي الدمشقي، سبط القاضي نجم الدين الدمشقي، ويعرف بابن الصايغ، وبابن خطيب عين ثرماء (^٥)، وكان أبوه إمام مسجد الجوزة خارج باب الفراديس بدمشق، فيقال له: الجوزي لذلك (٧٠٧ هـ - ٨٠٠ هـ) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>(٨) تلاميذه:</span>\n(منهم): محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد شمس الدين السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين (٨٣١ هـ - ٩٠٢ هـ) (^٧).\n_________\n(^١) \"شذرات الذهب\" (٧/ ١٩ - ٢٠).\n(^٢) \"الضوء اللامع\" (٤/ ١٧١ - ١٧٨)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٣٥٤ - ٣٥٦ رقم ٢٣٦)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٥٥ - ٥٧).\n(^٣) \"ذيل تذكرة الحفاظ\" (ص ٣٧٢ - ٣٧٣)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٧٠).\n(^٤) \"شذرات الذهب\" (٧/ ٣٨).\n(^٥) هي قرية في غوطة دمشق. كما ذكر صاحب \"مراصد الاطلاع\" (٢/ ٩٧٧).\n(^٦) \"شذرات الذهب\" (٦/ ٣٦٥ - ٣٦٦).\n(^٧) \"الضوء اللامع\" (٨/ ٢ - ٣٢)، و\"شذرات الذهب\" (٨/ ١٥ - ١٧).","vol":"1","page":41},{"text":" (ومنهم): برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، الشافعي، المحدِّث المفسِّر، الإمام، العلامة، المؤرخ، نزيل القاهرة، ثم دمشق (٨٠٩ هـ - ٨٨٤ هـ) (^١).\n(ومنهم): زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي، ثم القاهري، الأزهري، الشافعي (٨٢٦ هـ - ٩٢٦ هـ) (^٢).\n(ومنهم): محمد بن محمد بن عبد الله بن خيضر بن سليمان بن داود بن فلاح بن ضُميدة، القطب أبو الخير الزُّبيدي، البلقاوي الأصل، الدمشقي الشافعي، المعروف بالخضيري (٨٢١ هـ - ٨٩٤ هـ) (^٣).\nوغيرهم …\n\n<span data-type='title' id=toc-36>(٩) رحلاته </span>(^٤):\nإن ما تميَّز به أئمة العلم في الإسلام، لا سيَّما أئمة الحديث، كثرة الارتحال والتنقل، وملازمة الأسفار في طلب العلوم الشرعية، وبخاصة الحديث الشريف.\nولقد سافر إمامنَا الحافظ ابن حجر ﵀ برحلات في طلب الحديث، والتقى فيها مع العلماء؛ فأخذ عنهم وأعطاهم. وسأذكر فيما يلي رحلاته بإيجاز، مقتصرًا على اسم البلد، وتاريخ وصوله إليها، معرضًا عن ذكر من التقى بهم من العلماء، وكذلك العلوم التي أخذها عنهم، رغبة في الاختصار، ومن طمع في المزيد فليرجع إلى كتب التراجم التي سنذكرها في نهاية الترجمة إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-37>(أ) رحلاته في داخل مصر:</span>\n١ - رحلته إلى قوص، وغيرها من بلاد الصعيد، سنة (٧٩٣ هـ).\n_________\n(^١) \"البدر الطالع\" (١/ ١٩ - ٢٢)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ١٠١ - ١١١).\n(^٢) \"شذرات الذهب\" (٨/ ١٣٤ - ١٣٦).\n(^٣) \"الضوء اللامع\" (٩/ ١١٧ - ١٢٤ رقم ٣٠٥).\n(^٤) انظر: \"تغليق التعليق\" - القسم الأول: الدراسة (١/ ٨٦ - ١٠٥) للشيخ الفاضل: سعيد عبد الرحمن موسى القزقي - لتعلم أسماء العلماء الذين التقى بهم، والعلم الذي حصَّله منهم في هذه الرحلات.","vol":"1","page":42},{"text":"٢ - رحلته إلى الإسكندرية، سنة (٧٩٧ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-38>(ب) رحلته إلى الديار الحجازية:</span>\n١ - رحلته إلى الطور - وهو جبل بأرض مصر - سنة (٧٩٩ هـ).\n٢ - رحلته إلى ينبع، ثم إلى جدة، ومنها إلى مكة، ثم إلى اليمن؛ فوصلها مع صحبه سنة (٨٠٠ هـ) ثم عاد إلى مكة المكرمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-39>(جـ) رحلته إلى الديار اليمنية:</span>\nأ - رحلته الأولى سنة (٨٠٠ هـ) وصل إلى: تعز، وزبيد، وعدن، والمهجم، ووادي الحصيب وغيرها.\n٢ - رحلته الثانية سنة (٨٠٦ هـ).\n\n<span data-type='title' id=toc-40>(د) - رحلته إلى الديار الشامية:</span>\nرحلته إلى الديار الشامية سنة (٨٠٢ هـ) مر بسرياقوس - بليدة بنواحي القاهرة -، ثم بقَطْيَّة، وغزة، ونابلس، والرملة، وبيت المقدس، والخليل، ودمشق، والصالحية - جامع بسفح جبل قاسيون - وغيرها من البلاد والقرى، كالنيرب، والزعيفرينية …\n\n<span data-type='title' id=toc-41>(١٠) مؤلفاته:</span>\nإن من فضل الله على هذه الأمة أن جعل في كل جيل علماء أفذاذًا، وهبوا أنفسهم لخدمة هذا الدين دونما كَلَل ولا مَلَل، يبتغون رضوان الله.\nوابن حجر، ﵀، من هذا الرعيل الذي وهب نفسه لخدمة هذا الدين، ومصنفاته شاهدة له بذلك.\nوسأذكر فيما يلي مصنفاته مرتبة على حسب العلوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-42>(أ) مصنفاته في علوم القرآن:</span>\n١ - \" الإتقان في جمع أحاديث فضائل القرآن من المرفوع والموقوف\". لم يكمل (^١).\n٢ - \"الإحكام لبيان ما في القرآن من إبهام\": جمع فيه مؤلفه بين كتابي\n_________\n(^١) \"كشف الظنون\" (١/ ٨).","vol":"1","page":43},{"text":"السهيلي وابن عساكر بترتيب المبهمات على الأبواب. ويقع في مجلدة ضخمة (^١).\n٣ - \"الإعجاب في بيان الأسباب\"، ويسمَّى أيضًا: \"العُباب في بيان الأسباب\".\nوهو كتاب عن أسباب نزول القرآن الكريم، يقع في مجلد ضخم، لم يبيَّض كله، بل شرع في تبييضه، فكتب قدر مجلدة (^٢).\n٤ - \"تجريد التفسير من صحيح البخاري\" على ترتيب السور، منسوبًا لمن نقل عنه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>(ب) مصنفاته في علوم الحديث، دراية ورواية:</span>\n١ - \" بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل\" (^٤).\n٢ - \"تقريب المنهج بترتيب المُدرج\" (^٥).\n٣ - \"تقويم السناد بمدرج الإسناد\" (^٦).\n٤ - \"الزهر المطلول في بيان الخبر المعلول\" (^٧).\n٥ - \"شفاء الغلل في بيان العلل\" (^٨).\n٦ - \"فريد النفع بمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع\" (^٩).\n٧ - \"تعريف أولي التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس\" (^١٠).\n٨ - \"المقرب في بيان المضطرب\" (^١١).\n_________\n(^١) \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٢).\n(^٢) مقدمة \"تغليق التعليق\" وللشيخ سعيد عبد الرحمن موسى القزقي (١/ ١٨٤).\nوقد طبع الكتاب بعنوان \"العجاب في بيان الأسباب\" تحقيق عبد الحكيم محمد الآنسي. ط: دار ابن الجوزي.\n(^٣) \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٢).\n(^٤) \"نظم العقيان\" (ص ٤٨)، \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٢).\n(^٥) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٦) \"نظم العقيان\" (ص ٤٨).\n(^٧) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٨) مقدمة \"تغليق التعليق\" (١/ ١٨٥).\n(^٩) \"نظم العقيان\" (ص ٤٨).\n(^١٠) الكتاب مطبوع بتحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري والأستاذ محمد أحمد عبد العزيز.\n(^١١) \"تغليق التعليق\" (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":44},{"text":"٩ - \"نخبة أهل الفكر في مصلح أهل الأثر\" [والكتاب مطبوع].\n١٠ - \"نزهة النظر\" وهو شرح لنخبة أهل الفكر [والكتاب مطبوع].\n١١ - \"نزهة القلوب في معرفة المبدل والمقلوب\"، ويسمى أيضًا: \"جلاء القلوب في معرفة المقلوب\" (^١).\n١٢ - \"النكت على ابن الصلاح\"، وعلى النكت التي عملها شيخه العراقي عليه، لم تكمل، وهو في مجلد ضخم مسوَّدة، زيادة على نكت شيخه الزين العراقي، ومباحثه معه، وهو نحو حجم الأصل لو كمل. تبيض منه إلى المقلوب.\nقال السخاوي: \"وأخبرني ابن المسند عفيف الدين أنه عنده بخط شيخنا كاملًا، فاللَّه أعلم\" (^٢) اهـ.\n١٣ - \"هدي الساري مقدمة فتح الباري\" [والكتاب مطبوع].\n١٤ - \"فتح الباري شرح صحيح البخاري\". وهو من أجلِّ كتب ابن حجر، وهو شرح مستفيض، به كثير من المسائل الفقهية، وذكر الروايا المختلفة التي روي بها الحديث، مع استطرادات نافعة في مسائل دينية عدة، وعني الشارح عناية كبرى بالشرح اللغوي للألفاظ، وإعراب الجمل، مع بيان وجوه هذا الإعراب، بما يعين على استنباط المعاني، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضع ما يتعلق بمقصد البخاري، يذكره فيه، ويحيل بباقي شرحه على المكان المشروح فيه [والكتاب مطبوع].\n١٥ - \"تغليق التعليق\" على صحيح البخاري [والكتاب مطبوع].\n١٦ - \"التشويق إلى وصل المهم من التعليق\"، وهو مختصر لكتاب: \"تغليق التعليق بلا أسانيد\" (^٣) [وهو من الكتب المفقودة].\n١٧ - \"التوفيق\" وهو مختصر لكتاب \"تغليق التعليق\"، اقتصر فيه على ذكر\n_________\n(^١) \"نظم العقيان\" (ص ٤٨)، و\"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧٢).\n(^٢) \"تغليق التعليق\" (١/ ١٨٦).\n(^٣) \"نظم العقيان\" (ص ٤٦)، و\"ذيل تذكرة الحفاظ\" (ص ٣٣٢).","vol":"1","page":45},{"text":"الأحاديث التي لم تقع في الأصل إلا معلَّقة (^١) [وهو من الكتب المفقودة].\n١٨ - \"شرح الترمذي\"، كتب منه قدر مجلدة مسوَّدة، وفتر عزمه عنه (^٢).\n١٩ - \"النكت على صحيح البخاري\" [مخطوط] (^٣).\n٢٠ - \"نكت شرح مسلم\" للنووي في المقدمة وغيرها. لم يكمل (^٤).\n٢١ - \"كتاب الأربعين العالية\" لمسلم على البخاري (^٥).\n٢٢ - \"كتاب الأربعين المتباينة\"، وتسمَّى: \"الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع\" [مخطوط] (^٦).\n٢٣ - \"كتاب الأربعين المجتازة عن شيوخ الإجازة\" (^٧).\n٢٤ - \"كتاب الأربعين المهذبة بالأحاديث الملقبة\" (^٨).\n٢٥ - \"ضياء الأنام بعوالي شيخ الإسلام البلقيني\" (^٩).\n٢٦ - \"إتحاف المهرة بأطراف العشرة\"، كتاب يجمع: \"الموطأ\"، و\"مسند الشافعي\"، و\"مسند أحمد\"، و\"جامع الدارمي\"، و\"صحيح ابن خزيمة\"، و\"منتقى ابن الجارود\"، و\"صحيح ابن حبان\"، و\"مستخرج أبي عوانة\"، و\"مستدرك الحاكم\"، و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي، \"وسنن الدارقطني\"، وقد كمل هذا الكتاب في ستة مجلدات ضخمة، تجيء في ثمانية أسفار (^١٠).\n٢٧ - \"المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية\". وقد أفرده من كتاب \"إتحاف المهرة في أطراف العشرة\" (^١١).\n٢٨ - \"المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي\"؛ أفرده ابن حجر من\n_________\n(^١) \"نظم العقيان\" (ص ٤٦)، و\"ذيل تذكرة الحفاظ\" (ص ٣٣٢ - ٣٣٣).\n(^٢) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٣) \"تغليق التعليق\" (١/ ١٨٩).\n(^٤) \"تغليق التعليق\" (١/ ١٨٩).\n(^٥) \"نظم العقيان\" (ص ٥٠).\n(^٦) \"نظم العقيان\" (ص ٥٠)، و\"تغليق التعليق\" (١/ ١٩٠).\n(^٧) \"نظم العقيان\" (ص ٥٠).\n(^٨) \"نظم العقيان\" (ص ٥٠).\n(^٩) \"نظم العقبان\" (ص ٥٠).\n(^١٠) \"نظم العقيان\" (ص ٤٦). وهو مطبوع بتحقيق: أبي عبد الرحمن عادل بن سعد، وأبي إسحاق السيد بن محمود بن إسماعيل ط: مكتبة الرشد - الرياض (١ - ١١) مجلد.\n(^١١) الكتاب مطبوع بتحقيق الشيخ: حبيب الرحمن الأعظمي مع فهارس الأحاديث.","vol":"1","page":46},{"text":"كتاب: \"إتحاف المهرة بالأطراف العشرة\"، ويقع في مجلدين (^١).\n٢٩ - \"الاستدراك على تخريج الإحياء\" للعراقي. يقع في مجلد (^٢).\n٣٠ - \"تخريج أحاديث مختصر الكفاية\" (^٣).\n٣١ - \"التلخيص الحبير\" وهو كتاب لخَّص فيه تخريج الأحاديث التي تضمَّنها \"شرح الوجيز\" للرافعي، في أربعة أجزاء متوسطة. وقد طبع الكتاب مرَّات.\n٣٢ - \"الدراية في تخريج أحاديث الهداية\"، وقد طبع الكتاب مرَّات.\n٣٣ - \"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف\"، وقد خرَّج فيه أحاديث الكشاف، وهو مطبوع بنهاية \"تفسير الكشاف\"، وبحوزتي صورة من المخطوط.\n٣٤ - \"معرفة الخصال المكفِّرة للذنوب المقدَّمة والمؤخرة\"، وقد قمت باختصاره، وتخريج أحاديثه.\n٣٥ - \"توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس\"؛ [والكتاب مطبوع].\n٣٦ - \"كتاب زوائد الأدب المفرد\" للبخاري على الستة (^٤).\n٣٧ - \"زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة على الستة، ومسند أحمد\" (^٥).\n٣٨ - \"زوائد مسند أحمد بن منيع\" (^٦).\n٣٩ - \"القول المسدَّد في الذبِّ عن المسند\"، ويسمَّى القصد الأحمد، [والكتاب مطبوع].\n٤٠ - \"كتاب الانتفاع بترتيب الدارقطني على الأنواع\" (^٧).\n٤١ - \"كتاب ترتيب مسند الطيالسي\" (^٨).\nوغيرها ....\n_________\n(^١) \"نظم العقيان\" (ص ٤٦). وهو مطبوع بتحقيق د. زهير بن ناصر الناصر. ط: دار ابن كثير ودار الكلم الطيب. (١/ ١٠) مجلد.\n(^٢) \"نظم العقيان\" (ص ٥٠)، وشذرات الذهب (٧/ ٢٧٢).\n(^٣) \"نظم العقيان\" (ص ٤٩).\n(^٤) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٥) \"نظم العقيان\" (ص ٤٩).\n(^٦) \"نظم العقيان\" (ص ٤٩).\n(^٧) \"كشف الظنون\" (١/ ١٧٥).\n(^٨) \"نظم العقيان\" (ص ٤٩).","vol":"1","page":47},{"text":" <span data-type='title' id=toc-44>(جـ) مصنفاته في العقيدة:</span>\n١ - \" الآيات النيِّرات في معرفة الخوارق والمعجزات\" (^١).\n٢ - \"الفتيا في مسألة الرؤية\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-45>(د) مصنفاته في الفقه:</span>\n١ - \" بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام\"؛ لخَّص فيه الإلمام لابن دقيق العيد، وزاد عليه كثيرًا. وهو كتاب جيد جامع يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، رتَّبه على الأبواب الفقهية، وفيه ألف وأربعمائة وستة وستون حديثًا - بحسب ترقيمنا للكتاب.\nوالكتاب طبع مرارًا، ولم يخدم خدمة تليق به على حسب علمنا. فاستعنتُ الله ﷿ لخدمة هذا السِّفر العظيم، وتقديمه لطلاب العلم الشرعي، راجيًا خدمة السنَّة المطهَّرة، وراغبًا في ثواب الله، وطامعًا أن أكون من عداد أهل الحديث إن شاء الله.\n٢ - \"تبيين العجب فيما روي في صيام رجب\" (^٣).\n٣ - \"شرح مناسك المنهاج للنووي\"، في مجلدة (^٤).\n٤ - \"قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج\" (^٥).\n٥ - \"الأجوبة الآنية عن الأسئلة العينية\"، وهي إجابات على أسئلة سأله إياها البدر العيني (^٦).\n٦ - \"الأجوبة الجليَّة على الأسئلة الحلبيَّة\"، سأله عنها أبو ذر ابن البرهان الحلبي (^٧).\n٧ - \"الجواب الجليل عن زيارة الخليل\" (^٨).\n٨ - \"الأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة\" (^٩).\n_________\n(^١) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٢) \"تغليق التعليق\" (١/ ١٩٩).\n(^٣) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٤) \"نظم العقيان\" (ص ٤٩).\n(^٥) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٦) \"تغليق التعليق\" (١/ ٢٠١).\n(^٧) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٨) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).\n(^٩) \"نظم العقيان\" (ص ٤٧).","vol":"1","page":48},{"text":" <span data-type='title' id=toc-46>(هـ) مصنفاته في التاريخ:</span>\n١ - \" الإصابة في تمييز الصحابة\" [الكتاب مطبوع]. تحقيق: د. طه محمد الزيني.\n٢ - \"إنباء الغمر بأبناء العمر\" [الكتاب مطبوع].\n٣ - \"تبصير المنتبه بتحرير المشتبه\" [الكتاب مطبوع]، تحقيق: علي محمد البجاوي.\n٤ - \"تعجيل المنفعة برجال الأئمة الأربعة\"، [الكتاب مطبوع].\n٥ - \"تقريب تهذيب التهذيب\"، [الكتاب مطبوع].\n٦ - \"تهذيب التهذيب\"، وهو اختصار لكتاب \"تهذيب الكمال\" للمِزِّي، مع زيادات كثيرة عليه، تقرب من ثلث المختصر [الكتاب مطبوع].\n٧ - \"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة\"، [الكتاب مطبوع].\n٨ - \"الرحمة الغيثية عن الترجمة الليثية\"، [الكتاب مطبوع]، تحقيق الدكتور: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.\n٩ - \"لسان الميزان\"، كتاب استدرك فيه ابن حجر ما فات الإمام الذهبي في ميزانه، [الكتاب مطبوع].\n١٠ - \"رفع الإصر عن قضاة مصر\"، [الكتاب مطبوع].\nوغيرها ....\n\n<span data-type='title' id=toc-47>(١١) وفاته:</span>\nانقطع في بيته بعد أن عزل نفسه من منصب قاضي القضاة في (٢٥) جُمادى الآخرة، من سنة (٨٥٢ هـ). ولازم التصنيف، والتأليف ومجالس الإملاء، إلى أن مرض ﵀ في ذي القعدة من السنة نفسها، واستمر يطلع إلى الجامع الطولوني للصلوات والإقراء والإملاء على العادة، ولم يتركه إلى أن اشتد به المرض جدًّا في يوم الثلاثاء (١٤) ذي الحجة، بحيث صار يصلِّي الفرض جالسًا، وترك قيام الليل، ثم صُرع يوم الأربعاء، وتكرر ذلك منه.\nوكانت وفاته ليلة السبت (١٨) ذي الحجة بعد العشاء بنحو ساعة، سنة (٨٥٢ هـ) في القاهرة رحمه اللهُ تعالى (^١).\n* * *\n_________\n(^١) \"شذرات الذهب\" (٧/ ٢٧١)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٩٢).","vol":"1","page":49},{"text":"• وصف مخطوط \"سبل السلام\": (الأولى) والتي رمزت لها بالرمز (أ):\n١ - عنوان الكتاب: \"سُبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام\" للمجلد الأول.\nو\"سبل السلام الموصل إلى بلوغ المرام\" للمجلد الثاني.\n٢ - موضوع الكتاب: فقه أحاديث الأحكام.\n٣ - أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين.\nالحمد للَّه الذي منَّ علينا ببلوغ المرام في خدمة السنة النبوية، وتفضَّل علينا بتيسير الوصول إلى مطالبها العليّة. وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تنزل قائلها الغرف الأخروية، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .....\n٤ - آخر الكتاب: .. والصلاة والسلام على رسوله الكاشف بنور الوحي كل ظلام، وعلى آله العلماء الأعلام. قال المؤلف، بلَّ الله تعالى بوابل رحمته ثراه: وافق الفراغ منه في صباح الأربعاء لعله ٢٧ شهر ربيع الآخر (سنة ١١٦٤ هـ) ختمه الله تعالى بخير وما بعدها من الأعوام. آمين.\nوافق الفراغ من رقم هذه النسخة يوم الأحد لعله غرة شهر صفر المظفر، جعلنا الله ظافرين بحسنات الدنيا والآخرة بجاه سيد المرسلين وآله الأطهرين، ذلك لشهر ثاني شهور (سنة ١٣٢٧) من هجرة من له العزّ والشرف صلَّى الله وسلم عليه وآله وصحبه الأخيار، والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.\nونسأل الله العفو والعافية في الدارين، وأن يلطف بنا، ويحسن الختام بجاه سيد الأنام، وآله الكرام، وأن يغفر لكاتبه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.\n٥ - نوع الخط: خط لوتس أبيض/ خط نسخي جيد.\n٦ - عدد الصفحات: المجلد الأول: (٣٥٧) صفحة.\nالمجلد الثاني: (٣٧٤) صفحة.\n٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٣٢ - ٣٦).\n٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٦ - ١٨).","vol":"1","page":50},{"text":"٩ - اهتمَّ الناسخ بكتابة:\n(قلت - رقم الحديث - المسألة - واعلم - ذهب الجمهور - الباب) بالمداد الأحمر، بنفس طريقة الخط في الكتاب، غير أن حروفها كبيرة متميِّزة تهدي القارئ عند المراجعة.\n١٠ - وقد حصلت على هذه المخطوطة من فضيلة الوالد العلَّامة وكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية: حمود شرف الدين؛ خدمة للعلم، ونشرًا للتراث، فجزاه الله خيرًا، وأطال عمره، وأحسن عمله، آمين.\n* * *","vol":"1","page":51},{"text":" [عنوان الجزء الأول من مخطوط \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":52},{"text":" [الصفحة الأولى من الجزء الأول من \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":53},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":54},{"text":" [الصفحة الأولى من الجزء الثاني من \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":55},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":56},{"text":" [عنوان الجزء الثاني من مخطوط \"سبل السلام\"]","vol":"1","page":57},{"text":"• وصف مخطوط \"سبل السلام\": (الثانية) والتي رمزت لها بالرمز (ب):\n١ - عنوان الكتاب: (سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام) للمجلد الأول والثاني، وهو الذي اعتمدناه.\n٢ - موضوع الكتاب: (فقه أحاديث الأحكام).\n٣ - أول الكتاب: بعد البسملة والحمدلة، وبعد فهذا شرح لطيف على \"بلوغ المرام\"، تأليف الشيخ الحافظ العلامة شيخ الإسلام أحمد بن علي بن حجر …\n٤ - آخر الكتاب: قال المؤلف، بلَّ الله تعالى بوابل رحمته ثراه: وافق الفراغ منه في صباح الأربعاء (٢٧) شهر ربيع الآخر سنة (١١٦٤ هـ) ختمها الله بخير وما بعدها من الأعوام.\nووافق الفراغ من تحرير هذا الكتاب المبارك صباح يوم الثلاثاء في شهر الحجَّة الحرام سنة (١٢٠٨ هـ). كتبه بخطِّه أفقر عباد الله إليه، الراجي عفوه وغفرانه، علي بن محسن المعافا سامحهما الله تعالى، على نسخة صحيحة بخط مولانا السيد العلامة القدوة عبد الله بن محمد الأمير جزاه الله خير الدارَين، وقد كتب في آخرها تابع قراءة مع بعض الطلبة، وتصحيحًا على نسخة المؤلف ﵀ قدَّس الله روحه ومراجعة البدر التمام فأرجو أنه قد صحَّ صحَّة كاملة وإن كان الخطأ والنسيان من طبيعة الإنسان، كان ذلك ليلة الأحد سادس شهر صفر سنة (١١٩٩ هـ)، كتبه عبد الله بن محمد الأمير عفا الله عنهما، انتهى.\nفالحمد للَّه ولي الإعانة والتوفيق على كل حال، وصلَّى الله وسلَّم على محمد وآله وصحبه وسلم آمين.\n٥ - نوع الخط: خط لوتس أبيض/ خط نسخي جيد.\n٦ - عدد الصفحات: المجلد الأول: (٣٥٧) صفحة.\nالمجلد الثاني: (٣٥٠) صفحة.\n٧ - عدد الأسطر في الصفحة: (٣٥) سطرًا.\n٨ - عدد الكلمات في السطر: (١٧ - ١٩) كلمة.\n٩ - متن الحديث بالمداد الأحمر، وأرقام الأحاديث بالقلم الأسود الكبير، وهو محجوب بالمداد الأحمر.\n١٠ - حصلت على هذه النسخة من أهل الخير، فجزاهم الله خيرًا.","vol":"1","page":62},{"text":" [عنوان الجزء الأول من مخطوط \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":63},{"text":" [الصفحة الأولى من الجزء الأول من \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":64},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الأول وبداية الصفحة الأولى من الجزء الثاني \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":65},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني من \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":66},{"text":" [الصفحة الأولى من الجزء الثالث من \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":67},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الثالث وبداية الصفحة الأولى من الجزء الرابع من \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":68},{"text":" [الصفحة الأخيرة من الجزء الرابع من \"سبل السلام\" (ب)]","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>منهجي في تحقيق الكتاب وتخريجه</span>\n١ - اعتمدت على نسختين خطيَّتين في تحقيق الكتاب وتخريجه.\n٢ - وصفت المخطوطتين وأثبتُّ صورًا عنهما.\n٣ - لم أُشر في الحاشية إلى المخالفات الهيِّنة بين النيسختين الخطيتين.\nمثل: (﵁) بدلًا عن (﵇) أو العكس.\nمثل: (قال تعالى) بدلًا عن (قال ﷿) أو العكس.\nمثل: (بسيطة مستقلة) بدلًا عن (مستقلة بسيطة) أو العكس.\nمثل: (ونفخ فيه الروح) بدلًا عن (ونفخ الروح فيه).\nمثل: زيادة (- ﷺ -) أو نقصانها.\nمثل: زيادة (- ﷺ -) أو نقصانها.\nوغير ذلك، حتى لا تطول الحاشية وأُثقل على القارئ.\n٤ - اعتمدت على النسخة الثانية (ب) في عنوان الكتاب.\n٥ - ضبطت الآيات القرآنية وبيَّنت مواضعها من السور.\n٦ - ضبطت نصَّ الحديث بالرجوع إلى كتب الأمَّهات.\n٧ - ضبطت الألفاظ الغريبة مع شرحها بالرجوع إلى كتب الغريب والمعاجم.\n٨ - ضبطت أسماء الأماكن، وذلك بالرجوع إلى كتب البلدان.\n٩ - ضبطت كتاب السبل كاملًا وللَّه الحمد والمنة.\n١٠ - وضعت أمام كل حديث درجته من الصحة أو الضعف.\n١١ - عزوت الأحاديث إلى مصادرها الأصلية التي ذكرها المؤلف.\nكما ذكرتُ مصادر أخرى لم يوردها المؤلف.\n١٢ - في حال عدم توفر المصدر المشار إليه من قِبل المؤلف، لكونه","vol":"1","page":70},{"text":"مفقودًا أو مخطوطًا يتعذر الحصول عليه، فقد أحلت على كتب الحفاظ المشهورين، الذين عزوا هذه الأحاديث في تصانيفهم لأصحابها، كالنووي، والزيلعي، وابن حجر، والشوكاني، وغيرهم.\n١٣ - أشرت إلى رقم الجزء والصفحة والحديث، للكتب التي ذكرتها في الحاشية؛ فالرقمان اللذان يفصل بينهما خط مائل، الأول منهما للجزء، والثاني للصفحة من الطبعة التي اعتمدنا، والرقم الثالث للحديث. وأحيانًا أكتفي برقم الحديث فقط فتنبَّه. وفي حال عدم ذكر رقم الحديث، أذكر اسم الكتاب الذي يشرح الحديث وأشرت:\nلصحيح مسلم بشرح النووي بعبارة: (بشرح النووي).\nولتحفة الأحوذي للمباركفوري بعبارة: (مع التحفة).\nولعارضة الأحوذي لابن العربي بعبارة: (مع العارضة).\nولعون المعبود شرح سنن أبي داود للآبادي بعبارة: (مع العون).\nولفيض القدير شرح الجامع الصغير للمُناوي بعبارة: (مع الفيض).\nوللفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد مع مختصر شرحه بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، لأحمد عبد الرحمن البنا بعبارة: (الفتح الرباني).\nولمنحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود بعبارة: (منحة المعبود).\nوللإحسان في تقريب صحيح ابن حبان بكلمة: (الإحسان).\nولبدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن بعبارة: (بدائع المنن).\nولصحيح البخاري ضبط وترقيم. د. مصطفى ديب البغا بكلمة: (البغا).\nوسلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني بكلمة: (الصحيحة).\nوسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيِّء في الأمة للألباني بكلمة: (الضعيفة).\n١٤ - إذا عزوت الحديث إلى البيهقي مطلقًا، أعني أنه أخرجه في \"السنن الكبرى\"، وأما في غيرها فأبيِّنه.\n١٥ - إذا عزوت إلى الترمذي، أو النَّسَائِي، أو أبي داود، أو ابن ماجه، أو","vol":"1","page":71},{"text":"الدارقطني، أو الدارمي، أعني أنهم أخرجوه في سننهم، وأما في غيرها فأبيِّنه.\n١٦ - أوردت الأحاديث التي أشار إليها المؤلف ولم يذكرها.\n١٧ - وضعت رقمين لكل حديث من أحاديث الكتاب، (الأول): رقم أحاديث. و(الثاني): الرقم المتسلسل لأحاديث الكتاب.\n١٨ - رقَّمت كتب، وأبواب، وفصول الكتاب، وجعلت ذلك بين معقوفتين هكذا [].\n١٩ - عزوت تراجم الرجال إلى مصادرها التي ذُكرت فيها.\n٢٠ - رجَّحت بين المسائل الفقهية التي لم يرجّح بينها المؤلف أحيانًا.\n٢١ - أشرت إلى مواضع أقوال الفقهاء في كتبهم المعتمدة في المذهب عند الحاجة الماسَّة.\n٢٢ - وضعت العناوين الضرورية للأحاديث وجعلتها ضمن مستطيل هكذا [].\nوإذا كان الحديث ضعيفًا لم أضع له عنوانًا في الغالب.\n٢٣ - قمت بتصويب الأخطاء النحوية والإملائية في الكتاب دون الإشارة إليها.\n٢٤ - ترجمت لصاحب \"سبل السلام\".\n٢٥ - ترجمت لصاحب \"بلوغ المرام\".\n٢٦ - وضعت فهرسًا لأعلام الكتاب المترجم لهم.\n٢٧ - وضعت فهرسًا لموضوعات الكتاب.\nالله أسأل أن يرزقنا العلم والعمل في سبيله، وأن يجنبنا الزلل، وأن يلهمنا الرشد والسداد، وأن يجعل رائدنا الحق، وأن يتقبَّل منا ما كتبناه يوم العرض عليه بقَبول حسن.\nكتبه\nمحمد صبحي بن حسن حلاق\nأبو مصعب\nصنعاء\n٩/ شعبان/ ١٤١٠ هـ\n٦ مارس - آذار/ ١٩٩٠ م","vol":"1","page":72},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type='title' id=toc-49>مقدِّمة المؤلف</span>\nالحمدُ للَّهِ الذي منَّ علينا ببلوغِ المرام من خدمةِ السنةِ النبويةِ، وتفضَّل علينَا بتيسيرِ الوصولِ إلى مطالبها العلية، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله شهادةً تُنَزلُ قائلَها الغرفَ الأخروية، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه الذي باتِّباعه يُرجى الفوزُ بالمواهبِ اللَّدُنِّية، ﷺ وعلى آله الذين حُبُّهم ذخائرُ العقبى، وهم خير البريةِ (وبعدُ): فهذا شرحٌ لطيفٌ على بلوغِ المرامِ.\nتأليفُ الشيخِ العلامةِ القاضي شيخِ الإسلام أحمدَ بن علي بن حجر أحلَّه اللَّهُ دارَ السلامِ، اختصرتُه من شرحِ القاضي العلامةِ شرفِ الدينِ: الحسين بن محمدٍ المغربي (^١)، أعلى الله درجاتِه في عليينَ، مقتصرًا على حلّ ألفاظهِ وبيانِ\n_________\n(^١) هو: الحسينُ بن محمد بن سعيدِ بن عيسى اللَّاعي، نسبة إلى بلاد لاعة من أعمال بلاد كوكبان، المعروفُ بالمغربي، قاضي صنعاء وعَالِمُها ومحدِّثُها، جَدُّ شيخِنَا الحسن بن إسماعيلَ بن الحسينِ. ولدَ سنة ثمان وأربعين وألف (١٠٤٨ هـ)، وأخذَ العلمَ عن السيدِ عز الدين العبالي، وعبدِ الرحمن بن محمد الحيمي، وعلي بن يحيى البرطي، وغيرهم.\nوَبَرعَ في عِدَّةِ علومٍ، وأخذَ عنه جماعة من العلماء: كالسيد عبد اللَّهِ بن علي الوزير، وغيره.\nوتولى القضاءَ للإمام المهدي: أحمدِ بن الحسنِ. واستمرَّ قاضيًا إلى أيام الإمامِ المهدي: محمدٍ بن أحمد.\nوهو مصنف \"البدر التمام شرح بلوغ المرام\"، وهو شرحٌ حافلٌ نَقَلَ ما في التلخيصِ منَ الكلام على متونِ الأحاديثِ وأسانيدِهَا، ثم إذا كان الحديثُ في البخاري نقلَ شرحَهُ من \"فتحِ الباري\"، وإذا كان في \"صحيح مسلم\" نقلَ شرحَهُ من \"شرح النووي\"، وتارة ينقلُ مِنْ \"شرح السننِ\" لابنِ رسلان. ولكنَّهُ لا ينسبُ هذه الأقوالَ إلىَ أهلِهَا غالبًا مع كونِهِ يسوقُها باللفظِ، وينقل الخلافات مِنَ \"البحر الزخار\" للإمام المهدي: أحمد بن يحيى، وفي بعضِ الأقوال من: \"نهاية ابن رشدٍ\"، ويتركُ التَّعرضَ للترجيح في غالب الحالات،=","vol":"1","page":73},{"text":"معانيهِ، قاصدًا بذلكَ وجهَ اللَّهِ، ثم التقريبَ للطالبينَ والناظرينَ فيهِ، مُعْرِضًا عن ذكرِ الخلافاتِ والأقاويلِ، إلَّا أنْ يدعوَ إليه ما يرتبطُ به الدليلُ، متجنبًا للإيجازِ المخلِّ والإطنابِ المملِّ.\nوقد ضممتُ إليه زياداتٍ جمَّة على ما في الأصلِ من الفوائِدِ، واللَّهَ أسألُ أنْ يجعلَهُ في المعَادِ من خير العوائِدِ، فهو حسبي ونعمَ الوكيلُ، وعليه في البدايةِ والنهايةِ التعويلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-50>معنى الحمد للَّه</span>\n(الحمد للَّه) افتتح كلامَهُ بالثناء على اللَّهِ تعالى، امتثالًا لما وردَ في البدايةِ به منَ الآثارِ، ورجاءً لبركةِ تأليفهِ؛ لأنَّ كُلَّ أمرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فيه بحمد اللَّهِ منزوعُ البركةِ كما وردتْ به تلك الأخبارُ (^١)، واقتداءً بكتابِ اللَّهِ المُبينِ، وسلوكِ مسالِكِ العلماءِ المؤلفينَ.\n_________\n= وهو ثمرةُ الاجتهادِ، وعلى كل حالٍ فهو شرحٌ مقيدٌ، وقد اختصَرَهُ السيدُ العلامةُ: محمدُ بنُ إسماعيلَ الأميرُ. وسمَّى المختصر: \"سبل السلام\". وله رسالة في حديث: \"أخرجوا اليهود من جزيرة العرب\"، رجَّح فيها أنَّهُ إنما يجبُ إخراجُهم من الحجاز فقط محتجًا بما في رواية بلفظ: \"أخرجوا اليهود من الحجاز\".\nوتوفي صاحب الترجمة سنة تسع عَشَر ومائة وألف (١١١٩ هـ)، وقيل: سنة خمس عشر ومائة وألف (١١١٥ هـ). \"البدر الطالع\" (١/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ١٥٣).\n(^١) وهي ضعيفةٌ.\n• أخرجَه أبو داود (٥/ ١٧٢ رقم ٤٨٤٠)، وابن ماجه (١/ ٦١٠ رقم ١٨٩٤)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٤٩٤)، وابن حبان في صحيحه (١/ ١٠٢ رقم ١، ٢)، والدارقطني (١/ ٢٢٩ رقم ١، ٢)، والبيهقي (٣/ ٢٥٨ - ٢٠٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٧٢ رقم ٠٠/ ١٤١)، وأحمدُ في \"المسند\" (٢/ ٣٥٩) والسبكي في \"طبقات الشافعية\" (١/ ٧، ١٥، ١٦) من طرقٍ موصولًا.\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كُلُّ كلام لا يُبْدأ فيه بالحمدُ للَّهِ فهو أجذمُ\"، وفي رواية: \"كل أمر ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بحمد اللَّهِ فَهو أقطعُ\".\n• وأخرجه النَّسَائِي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ٤٩٥، ٤٩٦)، عن الزهري مرسلًا من طريقين.\nوذكره المِزِّي في \"تُحفةِ الأشرافِ\" (١٣/ ٣٦٨)، في قسم المراسيل، وقالَ أبو داود: رواه =","vol":"1","page":74},{"text":"قالَ المُناوي (^١) في \"التعريفاتِ\" في حقيقةِ الحمدِ: إنَّ الحمدَ اللغويَّ: الوصفُ بفضيلةٍ على فضيلةٍ على جهةِ التعظيم بِاللسانِ، والحمدَ العرفيَّ: فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ لكونِهِ مُنْعِمًا، والحمدَ القوليَّ: حمدُ اللسانِ وثناؤُهُ على الحقِ بما أثنى بِهِ على نَفْسِهِ على لسانِ أنبيائِهِ ورسُلِهِ، والحمدَ الفعليَّ: الإتيانُ بالأعمالِ البدنيةِ ابتغاءَ وجْهِ اللَّهِ تعالى.\nوذكرَ الشارحُ التعريفَ المعروفَ للحمدِ بأنَّهُ لغةً: الوصفُ بالجميلِ على الجميل الاختياري، واصطلاحًا: الفعلُ الدال على تعظيمِ المنعمِ من حيثُ إنَّهُ مُنْعمٌ، واصلةً تلكَ النعمةُ أو غيرَ واصلةٍ.\nواللَّهُ هو اسم للذات الواجب الوجودِ، المستحقُّ لجميعِ المحامِدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>النعمُ الظاهرة والباطنة</span>\n(عَلَى نِعَمِهِ) جمعُ نِعمةٍ.\nقال الرازيُّ: النعمةُ المنفعةُ المفعولةُ على جهةِ الإحسانِ إلى الغير. وقال\n_________\n= يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وقال الدارقطني: والمرسلُ هو الصواب.\nوقال المحدثُ الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٣٢): وجملةُ القولُ أن الحديث ضعيف، لاضطراب الرواةِ فيهِ على الزهري، وكلُّ مَنْ رواهُ عنه موصولًا ضعيفٌ، أو السنَدُ إليهِ ضعيفٌ والصحيح عنه مرسلًا … \" اهـ.\n(^١) المُناوي: هو الإمامُ عبدُ الرؤوفِ بن تاجِ العارفينَ بن علي الحدادي المناوي.\nوصفَهُ بالحافظ جماعَةٌ منهم صاحب \"نشر المثاني\"، بل حلَّاه بخاتمةِ الحفاظِ المجتهدين.\nولا شك أنه كان أعلمَ معاصريه بالحديثِ وأكثرَهم فيه تصنيفًا وإجادةً وتحريرًا، بل قال عنه المحبِّي في \"خلاصة الأثر\": \"هو أَجَلُّ أهلِ عصرهِ مِنْ غيرِ ارتيابٍ\".\nووصفَهُ الحافظُ المقري في \"فتح المتعال\" بالعلامة محدِّثِ العصر علامَةِ مصرَ وقال عنه: \"لقيتهُ بالقاهرةِ وزرتُهُ في بيتِهِ وجاءني إلى منزلي\"، ثم نقل عن شرحِهِ الكبيرِ على \"الجامعِ الصغير\" فقال: \"الذي مزج فيه الشرحَ بالمشروحِ امتزاجَ الحياةِ بالروحِ\".\nولد سنة (٩٥٢ هـ) ومات بمصر سنةَ (١٠٣١ هـ).\nانظر: \"فهرس الفهارس\" (٢/ ٥٦٠ - ٥٦٢ رقم ٣١٩)، و\"معجم المؤلفين\" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).","vol":"1","page":75},{"text":"الراغب (^١): النعمةُ [ما قصدت] (^٢) بهِ الإحسانَ في النفعِ، والإنعامُ: إيصالُ الإحسانِ [الظاهر] (^٣) إلى الغيرِ، (الظَّاهِرَةِ والبَاطِنَةِ) مأخوذٌ مِنْ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^٤). وقد أخرَج البيهقيُّ في \"شُعب الإيمانِ\" (^٥) عن عطاءٍ قالَ: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِهِ تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤).\nقال: هذا مِنْ كُنوزِ علمي، سألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: \"أَما الظاهرةُ فما سَوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وأَمَّا الباطنةُ فما سَتَرَ مِنْ عورَتِكَ، ولو أبدَاهَا لقلاكَ أَهْلُكَ فمنْ سِواهُم\".\nوأخرجَ أيضًا عَنْهُ والديلمي وابنُ النَّجارِ (^٦) سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن هذِهِ الآيةِ فقالَ: \"أمَّا الظَاهِرةُ فالإسلامُ، وما سوَّى مِنْ خَلْقِكَ، وما أَسْبَغَ عَلَيْكَ من رزقِهِ، وأمَّا الباطِنَةُ فما سَتَر مِنْ عَمَلِكَ\"، وفي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ: \"النعمةُ الظاهرةُ الإسلامُ، والباطنةُ كلُّ ما ستر عليكَ من الذنوبِ والعيوبِ والحدودِ\"، أخرجَها ابنُ مردويه (^٧) عَنْهُ.\n_________\n(^١) في \"المفردات\" (ص ٤٩٩).\nقلت: وهو الحسينُ بنُ محمدِ بن المفضَّلِ، أبو القاسِم، المعروفُ بالراغب الأصفهاني: أديب، إمام، من حكماء العلماء، اشتهر بالتفسير وَاللغة. أصله مِنْ أصفهانَ وعاشَ ببغدادَ. من كتبه \"تحقيق البيان في تأويل القرآنِ \" و\"تفسير الراغب\" - لعله جامعُ التفاسير - وقد طبعت مقدِّمَتُهُ. قال صاحبُ \"كشف الظنونِ\": وهو تفسيرٌ معتبرٌ في مجلدٍ أوردَ في أولهِ مقدماتٍ نافعةً في التفسير وطرزه أنه أورد جملًا من الآيات ثم فسَّرها تفسيرًا مشبعًا، وهو أحَدُ مآخذ \"أنوار التنزيل\" للبيضاوي و\"درَّة التأويل في متشابه التنزيل\"، أوَّله: \"اعلموا حملةَ الكتاب الكريم .... \"، و\"المفردات في غريب القرآن\"، \"تتبع فيه دوران كل لفظ في الآيات القرآنية، وأتى بالشواهد عليه من الحديث والشعر، وأورد ما أخذ منه من مجاز وتشبيه ورتبه على الألفباء، فأصبح من أهم الكتب المفسِّرة لألفاظ القرآن\". \"معجم المفسرين\" لعادل نويهض (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، و\"معجم المطبوعات العربية والمعربة\" جمع يوسف إليان سركيس (١/ ٩٢٢).\n(^٢) في النسخة (أ): \"ما قصد\".\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) سورة لقمان: الآية ٢٠.\n(^٥) (٤/ ١٢٠ رقم ٤٥٠٤).\n(^٦) عزاه إليهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٥).\n(^٧) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٦).","vol":"1","page":76},{"text":"وفِي روايةٍ عَنْهُ موقوفةٍ أيضًا: \"النعمةُ الظاهرةُ والباطنةُ هي لا إله إلا اللَّهُ\"، أخرجَها عنه ابنُ جرير (^١) وغير. وتَفْسِيرُهُما ما قالَهُ مُجاهدٌ: نعمةٌ ظاهرة هي لا إله إلا اللَّهُ على اللسانِ، وباطنةٌ قالَ: في القلب، أخرجَهَا سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ جريرٍ (^٢). وفسَّرَهُمَا الشارحُ بما هو معروفٌ، ورَأيْنَا التفسيرَ المرفوعَ، وتفسيرَ السلفِ أولى بالاعتمادِ.\n(قديمًا وَحَدِيثًا) منصوبان على أنَّهُمَا حالانِ مِنْ نِعَمِهِ ولم يؤنَثْ؛ لأنَّ الجمعَ لما أُضِيفَ صارَ للجنسِ فكأنَّهُ قال: على جنسِ نعمهِ. ويُحتَملُ النَّصْبُ على الظرفية، وأنَّهُمَا صفةٌ لزمانٍ محذوفٍ، أي: زمانًا قديمًا وحديثًا. والقديمُ ما تقدَّم زمنه على الزمن الحاضر، والحديث ما حضر منه، ونِعمُ الرب تعالى قديمة على عبدِه من حينِ نَفخ فيه الروح، ثم في كل آنٍ من آنات زمانِهِ؛ فهي مسبَغةٌ عليهِ في قديم زمنه وحديثهِ، وحالِ تكلُّمِهِ، ويُحتملُ أنْ يرادَ بقديم النعمِ التي أنعم الله بها على الآباءِ فإنها نِعمٌ على الأبناء، كما أمرَ اللَّهُ بني إسرائيلَ بذكر نعمه التي أنعمَ بها على آبائهم فقالَ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٣). الآيات في مواضِعَ من القرآنِ أشارَ إليهِ الشارحُ ﵀، إلا أنهُ قال: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمة الله) الآية. والتلاوةُ نعمتي فكأنه سبق قلم، ويراد بالحديث ما أنعم الله به على عبدِه مِنْ حينِ نفخ فيه الروح، فهي حادثةٌ نظرًا إلى النعمةِ على الآباءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>معنى الصلاة والسلام على رسول الله</span>\n(وَالصَّلَاةُ) عطف اسميةٍ على اسميةٍ؛ وهل هما خبريَّتانِ أو إنشائيَّتانِ؟ فيه خلافٌ بينَ المحققينَ، والحقُّ أنهما خبريَّتان لفظًا يرادُ بها الإنشاءُ.\nولما كانت الكمالاتُ الدينيةُ والدنيويةُ، وما فيه صلاحُ المعاشِ والمعاد فائضةً من الجنابِ الأقدسِ على العباد بواسطَةِ هذا الرسول الكريم - ﷺ -، ناسَبَ\n_________\n(^١) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٦) إلى الفريابي، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢) عزاه إليهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٦).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٤٠.","vol":"1","page":77},{"text":"إِرْدافُ الحمدِ للَّهِ بالصلاةِ عليه والتسليم لذلك؛ وامتثالًا للآية الكريمة: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ (^١)]، ولحديث: \"كل كلام لا يذكر الله فيه، ولا يصلى عليَّ فيه، فهو أقطعُ أكتعُ ممحوقُ البركةِ\" (^٢)، ذكره في الشرح ولم يخرجْهُ. وفي \"الجامع الكبير\" أنَّهُ أخرجَهُ الديلمي، والحافظُ عبدُ القادرِ بن عبدِ اللَّهِ الرهاوي في \"الأربعينَ\" عن أبي هريرَةَ، قال الرهاوي: غريبٌ تفرَّدَ بذكرِ الصلاةِ فيهِ إسماعيلُ بنُ أبي زياب الشاميُّ وهو ضعيف جدًّا (^٣) لا يُعتدُّ بروايتِهِ ولا بزيادتِهِ، انتهى.\nوالصلاةُ من اللَّهِ لرسولِهِ: تشريفهُ وزيادَةُ تكرِمَتِهِ، فالقائِلُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ طالبٌ لهُ زيادَةَ التشريف والتَّكْرِمَةِ. وقيلَ: المرادُ منها آتِهِ الوسيلة، وهي التي طلب - ﷺ - من العبادِ أن يسألوها لَهُ، كما يأتي في الأذان.\n(والسَّلامُ)، قال الراغب (^٤): السلامُ والسلامَةُ التعرِّي من الآفاتِ الباطِنَةِ والظاهرِةِ. والسلامةُ الحقيقيةُ لا تكون إلا في الجنةِ؛ لأنَّ فيها بقاء بلا فناءِ، وغَناءَ بلا فَقْرٍ، وعِزًا بلا ذُلٍّ، وصحةً بلا سَقَمٍ.\n(على نبيِّه) يتنازعُ فيه المصدران قبله، [والنبيُّ من النَّبْوَة وهي الرِّفعة] (^٥)، فعيل بمعنى مُفْعِلٍ، أي: المنبئُ عن اللَّهِ بما تَسكنُ إليه العقولُ الزاكية. والنبوَّةُ سَفارَةٌ بين اللَّهِ وبينَ ذوي العقولِ من عِبادِهِ؛ لإزاحةِ عِلَلِهِم في معاشِهِم ومعادِهِمْ. (وَرَسولِهِ) في الشرح: النبيُّ في لسانِ الشرع عبارةٌ عن إنسان أُنزلَ عليهِ شريعَةٌ من عندِ اللَّهِ بطريقِ الوحي، فإذا أُمِرَ بتبليغِهَا إلى الغَيْرِ سُمِّيَ رسولًا. وفي \"أنوار التنزيل\" (^٦): الرسول مَنْ بعثَهُ اللَّهُ بشريعة مجدِّدة يدعو الناسَ إليها، والنبيُّ أعمُّ\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: الآية ٥٦، وهي غير موجودة في النسختين (أ) و(ب). بل هي من المطبوع.\n(^٢) وهو حديث ضعيف. رواه أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون في فضائل علي. كما في تخريج أحاديث \"إحياء علوم الدين\"، جمع واستخراج أبي عبد الله محمود بن محمد الحداد (١/ ٥٣٥)، وقد تقدم الكلام عليه في مقدمة المؤلف.\n(^٣) بل هو متروك يضع الحديث. انظر: \"الميزان\" (١/ ٢٣١ رقم ٨٨٤).\n(^٤) في مفرداته (ص ٢٣٩).\n(^٥) في النسخة (أ): \"والنبي من الأنبياء\" والمثبت من (ب).\n(^٦) للإمام أبي سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي، وقد حقَّقته وللَّه الحمد.","vol":"1","page":78},{"text":"منهُ. والإضافة إلى ضميره [تعالى] (^١) في رسوله وما قبلهُ عهديةٌ، إذ المعهودُ هُوَ محمدٌ - ﷺ - فزادَهُ بيانًا بقوله: (مُحَمَّدِ)، فإِنَّهُ عطفُ بيانٍ على نبيهِ، وهو عَلَمٌ مشتَّقٌ من حُمِّدَ، مجهولٌ مُشَدَّدُ العينِ، أيْ: [كثير] (^٢) الخِصالِ التي يُحْمَدُ عليها. [فهو يُحْمَدُ] أكثر مِمَّا يُحْمَدُ غَيْرُهُ من البشر، فهو أبلَغُ من محمودٍ؛ لأن هذا مأخوذٌ من المزيدِ، وذاك من الثلاثي. وأبلغ من أَحْمَدَ؛ لأنَّه أَفعلُ تفضيل مشتقٌّ من الحمد.\nوفيه قولانِ: هل هو أكثَرُ حامديةً للَّهِ تعالى فهو أحْمَدُ الحامدين [للَّه] (^٣)، أو هو بمعنى أكثر محمودية فيكون كمُحمدٍ في معناهُ. وفي المسألة خِلافٌ وجدالٌ، وَالمختارُ ما ذَكرنَاه [أولًا] (^٤)، وقرَّرَهُ المحققونَ. وأطالَ فيهِ ابنُ القيمِ في أوائل \"زادِ المعاد\" (^٥).\n(وآله) (^٦) والدعاء للآل بعد الدعاء له - ﷺ - امتثالًا لحديثِ التعليمِ، وسيأتي في الصلاة (^٧)، وللوجهِ الذي سنذكر قريبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>معنى الصحابي</span>\n(وصحبه) اسم جمع لصاحبٍ. وفي المرادِ بهم أقوالٌ اختارَ المصنفُ في \"نُخْبَةِ الفِكرِ\" أن الصحابي من لَقي النبيَّ - ﷺ - وكان مؤمنًا وماتَ على الإسلامِ (^٨).\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في النسخة (أ): (الكثير).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) (١/ ٨٩ - ٩٣).\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) رقم (٤٩/ ٣٠٠) من حديث أبي مسعود الأنصاري.\n(^٨) قال ابن حجر في \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (١/ ٧، ٨): \"وأصحُّ ما وقفتُ عليهِ من ذلك أن الصحابيَّ: مَنْ لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به وماتَ على الإسلام.\nفيدخل فيمنْ لقيَهُ مَنْ طَالَتْ مجالَسَتُهُ لَهُ أوْ قَصُرَتْ، ومن روى عنَه أو لم يَرْوِ، ومن غزا مَعَهُ أو لم يغزُ، ومن رآه رؤيةً ولم يجالسه، ومن لم يرهُ لعارضٍ كالعمى.\n• ويدخل في التعريف: كلُّ مكلَّف من الجن والإنس، وكل من لقيهُ مؤمنًا ثم ارتَدَّ، ثم عادَ إلى الإسلام وماتَ مسلمًا، سواءٌ اجتمع بهِ - ﷺ - مرةً أخرى أم لا، وهذا هو الصحيحُ المعتمدُ كالأشعثِ بن قيس، فإنَّهُ ارتدَّ ثم عادَ إلى الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق - ﷺ - وماتَ مسلمًا. فقد اتفق أهل الحديثِ على عدِّهِ من الصحابة.\n• ويخرجُ مِنَ التعريف:\nمَنْ لَقِيَهُ كافرًا، ولو أسلمَ بعد ذلك، إذا لم يجتمع بهِ مرة أخرى.\nومن لَقِيهُ مؤمنًا بغيرِهِ، كمن لقيهُ من مؤمني أهلِ الكتاب قبلَ البعثةِ.\nومن لَقِيَهُ مؤمنًا به، ثم ارتدَّ وماتَ على ردَّتِهِ والعياذُ باللَّهِ.=","vol":"1","page":79},{"text":"ووجه الثناء عليهم وعلى الآل بالدعاء لهم هو الوجه في الثناء عليه - ﷺ - بعدَ الثناءِ على الربِّ؛ لأنهم الواسطة في إبلاغِ الشرائع إلى العباد فاستحقوا الإحسانَ إليهم بالدعاء لهم ﴿الَّذِينَ سَارُوا في نُصْرَةِ دِينِهِ﴾ هو صفة للفريقين الآلِ والأصحاب، والسَّيْرُ هنا يراد به الجِدُّ والاجتهادُ والنصرُ. والنُّصرَةُ العَوْنُ. والدينُ وضعٌ إلهيٌّ يدعو أصحاب العقول إلى القَبولِ لما جاءَ بهِ الرسولُ، والمراد أنهم أعانوا صاحبَ الدينِ المبلغَ وهو الرسول. وفي وصفهم بهذا إشارةٌ إلى أنهم استحقوا الذِّكرَ والدّعاءَ بذلك.\n(سَيْرًا) مصدرٌ نوعيٌّ لوصفِهِ بقولِهِ: (حثيثًا)؛ فإن المصدر إذا أُضيفَ أو وُصِفَ كان للنوع، والحثيثُ السريعُ كما في \"القاموس\" (^١)، وفي نسخة (في صحبته) وهي عِوضٌ عن قولهِ [في] نصرةِ دينه (وَعَلَى أَتْباعِهِم) أتباعِ الآل والأصحابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>العلم ميراث الأنبياء</span>\n(الَّذِينَ وَرِثُوا عِلْمَهُمْ) وهو علمُ الكتابِ والسنةِ، (وَالعُلَماءُ وَرَثَةُ الأنبياءِ) هو اقتباسٌ من حديث: \"العلماءُ ورثَةُ الأنبياء\"، أخرجه أبو داود (^٢)، وقد ضُعِّفَ، وإِليهِ أَشَارَ بعضُ علماءِ الآل فقال:\n_________\n= ثم قال: وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين: كالبخاري وشيخه أحمدَ بن حنبل ومن تبعهما، بتصرف. اهـ.\n(^١) \"المحيط\" (ص ٢١٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١٠/ ٧٢) مع \"العون\"، وهو حديث حسن.\nقلت: وأخرجه الترمذي (٧/ ٤٥٠) مع \"التحفة\"، وابن ماجه (١/ ٨١ رقم ٢٢٣)، وأحمد (١/ ١٤٩) \"الفتح الرباني\"، وابن حبان (١/ ٢٨٩) \"الإحسان\"، والدارمي في \"السنن\" (١/ ٩٨).\nوأورد البخاري طرفًا من الحديث في صحيحه في (العلم: باب العلمُ قبلَ القولِ والعملِ).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ١٦٠): \"طرف من حديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم مصحَّحًا من حديث أبي الدرداء، وحسَّنه حمزةُ الكِناني، وضعَّفه غيرهم بالاضطراب في سنده، ولكن له شواهد يتقوَّى بها\".\nقلت: وقد ذكر الخلافَ أيضًا الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ في \"جامع بيان العلم\" وأطال فيه، فراجعه (١/ ٣٣ - ٣٧).\nوقال المحدِّث الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٣) التعليقة (٣): ومدار الحديث على \"داود بن جميل\" عن \"كثير بن قيس\" وهما مجهولان؛ لكن أخرجه أبو داود من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسند حسن. وقد حسَّن الحديث الألبانيُّ.","vol":"1","page":80},{"text":"العلمُ ميراثُ النبيِّ كذا أتى … في النَّصِّ والعلماءُ هُمْ ورَّاثُهُ\nما خَلَّفَ المختارُ غَيْرَ حديثِهِ … فينا فذاكَ متاعُهُ وأثاثه\n(أَكْرِمْ) فعلُ تعجُب، (بِهِمْ) فاعلُه والباءُ زائدةٌ، أو مفعولٌ بهِ وفيهِ ضميرُ فاعلهِ (^١)، (وَارثًا) نُصِبَ عَلى التمييزِ وهو ناظرٌ إلى الأتباع (وَمَوْرُوثًا) ناظرٌ إلى مَنْ تقدمَهم، وفيهِ مِنَ البديعِ اللفُّ والنَّشْرُ مُشَوشًا، ويحتملُ عودُ الصِّفَتَيْنِ إلى الكُلِّ من الآلِ والأصحابِ والأتباعِ؛ فإن الآلَ والأصحابَ ورثوا علمَ رسولِ الله - ﷺ - وَوَرَّثوه للأتباع، فهُمْ وارثونَ مُوَرِّثُونَ، وكذلك الأتباعُ وَرِثوا علم مَنْ تَقدَّمهُمْ أيضًا، ووَرَّثوا أَتباعَ الأتْبَاعِ، ولعل هذا أولى لعمومِهِ.\n(أَمَّا) هي حرفُ شرطٍ، وقولُهُ: (بَعْدُ) قائمٌ مقامَ شرطها، وبَعْدُ ظرفٌ له ثلاثُ حالات: إضافَتُهُ، فيُعربُ كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ (^٢)، وقَطْعُهُ عن الإضافةِ معَ نيةِ المضافِ إليه، فَيُبنَى على الضَّمِّ نحوُ: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (^٣)، وَقَطْعُهُ عن الإضافة معَ عدمِ نيةِ المضاف إليه، فيُعرب منَوَّنًا [كقوله]:\nفساغَ ليَ الشرابُ وكُنْتُ قَبْلًا … [أكادُ أَغَصُّ بالماءِ الفُرات] (^٤)\n(فَهذَا) الفاءُ جوابُ الشرطِ، واسمُ الإشارَةِ لما في الذِّهْنِ من الألفاظ والمعاني، (مُخْتَصَرٌ) في \"القاموس\" (^٥): اختصر الكلام أوجزهُ، (يَشْتمِلُ) يحتوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>معنى الأصل والدليل لغة وعُرفًا</span>\n(عَلَى أْصُول) جمعُ أَصْل، وهُوَ أَسفَلُ الشَّيءِ كما في \"القاموس\" (^٦)، وفسَّرهُ في الشرح بما هو معروف بما يُبنى عليهِ غيرُهُ.\n_________\n(^١) كقوله: أَكْرِمْهُمْ.\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ١٣٧.\n(^٣) سورة الروم: الآية ٤.\n(^٤) زيادة غير موجودة في النسخة (أ) و(ب) بل هي من المطبوع.\n(^٥) \"المحيط\" (ص ٤٩٢).\n(^٦) \"المحيط\" (ص ١٢٤٢).","vol":"1","page":81},{"text":"(الأَدِلَّةِ) جمعُ دليلٍ [وهو في اللغةِ المرشِدُ إلى المطلوب] (^١)، وهو في عُرف الأصوليينَ ما يُمْكِنُ التوصُّلُ بالنظرِ الصحيحِ فيهِ إلى مطلوب خبريّ، وعندَ أهلِ الميزانِ: ما يلزَمُ منَ العلمِ بهِ العلمُ بشيء آخَرَ. وإضافَة الأصولِ إلى الأدِلَّةِ بيانِيَّةٌ، أي: الأصول هيَ الأدلَّة، وهي أربعةٌ: الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ، والقياسُ.\n(الحَدِيثيَّةِ) صفةٌ للأصولِ مخصصَةٌ عن غيرِ الحديثيةِ، وهي نسبةٌ إلى حديثِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\n(للأحكامِ) جمعُ حكيم، وهو عندَ أهلِ الأصولِ خطابُ اللَّهِ تعالى المتعلِّقُ بأفعالِ المكلَّف من حيثُ إنهُ مكلفٌ وهي خمسةٌ: الوجوبُ، والتحريمُ، والندبُ، والكراهَةُ، والإباحَةُ.\n(الشَّرْعِيَّةِ) وصفٌ للأحكامِ يخصِّصُها عن العقليةِ. والشرعُ ما شرعَهُ اللَّهُ لعبادِهِ كما في \"القاموس\" (^٢)، وفي غيرهِ: الشرع نهجُ الطريقِ الواضح، واستعيرَ للطريقة الإلهية منَ الدينِ.\n(حَرَّرْتُة) بالمُهملات، والضميرُ للمختصَرِ، في \"القاموس\" (^٣): تحريرُ الكلام، وغيرِهِ: تقويمُهُ، وهو يناسبُ قولَ الشارحِ تهذيبُ الكلامِ وتنقيحُهُ، (تَحْرِيرًا) مصدرٌ نوعيٌّ لوصفهِ بقولِهِ: (بَالِغًا) بالغينِ المعجمةِ، في \"القاموس\" (^٤): البالغُ الجيدُ (لِيَصِيرَ) علةً لحرَّرتْهُ.\n(مَنْ يَحْفَطة مِنْ بَيْنِ أَقْرَانِهِ) جمع قِرْنٍ بكسر القاف، وسكون الراء، وهو الكَفْوُ والمِثْلُ، (نَابِغًا) بالنونِ وموحدةٍ ومعجمةٍ، مِنْ نَبَغَ.\nقال في \"القاموس\" (^٥): النابغةُ الرجلُ العظيمُ الشأنِ. (وَيَسْتَعينَ) عطفٌ على لِيصيرَ (بهِ الطَّالِبُ) لأدلةِ الأحكامِ الشرعيةِ الحديثيةِ (المُبْتَدي)؛ فإنه قد قَرَّبَ له الأدلةَ وهذَّبَها، (وَلا يَسْتَغْنِي عَنْه الرَّاغِبُ) في العلوم (المُنْتَهِي) البالغُ نهايةَ\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) \"المحيط\" (ص ٩٤٦).\n(^٣) \"المحيط\" (ص ٤٧٩).\n(^٤) \"المحيط\" (ص ١٠٠٧).\n(^٥) \"المحيط\" (ص ١٠١٨).","vol":"1","page":82},{"text":"مطلوبه؛ لأن رغبتَهُ تبعثُهُ على أَنْ لا يستغني عن شيءٍ فيه، سيَّما ما قَدْ هذُبَ وَقَرُبَ.\n(وقَدْ بَيَّنْتُ عَقِبَ) من عَقبه إِذا خلَفَهُ كما في \"القاموس\" (^١)، أي: في آخِرِ (كُل حَدِيثٍ مَنْ أَخْرَجَه مِنَ الأَئِمَّةِ) من ذكرِ إسناده وسياق طُرقه (لإِرَادَةِ نُصْحِ الأُمَّةِ) عِلَّة لذكرِهِ مَنْ خَرَّجَ الحديثَ، وذلك لأن فِي ذكر مَنْ أَخْرَجَهُ عِدَّةَ نصائِحَ للأُمةِ:\n(منها): بيانُ أَنَّ الحديثَ ثابتٌ في دواوينِ الإسلامِ، (ومنها): أنهُ قد تداولتة الأئمةُ الأعلامُ، (ومنها): أنة قد تَتَبَّعَ طرقَة وبيَّنَ ما فيها مِنْ مقالٍ مِنْ تصحيحٍ وتحسين وإعلالٍ، (ومنها): إرشادُ المنتهي أَنْ يراجِعَ أصولَها التي منها انْتُقي هذا المختَصَر (^٢). وكان يحسنُ أَنْ يقولَ المصنفُ بعدَ قولِه: (مَنْ أَخرَجَهُ منَ\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ١٤٩).\n(^٢) وإليك أخي القارئ أشهر فوائد التخريج:\n١ - معرفة مصدر أو مصادر الحديث؛ فبالتخريج يستطيع الباحث أن يعرف مَنْ أخرج الحديث من الأئمة، ومكان هذا الحديث في كتب السنة الأصلية.\n٢ - جمع أكبر عدد من أسانيد الحديث، فبالتخريج يتوصل الباحث إلى موضع أو مواضع الحديث من الكتاب الواحد أو الكتب المتعددة، فيعرف مثلًا أماكن وروده في \"صحيح البخاري\" وقد تكون متعددة، ويعرف أيضًا أماكن وروده عند غير البخاري، وفي كل موضع يعرف الإسناد فيكون قد حصل على أسانيد متعددة للحديث.\n٣ - معرفة حال الإسناد بتتبع الطرق، فبالوصول إلى طرق الحديث يمكن مقابلتها ببعضها فيظهر ما فيها من انقطاع أو إعضال … إلخ.\n٤ - معرفة حال الحديث بناء على كثير من الطرق، فقد نقف على الحديث من طريق ما ضعيفًا، وبالتخريج نجد له طرقًا أخرى صحيحة، وقد نقف له على إسناد منقطع فيأتي - بالتخريج - ما يزيل هذا الانقطاع.\n٥ - ارتقاء الحديث بكثرة طرقه: فقد يكون معنا حديث ضعيف، وبالتخريج نجد له متابعات وشواهد تقوِّيه، فنحكم له بالحسن بدل الضعف.\n٦ - معرفة حكم أو أحكام الأئمة على الحديث، وأقوالهم فيه من حيث الصحة وغيرها.\n٧ - تمييز المهمل من رواة الإسناد: فإذا كان في أحد الأسانيد راو مهمل، مثل: \"عن محمد\" أو \"حدثنا خالد\"، فبتخريج الحديث والوقوف على عددٍ من طرقه، قد يتميز هذا المهمل؛ وذلك بان يذكر في بعضها مميزًا. =","vol":"1","page":83},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٨ - تعيين المبهم في الحديث، فقد يكون معنا راو مبهم أو رجل في المتن مبهم، مثل: \"عن رجل\" أو \"عن فلان\" أو \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ -\"، فبتخريج الحديث نقف على عدد من طرقه، وقد يكون في بعضها تعيين هذا المبهم.\n٩ - زوال عنعنة المدلس: وذلك بأن يكون عندنا حديث بإسناد فيه مدلس يروي عن شيخه بالعنعنة، - مما يجعل الإسناد منقطعًا - وبالتخريج يمكن أن نقف على طريق آخر، يروي فيه هذا المدلس عن شيخه بما يفيد الاتصال، كـ\"سمعت\" و\"حدثنا\" و\"أخبرنا\" مما يزيل سمة الانقطاع عن الإسناد.\n١٠ - زوال ما نخشاه من الرواية عمن اختلط: فإذا كان معنا حديث في إسناده من اختلط، ولا ندري هل الراوي عنه في إسنادنا هذا روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، فبالتخريج قد يتضح ذلك، كأن يصرح في بعض الطرق بأن هذا الراوي روى عنه قبل الاختلاط، أو أن يرويه عنه راو لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، مما يؤيد الحديث الذي معنا، ويفيد أنه ليس مما اختلط فيه.\n١١ - تحديد من لم يحدَّد من الرواة: فقد يُذكر الراوي في إسناد معنا بكنيته أو لقبه أو نسبته، ويشاركه في هذه الكنية أو اللقب أو النسبة كثيرون مما يجعل تحديده متعذرًا، فبالتخريج قد نعرف اسمه، بأن يذكر في إسناد أو أكثر باسمه صريحًا.\n١٢ - معرفة زيادة الروايات: فقد يكون الرواية التي معنا غير مشتملة على ما يفيد الحكم صراحة، وبالتخريج نقف على بقية الروايات، وفي زياداتها ما يفيد في الحكم أو يفيد الحكم صراحة، أو به يتضح المعنى.\n١٣ - بيان معنى الغريب: فقد يكون في حديث لفظة غريبة، وبتخريجه من الروايات الأخرى تتضح هذه، بأن يأتي مكانها لفظة ليست غريبة، أو يشتمل الحديث على بيانها.\n١٤ - زوال الحكم بالشذوذ: فقد يحكم على حديث أو لفظة بالشذوذ، وبالتخريج الذي يوقفنا على كثير من الروايات - يتضح لنا ورود هذا من غير هذا الطريق، الذي يظن تفرد راو به، مما يدفع القول بالشذوذ.\n١٥ - بيان المدرج: فقد يدرج الراوي كلامًا في المتن، وبالتخريج يمكن مقارنة الروايات، بما يبيِّن الإدراج.\n١٦ - بيان النقص: فقد ينسى الراوي جزءًا من الحديث، أو يختصره، وبالتخريج يمكننا الوقوف على ما نسيه، أو اختصره.\n١٧ - كشف أوهام وأخطاء الرواة: فقد يخطئ الراوي أو يهم، وبالتخريج - الذي يوقفنا على عدد من الروايات - يتضح هذا.\n١٨ - معرفة الرواية باللفظ: فقد يروي راو الحديث بالمعنى، وبالتخريج نقف على رواية من رواه باللفظ.\n١٩ - بيان أزمنة وأمكنة الأحداث: فبجمع روايات الحديث قد يمكننا معرفة زمانه ومكانه، =","vol":"1","page":84},{"text":"الأئمةِ): وما قيلَ في الحديثِ مِنْ تصحيح وتحسينٍ وتضعيفٍ، فإنَّه يذكُرُ ذلكَ بعد ذكر من خَرَّجَ الحديثَ في غالبِ الأحاديث كما ستعرفُه.\n(فَالمُرَاد) أي: مرادي (بالسَّبْعةِ) لأنَّهُ ليسَ مُرادًا لكل مصنفٍ، ولا هو جنسُ المرادِ، بل اللام عِوَضٌ عن الإضافة، والفاءُ جوابُ شرط محذوفٌ، أي: إذا عرفْتَ ما ذكرتهُ فالمرادُ بالسبعةِ حيثُ يقولُ عَقيبَ الحديثِ: أخرجَهُ السبعَة، هم الذين بيَّنهم بالإبدالِ من لفظ العدد.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>ترجمة الإمام أحمد بن حنبل</span>\n(أَحْمَدُ) (^١) هو أبو عبد الله أحمد بن محمدِ بن حنبلٍ، وقد وسَّع الشارحُ أوسَّع اللَّهُ عليه، في تراجم السبعة، فنقتصر على قَدْرٍ يُعْرفُ به شريف صفاتِهِمْ، وأزمنَةُ ولادتِهِم ووفاتِهِم. فنقولُ: ولد أحمد [بن محمد] بن حنبل في شهر ربيع الأول سنَة أربع وستينَ ومائة، وطلب هذا الشأنَ صغيرًا، ورحلَ لطلبهِ إلى الشام والحجازِ واليمنِ وغيرِها، حتى أُجمِعَ على إمامتِه وتقواه وورعه وزهادته.\nقال أبو زُرعة: كانت كتبهُ اثني عشر حِملًا وكلان يحفظُها على ظهرِ قلبهِ، وكان يحفظ ألف ألف حديث. وقال الشافعي: خرجتُ من بغدادَ وما خلَّفْتُ بها\n_________\n= إذ قد يذكر في بعضها ذلك.\n٢٠ - بيان أعلام الحديث: فقد يَرِدُ الحديث بسبب شخص أو أشخاص، وبالتخريج يمكننا جمع روايات هذا الحديث والتي قد يتضح منها الشخص - أو الأشخاص - الذين ورد الحديث بسببهم.\n٢١ - معرفة أخطاء النسّاخ: فقد يخطئ الناسخ في الإسناد أو في المتن، وبالتخريج يمكننا الوقوف على الروايات، وبها يتضح هذا الخطأ. وهذه الفائدة عظم شأنها في هذه الأيام؛ لكثرة أخطاء النشر.\nانظر: كتاب \"طرق تخريج حديث رسول الله - ﷺ - \" للدكتور: أبو محمد عبد المهدي بن عبد القادر بن عبد الهادي (ص ١١ - ١٤).\n(^١) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٢/ ٥ رقم ١٥٠٥)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٦٨ - ٧٠ رقم ١٢٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٤/ ٤١٢ - ٤٢٣ رقم ٢٣١٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١١٥ - ١١٢ رقم ٤٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢ رقم ٤٣٨)، ولابن الجوزي: \"مناقب الإمام أحمد بن حنبل\".\nوللشيخ محمد أبي زهرة: \"ابن حنبل\".","vol":"1","page":85},{"text":"أتقى ولا أزهَد ولا أورَعَ ولا أعلمَ منه. وألَفَ \"المسندَ الكبيرَ\" أعظمَ المسانيدِ وأحسنَها وضعًا وانتقادًا، فإنه لم يُدْخِلْ فيهِ إلا ما يُحتج بهِ مع كونِهِ انتقاهُ من أكثَر من سبعمائةِ ألفِ حديثٍ وخمسينَ ألف حديثٍ.\nوكانتْ وفاتُهُ سنةَ إحدى وأربعينَ ومائتينِ على الأصح ببغدادَ مدينةِ السلامِ، وقبْرهُ بها معروفٌ مَزورٌ. وقد أُلِّفتْ فِي ترجمَتَهِ كتبٌ بسيطةٌ مستقلةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ترجمة الإمام البخاري</span>\n(وَالْبُخَاريُّ) (^١) هو الإمام القدوةُ في هذا الشأنِ، أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ، مولدُهُ في شوالَ سنةَ أربعٍ وتسعينَ ومائةٍ.\nطلبَ هذا الشأنَ صغيرًا وردَّ على بعضِ مشايخِه غلطًا، وهو في إحدى عشرَةَ سنة [فأصلحَ] (^٢) كتابَهُ من حفظِهِ. سمع الحديث ببلدةِ بخارى، ثم رحل إلى عدة أماكِنَ، وسمعَ الكثيرَ وَألَّفَ الصحيحَ منهُ من زهاءِ ستمائةِ ألفِ حديثٍ ألفهُ بمكَّةَ وقالَ: ما أدخلتُ فيهِ إلا صحيحًا، وأحفظُ مائةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومائتي ألفِ حديث غير صحيح، وقد ذكر تأويلَ هذه العدة في الشرحِ.\nوقد أُفْرِدَتْ ترجمتُهُ بالتأليف وذكرَ المصنفُ منها شطرًا صالحًا في مقدمة \"فتح الباري\". وكانت وفاتُهُ بقريةِ سمرقَنْدَ وقْثَ العِشاءِ ليلةَ السبتِ، ليلةِ عيدِ الفطرِ سنة ست وخمسين ومائتينِ عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يُخَلِّفْ ولدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>ترجمة الإمام مسلم</span>\n(وَمُسْلِمٌ) (^٣) هو الإمامُ الشهيرُ مسلمُ بنُ الحجاجِ القشيري، أحدُ أئمةِ هذا\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٩١ رقم ١٠٨٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٢/ ٤ - ٣٤) و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٢٧١ - ٢٧٩ رقم ٣٨٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٧ رقم ٥٧٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٢/ ٢١٢ - ٢٤١ رقم ٥٤)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٣٤ - ١٣٦).\n(^٢) في النسخة (ب): \"وأصلح\".\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٨٢ رقم ٧٩٧)، و\"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٠٠ - ١٠٤ رقم ٧٠٨٩)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٣٣٧ - ٣٣٩ رقم ٤٨٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" =","vol":"1","page":86},{"text":"الشأنِ، ولد سنة أربع ومائتين، وطلب علم الحديث صغيرًا، وسمِعَ من مشايخ البخاري وغيرهم، وروى عنه أئمةٌ من كبارِ عصرِهِ وحفَّاظهِ، وألَّفَ المؤلفاتِ النافعةَ، وأنفعُها صحيحُهُ الذي فاقَ بحسنِ ترتيبِهِ، وحُسنِ سياقِهِ، وبديعِ طريقَتِهِ وحاز نفائِسَ التحقيق.\nوللعلماءِ في المفاضلةِ بينهُ وبينَ صحيحِ البخاريِّ خلافٌ، وأنصفَ بعضُ العلماءِ في قولهِ:\nتشاجَرَ قومٌ في البخاريِّ ومُسلمٍ … إليَّ وقالوا: أيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ؟\nفقلتُ: لَقَدْ فاقَ البخاريُّ صِحَّةً … كما فاقَ في حُسْنِ الصناعَةِ مُسلمُ\nوكانت وفاتُهُ عشيَّةَ الأحَدِ لأربعِ بقينَ من شهر رجبَ سنةَ إحدى وستينَ ومائتينِ، ودُفنَ يومَ الاثنينِ بنيسابورَ، وقبرُهُ بها مشهورٌ مَزورٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>ترجمة أبي داود</span>\n(وَأَبو دَاوُدَ) (^١) هو سليمانُ بنُ الأشعثِ السجستاني، مولدُهُ سنةَ اثنتينِ ومائتينِ، سمعَ الحديثَ من أحمدَ، والقَعْنَبِي، وسليمانَ بن حربٍ، وغيرِهم، وعنهُ خلائقُ كالترمذي والنسائي. وقال: كتبتُ عن النبي - ﷺ - خمسمائَةِ ألفِ حديثٍ، انتخبتُ منها ما تضمَّنَهُ كتابُ \"السننِ\" وأحاديثُهُ أربعةُ آلافِ حديثٍ وثمانمائة ليسَ فيها حديثٌ أجمع الناسُ على تركه.\nروى سننَهُ ببغدادَ وأخذَها أهلُها عنهُ، وعرضَها على أحمدَ فاستجَاده واستحسنه.\nقالَ الخطابي: هي أحسنُ وضعًا وأكثَرُ فقهًا مِنَ الصحيحين، وقالَ\n_________\n= (٢/ ٥٨٨ - ٥٩٠ رقم ٦١٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٨٩ - ٩٢ رقم ١٣١)، و\"معجم المؤلفين\" (١٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣).\n(^١) انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٠١ - ١٠٢ رقم ٤٥٦)، و\"معجم المؤلفين\" (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٩/ ٥٥ - ٥٩ رقم ٤٦٣٨)، و\"المنتظم\" (٥/ ٩٧ - ٩٨ رقم ٢١٩)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ١٥٩ - ١٦٢ رقم ٢١٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٩١ - ٥٩٣ رقم ٦١٥).","vol":"1","page":87},{"text":"ابنُ الأعرابي: مَنْ عندَهُ كتابُ اللَّهِ و\"سننُ أبي داودَ\" لم يحتجْ إلى شيءٍ معهما مِنَ العلمِ. ومِنْ ثمَّ صرَّحَ الغزالي بأنه يكفي المجتهدَ في أحاديث الأحكامِ، وتبعَهُ أَئمةٌ على ذلكَ. وكانت وفاته بالبصرة سنة خمس وسبعين ومائتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-60>ترجمة الإمام الترمذي</span>\n(والتِّرْمِذِيُّ) (^١) هو أبو عيسى محمدُ بنُ عيسى بنُ سَوْرةَ التِّرْمِذي، مثلثُ الفوقية، والميم مكسورة ومضمومة، نسبة إلى مدينةٍ قديمةٍ على طرفِ جيحونَ نهرِ بلخ. لم يذكرِ الشارحُ، ولا الذهبي، ولا ابنُ الأثير (^٢) ولادته، وسمعَ الحديث عن البخاري وغيرِهِ من شيوخِ البخاري.\nوكان إمامًا ثبتًا حجةً، وألفَ كتابَ \"السننِ\"، وكتابَ \"العللِ\"، وكانَ ضريرًا، قال: عرضتُ كتابي هذا أي كتابُ \"السننِ\" المسمَّى بالجامع على علمَاءِ الحجازِ والعراقِ وخراسانَ فرضوا بهِ. ومن كان في بيته فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلمُ.\nقالَ الحاكمُ: سمعتُ عمرَ بنَ علك يقول: ماتَ البخاري ولم يُخَلِّفْ بخراسانَ مثلَ أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهدِ. وكانتْ وفاتُهُ بترمِذَ أواخرَ رجبَ سنةَ سبع وستينَ ومائتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>ترجمة الإمام النسائي</span>\n(وَالنَّسَائِيُّ) (^٣) هو أحمدُ بن شُعَيبٍ الخراسانيُّ، ذكرَ الذهبيُّ أن مولدَهُ سنةَ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٥ رقم ٦٥٨)، و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٧٨ رقم ٨٠٣٥)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٧٤ - ١٧٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٣٤٤ - ٣٤٥ رقم ٦٣٨)، و\"معجم البلدانِ\" (٢/ ٢٦ - ٢٧)، و\"مقدمة شرح الترمذي\" لأحمد محمد شاكر.\nومجلد \"المقدمة\" للشيخ عبد الرحمن المباركفوري شارح \"سنن الترمذيِّ\" باسم: \"تحفة الأحوذي\" و\"معجم المؤلفين\" (١١/ ١٠٤ - ١٠٥).\n(^٢) قلت: رأيت في \"جامع الأصول\" (١/ ١٩٣): \"ولد سنة تسع ومائتين\".\n(^٣) انظر ترجمته في: \"وفيات الأعيان\" (١/ ٧٧ - ٧٨ رقم ٢٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٩٨ - ٧٠١ رقم ٧١٩) و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٣٩ - ٢٤١)، و\"العِبَر\" (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، و\"معجم المؤلفين\" (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٢ - ٣٤ رقم ٦٦).","vol":"1","page":88},{"text":"خمسَ عَشْرَةَ ومائتينِ، وسمعَ مِنْ [قتيبة بن] (^١) سعيدٍ، وإسحاقَ بن راهويهِ، وغيرِهم من أئمةِ هذا الشأنِ بخراسانَ وَالحجازِ، والعراقِ، ومصرَ، والشامِ، والجزيرةِ، وبرعَ في هذا الشأنِ، وتفردَ بالمعرفةِ والإتقانِ وعلوِّ الإسنادِ، واستوطَنَ مصرَ.\nقال أئمةُ الحديث: إنه كانَ أحفظَ مِنْ مسلمٍ صاحبِ \"الصحيحِ\". وسنَنُهُ أقلُّ السُّنَنِ بعدَ الصحيحينِ حديثًا ضعيفًا. واختارَ مِنْ سننِه كتابه \"المُجْتَبى\" لمَّا طُلبَ منهُ أَنْ يفرد الصحيحَ من السننِ.\nوكانتْ وفاتُهُ يومَ الاثنينِ لثلاثَ عَشْرَةَ خلتْ من شهرِ صَفَرَ، سنةَ ثلاثٍ وثلثمائةٍ، بالرملةِ. ودُفِنَ ببيتِ المقدسِ، ونسبتهُ إلى نَسَاءَ بفتح النون وفتح السين المهملة، وبعدها همزة؛ وهي مدينةٌ بخراسان خرج منها جماعةٌ مِنَ الأعيانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-62>ترجمة ابن ماجه</span>\n(وَابْنُ مَاجَهْ) (^٢) هو أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ يزيدَ بن عبدِ اللَّهِ بن ماجَهْ القزويني. مولدُهُ سنةَ سبعٍ ومائتينِ، وطلبَ هذا الشأنَ ورحلَ فِي طلبهِ، وطافَ البلادَ حتى سمعَ أصحاب مالكٍ، والليثِ وروى عنهُ خلائقُ، وكان أحدَ الأعلام.\nألَّفَ \"السنن\" وليست لها رتبة ما أُلِّف من قبلهِ؛ لأنَّ فيها أحاديثَ ضعيفة بل مُنكرةً، ونقلَ عن الحافظِ المِزِّي أن غالبَ ما انفردَ به [الضعفُ] (^٣)، ولذا جرى كثيرٌ من القدماءِ على إضافةِ \"الموطأ\" إلى الخمسةِ.\nقالَ المصنفُ: وأولُ مَنْ أضافَ ابنَ ماجَهْ إلى الخمسةِ أبو الفضلِ ابنُ طاهرِ في الأطرافِ، وكذا في شروطِ أئمةِ الستة، ثم الحافظُ عبدُ الغني في كتابه \"أسماءُ الرجالِ\". وكانتْ وفاتُهُ يومَ الثلاثاءِ لثمانِ بَقينَ مِنْ رمضانَ سنةَ ثلاثٍ أو خمسٍ وسبعينَ ومائتينِ.\n_________\n(^١) التصويب من كتب التراجم كالتذكرة (٢/ ٦٩٨) وغيرها.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٣٦ - ٦٣٧ رقم ٦٥٩)، و\"تهذيب التهذيب\" ٩١/ ٤٦٨ - ٤٦٩ رقم ٨٧٢)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٦٤)، و\"معجم المؤلفين\" (١٢/ ١١٥ - ١١٦)، و\"الفصل المبين على عقد الجوهر الثمين\" (ص ٢٠٧ - ٢٢٤).\n(^٣) في النسخة (أ): \"الضعيف\".","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>شرح اصطلاحات المؤلف</span>\n(وَبِالسِّتَّةِ) أي: والمراد بالسِّتةِ إذا قالَ: أخرجَهُ السِّتَّةُ (مَنْ عَدَا أَحْمَدَ)؛ وهم المعروفون بأهلِ الأمَّهاتِ السِّتِّ.\n(وَبِالخَمْسَةِ مَنْ عَدَا البُخارِيَّ وَمُسْلِمًا. وَقَدْ أقُولُ) عوضًا عن قولِه: الخمسةَ (الأَرْبَعَة)، وهم أصحابُ السننِ إذا قيل: أصحابُ السننِ (وأحمدُ و) المراد (بالأربعةِ) عندَ إطلاقِهِ لهم (مَنْ عَدَا الثَّلاثَةَ الأوَلَ) الشيخينِ وأَحمدَ، (وَ) المرادُ (بِالثَّلاثَةِ) عندَ إطلاقِهِ لهم (مَنْ عَدَاهُمْ) أي: مَنْ عدا الشيخين وأحمدَ والذي عداهم هم الأربعةُ أصحابُ السننِ (وَعَدَا الأخِيرَ) وهو ابنُ ماجه، فيرادُ بالثلاثة أبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ.\n(وَ) المراد (بِالمُتَّفقِ) إذا قالَ: متفقٌ عليهِ (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)؛ فإنهما إذا أخرجا الحديثَ جميعًا من طريقِ صحابي واحد قيل له: متفقٌ عليهِ، أي: بينَ الشيخينِ (وَقَدْ لَا أَذْكرُ مَعَهُمَا) أي: الشيخين غيرَهما، كأنهُ يريدُ أنه قد يخرِّجُ الحديثَ السبعةُ أو أقلُّ، فيكتفي بنسبتِهِ إلى الشيخين، (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أي: ما أخرجَهُ غيرُ مَنْ ذُكِرَ كابنِ خزيمةَ والبيهقي والدارقطني (فَهُوَ مُبَيَّنٌ) بذكرِهِ صريحًا.\n(وَسَمَّيتُهُ) أي المختصر (بلوغَ المَرَامِ)، هُوَ مِنْ بلغَ المكانَ بلوغًا وصلَ إليهِ كما في \"القاموس\" (^١)، والمَرامُ: الطلبُ، والمعنى الإضافيُّ وصولُ الطلبِ بمعنى المطلوبِ أي: فالمرادُ وصولي إلى مطلوبي (مِنْ جَمْعِ أَدِلَّةِ الأحْكَامِ)، ثم جعلهُ اسمًا لمختصرِه. ويحتملُ أنه إضافةٌ إلى مفعولِ المصدرِ، أي: بلوغِ الطالبِ مطلوبَهُ مِنْ أدلةِ الأحكامِ.\n(وَاللَّهَ) بالنصب على المفعولية (أَسْأَلُ) قدِّمَ عليهِ لإفادةِ الحصر، أي: لا أسألُ غيْرَهُ (أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا عَلِمنَا عَلَيْنَا وَبالًا) بفتح الواو، هو الشِّدةُ والثِّقلُ كما في \"القاموس\" (^٢)، أي: لا يجعلهُ شِدةً في الحساب، وثقلًا من جملة الأوزار، إذِ الأعمالُ الصالحةُ إذا لم تخلُصْ لوجهِ اللَّهِ انقلبتْ أوزارًا وآثامًا.\n(وَأَنْ يَرْزقَنَا العَمَلَ بِمَا يرْضِيهِ ﷾) أُنزِّهُهُ عن كلِ قبيحٍ، وأثبتُ لهُ العلوَّ على كلِّ عالٍ في جميعِ صفاتِه، وكثيرًا ما قُرِنَ التسبيحُ بصفةِ العلوِّ كسبحانَ ربيَ الأعلى، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ١٠٠٧).\n(^٢) \"المحيط\" (ص ١٣٧٨).","vol":"1","page":90},{"text":"[الكتاب الأول]\n\nكتاب الطهَارة\nالكتابُ، والطهارةُ [هما] (^١) في الأصلِ مصدرانِ أضيفا وجُعِلا اسمًا لمسائلَ مِنْ مسائلِ الفقهِ، تشتملُ على مسائلَ خاصةٍ. وبدأَ بالطهارةِ اتباعًا لسنةِ المصنفينَ في ذلكَ، وتقديمًا للأمور الدينيةِ على غيرها، واهتمامًا بأهمها وهي الصلاةُ. ولما كانتِ الطهارةُ شرطًا من شروطها بدأ بها، وهي هنا اسمُ مصدرٍ - أي طَهَّرَ تطهيرًا وطهارةً، مثلُ كلَّمَ تكليمًا وكلامًا.\nوحقيقتُها استعمالُ المطهِّرَيْنِ أي: الماءُ والترابُ أو أحدُهما على الصفةِ المشروعةِ في إزالةِ النجس والحدثِ؛ لأنَّ الفقيهَ إنما يبحثُ عن أحوالِ أفعالِ المكلَّفينَ من الوجوب وغيرِهِ. ثم لما كَانَ الماءُ هو المأمورِ [بالتطهُّر] (^٢) بهِ أصالة قدَّمهُ [أي قدَّم الكلامَ على أحكامه] (^٣) فقال:\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) في النسخة (ب): \"بالتطهير\".\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>[البابُ الأولُ] بابُ المياه</span>\nالبابُ لغةً: ما يُدخَلُ ويُخرَجُ منهُ، ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ (^١)، ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٢). وهو هنا مجازٌ، شبَّهَ الدخولَ إلى الخوضِ في مسائلَ مخصوصةٍ بالدخولِ في الأماكن المحسوسةِ، ثم أثبتَ لها البابَ.\nوالمياهُ جمع ماءٍ، وأصله مَوْهٌ، ولذا ظهرتِ الهاءُ في جمعِهِ. وهوَ جنسٌ يقعُ على القليلِ والكثير، إلا أنهُ جُمِعَ لاختلافِ أنواعه باعتبار حكم الشرع؛ فإنَّ فيهِ ما يُنهى عنهُ، وفيه ما يُكْرَهُ؛ وباعتبار الخلاف في بعضِ المياهِ كماءِ البحرِ فإنَّهُ نقلَ الشارحُ الخلافَ في التطهر بهِ عن ابن عُمَر (^٣)، وابن عمرو (^٤).\nوفي النهاية (^٥) أنَّ في كونِ ماءِ البحرِ مطهِّرًا خلافًا لبعضِ أهل الصدرِ الأولى (^٦)، وكأنهُ لقِدم الخلافِ فيهِ بدأَ المصنفُ بحديثٍ يفيدُ طهوريتَهُ، وهو حُجَّةُ الجماهيرِ فقال:\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٢٣.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٨٩.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٣١) عن عقبة بن صهبان قال: سمعت ابن عمر يقول: \"التيمم أحب إليَّ من الوضوء من ماء البحر\".\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٣١) عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: \"ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارًا ثم ماء ثم نار\".\nوأخرجه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣٤). وهو موقوف وسنده لا بأس به.\n(^٥) أي في: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد الحفيد (١/ ٢٣).\nوقد قمت بتحقيقها وتخريجها والتعليق عليها، وللَّهِ الحمدُ والمنَّةُ.\n(^٦) قال الزرقاني في شرحه على \"الموطأ\" (١/ ٥٣): \"التطهير بماء البحر حلال صحيح كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نُقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيَّف أو مؤوَّل بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده\" اهـ.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>طهارة ماء البحر</span>\n١/ ١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْبَحْرِ: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ\". [صحيح]\nأخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١)، وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤)، [وَرَوَاهُ مَالِكٌ (^٥)، وَالشَّافِعِي (^٦)، وَأَحْمَدُ (^٧)] (^٨).\n(عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -) الجار [والمجرور] (^٩) متعلقٌ بمقدَّرٍ، فكأنه قال: باب المياه\nأروي، أو أذكرُ، أو نحوُ ذلكَ حديثًا عن أبي هريرةَ، وهو الأولُ من أحاديثِ البابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>ترجمة أبي هريرة</span>\nوأبو هريرة (^١٠) هو الصحابي الجليل الحافظُ المكثرُ. واخْتُلِفَ في اسمِهِ\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (١/ ٦٤ رقم ٨٣)، والترمذي (١/ ١٠٠ رقم ٦٩)، وقال: \"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ\"، والنسائي (١/ ٥٠ رقم ٥٩) و(١/ ١٧٦ رقم ٣٣٢) و(٧/ ٢٠٧ رقم ٤٣٥٠)، وابن ماجه (١/ ١٣٦ رقم ٣٨٦).\n(^٢) في \"المصنف\" (١/ ١٣١).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٥٩ رقم ١١١).\n(^٤) في \"سننه\" (١/ ١٠٠).\n(^٥) في \"الموطأ\" (١/ ٢٢ رقم ١٢).\n(^٦) في \"الأم\" (١/ ١٦)، وفي \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٣ رقم ٤٢).\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ٢٣٧، ٣٦١، ٣٧٨، ٣٩٢).\nقلتُ: وأخرجهُ الدارميُّ (١/ ١٨٦)، والبخاريُّ في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٤٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٢٧١ رقم ١٢٤٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٤٠)، وفي \"علوم الحديث\" (ص ٨٧)، والبيهقي (١/ ٣)، والدارقطني (١/ ٣٦ رقم ١٣) وغيرهم.\nوهو حديثٌ صحيح. انظر الكلام عليه في تخريجنا لـ\"بلوغ المرام\" الحديث الأوَّل.\n(^٨) زيادة من المطبوع.\n(^٩) زيادة من النسخة (ب).\n(^١٠) انظر ترجمتهُ في: \"مسندِ أحمدَ\" (٥/ ١١٤ - ١١٥) و(٢/ ٢٢٨ - ٥٤١)، و\"طبقاتِ ابن سعدٍ\" (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤) و(٤/ ٣٢٥ - ٣٤١)، و\"المعارفِ\" (٢٧٧ - ٢٧٨ و٢٨٥)، و\"المعرفةِ والتاريخ\" (١/ ٤٨٦) و(٣/ ١٦٠، ١٦١، ١٦٢)، و\"أخبارِ القضاةِ\" (١/ ١١١ - ١١٦)، و\"المستدرك\" (٣/ ٥٠٦ - ٥١٤)، و\"حلية الأولياءِ\" (١/ ٣٧٦ - ٣٨٥ رقم ٨٥)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٩٥ رقم ٦٦٤١)، و\"العبرِ\" (١/ ٤٦)، و\"معرفة القراءِ\" (١/ ٤٣ - ٤٤ رقم ٨)، و\"مجمع الزوائدِ\" (٩/ ٣٦١ - ٣٦٢)، و\"تهذيبِ التهذيبِ\" (١٢/ ٢٨٨ - ٢٩٢ =","vol":"1","page":94},{"text":"واسم أبيهِ على نحوٍ مِنْ ثلاثينَ قولًا، قال ابنُ عبدِ البرِّ: الذي تسكنُ النفسُ إليهِ مِنَ الأقوالِ أنهُ عبدُ الرحمنِ بنُ صخرٍ، وبهِ قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ، والحاكمُ أبو أحمدَ. وذُكر لأبي هريرةَ في مسندِ بقيِّ بن مخلدٍ خمسةُ آلافِ حديثٍ وثلاثُمائَةٍ وأربعةٌ وسبعونَ حديثًا. وهوَ أكثرُ الصحابةِ حديثًا، فليسَ لأحدٍ من الصحابةِ هذا القدْرُ ولا ما يقاربُه.\nقلتُ: كذا في الشرحِ، والذي رأيتُه في \"الاستيعابِ\" لابنِ عبدِ البرِّ بلفظِ: \"إلا أن عبدَ اللَّهِ أو عبدَ الرحمنِ هو الذي يسكنُ إليه القلبُ في اسمِه في الإسلام\". ثم قال فيه: \"مات في المدينةِ سنةَ تسعٍ وخمسينَ، وهو ابنُ ثمانٍ وسبعينَ سنةً ودفنَ بالبقيعِ\". وقيل: مات بالعقيقِ، وصلَّى عليهِ الوليدُ بنُ عقبةَ بن أبي سفيانَ وكانَ يومئذٍ أميرًا على المدينةِ كما قالهُ ابنُ عبد البرِّ.\n(قَالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في البَحْرِ) أي في حُكْمِهِ. والبحرُ الماءُ الكثيرُ، أو المالحُ فقط، كما في \"القاموس\" (^١). وهذا اللفظُ ليسَ من مقولهِ - ﷺ -، بل مقولُهُ: (هُوَ الطَّهورُ)، بفتح الطاء المصدرُ واسمُ ما يُتَطَهَّرُ بهِ، أو الطاهِرُ المُطَهِّرُ، كما في \"القاموس\" (^٢). وفي الشرعِ: يطلقُ على المُطَهِّرِ. وبالضمِّ مصدرٌ.\nوقال سيبويه: \"إنهُ بالفتح لهما ولم يذكرهُ [في] (^٣) القاموسِ بالضمِّ، ولا الجوهري. (ماؤه) هو فاعلُ المصدرِ، وضميرُ ماؤهُ يقتضي أنَّهُ أريد بالضمير في قولِهِ: (هو).\nالبحر: بمعنى مكانه، إذ لو أُرِيدَ بهِ الماءُ لما احتيج إلى قولِهِ: (ماؤهُ) إذ يصير المعنى: الماء طهورٌ ماؤهُ (والحِلُّ) هو مصدرُ حلَّ الشيءُ ضِدّ حَرُمَ، ولفظُ الدارقطني (^٤): الحلالُ (مَيْتَتُه) هو فاعله أيضًا، (أخرجه الأربعة).\n_________\n= رقم ١٢١٦)، و\"الإصابة\" (١٢/ ٦٣ - ٧٩ رقم ١١٨٠)، و\"الاستيعاب\" (١٢/ ١٦٧ - ١٧٦ رقم ٣٢٠٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٦٣، ٦٤)، و\"البداية والنهاية\" (١/ ١٢، ١٥، ١٨، ٣/ ٨، ٤٢).\n(^١) \"المحيط\" (ص ٤٤١).\n(^٢) \"المحيط\" (ص ٥٥٥).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٤ رقم ٢ و٣) من حديث جابرِ بن عبدِ الله، و(١/ ٣٥ رقم ٨) من حديث أنس.","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>ترجمة ابن أبي شيبة</span>\n(وابنُ أبي شَيبةَ) هو أبو بكرٍ. قالَ الذهبي (^١) في حَقِّهِ: \"الحافظُ العديمُ النظيرِ الثَّبْتُ النِّحْريرُ، عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بن أبي شيبةَ صاحبُ المسندِ والمصنفِ وغيرِ ذلكَ\"، هو مِنْ شيوخِ البخاريِّ ومسلمٍ، وأبي داودَ، وابنِ ماجَهْ. (واللفظُ لهُ) أي لفظُ الحديثِ السابقِ سربٌ لابنِ أبي شيبةَ وغيرِهِ - ممن ذَكَرَ - أخرجوه بمعناهُ.\n(وصحَّحه ابنُ خُزيمةَ) هو بضم الخاءِ المعجمة، فزاي بعدها مثناة تحتية فتاء تأنيث.\n\n<span data-type='title' id=toc-69>ترجمة ابن خزيمة</span>\nقال الذهبي (^٢): \"الحافظُ الكبيرُ إمامُ الأئمةِ شيخُ الإسلامِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ إسحاقَ بن خزيمةَ، انتهتْ إليهِ الإمامةُ والحفظُ في عصرِه بخُراسَانَ\". (و) صحَّحَهُ (الترمذيِّ) أيضًا فقالَ عقبَ سردِهِ: \"هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ\". وسألتُ محمدَ بن إسماعيلَ البخاريَّ عن هذا الحديث فقالَ: \"حديثٌ صحيحٌ\". هذا لفظُ الترمذيِّ كما في مختصرِ السننِ للحافظِ المنذري (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-70>تعريف الحديث الصحيح</span>\nوحقيقةُ الصحيح عندَ المحدثينَ: \"ما نقلَهُ عدلٌ تامُّ الضبطِ عن مثلهِ، متصلَ السندِ غيرَ مُعَلٍّ ولا شاذٍّ (^٤).\nهذا وقد ذكر المصنفُ هذا الحديث في \"التلخيصِ\" (^٥) من تِسعِ طرقٍ عن تسعةٍ منَ الصحابةِ، ولم تخلُ طريقٌ منها عن مقالٍ إلا أنه قد جزمَ بصحتهِ مَنْ سمعت. وصحَّحهُ ابنُ عبدِ البرِّ، وصحَّحهُ ابنُ مَنْدَهْ، وابنُ المنذرِ، وأبو محمدٍ البغويُّ.\n_________\n(^١) في \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٣٢ رقم ٤٣٩).\n(^٢) في \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٧٢٠ رقم ٧٣٤).\n(^٣) (١/ ٨١).\n(^٤) انظر: \"التبصرة والتذكرة\" (١/ ١٢ - ١٤).\n(^٥) أي في: \"التلخيص الحبير\" (١/ ٩ - ١٢ رقم ١).","vol":"1","page":96},{"text":"قالَ المصنفُ: \"وقد حُكمَ بصحةِ جملةٍ من الأحاديثِ لا تبلغُ درجةَ هذا ولا تقاربُهُ\"، قال الزُّرقاني في \"شرحِ الموطأ\" (^١): \"وهذا الحديثُ أصلٌ من أصولِ الإسلامِ، تلقَّتهُ الأمةُ بالقبولِ، وتداولهُ فقهاءُ الأمصار في جميع الأقطار، وفي سائر الأعصار، ورواهُ الأئمةُ الكبارُ\". ثمَّ عدَّ مَنْ رواهُ ومَنْ صحَّحهُ.\nوالحديث وقعَ جوابًا عن سؤالٍ كما في \"الموطأِ\" أن أبا هريرةَ قال: \"جاءَ رجلٌ\". وفي مسندِ أحمد (^٢): \"من بني مُدْلجٍ\"، وعندَ الطبراني (^٣): \"اسمه عبدُ الله\"، إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: \"يا رسولَ اللَّهِ إنَّا نركبُ البحرَ ونحملُ معنا القليلَ منَ الماءِ فإنْ توضَّأنا بهِ عطِشنا أفنتوضأُ بهِ؟ \" - وفي لفظِ أبي داود (^٤) - بماءِ البحرِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هو الطهور .... \" الحديث. فأفاد - ﷺ - أن ماءَ البحرِ طاهرٌ مطهِّرٌ لا يخرجُ عن الطَّهُورية بحالٍ، إلَّا ما سيأتي من تخصيصِهِ بما إذا تغيَّرَ أحدُ أوصافِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-71>بعض فوائد الحديث</span>\nولم يجبه - ﷺ - بقولِهِ: نعمْ معَ إفَادَتِها الغرضَ، بلْ أجابَ بهذا اللفظِ لِيُقْرِنَ الحُكْمَ بعلَّتِه، وهي الطَّهُوريةُ المتناهيةُ في بابها، وكأنَّ السائِلَ لما رأى ماءَ البحر خالفَ المياهَ بملُوحةِ طعمِهِ، ونَتْنِ ريحِهِ توهَّم، أنَّهُ غيرُ مرادٍ مِنْ قولهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ (^٥) أي بالماء المعلوم إرادتُهُ من قولِهِ: فاغْسِلُوا، أو أنَّهُ لَمَّا عَرَفَ من قولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٦) ظَنَّ اختصاصَهُ، فسألَ عنهُ فأفادَهُ - ﷺ - الحكمَ، وزادهُ حكمًا لم يسألْ عنهُ وهو حِلُّ مَيْتَتِهِ، قال الرافعي (^٧): \"لَمَّا عَرَفَ - ﷺ -\n_________\n(^١) (١/ ٥٣).\n(^٢) (٥/ ٣٦٥).\n(^٣) في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٥) من حديث عبد الله المدلجي، وفيه عبدُ الجبار بنُ عُمرَ ضعَّفهُ البخاريُّ والنسائي ووثقهُ محمدُ بنُ سعدٍ.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٤ رقم ٨٣).\n(^٥) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٦) سورة الفرقان: الآية ٤٨.\n(^٧) الرافعي: هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الإمام العلامة: \"أبو القاسم القزويني الرافعي\".\nصاحب الشرح المشهور كالعلم المنشور، وإليه يرجع عامة الفقهاء من أصحاب الشافعي، تفقَّه على والده وغيره، وسمعَ الحديث من جماعة.\nوقال ابن الصلاح: \"أظن أني لم أرَ في بلاد العجم مثلَه، كان ذا فنون، حسن السيرة، =","vol":"1","page":97},{"text":"اشتباهَ الأمرِ على السائلِ في ماءِ البحرِ أشْفَقَ أنْ يَشْتَبِهَ عليهِ حكمُ مَيْتَتِهِ، وقد يُبْتَلَى به راكبُ البحر فَعَقَّبَ الجوابَ عن سؤالِهِ ببيانِ حكمِ الميتَةِ.\nقالَ ابنُ العربي (^١): \"وذلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الفَتْوى أنْ يُجاءَ في الجوابِ بأكثرَ مما سئلَ عنهُ تتميمًا للفائِدَةِ، وإفادَةً لعلم آخر غيرِ المسؤولِ عنهُ\". ويتأكدُ ذلِكَ عندَ ظهورِ الحاجَةِ إلى الحُكْمِ كَمَا هُنَا؛ لأنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في طَهُوريَّةِ ماءِ البحرِ فهوَ عن العلمِ بحلِّ مَيْتَتِهِ مَعَ [تقديم] (^٢) تحريمِ الميتَةِ أشدُّ توقفًا.\nثم المراد بميتَتِهِ ما ماتَ فيهِ مَن دوابِّهِ مما لا يعيشُ إلَّا فيهِ، لا ما ماتَ فيهِ مُطْلَقًا؛ فإنَّهُ وإِنْ صَدَقَ عليهِ لُغَةً أنَّهُ مَيْتَةُ بَحْرٍ فمعلومٌ أنهُ لا يرادُ إلا ما ذَكَرْنَا.\nوظاهرُهُ حِلُّ كُلِّ ما ماتَ فيهِ ولو كانَ كالكلبِ والخنزيرِ.\nويأتي الكلام في ذلكَ في بابِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>طهارة الماء</span>\n٢/ ٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَاءَ طَهُورْ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الثَّلاثَةُ (^٣) وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ (^٤).\n_________\n= جميل الأمر. صنّف شرح الوجيز في بضعة عشر مجلدًا. لم يُشرح الوجيز بمثلِهِ.\nوتوفي في أواخر سنة ثلاث أو أوائل سنة أربع وعشرين وستمائة بقزوين. [\"طبقات الشافعية\" لابن قاضي شهبة (٢/ ٧٥ رقم ٣٧٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٦٤)، و\"شذرات الذهب\" (٥/ ١٠٨)].\n(^١) في \"عارضة الأحوذي\" (١/ ٨٩).\n(^٢) في النسخة (ب): \"تقدم\".\n(^٣) وهم: أبو داود (١/ ٥٥ رقم ٦٧)، والترمذي (١/ ٩٥ رقم ٦٦) وقال: \"حديثٌ حسنُ\".\nوالنسائي (١/ ١٧٤).\n(^٤) كما في \"التلخيص\" (١/ ١٣).\nقلتُ: وصحَّحه النوويُّ في \"المجموع\" (١/ ٨٢)، والألبانيُّ في \"الإرواء\" رقم (١٤).\nقلتُ: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٥، ٣١، ٨٦)، والشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٣)، وفي \"ترتيب المسند\" (١/ ٢١ رقم ٣٥)، والطيالسيُّ (ص ٢٩٢ رقم ٢١٩٩)، وابن الجارود في \"المُنْتَقى\" رقم (٤٧)، والطحاويُّ في شرح معاني الآثار\" (١/ ١١)، والدارقطنيُّ (١/ ٢٩ رقم ١٠)، والبيهقيُّ (١/ ٤، ٢٥٧)، والبغويُّ في شرح السنةِ\" (٢/ ٦١).\nوقال: \"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ\". وابنُ أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٤٢) و(١٤/ ١٦٠).","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>ترجمة أبي سعيد</span>\n(وعن أبي سعيد (^١) - ﵁ -).\nاسمهُ سعدُ بنُ مالكِ بن سنانٍ الخزرجي الأنصاريُّ (الخُدْرِيُّ) بضم الخاء المعجمة، ودال مهملة ساكنة، نسبة إلى خُدْرَةَ حيٍّ من الأنصارِ كما في القاموس (^٢).\nقالَ الذهبيُّ: \"كان مِنْ عُلماءِ الصحابَةِ، وَمِمنْ شَهِدَ بيعَةَ الشجرَةِ، وروى حديثًا كثيرًا، وأفتى مُدَّةً.\nعاش أبو سعيدٍ ستًا وثمانينَ سنةً، ومات في أوَّلِ سنةِ أربعٍ وسبعينَ، وحديثُهُ كثيرٌ، وحدَّثَ عَنْهُ جماعَةٌ مِنَ الصحابَةِ، وله في الصحيحين أربعةٌ وثمانونَ حديثًا، (قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ الماءَ طهورٌ لا ينجِّسُهُ شَيْءٌ. أخرَجَهُ الثلاثة) هُم أصحابُ السُّننِ ما عدا ابن ماجَهُ كما عرفْتَ. (وصحَّحَهُ أحمدُ)، قالَ الحافظُ المنذريُّ في مختصر السنن (^٣): \"إنهُ تكلَّمَ فيهِ بعضُهُمْ. وحُكِيَ عن الإمامِ أحمدَ أنهُ قالَ: \"حديثُ بِئرِ بُضَاعَةَ صحِيحٌ\".\nوقال الترمذيُّ: \"هذا حديثٌ حسنٌ\". وقدْ جَوَّدَ أبو أسامةَ (^٤) هذا الحديثَ، ولم يروِ حديثَ أبي سعيدٍ في بئرِ بُضاعَةَ بأحسنَ مما روى أبو أسامَةَ. وقدْ روي هذا الحديثَ من غيرِ وجهٍ عن أبي سعيدٍ.\nوالحديثُ لهُ سببٌ؛ وهو أنهُ قيلَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -: \"أنتوضَّأُ من بِئرِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"المعارفِ\" (٢٦٨)، و\"مشاهير علماء الأمصارِ\" (ت/٢٦)، و\"المستدرك\" (٣/ ٥٦٣ - ٥٦٤)، و\"المعجم الكبير للطبراني\" (٦/ ٣٣ - ٣٨ رقم ٥٣٤)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٨٠ - ١٨١ رقم ١٩)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" (١/ ١٥٨ - ١٥٩ رقم ٦١١)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٣٧ رقم ٣٥٥)، و\"مرآةِ الجِنانِ\" (١/ ١٨٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٦ - ٤١٧ رقم ٨٩٤)، و(شذرات الذهب\" (١/ ٨١)، و\"الإصابةِ\" (١١/ ١٦٥ رقم ٥٢١)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ٢٨٣ - ٢٨٤ رقم ٢٩٩٧)، و\"العبرِ\" (١/ ٦١).\n(^٢) \"المحيط\" (٤٩٠).\n(^٣) (١/ ٧٤).\n(^٤) واسمه حمَّاد بن أسامة، وهو ثقة ثبت ربما دلَّس. \"التقريب\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":99},{"text":"بُضَاعَةَ (^١)؛ وهي بئرٌ يُطْرَحُ فيها الحِيضُ (^٢)، ولحمُ الكلابِ والنَّتْنُ (^٣)، فقال: الماءُ طَهُورٌ\". الحديث هكذا في \"سنن أبي داود\"، وفي لفظٍ فيه: \"إنَّ الماءَ\" كما ساقَهُ المصنفُ.\nواعلم أنهُ قد أطالَ في الشرحِ (^٤) المقال، واستوفى ما قيلَ في حُكْمِ المياهِ منَ الأقوال، وَلْنَقْتَصِرْ في الخوضِ في المياهِ على قدرٍ يجتمعُ بهِ شَمْلُ الأحاديثِ، وَيُعْرَفُ مأخَذُ الأقوالِ، ووجوهُ الاستدلالِ، فنقولُ: قد وردَتْ أحاديثُ يؤخَذُ منها أحكامُ المياهِ، فورد حديثُ: \"الماءُ طَهُورٌ لا ينجِّسُهُ شَيْءٌ\" (^٥)؛ وحديثُ: \"إذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلِ الخَبَثَ\" (^٦)، وحديثُ الأمرُ بصبِّ ذَنَوبٍ مِنْ ماءٍ على بولِ\n_________\n(^١) قالَ ياقوتُ الحَمَوِيُّ في \"معجم البلدانِ\" (١/ ٤٤٢): \"بُضاعة: بالضَّمِّ وقد كَسَرَهُ بعضُهُم، والأولُ أكثر. وهي دارُ بني ساعدةَ بالمدينة وبئرها معروفَةٌ\". اهـ.\nوقال أبو داود في \"سننه\" (١/ ١٢٩ - ١٣٠ مع العون): \"سمعتُ قُتيبة بن سعيدٍ قالَ: \"سألتُ قيِّمَ بئرِ بُضاعَةَ عن عُمْقِهَا، قال: أكثَرُ ما يكونُ فيها الماءُ إلى العانةِ، قُلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العَوْرَةِ.\nقال أبو داودَ: وقدَّرتُ أنا بئر بُضاعَةَ بردائي مددتُهُ عليها ثم ذرعتُهُ فإذا عرضُها ستةُ أذْرُعٍ، وسألتُ الذي فتح لي بابَ البستانِ فأدخلني إليهِ، هل غُيِّر بناؤها عما كانتْ عليهِ؟ قال: لا. ورأيتُ فيها ماءَ متغيرَ اللَّونِ\". اهـ.\n(^٢) الحِيض: أي الخِرَقُ التي يستثفر بها النساء، واحدتها حِيضَةٌ بكسر الحاء؛ [القاموس الفقهي: سعدي أبو جيب ص ١٠٧، ومختار الصحاح (ص ٦٩)].\n(^٣) (النَّتْنُ) الرائحة الكريهة وقد (نَتُنَ) الشيءُ من بابِ سَهُل وظَرُفَ و(نَتْنًا) أيضًا و(أَنْتَن) فهو مُنتنٌ و(مِنْتِنٌ) بكسر الميم إتْبَاعًا للتاء، وقوْم (منَاتِينُ)، وقالوا: ما أَنْتَنَهُ. [مختار الصحاح (ص ٢٦٩)].\nقال السندي في حاشيته على النسائي (١/ ١٧٤): (قيل: عادةُ الناس دائمًا في الإسلام والجاهلية تنزيهُ المياهِ وصونُها عن النجاساتِ فلا يتوهَّمُ أن الصحابَةَ وهمْ أطهرُ الناسِ وأنزهُهُمْ كانوا يفعلون ذلك عمدًا مع عزة الماءِ فيهم، وإنما كانَ ذلك مِنْ أجلِ أن هذِهِ البئْرَ كانت في الأرضِ المنخفضَةِ وكانت السيُولُ تحملُ الأقذارَ من الطُّرُقِ وتُلقيها فيها؛ وقيل: كانت الريح تلقي ذلكَ، ويجوزُ أنْ يكونَ السَّيْلُ والريح تلقيان جميعًا؛ وقيل: يجوز أَنَّ المنافقين كانوا يفعلونَ ذلك). اهـ.\n(^٤) أي المغربي في \"البدر التمام\".\n(^٥) وهو حديث صحيح تقدَّم تخريجه رقم (٢).\n(^٦) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (٤).","vol":"1","page":100},{"text":"الأعرابيّ في المسجدِ (^١)، وحديثُ: \"إذا استيقَظَ أحدُكُمْ فلا يُدْخِلْ يدَهُ في الإناءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثلاثًا\" (^٢)، وحديثُ: \"لا يبولَنَّ أحدُكمْ فِي الماءِ الدائِم يغتسلُ فيهِ\" (^٣)، وحديثُ: \"إذا ولغَ الكلبُ في إناءٍ أحدِكُمْ\" (^٤) الحديث، وفيهِ الأَمرُ بإراقَةِ الماءِ الذي وَلَغَ فيهِ. وهيَ أحاديثُ ثابتَة ستأتي جميعُها في كلامِ المصنفِ.\nإذا عَرَفْتَ هذا فَإِنَّهُ اختلفَتْ آراءُ العلماءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تعالى في الماءِ إذا خالطَتْهُ نجاسَةٌ ولم تغيِّر أحدَ أوصافِهِ، فذهبَ القاسمُ، ويحيى بنُ حمزَةَ، وجماعة مِنَ الآلِ، ومالكٌ، والظاهريةُ (^٥) إلى أنه طَهُورٌ قليلًا كانَ أو كثيرًا، عملًا بحديثِ: \"الماءُ طَهورٌ\"، وإنما حكموا بعدمِ طَهُورية ما غيّرَت النجاسَةُ أحَدَ أوصافهِ؛ للإجماع على ذلكَ كما يأتي الكلامُ عليهِ قريبًا، وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى قِسْمَةِ الماءِ إلى: قليل تضرُّه النجاسةُ مطلقًا، وكثير لا تضرُّه إلَّا إذا غيَّرت بعضَ أوصافِهِ، ثم اختلف هؤلاء بعدَ ذلكَ فِي تحديد القليل والكثير؛ فذهبت الهادويةُ إلى تحديدِ القليلِ بأنَّهُ: ما ظنَّ المستعملُ للماءِ الواقعةِ فيه النجاسة استعمالها باستعمالهِ، وما عدا ذلكَ فهوَ الكثيرُ، وذهبَ غيرهم في تحديد القليل إلى غير ذلك، ثم اختلفوا، فقالت الحنفية: الكثير في الماء هو ماء إذا كان بحيث إذا حرَّك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركة إلى الطرف الآخر، وما\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (١٠).\n(^٢) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (٣٥).\n(^٣) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (٥).\n(^٤) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (٨).\n(^٥) وكذلك حكوه عن حذيفة، وابن عباس، وأبي هريرة، وابن المسيِّب، والحسن البصري، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو مذهب الأوزاعي، وسفيان الثوري.\nوقال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول، واختاره الغزالي في \"الإحياء\" (١/ ١٢٩)، واختيار الروياني في كتابيه \"البحر\" و\"الحلية\".\nقال في البحر: هو اختياري واختيار جماعة رأيتهم بخراسان والعراق.\n\"المغني\" لابن قدامة (١/ ٥٤)، و\"المجموع\" للنووي (١/ ١١٣)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ٢٩).","vol":"1","page":101},{"text":"عداه فهو القليل، وقالت الشافعية: بل الكثير ما بلغ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلالِ هَجَر (^١)؛ وذَلكَ نحوُ خمسمائَةِ رطْلٍ، عملًا بحديثِ القُلَّتَيْنِ، وما عداهُ فهُوَ القليلُ (^٢).\nووجْهُ هذا الاختلافِ تعارُضُ الأحاديثِ التي أسلفناها، فإنَّ حديثَ الاستيقاظِ، وحديثَ الماءِ الدائمِ، يقتضيانِ أن قليلَ النجاسَةِ يُنَجِّسُ قليلَ الماءِ، وكذلكَ الولوغُ، والأمرُ بإراقَةِ ما وُلغَ فيهِ، وعارضَها حديثُ بولِ الأعرابيِّ، والأمْرُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ عليهِ؛ فإنهُ يقتضي أن قليلَ النجاسَةِ لا ينجِّسُ قليلَ الماءِ. ومنَ المعلومِ أنَّهُ قدْ طُهِّرَ ذلكَ الموضِعُ الذي وَقَعَ فيه بولُ الأعرابيِّ بذلكَ الذَّنوبِ.\nوكذلكَ قولُهُ: \"الماءُ طهور لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ\"، فقالَ الأوَّلونَ وهُمُ القائلونَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ إلَّا ما غيَّر أحدَ أوصافه: يُجمعُ بين الأحاديث بالقول بأنه لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ كمَا دلّ لَهُ هذا اللفظُ، ودلَّ عليهِ حديثُ بولِ الأعرابيِّ، وأحاديثُ الاستيقاظِ والماءِ الدائمِ والولوغِ ليستْ واردةً لبيانِ حكمِ نجاسَةِ الماءِ، بل الأَمْرُ باجتنابها تَعَبُّدِيٌّ لا لأجلِ النجاسَةِ، وإنما هُوَ لمعنًى لا نعرفه كعدَمِ معرفتنَا لحكمةِ أعدادِ الصلوات ونحوِها، وقيلَ: بل النهيُ في هذهِ الأحاديثِ للكراهَةِ فقط. وهي طاهِرَةٌ مُطَهّرَةٌ.\n_________\n(^١) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الضعيف الذي أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٥٨) عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا كان الماءُ قُلَّتَيْنِ من قلال هجر لم ينجِّسْه شيء\". وفيه \"المغيرة بن سقلاب\" ضعيف. وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٩) عن المغيرة: هذا منكر الحديث، ثم قال (١/ ٣٠): والحديث غير صحيح.\n(^٢) وقد قال الإمامُ البغويُّ في \"شرح السنةِ\" (٢/ ٥٩ - ٦٠):\nوقدَّر بعضُ أصحاب الرأي الماءَ الكثيرَ الذي لا يَنجُس بأنْ يكونَ عشرَةَ أذرْع في عشرَة أَذْرُع، وهذا تحديدٌ لا يَرْجِعُ إلى أصْل شرعي يُعْتَمدُ عليه.\nقُلْثُ: أما الحديث الذي أخرجَه ابن ماجهْ (٢/ ٨٣١)، والدارميُّ (٢/ ٢٧٣) عَنْ عبدِ اللَّهِ بن فغَفَّل عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من حفر بئرًا فله أربعونَ ذراعًا عطنًا لماشيته\". وهو حديثٌ حسنٌ فلا دليل فيه على تحديد الماءِ الكثير الذي لا ينجس بأن يكونَ عشرَة أذرع في عَشرة أذْرع، لأن الواضح من الحديث أن حريمَ البئرِ مِنْ كلِّ جانب أربعونَ ذراعًا. اهـ. ثم قال البغويُّ: وَحَدَّهُ بعضهُمْ بأن يكونَ في غدير عظيم بحيث لو حُرِّكَ منهُ جانبٌ لم يضطربْ منهُ الجانب الآخَرُ. وهذا في غاية الجهالةِ لاختلافِ أحوال المحرِّكين في القوةِ والضعف\". اهـ.","vol":"1","page":102},{"text":"وجمعت الشافعيةُ بَيْنَ الأحاديثِ بأنَّ حديث: \"لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\" محمولٌ على ما بلغَ القُلَّتَيْنِ فما فوقَهُمَا وهو كثيرٌ، وحديثَ الاستيقاظِ، وحديثَ الماءِ الدائم محمولٌ على القليلِ. وعندَ الهادويةَ أَنَّ حديثَ الاستيقاظِ محمولٌ على النَّدْبِ، فلا يجبُ غَسْلُهُما لَهُ.\nوقالت الحنفية: المرادُ بلا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، الكثيرُ الذِي سَبَقَ تحديدُهُ، وقدحوا في حديثٍ القُلَّتَيْنِ بالاضطرابِ. كذلك أعلَّهُ الإمامُ المهديُ في البحر (^١)، وبعضُهُمْ تأوَّلهُ، وبقية الأحاديثِ في القليلِ، ولكنَّهُ وارد عليهم حديثُ بولِ الأعرابيِّ؛ فإنَّهُ كما عرفْتَ دلَّ على أنَّه لا يَضُرُّ قليلُ النجاسَةِ قليلَ الماءِ فدفعتهُ الشافعيةُ بالفرق بين ورودِ الماءِ على النجاسةِ، وورودها عليهِ؛ فقالوا: إذا وردتْ على الماء نجَّستْهُ كما في حديثٍ الاستيقاظِ، وإذا وردَ عليها الماءُ لم تضره كما في خبر بول الأعرابيَّ.\nوفيه بحث حقَّقْناهُ في حواشي \"شرح العمدةِ\"، وحواشي \"ضوءِ النَّهار\" (^٢).\nوحاصلُهُ أنَّهُم حكموا أنَّهُ إذا وردَتِ النجاسَةُ على الماءِ القَليلِ نجَّسَتهُ، وإذا وردَ عليها الماءُ القليلُ لم يَنجُسْ؛ فجعلوا عِلَّةَ عدمِ تنجيس الماءِ الورودَ على النجاسةِ، وليسَ كذلكَ، بل التحقيقُ أنَّهُ حينَ يردُ الماءُ على النجاسةِ يردُ عليها شيئًا فشيئًا حتى يفني عينَها، وتذهبَ قبلَ فنائهِ، فلا يأتي آخرُ جزءٍ من الماءِ الواردِ على النجاسةِ إلا وقدْ طَهُرَ المحلُّ الذي اتصلتْ بهِ، أو بقيَ فيه جزءٌ منها يَفْنَى ويَتَلاشى عندَ ملاقاةِ آخرِ جُزْءٍ منها يردُ [عليها من] (^٣) الماء، كما تَفْنَى النجاسةُ وتَتَلاشى إذا وردتْ على الماءِ الكثيرِ بالإجماعِ؛ فلا فرقَ بينَ هذا وبينَ الماء الكثيرِ في إِفناءِ الكلِّ للنجاسةِ؛ فإنَّ الجُزْءَ الأخيرَ من الوارد على النجاسةِ يُحيلُ عينَها لكثرتِهِ بالنسبةِ إلى ما بقيَ مِنَ النجاسةِ؛ فالعلةُ في عدم تنجيسه بوروده عليها هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود؛ فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين بأن أحدهما ينجسه دونَ الآخرِ.\n_________\n(^١) أي \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" (١/ ٣٢ - ٣٣).\nقلتُ: فالحديث صحيح والاضطراب مدفوعٌ كما سيأتي تخريجه رقم (٤).\n(^٢) (١/ ١٤٢ - ١٤٣).\n(^٣) من النسخة (ب).","vol":"1","page":103},{"text":"وإذا عرفْتَ ما أسلفناهُ، وأَنَّ تحديدَ الكثيرِ والقليلِ لم ينهَض على [أحدهما] (^١) دليلٌ، فأقربُ الأقاويل بالنظر إلى الدليلِ هو قولُ القاسم بن إبراهيمَ ومَنْ معهُ، وهوَ قولُ جماعةٍ من الصحابةِ كما في البحر (^٢)، وعليهِ عدةٌ من أئمةِ الآلِ المتأخرينَ، واختارَهُ منهم الإمام شَرَفُ الدين. وقال ابنُ دقيق العيدِ (^٣): إنهُ قولٌ لأحمدَ بن حنبل، ونصرهُ بعضُ المتأخرينَ من أتباعهِ، ورجَّحَهُ أيضًا من أتباعِ الشافعيِّ القاضي أبو الحسنِ الرُّوْيَاني (^٤)، صاحبُ بحرِ المذهبِ، قالهُ في \"الإلمام\" (^٥).\nوقال ابنُ حزمٍ في \"المحلَّى\" (^٦): إنَّهُ رُوي عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ، وعمرَ بن الخطابِ، وعبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، وابنِ عباسٍ [والحسن] (^٧) بن علي بن أبي طالب، وميمونةَ أمِّ المؤمنين، وأبي هريرةَ، وحذيفةَ بن اليمانِ، والأسودِ بن يزيدَ، وعبدِ الرحمنِ أخيهِ، وابن المسيب، وابن أبي ليلى، وسعيدِ بن جبيرٍ، ومجاهدٍ، وعكرمةَ، والقاسمِ بن محمدٍ، والحسنِ البصريِّ وغير هؤلاء.\n٣/ ٣ - وَعَنْ أَبي أُمَامَة الْبَاهِليِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَاءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ\". [ضعيف]\nأخْرَجه ابنُ مَاجَهْ (^٨)، وَضعَّفَهُ أَبُو حاتم.\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"حدودهما\".\n(^٢) (١/ ٣٢).\n(^٣) هو عبد الكريم بن عبدِ النورِ بن منيرٍ الحلبيُّ قُطْبُ الدين حافظٌ للحديثِ، حلبيُّ الأصلِ والمولدِ، مصريُّ الإقامةِ والوفاةِ، لهُ \"تاريخ مصر\" بضعةَ عشرَ جزءًا، لم يتمَّ تبييضُهُ، و\"شرْحُ السيرةِ\" للحافظ عبدِ الغني مجلدان، و\"الاهتمام بتلخيص الإلمام\" في الحديث، و\"شرح صحيح البخاري\" لم يتمَّهُ، وكتابُ \"الأربعينَ\" في الحديث، و\"مشيخة\" فيه عدة أجزاء اشتملتْ على ألفِ شيخ، ولد سنة (٦٦٤ هـ) وتوفي سنة (٧٣٥ هـ).\n[انظر: \"الأعلام\" للزركلي (٤/ ٥٣)، و\"شذرات الذهب\" (٦/ ١١٠ - ١١١)، و\"النجوم الزاهرَةُ في ملوك مصرَ والقاهرة\" (٩/ ٣٠٦)].\n(^٤) في \"الأنساب\" للسمعاني (٣/ ١٠٦) أبو المحاسن.\n(^٥) في النسخة (ب): \"الإمام\".\n(^٦) بالآثار (١/ ١٦٨ - ١٦٩ رقم المسألة ١٣٦).\n(^٧) في النسخة (أ): \"الحسين\".\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ١٧٤ رقم ٥٢١). =","vol":"1","page":104},{"text":"- وَلِلْبَيْهَقِي (^١): \"الْماءُ طَهُورٌ إِلَّا إِنْ تَغَيّرَ رِيْحُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ لَوْنُهُ، بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ\". [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-74>ترجمة أبي أمامة</span>\n(وعَن أبِي أمامة) (^٢) بضم الهمزة واسمه: صُدَيٌّ بمهملتين، الأولى مضمومةٌ، والثانية مفتوحة، ومثناة تحتية مشدَّدة، (الباهليِّ) بموحَّدة نسبة إلى باهلة، في القاموس (^٣): باهلة قومٌ، واسمُ أبيهِ عجلانُ. قال ابنُ عبدِ البرِّ: لم يختلفوا في ذلك، يعني فِي اسمهِ واسمه أبيهِ. سكن أبو أُمامةَ مصرَ، ثم انتقلَ عنها، وسكنَ حِمصَ وماتَ بها سنةَ إحدى، وقيل: ستٍّ وثمانينَ، وقيل: هو آخرُ من ماتَ من\n_________\n= قُلتُ: والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٥٩). قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٣١ رقم ٢١٧): \"هذا إسناد فيه رِشدين وهو ضعيفٌ، واختلفَ عليهِ مع ضعَفهِ .. \".\nوقال الزيلعي في \"نصب الرايةِ\" (١/ ٩٤): \"وهذا الحديثُ ضعيفٌ، فإن رشدين بنَ سعدٍ جرحة النَّسائيُّ، وابنُ حبانَ، وأبو حاتمٍ، ومعاويةُ بنُ صالحٍ.\nقال أبو حاتم: لا يحتجُّ بهِ. ورواه الطبراني في \"معجمهِ الكبير\" رقم (٧٥٠٣)، و\"الأوسط\" رقم (٧٤٤). وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٤)، والبيهقي (١/ ٢٥٩)، والدارقطني في \"سننهما\" (١/ ٢٨ رقم ٣)، ولم يذكروا فيه (اللون) \".\nقال الدارقطني: لم يرفعْه غيرُ رشدين بن سعد، وليسَ بالقويِّ\". اهـ.\nقلتُ: الحديثُ ضعيفٌ بهذا الاستثناء. وأما قولُهُ: \"الماءُ طهورٌ لا ينجِّسُهُ شيْءٌ\"، فصحيحٌ من روايةٍ أبي سعيدٍ الخدريِّ. وقد سبقَ في الحديث رقم (٢).\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠) من طريق عطية بن بقيةَ بن الوليدِ عن أبيه عن ثورِ بن يزيدَ عنْ راشد بن سعد عن أبي أمامة.\nقُلتُ: وأخرجهُ البيهقي أيضًا (١/ ٢٦٠) من طريقِ حفصِ بن عُمَرَ ثنا ثور بن يزيدَ عن راشد بن سعد عن أبي أمامَةَ مرفوعًا.\nوقال البيهقي: \"والحديث غيرُ قوي، إلا أنَّا لا نعلمُ في نجاسةِ الماءِ إذا تغيرَ بالنجاسةِ خلافًا، واللَّه أعلمُ\".\n(^٢) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٧/ ٤١١ - ٤١٢)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧ رقم ٣٠٠١)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٥٤ رقم ٢٠٠٤)، و\"المستدرك\" (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩ رقم ٧٣٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، و\"الإصابة\" (٥/ ١٣٣ - ١٣٥ رقم ٤٠٥٤)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ٢٠٧)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ٢٨٥٣).\n(^٣) \"المحيط\" (ص ١٢٥٣).","vol":"1","page":105},{"text":"الصحابةِ بالشامِ. كانَ من المُكْثرينَ في الرواية عنهُ - ﷺ -.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِن الماءَ لا ينَجِّسه شيْءٌ، إلا ما غلبَ على ريحِهِ، وطعمهِ، ودونِهِ)، المرادُ أحدها كما يفسِّرهُ حديثُ البيهقي (أخرجه ابن ماجَه وضعَّفهُ أبو حاتمٍ).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>ترجمة أبي حاتم</span>\nقال الذهبي (^١) في حقِّهِ: أبو حاتمٍ هو الرازي، الإمامُ الحافظُ الكبيرُ، محمدُ بنُ إدريسَ بن المنذرِ الحنظلي أحدُ الأعلامِ. ولدَ سنةَ خمسٍ وتسعينَ ومائةٍ، وأثنى عليه - إلى أن قالَ: قال النسائي: ثقةٌ. وتوفي أبو حاتم في شعبانَ سنةَ سبعٍ وسبعينَ ومائتينِ، وله اثنتانِ وثمانونَ سنةً. وإنما ضَعَّفَ الحديثَ؛ لأنه من رواية رِشدين بن سعد (^٢)، بكسر الراء، وسكون المعجمة. قال [أبو يوسف] (^٣): كان رشدين رجلًا صالحًا فِي دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط فِي الحديثِ وهو متروك.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>تعريف الحديث الضعيف</span>\nوحقيقة الحديث الضعيف (^٤): هو ما اختلَّ فيه أحد شروطِ الصحيحِ والحسنِ. وله ستةُ أسبابٍ معروفةٍ سردَها في الشرح.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>ترجمة البيهقي</span>\n(والبيهقي) (^٥) هو الحافظُ العلَّامةُ شيخُ خراسانَ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسينِ،\n_________\n(^١) في \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩ رقم ٥٩٢).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"المجروحين\" (١/ ٣٠٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥١٣)، و\"الميزان\" (٢/ ٤٩)، و\"الكاشف\" (١/ ٢٤١)، و\"المغني\" (١/ ٢٣٢).\n(^٣) في النسخة (أ): \"أبو يونس\".\n(^٤) انظر \"تدريب الراوي\" (١/ ١٧٩ - ١٨١).\n(^٥) انظر ترجمتهُ في: \"الأعلام\" للزركلي (١/ ١١٦)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، و\"المنتظم\" (٨/ ٢٤٢)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٧٥ - ٧٦)، و\"اللباب\" (١/ ٢٠٢)، و\"معجم البلدان\" (١/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١١٣٢ - ١١٣٥ رقم ١٠١٤)، و\"سير أعلام النبلاءِ\" (١٨/ ١٦٣ - ١٧٠ رقم ٨٦).","vol":"1","page":106},{"text":"له التصانيفُ التي لم يُسبَقْ إلى مثلها. كان زاهدًا ورعًا تقيًّا، ارتحلَ إلى الحجاز والعراقِ. قال الذهبيُّ: تأليفهُ تقاربُ ألفَ جزءٍ. وبيهق بموحَّدة مفتوحة، ومثناة تحتية ساكنة، وهاء مفتوحة، فقاف، بلدٌ [قريبَ نيسابور. أي رواه] (^١) بلفظ: \"الماءُ طهورٌ إلا إن تغيرَ ريحُه أو طعمه أو لونهُ\" عطف عليه (بنجاسةٍ) الباء سببية أي بسببِ نجاسةٍ (تحدث فيهِ).\nقال المصنفُ: أنه قال الدارقطني (^٢): ولا يثبت هذا الحديث، وقال الشافعي (^٣): ما قلتُ منْ أنه إذا تغيرَ طعم الماءِ، أو ريحهُ، أَو لونهُ، كانَ نجسًا يُروى عن النبيِّ - ﷺ - من وجهٍ لا يُثْبِتُ أهلُ الحديثِ مثلَهُ. وقال النووي (^٤): اتفق المحدِّثونَ على تضعيفه. والمراد تضعيف روايةٍ الاستثناءِ، لا أصلِ الحديثِ؛ فانهُ قدْ ثبتَ في حديثٍ بئرِ بُضاعَةَ، ولكنَّ هذهِ الزيادةَ قد أجمعَ العلماءُ على القولِ بحُكْمِها، قال ابنُ المنذرِ (^٥): أجمعَ العلماءُ على أَنَّ الماءَ القليلَ والكثيرَ إذا وقعتْ فيهِ نجاسةٌ فغيَّرت لهُ طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهوَ نجسٌ، فالإجماعُ هوَ الدليلُ على نجاسةِ ما تغيَّر أحدُ أوصافِهِ لا هذهِ الزيادةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>حكم الماء إذا بلغ قلَّتين</span>\n٤/ ٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ\"، وفي لفظ: \"لم ينجس\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٧) وَالْحَاكِمُ (^٨) وَابْنُ حِبَّانَ (^٩).\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"قرب نيسابور أي رواية\".\n(^٢) ذكره الآبادي في \"التعليق المغني\" (١/ ٢٨).\n(^٣) ذكره الآبادي في \"التعليق المغني\" (١/ ٢٨)، والنوويُّ في \"المجموع\" (١/ ١١١).\n(^٤) في \"المجموع شرح المهذب\" (١/ ١١٠).\n(^٥) في \"الإجماع\" (ص ٣٣ رقم ١٠).\n(^٦) وهم: أبو داود (١/ ٥١ رقم ٦٣)، والترمذي (١/ ٩٧ رقم ٦٧)، والنسائيُّ (١/ ١٧٥)، وابن ماجَهْ (١/ ١٧٢ رقم ٥١٧).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩ رقم ٩٢).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ١٣٢).\n(^٩) في \"صحيحه\" (ص ٦٠ رقم ١١٧ و١١٨ - الموارد).\nقلتُ: وأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ١٨)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٧)، والدارقطني=","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>ترجمة ابن عمر</span>\n(وَعَن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ) (^١). هو ابنُ [عُمر بن] (^٢) الخطابِ، أسلمَ عبدُ اللَّهِ صغيرًا بمكةَ، وأَوَّلُ مشاهدهِ الخندقُ، وعَمَّرَ، وروى عنه خلائقُ، كانَ من أوعيةِ العلمِ، وفاتهُ بمكةَ سنَة ثلاثٍ وسبعين، ودفن بها [بذي طُوى في] (^٣) مقبرةِ المهاجرينَ.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا كان الماءُ قُلَّتينِ لم يَحْمل الخَبثَ) بفتحِ المعجمةِ والموحدةِ؛ (وفي لفظٍ: لم ينجس)، هو بفتح الجيم وضمِّها كما في القاموس، (أخرجه الأربعة، وصححهُ ابن خزيمةَ). تقدَّمَ ذكرهُ في أولِ حديثٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-80>ترجمة الحاكم</span>\n(والحاكم) (^٤) هو الإمامُ الكبيرُ، إمامُ المحقِّقينَ أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ النيسابوريُّ، المعروفُ بابنِ البيِّع، صاحبُ التصانيفِ. ولدَ سنةَ إحدى وعشرينَ وثلاثمِائةِ، وطلبَ هذا الشأنَ، ورحل إلى العراقِ وهوَ ابنُ عشرينَ، وحجَّ، ثم جالَ في خُراسانَ وما وراءَ النهرِ، وسمعَ من ألفي شيخٍ أو نحوِ ذلكَ، حدَّثَ عنهُ الدارقطني، وأبو يعلى الخليلي، والبيهقي، وخلائقُ. وله التصانيفُ الفائقة مع التقوى والديانةِ. ألَّفَ \"المستدرَكَ\"، و\"تاريخَ\" نيسابورَ، وغيرَ ذلكَ. توفيَ في صفرَ سنةَ خمسٍ وأربعمائةٍ.\n_________\n= في \"السنن\" (١/ ١٣ - ٢٣ رقم ١ - ٢٥) وأطال في طرقِهِ.\nوهو حديثٌ صحيحٌ. انظر تخريجَهُ والكلام عليه في تخريجنا لـ\"بلوغ المرامِ\" (رقم ٤).\n(^١) انظر ترجمته في: \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥١، ٤٩٠ - ٤٩٣)، و\"المستدرك\" (٣/ ٥٥٦ - ٥٦١)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٧١ - ١٧٣ رقم ١٣)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٦٤ - ٦٥ رقم ٦٦٠٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢٧٨ - ٢٨١ رقم ٣٢١)، و\"العقد الثمين\" (٥/ ٢١٥ - ٢١٧ رقم ١٥٨٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨ رقم ٥٦٥).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، و\"تبيين كذب المفتري\" (ص ٢٢٧ - ٢٣١)، و\"المنتظم\" (٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١٠٣٩ - ١٠٤٥)، و\"النجوم الزاهرة\" (٤/ ٢٣٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٤/ ١٥٥ - ١٧١)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ١٧٦)، و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٦٠٨ رقم ٧٨٠٤).","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>ترجمة ابن حبان</span>\n(وابنُ حِبَّان) (^١) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة. قال الذهبي: هو الحافظُ العلامة أبو حاتمٍ محمدُ بنُ حِبانَ بن أحمدَ بن حِبانَ البستي صاحبُ التصانيفِ. سمعَ أممًا لا يُحصَوْنَ مِنْ مصرَ إلى خُراسانَ. حدَّثَ عنهُ الحاكمُ وغيرهُ، كانَ ابنُ حِبانَ من فقهاءِ الدينِ، وحُفَّاظِ الآثارِ، عالمًا بالطِّبِّ والنجوم، وفنونِ العلمِ، صنفَ \"المسندَ الصحيح\"، و\"التاريخ\"، و\"كتابَ الضعفاءِ\"، وفقَّهَ الناسَ بسمرقند، قالَ الحاكمُ: كانَ ابنُ حبانَ من أوعيةِ العلمِ والفقهِ واللغةِ والوعظ، منْ عقلاءِ الرجالِ. توفيَ في شوالَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ وثلاثمائةٍ. وهو في عَشْرِ الثمانينَ.\nوقد سبقتِ الإشارةُ إلى أن هذا الحديثَ هو دليلُ الشافعية في جعلهم الكثيرَ ما بلغَ قلَّتين، وسبقَ اعتذارُ الهادويةِ والحنفيةِ عن العملِ بهِ بالاضطرابِ في متنهِ (^٢)؛ إذ في روايةٍ: إذا بلغَ ثلاثَ قِلالٍ، وفي رواية: قُلَّةً، وَبجهَالَةِ قَدرِ القُلَّةِ، وباحتمالِ معناهُ؛ فإنَّ قولهُ: \"لم يَحْمِلِ الخَبَثَ\" يحتملُ أنهُ لا يقدرُ [على حمله] (^٣)، بل يضرهُ الخبثُ، ويحتملُ أنه يتلاشى فيهِ الخبثُ. وقد أجابَ الشافعيةُ عن هذا كله. وقد بسطهُ في الشرحِ إلا الأخيرَ فلم يذكرهُ، كأنهُ تركهُ لضعفهِ؛ لأن روايةَ: (لَم يَنْجَسْ) صريحةٌ فِي عدمِ احتمالهِ المعنى الأولَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال منه</span>\n٥/ ٥ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَغْتَسِل أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ\" [صحيح]\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاءِ\" (١٦/ ٩٢ - ١٠٤)، و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٠٦ - ٥٠٨)، و\"تذكرة الحفاظِ\" (٣/ ٩٢٠ - ٩٢٤)، و\"الكامل\" لابن الأثيرِ (٨/ ٥٦٦)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٣/ ١٣١ - ١٣٥)، و\"النجوم الزاهرة\" (٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و\"اللباب\" (١/ ١٥١).\n(^٢) قلتُ: الحديثُ سالمٌ منَ الاضطراب. انظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦ - ١٨ رقم ٤)، و\"المجموع شرح المهذب\" للنوويِّ (١/ ١١٤) وهو حديث صحيحٌ كما تقدم.\n(^٣) في النسخة (أ): \"بحمله\".","vol":"1","page":109},{"text":"أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).\n- ولِلْبُخَارِيِّ (^٢): \"لا يَبُولَنَّ أَحَدُكمْ في الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ\".\nولِمُسْلِمٍ (^٣): \"منْهُ\"، ولأَبِي دَاوُدَ (^٤): \"وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنَابَةِ\".\n(وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ) هو الراكدُ الساكنُ، ويأتي وصفُهُ بأنهُ الذي لا يجري، (وَهُوَ جُنُبٌ). أخْرَجَهُ بهذا اللفظِ (مسلمٌ)، (وللبخاريِّ) روايةٌ بلفظِ: (لا يبولَنَّ أحَدُكُمْ في الماءِ الدائِم الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيهِ) يُروى برفع اللام على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ثم هو [يَغْتَسِلُ] (^٥)، وقد جُوِّزَ جَزمُهُ على عطفهِ على موضع يبولَنَّ، ونصبِهِ بتقديرِ أَنْ على إلحاق ثم بالواو [في ذلك] (^٦)، وإنْ أفادَ أن النهي إنما هُو عن الجمعِ بينَ البولِ والاغتسالِ دون إفرادِ أحدِهما، معَ أنه منهيٌّ عن البولِ فيهِ مطلقًا؛ فإنه لا يُخِلُّ بجوازِ النصبِ؛ لأنه يستفادُ منْ هذا النهي عن الجمعِ ومِنْ غيرهٍ النهيُ عن إفرادِ البولِ وإفرادِ الاغتسالِ. هذا بناءً على أن (ثم) صارتْ بمعنى الواو تفيدُ الجمعَ، وهذا قالهُ النووي (^٧) معترضًا به على ابن مالك، حيث جوَّز النصب، وأقرَّه ابن دقيق العيد في غير شرح \"العمدة\"، إلا أنه أجاب على النووي بما أفادَهُ قولُنا: فإنه لا يخلُّ بجوازِ النصبِ إلى آخرهِ.\nقلتُ: والذي تقتضيه قواعدُ العربيةِ أَنَّ النَّهي في الحديثِ إنما هو عن الجمعِ بينَ البولِ ثم الاغتسال [منه] (^٨)، سواءٌ رفعت اللَام أوْ نصبت؛ وذلكَ لأنَّ (ثمَّ) تفيدُ [ما تفيدهُ] (^٩) الواوُ العاطفةُ في أنها للجمع، وإنما اختصَّتْ ثُمَّ بالترتيبِ، فالجميعُ واهمونَ فيما قرَّروهُ، ولا يستفادُ النهيُ عنْ كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ منْ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٦ رقم ٩٧/ ٢٨٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٤٦ رقم ٢٣٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٥ رقم ٩٥/ ٩٦).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٥٦ رقم ٧٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) ليست في النسخة (أ) و(ب) وهي زيادة ليتم المعنى.\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) في شرح \"صحيح مسلم\" (٣/ ١٨٧).\n(^٨) في النسخة (أ): \"فيه\".\n(^٩) في النسخة (أ): \"ما أفاده\".","vol":"1","page":110},{"text":"روايةٍ البخاريِّ؛ لأنها إنما تفيدُ النهيَ عن الجمعِ، وروايةُ مسلم تفيدُ النهيَ عن الاغتسالِ فقطْ، إذا لم تقيَّدْ بروايةِ البخاريِّ.\n[ثم] (^١) روايةُ أبِي داودَ بلفظِ: \"لا يبولَنَّ أحدكُمْ فِي الماءِ الدائمِ، ولا يغتسِلْ فيهِ\" تفيدُ النهيَ عن كلِّ واحدٍ على انفرادِهِ. (فيه. ولمسلمٍ) في روايتهِ (منهُ) بدلًا عَنْ قولِهِ: فيهِ؛ فالأولى تفيدُ أنه لا يَغْتَسِلُ فيه بالانغماسِ مثلًا، والثانيةُ تفيدُ أنهُ لا يتناولُ منهُ ويغتسلُ خارجَهُ.\n(ولأبي داودَ) بلفظِ: (ولا يغتسلْ فيه) عوضًا عن ثُمَّ يغتسلُ (مِنَ الجَنَابَةِ) عوضًا عن قولهِ: \"وهو جُنُبٌ\". وقوله هنا: \"ولا يغتسلْ\"، دالٌّ على أن النهيَ عن كلِّ واحدٍ من الأمرينِ على انفرادِه كما هوَ أحدُ الاحتمالينِ الأولينِ في روايةٍ ثمَّ يغتسلُ منهُ. قال في الشرحِ: وهذا النهيُ في الماءِ الكثيرِ للكراهةِ، وفِي الماءِ القليلِ للتحريمِ قيلَ عليهِ: إنهُ يؤدي إلى استعمالِ لفظِ النهيِ في حقيقتهِ ومجازِهِ، فالأحسنُ أنْ يكونَ منْ عمومِ المجازِ، والنهيُ مستعملٌ في عدَمِ الفعلِ الشاملِ للتحريم وكراهةِ التنزيهِ.\nفأما حكمُ الماءِ الراكدِ، وتنجيسُهُ بالبولِ، أو منعه مِنَ التطهيرِ بالاغتسالِ فيهِ للجنابةِ، فعندَ القائلين بأنهُ لا ينجُسُ إلا ما تغيرَ أحدُ أوصافِه: النهيُ عنهُ للتعمدِ وهوَ طاهرٌ في نفسهِ، وهذا عندَ المالكيةِ، فإنهُ يجوزُ التطَهرُ بهِ؛ لأنَّ النهيَ عندهُم للكراهَةِ، وعندَ الظاهريةِ أنهُ للتحريمِ، وإنْ كانَ النهيُ تعبدًا لا لأجل التنجيس، لكنَّ الأصلَ في النهيِ التحريمُ، وأما عندَ مَنْ فَرَّقَ بينَ القليل والكثير فقالوا: إنْ كانَ الماءُ كثيرًا وكِلَ على أصلهِ في حدهِ ولم يتغيرْ أحدُ أوصافِه، فهوَ الطاهرُ، والدليلُ على طهوريته [تخصيصُ] (^٢) هذا العمومِ إلا أنَّهُ قدْ يقالُ: إذا قلتم: النهيُ للكراهةِ في الكثيرِ فلا تخصيصَ لعمومِ حديثٍ البابِ، وإنْ كانَ الماءُ قليلًا وكِلَ في حدهِ على أصلهِ: فالنهيُ عنهُ للتحريمِ؛ إذ هوَ غيرُ طاهرٍ ولا مطهِّرٍ، وهذا على أصلهِمْ في كونِ النهيِ للنجاسة. وذكرَ في الشرح الأقوالَ في البول في الماءِ [وهو أنَّهُ] (^٣) لا يحرمُ في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهومُ هذا الحديثِ،\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"نعم\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"تخصص\".\n(^٣) في النسخة (ب): \"وأنه\".","vol":"1","page":111},{"text":"والأولى اجتنابهُ. أما القليلُ الجاريِ فقيلَ: يكرهُ، وقيلَ: يحرُمُ وهو الأولى.\nقلتُ: بلِ الأولى خلافُهُ؛ إذِ الحديثُ في النهي عن البولِ فيما لا يجري، فلا يشملُ الجاريَ قليلًا كان أم كثيرًا. (نعم) لو قيلَ بالكراهةِ لكانَ قريبًا. وإنْ كانَ كثيرًا راكدًا فقيلَ: يكرهُ مطلقًا، وقيلَ: [إنْ] (^١) كانَ قاصدًا إلا إذا عرضَ وهوَ فيهِ فلا كراهَةَ. قالَ في الشرحِ: ولو قيلَ بالتحريمِ لكانَ أظهرَ وأوفَقَ لظاهرِ النهي؛ لأنَّ فيهِ إفسادًا لهُ على غيرِه، ومضارَّةً للمسلمين. وإنْ كانَ راكدًا قليلًا فالصحيَحُ التحريمُ للحديثِ، ثم هلْ يلحقُ غيرُ البولِ كالغائطِ بهِ في تحريم ذلك في هذا الماءِ القليلِ؟ فالجمهورُ يلحق بهِ بالأولى، [وعنْ] (^٢) أحمدَ بن حنبلَ لا يلحَقُ بهِ غيْرُهُ بلْ يختصُّ الحكمُ بالبولِ.\nوقولهُ: \"في الماءِ\" صريحٌ في النهي عن البولِ فيهِ، وأنهُ يجتنبُ إذا كانَ كذلكَ، فإذا بالَ فِي إناءٍ وصبهُ في الماءِ الدائمِ فالحكمُ واحدٌ. وعنْ داودَ لا ينجِّسُهُ ولا يكونُ منهيًا عنهُ إلا في الصورةِ الأولى لا غيرُ.\nوحكمُ الوضوءِ في الماءِ الدائمِ الذي بالَ فيهِ منْ يريدُ الوضوءَ حكمُ الغُسْلِ؛ إِذ الحكمُ واحدٌ. وقد وردَ في روايةٍ: \"لا يبولَنَّ أحدُكمْ في الماءِ الدائمِ ثُمَّ يتوضَّأُ منهُ\"، ذكرَها في الشرحِ ولم ينسبْها إلى أحدٍ. وقد أخْرَجَها عبدُ الرزاق (^٣)، وأحمد (^٤)، وابن أبي شيبة (^٥)، والترمذي (^٦). وقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وابْنُ حبان (^٧) منْ حديثٍ أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجَهُ الطحاوي (^٨)، وابنُ حِبانَ (^٩)، والبيهقيُّ (^١٠) بزيادةِ: \"أو يَشْرَبُ منه\".\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"إذا\".\n(^٢) في النسخة (ب): \"وعند\".\n(^٣) في \"المصنف\" (١/ ٨٩ رقم ٣٠٠).\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٢٦٥).\n(^٥) في \"المصنف\" (١/ ١٤١).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٠٠ رقم ٦٨)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح.\n(^٧) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٧٤ رقم ١٢٤٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٨) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٧٦ رقم ١٢٥٣).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>اغتسال المرأة بفضل الرجل والعكس</span>\n٦/ ٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أن تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِيُّ (^٢) وَإِسْنَادُهُ صَحيحٌ (^٣).\n(وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبيَّ - ﷺ - قال: نهى رسولُ الله - ﷺ -: أن تغتسلَ المرأة بفضلِ الرجل) أي الماءِ الذي يفضلُ [من] (^٤) غُسلِ الرجلِ، (أو الرجل بفضلِ المرأةِ) مثله، (وليغترفا) من الماءِ عندَ اغتسالهما منهُ (جميعًا. أخرجه أبو داودَ والنسائيُّ وإسنادُة صحيحٌ)، إشارةٌ إلى ردِّ قولِ البيهقيُّ حيثُ قال: إنه في معنى المرسلِ، أو إلى قولِ ابن حزمٍ [حيثُ قالَ] (^٥): إنَّ أحدَ رواتِهِ ضعيفٌ.\nأما الأولُ [وهوَ كونهُ في معنى المرسل] (^٦)؛ فلأن إبهامَ الصحابيِّ لا يضرُّ؛ لأنَّ الصحابةَ كلَّهُمْ عدولٌ عندَ المحدثينَ، وأما الثاني؛ فلأنهُ أرادَ ابنُ حزمٍ بالضعيفِ داودَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأودي، وهوَ ثقةٌ، وكأنهُ في البحرِ اغترَّ بقولِ ابن حزمٍ فقالَ بعدَ ذكرِ الحديثِ: إنَّ راويهِ ضعيفٌ وأسنَدهُ إلى مجهولٍ. وقالَ المصنفُ في \"فتح الباري\" (^٧): إنَّ رجالَهُ ثقاتٌ، ولم نقفْ له على عِلةٍ، فلهذا قالَ هنا: وهوَ صحيحٌ، نعمْ هوَ مُعارَضٌ بما يأتي من قولهِ في الحديث [الآتي] (^٨):\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٣ رقم ٨١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٣٠ رقم ٢٣٨).\nقُلتُ: وأخرجه أحمدُ في \"المسند\" (٤/ ١١١) و(٥/ ٣٦٩)، وإسناده صحيحٌ.\n(^٣) وهو كما قالَ. وقال الحافظ أيضًا في \"الفتح\" (١/ ٣٠٠): \"رجاله ثقاتٌ ولم أقفْ لمن أعلَّهُ على حُجةٍ قويةٍ، ودعوى البيهقي أنهُ في معنى المرسل مردودةٌ؛ لأن إبهامَ الصحابي لا يضرُّ، وقد صرح التابعي بأنه لقيهُ، ودعوى ابن حزم أَنَّ داودَ راويهِ عن حميدِ بن عبدِ الرحمن هو ابنُ يزيدَ الأوديُّ وهوَ ضعيفٌ، مردودةٌ، فإنه ابنُ عبدِ اللَّهِ الأوديُّ وهو ثقةٌ، وقد صرَّحَ باسم أبيهِ أبو داودَ وغيرُهُ\". اهـ.\nوخلاصةُ القولِ: أن الحديثَ صحيحُ.\n(^٤) في النسخة (ب): \"عن\".\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).\n(^٧) (١/ ٣٠٠).\n(^٨) في النسخة (أ): \"السابع\".","vol":"1","page":113},{"text":"٧/ ٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ -: \"كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيمُونَةَ ﵂\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).\n- وَلأَصحَابِ السُّنَنِ (^٢): اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ يَغْتَسِلُ مِنْهَا، فَقَالَت: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: \"إِن الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ\". [صحيح]\nوَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-84>ترجمة ابن عباس</span>\n(وعن ابن عباسٍ) (^٥) هوَ حيثُ أطلقَ بحرُ الأمةِ وحبرُها عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، ولدَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ. وشهرةُ إمامتهِ في العلمِ ببركاتِ الدعوةِ النبويةِ بالحكمةِ والفقهِ في الدينِ والتأويل، تغني عن التعريفِ بهِ. كانتْ وفاتهُ بالطائفِ سنةَ ثمانٍ وستينَ فِي آخرِ أيامِ ابن الزبيرِ، بعدَ أنْ كُفَّ بصرُهُ.\n(أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَغْتسلُ بفضلِ ميمونَةَ. أخرجه مسلمٌ) من روايةٍ عمرِو بن دينارٍ بلفظِ: أكبر علمي - والذي يخطرُ على بالي أَنَّ أبا الشعثاء أخبرني،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٧ رقم ٣٢٣/ ٤٨).\nقلت: وأخرجهُ أحمدُ في \"المسندِ\" (١/ ٣٦٦).\n(^٢) وهم: أبو داود (١/ ٥٥ رقم ٦٨)، والنسائي (١/ ١٧٣ رقم ٣٢٥)، والترمذي (١/ ٩٤ رقم ٦٥) وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وابنُ ماجه (١/ ١٣٢ رقم ٣٧٠ و٣٧١).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٩٤ رقم ٦٥).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٥٧ رقم ١٠٩).\nقلتُ: وأخرجهُ الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٥٩) وقال: لا يحفظُ لهُ علةٌ. وصحَّحه المحدثُ الألباني في \"الإرواءِ\" (رقم ٢٧).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"وفيات الأعيان\" (٣/ ٦٢)، و\"الإصابة\" (٦/ ١٣٠ - ١٤٠ رقم ٤٧٧٢)، و\"المطالب العالية\" (٤/ ١١٤ - ١١٥)، و\"العقد الثمينِ\" (٥/ ١٩٠ - ١٩٣ رقم ١٥٥٧)، و\"معرفةِ القراءِ\" (١/ ٤٥ - ٤٦ رقم ٩)، و\"تهذيب الأسماء واللغاتِ\" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٦ رقم ٣١٢)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" (١/ ٢٣٩ رقم ٨٧٨)، و\"جامعِ الأصولِ\" (٩/ ٦٣ - ٦٤ رقم ٦٦٠٢)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ٣١٤ - ٣٢٩ رقم ٤٥)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٤١، ٢٧٠، ٤٩٣ - ٥٤٢).","vol":"1","page":114},{"text":"الحديث. وأعلَّهُ قومٌ بهذا التردُّدِ، ولكنهُ قد ثبتَ عندَ الشيخينِ (^١) بلفظِ: \"إنَّ النبيَّ - ﷺ - وميمونَةَ كانا يغتسلانِ من إناءٍ واحدٍ\". ولا يخفى أنهُ لا تعارُضَ؛ لأنهُ يحتملُ أنهما كانا يغترفان معًا فلا تعارُضَ.\nنعم المعارِضُ قوله: (ولأصحابِ السننِ) أي منْ حديثٍ ابن عباسٍ كما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٢) في السننِ، ونسبهُ إلى أبي داودَ: (اغْتَسَلَ بعضُ أَزواجِ النَّبيِّ - ﷺ - في جَفْنَةٍ فجاءَ) أي النبيُّ - ﷺ - (ليغتسلَ منها فقالتْ: إني كنْتُ جُنُبًا)، أي وقد اغتسلتُ منها، فقالَ: (إنَّ الماءَ لا يجْنِبُ).\nفي القاموس (^٣): جَنِبَ كفَرِحَ وجنُبَ كَكَرُمَ، فيجوزُ فتحُ النونِ وضمُّها هنا، هذا إنْ جعلته مِنَ الثلاثي، ويصح من أَجنبَ يُجْنِبُ، وأما اجتنبَ فلم يأتِ بهذا المعنى وهو: إصابةُ الجنابةِ، (وصححَهُ الترمذيُّ وابن خزيمةَ).\nومعنى الحديثِ قد وردَ من طرقٍ سردَها في الشرحِ، وقد أفادَتْ معارضَةَ الحديثِ الماضي، وأنهُ يجوزُ غُسْلُ الرجلِ بفضلِ المرأةِ، ويقاسُ عليهِ العكسُ لمساواتهِ لَهُ. وفي الأمرينِ خلافٌ، والأظهرُ جوازُ الأمرينِ وأنَّ النهيَ محمولٌ على التنزيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-85>تطهير الإناء من ولوغ الكلب</span>\n٨/ ٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبع مَرَّاتٍ، أُوْلَاهُنَّ بالتُّرَابِ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤)، وَفِي لَفْظٍ لَهُ (^٥): \"فَلْيُرِقْهُ\"، وَللتِّرْمِذِيِّ (^٦): \"أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أولَاهُنَّ بالتراب\".\n_________\n(^١) وهما: البخاري (١/ ٣٦٦ رقم ٢٥٣)، ومسلم (١/ ٢٥٧ رقم ٤٧/ ٣٢٢) من حديث ابن عباس.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٩).\n(^٣) \"المحيط) (ص ٨٩).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٤ رقم ٩١/ ٢٧٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٤ رقم ٨٩/ ٢٧٩).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٥١ رقم ٩١) وقال: حديث حسن صحيح. =","vol":"1","page":115},{"text":"(وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: طُهُورُ) في الشرح الأظهر فيه ضَمُّ الطاء ويقال: بفتحها لغتان (إناء أحَدَكُمْ إِذَا وَلَغَ فيهِ الكَلْبُ) في القاموس (^١): ولغَ الكلب في الإناءِ وفي الشَّرابِ يَلَغْ، كَيَهَبُ، ويالَغُ، [وولغ] كَوَرِكَ وَوَجِلَ، شَرِبَ ما فيهِ بأطرافِ لسانهِ أو أدخلَ لِسانَهُ فيهِ فحَرَّكَهُ، (أنْ يَغْسِلَهُ) أي الإناءَ (سَبعَ مراتٍ أولاهُنَّ بالترابِ. أخرجهُ مسلمٌ. وفي لفظٍ لهُ: فَلْيُرِقْهُ) أي الماءَ الذي ولغَ فيه. (وللترمذي: أُخراهُنَّ) أي السبعُ، (أو أُولاهُنَّ بالتراب). دلَّ الحديثُ على أحكامٍ:\n\n<span data-type='title' id=toc-86>أحكام فقهية من الحديث:</span>\n(أولها): نجاسةُ فم الكلب من حيثُ أمره - ﷺ - بالغسلِ لِمَا وَلَغَ فيهِ، والإراقة للماءِ، وقولهُ: \"طُهُورُ إناءِ أَحَدِكُمْ\" فإنهُ لا غُسْلَ إِلَّا [مِنْ] (^٢) حَدَثٍ، أو نَجَسٍ، وليسَ هنا حدثٌ فتعينَ النَّجَسُ، والإراقَةُ إضاعَةُ مالٍ فلو كانَ الماءُ طاهرًا لما أَمَر بإضاعتِهِ؛ إذ هو منهيٌّ عن إضَاعَةَ المالِ. وهوَ ظاهرٌ في نجاسةِ فمهِ، وأُلحقَ بهِ سائرُ بدنِه قياسًا عليهِ (^٣)، وذلكَ لأنهُ إذا ثبتتْ نجاسةُ لُعَابِهِ، ولُعَابُهُ جزءٌ منْ فمهِ إذ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٥٧ رقم ٧١)، والنسائي (١/ ٥٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٠ رقم ٣٦٣ و٢٦٤)، والحاكم (١/ ١٦٠)، والبيهقي (١/ ٢٤٠، ٢٤٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ٥٠ رقم ٩٥) و(١/ ٥١ رقم ٩٦)، والدارقطني (١/ ٦٤، ٦٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٠٨)، والطحاي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٢٦٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٩٦ رقم ٣٢٩ و٣٣٠ و٣٣١)، وأحمد (٢/ ٢٦٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٧٣) و(١٤/ ٢٠٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ١٠٩)، والطبراني في \"الصغير\" (١/ ١٦٤ رقم ٢٥٦) وهو حديث صحيح.\n(^١) \"المحيط\" (ص ١٠٢٠).\n(^٢) في النسخة (أ): \"عن\".\n(^٣) للعلماء في الكلب ثلاثة أقوال معروفة:\nأحدها: أنَّهُ نجسٌ كله حتى شعره، كقول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.\nوالثاني: أنه طاهر حتى ريقه، كقول مالك في المشهور عنه.\nوالثالث: أن ريقه نجسٌ، وأن شعره طاهرٌ، وهذا مذهب أبي حنيفة المشهور عنه، وهذه هي الرواية المنصورة عند أكثر أصحابه، وهي الرواية الأخرى عن أحمد وهذا أرجح الأقوال. انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية\" (٢١/ ٦١٦)، وكتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الطهارة.","vol":"1","page":116},{"text":"هوَ عَرَقُ فمهِ، ففمُهُ نجسٌ إذ العَرَقُ جزءٌ متحلِّبٌ مِنَ البدنِ، فكذلكَ بقيةُ بدنِهِ، إلا أن مَنْ قَالَ: إن الأمرَ بالغُسْلِ ليس لنجاسةِ الكلبِ، قالَ: يحتملُ أَنَّ النجاسةَ في فمِهِ ولُعابهِ؛ إذ هوَ محلُّ استعمالهِ للنجاسةِ بحسب الأغلبِ، وعَلَّقَ الحكمَ بالنظرِ إلى غالبِ أحوالهِ من أكلهِ النجاساتِ [بفمهِ] (^١)، ومباشرتهِ لها، فلا يدلُّ على نجاسةِ عينهِ.\nوالقولُ بنجاسته قولُ الجماهيرِ. والخلافُ لمالكٍ وداودَ والزهريِّ، وأدلةُ الأولينَ ما سمعتَ، وأدلةُ غيرهِمْ، وهم القائلونَ بأنَّ الأمرَ بالغُسْلِ للتعبدِ لا للنجاسةِ، [لأنه] (^٢) لو كانَ للنجاسةِ لاكتفى بما دونَ السبعِ إذْ نجاستُهُ لا تزيدُ على العَذِرَةِ، وأجيبَ عنهُ بأنَّ أصلَ الحكم، وهو الأمرُ بالغسل معقولُ المعنى، ممكنُ التعليلِ أي بأنهُ للنجاسةِ، والأصلُ في الأحكامِ التعليلُ فيحملُ على [الأعم] (^٣) الأغلب، والتعبدُ إنما هو في العددِ فقط، كذا في الشرحِ وهو مأخوذٌ منْ \"شرحِ العمدةِ\". وقد حققنا في حواشيهِ خلافَ ما قرَّرهُ من أغلبيةِ تعليلِ الأحكامِ، وطوَّلنا هنالكَ الكلامَ.\n(الحكم الثاني): أنَّهُ دلَّ الحديثُ على وجوبِ سبعٍ غَسَلاتٍ للإناءِ وهو واضحٌ، ومن قالَ: لا تجبُ السبعُ بل ولوغُ الكلب كغيرِه من النجاساتِ والتسبيعُ ندبٌ، اسْتَدَلَّ على ذلكَ بأنَّ راوي الحديثِ وهو أَبو هريرةَ قالَ: يُغْسَلُ من ولوغِهِ ثلاثَ مراتٍ كما أخرجهُ [عنه] (^٤) الطحاوي (^٥)، والدارقطني (^٦)، وأجيب عن هذا\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) في النسخة (ب): \"بأنَّه\".\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٣).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٦٦ رقم ١٦): وقال: هذا موقوفٌ، ولم يروه هكذا غيرُ عبدِ الملكِ عن عطاءٍ، واللَّه أعلم.\nوقال البيهقيُّ في \"المعرفة\" (٢/ ٥٩ - ٦١). وأما الذي يروى عن عبد الملك بن أبي سليمانَ عن عطاءِ، عن أبي هريرة موقوفًا عليه: \"إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ فأهرقْهُ ثم اغْسِلْهُ ثلاثَ مراتٍ\". فإنهُ لم يَروِهِ غيرُ عبدِ الملكِ، وعبدُ الملكِ لا يقبلُ منهُ ما يخالفُ فيهِ الثقاتِ، وقد رواهُ محمدُ بنُ فضيلٍ عن عبدِ الملكِ مضافًا إلى فعل أبي هريرة دون قولِهِ، وروينا عن حمادِ بن زيدٍ، ومعتمرِ بن سليمانَ عن أيُّوبَ، عن محمدِ بن سيرينِ، عن أبي هريرةَ من قولِهِ نحوًا من روايتهِ عن النبي - ﷺ -، ورويَ عن عليٍّ وابن عمر وابنِ =","vol":"1","page":117},{"text":"بأنَّ العملَ بما رواهُ عن النبي - ﷺ - لا بما رآهُ وأفتى بهِ، وبأنهُ معارَضٌ بما رُوي عنه، [وأيضًا] (^١) أنَّه أفتى بالغُسلِ سبعًا، وهي أرجحُ سندًا. وترجَّحَ أيضًا بأنها توافقُ الروايةَ المرفوعةَ. [ومما] (^٢) رُوي عنهُ - ﷺ - أنهُ قالَ في الكلبِ يَلَغُ في الإناء: \"يُغْسَلُ ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا\" (^٣)، قالوا: فالحديثُ دلَّ على عدمِ تعيينِ السبع، وأنهُ مخيرٌ ولا تخييرَ في مُعَيَّنٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ (^٤) لا تقومُ بهِ حجةٌ.\n(الحكمُ الثالثُ): وجوب التتريبِ للإناءِ لثبوتهِ فِي الحديثِ، ثم الحديثُ يدلُّ على تَعَيُّنِ التراب، وأنهُ في الغَسلةِ الأولى. ومَنْ أوجبهُ قالَ: لا فرقَ بينَ أَنْ يُخلَطَ الماءُ بالترَابِ حتى يتكدَّرَ، أو يُطْرَحَ الماءُ على الترابِ، أو [يُطْرَحَ] (^٥) الترابُ على الماءِ، وبعضُ منْ قالَ بإيجابِ التسبيعِ قالَ: لا تجبُ غُسْلةُ الترابِ لعدمِ ثبوتها عندَهُ. ورُدَّ بأنها قد ثبتتْ فِي الروايةِ الصحيحةِ بلا [ريبٍ] (^٦)، والزيادَةُ مِنَ الثقةِ مقبولةٌ. وأَوردَ على روايةٍ الترابِ بأنها قد اضطربتْ فيها الروايةُ فروي: أُولَاهُنَّ، أو أُخْرَاهُنَّ، أو إِحْدَاهُنَّ، أو السابعةُ أو الثامنةُ، والاضطرابُ قادحٌ فيجبُ الاطِّراحُ لها. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يكونُ الاضطرابُ قادحًا إلا معَ استواءِ الرواياتِ وليسَ ذلكَ هنا كذلكَ، فإنَّ روايةَ أُولاهُنَّ أرجحُ لكثرةِ رواتها، وبإخراجِ [أحد] (^٧) الشيخين (^٨) لها، وذلك من وجوه الترجيحِ عندَ التعارض.\n_________\n= عباسٍ مرفوعًا في الأمرِ بغَسْلِهِ سبعًا، والاعتمادُ على حديث أبي هريرة لصحة طريقهِ وقوةِ إسناده، وعبد الملك تفرَّدَ به من بين أصحاب عطاءِ، ثم أصحاب أبي هريرةَ، ولمخالفتهِ أهلَ الحفظِ والثقةِ في بعضِ رواياتهِ، تركَهُ شعبةُ بنُ الحجاجِ، فلم يحتجَّ بهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ في \"الصحيح\"، وحديثُهُ هذا مختلفٌ عليهِ فرُويَ عنهُ من قولِ أبي هريرة، ورويَ عنهُ من فعلِهِ، فكيفَ يجوزُ تركُ روايةٍ الحفاظ الثقاتِ الأثباتِ من أوجهٍ كثيرةٍ لا تكون مثلها غلطًا، بروايةِ أحدٍ قد عُرِفَ بمخالفتِه الحفاظ في بعضِ أحاديثهِ\". اهـ ملخصًا.\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) في النسخة (أ): \"ولما\".\n(^٣) أخرجهُ الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٦٥ رقم ١٣ و١٤) وقال: \"تفرد به عبدُ الوهابِ - بنُ الضحاكِ -، عن إسماعيلَ - بن عياشٍ -، وهو متروكُ الحديثِ، وغيرهُ يرويهِ عن إسماعيلَ بهذا الإسنادِ: \"فاغسلوهُ سبعًا\"، وهو الصوابُ\". اهـ.\n(^٤) وهو كما قال.\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في (ب): مرية.\n(^٧) زيادة من النسخة (ب).\n(^٨) قلت: أخرجه البخاري (١/ ٢٧٤ رقم ١٧٢)، ومسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٩٠/ ٢٧٩) عن أبي=","vol":"1","page":118},{"text":"وألفاظ الرواياتِ التي عورضَتْ بها أولاهُنَّ لا تقاومُها. وبيانُ ذلكَ أن روايةَ أُخْرَاهُنَّ مُتَفَرِّدَةٌ لا توجدُ في شيءٍ مِنْ كتبِ الحديثِ مسندة (^١)، وروايةُ السابعة بالتراب (^٢) اختُلِفَ فيها فلا تقاوِمُ روايةَ أولاهُنَّ بالتراب، وروايةُ إحداهُنَّ بالحاءِ والدالِ المهملتينِ ليستْ في الأمهاتِ، [بل رواها] (^٣) البزارُ (^٤)، فعلى صحتها فهيَ مطلقةٌ يجبُ حَمْلُها على المقيدةِ، وروأيةُ أولاهُنَّ أو أخراهُنَّ بالتخييرِ إنْ كانَ ذلكَ مِنَ الراوي فهو شكٌّ منهُ فيرجَعُ إلى الترجيحِ، وروايةُ أولاهُنَّ أرجحُ وإنْ كانَ مِنْ كلامِهِ - ﷺ - فهوَ تخييرٌ منهُ - ﷺ -، ويرجِعُ إلى ترجيح أولاهُنَّ لثبوتِها فقط عندَ أحد الشيخينِ (^٥) كما عرفْتَ.\nوقولهُ: \"إناءِ أحدِكم\" الإضافةُ ملغاةٌ هنا؛ لأنَّ حُكمَ الطهارةِ والنجَاسَةِ [هنا] (^٦) لا يتوقفُ على ملْكِهِ الإناءَ. وكذا قولُه: \"فليغْسِلْهُ\" لا يتوقفُ على أَنْ يكونَ مالكَ الإناءِ هُو الغاسِلُ، وقولهُ: وفي لفظٍ: \"فَلْيُرِقْهُ\" هي مِنْ ألْفاظِ رواية مسلمٍ (^٧)، وهي أمرٌ بإراقَةِ الماءِ الذي وَلَغَ فيهِ الكلبُ، أو الطعام؛ وهي مِنْ أقوى الأدِلَّةِ على النجاسةِ؛ إذْ المراقُ أعمُّ من أن يكونَ ماءَ أو طعامًا، ولو كانَ طاهرًا لم يأمرْ بماراقتهِ كما عرفْتَ؛ إلا أنه نَقَلَ المصنفُ في \"فتح الباري\" (^٨): عدمَ صحةِ هذهِ اللفظةِ عَنِ الحفاظ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لم ينقلْها أحدٌ مِنَ الحفاظِ منْ\n_________\n= هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا شَرِبَ الكلبُ في إناءٍ أحدكم فليغسلهُ سبعًا\" واللفظ للبخاري. وزادَ ابنُ سيرينَ عنه: \"أولاهُنَّ بالترابِ\"، أخرجها مسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٩١/ ٢٧٩) وغيره ولم يخرجها البخاري.\n(^١) قلت: أخرجها الترمذي (١/ ١٥١ رقم ٩١) كما تقدم.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١/ ٥٩ رقم ٧٣)، والدارقطنيّ (١/ ٦٤ رقم ٧) وقال: صحيح.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ١٨٩): ولكنه شاذٌّ، والأرجح الرواية: \"الأولى بالتراب\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"ورواها\".\n(^٤) (١/ ١٤٥ رقم ٢٧٧ \"كشف الأستار\")، وقال: \"هو في \"الصحيح\" خلا قولِهِ: \"إحداهنَّ\"، لم يروه هكذا إلا يونس\". اهـ.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٨٧): \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار\".\n(^٥) قلت: ثبتتْ عند مسلم كما تقدم.\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٤ رقم ٨٩/ ٢٧٩) كما تقدم.\n(^٨) (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":119},{"text":"أصحابِ الأعمشِ. وقال ابنُ مَنْدَه: لا تُعرفُ عن النبيِّ - ﷺ - بوجهٍ مِنَ الوجوهِ. نعمْ أَهْمَلَ المصنفُ ذِكْرَ الغَسْلَةِ الثامِنَةِ، وقدْ ثبتَ عِندَ مسلمٍ (^١): \"وعفِّروهُ الثامنةَ بالترابِ\".\nقال ابنُ دقيق العيد: إنَّهُ قال بها الحسنُ البصري ولم يقُلْ بها غيرُهُ، ولعلَّ المرادَ بذلك مِنَ المتقدمينَ. والحديثُ قويٌّ فيها، ومَنْ لم يقُلْ بهِ احتاجَ إلى تأويلهِ بوجهٍ فيهِ استكراهٌ. اهـ.\nقلتُ: والوجهُ [أي المستكرَهُ] (^٢) في تأويلهِ ذكرَهُ النوويُّ (^٣) فقالَ: المرادُ اغْسِلُوهُ سبعًا واحدةً منهنَّ بالترابِ معَ الماءِ، فكأن الترابَ قائمٌ مقامَ غَسْلَةٍ، فسُميت ثامنَةً، [قلت] (^٤): ومثلَهُ قال الدَّميرِي في \"شرحِ المنهاجِ\"، وزادَ أنهُ أطلقَ الغُسْلَ على التعفيرِ مجازًا.\nقلتُ: ولا يخفى أن طيَّ المصنفِ لذكرها وتأويلِ مَنْ ذكر بإخراجها إلى المجازِ كلُّ ذلكَ محاماةٌ على المذهبِ، والحقُّ مع الحسنِ البصريِّ، وأمَّا الأمر بقتلِ الكلابِ ثم النهي عنهُ وذكر ما يباحُ اتخاذهُ منها فيأتي الكلامُ عليهِ في بابِ الصيد، [إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-87>طهارة الهرة وسؤرها</span>\n٩/ ٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ - فِي الْهِرَّةِ -: \"إِنَّهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٦)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٧).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٥ رقم ٩٣/ ٢٨٠) من حديثٍ ابن المغَفَّل.\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٨٥).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) وهم: أبو داود (١/ ٦٠ رقم ٧٥)، والنسائي (١/ ٥٥)، وابن ماجه ١١/ ١٣١ رقم ٣٦٧)، والترمذي (١/ ١٥٣ رقم ٩٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٧) في صحيحه (١/ ٥٥ رقم ١٠٤).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>ترجمة أبي قتادة</span>\n(وَعَنْ أَبِي قَتَادَة) (^١) بفتح القاف، فمثناة فوقية، بعد الألف دال مهملة، اسمه في أكثر الأقوال: الحارثُ بن رِبْعيّ بكسر الراء، فموحَدة ساكنة، فمهملة مكسورة، ومثناة تحتية مشدَّدة، الأنصاريُّ، فارسُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، شَهِدَ أُحدًا وما بعدَها، [وكانتْ] (^٢) وفاتهُ سنةَ أربعٍ وخمسينَ بالمدينةِ، وقيلَ: ماتَ بالكوفةِ في خلافةِ عليٍّ - ﵁ -، وشَهِدَ معهُ حروبَهُ كُلَّها. (أَنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ في الهِرَّةِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-89>سبب الحديث</span>\nوالحديثُ لهُ سببٌ وهو أن أبا قَتَادَةَ سُكِبَ لهُ وَضُوءٌ، فجاءَتْ هِرَّةٌ تشربُ منهُ فأَصغى لها الإناءَ حتى شربَتْ، فقيلَ لهُ في ذلكَ فقالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: (إنَّها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)، أي فلا ينجَسُ [ما لامستْهُ] (^٣) (إنَّمَا هِيَ مِنَ الطوَّافينَ) جمع طوَّافٍ (عَلَيْكُمْ)، قالَ ابنُ الأثير (^٤): (الطائفُ الخادمُ الذي يَخْدُمُكَ برفقٍ وعنَايةٍ، والطَّوَّاف فَعَّال منه، شَبَّهها بالخَادِمِ الذي يَطُوفُ على مَولاة ويدورُ حوله [أخْذًا مِنْ قولِهِ] (^٥) تعالى [بعدهنَّ] (^٦) ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٧)، يعني الخدم والمماليك.\nوفي رواية مالك (^٨)، وأحمد (^٩)، وابن حِبان (^١٠)، والحاكم (^١١)، وغيرهم (^١٢) زيادة لفظ: \"والطَّوّافات\"، جمع الأول جَمْعَ مذكرٍ سالمٍ نظرًا إلى ذكور الهِرِّ، والثاني جَمْعَ مؤنثٍ سالمٍ نظرًا إلى إناثها.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٨٣) و(٥/ ٢٩٥ - ٣١١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٦/ ١٥)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩ رقم ٢٣٨٧)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٣/ ٢٣٩ رقم ٢٦٩)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٧٧ - ٧٨ رقم ٦٦١٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٩٤٥)، و\"الإصابة\" (١١/ ٣٠٢ - ٣٠٥ رقم ٩١٣)، و\"الاستيعاب\" (١٢/ ٨٨ - ٩٢ رقم ٣١٣٠).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في النسخة (أ): \"ما لابسته\".\n(^٤) في \"النهاية\" (٣/ ١٤٢).\n(^٥) في النسخة (ب): \"كقوله\".\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) سورة النور: الآية ٥٨.\n(^٨) في \"الموطأ\" (١/ ٢٢ - ٢٣ رقم ١٣).\n(^٩) في \"المسند\" (٥/ ٣٠٣).\n(^١٠) في صحيحه (ص ٦٠ رقم ١٢١ - \"موارد\").\n(^١١) في \"المستدرك\"١/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^١٢) كالشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٢ رقم ٣٩)، والدارقطني (١/ ٧٥ رقم ٢٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٤٥).","vol":"1","page":121},{"text":"فإنْ قلتَ: قد فاتَ في جمعِ المذكرِ السالم شرطُ كونِهِ يعقلُ، وهو شرطٌ لِجَمْعِهِ عَلَمًا وصفَةً. قُلْتُ: لما [نزل] (^١) منزلة من يعقل [بوصفه] (^٢) بصفته وهو الخادم [أجراهُ] (^٣) مُجراهُ في جَمْعِهِ صفة. وفي التعليل إشارةٌ إلى أنهُ تعالى لما جعلها بمنزلةِ الخادمِ في كثرةِ اتصالها بأهل المنزِلِ وملابستِها لهم، ولما فِي منزلهم، خفَّفَ تعالى على عبادِهِ بجعلها غيرَ نَجَسٍ رفعًا للحرج.\n(أخرجَهُ الأربعَةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ خُزَيْمَةَ)، وصحَّحَهُ أيضًا البخاريُّ، والعقيليُّ، والدارقطني (^٤).\nوالحديث دليل على طهارة الهرة وسؤرها، وإنْ باشرتْ نَجَسًا، وأنه لا تقييدَ لطهارةِ فمها بزمانٍ. وقيل: لا يطهُرُ فمها إلا بمضي زمان من ليلةٍ، أو يومٍ، أو ساقَي، أو شرِبها الماءَ، أو غيبتها حتى يحصُلَ ظنٌّ بذلكَ، أو بزوالِ عينِ النجاسةِ مِنْ فمِها، وهذا الأخيرُ أوضحُ الأقوال [لأنه] (^٥) معَ بقاءِ عينِ النجاسَةِ في فمِها فالحكم بالنجاسةِ لتلك العين لا لفمها، فإنْ زالتِ العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنَجَس.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>نجاسة بول الإنسان</span>\n١٠/ ١٠ - وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"نزله\".\n(^٢) في النسخة (ب): \"ووصفه\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"أجرى\".\n(^٤) ذكر ذلكَ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤١)، ثم قال الحافظ (١/ ٤٢): \"وأعلَّهُ ابن منده بأنَّ حُمَيدة وخالتها كبشَةَ محلُّهما محلُّ الجهالةِ ولا يُعْرَفُ لهما إلا هذا الحديث. فأما قولُهُ: إنهما لا يُعْرَفُ لهما إلا هذا الحديث، فمتعقَّبٌ بأنَّ لحميدة حديثًا آخرَ في تشميت العاطسِ رواهُ أبو داودَ، ولها ثالثٌ رواه أبو نعيم في \"المعرفة\"، وأما حالهما فحُمَيدة روى عنها مع إسحاق ابنُهُ يحيى، وهو ثقة عند ابن معين. وأما كبشةُ فقيلَ: إنها صحابيةٌ، فإن ثبثَ فلا يضرُّ الجهلُ بحالها، واللَّه أعلمُ\" اهـ.\nقلتُ: وقد صححَ الحديثَ الإمامِ النوويُّ في \"المجموع شرحِ المهذب\" (١/ ١٧١). كما أن للحديثِ طرقًا أخرى وشاهدًا أورَدَها الألبانيُّ في \"صحيح أبي داودَ\" (٦٨، ٦٩) - كما في \"الإرواء\" (١/ ١٩٣).\n(^٥) في النسخة (ب): \"لأن\".","vol":"1","page":122},{"text":"الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنهَاهُمُ النَّبيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا قضى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-91>ترجمة أنس بن مالك</span>\n(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) (^٢) هو أبو حَمزةَ بالحاء المهملة فزاي، أنصاري نجاري خزرجي، خادم رسولِ اللَّهِ - ﷺ - منذُ قَدِمَ المدينةَ إلى وفاتِهِ - ﷺ -. وقَدِمَ - ﷺ - المدينة [وهوَ ابنُ عَشْرِ سنينَ أو ثمانٍ أو تسعٍ] (^٣)، أقوالٌ. سَكَنَ البَصْرَةَ مِنْ خَلافَةِ عُمَرَ لِيفقِّهَ النَّاسَ، وطالَ عمرهُ إلى مائةٍ وثلاثِ سنينَ، وقيلَ: أقلُّ مِنْ ذلكَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أصحُّ ما قيلَ: تسعٌ وتسعونَ سنةً. وهوَ آخِرُ مَنْ ماتَ بالبصرَةِ مِنَ الصحابةِ سنةَ إحدى أو اثنتينِ أو ثلاثٍ وتسعينَ.\n(قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيُّ) بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب، وهم سكان البادية، سواء أكانوا عربًا أو عجمًا، وقد ورد تسميته أنه ذو الخويصرة اليماني، وكان رجلًا جافيًا (فَبَالَ في طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ) ناحيته، والطائفة القِطْعَة من الشيء، (فَزَجَرَهُ النَّاسُ) بالزاي فجيم فراء، أي نهروهُ، وفي لفظٍ: (فقامَ إليهِ النَّاسُ ليقعوا به)، وفِي أخرى: (فقالَ أصحابُ رسول الله - ﷺ -: مَهْ، مَهْ)، (فنهاهم رسولُ الله - ﷺ -) بقولِه لهم: \"دعوهُ\"، وفي لفظٍ: \"لا تُزْرِمُوهُ\" (^٤)، (فلما قضي بَوْلَهُ أمرَ النبيِّ - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٣٢٤ رقم ٢٢١)، ومسلم (١/ ٢٣٦ رقم ٩٩/ ٢٨٤) و(١/ ٢٣٦ رقم ٩٨/ ٢٨٤) و(١/ ٢٣٦ رقم ١٠٠/ ٢٨٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١/ ٢٧٦ رقم ١٤٨)، والنسائي (١/ ١٧٥)، وابن ماجه (١/ ١٧٦ رقم ٥٢٨)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ١١٠ - ١١١)، والدارمي (١/ ١٨٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٣) من طرق متعددة.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"العبر\" (١/ ٨٠)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ٢١١)، و\"المعارف\" (٣٠٨ - ٣٠٩)، و\"مشاهير علماء الأمصار\" (رقم: ٢١٥)، و\"الإصابة\" (١/ ١١٢ - ١١٤ رقم ٢٧٥)، و\"الاستيعاب\" (١/ ٢٠٥ - ٢٠٩ رقم ٨٤)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ٧١)، و\"البداية والنهاية\" (٩/ ٩٤ - ٩٧)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٨٨ - ٩٠ رقم ٦٦٣٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٨٦ رقم ١٠٣٦).\n(^٣) في النسخة (أ): \"وهو ابن عشر أو تسع أو ثمان\".\n(^٤) أي لا تقطعوا عليه بولَهُ، يقالُ: زَرِمَ الدمعُ والبولُ إذا انقطَعَا. \"النهاية\" (٢/ ٣٠١).","vol":"1","page":123},{"text":"بِذَنُوبٍ) بفتح الذال المعجمة فنونٍ آخرهُ موحَّدَةٍ، وهيَ الدَّلْوُ الملآنُ ماءً، وقيلَ: العظيَمة (^١)، (مِنْ ماءٍ) تأكيدٌ، وإلا فقدْ أفادَهُ لفظُ الذَّنوبِ فهوَ مِنْ بابِ كتبتُ بيدي، وفي روايةٍ (سَجْلًا) بفتح السينِ المهملة، وسكون الجيم، وهو بمعنى الذَّنوب (^٢)، (فأهريقَ عليهِ) أصلُهُ فأريقَ عليه ثم أبدلتِ الهاءُ مِنَ الهمزَةِ فصارَ [فهُريقُ] (^٣) عليهِ وهو روايةٌ، ثم زيدتْ همزةٌ أخرى بعدَ إبدالِ الأولى فقيلَ: فأهريقَ، (متفقٌ عليه) عندَ الشيخينِ كما عرفْتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>أحكام فقهية من الحديث</span>\nوالحديثُ فيهِ دلالةٌ على نجاسةِ بولِ الآدمي وهو إجماعٌ، وعلى أن الأرضَ إذا تنجَّسَتْ طَهُرَتْ بالماءِ كسائرِ المتنجساتِ، وهلْ يجزئُ في طهارِتها غيرُ الماءِ؟ قيلَ: تطهرُها الشمسُ والريحُ، فإن تأثيرَهُما في إزالةِ النجاسةِ أعظمُ إزالةً مَن الماء، ولحديثِ: \"ذكاةُ الأرضِ يُبْسُها\"، ذكره ابن أبي شيبة (^٤)، وأجيبَ بأنَّهُ ذكرهُ موقوفًا، وليسَ من كلامهِ - ﷺ -، كما ذكرَ عبدُ الرزاقِ (^٥) حديثَ أبي قِلابةَ\n_________\n(^١) كما في \"النهاية\" (٢/ ١٧١).\n(^٢) وهي الدَّلو الملأى ماءً. [النهاية (٢/ ٣٤٤)].\n(^٣) في النسخة (ب): \"هريق\".\n(^٤) في \"المصنف\" (١/ ٥٧) من حديث أبي جعفر.\nقلت: وأوردَهُ القاري في \"الأسرار المرفوعةِ\" رقم (٢٠٨)، وابن الديبع في \"التمييز\" رقم (٦٣٩) وقال: \"احتجَّ به الحنفية، ولا أصلَ لهُ في المرفوع، نعم ذَكره ابن أبي شيبة مرفوعًا عن أبي جعفر الباقر\" اهـ.\nوأورده الفتني في \"تذكرة الموضوعات\" (ص ٣٣) وقال: \"هو موقوفٌ على محمد بن علي الباقر\" اهـ.\nوكذلك أوردَهُ السخاوي في \"المقاصد\" رقم (٥٥٤).\n(^٥) لم أعثر عليه في المصنف. وقد عزاه إليه السخاوي في \"المقاصد\" (ص ٣٥٥)، وأورده الفتني في \"تذكرة الموضوعات\" (ص ٣٣).\n• قلت: إن الأرض التي أصابتها نجاسة ففي طهارتها وجهانِ:\n(الأول): صبُّ الماء عليها، وهو مذهبُ العترةِ، والشافعي، ومالكٍ، وأحمدَ، وزفرَ، واستدلوا بحديثِ أنسِ بن مالكٍ رقم (١٥).\n[انظر: \"نيل الأوطار\" (١/ ٤٢)، و\"عون المعبود\" (٢/ ٤٣)، و\"فتح باب العناية\" (١/ ٢٤٧)]. =","vol":"1","page":124},{"text":"موقوفًا عليهِ بلفظ: \"جفوفُ الأرضِ طهورُها\"، فلا تقومُ بهما حجةٌ.\nوالحديثُ ظاهرٌ في أن صبَّ الماءِ يُطَهِّرُ الأرضَ رِخْوَةً كانتْ أو صُلْبَةً، وقيلَ: لا بدَّ من غسلِ الصُّلْبَةِ كغيرها مِنَ المتنجساتِ، وأرضُ مسجدهِ - ﷺ - كانتْ رِخْوَةً فكفى فيها الصبُّ.\n[وكذلكَ الحديثُ ظاهرٌ] (^١) في أنها لا تتوقفُ الطهارةُ على نضوبِ الماءِ، لأنهُ - ﷺ - لم يشترط في الصَّبِّ على بولِ الأعرابي شيئًا، وهو الذي اختارَهُ المهدي في \"البحر\" (^٢)؛ وفِي أنهُ لا يشترطُ حَفْرُها وإلقَاءُ الترابِ.\nوقال أبو حنيفة: إذا كانتْ صُلْبَةً فلا بدَّ من حَفْرِها وإلقاءِ الترابِ؛ لأنَّ الماءَ لم يعمَّ أعلاها وأسفَلَها، ولأنهُ وردَ في بعضِ طرقِ [هذا] (^٣) الحديثِ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"خذوا ما بالَ عليهِ مِنَ الترابِ فألقوهُ، وأَهْريقوا على مكانهِ ماءً\".\n_________\n= (والوجه الثاني): جفافُها ويُبْسُها بالشمس أو الهواءِ وذهابُ أثرِ النجاسةِ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسف، ومحمدِ بن الحسنِ. واستدلوا بالحديث الذي أخرجهُ أبو داود (٢/ ٤١ - مع العون)، والبغويُّ في: \"شرحِ السنةِ\" (٢/ ٨٢)، وقالَ: حديث صحيحٌ، والبيهقي (١/ ٢٤٣)، والبخاري في صحيحه تعليقًا (١/ ٢٧٨ - مع الفتح)، و\"تغليق التعليق\" (٢/ ١٠٩)، عن ابن عمر - ﵄ - قال:\nكنتُ أبيتُ في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -، وكنت فتًى شابًا عَزبًا، وكانت الكلابُ تبولُ وتقبلُ وتدبر في المسجدِ فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك. وهو حديثٌ صحيحٌ.\n• قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٩): \"واستدل أبو داود في \"السنن\" على أنَّ الأرضَ تَطهُرُ إذا لاقَتْها النجاسَةُ بالجفافِ، يعني أنَّ قولَهُ: \"لم يكونوا يرشونَ\" يدلُّ على نفي صبِّ الماءِ من بابِ أولى، فلولا أنَّ الجفاف يفيدُ تطهيرَ الأرضِ، ما تركوا ذلك ولا يخفى ما فيه\" اهـ.\nوقال شمس الحق آبادي في \"عون المعبود\" (١/ ٤٣)، تعقيبًا على كلام ابن حجر هذا: \"ليس عندي في هذا الاستدلال خفاءٌ بل هو واضحٌ … \" اهـ.\n• وقال المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\" (١/ ٤٦٢) أيضًا: \"واستدلالُ أبي داودَ بهذا الحديثِ على أن الأرضَ تطهُرُ بالجفافِ صحيحٌ ليسَ فيهِ عندي خدشةٌ\" اهـ.\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) في \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" (١/ ٢٦).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":125},{"text":"قالَ المصنفُ في \"التلخيص\" (^١): له إسنادانِ موصولانِ، (أحدُهما): عن ابن مسعودٍ (^٢)، (والآخرُ): عن وَاثِلَةَ بن الأسقَع (^٣)، وفيهما مقالٌ. ولو ثبَتتْ هذهِ الزيادة لبطلَ قولُ منْ قالَ: إنَّ أرضَ مسجدِه - ﷺ - رِخْوَةٌ، فإنهُ يقولُ: لا يحفرُ ويلقى الترابُ إلا مِنَ الأرضِ الصُّلْبَةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>فوائد من الحديث</span>\nوفي الحديثِ فوائدُ، (منها): احترامُ المساجدِ؛ فإنهُ - ﷺ - لما فَرَغَ الأعرابيُّ من بولِهِ دعاه ثم قالَ لهُ: \"إنَّ هذه المساجدَ لا تصلحُ لشيءٍ مِنْ هذا البولِ، ولا القذرِ، إنما هيَ لذكرِ اللَّهِ ﷿ وقراءةِ القرآنِ\"، [ولأنَّ الصحابة تبادروا إلى الإنكارِ عليه وأقرَّهم - ﷺ -] (^٤)، وإنما أمرَهُم بالرفقِ كما في روايةٍ الجماعةِ للحديث\n_________\n(^١) (١/ ٣٧ برقم ٣٢).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (١/ ١٣١ رقم ٢)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٦/ ٣١٠ رقم ٨٧١/ ٣٦٢٦)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٤) عنه. قال: \"جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فأمرَ رسول الله - ﷺ - بمكانه فاحْتُفِرَ، فَصُبَّ عليه دلوٌ منْ ماء … \". وقال: سمعانُ مجهولٌ. وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢٤ رقم ٣٦): سمعتُ أبا زُرعَةَ يقولُ: حديثُ سمعان في بول الأعرابي في المسجدِ، عن أبي وائل عن عبدِ اللَّهِ - ابن مسعودِ - عن النبي - ﷺ - أنهُ قالَ: \"احفِروا موضعَهُ\"، قال: هذا حديثٌ ليس بالقوي. قلت: وهو حديث منكر.\n(^٣) عزاه ابنُ حجر في \"التلخيصِ\" لأحمدَ والطبرانيِّ عنه وقال: فيه \"عبيدُ الله بنُ أبي حميد الهذلي\" وهو منكرُ الحديثِ قالهُ البخاريُّ - في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٧٧ رقم ١٢٠٣)، - وأبو حاتم - في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣١٢ - ٣١٣ رقم ١٤٨٧). قلتُ: لم أجدهُ في \"مسندِ الإمام أحمد\" (٣/ ٤٩٠ - ٤٩١) و(٤/ ١٠٦ - ١٠٧). كما لم أجدْهُ في \"مجمع الزوائد\" للهيثمي، واللَّه أعلم.\n• قلت وأخرجه ابن ماجه رقم (٥٣٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٧ رقم ١٩٢)، وفي سنده عبيد الله الهذلي: منكر الحديث، قاله البخاري، وقال ابن حجر: متروك \"التقريب\" (١/ ٥٣٢)، وانظر: \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٢١٢).\n• قلتُ: وأخرج الدارقطني (١/ ١٣٢ رقم ٤)، وأبو داود (١/ ٢٦٥ رقم ٣٨١)، عن عبد الله بن مَعْقِل بن مُقرِّن قال: قام أعرابي إلى زاوية من زوايا المسجد فانكشف فبال فيها، فقال النبي - ﷺ -: \"خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء\".\nوقال الدارقطني: عبد الله بن معقل تابعي، وهو مرسل.\nقلت: فالحديث ضعيف.\n(^٤) في النسخة (ب): \"ولأن الصحابة لمَّا تبادروا إلى الإنكار … - ﷺ - \".","vol":"1","page":126},{"text":"هذا إلا مسلمًا (^١) أنَّهُ قال لهم: \"إنما بعثتم ميسِّرينَ ولم تبعثوا معسِّرينَ\"، ولو كانَ الإنكارُ غيرَ جائزٍ لقالَ لهم: إنهُ لم يأتِ الأعرابيُّ ما يوجبُ نهيَكُم لَهُ.\n(ومنها): الرفقُ بالجاهلِ وعدمُ التعنيفِ، (ومنها): حُسْنُ خُلُقِهِ - ﷺ - ولطفُهُ في التعليم، (ومنها): أن الإبعادَ عندَ قضاءِ الحاجةِ إنما هي لِمَنْ يريدُ الغائطَ لا البولَ؛ فإنهُ كانَ عُرْفُ العربِ عدمَ ذلكَ وأقرَّهُ الشارعُ. وقد بالَ - ﷺ - وجعلَ رجلًا عند عَقِبِهِ يسترهُ، (ومنها): دفعُ أعظمِ المضرَّتينِ بأخفِّهما؛ لأنهُ لو قطعَ عليه بولَهُ لأضرَّ به وكانَ يحصلُ مِنْ تقويمهِ منْ محلهِ معَ ما قدْ حصلَ من تنجيسِ المسجدِ تنجيسُ بدنهِ وثيابِهِ ومواضع من المسجدِ غير الذي قد وقعَ فيهِ البول أولًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>ما أُحِلَّ من الميتة والدم</span>\n١١/ ١١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ أحْمَدُ (^٢)، وَابْن مَاجهْ (^٣) وَفيهِ ضَعْفٌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٣٢٣ رقم ٢٢٠) و(١٠/ ٥٢٥ رقم ٦١٢٨)، وأبو داود (١/ ٢٦٣ رقم ٣٨٠)، والترمذي (١/ ٢٧٥ رقم ١٤٧)، والنسائي (١/ ٤٨ رقم ٥٦)، وابن ماجه (١/ ١٧٦ رقم ٥٢٩)، وأحمد في \"المسند\" (١٢/ ٢٤٤ رقم ٧٢٥٤)، كلهم من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٩٧).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١١٠٢ رقم ٣٣١٤).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٣ رقم ٦٠٧)، والدارقطني (٤/ ٢٧٢ رقم ٢٥)، والبيهقي (١/ ٢٥٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٢٤٤)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" رقم (٨٢٠) من طرق.\n(^٤) قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٨٢ رقم ١١٤٢): \"هذا إسناد ضعيف\".\nعبد الرحمن - بن زيد بن أسلم - هذا، قال فيه أبو عبد الله الحاكم: روى عن أبيه أحاديثَ موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفهِ.\nقلت: (والقائل البوصيري): لكنْ لم ينفرد بهِ عبدُ الرحمن بن زيدٍ عن أبيه، فقد تابعه عليه سليمان بن بلال عن زيد بنِ أسلمَ عن ابن عُمَرَ قولَهُ. قال البيهقي: - (١/ ٢٥٤) - إسنادُهُ الموقوف صحيحٌ وهو في معنى المسندِ، قال: وقد رفعهُ أولاد زيد بن أسلم عن أبيهم وهم كُلُّهم ضعفاءُ جرَّحَهم ابنُ معين اهـ. =","vol":"1","page":127},{"text":"(وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ)، أي بعد تحريمها الذي دلَّتْ عليهِ الآياتُ، (وَدَمَانِ) كذلك؛ (فَأَمَّا الميتتانِ فَالْجَرَادُ) أي: ميتته، (وَالْحُوتُ) أي: مَيْتَتُهُ. (وَأَمَّا الدَّمَانِ فالطِّحَالُ) بزِنَةِ كِتاب، (وَالْكَبِدُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابنُ ماجَهْ، وفيهِ ضَعْفٌ)؛ لأنَّهُ رواهُ عبدُ الرحمن بنُ زيدِ بن أسلَمَ (^١) عن أبيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ: حديثُهُ منكَرٌ، وصحَّ أَنَّهُ موقوفٌ كما قالَ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ (^٢)؛ فإذا ثَبَتَ أَنَّهُ موقوفٌ فلهُ حكمُ المرفوعِ لأنَّ قولَ الصحابيِّ: أُحِلَّ لنَا كذا، وحُرِّمَ علينَا كذا، مثلُ قولِهِ: أُمِرْنا، ونُهينا، فيتمُّ بهِ الاحتجاجُ.\nويدلُّ على حِلِّ مَيْتَةِ الجرادِ على أي حالٍ [وُجدَتْ] (^٣)، فلا يعتبرُ في الجرادِ شيءٌ سواءٌ ماتَ حتفَ أنفِهِ أوْ بسببٍ. والحديثُ حجةٌ على منِ اشترطَ موتَها بسببٍ آدمي، أو بقطعِ رأسِها، وإَلَّا حَرُمَتْ.\nوكذلكَ يدلُّ على حِلِّ مَيْتَةِ الحوتِ على أي صفةِ وجدَ - طافيًا كانَ أو غيرَهُ - لهذا الحديثِ، وحديثُ: \"الحِلُّ مَيْتَتُه\" (^٤). وقيلَ: لا يحلُّ منهُ إلَّا ما كانَ موتُهُ بسببٍ آدميٍّ، أو جَزْرِ الماءِ، أو قذفِهِ، أو نضوبِهِ، ولا يحلُّ الطافي لحديثِ: \"ما ألقاهُ البحرُ أو جَزَرَ عنهُ فكلوا، ومَا مَاتَ فيهِ [فَطَفَا فَلَا تأكلُوه\"] (^٥). أخرَجَهُ أحمدُ (^٦)، وأبو داودَ (^٧) من حديثِ جابرٍ، وهو خاصٌّ فيُخَصُّ بهِ عمومَ الحديثين. وأُجيبَ عنهُ: بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ باتفاقِ أئمةِ الحديثِ.\n_________\n= وأوردَهُ الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١١١٨)، وتكلَّمَ عليه.\nوخلاصةُ القولِ: أن الحديثَ صحيحٌ، واللَّهُ أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٦١ رقم ٣٦١)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٣٣)، و\"المجروحين\" (٢/ ٥٧)، و\"الميزان\" (٢/ ٥٦٤) فهو ضعيف.\n(^٢) في \"العلل\" (٢/ ١٧ رقم ١٥٢٤).\n(^٣) في النسخة (أ): \"وجد\".\n(^٤) تقدم تخريجه في هذا الكتاب رقم (١).\n(^٥) في النسخة (أ): \"وطفا فلا تأكلوا\".\n(^٦) لم أجده في \"المسند\".\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ١٦٥ رقم ٣٨١٥).\nوقال أبو داود: \"روى هذا الحديث سفيانُ الثوري، وأيوب، وحماد، عن أبي الزبير، أوقفوه على جابرٍ، وقد أُسْنِدَ هذا الحديثُ أيضًا من وجه ضعيف، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبي - ﷺ - اهـ.\nقلتُ: وأخرجَهُ ابنُ ماجَهْ في \"السنن\" (٢/ ١٠٨١ رقم ٣٢٤٧). وفي سندِهِ \"يحيى بنُ سليم الطائفي\"، وهوَ صدوقٌ سيءُ الحفظِ، وفيهِ عنعنةُ أبي الزبير. وهو حديثٌ ضعيفٌ باتفاقِ الحفاظِ.","vol":"1","page":128},{"text":"قالَ النوويُّ (^١): \"حديثُ جابرٍ هذا ضعيف باتفاق أئمة الحديث لا يجوزُ الاحتجاجُ بهِ لو لم يعارِضْهُ شيءٌ، كيفَ وهو معارَضٌ \" اهـ. فلا يخصُّ بهِ العامَّ، ولأنه - ﷺ - أكلَ مِنَ العَنْبَرةِ التي قذفَها البحرُ لأصحابِ السُّرِيّةِ، ولم يسأَلْ بأيِّ سببٍ كانَ موتُها كما هُو معروفٌ في كتب الحديث (^٢) والسِّيَرِ.\nوالكَبِدُ حلالٌ بالإجماعِ، وكذلكَ مثلُها الطِّحالُ فإنهُ حلالٌ، إلا أن في البحرِ: أنه [يكرهُ لحديثِ عليٍّ - ﵁ -: (إنهُ لقْمَةُ الشيطانِ)، أي: إنهُ يُسرُّ بأكلهِ، إلا أنهُ حديثٌ لا يُعرفُ مَنْ أخرجَهُ] \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>وقوع الذباب في الشراب</span>\n١٢/ ١٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لْيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَد جَنَاحَيهِ دَاءَ، وَفِي الآخَرِ شِفَاء\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَزَادَ: \"وَإِنَّهُ يَتقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ\".\n(وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في شَرَابِ أَحَدِكُم)، وهو كما أسلفناهُ مِنْ أن الإضافَةَ ملغاةٌ كما في قولهِ: \"إذا وَلَغَ الكلبُ في إِناءِ\n_________\n(^١) في \"المجموع شرح المهذب\" (٩/ ٣٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٢٨ رقم ٢٤٨٣) و(٦/ ١٣٠ رقم ٢٩٨٣) و(٨/ ٧٧ - ٧٨ رقم ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢) و(٩/ ٦١٥ رقم ٥٤٩٣، ٥٤٩٤)، ومسلم (٣/ ١٥٣٥ - ١٥٣٧ رقم ١٧ - ٢١/ ١٩٣٥)، وأبو داود (٤/ ١٧٨ رقم ٣٨٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٩) من حديث جابر.\n(^٣) في النسخة (أ): \"يكره لحديث علي - ﵁ -، إلَّا أنه حديث لا يعرف من أخرجه. عن علي - ﵁ -: إنه لقمةُ الشيطان، أي أنه يُسرُّ بأكله\". وحديث علي أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٢٦).\n(^٤) في صحيحه (رقم: ٣١٤٢ - البغا) و(رقم: ٥٤٤٥ - البغا).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ١٨٢ رقم ٣٨٤٤).\nقُلتُ: وأخرجه ابنُ ماجهْ (٢/ ١١٥٩ رقم ٣٥٠٥)، وأحمدُ في \"المسند\" (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، والدارمي (٢/ ٩٨ - ٩٩)، وابن خزيمة (١/ ٥٦ رقم ١٠٥)، والطبراني في \"الأوسطِ\" (رقم ٢٤١٧)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٨٣).","vol":"1","page":129},{"text":"أحدِكُم\" (^١) وفي لفظٍ: \"في طعامِ\"، (فَلْيَغْمِسْهُ)، زادَ في روايةٍ البخاريِّ: \"كُلَّهُ\"، وفي لفظِ أبي داودَ: \"فَامْقُلوهُ\"، وفي لفظِ ابن السكَنِ: \"فَلْيَمْقُلْهُ\"، (ثم لْيَنْزِعْهُ)، فيهِ أَنَّهُ يمهَلُ في نزعِهِ بعدَ غمسِهِ؛ (فَإِن في أَحَد جَنَاحَيْهِ دَاءَ وَفِي الآخَرِ شِفَاءً)، هذا تعليلٌ للأمرِ بغَمْسِهِ.\nولفظُ البخاريِّ: \"ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ فإنَّ في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وفي الآخَرِ داءً\"، وفي لفظٍ: \"سُمًّا\"، (أخرجَه البخاريُّ وأبو داود وزادَ: وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداءُ)، وعند أحمد (^٢) وابن ماجه (^٣): إنهُ يقدِّمُ السُّمَّ، ويؤخِّرُ الشِّفاءَ\".\nوالحديثُ دليلٌ ظاهرٌ على جواز قتلِهِ دفعًا لضرِرِه، وأَنَّهُ يُطْرَحُ ولا يُؤكَلُ، وأنَّ الذُبابَ إذا ماتَ في مائع فإِنَّه لا ينجِّسُهُ، لأنهُ - ﷺ - أمرَ بغمسِهِ، ومعلومٌ أَنَّهُ يموتُ من ذلكَ، ولا سيما إذا كانَ الطعامُ حارًا، فلوْ كانَ ينجِّسُهُ لكانَ أمرًا بإفسادِ الطعامِ وهوَ - ﷺ - إنما أمرَ بإصلاحِهِ، ثمَّ عدَّى [هذا الحكمَ] (^٤) إلى كلِّ ما لا نفسَ لهُ سائلةٌ؛ كالنَّحلةِ، والزُّنْبُورِ (^٥)، والعنكبوتِ، وأشباه ذلكَ؛ إذِ الحكمُ يعمُّ بعمومِ علتِهِ، وينتفي بانتفاءِ سببِهِ، فلما كانَ سببَ التنجيس هوَ الدَّمُ [المحتقِنُ] (^٦) في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٢٣٤ رقم ٨٩/ ٢٧٩)، والنسائي (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وابنُ الجارود رقم (٥١)، والدارقطني (١/ ٦٤ رقم ٢)، والبيهقي (١/ ١٨)، كلهم من رواية عليّ بن مسهر، عن الأَعْمش، عن أبي رزين وأبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ - بِهِ.\n(^٢) في \"المسند\" (٣/ ٦٧).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١١٥٩ رقم ٣٥٠٤).\nقلتُ: وأخرجهُ الطيالسي (ص ٢٩١ رقم ٢١٨٨)، والنسائي (٧/ ١٧٨ رقم ٤٢٦٢)، وغيرهم من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ، وهُو حديث صحيح.\n• وفي الباب من حديثٍ أنس أخرجه البزار (٣/ ٣٢٩ رقم ٢٨٦٦)، وقال: \"لا نعلمُهُ يُروى عن أنسِ إلا بهذا الإسنادلا.\nوأخرجَهُ الطبرانيُّ في \"الأوسط\" (٣/ ٣٥٥ رقم ٢٧٥٦)، وقال: \"لم يَرْوِ هذا الحديث عن عَبَّادٍ إلا عمرٌو\".\nقُلتُ: وأوردَهُ الهيثميُّ في \"مجمعِ الزوائِدِ\" (٥/ ٣٨) وقال: (رواهُ البزارُ ورجالُهُ رجالُ الصحيح، ورواهُ الطبرانيُّ في \"الأوسطِ\") اهـ.\nوانظر: \"الصحيحة\" للمحدثِ الألبانيِّ (١/ ٥٩ - ٦٤ رقم ٣٩).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) ضرب من الذباب لسَّاع. \"لسان العرب\" (٦/ ٨٩).\n(^٦) في النسخة (أ): \"المتحقن\".","vol":"1","page":130},{"text":"الحيوانِ بموتِه، وكانَ ذلكَ مفقودًا فيما لا دَمَ لهُ سائلٌ انتفى الحكمُ بالتنجيسِ لانتفاءِ علَّتِهِ.\nوالأمرُ بغمسِهِ لِيخرُجَ الشفاءُ منهُ كما خرجَ الداءُ منهُ، وقد عُلِمَ أنَّ في الذبابِ قوةَ سُمِّيَّةَ كما يدلُّ [عليها] (^١) الورَمُ والحِكَّةُ الحَاصِلَةُ من لسْعِهِ، وهي بمنزلةِ السلاحِ، فإِذَا وقَعَ فيما يؤذيهِ اتقاهُ بسلاحِهِ كما قالَ - ﷺ -: \"فإنَّهُ يتقي بجناحِهِ الذي فيهِ الداءُ\"؛ فأمرَ - ﷺ - أَنْ تُقابَلَ تلكَ السُّمِّيَّةُ بما أودَعَهُ اللَّهُ ﷾ فيهِ مِنَ الشفاءِ في جناحِهِ الآخَرِ بغمسِهِ كلِّهِ، فتقابلُ المادةُ السُّمِّيَّةُ المادَّةَ النافِعَةَ فيزولُ ضرَرُها. وقد ذَكرَ غيرُ واحدٍ مِنَ الأطباءِ أَن لسعَةَ العقرَبِ والزُّنْبُورِ إذا دلكَ موضِعَها بالذُّبابِ [نفعَ] (^٢) منهُ نَفْعًا بيِّنًا، [وَيُسَكِّنُهَا] (^٣)، وما ذلكَ إلَّا للمادَّةِ التي فيهِ من الشفاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-96>ما قطع من البهيمة وهي حيَّة فهو ميت</span>\n١٣/ ١٣ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثي - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ\". [حسن]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالترْمِذِي (^٥)، وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-97>ترجمة أبي واقد الليثي</span>\n(وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ) (^٦) بقاف مكسورة، ودال مهملة، اسمهُ الحارِثُ بنُ عوفٍ من أقوالٍ.\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"عليه\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"ينفع\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"ويسكنه\".\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٢٧٧ رقم ٢٨٥٨).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٧٤ رقم ١٤٨٠) وقال: حديث حسن، وهو كما قال. قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٢١٨)، والدارمي (٢/ ٩٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٨٧٦)، والدارقطني (٤/ ٢٩٢ رقم ٨٣)، والحاكم (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي (٩/ ٢٤٥).\nوقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\nوحسَّنه الألباني في \"غاية المرام\" (رقم ٤١).\nقلت: وللحديثِ شواهدُ من حديثِ ابن عُمَرَ، وأبي سعيد الخدريِّ، وتميم الداريِّ.\nوسيأتي تخريجها قريبًا.\n(^٦) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ٢١٧ - ٢١٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٨٢ رقم=","vol":"1","page":131},{"text":"قيل: إنهُ شهدَ بدرًا، وقيل: إنهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الفتْحِ، والأولُ أصحُّ، ماتَ سنةَ ثمانٍ أو خَمْسٍ وستينَ بِمَكَّةَ. (اللْيثِي) بمثناة تحتية فمثلثة نسبة إلى الليث؛ لأنه مِنْ بني عَامِر [من] (^١) ليثٍ.\n(قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ما قُطِعَ مِنَ البهيمَةِ) في \"القاموس\" (^٢): البهيمةُ كلُّ ذاتِ أربعِ قوائِم ولَوْ في الماءِ، وكلُّ حيٍّ لا يميزُ، والبهيمةُ أولادُ الضأْنِ والمعْزِ، ولعلَّ المرادَ هنا الأخيرُ أو الأولُ لما يأتي بيانُهُ، (وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ) أي المقطوعُ (مَيِّتٌ. أخرجه أبو داودَ والترمذِيُّ [وحسنَهُ واللفظُ لَه]) (^٣)، أي قالَ: إنهُ حَسَنٌ، وقد عُرِّفَ معنى الحسَنِ من تعريفِ الصحيح فيما سلفَ، (واللفظُ له) أي للترمذيِّ.\nوالحديثُ قد رُوي من أربَعِ طرقٍ عنْ أربعةٍ منَ الصحابةِ: عن أبي سعيدٍ (^٤)، وأبي واقد (^٥)، وابنِ عمرَ (^٦)، وتميمٍ الداريِّ (^٧). وحديثِ أبي واقدٍ هذا رواه أيضًا أحمد (^٨) والحاكم (^٩) بلفظِ: \"قَدِمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - المدينةَ وبها ناسٌ يعمدونَ إلى\n_________\n= ٣٧٩)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ٢٧٠)، و\"المستدرك\" (٣/ ٥٣١ -\n٥٣٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٩٥ رقم ١٢٣٥)، و\"الإصابة\" (١٢/ ٨٨ - ٨٩ رقم ١٢٠١)، و\"الاستيعاب\" (١٢/ ١٨٠ رقم ٤٢١٤).\n(^١) في النسخة (ب): \"ابن\".\n(^٢) \"المحيط\" (ص ١٣٩٨).\n(^٣) في النسخة (أ): \"وحسنه\".\n(^٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٥) وهو حديث الباب وتقدم تخريجه (رقم: ١٣).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٧٢ رقم ٣٢١٦)، والدارقطني (٤/ ٢٩٢ رقم ٨٤).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٦٨ رقم ١١٠٦): (رواه الحاكم أبو عبد الله في كتابه \"المستدرك\"، عن طريق موسى بن هارونَ بن معنِ بن عيسى به، وله شاهدٌ من حديثِ أبي واقدٍ، رواه الترمذي في \"الجامع\").\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحهُ الألبانيُّ في صحيح ابن ماجَهْ.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٧٣ رقم ٣٢١٧). وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\": (٢/ ١٦٨ رقم ١١٠٧): (هذا إسنادٌ ضعيف لضعف أبي بكر الهذلي السلمي، وله شاهدٌ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رواه الحاكم في \"المستدرك\") اهـ.\nقلت: وهو حديثٌ ضعيفٌ، وقد ضعفهُ الألبانيُّ في \"غاية المرام\" (ص ٤٤).\n(^٨) في \"المسند\" (٥/ ٢١٨)، وقد تقدمَ في تخريج حديثِ الباب رقم (١٣).\n(^٩) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٩)، وقد تقدم في تخريج حديث البَاب رقم (١٣).","vol":"1","page":132},{"text":"أَلْيَاتِ الغنمِ وأَسْنِمَةِ الإبِلِ فَقَالَ: \"ما قُطِعَ مِنَ البهيمةَ وهي حيَّةٌ فهو مَيِّتٌ\".\nوالحديثُ دليل على أن ما قُطِعَ مِنَ البهيمَةِ وهي حَيَّةٌ فهو مَيِّتٌ محرَّم، وسببُ الحديثِ دالٌّ [على] (^١) أنهُ أريدَ بالبهيمةِ ذاتُ الأربَعِ وهوَ المعنى الأولُ لذكرِهِ الإبلَ فيهِ، لا المعنى [الأخير] (^٢) الذي ذكرهُ \"القاموسُ\"، لكنهُ مخصوصٌ بما أُبينَ مِنَ السَّمَكِ ولو كانتْ ذاتَ أربعِ، أو يرادُ بهِ المعنى الأوسَطُ؛ وهوَ كُلُّ حيٍّ لا يميزُ، فيخصُّ منهُ الجرادَ والسمكَ، وما أُبينَ مما لا دَمَ لَهُ.\nوقد أفادَ قولُهُ: \"فهو ميِّتٌ\"، أنهُ لا بدَّ أن يحلَّ المقطوع الحياة، لأن الميتَ هو ما منْ شأنهِ أَنْ يكونَ حيًّا.\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) في النسخة (أ): \"الآخر\".","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>[الباب الثاني] باب الآنية</span>\nالآنيةُ: جمعُ إناء وهو معروفٌ. وإنما بُوِّبَ لها لأنَّ الشارعَ قد نهى عن بعضِها فَقَدْ تعلَّقتْ بها أحكامٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة</span>\n١/ ١٤ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَان - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَشْرَبُوا فِي آنيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ\". [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ترجمة حذيفة بن اليمان</span>\n(عَنْ حُذَيْفَةَ) (^٢) أي أروي أو أذكُرُ [عن حذيفة] (^٣) كما سلفَ. وحُذَيْفَةُ بضم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩/ ٥٥٤ رقم ٥٤٢٦) و(١٠/ ٩٤ رقم ٥٦٣٢) و(١٠/ ٩٦ رقم ٥٦٣٣) و(١٠/ ٢٨٤ رقم ٥٨٣١) و(١٠/ ٢٩١ رقم ٥٨٤٧)، ومسلم (٣/ ١٦٣٧ - ١٦٣٨ رقم ٢٠٦٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٤/ ٢٩٩ رقم ١٨٧٨) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود (٤/ ١١٢ رقم ٣٧٢٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٣٠ رقم ٣٤١٤)، وأحمد (٥/ ٣٨٥، ٣٩٠، ٣٩٦، ٣٩٧، ٣٩٨، ٤٠٠ و٤٠٤ و٤٠٨)، والدارمي (٢/ ١٢١).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٢/ ٢٢٣ رقم ١٦٤٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٩٣ رقم ٤٠٥)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ٢٧٠ - ٢٨٣ رقم ٤٢)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ٣١٨ - ٣٢٠)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٣/ ١٧٨)، و\"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٣١١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٦/ ١٥)، (٧/ ٣١٧)، و\"مسند أحمد\" (٥/ ٣٨٢ - ٤٠٨).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).","vol":"1","page":134},{"text":"الحاء المهملة، فذال معجمة، فمثناة تحتية ساكنة ففاء، هو أبو عبدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ (ابْنُ اليَمَانِ) بفتح المثناة التحتية، وتخفيف الميم آخره نون. وحُذيفةُ وأبوهُ صحابيانِ جليلانِ، شَهِدا أُحُدًا. وحُذيفةُ صاحبُ سِرّ رسولِ الله - ﷺ -، روى عنه جماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ، وماتَ بالمدائنِ سنةَ خمسٍ أو ستٍّ وثلاثينَ بعدَ قتلِ عثمانَ بأربعينَ ليلةً.\n(قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَةِ، وَلَا تَأْكلُوا في صِحَافِهِمَا) جَمْعُ صَحْفَةٍ، قال [الكشافُ و] (^١) الكسائي (^٢): الصَّحْفَةُ تُشْبعُ الخمسَةَ؛ (فَإنَّهَا) أيْ آنِيَةُ الذَّهَب والفضَّةِ وصِحَافُهُما (لهُمْ)، أي: للمشركينَ وإِنْ لم يُذْكَرُوا فهمْ معلومونَ (في الدُّنْيَا) إِخْبَارٌ عمَّا هُمْ عليه، لا إخبارٌ بحِلِّها لَهُمْ، (ولكُمْ فِي الآخِرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشيخينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>أحكام فقهية من الحديث</span>\nالحديثُ دليلٌ على تحريم الأكْلِ والشُّربِ في آنيةِ الذهَبِ والفِضَّةِ، وصِحَافِهِمَا، سواءٌ كان الإناءُ خالصًا ذهبًا، أو مخلوطًا بالفضةِ؛ إذ هو مما يشمَلُهُ أنه إِناءُ ذهبٍ وفِضَّةٍ، قالَ النوويُّ (^٣): إنَّهُ انعقدَ الإجماعُ على تحريمِ الأكلِ والشربِ فيهما.\nواختُلِفَ في العلةِ فقيلَ: للخُيلاء، وقيل: بل لكونه ذهبًا وفضةً. [واختلفوا في الإناء] (^٤) المطليِّ بهما هل يُلْحَقُ بِهما في التحريم؟ فقيل: إنْ كانَ يمكنُ فصلُهُما حَرُمَ إجماعًا؛ لأنَّهُ مستعملٌ للذهبِ والفضَّةِ، وإِنْ كانَ لا يُمكنُ فصلُهُما لم يَحْرُم، [والأقرب أنه إذا أطلق عليه أنه إناء ذهب أو فضة، وسمِّي به، شمله لفظ الحديث، وإلا فلا، والعبرة بتسميته في عصر النبوة، فإن جُهِلَت فالأصل الحِلُّ، وأما الإناء المضبَّب بهما فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعًا، وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) انظر: \"الصَّحاح\" للجوهري (٤/ ١٣٨٤).\n(^٣) في \"المجموع\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).\n(^٤) في النسخة (ب): \"واختلف في\".\n(^٥) قلت: أخرج البخاري (١٠/ ٩٩ رقم ٥٦٣٨)، عن عاصم الأحول قال: \"رأيتُ قدحَ النبي - ﷺ - عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع فَسَلْسَلَهُ بفضَّةٍ … \".","vol":"1","page":135},{"text":"وأما غير الأكل والشرب من سائر الاستعمالات فهل يحرم؟ فإن] (^١) النصَّ لم يردْ إلا في الأكلِ والشربِ، وقيلَ: يحرمُ أيضًا سائرُ الاستعمالاتِ إجماعًا، ونازعَ بعضُ المتأخرينَ وقالَ: النصُّ وردَ في الأكلِ والشربِ لا غير، وإلحاقُ سائرِ الاستعمالات بهما قياسًا لا تتمُّ فيه شرائطُ القياسِ.\nوالحقُّ ما ذهب إليهِ القائلُ بعدمِ تحريمِ غير الأكلِ والشربِ فيهما؛ إذْ هو الثابتُ بالنصِّ، ودعوى الإجماعِ غيرُ صحيحةٍ. وهذا من شُؤْم تبديلِ اللفظِ النبويِّ بغيرِه؛ فإنَّهُ وردَ بتحريمِ الأكلِ والشربِ فقط، فعدلوا عن عبارتهِ إلى الاستعمال، وهجروا العبارَةَ النبويةَ، وجاءوا بلفظٍ عامٍّ من تلقاء أنفسهم، ولها نظائرُ في عباراتِهم، وكأنه ذكَرَ المصنفُ هذا الحديثَ هنا لإفادةِ تحريمِ الوضوء في آنيةِ الذهبِ والفضةِ، لأنهُ استعمالٌ لهما على مذهبهِ في تحريمِ ذلكَ، وإلا فبابُ هذا الحديثِ بابُ الأطعمةِ والأشربةِ.\nثم هلْ يلحقُ بالذهبِ والفضَّةِ نفائسُ الأحجارِ كالياقوتِ والجواهرِ؟ فيه خلافٌ، والأظهرُ عدمُ إلحاقهِ وجوازُهُ على أَصْلِ الإباحةِ لعدمِ الدليلِ الناقلِ عنها.\n٢/ ١٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ -: \"الَّذِي يَشْرَبُ في إِنَاءِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْه (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-102>ترجمة أم سلمة</span>\n(وَعَنْ أمِّ سلمةَ) (^٣) هي أمُّ المؤمنينَ زوجُ النبيّ - ﷺ -، اسمها هندُ بنتُ\n_________\n(^١) في النسخة (ب): [وأما الإناء المضبَّب بهما فإنه يجوز الأكل والشرب فيه إجماعًا.\nوهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه، فأما غير الأكل والشرب من سائر الاستعمالات قيل: لا يحرم لأن].\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٩٦ رقم ٥٦٣٤)، ومسلم (٣/ ١٦٣٤ رقم ٢٠٦٥).\nقلت: وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٩٢٤ رقم ١١)، وابن ماجه (٢/ ١١٣٠ رقم ٣٤١٣)، والدارمي (٢/ ١٢١)، والطيالسي (رقم: ١٦٠١)، وأحمد (٦/ ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٤).\n(^٣) انظر ترجمتها في: \"مسند أحمد\" (٦/ ٢٨٨ - ٣٢٤)، وطبقات ابن سعد (٨/ ٨٦ - ٩٦)، و\"المعارف\" (١٢٨، ١٣٦)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٦٤ رقم ٢٣٧٥)، و\"المستدرك\" (٤/ ١٦ - ١٩)، و\"الإصابة\" (١٣/ ٢٢١ - ٢٢٥ رقم ٣١٠٤)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ١٧٢ - =","vol":"1","page":136},{"text":"أبي أميةَ، كانتْ تحتَ أبي سلمةَ بن عبدِ الأسدِ، هاجرت إلى أرضِ الحبشةِ مع زوجِها، وتوفيَ عنها في المدينةِ بعد عَودَتِهِما منِ الحبشةِ، وتزوَّجَها النبيُّ - ﷺ - في المدينةِ سنةَ أربعٍ منِ الهجرةِ، وتوفيتْ سنةَ تسعٍ وخمسينَ، وقيلَ: [سنة] (^١) اثنتينِ وستينَ، ودفنتْ بالبقيعِ وعمرُها أربعٌ وثمانونَ سنةً.\n(قالت: قال رسول الله - ﷺ -: الذي يشربُ في إناءِ الفضَّةِ) هكذا عندَ الشيخينِ، وانفردَ مسلمٌ في روايةٍ أخرى بقوله: \"في إناء الفضة والذهبِ\"، (إنما يُجَرْجِرُ) بضم المثناة التحتية، وجيم، فراء وجيم مكسورة. والجَرْجَرَةُ صوتُ وقوعِ الماءِ في الجوفِ (^٢)، وصوتُ البعيرِ عندَ الجَرة (^٣). جعلَ الشربَ والجرْعَ جَرْجَرَةً، (في بطنهِ نارَ جهنمَ. متفقٌ عليه) [بين الشيخينِ] (^٤).\nقال الزمخشريُّ: يروى برفعِ النارِ أيْ على أنها فاعلٌ مجازًا، وإلا فنارُ جهنمَ على الحقيقةِ لا تُجَرْجِرُ في بطْنِه إنما جعلَ جَرْعَ الإنسانِ للماءِ في هذه الأوأني المنهيِّ عنها واستحقاق العقابِ على استعمالها كجَرْجَرَةِ نارِ جهنمَ في جوفهِ مجازًا، هكذا على روايةِ الرفعِ. وذِكْرُ الفعلِ [يعني] (^٥) يُجَرْجِرُ وإِنْ كان فاعلهُ النارُ وهي مؤنثةٌ للفصلِ بينها وبين فعلِها؛ ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، والأكثرُ على نصبِ نارِ جهنمَ، وفاعلُ الجَرْجَرَةِ هو الشاربُ والنارَ مفعولُهُ، والمعنى: كأنما يَجْرَعُ نارَ جهنمَ من بابِ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (^٦).\nقال النوويُّ (^٧): والنصبُ هوَ الصحيحُ المشهورُ الذي عليه الشارحونَ، وأهلُ الغَرِيبِ، واللغةِ، وجزم بهِ الأزهريُّ.\nوجهنمُ عَجَميةٌ لا تنصرفُ للتأنيثِ والعَلَميةِ؛ إذ هيَ عَلَمٌ لطبقةٍ من طبقاتِ النارِ (أعاذنا اللَّهُ منها) سُميتْ بذلكَ لبعدِ قَعْرِهَا، وقيلَ: لغلظِ أمرِها في\n_________\n= ١٧٥ رقم ٣٥١١)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤ رقم ٢٩٠٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٤٥).\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) كما في \"لسان العرب\" (٢/ ٢٤٥).\n(^٣) في \"لسان العرب\" (٢/ ٢٤٥): صوت البعير عندَ الضَّجر.\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في النسخة (أ): \"أعني\".\n(^٦) سورة النساء: الآية ١٠.\n(^٧) في \"المجموع\" (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":137},{"text":"العذابِ (^١). والحديثُ يدلُّ على ما دلَّ عليهِ حديثُ حذيفة الأوَّلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>إذا دبغ الإهاب فقد طهر</span>\n٣/ ١٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"إِذَا دُبغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ\". [صحيح]\nأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢).\n- وَعِنْدَ الأرْبَعَةِ (^٣): \"أَيُّمَا إِهَاب دُبغَ\". [حسن]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: إِذا دُبِغَ الإِهَابُ) بزنةِ كتابٍ [هو] (^٤) الجِلْدُ، أو ما لم يُدْبَغْ كما في \"القاموس\" (^٥)، ومثلُهُ في \"النهاية\" (^٦)، (فقَدْ طَهُرَ) بفتح الطاء والهاء، ويجوز ضمها كما يفيدُهُ \"القاموس\" (^٧).\n(أخرجه مسلم) بهذا اللفظ، (وَعِنْدَ الأَرْبَعَةِ)؛ وهم أهلُ السننِ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ) تمامهُ \"فَقَدْ طَهُرَ\". والحديثُ أخرجَهُ الخمسةُ (^٨) وإنما اختلفَ لفظُهُ، والحديث قد رُوي بألفاظٍ، وذُكِرَ لهُ سببٌ؛ وهو أَنَّهُ - ﷺ - مَرَّ بشاةٍ ميتةٍ لميمونَةَ فقالَ: \"أَلَّا اسْتَمْتَعْتُم بإِهَابِها؛ فإنَّ دباغَ الأديم [طهورٌ\"] (^٩).\n_________\n(^١) كما في \"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث\" (١/ ٣٨٢).\n(^٢) في صحيحه (١/ ٢٧٧ رقم ١٠٥/ ٣٦٦).\n(^٣) وهم: أبو داود (٤/ ٣٦٧ رقم ٤١٢٣)، والترمذي (٤/ ٢٢١ رقم ١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٣ رقم ٣٦٠٩).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٨٧٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٦٩)، والدارقطني (١/ ٤٦ رقم ١٧)، والبيهقي (١/ ٢٠)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٩٨ رقم ١٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٢٣٥ رقم ١٢٩٧٩)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٦ رقم ٥٨)، وأحمد (١/ ٢١٩)، والدارمي (٢/ ٨٦) عنه من طرق.\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) \"المحيط\" (ص ٧٧).\n(^٦) في \"غريب الحديث والأثر\" (١/ ٨٣).\n(^٧) \"المحيط\" (ص ٥٥٥).\n(^٨) كما تقدم تخريجه في حديث الباب رقم (١٦).\n(^٩) قلت: أخرج البخاري (٣/ ٣٥٥ رقم ١٤٩٢)، ومسلم (١/ ٢٧٦ رقم ١٠٠/ ٣٦٣)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٩٨ رقم ١٦) عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - وجد شاةً ميتةً، =","vol":"1","page":138},{"text":"وروى البخاري (^١) من حديثِ سودَةَ قالتْ: \"ماتَتْ لنا شاةٌ فدبَغْنا مَسْكَهَا (^٢)، ثم مَا زِلْنَا نَنتبذُ فيهِ حتى صارَ شَنًّا\" (^٣).\nوالحديثُ دليلٌ على أن الدِّباغَ مُطَهِّرٌ لجلدِ ميتةِ كلِّ حيوانٍ كما يفيدُهُ عمومُ كلمةِ: أَيُّمَا (^٤)، وأنَّهُ يَطْهُرُ باطنُهُ وظاهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-104>أقوال العلماء في تطهير جلد ميتة كل حيوان بالدباغ</span>\nوفي المسألة سبعةُ أقوالٍ:\n(الأول): يُطَهِّرُ جلدَ الميتةِ باطنهُ وظاهِرَهُ، ولا يخص منه شيئًا، عملًا بظاهر حديث ابن عباسٍ وما في معناهُ، وهذا مرويٌّ عن عليٍّ ﵇ وابنِ مسعود.\n(الثاني): [وهو أظهر الأقوال دليلًا] (^٥) لا يُطهّرُ الدباغُ شيئًا، وهو مذهبُ جماهير الهادويةِ، ويروى عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، مستدلينَ بحديثٍ أخرجه الشافعي (^٦)، وأخرجه أحمد (^٧)، والبخاري في تاريخه (^٨)، والأربعة (^٩)، والدارقطني (^١٠)، والبيهقي (^١١)، وابنُ حبانَ (^١٢) عَنْ عَبدِ اللَّهِ بن عُكَيم قالَ: أتانا\n_________\n= أُعطيتْهَا مولاةٌ لميمونةَ، من الصدقةِ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلًا انتفعتم بجلدِها؟ \"، قالوا: \"إنها ميتةٌ\"، فقال: \"إنما حَرُمَ أكلُها\". وفي النسخة (أ): \"طهوره\".\n• وأما قول النبي - ﷺ -: \"دباغ جلود الميتة طُهورُها\"، سيأتي تخريجه في الحديث الآتي (رقم: ١٧).\n(^١) في صحيحه (١١/ ٥٦٩ رقم ٦٦٨٦).\nقلتُ: وأخرجه أحمدُ (٦/ ٣٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، والبغوي \"في شرح السنة\" (٢/ ١٠١ رقم ٣٠٦).\n(^٢) المَسْكُ: هو الإهابُ. \"غريب الحديث\" للحربي (٢/ ٥٦٥).\n(^٣) الشَنُّ: القربة. \"النهاية\" (٢/ ٥٠٦).\n(^٤) في النسخة (أ) جملة زائدة وهي (إذا دبغ الإهاب).\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) في \"سنن حرملة\" - كتاب للشافعي - كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٦).\n(^٧) في \"المسند\" (٤/ ٣١٠، ٣١١).\n(^٨) (٧/ ١٦٧ رقم الترجمة ٧٤٣).\n(^٩) وهم: أبو داود (٤/ ٣٧٠ - ٣٧١ رقم ٤١٢٧، ٤١٢٨)، والترمذي (٤/ ٢٢٢ رقم ١٧٢٩)، والنسائي (٧/ ١٧٥)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٤ رقم ٣٦١٣) وقال الترمذي: حديث حسن.\n(^١٠) عزاه إليه ابنُ حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٧).\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥).\n(^١٢) في صحيحه (٢/ ٢٨٦ رقم ١٢٧٤).","vol":"1","page":139},{"text":"كتابُ رسول اللَّهِ - ﷺ - قَبْلَ مَوْتِهِ: \"أن لا تنتفعوا منَ الميتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ\"، وفي رواية الشافعيِّ، وأحمد (^١)، وأبي داودَ (^٢): قَبْلَ موتِهِ بشهرٍ، وفي روايةٍ: بشهرٍ أو شهرين. قال الترمذيُّ: حسنٌ، وكانَ أحمدُ يذهبُ إليهِ ويقولُ: هذا آخرُ الأمرينِ، ثم تركَهُ. قالوا: فهذا ناسخ لحديث ابن عباسٍ لدلالتهِ على تحريمِ الانتفاعِ من الميتةِ بإهابها وعصبِها. وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ:\nالأولُ: أنَّهُ حديثٌ مضطربٌ (^٣) في سندِهِ؛ فإنه رُوي تارةً عن كُتَّاب\nالنبيِّ - ﷺ -، وتارةً عن مشايخ من جُهَيْنَةَ، وتارةً عمَّنْ قرأَ كتابَ النبيِّ - ﷺ -. ومضطربٌ أيضًا في متنهِ؛ فرُوي مِنْ غيرِ تقييدٍ في روايةِ الأكثر، ورُوي [بالتقييدِ بشهر] (^٤) أو شهرين، أو أربعينَ يومًا أو ثلاثةَ أيامٍ. ثم إنهُ مُعَلٌّ أيضًا بالإرسالِ؛ فإنهُ لم يسمعْهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عُكَيم منهُ - ﷺ -، وبالانقطاع؛ فإنه لم يسمعْهُ عبدُ الرحمنِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣١٠).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٣٧١ رقم ٤١٢٨).\nقلت: حديث عبدِ اللَّهِ بن عُكَيم صحيح. وقد صححهُ الألبانيُّ في \"الإرواء\" (رقم: ٣٨).\n(^٣) المُضْطَرِبُ: هو الحديثُ الذي رُوِيَ على أوجه مختلفة على التساوي في الاختلافِ من راوٍ واحدٍ - بأن رواهُ مرةً على وجهٍ، وأخرى على وجهٍ آخرِ مخالفٍ للأوَّل -، أو أكثر من واحدٍ: بأن رواه كلٌّ من الرواةِ على وجهٍ مخالِفٍ للآخرِ، فلا يكونُ الحديثُ مضطربًا إلا إذا تساوَتْ الرواياتُ المختلفَةُ فيه في الصحةِ بحيث لا يمكنُ الترجيحْ بينَها ولا الجمع.\nأما إذا ترجَّحت إحدى الروايات بكون راويها أحفظَ أو أكثر صحبةً للمروي عنهُ أو غيرَ ذلكَ من وجوهِ الترجيح فلا يكونُ مضطربًا، بل الحكمُ بالقبول حينئذٍ للراجح حتمًا، والمرجوحُ يكونُ شاذًّا أو منكرًا.\nكما أَنَّ الحديثَ لا يكونُ مضطربًا إذا أمكنَ الجمع بينَ رواياته المختلفة بحيث يكونُ المتكلمُ قد عبَّر بلفظتينِ أو أكثرَ عن معنى واحد أو قصد بيانَ حكمين متغايرينِ.\nويقع الاضطرابُ في الإسنادِ، أو في المتنِ، أو في كليهما.\nأما حكم المضطرب: فالأصلُ في الاضطرابِ حيث وقعَ أنهُ يوجبُ ضعفَ الحديثِ، لإشعاره بعدمِ ضبط راويهِ أو رواتِهِ، وقد تقدمَ أن الضبطَ شرطٌ في الصحيح والحسنِ، وقد تجتمعُ صفة الاضطراب معَ الصحةِ، وذلك بأن يقعَ الاختلافُ في اسمَ رجلٍ واحدٍ وأبيه ونسبتهِ ونحو ذلكَ، ويَكونُ ثقةً، فيُحكم للحديث بالصحةِ، ولا يضرُّ الاختلافُ فيما ذُكرَ مع تسميتِهِ مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرةٌ بهذهِ المثابةِ.\nانظر: \"التبصرة والتذكرة\" (١/ ٢٤٠ - ٢٤٥).\n(^٤) في النسخة (أ): \"تقييد شهر\".","vol":"1","page":140},{"text":"ابنُ أبي ليلى مِنْ ابن عُكَيم، ولذلكَ تركَ أحمدُ بنُ حنبلٍ القَولَ بهِ آخرًا، وكانَ يذهبُ إليهِ أولًا كما قالَ عنه الترمذي (^١).\n[وثانيًا: بأنهُ] (^٢) لا يقوى على النسخِ؛ لأنَّ حديثَ الدِّباغِ أصحُّ؛ فإنَّهُ أخرجه مسلمٌ (^٣)، وروي من طرقٍ متعددةٍ في معناهُ عدةُ أحاديثَ عن جماعةٍ مِنَ الصحابةِ؛ فعنْ ابن عباسٍ حديثان (^٤)، وعن أمِّ سلمةَ ثلاثة (^٥)، وعن أنسٍ حديثانِ (^٦)،\n_________\n(^١) قلت: وقد ردَّ المحدثُ الألبانيُّ على جميع العللِ المدَّعاة على هذا الحديثِ في كتابهِ \"إرواء الغليلِ\" (١/ ٧٦ - ٧٩ رقم ٣٨)، فانظَره إنْ شئتَ فقد أجادَ وأفادَ.\n(^٢) في النسخة (ب): \"والثاني أنه\".\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا رقم (١٦).\n(^٤) تقدم تخريجهما قريبًا.\n(^٥) • أخرجه الدارقطني (١/ ٤٧ رقم ١٩)، والبيهقي (١/ ٢٤)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١٨) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" - وفيه: يوسف بن السفر وقد أجمعوا على ضعفه -: عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها وشعرها وترونها إذا غسل بالماء\"، وقال الدارقطني: يوسف بن السفر: متروك، ولم يأت به غيره.\n• وأخرجه الدارقطني (١/ ٤٨ رقم ٢٢): عن أم سلمة أو زينب أو غيرهما من أزواج النبي - ﷺ -: أن ميمونة ماتت شاة لها، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"ألا استمتعم بإهابها؟ \"، فقالت: يا رسول الله كيف نستمتع بها وهي ميتة؟ فقال: \"طهور الأدم دباغه\". وقال غيره عن شعبة عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي - ﷺ - كانت لنا شاة فماتت.\n• وأخرج الدارقطني (١/ ٤٩ رقم ٢٨)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١٨)، وقالَ رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\"، تفرد به فرج بن فضالة وضعفه الجمهور.\nعن أم سلمة: أنها كانت لها شاة تحتلبها، ففقدها النبي - ﷺ - فقال: \"ما فعلت الشاة؟ \" قالوا: ماتت، قال: \"أفلا انتفعتم بإهابها؟ \"، قلنا: إنها ميتة، فقال النبي - ﷺ -: \"إن دباغها يحل كما يحل خل الخمر\"، وقال الدارقطني: تفرد به فرج بن فضالة وهو ضعيف.\n(^٦) • أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٧/ ١٥٧ رقم ١٣٧٤/ ٤١٢٩).\nعن أنس، قال: كنتُ أمشِي معَ النبي - ﷺ - فقال لي: \"يا بُنَيَّ ادعُ لي من هذا الدار بَوَضُوءٍ\"، فقلتُ: رسول الله - ﷺ - يَطْلُبُ وَضوءًا؟ فقالوا: أخبرْهُ أن دلوَنَا جِلْدُ مَيْتَةٍ، فقال: \"سَلْهُمْ: هل دَبَغوهُ؟ \"، قالوا: نعم، قال: \"فإنَّ دِباغَهُ طُهُورُهُ\".\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١٧) وقال: رواه أبو يعلى وفيه درست بن زياد، عن يزيد الرقَاشي وكلاهما مختلف في الاحتجاج به.=","vol":"1","page":141},{"text":"وعن سلمةَ بن المُحَبِّق (^١)، وعائشة (^٢)، والمغيرة (^٣)، وأبي أمامة (^٤)، وابن مسعود (^٥)، ولأنَّ الناسخَ لا بدَّ من تحقيقِ تأخرهِ، ولا دليلَ على تأخرِ\n_________\n= وأورده أيضًا ابن حجر في \"المطالب العالية\" (١/ ١٢ رقم ٢٥)، وعزاه إلى أبي يعلى، وقال البوصيري: \"في سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف\".\n• وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٩٢١٥) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - استوهب وضوءًا فقيل له: لم نجد ذلك إلا في مسك ميتة، قال: \"أدبغتموه\"؟ قالوا: نعم، قال: \"فهلمَّ فإن ذلك طهوره\". وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٧): وإسناده حسن.\n(^١) سيأتي تخريجه رقم (١٧) وهو حديث حسن.\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٩٨ رقم ١٨)، وأبو داود (٤/ ٣٦٨ رقم ٤١٢٤)، والنسائي (٧/ ١٧٦)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٤ رقم ٣٦١٢)، والدارقطني (١/ ٤٩ رقم ٢٧)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٧ رقم ٦١)، والطيالسي (١/ ٤٣ رقم ١٢٣) - \"منحة المعبود\"، وأحمد (٦/ ٧٣، ١٠٤، ١٤٨، ١٥٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٦٣ رقم ١٩١)، والدارمي (٢/ ٨٦)، والبيهقي (١/ ١٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٠)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٢٩٠ رقم ١٢٨٣) عن عائشة: \"أن رسولَ الله - ﷺ - أمرَ أن يُسْتَمْتَعَ بجلُودِ الميتة إذا دبغتْ\"، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٥٤): عن أبي أمامة الباهلي عن المغيرة بن شعبة، قال: دعاني رسول الله - ﷺ - بماء فأتيت خباء فإذا فيه امرأة أعرابية، قال: فقلت: إن هذا رسول الله - ﷺ - وهو يريد ماء يتوضأ فهل عندك من ماء؟ قالت: بأبي وأمي رسول الله - ﷺ -، فواللَّه ما تظل السماء ولا تقل الأرض روحًا أحب إليَّ من روحه ولا أعز ولكن هذه القربة مسك ميتة ولا أحب أنجس به رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته، فقال: \"ارجع إليها فإن كانت دبغتها فهي طهورها\"، قال: فرجعت إليها فذكرت ذلك لها فقالت: إي والله لقد دبغتها، فأتيته بماء منها وعليه يومئذ جبَّة شامية، وعليه خفَّان وخمار قال: فأدخل يديه من تحت الجبة، قال: من ضيق كميها، قال: \"فتوضأ فمسح على الخمار والخفين\".\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١٧)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" ببعضه، وفيه علي بن يزيد، عن القاسم، وفيهما كلام وقد وثِّقا).\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (١٠٥٢) و\"الكبير\" رقم (٧٧١١)، عن أبي أمامة أن رسول الله - ﷺ -: \"خرج في بعض مغازيه فمرَّ بأهل أبيات من العرب فأرسل إليهم: هل من ماء لوضوء رسول الله - ﷺ -؟ فقالوا: ما عندنا ماء إلا في إهاب ميتة دبغناها بلبن، فأرسل إليهم أن دباغه طهوره، فأتي به فتوضأ ثم صلَّى\". وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٧): \"فيه عفير بن معدان وقد أجمعوا على ضعفه\".\n(^٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (٥٧٦): عن ابن مسعود قال: \"مر رسول الله - ﷺ - بشاة ميتة، فقال: \"ما ضرَّ أهل هذه لو انتفعوا بإهابها\"، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٧): =","vol":"1","page":142},{"text":"حديثِ ابن عُكَيم، وروايةُ التاريخِ فيه بِشهرٍ أو شهرين مُعَلَّةٌ؛ فلا تقومٌ بها حجَّةٌ على النسخ، على أنها لو كانتْ روايةُ التاريخ صحيحةً ما دلتّ على أنهُ آخرُ الأمرينِ جزمًا، ولا يقالُ: فإذا لم يتمَّ النسخُ تعارضَ الحديثانِ؛ حديثُ ابن عُكَيم، وحديثُ ابن عباسٍ ومن معهُ، ومعَ التعارُضِ يُرْجَعُ إلى الترجيحِ أو الوقف: لأنا نقولُ لا تعارُضَ إلا معَ الاستواءِ؛ وهو مفقودٌ كما عَرَفْتَ من صحةِ حديثِ ابن عباسٍ، وكثرةِ مَنْ معهُ مِنَ الرواةِ، وعدمُ ذلكَ في حديثِ ابن عُكَيْم.\nوثالثًا: بأنَّ الإهابَ كما عرفْتَ [من] (^١) \"القاموس\" (^٢) و\"النهايةِ\" (^٣)، اسمٌ لما لم يُدْبَغْ في أحد القولينِ. وقال النضرُ بنُ شميلٍ: الإهابُ لِمَا لَمْ يُدْبَغْ، وبعدَ الدَّبغ يقالُ لَهُ: شَنٌّ وقِرْبَةٌ، وبهِ جزمَ الجوهريُّ. قيلَ: فلما احتملَ الأمرينِ، ووردَ الحديثانِ في صورةِ المتعارِضَيْنِ، جمعنا بينهما بأنهُ نُهيَ عن الانتفاع بالإهابِ ما لمْ يُدْبَغْ، فإِذَا دُبغَ لم يُسمَّ إِهابًا؛ فلا يدخلْ تحتَ النهي، وهو حَسَنٌ (^٤).\n(الثالث): يَطْهُرُ جلدُ ميتةِ المأكولِ لا غيرُهُ، ويرده عمومُ \"أيُّما إهابٍ\".\n(الرابع): يَطْهُرُ الجميع إلا الخنزيرَ؛ فإنَّهُ لا جلدَ لَهُ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.\n(الخامسُ): يَطْهُرُ إلا الخنزيرَ، لقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^٥)، والضميرُ للخنزيرِ فقد حَكَمَ بِرِجسيّتِهِ كُلِّهِ، والكلبُ مقيسٌ عليهِ بجامعِ النجاسةِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ.\n(السادسُ): يَطْهُرُ الجميع لكنّ ظاهرَهُ دونَ باطنِهِ، فيستعملُ في اليابسات دون المائعاتِ، ويصلَّى عليهِ، ولا يصلَّى فيهٍ؛ وهو مرْويُّ عن مالكٍ جمعًا منهُ بينَ الأحاديثِ لما تعارَضَتْ.\n_________\n= \"فيه حماد بن سعيد البراء ضعفه البخاري. وروى الطبراني نحوه عن ابن مسعود موقوفًا ورجاله ثقات\" اهـ.\n(^١) في النسخة (ب): \"عن\".\n(^٢) \"المحيط\" (ص ٧٧).\n(^٣) لابن الأثير (١/ ٨٣).\n(^٤) قال الحازمي في \"الاعتبار\" (ص ١٧٨): \" … فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيحات. ويحمل حديث ابن عُكَيْم على منع الانتفاع به قبل الدباغ وحينئذٍ يسمَّى إهابًا. وبعد الدباغ يسمَّى جلدًا، ولا يسمَّى إهابًا، وهذا معروف عندَ أهلِ اللُّغةِ ليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار\" اهـ.\n(^٥) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.","vol":"1","page":143},{"text":"(السابعُ): يُنْتَفَعُ بجلودِ الميتةِ وإنْ لم تُدْبَغْ، ظاهرًا وباطنًا، لما أخرجَهُ البخاريُّ (^١) من روايةِ ابن عباسٍ أنَّهُ - ﷺ - بشاةٍ ميتةٍ فقالَ: \"هلَّا انتفعتم بإهابها\"، قالوا: إِنَّها ميتةٌ، قالَ: \"إِنَّمَا حَرُمَ أكلُها\"، وهو رأي الزهريِّ (^٢). وقد أجيبَ عنهُ بأنَّهُ مُطْلَقٌ قيَّدتْهُ أحاديثُ الدباغِ التي سلفَتْ.\n٤/ ١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيتَةِ طُهُورُهَا\". [حسن]\nصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>ترجمة سلمة بن المحبِّق</span>\n(وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحبِّقِ - ﵁ -) (^٤) هو بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة المكسورة، والقاف، وسَلَمَةُ صحابيٌّ يعدُّ في البصريينَ، روى عنهُ ابنهُ سنانُ، ولسنانَ أيضًا صحبةٌ (^٥).\n(قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتةِ طُهُورُهَا. صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، أي: أخرجَهُ وصحَّحَهُ، وقد أخرجه غيره بألفاظٍ عندَ أحمدَ (^٦)، وأبي داود (^٧)، والنسائي (^٨)، والبيهقي (^٩)،\n_________\n(^١) بل أخرجه البخاري ومسلم. البخاري (٣/ ٣٥٥ رقم ١٤٩٢) و(٤/ ٤١٣ رقم ٢٢٢١) و(٩/ ٦٥٨ رقم ٥٥٣١، ٥٥٣٢)، ومسلم (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ رقم ١٠٠، ١٠١/ ٣٦٣).\n(^٢) قلت: وهذا مخالف للإجماع. كما أنه صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧/ ٢٧ رقم ٤٥٠٥) ورجاله ثقات.\n(^٤) الهُذَليّ: وقيل: اسم المحبِّق صَخْر، وقيل: ربيعة، وقيل: عُبَيْد، وقيل: المُحَبِّق جدّه، والأشهر فيه فتح الباء، وأنكره عمر بن شَبَّة بكسر الباء.\nقال العسكري: قلت لصاحبي أحمد بن عبد العزيز الجَوْهريّ: إن أهل الحديث كلهم يفتحونها، قال: أَيْشٌ المُحَبِّق في اللغة، قلت: المُفَرِّط، قال: إنما سَمَّاهُ المُفَرِّط تفاؤلًا بأنه يُفرِّط أعداءه .. يُكنى أبا سنان. \"الإصابة\" لابن حجر (٤/ ٢٣٤ رقم ٣٣٨٨).\n(^٥) قال ابن حجر في \"الإصابة\" (٥/ ٣٨ رقم ٣٧٩٥): \" .. وسنان له رؤية، لا سماع .. \".\n(^٦) في \"المسند\" (٣/ ٤٧٦) و(٥/ ٦، ٧).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٣٦٨ رقم ٤١٢٥).\n(^٨) في \"السنن\" (٧/ ١٧٣ رقم ٤٢٤٣).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧، ٢١).=","vol":"1","page":144},{"text":"وابن حبان عن سلمة بلفظِ: \"دِبَاغُ الأديمِ (^١) ذكاته\"، وفي لفظ: \"دباغها ذكاتها\"، وفي أخرى: \"دباغها طهورها\"، وفي لفظ: \"ذكاتها دِباغها\"، وفي لفظٍ [آخَرَ] (^٢): \"ذكاةُ الأديمِ دباغُهُ\"، وفي الباب أحاديثُ بمعناهُ (^٣). وهو يدلُّ على ما دلَّ عليهِ حديثُ ابن عباسٍ. وفي تشبيهِهِ الدبَاغَ بالذكاةِ إعلامٌ بأنَّ الدِّبَاغَ في التطهيرِ بمنزلةِ تذكيةِ الشاةِ في الإحلالِ؛ لأنَّ الذبحَ يطهِّرُها ويُحِلُّ أكْلَها.\n٥/ ١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَرَّ النَّبي - ﷺ - بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: \"لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا\"؟ فَقَالُوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فَقَالَ: \"يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ\". [حسن لغيره]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِي (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-106>ترجمة ميمونة</span>\n(وَعَنْ مَيْمُونَةَ) (^٦) هي أمُّ المؤمنينَ مَيْمُونَةُ بنتُ الحارثِ الهلاليةُ، كانَ اسمها\n_________\n= قلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٤٥ - ٤٦ رقم ١٢ - ١٥)، والطيالسي (١/ ٤٣ رقم ١٢٤) \"منحة المعبود\"، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٤٧١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٤١) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٤٩): \" … وإسناده صحيح، وقال أحمد: الحون لا أعرفه، وقد عرفه غيره، عرفه علي بن المديني، وروى عنه الحسن وقتادة، وصحح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة .. \".\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن.\n(^١) الأديمُ: الجلْدُ المدْبوغ والجمع أَدَمٌ، بفتحتين، وأدُمٌ، بضمتين أيضًا. مثل بريد وبُرُد.\n\"المصباح المنير\" (ص ٤).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) وقد تقدم بعضها كحديث عائشة، والمغيرة، وأبي أمامة، وابن مسعود، وأم سلمة، وغيرهم ..\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٣٦٩ رقم ٤١٢٦).\n(^٥) في \"السنن\" (٧/ ١٧٤ رقم ٤٢٤٨).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٣٤)، والدارقطني (١/ ٤٥ رقم ١١). وفي سنده عبد الله بن مالك بن حذافة وهو مجهول، ولكن يشهد له حديث ابن عباس في الصحيحين فهو به حسن.\n(^٦) انظر ترجمتها في: \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٢٩ - ٣٣٨)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ١٣٢ - ١٤٠)، و\"المعارف\" (ص ١٣٧، ٣٤٤)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ١٥٩ - ١٦٧ رقم ٣٤٩٩)، و\"الإصابة\" (١٣/ ١٣٨ - ١٤١ رقم ١٠٢٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٠ - ٤٨١ رقم ٢٨٩٨)، و\"العبر\" (١/ ٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٤٨، ٥٨).","vol":"1","page":145},{"text":"بَرَّة فسمَّاها رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مَيْمُونَةَ، تزوَّجَها - ﷺ - في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ سبعٍ في عُمْرَةِ القضيةِ، [وكانتْ] (^١) وفاتُها سنةَ إحدى وستينَ، وقيلَ: إحدى وخمسينَ، وقيلَ: ستٍّ وستينَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ؛ وهي خالةُ ابن عباسٍ، ولم يتزوجْ - ﷺ - بعدَها.\n(قَالَتْ: مَرَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - بشاةٍ يَجرُّونَهَا فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ (^٢). أَخرَجَهُ أبو دَاوُدَ والنَّسَائي)، وفي لفظٍ عندَ الدارقطني (^٣) عن ابن عباسٍ: \"أليسَ في الماءِ والقَرَظ ما يُطَهِّرُهَا؟ \"، وأما روايةُ: \"أليسَ فِي الشَّثِّ (^٤) والقَرَظِ ما يُطَهِّرُهَا؟ \"، فَقَالَ النوويُّ (^٥): إنهُ بهذا اللفظِ باطلٌ لا أصلَ لَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>بم يجوز الدباغ</span>\nوقالَ في \"شرحِ مسلمِ\" (^٦): يجوزُ الدِّبَاغُ بكلِّ شيءٍ يُنشِّفُ فضلاتِ الجلْدِ، ويُطَيِّبُهُ، ويمنعُ من ورودِ الفسادِ عليهِ؛ كالشثِّ -[بالمعجمة، وجزم الأزهري بأن آخره موحدة، وقال: هو من الجواهر التي جعلها الله في الأرض، تشبه الزاج، وجزم غيره بأن آخره مثلثة قال الجوهري: إنه طيب الرائحة مُرّ الطعم يدبغ به] (^٧) -، والقَرَظِ، وقشورِ الرمانِ، وغيرِ ذلكَ من الأدويةِ الطاهرةِ، ولا يحصلُ بالشمسِ إلا عندَ الحنفيةِ، ولا بالترابِ والرماد والملح على الأصحِّ.\n_________\n(^١) زيادهَ من النسخة (أ).\n(^٢) القَرَظُ: ورَق السَّلَمِ يُدْبَغُ به. وقيل: قِشْرُ البَلُّوطِ \"مختار الصحاح\" (ص ٢٢٢).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤١ رقم ١)، قلت: وأخرجه البيهقي (١/ ٢٠)، وقال النووي في \"المجموع\" (١/ ٢٢٢): وهو حديث حسن.\n(^٤) الشَّثُّ: بالفتح، نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ مُرُّ الطَّعْمِ يُدْبَغُ به. \"مختار الصحاح\" (ص ١٣٩).\n(^٥) في \"الخلاصة\" كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٤٨).\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" (١/ ٢٢٣): \"واعلم أنه ليس للشب ولا الشَّثّ ذكر في حديث الدباغ وإنما هو من كلام الإمام الشافعي ﵀، فإنه قال ﵀: والدباغ بما كانت العرب تدبغ به وهو الشَّثّ والقَرَظ، هذا هو الصواب\" اهـ.\n(^٦) (٤/ ٥٥).\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>حكم استعمال آنية الكفار</span>\n٦/ ١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: \"لَا تأكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا\". [صيحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-109>ترجمة أبي ثعلبة الخشني</span>\n(وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَة) (^٢) بفتح الثاء بعدها عين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فموحَّدة، (الخُشَنِيِّ - ﵁ -) بضم الخاء المعجمة، فشين معجمة مفتوحة، فنون، نسبة إلى خُشَيْنِ بن النَّمِرِ من قُضَاعَةَ، حذفت ياؤه عند النسبة، واسمه: جُرْهُمْ بضم الجيم، بعدها راء ساكنة، فهاء مضمومة، ابن ناشبٍ بالنونِ، وبعدَ الألفِ شينٌ معجمة آخرَهُ موحَّدة، اشتهرَ بكنيته. بايعَ النبيَّ - ﷺ - بيعةَ الرضوانِ، وضَرَبَ لَهُ بسهمٍ يَومَ خيبرَ، وأرسَلَهُ إلى قومِهِ؛ فأسلموا. نزلَ بالشامِ وماتَ بها سنةَ خمسٍ وسبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلك.\n(قَالَ: قلْتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ: إِنَّا بَأرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكْل فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تأْكُلُوا فِيهَا إلَّا أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشيخينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-110>أحكام فقهية من الحديث</span>\nاستُدِلَّ بهِ على نجاسةِ آنيةِ أهْلِ الكتابِ، وهلْ هوَ لنجاسةِ رُطوبِتِهم، أو لجوازِ أكلِهِمْ فيها الخنزير، وشرب الخمرِ أو للكراهَةِ؟ ذهبَ إلى الأولِ القائلونَ\n_________\n(^١) البخاري (٩/ ٦٢٢ رقم ٥٤٩٦)، ومسلم (٣/ ١٥٣٢ رقم ٨/ ١٩٣٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤/ ١٧٧ رقم ٣٨٣٩)، والترمذي (٤/ ١٢٩ رقم ١٥٦٠) و(٤/ ٦٤ رقم ١٤٦٤)، وابن ماجَهْ (٢/ ٦٩ رقم ٣٢٠٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٦/ ١٠٤، ١٩٣ - ١٩٥)، و\"طبقات ابن سعد\" (٧/ ٤١٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٢ - ٥٣ رقم ١٩٨)، و\"العِبر\" (١/ ٦٣)، و\"الإصابة\" (١١/ ٥٤ - ٥٦ رقم ١٧٦)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ١٦٦ - ١٦٧ رقم ٢٨٨٦).","vol":"1","page":147},{"text":"بنجاسةِ رطوبةِ الكفارِ وهم الهادويةُ والقاسميةُ [ونصره ابن حزم] (^١)، واستدلوا أيضًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٢). والكتابيُّ يسمَّى مشركًا إذ قدْ قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وقالوا: عُزَيْرُ ابْنُ الله (^٣).\nوذهبَ غيرُهم من أهلِ البيت كالمؤيَّدِ باللَّه وغيرِه إلى طهارةِ رطوبتهم، وهوَ الحقُّ لقولهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ]﴾ (^٤)، ولأنهُ - ﷺ - توضأ من مزادَةِ مشركَةٍ (^٥)، ولحديثِ جابرٍ عندَ أحمدَ (^٦)، وأبي داودَ (^٧): \"كُنَّا نَغْزُو معَ رسولِ الله - ﷺ -؛ فَنُصِيْبُ مِنْ آنيةِ المشركينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، ولا يَعيبُ ذلكَ علينَا\"، وأجيبَ بأنَّ هذا بعد الاستيلاءِ ولا كلامَ فيه، وهذا الجواب بالشرح، وهو مبنيٌ على أن استيلاء أهل الإسلام على أموال أهل الشرك مطهر، ونحن لا نقول به؛ إذ لا دليل عليه، بل نقول رطوبة الكفار طاهرة، وما استولى عليه المسلمون من أموالهم طاهرة أصالة لا أنه طهر بالاستيلاء، وإن سُلِّم ففي غيرِه من الأدلةِ غُنْيَةٌ عَنْهُ.\n_________\n(^١) في \"المحلَّى\" (١/ ١٨١ - المسألة: ١٣٩) وما بين الحاصرتين من النسخة (أ).\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٢٨. وانظر: \"فتح القدير\" للشوكاني (٢/ ٣٤٩)، و\"فتح الباري\" لابن حجر (١/ ٣٩٠).\n(^٣) يشير المؤلف ﵀ إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠].\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٥، وما بين الحاصرتين زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) يشير المؤلف ﵀ إلى حديث عِمْرَان بن حُصَيْن الآتي برقم (٢٠).\n(^٦) في \"المسند\" (٣/ ٣٧٩).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ١٧٧ رقم ٣٨٣٨) من طريق برد بن سنان عن عطاء عنه.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٧٦): وهذا إسناد صحيح. وقد تابعه سليمان بن موسى عن عطاء به نحوه، أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٧، ٣٤٣، ٣٨٩).\nقلت: وسكت المنذري في \"المختصر\" (٥/ ٣٣٤) عنه، وكذلك ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٦٢٣).\nقلت: وقوَّى إسناد الحديث كل من الشيخ عبد القادر الأرناؤوط في \"تخريج جامع الأصول\" (١/ ٣٨٧)، والشيخ شعيب الأرناؤوط في \"شرح السنة\" (١١/ ٢٠١)، وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، واللَّهُ أعلم.","vol":"1","page":148},{"text":"(فمنها) ما أخرجَهُ أحمدُ (^١) من حديث أنس: أنهُ - ﷺ - دعاه يهوديٌّ إلى خُبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنَخَةٍ، بفتح السين [المهملة] (^٢)، وفتح النون المعجمة فخاء معجمة مفتوحة، أي: متغيرة.\nقالَ في \"البحر\" (^٣): لو حَرُمَتْ رطوبَتُهم لاستفاضَ نقلُ تَوَقِّيهم لِقِلَّةِ المسلمينَ حينئذٍ معَ كثرةِ استعمالاتِهِم التي لا يخلو منها ملبوسًا أو مطعومًا، والعادةُ في مثلِ ذلكَ تقضي بالاستفاضَةِ. [قَالَ] (^٤): وحديثُ أبي ثعلبة إما محمولٌ على [كرَاهةِ الأكْلِ] (^٥) في آنيتهم للاستقذارِ؛ إذْ لوْ كانَتْ نَجِسَةً لم يجعَلْهُ مشروطًا بعدمِ وجدان الغير؛ إذِ الإناءُ المتنجِسُ بعد إزالةِ نجاستِهِ هُوَ وغيره مما لَمْ يتنجسْ على سواءٍ، أو لسدِّ ذريعةِ المحرَّمِ، أو لأنَّها نَجِسَةٌ لما يطبَخُ فيها لا لرطوبَتِهِمْ كما تفيدهُ روايةُ أبي داودَ (^٦)، وأحمدَ (^٧)، بلفظِ: \"إنا نجاوِرُ أهلَ الكتاب وهم يطبخونَ في قدورِهم الخنزيرَ، ويشربونَ في آنيتهم الخمرَ، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"إنْ وجدتُم غيرَها - الحديث\". وحديثُهُ الأولُ مطلقٌ (^٨)، وهذا مقيدٌ (^٩) بآنيةٍ يُطْبَخُ فيها ما ذُكِرَ ويُشْرَبُ، فيُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٢١٠ - ٢١١).\nقلت: والحديث شاذ بهذا اللفظ مع أن إسناده صحيح على شرط الشيخين.\nوقد أخرج أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٥٢، ٢٨٩ - ٢٩٠) من حديث أنسٍ \"أن خياطًا بالمدينة دعا النبي - ﷺ - لطعامه، قال: فإذا خبز شعير بإهالة سنَخَة وإذا فيها قرع، قال: فرأيت النبي - ﷺ - يعجبه القرع، قال أنس: لم يزل القرع يعجبني منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يعجبه\".\nقلت: فلا يستقيم استدلال المصنف بها على طهارة آنية الكفار، لكن يغني عنه ما تقدم من حديث جابر، وما يأتي من حديث عِمْران بن حُصَين وغير ذلك من الأدلة.\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) أي في \"البحر الزَّخَّار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" تأليف: الإمام المهدي لدين اللَّهِ، أحمد بن يحيى بن المرتضى (١/ ١٣).\n(^٤) في النسخة (ب): \"قالوا\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"الكراهية للأكل\".\n(^٦) في \"السنن\" (٤/ ١٧٧ رقم ٣٨٣٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في \"المسند\" (٤/ ١٩٣) ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين مكحول وأبي ثعلبة.\n(^٨) المطلق: هو اللفظ الذي يدل على الماهية بدون قيد يقلِّل من شيوعه.\n(^٩) المقيَّد: هو اللفظ الذي يدل على الماهية بقيد يقلِّل من شيوعه.\n\"تفسير النصوص\" د. محمد أديب صالح (٢/ ١٨٧، ١٨٩).","vol":"1","page":149},{"text":"وأما الآيةُ: فالنجسُ لغةً المستقذَرُ، فهو أعمُّ من المعنى الشرعي، وقيلَ: معناهُ ذو نَجَسٍ، لأن معهُم الشِّركَ الذي هوَ بمنزلةِ النَّجَسِ؛ لأنهم لا يتطهرونَ، ولا يغتسلونَ، ولا يجتنبون النجاساتِ؛ فهي ملابسةٌ لهم. وبهذا يتمُّ الجمعُ بينَ هذا وبينَ آيةِ المائدةِ والأحاديثِ الموافقةِ لحكمِها. وآيةُ المائدةِ أصرَحُ في المرادِ.\n٧/ ٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ -: أن النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ. [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-111>ترجمة عمران بن حصين</span>\n(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) (^٢) بالمهملتين تصغير حصن. وعِمْرَانُ هو أبو نُجَيْدٍ بالجيم - تصغير نجد - الخزاعي الكعبي. أسلمَ عامَ خيبرَ، وسكَنَ البصرةَ إلى أَنْ ماتَ بها سنةَ اثنتينِ أو ثلاثٍ وخمسينَ، وكانَ من فضلاءِ الصحابةِ وفقهائِهِم (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وأَصْحَابَة توضَّأوا مِنْ مَزَادَةٍ) بفتح الميم بعدها زاي، ثم ألف وبعد الألف مهملة؛ وهي الرَّاوِية ولا تكونُ إلَّا من جِلْدَيْنِ تُقَامُ بِثَالثٍ بينهما لِتَتَّسِعَ، كما في القاموس (^٣).\n(امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشَّيْخينِ في (حديثٍ طَويلٍ) أخرجه البخاريُّ بألفاظٍ فيها أنه - ﷺ - بعثَ عليًّا وآخرَ معهُ في بعضِ أسفارِهِ - ﷺ -، وقد فقدوا الماءَ فقالَ: اذهبا فابتغيا الماءَ، فانطلقا، فتلقَّيا امرأةً بينَ مَزَادَتَيْنِ أو سَطيحتَينِ مِن ماءٍ عَلَى بَعيرٍ لها (فقالا لها: أين الماءُ؟ فقالت: عَهْدِي بالماءِ أمسِ هذه الساعة،\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٤٤٧ رقم ٣٤٤) و(١/ ٤٥٧ رقم ٣٤٨) و(٦/ ٥٨٥ رقم ٣٥٧١)، ومسلم (١/ ٤٧٤ رقم ٦٨٢) في حديث طويل.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٤/ ٢٨٧ - ٢٩١)، و\"أخبار القضاة\" (١/ ٢٩١، ٢٩٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٩٦ رقم ١٦٤١)، و\"الإصابة\" (٧/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٦٠٠٥)، و\"الاستيعاب\" (٩/ ١٩ - ٢٠ رقم ١٩٦٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ١١١ - ١١٢ رقم ٢٢٠)، و\"المستدرك\" (٣/ ٤٧٠ - ٤٧٢).\n(^٣) (ص ٣٦٥).","vol":"1","page":150},{"text":"قالا: انطَلِقي إلى رسول الله - ﷺ - إلى أَنْ قالَ: ودَعَا النبيُّ - ﷺ - بإناءٍ ففرَّغَ فيهِ من أفواهِ المَزادَتينِ - أو السَّطِيحتَينِ ونودِيَ في النَّاس: اسقُوا واستَقُوا، فسَقَى مَنْ سقى، واستَقى مَنْ شاء - الحديث) وفيهِ زيادَةٌ ومعجزاتٌ نبويةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>أحكام فقهية من الحديث</span>\nوالمرادُ أنهُ - ﷺ - توضَّأَ من مَزَادَةِ المشرِكَةِ، وهوَ دليل لما سلفَ فِي شرحِ حديثِ أبي ثعلبةَ من طهارَةِ آنيةِ المشركينَ. ويدُلُّ أيضًا على طُهورِ جِلدِ الميتةِ بالدباغِ؛ لأنَّ المزادتينِ من جلودِ ذبائحِ المشركينَ، وذبائِحُهُم مَيْتَةٌ، ويدلُّ على طهارةِ رطوبةِ المشركِ؛ فإن المرأةَ المشركَةَ قَدْ باشرتِ الماءَ وهو دونَ القلتينِ؛ فإنهم قد صرَّحوا بأنَّهُ لا يَحْمِلُ الجملُ قَدْر القلتينِ. ومَنْ يقولُ: إِنَّ رطوبتَهم نجسةٌ ويقولُ: لا ينجسُ الماءُ إلا ما غيَّرَهُ، فالحديثُ [دليل] (^١) على ذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-113>تضبيب الإناء بالفضة جائز</span>\n٨/ ٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -: \"أَنَّ قَدَحَ النَّبيِّ - ﷺ - انكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سَلْسَلَةً مِنْ فِضَّةٍ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ (^٣).\n(وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ - ﵁ - أَنَّ قَدَحَ النَّبيِّ - ﷺ - انْكَسَرَ، فاتخذَ مكانَ الشَّعْب) بفتح الشين المعجمة، وسكون المهملة: لفظ مشترك بين معانٍ المراد [منها] (^٤) هنا الصَّدْعُ والشَّقُّ. (سَلْسَلَةً مِنْ فِضَةٍ) في القاموس (^٥): سلسلة بفتح أوله، وسكون\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"يدلُّ\".\n(^٢) قلت: وكذلك أكل المشركون من طعام المسلمين، فقد جاء وفود كثيرة إلى الرسول - ﷺ -، فيدخلهم مسجده، ويطعمهم بأواني المسلمين، ولم يثبت عنه - ﷺ - أنه أمر بتطهير الأواني لأكل المشركين بها، ولم يُنقل عن السلف الصالح - ﵃ - توقِّي رطوبات الكفار.\nكما ثبت في الصحيحين [(البخاري ٨/ ٨٧ رقم ٤٣٧٢)، ومسلم (١٢/ ٨٧ - بشرح النووي)] أنه ربط \"ثمامة بن أثال\" المشرك بسارية المسجد.\n(^٣) في صحيحه (٦/ ٢١٢ رقم ٣١٠٩).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في \"القاموس المحيط\" (ص ١٣١٣).","vol":"1","page":151},{"text":"اللام، وفتح السين الثانية [منها] (^١): إيصالُ الشيءِ بالشيءِ، أو سِلْسِلَةً بكسر أولهِ دائرٌ من حديدٍ ونحوِهِ. والظاهرُ أن المرادَ الأولُ فيقرَأُ بفتحِ أولهِ.\n(أخْرَجَهُ البُخَاريُّ)، وهوَ دليلٌ على جواز تضبيبِ الإناءِ بالفِضَّةِ، ولا خلافَ في جوازِهِ كما [سلف] (^٢)، إلَّا أنهُ هنا قد اختلفَ في واضِعِ السَّلْسَلَةِ، فحكى البيهَقي (^٣) عن بعضهم أَنَّ الذي جعلَ السَّلْسَلَةَ هو أنسُ بن مالكٍ، وجزمَ بهِ ابنُ الصلاحِ، وقال [أيضًا] (^٤): فيهِ نظرٌ؛ لأنَّ في البخاري (^٥) من حديثِ عاصمٍ الأحوَلِ: \"رأيتُ قَدحَ النبيِّ - ﷺ - عندَ أنسِ بن مالكٍ، فكانَ قد انصدَعَ فسَلْسَلَهُ بفضةٍ. وقالَ ابنُ سيرينَ: (إنهُ كان فيهِ حَلْقَةٌ من حديدٍ، فأرادَ أنسٌ أَنْ يجعلَ مكانَها حَلْقَةً من ذهبٍ أو فضةٍ، فقالَ له أبو طلحةَ: لا تُغيرَنَّ شيئًا صنَعَهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فتركَهُ).\nهذا لفظُ البخاري، وهوَ يحتملُ أَنْ يكونَ الضميرُ في قولِه: فَسَلْسَلهُ بفضَّةٍ عائدًا إلى رسول الله - ﷺ -، ويحتملُ أَنْ يكونَ عائدًا إلى أنسٍ كما قال البيهقيُّ، إلا أَنَّ آخِرَ الحديثِ يدُلُّ للأولِ، وَأنَّ القدحَ لم يتغيرْ عمَّا كانَ عليهِ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nقلت: والسَّلْسَلَةُ غيرُ الحَلْقَةِ التي أرادَ أنسٌ تغييرَها، فالظاهرُ أَنَّ قولَهُ: فسلْسَلَهُ، هوَ النبيُّ - ﷺ -، وهو حجَّةٌ لما ذكَرَهُ.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"منهما\".\n(^٢) في النسخة (ب): \"سبق\".\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩ - ٣٠).\n(^٤) في النسخة (أ): \"المصنف\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٠/ ٩٩ رقم ٥٦٣٨).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>[الباب الثالث] بابُ إِزالةِ النجاسة وبيانها</span>\nأي بيانُ النجاسة ومطهِّراتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>حكم تخليل الخمر</span>\n١/ ٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: سُئل رَسُول الله - ﷺ - عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: \"لَا\".\nأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢) وَقَالَ: حَسنٌ صَحِيحٌ. [صحيح]\n(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ - ﵁ - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْخَمْرِ) أيْ بعدَ تحريمها (تُتخذُ خَلًّا؟ قالَ: لا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذيُّ، وَقَالَ: حسنٌ صحيحٌ).\nفَسَّرَ الاتخاذَ بالعلاجِ لها وقد صارَتْ خَمْرًا، ومثلُهُ حديثُ أبي طلحةَ، (فإِنَّها لما حُرِّمَتِ الخمرُ سألَ أبو طلحةَ النبيَّ - ﷺ - عَنْ خمرٍ عندَهُ لأيتامٍ هلْ يخلِّلُها؟ فأمرَهُ بإراقتها. أخرجَهُ أبو داودَ (^٣)، والترمذيُّ (^٤) والعملُ بالحديثِ هو رأيُ الهادويةِ والشافعيُّ، لدلالةِ الحديثِ على ذلكَ)؛ فلو خَلَّلَها لم تَحِلُّ ولم\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٧٣ رقم ١١/ ١٩٨٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٥٨٩ رقم ١٢٩٤) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٨٥٤)، والدارقطني (٤/ ٢٦٥ رقم ٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٨٢ رقم ٣٦٧٥).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٥٨٨ رقم ١٢٩٣).\nقلت: وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١١٩ و٢٦٠)، والدارمي (٢/ ١١٨)، والدارقطني (٤/ ٢٦٥ رقم ٤)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":153},{"text":"تَطهُرْ، وظَاهر بأي علاجٍ كانَ ولو بنقلِها منَ الظلِّ إلى الشمس أو عكسِهِ، وقيل: تطهُرُ وتَحِلُّ.\nوأما إذَا تَخلَّلَتْ بنفسِها مِنْ دونِ علاجٍ فإنها طاهرةٌ حلالٌ، [إلا أنه قال] (^١) في البحر (^٢): إنَّ أكثَرَ أصحابِنا يقولونَ: إنها لا تطْهُرُ وإنْ تخلَّلتْ بنفسِها مِنْ غَيْرِ علاجٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>أقوال العلماء في خلِّ الخمر</span>\nواعلم أَنَّ للعلماءِ في خَل الخمرِ ثلاثَةَ أقوالٍ، (الأولُ): [أنَّها] (^٣) إذا [تخلَّلت] (^٤) الخمرُ بغيرِ قَصْدٍ حَلَّ [خَلهَا] (^٥)، وإذا خلِّلَتْ بالقَصْدِ حَرُمَ خَلُّها.\n(الثاني): يحرُمُ كلُّ خَلٍّ تولَّدَ من خمرٍ مطلقًا.\n(الثالثُ): أن الخَلَّ حلالٌ مَعَ تولدِهِ مِنَ الْخمرِ سواءٌ قُصِدَ أَمْ لا؟ إلا أن فاعلَها آثِمٌ إِنْ تركها بعدَ أَنْ صارَتْ خمرًا، عاصٍ للَّهِ مجروحُ العدالةِ لعدَمِ إراقتِهِ لها حالَ خُمريَّتِها؛ فإِنَّهُ واجبٌ كما دلَّ له حديثُ أبي طلحةَ، وأما الدليل على أنَّه يحلُّ الخلُّ الكائنُ من الخمر؛ فلأنه خَلٌّ لغةً وشرعًا، قيلَ: [فإذا أريد جعل خل لا يتخمَّر؛ فيعصر العنب، ثم يلقى عليه قبل أن يتخلَّل مثليه خلًا صادقًا فإنه يتخلَّل، ولا يصير خمرًا أصلًا].\n\n<span data-type='title' id=toc-117>النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية</span>\n٢/ ٢٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَبا طَلْحَةَ فَنَادَى: \"إِن اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّها رِجْسٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) (١/ ١١).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) في النسخة (ب): \"تخلل\".\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) البخاري (٦/ ١٣٤ رقم ٢٩٩١) و(٩/ ٦٥٣ رقم ٥٥٢٨) و(٧/ ٤٦٧ رقم ٤١٩٨، ٤١٩٩)، ومسلم (٣/ ١٥٤٠ رقم ١٩٤٠).\nقلت: وأخرجه النسائي (٧/ ٢٠٤)، وابن ماجه (٢/ ١٠٦٦ رقم ٣١٩٦)، والبيهقي (٩/ ٣٣١)، وأحمد (٣/ ١١١، ١١٥، ١٢١، ١٦٤)، والدارمي (٢/ ٨٦ - ٨٧).","vol":"1","page":154},{"text":"(وَعَنْهُ) أيْ عَنْ أَنَسِ بن مَالكٍ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَمرَ رسولُ الله - ﷺ - أَبَا طَلْحَة فَنَادَى: إِنَّ الله وَرَسَولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ) بتثنية الضميرِ للَّهِ تعالى ولرسولهِ، وقَدْ ثبتَ أَنَّهُ - ﷺ - قالَ للخطيبِ الذي قالَ في خطبتهِ: إنه مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا … الحديث،: \"بِئْسَ خَطِيبُ القومِ أنتَ\" (^١)؛ لجمعهِ بينَ ضميرِ اللَّهِ تعالى وضمير رسولِهِ - ﷺ -، وقالَ: \"قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\"، فالواقع هنا يعارِضُهُ.\nوقد وقعَ أيضًا في كلامِهِ - ﷺ - التثنيةُ بلفظِ: \"أَنْ يكونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا\" (^٢)، وأجيبَ بأنهُ - ﷺ - نهى الخطيبَ لأنَّ مقامَ الخَطَابةِ يقتضي البسطَ والإيضاحَ، فأرشدَهُ إلى أنهُ يأتي بالاسمِ الظاهرِ لا بالضميرِ، وأنه ليسَ العتبُ عليهِ من حيثُ جمعهُ بينَ ضميره تعالى وضمير رسولِهِ - ﷺ -. والثاني أنهُ - ﷺ - أَنْ يجمعَ بينَ الضميرينِ وليسَ لغيرِه لعلمهِ بجلالِ ربهِ وعظمته.\n(عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) كما يأتي (فَإِنَّها رِجْسٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nوحديثُ أنسٍ في البخاري (^٣): أَن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - جاءَهُ جاءٍ فقال: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثم جاءَهُ جاءٍ فقالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثم جاءَهُ جَاءٍ فقال: أُفْنيتِ الحُمُرِ. فأمَرَ مناديًا يُنادي: إِنَّ الله ورسولَهُ يَنْهيانِكُم عنْ لحومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فأُكْفِئَتِ القُدورِ وإنها لَتفورُ باللحم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩٤ رقم ٤٨/ ٨٧٠)، وأبو داود (١/ ٦٦٥ رقم ١٠٩٩) و(٥/ ٢٥٩ رقم ٤٩٨١)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٥٦، ٣٧٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٦) و(٣/ ٢١٦)، والحاكم (١/ ٢٨٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوالطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٩٦) كلهم من حديث عدي بن حاتم - ﵁ -. وأورده القرطبي في \"تفسيره\" (١٤/ ٢٣٢)، والنووي في الأذكار (رقم: ١٤/ ٩٢٩).\n(^٢) وهو جزء من حديث أنس - ﵁ -.\nأخرجه البخاري (١/ ٦٠ رقم ١٦) و(١/ ٧٢ رقم ٢١) و(١١/ ٤٦٣ رقم ٦٠٤١) و(١٢/ ٣١٥ رقم ٦٩٤١)، ومسلم (١/ ٦٦ رقم ٦٧، ٦٨/ ٤٣)، والنسائي (٨/ ٩٤ رقم ٤٩٨٧) و(٨/ ٩٦ رقم ٤٩٨٨) و(٨/ ٩٧ رقم ٤٩٨٩)، والترمذي (٤/ ١٥ رقم ٢٦٢٤) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢/ ١٣٣٨ رقم ٤٠٣٣)، وأحمد (٣/ ١٠٣، ١٧٤، ٢٣٠)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٠ رقم ٢٠٣٢٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٧) و(٢/ ٢٨٨)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٩٩).\n(^٣) في صحيحه (٩/ ٦٥٣ رقم ٥٥٢٨) وقد تقدم تخريجه في حديث الباب.","vol":"1","page":155},{"text":"والنهيُ عن لحوم الحمر الأَهْليَّةِ ثابتٌ من حديثِ علي (^١) ﵇، وابنِ عُمَرَ (^٢)، وجابرِ بن عبدِ الله (^٣)، وابنِ أبي أَوْفى (^٤)، والبراءِ (^٥)، وأبي ثعلبة (^٦)، وأبي هريرة (^٧)، والعِرباضِ بن سارية (^٨)، وخالدِ بن الوليد (^٩)،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨١ رقم ٤٢١٦) و(٩/ ١٦٦ رقم ٥١١٥) و(٩/ ٦٥٣ رقم ٥٥٢٣) و(١٢/ ٣٣٣ رقم ٦٩٦١)، ومسلم (٣/ ١٥٣٧ - ١٥٣٨ رقم ٢٢/ ١٤٠٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨١ رقم ٤٢١٧ ورقم ٤٢١٨) و(٩/ ٦٥٣ رقم ٥٢٢١)، ومسلم (٣/ ١٥٣٨ رقم ٢٤، ٢٥/ ٥٦١)، والنسائي (٧/ ٢٠٣ رقم ٤٣٣٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨١ رقم ٤٢١٩) و(٩/ ٦٤٨ رقم ٥٥٢٠) و(٩/ ٦٥٣ رقم ٥٥٢٤)، ومسلم (٣/ ١٥٤١ رقم ٣٦، ٣٧/ ١٩٤١)، والترمذي (٤/ ٧٣ رقم ١٤٧٨)، وأبو داود (٤/ ١٤٩ رقم ٣٧٨٨)، و(٤/ ١٥١ رقم ٣٧٨٩)، والنسائي (٧/ ٢٠١).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨١ رقم ٤٢٢٠)، ومسلم (٣/ ١٥٣٨ - ١٥٣٩ رقم ٢٦، ٢٧/ ١٩٣٧)، والنسائي (٧/ ٢٠٣ رقم ٤٣٣٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨٢ رقم ٤٢٢٦)، ومسلم (٣/ ١٥٣٩ رقم ٣١/ ١٩٣٨)، والنسائي (٧/ ٣٠٢ رقم ٤٣٣٨).\n(^٦) أخرجه البخاري (٩/ ٦٥٣ رقم ٥٥٢٧)، ومسلم (٣/ ١٥٣٨ رقم ٢٣/ ١٩٣٦)، والنسائي (٧/ ٣٠٤ رقم ٤٣٤١).\n(^٧) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٤/ ٢٥٤ رقم ١٧٩٥).\nوقال: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n(^٨) أخرجه الترمذي (٤/ ٧١ رقم ١٤٧٤)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ١٢٨) وهو حديث حسن.\n(^٩) أخرجه أبو داود (٤/ ١٥١ رقم ٣٧٩٠) و(٤/ ١٦٠ رقم ٣٨٠٦)، والنسائي (٧/ ٢٠٢ رقم ٤٣٣١ ورقم ٤٣٣٢)، وابن ماجه (٢/ ١٠٦٦ رقم ٣١٩٨)، وأحمد (٤/ ٨٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤/ ١١٠ رقم ٣٨٢٦)، والبيهقي (٩/ ٣٢٨)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٠٦) عنه: \"أنَّ رسولَ الله - ﷺ - عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير\"، وهو حديث ضعيف له أربع علل:\n(الأولى): ضعف (صالح بن يحيى بن المقْدَام بن مَعْدي كَرب) كما أشار إلى ذلك البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣ رقم ٢٨٦٩) بقوله فيه: \"فيه نظر\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٦٤ رقم ٦٠): ليِّن.\n(الثانية): جهالة (يحيى بن المقْدام بن مَعْدي كرب)، فقد قال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٤١٠ رقم ٩٦٣٧): \"لا يُعرف إلا برواية ولده صالح عنه\". وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ٣٥٨ رقم ١٨٣): مستور.\n(الثالثة): ما قاله البيهقي: بأن إسناده مضطرب، ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات.=","vol":"1","page":156},{"text":"وعمرِو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ (^١) والمقدام بن معدي كرِب (^٢)، وابنِ عباسٍ (^٣) وكُلُّها ثابتَةٌ في دواوينِ الإسلامِ. وقَدْ ذَكَرَ مَنْ أَخرَجها في الشرحِ. وهي دالَّةٌ على تحريمِ أَكْلِ لحومِ الحمرِ الأهليةِ. وتحريمُها هوَ قولُ الجماهيرِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهُم لهذهِ الأدلةِ.\nوذهبَ ابنُ عباسٍ إلى عدمِ تحريم الحمرِ الأهليةِ، وفي البخاري (^٤) عنهُ: لا أدري أَنُهِيَ عنها مِنْ أَجْلِ أَنَّها كانتْ حَمُولَةَ الناسِ أو حُرِّمَتْ؟. ولا يخفى ضعفُ هذا القولِ؛ لأنَّ الأصلَ في النهي التحريمُ وإنْ جَهِلْنَا عِلَّتَهُ. واستدلَّ ابنُ عباسٍ بعمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا [عَلَى طَاعِمٍ]﴾ (^٥) (^٦) الآية، فإنهُ تلاها جوابًا لِمَنْ سألَهُ عن تحريمِها، ولحديثِ أبي داود (^٧): \"أنهُ جاءَ إلى رسولِ الله - ﷺ - غالب بن أبجرَ فقالَ: يا رسولَ الله أصابَتْنَا سَنَةٌ ولم يكُنْ في مالي ما أُطْعِمُ أهلي إلَّا سِمَانَ حُمُرٍ، وإِنَّكَ حَرَّمْتَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ، فقالَ: أَطْعِمْ أَهلَكَ من سمينِ حمُرِكَ، فإِنَّما حرَّمْتُها من أجلِ جَوَّالِ القرية\" (^٨)؛ يريد الذي يأكل الجلَّة وهي العَذَرَةُ.\nوأُجيبَ بأنَّ الآيةَ خَصَّتْ عمومَها الأحاديثُ الصحيحةُ المتقدمَةُ، وبأنَّ\n_________\n= (الرابعة): النكارة والمخالفة كما تقدم في كلام البيهقي، وانظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٣١٦، ٣١٧)، وقد أورده المحدث الألباني في \"الضعيفة\" (رقم/ ١١٤٩) وقال:\nحديث منكر. وضعَّفه الشيخ عبد الفادر الأرنؤوط في \"تخريج جامع الأصول\" (٧/ ٤٦٦).\n(^١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٦٤ رقم ٣٨١١)، والنسائي (٧/ ٢٣٩ رقم ٤٤٤٧)، وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤/ ١٦٠ رقم ٣٨٠٤)، وهو حديث حسن.\n(^٣) أخرجه البخاري (٧/ ٤٨٢ رقم ٤٢٢٧)، ومسلم (٣/ ١٥٣٩ رقم ٣٢/ ١٩٣٩).\n(^٤) في صحيحه (٧/ ٤٨٢ رقم ٤٢٢٧) وقد تقدم قريبًا.\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٧) في \"سننه\" (٤/ ١٦٣ رقم ٣٨٠٩)، وهو حديث ضعيف.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٩/ ٣٣٢)، وأورده المنذري في \"المختصر\" (٥/ ٣٢٠)، وقال: \"اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا\".\nوقال البيهقي: \"فهذا حديث مختلف في إسناده\" … ومثل هذا لا يعارض به الأحاديث الصحيحة التي قد مضت مصرّحة بتحريم لحوم الحمر الأهلية.\n(^٨) جَوَّال القرية: الجوَّال جمع جالَّة، وهي التي تأكل العَذَرة.","vol":"1","page":157},{"text":"حديثَ أبي داودَ مضطربٌ مختلَفٌ فيهِ اختلافًا كثيرًا، قال البيهقي في \"السنن\" بعد ذكره أنه مختلف في إسناده قال: ومثله لا يُعارض به الأحاديث الصحيحة اهـ. وإنْ صحَّ حُمِلَ على الأكلِ منها عندَ الضرورة كما دَلَّ له قولُهُ: أصابتْنَا سَنةٌ، أي شِدةٌ وحاجةٌ.\nقلت: وأما الاعتذار أنه أبيح ذلك للضرورة؛ فإنه لا يطابق التعليل بقوله: \"إنما حرَّمتها من أجل جوَّال القرية\"؛ فإنه يؤذن بأنها إذا لم تكن جلَّالة حلَّت مطلقًا فلا يتم الاعتذار بالضرورة. وذكرُ المصنف لهذينِ الحديثينِ في باب النجاساتِ وتعدادِها مبنيٌّ على أَنَّ التحريمَ مِنْ لازمِهِ التنجيسُ، وهو قولُ الأكثرِ، وفيهِ خلافٌ. والحقُّ أَنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطَّهَارَةُ، وأَنَّ التحريمَ لا يلازِمُ النجاسَةَ؛ فإنَّ الحشيشةَ محرَّمةٌ طاهرَةٌ، وكذا المخدِّراتُ والسمومُ [القاتلَةُ] (^١) لا دليلَ على نجاسَتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>التحريم لازم للنجاسة دون العكس</span>\nوأما النجاسَةُ فيلازِمُها التحريمُ، فكلُّ نَجِسٍ محرَّمٌ ولا عكْسَ، وذلكَ لأنَّ الحكمَ في النجاسَةِ هوَ المنعُ عَنْ ملابَسَتِها على كلِّ حالٍ، فالحكمُ بنجاسَةِ العينِ حكُمٌ بتحرِيمها بخلافِ الحكمِ بالتحريمِ. فإنَّهُ يحرُمُ لُبْسُ الحريرِ والذهبِ وهما طاهِرانِ ضرورةً شرعيةً وإجماعًا. فإذا عَرَفْتَ هذا، فتحريمُ الخَمْرِ والحُمُرِ الذي دلَّتْ عليهِ النصوصُ لا يلزمُ منهُ نجاستها، بَلْ لا بدَّ مِنْ دليلٍ آخَرَ عليهِ، وإلَّا بقينا على الأصلِ المتفق عليهِ مِنَ الطهارَةِ، فَمَنِ ادَّعى خلافَهُ فالدليلُ عليه، وكذا نقولُ: لا حاجَةَ إلى إتيانِ المصنفِ بحديثِ عمرِو بن خارجةَ مستدلًّا بهِ على طهارَةِ لُعَابِ الراحِلَةِ.\nوأما الميتَةُ فلولا أنه ورَدَ: \"دِباغُ الأديم طَهورُه\" (^٢)، و\"أَيُّما إهابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ\" (^٣)، لقلنا بطهارَتها؛ إِذ الوارِدُ في القرانِ تحريمُ أكلِها، لكنْ حكمنا بالنجاسَةِ لمَّا قامَ عليها دليل غيرُ دليلِ تحريمِها.\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"المقاتلات\".\n(^٢) تقدم تخريج الحديث (٣/ ١٦).\n(^٣) تقدم تخريج الحديث (٤/ ١٧).","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>لعاب ما يؤكل لحمه طاهر</span>\n٣/ ٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ - ﵁ - قَالَ: \"خَطَبَنَا النبي - ﷺ - بِمِنًى، وهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كتِفِي\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٢). [صحيح لغيره]\n\n<span data-type='title' id=toc-120>ترجمة عمرو بن خارجة</span>\n(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ) (^٣) هو صحابيٌّ أنصاريُّ عِداده في أهلِ الشام، وكان حليفًا لأبي سفيانَ بن حرب، وهو الذي روى عنهُ عبدُ الرحمنِ بنُ غُنْمٍ أنَّهُ سمعَ رسول الله - ﷺ - يقولُ في خُطبتهِ: \"إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعطَى كل ذِي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ\".\n(قَالَ: خَطَبَنَا رسولُ الله - ﷺ - بِمِنَى وهو على رَاحِلَتِهِ) بالحاء المهملة وهيَ مِنَ الإِبلِ: الصالحةِ لأنْ تَرْحَلَ. (وَلُعَابُها) بضم اللامِ فعينٍ مهملةِ وبعدَ الألفِ موحدةٌ، هو ما سالَ من الفمِ، (يسيلُ على كَتِفِي. أخرجه أحمدُ، والترمِذيُّ، وصحَّحه).\nوالحديثُ دليلٌ على أن لعابَ ما يُؤكَلُ لحمهُ طاهرٌ، قيلَ: وهو إجماعٌ، وهو أيضًا الأصلُ. فَذِكْرُ الحديثِ [تأكيدًا] (^٤) للأصلِ، ثم هذا مبنِيٌ على أنَّهُ - ﷺ - عَلِمَ سيلانَ اللعابِ عليه فيكون تقريرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>المني طاهر أم نجس</span>\n٤/ ٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٢٣٨، ٢٣٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٤٣٤ رقم ٢١٢١)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٠٥ رقم ٢٧١٢)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، والطيالسي (ص ١٦٩ رقم ١٢١٧)، والدارمي (١/ ٤١٩) وغيرهم.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨٨ - ٨٩): \"لعل تصحيح الترمذي من أجل شواهده الكثيرة، وإلَّا فإن شَهْرَ بن حَوشَب ضعيف لسوء حفظه\".\n(^٣) انظر: \"الإصابة\" لابن حجر (٧/ ١٠٤ رقم ٥٨١٧).\n(^٤) في النسخة (ب): \"بيان\".","vol":"1","page":159},{"text":"يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذلكَ الثَّوْبِ، وَأنا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغُسلِ\". [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\n- وَلمُسْلِمٍ (^٢): \"لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله - ﷺ - فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيه\".\n- وفي لَفْظٍ لَهُ (^٣): \"لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-122>ترجمة عائشة - ﵂ </span>-\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -) (^٤).\nهِيَ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ، أمُّها أمُّ رومان ابنة عامرٍ. خطبها النبي - ﷺ - بمكةَ، وتزوَّجَها في شوَّالَ سنةَ عشرٍ منَ النبوةِ، وهيَ بنتُ ستِّ سنينَ، وأعرس بها في المدينةِ في شوالَ سنةَ اثنتين منَ الهجرة، وقيلَ غيرُ ذلك، وبقيت معه تسع سنينَ، وماتَ عنها ولها ثماني عَشْرَةَ سنةً [من غير اعتبار الكبر في سنة وفاته - ﷺ - عنها] (^٥)، ولم يتزوجْ بِكرًا غيرَها، واستأذنتْ النبيَّ - ﷺ - في الكُنيةِ فقالَ لها: \"تَكَنِّي بابنِ أُختكِ عبد اللَّهِ بن الزبيرِ\"، وكانت فقيهة، عالمةً، فصيحةً، فاضلةً، كثيرةَ الحديثِ عن رسول الله - ﷺ -، عارفةً بأيامِ العربِ وأشعارِها.\nروى عنها جماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ. نزلتْ براءتُها من السمَاءِ بعشر آياتٍ في سورةِ النور. توفيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في بيتِها ودفنَ فيهِ، وماتتْ بالمدينة\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٣٣٢ رقم ٢٢٩ ورقم ٢٣٠) و(١/ ٣٣٤ رقم ٢٣١) و(١/ ٣٣٥ رقم ٢٣٢)، ومسلم (١/ ٢٣٩ رقم ٢٨٩).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٨ رقم ٢٨٨).\n(^٣) أي لمسلم في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٩ رقم ٢٩٠).\n(^٤) انظر ترجمتها في: \"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٥٨ - ٨١)، و\"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٢٦٨)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ٤٣ - ٥٠ رقم ١٣٤)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ٨٤ - ٩٤ رقم ٣٤٢٩)، و\"الإصابة\" (١٣/ ٣٨ - ٤٢ رقم ٧٠١)، و\"البداية والنهاية\" (١/ ٢٣٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٦١ - ٤٦٣ رقم ٢٨٤٠).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":160},{"text":"سنةَ سبعٍ وخمسمينَ، وقيلَ: سنةَ ثمانٍ وخمسينَ ليلةَ الثلاثاءِ لسبعَ عَشْرَةَ خلتْ منْ رمضانَ، ودفنتْ بالبقيعِ وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفةَ مروانَ في المدينةِ.\n(قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَغْسِلُ المَنِيَّ، ثمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلَاةِ في ذَلِكَ الثوبِ، وأَنا أَنْظُرُ إلى أَثَرِ الغُسْلٍ فيهِ. متَّفَقٌ عليهِ).\nوأخرجهُ البخاريُّ أيضًا من حديثِ عائشةَ بألفاظٍ مختلفةٍ، وأنها كانتْ تغسلُ المنيَّ منْ ثوبهِ - ﷺ - وفي بعضها: \"وَأَثَرُ الغَسْل فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الماءِ\" (^١)، وفي لفظٍ: \"فَيَخْرُجُ إلى الصلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثوبه\" (^٢)، وفي لفظ: \"وأثَرُ الغَسْلِ فيه بُقَعُ الماء\" (^٣)، وفي لفظ: \"ثم أراهُ فيهِ بُقْعَةً أو بُقَعًا\" (^٤) إلَّا أنَّه قد قالَ البزارُ (^٥): إنَّ حديثَ عائشة هذا مدارهُ على سليمان بن يسارٍ، ولم يسمعْ عنْ عائشةَ، وسبقهُ إلى هذا الشافعيُّ في \"الأم\" (^٦) حكايةً عن غيرِه، وردَّ ما قالَة البزاز بأنَّ تصحيحَ البخاريِّ لهُ وموافقةَ مسلم لهُ على تصحيحهِ مفيدةٌ لصحةِ سماع سليمان من عائشةَ، وأن رفعهُ صحيحٌ (^٧).\nوهذا الحديثُ استدَلَّ به منْ قالَ بنجاسةِ المنيِّ؛ وهُم الهادوية، والحنفية، ومالكٌ، وروايةٌ عن أحمدَ، قالوا: لأنَّ الغسْلَ لا يكونُ إلَّا من نَجَسٍ، وقياسًا على غيرِه من فضلاتِ البدنٍ المستقذَرة مِنَ البولِ والغائطِ، لانصبابها الجميع إلى مقرٍّ، وانحلالِها عن الغذاءِ؛ ولأنَّ الأحداثَ الموجبة للطهارةِ نجسةٌ والمنيُّ منها؛ ولأنهُ يجري من مجرى البولِ فتعيَّنَ غسملة بالماءِ كغيرِه من النجاساتِ.\nوتأوَّلُوا ما يأتي مما يفيدُه قولُهُ: (ولمسلمٍ) أيْ عنْ عائشةَ، روايةٌ انفردَ بلفظِها عن البخاريِّ وهي قوله: (لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله - ﷺ - فَرْكًا) مصدرٌ تأكيديٌّ يقررُ أنها كانت تفركهُ وتحكة. والفركُ: الدلكُ، يقالُ: فركَ الثوبَ إذا دلكهُ (فيصلي فيهِ).\n(وفي لفظ له)، أي: لمسلمٍ عنْ عائشةَ (لقد كنت أَحُكُهُ)، أي: المنيَّ حالَ كونهِ\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٣٣٢ رقم ٢٣٠).\n(^٢) البخاري (١/ ٣٣٢ رقم ٢٢٩).\n(^٣) البخاري (١/ ٣٣٤ رقم ٢٣١).\n(^٤) البخاري (١/ ٣٣٥ رقم ٢٣٢).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٣٣ - ٣٤).\n(^٦) (١/ ٧٤).\n(^٧) كما في \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٤).","vol":"1","page":161},{"text":"(يابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِه)، اختصَّ مسلم بإخراجِ روايةِ الفركِ ولمْ يخرِّجْها البخاريُّ.\nوقدْ روى الحتَّ والفركَ - أيضًا - البيهقي، والدارقطنيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ الجوزيِّ من حديثِ عائشةَ.\nولفظُ البيهقيِّ (^١): \"ربما حَتَتُّهُ منْ ثوبِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهوَ يُصَلِّيْ\". ولفظ الدارقطنيِّ (١)، وابنِ خزيمةَ (^٢): \"إنها كانتْ تحُتُّ المنيِّ منْ ثوبِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهوَ يصلِّي\".\nولفظُ ابن حبانَ (^٣): \"لَقَدْ رَأَيْتُني أَفْرُكُ المنيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي\"، رجالهُ رجالُ الصحيحِ، وقريبٌ منْ هذا الحديثِ حديثُ ابن عباسٍ عندَ الدارَقطنيِّ (^٤) والبيهقيِّ (^٥): [سئلَ رسولُ الله - ﷺ - عن المنيِّ يصيبُ الثوبَ فقالَ: \"إنما هوَ بمنزلةِ المُخاطِ والبُصاقِ والبُزاقِ\"، وقالَ: \"إنما يَكْفِيْكَ أن تمسحَهُ بخرقَةٍ أو إذْخِرَةٍ\" (^٦)]. وقالَ البيهقي بعد إخراجهِ: ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفًا على ابن عباس وهوس الصحيح، انتهى.\nفالقائلونَ بنجاسةِ المنيِّ تأوَّلُوا أحاديثَ الفركِ هذهِ بأنَّ المرادَ الفركُ معَ غَسْلهِ بالماءِ، وهوَ بعيدٌ. وقالتِ الشافعيةُ: المنيُّ طاهرٌ. واستدلُّوا على طهارة المنيِّ بهذهِ الأحاديثِ، قالُوا: وأحاديثُ غسلهِ محمولةٌ على الندبِ، وليس الغَسْلُ دليلَ النجاسةِ، فقد يكونُ لأجلِ النظافةِ وإزالةِ الدَّرَنِ ونحوهِ، قالوا: وتشبيههُ بالبُزاقِ والمُخاطِ دليلٌ على طهارتهِ أيضًا، والأمرُ بمسحهِ بخرقةٍ أو إِذْخرةٍ لأجلِ\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٣٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ١٤٧ رقم ٢٩٥)، وأورد الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٣٣) رواية ابن خزيمة وسكت عنها.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٣٠ رقم ١٣٧٧).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ١٢١ رقم ١).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٨).\nقُلتُ: حديث ابن عباس منكر مرفوعًا، صحيح موقوفًا. وقال الدارقطني: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة، في حفظه شيء.\nوانظر مزيدًا من الكلام على الحديث في \"الضعيفة\" (رقم/٩٤٨).\n(^٦) زيادة من النسخة (أ) المشار إليها قريبًا.","vol":"1","page":162},{"text":"إزالةِ الدَّرَنِ المستكْرَهِ بقاؤهُ في ثوبِ المصلِّي ولوْ كانَ نجسًا لما أجزأَ مسحُهُ. وأما التشبيهُ للمنيِّ بالفضلاتِ المستقذَرةِ من البولِ والغائطِ كما قالهُ مَنْ قال بنجاستهِ فلا قياسَ معَ النصِّ.\nقالَ الأولونَ: هذهِ الأحاديثُ في فركهِ وحتِّهِ إِنَّما هيَ في منيِّهِ - ﷺ -، وفضلاتُهُ - ﷺ -\nطاهرةٌ فلا يلحقُ بهِ غيرُهُ. وأجيبَ عنهُ بأنها أخبرت عائشة عنْ فركِ المنيِّ منْ ثوبهِ، فَيُحْتَملُ أنه عن جماعٍ وقدْ خالطَهُ منيُّ المرأةِ فلمْ يتعينْ أنهُ منيهُ - ﷺ - وحدَهُ، والاحتلامُ على الأنبياءِ ﵇ غيرُ جائزٍ، لأنهُ منْ تلاعبِ الشيطانِ، ولا سلطان لهُ عليهمْ، ولئن قيلَ: إنهُ يجوز أنه منيهُ - ﷺ - وحدَهُ، وأَنَّهُ منْ فيضِ الشهوةِ بعدَ تقدمِ أسبابِ خروجهِ منْ ملاعبةٍ ونحوِهَا، وأنهُ لم يخالطْهُ غيرُهُ، فهوَ محتملٌ ولا دليلَ معَ الاحتمالِ.\nوذهبتِ الحنفيةُ إلى نجاسةِ المنيِّ كغيرِهمْ ولكنْ قالُوا: يطهِّرهُ الغسلُ، أو الفَركُ، أو الإزالةُ بالإذخِر أو الخرقةِ عملًا بالحديثين، وبين الفريقينِ القائلينِ بالنجاسةِ، والقائلينَ بالطهارةِ مجادلاتٌ ومناظراتٌ واستدلالاتٌ طويلةٌ استوفيناها في حواشي شرحِ العمدة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>يُرش من بول الغلام ويُغسل من بول الجارية</span>\n٥/ ٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَام\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) والنَّسَائِيُّ (^٣) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-124>ترجمة أبي السَّمح</span>\n(وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ) بفتحِ السينِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، فحاءٍ مهملةٍ،\n_________\n(^١) (١/ ٤٠٠ - ٤١١).\nقلت: وقد حقق القول في المسألة ابن قيم الجوزية في \"بدائع الفوائد\" تحت عنوان: \"مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته\" (٣/ ١١٩ - ١٢٦)، وهو بحث هام جدًّا في غاية التحقيق.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٦٢ رقم ٣٧٦).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٥٨ رقم ٣٠٤).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٦٦).","vol":"1","page":163},{"text":"واسمهُ إِيادٌ بكسر الهمزة ومثناةٌ تحتيةٌ مخفَّفةٌ بعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ. وهوَ خادمُ رسولِ الله - ﷺ -، لهُ حديثٌ واحد (^١).\n(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يغْسل مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ) في القاموس (^٢): أن الجَاريَةَ فتيَّةُ النساءِ (وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغلَامِ. أخرجهُ أبو دَاودَ والنَّسَائِيُّ وصحَّحهُ الحاكمُ).\nوأخرجَ الحديثَ أيضًا البزارُ (^٣)، وابنُ ماجَهْ (^٤)، وابنُ خزيمةَ (^٥) منْ حديثِ أبي السمحِ قالَ: \"كنتُ أخدمُ النبيَّ - ﷺ - فأُتِيَ بحسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ، فَبَالَ على صَدْرِهِ فجئتُ أَغْسِلُهُ فقالَ: يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجاريةِ - الحديثُ\". وقد رواهُ أيضًا أحمدُ (^٦)، وأبو داودَ (^٧)، وابنُ خزيمةَ (^٨)، وابنَ ماجَه (^٩)، والحاكمُ (^١٠) منْ حديثِ لُبَابَةَ بنتِ الحَارِثِ قَالَتْ: \"كانَ الحُسَيْنُ - وذكرت الحديثَ\"، وفي لفظهِ: [\"يُغْسَلُ] مِنْ بَوْلِ الأُنثَى، ويُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ\".\nورواه المذكورونَ (^١١)، وابنُ حبانَ (^١٢) من حديثِ عليٍّ - ﵁ - قالَ: قَالَ\n_________\n(^١) كما في \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٤٣١ رقم ٧٩). وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ٥٥٢).\n(^٢) \"المحيط\" (١٦٣٩).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٣٢)، وفي \"التلخيص الحبير\" (١/ ٣٧).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٧٥ رقم ٥٢٦).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ١٤٣ رقم ٢٨٣).\nقلت: وأخرجه الدولابي في \"الكنى\" (١/ ٣٧)، والدارقطني (١/ ١٣٠ رقم ٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٥)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٩/ ١١١) وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٦) في \"المسند\" (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٢٦١ رقم ٣٧٥).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ١٤٣ رقم ٢٨٢).\n(^٩) في \"السنن\" (١/ ١٧٤ رقم ٥٢٢).\n(^١٠) في \"المستدرك\" (١/ ١٦٦)، وصحَّحه ووافقه الذهبي. قلت: وهو حديث حسن.\n(^١١) وهم: أحمد في \"المسند\" (١/ ٧٦)، وأبو داود في \"السنن\" (١/ ٢٦٣ رقم ٣٧٧)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ١٤٣ رقم ٢٨٤)، وابن ماجه في \"السنن\" (١/ ١٧٤ رقم ٥٢٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٦٥ - ١٦٦) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n(^١٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٢٨ رقم ١٣٧٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢/ ٥٠٩ رقم ٦١٠)، وقال: حديث حسن صحيح.\nوالبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٨٧ رقم ٢٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٥)، =","vol":"1","page":164},{"text":"رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في بَوْلِ الرضيعِ: \"يُنْضَحُ بَولُ الغلامِ، ويُغْسَلُ بولُ الجارِية\". قالَ قَتَادةُ راويه: هذا ما لمْ يَطعما، فإذا طَعمَا غُسلا. وفي البابِ أحاديثُ (^١) مرفوعةٌ وموقوفةٌ، وهي كما قالَ الحافظُ البيهقيُّ (^٢): إذا ضمَّ بعضُها إلى بعضٍ قوِيَتْ.\nوالحديثُ [دليلٌ] (^٣) على الفرقِ بينَ بولِ الغلامِ، وبولِ الجاريةِ في الحُكْمِ، وذلكَ قبلَ أنْ يأكلا الطعامَ كما قيدهُ بهِ الراوي. وقد رُويَ مَرْفوعًا [أي بالتقييد بالطعمِ لهما] (^٤). وفي صحيحِ ابن حبانَ (^٥) والمصنفِ لابنِ أبي شيبة (^٦) عن ابن شهابٍ: \"مضتِ السُّنةُ أن يرشَّ بولُ منْ لمْ يَأكلِ الطعامَ من الصبيانِ\"، والمرادُ ما لم يحصلْ لهمُ الاغتذاءُ بغيرِ اللبنِ على الاستقلالِ، وقيل غيرُ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>أقوال العلماء في تطهير بول الغلام والجارية</span>\nوللعلماءِ في ذلكَ ثلاثةُ مذاهبَ:\n(الأولُ): للهادويةِ والحنفيةِ والمالكيةِ: أنهُ يجبُ غسلُهما كسائرِ النجاساتِ، قياسًا لِبولهِمَا على سائرِ النجاساتِ، وتأوَّلُوا الأحاديثَ؛ وهو تقديمٌ للقياسِ على النصِّ.\n_________\n= والدارقطني (١/ ١٢٩ رقم ٢) وغيرهم. وقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٣٨): \"إسناده صحيح، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، وفي وصله وإرساله، وقد رجَّح البخاري صحته، وكذا الدارقطني .. \".\n(^١) (منها): حديث أم قيس بنتِ مِحْصَن: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٥٥)، والبخاري (١/ ٣٢٦ رقم ٢٢٣)، ومسلم (١/ ٢٣٨ رقم ١٠٣/ ٢٨٧)، وأبو داود (١/ ٢٦١ رقم ٣٧٤)، والترمذي (١/ ١٠٥ رقم ٧١)، والنسائي (١/ ١٥٧)، وابن ماجه (١/ ١٧٤ رقم ٥٢٤).\n(ومنها): حديث عائشة: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٥٢)، والبخاري (١/ ٣٢٥ رقم ٢٢٢)، ومسلم (١/ ٢٣٧ رقم ١٠١/ ٢٨٦)، وابن ماجه (١/ ١٧٤ رقم ٥٢٣).\n(ومنها): حديث أم كُرْزٍ: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٢٢)، وابن ماجه (١/ ١٧٥ رقم ٥٢٧) وهو حديث صحيح لغيره.\n(ومنها): حديث ابن عباس: أخرجه الدارقطني (١/ ١٣٠ رقم ٥) بسند ضعيف.\n(ومنها): حديث أبي ليلى: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨) بسند صحيح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٦).\n(^٣) في النسخة (ب): \"دل\".\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) في صحيحه (٢/ ٣٢٨) عقب حديث أم قيس.\n(^٦) في \"المصنف\" (١/ ١٢١).","vol":"1","page":165},{"text":"(الثاني): وجهٌ للشافعيةِ؛ وهو أصحُّ الأوجهِ عندَهم؛ أنهُ يكفي النضحُ في بولِ الغلامِ لا الجاريةِ فكغيرِها منَ النجاساتِ، عملًا بالأحادِيثِ الواردةِ بالتفْرقةِ بينَهما؛ وهوَ قولُ عليٍّ ﵇، وعطاءِ، والحسنِ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وغيرهِم.\n(والثالثُ): يكفي النضحُ فيهما؛ وهو كلامُ الأوزاعيِّ. وأمَّا هلْ بولُ الصبيِّ طاهرٌ أو نجسٌ؟ فالأكثرُ على أنهُ نجسٌ، وإنما خففَ الشارعُ في تطهيرِه. واعلمْ أن النضحَ كما قالهُ النوويُّ في شرحِ مسلم (^١): هوَ أن الشيءَ الذي أصابُه البولُ يُغْمر ويكاثرُ بالماءِ مكاثرةً لا تبلغُ جريانَ الماءِ وتردُّده وتقاطرَه بخلاف المكاثرةِ في غيرهِ؛ فإنهُ يُشْتَرَطُ أنْ تكونَ بحيثُ يجري [عليها] (^٢) بعضُ الماءِ ويتقاطرُ مِنَ المحلِّ، وإنْ لمْ يُشْتَرَطْ عصرهُ، وهذا هوَ الصحيحُ المختارُ، وهو قولُ إمام الحرمين والمحقِّقينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>نجاسة دم الحَيض ووجوب غسله</span>\n٦/ ٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ - \"تَحُتُّه، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمّ تَنْضَحُهُ، ثُمّ تُصَلّي فِيهِ\". [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>ترجمة أسماء بنت أبي بكر</span>\n(وَعَنْ أَسْمَاءَ) (^٤) بفتحِ الهمزةِ وسينٍ مهملةٍ، فميمٍ فهمزةٍ ممدودةٍ، [هي] (^٥) \"بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ\".\n_________\n(^١) (٣/ ١٩٥).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) البخاري (١/ ٤١٠ رقم ٣٠٧)، ومسلم (١/ ٢٤٠ رقم ٢٩١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٥٥ رقم ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢)، والترمذي (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ١٣٨)، والنسائي (١/ ١٥٥)، ومالك (١/ ٦٠ - ٦١ رقم ١٠٣)، والشافعي في \"الأم\" (١/ ٨٤ - ٨٥)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٤٥) وغيرهم.\n(^٤) انظر ترجمتها في: \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٤٤ - ٣٥٥)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٢٤٩ - ٢٥٥)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٢٤)، و\"المستدرك\" (٤/ ٦٤ - ٦٥)، و\"الاستيعاب\" (١٢/ ١٩٥ - ١٩٨ رقم ٣٢٢٦)، و\"الإصابة\" (١٢/ ١١٤ - ١١٥ رقم ٤٦)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ١٤٥ - ١٤٧ رقم ٦٦٩٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٢٦ رقم ٢٧٢٠).\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).","vol":"1","page":166},{"text":"وهي أمُّ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، أسلمتْ بمكةَ قديمًا، وبايعتِ النبيَّ - ﷺ -، وهي أكبرُ منْ عائشةَ بعشرِ سنينَ، وماتتْ بمكةَ بعدَ أن قُتلَ ابنُها بأقلَّ منْ شهرٍ، ولها منَ العُمُرِ مائةُ سنةٍ، وذلكَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ، ولم تسقطْ لها سِنٌّ، ولا تغيرَ لها عقلٌ، وكانتْ قد عميتْ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - قَالَ في دَمِ الحَيْضِ يُصِيلث الثَّوبَ: تَحُتُّه) بالفتح للمثناةِ الفوقيةِ وضمِّ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ المثناةِ الفوقيةِ، أيْ: تحكُّهُ. والمرادُ بذلكَ إزالةُ عينِهِ، (ثم تَقْرُصُهُ بالماءِ)، أيْ الثوبَ وهوَ بفتحِ المثناةِ الفوقية، وإسكَانِ القافِ، وضمِّ الراءِ، والصادِ المهملتينِ، أيْ: تدلكُ ذلكَ الدمَ بأطرافِ أصابعها ليتحلَّلَ بذلكَ ويخرجَ ما شربهُ الثوبُ منهُ.\n(ثمَّ تَنْضَحُهُ) بفتحِ الضادِ المعجمةِ أيْ: تغسلهُ بالماءِ، (ثمَّ تصلي فيه. متفقٌ عليهِ)، ورواهُ ابنُ ماجَه (^١) بلفظِ: \"اقرصِيهِ واغسليهِ\"، ولابنِ أبي شيبة (^٢) بلفظِ: \"اقرصيهِ بالماءِ، واغسليهِ، وصلِّي فيهِ\". وروى أحمدُ (^٣)، وأبو داود (^٤)، والنَّسائيُّ (^٥)، وابنُ ماجه (^٦)، وابنُ خزيمةَ (^٧)، وابنُ حِبَّانَ (^٨) منْ حديثِ أمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: \"أَنَّها سألتْ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عن دمِ الحيضِ يصيبُ الثوبَ فقالَ: \"حُكِّيْهِ بِصَلْعٍ، واغسليهِ بماءٍ وسدرٍ\".\nقال ابنُ القطانِ (^٩): إسنادهُ في غايةِ الصحةِ، ولا أعلمُ لهُ علَّةً. وقوله: (بصَلْعٍ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، فلامٍ ساكنةِ، وعينٍ مهملة، الحجر.\nوالحديثُ دليلٌ على نجاسةِ دمِ الحيضِ، وعلى وجوبِ غسلهِ، والمبالغةِ في إزالتهِ بما ذكرَ مِنَ الحتِّ، والقرصِ، والنضحِ، لإذهابِ أثرهِ. وظاهرهُ أنهُ لا\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٠٦ رقم ٦٢٩).\n(^٢) في \"المصنف\" (١/ ٩٥).\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ٣٥٥).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢٥٦ رقم ٣٦٣).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٢٠٦ رقم ٦٢٨).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ١٤١ رقم ٢٧٧).\n(^٨) (ص ٨٢ رقم ٢٣٥ - موارد).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٢٣٩)، والبيهقي (٢/ ٤٠٧) من طرق .. ونقل ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٣٥ رقم ٢٦)، تصحيح ابن القطان وأقرَّه، وهو الصواب. وقد أورد الألباني الحديث في \"الصحيحة\" (رقم ٣٠٠).\n(^٩) في كتابه: \"بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام\" (٥/ ٢٨١).","vol":"1","page":167},{"text":"يجبُ غيرُ ذلكَ، وإنْ بقيَ منَ العينِ بقيةٌ فلا يجبُ الحادُّ لإذهَابِها لعدمِ ذكرهِ في الحديث، وهوَ محلُّ البيانِ؛ ولأنهُ قد وردَ في غيرِه: \"ولا يضرُّكِ أثَرُهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-128>العفو عن أثر الحيض في الثوب بعدَ غسله وحتِّه</span>\n٧/ ٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: \"يَكْفِيكِ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ) بالخاء المعجمة مفتوحةً، وسكونِ الواو، وهيَ بنتُ يسارٍ كما أفادهُ ابنُ عبدِ البرِّ في \"الاستيعاب\" (^٢) حيثُ قالَ: خَوْلَةُ بنتُ يسارٍ، [قالت] (^٣): (يا رَسولَ اللَّهِ، فإنْ لمْ يذهبِ الدَّمُ؟ قَالَ: يكفيكِ الماء ولا يضرُّكِ أثرهُ. أخرجَهُ الترمذيُّ وسندهُ ضعيفٌ)، وكذلكَ أخرجهُ البيهقيُّ (^٤)؛ لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعَةَ (^٥).\n_________\n(^١) قلت: عزوه إلى الترمذي وهمٌ محض، فإنه لم يخرجه البتة. وإنما أشار إليه عقب حديث أسماء (١/ ٢٥٥) بقوله: وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنتِ مِحْصَن.\nقلت: وأخرج الحديث أبو داود (١/ ٢٥٦ رقم ٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٣٦٤، ٣٨٠)، والبيهقي (٢/ ٤٠٨) بإسناد صحيح عنه. وهو وإن كان فيه ابن لهيعة، فإنه قد رواه عنه جماعة منهم \"عبد الله بن وهب\" وحديثه عنه صحيح كما قال غير واحد من الحفاظ. قلت: وأوردَ الألباني الحديث في \"الصحيحة\" (رقم ٢٩٨) وذكر أوهامًا لبعض العلماء فانظره لزامًا.\n(^٢) (١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨ رقم ٣٣٢٦).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٠٨) كما تقدم آنفًا.\n(^٥) قال المحدث الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ٥٣٢): \"إطلاق الضعف على ابن لهيعة وإسناد حديثه هذا ليس بصواب، فإن المتقرَّر من مجموع كلام الأئمة فيه أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيء الحفظ، وقد كان يحدث من كتبه فلما احترقت حدث من حفظه فأخطأ، وقد نص بعضهم على أن حديثه صحيح إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: \"عبد الله بن وهب\"، و\"عبد الله بن المبارك\"، و\"عبد الله بن يزيد المقرئ\". فقال الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح، ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ. وذكر الساجي وغيره مثله، ونحوه قول نعيم بن حماد: سمعت ابن مهدي يقول: \"لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن لهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه.\nوقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا بقوله في التقريب: \"صدوق، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما … \" اهـ.","vol":"1","page":168},{"text":"وقالَ إبراهيمُ الحربيُّ: لمْ نسمعْ بخولةَ بنتِ يسارٍ إلَّا في هذا الحديثِ. ورواهُ الطبرانيُّ في \"الكبير\" (^١) منْ حديثِ خولةَ بنتِ حكيم، بإسنادٍ أضعفَ منَ الأولِ. وأخرجهُ الدارميُّ (^٢) منْ حديثِ عائشةَ موقوفًا عَليها: \"إذا غسلتِ المرأةُ الدمَ فلم يذهبْ فلتغيِّرهُ بصُفرةٍ أو زعفرانَ\"، رواهُ أبو داود (^٣) عنها موقوفًا أيضًا. وتغييرُهُ بالصُّفرةِ والزَّعفَرانِ ليسَ لقلعِ عينهِ، بل لتغطيةِ لونه تنزُّهًا عنهُ.\nوالحديثُ دليلٌ لما أشرنَا من أنهُ لا يجبُ استعمال الحادِّ لقطعِ أثرِ النجاسةِ وإزالةِ عينِها. وبه أخذَ جماعةٌ من [أئمة] (^٤) أهل البيت، ومنَ الحنفية والشافعيةِ. واستدلَّ مَنْ أوجبَ الحادَّ وهمُ الهادويةُ، بأنَّ المقصودَ من الطهارةِ أن يكون المصلِّي على أكملِ هيئةٍ وأحسنِ زينةٍ، ولحديثِ: \"اقرصيهِ وأميطيهِ عنكِ بإذخرةٍ\"، قال في الشرح: وقدْ عَرفتَ أن ما ذكر لا يفيد المطلوبَ، وأنَّ القول الأول أظهرُ [هذه الأحاديث في هذا الباب] (^٥). هذا كلامهُ.\nوقد يقال: قدْ ورد الأمر بالغسلِ لدمِ الحيضِ بالماءِ والسِّدْرِ (^٦) من الحوادِّ، والحديثُ الواردُ به فِي غايةِ الصحَّة كما عرفتَ؛ فيقيَّدُ بهِ ما أطلقَ في غيرِه، [ويخصُّ] (^٧) استعمالُ الحادِّ بدمِ الحيضِ ولا يقاسُ عليه غيرُهُ منَ النجاساتِ، وذلكَ لعدمِ تحققِ شروطِ القياسِ، ويُحملُ حديثُ: \"ولا يضُرُّكِ أَثَرُهُ\"، وحديثُ عائشةَ، وقولُها: (فلمْ يذهبْ) أيْ بعدَ الحادِّ.\nفهذه الأحاديثُ في هذا الباب اشتملتْ منَ النجاساتِ على الخمرِ، ولحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، والمنيِّ، وبولِ الجاريةِ والغلامِ، ودمِ الحيضِ. ولو أدخلَ المصنفُ بولَ الأعرابيِّ في المسجدِ، ودباغَ الأديمِ ونحوه في هذا البابِ لكانَ أوجهَ.\n_________\n(^١) (٢٤/ ٢٤١ رقم ٦١٥)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٨٢): \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه الوازع بن نافع وهو ضعيف. قلت: بل هو متروك شديد الضعف، أورده الذهبي في الضعفاء (٢/ ٧١٨ رقم ٦٨١٦) وقال: \"قال أحمد ويحيى: ليس بثقة\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٣٨).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٥٣ رقم ٣٥٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) زيادة من النسخة (ب)\n(^٦) السِّدْر: شجرُ النَّبْقِ، الواحدةُ: سِدرةٌ. والجمعُ: سِدْراتٌ، وسِدَراتٌ، وسِدَرٌ. \"مختار الصحاح\" (ص ١٢٣).\n(^٧) في النسخة (ب): \"يختص\".","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>[الباب الرابع] بابُ الوضوءِ</span>\nفي القاموسِ (^١): الوُضوءُ يأتِي بالضمِّ: الفعلُ، وبالفتحِ: ماؤُهُ وهو مصدرٌ أيضًا، أو لغتانِ ويُعنى بهمَا المَصْدَرُ، وقد يُعْنَى بهمَا الماءُ، توضَّأْتُ للصَّلاةِ وتوضَّيْتُ لُغَيَّةٌ أو لُثْغَةٌ اهـ. واعلم أن الوُضُوءَ مَنْ أعظمِ شروطِ الصلاةِ.\nوقد ثبت عند الشيخينِ (^٢) مَنْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"إنَّ الله لا يقبلُ صلاة أحدكمْ إذا أحدثَ حتى يتوضأَ\"، وثبت حديثُ: \"الوضوءُ شطرُ الإيمانِ\" (^٣)، وأنزلَ اللَّهُ فريضتهُ منَ السماءِ في قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٤) الآية وهي مدنيةٌ. واختلفَ العلماءُ: هلْ كانَ فرضُ [الوضوء] (^٥) بالمدينةِ أو بمكةَ؟ فالمحقِّقون على أنَّهُ فُرضَ بالمدينةِ لعدم النَّص الناهضِ على خلافهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>فضائل الوضوء</span>\nوورد في الوضوءِ فضائلُ كثيرةٌ، (منهَا): حديثُ أبي هريرةَ عند مالكٍ (^٦)\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٧٠).\n(^٢) البخاري (١٢/ ٣٢٩ رقم ٦٩٥٤) و(١/ ٢٣٤ رقم ١٣٥)، ومسلم (١/ ٢٠٤ رقم ٢/ ٢٢٥). قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٤٩ رقم ٦٠)، والترمذي (١/ ١١٠ رقم ٧٦)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب حسن صحيح.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٣٥ رقم ٣٥١٧) وقال: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه مسلم (١/ ٢٠٣ رقم ١/ ٢٢٣) بلفظ: \"الطُّهُور شَطْرُ الإيمانِ\"، وابن ماجه (١/ ١٠٢ رقم ٢٨٠) بلفظ: \"إسْبَاغُ الوُضُوءِ شَطْرُ الإيمانِ\"، كلهم من حديث أبي مالك الأشعريِّ.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) في \"الموطأ\" (١/ ٣٢ رقم ٣١).=","vol":"1","page":170},{"text":"وغيرِه مرفوعًا: \"إذَا توَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ أو المؤمِنُ فَغَسَل وَجْهَهُ، خَرَجَتْ من وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إليها بِعَيْنِهِ مَعَ الماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ [خَرَجَتْ] (^١) منْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيْئةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أو مَعَ آخر قَطْرِ الماءِ، فَاِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مَشَتْها رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ أو مَعَ آخر قَطْرِ المَاءِ، حتى يَخْرُجَ نَقيًّا من الذُّنُوبِ\".\nوأشملُ منهُ ما أخرجهُ مالكٌ (^٢) أيضًا منْ حديثِ عبد اللَّهِ الصُّنَابِحيِّ - بضمِّ الصاد المهملة، وفتح النون، وكسر الموحدة، آخرهُ مهملة، نسبةً إلى صنابح بطنٍ منْ مرادٍ - وهوَ صحابيٌّ قالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"إِذَا تَوضَّأَ العبدُ المُؤمنُ فَتَمضمضَ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ فيهِ، وإذَا استَنْثَرَ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ أنفهِ، فَإِذَا غَسَلَ وجهَهُ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ وجهَهِ حتى تَخرجَ منْ تحتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَديهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِنْ يَديهِ حتى تخرجَ مِنْ تحت أظْفَارِ يديهِ، فَإِذَا مسحَ برأسهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا من رأسهِ حتى تخرجَ منْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الخطايا منْ رجليه، حتى تخرج من [تحت] (^٣) أَظْفَارِ رِجْليْهِ، ثمَّ كانَ مشيهُ إلى المسجدِ وصلاتهُ نافلةٌ له\"، وفي معناهما عدة أحاديثَ (^٤).\n_________\n= قلت: وأخرجه مسلم (١/ ٢١٥ رقم ٣٢/ ٢٤٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٠٣)، والترمذي (١/ ٦ رقم ٢) وقال: حديث حسن صحيح. والبغوي في شرح السنة (١/ ٣٢١ رقم ١٥٠) وابن خزيمة (١/ ٥ رقم ٤)، والبيهقي (١/ ٨١).\n(^١) في النسخة (أ): \"خرج\".\n(^٢) في \"الموطأ\" (١/ ٣١ رقم ٣٠). قلت: وأخرجه النسائي (١/ ٧٤ رقم ١٠٣)، وابن ماجه (١/ ١٠٣ رقم ٢٨٢)، والحاكم (١/ ١٢٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وليس له علة .... وعبد الله الصُّنابِحي صحابي، ويقال: أبو عبد الله الصُّنابِحي - واسمه - عبد الرحمن بن عسيلة. وتعقبه الذهبي بقوله: \"لا\". وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٣١): \"لم يسمع - الصُّنابِحي - من النبي - ﷺ - والحديث مرسل\".\nوقال العراقي في \"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار\" (١/ ١٣٥): \"إسناده صحيح ولكن اختلف في صحته .. \".\nهذا وقد صحَّحه المحدث الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (رقم: ١٨٠) وقال: \"وإنما أوردت حديثه هنا لشواهده المذكورة في الباب\".\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) منها: ما أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١/ ٢١٦ رقم ٣٣/ ٢٤٥).=","vol":"1","page":171},{"text":"ثمَّ هلِ الوضوءُ من خَصَائِصِ هذه الأمةِ؟ فيه خلاف. المحقِّقونَ على أنَّه ليس من خصائصها إنما الذي من خصائصِها الغرَّةُ والتحجيلُ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-131>فضل السواك</span>\n١/ ٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضوءٍ\".\n_________\n= عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَوَضَّأُ فَأَحْسَنَ الوُضُوء خَرَجَتْ خَطاياه من جَسَدِهِ، حتى تَخْرُجَ من تحتِ أَظْفَارِهِ\".\n(ومنها): ما أخرج مسلم في \"صحيحه\" (١/ ٥٦٩ رقم ٢٩٤/ ٨٣٢) من حديث طويل.\nعن عمرِو بن عَنبسَةَ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَا مِنْكم رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فيتمضمضُ ويستنشقُ فينتثِرُ إلَّا خَرَّتْ خطايا وَجْهِهِ وفِيهِ وَخَياشِيمِه، ثمَّ إذا غَسَلَ وَجْهه كما أَمَرَهُ اللَّهُ إلَّا خَرَّتْ خطايا وَجْهه من أطرافِ لحيتهِ مَعَ الماءِ، ثمَّ يَغْسلَ يَدَيْهِ إلى المرفقَيْنِ إلَّا خَرَّت خطايا يديهِ من أناملِهِ مَعَ الماءِ، ثمَّ يَمْسَحُ رأسهُ إلَّا خَرَّتْ خطايا رأسِهِ من أطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثمَّ يَغْسِل قدمَيْهِ إلى الكعبينِ إلَّا خَرَّتْ خطايا رِجْلَيْهِ من أناملهِ مَعَ الماءِ، فإنْ هو قَامَ فصلَّى، فحمد اللَّهَ وأثنى عليه وَمَجَّدَهُ بالذي هو له أَهْلٌ، وفرَّغَ قَلْبَهُ للَّهِ، إلَّا انْصَرَفَ منْ خَطِيْئَتِهِ كهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أُمُّهُ\".\nوأخرج النسائي (١/ ٩١ رقم ١٤٧) نحوه، وابن ماجه (١/ ١٠٤ رقم ٢٨٣) مختصرًا.\n(^١) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٨ رقم ٢٨)، ومسلم (١/ ٢١٨ رقم ٣٩/ ٢٤٩).\nعن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ إلى المَقْبَرَةِ، فقال: \"السلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ، وإنَّا، إنْ شاء اللَّهُ، بكم لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أنِّي قد رأيتُ إخوانَنَا\"، فقالوا: يا رسول اللَّهِ، أَلَسْنَا بإخوانِكَ؟ قال: \"بل أنتم أصحابي، وإخوانُنَا الذين لم يأتوا بَعْدُ، وأنا فَرَطُهُمْ على الحوضِ\"، فقالوا: يا رسول اللَّهِ: كيف تَعْرفُ من يأتي بَعْدَك من أُمَّتِكَ؟ قال: \"أرأيت لو كان لِرَجلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ، في خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرفُ خَيْلَهُ؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّهِ، قال: \"فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يومَ القيامة غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ من الوضوءِ، وأنا فَرَطُهُم على الحوضِ. فلا يُذَادَنَّ رجالٌ عن حَوْضِي كما يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ: ألَا هَلُمَّ، ألَا هَلُمَّ، ألَا هَلُمَّ، فيقالُ: إِنَّهُمْ قدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فأقول: فَسُحْقًا، فَسُحْقًا، فَسُحْقًا\".\n• دُهم بُهم: أي سود لم يخالط لونها لونٌ آخر.\n• سحقًا سحقًا: أي بُعدًا بُعدًا. والمكان السحيق: البعيد. ونصب على تقدير: ألزمهم الله سحقًا، أو سحقهم سحقًا.","vol":"1","page":172},{"text":"أَخْرَجَهُ مَالِكٌ (^١)، وأَحْمَدُ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤). وَذَكَرَهُ البخاريُّ تعلِيقًا (^٥). [صحيح]\n(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -: لَوْلا أَنْ أَشقَّ على أُمَّتِي لأَمَرْتُهْم بالسِّواكِ مَعَ كلِّ وُضوءٍ)، أخرجه مالكٌ، وأحمدُ، والنسائيُّ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ [وذكرهُ البخاريُّ تعليقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>تعريف الحديث المعلَّق</span>\nالمعلَّقُ هو ما يسقط من أولِ إسناده راوٍ فأكثرَ] (^٦).\nقال في الشرحِ: الحديثُ متفقٌ عليهِ عندَ الشيخين (^٧) منْ حديث أبي هريرةَ وهذا لفظهُ. قال ابنُ منده: إسناده مجمعٌ على صحتهِ. قال النوويُّ (^٨): غلطَ بعضُ الكبارِ فزعمَ أن البخاريَّ لم يخرجهُ.\nقلتُ: وظاهرُ صنيعِ المصنفِ هنَا يقَضِي بأنهُ لم يخرجهْ واحد منَ الشيخين؛ [حيث لم ينسبه إلى الشيخين، ونسبه إلى غيرهما؛ فإن المعروف من قاعدة المحدثين أنه إذا أخرج الشيخان الحديث نسبوه إليهما ولا يكتفون برواية غيرهما إلا لعدم إخراجهما له] (^٩). وهوَ منْ أحاديثِ عمدةِ الأحكامِ (^١٠) التي لا يذكرُ فيهَا إلَّا ما أخرجهُ الشيخانِ، إلَّا أنهُ بلفظِ: \"عندَ كلِّ صلاةٍ\".\n_________\n(^١) في \"الموطأ\" (١/ ٦٦ رقم ١١٥).\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٤٦٠، ٥١٧).\n(^٣) في \"الكبرى\" - كما في الأطراف للمزي (٩/ ٣٣٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٧٣ رقم ١٤٠).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٤/ ١٥٨) باب (٢٧): سواك الرَّطبِ واليابسِ للصائم. قلت: هو حديث صحيح.\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).\n(^٧) البخاري (٢/ ٣٧٤ رقم ٨٨٧)، ومسلم (١/ ٢٢٠ رقم ٢٥٢).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٦٦ رقم ١١٤)، وأبو داود (١/ ٤٠ رقم ٤٦)، والترمذي (١/ ٣٤ رقم ٢٢)، والنسائي (١/ ١٢ رقم ٧)، وابن ماجه (١/ ١٠٥ رقم ٢٨٧)، والدارمي (١/ ١٧٤).\n(^٨) في المجموع (١/ ٢٦٨).\n(^٩) زيادة من النسخة (أ).\n(^١٠) رقم الحديث (١٩).","vol":"1","page":173},{"text":"وفي معناه عدةُ أحاديث عن عدة منَ الصحابة، (منها): عن عليٍّ ﵇ عندَ أحمدَ (^١)، وعنْ زيدِ بن خالدٍ عندَ الترمذيِّ (^٢)، وعن أمِّ حبيبة عندَ أحمدَ (^٣)، وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمروٍ، وسهلِ بن سعدٍ، وجابرٍ، وأنسٍ عندَ أبِي نعيم (^٤) وعن أبي أيوبَ عند أحمدَ (^٥)، والترمذيِّ (^٦)، ومن حديثِ ابن عباسٍ وعائشةَ عندَ مسلمٍ (^٧)، وأبي داودَ (^٨)، ووردَ الأمرُ بهِ منْ حديث: \"تَسَوَّكُوا، فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرةٌ لِلْفَمِ، [مرضاة للربِّ] \" (^٩).\nأخرجه ابنُ ماجَه (^١٠) وفيهِ ضعفٌ، ولكنْ لهُ شواهدُ عديدةٌ دالةٌ على أن للأمرِ بهِ أصلًا. ووردَ في أحاديثَ: \"أن السِّواكَ منْ سُنَنِ المرسلينَ (^١١)، وأنهُ منْ خصالِ الفطرةِ (^١٢)، وأنهُ منَ الطهاراتِ، وأنَّ فضلَ الصلاةِ التي يُسْتاكُ لها على\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٨٠، ١٢٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٥ رقم ٢٣)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٤٠ رقم ٤٧)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ١١٦).\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ٣٢٥ و٤٢٩).\n(^٤) في كتاب \"السواك\"، وإسناد بعضها حسن كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٦٢ - ٦٣).\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ٤٢١).\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٣٩١ رقم ١٠٨٠)، وقال: حديث حسن غريب.\n(^٧) • في \"صحيحه\" (١/ ٢٢١ رقم ٤٨/ ٢٥٦) من حديث ابن عباس.\n• في \"صحيحه\" (١/ ٢٢٠ رقم ٤٣/ ٢٥٣) من حديث عائشة.\n(^٨) • في \"سننه\" (١/ ٤٨ رقم ٥٨) من حديث ابن عباس.\n• في \"سننه\" (١/ ٤٤ رقم ٥١) من حديث عائشة.\n(^٩) زيادة من النسخة (ب).\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ١٠٦ رقم ٢٨٩) من حديث أبي أمامة، وإسناده ضعيف.\n(^١١) أخرج أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٢١)، والترمذي في \"السنن\" (٣/ ٣٩١ رقم ١٠٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ١٨٣ رقم ٤٠٨٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٧٠) عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربعٌ من سنن المرسلين: الحياءُ والتعطرُ والنكاح والسواكُ\". فيه أبو الشمال وهو مجهول ولا يعرف إلا بهذا الحديث كما قال أبو زرعة. وفيه الحجاج بن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس. وقد أسقط أحمد والترمذي أبا الشمال والصواب إثباته.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^١٢) أخرج أحمد (٦/ ١٣٧)، ومسلم (١/ ٢٢٣ رقم ٥٦/ ٢٦١)، وأبو داود (١/ ٤٤ رقم ٥٣)، والترمذي (٥/ ٩١ رقم ٢٧٥٧)، والنسائي (٨/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن ماجه (١/ ١٠٧ رقم=","vol":"1","page":174},{"text":"الصلاة التي لا يُستاكُ لها سبعونَ ضِعفًا\". أخرجه أحمدُ (^١)، وابنُ خزيمةَ (^٢)، والحاكمُ (^٣)، والدارقطنيُّ (^٤)، وغيرُهم، قالَ في \"البدرِ المنيرِ\": قدْ ذكرَ في السواك زيادةً على مائةِ حديثٍ (^٥) فواعجبًا لسنةٍ تأتي فيها الأحاديثُ الكثيرةُ ثمَّ يهملُها كثيرٌ مِنَ الناسِ، بلْ كثيرٌ منَ الفقهاءِ، فهذِه خيبةٌ عظيمةٌ.\nهذا ولفظُ السِّواكِ بكسر السينِ في اللغةِ يطلقُ على الفعلِ، وعلى الآلةِ، ويُذكَّرُ ويُؤنثُ، وجمعهُ سُوُكٌ ككتابٍ وكُتُبٍ. ويرادُ بهِ في اصطلاح العلماء استعمالُ عودٍ أو نحوهِ في الأسنانِ لتذهبَ الصفرةُ وغيرُها.\nقلتُ: وعندَ ذهابِ الأسنَانِ أيضًا يشرعُ لحديثِ عائشةَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، الرجلُ يذهبُ فوهُ أيستاكُ؟ قالَ: \"نعمْ\"، قلتُ: كيفَ يصنعُ؟ قالَ: \"يدخلُ إصبعَهُ في فيهِ\"، أخرجهُ الطبرانيُّ في \"الأوسط\" (^٦)، وفيهِ ضعفٌ.\n_________\n= ٢٩٣)، وابن خزيمة (١/ ٤٧ رقم ٨٨).\nعن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"عَشْرٌ من الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وإِعْفَاءُ اللحْيَةِ، والسِّوَاكُ، واسْتِنشاقُ الماء، وقصُّ الأظفار، وغَسْلُ البراجم، ونتفُ الإِبطِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وانتقاصُ الماءِ\"، قال زَكَرِيَّاءُ، قال مصعبٌ: ونسيتُ العاشِرةَ، إلَّا أن تكون المضمضةَ.\n• البراجم: جمع بُرجُمة، وهي عقد الأصابع ومفاصلها كلها.\n• انتقاص الماء: يعني الاستنجاء.\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٢٧٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٧١ رقم ١٣٧).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ١٤٦) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nقلت: إن ابن إسحاق مع كونه مدلسًا وقد عنعنه؛ فإن مسلمًا لم يحتج به، وإنما روى له متابعة.\n(^٤) لم أعثر عليه في \"السنن\".\nقلت: وأخرجه البزار في \"مسنده\" (١/ ٢٤٤ رقم ٥٠١ - \"كشف الأستار\").\nوقال: لا نعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ إلَّا ابن إسحاق، ولا عنه إلَّا إبراهيم، وقد روى قريبًا منه معاوية بن يحيى.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٥) هناك جملة (قال في \"البدر\") من النسخة (أ) ونظنها أنها مكررة.\n(^٦) رقم (٦٦٧٨) وعزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٠٠).\nوقال: وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري، وهو ضعيف.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>حُكم السِّواك</span>\nوأمَّا حكمهُ فهوَ سنةٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ، وقيلَ بوجوبهِ، وحديثُ البابِ دليلٌ على عدم وجوبهِ لقولهِ في الحديث هذا: \"لأمرتُهُمْ\" أي أمْرَ إيجابٍ، فإنهُ تركَ الأمرَ بهِ لأجلِ المشقةِ، لا أمْرَ الندبِ، فإنهُ قد ثبتَ بلا مِريةٍ. والحديثُ دلَّ على تعيينِ وقتِهِ وهوَ عندَ كلِّ وضوءٍ. وفي الشرحِ أنَّهُ يستحبُّ في جميعِ الأوقاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-134>أحق الأوقات بالسِّواك</span>\nويشتدُّ استحبابُهُ في خمسةِ أوقاتٍ:\nأحدهما: عندَ الصلاةِ، سواءٌ كان متطهِّرًا بماءٍ أو تراب أو غيرَ متطهِّرٍ، كمنْ لمْ يجدْ ماءً ولا ترابًا.\nالثاني: عندَ الوضوءِ.\nالثالث: عندَ قراءةِ القرآنِ.\nالرابع: عندَ الاستيقاظِ منَ النومِ.\nالخامس: عندَ تغيُّرِ الفمِ.\nقال ابنُ دقيقِ العيدِ: السرُّ فيهِ، أي في السِّواكِ عندَ الصلاةِ، أنَّا مأمورونَ في كلِّ حالٍ منَ أحوالِ التقربِ إلى اللَّهِ أنْ نكونَ في حالةِ كمالٍ ونظافةٍ؛ إظهارًا لشرفِ العبادةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ ذلكَ الأمرَ يتعلقُ بالمَلَكِ، وهوَ أنهُ يضعُ فاهُ على فمِ القارئِ ويتأذى بالرائحةِ [الكريهةِ] (^١)، فسُنَّ السواكُ لأجلِ ذلكَ، وهوَ وجهٌ حسنٌ.\nثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يخصُّ صلاةً عن استحبابِ السواكِ لها في إفطارٍ ولا صيامٍ، والشافعيُّ يقولُ: لا يسنُّ بعدَ الزوالِ في الصوم؛ لئلَّا يَذهبَ بهِ خُلوفُ الفمِ المحبوبُ إلى الله تعالى.\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"الخبيثة\".","vol":"1","page":176},{"text":"وأجيبَ بأنَّ السِّواكَ لا يذهبُ الخُلوفُ بهِ، فإنهُ صادرٌ عنْ خُلُوِّ المعدةِ ولا يذهبُ بالسِّواكِ. ثمَّ هَلْ يسنُّ ذلك للمصلي، وإنْ كانَ متوضِّئًا، كما يدلُّ لهُ حديثُ: \"عندَ كلِّ صلاةٍ\"؟ قيلَ: نعمْ يسنُّ ذلكَ، وقيلَ: لا يسنُّ إلَّا عندَ الوضوءِ؛ لحديثِ البابِ معَ كلِّ وضوءٍ، وأنهُ يقيدُ إطلاقَ \"عندَ كلِّ صلاةٍ\" بأنَّ المرادَ عندَ وضوءِ كلِّ صلاةٍ، ولوْ قيلَ: إنهُ يلاحظُ المعنى الذي لأجلهِ شرعَ السواكُ؛ فإنْ كانَ قد مضى وقتٌ طويلٌ يتغيرُ فيهِ الفمُ بأحدِ المغيِّراتِ التي ذكرتْ وهي أكلُ ما لَهُ رائحةٌ كريهةٌ وطول السكوتِ وكثرةُ الكلامِ، وتركُ الأكلِ والشربِ، شُرعَ السواكُ، وإنْ لم يتوضأْ، وإلَّا فلا، لكانَ وجهًا.\nوقولُهُ فِي رسمِ السواكِ اصطلاحًا، أو نحوِه أي: نحوِ العودِ، ويريدونَ بهِ كلَّ ما يزيلُ التغيُّرَ كالخِرقةِ الخشنةِ، والإصبعِ الخشنةِ، والأُشْنانِ (^١). والأحسنُ أنْ يكونَ السواكُ عودَ أراكٍ متوسطًا لا شديد اليبسِ فيجرحُ اللِّثَةَ، ولا شديدَ الرطوبةِ فلا يزيلُ ما يرادُ إزالتهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-135>الوضوء</span>\n٢/ ٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ: \"أَن عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّات، ثُمَّ غَسَلَ يدَهُ الْيُمْنَى إِلَى المِرْفَقِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الكَعْبَينِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n_________\n(^١) هو بضم الهمزة وكسرها، حكاهما أبو عبيدة والجواليقي، قال: وهو فارسي مُعرَّب.\nوهو بالعربية \"حُرْض\" \"تحرير ألفاظ التنبيه\" أو \"لغة الفِقْهِ\" للإمام النووي (ص ٣٢).\n(^٢) البخاري: (١/ ٢٥٩ رقم ١٥٩) و(١/ ٢٦١ رقم ١٦٠) و(١/ ٢٦٦ رقم ١٦٤) و(٤/ ١٥٨ رقم ١٩٣٤) و(١١/ ٢٥٠ رقم ٦٤٣٣).\nومسلم (١/ ٢٠٥ رقم ٣ و٤/ ٢٢٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٧٨ - ٨١ رقم ١٠٦ - ١١٠)، وابن ماجَهْ (١/ ١٠٥ رقم ٢٨٥)، والنسائي (١/ ٦٤ رقم ٨٤) و(١/ ٦٥ رقم ٨٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٨، ٤٩، ٥٣، ٥٨، ٦٨)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٨٣)، وأبو عوانة في \"المسند\" (١/ ٢٣٩).","vol":"1","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>ترجمة حمران مولى عثمان</span>\n(وَعَنْ حُمْرَانَ) - ﵁ - (^١).\nبضمِّ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، وبالراءِ، هوَ ابنُ أَبَانَ بفتحِ الهمزةِ، وتخفيفِ الموحدةِ.\nوهو مولى لعثمانَ بن عفانَ، أرسلهُ لهُ خالدُ بنُ الوليدِ منْ بعضِ مَنْ سباهُ فِي مغازيهِ فأعتقهُ عثمانُ.\n(أن عثمانَ) - ﵁ - هوَ ابنُ عفانَ تأتي ترجمتُهُ قريبًا (^٢) (دَعَا بِوَضوءٍ) أي بماءٍ يتوضَّأُ بهِ (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ)، هَذا منْ سننِ الوضوءِ باتفاق العلماءِ، وليسَ هوَ غسلَهما عندَ الاستيقاظِ الذِي سيأتي حديثهُ، بلْ هذا سنةُ الوضوءِ، فلوِ استيقظَ وأرادَ الوضوءَ، فظاهرُ الحديث أن يغسِلَهما للاستيقاظِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ للوضُوءِ كذلكَ، ويحتملُ تداخلُهما.\n(ثمَّ تَمَضْمَضَ) المضمضةُ أنْ يجعلَ الماءَ في [الفم] (^٣)، ثمَّ يمجُّهُ، وكمالها أنْ يجعلَ الماءَ في فيهِ ثمَّ يديرهُ ثمَّ يمجُّهُ، كذَا في الشرحِ، وفي القاموسِ (^٤): المَضْمَضَةُ تحريكُ الماءِ في الفَمِ فجعلَ مِنْ مسماهُ التحريكَ، ولم يجعلْ منهُ المجَّ، ولمْ يذكرْ في حديثِ عثمانَ هلْ فعلَ ذلكَ مرةً أو ثلاثًا، لكنْ في حديثِ عليٍّ ﵇ (^٥): \"أنهُ مضمضَ واستنشقَ، ونثرَ بيدِهِ اليسرَى، ففعل هذا ثلاثًا\"، ثمَّ قالَ: هذا طهورُ نبيِّ الله - ﷺ -.\n(وَاسْتَنْشَقَ) الاستنشاقُ إيصالُ الماءِ إلى داخلِ الأنفِ، وجذبهِ بالنَّفَسِ إلى أقصاه، (وَاسْتَنْثَرَ) الاستنثارُ عندَ جمهورِ أهلِ اللغةِ والمحدثينَ والفقهاءِ إخراجُ الماءِ منَ الأنفِ بعدَ الاستنشاقِ.\n(ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ غَسَلَ يدَهُ اليُمْنَى)، فيهِ بيانٌ لما أُجمِلَ في الآيةِ من\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢١ رقم ٣١)، و\"تقريب التهذيب\" (١/ ١٩٨ رقم ٥٥٩).\n(^٢) في الحديث (٩/ ٣٧) من هذا الكتاب.\n(^٣) في النسخة (ب): \"فيه\".\n(^٤) \"المحيط\" (ص ٨٤٤).\n(^٥) وهو حديث صحيح سيأتي تخريجه رقم (٣/ ٣١).","vol":"1","page":178},{"text":"قولِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (^١) الآيةُ، وأنهُ يقدمُ اليمنى، (إلى المِرْفَقِ) بكسرِ ميمِهِ، وفتح فائهِ، وبفتحهمَا، وكلمةُ (إلى) في الأصل للانتهاءِ، وقد تستعمل بمعنى مَعَ، وبينَتِ الأحَاديثُ أنهُ المرادُ، كما في حديث جابرٍ: \"كان - ﷺ - يديرُ الماءَ على مرفقيهِ\"، أي النبيُّ - ﷺ -. أخرجهُ الدارقطنيُّ (^٢) بسندٍ ضعيفٍ، وأخرجَ (^٣) بسندٍ حسنٍ في صفةِ وضوءِ عثمانَ أنهُ غسلَ يديهِ إلى المِرْفَقينِ حتى مسحَ أطرافَ العضُدَينِ، وهوَ عندَ البزَارِ (^٤)، والطبرانيِّ (^٥) منْ حديثِ وائلِ بن حجرٍ في صفةِ الوضوءِ: \"وغسلَ ذراعيهِ حتى جاوزَ المرافقَ\".\nوفي الطحاويِّ (^٦)، والطبرانيِّ (^٧) من حديثِ ثعلبةَ بن عبادٍ عنْ أبيهِ: \"ثمَّ غسلَ ذراعيهِ حتى [سال] (^٨) الماءُ على مرفقيهِ\"، فهذهِ الأحاديثُ يقوي بعضُها بعضًا (^٩). قَالَ إسحاقُ بنُ راهويه: (إلى) في الآيةِ: يحتملُ أنْ تكونَ بمعنى الغايةِ، وأنْ تكونَ بمعنى مَعَ، فبيَّنتِ السنَّةُ أنَّها بمعْنى معَ.\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٨٣ رقم ١٥)، وقال الدارقطني: ابن عقيل ليس بقوي.\nقلت: أورده ابن شاهين في \"تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين\" (ص ١٥٨ رقم ٥١٧)، وقال عنه: ليس هو بشيء. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ٥٧ رقم ٥٦).\n(^٣) أي الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٨٣ رقم ١٧)، وقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٢٩٢): إسناده حسن.\n(^٤) (١/ ١٤٠ رقم ٢٦٨ - \"كشف الأستار\").\n(^٥) عزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٣٢)، للطبراني في \"الكبير\" (ج ٢٢ رقم ١١٨) - وللبزار - (رقم ٢٦٨ - كشف) - وقال: فيه سعيد بن عبد الجبار. قال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وفي سند البزار والطبراني: محمد بن حجر وهو ضعيف. وفي حديث البزار طولٌ في أمر الصلاة يأتي في صفة الصلاة إن شاء الله.\n(^٦) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٧).\n(^٧) عزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٢٤) للطبراني في \"الكبير\".\n(^٨) في النسخة (أ): \"سيل\".\n(^٩) قلت: وأصح من هذه الأحاديث ما أخرجه مسلم (١/ ٢١٦ رقم ٣٤/ ٢٤٦): عن نُعَيْمِ بن عَبدِ اللَّهِ المُجْمِرِ؛ قال: رأيتُ أبا هريرة يتوضأُ فَغَسَل وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى حتى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ اليُسْرَى حَتى أَشْرَعَ في العَضُدِ، ثم مَسَحَ رأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثُم غَسَلَ رِجْلَهُ اليُسْرَى حتى أَشْرَعَ في السَّاقِ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يتوضأ … \".","vol":"1","page":179},{"text":"قالَ الشافعي: لا أعلمُ خلافًا في إيجابِ دخولِ المرفقينِ في الوضوءِ، وبهذا عرفتَ أن الدليلَ قدْ قامَ على دخولِ المرافقِ.\nقال الزمخشريُّ: لفظُ (إلي) يفيدُ معنى الغايةِ مطلقًا، فأمَّا دخولُها في الحكمِ وخروجُها فأمرٌ يدورُ معَ الدليلِ، ثمَّ ذكرَ أمثلةً لذلكَ، وقدْ عرفتَ أنهُ قدْ قامَ ها هنَا الدليلُ علَى دخولِها (ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) أي: إلى المرافق ثَلاثَ مَرَّاتٍ، (ثُمَّ مَسَحَ برأسهِ) هوَ موافقٌ للآيةِ في الإتيانِ بالباءِ، ومسحَ يتعدَّى بها، وبنفسِهِ.\nقالَ القرطبيُّ (^١): إن الباءَ هنَا للتعديةِ يجوزُ حذفُها وإثباتُها، وقيلَ: دخلتِ الباءُ ها هنا لمعنى تفيدُهُ، وهوَ أن الغَسْلَ لغةً يقتضي مغسولًا بهِ، والمسحُ لغة لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قالَ: امسحوا رؤوسكم لأجزأَ المسحُ باليدِ بغيرِ ماءٍ، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسِكُم الماءَ، وهوَ من بابِ القلبِ، والأصلُ فيه امسحوا بالماءِ رؤوسَكم.\nثمَّ اختلفَ العلماءُ: هلْ يجبُ مسحُ كلِّ الرأسِ أو بعضِهِ؟ قَالوا: والآيةُ لا تقتضي أحدَ الأمرينِ بعينِهِ، إذْ قولُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٢) يحتملُ جميعَ الرأسِ أو بعضَهُ، ولا دلالَة في الآيةِ على استيعابِهِ، ولا عدمٍ استيعابهِ، لكنَّ مَنْ قالَ: يُجزئُ مسحُ بعضهِ قالَ: إنَّ السنةَ وردتْ مبيِّنةً لأحدِ احتمالي الآيةِ، وهوَ ما رواهُ الشافعيُّ (^٣) منْ حديثِ عطاءٍ: \"أن رسولَ الله - ﷺ - توضأَ فحسرَ العمامةَ عنْ رأسهِ ومسحَ مُقَدَّمَ رأسِهِ\"، وهوَ وإنْ كانَ مرسلًا، فقدْ اعتضدَ بمجيئهِ مرفوعًا منْ حديثِ أنسٍ (^٤)، وهو وإن كانَ في سندِهِ مجهولٌ، فقدْ عضدَ بما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٥) من حديثِ عثمانَ في صفةِ الوضوءِ: \"أنهُ مسحَ مُقَدَّمَ رأسهِ\"، وفيه راوٍ مختلفٌ فيهِ.\n_________\n(^١) في \"تفسيره\" (٦/ ٨٨).\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٣) في \"الأم\" (١/ ٤١) مرسلًا.\n(^٤) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (١/ ١٠٢ رقم ١٤٧) عنه قال: \"رأيتُ رسول الله - ﷺ - يتوضأ وعليه عِمامَةٌ قِطْريَّة، فأدخل يده من تحتِ العِمامة فمسح مُقَدَّم رأسه ولم ينقض العِمامة\".\nقلت: في سنده جهالة، وهو حديث ضعيف.\n• القِطْر: نوع من البرود فيه حمرة. وقيل: قرية بالبحرينِ.\n(^٥) لم يطبع منه إلا كتاب \"ولاية العصبة\"، و\"كتاب الوصايا\" و\"كتاب الطلاق\"، و\"كتاب الجهاد\".","vol":"1","page":180},{"text":"وثبتَ عن ابن عمرَ (^١) الاكتفاءُ بمسحِ بعضِ الرأسِ. قالَ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ: ولمْ ينكِرْ عليهِ أحدٌ منَ الصحابةِ. ومنَ العلماءِ مَنْ يقولُ لا بُدَّ مِنْ مسحِ البعضِ منَ التكميلِ على العمامةِ؛ لحديثِ المغيرةِ وجابرٍ عندَ مسلم (^٢). ولم يذكرْ في هذهِ الروايةِ تكرارَ مسحِ الرأسِ كما ذكرهُ في غيرِها، وإنْ كانَ قَدْ طوى ذكرَ التكرارِ أيضًا في المضمضةِ كما عرفتَ، وعدمُ الذكرِ لا دليلَ فيه. ويأتي الكلامُ في ذلك.\n(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى إلى الكعبين ثلاثَ مراتٍ)، الكلامُ في ذلكَ كما تقدَّمَ في يدِهِ اليمنى إلى المرفقِ، إلَّا أن المرافقَ قدْ اتُّفِقَ علَى مُسَمَّاهَا بخلافِ الكعبينِ فوقعَ في المرادِ بهمَا هنا خلافٌ. فالمشهورُ إنَّهُ العظمُ الناشزُ عندَ ملتقَى الساقِ، وهوَ قولُ الأكثرِ، وحُكِيَ عنْ أبي حنيفةَ والإماميةِ أنهُ العظمُ الذي في ظهرِ القدمِ عندَ معقدِ الشراكِ. وفي المسألةِ مناظراتٌ ومقاولاتٌ طويلةٌ.\nقال في الشرحِ: ومِنْ أوضحِ الأدلةِ - أي على ما قاله الجمهورُ - حديثُ النعمانِ بن بشير (^٣) في صفةِ الصفِ في الصلاةِ: \"فرأيتُ الرجُلَ منَّا يُلْزِقُ كعبَه بكعبِ صاحبِهِ\".\nقلتُ: ولا يخفى أنهُ لا أنهضيَّة فيهِ؛ لأنَّ المخالفَ يقولُ: أنا أسميهِ كعبًا، ولا أخالفُكمْ فيهِ لكني أقولُ: إنهُ غيرُ المرادِ في آيةِ الوضوءِ، إذِ الكعبُ يطلقُ على الناشزِ، وَعَلَى مَا في ظهر القدم، وغايةُ مَا في حديثِ النعمانِ أنهُ سمَّى\n_________\n(^١) أخرج عبد الرزاق في (المصنف) (١/ ٦) رقم (٧) وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ١٦).\nعن نافع أن ابن عمر كان يدخل يديه في الوضوء فيمسح بها مسحة واحدة اليافوخ قط.\n• اليافوخ: هو الموضع الذي يتحرك من وسط رأس الطفل.\n(^٢) في (صحيحه) (١/ ٢٣١) رقم (٨٢/ ٢٧٤) من حديث المغيرة: (أن النبي - ﷺ - مَسَحَ على الخُفَّيْنِ، ومُقَدَّمِ رأسِهِ، وعلى عِمَامَتِهِ).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١/ ٤٣١) رقم (٦٦٢)، وابن حبان (٣/ ٣٠٢) رقم (٢١٧٣)، والبيهقي (٣/ ١٠٠ - ١٠١)، والدارقطني (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، والدولابي في (الكنى) (٢/ ٨٦)، والبخاري تعليقًا (٢/ ٢١١)، وهو حديث صحيح.\nقلت: وأخرجه البخاري (٢/ ٢١١) رقم (٧٢٥) من حديث أنس بن مالك بلفظ: (وكان أحدُنا يُلزِقُ مَنكِبَهُ بمَنكِبِ صاحبهِ، وقدَمَهُ بقدمِهِ).","vol":"1","page":181},{"text":"الناشزَ كعبًا، ولا خلافَ في تسميتِهِ. وقدْ [أيَّدْنا] (^١) في حواشي (ضوءِ النَّهارِ) (^٢) أرجحيةَ مذهبِ الجمهور بأدلةٍ هنالكَ، (ثمَّ اليسرى مثلَ ذلكَ) أي إلى الكعبينِ ثلاثَ مراتٍ.\n(ثمَّ قالَ) أي: عثمانُ (رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا. متفقٌ عليهِ). وتمامُ الحديثِ: (فقالَ - أي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا، ثم صلَّى ركعتينِ لا يحدِّثُ فيهما نفسه، غفرَ له ما تقدمَ مِنْ ذنبِهِ)، أي لا يحدثُ فيهما نفسَهُ بأمورِ الدُّنيا، وما لا تعلقَ لهُ بالصلاةِ، ولوْ عرضَ لهُ حديثٌ فأعرضَ عَنه بمجردِ عروضهِ عفي عنهُ، ولا يعدُّ محدِّثًا لنفسهِ.\nواعلمْ أن الحديثَ قد أفادَ الترتيبَ بينَ الأعضاءِ المعطوفةِ بثُمَّ، وأفادَ التثليثَ، ولمْ يدلّ على الوجوبِ؛ لأنهُ إنَّما هوَ صفةُ فعلٍ ترتبتْ عليهِ فضيلة، ولمْ يترتبْ عليهِ عدمُ إجزاءِ الصلاةِ، إلَّا إذا كانَ بصفتِهِ، وَلا وردَ بلفظٍ يدلُّ على إيجابِ صفاتهِ.\nفأمَّا الترتيبُ، فخالفتْ فيهِ الحنفيةُ، وقالُوا: لا يجبُ. وأمَّا التثليثُ، فغيرُ واجب بالإجماعِ، وفيهِ خلافٌ شاذٌّ. ودليلُ عدم وجوبهِ تصريحُ الأحاديثِ بأنُه - ﷺ - توضأَ مرتينِ مرتينِ (^٣)، ومرةً مرةً (^٤)، وبعضَ الأَعضاءِ ثلَّثَها وبعضَها بخلافِ ذلكَ، وصرَّحَ في وضوءِ مرةٍ مرةٍ أنهُ لا يقبلُ اللَّهُ الصلاةَ إلا بهِ.\nوأمَّا المضمضةُ والاستنشاقُ فقدِ اخْتُلفَ في وجوبِهمَا، فقيلَ: يجبانِ لثبوتِ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): (بينا).\n(^٢) (١/ ٢٠٨).\n(^٣) كالحديث الذي أخرجه البخاري (١/ ٢٥٨) رقم (١٥٨)، وأحمد (٤/ ٤١)، والبيهقي (١/ ٧٩)، والدارقطني (١/ ٩٣) رقم (١٠) من حديث عبد الله بن زيد.\n(^٤) كالحديث الذي أخرجه البخاري (١/ ٢٥٨) رقم (١٥٧)، والترمذي (١/ ٦٠) رقم (٤٢)، وأبو داود (١/ ٩٥) رقم (١٣٨)، والنسائي (١/ ٦٢)، وابن ماجه (١/ ١٤٣) رقم (٤١١).\nمن حديث ابن عباس.\nقلت: وأما الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، فورد من حديث عثمان مختصرًا، أخرجه مسلم (١/ ٢٠٧) رقم (٩/ ٢٣٠)، وأحمد (١/ ٥٧).\nوقد ورد أيضًا من حديث علي بن أبي طالب. أخرجه أبو داود (١/ ٨١) رقم (١١١)، والترمذي (١/ ٦٧) رقم (٤٨)، والنسائي (١/ ٦٨)، وابن ماجه (١/ ١٤٤) رقم (٤١٣)، وأحمد في (المسند) (١/ ١١٤)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":182},{"text":"الأمرِ بهمَا في حديثِ أبي داودَ (^١) بإسنادٍ صحيحٍ، وفيهِ: (وبالغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا)، ولأنهُ واظبَ عليهمَا في جميعِ وضوئِهِ. وقيل: إنهمَا سنةٌ بدليلِ حديثِ أبي داودَ (^٢) والدارقطنيِّ (^٣) وفيهِ: (إنهُ لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتَّى يُسْبِغَ الوضوءَ كَما أمره اللَّهُ تعالى، فيغسلُ وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ، ويمسحُ برأسهِ ورجليهِ إلى الكعبينِ)، فلمْ يذكرِ المضمضةَ والاستنشاقَ؛ فإنهُ اقتصرَ فيهِ على الواجب الذي لا يقبلُ اللَّهُ الصلاة إلَّا بهِ، وحينئذٍ فَيُؤَوَّلُ حديثُ الأمرِ بأنهُ أمرُ ندبٍ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>مسح الرأس</span>\n٣/ ٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: (وَمَسَحَ بِرَأسِهِ وَاحِدَةً) [صحيح]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَالنَّسَائِيُّ (^٧) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ (^٨).\n_________\n(^١) في (السنن) (٢/ ٧٦٩) رقم (٢٣٦٦) من حديث لقيط بن صَبْرَةَ عن أبيه.\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ٦٦) رقم (٨٧)، والترمذي (٣/ ١٥٥) رقم (٧٨٨)، وابن ماجه (١/ ١٤٢) رقم (٤٠٧) وهو حديث صحيح، ويأتي تخريجه (رقم (٨/ ٣٦).\n(^٢) في (السنن) (١/ ٥٣٦) رقم (٨٥٨).\n(^٣) في (السنن) (١/ ٩٥ - ٩٦) رقم (٤).\nمن حديث رفاعة بن رافع، وهو حديث صحيح.\n(^٤) قلت: انظر مذاهب العلماء في المضمضمة والاستنشاق: في (المجموع) للنووي (١/ ٣٦٢ - ٣٦٧)، و(الروض النضير) للسياغي (١/ ٢٠٥ - ٢٠٧) وكتابنا: (إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة) جزء الطهارة.\n(^٥) في (السنن) (١/ ٨١) رقم (١١١).\n(^٦) في (السنن) (١/ ٦٧) رقم (٤٨).\n(^٧) في (السنن) (١/ ٦٨) رقم (٩٢).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٥٥) رقم (٤٥٦)، وأحمد (١/ ١١٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٨) معناه: أن هذا الحديث أرجحُ مِنْ كُلِّ ما وردَ في هذا البابِ، سواءٌ كانَ كلُّ ما وردَ فيه صحيحًا أو ضعيفًا. فإنْ كانَ كلُّ ما وردَ في الباب صحيحًا، فهذا الحديثُ أرجحُ في الصحةِ من الكلِّ، وإنْ كانَ كلُّهُ ضعيفًا فهذا الحديثُ أرجحُ من الكلِّ، أيْ أقلُّ ضعفًا من الكلِّ)، [(مقدمة تحفة الأحوذي) للمباركفوري (١/ ٤٠١)].","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>ترجمة علي - ﵁ </span>-\n(وعن عليٍّ ﵇) (^١).\nهوَ أميرُ المؤمنينَ أبو الحسنِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ابنُ عمِّ رسولِ اللَّهِ، وأولُ منْ أسلمَ مِنَ الذكورِ في أكثرِ الأقوالِ على [خلاف] (^٢) في سنِّهِ كمْ كانت؟ وليسَ في الأقوالِ أنهُ بلغَ ثماني عشرةَ سنةً، بلْ متردِّدةً بينَ ستَّ عشْرةَ إلى سبعِ سنينَ. شهدَ المشاهدَ كلَّها إلَّا تبوكَ، فأقامهُ - ﷺ - في المدينةِ خليفةً عنهُ، وقالَ لهُ: (أمَا ترضَى أنْ تكونَ منِّي بمنزلةِ هارونَ مِنْ موسى) (^٣).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: (الرياض المستطابة) ص (١٦٣ - ١٧٦)، و(الإصابة) (٧/ ٥٧ - ٦٠) رقم (٥٦٨٢)، و(الاستيعاب) (٨/ ١٣١ - ٢٢٠) رقم (١٨٥٥)، و(جامع الأصول) (٨/ ٦٤٨ - ٦٦٤) رقم (٦٤٨٤ - ٦٥١٥).\n(^٢) في النسخة (ب): (اختلاف).\n(^٣) أخرجه البخاري (٨/ ١١٢) رقم (٤٤١٦)، ومسلم (٤/ ١٨٧٠) رقم (٣١/ ٢٤٠٤)، والترمذي (٥/ ٦٤١) رقم (٣٧٣١).\nوقال: حديث حسن صحيح، عن سعد بن أبي وقاص قال: (خَلَّفَ رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب - ﵁ - في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تُخَلِّفُني في النساء والصبيان؟ فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارونَ من موسى؟ غيرَ أنَّهُ لا نبيَّ بعدي).\nقال القاضي: هذا الحديث مما تعلَّقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة، في أن الخلافة كانت حقًّا لعليّ وأنَّهُ وُصِّيَ له بها.\nقال: ثم اختلف هؤلاء، فكفَّرتْ الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره، وزاد بعضهم فكفَّر عليًا لأنه لم يقم في طلب حقه، بزعمهم. وهؤلاء أسخف مذهبًا وأفسد عقلًا من أن يُرَدُّ قولهم أو يناظروا.\nقال القاضي: ولا شك في كفر من قال هذا؛ لأن من كفَّر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام. وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك. فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره، لا كفار. وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة؛ لجواز تقديم المفضول عندهم.\nوهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم، بل فيه إثبات فضيلة لعليّ، ولا تعرُّض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله. وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده؛ لأن النّبي - ﷺ - إنما قال هذا لعلي حينما استخلفه في المدينة في غزوة تبوك، ويؤيد هذا أن هارون، المشبَّه به، لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص. قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة.","vol":"1","page":184},{"text":"استُخْلِفَ يومَ قُتِلَ عثمانُ يومَ الجمعةِ لثماني عَشْرَةَ خلتْ منْ شهرِ [ذي] (^١) الحجةِ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ. واستشهد صبحَ الجمعةِ بالكوفةِ لسبع عَشْرَةَ ليلةٍ خلتْ مِنْ شهرِ رمضانَ سنةَ أربعينَ، وماتَ بعدَ ثلاثٍ منْ ضربةِ الشقيِّ ابن ملجم [لهُ] (^٢)، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وخلافتهُ أربعُ سنينَ وسبعةُ أشهرٍ وأيام. وقد أُلِّفَتْ في صفاتهِ وبيانِ أحوالهِ كتبٌ جمَّةٌ، واستوفينا شطرًا صالحًا منْ ذلكَ في (الروضةِ النديةِ شرح التحفةِ العلويةِ) (^٣).\n(في صفةِ وضوءِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: وَمَسَحَ برأسهِ واحدةً. أخرجه أبو داودَ). هوَ قطعةٌ منْ حديثٍ طويلٍ استوفَى فيهِ صفةَ الوضوءِ منْ أولهِ إلى آخرهِ، وهوَ يفيدُ ما أفادَ حديثُ عثمانَ، وإنَّما أتى المصنفُ - ﵀ - بما فيهِ التصريحُ بما لمْ يُصَرَّحْ بهِ في حديثِ عثمانَ، وهوَ مسحُ الرأسِ مرةً، فإنهُ نصَّ أنهُ واحدةٌ معَ تصريحهِ بتثليثِ ما عداهُ من الأعضاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>أقوال العلماء في تثليث مسح الرأس</span>\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالَ قومٌ بتثليثِ مسحهِ، كما يثلَّثُ غيرُهُ منَ الأعضاءِ؛ إذْ هوَ منْ جملتِها، وقد ثبتَ فِي الحديثِ تثليثُهُ، وإنْ لم يُذْكَرْ في كلِّ حديثٍ ذُكرَ فيهِ تثليثُ الأعضاءِ. فإنهُ قدْ أخرجَ أبو داودَ (^٤) من حديثِ عثمانَ في\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) في النسخة (أ): (لعنه الله).\n(^٣) في (مناقب الإمام علي) مجلد وهو مطبوع في الهند (١٣٢٢) هـ وصنعاء سنة (١٣٧١) هـ.\n(^٤) في (السنن) ١١/ ٧٩) رقم (١٠٧)، عن حُمْران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ .. وقال فيه: (ومسحَ رأسَهُ ثلاثًا) … ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ هكذا، وقال: (من توضأ دون هذا كفاه) .. وهو حديث صحيح. وأخرجه أيضًا أبو داود (١/ ٨١) رقم (١١٠) عن شقيق بن سلمة، قال: رأيتُ عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا ومسح رأسه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل هذا. وهو حديث صحيح.\nوقال الحافظ في (الفتح) (١/ ٢٦٠): (وقد روى أبو داود من وجهين صحَّح أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان تثليث مسح الرأس، والزيادة من الثقة مقبولة).\nوأورد الحافظ في (التلخيص) (١/ ٨٥) أن ابن الجوزي مال في (كشف المشكل) إلى تصحيح التكرير.\nقلت: وأيده المحدث الألباني في (تمام المنَّة) ص (٩١) بقوله: (لأن رواية المرة الواحدة وإن كثرت لا تعارض رواية التثليث؛ إذ الكلام في أنه سنة، ومن شأنها أن تُفعل أحيانًا وتُترك أحيانًا).","vol":"1","page":185},{"text":"تثليثِ المسحِ، أخرجهُ منْ وجهينِ صحَّحَ أحدهما ابنُ خزيمةَ، وذلكَ كافٍ في ثبوت هذهِ السنةِ. وقيلَ: لا يشرعُ تثليثهُ، لأنَّ أحاديثَ عثمانَ الصَّحاحَ كلَّها - كما قالَ أبو داودَ - تدلُّ على مسحِ الرأسِ مرَّةً واحدةً، وبأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيفِ فلا يقاسُ على الغسلِ، وبأنَّ العددَ لو اعتُبِرَ في المسحِ، لصارَ في صورةِ الغَسْلِ.\nوأجيبَ بأنَّ كلامَ أبي داودَ ينقضهُ ما رواهُ هوَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ كما ذكرناهُ، والقولُ بأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيفِ قياسٌ في مقابلةِ النصِّ فلا يسمعُ. فالقولُ بأنهُ يصيرُ في صورةِ الغسلِ لا يُبَالى بهِ بعدَ ثبوتِه عن الشارعِ، ثمَّ روايةُ التَّرْكِ لا تعارضُ روايةَ الفعلِ، وإنْ كثرتْ روايةُ التَرْكِ، إذِ الكلامُ أنهُ غيرُ واجبٍ بل هو سنةً منْ شأنِها أنْ تُفْعَلَ أحيانًا وتُتركَ أحيانًا.\n(وأخرجهُ) أي حديثَ عليّ - ﵇ - (النسائيُّ، والترمذيُّ بإسنادِ صحيحٍ، بلْ قالَ الترمذيُّ: إنهُ أصحُّ شيءٍ في الباب). وأخرجهُ أبو داودَ (^١) منْ سِتِّ طرقٍ، وفي بعضِ طرقِهِ لم يَذْكُرِ المضمضةَ والاستنشاقَ، وفي بعضٍ: (ومسحَ على رأسهِ حتى لم يقطرْ).\n\n<span data-type='title' id=toc-140>صفة مسح الرأس</span>\n٤/ ٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - ﵄ - فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: (وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَأسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n- وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا (^٣): (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رأسِهِ، حَتَّى ذَهَب بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدأَ مِنْهُ).\n_________\n(^١) في (السنن) (١/ ٨١ - ٨٦) رقم (١١١ - ١١٧).\n(^٢) البخاري (١/ ٣٠٢) رقم (١٩٧)، ومسلم (١/ ٢١٠) رقم (١٨/ ٢٣٥).\n(^٣) البخاري (١/ ٢٨٩) رقم (١٨٥)، ومسلم (١/ ٢١١) بدون رقم.\nقلت: وأخرج الحديث البخاري (١/ ٢٩٤) رقم (١٨٦) و(١/ ٢٩٧) رقم (١٩١) و(١/ ٢٩٧) رقم (١٩٢) و(٣٠٣) رقم (١٩٩).\nومسلم (١/ ٢١١) رقم (١٩/ ٢٣٦)، والترمذي (١/ ٦٦) رقم (٤٧) (١/ ٥٠) رقم (٣٥)، وأبو داود (١/ ٨٦ - ٨٨) رقم (١١٨ - ١٢٠)، وابن ماجه (١/ ١٤٩) رقم (٤٣٤)، والنسائي=","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>ترجمة عبد اللَّه بن زيد المازني</span>\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) (^١)، هو الأنصاريُّ المازنيُّ منْ [بني] (^٢) مازنِ بن النجارِ، شهدَ أُحُدًا، وهوَ الذي قَتَلَ مسيلِمةَ الكذَّابَ وشاركهُ وحشيٌّ. وقُتِلَ عبدُ اللَّهِ يومَ الحَرَّةِ سنةَ ثلاثٍ وستينَ، وهوَ غيرُ عبدِ اللَّهِ بن زيدِ بن عبدِ ربهِ الذي يأتي حديثُهُ في الأذانِ، وقدْ غلطَ فيهِ بعضُ أئمةِ الحديثِ، فَلِذَا نَبَّهْنَا عليهِ.\n(في صفَةِ الوضوءِ قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفقٌ عليه).\nفَسَّرَ الإقبالَ بِهِمَا بأنهُ بدأَ مِنْ مُؤَخَّرِ رأسهِ. فإنَّ الإقبالَ باليدِ إذا كانَ مقدّمًا يكونُ منْ مُؤَخَّرِ الرأسِ، إلَّا أنهُ قدْ وردَ في البخاريِّ بلفظِ: (وَأَدْبَر بِيَدَيْهِ وأَقْبَلَ)، واللّفظُ الآخرُ في قولهِ: (وفي لفظِ لهما) [أيْ للشيخين] (^٣): (بدأَ بِمُقَدَّمِ رَأسهِ حتَّى ذَهَبَ بِهِمَا) [أيْ اليدينِ] (^٤) (إلى قَفَاهُ ثُمَّ ردَّهُمَا إلى المكَانِ الذي بَدَأَ مِنْهُ). الحديثُ يفيدُ صفَة المسحِ للرأسِ، وهوَ أنْ يأخذَ الماءَ ليديهِ فيقبلُ بهمَا ويدبرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>أقوال العلماء في صفة مسح الرأس</span>\nوللعلماء ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأول: أنْ يبدأ بِمُقَدَّمِ رأسهِ الذي يلي الوجهَ، فيذهبُ إلى القَفَا ثمَّ يردُّهما إلى المكان الذي بدأَ منهُ، وهوَ مُبْتَدَأُ الشعرِ من حدِّ الوجهِ، وهذا هو الذي يعطيهِ ظاهرُ قولهِ: (بدأَ بِمُقَدَّمِ رأسهِ حتَّى ذهبَ بهمَا إلى قفاهُ، ثمَّ ردَّهُما حتى رجعَ إلى\n_________\n= (١/ ٧١) رقم (٩٧) و(٩٨). وابن خزيمة (١/ ٨٨) رقم (١٧٣)، وأحمد (٤/ ٣٨)، ومالك (١/ ١٨) رقم (١)، والبيهقي (١/ ٥٩)، وابن الجارود رقم (٧٣)، وعبد الرزاق في (المصنف) (١/ ٦) رقم (٥).\n(^١) انظر ترجمته في: طبقات ابن سعد (٥/ ٥٣١)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٢٦٠ - ٢٦١)، والجرح والتعديل (٥/ ٥٧) رقم (٢٦٦)، و(المستدرك) (٣/ ٥٢٠)، و(تهذيب التهذيب) (٥/ ١٩٦) رقم (٣٨٦)، والإصابة (٦/ ٩١) رقم (٤٦٧٨)، والاستيعاب (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠) رقم (١٥٤٠)، و(مسند أحمد) (٤/ ٣٨ - ٤٢).\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":187},{"text":"المكانِ الذي بدأَ منهُ)، إلَّا أنَّهُ أوردَ على هذه الصفةِ أنه أدبرَ بهمَا وأقبلَ؛ لأنَّ ذهابهُ إلى جهةِ القفا إدبارٌ، ورجوعَه إلى جهة الوجهِ إقبالٌ. وأجيبَ بأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ، فالتقديرُ أدبرَ وأقبلَ.\nوالثاني: أنْ يبدأ بمؤَخَّرِ رأسِهِ، ويمرَّ إلى جهةِ الوجهِ، ثمَّ يرجعُ إلى المؤَخَّرِ، محافظةً على ظاهرِ لفظِ: (أقبلَ وأدبرَ)؛ فالإقبالُ إلى مُقَدَّمِ الوجهِ، والإدبارُ إلى ناحيةِ المؤَخَّرِ، وقدْ وردتْ هذهِ الصفةُ في الحديثِ الصحيحِ: (بدأ بمؤَخَّرِ رأسِهِ)، ويحتملُ الاختلافُ في لفظِ الأحاديثِ على تعددِ الحالات.\nوالثالثُ: أن يبدأَ بالناصيةِ، ويذهبَ إلى ناحيةِ الوجهِ، ثمَّ يذهبُ إلى جهةِ مؤَخَّرِ الرأسِ، ثمَّ يعودُ إلى ما بدأَ منهُ وهو الناصيةُ، ولعلَّ قائلَ هذا قصدَ المحافظَةَ على قولهِ: (بدأَ بمقدَّمِ رأسهِ) معَ المحافظةِ على ظاهرِ لفظِ: (أقبلَ وأدبرَ)؛ لأنهُ إذا بدأ بالناصيةِ صدقَ أنهُ بدأ بمقدَّمِ رأسهِ، وصدقَ أنهُ أقبلَ أيضًا، فإنهُ ذهبَ إلى ناحية الوجهِ، وهوَ الْقَبْلُ. وقد أخرجَ أبو داودَ (^١) منْ حديثِ المقدام: (أنهُ - ﷺ - لما بلغَ مَسْح رأسهِ وضعَ كفيهِ على مقدَّمِ رأسهِ، فأمرَّهُما حتى بلغَ القفَا، ثمَّ رَدَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منهُ)، وهيَ عبارةٌ واضحةٌ في المرادِ. والظاهرُ أن هذا منَ العملِ المخيَّرِ فيهِ، وأنَّ المقصودَ مِنْ ذلكَ تعميمُ الرأسِ بالمسحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>مسح الأذنين</span>\n٥/ ٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنْ عَمْرٍو - ﵄ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: (ثُمَّ مسَحَ بِرَأسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ). [إسناد حسن]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ.\n_________\n(^١) في (السنن) (١/ ٨٨) رقم (١٢٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في (السنن) (١/ ٩٤) رقم (١٣٥).\n(^٣) في (السنن) (١/ ٨٨) رقم (١٤٥) مختصرًا\nقلت: وكذلك أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٦) رقم (٤٢٢) مختصرًا، وإسناده عندهم جميعًا حسن.","vol":"1","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-144>ترجمة عبد اللَّهِ بن عمرو بن العاص</span>\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو) (^١) بفتحِ العينِ المهملةِ.\nوهوَ أبو عبدِ الرحمنِ، أو أبو محمدٍ، عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ بن وائلٍ السهميُّ القرشيُّ. يلتقي معَ النبيِّ - ﷺ - في كعبِ بن لؤيِّ. أسلمَ عبدُ اللَّهِ قبلَ أبيهِ، وكانَ أبوهُ أكبرَ منهُ بثلاثَ عشْرَةَ سنةً. وكانَ عبدُ اللَّهِ حافظًا عالمًا عابدًا. وكانتْ وفاتُهُ سنةَ ثلاث وستينَ، وقيلَ: وسبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، واخْتُلِفَ في موضعِ وفاتِهِ فقيلَ: بمكةَ، [أو الطائف] (^٢)، أو مصرَ، أو غيرِ ذلكَ.\n(في صفةِ الوضوءِ قالَ: ثمَّ مسَحَ) أيْ رسولُ الله - ﷺ - (بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبّاحَتْينِ) بالمهملةِ، فموحدةٌ، فألفٌ بعدَها مهملةٌ، تثنيةُ سبَّاحةٍ. وأرادَ بهما مسبِّحتي اليدِ اليمنى واليسرى، وسمِّيتْ سبَّاحةً؛ لأنه يشارُ بها عندَ التسبيحِ.\n(في أذنيهِ، ومسحَ بإبهاميهِ) إبهامَيِ يديهِ (ظَاهِرَ أُذُنَيْه. أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، والنسائيُّ، وصححهُ ابنُ خزيمةَ).\nوالحديثُ كالأحاديثِ الأُوَلِ في صفةِ الوضوءِ، إلَّا أنهُ أتى بهِ المصنفُ لما ذكرَ منْ إفادةِ مسحِ الأذنينِ الذي لم تفدْهُ الأحاديثُ التي سلفتْ، وَلِذَا اقتصرَ المصنف على ذلكَ منَ الحديثِ. ومسحُ الأذنينِ قدْ وردَ في عدةٍ منَ الأحاديثِ، ومنْ حديثِ المقدامِ بن معدِي كربَ عندَ أبي داودَ (^٣)، والطحاويِّ (^٤) بإسنادٍ حسنٍ، ومنْ حديثِ الرُّبيِّعِ، أخرجهُ أبو داودَ (^٥) أيضًا. ومنْ حديثِ أنسٍ عندَ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: (طبقات ابن سعد) (٢/ ٣٧٣، ٤/ ٢٦١ - ٢٦٨، ٧/ ٤٩٤ - ٤٩٦)، و(التاريخ الكبير) (٥/ ٥) رقم (٦)، و(المستدرك) (٣/ ٥٢٦ - ٥٢٨)، و(طبقات الشيرازي) (٣٢ - ٣٥)، و(العقد الثمين) (٥/ ٢٢٣ - ٢٢٩) رقم (١٥٩٣)، و(تهذيب التهذيب) (٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥) رقم (٥٧٥)، و(الإصابة) (٦/ ١٧٦ - ١٧٨) رقم (٤٨٣٨)، و(الاستيعاب) (٦/ ٣٣٨ - ٣٤٧) رقم (١٦١٨)، و(تذكرة الحفاظ) (١/ ٤١ - ٤٢) رقم (١٩).\n(^٢) في النسخة (أ): (وقيل: بالطائف).\n(^٣) في (السنن) (١/ ٨٨) رقم (١٢٢).\n(^٤) في (شرح معاني الآثار) (١/ ٣٢)، وهو حديثٌ صحيحٌ.\n(^٥) في (السنن) (١/ ٨٩) رقم (١٢٦): قلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٣٥٨، ٣٥٩)، والترمذي (١/ ٤٨) رقم (٣٣)، والبيهقي (١/ ٦٠)، والدارقطني (١/ ٨٧) رقم (٢).\nوقال الترمذي: حديث حسن. =","vol":"1","page":189},{"text":"الدارقطنيِّ (^١) والحاكم (^٢)، ومنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ وفيهِ: (أنهُ - ﷺ - مسحَ أذُنيهِ بماءٍ غيرِ الماءِ الذي مسحَ بهِ رأسَهُ)، وسيأتي (^٣).\nوقالَ فيهِ البيهقيُّ: هذا إسنادٌ صحيحٌ، وإنْ كانَ قدْ تعقَّبهُ ابن دقيقِ العيدِ، وقالَ: الذي في ذلكَ الحديثِ: (وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ)، ولم يذكرِ الأذنينِ، وأَيَّدهُ المصنفُ بأنهُ عندَ ابن حبانَ (^٤)، والترمذيَّ (^٥) كذلكَ.\nواخْتَلَفَ العلماءُ: هلْ يُؤْخَذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ، أوْ يُمْسَحَانِ ببقيةِ ما مُسِحَ بهِ الرأسُ؟ والأحاديثُ قدْ وردتْ بهذَا وهذَا، ويأتي الكلامُ عليه قريبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم</span>\n٦/ ٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثًا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْه (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -[قَالَ] (^٧): قال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا استيقظَ أحدُكُم منْ\n_________\n= وحديث عبد الله بن زيد أصحُّ من هذا وأَجْوَدُ إسنادًا.\nوقال أحمد شاكر: حديث الربيع حديث صحيح، وإنما اقتصر الترمذي على تحسينه ذهابًا منه إلى أنه يعارض حديث عبد الله بن زيد، ولكنهما عن حادثتين مختلفتين، فلا تعارض بينهما حتى يحتاج إلى الترجيح، فكان النبي - ﷺ - يبدأ بمقدَّم الرأس، وكان يبدأ بمؤخَّره، وكلٌ جائز.\nوأما الشارح العلامة المباكفوري - ﵀ - فإنه فهم أن الترمذي حسَّنه؛ للخلاف في عبد الله بن محمد بن عقيل، وليس كذلك؛ لأن ابن عقيل ثقة.\n(^١) في (السنن) (١/ ١٠٦) رقم (٥١، ٥٢).\n(^٢) في (المستدرك) (١/ ١٥٠).\n(^٣) رقم الحديث (١١/ ٣٩).\n(^٤) في (صحيحه) (٢/ ٢٠٧) رقم (١٠٨٢).\n(^٥) في (السنن) (١/ ٥٠) رقم (٣٥) من حديث عبد الله بن زيد. وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٤١)، وأبو داود (١/ ٨٧) رقم (١٢٠)، والبيهقي (١/ ٦٥)، وابن خزيمة (١/ ٧٩) رقم (٥٤)، ومسلم (رقم (١٩/ ٢٣٦).\n(^٦) البخاري (رقم (٣٢٩٥)، ومسلم (رقم (٢٣/ ٢٣٨)، قلت: وأخرجه النسائي (١/ ٦٧) رقم (٩٠)، والبيهقي (١/ ٤٩).\n(^٧) زيادة من النسخة (ب).","vol":"1","page":190},{"text":"منامهِ) ظاهرهُ ليلًا، أو نهارًا، (فَلْيَسْتَنْثِرَ ثلاثًا) في القاموسِ (^١): استنثرَ استنشق الماءَ، ثمَّ استخرجَ ذلك بنفَسِ الأنفِ اهـ. وقدْ جمع بينهما في بعضِ الأحاديث، فمعَ الجمعِ يرادُ من الاستنثارِ دفعُ الماءِ من الأنفِ، ومنَ الاستنشاقِ جذبُهُ إلى الأنفِ.\n(فَإِنَّ الشيطانَ يبيت على خَيْشُومِهِ) هو أعلى الأنفِ، وقيلَ: الأنفُ كلُّهُ، وقيلَ: عظامٌ رقاقٌ ليِّنة في أقصى الأنفِ، بينهُ وبين الدماغِ، وقيلَ غيرُ ذلك (متفقٌ عليهِ). [وهذا لفظ مسلم] (^٢).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الاستنثار عند القيامِ منَ النومِ مطلقًا، إلَّا أن في روايةٍ للبخاريِّ: (إذَا استيقظَ أحدُكم منْ منامهِ فتوضأَ، فَلْيستنثرَ ثلاثًا؛ فإنَّ الشيطانَ - الحديثُ)، فيقيدُ الأمر المطلقُ به هنا بإرادةِ الوضوءِ، ويقيد النومُ بمنامِ الليلِ، كما يفيدُهُ لفظُ: (يبيت)؛ إذ البيتوتة فيه، وقد يقالُ: إنهُ خرجَ على الغالبِ، فلا فرقَ بين نومِ الليلِ ونوم النهارِ.\nوالحديث من أَدِلةِ القائلينَ بوجوبِ الاستنثار دونَ المضمضةِ، وهو مذهبُ أحمدَ وجماعةٍ. وقال الجمهورُ: لا يجب بل الأمر للندبِ، واستدلوا بقوله - ﷺ - للأعرابيِّ: (توضأ كما أمركَ اللَّهُ)، وعيَّنَ له ذلك في قوله: (لا تتمُّ صلاةُ أحدٍ حتى يسبغ الوضوء كما أمرهُ اللَّهُ، فيغسلُ وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسَهُ ورجليهِ إلى الكعبين) كما أخرجهُ أبو داود (^٣) منْ حديث رفاعةَ؛ ولأنهُ قدْ ثبتَ [من روايات] (^٤) صفة وضوئهِ - ﷺ - منْ حديثِ عبد اللَّهِ بن زيدٍ (^٥)، وعثمانَ (^٦) وابن عمرٍو بن العاصِ (^٧) عدمُ ذكرهِما، معَ استيفاءِ صفةِ وضوئِه، وثبت ذكرُهُما أيضًا، وذلكَ منْ أدلةِ الندبِ.\nوقولُهُ: (يبيت الشيطانُ)، قال القاضِي عياضُ: يحتملُ أنْ يكونَ على حقيقتهِ، فإنَّ الأنف أحدُ منافذ الجسمِ التي يُتَوَصَّلُ إلى القلبِ منها بالاشتمام،\n_________\n(^١) (المحيط) ص (٦١٦).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في (السنن) (١/ ٥٣٦) رقم (٨٥٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في نسخة (أ): (في رواية).\n(^٥) تقدم تخريجه رقم: (٤/ ٣٢).\n(^٦) تقدم تخريجه رقم: (٢/ ٣٠).\n(^٧) تقدم تخريجه رقم: (٥/ ٣٣).","vol":"1","page":191},{"text":"وليس في منافذ الجسمِ ما ليس عليهِ غلقٌ سواهُ، وسوى الأذنينِ، وفي الحديث: (إنَّ الشيطان لا يَفْتَحُ غلقًا) (^١)، وجاءَ في التثاؤبِ الأمرُ بكظمهِ من أجلِ دخولِ الشيطانِ حينئذٍ في الفم.\nويحتملُ الاستعارةَ، فإنَّ الذي ينعقدُ من الغبارِ منْ رطوبةِ الخياشيمِ قذارةٌ توافقُ الشيطانَ.\nقلتُ: والأول أظهرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-146>غسل اليد لمن قام من نومه</span>\n٧/ ٣٥ - وَعَنْهُ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ منْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يدهُ في الإِناءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثلاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ باتتْ يدُهُ)، متفقٌ عَلْيهِ (^٢).\nوَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وَعَنْه) أي أبي هريرة عندَ الشيخين أيضًا: (إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا\n_________\n(^١) أخرجه مالك (٢/ ٩٢٨) رقم (٢١)، ومسلم (٣/ ١٥٩٤) رقم (٩٦/ ٢٠١٢)، وابن ماجه (٢/ ١١٢٩) رقم (٣٤١٠)، وأحمد في (المسند) (٣/ ٣٠١، ٣٦٢، ٣٧٤، ٣٨٦، ٣٩٥) من طرق … كلهم من حديث جابر.\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٦٣) رقم (١٦٢)، ومسلم (١/ ٢٣٣) رقم (٨٨/ ٢٧٨)، وأحمد في (المسند) (٢/ ٤٦٥، ٢٧١، ٤٠٣)، والشافعي في (الأم) (١/ ٢٦)، ومالك (١/ ٢١) رقم (٩)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣، ٢٦٤)، والبيهقي (١/ ٤٥، ٤٧)، والبغوي في (شرح السنة) (١/ ٤٠٦) رقم (٢٠٧) من طرق، عن أبي هريرة، بدون ذكر الثلاث.\nوأخرجه مسلم (١/ ٢٣٣) رقم (٨٧/ ٢٧٨)، والترمذي (١/ ٣٦) رقم (٢٤) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١/ ٦) رقم (١) و(١/ ٩٩) رقم (١٦١)، وأحمد في (المسند) (٢/ ٢٤١، ٢٦٥، ٢٨٤، ٣٨٢، ٤٥٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٦٣، ٢٦٤)، وابن ماجه (١/ ١٣٨) رقم (٣٩٣)، والشافعي في (الأم) (١/ ٣٩)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ٩٨)، والدارمي (١/ ١٩٦)، وابن خزيمة (١/ ٥٢) رقم (٩٩) و(١/ ٧٥) رقم (١٤٥)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (١/ ٢٢)، والخطيب في (تاريخ بغداد) (١١/ ٣٠٠)، وابن الجارود في (المنتقى) (رقم: (٩)، والدارقطني (١/ ٤٩) رقم (١) و(١/ ٥٠) رقم (٤)، والبيهقي (١/ ٤٦)، وأبو داود (١/ ٧٦) رقم (١٠٣) و(١/ ٧٧) رقم (١٠٤) و(١/ ٧٨) رقم (١٠٥)، والبغوي في (شرح السنة) (١/ ٤٠٦) رقم (٢٠٨) من طرق … عن أبي هريرة - ﵁ - مع ذكر الثلاث.","vol":"1","page":192},{"text":"يَغْمِس يَدَهُ)، [خَرَجَ] (^١) ما إذا أدخلَ يدهُ بالمغرفةِ ليستخرجَ الماءَ فإنهُ جائزٌ؛ إذ لا غمسَ فيهِ لليدِ، وقد ورد بلفظِ: (لا يُدْخِلُ)، لكنْ يرادُ بهِ إدخالُها للغمسِ، لا للأخذِ (في الإِنَاءِ) يخرجُ البِرَكُ والحِياضُ (حتى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ. متفقٌ عليهِ، وهذا لفظ مسلم).\nالحديثُ يدلُّ على إيجابِ غسلِ اليدِ [لمن] (^٢) قامَ منْ نومهِ ليلًا أو نهارًا. وقال بذلكِ - من نومِ الليلِ - أحمدُ؛ لقولهِ: (باتتْ) فإِنَّهُ قرينةُ إرادة نوم الليل - كما سلفَ - إلَّا أنهُ قدْ ورد بلفظِ: (إذَا قامَ أحدُكمْ من الليلِ) عند أبي داود (^٣)، والترمذيِّ (^٤) منْ وجه آخرَ صحيحٍ، إلَّا أنَّهُ يردُّ عليهِ أن التعليلَ يقتضي إلحاق نومِ النهارِ بنوم الليلِ.\nوذهبَ غيرُهُ - وهوَ الشافعيُّ ومالكٌ وغيِرُهُما - إلى أن الأمرَ في روايةِ (فليغسلْ) للندبِ، والنهيَ الذي في هذه الرواية للكراهةِ، والقرينةُ عليهِ ذكرُ العدد، فإنَّ ذكرَهُ في غيرِ النجاسةِ العينيةِ دليلُ الندبِ؛ ولأنهُ عُلِّلَ بأمرٍ يقتضي الشكَّ، والشكُّ لا يقتضي الوجوبَ في هذا الحكمِ؛ استصحابًا لأصل الطهارةِ، ولا تزولُ الكراهةُ إلَّا بالثلاثِ الغسلاتِ، وهذا في المستيقظِ منَ النومِ.\nوأما منْ يريدُ الوضوءَ من غيرِ نومٍ؛ فيستحبُّ له لما مرَّ في صفةِ الوضوءِ، ولا يُكْرَهُ التركُ؛ لعدم ورود النَّهيِ فيهِ. والجمهورُ على أن النَّهيَ والأمرَ لاحتمال النجاسةِ في اليدِ، وأنهُ لو دَرى أينَ باتتْ يدهُ كمنْ لفَّ عليها [خرقة] (^٥) فاستيقظَ - وهي على [حالها] (^٦) فلا يكرَهُ لهُ أنْ يغمسَ يدَه وإنْ كانَ غَسْلُهَا مستحبًّا، كما في المستيقظِ. وغيرُهم يقولونَ: الأمرُ بالغسلِ تعبدٌ فَلا فرقَ بين الشاكِّ والمتيقنِ. وقولُهم أظهرُ كما سلفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-147>المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم</span>\n٨/ ٣٦ - وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ - ﵁ - قال: قال رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: (أَسْبغِ الوُضُوءَ،\n_________\n(^١) في النسخة (أ): (يخرج).\n(^٢) في النسخة (ب): (على من).\n(^٣) في السنن (١/ ٧٦٠) رقم (١٠٣).\n(^٤) في (السنن) (١/ ٣٦) رقم (٢٤).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في النسخة (أ): (حالتها).","vol":"1","page":193},{"text":"وَخَلَّلْ بَيْنَ الأصَابعِ، وَبَالِغْ في الاستنشاق، إلَّا أن تكون صائمًا). [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢).\n- وَلأَبِي دَاوُدَ (^٣) في رواية: (إِذَا تَوَضَّأتَ فَمَضْمِضْ). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-148>ترجمة لقيظ بن صَبِرةَ</span>\n(وَعَنْ لَقِيط) (^٤) بفتح اللام وكسرِ القافِ ابن عامرِ (ابن صَبِرَةَ) بفتح الصادِ المهملةِ وكسرِ الموحدةِ، كنيتُهُ أبو رزينَ - كما قال ابن عبد البرِّ - صحابيٌّ مشهورٌ عِدادُهُ فِي أهلِ الطائفِ.\n(قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: أَسْبِغِ الوُضُوء) الإسباغُ الإتمامُ واستكمالُ الأعضاءِ، (وَخَلِّلْ بينَ الأَصَابع) ظاهرٌ في إرادةِ أصابعِ اليدينِ والرِّجْلَيْنِ، وقدْ صرَّحَ بهما في حديثِ ابن عباسٍ: (إذَا توضأتَ فخلِّلْ أصابعِ يديكَ ورجليكَ) يأتِي من خرَّجهُ قريبًا (^٥)، (وبالغ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ وصحَحَّهُ ابن خُزَيْمَةَ، ولأبِي داودَ في روايةِ: إذا توضَّأَتَ فَمَضْمِضْ)، وأخرجهُ\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (١/ ٩٧) رقم (١٤٢) و(١/ ١٠٠) رقم (١٤٣) و(٢/ ٧٦٩) رقم (٢٣٦٦)، والترمذي (٣/ ١٥٥) رقم (٧٨٨) و(١/ ٥٦) رقم (٣٨) مختصرًا، والنسائي (١/ ٦٦) رقم (٨٧)، وابن ماجه (١/ ١٤٢) رقم (٤٠٧).\n(^٢) في (صحيحه) (١/ ٨٧) رقم (١٦٨) و(١/ ٧٨) رقم (١٥٠).\n(^٣) في (السنن) (١/ ١٠٠) رقم (١٤٤).\n(^٤) انظر ترجمته في: (الإصابة) (٩/ ١٥) رقم (٧٥٤٩) و(الاستيعاب) (٩/ ٢٨٧) رقم (٢٢٣٩)، و(أسد الغابة) (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، و(تهذيب التهذيب) (٨/ ٤٠٩) رقم (٨٣٠).\n(^٥) أخرجه الترمذي (١/ ٥٧) رقم (٣٩) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (١/ ١٥٣) رقم (٤٤٧)، وأحمد (١/ ٢٨٧)، والحاكم (١/ ١٨٢) وقال (صالح هذا أظنه مولى التوأمة، فإن كان كذلك فليس من شرط هذا الكتاب، وإنما أخرجته شاهدًا).\nقلت: هو مولى التوأمة قطعًا؛ لأنهُ وقع ذلك صريحًا عند الترمذي وأحمد؛ وهو صدوق اختلط بأخَرة. قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج كما في (التقريب) (١/ ٣٦٣) رقم (٥٨). والحديث صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث لقيط بن صبرة، وقد تقدم تخريجه رقم (٨/ ٣٦). وانظر: (التلخيص الحبير) للحافظ (١/ ٩٤) رقم (١٠١)، وأورده الألباني في (الصحيحة) رقم: (١٣٠٦).","vol":"1","page":194},{"text":"أحمد (^١)، والشافعي (^٢)، وابنُ الجارود (^٣)، وابنُ حبانَ (^٤) والحاكم (^٥)، والبيهقي (^٦)، وصححهُ الترمذيُّ (^٧)، والبغويُّ (^٨)، وابنُ القطانِ (^٩).\nوالحديثُ دليل على وجوبِ إسباغِ الوضوءِ - وهوَ إتمامهُ - واستكمالِ الأعضاءِ. وفي (القاموس) (^١٠): أَسْبَغَ الوُضُوءَ أَبْلَغَهُ مواضعهُ، ووفَّى كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ. وفي غيره مثلهُ، فليس التثليثُ للأعضاءِ من مسمَّاهُ، ولكنَّ التثليثَ مندوبٌ. ولا يزيدُ على الثلاثِ، فإنْ شكَّ: هلْ غَسَلَ العضوَ مرتينِ أو ثلاثًا، جعلها مرتين. وقال الجوينيُّ: يجعلُ ذلكَ ثلاثًا ولا يزيدُ عليها مخافةً منَ ارتكابِ البدعةِ (^١١).\nوأما ما رُويَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ يغسلُ رجليهِ سبعًا، ففعلُ صحابيٍّ لا حجةَ فيه (^١٢)، ومحمول على أنهُ كانَ يغسلَ الأربعَ من نجاسةٍ لا تزولُ إلَّا بذلكَ.\n_________\n(^١) في (المسند) (٤/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٢) في (ترتيب المسند) (١/ ٣٢) رقم (٨٠).\n(^٣) في (المنتقى) رقم: (٨٥).\n(^٤) في (صحيحه) (ص (٦٧) رقم (١٥٩) - موارد).\n(^٥) في (المستدرك) (١/ ١٤٧ - ١٤٨).\n(^٦) في (السنن الكبرى) (١/ ٥٠) و(٧/ ٣٠٣).\n(^٧) في (السنن) (١/ ٥٦) رقم (٣٨) و(٣/ ١٥٥) رقم (٧٨٨).\n(^٨) في (شرح السنة) (١/ ٤١٥) رقم (٢١٣).\n(^٩) ذكره ابن حجر في (التلخيص الحبير) (١/ ٨١).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ١٧٩)، والطيالسي ص (١٩) رقم (١٣٤١)، والطبراني في (الكبير) (٩/ ٢١٦ - ٢١٧)، كما صحَّحه النووي في المجموع (١/ ٣٦٤).\n(^١٠) (المحيط) ص (١٠١٢).\n(^١١) قال الإمام النووي في (المجموع) (١/ ٤٣٩): (تكره - الزيادة على الثلاث - كراهة تنزيه؛ فهذا هو الموافق للأحاديث، وبه قطع جماهير الأصحاب، وقد أشار الإمام أبو عبد الله البخاري في صحيحه - (١/ ٢٣٢) - إلى نقل الإجماع على ذلك، فإنه قال في أول الكتاب في كتاب الوضوء: بَيَّنَ النبيُّ - ﷺ - أنَّ فَرْضَ الوضوءِ مرَّة، وتوضَّأ أيضًا مرَّتَيْنِ وثلاثًا ولم يزِدْ، قال: وكرهَ أهل العلم الإسراف فيه، وأن يجاوز فِعْلَ النَّبيِّ - ﷺ -).\n(^١٢) قلت: إن اختلاف العلماء في حجية قول الصحابي ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل:\n(١) قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي والاجتهاد حجة عند العلماء؛ لأنه محمول على السماع من النبي - ﷺ -، فيكون من قبيل السنَّة، والسنَّة مصدر للتشريع.=","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>تخليلُ الأصابع واجب</span>\nودليل على إيجابِ تخليلِ الأصابعِ، وقد ثبتَ منْ حديثِ ابن عباسٍ أيضًا كما أشرنا إليهِ، الذي أخرجهُ الترمذيُّ (^١)، وأحمد (^٢)، وابن ماجه (^٣)، والحاكمَ (^٤)، وحسَّنهُ البخاريُّ (^٥). وكيفيتُهُ أن يخلِّلَ بيدهِ اليسرى بالخِنصرِ (^٦) منها. وأما كون التخليل باليد اليُسرى فليس في النصِّ، وإنما قال الغزاليُّ: إنهُ يكونُ بها قياسًا على الاستنجاءِ، ويبدأ بأسفل الأصابع.\nوقد رَوَى أبو داود (^٧)، والترمذيُّ (^٨) منْ حديثِ المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ: (رأيتُ رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا توضأ يَدْلُكُ بخِنصرهِ ما بينَ أصابعِ رِجْلَيْهِ)، وفي لفظٍ لابن ماجه (^٩): (يُخلِّلُ) بدلَ (يَدْلُكُ).\n_________\n= (٢) قول الصحابي الذي حصل عليه الاتفاق يعتبر حجَّة شرعية؛ لأنه يكون إجماعًا. وكذلك قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف بعد اشتهاره، يكون من قبيل الإجماع السكوتي، وهوَ أيضًا حجة شرعية.\n(٣) قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد، لا يكون حجة ملزمة على صحابي مثله، ولا على من جاء بعدهم. ولكن يستأنس به في حال انعدام الدليل من الكتاب والسنة والإجماع.\n(٤) قول الصحابي إذا خالف المرفوع الصحيح لا يكون حجة، بل يكون مردودًا.\n(٥) قول الصحابي إذا خالفه الصحابة لا يكون حجة. [انظر: كتاب (نزهة الخاطر العاطر) للشيخ: عبد القادر بن مصطفى بدران الرومي (١/ ٤٠٣ - ٤٠٦)، وكتاب (الوجيز في أصول الفقه) للدكتور عبد الكريم زيدان (ص (٢٦٠ - ٢٦٢).\n(^١) في (السنن) (١/ ٥٧) رقم (٣٩).\n(^٢) في (المسند) (١/ ٢٨٧).\n(^٣) في (السنن) (١/ ١٥٣) رقم (٤٤٧).\n(^٤) في (المستدرك) (١/ ١٨٢).\n(^٥) ذكره ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٩٤) رقم (١٠١).\nوهو حديث صحيح. وقد سبق تخريجه والكلام عليه عند شرح الحديث (٨/ ٣٦).\n(^٦) الخِنْصِرُ: الإصْبَعُ الصُّغْرَى أو الوسطى، [(القاموس المحيط) ص (٤٩٧)].\n(^٧) في (السنن) (١/ ١٠٣) رقم (١٤٨).\n(^٨) في (السنن) (١/ ٥٧) رقم (٤٠) وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.\n(^٩) في (السنن) (١/ ١٥٢) رقم (٤٤٦).\nقلت: كلام الترمذي - ﵀ - يصرِّح بانفراد ابن لهيعة به، ولكنه ليس كذلك، فقد قال الحافظ في (التلخيص) (١/ ٩٤): (تابعه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث). أخرجه البيهقي (١/ ٧٧) وأبو بشر الدولابي، والدارقطني في (غرائب مالك)، من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصحَّحه ابن القطان). =","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>الأحكام الفقهية من حديث الباب</span>\nوالحديثُ دليلٌ على المبالغةِ في الاستنشاقِ لغيرِ الصائمِ، وإنما لم يكنْ في حقّهِ المبالغةُ لئلَّا ينزل إلى حلقهِ ما يفطِّرُهُ، دلَّ ذلك على أن المبالغةَ ليستْ بواجبةٍ، إذ لو كانت واجبةً لوجب عليهِ التحرِّي ولم يجزْ له تركُها. وقولُهُ في روايةِ أبي داود: (إذا توضأْتَ فَمَضْمِضْ)، يُسْتَدَلُّ به على وجوبِ المضمضة، ومن قال: لا تجبُ، جعل الأمرَ للندب لقرينةِ ما سلفَ من حديثِ رفاعةَ بن رافعٍ (^١) في أمرهِ - ﷺ - للأعرابيِّ بصفةِ الوضوءِ الذي لا تجزئُ الصلاةُ إلَّا به، ولم يذكرْ فيهِ المضمضةَ والاستنشاقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>تخليل اللحية</span>\n٩/ ٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كان يُخَلِّلُ لحْيَتَهُ في الْوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التّرمِذِيُّ (^٢)، وصحَّحهُ، [و] ابنُ خُزَيْمَةَ (^٣) [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-152>ترجمة عثمان بن عفان</span>\n(وَعَنْ عُثْمَان - ﵁ -) (^٤).\nهوَ أبو عبدِ اللَّهِ عثمانُ بنُ عفانَ الأمويُّ القرشيُّ، أحدُ الخلفاءِ وأحدُ العشرةِ. أسلمَ في أولِ الإسلامِ، وهاجرَ إلى الحبشةِ الهجرتينِ، وتزوجَ بنتيِ النبيِّ - ﷺ - رُقَيَّةَ أولًا، ثمَّ لما توفيتْ زوَّجهُ النبيُّ - ﷺ - بأمِّ كلثومٍ.\nأستُخلفَ في أولِ يومٍ من المحرمِ سنةَ أربعٍ وعشرينَ، وقُتلَ يومَ الجمعةِ لثماني عشرةَ خلتْ من ذي الحجةِ الحرامِ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ، ودُفنَ ليلةَ السبتِ بالبقيعِ، وعمرُهُ اثنتانِ وثمانونَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلكَ.\n_________\n= وخلاصة القول: أن الحديث صحيح.\n(^١) وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه في شرح الحديث رقم (٢/ ٣٠).\n(^٢) في (السنن) (١/ ٤٦) رقم (٣١) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في (صحيحه) (١/ ٧٨) رقم (١٥١، ١٥٢).\n(^٤) انظر ترجمته في: (الرياض المستطابة) ص (١٥٦ - ١٦٣)، و(الإصابة) (٦/ ٣٩١) رقم (٥٤٤٠)، و(الاستيعاب) (٨/ ٢٧ - ٦٠) رقم (١٧٧٨)، و(جامع الأصول) (٨/ ٦٣٢ - ٦٤٧) رقم (٦٤٦٧ - ٦٤٨٣).","vol":"1","page":197},{"text":"(أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يُخَلِّلُ لحيتهُ في الوُضُوءِ. أخرجهُ الترمذيُّ، وصححهُ، [و] ابنُ خزيمةَ).\nوالحديثُ أخرجهُ الحاكُم (^١)، والدَّارقطنيُّ (^٢)، وابنُ حبانَ (^٣) منْ روايةِ عامرِ بن شقيقٍ عنْ أبي وائلٍ. قال البخاريُّ: حديثُهُ حسنٌ. وقال الحاكمُ: لا نعلمُ فيه طعنًا (^٤) بوجه من الوجوهِ، هذا كلامُهُ. وقد ضعَّفهُ ابنُ معينٍ. وقد روَى الحاكم للحديثِ شواهدَ عن أنسٍ (^٥)، وعائشةَ (^٦)، وعليٍّ (^٧)، وعمَّارٍ (^٨) - ﵄ -.\n_________\n(^١) في (المستدرك) (١/ ١٤٩).\n(^٢) في (السنن) (١/ ٨٦) رقم (١٢).\n(^٣) في (صحيحه) (٢/ ٢٠٦) رقم (١٠٧٨).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٨) رقم (٤٣٠) وهو حديث حسن. ونقل الترمذي (١/ ٤٥) عن محمد بن إسماعيل البخاري قوله: (أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان).\nونقل الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢٤) تحسين الحديث عن البخاري. وقد صحَّحه الألباني في (صحيح سنن ابن ماجه) رقم (٣٤٥).\n(^٤) في المطبوع (ضعفًا) والتصويب من (المستدرك) (١/ ١٤٩).\n(^٥) أخرجه الحاكم (١/ ١٤٩) من طريق إبراهيم بن محمد الفزاري، عن موسى بن أبي عائشة، عن أنس، قال: (رأيت النبي - ﷺ - توضأ وخلَّل لحيته. وقال: بهذا أمرني ربي)، صحَّحه الحاكم وأقره الذهبي؛ لأن رجاله ثقات. لكنه معلول، فقد أخرجه ابن عدي في (الكامل) (٢/ ٥٦١) من حديث موسى بن أبي عائشة فقال: عن زيد بن أبي أنيسة عن يزيد الرقاشي، عن أنس. ويزيد ضعيف، لكنه من رواية جعفر بن الحارث أبي الأشهب، وفيه مقال، وإن وثقه جماعة فهو موصوف بالوهم.\n• وأخرجه أبو داود (١/ ١٠١) رقم (١٤٥) من طريق الوليد بن زوران، عن أنس أن النبي - ﷺ -: (كان إذا توضأ أخذ كفًّا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلَّل به لحيته وقال: هكذا أمرني ربي). والوليد مجهول الحال على الأصح.\n• وأخرجه الحاكم (١/ ١٤٩) أيضًا من طريق محمد بن وهب بن أبي كريمة عن محمد بن حرب عن الزبيدي، عن الزهري، عن أنس، مثله. وصحَّحه الحاكم وأقره الذهبي لثقة رجاله. وكذلك صحَّحه ابن القطان. انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٨٦) وخلاصة القول: أن الحديث صحيح بطرقه، واللَّه أعلم.\n(^٦) أخرجه أحمد (٦/ ٢٣٤)، والحاكم (١/ ١٥٠) وصحَّحه. وقال الحافظ في (التلخيص الحبير) (١/ ٨٦): إسناده حسن، قلت: وهو حديث صحيح.\n(^٧) أخرجه الترمذي (١/ ٦٧) رقم (٤٨) وليس في حديث علي - ﵁ - ذكر تخليل اللحية. وقال ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٨٧): (وأما حديث علي فرواه الطبراني فيما انتقاه عليه ابن مردويه، وإسناده ضعيف ومنقطع).\n(^٨) أخرجه الطيالسي في المسند ص (١٥) رقم (٨٩)، والترمذي (١/ ٤٤) رقم (٢٩)، وابن ماجه=","vol":"1","page":198},{"text":"قال المصنف: وفيه أيضًا عنْ أمِّ سلمةَ (^١)، وأبي أيوبَ (^٢)، وأبي [أمامةَ] (^٣)، وابن عمرَ (^٤)، وجابرٍ (^٥)، وابنِ عباسٍ (^٦)، وأبي الدرداءِ (^٧). وقد تكلَّمَ على\n_________\n= (١/ ١٤٨) رقم (٤٢٩)، والحاكم (١/ ١٤٩) وصحَّحه وأقرَّه الذهبي، وأعلَّه بدعوى الانقطاع بين بعض رجاله، وليس ذلك بثابت ولا مسلّم، مع أن للحديث عندهم طريقين، كل منهما يسند الآخر ويعضده [انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٨٦)]. وخلاصة القول: أن الحديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (١/ ٧٢) رقم (٣٤٤/ ٤٢٩).\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير - كما في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٣٥) وقال الهيثمي: فيه خالد بن إلياس، ولم أر من ترجمه.\nقلت: وقد قال عنه البخاري في الكبير (٣/ ١٤٠) رقم (٤٧٢): ليس بشيء. وقال عنه ابن حبان في (المجروحين) (١/ ٢٧٩): يروي الموضوعات عن الثقات، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمِّد لها، لا يحل أن يكتب حديثه إلا على جهة التعجب. وقال أحمد والنسائي: متروك.\nوأخرج العقيلي الحديث في (الضعفاء) (٢/ ٣) في ترجمة خالد هذا، كما أشار البيهقي إلى الحديث في (السنن الكبرى) (١/ ٥٤)؛ وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في (السنن) (١/ ١٤٩) رقم (٤٣٣)، والعقيلي في (الضعفاء) (٤/ ٣٢٧) في ترجمة واصل بن أبي السائب. وأحمد في (المسند) (٥/ ٤١٧)، وقال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ١١٦) رقم «١٧٨): هذا إسناد ضعيف لضعف أبي سورة، وواصل الرقاشي. وهو حديث صحيح لغيره.\nوقد صحَّحه الألباني في (صحيح ابن ماجه) (١/ ٧٣) رقم (٣٤٧، ٤٣٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ١٣)، والطبراني في (الكبير) (٨/ ٣٣٣) رقم (٨٠٧٠) وإسناده ضعيف.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط - كما في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦) وقال: فيه أحمد بن محمد بن أبي بزة، ولم أر من ترجمه. قلت: ترجمه ابن أبي حاتم، والذهبي وابن حجر وهو ضعيف. الجرح والتعديل (٢/ ٧١)، واللسان (١/ ٢٨٣).\n(^٥) أخرجه ابن عدي في (الكامل) (١/ ٣٩٤) في ترجمة أصرم بن غياث، أبو غياث. قال ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٨٦ - ٨٧): وأصرم متروك الحديث، قاله النسائي، وفي الإسناد انقطاع أيضًا.\n(^٦) عزاه الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢٥) إلى الطبراني في معجمه الأوسط.\nوعزاه الحافظ ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٨٧) إلى العقيلي في ترجمة نافع أبي هرمز.\nوهو ضعيف - وعزاه إلى الطبراني أيضًا.\nقلت: وأورده الهيثمي في (مجمع الزوائد) (١/ ٢٣١ - ٢٣٢) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه نافع أبو هرمز وهو ضعيف جدًّا.\nقلت: لم أجد الحديث في (الضعفاء الكبير) للعقيلي (٤/ ٢٨٦) رقم (١٨٧٩) في ترجمة نافع هذا، واللَّه أعلم.\n(^٧) أخرجه ابن عدي في (الكامل) (٢/ ٥١٤) وفيه تمام بن نجيح. قال عنه ابن عدي: عامة=","vol":"1","page":199},{"text":"جميعِهَا بالتضعيفِ إلَّا حديثَ عائشةَ. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ عنْ أبيه: ليسَ في تخليلِ اللِّحيةِ شيءٌ (^١).\nوحديثُ عثمانَ هذا دالٌّ على مشروعيةِ تخليلِ اللِّحيةِ، وأما وجوبُهُ فاختُلفَ فيه. فعندَ الهادويةِ يجبُ كقبلِ نباتِها، والأحاديثُ وردت بالأمرِ بالتخليلِ إلَّا أنَّها أحاديثُ ما سلِمت عن الإعلالِ والتضعيفِ، فلم تنتهضْ على الإيجابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>مقدار ماء الوضوء</span>\n١٠/ ٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ قَالَ: (إِنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِثُلُثَي مُدِّ فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعيْهِ). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (^٣) [حسن]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيدٍ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِثُلُثَي مُدِّ) بضمِّ الميمِ، وتشديد الدال المهملةِ. في (القاموس) (^٤). مكيالٌ وهوَ رِطلانِ، أو رِطلٌ وثُلُثٌ، أو ملءُ كفَّي الإنسانِ المعتدلِ إذا ملأَهُما ومَدَّ يدهُ بهما، ومنه سُمِّيَ مُدًّا، وقد جَرَّبْتُ ذلكَ فوجدتهُ صحيحًا اهـ.\n_________\n= ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه. قلت: وعزاه الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٢٥) إلى الطبراني.\n(^١) وبما تقدم من أحاديث صحيحة يعلم ما في قول أحمد: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح.\nوقول أبي حاتم في (العلل) (١/ ٤٥) رقم (١٠١): لا يثبت عن النبي - ﷺ - في تخليل اللحية شيء.\n(^٢) لم أجده في مسند أحمد.\n(^٣) في (صحيحه) (١/ ٦٢) رقم (١١٨)، بإسناد صحيح.\nقلت: وأخرجه الحاكم في (المستدرك) (١/ ١٦١) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(^٤) (المحيط) (٤٠٧).\nاعلم أن المدَّ = ١ و١/ ٣ رِطلًا بغداديًا.\nالرطل البغدادي = ١٢٨ و٤/ ٧ درهمًا.\nالدرهم= ٣.١٧ غرامًا.\nويكون وزن الرِّطل البغدادي= (٤٠٨) غرامات.\nالمد= ١ و١/ ٣ رِطلًا × (٤٠٨) غرامًا وزن الرِطل= (٥٤٤) غرامًا وزن المد من القمح.\nانظر كتابنا: (الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والموازين الشرعية).","vol":"1","page":200},{"text":"(فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أخرجه أحمد، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ). وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^١) من حديثِ أمّ عُمَارةَ الأنصاريةِ بإسناد حسنٍ: (أنه - ﷺ - توضأَ بإناءٍ فيه قَدْرُ ثلثيْ مُدٍّ)، ورواه البيهقيُّ (^٢) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ. فَثُلَثَا المُدِّ هو أقلُّ ما رويَ أنهُ توضأ به - ﷺ -. وأما حديثُ أنه توضأَ بثلثِ مدِّ فلا أصل له. وقد صحَّح أبو زرعةَ منْ حديثِ عائشة (^٣) وجابرٍ (^٤): (أنهُ - ﷺ - كانَ يغتسلُ بالصاعِ ويتوضأَ بالمدِّ).\nوأخرج مسلم (^٥) نحوه من حديث سَفيْنَةَ، وأبي داودَ (^٦) منْ حديثِ أنسٍ: (توضأ منْ إناءٍ يسعُ رِطْلَينِ)، والترمذيُّ (^٧) بلفظِ: (يُجْزِئُ في الوُضُوءِ رِطْلانِ)؛ وهي كلُّها قاضيةٌ بالتخفيفِ في ماءِ الوُضُوءِ، وقدْ عُلِمَ نهيهُ - ﷺ - عن الإسرافِ في الماءِ، وإخبارهُ أنهُ سيأتِي قومٌ يعتدونَ في الوضوءِ، فمنْ جاوزَ ما قال الشارعُ إنهُ يجزئُ، فقدْ أسرفَ فيحرُمُ.\nوقول منْ قالَ: إنَّ هذا تقريبٌ لا تحديدٌ، ما هو ببعيدٍ، لكنَّ الأحسنَ بالمتشرعِ محاكاةُ أخلاقِهِ - ﷺ - والاقتداءُ به في كميةِ ذلكَ.\nوفيه دليلٌ على [مشروعية] (^٨) الدلكِ لأعضاءِ الوضُوءِ. وفيه خلافٌ: فمنْ\n_________\n(^١) في (السنن) (١/ ٧٢) رقم (٩٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ٥٨) رقم (٧٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في (السنن الكبرى) (١/ ١٩٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود في (السنن) (١/ ٧١) رقم (٩٢)، وهو حديث حسن.\n(^٤) أخرجه أبو داود في (السنن) (١/ ٧١) رقم (٩٣)، وهو حديث حسن.\n(^٥) في (صحيحه) (١/ ٢٥٨) رقم (٥٢/ ٣٢٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١/ ٨٣) رقم (٥٦) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٦) في (السنن) (١/ ٧٢) رقم (٩٥).\nقلت: وأخرجه البخاري (١/ ٣٠٤) رقم (٢٠١)، ومسلم (١/ ٢٥٨) رقمِ (٥١/ ٣٢٥)، والنسائي (١/ ٥٧) رقم (٧٣) بلفظ: (كان رسول اللَّهِ يتوضأ بمَكُّوكٍ وَيغْتَسِلُ بِخمْسِ مَكَاكِيِّ).\n• المكوك: هو المدّ، وقيل: الصاع. والأول أشبه؛ لأَنّه جاء في حديث آخر مفسرًا بالمدِّ.\n(^٧) في (السنن) (٢/ ٥٠٧) رقم (٦٠٩) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك على هذا اللفظ. وهو حديث صحيح.\n(^٨) في النسخة (أ): (شرعية).","vol":"1","page":201},{"text":"قالَ بوجوبهِ استدلَّ بهذا، ومن قالَ: لا يجبُ، قالَ: لأنَّ المأمورَ به في الآيةِ الغسلُ، وليسَ الدلكُ من مسمَّاهُ. ولعلهُ يأتي ذكرُ ذلكَ.\n١١/ ٣٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ رَأى النَّبيَّ - ﷺ - يَأخُذ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلافِ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأسِهِ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (^١)، وَهُوَ عِندَ مُسْلِمٍ (^٢) منْ هذا الوجه بلفظِ: (وَمَسَحَ بِرَأسِهِ بماءٍ غيرِ فضلِ يديهِ)، وهو المحفُوظُ. [إسناده صحيح]\n(وعنهُ) أي عن عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ (أَنَّهُ رأى النبيَّ - ﷺ - يأخُذُ لأُذُنَيْهِ ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسهِ. أخرجهُ البيهقيُّ، وهوَ) أي هذا الحديث (عندَ مسلم منْ هذا الوجهِ بلفظِ: وَمَسَحَ برأسهِ بماءٍ غيرِ فضلِ يديهِ. وهو المحفوظ)، وذلك أنهُ ذكرَ المصنفُ في (التلخيص) (^٣) عن ابن دقيقِ العيدِ: أن الذي رآهُ في الروايةِ هو بهذا اللفظِ الذي قالَ المصنفُ: إنهُ المحفوظُ.\nوقالَ المصنفُ أيضًا: إنهُ الذي في صحيح ابن حبانَ (^٤)، وفي روايةِ الترمذيِّ (^٥). ولم يذكرْ في (التلخيصِ) أنهُ أخرجهُ مسلمٌ، ولا رأيناه في مسلم. وإذا كانَ كذلكَ، فأخذُ ماء جديدٍ للرأسِ هوَ أمرٌ لا بدَّ منهُ، وهوَ الذي دلَّتْ عليه الأحاديثُ، وحديثُ البيهقيِّ هذا هوَ دليلُ أحمدَ والشافعيِّ في أنهُ يُؤْخَذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ، وهوَ دليل ظاهرٌ، وتلكَ الأحاديثُ التي سَلَفَتْ غايةُ ما فيها أنهُ لم يذكرْ أحدٌ أنهُ - ﷺ - أخذَ ماءً جديدًا، وعدمُ الذكرِ ليسَ دليلًا على عدمِ الفعلِ، إلَّا أن قولَ الرواة مِنَ الصحابةِ: ومسحَ رأسَهُ وأذنيه مرةً واحدةً، ظاهرٌ في أنهُ بماءٍ واحدٍ.\nوحديثُ: (الأذنانِ من الرأسِ) (^٦) وإن كانَ في أسانيده مقالٌ، إلَّا أن كثرةَ\n_________\n(^١) في (السنن الكبرى) (١/ ٦٥) [بإسناد صحيح].\n(^٢) في (صحيحه) (١/ ٢١١) رقم (١٩/ ٢٣٦).\n(^٣) (١/ ٩٠).\n(^٤) في (صحيحه) (٢/ ٢٠٧) رقم (١٠٨٢).\n(^٥) في (السنن) (١/ ٥٠) رقم (٣٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٦) وهو حديث صحيح، له طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، (منهم): (١) أبو أمامة (٢) أبو هريرة (٣) ابن عمر (٤) ابن عباس (٥) عائشة (٦) أبو موسى (٧) أنس (٨) عبد الله بن زيد.=","vol":"1","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (١) أما حديث أبي أمامة: فله عنه ثلاثة طرق:\n(الأول): عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة مرفوعًا. أخرجه أبو داود (١/ ٩٣) رقم (١٣٤)، والترمذي (١/ ٥٣) رقم (٣٧)، وابن ماجه (١/ ١٥٢) رقم (٤٤٤)، والدارقطني (١/ ١٠٣) رقم (٣٧)، والبيهقي (١/ ٦٦)، والطبراني في (الكبير) (٨/ ١٤٢ - ١٤٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٨)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (١/ ٣٣) كلهم عن حماد بن زيد عن سنان به. وهذا سند حسن في الشواهد. وقال ابن دقيق العيد في الإمام: وهذا الحديث معلول بوجهين (أحدهما): الكلام في شهر بن حوشب، و(الثاني): الشك في رفعه، ولكن شهر وثقه أحمد، ويحيى، والعجلي، ويعقوب بن شيبة. وسنان بن ربيعة، أخرج له البخاري، وهو وإن كان قد لين قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وقال ابن معين: ليس بالقوي، فالحديث عندنا حسن، واللَّه أعلم. كما في (نصب الراية) للزيلعي (١/ ١٨).\n(الثاني): عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة به.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٤) رقم (٤٤) وقال: جعفر بن الزبير متروك. قال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٤٧): قد تابعه أبو معاذ الألهاني.\nأخرجه تمام الرازي في (الفوائد) (١/ ٢٢٦) رقم (١٧٩)، (الروض البسام) من طريق عثمان بن فائد: نا أبو معاذ الألهاني به. والألهاني هذا لم أجد من ذكره، وعثمان بن فائد ضعيف.\n(الثالث): عن أبي بكر بن أبي مريم قال: سمعت راشد بن سعد عن أبي أمامة به.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٤) رقم (٤٣) وقال: أبو بكر بن أبي مريم ضعيف.\n(٢) وأما حديث أبي هريرة فله أربعة طرق:\n(الأول): أخرجه الدارقطني (١/ ١٠١) رقم (٢٧)، وأبو يعلى في (مسنده) (١١/ ٢٥٣ رقم (٥٣٠/ ٦٣٧٠) عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء عنه مرفوعًا.\nوقال الدارقطني: (لا يصح).\nقلت: وعلَّته إسماعيل هذا وهو المكي ضعيف. وقد اختلف عليه في إسناده، كما سيأتي في حديث ابن عباس.\n(الثاني): عن عمرو بن الحصين ثنا محمد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب عنه.\nأخرجه ابن ماجه (١/ ١٥٢) رقم (٤٤٥)، والدارقطني (١/ ١٠٢) رقم (٣٢) وقال: (عمرو بن الحصين وابن عُلَاثَة ضعيفان).\nوقال البوصيري في (مصباحِ الزجاجة) (١/ ١١٧) رقم (١٨١): (هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن عبد الله بن عُلَاثَةَ، وعمرو بن الحصين ....).\n(الثالث): عن البختري بن عبيد عن أبيه عنه:\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٢) رقم (٣٤) وقال: البختري بن عبيد ضعيف وأبوه مجهول.=","vol":"1","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (الرابع): عن علي بن عاصم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عنه.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠) رقم (١٩). وقال: (وهم علي بن عاصم) في قوله: عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -. والذي قبله أصح عن ابن جريج.\nقلت: يعني عن سليمان بن موسى مرسلًا (١/ ٩٩) رقم (١٥).\n(٣) وأما حديث ابن عمر، فله عنه طرق:\n(الأول) عن يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا الجراح بن مخلد، نا يحيى بن العريان الهروي نا حاتم بن إسماعيل، عن أسامة بن زيد، عنه.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٩٧) رقم (١)، وقد أعله بقوله: (كذا قال، وهو وهم، والصواب عن أسامة بن زيد عن هلال بن أسامة الفهري عن ابن عمر موقوفًا. وأخرجه الخطيب في (الموضح) (١/ ١٩٦) عن ابن صاعد، وفي (التاريخ) (١٤/ ١٦١) من طريقين آخرين عن الجراح بن مخلد به.\nوقال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٤٩): (وهذا سند حسن عندي، فإن رجاله كلهم ثقات معروفون غير الهروي هذا، فقد ترجمه الخطيب ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، غير أنه وصفه بأنه كان محدثًا).\nوتابعه في رفعه عبيد الله عن نافع:\nأخرجه الدارقطني (١/ ٩٧) رقم (٣)، وتمام في (الفوائد) (١/ ٢٢٧) رقم (١٨٠)، (الروض البسام) من طريق محمد بن أبي السري. ثنا عبد الرزاق عن عبيد الله به. وقال الدارقطني: رفعُهُ وهم.\nوقال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٥٠): وعلته ابن السري وهو متهم.\nوتعقبه الدوسري في (الروض البسام) (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨) بقوله: (محمد بن أبي السري صدوق كثير الغلط. ووهم الألباني في (الصحيحة) (١/ ٥٠) في إعلال هذه الطريق فقال: (وعلته ابن أبي السري وهو متهم). والذي اتهم هو الحسين أخو محمد كما في ترجمته من (التهذيب) (٢/ ٣١٤ - ٣١٥)، أما محمد فقد وثقه ابن معين، وأخذ عليه كثرة الغلط ولم يتهمه أحد. اهـ.\nوتابعه: يحيى بن سعيد عن نافع به، أخرجه الدارقطني (١/ ٩٧) رقم (٢)، وابن عدي في (الكامل) (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، عن إسماعيل بن عياش عن يحيى به. وقال ابن عدي: (لا يحدث به عن يحيى غير ابن عياش). وقال الألباني (١/ ٥٠): وابن عياش ضعيف في الحجازيين وهذا منها.\n(الطريق الثاتي): عن محمد بن الفضل، عن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: أخرجه الدارقطني (١/ ٩٨) رقم (١٠) وقال: (محمد بن الفضل هو ابن عطية، متروك الحديث). ثم أخرجه الدارقطني من طرق (١/ ٩٨) رقم (٤، ٥، ٦، ٧، ٨، ٩).\n(٤) • وأما حديث ابن عباس، فله عنه طرق أيضًا: =","vol":"1","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (الأول): عن أبي كامل الجحدري، نا غندر محمد بن جعفر، عن ابن جريج، عن عطاء عنه مرفوعًا.\nأخرجه ابن عدي (٤/ ١٥١٣)، والدارقطني (١/ ٩٨) رقم (١١) و(١/ ٩٩) رقم (١٢). وقال: \"تفرَّد به أبو كامل عن غندر، وهو وهم، تابعه الربيع بن بدر، وهو متروك، عن ابن جريج، والصواب: عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي - ﷺ - مرسلًا\".\nوقال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٥١): (والحق أن هذا الإسناد صحيح؛ لأن أبا كامل ثقة، حافظ، احتج به مسلم، فزيادته مقبولة. إلا أن ابن جريج مدلس وقد عنعنه. فإن كان سمعه من سليمان فلا محيد من القول بصحته، وقد صرح بالتحديث في رواية له من الوجه المرسل (١/ ٩٩) رقم (١٥)، لكن في الطريق إليه العباس بن يزيد وهو البحراني، وهو ثقة، ولكن ضعفه بعضهم، ووصف بأنه يخطئ، فلا تطمئن النفس لزيادته، لا سيما والطريق كلها عن ابن جريج معنعنة. ثم رأيت الزيلعي نقل في (نصب الراية) (١/ ١٩) عن ابن القطان أنه قال: (إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته).\nوله طريق آخر: عن عطاء، رواه القاسم بن غصن عن إسماعيل بن مسلم عنه. أخرجه الخطيب في (التاريخ) (٦/ ٣٨٤)، والدارقطني (١/ ١٠٣) رقم (٢٦) وقال: إسماعيل بن مسلم ضعيف، والقاسم بن غصن مثله، خالفه علي بن هاشم فرواه عن إسماعيل بن مسلم المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة، ولا يصح أيضًا. وتابعه: جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس.\nأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠) رقم (٢٣) وقال: (جابر ضعيف وقد اختلف عنه، فأرسله الحكم بن عبد الله أبو مطيع عن إبراهيم بن طهمان، عن جابر عن عطاء، وهو أشبه بالصواب).\n(الطريق الثاني): عن محمد بن زياد اليشكري، ثنا ميمون بن مهران عنه: أخرجه العقيلي في (الضعفاء) (٤/ ٦٧)، والدارقطني (١/ ١٠١) رقم (٢٨، ٢٩، ٣٠)، وقال: محمد بن زياد متروك الحديث، ورواه يوسف بن مهران عن ابن عباس موقوفًا. ثم ساقه الدارقطني (١/ ١٠٢) رقم (٣١) من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران عنه. وابن زيد فيه ضعف.\n(الثالث): عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان عنه: أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) (١٠/ ٣٩١) رقم (١٠٧٨٤). حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي نا وكيع عن ابن أبي ذئب عن قارظ بن شيبة به.\nوقال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٥٢ - ٥٣): وهذا سند صحيح ورجاله كلهم ثقات، ولا أعلم له علة، ومن الغرائب أن هذه الطريق مع صحتها أغفلها كل من خرَّج الحديث من المتأخرين، كالزيلعي، وابن حجر، وغيرهما ممن ليس مختصًا في التخريج. بل أغفله أيضًا الحافظ الهيثمي فلم يورده في (مجمع الزوائد) مع أنه على شرطه … =","vol":"1","page":205},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٥) • وأما حديث عائشة: فأخرجه الدارقطني (١/ ١٠٠) رقم (٢٠) عن محمد بن الأزهر الجوزجاني، نا الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عنها وقال: (كذا قال، والمرسل أصح).\nيعني ابن جريج عن سليمان مرسلًا كما تقدم في الطريق الأول عن ابن عباس؛ ومحمد بن الأزهر. قال الحافظ في (التلخيص) (١/ ٩٢): (كذبه أحمد).\n(٦) • وأما حديث أبي موسى: فأخرجه الطبراني في (الأوسط) كما في (المجمع) (١/ ٢٣٤)، وابن عدي في (الكامل) (١/ ٣٦٤)، والدارقطني (١/ ١٠٢) رقم (٣٥) و(١/ ١٠٣) رقم (٣٦) من طرق عن أشعث عن الحسن عنه.\nوقال الهيثمي: فيه أشعث بن سوار وهو ضعيف.\nوكذا أخرجه العقيلي في (الضعفاء) (١/ ٣٢) عن أشعث به، وقال: لا يتابع عليه، والأسانيد في هذا الباب لينة. وقال الدارقطني: الصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أبي موسى.\nوقال ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٩٢): حديث أبي موسى أخرجه الدارقطني، واختلف في وقفه ورفعه، وصوَّب الوقف، وهو منقطع أيضًا.\n(٧) • وأما حديث أنس: فأخرجه ابن عدي في (الكامل) (٢/ ٤٥٠)، والدارقطني (١/ ١٠٤) رقم (٤٥) من طرق عن عبد الحكم عنه.\nوقال الدارقطني: عبد الحكم لا يحتج به.\nوقال ابن حجر في (التلخيص) (١/ ٩٢): حديث أنس أخرجه الدارقطني من طريق عبد الحكم عن أنس، وهو ضعيف.\n(٨) • وأما حديث عبد الله بن زيد: فأخرجه ابن ماجه (١/ ١٥٢) رقم (٤٤٣)، حدثنا سويد بن سعيد، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن شعبة عن حبيب بن زيد، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد مرفوعًا.\nوقال الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ١٩): (وهذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رواته، فابن أبي زائدة، وشعبة، وعباد، احتج بهم الشيخان، وحبيب ذكره ابن حبان في (الثقات) في أتباع التابعين، وسويد بن سعيد احتج به مسلم).\nوتعقبه الحافظ ابن حجر في (الدراية) (١/ ٢١) بأن سويدًا هذا قد اختلط. وقال في (التقريب) (١/ ٣٤٠) رقم (٥٩٦): (صدوق في نفسه إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه ابن معين القول) اهـ.\nولهذا قال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ١١٦) رقم (١٨٥): (هذا إسناد حسن إذا كان سويد بن سعيد حفظه).\nوقال الألباني في (الصحيحة) (١/ ٥٥): (ولكن ذلك لا يمنع أن يكون حسنًا لغيره ما دام أن الرجال كلهم ثقات ليس فيهم متهم. وإذا ضم إليه طريق ابن عباس الصحيح، وطريقه الآخر الذي صحَّحه ابن القطان … فلا شك حينئذ في ثبوت الحديث وصحته. وإذا ضم=","vol":"1","page":206},{"text":"طرقهِ يشدّ بعضُها بعضًا، ويشهدُ لها أحاديثُ مسحِهمَا معَ الرأسِ مرةً واحدةً، وهي أحاديثُ كثيرٌ عن عليّ (^١)، وابنِ عباسٍ (^٢)، والربيعِ (^٣)، وعثمانَ (^٤)، كلُّهم متَّفقونَ على أنهُ مَسَحَهُمَا معَ الرأسِ مرةً وأحدةً، أيْ بماءٍ واحدٍ كما هوَ ظاهرُ لفظِ: مرةً، إذْ لوْ كانَ يؤخذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ ما صدقَ أنهُ مسحِ رأسَهُ وأذنيهِ مرةً واحدةً، وإنْ احتملَ أن المرادَ أنهُ لم يكررْ مسحَهُمَا، وأنهُ أخذ لهُمَا ماءً جديدًا فهوَ احتمالٌ بعيدٌ.\nوتأويلُ حديثِ: إنهُ أخذَ لهما ماءً خلافَ الذي مسحَ بهِ رأسَهُ، أقربُ ما\n_________\n= إلى ذلك الطريق الأخرى عن الصحابة الآخرين ازداد قوة، بل إنه ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء اهـ.\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ٩٢) رقم (٦) من طريق مسهر بن عبد الملك بن سلع عن أبيه، عن عبد خير عن علي: (أنه توضأ ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه وأذنيه ثلاثًا. وقال: هكذا وضوء رسول الله - ﷺ - أحببت أن أريكموه). وهذا إسناد صالح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (١/ ٩٢) رقم (١٣٣)، والترمذي (١/ ٥٢) رقم (٣٦)، والنسائي (١/ ٧٤)، والطحاوي في (شرح المعاني) (١/ ٣٢)، وابن خزيمة (١/ ٧٧) رقم (١٤٨)، والحاكم (١/ ١٤٧).\nمن رواية عطاء بن يسار عنه قال: (توضأ رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث، وفيه: (ثم مسحَ برأسِهِ وَأُذُنَيْهِ باطِنِهما، بالسَّبَّابتْينِ، وظاهِرِهِما بإبهامهِ).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: وسنده حسن؛ لأن في ابن عجلان ضعفًا يسيرًا، لكنه قد توبع، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن.\n(^٣) أخرجه أبو داود (١/ ٨٩) رقم (١٢٦)، والترمذي (١/ ٤٩) رقم (٣٤)، والطحاوي في (شرح المعاني) (١/ ٣٣)، والدارقطني (١/ ٨٧) رقم (٢) عنها قالت: (رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يتوضَّأُ - قالت: فمسحَ رَأْسَهُ، ومَسَحَ ما أقْبلَ مِنْهُ وما أدْبَرَ، وصُدْغَيْهِ وَأُذُنيْهِ مَرَّةً واحِدَةً).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: وسنده حسن؛ لأن في ابن عجلان ضعفًا يسيرًا لكنه توبع، فيرتقي الحديث إلى درجة الحسن.\n(^٤) أخرجه أحمد (١/ ٦٨)، والدارمي (١/ ١٧٩)، وأبو داود (١/ ٨٠) رقم (١٠٨)، والطحاوي في (شرح المعاني) (١/ ٣٢)، والدارقطني (١/ ٨٦) رقم (١٢)، والبيهقي (١/ ٦٤) وفيه: (فأخذ ماء فمسح رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما).\nقلت: وسنده حسن.","vol":"1","page":207},{"text":"يقالُ فيهِ أنهُ لمْ يبقَ في يدهِ بلةٌ تكفي لمسحِ الأذنينِ، فأخذَ لهما ماءً جديدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-154>مشروعية إطالة الغُرَّة والتحجيل</span>\n١٢/ ٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إنَّ أُمّتِي يَأتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوَضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ). [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: إِنَّ أُمَّتي يَأْتُونَ يومَ القيامةِ غُرًّا) بضمِّ الغينِ المعجمةِ، وتشديد الراءِ، جمعُ أغرَّ، أي: ذوي غُرَّة، وأصلُها لمعةٌ بيضاءُ تكونُ في جبهةِ الفرسِ. وفي النهايةِ (^٢): يُريدُ بَياضَ وجُوهِهِم بنورِ الوُضوءِ يومَ القيامة، [ونَصْبُهُ على أنه] (^٣) حالٌ مِنْ فاعلِ يأتونَ، وعلى روايةِ (يدعونَ) يحتملُ المفعوليةَ.\n(مُحَجَّلينَ): بالمهملةِ والجيمِ منَ التحجيلِ، في النهاية (^٤): أي بيضُ مَواضعِ الوُضوءِ مِنَ الأيْدي والأقْدامِ. استعارَ أَثَرَ الوضوءِ في الوجهِ واليدينِ والرجلينِ للإنسانِ من البياضِ الذي يكونُ في وجهِ الفرسِ ويديهِ ورجليهِ.\n(مِنْ أَثَرِ الوَضُوءِ) بفتحِ الواوِ؛ لأنهُ الماءُ، ويجوزُ الضمُّ عندَ البعضِ، كما تقدَّمَ. (فَمَنِ اسْتطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) أي: وتحجيلَهُ، وإنما اقتصرَ على أحدِهِمَا لدلالتِهِ على الآخَرِ، وآثرَ الغرَّة وهي مؤنثةٌ على التحجيلِ وهو مذكرٌ لشرفِ موضعِهَا. وفي روايةٍ لمسلم (^٥): (فلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وتحجيلَهُ)، (فَلْيَفْعَلْ. مُتفقٌ عليهِ، واللفطُ لمسلمٍ).\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٢٣٥) رقم (١٣٦)، ومسلم (١/ ٢١٦) رقم (٣٥/ ٢٤٦).\nقلت: وأخرجه البغوي في (شرح السنة) (١/ ٤٢٥) رقم (٢١٨)، وأبو عوانة (١/ ٢٢٤)، وأحمد في (المسند) (٢/ ٤٠٠).\n(^٢) (٣/ ٣٥٤).\n(^٣) في النسخة (أ) (ونصبها على أنها).\n(^٤) (١/ ٣٤٦).\n(^٥) في (صحيحه) (١/ ٢١٦) رقم (٣٤/ ٢٤٦).","vol":"1","page":208},{"text":"وظاهرُ السياقِ أن قولَهُ (فمنِ استطاعَ) إلى آخرِه: من الحديث، وهوَ يدلُّ على عدمِ الوجوبِ؛ إذْ هوَ في قوةِ: من شاءَ منكمْ، فلوْ كانَ واجبًا ما قيَّدَهُ بها، إذِ الاستطاعةُ لذلكَ [متحقِّقةٌ] (^١) قطعًا. وقالَ نُعَيْمٌ (^٢) أحدُ رواتِهِ: لا أدري قولَهُ: (فمنِ استطاعَ) إلى آخرهِ، منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -، أوْ منْ قولِ أبي هريرةَ؟ وفي (الفتح) (^٣): (لمْ أرَ هذهِ الجملةَ في روايةِ أحدٍ ممنْ رَوَى هذا الحديثَ منَ الصحابةِ، وهمْ عَشرَةٌ، ولا ممنْ رواهُ عنْ أبي هريرةَ غيرَ روايةِ نُعَيْمٍ هذهِ).\nوالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ إطالةِ الغرةِ والتحجيلِ. واختلفَ العلماءُ في القدْرِ المستحبِّ من ذلكَ فقيلَ: في اليدينِ إلى المنكبِ، وفي الرجلينِ إلى الركبةِ. وقد ثبتَ هذا عن أبي هريرةَ روايةً ورأيًا، وثبتَ منْ فعلِ ابن عمرَ [أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) وأبو عبيدٍ بإسنادٍ حسن] (^٥).\nوقيلَ: إلى نصفِ العضُدِ والساقِ. والغرَّةُ في الوجهِ أن يغسلَ إلى [صفْحتي] (^٦) العُنُقِ.\nوالقولُ بعدمِ مشروعيتِهِمَا، وتأويلُ حديثِ أبي هريرةَ بأنَّ المرادَ بهِ المداومةُ على الوضوءِ، خلاف الظاهر [وَرُدّ بأنَّ الراوي أعرفُ بما رَوَى] (^٧)، كيفَ وقدْ رفعَ معناهُ ولا وجهَ لنفيهِ (^٨).\nوقدْ استدلَّ على أن الوضوءَ منْ خصائصِ هذه الأمةِ بهذا الحديثِ،\n_________\n(^١) في النسخة (أ): (محققة).\n(^٢) هو نُعَيْم المُجْمِر بن عبد الله المدني، وُصف هو وأبوه بذلك لكونهما كانا يبخِّران مسجد النبي - ﷺ - وزعم بعض العلماء أن وصف عبد الله بذلك حقيقة، ووصف ابنه نُعيم بذلك مجاز، وفيه نظر، فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيمًا كان يباشر ذلك.\n[(فتح الباري) (١/ ٢٣٥)، و(الجمع بين رجال الصحيحين) (٢/ ٥٣٣) رقم (٢٠٧٦)].\n(^٣) (١/ ٢٣٦).\n(^٤) في (المصنف) (١/ ٥٥).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في النسخة (أ): (صفحة).\n(^٧) في النسخة (أ): (على الوضوء وروي بأن الراوي أعرف بما روى).\n(^٨) قلت: اختصر كلام المصنف في (الفتح) (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) وعبارته هي: (وأما تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى بمعنى ما روى، كيف وقد صرَّح برفعه إلى الشارع - ﷺ -) اهـ.","vol":"1","page":209},{"text":"وبحديثِ مسلمٍ (^١) مرفوعًا: (سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ)، والسِّيما بكسرِ السينِ المهملةِ: العلامةُ. وَرُدَّ هذا بأنهُ قد ثبتَ الوضوءُ لمنْ قبلَ هذهِ الأمةِ، قيلَ: فالذي اختصَّتْ بهِ هذهِ الأمةُ هو الغُرَّةُ والتحجيلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-155>هديه - ﷺ - في التَّرَجُّلِ والتَّنَعُلِ</span>\n١٣/ ٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: (كانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْجْبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأنِهِ كُلِّهِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢) [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ النبيُّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ)، أي تقديم اليمنى [(في تَنَعُّلِهِ) لِبْسِ نعلهِ] (^٣)، (وَتَرَجُّلِهِ) بالجيمِ أي مَشَطِ شعرِهِ (وَطُهورِهِ، وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ) تعميمٌ بعدَ التخصيصِ، (متفقٌ عليهِ).\nقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هوَ عامٌّ مخصوصٌ بدخولِ الخلاءِ والخروجِ منَ المسجدِ ونحوِهِما، فإنهُ يبدأُ فيهمَا باليسارِ. قيلَ: والتأكيدُ بكلِّهِ يدلُّ على بقاءِ التعميمِ ودفعِ التجوُّزِ عن البعضِ، فيُحتَملُ أنْ يقالَ: حقيقةُ الشأنِ مَا كانَ فعلًا مقصودًا، وما يُستَحَبُّ فيهِ التياسرُ ليسَ منَ الأفعالِ المقصودةِ، بلْ هي إمَّا تروكٌ وإما [أفعال] (^٤) غيرُ مقصودةٍ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ البداءةِ بشقِّ الرأسِ الأيمنِ في التَّرَجُلِ والغُسلِ والحَلْقِ، وبالميامِنِ في الوضوءِ والغُسلِ والأكل والشربِ وغيرِ ذلكَ.\n_________\n(^١) في (صحيحه) (١/ ٢١٧) رقم (٣٦، ٣٧/ ٢٤٧) من حديث أبي هريرة.\nقلت: وأخرج مسلم (١/ ٢١٧) رقم (٣٨/ ٢٤٨) عن حُذيفَة قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِنَّ حَوْضِي لأبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، والذي نفسي بيدِهِ، إني لأَذودُ عَنْهُ الرِّجالَ كمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الغَرِيبَةَ عَنْ حَوضِهِ)، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ وَتَعْرِفُنَا؟ قالَ: (نعمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثارِ الوُضُوءِ ليسَتْ لأحَدٍ غيرِكُم).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٦٩) رقم (١٦٨)، ومسلم (١/ ٢٢٦) رقم (٢٦٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤/ ٣٧٨) رقم (٤١٤٠)، والترمذي (٢/ ٥٠٦) رقم (٦٠٨)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١/ ٧٨) رقم (١١٢) و(٨/ ١٣٣) رقم (٥٠٥٩)، وابن ماجه (١/ ١٤١) رقم (٤٠١)، وأحمد في (المسند) (٦/ ٩٤، ١٣٠، ١٤٧، ١٨٧، ١٨٨، ٢٠٢، ٢١٠).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":210},{"text":"قالَ النوويُّ (^١): قاعدةُ الشرعِ المستمِرَّةُ البداءةُ باليمينِ في كلِّ ما كانَ منْ بابِ التكريمِ والتزيينِ، وما كانَ بضدِّها استُحِبَّ فيهِ التياسرُ، ويأتِي الحديثُ في الوضوءِ قريبًا. وهذهِ الدلالةُ للحديثِ مبنيةٌ على أن لفظَ: (يعجبهُ)، يدلُّ على استحبابِ ذلكَ شرعًا، وقدْ ذكرْنا تحقيقَهُ في حواشي شرحِ العمدةِ (^٢) عندَ الكلامِ على هذا الحديث.\n١٤/ ٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا تَوَّضَّأتُمْ فَابْدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ). [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ (^٤).\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذَا تَوَضَّأْتم فَابْدَؤُا بِمَيَامِنِكُمْ. أخرجهُ الأربعةُ وصحَّحهُ ابن خزيمةَ)، وأخرجهُ أحمد (^٥)، وابنُ حبَّانَ (^٦)، والبيهقيُّ (^٧). وزادَ فيهِ: (وإِذَا لَبِسْتُمْ)، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هوَ حقيقٌ بأنْ يُصحَّح (^٨).\nوالحديثُ دليلٌ على البداءةِ بالميامنِ عندَ الوضوءِ في غَسلِ اليدينِ والرجلينِ. وأمَّا غيرُهُما كالوجهِ والرأسِ فظاهر أيضًا شمولُهما، إلَّا أنهُ لمْ يقلْ أحدٌ بهِ فيهمَا، ولا وردَ في أحاديثِ التعليمِ، بخلافِ اليدينِ والرجلينِ، فأحاديث التعليمِ وردتْ بتقديمِ اليمنى فيهما على اليُسرى، في حديثِ عثمانَ الذي مضَى (^٩)\n_________\n(^١) في شرحه لصحيح مسلم (٣/ ١٦٠).\n(^٢) (١/ ٢٠٩).\n(^٣) وهم: أبو داود (٤/ ٣٧٩) رقم (٤١٤١)، وابن ماجه (١/ ١٤١) رقم (٤٠٢)، والترمذي (٤/ ٢٣٨) رقم (١٧٦٦)، والنسائي: في (الكبرى) كما في أطراف المِزي (٩/ ٣٥٧ - ٣٥٨) رقم (١٢٣٩٩). ولفظ الترمذي والنسائى: (كان رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا لَبِسَ قميصًا بدأَ بميامِنِه).\n(^٤) في (صحيحه) (١/ ٩١) رقم (١٧٨).\n(^٥) في (المسند) (٢/ ٣٥٤).\n(^٦) ص (٦٦) رقم (١٤٧) وص (٣٥٠) رقم (١٤٥٢) - (موارد الظمآن).\n(^٧) في (السنن الكبرى) (٣/ ٨٦).\n(^٨) نقله الزيلعي في (نصب الراية) (١/ ٣٤) ولفظه: (وهو جدير بأن يصحَّح)، وقد صحَّحه الألباني في (صحيح ابن ماجه)، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط في (جامع الأصول) (١٠/ ٦٣٧) - التعليقة رقم (٢).\n(^٩) رقم الحديث (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":211},{"text":"وغيرِهِ. والآيةُ مجملةٌ بيَّنتْها السنَّةُ. واختُلِفَ في وجوبِ ذلكَ، ولا كلامَ في أنهُ الأَولى، فعندَ الهادويةِ يجبُ لحديثِ الكتاب، وهوَ بلفظِ الأمرِ، وهوَ للوجوبِ في أصلهِ، وباستمرارِ فعلِهِ - ﷺ -؛ فإنهُ ما روي أَنه توضأَ مرةً واحدةً بخلافهِ إلّا ما يأتي [من حديث ابن عباس] (^١)، ولأنهُ فعله بيانًا للواجبِ فيجبُ، ولحديثِ ابن عمر (^٢)، وزيد بن ثابتٍ (^٣)، وأبي هريرة (^٤): (أنه - ﷺ - توضأَ على الولاءِ ثمَّ قالَ: هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللَّهُ الصلاةَ إلا بهِ)، ولهُ طرقٌ يشدُّ بعضُها بعضًا.\nوقالتِ الحنفيةُ وجماعةٌ: لا يجبُ الترتيبُ بينَ أعضاءِ الوضوءِ، ولا بينَ اليمنى واليُسرى منَ اليدينِ والرجلينِ، قالُوا: والواوُ في الآيةِ لا تقتضي الترتيبَ. وبأنهُ قد رُويَ عنْ عليّ - ﵇ - أنهُ بدأَ بمياسرِه (^٥) وبأنهُ قالَ: (ما أبالي بشمالي بدأتُ أمْ بيميني إذا أتممتُ الوضوءَ). [أخرجه الدارقطني (^٦)، والبيهقي وقال: إنه منقطع. وكذا رواية الفعل أخرجه البيهقي] (^٧). وأجيبَ عنهُ بأنَّهما أثرانِ غيرُ\n_________\n(^١) سيأتي الكلام عليه في نهاية شرح الحديث (١٦/ ٤٤) وما بين الحاصرتين زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٥) رقم (٤١٩)، والدارقطني (١/ ٨٠) رقم (٢، ٣) و(١/ ٧٩) رقم (١) و(١/ ٨٠) رقم (٤) و(١/ ٨١) رقم (٥)، والبيهقي (١/ ٨٠)، والطيالسي (١/ ٥٣) رقم (١٨١) (منحة المعبود)، وأبو يعلى في (المسند) (٩/ ٤٤٨) رقم (١٨٤/ ٥٥٩٨)، وأحمد في (المسند) (٨/ ٨٦) رقم (٥٧٣٥) - شاكر) من طرق واهية .. وهو حديث ضعيف. انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٨٢) رقم (٨١).\nقلت: ليس فيه ذكر أنه - ﷺ - توضأ على الولاء.\n(^٣) و(^٤) أخرجه الدارقطني في (غرائب مالك) من طريق علي بن الحسن الشامي، عن مالك عن ربيعة عن ابن المسيب عن زيد بن ثابت عن أبي هريرة، وهو مقلوب ولم يروه مالك قط كما في (التلخيص الحبير) (١/ ٨٢).\n(^٥) أخرج الدارقطني في سننه (١/ ٨٧) رقم (١، ٢). بسند ضعيف. عن زياد قال: (جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن الوضوء، فقال: أبدأ باليمين أو بالشمال؟ فأضرط علي به، ثم دعا بماء فبدأ بالشمال قبل اليمين.\n• فأضرط علي، قال الجوهري: وقولهم: أضرط وضرط به أي هزئ به.\n(^٦) أخرج الدارقطني (١/ ٨٨ - ٨٩) رقم (٤، ٥، ٦)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ٣٩) عن زياد قال: قال علي: (ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا توضأت). إسناده ضعيف.\nقلت: وانظر (التلخيص) (١/ ٨٨) رقم (٩٠).\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":212},{"text":"ثابتينِ؛ فلا تقومُ بهمَا حجةٌ ولا يُقَاوِمَانِ ما سلفَ، وإنْ كانَ الدارقطنيُّ قدْ أخرجَ حديثَ عليٍّ ولمْ يضعفْهُ، وأخرجهُ منْ طرقٍ بألفاظٍ، ولكنَّها موقوفةٌ كلُّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>المسح على الناصية والعِمامة والخُفِّ</span>\n١٥/ ٤٣ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: (تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّينِ)، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ترجمة المغيرة بن شعبة</span>\n(وَعَنِ الْمُغِيرَةِ) (^٢) بضمِ الميمِ، فغينٍ معجمة مكسورةٍ، فياءٍ وراءٍ، يُكْنَى أبا عبد اللَّهِ أو أبا عيسى. أسلم عامَ الخندقِ وقدمَ مهاجرًا، وأولُ مشاهدهِ الحديبيةُ، وفاتهُ سنةَ خمسينَ منَ الهجرةِ بالكوفةِ، وكان عاملًا عليها من قِبَلِ معاويةَ، وهوَ (ابنُ شُعْبَةَ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحدةٍ مفتوحةٍ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - توضأَ فمسحَ بناصيتِهِ). في القاموس (^٣): الناصيَةُ والنَّاصاةُ قُصاصُ الشَّعَرِ. (وَعَلَى العِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ) تثنيةُ خُفِّ بالخاءِ المعجمةِ مضمومةٌ، أي ومسحَ عليهمَا (أخرجه مسلمٌ)، ولمْ يخرجْهُ البخاريُّ، ووهمَ مَنْ نسبهُ إليهمَا (^٤).\n_________\n(^١) في (صحيحه) (١/ ٢٣١) رقم (٨٣/ ٢٧٤) و(١/ ٢٣٠) رقم (٨١/ ٢٧٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٠٤) رقم (١٥٠)، والترمذي (١/ ١٧٠) رقم (١٠٠) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (١/ ٧٦ - ٧٧) رقم (١٠٧، ١٠٨، ١٠٩)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، وابن الجارود رقم (٨٣)، والطحاوي في (شرح المعاني) (١/ ٣٠)، والدارقطني (١/ ١٩٢)، والبيهقي (١/ ٥٨)، وأحمد (٤/ ٢٥٥)، والطيالسي (ص (٩٥) رقم (٦٩٩).\n(^٢) انظر ترجمته في: (طبقات ابن سعد) (٤/ ٢٨٤ - ٢٨٦) و(٦/ ٢٠ - ٢١)، و(التاريخ الكبير) (٧/ ٣١٦ - ٣١٧) رقم (١٣٤٧)، و(تاريخ بغداد) (١/ ١٩١ - ١٩٣) رقم (٣٠)، و(الكامل في التاريخ) (٣/ ٤٦١ - ٤٦٣)، و(تهذيب الأسماء واللغات) (٢/ ١٠٩ - ١١٠) رقم (١٦٠)، و(تهذيب التهذيب) (١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥) رقم (٤٧٣)، و(العقد الثمين) (٧/ ٢٥٥ - ٢٦٠) رقم (٢٥٠٥).\n(^٣) (المحيط) ص (١٧٢٥).\n(^٤) قلت: أصل الحديث عند البخاري (١/ ٣٠٦) رقم (٢٠٣)، لكن في ذكر المسح على الخفين فقط، ليس فيه المسح على الناصية والعِمَامة. ووهم فيه ابن الجوزي، وتبعه بعض=","vol":"1","page":213},{"text":"والحديثُ دليلٌ على عدمِ جوازِ الاقتصارِ على مسح الناصيةِ. وقالَ زيدُ بنُ عليّ - ﵇ - وأبو حنيفةَ: يجوزُ الاقتصارُ. وقالَ ابنُ القيِّم (^١): (ولمْ يصِحّ عنه - ﷺ - في حديثٍ واحدٍ أنهُ اقتصرَ على مسحِ بعضِ رأسهِ ألبتَّةَ، لكنْ كانَ إذا مسحَ بناصيتهِ كمَّلَ على العِمَامَةِ) كما في حديث المغيرةِ هذا. وقدْ ذكرَ الدارقطنيُّ أنهُ رواهُ عنْ ستينَ رجلًا، وأما الاقتصارُ على العِمَامَةِ بالمسحِ، فلمْ يقلْ بهِ الجمهورُ. وقالَ ابنُ القيمِ (^٢): (إنهُ - ﷺ - كانَ يمسحَ على رأسهِ تارةً، وعلى العِمَامَةِ تارةً، وعلى الناصيةِ والعِمَامَةِ تارةً). والمسحُ على الخفينِ يأتي له بابٌ مستقلٌ، ويأتي حديثُ المسحِ على العصائبِ.\n١٦/ ٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: (ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ). [صحيح]\nأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^٣) هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (^٤) بِلَفْظِ الخَبَرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>ترجمة جابر بن عبد الله</span>\n(وعَنْ جَابرٍ) (^٥) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ جَابرُ (ابنُ عبدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ،\n_________\n= الحفَّاظ فعزوه للمتفق عليه، وهو من أفراد مسلم. انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٥٨) رقم ٥٨)، و(نصب الراية) (١/ ١).\nقلت: وقع للإمام مسلم في (صحيحه) (١/ ٢٣٠) رقم (٨١/ ٢٧٤)، في (سنده) وهم، حيث جعله من رواية عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه، وإنما هو من رواية أخيه حمزة بن المغيرة.\n[انظر: (صحيح مسلم) بشرح الإمام النووي (٣/ ١٧١)].\n(^١) في (زاد المعاد) (١/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٢) في (زاد المعاد) (١/ ١٩٤).\n(^٣) في (السنن) (٥/ ٢٤٠) رقم (٢٩٧٢).\n(^٤) في (صحيحه) (٢/ ٨٨٦) رقم (١٢١٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢/ ٤٥٥) رقم (١٩٠٥)، والترمذي (٣/ ٢١٦) رقم (٨٦٢)، وابن ماجه (٢/ ١٠٢٢) رقم (٣٠٧٤)، ومالك في (الموطأ) (١/ ٣٧٢) رقم (١٢٦)، والبغوي في (شرح السنة) (٧/ ١٣٥) رقم (١٩١٩)، والدارمي (٢/ ٤٤ - ٤٩)، والدارقطني (٢/ ٢٥٤ -) رقم (٧٩)، وابن خزيمة (٤/ ١٧٠) رقم (٢٦٢٠)، والبيهقي (٥/ ٩٣) و(١/ ٨٥)، وابن عبد البر في (التمهيد) (٢/ ٧٩).\n(^٥) انظر ترجمته في: (التاريخ الكبير) (٢/ ٢٠٧) رقم (٢٢٠٨)، و(مرآة الجنان) (١/ ١٨٨)، =","vol":"1","page":214},{"text":"بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، الأنصاريُّ السلميُّ، منْ مشاهيرِ الصحابةِ، ذكرَ البخاريُّ أنهُ شهدَ بدرًا، وكانَ ينقلُ الماءَ يومئذٍ، ثمَّ شهدَ بعدَها معَ النبيِّ - ﷺ - ثماني عشْرةَ غزوةً، ذكرَ ذلكَ الحاكمُ أبو أحمدَ، وشهدَ صفينِ معَ عليّ - ﵇ - وكانَ منْ المكثرينَ الحفاظِ، وكُفَّ بصرهُ في آخرِ عمرهِ، وتوفي سنةَ أربعٍ أو سبعٍ [وتسعين] (^١) بالمدينةِ، وعمرهُ أربعٌ وتسعونَ سنةً، وهوَ آخَرُ مَنْ ماتَ بالمدينةِ مِنَ الصحابةِ.\n(في صفةِ حجِّ النبيِّ - ﷺ -) يشيرُ إلى حديثٍ جليلٍ شريفٍ [في صفة الحج، و] (^٢) سيأتي - إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى - في الحجِّ.\n(قال) [أي النبيُّ] (^٣) - ﷺ -: (ابْدؤُا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بهِ. أخرجهُ النسائيُّ هكذَا بلفظِ الأمرِ، وهوَ عندَ مسلمٍ بلفظِ الخبر) أيْ بلفظِ: (أبدأُ). ولفظُ الحديث: (قالَ: ثم خرجَ - أي النبيُّ - ﷺ - منَ الباب - أي [بابَ الحرم] (^٤) - إلى الصفَا، فلمَا دَنَا منَ الصفَا قرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِر اللَّهِ﴾ (^٥) أبدأ بما بدأَ اللَّهُ بهِ)، بلفظِ الخبرِ فِعلًا مضارِعًا؛ فبدأ بالصَّفَا لبداءةِ اللَّهِ بهِ في الآيةِ.\nوذكرَ المصنفُ هذهِ القطعةَ مِنْ حديثِ جابرٍ هُنَا؛ لأنهُ أفادَ أن ما بدَأَ اللَّهُ بهِ ذكْرًا نبتدئُ بهِ فعْلًا، فإنَّ كلامهُ كلامُ حكيمٍ لا يبدأُ ذكرًا إلَّا بما يستحقُّ البداءةَ بهِ فعلًا، فإنهُ مقتضَى البلاغةِ، ولذَا قالَ سيبويه: إنَّهمْ - أيْ العربُ - يقدمونَ ما همْ بشأنِه أهمُّ وهمْ به أعْنى، فإنَّ اللفظَ عامٌّ، والعامُّ لا يقصرُ على سببهِ - أعني بما بدأَ اللَّهُ بهِ - لأنَّ كلمةَ (ما) موصولةٌ، والموصولاتُ منْ ألفاظ العمومِ، وآيةُ الوضوءِ - وهي - قولُهُ تعالى: ﴿فَاغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٦) داخلةٌ تحتَ الأمرِ بقوله - ﷺ -: (ابْدؤُا بما\n_________\n= و(جامع الأصول) (٩/ ٨٦) رقم (٦٦٢٨)، و(تهذيب الأسماء واللغات) (١/ ١٤٢ - ١٤٣) رقم (١٠٠)، و(تذكرة الحفاظ) (١/ ٤٠)، و(الإصابة) (٢/ ٤٥) رقم (١٠٢٢)، و(الاستيعاب) (٢/ ١٠٩ - ١١١) رقم (٢٨٧)، و(تهذيب التهذيب) (٢/ ٣٧ - ٣٨) رقم (٦٧).\n(^١) في النسخة (أ): (وسبعين من الهجرة).\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) في النسخة (أ): من باب الحرم أي المسجد بعد طوافه لعمرته.\n(^٥) سورة البقرة: الآية (١٥٨).\n(^٦) سورة المائدة: الآية (٦).","vol":"1","page":215},{"text":"بَدأَ اللَّهُ بهِ). فيجبُ البداءةُ بغسلِ الوجهِ، ثمَّ ما بعدَهُ على الترتيبِ، وإنْ كانتِ الآيةُ لم تُفِدْ تقديمَ اليُمنى على اليُسرى من اليدينِ والرجلينِ. وتقدَّمَ القولُ فيهِ قريبًا.\nوذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إِلى أن الترتيبَ بينَ أعضاءِ الوضوءِ غيرُ واجبٍ، واستدلَّ لهمْ بحديثِ ابن عباس (^١): (أنه - ﷺ - توضأَ فغسلَ وجههُ ويديهِ، ثمَّ رجليهِ، ثمَّ مسحَ رأسهُ بفضلِ وضوئِهِ)، وأجيبَ بأنَّهُ لا يعرف له طريقٌ صحيحةٌ حتى يتم بهِ الاستدلالُ. ثمَّ لا يخفَى أنهُ كان الأوْلَى تقديمَ حديثِ جابرٍ هَذَا على حديثِ المغيرةِ، وجعلهُ متصلًا بحديثِ أبي هريرةَ؛ لتقاربِهمَا في الدلالةِ.\n١٧/ ٤٥ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: (كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ). [ضعيف جدًّا]\nأخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ (^٢).\n(وَعَنْهُ) أيْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إذَا تَوَضَّأَ أدار الماءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أخرجه الدارقطنيُّ) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-159>ترجمة الدارقطني</span>\nهوَ الحافظُ الإمامُ الكبيرُ العديمُ النظيرِ في حفظهِ. قالَ الذهبيُّ في حقِّهِ: هوَ حافظُ الزمانِ، أبو [الحسين] (^٤) عليُّ بنُ عمرَ بن أحمدَ البغداديُّ، الحافظُ الشهيرُ، صاحبُ (السننِ). مولدهُ سنةَ ستٍّ وثلثمائةٍ، سمعَ منْ عوالمَ، وبرعَ في\n_________\n(^١) قال النووي في (المجموع) (١/ ٤٤٦) عن حديث ابن عباس بأنه ضعيف لا يُعْرَف.\n(^٢) في (السنن) (١/ ٨٣) رقم (١٥) وقال: القاسم بن محمد بن عبد الله بن عقيل ضعيف.\nوقال أبو حاتم: (متروك). وقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: أحاديثه منكرة.\nانظر: (ميزان الاعتدال) (٣/ ٣٧٩) رقم (٦٨٣٧)، والحديث ضعيف جدًّا.\n(^٣) انظر ترجمته في: (تاريخ بغداد) (١٢/ ٣٤ - ٤٠)، و(المنتظم) (٧/ ١٨٣ - ١٨٤)، و(معجم البلدان) (٢/ ٤٢٢)، و(تذكرة الحفاظ) (٣/ ٩٩١ - ٩٩٥)، و(طبقات السبكي) (٣/ ٤٦٢ - ٤٦٦)، و(النجوم الزاهرة) (٤/ ١٧٢)، و(شذرات الذهب) (٣/ ١١٦ - ١١٧)، و(وفَيات الأعيان) (٣/ ٢٩٧ - ٢٩٩).\n(^٤) في النسخة (أ): (الحسن).","vol":"1","page":216},{"text":"هذا الشأنِ. قالَ الحاكمُ: صار الدارقطنيُّ أوحدَ عصرهِ في الحفظِ والفهِمِ والورعِ، وإمَامًا في القراءةِ والنحوِ، ولهُ مصنفاتٌ يطولُ ذكرُها، وأشهدُ أنهُ لمْ يُخْلَقْ على أديمِ الأرضِ مثلُهُ.\nوقالَ الخطيبُ: كانَ فريدَ عصرهِ وإمامَ وقتهِ، وانتهى إليهِ علمُ الأثرِ والمعرفةِ بالعللِ وأسماءِ الرجالِ، معَ الصدقِ والثقةِ وصحةِ الاعتقادِ. وقدْ أطالَ أئمةُ الحديثِ الثناءَ على هذا الرجلِ، وكانتْ وفاتُهُ في ثامنِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثلثمائةٍ.\n(بإسنادٍ ضعيفٍ)، وأخرجهُ البيهقيُّ (^١) أيضًا بإسنادِ الدارقطنيِّ وفي الإسنادين معًا القاسمُ بنُ محمدِ بن عقيل، وهوَ متروكٌ، وضعَّفَهُ أحمدُ وابنُ معينٍ وغيرُهما (^٢)، وعدَّهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ (^٣)، لكنَّ الجارحَ أولى [وإنْ كثر المعدِّلُ] (^٤)، وهنا الجارحُ أكثرُ. وصرَّحَ بضعفِ الحديثِ جماعةٌ من الحفاظِ كالمنذريِّ، وابن الصلاح، والنوويِّ، وغيرهِم (^٥).\nقالَ المصنفُ: ويُغني عنهُ حديثُ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (^٦): (أنه توضأ حتى أشرعَ في العضدِ، وقالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضأ) [الحديث] (^٧).\nقلتُ: ولوْ أتى بهِ هنا لكانَ أوْلى.\n\n<span data-type='title' id=toc-160>حكم التسمية على الوضوء</span>\n١٨/ ٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [حسن بشواهده]\n_________\n(^١) في (السنن الكبرى) (١/ ٥٦)، وقال صاحب (الجوهر النقي): وفيه أيضًا عباد بن يعقوب متروك.\n(^٢) انظر ترجمته في: (ميزان الاعتدال) (٣/ ٣٧٩) رقم (٦٨٣٧).\n(^٣) (٧/ ٣٣٨).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) وهو كما قالوا - رحمهم الله تعالى -.\n(^٦) في (صحيحه) (١/ ٢١٦) رقم (٣٤/ ٢٤٦): من حديث أبي هريرة - ﵁ -: (أنه توضأ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثم غسلَ يَدَهُ اليمنى حتى أشْرَعَ في العَضُدِ، ثم يَدَهُ اليسرى حتى أشْرَعَ في العَضُدِ، ئُم مَسَحَ رأسَهُ، ثم غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمنى حتى أشْرَعَ في الساقِ، ثم غَسَلَ رِجْلَهُ اليسرى حتى أشرعَ في الساقِ، ثم قال: هكذا رأيتُ رسول الله - ﷺ - يتوضأ).\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":217},{"text":"أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١) وَأَبُو دَاودَ (^٢) وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، بإسنادٍ ضَعيفٍ.\n- وللتْرمِذيِّ عَنْ سَعيدِ بْنِ زَيْدٍ (^٤). [حديث سعيد ضعيف جدًّا]\nوَأَبِي سَعِيدٍ (^٥) نَحْوَهُ. قَالَ\n_________\n(^١) في (المسند) (٢/ ٤١٨).\n(^٢) في (السنن) (١/ ٧٥) رقم (١٠١).\n(^٣) في (السنن) (١/ ١٤٠) رقم (٣٩٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ١٤٦)، والبغوي في (شرح السنة) (١/ ٤٠٩)، والدارقطني (١/ ٧٢، ٧٩)، والبيهقي (١/ ٤٣).\nوقال الحاكم: (صحيح الإسناد، فقد احتج مسلم بيعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار)، ولم يوافقه الذهبي. وقال: صوابه ثنا يعقوب بن سلمة الليثي عن أبيه عن أبي هريرة وإسناده فيه لين). وخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده.\n(^٤) أخرجه الترمذي (١/ ٣٧) رقم (٢٥)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ٣)، وابن ماجه (١/ ١٤٠) رقم (٣٩٨)، والطيالسي ص (٣٣) رقم (٢٤٣)، وأحمد في (المسند) (٤/ ٧٠)، والطحاوي في (مشكل الآثار) (١/ ٢٦)، والدارقطني (١/ ٧٢) رقم (١٠)، والحاكم (٤/ ٦٠)، والبيهقي (١/ ٤٣)، والعقيلي في (الضعفاء) (١/ ١٧٧)، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (١/ ٣٣٦).\nمن طريق أبي تفال المري، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها سعيد بن زيد مرفوعًا: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه).\nقال الترمذي: قال أحمد بن حنبل: (لا أعلم في هذا الباب حديثًا له إسناد جيد).\nقلت: وفيما قاله الإمام أحمد - ﵀ - نظر، فقد ثبت الحديث بذلك. وقال ابن أبي حاتم في (العلل) (١/ ٥٢) رقم (١٢٩): (سمعت أبي وأبا زرعة وذكرت لهما حديثًا رواه عبد الرحمن بن حرملة عن أبي تفال .... وذكره، فقالا: ليس عندنا بذاك الصحيح. أبو تفال مجهول، ورباح مجهول).\nقلت: أما أبو تفال، فقال البخاري: (في حديثه نظر).\nوقال الحافظ في (التلخيص) (١/ ٧٤) موضحًا عبارة البخاري: (وهذه عادته فيمن يضعفه). وذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال: (ليس بالمعتمد على ما تفرد به)، فكأنه لم يوثقه. وأما رباح فمجهول، قال ابن القطان: فالحديث ضعيف جدًّا. وقال البزار: أبو تفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدَّث عن رباح إلا أبو تفال، فالخبر من جهة النقل لا يثبت).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤١)، وأبو يعلى (٢/ ٣٢٤)، وابن السُّني في (اليوم والليلة) رقم (٢٦)، وابن عدي في (الكامل) (٣/ ١٠٣٤)، والدارقطني (١/ ٧١) رقم (٣)، والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ٤٣)، وابن ماجه (١/ ١٣٩) رقم (٣٩٧)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ٢ - ٣)، والدارمي (١/ ١٧٦)، والترمذي في (العلل الكبير) ص (٣٣) رقم (١٨).=","vol":"1","page":218},{"text":"أَحْمَدُ (^١): لا يثبتُ فيه شيءٌ. [حديث أبي سعيد حسن].\n(وَعَن أبِي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسُول اللَّهِ - ﷺ -: لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجه بإسنادٍ ضعيفٍ).\nهذا قطعةٌ منَ الحديثِ الذي أخرجهُ المذكورونَ، فإنهمْ أخرجوهُ بلفظِ: (لَا صلاةَ لِمَنْ لَا وضوءَ لهُ، ولا وضوءَ لمنْ [لَمْ] (^٢) يَذْكُرِ اسمَ اللَّهِ عليهِ).\nوالحديثُ مرويٌّ منْ طريقِ يعقوبَ بن سلمة عنْ أبيه عن أبي هريرةَ، وهو يعقوبُ بن سلمةَ الليثيُّ، قالَ البخاريُّ (^٣): لا يعرفُ له سماعٌ من أبيهِ، ولا لأبيهِ من أبِي هريرةَ. ولهُ طريقٌ أخرى عندَ الدارقطنيِّ (^٤)، والبيهقيِّ (^٥)، ولكنَّها [كلها] (^٦) ضعيفةٌ أيضًا، وعندَ الطبرانيِّ (^٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ الأمر: (إذا توضأتَ فقلْ:\n_________\n= من طريق كثير بن زيد، ثنا ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه). قال أحمد بن حنبل حين سئل عن التسمية: لا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن ربيح. وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب. انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٧٤) وقال ابن قيم الجوزية في كتابه: (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) ص (١٢٠) رقم (٢٧١): (أحاديث التسمية على الوضوء أحاديث حسان).\nقلت: وهناك شواهد كثيرة: عن عائشة، وسهل بن سعد، وأبي سبرة، وأم سبرة، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك - ﵄ -. انظر تخريجها والكلام عليها في كتابنا: (إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة) جزء الطهارة. وانظر: (التلخيص) (١/ ٧٥) رقم (٧٠).\n(^١) في (مسائل أبي داود) ص (٦) وفي (مسائل إسحاق بن هاني) (١/ ٣)، وفي (مسائل ابنه عبد اللَّه) ص (٢٥).\n(^٢) في النسخة (أ): (لا).\n(^٣) في (صحيحه) (٤/ ٧٦).\n(^٤) في (السنن) (١/ ٧١) رقم (٢).\n(^٥) في (السنن الكبرى) (١/ ٤٤).\nوقال الحافظ في (التلخيص) (١/ ٧٣): أخرج الدارقطني والبيهقي، من طريق محمود بن محمد الظفري، عن أيوب بن النجار عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بلفظ: (ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلَّى من لم يتوضأ). ومحمود ليس بالقوي، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلَّا حديثًا واحدًا: التقى آدم وموسى اهـ.\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) في الصغير (١/ ١٣١) رقم (١٩٦).\nقلت: وأورده الهيثمي في (المجمع) (١/ ٢٢٠) وقال: إسناده حسن.","vol":"1","page":219},{"text":"باسمِ اللَّهِ والحمدُ للَّهِ، فإنَّ حَفَظَتَكَ لا تزالُ تكتبُ لكَ الحسناتِ حتى تُحدِثَ منْ ذلكَ الوضوءِ)، ولكنَّ سندَهُ واهٍ. (وللترمذيِّ) لم يقل: والترمذي (عنْ سعيدِ بن زيدٍ).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>ترجمة سعيد بن زيد</span>\n- وسعيد بن زيد هوَ ابنُ عمروُ بن نُفيلٍ (^١) أحدُ العشرةِ المشهود لهمْ بالجنةِ، صحابيٌّ جليلُ القدرِ - لأنهُ لمْ يروه في (السننِ) بلْ رواه في (العللِ)، فغايرَ المصنفُ في العبارةِ لهذه الإشارةِ (^٢)، ولأنهُ لمْ يروهِ عنْ أبي هريرةَ. (وأبي سعيدٍ نحوهُ. وقالَ أحمدُ: لا يثبت فيه شيءٌ).\n[وأخرجه] (^٣) البزارُ، وأحمدُ، وابنُ ماجَهْ، والدارقطنيُّ، وغيرُهمْ. قال الترمذيُّ (^٤): إنه قال محمد - يعني البخاريَّ - إنهُ أحسنُ شيء في هذا الباب، لكنهُ ضعيفٌ؛ لأنَّ في رواتهِ مجهولينَ. وروايةُ أبي سعيدٍ الخدريِّ [التي] (^٥) أَخرجَهَا الترمذيُّ وغيرهُ منْ روايةِ كثيرِ بن زيدٍ، عنْ ربيح، [عنْ] (^٦) عبدِ الرحمن، [عنْ] (٦) أبي سعيدٍ، ولكنَّهُ قدحَ في كثير بن زيدٍ وفي ربيحٍ أيضًا.\nوقد روى الحديثُ في التسميةِ من حديثِ عائشةَ (^٧)، وسهلِ بن سعدٍ (^٨)،\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: (الإصابة) (٤/ ٦١) رقم (٢٩١٧).\n(^٢) قلت: بل أخرجه الترمذي في (سننه) (١/ ٣٧) رقم (٢٥) كما تقدم.\n(^٣) في النسخة (أ): (وأخرج حديث سعيد بن زيد).\n(^٤) في (السنن) (١/ ٣٩).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في النسخة (أ): (بن).\n(^٧) أخرجه البزار (١/ ١٣٧) رقم (٢٦١) (كشف الأستار). وأبو يعلى في (المسند) (٨/ ١٤٢) رقم (٣٣١/ ٤٦٨٧) و(٨/ ٢٢٧) رقم (٤٤٠/ ٤٧٩٦) و(٨/ ٢٧٨) رقم (٥٠٨/ ٤٨٦٤)، والدارقطني (١/ ٧٢) رقم (٤)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (١/ ٣)، وأورده الهيثمي في (المجمع) (١/ ٢٢٠) وقال: (رواه أبو يعلى، وروى البزار بعضه): (إذا بدأ بالوضوء سمّى)، ومدار الحديثين على حارثة بن محمد وقد أجمعوا على ضعفه.\nوأخرجه ابن عدي في (الكامل) (٢/ ٦١٦) في ترجمة حارثة بن محمد هذا، وقال ابن عدي: (وبلغني عن أحمد بن حنبل - ﵀ - أنه نظر في جامع إسحاق بن راهويه فإذا أول حديث قد أخرج في جامعه هذا الحديث، فأنكره جدًّا، وقال: أول حديث في الجامع يكون عن حارثة)؟ اهـ.\n(^٨) أخرجه ابن ماجه (١/ ١٤٠) رقم (٤٠٠).\nقال البوصيري في (مصباح الزجاجة) (١/ ١١١) رقم (١٦٦): (هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم =","vol":"1","page":220},{"text":"وأبي سَبْرَةَ (^١)، وأمِّ سَبْرَةَ (^٢)، وعليٍّ (^٣)، وأنسٍ (^٤) وفي الجميعِ مقالٌ، إلَّا أن هذه الرواياتِ يُقَوِّي بعضُها، فلا تخلُو عنْ قوةٍ (^٥). ولذا قالَ ابنُ أبي شيبةَ: ثبتَ لنا أن النَّبيَّ - ﷺ - قالهُ. وإذا عرفتَ هذا، فالحديثُ قدْ دلَّ على مشروعيةِ التسميةِ في الوضوءِ. وظاهرُ قولِهِ: (لا وضوءَ) أنهُ لا يصحُّ، ولا يُوجدُ منْ دونِها إذ الأصلُ في النفيِ الحقيقةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>أقوال العلماء في التسمية</span>\nوقدْ اختلف العلماءُ في ذلك: فذهبت الهادويةُ إلى أنَّها فرضٌ على الذاكرِ. وقال أحمدُ بن حنبلٍ والظاهريةُ: بلْ وعلى الناسِي، وفي أحد قولَيِ الهادي أنَّها سنَّةٌ، وإليهِ ذهبتِ الحنفيةُ والشافعيةُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: (منْ ذكرَ اللَّهَ في أول وضوئِه طَهُرَ جَسَدُهُ كلُّهُ، وإذا لم يذكرِ اسم اللَّهِ لم يطهرْ منه إلا موضعَ الوضوء)، أخرجهُ الدارقطنيُّ (^٦) وغيرُهُ، وهو ضعيفٌ.\n_________\n= على ضعف عبد المهيمن، رواه الدارقطني في (سننه) (١/ ٧١) رقم (٣)، والحاكم في (المستدرك) (١/ ٢٦٩) من طريق عبد المهيمن، لكن لم ينفرد يه عبد المهيمن، فقد تابعه عليه أبيّ أخو عبد المهيمن كما رواه الطبراني في (المعجم الكبير) (٦/ ١٢١) رقم (٥٦٩٨) و(٥٦٩٩) اهـ.\n(^١) أخرجه الدولابي في (الكنى) (١/ ٣٦)، وأورده الهيثمي في (المجمع) (١/ ٢٢٨) وقال: رواه الطبراني في (الكبير)، وفيه يحيى بن أبي يزيد بن عبد الله بن أنيس ولم أر من ترجمه.\n(^٢) عزاه إلى أبي موسى في (المعرفة) الحافظ في (التلخيص) (١/ ٧٥) وضعفه.\n(^٣) أخرجه ابن عدي في (الكامل) (٥/ ١٨٨٣) في ترجمة عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه عن جده عن علي، وقال: إسناده ليس بمستقيم.\n(^٤) أخرجه الدارقطني في (السنن) (١/ ٧١) رقم (١).\n(^٥) قلت: والخلاصة أن الحديث حسن بمجموع طرقة، انظر: (التلخيص الحبير) (١/ ٧٢ - ٧٦)، و(إرواء الغليل) للألباني (١/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(^٦) في (السنن) (١/ ٧٤) رقم (١٢) من حديث أبي هريرة، وهو حديث ضعيف.\nقال الذهبي: وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن أبان الواسطي، لا أعرفه، وخبره منكر في التسمية على الوضوء، ومحمد بن أبان هو الواسطي محدِّث شهير، روى عن مهدي بن ميمون، وهشيم والطبقة، فيه مقال، قال الأزدي: ليس بذاك، وقال ابن حبان في (الثقات): ربما أخطأ. [(التعليق المغني على الدارقطني) (١/ ٧٤) التعليقة (٦)].","vol":"1","page":221},{"text":"قال البيهقيُّ - في (السنن) (^١) بعد إخراجه -: وهذا - أيضًا - ضعيفٌ، أبو بكر الدَّاهري - يريدُ أحد رواته - غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. وبهِ استدلَّ من فرَّقَ بينَ الذاكرِ والناسِي قائلًا: إنَّ الأولَ في حقِّ العامدِ وهذا في حقِّ الناسِي.\nوحديث أبي هريرةَ هذا الأخيرُ - وإن كانَ ضعيفًا - فقد عضدهُ في الدلالة على عدمِ الفرضيةِ حديثُ: (توضأ كما أمرك اللَّهُ)، وقد تقدَّمَ، وهوَ الدليل على تأويلِ النفيِ في حديث الباب بأنَّ المرادَ لا وضوءَ كاملًا. على أنهُ قدْ رُوي هذا الحديث بلفظِ: (لا وضوءَ كاملٌ)، إلَّا أَنهُ قال المصنفُ: إنهُ لم نره بهذا اللفظ. وأما القول بأنَّ هذا مثبتٌ ودال على الإيجاب فيرجحُ، ففيهِ أنهُ لم يثبتْ ثبوتًا يقضي بالإيجابِ، بلْ طرقُهُ كما عرفتَ.\nوقدْ دلَّ على السُنِّيةِ حديثُ: (كلُّ أمرٍ ذي بالٍ) (^٢)؛ فيتعاضدُ هوَ وحديثُ البابِ على مطلقِ الشرعيةِ وأقلُّها النُدبية.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الفصل بين المضمضة والاستنشاق</span>\n١٩/ ٤٧ - وَعَنْ طَلْحَةَ بن مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ.\nأَخْرَجَهُ أَبو دَاوُدَ (^٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-164>ترجمة طلحة بن مصرِّف</span>\n(وَعَنْ طلحةَ) (^٤) هوَ أبو محمدٍ، أو أبو عبد اللَّهِ طلحةُ (ابن مصرِّف) بضم\n_________\n(^١) (الكبرى) (١/ ٤٤) من حديث ابن عمر.\n(^٢) وهو حديث ضعيف.\nتقدم تخريجه في أول الكتاب. وانظر: (إرواء الغليل) رقم (١، ٢).\n(^٣) في (السنن) (١/ ٩٦) رقم (١٣٩).\nوفيه ليث بن أبي سليم صدوق، اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فتُرك. قاله ابن حجر في (التقريب) (١/ ١٣٨) رقم (٩)، ومُصَرِّف مجهول. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) انظر ترجمته في: (طبقات ابن سعد) (٦/ ٣٠٨) و(حلية الأولياء) (٥/ ١٤) و(العِبر) (١/ ١٠٦) و(شذرات الذهب) (١/ ١٤٥) و(الجمع بين رجال الصحيحين) (١/ ٢٣٠) رقم (٨٥٥)، و(التاريخ الكبير) (٤/ ٣٤٦) رقم (٣٠٨٠)، و(الجرح والتعديل) (٤/ ٤٧٣)، و(غاية النهاية في طبقات القراء) (١/ ٣٤٣) رقم (١٤٨٨).","vol":"1","page":222},{"text":"الميم وفتحِ الصادِ المهملةِ، وكسرِ الراءِ المشدَّدةِ وفاءٍ. وطلحةُ أحد الأعلامِ الأثباتِ من التابعينَ، ماتَ سنةَ اثنتي عشرةَ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ) مصرِّفٍ، (عنْ جدِّهِ) كعبِ بن عمرو الهمداني، ومنهم منْ يقولُ: ابنُ عُمرَ بضمِ العينِ المهملةِ. قالَ ابنُ عبد البرِّ: والأشهرُ ابنُ عَمرٍو لهُ صحبةٌ، ومنهم منْ ينكرُهَا، ولا وجه لإنكارِ من أنكر ذلكَ.\nثمَّ ذكرَ هذا الحديثَ: (قالَ: رَأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يفصلُ بين المَضمضةِ والاستنشاقِ. أخرجه أبو داودَ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنهُ منْ روايةِ ليثِ بن أبي سليمٍ وهو ضعيفٌ. قالَ النوويُّ (^١): اتفق العلماء على ضعفهِ؛ ولأنَّ مصرِّفًا والدَ طلحةَ مجهولَ الحال. قالَ أبو داودَ: وسمعتُ أحمدَ يقولُ: ابنُ عيينةَ زعموا أنهُ كانَ ينكرهُ يقولُ: إيشْ هذا طلحةُ بنُ مصرِّفٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ؟\nوالحديثُ دليلٌ على الفصل بين المضمضة والاستنشاقِ، بأنْ يؤخذَ لكلِّ واحدٍ ماءٌ جديدٌ. وقدْ دلَّ لهُ - أيضًا - حديثُ عليٍّ - ﵇ - وعثمانَ أنهما أفردَا المضمضة والاستنشاقَ ثمَّ قالا: هكذا رأينا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضأَ. أخرجه أبو عليٍّ ابنُ السكنِ في صحاحهِ (^٢). وذهبَ إلى هذا جماعةٌ.\nوذهبتِ الهادويةُ إلى أن السنةَ الجمعُ بينَهما بغَرفةٍ؛ لما أخرجهُ ابنُ ماجه (^٣) منْ حديثِ عليّ - ﵇ -: (أنه تمضمضَ فاستنشقَ ثلاثًا من كفٍّ واحدةٍ)، وأخرجهُ أبو داودَ (^٤).\nوالجمع بينهما وردَ منْ حديث عليٍّ منْ ستّ طرقٍ (^٥)، [وتأتي إحدَاها\n_________\n(^١) في (تهذيب الأسماء واللغات) (٢/ ٧٤ - ٧٥) رقم (٩٨).\n(^٢) كما في \"التلخيص\" (١/ ٧٩).\n(^٣) في (السنن) (١/ ١٤٢) رقم (٤٠٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في (السنن) (١/ ٨١) رقم (١١١)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) (الأولى): عن أبي حَيَّةَ - بن قيس الوادعي الهمداني وهو ثقة - قال: (رأيتُ عَليًّا توضَأ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حتَّى أَنْقَاهُمَا، ثمَّ مضمضَ ثلاثًا واستنشقَ ثلاثًا، وغَسَلَ وَجَهْهُ ثلاثًا، وذراعيْهِ ثلاثًا، ومسحَ رأسهُ مَرَّةً، ثمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إلى الكعبين …)، أخرجه الترمذيُّ (١/ ٦٧) رقم (٤٨) واللفظ له. وأخرجه أبو داود (١/ ٨٣ - ٨٤) رقم (١١٦) مختصرًا. وهو حديث صحيح. =","vol":"1","page":223},{"text":"قريبةً] (^١)، وكذلكَ منْ حديثِ عثمانَ عندَ أبي داودَ (^٢) وغيرِهِ، وفي لفظٍ لابنِ حبَّانِ (^٣): (ثَلاثَ مَرَّاتٍ منْ ثَلاثِ حَفَنَاتٍ)، وفي لفظ للبخاريِّ (^٤): (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ منْ غَرْفَةٍ وَاحدةٍ). ومعَ ورود الروايتينِ - الجمعُ وعدمُهُ - فالأقربُ التخييرُ، وأن الكلَّ سُنَةٌ، وإنْ كان رواية الجمع أكثرَ وأصحَّ. وقدْ اختار في الشرحِ التخييرَ، وقالَ: إنهُ قولُ الإمام يحيى.\n_________\n= (الثانية): عن زِرِّ بن حُبَيْش عنه، أخرجه أبو داود (١/ ٨٣) رقم (١١٤) من حديث المنهال بن عمرو عنه. وأعلَّه أبو حاتم بأنه إنما يُروى عن المنهال عن أبي حَيَّة عن علي. (العلل) لابن أبي حاتم (١/ ٢١) رقم (٢٨).\n(الثالثة): عن عبد خير عن علي: (أُتيَ بإناءٍ فيه ماءٌ وطَسْتٍ، فأفرغَ من الإناءِ على يمينهِ، فغسل يديه ثلاثًا، ثمَّ تمضمض ونثرَ من الكف الذي يأخذ فيه، ثمَّ غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثمَّ مسح برأسه مرة، ثمّ غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله الشمال ثلاثًا). أخرجه أبو داود (١/ ٨١) رقم (١١١) و(١/ ٨٢) رقم (١١٢) و(١/ ٨٣) رقم (١١٣)، والنسائي (١/ ٦٨) رقم (٩٢) و(١/ ٦٨) رقم (٩٣) و(١/ ٦٩) رقم (٩٤). وفي رواية لابن ماجه (١/ ١٤٢) رقم (٤٠٤) (فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، من كفٍّ واحد)، وأخرجه ابن حبان (٢/ ١٩٦) رقم (١٠٥٣) إلا أنه لم يقل: من كفٍّ واحد.\n(الرابعة): عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: رأيت عليًا توضأ، فغسل وجهه ثلاثًا، وغسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه واحدة، ورفعه. أخرجه أبو داود (١/ ٨٣) رقم (١١٥) بسند صحيح.\n(الخامسة): عن ابن عباس عنه أخرجه أبو داود (١/ ٨٤) رقم (١١٧) مطولًا، والبزار - كما في (التلخيص الحبير) (١/ ٨٠) - وقال: لا نعلم أحدًا روى هذا هكذا إلا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أن أحدًا رواه عنه إلا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، وقد صرَّح ابن إسحاق بالسماع فيه. وأخرجه ابن حبان (٢/ ٢٠٦) رقم (١٠٧٧) من طريقه مختصرًا. وقد حسَّن الألباني الحديث في صحيح أبي داود.\n(السادسة): عن النّزَّالِ بن سَبْرَةَ عن علي. أخرجه ابن حبان (٢/ ١٩٧) رقم (١٠٥٤)، وفيه: (فأخذ كفًا فتمضمض، واستنشق، وفي آخره: ثمَّ قام فشرب فضله وهو قائم).\nوأصله في البخاري مختصرًا (١٠/ ٨١) رقم (٥٦١٥) ورقم (٥٦١٦).\n(^١) رقم الحديث (٢٠/ ٤٨). في النسخة (ب): (ويأتي أحدها قريبًا).\n(^٢) في (السنن) (١/ ٨٠) رقم (١٠٨) و(١/ ٨١) رقم (١٠٩).\n(^٣) في (صحيحه) (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥) رقم (١٠٧٤) من حديث عبد الله بن زيد، وليس من حديث عثمان كما يوهم كلام المؤلف - ﵀ -.\n(^٤) في (صحيحه) (١/ ٣٠٣) رقم (١٩٩) أيضًا من حديث عبد الله بن زيد.","vol":"1","page":224},{"text":"واعلم أنَّ الجمعَ قدْ يكونُ بغَرفةٍ واحدةٍ، وبثلاثٍ منها كما أرشد إليه ظاهرُ قولهِ في الحديثِ: (مِنْ كفٍّ واحدٍ ومن غرفةٍ واحدةٍ)، وقدْ يكون الجمعُ بثلاثِ غرفاتٍ، لكلِّ واحدةٍ من الثلاثِ المرَّاتِ غَرفةٌ - كما هوَ صريحٌ - ثلاثُ مراتٍ من ثلاثِ حَفَنَاتٍ.\nقالَ البيهقيُّ في السنن (^١) بعد ذكرهِ الحديثَ: يعني - واللَّهُ أعلمُ - أنهُ مضمضَ واستنثرَ كلَّ مرةٍ منْ غرفةٍ واحدةٍ، ثمَّ فعلَ ذلكَ ثلاثًا منْ ثلاث غرفاتٍ. قالَ: ويدلُّ لهُ حديثُ عبد الله بن زيدٍ، ثمَّ ساقهُ بسندهِ (^٢) وفيهِ: (ثمَّ أدخلَ يدهُ في الإناءِ [فمضمض] (^٣)، واستنشقَ واستنثرَ ثلاثَ مَرَّاتٍ من ثلاثِ [غَرفَاتٍ] (^٤) منْ [مَاءٍ]) (^٥) ثمَّ قالَ: رواهُ البخاريُّ في الصحيح، وبه يتضحُ أنهُ يتعينُ هذا الاحتمالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-165>الجمع بين المضمضة والاستنشاق</span>\n٢٠/ ٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - ثُمَّ تمَضْمَضَ - ﷺ - واسْتَنْثَرَ ثَلاثًا: يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ منَ الكفِّ الَّذِي يأخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) والنَّسائيُّ (^٧) [صحيح]\n(وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - في صِفَةِ الوُضُوءِ - ثُمَّ تَمَضْمَضَ - ﷺ - وَاسْتَنْثَرَ [ثلَاثةً] (^٨) يُمَضْمِضُ ويَنثرُ مِنَ الكَفِّ الذيْ يأخُذُ مِنْهُ الماءَ. أَخْرَجَهُ أبو دَاؤدَ والنسائيُّ). هذا مِنْ أدلةِ الجمعِ، ويُحْتَمَلُ أنهُ من غَرْفَةٍ واحدةٍ أو من ثلاثِ غَرْفَاتٍ.\n٢١/ ٤٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ - في صِفَةِ الْوُضُوءِ - (ثُمَّ أَدْخَلَ - ﷺ - يَدَهُ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذلِكَ ثَلاثًا)، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) و(^٢) في (السنن الكبرى) (١/ ٥٠).\n(^٣) في النسخة (أ): (فتمضمض).\n(^٤) في النسخة (ب): (غرف).\n(^٥) في النسخة (أ): (الماء).\n(^٦) في (السنن) (١/ ٨١) رقم (١١١) و(١/ ٨٢) رقم (١١٢) و(١/ ٨٣) رقم (١١٣).\n(^٧) في (السنن) (١/ ٦٧) رقم (٩١) و(١/ ٦٨) رقم (٩٢) و(٩٣) و(١/ ٦٩) رقم (٩٤).\nوقد تقدم تخريج الحديث أثناء شرح الحديث رقم (١٩/ ٤٧).\n(^٨) في النسخة (أ): (ثلاثًا).\n(^٩) البخاري (١/ ٢٩٧) رقم (١٩١)، ومسلم (١/ ٢١٠) رقم (١٨/ ٢٣٥).\nوقد تقدم تخريجه رقم الحديث: (٤/ ٣٢).","vol":"1","page":225},{"text":"(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيدٍ - ﵁ - في صفةِ الوضوءِ) أي وضوئهُ - ﷺ - (ثمَّ أدخلَ - ﷺ - يدَهُ) أيْ في الماءِ، (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ). لمْ يَذكرِ الاستنثارَ؛ لأنَّ المرادَ إنَّما هوَ ذكرُ اكتفائِهِ بكفٍّ [واحدةٍ (^١) منَ الماءِ لما يدخلُ في الفم والأنفِ، وأما دفعُ الماءِ فليسَ من مقصودِ الحديثِ، (من كَفٍّ واحِدةٍ) الكفُّ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ. (يفعلُ ذلكَ ثلاثًا. متفقٌ عليهِ).\nهوَ ظاهرٌ في أنهُ كفاهُ كفٌّ واحدٌ للثلاثِ المراتِ، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ أرادَ بهِ فعلَ كلٍّ منهما منْ كفٍّ [واحدٍ] (^٢): يغترفُ في كلِّ [مرة] (^٣) واحدةً منَ الثلاثِ.\nوالحديثُ كالأول [منْ أدلة] (^٤) الجمع، وهذا الحديثُ والأولُ مقتطَعانِ منَ الحديثين الطويلين فِي صفةِ الوضوءِ، وقدْ تقدمَ مثلُ هذَا، [إلَّا أن] (^٥) المصنفَ إنَّما يقتصرُ على موضعِ الحُجَّةِ الذي يريدُه، كالجمعِ هُنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-166>إعادة الوضوء من مثل الظفر لم يصبه الماء</span>\n٢٢/ ٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: رَأى النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا وَفِي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ فَقَالَ: (ارْجعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَالنَّسَائيُّ (^٧). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: رَأَى النبيُّ - ﷺ - رَجلًا وفي قَدَمِهِ مِثْلُ الظُّفْرِ)، بضمِّ الظاء المعجمةِ والفاء، وفيهِ لغاتٌ أخرُ أجودُها ما ذكرَ، وجمعُهُ أظفارٌ، وجمعُ الجمعِ أظافير (لَمْ يُصِبْهُ المَاءُ) أي ماءُ [وضوئه] (^٨)، (فَقَالَ) لَهُ: (ارْجِعْ فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ.\n_________\n(^١) في النسخة (ب): (واحد).\n(^٢) في النسخة (ب): (واحدة).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) في النسخة (أ): (مراد له).\n(^٥) في النسخة (أ): (لأن).\n(^٦) في (السنن) (١/ ١٢٠) رقم (١٧٣).\n(^٧) لم أجده في (سنن النسائي الصغرى)، ولعلَّه في (الكبرى).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٢١٨) رقم (٦٦٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٥٣)، والبيهقي (١/ ٨٣)، وأحمد وابنه عبد الله في (زوائد المسند) (٣/ ١٤٦). والدارقطني (١/ ١٠٨) رقم ٥)، والسهمي في (تاريخ جرجان) ص (٤٠٢)، وأبو نعيم في (الحلية) (٨/ ٣٣٠)، وابن خزيمة (١/ ٨٤) رقم (١٦٤)، وسنده حسن.\nوانظر: (نصب الراية) (١/ ٣٦)، و(إرواء الغليل) (١/ ١٢٧).\n(^٨) في النسخة (أ): (الوضوء).","vol":"1","page":226},{"text":"أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ والنَّسائيَّ). وقدْ أخرجَ مثلَهُ مسلمٌ (^١) منْ حديثِ جابرٍ عنْ عمرَ إلَّا أنهُ قيلَ: إنهُ موقوفٌ على عمرَ.\nوقد أخرجَ أبو داودَ (^٢) من طريقِ خالدِ بن مِعدانَ، عنْ بعضِ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -: (أن النبيَّ - ﷺ - رأى رجلًا يصلِّي - وفي ظهرِ قدمِهِ لُمْعَةٌ قدر الدِّرهمِ لمْ يصبْها الماءُ - فأمرهُ النبيُّ - ﷺ - أنْ يعيدَ الوضوءَ والصلاةَ). قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ لما سُئِلَ عنْ إسنادِهِ: جيدٌ. نعمْ وهو دليلٌ على وجوبِ استيعابِ أعضاءِ الوضوءِ بالماءِ، نصًا في الرِّجْلِ، وقياسًا في غيرهَا. وقد ثبتَ حديثُ: (ويلٌ للأعقابِ منَ النارِ) (^٣)، قالهُ - ﷺ - في جماعةٍ لم يمسَّ أعقابهَم الماءُ. وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ.\nورُوِيَ عنْ أبي حنيفةَ إنهُ قالَ: يُعْفَى عنْ نصفِ العضوِ، أو ربعِهِ، أو أقلَّ منَ الدِّرهمِ، رواياتٌ حكيتْ عنهُ، [هكذا في كتب المقالات، وأنكرها عنه\n_________\n(^١) في (صحيحه) (١/ ٢١٥) رقم (٣١/ ٢٤٣)، وأحمد في (المسند) (١/ ٢١، ٢٣)، وابن ماجه (١/ ٢١٨) رقم (٦٦٦).\n(^٢) في (السنن) (١/ ١٢١) رقم (١٧٥).\nقال البيهقي: هو مرسل وكذا قال ابن القطان، وفيه بحث، وقد قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا إسناد جيد؟ قال: نعم، قال: فقلت: إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، لم يسمِّه، فالحديث صحيح؟ قال: نعم. وأعله المنذري بأن فيه (بقية)، وقال عن بحير: وهو مدلس، لكن في (المسند) و(المستدرك) تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبي - ﷺ - … (التلخيص الحبير) (١/ ٩٦).\nوصحَّحه الألباني في (الإرواء) (١/ ١٢٧).\n(^٣) ورد في حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ -، وأبي هريرة - ﵁ -، وعائشة - ﵂ -.\n• أما حديث عبد الله بن عمرو، فأخرجه البخاري (١/ ٢٦٥) رقم (١٦٣)، ومسلم (١/ ٢١٤) رقم (٢٦، ٢٧/ ٢٤١)، وأبو داود (١/ ٧٣) رقم (٩٧)، والنسائي (١/ ٧٧) رقم (١١١)، وابن ماجه (١/ ١٥٤) رقم (٤٥٠)، والدارمي (١/ ١٧٩)، وأحمد في (المسند) (٢/ ١٩٣) و(٢٠٥ و٢١١ و٢٢٦).\n• وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه البخاري (١/ ٢٦٧) رقم (١٦٥)، ومسلم (١/ ٢١٤ - ٢١٥) رقم (٢٨) و(٢٩) و(٣٠/ ٢٤٢)، والترمذي (١/ ٥٨) رقم (٤١)، والنسائي (١/ ٧٧) رقم (١١٠)، وابن ماجه (١/ ١٥٤) رقم (٤٥٣)، والدارمي (١/ ١٧٩)، وأحمد (٢/ ٢٢٨) و(٢٨٤ و(٣٨٩) و(٤٠٦) و(٤٨٢).\n• وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم (١/ ٢١٣) رقم (٢٠٥/ ٢٤٠)، وابن ماجه (١/ ١٥٤) رقم (٤٥١)، ومالك (١/ ١٩) رقم (٥).","vol":"1","page":227},{"text":"أصحابه الموجودون في هذه الأعصار، وقالوا: إنه ليس بقول أبي حنيفة، ولا أحد من أتباعه] (^١).\nوقد استدلَّ بالحديثِ - أيضًا - على وجوبِ الموالاةِ، حيثُ أمرَهُ أن يعيدَ الوضوءَ، ولم يقتصرْ على أمرهِ [بِغَسْلِ] (^٢) ما تركهُ.\nقيلَ: ولا دليلَ فيهِ؛ لأنهُ أرادَ التشديدَ عليه في الإنكارِ، والإشارةَ إلى أن مَنْ تركَ شيئًا فكأنَّهُ تركَ الكلَّ، ولا يخفَى ضعفُ هذا القولِ، فالأحسنُ أنْ يُقَالَ: إنَّ قولَ الراوي: أَمَرَهُ أنْ يعيدَ الوضوءَ، أي: غَسْلَ ما تركَهُ. وسمَّاهُ إعادةً باعتبارِ ظنِّ المتوضئَ، فإنهُ صلَّى ظانًا بأنهُ قدْ توضَّأَ وضوءًا مجزئًا، وسمَّاهُ وضُوءًا في قولِهِ: يعيدُ الوضوءَ؛ لأنهُ وضوءٌ لغةً.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أن الجاهلَ والناسيَ حُكْمُهُمَا في التركِ حكمُ العامِدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-167>الاقتصاد في ماء الوضوء</span>\n٢٣/ ٥١ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: (كانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْهُ) أي [عن] (^٤) أنس بن مالكٍ ([قال] (^٥): كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يتوضأُ بالمدِّ)، تقدَّمَ تحقيق قدرهِ، (ويغتسلُ بالصاعِ)؛ وهوَ أربعةُ أمدادٍ، ولِذَا قال: (إلى خمسةِ أمدادٍ) كأنهُ قال: بأربعةِ أمدادٍ إلى خمسة [أمداد] (^٦) (متفقٌ عليهِ). وتقدَّمَ أنهُ - ﷺ - توضأَ بثلثي مدٍّ. وقَدَّمْنَا أنهُ أقلُّ ما قُدِّرَ بهِ ماءُ وضوئِه (^٧) - ﷺ -، ولو أَخَّرَ المصنفَ ذلكَ الحديثَ إلى هُنَا، أوْ قدَّمَ هذَا لكانَ أَوْفَقَ لحسنِ الترتيبِ.\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) في النسخة (أ): (أن يغسل).\n(^٣) البخاري (١/ ٣٠٤) رقم (٢٠١)، ومسلم (١/ ٢٥٨) رقم (٥١/ ٣٢٥)، قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٧٢) رقم (٩٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٣).\n• المد= (٥٤٤) غرامًا.\n• الصاع= (٤ × ٥٤٤) = (٢١٧٦) غرامًا.\nانظر كتابنا: (الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والموازين الشرعية).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) تقدم من حديث عبد الله بن زيد رقم (١٠/ ٣٨)، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":228},{"text":"وظاهرُ هذا الحديثِ أن هذا غَايةُ ما كانَ ينتهي إليهِ وضوؤهُ - ﷺ - وغسلُهُ، ولا ينافيهِ حديثُ عائشةَ الذي أخرجهُ البخاريُّ (^١): (أنهُ - ﷺ - توضأَ مِنْ إِناءٍ واحدٍ يقالُ لهُ: الفَرَقُ) بفتحِ الفاءِ والراءِ، وهوَ إناءٌ يسعُ تسعةَ عشرَ رِطْلًا؛ لأنهُ ليسَ في حديثِهَا أنهُ كانَ ملآنًا ماءً، بلْ قولُها: (منْ إناءٍ)، يدلُّ على تبعيضِ ما توضأَ منهُ.\nوحديثُ أنسٍ هَذا، [والحديث] (^٢) الذي سلفَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ، يرشدانِ إلى تقليلِ ماءِ الوضوءِ، والاكتفاءِ باليسيرِ منهُ. وقدْ قالَ البخاريُّ (^٣): وَكَرِهَ أَهْلُ العِلمِ فيهِ - أي [في] (^٤) ماءِ الوضوءِ - أنْ يتجاوزَ فعلَ النبيّ - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>ما يُقال بعد الوضوء</span>\n٢٤/ ٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ). [صحيح]\nأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥)، وَالتِّرْمِذِي (^٦) وَزَادَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ).\n_________\n(^١) أخرج البخاري في (صحيحه) (١/ ٣٦٣) رقم (٢٥٠) عن عائشة - ﵂ - قالت: (كنتُ أغتسِلُ أنا والنبي - ﷺ - من إناءٍ واحد، مِنْ قَدَح يقالُ له: الفَرَق).\n• الفَرَقُ= (٨٢٥٣) غرامًا.\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) في (صحيحه) (١/ ٢٣٢) الباب الأول من كتاب الوضوء.\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في (صحيحه) (١/ ٢٠٩) رقم (١٧/ ٢٣٤).\n(^٦) في (سننه) (١/ ٧٧) رقم (٥٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٤٥ - ١٤٦، ١٥٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٢٥)، وأبو داود (١/ ١١٨) رقم (١٦٩)، والنسائي (١/ ٩٢) رقم (١٤٨)، وابن ماجه (١/ ١٥٩) رقم (٤٧٠)، والبيهقي (١/ ٧٨) و(٢/ ٢٨٠) من طرق عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب .. ولم يذكر الترمذي في سنده عقبة بن عامر، وأعلَّه الترمذي بالاضطراب وليس كذلك، فإنه أضطراب مرجوح.\nفالحديث صحيح، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-169>ترجمة عمر بن الخطاب</span>\n(وَعَنْ عُمَرَ) (^١) بضمِّ العينِ المهملةِ، منقولٌ من جمع عُمْرةَ.\nهوَ أبو حفصٍ عُمرُ بنُ الخطابِ القرشيُّ، يجتمعُ معَ النبيِّ - ﷺ - في كعبِ بن لؤيٍّ. أسلمَ سنةَ ستٍّ من النبوةِ، وقيلَ: سنةَ خمسٍ، بعدَ أربعينَ رجلًا. وشهدَ المشاهدَ كلَّها معَ النبيِّ - ﷺ -، ولهُ مشاهدُ في الإسلامِ وفتوحاتٌ في العراق والشامِ. وتوفيَ [في] (^٢) غُرَّةِ المحرمِ سنةَ أربع وعشرينَ، طعنهُ أبو لؤلؤةَ غلامُ المغيرةِ بن شعبةَ، وخلافتُهُ عشرُ سنينَ ونصفٌ.\n(قَالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ) تقدَّمَ أنهُ إتمامُهُ (ثمَّ يقولُ) بعدَ [إتمامِهِ] (^٣): (أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ - وحدَهُ لا شريكَ لهُ - وأشهدُ أن محمدًا عَبدُهُ ورسولُهُ، إلَّا فتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ).\n[هو] (^٤) منْ باب ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ عبَّرَ عن الآتي بالماضي؛ لِتَحَقُّقِ وقوعِهِ.\nوالمرادُ: تفتحُ لهُ يومَ القيامةِ يدخلُ مِنْ أيِّها شاءَ.\n(أخرجهُ مسلمٌ)، وأبو داود (^٥)، [وابن ماجه] (^٦)، [وابن حبان] (^٧)، (والترمذيُّ، وزادَ: اللهمَّ اجعلنْي منَ التوابينَ واجعلنْي منَ المتطهِّرينَ) جمعَ بينَهما؛ إلمامًا بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ (^٨).\nولما كانتِ التوبةُ طهارةَ الباطنِ منْ أدرانِ الذنوبِ، والوضوءُ طهارةَ الظاهرِ عن الأحداثِ المانعةِ عن التقرُّبِ إليهِ تَعَالى، ناسبَ الجمعُ بينَهما [في] (^٩) طلبِ ذلكَ منَ اللَّهِ تعالى غايةَ المناسبةِ في طلبِ أنْ يكونَ السائلُ محبوبًا للَّهِ، وفي زمرةِ المحبوبينَ لهُ.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: (الإصابة) (٧/ ٧٤) رقم (٥٧٣١)، و(الاستيعاب) (٨/ ٢٤٢) رقم (١٨٧٨)، و(جامع الأصول) (٨/ ٦٠٦ - ٦٢٥) رقم (٦٤٢٧ - ٦٤٥٤)، و(أسد الغابة) (٤/ ٥٢ - ٧٨)، و(الرياض المستطابة) ص (١٤٧ - ١٥٥).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في النسخة (أ): (تمامه).\n(^٤) في النسخة (أ): (هذا).\n(^٥) في (السنن) (١/ ١١٨) رقم (١٦٩) كما تقدم.\n(^٦) في (السنن) (١/ ١٥٩) رقم (٤٧٠) كما تقدم، وما بين الحاصرتين زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) في (الإحسان) (٣/ ٣٢٥) رقم (١٠٥٠)، وما بين الحاصرتين زيادة من النسخة (أ).\n(^٨) سورة البقرة: الآية (٢٢٢).\n(^٩) في النسخة (ب): (أي).","vol":"1","page":230},{"text":"وهذهِ الروايةُ - وإنْ قالَ الترمذيُّ - بعدَ إخراجه الحديثَ -: في إسنادهِ اضطرابٌ - فصدرُ الحديثِ ثابتٌ في مسلمٍ، وهذهِ الزيادةُ قدْ رَوَاهَا البزارُ (^١)، والطبرانيُّ في \"الأوسط\" (^٢)، منْ طريقِ ثوبانَ بلفظِ: \"منْ دَعَا بوضوءٍ فتوضأَ، فساعةَ فَرَغَ منْ وضوئهِ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلَه إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ اجعلْنِي منَ التوَّابينَ، واجعلني منَ المتطهِّرينَ\"، ورواهُ ابنُ ماجَه (^٣) منْ حديثِ أنسٍ، وابنُ السنيِّ في \"عمل اليوم والليلةِ\" (^٤)، والحاكمُ في \"المستدرك\" (^٥) منْ حديثِ أبي سعيدٍ بلفظِ: \"منْ توضأَ فقالَ: سبحانَكَ اللَّهم وبحمدِكَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ، كُتِبَ في رقٍّ ثمَّ طُبعَ بطابَعٍ، فلا يُكسَرُ إلى يومِ القيامة\"، وصحَّحَ النسائيُّ أنهُ موقوفٌ (^٦). وهذا الذكرُ عقيبَ الوضوءِ.\nقال النوويُّ: قالَ أصحابُنَا: ويُسْتَحَبُّ - أيضًا - عقيبَ الغسلِ.\nوإلى هُنا انتهى بابُ الوضوءِ. ولمْ يذكرِ المصنفُ مِنَ الأذكارِ فيه إلَّا حديثَ التسميةِ في أوَّلهِ، وهذا الذكرُ في آخرِهِ. وأمَّا حديثُ الذكرِ معَ غَسْلِ كلِّ عضوٍ، فلمْ يذكرْهُ للاتفاقِ على ضعفهِ.\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠١) وسكت عليه.\n(^٢) أورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٣٩) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" - (رقم ٤٨٩٥) - و\"الكبير\" (٢/ ١٠٠ رقم ١٤٤١) باختصار. وقال في \"الأوسط\": تفرَّد به مسور بن مورع ولم أجد من ترجمه، وفيه أحمد بن سهيل الورَّاق ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وفي إسناد الكبير أبو سعيد البقال، والأكثر على تضعيفه، ووثقه بعضهم\".\nقلت: وأخرجه ابن السنِّي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ٣٢) من حديث ثوبان، وفيه أبو سعيد الأعور، وهو ضعيف.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٥٩ رقم ٤٦٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) (رقم ٣٠).\nقلت: وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٨١) مرفوعًا، و(رقم ٨٢) موقوفًا.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٤٤) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (١٤٥٥) ورجاله رجال الصحيح.\nوصحَّحه الألباني في \"الإرواء\"، وصحَّحه مرفوعًا وموقوفًا الدكتور فاروق حمادة محقِّق \"عمل اليوم والليلة\" للنسائي (ص ١٧٣).\n(^٥) (١/ ٥٦٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.\n(^٦) في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ١٧٣).","vol":"1","page":231},{"text":"قالَ النوويُّ: الأدعيةُ في أثناءِ الوضوءِ لا أصلَ لها، ولمْ يذكرْهَا المتقدِّمونَ. وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: لم يصحَّ فيهِ حديثٌ (^١).\nهذَا ولا يَخْفَى حسنُ خَتْمِ المصنِّفِ بابَ الوضوءِ بهذا الدعاء الذي يقالُ عندَ تمامِ الوضوءِ فعلًا، فقَالَهُ عندَ تمامِ أدلتِهِ تأليفًا.\nوعقَّبَ الوضوءَ بالمسحِ على الخفينِ؛ لأنهُ منْ أحكامِ الوضوءِ فقالَ:\n* * *\n_________\n(^١) وتعقَّبه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٠) بقوله: \"روي فيه عن علي، من طرق ضعيفة جدًّا، أوردها المستغفري في \"الدعوات\"، وابن عساكر في \"أماليه\" وهو من رواية أحمد بن مصعب المروزي، عن حبيب بن أبي حبيب الشيباني عن أبي إسحاق السبيعي عن علي، وفي إسناده من لا يعرف.\nورواه صاحب مسند الفردوس من طريق أبي زرعة الرازي عن أحمد بن عبد الله بن داود، حدثنا محمود بن العباس، حدثنا المغيث بن بُديل عن خارجة بن مصعب عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن علي نحوه، ورواه ابن حبان في الضعفاء، من حديث أنس نحو هذا، وفيه عباس بن صهيب، وهو متروك. ورواه المستغفري من حديث البراء بن عازب، وليس بطوله، وإسناده واه اهـ.\nقلت: إن هذا التعقُّب لا طائل تحته، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>[الباب الخامس] باب المسح على الخُفين</span>\nأيْ بابُ ذكرِ أدلة شرْعيةِ ذلكَ. والخُفُّ: نعلٌ منْ أدمٍ يغطي الكعبين، [والجُرْمُوقُ (^١) خفٌّ كبيرٌ يُلْبَسُ فوقَ خُفِّ كبير، والجوربُ فوقَ الجُرْمُوقِ يغطي الكعبينِ بعض التغطيةِ دونَ النعلِ، وهي تكونُ دونَ الكعابِ] (^٢).\n١/ ٥٣ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَتَوضَّأ، فَأَهْوَيْت لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: \"دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ\". فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).\n- وَللأَرْبَعَةِ عَنْهُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٤): أن النَّبيَّ - ﷺ - مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ.\nوفي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n_________\n(^١) بضم الجيم والميم مُعرَّب وهو خُفٌّ فوق خفٍّ. \"تحرير ألفاظ التنبيه\" أو \"لغة الفقه\" للنووي (ص ٣٥).\n(^٢) زيادة من المطبوع.\n(^٣) البخاري (١/ ٣٠٩ رقم ٢٠٦)، ومسلم (١/ ٢٣٠ رقم ٧٩/ ٢٧٤).\n(^٤) وهم: أبو داود (١/ ١١٦ رقم ١٦٥)، والترمذي (١/ ١٦٢ رقم ٩٧)، وابن ماجه (١/ ١٨٣ رقم ٥٥٠).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٨٤)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٥١)، والدارقطني (١/ ١٩٥ رقم ٦)، والبيهقي (١/ ٢٩٠).\nمن طريق الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيْوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة.\nقال أبو داود (١/ ١١٧): \"وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء\". =","vol":"1","page":233},{"text":"(عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -) أيْ: في سفرٍ، كما صرَّحَ بهِ البخاريُّ. وعندَ مالكٍ (^١)، وأبي داودَ تعيينُ السفرِ أنهُ في غزوةِ تبوكٍ، وتعيينَ الصلاةِ أنَّها صلاةُ الفجرِ، (فتوضأَ) أي: أخذَ في الوضوءِ، كما صرَّحتْ بهِ الأحاديثُ، ففي لفظٍ: \"تمضمضَ واستنشقَ ثلاثَ مراتٍ\"، وفي أخرى: \"فمسحَ برأسهِ\"، فالمرادُ بقولهِ: \"توضأْ\" أخذَ فيهِ، لا أنهُ استكملهُ، كما هوَ ظاهرٌ للفظِ، (فَأَهْوَيْتُ) أيْ: مددتُ يدي، أوْ قصدتُ الهويَّ منَ القيامِ إلى القعودِ (لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ)، كأنهُ لم يكنْ قدْ علمَ برخصةِ المسحِ، أو علمَها وظنَّ أنهُ - ﷺ - سيفعلُ الأفضلَ، بناءً على أن الغَسْلَ أفضلُ، ويأتي فيهِ الخلافُ، أوْ جوَّزَ أنهُ لم يحصلْ شَرطُ المسحِ، وهذا الأخيرُ أقربُ لقولِهِ: (فَقَالَ: دَعْهُمَا) أي: الخفينِ (فإني أدخلْتُهما طاهرتينِ) حالٌ من القدمينِ، كما تبينُه روايةُ أبي داودَ: \"فإني أدخلتُ القدمينِ الخفينِ، وهُما طاهرتانِ\".\n(فمسحَ عليهمَا. متفقٌ عليه) بينَ الشيخينِ. ولفظهُ هُنَا للبخاريِّ. وذكرَ البزارُ أنهُ رُويَ عن المغيرةِ مِنْ ستينَ طريقًا، وذكرَ منها ابنُ مَنْدَهْ خمسةً وأربعينَ طريقًا\" (^٢).\nوالحديثُ دليلٌ على جوازِ المسحِ على الخفينِ في السفرِ؛ لأنَّ هذا الحديثَ ظاهرٌ فيه [كما عرفت] (^٣)، وأمَّا في الحَضَرِ، فسيأتي الكلامُ عليهِ في الحديثِ الثالث (^٤).\n_________\n= وقال الترمذي (١/ ١٦٣): \"وهذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم\".\nقال أبو عيسى: وسألت أبا زرعة ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور عن رجاء بن حيوة، قال: حُدِّثت عن كاتب المغيرة: مرسل عن النبي - ﷺ - ولم يُذكر فيه المغيرة\".\nقلت: وهو حديث ضعيف.\nانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٥٩ - ١٦٠)، و\"نصب الراية\" (١/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^١) في \"الموطأ\" (١/ ٣٥ رقم ٤١).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٥٨).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) حديث علي - ﵁ - رقم (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":234},{"text":"وقدِ اختلفَ العلماءُ في جوازِ ذلكَ، فالأكثرُ على جوازِهِ سفرًا لهذا الحديثِ، وحضرًا لغيرهِ منَ الأحاديثِ. \"قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: فيهِ أربعونَ حديثًا عن الصحابةِ مرفوعةٌ [وموقوفة].\nوقال ابنُ أبي حاتمٍ: فيهِ عنْ أحدٍ وأربعينَ صحابيًا.\nوقال ابنُ عبد البرِّ في \"الاستذكارِ\": رَوى عن النبيِّ - ﷺ - المسحَ على الخفينِ نحوٌ منْ أربعينَ مِنَ الصحابةِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ عن الحسنِ البصريِّ قالَ: حدثني سبعونَ منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أنهُ كانَ يمسحُ على الخفينِ. وذكرَ أبو القاسِمِ ابنُ مَنْدَهْ أسماءَ مَنْ رواهُ في تذكرتِهِ، فبلغُوا ثمانينَ صحابيًا\" (^١). والقولُ بالمسحِ قولُ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ - ﵇ -، وسعدِ بن أبي وقاصٍ، وبلالٍ، وحذيفَة، وبُريدَة، وخزيمةَ بن ثابتٍ، وسلمانَ، وجريرٍ البجليِّ، وغيرِهمْ.\nقالَ ابنُ المباركِ: ليسَ في المسحِ على الخفَّينِ بينَ الصحابةِ اختلافٌ، لأنَّ كلَّ مَنْ رُوِيَ عنهُ إنكارُهُ فقدْ رُوِيَ عنهُ إثباتُهُ.\nوقال ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُ أنهُ رُوِيَ عَنْ أحدٍ منَ السلفِ إنكارُهُ إلَّا عنْ مالكٍ، معَ أن الروايةَ الصحيحةَ عنهُ مصرِّحةٌ بثباتِهِ.\nقالَ المصنفُ: قدْ صرَّحَ جمعٌ منَ الحفاظِ بأنَّ المسحَ متواترٌ.\nوقالَ بهِ أبو حنيفَةَ والشافعيُّ وغيرُهُما، مستدلينَ بما سمعت (^٢). وروي عن\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٥٨).\n(^٢) قلت: لقد بلغ أسماء من روى المسح على الخفين من الصحابة ثمانون، منهم: أُبَيُّ بنُ عِمارَةَ، أُسَامَة بنُ زَيْد، أُسامَةُ بن شريك، أنس بن مالك، أوس بن أبي أوس الثقفي، بُديل: حليف لبني لخم، البراء بن عازب، بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْب، بلال، ثوبان، جابرُ بن سمُرة، جابرُ بنُ عبدِ الله، جَرِيرُ بنُ عبدِ الله البجلي، حُذَيْفَةُ، خَالد بن عرفظة، خزيمةُ بن ثابت، ربيعة بن كعب الأسلمي، زيد بن خريم، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، سَهْلُ بنُ سَعْدٍ الساعديُّ، شبيب بن غالب، الشريد بن سويد، صفوانُ بنُ عَسَّال، عبادة بن الصامت، عبد الله بن رواحة، عبد الله بن عباس، عبد الله بن عمر، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن مغفل، عبد الرحمن بن بلال، عبد الرحمن بن حسنة، عصمة بن مالك، علي بن أبي طالب، عمار بن ياسر، عمر بن الخطاب، عَمْرُو بنُ أُميَّة الضمري، عَمْرُو بنُ حزم، عَمْرُو بن بلال، عوف بن مالك الأشجعي، عائشة، قيس بن سعد، =","vol":"1","page":235},{"text":"الهادويةِ والإماميةِ والخوارجِ القولُ بعدمِ جوازِهِ، واستدلُّوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١)، قالوا: فعيَّنتِ الآيةُ مباشرةَ الرجلينِ بالماءِ، واستدلُّوا - أيضًا - بما سلفَ في بابِ الوضوءِ منْ أحاديثِ التعليمِ، وكلُّها عيَّنتْ غَسْلَ الرجلينِ.\nقالوا: والأحاديثُ التي ذكرتُم في المسحِ منسوخةٌ بآيةِ المائدةِ، والدليلُ على النسخِ قولُ عليٍّ - ﵇ -: سبقَ الكتابُ الخُفينِ (^٢)، وقولُ ابن عباسٍ: ما مسحَ رسولُ الله - ﷺ - بعد المائدةِ (^٣).\nوأُجِيْبَ (أوَّلًا): بأنَّ آيةَ الوضوءِ نزلتْ في غزوة المُرَيْسيعِ (^٤)، ومسحهُ - ﷺ - في\n_________\n= كَعْب بن عَجْرَة، مَالك بن ربيعة، مالك بن سعد، مسلم والد عوسجة، معقل بن يسار، المغيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، ميمونة أم المؤمنين، يسار بن سويد الجهني، يعلى بن مرة، أبو أمامة سهل بن حنيف، أبو أيوب الأنصاري، أبو بكر الصديق، أَبُو بَكْرَةَ نفيع بن الحارث، أبو بردة، أبو برزة، أبو ذر، أبو زيد، أبو سعيد الخدري، أبو طلحة، أبو موسى الأشعري، أبو هريرة، أم سعد الأنصارية …\nوقد قمت بتخريج أحاديثهم في كتابي \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الطهارة. فانظره إن شئت.\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) أورده البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٧٢) وقال عقبه: \"ولم يرو ذلك عنه بإسنادٍ موصول يثبت مثله\".\nقلت: وقد روى الإمام المهدي في \"البحر\" (١/ ٧٠) عن علي - ﵁ - القول بمسح الخفين.\n(^٣) لأنه لم يثبت له مسح النبي - ﷺ - على الخفين بعد نزول المائدة فلما ثبت رجع إليه.\nذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٧٢).\nوقال النووي في \"المجموع\" (١/ ٤٧٨): \"وأما ما روي عن علي وابن عباس وعائشة من كراهة المسح فليس بثابت بل ثبت في \"صحيح مسلم\" (١/ ٢٣٢ رقم ٢٧٦) - وغيره - كأحمد في \"المسند\" (١/ ٩٦) عن علي - ﵁ - أنه روى المسح على الخفين عن النبي - ﷺ - … \".\nقلت: أما عائشة، فقد ثبت عنها في \"صحيح مسلم\" (١/ ٢٣٢ رقم ٢٧٦) أنها أحالت بعلم ذلك إلى علي - ﵁ - وعلي أخبر عن النبي - ﷺ - بالرخصة فيه.\n(^٤) المُرَيسيع: ماء لبني المُصْطَلِق يقالُ له: المُرَيسيع، من ناحية قُدَيد إلى الساحل. لقيهم النبي - ﷺ - فيه واقتتلوا، فهزَم الله بني المصطلقِ. وكانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست. \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٣/ ٤٠١).","vol":"1","page":236},{"text":"غزوة تبوك (^١) كما عرفت - والمريسيع قبلها اتفاقًا، فكيف ينسخ المتقدِّم المتأخِّر؟\n(وثانيًا): بأنه لو سُلِّم تأخر آية المائدةِ، فلا منافاةَ بينَ المسح والآيةِ؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (^٢) مطلقٌ، وقيَّدتهُ أحاديثُ المسحِ على الخفِّ، أوْ عامٌّ وخصَّصتْهُ تلكَ الأحاديثُ. وأمَّا ما رُوي عنْ عليٍّ - ﵇ - فهوَ حديثٌ منقطعٌ، وكذا ما رُوِيَ عن ابن عباسٍ، معَ أنهُ يخالفُ ما ثبتَ عنهمَا منَ القولِ بالمسحِ.\nوقد عارضَ حديثَهما ما هوَ أصحُّ منهما، وهو حديثُ جريرٍ البجليِّ (^٣)؛ فإنهُ لما رُوِيَ أنهُ رأى رسولَ اللَّهِ يمسحُ على خُفَّيهِ، قيلَ لهُ: هلْ كانَ ذلكَ قبلَ المائدةِ أوْ بعدَها؟ قالَ: وهلْ أسلمتُ إلَّا بعدَ المائدةِ؟ وهوَ حديثٌ صحيحٌ.\nوأمَّا أحاديثُ التعليم فليسَ فيها ما ينافي جوازَ المسحِ على الخفينِ، فإنَّها كلَّها فيمنْ ليسَ عليهِ خُفَّانِ، فأيُّ دلالةٍ على نفي ذلكَ، على أنهُ قدْ يقالُ: قد ثبتَ في آيةِ المائدةِ القراءةُ بالجرِّ لأرجلِكمْ عطفًا على الممسوحِ وهوَ الرأسُ، فيحملُ على مسحِ الخفينِ كما بيَّنَتْهُ السنةُ، ويتمُّ ثبوتُ المسحِ بالسنَّةِ والكتابِ، وهوَ أحسنُ الوجوهِ التي تُوَجَّهُ بها قراءةُ الجرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-171>[ما يشترط للمسح على الخفَّين]</span>\nإذا عرفتَ هذا، فللمسحِ [عند القائلينَ به] (^٤) شرطانِ:\n_________\n(^١) تبوك: موضع بين وادي القُرَى والشام، وقيل بركة لأبناء سعد من بني عُذرة؛ وقال أبو زيد: تبوك بين الحِجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر نحو نصف طريق الشام، وهو حصن به عين ونخل وحائط ينسب إلى النبي - ﷺ - .... \" \"معجم البلدان\" (٢/ ١٤).\nوكانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع، \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٤/ ٢١٥).\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٤٩٤ رقم ٣٨٧)، ومسلم (١/ ٢٢٧ رقم ٢٧٢)، وأبو داود (١/ ١٠٧ رقم ١٥٤)، والترمذي (١/ ١٥٥ رقم ٩٣)، والنسائي (١/ ٨١)، وابن ماجه (١/ ١٨٠ رقم ٥٤٣)، وابن خزيمة (١/ ٩٤ رقم ١٨٦)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٨١، ٨٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ١٩١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٧٠)، والطيالسي (ص ٩٢ رقم ٦٦٨)، وأحمد (٤/ ٣٥٨)، والدارقطني (١/ ١٩٣ رقم - ٥)، وعبد الرزاق (١/ ١٩٤ رقم ٧٥٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٠٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٦) واستدركه الحاكم (١/ ١٦٩) لزيادة وقعت عنده.\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":237},{"text":"الأول: ما أشارَ إليهِ الحديثُ - وهوَ لبسُ الخفَّينِ - معَ كمالِ طهارةِ القدمينِ، وذلكَ بأنْ يلبسهما وهوَ على طهارةٍ تامةٍ: بأن يتوضأَ حتَّى يكملَ وضوءَه ثمَّ يلبسُهما، فإذا أحدثَ بعدَ ذلك حدثًا أصغرَ جاز المسحُ عليهما، بناءً على أنهُ أريدَ \"بطاهرتينِ\" الطهارةُ الكاملةُ، وقدْ قيلَ: بلْ يُحْتَمَلُ أنهمَا طاهرتانِ عن النجاسةِ، يُروَى عنْ داودَ. ويأتي منَ الأحاديثِ ما يقويِّ القولَ الأولَ.\nوالثاني: مستفادٌ منْ مُسَمَّى الخفِّ؛ فإنَّ المرادَ بهِ الكاملُ؛ لأنهُ المتبادرُ عندَ الإطلاقِ، وذلكَ بأنْ يكونَ ساترًا قويًا، مانعًا نفوذَ الماءِ، غيرَ مخرَّقٍ، فلا يُمْسَحُ على ما لا يسترُ العقِبينِ، ولا على مخرَّقٍ يبدو منهُ محلُّ الفرْضِ، ولا على منسوجٍ؛ إذْ لا يمنعُ نفوذَ الماءِ، ولا مغصوبٍ؛ لوجوبِ نزعهِ.\nهذَا وحديثُ المغيرةِ لم يبيِّنْ كيفيةَ المسحِ، ولا كميتَهُ ولا محلَّهُ، ولكنَّ الحديث الثاني الذي أفادهُ قولُ المصنفِ (وللأربعةِ عنهُ إلا النسائيَّ أن النبيَّ - ﷺ - مسحَ أعلى الخفِّ وأسفَلهُ، وفي إسنادِهِ ضعفٌ) بَيَّنَ أن محلَّ المسحِ أعلَى الخفِّ وأسفَلَهُ، ويأتي مَنْ ذهبَ إليهِ، ولكنهُ قدْ أشارَ إلى ضعفهِ، وقد بَيَّنَ وجهَ ضعفِهِ في \"التلخيص\" (^١)، وأنَّ أئمةَ الحديثِ ضعَّفوهُ بكاتبِ المغيرةِ هذا، وكذلكَ بَيَّنَ محلَّ المسحِ وعارضَ حديثَ المغيرةِ هذَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-172>كيفية المسح على الخفين</span>\n٢/ ٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: \"لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرأيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ). [حسن]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٢).\nقولُه: (وَعَنْ عَليٍّ - ﵇ - أنهُ قالَ: لو كَانَ الدِّينُ بالرأي) أيْ: بالقياسِ،\n_________\n(^١) (١/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١١٤ رقم ١٦٢)، وهو حديثٌ حسن.\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ١٩٩ رقم ٢٣)، والبيهقي (١/ ٢٩٢)، والدارمي (١/ ١٨١)، وابن أبي شيبة (١/ ١٨١) من رواية عبد خير عن علي - ﵁ -.","vol":"1","page":238},{"text":"وملاحظةِ المعاني (لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَي بالمَسْحِ مِنْ أَعْلاه) أي: ما تحتَ القدَمينِ [أولى] (^١) بالمسحِ منَ الذي هوَ [على] (^٢) أعلاهُما؛ لأنهُ الذي يباشرُ المشيَ، ويقعُ على ما ينبغي إزالتُهُ، بخلافِ أعلاهُ، وهوَ ما [غطى] ظهْرَ القدمِ. (وَقَدْ رأيتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يمسحُ عَلى ظاهِرِ خُفَّيْهِ. أخرجهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ)، وقالَ المصنفُ في \"التلخيص\" (^٣): إنهُ حديثٌ صحيحٌ.\nوالحديثُ فيهِ إبانةٌ لمحلِّ المسحِ على الخفينِ، وأنهُ ظاهرُهُما لا غيرُ، ولا يُمسحُ أسفلُهُما. وللعلماءِ في ذلك قولانِ:\nأحدُهُما: أن يغمسَ يديهِ في الماءِ، ثمَّ يضعُ باطنَ كفِّهِ اليسرَى تحتَ عقِب الخُفِّ، وكفَّهُ اليُمنى عَلَى أطرافِ أصابعِهِ، ثمَّ يُمِرُّ اليُمنى إلى ساقِهِ، واليُسرَى إلىَ أطرافِ أصابعهِ، وهذا للشافعيِّ.\nواستدلَّ لهذهِ الكيفيةِ بما وردَ في حديثِ المغيرةِ: \"أنهُ - ﷺ - مسحَ على خفَّيهِ، ووضعَ يدَهُ اليمنى على خُفِّهِ الأيمنِ، ويدَهُ اليسرى على خفهِ الأيسرِ، ثمَّ مسحَ أعلاهُما مسحةً واحدةً، كأنِّي أنظرُ أصابَعهُ على الخفينِ\"، رواه البيهقيُّ (^٤)، وهوَ منقطعٌ، على أنهُ لا يفي بتلكَ الصفةِ.\nوثانيهمَا: مسحُ أعلى الخُفِّ دونَ أسفلِهِ، وهي التي أفادَها حديثُ عليٍّ - ﵇ - هذا، وأمَّا القدرُ المجزئُ منْ ذلكَ فقيلَ: لا يُجزئُ إلَّا قدرَ ثلاثِ أصابعَ بثلاثِ أصابعَ، وقيل: ثلاث ولوْ بأصبعٍ، وقيلَ: لا يجزئُ إلَّا إذا مسحَ أكثرِهِ، وحديثُ عليٍّ، وحديثُ المغيرةِ المذكورانِ في الأصلِ ليسَ فيهما تعرضٌ لذلكَ.\nنعمْ قد رُوِي عنْ عليٍّ - ﵇ -: \"أنهُ رأى رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يمسحُ على ظهرِ الخُفِّ خطوطًا بالأصابعِ\". قالَ النوويُّ (^٥): إنهُ حديثٌ ضعيفٌ. ورُوي عنْ\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"أحق\".\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) (١/ ١٦٠).\nقلت: لكن البيهقي (١/ ٢٩٢) قال: \"وعبد خير لم يحتج به صاحبا الصحيح\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٢). وقال الذهبي في \"المهذب في اختصار السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٢): \"فيه انقطاع ما\".\n(^٥) في \"المجموع شرح المهذب\" (١/ ٥٢٢).","vol":"1","page":239},{"text":"جابرٍ (^١): \"أنهُ - ﷺ - أرَى بعضَ مَنْ علَّمَهُ المسحَ أنْ يمسحَ بيدِه منْ مُقدَّمِ الخفَّينِ إلى أصلِ الساقِ مرةً، وفرَّجَ بينَ أصابعهِ\". قالَ المصنفُ (^٢): إسنادُهُ ضعيف جدًّا، فعرفتَ أنهُ لمْ يَردْ في الكيفيةِ ولا الكميةِ حديثٌ يُعْتَمَدُ عليهِ إلا حديثٌ عليٍّ في بيانِ محلِّ المسحِ. والظاهرُ أنهُ إذا فعلَ المكلَّفُ ما يُسَمَّى مسحًا على الخفِّ لغةً أجزأهُ. وأمَّا مقدارُ زمانِ جوازِ المسحِ فقدْ أفادَهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-173>توقيت المسح على الخفين</span>\n٣/ ٥٥ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَأَمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، ولَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ\". [حسن]\nأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٥) وَصَحّحَاهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-174>ترجمة صفوان بن عسَّال</span>\n(وَعَنْ صَفْوَانَ) (^٦) بفتحِ الصَّادِ المهملةِ، وسكونِ الفاءِ (ابن عَسَّالٍ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ السينِ المهملةِ وباللامِ، المراديِّ، سكنَ الكوفةَ.\n(قالَ: كانَ النبيُّ - ﷺ - يأمُرنَا إذَا كنَّا سَفْرًا) جمعُ سافِرَ كتَجْرَ جمعُ تاجِر (ألَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أيامٍ وليالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ) أي: فَنَنْزَعُها، ولو قبلَ مرورِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (١/ ١٨٣ رقم ٥٥١).\nقال السندي في \"شرح سنن ابن ماجه\" (١/ ١٩٦): الحديث لم يذكره صاحب \"الزوائد\" وهو فيما أراه من الزوائد. وفي سنده بقية، وهو متكلم فيه. وهذا الحديث والذي قبله غير موجود في نسخة حلب. وانظر: \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٣٥ رقم ٢٢٨).\nوقال الألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" عن الحديث بأنه ضعيف جدًّا.\n(^٢) في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦٠).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٨٣ رقم ١٢٧).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٥٩ رقم ٩٦)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٩٩ رقم ١٩٦).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٧٦ رقم ٧٥٠)، و\"تاريخ الصحابة الذين روي عنهم الأخبار\" لأبي حاتم محمد بن حبان البستي (ص ١٣٥ رقم ٦٦٣)، و\"الثقات\" (٣/ ١٩١).","vol":"1","page":240},{"text":"الثلاثِ، (وَلَكِنْ) لا ننزعهنَّ (منْ غائطٍ وبولٍ ونومٍ)، أي: لأجلِ هذه الأحداثِ، إلَّا إذا مرَّتِ المدةُ المقدَّرةُ، (أخرجه النسائيُّ، والترمذيُّ، واللفظُ لهُ، وابنُ خزيمةَ، وصحَّحاهُ) أي: الترمذيُّ وابنُ خزيمة.\nورواهُ الشافعيُّ (^١)، وابنُ ماجه (^٢)، وابنُ حبانَ (^٣)، والدَّارقطني (^٤)، والبيهقيُّ (^٥). وقالَ الترمذيَّ (^٦) عن البخاريِّ: إنهُ حديثٌ حسنٌ. بلْ قالَ البخاريُّ: ليسَ في التوقيت شيءٌ أصحَّ منْ حديمثِ صفوانَ بن عسَّالٍ المرادِيِّ. وصححهُ الترمذيُّ والخطابيُّ.\nوالحديثُ دليلٌ على توقيتِ إباحةِ المسحِ على الخفينِ للمسافرِ ثلاثةَ أيامٍ ولياليهنَّ. وفيهِ دلالةٌ على اختصاصهِ بالوضوءِ دونَ الغسلِ وهو مجمعٌ عليهِ. وظاهرُ قولهِ: \"يأمرُنا\" الوجوبُ، ولكنَّ الإجماعَ (^٧) صرفَهُ عنْ ظاهرهِ فبقيَ للإباحة [أو الندب] (^٨).\nوقدْ اختلفَ العلماءُ: هلِ الأفضلُ المسحُ على الخفينِ أو خلعُهما وغسلُ القدمينِ؟ قال المصنفُ (^٩) عن ابن المنذرِ: والذي اختاره أن المسحَ أفضلُ، وقال النوويُّ (^١٠): صرَّحَ أصحابُنا بأنَّ الغُسْلَ أفضلُ بشرطِ أنْ لا يتركَ المسحَ رغبةً عن السنةِ، كما قالُوا في تفضيلِ القصرِ على الإتمامِ.\n_________\n(^١) في \"ترتيب المسند\" (١/ ٤١ رقم ١٢٢).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٦١ رقم ٤٧٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٨ رقم ١٣١٧).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٩٦ رقم ١٥).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٢٧٦) و(١/ ٢٨٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ١٦٠ رقم ١١٦٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٧ - ١٧٨)، وأحمد (٤/ ٢٣٩)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٩٦)، والدولابي في \"الكنى\" (١/ ١٧٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٨٢)، وأبو نُعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣٠٨ رقم ٣٩٠)، وهو حديثٌ حسنٌ.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٨٢ - ١٨٣)، و\"إرواء الغليل\" للألباني (١/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ١٠٤).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٦١).\n(^٧) ذكره المنذري في كتابه \"الإجماع\" (ص ٣٤ رقم ١٤).\n(^٨) في النسخة (ب): \"وللندب\".\n(^٩) في \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^١٠) في \"المجموع\" (١/ ٤٧٨ - المسألة الرابعة).","vol":"1","page":241},{"text":"٤/ ٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِب - ﵁ - قَالَ: جَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - ثلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً للْمُقيمِ - يَعْنِي في الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ -. [صحيح]\nأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١).\n(وَعَنْ عليٍّ - ﵇ - قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ - يعني في المسحِ على الخفين -)، هذَا مُدْرَجٌ مِنْ كَلامِ عليٍّ - ﵁ - أو منْ غيرِهِ منَ الرواةِ. (أخرجهُ مسلمٌ). وكذلكَ أخرجهُ أبو داودَ (^٢)، والترمذيُّ (^٣)، وابنُ حبانَ (^٤).\nوالحديثُ دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر كما سلف في الحديث قبله، ودليلٌ على مشروعيةِ المسحِ للمقيمِ - أيضًا -، وعلى تقديرِ زمانِ إباحتِهِ بيومٍ وليلةٍ [للمقيم] (٥). وإنَّما زادَ [النبي - ﷺ -] (^٥) في المدَّة للمسافرِ؛ لأنهُ أحقُّ بالرخصةِ منَ المقيمِ؛ لمشقةِ السفر.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>المسح على العصائب والتساخين</span>\n٥/ ٥٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيَّةً، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ - يَعْنِي الْعَمَائِمَ - وَالتّسَاخِينَ - يَعْنِي الخِفَافَ. [حسن]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٣٢ رقم ٨٥/ ٢٧٦).\n(^٢) أي الطيالسي في \"المسند\" (ص ١٥ رقم ٩٢).\n(^٣) أشار إليه الترمذي في \"السنن\" (١/ ١٥٩) بقوله: \"وفي الباب عن علي … \".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٣١١ - ٣١٢ رقم ١٣٢٨).\nقلت: وأخرجه الحميدي (١/ ٢٥ رقم ٤٦)، وعبد الرزاق (١/ ٢٠٢ رقم ٧٨٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٧٧)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ٩٦)، والدارمي (١/ ١٨١)، والنسائي (١/ ٨٤)، وابن ماجه (١/ ١٨٣ رقم ٥٥٢)، وابن خزيمة (١/ ٩٧ رقم ١٩٤)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٨١)، وأبو عوانة (١/ ٢٦١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٨٣)، والبيهقي (١/ ٢٧٥)، وأبو يعلى في \"المسند\" (١/ ٢٢٩ رقم ٤/ ٢٦٤)، وهو حديث حسن.\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":242},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>ترجمة ثوبان</span>\n(وَعَنْ ثَوْبَانَ) (^٤) بفتحِ المثلثةِ تثنيةُ ثوبٍ، وهوَ أبو عبدِ اللَّهِ أو أبو عبدِ الرحمنِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: والأولُ أصحُّ. ابنُ بُجْدُدٍ - بضم الموحدةِ وسكونِ الجيمِ وضمِّ الدالِ المهملةِ الأولَى - وقيلَ: ابنُ جُحْدَرٍ - بفتحِ الجيمِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ فدالٍ مهملةٍ فراءٍ - وهوَ منْ أهلِ السَّرَاةِ، موضعٌ بينَ مكةَ والمدينةِ. وقيلَ: منْ حِمْيَرٍ، أصابهُ سَبيٌ فشراهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، ولمْ يزلْ ملازمًا لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - سفرًا وحضرًا، إلى أنْ تُوُفِيَ - ﷺ -، فنزلَ الشامَ، ثمَّ انتقلَ إلى حِمصَ، فتوفيَ بها سنةَ أربعٍ وخمسينَ. (قَالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - سريةً\" فأمرهُم أن يمسحُوا على العصائبِ - يعني العمائم)، [فسمِّيتْ عصابةً] (^٥)، لأنهُ يعصبُ بها الرأسُ، (والتَّسَاخِينُ) بفتح المثناة، بعدَها سينٌ مهملةٌ، وبعدَ الألفِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢٨١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٠١ رقم ١٤٦).\n(^٣) في \"المستدرك (١/ ١٦٩). وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وتعقبه الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ١٦٥) فقال: \"وفيه نظر؛ فإنه من رواية ثور بن يزيد عن راشد بن سعد به، وثور لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد لم يحتج به الشيخان.\nوقال أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان، لأنه مات قديمًا. وفي هذا القول نظر، فإنهم قالوا: إن راشدًا شهد مع معاوية صفين، وثوبان مات سنة (٥٤ هـ). ومات راشد سنة (١٠٨ هـ)، ووثقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي، ويعقوب بن شيبة، والنسائي. وخالفهم ابن حزم فضعفه، والحق معهم\" اهـ.\nقلت: وقد جزم البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٩٢) بان راشد بن سعد سمع من ثوبان وكفى بهذا حجة في إثبات سماعه من ثوبان.\nقلت: وأخرج الحديث الدولابي في \"الكنى\" (١/ ١١٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٨٦ رقم ١٤٠٩)، وهو حديث حسن.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٧/ ٤٠٠)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٨١ رقم ٢١٢٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠ رقم ١٩٠٧)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٢/ ٩١ - ١٠٣ رقم ١٧٢)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٨٠ - ١٨٣ رقم ٣١) و(١/ ٣٥٠)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ٩٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٨ رقم ٥٤)، و\"العِبر\" (١/ ٤٢)، و\"الإصابة\" (٢/ ٢٩ رقم ٩٦٣)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ١٠٦ رقم ٢٨٣).\n(^٥) في النسخة (أ): \"سميت عصائب\".","vol":"1","page":243},{"text":"خاءٌ معجمةٌ، فمثناةٌ تحتيةٌ، فنونٌ. جمعُ تَسْخَانٍ. قالَ في القاموس (^١): التَّسَاخِينُ المراجِلُ والخِفَافُ. وفسَّرَهَا الراوي بقولهِ: (يعني الخِفَافَ) جمعُ خُفٍّ. والظاهرُ أنهُ وما قبلَهُ فِي قولهِ: - يعني العمائمِ - مدرجٌ في الحديثِ منْ كلامِ الراوي.\n(رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصححهُ الحاكمُ).\nظاهرُ [الحديثِ] (^٢) أنهُ يجوزُ المسحُ على العمائمِ كالمسحِ على الخفَّينِ. وهلْ يشترطُ فيها الطهارةُ للرأسِ والتوقيتُ كالخفينِ؟ لم نجدْ فيهِ كلامًا للعلماء. ثمَّ رأيتُ بعدَ ذلكَ في حواشي القاضي عبدِ الرحمنِ على بلوغِ المرامِ، أنهُ يشترطُ في جوازِ المسحِ على العمائم أنْ يعتمَّ الماسحُ بعدَ كمالِ الطهارةِ كما يفعلُ الماسحُ على [الخُفِّ أيضًا] (^٣). وقالَ: وذهبَ إلى المسحِ على العمائمِ بعضُ العلماءِ، ولم يذكرْ لما ادَّعاهُ دليلًا. وظاهرهُ - أيضًا - أنهُ لا يشترطُ للمسحِ عليها عُذْرٌ، وأنهُ يجزئُ مسحُها وإنْ لم يمسَّ الرأسَ ماءٌ أصلًا.\nوقالَ ابنُ القيم (^٤): إنهُ - ﷺ - مسحَ علَى العِمامةِ فقطْ، ومسحَ على الناصيةِ وكمَّلَ [على العِمامةِ] (^٥)، وقيلَ: لا يكونُ ذلكَ إلَّا للعذرِ؛ لأنَّ في الحديثِ هذا عندَ أبي داودَ (^٦): \"أنهُ - ﷺ - بعث سرية فأصابَهُم البردُ، فلما قَدِمُوا على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أمرَهُم أنْ يمسحُوا على العصائب والتَّسَاخِينِ\"؛ فيُحملُ ذلكَ على العذرِ، وفي هذَا الحملِ بُعد، وإن جنحَ إلى الَقولِ بهِ في الشرح، لأنهُ قد ثبتَ المسحُ على الخفينِ والعِمامةِ منْ غيرِ عذرٍ في غير هذا [الحديث] (^٧).\n٦/ ٥٨ - وَعَنْ عُمَرَ (^٨) - ﵁ - مَوْقُوفًا. [أثر عمر إسناده قوي]\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ١٥٥٥)، و\"النهاية\" (١/ ١٨٩).\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) في النسخة (ب): \"الخفين\".\n(^٤) في \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٩).\n(^٥) في النسخة (أ): \"بالعمامة\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٠١ رقم ١٤٦) من حديث ثوبان، وهو حديث صحيح.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أثر عمر بن الخطاب - ﵁ - أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣ رقم ١).\nوقال الآبادي في \"التعليق المغني\": قال صاحب التنقيح: إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق، وثقه النسائيُّ وغيره. ولم يعلُّه ابن الجوزي في التحقيق بشيء، وإنما قال: هو محمول على مدة الثلاث.","vol":"1","page":244},{"text":"- وَعَنْ أَنَسٍ (^١) مَرْفُوعًا -: \"إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا، وَلا يَخْلَعْهُمَا - إِنْ شَاءَ - إِلَّا مِن الْجَنَابَةِ\".\nأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. [حديث أنس شاذ]\n\n<span data-type='title' id=toc-177>تعريف الموقوف</span>\n(وَعَنْ عُمَرَ مَوْقوفًا) الموقوفُ (^٢): هوَ ما كانَ منْ كلامِ الصحابيِّ ولمْ ينسبْهُ إلى النبيِّ - ﷺ -.\n(وعنْ أنسٍ مرفُوعًا) إليه - ﷺ - (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فلبسَ خفَّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا). تقييدُ اللبسِ والمسح ببعدِ الوضوءِ دليلٌ على أنهُ أريدَ بطاهرتين فِي حديثِ المغيرةِ، وما في معناهُ الطهارةُ المحقَّقةُ منَ الحدثِ الأصغرِ، (وَلْيُصَلِّ فيهمَا وَلا يَخْلَعْهُمَا إنْ شَاءَ)، قيَّدَهُما بالمشيئةِ دَفْعًا لما يفيدُه ظاهرُ الأمرِ منَ الوجوبِ، وظاهرُ النهيِ منَ التحريمِ، (إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ)، فقدْ عرفتَ أنهُ يجبُ خلعُهما. (أخرجه الدارقطنيُّ، والحاكمُ وصحَّحهُ).\nوالحديثُ قد أفادَ شرطيَّةَ الطهارةِ، وأطلقَهُ عن التوقيتِ، فهوَ مقيدٌ بهِ، كما يفيدُهُ حديثُ صفوانَ [بن عسَّالٍ - ﵁ -] (^٣)، وحديثُ عليٍّ - ﵇ -.\n٧/ ٥٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ: أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا). [حسن]\n_________\n(^١) حديث أنس أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٣ رقم ٢)، والبيهقي (١/ ٢٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٨١)، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وصرَّح بأنه تفرَّد به عبد الغفار، وهو ثقة، والحديث شاذ. وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٧٩).\n(^٢) الموقوف ومطلقهُ يختص بالصحابي، ولا يُستعمل فيمن دونه إلا مقيدًا، وقد يكون إسناده متَّصلًا وغيرَ متَّصل، وهو الذي يسمِّيه كثير من الفقهاء والمحدِّثين أيضًا: أثَرًا. وعزاه ابنُ الصَّلاح إلى الخراسانيين: أنهم يسمُّون الموقوف أثرًا.\nقال: وبلغنا عن أبي القاسم الفُوراني أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله - ﷺ -، والأثَرُ: ما كان عن الصحابي.\n\"الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث\"، للحافظ ابن كثير. تأليف: أحمد محمد شاكر (ص ٤٣).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"1","page":245},{"text":"أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>ترجمة أبي بكرة</span>\n(وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ) (^٣) بفتحِ الموحدةِ، وسكونِ الكافِ، وراءٍ - اسمُهُ نُفيعُ - بضمِّ النونِ، وفتحِ الفاءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، آخرُه عيْنٌ مهملةٌ - بنُ مَسْرُوحٍ [بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وضم الراء وآخره حاء مهملة، كما في \"جامع الأصول\"] (^٤). وقيلَ: ابنُ الحارث.\nوكانَ أبو بَكْرَةَ يقولُ: أنا مولى رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ويأبى أنْ ينتسب، وكان نزل من حصن الطائف عند حصاره - ﷺ - لهُ في جماعةٍ مِنْ غلمانِ أهلِ الطائفِ وأسلمَ وأعتقَهُ - ﷺ - وكانَ من فضلاءِ الصحابةِ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: كان [مثلَ النضرِ بن عبادةَ] (^٥)، ماتَ بالبصرةِ سنةَ إِحدَى أو اثنتينِ وخمسينَ، وكانَ أولادُهُ أشرافًا بالبصرةِ بالعلمِ والولاياتِ، ولهُ عَقبٌ كثيرٌ.\n(عن النبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أيامٍ ولَيَالِيَهُنَّ) أي: في المسحِ على الخُفينِ، (وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا تَطَهَّرَ) أي: كلٌّ منَ المقيمِ والمسافرِ إذا تَطهَّر مِنَ الحدثِ الأصغرِ، (فلبسَ خُفَّيْهِ)، ليسَ المرادُ منَ الفاءِ التعقيبَ بلْ مجرَّدَ العطفِ، لأنهُ معلومٌ أنهُ ليسَ شرطًا في المسحِ، (أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. أخرجه الدارقطنيُّ، وصحَّحة ابنُ خزيمةَ)، وصحَّحهُ الخطابيُّ أيضًا. ونقلَ البيهقيُّ أن الشافعيَّ صحَّحهُ (^٦). وأخرجهُ ابنُ حبانَ (^٧)، وابنُ الجارودِ (^٨)، وابنُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٩٤ رقم ١).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٩٦ رقم ١٩٢).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (١٠/ ١٨٣ رقم ٨٧٩٤)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ١٥٧ - ١٦٠ رقم ٢٨٧٧)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٥٨)، و\"العقد الثمين\" (٧/ ٣٤٧ - ٣٤٩ رقم ٢٦٠٣) و(٨/ ٢٩ - ٣٠ رقم ٢٨٣٥)، و\"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٧٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤١٨ - ٤١٩ رقم ٨٤٨)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ١٩٨ رقم ٣٠٣)، و\"الكامل في التاريخ\" (٣/ ٤٨٩ - ٤٤٣)، و\"الكنى\" (١/ ١٨)، و\"العِبر\" (١/ ٤١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٧/ ١٥ - ١٦).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ): وأما في النسخة (ب): \"مسروج\" وهو تصحيف.\n(^٥) في (ب): مثل النصل من العبادة.\n(^٦) في \"سنن حرملة\"، \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٥٧ رقم ٢١٥).\n(^٧) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٩ رقم ١٣٢١).\n(^٨) في \"المنتقى\" (رقم ٨٧).","vol":"1","page":246},{"text":"أبي شيبة (^١)، والبيهقيُّ (^٢)، والترمذيُّ في العللِ (^٣).\nوالحديثُ مثلُ حديثِ عليٍّ - ﵇ - في [إفادةِ] (^٤) مقدارِ المدةِ للمسافرِ والمقيمِ، ومثلُ حديثِ عمرَ وأنسٍ في شرطيةِ الطهارةِ، وفيهِ إبانةُ [أن] (^٥) المسحَ رُخصةٌ لتسميةِ الصحابيِّ لهُ بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-179>دليل عدم توقيت المسح ضعيف</span>\n٨/ ٦٠ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ على الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَ: وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَمَا شِئْتَ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦). [ضعيف]\nوَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-180>ترجمة أُبي بن عمارة</span>\n(وَعَن أُبَيٍّ) بضمِّ الهمزةِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، (ابْنِ عِمَارَةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وهوَ المشهورُ، وقدْ تضمُّ. قالَ المصنفُ في \"التقريب\" (^٧): \"مدنيٌّ سكنَ\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (١/ ١٧٩).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٨١).\n(^٣) المفردة، \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٧٥ رقم ٢١٥).\nقلت: وأخرج الحديث الشافعي في \"المسند\" (١/ ٤٢ رقم ١٢٣)، وابن ماجه (١/ ١٨٤ رقم ٥٥٦)، والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ١٠٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٨٢)، وهو حديث حسن.\nوقد حسَّنه النووي في \"المجموع\" (١/ ٤٨٤) وغيره.\n(^٤) في النسخة (أ): \"إفادته\".\n(^٥) في النسخة (أ): \"بان\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٠٩ رقم ١٥٨).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٧٨)، وابن ماجه (١/ ١٨٥ رقم ٥٥٧)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٧٩)، والدارقطني (١/ ١٩٨ رقم ١٩)، والحاكم (١/ ١٧٠)، والبيهقي (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\nوهو حديث ضعيف. وقال النووي في \"المجموع\" (١/ ٤٨٢) \"اتفقوا على أنه ضعيف مضطرب لا يُحتج به\"، وقال في \"شرح مسلم\" (٣/ ١٧٦): \"وهو حديث ضعيف باتفاق أهل الحديث\".\n(^٧) (١/ ٤٨ رقم ٣٢٠).","vol":"1","page":247},{"text":"مصرَ له صُحبةٌ، في إسنادِ حديثهِ اضطرابٌ\"، يريدُ هذَا الحديثَ ومثلَهُ.\nقَالَ ابنُ عبدِ البرِّ في \"الاستيعابِ\" (^١): (أنهُ قَالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أمسحُ على الخفينِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: يومًا؟ قَالَ: نعمْ، قالَ: ويومينِ؟ قالَ: نعمَ، قالَ: وثلاثةَ أيامٍ؟ قالَ: نعمْ وما شئتَ. أخرجهُ أبو داودَ وقالَ: ليسَ بالقويِّ).\nقالَ الحافظُ المنذريُّ في \"مختصرِ السننِ\" (^٢): وبمعناهُ - أي بمعنى ما قالهُ أبو داودَ - قالَ البخاريُّ: وقالَ الإمامُ أحمدُ: رجالُهُ لا يُعرَفُونَ. وقال الدارقطنيُّ (^٣): هذا إسنادٌ لا يثبتُ اهـ.\nوقالَ ابنُ حبَّانَ: لستُ أعتمدُ على إسنادِ خبرهِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لا يثبتُ، وليسَ لهُ إسنادٌ قائمٌ. وبالغَ ابنُ الجوزيِّ (^٤) فعدَّهُ في الموضوعاتِ (^٥).\nوهوَ دليلٌ على عدمِ توقيتِ المسحِ في حضرٍ ولا سفرٍ، وهوَ مرويٌّ عنْ مالكٍ وقديمِ قولَيِ الشافعيِّ، ولكنَّ الحديثَ لا يقاوِمُ مفاهيمَ الأحاديثِ التي سلفتْ ولا يُدَانيها، ولو ثبتَ لكانَ إطلاقُهُ مقيَّدًا بتلكَ الأحاديثِ، كما يقيدُ هذا بشرطيةِ الطهارةِ التي [أفادتْها] (^٦).\nهذَا وأحاديثُ بابِ المسحِ تسعةٌ، وعدَّها في الشرحِ ثمانيةً، وَلا وجهَ لهُ.\n* * *\n_________\n(^١) (١/ ١٣٥ رقم ٨).\nقلت: وانظر ترجمته في \"الإصابة\" (١/ ٢٥ رقم ٢٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٦٣ رقم ٣٤٩).\n(^٢) (١/ ١١٩ - ١٢٠).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٩٨).\n(^٤) في \"العلل المتناهية\" (١/ ٣٥٨) وقال: هذا حديث لا يصح، قال أحمد بن حنبل: ورجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسناد لا يثبت، وعبد الرحمن ومحمد وأيوب مجهولون.\n(^٥) وانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦٢ رقم ٢٢٠)، و\"نصب الراية\" (١/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٦) في النسخة (أ): \"أفادته\".","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>[الباب السادس] بابُ نواقضِ الوضوءِ</span>\nالنواقضُ جمعُ ناقضٍ، والنقضُ في الأصلِ حلُّ المُبرَمٍ، استُعمِلَ في إبطالِ الوضوءِ بما عيَّنهُ الشارعُ مُبطلًا مجازًا، ثمَّ صارَ حقيقةً عُرفيَّةً. وناقضُ الوضوءِ ناقضٌ للتيمم فإنهُ بدلٌ عنهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-182>ما النوم الناقض للوضوء؟</span>\n١/ ٦١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى عَهْدِهِ، يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّأُونَ. [صحيح]\nأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢)، وأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ (^٣).\n(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَي عَهْدِهِ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ حتى تَخْقِقَ) منْ بابِ ضربَ يضربُ، أي: تميلَ (رُؤُوسُهُمْ)، أي: مِنَ النومِ (ثمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ. أخرجه أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الدارقُطنيُّ، وأصلُهُ في مسلم).\nوأخرجهُ الترمذيُّ (^٤) وفيهِ: \"يوقظَونَ للصلاةِ\"، وفيهِ: \"حتى إنِي لأسمعُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٣٧ رقم ٢٠٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٣١ رقم ٣) وقال: صحيح.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٨٤ رقم ١٢٥/ ٣٧٦).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١١٣ رقم ٧٨) بلفظ حديث الباب. وأما اللفظ الآتي فعزاه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١١٦) للترمذي.\nقلت: وأخرجه البيهقي (١/ ١١٩)، وعبد الرزاق (١/ ١٣٠ رقم ٤٨٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٢)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٣٤ رقم ٨٤)، وأحمد (٣/ ٢٦٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٣٨ رقم ١٦٣). وهو حديث صحيح بطرقه.","vol":"1","page":249},{"text":"لأحدِهم غَطيطًا، ثمَّ يقومونَ فيصلُّونَ ولا يتوضأونَ\"، وحملهُ جماعةٌ منَ العلماءِ على نوم الجالسِ. ودفعَ هذا التأويلُ بأنَّ في رواية عنْ أنسٍ: (يضعونَ جنوبَهم) [رواها] (^١) يحيى القطانُ.\nقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: يُحملُ على النومِ الخفيفِ. ورُدَّ بأنهُ لا يناسبهُ ذكرُ الغطيطِ والإيقاظِ، فإنهمَا لا يكونانِ إلَّا في نوم مستغرقٍ. وإذا عرفتَ هذَا، فالأحاديثُ قدِ اشتملتْ على خفقةِ الرأسِ، وعلَى الغطيطِ، وعلى الإيقاظِ، وعلى وضعِ الجنوبِ، وكلُّها وصفَتْ بأنَّهمْ كانُوا لا يتوضئونَ منْ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>أقوال العلماء في نقض الوضوء بالنوم</span>\nفاختلفَ العلماءُ في ذلكَ على أقوالٍ ثمانيةٍ:\nالأولُ: أن النومَ ناقضٌ مطلقًا على كلِّ حالٍ، بدليلِ إطلاقِهِ في حديثِ صفوانَ بن عسالٍ (^٢) الذي سلفَ في مسحِ الخفينِ وفيهِ: \"منْ بولٍ أو غائطٍ أو نومٍ\".\nقالُوا: فجعلَ مطلقَ النومِ كالغائطِ والبولِ في النقضِ، وحديثُ أنسٍ (^٣) بأيِّ عبارةٍ رُوي ليسَ فيهِ بيانُ أنَّهُ قرَّرهم رسولُ اللَّهِ - ﷺ - على ذلكَ، ولا رآهم، فهُوَ فعلُ صحابيٍّ لا يُدرَى كيفَ وقعَ، والحجةُ إنما هي في أفعالهِ، وأقوالهِ، وتقريراتهِ - ﷺ -.\n[القولُ] (^٤) الثاني: أنهُ لا ينقضُ مطلقًا؛ لما سلفَ منْ حديثِ أنسٍ (^٥) وحكايةِ نومِ الصحابةِ على تلكَ الصفاتِ، ولوْ كانَ ناقضًا لما أقرَّهُم اللَّهُ عليه، ولأوحى إلى رسولِهِ - ﷺ - فِي ذلكَ، كما أوحيَ إليهِ في شأنِ نجاسةِ نعلِهِ، وبالأوْلَى صحةُ صلاةِ مَنْ خلفَهُ، ولكنهُ يردُّ عليهمْ حديثُ صفوانَ [بن عسالٍ (^٦).\nالقولُ] (^٧) الثالثُ: أن النومَ ناقضٌ كلَّه، إنما يُعْفَى عنْ خَفْقَتَينِ وَلَو توالتَا،\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"رواه\".\n(^٢) وهو حديث حسن، تقدم تخريجه رقم (٣/ ٥٥).\n(^٣) أي: حديث الباب (١/ ٦١)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) أي: حديث الباب (١/ ٦١)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) وهو حديث حسن، تقدم تخريجه رقم (٣/ ٥٥).\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":250},{"text":"وعنِ الخفَقَاتِ المتفرِّقاتِ، وهو مذهبُ الهادويةِ. والْخَفْقَةُ هي ميلانُ الرأسِ منَ النُّعاسِ، وحدُّ الْخَفْقَةِ أنْ لا يستقرَّ رأسهُ منَ الميلِ حتَّى يستيقظَ، ومَنْ لمْ يُمِلْ رأسَهُ عُفِيَ لَهُ عَنْ قدرِ خَفْقَةٍ، وهي ميلُ الرأسِ فقطْ، حتى يصلَ ذقنهُ صدرَهُ، قياسًا على نومِ الخفقةِ، ويحملونَ أحاديث أَنَسٍ (^١) على النُّعاسِ الذي لا يزولُ معهُ التمييزُ ولا يخفى بُعْدُهُ.\nالقول الرابعُ: أن النومَ ليس بناقضٍ بنفسهِ بلْ هوَ مظنَّةٌ [للنقضِ] (^٢) لا غيرُ، فإذا نامَ جالسًا ممكِّنًا مِقْعَدَتَهُ منَ الأرضِ لم ينتقضْ وإلَّا انتقضْ، وهوَ مذهبُ الشافعيِّ. واستدلَّ بحديثِ عليٍّ (^٣) - ﵇ -: \"العينُ وِكاءُ السَّهِ، فمنْ نَامَ فليتوضأْ\". حسَّنَهُ الترمذيُّ إلا أنَّ فيهِ مَنْ لا تقومُ بهِ حجةٌ، وهُوَ بقيةُ بنُ الوليدِ (^٤) وقدْ عَنْعَنَهُ، وحملَ أحاديثَ أنسٍ على مَنْ نامَ ممكِّنًا مقعدتهُ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، وقُيِّدَ حديثُ صفوانَ (^٥) بحديثِ عليٍّ - ﵇ - هَذا. [وقال: معنى حديث علي - ﵁ - أن النوم مظنة لخروج شيء من غير شعور، فالنوم ناقض لا بنفسه] (^٦).\nالخامسُ: أنهُ إذا نامَ على هيئةٍ من هيئاتِ المصلِّي راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا فإنهُ لا ينقض وضوؤهُ، سواءٌ كانَ في الصلاةِ أو خارجَها، فإنْ نامَ مضطجعًا أو على قفاهُ نُقِضَ. واستُدلَّ لهُ بحديثِ: \"إذا نامَ العبدُ في سجوده باهى اللَّهُ بهِ\n_________\n(^١) أي حديث الباب (١/ ٦١)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في النسخة (أ): \"النقض\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (١/ ١٤٠ رقم ٢٠٣)، وأحمد (٢/ ١٦٦ رقم ٨٨٧ - شاكر)، وابن ماجه (١/ ١٦١ رقم ٤٧٧)، والبيهقي (١/ ١١٨)، وهو حديث حسن.\n• وأخرجه أحمد (٤/ ٩٦ - ٩٧)، والدارمي (١/ ١٨٤)، والبيهقي (١/ ١١٨) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وهو حديث حسن.\n(^٤) بقية بن الوليد الحمصي: اختلف فيه كثيرًا، والحق أنه ثقة مأمون إذا حدَّث عن ثقة وصرَّح بالتحديث. وقد روى عنه شعبة، وهو لا يروي إلا عن ثقة. وقد ترجمه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٥٠ رقم ٢٠١٢) فلم يذكر فيه جرحًا، وقد صرَّح عند أحمد بالسماع من شيخه الوضين بن عطاء الخزاعي وهو ثقة.\nوانظر كلام الشيخ أحمد شاكر في: \"تخريج مسند أحمد\" (٢/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(^٥) وهو حديث حىس، تقدم تخريجه رقم (٣/ ٥٥).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"1","page":251},{"text":"الملائكةَ يقولُ: عبدِي روحهُ عندِي، وجسدهُ ساجدٌ بينَ يديَّ\"، رواه البيهقيُّ (^١) وغيرُهُ وقدْ ضُعِّفَ. قالُوا: فسمَّاهُ ساجدًا وهو نائمٌ، ولا سجودَ إلَّا بطهارةٍ. وأُجيبَ بأنهُ سمَّاهُ باعتبارِ أولِ أمرهِ أو باعتبارِ هيئتهِ.\nالسادسُ: أنهُ ينقضُ إلا نومُ الراكعِ والساجدِ للحديثِ الذي سبقَ، وإنْ كانَ خاصًّا بالسجودِ، فقدْ قاسَ عليهِ الركوعَ، كما قاسَ الذي قبلَهُ سائرَ هيئاتِ المصلِّي.\nالسابعُ: أنهُ لا ينقضُ النومُ في الصلاةِ على أيّ حالٍ، وينقضُ خارجَها.\nوحجَّتهُ الحديثُ المذكورُ؛ [فإنه] (^٢) حجَّةُ الأقوالِ الثلاثةِ.\nالثامنُ: أنَّ كثيرَ النومِ ينقضُ على كلّ حالٍ ولا ينقضُ قليلُهُ. وهؤلاءِ يقولونَ: إنَّ النومَ ليسَ بناقضٍ بنفسهِ، بلْ مظنةُ النقضِ، والكثيرُ مظنةٌ بخلافِ القليلِ، وحملُوا أحاديثَ أنسٍ (^٣) على القليلِ، إلَّا أنهمْ لم يذكرُوا قَدْرَ القليلِ ولا الكثيرِ حتى يُعْلمَ كلامُهم بحقيقتهِ، وهلْ هوَ داخلٌ تحتَ أحدِ الأقوالِ أم لا؟\nفهذهِ أقوالُ العلماءِ في النومِ، اختلفتْ أنظارُهم فيهِ؛ لاختلافِ الأحاديثِ التي ذكرْناها، وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ قدْحٍ أعرضنْا عنْها.\nوالأقربُ القولُ بأنَّ النومَ ناقضٌ؛ لحديثِ صفوانَ، وقدْ عرفتَ أنهُ صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والترمذيُّ والخطابيُّ، ولكنَّ لفظَ النومِ في حديثهِ مطلقٌ، ودلالةُ الاقترانِ ضعيفةٌ، فلا يقالُ: قدْ قُرِنَ بالبولِ والغائطِ، وهما ناقضانِ على كلِّ حالٍ.\n_________\n(^١) في \"الخلافيات\" من حديث أنس كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٢٠ رقم ١٦٣)، وقال: \"فيه داود بن الزبرقان، وهو ضعيف\".\nوروي من وجه آخر، عن أبان عن أنس، وأبان متروك.\nورواه ابن شاهين في \"الناسخ والمنسوخ\"، من حديث المبارك بن فضالة، وذكره الدارقطني في \"العلل\"، من حديث عباد بن راشد، كلاهما عن الحسن عن أبي هريرة. بلفظ: \"إذا نام العبد وهو ساجد، يقول الله: انظروا إلى عبدي، قال: وقيل عن الحسن بلغنا عن النبي - ﷺ -، قال: والحسن لم يسمع من أبي هريرة. اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، وقد ضعَّفه وتكلَّم عليه المحدِّث الألباني في \"الضعيفة\" (رقم: ٩٥٣) فأجاد وأفاد.\n(^٢) في النسخة (أ): \"بأنه\".\n(^٣) أي: حديث الباب (١/ ٦١)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":252},{"text":"ولما كانَ مطلقُ ورودِ حديثِ أنسٍ بنومِ الصحابةِ، وأنهمْ كانُوا لا يتوضئونَ ولو غطُّوا غطيطًا، وبأنهمْ كانُوا يضعونَ جنوبَهم، وبأنهمْ كانوا يُوقَظُونَ، والأصلُ جلالةُ قدرِهم، وأنهمْ لا يجهلونَ ما ينقضُ الوضوءَ، سِيَّما وقدْ حكاهُ أنسٌ عن الصحابةِ مطلقًا، ومعلومٌ أن فيهمُ العلماءَ العارفينَ بأمورِ الدينِ، خصوصًا الصلاة التي هي أعظمُ أركانِ الإسلامِ، وسِيَّما الذينَ كانُوا منهمْ ينتظرونَ الصلاةَ معهُ - ﷺ -؛ فإنَّهمْ أعيانُ الصحابةِ، وإذا كانُوا كذلكَ فَيُقَيَّدُ مطلقُ حديثِ صفوانَ بالنومِ المستغرِقِ، الذي لا يبقَى معهُ إدراكٌ، وَيُؤَوَّلُ ما ذكرهُ أنسٌ منَ الغطيطِ ووضعِ الجُنوبِ والإيقاظِ بعدمِ الاستغراقِ، فقدْ يغطُّ منْ هوَ في مبادئِ نومهِ قبلَ استغراقِهِ.\nووضعُ الجَنْبِ لا يستلزمُ الاستغراقَ؛ فقدْ كانَ - ﷺ - يضعُ جَنْبَهُ بعدَ ركعتي الفجرِ ولا ينامُ، فإنهُ كانَ يَقومُ لصلاةِ الفجرِ بعدَ وضعِ جَنْبِهِ، وإنْ كانَ قدْ قيلَ: إنهُ منْ خصائصهِ - ﷺ - أنهُ لا ينقضُ نومُهُ وضوءَهُ، [على أن عدم] (^١) ملازمةِ النومِ لوضعِ الجنْبِ معلومةٌ، والإيقاظُ قدْ يكونُ لمنْ هوَ في مبادئِ النومِ فينبَّهُ لئلَّا يستغرقَهُ النومُ.\nهذَا وقدْ أُلحِقَ بالنومِ الإغماءُ والجنونُ والسُّكرُ بأيِّ مُسْكِرٍ، بجامعِ زوالِ العقلِ. وذكرَ في الشرحِ أنهمُ اتفقُوا على أن هذهِ الأمورَ ناقضةٌ، فإنْ صحَّ كانَ الدليلُ الإجماعَ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المستحاضة تتوضأ لكل صلاة</span>\n٢/ ٦٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"فعدم\".\n(^٢) قال ابن المنذر في كتابه \"الإجماع\" (ص ٣١ رقم ٢): \"وأجمعوا على أن خروج الغائط من الدُّبُر، وخروج البول من الذَّكرِ، وكذلك المرأة، وخروج المني، وخروج الريح من الدُّبُر، وزوال العقل بأي وجه زال العقل، أحداث، ينقض كل واحد منها الطهارة، ويوجب الوضوء\" اهـ.","vol":"1","page":253},{"text":"الصلَاةَ؟ قَالَ؟ \"لا، إِنَّما ذَلكِ عِرْقٌ، وَلَيسَ بحَيْضٍ: فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فَاغْسلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي\". [صحيح]\n[مُتَّفق عليه] (^١).\n- وَللْبُخَارِيِّ (^٢): \"ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ\".\nوَأَشَارَ مُسْلِمٌ (^٣) إِلَى أَنَّهُ حَذَفَهَا عَمْدًا.\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: جَاءتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) حُبَيْشٌ بضَمِّ الحاءِ المهملةِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، فشينٍ معجمةٍ. وفاطمةُ قرشيةٌ أَسَدِيةٌ؛ وهي زوجُ عبدِ اللَّهِ بن جحشٍ، (إلى النبيِّ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إني امرأةٌ أُسْتَحَاضُ) منَ الاستحاضةِ [وهي] (^٤) جريانُ الدمِ منْ فرجِ المرأةِ في غيرِ أوانِهِ، (فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ قالَ: لا إنما ذلِكِ) بكسرِ الكافِ خطابٌ للمؤنثِ، (عِرْقٌ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ فقافٍ.\nوفي \"فتحِ الباري\" أن هذا العِرْقَ يُسَمَّى العاذلَ، بعيْنٍ مهملةٍ، وذالٍ معجمةٍ. ويقالُ: عاذرٌ بالراءِ بدلًا عن اللام كما في \"القاموس\" (^٥)، (وليسَ بحيضٍ) فإنَّ الحيضَ يخرجُ منْ قَعْرِ رحمِ المرأةِ، فهَو إخبارٌ باختلافِ المخرجينِ، وهوَ ردٌّ لقولِها: (لا أطهرُ)، لأنَّها اعتقدتْ أن طهارةَ الحائضِ لا تُعْرَفُ إِلَّا بانقطاعِ الدمِ فَكَنَّتْ بعدمِ الطهرِ عن اتصالهِ، وكانت قدْ علمتْ أن الحائض لا تصلِّي، [فظنَّت] (^٦) أن ذلكَ الحكمَ مقترنٌ بجريانِ الدمِ، فأبانَ لها - ﷺ - أنهُ ليسَ بحيضٍ، وأنَّها طاهرةٌ يلزمُها الصلاةُ.\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٤٠٩ رقم ٣٠٦) و(١/ ٤٢٥ رقم ٣٢٥) و(١/ ٤٢٠ رقم ٣٢٠) و(١/ ٤٢٨ رقم ٣٣١) و(١/ ٣٣١ رقم ٢٢٨)، ومسلم (١/ ٢٦٢ رقم ٦٢/ ٣٣٣) و(١/ ٢٦٣ - ٢٦٤ رقم ٦٣ و٦٤ و٦٥ و٦٦/ ٣٣٤)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٦١ رقم ١٠٤)، وأبو داود (١/ ١٩٤ رقم ٢٨٢) و(١/ ٢٠٩ رقم ٢٩٨)، والترمذي (١/ ٢١٧ رقم ١٢٥)، والنسائي (١/ ١٨٣ - ١٨٥)، وابن ماجه (١/ ٢٠٥ رقم ٦٢٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٣١ رقم ٢٢٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٦٣).\n(^٤) في النسخة (ب): \"وهو\".\n(^٥) \"المحيط\" (ص ٥٦٢) و(ص ١٣٣٢).\n(^٦) في النسخة (أ): \"وظنت\".","vol":"1","page":254},{"text":"(فَإِذا أقبلتْ حَيْضَتُكِ) بفتحِ الحاءِ ويجوزُ كسرُها، والمرادُ بالإقبالِ ابتداءُ دمِ الحيضِ (فَدَعِي الصَّلَاةَ) يتضمنُ نهيَ الحائضِ عن الصَّلاةِ، وتحريمَ ذلكَ عليها وفسادَ صلاتِها، وهُوَ إجماعٌ، (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) هوَ ابتداءُ انقطاعِهَا (فاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ) أي: واغتسلي، وهوَ مستفادٌ من أدلةٍ أخْرَى (ثمَّ صلي. متفقٌ عليه).\nالحديثُ دليلٌ على وقوعِ الاستحاضةِ، وعلى أن لها حكمًا يخالفُ حكمَ الحيضِ. وقد بيَّنهُ - ﷺ - أكملَ بيانٍ، فإنَّهُ أفتاهَا بأنَّها لا تدعُ الصلاةَ معَ جريانِ الدمِ، وبأنَّها تنتظرُ وقتَ إقبالِ حيضتِها فتتركُ الصلاةَ فيها، وَإِذَا أَدْبَرَتْ غسلتِ الدمَ واغتسلتْ، كما وردَ في بعضِ طرقِ البخاريِّ (^١): \"وَاغْتَسلِي\"، وفي بعضهِا كروايةِ المصنفِ هنَا الاقتصارُ على غسلِ الدمِ.\nوالحاصلُ أنهُ قد ذكرَ الأمرَ أن في الأحاديثِ الصحيحةِ غسلُ الدمِ والاغتسالُ، وإنَّما بعضُ الرواةِ اقتصرَ على أحدِ الأمرينِ، والآخرُ على الآخرِ. ثمَّ أمرَهَا بالصلاةِ بعدَ ذلكَ. نعمْ إنَّما بقي الكلامُ في معرفتِها لإقبال [الحيضة وإدبارها] (^٢) معَ استمرارِ الدمِ بماذَا يكونُ، فإنهُ قدْ أعلمَ الشارعُ المستحاضةَ بأحكامِ إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها، فدلَّ على أنها تميزُ ذلكَ بعلامةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>بماذا يميز دم الحيض من الاستحاضة؟</span>\nوللعلماءِ في ذلكَ قولانِ:\n(أحدُهما): أنَّها تميزُ ذلكَ بالرجوعِ إلى عادتِها، فإقبالُها وجودُ الدمِ في أولِ أيامِ العادةِ، وإدبارُها انقضاءُ أيامِ العادةِ، وورودُ الردِّ إلى أيام العادةِ في حديثِ فاطمةَ في بعضِ الرواياتِ (^٣) بلفظِ: \"دعي الصلاةَ قَدْرَ الأيام التي كنتِ تحيضينَ فيهَا\". وسيأتي في بابِ الحيضِ تحقيقُ الكلامِ على ذلك.\n(الثاني): ترجعُ إلى صفةِ الدم، كما يأتي في حديثِ عائشةَ في قصةِ فاطمةَ بنتِ أبي حُبَيْشٍ هذهِ، بلفظِ: \"إنَّ دمَ الحَيْضِ [دم] (^٤) أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كانَ ذلكَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٥ رقم ٣٢٥).\n(^٢) في النسخة (ب): \"الحيض\".\n(^٣) في \"صحيح البخاري\" (١/ ٤٢٥ رقم ٣٢٥)، وقد تقدم تخريج الحديث رقم (٢/ ٦٢).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"1","page":255},{"text":"فَأَمْسِكي عن الصَّلاةِ، وإذا كانَ الآخرُ فتوضَّئي وَصَلِّي\"، ويأتي في بابِ الحيضِ (^١) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى - فيكونُ إقبالُ [الحيضة] (^٢) إقبالُ الصفةِ، وإدْبارُه إدبارَها، ويأتي - أيضًا - الأمرُ بالردِّ إلى عادةِ النساءِ، ويأتي تحقيقُ ذلكَ جميعًا. ويأتي بيانُ اختلافِ العلماءِ، وأنَّ كلًّا ذهبَ إلى القولِ بالعملِ بعلامةٍ منَ العلاماتِ.\n(وللبخاريِّ) أي: منْ حديثِ عائشةَ هذا زيادةٌ (ثُمَّ توضئي لكلِّ صلاةٍ، وأشارَ مسلمٌ إلى أنة حذفَها عمْدًا)، فإنهُ قالَ في (صحيحهِ) بعدَ سياقِ الحديثِ: وفي حديثِ حمَّادٍ حرفٌ تركنَا ذكرَهُ.\nقال البيهقيُّ: هوَ قولُه (توضئي) لأنَّها زيادةٌ غيرُ محفوظةٍ، وأنهُ تفردَ بها بعضُ الرواةِ عنْ غيرِهِ، ممنْ روى الحديثَ. ولكنه قد قرَّرَ المصنفُ فِي \"الفتح\" (^٣) أنَّها ثابتةٌ منْ طُرُقٍ ينتفي معَها تفردُ [ما قالهُ] (^٤) مسلمٌ.\nواعلمْ أن المصنفَ ساقَ حديثَ [المستحاضةِ] (^٥) في [باب] (^٦) النواقضِ، وليسَ المناسبُ للبابِ إلَّا هذهِ الزيادةُ لا أصلَ الحديثِ، فإنهُ مِنْ أحكام بابِ الاستحاضةِ والحيضِ، وسيعيدُهُ هنالِكَ، فهذِه الزيادةُ هي الحجةُ على أَن دمَ الاستحاضةِ حدثٌ منْ جملةِ الأحداثِ ناقضٌ للوضوءِ، [ولهذا] (^٧) أمرَ الشارعُ بالوضوءِ منهُ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنهُ إنَّما رفعَ الوضوءُ حُكْمَهُ لأجلِ الصلاةِ، فإذا فَرَغَتْ منَ الصلاةِ نُقِضَ وضوءُها، وهذا قولُ الجمهورِ أنها تتوضأُ لكلِّ صلاةٍ.\nوذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّها تتوضأُ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، وأَنَّ الوضوءَ متعلِّقٌ بالوقتِ، وأنها تصلِّي بهِ الفريضةَ الحاضرةَ وما شاءتْ مِنَ النوافلِ، وتجمعُ بينَ الفريضتينِ على وجهِ الجوازِ، عندَ من يجيزُ ذلكَ أو لعذرٍ! وقالُوا: الحديثُ فيهِ مضافٌ مقدَّرٌ، وهوَ لوقتِ كلِّ صلاةٍ، فهوَ منْ مجازِ الحذفِ، ولكنهُ لا بدَّ منْ قرينةٍ توجِبُ التقديرَ.\nوقدْ تكلَّفَ - في الشرحِ - إلى ذكرِ ما لعلهُ يقالُ: إنهُ قرينةٌ للحذفِ وضَعَّفَهُ.\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح، سيأتي تخريجه رقم (١/ ١٢٨).\n(^٢) في النسخة (ب): \"الحيض\".\n(^٣) (١/ ٤٠٩).\n(^٤) في النسخة (أ): \"من قاله\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"الاستحاضة\".\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) في النسخة (ب): \"ولذا\".","vol":"1","page":256},{"text":"وذهبتِ المالكيةُ إلى أنهُ يُستحبُّ الوضوءُ، ولا يجبُ إلَّا لحدثٍ آخرَ، وسيأتي تحقيقُ ما في ذلكَ في حديثِ حمنةَ بنتِ جحشٍ، في بابِ الحيضِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. وتأتي أحكامُ المستحاضةِ التي تجوزُ لها، وتفارقُ بها الحائضَ هنالكَ، فهُو محلُّ الكلامِ عليها.\nوفِي الشرحِ سَرَدَهُ هنا، وأمَّا هنا فما ذَكَرَ حديثَها إلا باعتبارِ نقضِ الاستحاضةِ للوضوءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-186>المذي ينقض الوضوء فقط</span>\n٣/ ٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبيَّ - ﷺ - فسَأَلَهُ: فَقَالَ: \"فِيهِ الوُضُوءُ\". [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.\n(وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵇ - قَالَ: كُنْت رَجُلًا مَذَّاءً) بِزِنَةِ ضَرَّابٍ، صيغةُ مبالغةٍ منْ المَذْيِ، بفتحِ الميمِ، وسكونِ الذالِ المعجمةِ، وتخفيفِ الياءُ وفيهِ لغاتٌ. وهوَ ماءٌ أبيضُ لَزِجٌ رَقيقٌ يخرجُ عندَ الملاعبةِ أو تذكرِ الجماعِ أو إرادتِهِ، يقالُ: مَذَى زَيدٌ يمذي مثلُ مَضَى يمضي، وأمذى يُمذيْ مثلُ أَعْطَى يُعْطِي، (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ).\n\n<span data-type='title' id=toc-187>ترجمة المقداد بن الأسود</span>\nهوَ (^٢) ابنُ الأسودِ الكنديُّ، (أنْ يَسْأَلَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي: عمَّا يجبُ على\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٢٣٠ رقم ١٣٢) و(١/ ٢٨٣ رقم ١٧٨) و(١/ ٣٧٩ رقم ٢٦٩)، ومسلم (١/ ٢٤٧ رقم ١٧، ١٨، ١٩/ ٣٠٣)، وأبو داود (١/ ١٤٢ رقم ٢٠٦) و(١/ ١٤٣ رقم ٢٠٨، ٢٠٩)، والترمذي (١/ ١٩٣ رقم ١١٤)، والنسائي (١/ ٩٦، ٩٧) و(١/ ٢١٣ - ٢١٥)، ومالك (١/ ٤٠ رقم ٥٣)، وابن ماجه (١/ ١٦٨ رقم ٥٠٤).\n(^٢) المقداد بن عمرو، ويقال له: المقداد بن الأسود.\nانظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ١٦١ - ١٦٣)، و\"المستدرك\" (٣/ ٣٤٨ - ٣٥٠)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٧٢ - ١٧٦)، و\"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٦٢ رقم ٢٥٦١)، و\"الإصابة\" (٩/ ٢٧٣ رقم ٨١٧٨)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ١١١ رقم ١٦٣)، و\"العقد الثمين\" (٧/ ٢٦٨ رقم ٢٥١٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٥٤ رقم ٥٠٥)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٣٩)، و\"العبر\" (١/ ٢٥).","vol":"1","page":257},{"text":"مَنْ أمذَى، فسألهُ (فَقَالَ: فِيهِ الوضُوءُ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ)، وفي بعضِ ألفاظِه عندَ البخاريِّ (^١) بعدَ هذَا: \"فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسألَ رسولَ الله - ﷺ -\"، وفي لفظٍ (^٢): \"لمكانِ ابنتِهِ مني\"، وفي لفظٍ لمسلم (^٣): \"لمكانِ فاطمةَ\".\nووقعَ عندَ أبي داودَ (^٤) والنَّسائيِّ (^٥)، وابنِ خُزَيْمَةَ (^٦) عنْ عليٍّ - ﷺ - بلفظِ: \"كنتُ رجلًا مذَّاءً، فجعلتُ اغتسلُ منهُ في الشتاءِ حتى تشقَّقَ ظهري\"، وزادَ في لفظٍ للبخاريِّ (^٧) فقالَ: \"توضأْ واغسِل ذَكرَكَ\"، وفي مسلمٍ (^٨): \"اغسلْ ذكَرَكَ وتوضأْ\".\nوقدْ وقعَ اختلافٌ في السائلِ: هلْ هوَ المقدادُ - كما في هذهِ الروايةِ - أو عمَّارٌ، كما في روايةٍ أُخْرى. وفي روايةٍ أُخْرى أَنَّ عليًّا - ﵁ - هوَ السائلُ. وجمعَ ابنُ حِبانَ بينَ ذلكَ بأنَّ عليًّا - ﵇ - أمرَ الْمِقْدَادَ أنْ يسألَ رسول اللَّهِ - ﷺ -، ثمَّ سألَ بنفسهِ، إلَّا أنهُ قد تُعقبَ بأنَّ قولَهُ: \"فاستحييتُ أنْ أسألَ لمكانِ ابنتهِ مني\"، \" دالٌّ على أنهُ - ﵁ - لمْ يباشرِ السؤالَ، فنسبةُ السؤالِ إليهِ في روايةٍ مَنْ قالَ: إنَّ عليًّا سألَ مجازٌ؛ لكونِهِ الآمرَ بالسؤالِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن المذيَ ينقضُ الوضوءَ، ولأجلهِ ذكرهُ المصنفُ في هذا البابِ. ودليلٌ على أنهُ لا يُوجِبُ غُسْلًا، وهوَ إجماعٌ، وروايةُ: \"توضأ واغسلْ ذكرَكَ\"، لا تقتضي تقديمَ الوضوءِ؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ؛ ولأنَّ لفظَ روايةٍ مسلمٍ تبيِّنُ المرادَ، وأمَّا إطلاقُ لفظِ (ذَكَرَكَ)، فهوَ ظاهرٌ في غَسْلِ الذكرِ كلِّهِ وليسَ كذلكَ، إِذِ الواجبُ غسلُ محلِّ الخارجِ، وإنَّما هوَ منْ إطلاقِ اسمِ الكلِّ على البعضِ، والقرينةُ ما عُلِمَ منْ قواعدِ الشرعِ.\nوذهبَ البعضُ إلى أنهُ يغسلُهُ كلَّهُ، عملًا بلفظِ الحديثِ، وأيَّدهُ روايةُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٨٣ رقم ١٧٨).\n(^٢) للبخاري في \"صحيحه\" (١/ ٣٧٩ رقم ٢٦٩)، ولمسلم (١/ ٢٤٧ رقم ١٧/ ٣٠٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٧ رقم ١٨/ ٣٠٣).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٤٢ رقم ٢٠٦).\n(^٥) لعله بهذا اللفظ في \"الكبرى\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ١٥ رقم ٢٠).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٣٧٩ رقم ٢٦٩).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٧ رقم ١٧/ ٣٠٣).","vol":"1","page":258},{"text":"أبي داودَ (^١): \"يغسلَ ذكرَهُ وأُنْثَيَيْهِ ويتوضأْ\". وعندهُ (^٢) أيضًا: \"فتغسلُ منْ ذلكَ فرجَكَ وأنثييكَ، وتوضأْ للصلاةِ\"، إلَّا أن روايةَ غَسْلِ الأُنثيينِ قدْ طُعِنَ فيهَا، وأوضحناهُ في حواشي \"ضوءِ النهارِ\" (^٣). وذلكَ أنَّها منْ روايةٍ عروةَ عنْ عليٍّ، وعروةُ لم يسمعْ منْ عليٍّ، إلَّا أنهُ رواهُ أبو عوانةَ في صحيحه (^٤) مِنْ طريقِ عبيدةَ عنْ عليٍّ بالزيادة.\nقالَ المصَنفُ في \"التلخيصِ\" (^٥): وإسنادُه لا مطعنَ فيهِ، فمعَ صِحَّتِهَا فلا عذرَ عن القولِ بهَا. وقيلَ: الحكمةُ فيهِ أنهُ إذا غَسَلَهُ كلَّهُ تقلَّصَ [فبطَلَ] (^٦) خروج المذي. واستدلَّ بالحديثِ على نجاسةِ المذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-188>لمس المرأة الأجنبية لا ينقض الوضوء</span>\n٤/ ٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ. [حسن]\nأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٧) وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ (^٨).\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أخرجهُ أحمدُ وَضعَّفَهُ البخاريُّ)، وأخرجهُ أبو داودَ (^٩)، والترمذيُّ (^١٠)، والنسائيُّ (^١١)، وابنُ ماجهَ (^١٢).\nقالَ الترمذيُّ (^١٣): سمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ يُضَعِّفُ هذا الحديثَ. وأبو داودَ (^١٤) أخرجهُ منْ طريقِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ عنْ عائشةَ، ولمْ يسمعْ منْها شيئًا؛\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٤٣ رقم ٢٠٨).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٤٥ رقم ٢١١) من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري. وهو حديث حسن.\n(^٣) (١/ ٨٨ - ٨٩).\n(^٤) (١/ ٢٧٣).\n(^٥) (١/ ١١٧ رقم ١٥٦).\n(^٦) في (أ): فيبطل.\n(^٧) في \"المسند\" (٦/ ٢١٠).\n(^٨) ذكر ذلك الترمذي في \"السنن\" (١/ ١٣٥).\n(^٩) في \"السنن\" (١/ ١٢٤ رقم ١٧٩).\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ١٣٣ رقم ٨٦).\n(^١١) في \"السنن\" (١/ ١٠٤ رقم ١٧٠).\n(^١٢) في \"السنن\" (١/ ١٦٨ رقم ٥٠٢).\n(^١٣) في \"السنن\" (١/ ١٣٥).\n(^١٤) في \"السنن\" (١/ ١٢٣ رقم ١٧٨).","vol":"1","page":259},{"text":"فهوَ مرسلٌ. وقالَ النسائيُّ (^١): ليسَ في هذا الباب حديثٌ أحسنَ منهُ، ولكنهُ مرسلٌ. قالَ المصنفُ (^٢): رُوِيَ مِنْ عَشْرَةِ أوجهٍ عنْ عائشةَ، أوْرَدها البيهقيُّ فِي \"الخلافياتِ\" وضعَّفَها.\nوقالَ ابنُ حزمٍ: لا يَصِحُّ فِي هذا الباب شيءٌ، وإنْ صحَّ فهوَ محمولٌ على ما كانَ عليهِ الأمرُ قبلَ نزولِ الوضوءِ منَ اللمسِ. إذا عرفتَ هذا فالحديثُ دليلٌ على أنَّ لمسَ المرأةِ وتقبيلَها لا ينقضُ الوضوءَ، وهذا هوَ الأصلُ، والحديثُ مقرِّرٌ للأصلِ، وعليه العترة جميعًا، ومنَ الصحابةِ عليٌّ - ﵇ -.\nوذهبتِ الشافعيةُ إلى أن لمسَ مَنْ لا يحرمُ نكاحُها ناقضٌ للوضوءِ مستدلينَ بقولهِ تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٣)، فلزمَ الوضوءُ منَ اللمسِ، قالُوا: واللمسُ حقيقةً في اليدِ، ويؤيدُ بقاءَهُ على معناهُ قراءةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٤)؛ فإنَّها ظاهرةٌ في مجردِ لمسِ الرجلِ منْ دونِ أنْ يكونَ مِنَ المرأةِ فعلٌ، وهذَا يحققُ بقاءَ اللفظِ على معناهُ الحقيقيِّ؛ فقراءةُ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٥) كذلكَ، إذِ الأصلُ اتفاقُ معنى القراءتينِ.\nوأجيبَ عنْ ذلكَ بصرْفِ اللفظِ عنْ معناهُ الحقيقيِّ للقرينةِ، فَيُحْمَلُ على المجازِ، وهوَ هُنَا حملُ الملامسةِ على الجماعِ، واللمسُ كذلكَ، والقرينةُ حديث عائشةَ المذكورُ، وهوَ وإن قُدِحَ فيهِ بما سمِعتَ، فطرقُهُ يقوي بعضُها بعضًا (^٦).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٠٤).\n(^٢) قال البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٧): وقد روينا سائر ما روي في هذا الباب وبينَّا ضعفها في \"الخلافيات\".\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن. وقد صحَّحه الشيخ أحمد شاكر في تحقيق وتخريج \"سنن الترمذي\"، والألباني في \"صحيح أبي داود\" وغيره. وحسَّنه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تخريج \"جامع الأصول\" (٧/ ٢٠٤) التعليقة (١).\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٦، وسورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦، وسورة النساء الآية ٤٣، وانظر كتاب: \"الحجةُ للقُراءِ السبعة\"، لأبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي. (٣/ ١٦٣ - ١٦٦).\n(^٥) سورة المائدة: ٦، وسورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٦) وهو حديث حسن، كما تقدم.","vol":"1","page":260},{"text":"وحديثُ عائشةَ في البخاريِّ (^١) في أنَّها كانتْ تعترضُ في قِبْلَتِهِ - ﷺ -، فإِذَا قَامَ يُصلِّي غمزَهَا فَقَبَضَتْ رِجْلَيْها، أي: عندَ سجودِهِ، وإذا قامَ بسطتْهُمَا، فإنهُ يؤيدُ حديثَ الكتابِ المذكورَ، ويؤيدُ بقاءَ الأصلِ، ويدلُّ على أنهُ ليسَ اللمسُ بناقضٍ.\nوأمَّا اعتذارُ المصنفِ في \"فتح الباري\" (^٢) عنْ حديثِها هَذا بأنهُ يحتملُ أنهُ كان بحائلٍ، أو أنهُ خاصٌّ بهِ؛ فهو بعيدٌ مخالفٌ للظاهرِ، وقدْ فَسَّرَ عليُّ - ﵇ - الملامسةَ بالجماعِ، وفسَّرَها حَبْرُ الأمةِ ابنُ عباسٍ بذلكَ، وهوَ المدعو لهُ بأنْ يعلّمَهُ اللَّهُ التأويلَ (^٣).\nفأخرجَ عنهُ عبدُ بنُ حميدٍ أنهُ فَسَّرَ الملامسةَ بعدَ أنْ وضعَ أصبعيهِ في أذنيهِ: ألا وهو النَّيْكُ. وأخرجَ عنهُ الطستيُّ أنه سألَ نافعَ بنَ الأزرقِ عن الملامسةِ ففسَّرَها بالجماعِ، معَ أن تركيبَ الآيةِ الشريفةِ وأسلوبَها يقتضي أن المرادَ بالملامسةِ الجماعُ، فإنهُ - تعالى - عدَّ منْ مقتضياتِ التيممِ المجيءَ منَ الغائطِ، تنبيهًا على الحدثِ الأصغرِ، وعدَّ الملامسَةَ تنبيهًا على الحدث الأكبرِ، وهوَ مقابلٌ لقولهِ - تعالى - في الأمرِ بالغُسْلِ بالماءِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٤)، ولوْ حُمِلتِ الملامسةُ على اللمسِ الناقضِ للوضوءِ لفاتَ التنبيهُ على أن الترابَ يقومُ مقامَ الماءِ في رفعهِ للحدثِ الأكبرِ وخالفَ صدرَ الآيةِ، وللحنفيةِ تفاصيلُ لا [ينتهضُ] (^٥) عليها دليلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-189>كل شيء على أصله حتى يتيقَّن خلاف ذلك</span>\n٥/ ٦٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيهِ: أَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ، أَمْ لَا؟ فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ\n_________\n(^١) قلت: بل متَّفَق عليه، أخرجه البخاري (١/ ٤٩١ رقم ٣٨٢)، ومسلم (١/ ٣٦٧ رقم ٢٧٢/ ٥١٢).\n(^٢) (١/ ٤٩٢).\n(^٣) كما في \"زاد المسير في علم التفسير\" لابن الجوزي (٢/ ٩٢)، و\"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\" لابن جرير الطبري (٤/ ج ٥/ ١٠١ - ١٠٣).\nقلت: واستظهر ابن رشد في \"بداية المجتهد\" (١/ ٢٩) اللمس في الآية بالجماع.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) في النسخة (أ): \"ينهض\".","vol":"1","page":261},{"text":"الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ منهُ شَيْءٌ أَمْ لا؟ فَلا يخرجنَّ مِنَ المسجدِ) إذا كانَ فيهِ لإعادةِ الوضوءِ (حَتَّى يسْمَعَ صَوْتًا) للخارجِ (أَوْ يَجِدَ رِيحًا) لَهُ (أخرجهُ مسلمٌ). وليسَ السمعُ أوْ وجْدانُ الريحِ شَرْطًا في ذلكَ، بلِ المرادُ حصولُ اليقينِ.\nوهذا الحديثُ الجليلُ أصلٌ مِنْ أصولِ الإسلامِ، وقاعدةٌ جليلةٌ مِنْ قواعدِ الفقهِ، وهُوَ أَنَّهُ دلَّ على أن الأشياءَ يُحكمُ ببقائِها على أُصُولِها حتى يتيقنَ خلافُ ذلكَ، وأنهُ لا أثرَ للشكِّ الطارئِ [عَقِبَها] (^٢).\nفمنْ حصلَ لهُ شكٌّ أو ظنٌ بأنهُ أحدثَ، وهوَ على يقينٍ منْ طهارتهِ لم يضرَّهُ ذلكَ حتى يحصلَ له اليقينُ، كما أفادهُ قوله: \"حتى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا\"؛ فإنهُ علَّقهُ بحصولِ ما يحسُّهُ، وذِكْرُهُمَا تمثيلٌ، وإلَّا فكذلكَ سائرُ النواقضِ كالمذي والودي، ويأتي حديثُ ابن عباسٍ (^٣): \"إنَّ الشيطانَ يأتي أحَدكُمْ فَيَنْفُخُ في مَقْعَدَتِه، فَيُخَيلُ إليه أنهُ أَحْدَثَ ولمْ يُحْدِث، فَلَا [يَنْصَرِفَنَّ] (^٤) حتَّى يسمعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا\".\nوالحديثُ عامٌّ لمنْ كانَ فِي الصلاةِ أوْ خارجَها، وهو قولُ الجماهيرِ، وللمالكيةِ تفاصيلُ وفروقٌ بينَ مَنْ كانَ [داخلَ] (^٥) الصلاةِ أوْ خارجهَا، لا [ينتهضُ] (^٦) عليها دليلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-190>لا حجة للقائلين بعدم نقض مسِّ الذكر للوضوء</span>\n٦/ ٦٦ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي، أوْ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٧٦ رقم ٩٩/ ٣٦٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي (١/ ١١٧)، والترمذي (١/ ١٠٩ رقم ٧٥) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود (١/ ١٢٣ رقم ١٧٧).\n(^٢) في النسخة (أ): \"عليها\".\n(^٣) وهو حديث حسن، سيأتي تخريجه رقم (٦/ ٧٦).\n(^٤) في النسخة (أ): \"ينصرف\".\n(^٥) في النسخة (أ): \"داخلًا في\".\n(^٦) في النسخة (أ): \"ينهض\".","vol":"1","page":262},{"text":"قَالَ: الرَّجُل يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصَّلَاةِ، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ منْكَ\". [صحيح]\nأَخرَجَهُ الْخَمْسَة (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢)، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِيني (^٣): هُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ.\n(وَعَنْ طَلْقٍ) بفتحِ الطاءِ وسكونِ اللامِ (ابن عليٍّ) اليماميِّ الحنفيِّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٤): إنهُ منْ أهلِ اليمامةِ، (قالَ: قَالَ رَجُلٌ: مَسَسْتُ ذَكَرِي، أوْ قالَ: الرجلُ يمسُّ ذكرَهُ في الصلاةِ، أَعليهِ وضوءٌ؟ فقالَ النبيُّ - ﷺ -: لا) أي: لا وضوءَ عليهِ، (إِنَّمَا هُوَ) أي: الذَّكَرُ (بَضْعَةٌ) بفتحِ الموحَّدةِ، وسكونِ الضادِ المعجمةِ، مِنْكَ) أيْ كاليدِ والرِّجْلِ ونحوهِمَا، وقد علمَ أنهُ لا وضوءَ منْ مسِّ البَضْعَةِ منه. (أخرجهُ الخمسةُ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، وقالَ ابنُ المَدينيِّ) بفتح الميمِ، فدالٍ مهملةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ فنونٍ، نسبةٍ إلى جدهِ، وإلا فهو عَليُّ بنُ عبدِ اللهِ [المديني] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-191>ترجمة ابن المديني</span>\nقال الذهبيُّ (^٦): هوَ حافظُ العصرِ وقدوة أهلِ هذا الشأنِ.\nأبو الحسني عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ صاحبُ التصانيفُ. ولدَ سنةَ إحدَى وستينَ ومائةٍ. ومنْ تلاميدهِ البخاريُّ وأبو داودَ.\nوقالَ ابنُ مهديٍّ: علي بنُ المديني أعلمُ الناسِ بحديثِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. قَالَ\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٣)، وأبو داود (١/ ١٢٧ رقم ١٨٢)، والترمذي (١/ ١٣١ رقم ٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١)، وابن ماجه (١/ ١٦٣ رقم ٤٨٣).\n(^٢) (ص ٧٧ رقم ٢٠٧ - ٢٠٩ - \"الموارد\").\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٢٥).\n(^٤) في \"الاستيعاب\" (٥/ ٢٥٨ رقم ١٣٠٠).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩).\nقلت: وانظر ترجمته في: \"الميزان\" (٣/ ١٣٨ - ١٤١)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢٨٤)، و\"تاريخ بغداد\" (١١/ ٤٥٨ - ٤٧٣)، و\"طبقات الحنابلة\" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٨)، و\"طبقات الشافعية\" للسبكي (٢/ ١٤٥ - ١٥٠)، و\"النجوم الزاهرة\" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧).","vol":"1","page":263},{"text":"النسائيُّ: كأنَّ عليَّ بنَ المديني خُلِقَ لهذا الشأنِ. قالَ العلَّامةُ محيي الدينِ النوويُّ (^١): [لعلي بن] (^٢) المديني نحوُ مائة مصنَّفٍ.\n(هو أحسنُ منْ حديثِ بُسْرَةَ)، بضم الموحدةِ، وسكونِ السينِ المهملة، فراءٍ، ويأتي حديثُها قريبًا. وهذا الحديث رواهُ أحمدُ (^٣)، والدارقطنيُّ (^٤). وقالَ الطحاويُّ (^٥): إسنادُه مستقيمٌ غيرُ مضطربٍ، وصحَّحهُ الطبرانيُّ (^٦) وابنُ حزمٍ (^٧)، وضعَّفَهُ الشافعيُّ (^٨)، وأبو حاتمٍ، وأبو زُرعةَ (^٩)، [والبزَّار] (^١٠)، والدَّارقطنيُّ (^١١)، والبيهقيُّ (^١٢)، وابنُ الجوزيِّ (^١٣).\nوالحديثُ دليلٌ على ما هوَ الأصلُ منْ عدمِ نقضِ مس الذَّكَرِ للوضوءِ، وهوَ مرويٌّ عنْ عليٍّ - ﵇ -، وعنِ الهادويةِ والحنفيةِ (^١٤). وذهبَ إلى أن مسَّهُ ينقضُ\n_________\n(^١) في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٣٥٠ - ٣٥١ رقم ٤٣١).\n(^٢) في (ب): \"لابن\".\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٢٣).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٤٩ رقم ١٧، ١٨).\n(^٥) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٦).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ١٣٩)، والبيهقي (١/ ١٣٤)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٤١ - ٤٢)، والطيالسي (ص ١٤٧ رقم ١٠٩٦)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٢٥).\n(^٧) في \"المحلَّى بالآثار\" (١/ ٢٢٣).\n(^٨) ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٢٥).\n(^٩) في \"العلل\" (١/ ٤٨).\n(^١٠) زيادة من النسخة (أ).\n(^١١) في \"السنن\" (١/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(^١٢) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٣٥).\n(^١٣) في \"العلل المتناهية\" (١/ ٣٦٢).\nقلت: وادَّعى في هذا الحديث النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون. انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٦١)، و\"معجم الكبير\" للطبراني (٨/ ٤٠٢ رقم ٨٢٥٢)، و\"عارضة الأحوذي\" (١/ ١١٧)، و\"الاعتبار\" (ص ٤١ - ٤٨).\n(^١٤) قال ابن حزم في \"المحلَّى بالآثار\" (١/ ٢٢٣) ردًا عليهم: \"هذا خبر صحيح؛ إلا أنهم لا حجة لهم فيه لوجوه:\n(أحدها): أن هذا الخبر موافق لما كان الناس عليه قبل ورود الأمر بالوضوء من مسِّ الفرج، هذا لا شك فيه، فإذا هو كذلك فحكمه منسوخ يقينًا، حين أمر رسول الله - ﷺ - بالوضوء من مس الفرج، ولا يحل ترك ما تيقِّن أنه ناسخ والأخذ بما تيقن أنه منسوخ.\n(وثانيهما): أن كلامه - ﷺ -: \"هل هو إلا بَضْعَة منك\"، دليل بيِّن على أنه كان قبل الأمر=","vol":"1","page":264},{"text":"الوضوءَ جماعةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، ومنْ أئمةِ المذاهبِ أحمدُ والشافعيُّ، مستدلينَ بالحديث السابع وهو قوله:\n\n<span data-type='title' id=toc-192>مس الذكر ينقض الوضوء</span>\n٧/ ٦٧ - وَعَنْ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ\". [صحيح]\nأَخْرَجهُ الْخَمسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣)، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ (^٤): هو أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا البَابِ.\n(وَعَنْ بُسْرَةَ) تقدَّم ضبطُ لفظِها؛ وهي بنتُ صفوانَ بن نَوفلٍ القرشيةِ الأسديةِ، كانتْ منَ المبيعاتِ (^٥) لهُ - ﷺ -، رَوَى عنها عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وغيرُهُ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ مسَّ ذكرَهُ فليتوضأْ. أخرجَهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وقالَ البخاريُّ: هُوَ أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ).\nوأخرجهُ أيضًا الشافعي (^٦)، وأحمدُ (^٧)، وابنُ خزيمةَ (^٨)، والحاكمُ (^٩)، وابنُ الجارودِ (^١٠). وقال الدارقطنيُّ: صحيحٌ ثابتٌ، وصحَّحهُ يحيى بنُ معينٍ،\n_________\n= بالوضوء منه؛ لأنه لو كان بعده لم يقل - ﷺ - هذا الكلام، بل كان يبيِّن أن الأمر بذلك قد نسخ، وقوله هذا يدل على أنه لم يكن سلف فيه حكم أصلًا وأنه كسائر الأعضاء. اهـ.\nقلت: وانظر \"المجموع\" للإمام النووي (٢/ ٤٢ - ٤٣).\n(^١) وهم: أحمد (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، وأبو داود (١/ ١٢٥ رقم ١٨١)، والترمذي (١/ ١٢٦ رقم ٨٢)، والنسائي (١/ ١٠٠)، وابن ماجه (١/ ١٦١ رقم ٤٧٩).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٢٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (ص ٧٨ رقم ٢١١ - ٢١٤ \"الموارد\").\n(^٤) ذكره الترمذي في \"السنن\" (١/ ١٢٩).\n(^٥) في \"الإصابة\" (١٢/ ١٥٨): \"كانت من المبايعات\".\n(^٦) في \"الأم\" (١/ ٣٣ - ٣٤)، وفي \"ترتيب المسند\" (١/ ٣٤ رقم ٨٧).\n(^٧) في \"المسند\" (٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢ رقم ٣٣).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ١٣٦).\n(^١٠) في \"المنتقى\" (رقم ١٦، ١٧).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ٢٣٠ رقم ١٦٥٧)، وعبد الرزاق (١/ ١١٣ رقم ٤١٢)، =","vol":"1","page":265},{"text":"والبيهقيُّ، والحازميُّ، والقدخُ فيهِ بأنهُ رواهُ عروةُ عنْ مروانَ، أو عنْ رجلٍ مجهولٍ، غيرُ صحيحٍ، فقدْ ثبتَ أن عروةَ سمعهُ منْ بُسْرَةَ منْ غيرِ واسطةٍ كما جزمَ بهِ ابنُ خزيمةَ وغيرُهُ منْ أئمةِ الحديثِ، وكذلكَ القدحُ فيهِ بأنَّ هشامَ بنَ عروةَ الراوي لهُ عنْ أبيهِ لم يسمعْهُ منْ أبيهِ غيرُ صحيحٍ، فقدْ ثبتَ أنهُ سمعهُ منْ أبيهِ، فاندفعَ الْقَدْحُ وصحَّ الحديثُ (^١).\nوبهِ استدلَّ مَنْ سمعتَ منَ الصحابةِ والتابعينَ وأحمدَ والشافعيِّ على نقضِ مسِّ الذَّكَرِ للوضوءِ، والمرادُ مسُّهُ منْ غيرِ حائلٍ؛ لأنهُ أخرجِ ابنُ حبانَ في صحيحه (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ: \"إِذَا أَفْضَى أحدُكُمْ بِيَدِهِ إلى فرْجِهِ ليسَ دونَها حجابٌ ولا سِتْرٌ فقد وجَبَ عليهِ الوضوءُ\"، وصحَّحهُ الحاكمُ وابنُ عبدِ البرِّ.\nقالَ ابنُ السَّكَنِ: هُوَ أجودُ ما رُوِيَ في هذا البابِ (^٣). وزعمتِ الشافعيةُ أن الإفضاءَ لا يكونُ إلا بباطنِ الكفِّ، وأنهُ لا نقضَ إذا مسَّ الذكرَ بظاهرِ كفِّه، وردَّ عليهم المحقِّقونَ بأنَّ الإفضاءَ لغةً الوصولُ، أعمُّ منْ أنْ يكونَ بباطنِ الكفِّ [أوْ ظهرِها] (^٤).\nقالَ ابنُ حزمٍ (^٥): \"لا دليلَ على ما قالوهُ لا مِنْ كتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إجماعٍ، ولا قولِ صاحبٍ، ولا قياسٍ، ولا رأي صحيح\".\n_________\n= والدارمي (١/ ١٨٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧١)، والدارقطني (١/ ١٤٦ - ١٤٧ رقم ١ - ٤)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٤٣)، والبيهقي (١/ ١٢٨ - ١٣٠)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٣٣٢)، وابن حزم (١/ ٢٢٤ رقم المسألة ١٦٣)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٤٢ رقم ٥٨)، والطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٢٥٠ رقم ١١١٣)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ١١٦).\n(^١) انظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٢٢ رقم ١٦٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٢٢ رقم ١١١٥).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٣٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٣)، والطحاوي في (شرح المعاني\" (١/ ٧٤)، والدارقطني (١/ ١٤٧ رقم ٦)، والحاكم (١/ ١٣٨)، والبيهقي (١/ ١٣١)، وهو حديث حسن لغيره.\n(^٣) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٢٦).\n(^٤) في (أ): \"أو ظاهرها\".\n(^٥) في \"المحلى بالآثار\" (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":266},{"text":"وأيَّد [حديث] (^١) بُسرَةَ أحاديثُ أخر عنْ سبعةَ عشرَ صحابيًّا مخرَّجةً في كتبِ الحديثِ، ومنهُمْ طلقُ بنُ عليٍّ (^٢) راوي حديثِ عدمِ النقضِ [روي عنه النقض أيضًا] (^٣). وتأولَ مَنْ ذكرَ حديثَه في عدمِ النقضِ بأنهُ كانَ في أولِ الأمرِ، فإنهُ قدمَ في أولِ الهجرةِ قبلَ عمارتِهِ - ﷺ - مسجِدَهُ، فحديثُهُ منسوخٌ بحديثِ بُسْرَةَ، فإنَّها متأخرةُ الإسلامِ، وأحسنُ منَ القولِ بالنسخِ القولُ بالترجيح، فإنَّ حديثٌ بُسْرَةَ أرجحُ؛ لكثرةِ مَنْ صحَّحهُ منَ الأئمةِ ولكثرةِ شواهدِهِ (^٤)؛ ولأنَّ بُسرةَ حدَّثَتْ بهِ في\n_________\n(^١) في (ب): \"أحاديث\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (١/ ١٢٧ رقم ١٨٢)، والترمذي (١/ ١٣١ رقم ٨٥)، والنسائي (١/ ١٠١ رقم ١٦٥)، وابن ماجه (١/ ١٦٣ رقم ٤٨٣) وغيرهم، وهو حديث صحيح.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) منها: حديث جابر.\nأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٣٤)، وابن ماجه (١/ ١٦٢ رقم ٤٨٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٤)، والبيهقي (١/ ١٣٤)، وهو حديث صحيح لغيره.\nومنها: حديث أم حبيبة: أخرجه ابنُ ماجه (١/ ١٦٢ رقم ٤٨١)، والطحاوي في \"معاني الآثار\" (١/ ٧٥)، والبيهقي (١/ ١٣٠)، والخطيب في \"التاريخ\" (١١/ ٧٣)، وهو حديث حسن لغيره.\nومنها: حديث عبد الله بن عمرو: أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٢٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ١٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٧٥)، والدارقطني (١/ ١٤٧ رقم ٨)، والبيهقي (١/ ١٣٢)، وهو حديث صحيح.\nومنها: حديث زيد بن خالد: أخرجه أحمد (٥/ ١٩٤)، والبزار (١/ ١٤٨ رقم ٢٨٣ \"كشف الأستار\")، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٢٤٣ رقم ٥٢٢١ - ٥٢٢٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٣)، والبيهقي (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٤ - ٢٤٥) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح إلا أن ابن إسحاق مدلِّس وقد قال: حدثني.\nقلت: أي في رواية أحمد والطحاوي.\nومنها: حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٤٢ رقم ٥٩) عن سعد موقوفًا عليه، وكذلك البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٣١).\nومنها: حديث عائشة: أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٣، ٧٤)، وهو حديث ضعيف ضعَّفه النووي في \"المجموع\" (٢/ ٣٥).\n• وورد عن عائشة موقوفًا بالسند الصحيح أنها قالت: \"إذا مسَّت المرأة فرجها بيدها فعليها الوضوء\"، أخرجه الحاكم (١/ ١٣٨)، والبيهقي (١/ ١٣٣).\n• وأما ما أخرجه الدارقطني (١/ ١٤٧ - ١٤٨) عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ويل للذين يمسُّون فروجَهُم ثم يصلُّون ولا يتوضؤون\"، قالت عائشة: بأبي أنت وأمي هذا =","vol":"1","page":267},{"text":"دارِ المهاجرينَ والأنصارِ، وهمْ متوافرونَ، ولمْ يدفعْهُ أحدٌ، بلْ عَلِمْنَا أن بعضَهم صارَ إليهِ، وصارَ إليهِ عروةُ عنْ روايتِها، فإنهُ رجعَ إلى قولِهَا، وكانَ قبلَ ذلكَ يدفعهُ، وكانَ ابنُ عمرَ يحدِّثُ بهِ عنْها، ولمْ يزلْ يتوضأُ منْ مسِّ الذكرِ إلى أنْ ماتَ.\nقالَ البيهقيُّ: يكفي في ترجيحِ حديثِ بسرةَ على حديثِ طلقٍ بن عليٍّ أنهُ لمْ يخرجْهُ صاحِبَا الصحيحِ، ولم يحتجَّا بأحدٍ منْ رواتِهِ، وقدْ احتجَّا بجميعِ رواةِ حديثِ بُسْرَةَ، ثمَّ إنَّ حديثٌ طلقٍ منْ روايةٍ قيسِ بن طلقٍ. قالَ الشافعيُّ: قدْ سألنَا عنْ قيسِ بن طلقٍ فلمْ نجدْ مَنْ يعرفُهُ، فما يكونُ لنا قَبولُ خبرهِ.\nوقالَ أبو حاتمٍ وأبو زرعةَ: قيسُ بنُ طلقٍ ليسَ [ممن] (^١) تقومُ بهِ حجةٌ، وَوَهّيَاهُ. وأما مالكٌ فلما تعارضَ الحديثانِ [عنده] (^٢) قال بالوضوءِ مِنْ مسِّ الذَّكَرِ ندبًا لا وجوبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>لا يتوضأ من الرُّعاف والقيء والقَلْس</span>\n٨/ ٦٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَصَابَةُ قَيءٌ، أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلْسٌ، أَوْ مَذيٌ، فَلْيَنْصرِفْ فَلْيَتَوَضَّأ، ثُمّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاِتهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ\"، [ضعيف]\nأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَضَعّفَهُ أَحْمَدُ (^٤) وَغَيْرُهُ (^٥).\n_________\n= للرجال أفرأيت النساء؟ قال: \"إذا مسَّتْ إحداكنَّ فرجها فلتتوضأ للصلاة\". وهو حديث موضوع، لأن عبد الرحمن بن عبد الله كذاب.\nومنها: حديث ابن عباس: أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤١٨) وفي إسناده الضحاك بن حجوة وهو منكر الحديث.\n(^١) في (ب): \"فيمن\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٨٥ رقم ١٢٢١)، وهو حديث ضعيف.\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٩٩): \"هذا إسناد ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل عن الحجازيين وهي ضعيفة. رواه الدارقطني في سننه - (١/ ١٥٤ رقم ١٥) - من طريق إسماعيل بن عياش به. ورواه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٥٥) من طريق داود بن رشيد عن إسماعيل عن ابن جريج عن أبيه وعن ابن أبي مليكة عن عائشة، وله شواهد في \"مصنف ابن أبي شيبة\" عن الشعبي والحكم والقسم وسلام وغيرهم، وروى الترمذي في \"الجامع\" بعضه من حديث أبي الدرداء اهـ.\n(^٤) قال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا. كما في \"التلخيص\" (١/ ٢٧٥). قلت: وقد ضعف الحديث الألباني في \"ضعيف الجامع\" (رقم: ٥٤٣٤).\n(^٥) كالبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":268},{"text":"(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ قَيءٌ، أوْ رُعَافٌ، أو قَلْسٌ) بفتحِ القافِ، وسكونِ اللامِ وفتحِها، وسينٍ مهملةٍ (أوْ مَذْيٌ) أيْ مَنْ أصابهُ ذلكَ في صلاتهِ (فَلْيَتْصَرِفْ) مِنْهَا (فليتوضأْ ثمَّ لِيَبْنِ على صلاتهِ وهوَ في ذلكَ) أيْ: في حالِ انصرافهِ ووضوئهِ (لَا يَتَكلَّم).\n(أخرجه ابن ماجهَ، وضعَّفَه أحمدُ وغيرُهُ). وحاصلُ ما [ضعَّفوه] (^١) بهِ أن رفْعَهُ إلى النبيِّ - ﷺ - غلطٌ، والصحيح أنهُ مرسلٌ. قالَ أحمدُ والبيهقيُّ: المرسلُ الصوابُ، فَمَنْ يقولُ: إنَّ المرسلَ حجةٌ، قالَ: ينقضُ ما ذكرَ فيهِ.\nوالنقضُ بالقيءِ مذهبُ الهادويةِ والحنفيةِ، وشرطتِ الهادويةُ أنْ يكونَ من المعدةِ، إِذْ لا يُسَمَّى قيئًا إلَّا مَا كانَ مِنْها، وأنْ يكونَ ملءَ الفمِ دَفْعَةً، لورودِ ما يقيدُ المطلقَ هنا، وهوَ \"قيءُ ذارع ودَسْعةٍ - دفعةً - تملأُ الفمَ\" كما في حديثِ عمارٍ، وإنْ كانَ قَدْ ضُعِّفَ. وعند زيدِ بن عليٍّ أنهُ ينقضُ مطلقًا؛ عملًا بمطلقِ هذا الحديثِ، وكأنهُ لم يثبتْ عندَهُ حديثُ عمارٍ.\nوذهبَ جماعةٌ مِنْ أهلِ البيتِ، والشافعيِّ، ومالكٌ إلى أنَّ القيءَ غيرُ ناقضٍ، لعدمِ ثبوتِ حديثِ عائشةَ هذا مرفوعًا، والأصلُ عدمُ النقضِ، فلا يخرجُ عنهُ إلَّا بدليلٍ قويٍّ.\nوأمَّا الرُّعافُ ففي نقضهِ الخلافُ - أيضًا - فَمَنْ قَالَ بنقضهِ، فهوَ عملَ بهذا الحديثِ، ومَنْ قالَ بعدمِ نقضهِ، فإنهُ عَمِلَ بالأصلِ، ولمْ يرفعْ هذا الحديثَ.\nوأمَّا الدمُ الخارجُ مِنْ أيِّ موضعٍ منَ البدنِ غيرِ السبيلين، فيأتي الكلامُ عليهِ في حديثِ أنسٍ (^٢): \"أنه - ﷺ - احتجم وصلَّى ولمْ يتوضأُ\".\nوأمَّا القَلْسُ - وَهُوَ ما خرجَ مِنَ الحلقِ ملءَ الفمِ أَوْ دونَهُ وليسَ بقيءٍ، فإنْ عادَ فهوَ القيءُ - فالأكثرُ على أنهُ غيرُ ناقضٍ، لعدمِ نهوض الدليلِ، فلا يخرجُ [عن] (^٣) الأصلِ.\n_________\n(^١) في (أ): \"ضعفه\".\n(^٢) وهو حديث ضعيف، سيأتي تخريجه قريبًا (١٥/ ٧٥).\n(^٣) في النسخة (ب): \"من\".","vol":"1","page":269},{"text":"وأمَّا المذيُّ فتقدَّمَ الكلامُ عليهِ، وأنهُ ناقضٌ إجماعًا (^١).\nوأما ما أفادهُ الحديثُ: منَ البناءِ على الصلاةِ بعدَ الخروجِ منْها، وإعادةِ الوضوءِ حيثُ لم يتكلمْ، ففيهِ خلافٌ.\nفَرُويَ عنْ زيدِ بن عليٍّ، والحنفيةِ، ومالكٍ، وقديم قولَي الشافعيِّ، أنهُ يَبني ولا تفسدُ صلاتُهُ، بشرط ألَّا يفعلَ مفسِدًا، كما أشارَ إليهِ الحديثُ بقولهِ: (لا يتكلَّم). وقالتِ الهادويةُ والناصرُ والشافعيُّ - في آخرِ قوليْهِ -: إنَّ الحدثَ يفسدُ الصلاة؛ لما سيأتي منْ حديثِ طلقِ بن عليٍّ: \"إذا فَسَا أحدُكم في الصلاةِ فلينصرفْ وليتوضأْ، وليعُدِ الصلاةَ\"، رواهُ أبو داود (^٢)، ويأتي الكلامُ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-194>الوضوء من لحوم الإبل</span>\n٩/ ٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: \"إنْ شِئْتَ\"، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣).\n_________\n(^١) تقدَّم الكلام عليه رقم (٣/ ٦٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٤١ رقم ٢٠٥) و(١/ ٦١٠ رقم ١٠٠٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٣/ ٤٦٨ رقم ١١٦٤) وقال: حديث حسن، و(٣/ ٤٦٩ رقم ١١٦٦)، والبيهقي (٢/ ٢٥٥)، والدارقطني (١/ ١٥٣ رقم ١٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٧٧ رقم ٧٥٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤/ ٤ رقم ٢٢٣٤)، وفي \"الثقات\" (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ١٣٩ رقم ٥٢٩)، والدارمي (١/ ٢٦٠)، والنسائي في \"عشرة النساء\" (ص ١٣٧ - ١٣٨ رقم ١٣٨ - ١٤٠) من طرق.\nوهو حديث حسن بشواهده.\nوانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٦٢)، و\"الجوهر النقي\" (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٧٥ رقم ٣٦٠).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٠٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٧٠)، وابن ماجه (١/ ١٦٦ رقم ٤٩٥)، وابن الجارود (رقم ٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٨)، وفي معرفة \"السنن والآثار\" (١/ ٤٠٢)، وابن خزيمة (١/ ٢١)، وأبو عوانة (١/ ٢٧٠ - ٢٧١)، والطيالسي (ص ١٠٤ رقم ٧٦٦).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>ترجمة جابر بن سمُرة</span>\n(وَعَنْ جَابرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ -) (^١) بفتحِ السينِ المهملةِ، وضمِّ الميمِ، فراءٍ.\n[هو] (^٢) أبو عبدِ اللَّهِ، وأبو خالدٍ، جابرُ بنُ سَمُرَةَ العامريُّ. نزلَ الكوفةَ وماتَ بها سنةَ أربعٍ وسبعينَ، وقيلَ: [سنة] (٢) ستٍّ وستينَ. (أن رجلًا سألَ النبيَّ - ﷺ -: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟) أي: منْ أكلِها؟ (قَالَ: إنْ شِئْتَ، قالَ: أَتَوَضَأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ. أخرجَهُ مسلمٌ)، وَرَوَى نحوَهُ أبو داودُ (^٣)، والترمذيُّ (^٤)، وابنُ ماجهَ (^٥)، وغيرُهم، منْ حديثِ البراءِ بن عازبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"توضَّأوا منْ لحومِ الإبلِ ولا توضَّأوا منْ لحومِ الغنمِ\". قالَ ابنُ خزيمةَ (^٦): لمْ أرَ خِلافًا بينَ علماءِ الحديثِ أن هذا الخبرَ صحيحٌ مِنْ جِهةِ النقلِ؛ لعدالةِ ناقليهِ.\nوالحديثانِ دليلانِ على نقضِ لحومِ الإبلِ [للوضوء] (^٧)، وأنَّ مَنْ أكلَها انتقضَ وضوؤُه. وقالَ بهذَا أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ المنذرِ، وابنُ خزيمةَ، واختَارهُ البيهقيُّ، وحكاهُ عنْ أصحابِ الحديثِ مطلقًا، وحكي عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: إنْ صحَّ الحديثُ في لحومِ الإبلِ قلتُ بهِ. قالَ البيهقيُّ (^٨): قدْ صحَّ فيهِ حديثانِ: حديثُ جابرٍ، وحديثُ البراءِ.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٦/ ٢٤)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٨٦ رقم ٢٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٤٢ رقم ٩٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٥ رقم ٦٢)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ١١٧ - ١١٨ رقم ٣٠٠)، و\"الإصابة\" (٢/ ٤٢ رقم ١٠١٤)، و\"البداية والنهاية (٦/ ٢٠٥) و(٧/ ١٠٣)، و\"تاريخ الطبري\" (١/ ٩) و(٣/ ٩١)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٢/ ١٩٤ - ٢٥٧ رقم ١٩٤).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٢٨ رقم ١٨٤).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٢٢ رقم ٨١).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ١٦٦ رقم ٤٩٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٨٨ - ٣٠٢)، وابن الجارود (رقم ٢٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٢٢٦ رقم ١١٢٥)، وابن خزيمة (١/ ٢٢ رقم ٣٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٩)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤٠٥) وغيرهم. وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢).\n(^٧) زيادة من \"ب\".\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":271},{"text":"وذهبَ إلى خلافهِ جماعةٌ منَ الصحابةِ والتابعين والهادويةُ، ويروى عن الشافعيِّ وأبِي حنيفةَ. قالوا: والحديثانِ إِما منسوخانِ بحديثِ: \"إنهُ كانَ آخِرَ الأمرينِ منهُ - ﷺ - عدمُ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ\"، أخرجهُ الأربعةُ (^١)، وابنُ حِبَّانَ (^٢) منْ حديثِ جابرٍ.\nقالَ النوويُّ (^٣): دعوى النسخِ باطلةٌ؛ لأنَّ هذا الأخيرَ عامٌّ، وذلكَ خاصٌّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. وكلامهُ هذا مبنيٌّ على تقديمِ الخاصِّ على العامِّ مطلقًا، تقدَّمَ الخاصُّ أوْ تأخَّرَ، وهي مسألةٌ خلافيةٌ [فِي الأصولِ] (^٤) بينَ الأصوليينَ.\nأو أن المرادَ بالوضوءِ التنظيفُ، وهوَ غسلُ اليدِ لأجلِ الزهومةِ، كما جاءَ في الوضوءِ منِ اللبنِ، وأنَّ لهُ دَسَمًا، والواردُ في اللبنِ التمضمضُ من شربهِ. وذهبَ البعض إلى أنَّ الأمرَ [الوارد] (^٥) في الوضوءِ من لحومِ الإبلِ للاستحبابِ لا للإيجابِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الأمرِ.\n[قال الزركشي: \"وإنما أمر الشارع بالوضوء من لحوم الإبل؛ لأنها خلقت من الجان، ولهذا أمر بالتسمية عند ركوبها، فأمر بالوضوء من أكلها، كما أمر بالوضوء عند الغضب؛ ليزول استيلاء الغضب\" اهـ.\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (١/ ١٣٣ رقم ١٩١)، والترمذي (١/ ١١٦ رقم ٨٠)، والنسائي (١/ ١٠٨)، وابن ماجه (١/ ١٦٤ رقم ٤٨٩).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٣٠ رقم ١١٣٥).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٦٥، ٦٧)، والبيهقي (١/ ١٥٥ - ١٥٦) و(١/ ١٥٤ - ١٥٥)، وأحمد (٣/ ٣٠٤)، والطيالسي (ص ٢٣٣ رقم ١٦٧٠)، والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٣٦)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٢٤)، وقد أعلَّ الحديث بعض العلماء كالشافعي كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١١٦)، وابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٦٤ رقم ١٦٨) وغيرهم.\nوردَّ عليهم الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في \"شرح الترمذي\" (١/ ١١٧)، وابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (١/ ١٥٦)، وابن حزم في \"المحلى بالآثار\" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، واللَّه أعلم.\n(^٣) في \"المجموع\" (٢/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"1","page":272},{"text":"قلت: وقد ورد أنها خلقت من الشياطين، وأن على ذروة كل بعير شيطانًا] (^١). أمَّا لحومُ الغنمِ فلا نقضَ بأكلِها بالاتفاقِ، كذا قيلَ، ولكنْ حُكِيَ في \"شرحِ السنَّةِ\" (^٢) وجوبُ الوضوءِ مما مسَّتِ النارُ، وعنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ أنهُ كانَ يتوضأُ مِنْ أكلِ السكرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-196>جواز تجديد الوضوء على الوضوء</span>\nقلتُ: وفِي الحديثِ مأخذٌ لتجديدِ الوضوءِ على الوضوءِ، فإنهُ حكمَ بعدمِ نقضِ الأكلِ مِنْ لحومِ الغنمِ، وأجازَ لهُ الوضوءَ، وهوَ تجديدٌ للوضوءِ على الوضوءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>الوضوء من غسل الميت وحمله</span>\n١٠/ ٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ غَسّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوضَّأ\". [حسن]\nأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَالنَّسَائِيُّ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسّنَهُ (^٥). وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) للإمام البغوي (١/ ٣٤٩).\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٤٣٣، ٤٥٤، ٤٧٢) من طريق ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة. وصالح ضعيف.\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ٣٠٥ رقم ٢٣١٤)، والبيهقي (١/ ٣٠٣) من الطريق نفسه.\nوأعلَّه البيهقي بقوله: \"وصالح مولى التوأمة ليس بالقوي\".\nلكن تعقبه ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" بقوله: \"رواه عن صالح بن أبي ذئب، وقال قال ابن معينٍ: صالح ثقة حجة، ومالك والثوري أدركاه بعدما تغير، وابن أبي ذئب سمع منه قبل ذلك، وقال السعدي: حديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لثبته وسماعه القديم منه. وقال ابن عدي: لا أعرف لصالح حديثًا منكرًا قبل الاختلاط\" اهـ.\n(^٤) لم أعثر عليه في \"السنن\" \"المجتبى\"، ولم يعزه المزي في \"الأطراف\" - (٩/ ٢٩٤ رقم ١٢١٨٤) و(١٠/ ٢٩١ رقم ١٤٢٧٥) و(٩/ ٤١٤ رقم ١٢٧٢٦) - للنسائي، واللَّه أعلم.\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٣١٨ رقم ٩٩٣)، وقال: حديث حسن.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ٥١٢ رقم ٣١٦٢)، وابن ماجه (١/ ٤٧٠ رقم ١٤٦٣) مختصرًا، وأحمد في \"المسند\" (١٤/ ١٠٦ رقم ٧٦٧٥ - شاكر) كلهم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وإسناده صحيح إلا أن أبا داود أدخل بين=","vol":"1","page":273},{"text":"يَصحُّ في هذَا الْبَابِ شَيءٌ (^١).\n(وَعَنْ أَبِي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوضَّأْ. أخرجه أحمد، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وحسَّنه. وقالَ أحمد: لا يصحُّ في هذا الباب شيءٌ)؛ وذلكَ لأنهُ أخرجهُ أحمدُ منْ طريقٍ فيها ضعيفٌ، ولكنْ قدْ حسَّنهُ الترمذيُّ (^٢)، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (^٣)؛ لورودهِ منْ [طرقٍ] (^٤) ليسَ فيها ضعفٌ، وذكرَ الماورديُّ أن بعضَ أصحابِ الحديث خرَّجَ لهُ مائةً وعشرينَ طريقًا (^٥).\nوقالَ أحمدُ: إنهُ منسوخٌ بما رواهُ البيهقيُّ (^٦) عن ابن عباسٍ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"ليسَ عليكمْ في غَسلِ ميِّتكمْ غُسلٌ إذا غسلتموهُ، إنَّ ميتَكم يموتُ طاهرًا وليسَ بنجسٍ، فحسبُكم أن تغسلوا أيديَكُمْ\"، ولكنَّهُ ضعَّفهُ البيهقيُّ.\n_________\n= أبي صالح وأبي هريرة \"إسحاق مولى زائدة\" وهو ثقة، وإعلاله بكونه روي موقوفًا عن أبي هريرة أيضًا ليس بشيءٍ؛ لأن الرفع زيادةٌ يجب قبولها إذا جاءت عن ثقةٍ.\nقلت: وللحديث طريقان آخران عند أحمد (٢/ ٢٨٠)، وأبي داود (٣/ ٥١١ رقم ٣١٦١). وله شواهد من حديث عائشة وعلي، وحذيفة وأبي سعيد. انظر تخريجهما في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الطهارة.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٣٧): وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا. وأما قول أحمد: \"لا يصح في هذا الباب شيء\"، فهو مردود بما قدَّمنا من صحَّة الحديث.\n(^١) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٣٧) عن أحمد أن الحديث منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود.\nقلت: ونقل أبو داود في \"مسائل الإمام أحمد\" (ص ١٥١) عندما سئل عن الغسل من غسل الميت؟ قال: يثبت فيه حديث أبي هريرة …\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣١٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٣٩ رقم ١١٥٨).\n(^٤) في النسخة (أ): \"طريق\".\n(^٥) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٣٧) وقال: \"وليس ذلك ببعيد\".\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٩٨).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٦)، وقال: صحيح على شرط البخاري.\nووافقه الذهبي.\nقلت: إنما هو حسن الإسناد كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٣٨): لأن فيه عمرو بن عمرو، وفيه كلام. وقد قال الذهبي نفسه في \"الميزان\" (٣/ ٢٨٢) بعد أن ساق أقوال الأئمة فيه: \"حديثه صالح حسن منحط عن الدرجة العليا من الصحيح\".","vol":"1","page":274},{"text":"وتعقَّبهُ المصنفُ (^١) لأنهُ قالَ البيهقيُّ: هذا ضعيف، والحملُ فيهِ على أبي شيبةَ. فقالَ المصنفُ: أبو شيبةَ هو إبراهيمُ بنُ أبي بكرِ بن شيبةَ احتجّ بهِ النسائيُّ ووثقهُ الناسُ، ومَنْ فوقهُ احتجَّ بهمُ البخاريُّ، إلى أنْ قالَ: فالحديثُ حسنٌ. ثمَّ قالَ - في الجمعِ بينهُ وبينَ الأمرِ في حديثِ أبي هريرةَ -: إِنَّ الأمرَ للندبِ.\nقلتُ: وقرينتهُ حديثُ ابن عباسٍ هذَا، وحديثُ ابن عمرَ عندَ عبدِ اللَّهِ بن أحمدَ (^٢): \"كنا نغسلُ الميتَ فمنَّا مَنْ يغتسلُ، ومنَّا مَنْ لا يغتسلُ\".\nقَالَ المصنفُ (^٣): إسنادُه صحيحٌ، وهوَ أحسنُ ما جُمعَ بهِ بينَ هذهِ الأحاديثِ. وأما قولُهُ: (ومَنْ حملهُ فليتوضأ) فلا أعلمُ قائلًا يقولُ بأنهُ يجبُ الوضوءُ مِنْ [حملِ الميتِ] (^٤) ولا يندبُ.\nقلتُ: ولكنهُ معَ نهوضِ الحديثِ لا عذرَ عن العملِ بهِ، ويفسرُ الوضوءُ بغسلِ اليدينِ كما [أفاده حديث ابن عباس ويكون للندب كما] (^٥) يفيدُه التعليلُ بقولهِ: \"إن ميتَكمْ يموتُ طاهرًا\"؛ فإنَّ لمسَ الطاهرِ لا يوجبُ غسلَ اليدينِ منهُ، فيكونُ في حملِ الميتِ غَسْلُ اليدينِ ندبًا تعبُّدًا، إذ المرادُ إذا حملهُ مباشرًا لبدنه [بقرينة] (^٦) السياقِ، ولقولهِ: \"يموتُ طاهرًا\"؛ فإنهُ لا يناسبُ ذلكَ إلَّا مَنْ يباشرُ بدنَه بالحملِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-198>لا يمس القرآن إلا طاهر</span>\n١١/ ٧١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - أَنَّ في الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ\n_________\n(^١) في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٨).\n(^٢) أي: من طريقه.\nأخرج الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٢٤): من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: \"كنا نغسل الميت فمنَّا من يغتسل ومنا من لا يغتسل؟ قال: قلت: لا، قال: في ذاك الجانب (المخرم) شاب يقال له: محمد بن عبد الله يحدِّث به عن أبى هشام المخزومي عن وهيب فاكتبه عنه\".\nوأخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٧٢ رقم ٤).\n(^٣) في \"التلخيص\" (١/ ١٣٨).\n(^٤) في (أ): حملها.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"لقرينة\".","vol":"1","page":275},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بْنِ حَزْمٍ: \"أَنْ لَا يَمَسَّ القُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ\". [حسن بشواهده]\nرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا (^١)، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ (^٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣)، وَهُوَ مَعْلُولٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>ترجمة عبد الله بن أبي بكر بن حزم</span>\n(وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ) (^٤).\nهُوَ ابنُ أبي بكرٍ الصدِّيقِ، أمهُ وأمُّ أسماءَ واحدةٌ، أسلمَ قديمًا وشهدَ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - الطائفَ، وأصابهُ سهمٌ انتقضَ عليهِ بعدَ سنينَ فماتَ منهُ في شوالَ سنةَ إحدى عَشْرَة، وصلَّى عليهِ أبوهُ. (أن في الكتابِ الذي كَتَبَهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لعمرِو بن حَزْمٍ).\n\n<span data-type='title' id=toc-200>ترجمة عمرو بن حزم</span>\nهوَ عمرُو بنُ حزمٍ بن زيدٍ الخزرجيُّ البخاريُّ يُكْنَى أبا الضحاكِ. أولُ مشاهدهِ الخندقُ، واستعملهُ - ﷺ - على نجرانَ، وهوَ ابنُ سبعَ عشْرةَ سنةً؛ ليفقِّهَهُمْ في الدينِ ويعلِّمَهُمْ القرآنَ، ويأخذَ صدقاتِهمْ، وكتبَ لهُ كتابًا فيهِ الفرائضُ والسننُ والصدقاتُ والدياتُ. وتوفيَ عمرُو بنُ حزمٍ في خلافةِ عمرَ [بالمدينة] (^٥)، ذكرَ هذا ابنُ عبدِ البرّ في \"الاستيعابِ\" (^٦). (أنْ لا يمسَّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ. رواهُ مالكٌ مرسلًا، ووصله النسائيُّ، وابنُ حبانَ، وهوَ معلولٌ).\nحقيقةُ المعلولِ (^٧): الحديثُ الذي يطَّلعُ على الوهمِ فيهِ بالقرائنِ وجمعِ الطرقِ فيقالُ لهُ: معلَّلٌ ومعلولٌ، والأجودُ أنْ يقالَ [فيه] (^٨): المعَلُّ، مِنْ أَعلَّهُ.\n_________\n(^١) في \"الموطأ\" (١/ ١٩٩ رقم ١).\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ٥٧ - ٥٨ رقم ٤٨٥٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (ص ٢٠٢ رقم ٧٩٣ - \"الموارد\").\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٧/ ٩٩ رقم ٥٨٠٥)، و\"الاستيعاب\" (٨/ ٢٩٩ - ٣٠٠ رقم ١٩٠٧)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٥) في (أ): \"في المدينة\".\n(^٦) (٨/ ٣٠٠).\n(^٧) انظر: \"قواعد التحديث\" للقاسمي (ص ١٣١)، و\"شرح المنظومة البيقونيَّة\" (ص ١٣٥ - ١٣٧).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"1","page":276},{"text":"والعلةُ: عبارةٌ عنْ أَسباب خفيةٍ غامضةٍ طرأتْ على الحديثِ؛ فأثَّرتْ فيهِ وقدَحتْ، وهوَ مِنْ أغمضِ أنواعِ الحديثِ وأدقِّها، ولا يَقومُ بذلكَ إلا من رزقهُ اللَّهُ فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفةً تامةً بمراتبِ الرواةِ، وَمَلَكَةً قويةً بالأسانيدِ والمتونِ.\nوَإِنَّمَا قالَ المصنفُ: إنَّ هذا الحديثَ معلولٌ؛ لأنهُ مِنْ روايةٍ سليمانَ بن داودَ، وهوَ متفقٌ على تركهِ، كما قاله ابنُ حزمٍ (^١)، وَوَهِمَ في ذلكَ، فإنهُ ظنَّ أنهُ سليمانُ بنُ داودَ اليمانيُّ، وليسَ كذلكَ، بلْ هوَ سليمانُ بنُ داودَ الخولانيُّ (^٢)، وهوَ ثقةٌ أَثَنى عليهِ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ، وعثمانُ بنُ سعيدٍ، وجماعةٌ مِنَ الحفاظِ، واليمانيُّ هوَ المتفقُ على ضعفِهِ (^٣)، وكتابُ عمرِو بن حزمٍ تلقَّاهُ النَّاسُ بالقَبولِ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِ: [إنهُ] (^٤) أشبهَ المتواترَ لتلقِّي الناسِ له بالقبولِ. وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلمُ كتابًا أصحَّ منْ هذا الكتابِ؛ فإنَّ أصحابَ رسولِ الله - ﷺ - والتابعينَ يرجعونَ إليهِ ويَدَعُونَ رأيهَم. وقال الحاكمُ (^٥): قدْ شهدَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وإمامُ عصرهِ الزهريُّ بالصحةِ لهذا الكتابِ.\nوفي البابِ منْ حديثِ حكيمِ بن حزامٍ (^٦): \"لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ\"، وإنْ\n_________\n(^١) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٣٦٤).\n(^٢) قلت: والجمهور على توثيقه.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٠ رقم ١٧٩٠)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ١١٠ رقم ٤٨٦)، و\"الميزان\" (٢/ ٢٠٠ - ٢٠٢ رقم ٣٤٤٨)، و\"الكامل\" (٣/ ١١٢٣ - ١١٢٤).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الكامل\" (٣/ ١١٢٥ - ١١٢٦)، و\"لسان الميزان\" (٣/ ٨٣)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ١١ رقم ١٧٩٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ١١٠ رقم ٤٨٧).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٧).\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٢٢٩ رقم ٣١٣٥)، و\"الأوسط\" (١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ - \"مجمع الزوائد\")، والحاكم (٣/ ٤٨٥)، واللالكائي (٢/ ٣٤٥ رقم ٥٧٤)، والدارقطني (١/ ٢٢٢ رقم ٦).\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وتعقَّبهما الألباني في \"الإرواء\" (١/ ١٥٩) بقوله: \"أنَّى له الصحَّة وهو لا يروى إلا بهذا الإسناد كما قال الطبراني\".\nقلت: فيه \"مطر بن طهمان الوراق\" ضعَّفه الجمهور وأخرج له مسلم في \"المتابعات\".\nانظر: \"الميزان\" (٤/ ١٢٦). وفيه: \"أبو حاتم سويد بن إبراهيم العطار\"، ضعَّفه جماعة.\nانظر: \"الميزان\" (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":277},{"text":"كانَ في إسنادِهِ مقالٌ، إلَّا أنهُ ذكرَ الهيثميُّ في \"مجمعِ الزوائدِ\" (^١) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ أنهُ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يمسُّ القرآنَ إلَّا طاهرٌ\".\nقال الهيثميُّ: رجالهُ موثقونَ. وذكرَ لهُ شاهدين (^٢)، ولكنهُ يبقَى النظرُ في المرادِ من الطاهرِ، فإنهُ لفظٌ مشتركٌ يُطْلَقُ على الطاهرِ من الحدثِ الأكبرِ، والطاهرِ منَ الحدثِ الأصغرِ، ويطلقُ على المؤمنِ، وعلى مَنْ ليسَ على بدنهِ نجاسةٌ، ولا بدَّ لحملهِ على [معنى] (^٣) معيَّنٍ من قرينةٍ.\nوأما قولُهُ تَعَالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^٤)، فالأوضحُ أن الضميرَ للكتابِ المكنونِ الذي سبقَ ذكرُهُ في صدرِ الآيةِ، وأنَّ \"المطَهَّرون\" همُ الملائكةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>ذكر الله على كل حال</span>\n١٢/ ٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٦).\nقلت: وحديث عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٣١٣ رقم ١٣٢١٧)، وفي \"الصغير\" (٢/ ٢٧٧ رقم ١١٦٢)، والدارقطني (١/ ١٢١ رقم ٣)، والبيهقي (١/ ٨٨)، واللالكائي في \"أصول اعتقاد أهل السنة\" (٢/ ٣٤٤ رقم ٥٧٣)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٧٦) وقال: (رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الصغير\" ورجاله موثقون). وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٣١): \"وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به\".\nوقال الطبراني: \"لم يروه عن سليمان إلا ابن جريج ولا عنه إلا أبو عاصم، تفرَّد به سعيد بن محمد\".\nقلت: سعيد بن محمد مجهول الحال، ترجم له الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٩٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذلك ابن ماكولا في \"الإكمال\" (١/ ٥٦٢)، وبقية رجال الإسناد ثقات غير أن ابن جريج مدلس وقد عنعنه.\n(^٢) الأول: حديث حكيم بن حزام تقدم تخريجه آنفًا.\nوالثاني: حديث عثمان بن أبي العاص: أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٣٣ رقم ٨٣٣٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٧٤).\nوقال: \"فيه إسماعيل بن رافع\" ضعفه ابن معين والنسائي، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة الواقعة: الآية ٧٩. وانظر: تفسير ابن الجوزي \"زاد المسير\" (٨/ ١٥٢)، و\"تفسير ابن كثير\" (٤/ ٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"1","page":278},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يَذْكرُ اللَّهَ عَلى كلِّ أحيانِهِ. رواهُ مسلمٌ وعلَّقهُ البخاريُّ).\nوالحديثُ مقرِّرٌ للأصلِ، وهوَ ذكرُ اللَّهِ على كلِّ حال منَ الأحوالِ، وهوَ ظاهرٌ في عموم الذكرِ، فتدخلُ تلاوةُ القرآنِ ولوْ كَانَ جُنُبًا، إلَّا أنهُ قدْ [خَصَّصَهُ] (^٣) حديثُ عليٍّ (^٤) - ﵇ - الذي في بابِ الغُسلِ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يقرئُنا القرآنَ، ما لمْ يكن جُنُبًا\"، وأحاديثُ أخرُ في معناهُ تأتي، وكذلكَ هوَ مخصَّصٌ بحالةِ الغائطِ، والبولِ، والجماعِ (^٥).\nوالمرادُ بكلِّ أحيانِهِ معظمُها، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^٦). والمصنفُ ذكرَ الحديثَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أن نواقضَ الوضوءِ مانعةٌ منْ ذكرِ اللَّهِ تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>النوم مظَنَّة لنقض الوضوء</span>\n١٣/ ٧٣ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"العينُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَق الْوِكَاءُ\".\nرَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)، وَالطَّبَرَانيُّ (^٨). [حسن]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٨٢ رقم ١١٧/ ٣٧٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ١١٤ - الباب ١٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٤ رقم ١٨)، والترمذي (٥/ ٤٦٣ رقم ٣٣٨٤)، وابن ماجه (١/ ١١٠ رقم ٣٠٢)، وأحمد (٦/ ٧٠، ١٥٣، ٢٧٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٤ رقم ٢٧٤)، والبيهقي (١/ ٩٠)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٨٩٣)، وأبو عوانة (١/ ٢١٧).\n(^٣) في النسخة (أ): \"خصَّه\".\n(^٤) وهو حديث ضعيف سيأتي تخريجه رقم (٨/ ١٠٦).\n(^٥) لأنه قال في \"فتح العلَّام\": إذا حمل الذكر في الحديث على ذكر اللسان، وأما إذا أريد به الذكر بالجَنان فلا مانع من ذلك.\n(^٦) سورة آل عمران: الآية ١٩١.\n(^٧) في \"المسند\" (٤/ ٩٦ - ٩٧).\n(^٨) في \"الكبير\" (١/ ٢٤٧) \"مجمع الزوائد\".\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ١٨٤)، والدارقطني (١/ ١٦٠ رقم ٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٧١).","vol":"1","page":279},{"text":"- وَزَادَ: \"وَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ\"، وَهذ الزِّيَادَةُ في هذَا الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (^١) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ دُونَ قَوْلِهِ: \"اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ\"، وَفِي كِلَا الإِسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ (^٢). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-203>ترجمة معاوية بن أبي سفيان</span>\n(وَعَنْ مُعَاوِيةَ) (^٣).\nهوَ ابنُ أبي سُفيانَ صخرِ بنْ حربٍ، هوَ وأبوهُ منْ مُسْلِمَةِ الفتحِ، ومنَ المؤلَّفةِ قلوبُهم، ولَّاهُ عمرُ الشامَ بعدَ موتِ يزيدَ بن أبي سفيانَ، ولمْ يزلْ بها متولِّيًا أربعينَ سنة إلى أنْ ماتَ سنةً ستينَ في شهرِ رجبٍ بدمشقَ، ولهُ ثمانٍ وسبعونَ سنةً.\n(قَالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: العَيْنُ) أرادَ الجنسَ، والمرادُ العينانِ منْ كلِّ إنسانٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٤٠ رقم ٢٠٣).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٦١ رقم ٤٧٧)، والبيهقي (١/ ١١٨)، وهو حديث حسن. حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (رقم ١٣٣).\n(^٢) • في إسناد حديث معاوية: أبو بكر بن أبي مريم: ضعيف.\nانظر ترجمته في: \"الكبير\" (٩/ ٩ رقم ٥٥)، والمجروحين (٣/ ١٤٦ - ١٤٧)، و\"الميزان\" ٤١/ ٤٩٧ رقم ١٠٠٠٦)، و\"التقريب\" (٢/ ٣٩٨ رقم ٧٠)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ٤٥٤ رقم ٥٣٩٨).\n• في إسناد حديث علي: الوَضِيْنُ بن عطاء: صدوق سيء الحفظ ورُمِيَ بالقدر.\nانظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٥٠ رقم ٢١٣)، و\"الميزان\" (٤/ ٣٣٤)، و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٣٣١ رقم ٣٤).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٣٢ - ٣٣) و(٧/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، و\"تاريخ الطبري\" (١/ ١٣٥، ٤٥٨، ٦٣٧) و(٣/ ٤٥، ٨٧، ١٣٨، ١٩٣) و(٥/ ٧)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ٢٠٧ - ٢١٠ رقم ٤٨)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ١٠٧ رقم ٦٦٥٦)، و\"الكامل في التاريخ\" (٤/ ٥ - ٩)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ١٠٢ - ١٠٤ رقم ١٤٩)، و\"البداية والنهاية\" (١/ ١٥٠) و(٦/ ١٧٨، ٢٥٠)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٥٤ - ٣٥٨)، و\"العقد الثمين\" (٧/ ٢٢٧ - ٢٣٧ رقم ٢٤٧٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٨٧ رقم ٣٨٧)، و\"المطالب العالية\" (٨/ ١٠٤ رقم ٤٠٨٥)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٦٥)، و\"العبر\" (١/ ٤٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٧٧ رقم ١٧٢٣).","vol":"1","page":280},{"text":"(وِكاءُ) بكسرِ الواوِ والمدِّ (السَّهِ) بفتحِ السين المهملةِ، وكسرِ الهاءِ هي الدُّبُر، والوكاءُ ما يربطُ بهِ الخريطةُ أو نحوهَا.\n(فَإِذَا نَامَتِ العَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الوكَاءُ) أي: انحلَّ، (رواهُ أحمدُ والطبرانيُّ. وزادَ) الطبرانيُّ: (ومَنْ نامَ فَلْيَتَوَضأْ. وهذِهِ الزيادةُ في هذا الحديثِ) وهي قولُهُ: (ومنْ نامَ فليتوضأ) (عندَ أبي دَاوُدَ مِنْ حديثِ عَليٍّ ﵇) ولفظهُ: \"العينُ وكاءُ السَّهِ، فمنْ نامَ فليتوضأ\"، (دونَ قولهِ: اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ. وفي كِلا الإسنادَيْنِ ضَعْفٌ). إسنادِ حديثِ معاويةَ، وإسنادِ حديثِ عليٍّ، فإنَّ في إسنادِ حديثِ معاويةَ: بقيةَ عنْ أبي بكرٍ بن أبي مريمَ، وهوَ ضعيفٌ، وفي حديث عليٍّ أيضًا: بقيةُ عن الوَضِينِ بن عطاء؟.\nقالَ ابنُ أبي حاتمٍ (^١): سألتُ أبي عنْ هذينِ الحديثينِ فقالَ: ليسا بقويَّيْنِ. وقالَ أحمدُ (^٢): حديثُ عليٍّ أثبتُ منْ حديثِ معاويةَ. وحَسَّنَ المنذريُّ، والنوويُّ، وابنُ الصَّلاحِ حديثَ عليٍّ (^٣) ﵇.\nوالحديثانِ يدلَّانِ على أن النَّومَ ليسَ بناقضٍ بنفسهِ، وإنَّما هوَ مَظَنَّةُ النقضِ، فَهُمَا مِنْ أدلَّةِ القائلينَ بذلكَ، ودليلٌ [على] (^٤) أنهُ لا ينقضُ إلا النومُ المستغرِقُ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ. وكانَ الأَوْلَى بحسنِ الترتيبِ أنْ يذْكُرَ المصنفُ هذا الحديثَ عَقِبَ حديثِ أنسٍ في أولِ بابِ النواقضِ كما لا يَخْفَى.\n١٤/ ٧٤ - وَلأبي دَاوُدَ (^٥) - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - مَرْفُوعًا: \"إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا\". [منكر]\n_________\n(^١) في \"العلل\" (١/ ٤٧ رقم ١٠٦).\n(^٢) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١١٨ رقم ١٥٩).\n(^٣) وحسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (رقم ١١٣).\n(^٤) في (أ): \"في\".\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ١٣٩ رقم ٢٠٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١/ ١١١ رقم ٧٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٥٧ رقم ١٢٧٤٨)، والدارقطني (١/ ١٥٩ رقم ١)، والبيهقي (١/ ١٢١)، وأحمد (١/ ٢٥٦) وهو منقطع؛ لأن أبا خالد الدالاني لم يسمع من قتادة. وانظر: \"مختصر أبي داود\" (١/ ١٤٤ رقم ١٩٠) للمنذري، فقد تكلم على الحديث فأجاد وأفاد.\nوالخلاصة: أنه حديث منكر، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":281},{"text":"وَفِي إسنادِه ضَعْفٌ أَيْضًا.\n(وَلأَبِي دَاوُدَ أيضًا عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ مرفوعًا: إنَّما الوضُوء على مَنْ نَامَ مضْطَجِعًا، وفي إسنادِهِ ضعفٌ أيضًا)؛ لأنهُ قالَ أبو داودَ (^١): إنهُ حديثْ منكرٌ. وبَيَّنَ وَجْهَ [نَكَارتهِ] (^٢)، وفيه الحصر على أنهُ لا ينقضُ إلَّا نومُ المضْطَجعِ لا غيرُ، ولو استغرقَهُ النومُ، فالجمعُ بينهُ وبينَ ما مضَى مِنَ الأحاديثِ أنهُ خرجَ عَلَى الأغلبِ، فإنَّ الأغلبَ على مَنْ أرادَ النومَ الاضطجاعُ، فلا معارضةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-204>خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض للوضوء</span>\n١٥/ ٧٥ - وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأ.\nأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^٣) وَليَّنَهُ (^٤). [ضعيف]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوضَّأ. أخرجه الدارقطني وليَّنَهُ)، أي قالَ: هوَ ليِّن. وذلكَ؛ لأنَّ في إسنادهِ صالحَ بنَ مقاتلٍ، وليسَ بالقويِّ، وذكرهُ النوويُّ في فصلِ الضعيفِ (^٥). والحديثُ دليلٌ، ومقرِّرٌ للأصلِ على أن خروجَ الدمِ منَ البدنِ غيرَ الفرجين لا ينقضُ الوضوءَ.\nوفي البابِ أحاديثُ تفيدُ عدمَ نقضهِ عن ابن عمرَ (^٦)، .........................\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٣٩).\n(^٢) في (أ): \"إنكاره في السنن\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٥١ رقم ٢)، وفي سنده \"صالح بن مقاتل\". قال عنه الدارقطني: يُحدث عن أبيه ليس بالقوي.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) حديث أنس هذا ورد في المخطوطتين قبل الحديث السابق من حيث الترتيب.\n(^٥) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١١٣ رقم ١٥٢).\n(^٦) أخرجه البخاري تعليقًا في \"الوضوء\" (١/ ٢٨٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ١٤٥ رقم ٥٥٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٣٨)، والبيهقي (١/ ١٤١)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ١٧٢ رقم ٦٥).\nعن بكير بن عبد الله المزني أن ابن عمر عصر بثرةً بين عينيه، فخرج منها شيءٌ ففتَّه بين أصبعيه، ثم صلَّى ولم يتوضأ، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":282},{"text":"وابنِ عباسٍ (^١)، وابنِ أبي أَوْفَى (^٢).\nوقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ: فالهادويةُ على أنهُ ناقضٌ بشرطِ أنْ يكونَ سائلًا يقطرُ، أو يكونَ قَدْرَ الشعيرةِ يسيلُ في وقتٍ واحدٍ منْ موضعٍ واحدٍ إلى ما يمكنُ تطهيرُهُ.\nوقالَ زيدُ بنُ عليٍّ، والشافعيُّ، ومالكٌ، والناصرُ، وجماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ: إنَّ خروجَ الدمِ منَ البدنِ منْ غيرِ السبيلينِ ليسَ بناقضٍ؛ لحديثِ أنسٍ هذا، وما أيَّدهُ مِنَ الآثارِ عمنْ ذكرناهُ؛ ولقولهِ - ﷺ -: \"لا وضوءَ إلَّا مِنْ صوتٍ أوْ ريحٍ\"، أخرجهُ أحمدُ (^٣)، والترمذيُّ وصحَّحهُ (^٤). وأحمدُ (^٥) والطبرانيُّ (^٦) بلفظِ: \"لا وضوءَ إلَّا منْ ريح أو سماعٍ\"؛ ولأنَّ الأصلَ عدمُ النقضِ حتى يقومَ ما يرفعُ الأصلَ، ولمْ يقمْ دليل على ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>نهي الشارع عن متابعة الوساوس والأوهام</span>\n١٦/ ٧٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"يَأْتِي أَحَدَكُمْ\n_________\n(^١) أخرج ابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ١٧٢ رقم ٦٤) عن ابن عباس، قال: \"إذا كان الدم فاحشًا فعليه الإعادة، وإن كان قليلًا فلا إعادة عليه\".\n• وأخرج الشافعي كما في \"التلخيص\" (١/ ١١٤) عن رجل عن ليث عن طاوس عن ابن عباس، قال: \"اغسل أثر المحاجم عنك، وحسبك\".\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا في \"الوضوء\" (١/ ٢٨٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ١٤٨ رقم ٥٧١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٢٤)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ١٧٢ رقم ٦٣).\nعن عطاء بن السائب قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى بزق دمًا ثم قام فصلَّى. وإسناده صحيح.\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٤٧١).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٠٩ رقم ٧٤)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٧٢١ رقم ٥١٥)، والبيهقي (١/ ١١٧). كلهم من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٤٢٦).\n(^٦) في \"المعجم الكبير\" (٧/ ١٤٠ رقم ٦٦٢٢)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٤٢) وقال: فيه عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف الحديث ولم أر أحدًا وثقه، واللَّه أعلم.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٧٢ رقم ٥١٦) كلهم من حديث السائب بن يزيد إلا الطبراني فقال: السائب بن خباب. وهو حديثٌ صحيح.","vol":"1","page":283},{"text":"الشّيطَانُ في صَلاِتِهِ، فَيَنْفُخَ فِي مَقْعَدَتِه فَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ، وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا\". [حسن]\nأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (^١).\nوأَصْلُهُ في الصحِيحَيْنِ (^٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ. [صح]\n- وَلمُسْلِمٍ (^٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - نَحْوُهُ. [صحيح]\n(وَعَنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: يأتي أَحَدَكُمُ الشيطان في صلاتهِ) حال كونهِ فيها، (فَيَنْفخ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيخَيَّل إليهِ)، يحتملُ أنهُ مبني للفاعلِ، وفيهِ ضميرٌ للشيطانِ، وأنهُ الذي يخيلُ، أي: يوقعُ في خيال المصلِّي أنهُ أحدثَ، ويحتملُ أنهُ مبنيٌّ للمفعول ونائبه (أنهُ أَحْدَثَ ولمْ يحْدِثْ، فإِذَا وَجَدَ ذلكَ فلا يَنْصَرِفْ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أو يَجِدَ رِيحًا. أخرجَهُ الْبَزَّارُ) (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-206>ترجمة البزار</span>\nبفتحِ الموحَّدةِ، وتشديدِ الزايِ، بعدَ الألفِ راءٌ. وهوَ الحافظُ العلامةُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرِو بن عبدِ الخالقِ البصريُّ، صاحبُ \"المسندِ الكبير\"\n_________\n(^١) (١/ ١٤٧ رقم ٢٨١) \"كشف الأستار\". وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٢).\nوقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" والبزار بنحوه، ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: وهو حديث حسن.\n(^٢) البخاري (١/ ٢٣٧ رقم ١٣٧)، ومسلم (١/ ٢٧٦ رقم ٩٨/ ٣٦١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٢٢ رقم ١٧٦)، والنسائي (١/ ٩٨ رقم ١٦٠)، وابن ماجه (١/ ١٧١ رقم ٥١٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٧٦ رقم ٩٩/ ٣٦٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٢٣ رقم ١٧٧)، والترمذي (١/ ١٠٩ رقم ٧٥) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، و\"المنتظم\" (٦/ ٥٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤)، و\"لسان الميزان\" (١/ ٢٣٧ - ٢٣٩)، و\"النجوم الزاهرة\" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٠٩).","vol":"1","page":284},{"text":"المعلَّلِ، أخذَ عن الطبراني وغيرِهِ، وذكرهُ الدارقطنيُّ وأثْنَى عليهِ، ولمْ يذكرِ الذهبيُّ ولادتَهُ ولا وفاتَهُ (^١).\nوالحديثُ تقدمَ ما يفيدُ معناهُ، وهوَ إعلامٌ منَ الشارعِ بتسليطِ الشيطانِ عَلَى العبادِ حتى في أشرفِ العباداتِ ليفسدَها عليهمْ، وأنهُ لا يضرُّهُم ذلكَ، ولا يخرجونَ عن الطهارةِ إلا بيقينٍ. وأصلهُ في الصحيحينِ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ.\n(ولمسلمٍ عنْ أبي هريرةَ نحوُهُ) تقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ في هذا البابِ.\n١٧/ ٧٧ - وَللْحَاكِمِ (^٢) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: \"إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الشَّيطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ\". [حسن]\nوَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣) بلفظِ: \"فَلْيَقُلْ في نَفْسِهِ\".\n(وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أبي سَعِيدٍ) هوَ الخدريُّ تقدمَ (مرفوعًا: إِذَا جَاءَ أَحَدَكُم الشيطانُ، فقالَ) أي: وسوسَ لهُ قائلًا: (إنكَ أحدثتَ فليقلْ: كذبتَ) يحتملُ أن يقولَهُ لفظًا أو في نفسهِ، ولكنَّ قولَهُ: (وأخرجهُ ابن حبانَ بلفظ: فليقلْ في نفسِهِ) بيَّنت أن المرادَ الآخرُ منهُ، وقد رُويَ حديثُ الحاكِمِ بزيادةٍ بعدَ قولهِ: (كذبتَ): \"إلَّا مَنْ وجدَ ريحًا أو سمعَ صوتًا بِأُذُنِهِ\"، وتقدمَ ما تفيدُهُ هذهِ الأحاديثُ. ولو ضمَّ المصنفُ هذهِ الرواياتِ إلى حديثِ أبي هريرةَ الذي قدَّمهُ، وأشارَ إليهِ هُنَا لكانَ أوْلَى بحسنِ الترتيبِ كما عرفتَ.\nوهذهِ الأحاديثُ دالةٌ على حرصِ الشيطانِ على إفسادِ عبادةِ بني آدمَ خصوصًا [الصلاة] (^٤) وما يتعلقُ بها، وأنهُ لا يأتيْهمْ غالبًا إلَّا منْ بابِ التشكيكِ في الطهارةِ، تارةً بالقولِ، وتارةً بالفعلِ، ومِنْ هنا نعرفُ أن أهلَ الوسواسِ في الطهاراتِ امتثلُوا ما فعلهُ وقالهُ.\n_________\n(^١) قلت: ذكر السمعاني في \"الأنساب\" (١/ ٣٣٦) وفاته. فقال: توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٣٤).\nوقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ١٥٣ - ١٥٤ رقم ٢٦٥٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ١٢، ٥٠، ٥١، ٥٤).\n(^٤) في النسخة (أ): \"الصلوات\".","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>[الباب السابع] بابُ آدابِ قضاءِ الحاجةِ</span>\nالحاجةُ كنايةٌ عنْ خروجِ البولِ والغائطِ، وهوَ مأخوذٌ منْ قولِهِ - ﷺ -: \"إذا قعدَ أحدُكُم لحاجتِهِ\" (^١). ويعبِّرُ [عنهُ] (^٢) الفقهاءُ ببابِ الاستطابةِ لحديثِ: \"ولا [يستطيبُ] (^٣) بيمينهِ\" (^٤)، والمحدِّثونَ: ببابِ التخلِّي، مأخوذ مِنْ قولِهِ - ﷺ -: \"إذا دخلَ أحدُكم الخلاءَ\" (^٥)، والتبرُّزِ منْ قولهِ: \"البرازُ في المواردِ\" (^٦) سيأتي، فالكلُّ منَ العباراتِ صحيحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>عدم اصطحاب ما فيه اسم الله</span>\n١/ ٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ. [منكر]\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤ رقم ٢٦٥) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في (أ): \"وعنها\".\n(^٣) في (أ): \"يستطب\".\n(^٤) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (١/ ٢٥٣ رقم ١٥٣) و(١/ ٢٥٤ رقم ١٥٤)، ومسلم (١/ ٢٢٥ رقم ٦٥/ ٢٦٧) من حديث أبي قتادة. واللفظ لمسلم.\n(^٥) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (١/ ٢٥٢ رقم ١٥٢)، ومسلم (١/ ٢٢٧ رقم ٢٧١) من حديث أن بن مالك.\n(^٦) وهو جزء من حديث أخرجه أبو داود (١/ ٢٨ رقم ٢٦)، وابن ماجه (١/ ١١٩ رقم ٣٢٨) من حديث معاذ بن جبل، وهو حديث صحيح. وقد صحّحه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\".","vol":"1","page":286},{"text":"أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١) وَهُوَ مَعْلُول (^٢).\n(عَنْ أنسِ بن مالكٍ قَالَ: كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا دخلَ الخلاء)؛ بالخاءِ المعجمةِ ممدودٌ: المكانَ الخالي، كانُوا يقصدونهُ لقضاءِ الحاجةِ، (وضعَ خاتَمَهُ. أخرجه الأربعة وهوَ معلولٌ)؛ وذلكَ لأنهُ منْ روايةِ همامٍ، عن ابن جريجٍ، عن الزهريِّ، عنْ أنسٍ، ورواتهُ ثِقَاتٌ لكنَّ ابنَ جريجٍ لمْ يسمعْهُ منَ الزهريِّ، بلْ سمعهُ منْ زيادِ بن سعدٍ عن الزهريِّ، ولكنْ بلفط آخرَ، وهوَ أنهُ - ﷺ - اتخذَ خاتمًا منْ وَرِقٍ ثمَّ ألقاهُ.\nوالوهمُ فيهِ منْ همامٍ، كما قالهُ أبو داودَ (^٣). وهمامٌ ثقةٌ، كما قالهُ ابنُ معينٍ. وقال أحمدُ: ثبتٌ في كلِّ المشايخِ. وقد رُوِيَ الحديثُ مرفوعًا وموقوفًا [عنْ] (^٤) أنسٍ منْ غِيرِ طريقِ همامٍ. وأوردَ له البيهقيُّ (^٥) شاهدًا. ورواهُ الحاكمُ (^٦) أيضًا بلفظِ: \"إِنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - لبسَ خاتمًا نقشهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ،\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (١/ ٣٥ - مع العون)، والترمذي (٧/ ٢٥٠ بشرح ابن العربي)، والنسائي (٨/ ١٧٨)، وابن ماجه (١/ ١١٠ رقم ٣٠٣)، وهو حديث منكر.\nقال أبو داود: هذا حديث منكر.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقال النَّسَائِي: هذا حديث غير محفوظ - كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٠٨).\nوقال المنذري في \"المختصر\" (١/ ٢٦): يترجح ما قاله الترمذي.\n(^٢) قال ابن قيم الجوزية في \"تهذيب السنن\" (١/ ٣١ - مختصر) بعد أن أورد جميع الروايات: \"هذه الروايات كلها تدل على غلط همام، فإنها مجمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولبسه، وليس فيها شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء، فهذا هو الذي حكم لأجله هؤلاء الحفاظ بنكارة الحديث وشذوذه\".\nوالمصحِّح له لما لم يمكنه دفع هذه العلة حكم بغرابته لأجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذكر فما وجه غرابته؟\nولعل الترمذي موافق للجماعة فإنه صحَّحه من جهة السند لثقة الرواة واستغرابه لهذه العلة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف. بل هو صحيح السند لكنه معلول، واللَّه أعلم\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٥).\n(^٤) في (أ): \"على\".\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٥) وقال: وهذا شاهد ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ١٨٧).","vol":"1","page":287},{"text":"وكانَ إذا دخلَ الخلاء وضعهُ\"، [إلا أنه قال البيهقي - بعد سياقه: هذا شاهد ضعيف] (^١).\nوالحديثُ دليلٌ على الإبعادِ عندَ قضاءِ الحاجةِ، كما يرشدُ إليهِ لفظُ الخلاءِ، فإنهُ يطلقُ على المكانِ الخالي، وعلى المكانِ المعدِّ لقضاءِ الحاجةِ، ويأتي في حديثِ المغيرةِ (^٢) ما هوَ أصرحُ منْ هذَا بلفظ: \"فانطلقَ حتَّى تَوَارى\". وعندَ أَبِي دَاودَ (^٣): \"كانَ إذا أرادَ البرَازَ انطلقَ حتى لا يراهُ أحدٌ\"، ودليلٌ على تبعيدِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ عندَ قضاءِ الحاجةِ.\nوقالَ بعضُهم: يحرمُ إدخالُ المصحفِ الخلاء لغيرِ ضرورةٍ. قيلَ: فلوْ غفلَ عن تنحيةِ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ حتى اشتغلَ بقضاءِ حاجتهِ، غيَّبهُ في فيهِ أو في عمامتهِ أو نحوِهِ، وهذا فعلٌ منهُ - ﷺ -، وقدْ عرفَ وجههُ، وهوَ صيانةُ ما فيهِ ذكرُ اللَّهِ - ﷿ - عن المحلاتِ المُسْتَخْبَثَة، [فدل] (^٤) على ندبهِ وليسَ خاصًّا بالخاتمِ، بلْ في كلّ ملبوسٍ فيهِ ذكرُ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-209>الاستعاذه عند دخول الكنيف</span>\n٢/ ٧٩ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) وهو حديث صحيح سيأتي (رقم ٤/ ٨١).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١٤ رقم ٢)، من حديث جابر.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٢١ رقم ٣٣٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في النسخة (ب): \"قال\".\n(^٥) وهم: أحمد في \"المسند\" (٣/ ٩٩، ١٠١، ٢٨٢)، والبخاري (١/ ٢٤٢ رقم ١٤٢) و(١١/ ١٢٩ رقم ٦٣٢٢)، ومسلم (١/ ٢٨٣ رقم ١٢٢/ ٣٧٥) و(١/ ٢٨٤ رقم/ ٣٧٥)، وأبو داود (١/ ١٦ رقم ٥) و(١/ ١٥ رقم ٤)، والترمذي (١/ ١٠ رقم ٥) و(١/ ١١ رقم ٦)، والنسائي (١/ ٢٠ رقم ١٩) وفي \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٧٤)، وابن ماجه (١/ ١٠٩ رقم ٢٩٨).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٤٢ رقم ١٤٠٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٢٨)، وأبو عوانة (١/ ٢١٦)، والبغوي في=","vol":"1","page":288},{"text":"(وَعَنْهُ) أي: عنْ أنسٍ - ﵁ - (قال: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا دخلَ الخلَاءَ) أي: أرادَ دخولَه (قالَ: اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بكَ منَ الخُبْثِ)؛ بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، وضمِّ الموحدةِ، ويجوزُ إسكانُها، جمعُ خبيثٍ، (والخبائث) جمعُ خبيثةٍ يريدُ [بالأولِ] (^١) ذكورَ الشياطينِ، وبالثاني إناثَهم، (أخرجهُ السبعةُ).\nولسعيدِ بن منصورٍ كانَ يقولُ: \"بسمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ\" الحديثَ. قالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٢): ورواهُ المعمريُّ، وإسنادهُ على شرطِ مسلمٍ، وفيهِ زيادةُ [البسملة] (^٣) ولمْ أرَها في غيرهِ. وإنما قلْنَا: [المراد بقوله: (دخل): أراد دخوله] (^٤)؛ لأنهُ بعدَ دخولِ الخلاءِ لا يقولُ ذلكَ.\nوقد صرَّحَ بما قرَّرناهُ البخاريُّ في \"الأدبِ المفردِ\" (^٥) مِنْ حديثِ أنسٍ قالَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا أرادَ أن يدخلَ الخلاء … \" الحديثَ، وهذَا في الأمكنةِ المعدَّةِ لذلكَ بقرينةِ الدخولِ، ولذَا قال ابنُ بطالٍ: روايةُ (إذا أتى) أعمُّ؛ لشمولِهَا، ويشرعُ هذا الذكرُ في غيرِ الأماكنِ المعدَّةِ لقضاءِ الحاجةِ، وإنْ كانَ الحديثُ وردَ في الحشوشِ، وأنها تحضُرهَا الشياطينُ، ويشرعُ [القولُ بهذا] (^٦) في غيرِ الأماكنِ المعدَّةِ عندَ إرادةِ رفعِ ثيابهِ، وفيها قبلَ دُخُولِهَا.\nوظاهرُ حديثِ أنسٍ أنهُ - ﷺ - كانَ يجهرُ بهذا الذكرِ، فيحسنُ الجَهرُ به.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>الاستنجاء بالماء والحجارة</span>\n٣/ ٨٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْخُلُ الْخَلاء، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلامٌ نَحْوي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n=\"شرح السنة\" (١/ ٣٧٦ رقم ١٨٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (رقم ٦٩٢)، والدارمي (١/ ١٧١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٥) من طرق عن أنس به.\n(^١) في (ب): \"الأولى\".\n(^٢) (١/ ٢٤٤).\n(^٣) في (ب): \"التسمية\".\n(^٤) في (ب): \"إذا أراد دخوله: لقوله دخل\".\n(^٥) (رقم ٦٩٢).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) البخاري (١/ ٢٥٢ رقم ١٥٢)، ومسلم (١/ ٢٢٧ رقم ٧٠/ ٢٧١).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (١/ ٤٢ رقم ٤٥)، وأبو داود (١/ ٣٨ رقم ٤٣) بنحوه. والبغوي=","vol":"1","page":289},{"text":"(وَعَنْ أَنَسٍ) كأنهُ تركَ الإضمارَ فلمْ يقلْ: (وعنهُ) لبعدِ الاسمِ الظاهرِ بخلافهِ في الحديثِ الثاني، وفي بعضِ النسخِ من بلوغِ المرامِ: (وعنهُ) بالإضمارِ أيضًا (قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يدخل الخلاء، فأحمل أنا وغلامٌ) الغلامُ: هوَ المترعرعُ، قيلَ: إلى حدِّ السبعِ السنينَ، وقيلَ: إلى الالتحاءِ. ويطلقُ على غيرِهِ مجازًا.\n(نَحْوي إدَاوَةً) بكسرِ الهمزةِ: إناءٌ صغيرٌ منْ جلدٍ يُتَّخَذُ للماءِ، (مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً) بفتحِ العينِ المهملةِ، وفتحِ النونِ، فزايٍ: هي عصًا طويلةً في أسفلِها زجٌّ. ويقالُ: رمحٌ قصيرٌ.\n(فيستنجي بالماءِ. متفقٌ عليهِ) المرادُ بالخلاءِ هُنَا الفضاءُ بقرينةِ العَنَزَةِ؛ لأنهُ كانَ إذا توضأَ صلَّى إليها في الفضاءِ، أو يستترُ بها بأنْ يضعَ عليها ثوبًا، أوْ لغيرِ ذلكَ منْ قضاءِ الحاجاتِ التي تعرضُ لهُ؛ ولأنَّ خدمتَهُ في البيوتِ تختصُّ بأهلهِ. والغلامُ الآخرُ اختلفَ فيهِ، فقيلَ: ابنُ مسعودٍ، وأُطِلْقَ عليهِ ذلكَ مجازًا. ويبعدهُ قولُهُ: (نحوي)، فإنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ كبيرًا، فليسَ نحوَ أنس في سِنِّهِ. ويحتملُ أنهُ أرادَ نحوي في كونهِ كانَ يخدمُ النبيّ - ﷺ - فيصحُّ، فإنَّ ابنَ مسعودٍ كانَ صاحبَ سوادِ رسولِ اللهِ - ﷺ - يحمل [نعله] (^١) وسواكَهُ، أو لأنهُ مجازٌ كما في الشرح، وقيلَ: هوَ أبو هريرةَ، وقيلَ: جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-211>الأحكام الفقهية من الحديث</span>\nوالحديثُ دليلٌ على جوازِ الاستخدامِ [للصغيرِ] (^٢)، وعلى الاستنجاءِ بالماءِ، ونُقِلَ عنْ مالكٍ أنهُ أنكرَ استنجاءَ النبيّ - ﷺ - بالماءِ. والأحاديثُ قدْ أثبتتْ ذلكَ، فلا سماعَ لإنكارِ مالكٍ. قيلَ: وعلى أنهُ أرجحُ منَ الاستنجاءِ بالحجارةِ، وكأنهُ أخذهُ مِنْ زيادةِ التكلفِ بحملِ الماءِ بيدِ الغلامِ، ولو كانَ يساوي الحجارةَ أو هي أرجحُ منهُ لَمَا احتاجَ إلى ذلكَ.\nوالجمهورُ منَ العلماءِ على أنَّ الأفضلَ الجمعُ بينَ الحجارةِ والماءِ، فإنِ اقتصرَ على أحدِهما فالأفضلُ الماءُ، حيثُ لمْ يُردِ الصلاةَ، فإنْ أرادَها فخلافٌ:\n_________\n=في \"شرح السنة\" (١/ ٣٨٩ رقم ١٩٥)، وأحمد (٣/ ١٧١).\n(^١) في (أ): \"نعليه\".\n(^٢) في (أ): \"بالصغير\".","vol":"1","page":290},{"text":"فمَنْ يقولُ: تجزئُ الحجارةُ، لا يوجبهُ. ومَن يقولُ: لا تجزئُ، يوجبهُ.\nومِنْ آدابِ الاستنجاءِ بالماءِ مسحُ اليدِ بالتراب بعدَهُ، كما أخرجهُ أبو داودَ (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا أَتَى الخَلاء أتيتُ بماء في تَوْرٍ، أو رَكْوَةٍ فاستنجَى منهُ، ثمَّ مسحَ يدَهُ عَلَى الأرضِ\". وأخرجَ النسائيُّ (^٢) منْ حديثِ جريرٍ قالَ: \"كنتُ معَ النبيّ - ﷺ -، فَأَتَى الخلاء فَقَضَى حاجَتَهُ. ثمَّ قالَ: \"يا جريرُ، هاتِ طهورًا\"، فأتيتهُ بماءٍ فاستنْجَى، وقالَ بيدِهِ \"فدلكَ بها الأرضَ\"، ويأتي مثلُهُ في الغُسلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>يستحب الاستتار عند قضاء الحاجة</span>\n٤/ ٨١ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"خُذِ الإِدَاوَةَ\"، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنِ المغيرَةِ بن شعْبَةَ قَالَ: قَالَ [لي] رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: خذِ الإِدَاوَةَ، فَانْطَلَقَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (حتى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حَاجَتَهُ. متفقٌ عليه).\nالحديثُ دليلٌ على التواري عندَ قضاءِ الحاجةِ، ولا يجبُ؛ إذِ الدليلُ فعلٌ، ولا يقتضِي الوجوبَ، لكنهُ يجبُ بأدلةِ سترِ العوراتِ عن الأعينِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٩ رقم ٤٥).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (١/ ٤٥ رقم ٥٠)، وابن ماجه (١/ ١٢٨ رقم ٣٥٨) وفي سنده شريك القاضي وفيه مقال، ولكن يشهد له حديث جرير الآتي، فهو به حسن. وقد حسنه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٥ رقم ٥١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٢٩ رقم ٣٥٩) وفي سنده انقطاع. إبراهيم بن جرير بن عبد الله لم يسمع من أبيه. لكن يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم آنفًا، فهو به حسن.\nوقد حسنه الباني في \"صحيح ابن ماجه\".\n• تَوْر: هو إناء من صُفْر أو حجارة كالإجَّانة، وقد يُتَوضأ منه. \"النهاية\" (١/ ١٩٩).\n(^٣) البخاري (١/ ٤٧٣ رقم ٣٦٣)، ومسلم (١/ ٢٢٨ رقم ٧٥/ ٢٧٤).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (١/ ٦٣ رقم ٨٢)، وأبو عوانة (١/ ١٩٥، ٢٥٧)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٤٨، ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٥).","vol":"1","page":291},{"text":"وقدْ وردَ الأمرُ بالاستتارِ منْ حديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (^١)، وأبِي داودَ (^٢)، وابنِ ماجَه (^٣) أنهُ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى الغائطَ فليستترْ، فإنْ لمْ يجدْ إلَّا أنْ يجمعَ كَثِيبًا منْ رَمْلٍ فَلْيَستدْبِرهُ؛ فإنَّ الشيطانَ يلعبُ بمَقَاعِدِ بني آدمَ. مَنْ فعلَ فقدْ أحْسَنَ، ومنْ لا فَلا حَرَجَ\"؛ فدلَّ على استحبابِ الاستتارِ، كما دلَّ على رفعِ الحرجِ، ولكنَّ هذَا غيرُ التواري عن الناسِ، بلْ هذَا خاصٌّ بقرينةِ (فإن الشيطانَ)؛ فلوْ كانَ في فضاء ليسَ فيهِ إنسانٌ استُحبَّ لهُ أنْ يستترَ بشيءٍ ولو بجمعِ كثيبٍ منْ رملٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-213>النهي عن التخلِّي في طريق الناس وظلِّهم</span>\n٥/ ٨٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اتَّقُوا اللَّعَّانَينِ: الَّذِي يَتَخَلَّى في طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: اتَّقُوا اللَّاعنين) بصيغةِ التثنيةِ، وفي روايةِ مسلم قالُوا: وما اللَّاعنانِ يا رسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أوْ في ظلِّهمْ. رواة مسلمٌ).\nقالَ الخطابي (^٥): يريدُ باللَّاعنينِ الأمرينِ الجالبينِ للَّعْنِ، الحاملَينِ للناسِ عليهِ، والداعيَينِ إليهِ، وذلكَ أن مَنْ فعلَهُمَا لُعِنَ وشُتِمَ، يعني أن عادةَ الناسِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٣٧١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٣ رقم ٣٥).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١١٥٧ رقم ٣٤٩٨ - مختصرًا) و(١/ ١٢١ رقم ٣٣٧).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٢/ ١١٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢١ - ١٢٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٤٣ رقم ١٤٠٧)، والبيهقي (١/ ٩٤) و(١/ ١٠٤).\nوهو حديث ضعيف. ضعَّفه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٣)، والألباني في \"المشكاة\" (١/ ١١٤ رقم ٣٥٢/ ١٩).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢٦ رقم ٢٦٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣٧٢)، وأبو داود (١/ ٢٨ رقم ٢٥)، والبيهقي (١/ ٩٧)، وابن خزيمة (١/ ٣٧ رقم ٦٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٨٨ رقم ١٩١).\n(^٥) في \"معالم السنن\" (١/ ٣) \"مختصر السنن\".","vol":"1","page":292},{"text":"لعنُه، فهوَ سببٌ، فانتسَابُ اللعنِ إليهما منَ المجازِ العقلي. [قالوا] (^١): وقدْ يكونُ اللاعنُ بمعْنى الملعونِ، فاعلٌ بمعْنى مفعولٍ، فهوَ كذلكَ منَ المجازِ.\nوالمرادُ بالذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ أي: يتغوَّطُ فيما يمرُّ بهِ الناسُ، فإنهُ يؤذيهِم بِنَتَنِهِ واستقذارِهِ، ويؤدي إلى لعنهِ، فإنْ كانَ لعنُهُ جائزًا، فقدْ تسببَ إلى الدعاءِ عليهِ بإبعادهِ عن الرحمةِ، وإنْ كانَ غيرَ جائزٍ، فقدْ تسببَ إلى تأثيمِ غيرِهِ بلعنهِ.\nفإنْ قلتَ: فأيُّ الأمرينِ أريدَ هنا؟ قلتُ: أخرجَ الطبرانيُّ في \"الكبيرِ\" (^٢) بإسنادٍ حسنهُ الحافظُ المنذريُّ (^٣)، عنْ حذيفةَ بن أسيدٍ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ آذَى المسلمينَ في طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ\"، وأخرجَ في \"الأوسطِ\" (^٤) والبيهقيُّ (^٥)، وغيرُهما برجالٍ ثقاتٍ - إلَّا محمدَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ - وقدْ وثقهُ ابنُ معينٍ - منْ حديثِ أبي هريرةَ سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"مَنْ سلَّ سخيمتَهُ على طريقٍ مِنْ طرقِ المسلمينَ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ\"؛ والسخيمةُ - بالسينِ المفتوحةِ المهملةِ، والخاءِ المعجمةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ - العذرةُ.\n_________\n(^١) في (أ): \"قال\".\n(^٢) (٣/ ١٧٩) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٠٤)، وقال: إسناده حسن.\n(^٣) في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٣٤ رقم ٤).\n(^٤) عزاه إليهِ الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٠٤).\nقلت وأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٧٧ رقم ٨١١) وقال: هذا الإسناد فيه محمد بن عمرو الأنصاري: ضعفه الأزدي. والحديث عند مسلم وأبي داود بغير هذا اللفظ - كما تقدم آنفًا -.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٨).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٨٦) وصحَّحه ووافقه الذهبي، فوهما، فإن فيه محمد بن عمرو الأنصاري ضعفه ابن معين وغيره، ولذلك قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٠٥): \"وإسناده ضعيف\"، لكن له شاهدان يقوى بهما:\nأحدهما: عن حذيفة بن أسيد - وقل تقدم.\nوالآخر: عن أبي ذر، أخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٢٩) وسنده واهٍ. وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه ابن ماجه (١/ ١٢٠ رقم ٣٣٠)، والطبراني في \"الكبير (١٢/ ٢٨١ رقم ١٣١٢٠)، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٩٨ رقم ١٣٤): \"هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة وشيخه، لكن للمتن شواهد صحيحة\".","vol":"1","page":293},{"text":"فهذهِ الأحاديثُ دالةٌ على استحقاقِهِ اللعنةَ، والمرادُ بالظل هنا مُسْتَظَلُّ الناسِ الذي اتَّخذوهُ مقيلًا ومُناخًا ينزلونهُ ويقعدونَ فيهِ، إذْ ليسَ كلُّ ظلِّ يحرُم القعودُ لقضاءِ الحاجةِ تحتهُ، فقدْ قعدَ النبيُّ - ﷺ - تحتَ حائشِ النخلِ (^١) لحاجتِهِ، ولهُ ظلٌّ بلا شكٍّ.\nقلتُ: يدلُّ لهُ حديثُ أحمدَ: (أو ظلٍّ يُسْتَظَلُّ بهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-214>الأماكن المنهي عن التخلي بها</span>\n٦/ ٨٣ - وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، عَنْ مُعَاذٍ - ﵁ -: \"وَالْمَوَارِدِ\"، وَلَفْظُهُ: \"اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثلاثةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ\". [حسن بشواهده]\n(وَزادَ أبو داودَ عنْ مُعَاذٍ: وَالمَوارِدِ، وَلَفْظُهُ: اتَّقُوا الملاعِنَ الثَّلاثَةَ: البَرَازَ)، بفتحِ الموحدةِ، فراءٍ مفتوحةٍ آخِرَهُ زايٌ، وهوَ المتَّسعُ منَ الأرضِ، يُكْنى بهِ عن الغائطِ، وبالكسرِ المبارزةُ في الحرب، (في المَوَارِدِ) جمعُ موردٍ: وهوَ الموضعُ الذي يأتيهِ الناسُ: منْ رأسِ عينٍ، أوَ نَهَرٍ لشربِ الماءِ، أو للتوضي، (وَقَارِعَةً الطَّرِيقِ) المرادُ: الطريقُ الواسعُ الذي يقرعهُ الناسُ بأرجلِهِمْ، أي: يدقونهُ ويمرونَ عليهِ، (والظِّلِّ) تقدمَ المرادُ بهِ.\n٧/ ٨٤ - وَلأَحْمَدَ (^٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاس: \"أَوْ نَقْعَ مَاءٍ\"، وَفِيهِمَا ضَعْفٌ. [ضعيف]\n_________\n(^١) أي: النخل الملتف المجتمع كأنه لالتفافه يحوش بعضه إلى بعض.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٨ رقم ٢٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١١٩ رقم ٣٢٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٦٧)، وقال: صحيح، ووافقه الذهبي. وفيه نظر؛ لأن أبا سعيد الحميري لم يسمع من معاذ ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٠٥).\nقلت: وهو حديث حسن بشواهده.\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٢٩٩).\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠٤) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة ورجل لم يسم.\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٥): \"رواه أحمد وفيه ضعف لأجل ابن لهيعة، والراوي عن ابن عباس متهم\".","vol":"1","page":294},{"text":"(وَلأَحْمَدَ عن ابن عَبَّاسٍ: أوْ نَقْعَ ماءٍ) بفتح النونِ، وسكونِ القافِ، فعينٍ مهملةٍ. ولفظهُ بعدَ قولِهِ: \"اتقوا الملاعنَ الثلاثَ: أَنْ يقعدَ أحدُكم في ظلٍّ يُسْتَظَلُّ بهِ، أوْ في طريقٍ، أو نقْعِ ماءٍ\". ونَقعُ الماءِ: المرادُ بهِ الماءُ المجتمعُ كما في \"النهاية\" (^١).\n(وفيهما ضعفٌ) أي: في حديثِ أحمدَ، وأبي داودَ، أما حديثُ أبي داودَ فلأنهُ قالَ أبو داودَ (^٢) [عقبهُ] (^٣): وهوَ مرسل، وذلكَ لأنهُ منْ روايةِ أبي سعيدٍ الحميريِّ، ولمْ يدركْ مُعاذًا؛ فيكونُ منْقطعًا. وقدْ أخرجهُ ابنُ ماجه (^٤) مِنْ هذهِ الطريقِ، وأما حديثُ أحمدَ فلأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةَ، والراوي عن ابن عباسٍ مبهمٌ (^٥).\n٨/ ٨٥ - وَأَخْرَجَ الطَبَرانِيُّ (^٦) النَّهْيَ عَنْ قضَاءِ الْحَاجَةِ تَحْتَ الأَشْجَارِ الْمُثمِرَةِ، وَضَفَّةِ النَّهْرِ الْجَارِي. من حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [إسناده ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-215>ترجمة الطبراني</span>\n(وأخرجَ الطبرانيُّ) (^٧).\nقَالَ الذهبيُّ: هوَ الإمامُ الحجةُ أبو القاسمِ سليمانُ بنُ أحمدَ الطبرانيُّ مسندُ الدنْيا، وُلدَ سنةَ ستينَ ومائتينِ، وسمعَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ، وهاجرَ بمدائنِ الشامِ، والحرمينِ، واليمنِ، ومصرَ، وبغدادَ، والكوفةِ، والبصرةِ، وأصبهان، والجزيرةِ، وغيرِ ذلكَ، وحدَّثَ عنْ ألفِ شيخٍ أو يزيدونَ، وانَ منْ فرسانِ هذَا الشأنِ، معَ الصدقِ والأمانةِ، وأثَنى عليهِ الأئمةُ.\n_________\n(^١) (٥/ ١٠٨).\n(^٢) لم يذكر ذلك أبو داود في \"السنن\" (١/ ٢٨ رقم ٢٦).\n(^٣) في (ب): \"عقيبه\".\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٣٢٨) كما تقدم آنفًا.\n(^٥) انظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٠٥).\n(^٦) في \"الأوسط\" و\"الكبير\" الشطر الأخير (١/ ٢٠٤) كما في \"مجمع الزوائد\" وقال: فيه \"فرات بن السائب وهو متروك الحديث\".\n(^٧) انظر ترجمته في: \"طبقات الحنابلة\" (٢/ ٤٩ - ٥١)، و\"المنتظم\" (٧/ ٥٤)، و\"معجم البلدان\" (٤/ ١٨ - ١٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩١٢ - ٩١٧)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٩٥)، و\"لسان الميزان\" (٣/ ٧٣ - ٧٥)، و\"النجوم الزاهرة\" (٤/ ٥٩ - ٦٠)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ٣٠)، و\"طبقات المفسرين\" للداوودي (١/ ٢٠٤ - ٢٠٦).","vol":"1","page":295},{"text":"(النَّهْيُ عَنْ قضاءِ الحاجةِ تحتَ الأشجارِ المثمرةِ) وإنْ لمْ تكنْ ظِلًا لأحدٍ، (وَضَفَّةِ) بفتحِ الضاد المعجمةِ، وكسرِها: جانبُ (النهرِ الجاري. منْ حديثِ ابن عمرَ بسندٍ ضعيفٍ).\nلأنَّ في رُوَاتِهِ متروكًا، وهوَ فراتُ بنُ السائبِ، ذكرهُ المصنفُ في \"التلخيص\" (^١)؛ فإذا عرفتَ هذَا، فالذي تحصَّل مِنَ الأحاديثِ ستةُ مواضعَ منهيٌّ عن التبرزِ فيها:\nقارعةُ الطريقِ، ويقيدُ مطلقُ الطريقِ بالقارعةِ، والظلُّ، والمواردُ، ونَقْعُ الماءِ، والأشجارُ المثمرةُ، وجانبُ النهرِ، وزادَ أبو داودَ في مراسيلهِ (^٢) منْ حديثِ مكحولٍ: نهى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ أنْ يُبَالَ بأبوابِ المساجدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>النهي عن الكلام عند قضاء الحاجة</span>\n٩/ ٨٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَلا يَتَحَدَّثَا، فَإِن اللَّهَ يمقُتُ عَلَى ذَلِكَ\". [ضعيف]\nرَوَاهُ [أَحْمَد] (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (^٤).\n_________\n(^١) (١/ ١٠٦ رقم ١٣٥).\nقلت: وقال عنه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٣٠ رقم ٥٨٣): تركوه منكر الحديث.\n(^٢) (رقم ٣) هشام بن خالد. صدوق، ومَنْ فوقه ثقات من رجال الشيخين، إلا أن الوليد - وهو ابن مسلم -: مدلس وقد عنعن.\nومكحول: كنيتهُ: أبو عبد الله، شامي ثقة، ففيه، كثير الإرسال.\n(^٣) لم أجده في \"مسند أحمد\" من حديث جابر، واللَّه أعلم. وهي زيادة من (ب).\nبل وجدته في \"مسند أحمد\" (٣/ ٣٦) من حديث أبي سعيد.\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٢ رقم ١٥)، وابن ماجه (١/ ١٢٣ رقم ٣٤٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٨١ رقم ١٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٩ - ١٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، وابن خزيمة (١/ ٣٩ رقم ٧١)،\nوالأصبهاني في \"الحلية\" (٩/ ٤٦) عن أبي سعيد به.\nقال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار.\nوقال الألباني: في \"تمام المنة\" (ص ٥٨): \"الحديث ضعيف لا يصح إسناده وله علتان:\nالأولى: طعن العلماء في رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير.\nوالثانية: أن هلال بن عياض في عداد المجهولين.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) قلت: له علتان كما تقدم آنفًا.","vol":"1","page":296},{"text":"(وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا تغوَّطَ الرَّجُلانِ فَلْيتوارَ) أي: يستترُ، وهوَ من المهموزِ، جزمَ بحذفِ الهمزةِ، (كلُّ واحدٍ منهمَا عنْ صاحبهِ)، والأمرُ للإيجابِ (ولا يتحدَّثَا) حالَ تغوُّطِهِمَا، (فإِنَّ اللَّهَ يمقتُ على ذلكَ) والمقتُ أشدُّ البغضِ (رواهُ أحمدُ وصحَّحه ابن السكنِ) (^١)، بفتحِ السين المهملةِ، وفتحِ الكافِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-217>ترجمة ابن السكن</span>\nوهوَ الحافظُ الحجةُ أبو علي سعيدُ بنُ عثمانَ بن سعيد بن السكنِ البغداديُّ نزلَ مصرَ، وولدَ سنةَ أربع وتسعينَ ومائتينِ، وعُنِيَ بهذا الشأنِ، وجمعَ وصنَّفَ وَبَعُدَ صيتُهُ. روى عنهُ أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ، توفيَ سنة ثلاثٍ وخمسينَ وثلثمائة.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>ترجمة ابن القطان</span>\n(وابن القطان) (^٢) بفتحِ القافِ وتشديدِ الطاءِ: هوَ الحافظُ العلَّامةُ أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بن عبدِ الملكِ الفارسيُّ الشهيرُ بابنِ القطانِ، كانَ منْ أبصرِ الناسِ بصناعةِ الحديثِ، وأحفظِهم لأسماءِ رجالِهِ، وأشدِّهم عنايةً بالروايةِ، ولهُ تآليفُ. حدَّثَ ودرسَ، ولهُ كتابُ \"الوهمِ والإيهامِ\" الذي وضعهُ على الأحكامِ الكُبرى لعبدِ الحقِّ؛ [وهوَ] (^٣) يدلُّ على حفظهِ وقوةِ فهمهِ، لكنهُ تعنَّتَ في أحوالِ الرجالِ. توفيَ في ربيعِ الأول سنةَ ثمانٍ وعشرينَ وستمائةِ.\n(وهو معلولٌ). ولمْ يذكرْ في الشرحِ العلةَ، وهي ما [قالهُ] (^٤) أبو داودَ: لمْ يسندهُ إلا عكرمةُ بنُ عمارٍ العجليُّ اليمانيُّ، وقدْ احتجَّ بهِ مسلمٌ في صحيحهِ، وضعّفَ بعضُ الحفاظِ حديثَ عكرمةَ هذا عنْ يحيى بن أبي كثيرٍ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ حديثَهُ عنْ يحيى بن أبي كثيرٍ، واستشهدَ البخاريُّ بحديثهِ عنهُ.\nوقدْ رَوَى حديثَ النهيِ عن الكلامِ حالَ قضاءِ الحاجةِ أبو داودَ (^٥)،\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٣٧ - ٩٣٨)، و\"النجوم الزاهرة\" (٣/ ٣٣٨)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ١٢).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٠٧)، و\"شذرات الذهب\" (٥/ ١٢٨).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"قال\".\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٢٢ رقم ١٥) كما تقدم.","vol":"1","page":297},{"text":"وابنُ ماجه (^١) منْ حديثِ أبي سعيدٍ، وابنُ خزيمةَ في صحيحه (^٢)، إلَّا أنهمْ رووهُ كلُّهم منْ روايةِ عياضِ بن هلالٍ، أو هلالِ بن عياضٍ. قالَ الحافظُ المنذريُّ (^٣): لا أعرفهُ بجرحٍ ولا عدالةٍ، وهوَ [في] (^٤) عدادِ المجهولينَ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ، والنهي عن التحدُّثِ حالَ قضاءِ الحاجةِ، والأصلُ فيهِ التحريمُ، وتعليلُهُ بمقتِ اللَّهِ علَيهِ أي: شدةِ بغضهِ لفاعلِ ذلكَ، زيادةٌ في بيانِ التحريمِ. ولكنهُ ادَّعى في \"البحر\" (^٥) أنهُ لا يحرمُ إجماعًا، وأنَّ النهيَ للكراهةِ، فإنْ صحَّ الإجماعُ وإلَّا [فالأصل] (^٦) هوَ التحريمُ.\nوقدْ تركَ - ﷺ - ردَّ السلامِ الذي هوَ واجبٌ عندَ ذلكَ، فأخرجَ الجماعةُ (^٧) إلَّا البخاريُّ عن ابن عمرَ: \"أن رجلًا مرَّ على النبيّ - ﷺ - وهوَ يبولُ - فسلَّمَ عليهِ فلمْ يردَّ عليهِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-219>النهي عن الاستنجاء باليمين</span>\n١٠/ ٨٧ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، وَلا يَتَمَسّحْ مِنَ الْخَلاءِ بِيَمِينِهِ، ولَا يَتَنَفسْ في الإِنَاءِ\".\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٢٣ رقم ٣٤٢) كما تقدم.\n(^٢) (١/ ٣٩ رقم ٧١) كما تقدم.\n(^٣) في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ١٣٧ رقم ١) والحديث ضعيف كما تقدم.\n(^٤) في (أ): \"من\".\n(^٥) قلت: قال في \"البحر\" (١/ ٤٦): ويكره الكلام حال قضاء الحاجة.\n(^٦) في (ب): \"فإنَّ الأصل\".\n(^٧) وهم: مسلم (١/ ٢٨١ رقم ١١٥/ ٣٧٠)، وأبو داود (١/ ٢٢ رقم ١٦)، والترمذي (١/ ١٥٠ رقم ٩٠) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١/ ٣٥ رقم ٣٧)، وابن ماجه (١/ ١٢٧ رقم ٣٥٣).\n(^٨) البخاري (١/ ٢٥٤ رقم ١٥٤)، ومسلم (١/ ٢٢٥ رقم ٦٣/ ٢٦٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٣١ رقم ٣١)، والترمذي (١/ ٢٣ رقم ١٥)، والنسائي (١/ ٢٥ رقم ٢٤، ٢٥)، وابن ماجه (١/ ١٣ رقم ٣١٠)، والدارمي (١/ ١٧٢)، وأحمد (٥/ ٣١٠).","vol":"1","page":298},{"text":"(وَعَنْ أَبي قتادةَ - ﵁ - قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لَا يَمَسَّنَّ أَحدُ ذَكَرَهُ بيمينِهِ وهوَ يُبولُ ولا يَتَمَسّحْ مِنَ الخَلَاءِ بِيَمِينِه)؛ كنايةٌ عن الغائطِ - كما عرفتَ أنهُ أحدُ ما يطلقُ عليهِ (ولا يَتَنَفَّسْ) يخرجُ نفسهُ (في الإناءِ) عندَ شربهِ منهُ. (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ).\nوفيه دليلٌ على تحريمِ مسِّ الذكرِ باليمينِ حالَ البولِ؛ لأنهُ الأصلُ في النهيِ وتحريمُ التمسُّحِ بِهَا منَ الغائطِ، وكذلكَ منَ البولِ، لما يأتي [منْ] (^١) حديثِ سلمانَ (^٢). وتحريمُ التنفسِ في الإناءِ حالَ الشربِ. وإلى التحريمِ ذهبَ أهلُ الظاهرِ في الكلِّ عملًا بهِ كما عرفتَ وكذلكَ جماعة منَ الشافعيةِ في الاستنجاءِ.\nوذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ للتنزيهِ، وأجمل البخاريُّ (^٣) في الترجمةِ فقالَ: (بابُ النهي عن الاستنجاءِ باليمينِ) وذكرَ حديثَ الكتابِ.\nقالَ المصنفُ في \"الفتحِ\" (^٤): عبَّرَ بالنهي إشارةً إلى أنهُ لمْ يظهرْ لهُ هلْ للتحريمِ أو للتنزيهِ؟ أوْ أن القرينةَ الصارفةَ للنهي عن التحريمِ لم تظهرْ [له] (^٥)، وهذا حيثُ استنجَى بآلةٍ كالماءِ والأحجارِ، أما لَو باشرَ بيدهِ فإنهُ حرامٌ إجماعًا، وهذا تنبيهٌ على شرفِ اليمينِ وصيانَتِها عن الأقذارِ. والنهيُّ عن التنفسِ في الإناءِ، لئلَّا يقذرهُ على غيرِهِ، أوْ يسقطَ مِنْ فمهِ أو أنفهِ ما يفسدُهُ على الغيرِ. وظاهرهُ أنهُ للتحريمِ وحملَهُ الجماهيرُ على الأدبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة</span>\n١١/ ٨٨ - وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵁ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أوْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ. [صحيح]\nرَواهُ مُسْلِمٌ (^٦).\n_________\n(^١) في (أ): \"في\".\n(^٢) وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (١١/ ٨٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٣ الباب ١٨).\n(^٤) (١/ ٢٥٣).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢٣ رقم ٢٦٢).=","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>ترجمة سلمان الفارسي</span>\n(وعن سلمان) (^١) - ﵁ -.\nهوَ أبو عبدِ اللَّهِ سلمانُ الفارسيُّ ويقالُ لهُ: سلمانُ الخيرِ مولَى رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، أصلهُ منْ فارسَ، سافرَ لطلبِ الدينِ، وتنصَّرَ، وقرأَ الكُتُبَ، ولهُ أخبارٌ طويلةٌ نفيسةٌ، ثمَّ تنقَّلَ حتَّى انتَهَى إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فآمنَ بهِ وحسُنَ إسلامهُ، وكانَ رأسًا في أهلِ الإسلامِ. وقالَ فيهِ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ\" (^٢)، وولاهُ عمرُ المدائنَ، وكانَ مِنَ المعمَّرينَ، قيلَ: عاشَ مائتينِ وخمسينَ سنة، وقيل: ثلثمائةٍ وخمسينَ. وكانَ يأكلُ مِنْ عملِ يدهِ ويتصدَّقُ بعطائهِ. ماتَ بالمدينةِ سنةَ [خمسينَ] (^٣)، وقيلَ: اثنتينِ وثلاثينَ.\n(قالَ: لقدْ نَهَانا رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ) المرادُ أنْ نستقبلَ بفروجِنَا عندَ خروجِ الغائطِ أو البولِ، (أوْ أنْ نستنجي باليمينِ) وهذا غيرُ\n_________\n=قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٧ رقم ٧)، والترمذي (١/ ٢٤ رقم ١٦)، والنسائي (١/ ٣٨ رقم ٤١)، وابن ماجه (٥/ ١١١ رقم ٣١٦).\n(^١) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ٤٣٧ - ٤٤٤)، و\"مشاهير علماء الأمصار\" (ت: ٢٧٤)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٨٥ - ٢٠٨ رقم ٣٤)، و\"الاستيعاب\" (٤/ ٢٢١ - ٢٢٥ رقم ١٠١٤)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٦٣ - ١٧١ رقم ١٢)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٨ رقم ٢١٩)، و\"الإصابة\" (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٥ رقم ٣٣٥٠) و(٥/ ٣٣ رقم ٣٧٧٤)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٤٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٣٢ - ٣٣٤).\n(^٢) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٩٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٢١٢ رقم ٦٠٤٠)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٤١٨)، من حديث كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه عن جده، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٣٠)، وقال: رواه الطبراني، وفيه: كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات.\nوقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧) في ترجمته: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الشافعي وأبو داود: ركن من أركان الكذب، وضرب أحمد على حديثه. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال النَّسَائِي: ليس بثقة .. وقال ابن حبان: عن أبيه عن جده نسخة موضوعة.\nوأما الترمذي فروى من حديثه: \"الصلحُ جائز بين المسلمين\" وصحَّحه؛ فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي … \".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.\n(^٣) في (أ): \"خمس\".","vol":"1","page":300},{"text":"النهي عنْ مسِّ الذَّكَرِ باليمينِ عندَ البولِ الذي مرَّ، (أوْ أنْ نستنجيَ بأقلَّ منْ ثلاثةِ أحجارٍ) الاستنجاءُ: إزالةُ النجوِ بالماءِ أو الحجارةِ (أوْ أنْ نستنجيَ برجيعٍ) وهوَ: الروْثُ (أو عظمٍ. رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ فيهِ النهيُّ عن استقبالِ القبلةِ، وهي الكعبةُ كما فسَّرَهَا حديثُ أبي أيُّوبَ في قوله: \"فوجدْنَا مراحيضَ قد بُنِيَتْ نحوَ الكعبةِ، فننحرفُ ونستغفرُ اللَّهَ\"، وسيأتي (^١).\nثم قدْ وردَ النهيُ عن استدبارِها - أيضًا - كما في حديثِ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (^٢) مرفوعًا: \"إذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ لِحاجَتِهِ فلا يستقبلِ الْقِبْلَةَ ولا يستدبرْهَا\"، وغيرِهِ منَ الأحَاديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>أقوال العلماء في النهي عن استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة</span>\nواختلفَ العلماءُ: هلْ هذَا النهيُ للتحريمِ أوْ لا؟ علَى خمسةِ أقوالٍ:\nالأولُ: أنهُ للتنزيهِ، بلا فرقٍ بينَ الفضاءِ والعمرانِ، فيكونُ مكروهًا، وأحاديثُ النهي محمولةٌ على ذلكَ بقرينةِ حديثِ جابرٍ: \"رأيتُهُ قبلَ موتهِ بعامٍ مستقبلَ القبلةِ\". أخرجهُ أحمدُ (^٣)، وابنُ حبانَ (^٤)، وغيرُهما، وحديثُ ابن عمرَ:\n_________\n(^١) رقم الحديث (١٢/ ٨٩).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢٤ رقم ٦٠/ ٢٦٥).\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٣٦٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٤٦ رقم ١٤١٧).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم ٣١)، والدارقطني (١/ ٥٨ رقم ٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٢)، والحاكم في \"المستدرك (١/ ١٥٤)، وابن خزيمة (١/ ٣٤ رقم ٥٨)، وأبو داود (١/ ٢١ رقم ١٣)، والترمذي (١/ ١٥ رقم ٩)، وابن ماجه (١/ ١١٧ رقم ٣٢٥).\nقال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nقلت: وليس كما قالا. وابن إسحاق لم يُخرج له مسلم في الأصول، والذهبي نفسه صرَّح في \"الميزان\" (٣/ ٤٧٥) أن محمد بن إسحاق لم يُخرج له مسلم احتجاجًا، ومع ذلك فكل حديث يرويه الحاكم في \"المستدرك\" من طريق ابن إسحاق يقول فيه: \"صحيح على =","vol":"1","page":301},{"text":"\"أنهُ رأى النبيَّ - ﷺ - يقضي حاجتهُ مستقبلًا لبيتِ المقدسِ مستدبرًا للكعبةِ\"، متفقٌ عليهِ (^١). وحديثُ عائشةَ: \"فحوِّلوا مِقْعَدَتِي إلى القبلةِ\"، [المرادُ بمقعدتهِ ما كانَ يقعدُ عليهِ حالَ قضاءِ حاجتهِ إلى القبلة] (^٢)، رواهُ أحمدُ (^٣)، وابنُ ماجه (^٤)، وإسنادُهُ حسنٌ.\nوأولُ الحديثِ أنهُ ذُكِرَ عندَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - قومٌ يكرهونَ أنْ يستقبِلُوا بفروجِهِم القبلةَ قال: \"أراهمْ قدْ فعلُوا، استقْبلُوا بِمَقْعَدَتي القِبْلَةَ\"؛ هذا لفظُ ابن ماجه. وقالَ الذهبيُّ في \"الميزانِ\" (^٥) في ترجمةِ خالدِ بن أبى الصلتِ: هذا الحديث منكرٌ.\nالثاني: أنهُ محرَّمٌ فيهمَا؛ لظاهرِ أحاديثِ النهي. والأحاديثُ التي جعلتْ قرينةً على أنهُ للتنزيهِ محمولةٌ على أنَّها كانتْ لعذرٍ؛ ولأنَّها حكايةُ فعلٍ لا عمومَ لها.\nالثالث: أنهُ مباحٌ فيهما. قالُوا: وأحاديثُ النهي منسوخةٌ بأحاديثِ الإباحةِ؛ لأنَّ فيها التقييدَ بقبلِ عامٍ ونحوِه، واستقواهُ في الشرح.\nالرابعُ: يحرمُ في الصحاري دونَ العمرانِ؛ لأنَّ أحاديثَ الإباحةِ وردتْ في العمران فحُمِلتْ عليهِ، وأحاديثُ النهي عامةٌ. وبعدَ تخصيصِ العمرانِ بأحاديثِ فعلِهِ التي سلفتْ، بقيتِ الصحاري على التحريمِ. وقدْ قالَ ابنُ عمرَ: إنما نُهِي عنْ ذلكَ في الفضاءِ، فإذَا كانَ بينَك وبينَ القبلةِ شيءٌ يَسْتُرُكَ فلا بأسَ بهِ. رواهُ أبو داودَ (^٦) وغيرهُ. وهذا القولُ ليسَ بالبعيدِ؛ لبقاءِ أحاديثِ النهي على بابِها، وأحاديثُ الإباحةِ كذلك.\n_________\n= شرط مسلم\" ويوافقه الذهبي في كل ذلك. فتنبَّه.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن.\n(^١) البخاري (١/ ٢٤٦ رقم ١٤٥)، ومسلم (١/ ٢٢٤ رقم ٦١/ ٢٦٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٢)، وأبو داود (١/ ٢١ رقم ١٢)، والترمذي (١/ ١٦ رقم ١١)، والنسائي (١/ ٢٣ - ٢٤)، وابن ماجه (١/ ١١٦ رقم ٣٢٢).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ١٣٧، ٢١٩).\n(^٤) في \"السنن\" (١٠/ ١١٧ رقم ٣٢٤) من حديث عائشة.\nوهو حديث منكر. تكلَّم عليه الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٥٤ رقم ٩٤٧) فأجاد وأفاد، فانظره إن شئت.\n(^٥) (١/ ٦٣٢ رقم ٢٤٣٢).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٢٠ رقم ١١) من حديث ابن عمر، وهو حديث حسن.","vol":"1","page":302},{"text":"الخامسُ: الفرقُ بينَ الاستقبالِ، فيحرمُ فيهما، ويجوزُ الاستدبارُ فيهمَا. وهوَ مردودٌ بورودِ النهي فيهمَا على سواءٍ.\nفهذهِ خمسةُ أقوالٍ، أقربُها الرابعُ. وقدْ ذُكِرَ عن الشعبي أن سببَ النهي في الصحراءِ أنَّها لا تخلُو عنْ مصلِّ منْ مَلَكٍ، أو [آدميٍّ] (^١)، أو جِنِّيٍّ، فربَّما وقعَ بصرُهُ على عورتِهِ. رواهُ البيهقيُّ (^٢).\nوقدْ سُئِلَ [أيْ الشعبيُّ] (^٣) عن اختلافِ الحديثينِ حديثِ ابن عمرَ أنهُ رآه - ﷺ - يستدبرُ القبلةَ، وحديثِ أبي هريرةَ في النهي، فقال: صَدَقَا جميعًا، أما قولُ أبي هريرةَ فهوَ في الصحراءِ، فإنَّ للَّهِ عبادًا ملائكة وجِنًّا يصلّونَ؛ فلا يستقْبلهُمْ أحدٌ ببولٍ ولا غائطٍ ولا يستدبرْهم، وأما كُنُفُكم فإنما هي بيوتٌ بُنِيَتْ لا قبلةَ فيها.\nوهذا خاصٌّ بالكعبةِ، وقد أُلْحِقَ بها بيتُ المقدسِ لحديثِ أبِي داودَ (^٤): \"نهى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن استقبالِ القبلتينِ بغائطٍ، أو بولٍ\"؛ وهوَ حديثٌ ضعيفٌ لا يقْوى على رفعِ الأصلِ. وأضعفُ منهُ القولُ بكراهةِ استقبالِ القمرينِ؛ لما يأْتي في الحديثِ الثاني عشر (^٥).\nوالاستنجاءُ باليمنى تقدَّمَ الكلامُ عليهِ. وقولُهُ: \" [أوْ أنْ] (^٦) نستنجيَ بأقلَّ منْ ثلاثةِ أحجارٍ\"، يدلُّ على أنهُ لا يجزئُ أقلُّ منْ ثلاثةِ أحجارِ، وقدْ وردَ كيفيةُ استعمالِ الثلاثِ في حديثِ ابن عباسٍ (^٧): \"حجرانِ للصفحتينِ، وحجرٌ للمسرَبةِ\"\n_________\n(^١) في (ب): \"إنسي\".\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٣).\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢٠ رقم ١٠).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١١٦ رقم ٣١٩) من حديث مَعْقِل بن أبي مَعْقِل الأسدي.\nوهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\".\n(^٥) من حديث أبي أيوب، وهو حديث صحيح.\n(^٦) في (أ): \"بأن\".\n(^٧) فلينظر من أخرجه؟\nوقد أخرج الدارقطني (١/ ٥٦ رقم ١٠)، والبيهقي (١/ ١١٤) عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - سئل عن الاستطابة فقال: \"أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسرَبة\".=","vol":"1","page":303},{"text":"وهي بسينٍ مهملةٍ، وراءٍ مضمومةٍ أو مفتوحةٍ: مَجْرَى الحَدَثِ مِنَ الدبرِ.\nوللعلماءِ خلافٌ في الاستنجاءِ بالحجارةِ: فالهادويةُ أنهُ لا يجبُ الاستنجاءُ إلَّا على المتيممِ، أوْ من خَشيَ تعدِّي الرطوبةِ ولم تزلِ النجاسةُ بالماءِ، وفي غيرِ هذهِ الحالةِ مندوبٌ لا واجبٌ، وإنما يجبُ الاستنجاءُ بالماءِ للصلاةِ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ مخيَّرٌ بينَ الماءِ والحجارةِ، أيَّهُمَا فعلَ أجزأَهُ، وإذا اكتفَى بالحجارةِ فلا بدَّ عندهُ منَ الثلاثِ المسَحَاتِ، ولو زالتِ العينُ بدونِها. وقيلَ: إذَا حصلَ الإنقاءُ بدونِ الثلاثِ أَجزأَ. وإذَا لمْ يحصلْ بثلاثٍ، فلا بدَّ مِنَ الزيادةِ، ويندبُ الإيتارُ، ويجب التثليثُ في القُبُلِ والدُّبُرِ، فتكونُ ستةَ أحجارٍ. ووردَ ذلكَ في حديثٍ.\nقلتُ: إلَّا أن الأحاديثَ لم تأتِ في طلبهِ - ﷺ - لابنِ مسعودٍ (^١)، وأبي هريرةَ (^٢)، وغيرِهِما إلَّا بثلاثةِ أحجارٍ، وجاءَ بيانُ كيفيةِ استعمالِها في الدبرِ، ولم يأتِ في القُبُلِ، ولوْ كانتِ الستُّ مرادةً لطلَبَها - ﷺ - عندَ إرادتِه التبرُّزَ] (^٣)، ولو في بعضِ الحالاتِ، فلوْ كانَ حجرٌ لهُ ستةُ أحرفٍ أجزأَ المسحُ بهِ.\nويقومُ غيرُ الحجارةِ مما يُنَقِّي مقامَها (^٤) خلافًا للظاهريةِ، فقالُوا بوجوبِ الأحجار تمسُّكًا بظاهرِ الحديثِ. وأجيبَ بأنهُ خَرَجَ على الغالبِ لأنهُ المتيسِّرُ. ويدلُّ على ذلكَ نهيهُ أنْ يُستنجَى برجيع أو عظمٍ، ولو تعيَّنتِ الحجارةُ لنهى عما\n_________\n=وقال الدارقطني: إسناد حسن، وكذلك قال البيهقي.\nوقال النووي في \"المجموع\" (١/ ١٠٦): حديث حسن.\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٢٥٦ رقم ١٥٦)، والنسائي (١/ ٣٩ - ٤٠)، والترمذي (١/ ٢٥ رقم ١٧). عنه - ﵁ - قال: \"أتى النبي - ﷺ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار … \".\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٧، ٢٥٠)، وأبو داود (١/ ١٨ رقم ٨)، والنسائي (١/ ٣٨ رقم ٤٠)، وابن ماجه (١/ ١١٤ رقم ٣١٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٥٦ رقم ١٧٣)، والبيهقي (١/ ١٠٢) و(١/ ١١٢)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ٤٣ - ٤٤ رقم ٨٠)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٢/ ٢٥٣ رقم ١٤٣٧)، والدارمي (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، وأبو عوانة (١/ ٢٠٠)، والشافعي في \"الأم\" (١/ ٣٦) عنه من طرق …\nوهو حديث حسن. وقد حسنه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"للتبرز\".\n(^٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢/ ١١٢ - ١١٣)، و\"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٧٨ - ١٧٩).","vol":"1","page":304},{"text":"[سواهُ] (^١)، وكذلكَ نَهَى عن الحُممِ، فعندَ أبي داودَ (^٢): \"مرْ أُمَّتَكَ أنْ لا يستنجُوا بروثةٍ أو حُمَمَةٍ (^٣)؛ فإنَّ اللَّهَ - تَعَالى - جعلَ لنا فيها رِزْقًا\"؛ فَنَهى - ﷺ - عنْ ذلكَ.\nوكذلكَ وردَ في العظمِ أنَّها منْ طعامِ الجنِّ كما أخرجَهُ مسلمٌ (^٤) منْ حديثِ ابن مسعودٍ وفيهِ أنهُ قالَ - ﷺ - للجنِّ لما سألوهُ الزاد: \"لكمْ كلُّ عظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ أوفرَ ما يكونُ لحمًا، وكلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لدوابّكُمْ\". ولا ينافيهِ تعليلُ الروثةِ بأنها رِكْسٌ في حديثِ ابن مسعودٍ (^٥) لمّا طلبَ منهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يأتيَهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فأتاهُ بحجرينِ وروثةٍ فألقَى الروثةَ وقال: \"إِنَّها رِكْسٌ\"، فقدْ يُعَلَّلُ الأمرُ الواحدُ بِعِلَلٍ كثيرةٍ. ولا مانعَ - أيضًا - أنْ تكونَ رِجْسًا وتُجْعَلَ لدوابِّ الجنِّ أكلًا.\nومما يدلُّ على عدمِ النهي عن استقبالِ القمرينِ الحديثُ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-223>جواز استقبال أو استدبار القمرين</span>\n١٢/ ٨٩ - وَللسّبْعَةِ (^٦) عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ -: \"وَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِروهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا\". [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-224>ترجمة أبي أيوب الأنصاري</span>\nقولهُ: (وللسبعةِ منْ حديثِ أبي أيوبَ) (^٧).\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"سواها\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٦ رقم ٣٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) الحُمَمَة: الفَحْمَة، وجَمْعُها حُمَم. \"النهاية\" (١/ ٤٤٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٣٣٢ رقم ١٥٠/ ٤٥٠).\n(^٥) وهو حديث صحيح، أخرجه البخاري وغيره كما تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٦) وهم: أحمد (٥/ ٤١٥)، والبخاري (١/ ٤٩٨ رقم ٣٩٤)، ومسلم (١/ ٢٢٤ رقم ٢٦٤)، وأبو داود (١/ ١٩ رقم ٩)، والترمذي (١/ ١٣ رقم ٨)، والنسائي (١/ ٢٣)، وابن ماجه (١/ ١١٥ رقم ٣١٨).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ١١٣ - ١١٤)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٤/ ١١٧ رقم ٣٧)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ١٥٩ - ١٦٢ رقم ٦٠٠)، و\"الإصابة\" (٣/ ٥٦ - ٥٧ رقم ١٤٣٩)، و\"المستدرك\" (٣/ ٤٥٧ - ٤٦٢)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٢٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٧٩ - ٨٠ رقم ١٧٤)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٥٧).","vol":"1","page":305},{"text":"واسمهُ خالدُ بنُ زيدٍ بن كليبٍ الأنصاريُّ، منْ أكابرِ الصحابةِ، شهدَ بدرًا، ونزلَ النبيُّ - ﷺ - حالَ قدومهِ المدينةَ عليهِ. ماتَ غازيًا سنةَ خمسينَ بالرومِ، وقيلَ: بعدَها.\nوالحديثُ مرفوعٌ، أولهُ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"إذا أتيتُمُ الغائطَ\" الحديثَ. وفي آخرِهِ منْ كلامِ أبي أيوبَ قالَ: فقدِمْنَا الشامَ؛ فوجدْنا مراحيضَ قد بُنيتْ نحوَ الكعبةِ … الحديثُ تقدَّمَ. فقولُهُ: (لا تسْتقبلُوا القبلةَ [ولا تستدْبرُوها] (^١) ببولٍ أو غائطٍ، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا)، صريحٌ في جوازِ استقبالِ القمرينِ واستدبارِهما، إذْ لا بدَّ أن يكونَا في الشرقِ أوِ الغربِ غالبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-225>من أتى البول أو الغائط فليستتر</span>\n١٣/ ٩٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرِ\".\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ عَائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: مَنْ أَتَى الغَائِطَ فلْيَسْتَتِرْ. رواهُ أبو داودَ).\nهذا الحديثُ في \"السننِ\" نسبهُ إلى أبي هريرةَ، وكذلكَ في \"التلخيص\" (^٣)، وقالَ: \"مدارهُ على أبي سعيدٍ الحبرانيِّ الحمصيِّ، وفيهِ اختلافٌ. قيلَ: إنهُ صحابيٌّ، ولا يصحُّ. والراوي عنهُ مختلفٌ فيهِ.\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) لم يخرجه من حديث عائشة. بل أخرجه من حديث أبي هريرة (١/ ٣٣ رقم ٣٥). قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣٧١)، وابن ماجه (٢/ ١١٥٧ رقم ٣٤٩٨ مختصرًا)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٤٣ رقم ١٤٠٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٣٧ مختصرًا)، والبيهقي (١/ ٩٤).\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٣): \"ومداره على أبي سعد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول، وقال أبو زرعة: شيخ. وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في \"العلل\".\nوالخلاصة: أنه حديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":306},{"text":"والحديثُ كالذي سلفَ دالٌّ على وجوبِ الاستتارِ، وقدْ قدَّمْنا شطرَه، ولفظهُ في \"السننِ\": عنْ أبي هريرةَ عن النبيّ - ﷺ -: \"مَنِ اكتحلَ فليوترْ، مَنْ فَعلَ فقدْ أحسنَ، ومنْ لا فَلا حرجَ. ومنِ استجمرَ فليوترْ، منْ فعلَ فقدْ أحسنَ، ومَنْ لا فَلا حرجَ. ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ [فليلفظْ] (^١)، وما لاكَ بِلسانهِ [فليبتلعْ] (^٢)، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسنَ، ومَنْ لا فلا حرجَ. ومَنْ أتَى الغائطَ فليستترْ، فإنْ لمْ يجدْ إلَّا أنْ يجمعَ كثيبًا مِنْ رملٍ فلْيستترْ بهِ، فإنَّ الشيطانَ يلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومَنْ لا فلا حرجَ\".\nفهذا الحديثُ الذي أخرجهُ أبو داودَ عنْ أبي هريرةَ، وليسَ لهُ هنَا عنْ عائشةَ روايةٌ، ثمَّ هوَ مضعَّفٌ بمنْ سمعت، فكانَ على المصنفِ أنْ يعزوهُ إلى أبي هريرةَ، وأنْ يشيرَ إلى ما فيهِ على عادتهِ في الإشارةِ إلى ما قيلَ في الحديثِ، وكأنهُ تركَ ذلكَ؛ لأنهُ قالَ [المصنف] (^٣) في \"فتح الباري\" (^٤): إِنَّ إسنادهُ حسنٌ. وفي \"البدرِ المنير\": إنه حديثٌ صحيحٌ، صحَّحه جماعةٌ منهمُ ابنُ حبانَ (^٥)، والحاكمُ (^٦)، والنّوويُّ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-226>ما يقول إذا فرغ من قضاء الحاجة</span>\n١٤/ ٩١ - وَعَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: \"غُفْرَانَكَ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (^٨)، وَصَحّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ (^٩).\n_________\n(^١) في (أ): \"فليلفظه\".\n(^٢) في (أ): \"فليبتلعه\".\n(^٣) زيادة من (أ):\n(^٤) (١/ ٢٥٧).\n(^٥) رقم ٣٢ - موارد.\n(^٦) في المستدرك (٤/ ١٣٧).\n(^٧) في المجموع (٢/ ٥٥)، وقال حديث حسن. وقال ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٢٠٦): إسناده حسن.\n(^٨) وهم: أحمد (٦/ ١٥٥)، وأبو داود (١/ ٣٠ رقم ٣٠)، والترمذي (١/ ١٢ رقم ٧) وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (١/ ١١٠ رقم ٣٠٠)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٧٩).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ١٥٨).=","vol":"1","page":307},{"text":"(وَعَنْهَا) أي: عائشة - ﵂ - (أن النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا خرجَ منَ الغائطِ قالَ: غفْرَانَكَ)؛ بالنصب على أنه مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: أطلبُ غفرانَكَ، (أخرجهُ الخمسة، وصحَّحهَ الحاكمُ، وأبو حاتم).\nولفظةُ (خرجَ) تشعرُ بالخروجِ منَ المكانِ - كما سلفَ في لفظِ (دخلَ) - لكنَّ المرادَ أعمُّ منهُ، ولوْ كانَ في الصحراءِ.\nقيلَ: واستغفارُهُ - ﷺ - منْ تركِهِ لذكرِ اللَّهِ وقتَ قضاءِ الحاجةِ؛ لأنهُ كانَ يذكرُ اللَّهَ على كلّ أحيانِهِ، فجعلَ تركَهُ لذكرِ اللَّهِ في تلكَ الحالِ تقصيرًا وعدَّهُ على نفسهِ ذنْبًا، فتداركَهُ بالاستغفار. وقيلَ: معناهُ التوبةُ من تقصيرهِ في شكرِ نعمتهِ التي أنعمَ بهِا عليهِ، فأطعمهُ، ثم هضمَهُ، ثم سهَّلَ خروجَ الأذَى منهُ، فرأى شكرَهُ قاصرًا عنْ بلوغِ حقِّ هذه النعمةِ، ففزعَ إلى الاستغفار منهُ، وهذَا أنسبُ ليوافقَ حديثَ أنسٍ قال: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا خرجَ منَ الخلاءِ قالَ: \"الحمدُ للَّهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني\"، رواهُ ابنُ ماجه (^١).\nووردَ في وصفِ نوحٍ ﵇ أنهُ كان [يقولُ] (^٢) مِنْ جملةِ شكرِهِ [بعد الغائط] (^٣): \"الحمدُ للَّهِ الذي أذهبَ عني الأذَى، ولو شاءَ [حَبَسَهُ] (^٤) فيَّ\"، وقدْ وصفهُ الله بأنهُ كانَ عبدًا شكورًا (^٥).\n_________\n= قلت: وأخرجه البيهقي (١/ ٩٧)، والدارمي (١/ ١٧٤)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٢٣)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (رقم ٦٩٣)، وابن خزيمة (١/ ٤٨ رقم ٩٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٧٩). وقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٩١ رقم ٥٢): صحيح، ثم قال: وصحَّحه الحاكم وكذا أبو حاتم الرازي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي والذهبي.\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١١٠ رقم ٣٠١)، وهو حديث ضعيف.\n• قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة (١/ ٩٢ رقم ١٢٠): \"هذا حديث ضعيف. ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - شيء، وإسماعيل بن مسلم المكي، متفق على تضعيفه، وفي طبقته جماعة يقال لكل منهم: إسماعيل بن مسلم يضعَّفوا\" اهـ.\nوضعَّف الألباني الحديث في \"الإرواء\" (١/ ٩١ - ٩٢ رقم ٥٣).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"أن يقول بعد خروج الغائط\".\n(^٤) في (أ): \"لحبسه\".\n(^٥) يشير إلى قوله تعالى في [الإسراء/ ٣]: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.","vol":"1","page":308},{"text":"قلت: ويحتملَ أن استغفارَهُ للأمرينِ مَعًا، ولما لا نعلمُهُ. على أنهُ قدْ يقالُ: إنهُ - ﷺ - وإنْ تركَ الذكرَ بلسانِهِ [حالةَ] (^١) التبرزِ لمْ يتركْهُ بقلبهِ.\nوفي البابِ منْ حديثِ أنسٍ (^٢) أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ: \"الحمدُ للَّهِ الذي أحسنَ إليَّ في أولهِ وآخرِهِ\"، وحديث ابن عمرَ (^٣) أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ إذا خرجَ: \"الحمدُ للَّهِ الذي أذاقني لذَّتَهُ، وأبقى فيَّ قوتَهُ، وأذهبَ عني أذاهُ\"، وكلُّ أسانيدِهَا ضعيفةٌ.\nوقالَ أبو حاتمٍ: أصحُّ ما فيهِ حديثُ عائشةَ.\nقلت: لكنهُ لا بأسَ في الإتيانِ بها جميعًا؛ شكرًا على النعمةِ، ولا يشترطُ الصحةُ للحديثِ في مثل هَذا (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-227>يستنجي في كل واحد من السبيلين بثلاثة أحجار</span>\n١٥/ ٩٢ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: أَتى النبيُّ - ﷺ - الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: \"هَذَا رِجْسٌ - أَوْ رِكْسٌ\". [صحيح]\nأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). وَزَادَ أَحْمَدُ (^٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٧): \"ائْتِني بِغَيرِهَا\".\n_________\n(^١) في (أ): \"حال\".\n(^٢) أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٢٤)، وهو حديث ضعيف.\nفي إسناده \"عبد الله بن محمد العدوي\" منكر الحديث متَّهم بالوضع، لا يحل الاحتجاج به. \"الكامل في الضعفاء\" لابن عدي (٤/ ١٤٩٧ - ١٤٩٩).\nو\"الوليد بن بُكير\" ضعيف. \"الميزان\" (٤/ ٣٣٦ رقم ٩٣٥٨).\n(^٣) أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٢٥)، وهو حديث ضعيف.\nفي إسناده: \"حبان بن علي العنزي\" و\"إسماعيل بن رافع\" ضعيفان.\n(^٤) قلت: لا يُعمل بالحديث الضعيف حتى في فضائل الأعمال.\nانظر دليل ذلك في كتابنا: \"مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\".\nالفائدة الثالثة، المسألة الخامسة. ص ٩٢ - ٩٦.\n(^٥) في \"صحيحه\" ١/ ٢٥٦ رقم ١٥٦).\n(^٦) في \"المسند\" (٦/ ١٤٦ رقم ٤٢٩٩ - شاكر).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٥٥ رقم ٥).=","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>ترجمة ابن مسعود</span>\n(وعنِ ابن مسعودِ) (^١).\n(هو عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ). قالَ الذهبيُّ: هو الإمامُ الربانيُّ أبو عبدِ الرحمنِ، عبدُ اللهِ بنُ أمِّ عبدٍ الهُذلي، صاحبُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وخادمُهُ، وأحدُ السابقينَ الأوَّلينَ منْ كبارِ البدريينَ، ومنْ نبلاءِ الفقهاءِ والمقرَّبينَ.\nأسلمَ قديمًا وحفظَ مِنْ فيِّ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - سبعينَ سورةً. وقالَ - ﷺ -: \"مَنْ أحبَّ أنْ يقرأ القرآنَ غضًّا كما أُنزِلَ، فليقرأْه على قراءةِ ابن أمِّ عبدٍ\" (^٢). وفضائلُهُ جمَّةٌ عديدَةٌ، توفيَ بالمدينةِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ، ولهُ نحوٌ منْ ستينَ سنةً.\n(قال: أتى النبيُّ - ﷺ - الغائطَ؛ فأمرني أنْ آتيهُ بثلاثةِ أحجارٍ، فوجدت حجرينِ ولمْ أجدْ ثالثًا، فأتيتهُ بِرَوْثَةٍ فأخَذَهُما، وألقى الروثَة)، زادَ ابنُ خزيمة (^٣) أنَّها كانتْ روثةُ حمارٍ، (وقالَ: إنها رِكسٌ) بكسرِ الراءِ، وسكونِ الكافِ، في \"القاموسِ\" (^٤): أنه الرجسُ. (أخرجهُ البخاريُّ. وزادَ أحمدُ والدارقطنيُّ: ائتني بغيرِها).\nأخذَ بهذَا الحديثِ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأصحابُ الحديثِ، فاشترطُوا أن لا تنقصَ الأحجارُ عن الثلاثِ، معَ مراعاةِ الإنقاءِ، وإذا لمْ يحصلْ بها زادَ حتى يَنْقَى. ويستحبُّ الإيتارُ، وتقدَّمتِ الإشارةُ إلى ذلكَ، ولا يجبُ الإيتارُ لحديثِ أبي داودَ (^٥): \"وَمَنْ لا فلا حرجَ\"، تقدمَ.\n_________\n= قلت: وأخرجه الترمذي (١/ ٢٥ رقم ١٧)، وابن ماجه (١/ ١١٤ رقم ٣١٤)، والبيهقي (١/ ١٠٨)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ٣٧ رقم ٢٨٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٧٣ رقم ٩٩٥١)، وابن خزيمة (١/ ٣٩ رقم ٧٠).\n(^١) انظر ترجمته في: \"المسند\" لأحمد (١/ ٣٧٤ - ٣٨٤)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٢٤ - ١٣٩ رقم ٢١)، و\"الاستيعاب\" (٧/ ٢٠ - ٣٥ رقم ١٦٥٩)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٤٧ - ١٥٠ رقم ٥)، و\"طبقات الشيرازي\" (٢٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٣ - ١٦ رقم ٥)، و\"معرفة القراء\" للذهبي (١/ ٣٢ - ٣٦ رقم ٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٨٦ - ٢٩١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٩ رقم ١٣٨)، وأحمد، (١/ ٤٤٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٩ رقم ٧٠).\n(^٤) \"المحيط\" (ص ٧٠٨).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٣ رقم ٣٥)، وهو حديث ضعيف، تقدم تخريجه عند الكلام على الحديث رقم (١٣/ ٩٠).","vol":"1","page":310},{"text":"قالَ الخطابيُّ: لوْ كانَ القصدُ الإنقاءَ فقطْ لَخَلا ذكرُ اشتراطِ العددِ عن الفائدةِ، فلما اشترطَ العددَ لفظًا، وعلمَ الإنقاءَ معنًى، دلَّ على إيجابِ الأمرينِ.\nوأمَّا قولُ الطحاويِّ (^١): لوْ كانَ الثلاثُ شرطًا لطلبَ - ﷺ - ثالثًا، فجوابهُ أنهُ قدْ طلبَ - ﷺ - الثالثَ كما في روايةِ أحمدَ (^٢)، والدارقطنيِّ (^٣)، المذكورةِ في كلامِ المصنفِ، وقدْ قالَ في \"الفتح\" (^٤): إنَّ رجالهُ ثقاتٌ.\nعلى أنهُ لو لمْ تثبتِ الزيادةُ هذهِ، فالجوابُ على الطحاويِّ أنهُ - ﷺ - اكتفَى بالأمرِ الأولِ في طلب الثلاثِ، وحينَ ألْقَى الروثةَ علمَ ابنُ مسعودٍ أنهُ لمْ يتمَّ امتثالهُ الأمرَ حتى يَأتيَ [بثالثةٍ] (^٥)، ثمَّ يحتملُ أنه - ﷺ - اكتفَى بأحدِ أطرافِ الحجرينِ فمسحَ بهِ المسحةَ الثالثةَ، إذِ المطلوبُ تثليثُ المسح ولو بأطرافِ حجرٍ واحدٍ، وهذهِ الثلاثُ لأحدِ السبيلينِ. ويشترطُ للآخرِ ثلاثةٌ - أَيضًا - فتكون ستةً؛ لحديثٍ وردَ بذلكَ في مُسنَدِ أحمدَ، على أن في نفسي منْ إثباتِ ستةِ أحجارٍ [شيئًا] (^٦)؛ فإنهُ ما عُلم أنهُ طلب ستةَ أحجارٍ مع تكررِ ذلكَ منهُ مع أبي هريرةَ (^٧) وابنِ مسعودٍ (^٨)، وغيرهما.\nوالأحاديثُ بلفظِ: \"من أتى الغائطَ\"، كحديثِ عائشةَ: \"إذا ذهب أحدكمُ إلى الغائطِ فليستطبْ بثلاثةِ أحجارٍ؛ فإنَّها تجزئُ عنهُ\" عندَ أحمدَ (^٩)، والنسائيِّ (^١٠)، وأبي داودَ (^١١)، والدارقطنيِّ (^١٢) وقالَ: إسنادهُ حسنٌ صحيحٌ. معَ أن الغائطَ إذا أُطْلِقَ ظاهرٌ في خارجِ الدُّبر، وخارجُ القُبلِ يلازمهُ.\n_________\n(^١) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢٢).\n(^٢) في \"المسند\" (٦/ ١٤٦ رقم ٤٢٩٩ - شاكر)، كما تقدم.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٥٥ رقم ٥) كما تقدم.\n(^٤) (١/ ٢٥٧).\n(^٥) في (أ): \"بالثالثة\".\n(^٦) في (أ): \"شيءٌ\".\n(^٧) وهو حديث حسن، وقد تقدم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (١١/ ٨٨).\n(^٨) وهو حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (١١/ ٨٨).\n(^٩) في \"المسند\" (٦/ ١٠٨).\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ٤١ رقم ٤٤).\n(^١١) في \"السنن\" (١/ ٣٧ رقم ٤٠).\n(^١٢) في \"السنن\" (١/ ٥٤ رقم ٤).\nوهو حديث حسن، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".","vol":"1","page":311},{"text":"وفي حديثِ خُزَيْمَةَ بن ثابتٍ: أنهُ - ﷺ - سُئلَ عن الاستطابةِ فقالَ: \"بثلاثةِ أحجارٍ ليسَ فيها رجيعٌ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^١). والسؤالُ عامٌّ للمَخرَجَيْنِ معًا أو أحدِهما، والمحلُّ محلُّ البيانِ. وحديثُ سلمانَ (^٢) بلفظ: أمَرَنَا أنْ لا نكتفيَ بدونِ ثلاثةِ أحجارٍ. [أخرجه مسلم] (^٣)، وهوَ مطلقٌ في المَخرَجَينِ.\nومَنِ اشترطَ الستةَ؛ فلحديثٍ أخرجهُ أحمدُ - ولا أدري ما صحتُهُ، فيُبحثُ عنهُ - ثم تتبعتُ الأحاديثَ الواردةَ في الأمرِ بثلاثةِ أحجارٍ، والنهي عن أقلَّ منها، فإذا هي كلُّها في خارجِ الدُّبرِ، فإنَّها بلفظِ النهي عن الاستنجاءِ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ، [وبلفظِ الاستطابةِ بثلاثةِ أحجارٍ] (^٤)، وبَلفظِ الاستجمارِ: \"إذا استجمرَ أحدَكم فليستجمرْ ثلاثًا\" (^٥)، وبلفظ التمسُّحِ: \"نَهَى - ﷺ - أنْ يتمسَّحَ بعظمٍ\" (^٦).\nإذا عرفتَ هذا، فالاستنجاءُ لغةً: إزالةُ النجو، وهو الغائطُ. والغائطُ كنايةٌ عن العَذِرَةِ، والعَذِرَةُ خارجُ الدُّبرِ كما يفيدُ ذلكَ كلامُ أهلِ اللغةِ، ففي \"القاموسِ\" (^٧):\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٧ رقم ٤١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١١٤ رقم ٣١٥)، والبيهقي (١/ ١٠٣)، وأحمد، (٥/ ٢١٣).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٢٣ رقم ٥٧/ ٢٦٢)، وأبو داود (١/ ١٧ رقم ٧)، والترمذي (١/ ٢٤ رقم ١٦)، وابن ماجه (١/ ١١٥ رقم ٣١٦)، وابن الجارود (رقم ٢٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٢٣)، والدارقطني (١/ ٥٤ رقم ١)، والبيهقي (١/ ١٠٢)، وأحمد (٥/ ٤٣٧، ٤٣٩)، والطيالسي (ص ٩١ رقم ٦٥٤).\n(^٣) زيادة من (أ) وقد تقدم تخريج الحديث في التعليقة السابقة.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أخرجه الحاكم (١/ ١٥٨)، والبيهقي (١/ ١٠٤)، وأحمد (٢/ ٢٥٤، ٣٦٠، ٣٨٧)، وابن خزيمة (١/ ٤٢ رقم ٧٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٥٢ رقم ١٤٣٤)، والبزار (١/ ١٢٧ رقم ٢٣٩) من حديث أبي هريرة، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١١) وقال: رواه البزار، والطبراني في \"الأوسط\" ورجاله رجاله الصحيح اهـ.\nقلت: لكن أبو عامر الخزاز واسمه: صالح بن رُستَم المزني - قال في \"التقريب\" (١/ ٣٦٠ رقم ٢٢): صدوق، كثير الخطأ.\nوقال الذهبي: منكر، الحارث بن أبي أسامة ليس بمعتمد.\n(^٦) أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤ رقم ٥٨/ ٢٦٣)، وأبو داود (١/ ٣٦ رقم ٣٨)، وأحمد (٣/ ٣٣٦)، والبيهقي (١/ ١١٠) كلهم من حديث جابر.\n(^٧) \"المحيط\" (ص ١٧٢٣).","vol":"1","page":312},{"text":"النَّجو ما يَخْرُجُ منَ البَطْنِ مِنْ ريحٍ أو غائطٍ. واسْتَنْجَى: اغْتَسَلَ بالماءِ منهُ، أو تَمَسَّحَ بالحَجَرِ. وفيهِ (^١): استطابَ اسْتَنْجَى، واسْتَجْمَرَ اسْتَنْجَى، وفيه (^٢): التمسُّحُ إمرارُ اليدِ لإزالةِ الشيءِ السائلِ، أو المُتَلَطِّخِ اهـ.\nفعرفت منْ هذا كلِّه أن الثلاثة الأحجارَ لم يردِ الأمرُ بها والنهيُّ عن أقلَّ منها إلا في إزالةِ خارجِ الدبرِ لا غيرُ، ولم يأتِ بها دليلٌ في خارجِ القُبُلِ، والأصلُ عدمُ التقريرِ بعددٍ، بل المطلوبُ الإزالةُ لأثرِ البولِ من الذكرِ، فيكفي فيهِ واحدةٌ مع أنهُ قدْ وردَ بيانُ استعمالِ الثلاثِ في الدُّبُر: بأنَّ واحدةً للمسرَبةِ واثنتينِ للصفحتينِ، ما ذاكَ إلَّا لاختصاصهِ بِهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث</span>\n١٦/ ٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نهى أن يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ أو رَوْثٍ وَقَالَ: \"إنهُمَا لا يُطَهِّرَانِ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَصَحَّحَهُ (^٣). [إسناده صحيح]\n(وَعَنْ أبي هُرَيرةَ - ﵁ - قال: إنَّ رسول الله - ﷺ - نَهَى أنْ يُستنجَى بعظمٍ أوْ رَوْثٍ، وقال: إنهما لا يطَهِّرَانِ. رواهُ الدَّارَقُطْنيَّ وصحَّحهُ).\nوأخرجهُ ابنُ خُزَيمَةَ (^٤) بلفظهِ هذَا، والبخاريُّ (^٥) بقريبٍ منهُ، وزادَ فيهِ أنهُ قالَ لهُ أبو هُرَيَرَةَ لما فرغَ: ما بالُ العظمِ والروثِ؟ قال: \"هي منْ طعامِ الجنِّ\"، وأخرجهُ البيهقيُّ مطولًا (^٦). كذا في الشرحِ، ولفظهُ في \"سننِ البيهقي\": \"أنهُ - ﷺ - قال لأبي هُرَيرَةَ - ﵁ -: \"ابغني أحجارًا أستنفضُ بها، ولا تأتني بعظمٍ ولا روثٍ\"، فأتيتهُ بأحجارٍ فِي ثوبِي، فوضعتُها إلى جنبهِ، حتى إذا فرغَ وقامَ تبعتهُ فقلتُ: يا\n_________\n(^١) أي: في \"القاموس المحيط\" (ص ١٤١) و(ص ٤٦٩).\n(^٢) أي: في \"القاموس المحيط\" (ص ٣٠٨).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٥٦ رقم ٩)، وقال: إسناده صحيح.\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣١٠).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٩) ولم أجده بهذا اللفظ في \"صحيحه\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٧/ ١٧١ رقم ٣٨٦٠).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"1","page":313},{"text":"رسولَ اللَّهِ، ما بالُ العظمِ والرَّوثِ؟ فقال: \"أتاني وفدُ نصيبينِ فسألونِي الزادَ فدعوتُ اللَّهَ لهم ألَّا يمرُّوا بروثيةٍ ولا عظمٍ إلا وجدُوا عليهِ طعامًا.\n[والنهي] (^١) في البابِ عن الزبير (^٢)، وجابرٍ (^٣)، وسهلِ بن حنيفٍ (^٤)، وغيرِهم بأسانيدَ فيها ما فيه مقالٌ، والمجموعُ يشهدُ بعضُها لبعض. وَعُلّلَ هنا بأنَّهُمَا لا يُطهِّرانِ، وَعُلّلَ بأنهما طعامُ الجنِّ، وعُلِّلَت الروثةُ بأنَّها ركسٌ. والتعليلُ بعدمِ التطهيرِ فيها عائدٌ إلى كونِها رِكْسًا. وأما عدمُ تطهيرِ العظمِ فلأنهُ لزجٌ لا يكادُ يتماسكُ، فلا ينَشِّفُ النجاسةَ، ولا يقطعُ البِلَّةَ.\nولما علَّل - ﷺ - بأنَّ العظمَ والرَّوثةَ طعامُ الجنِّ، قال لهُ ابنُ مسعودٍ: وما يغني عنهمْ ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: \"إنهمْ لا يجدونَ عظمًا إلا وجدُوا عليهِ لحمَهُ الذي كانَ عليهِ يومَ أُخِذَ، ولا وجَدُوا رَوثًا إلَّا وجدُوا فيهِ حبَّهُ الذي كان يومَ أُكِلَ\"، رواهُ أبو عبدِ اللَّهِ الحاكمُ في \"الدلائلِ\". ولا ينافيهِ ما وردَ أن الرَّوثَ علفٌ لدوابِّهم كما لا يخْفى.\nوفيهِ دليلٌ على أن الاستنجاءَ بالأحجارِ طهارةٌ لا يلزمُ معَها الماءُ وإن استُحبَّ؛ لأنهُ علّلَ بأنهما لا يطهِّرانِ، فأفادَ أن غيرَهما يُطَهِّرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>التنزُّه من البول وأن عامة عذاب القبر منه</span>\n١٧/ ٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ\". [حسن لغيره]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٢٥ - رقم ٢٥١)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وقال الهيثمي: إسناده حسن.\nليس فيه غير بقية وقد صرَّح بالتحديث. وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٩): رواه الطبراني بسند ضعيف. قلت: في \"سنده\" مجاهيل ثلاثة.\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٢٢٤ رقم ٥٨/ ٢٦٣)، وأبو داود (١/ ٣٦ رقم ٣٨)، وأحمد (٣/ ٣٣٦)، والبيهقي (١/ ١١٠) عنه بلفظ: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتَمَسَّحَ بعَظْم أو بِبَعْرٍ\".\n(^٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٨٧)، وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٩/ ١٠١): \"إسناده واهٍ\".","vol":"1","page":314},{"text":"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^١).\n(وَعَنْ أَبِي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: استَنْزِهُوا) منَ التنزُّهِ وهوَ البُعدُ بمعنى تنزَّهُوا، أو بمعنى اطلبُوا النزاهةَ (منَ البولِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ)، أي: أكثرُ مَنْ يعذَّبُ فيهِ (منه)، أي: بسببِ ملابستهِ لهُ وعدمِ التنزُّهِ عنهُ. (رواهُ الدارقطنيُّ).\nوالحديثُ آمرٌ بالبعدِ عن البولِ، وأنَّ عقوبةَ عدمِ التنزهِ منهُ تُعجَّلُ في القبرِ، وقدْ ثبتَ حديثُ الصحيحينِ (^٢): \"أنهُ - ﷺ - مرَّ بقبرين يُعَذَّبَانِ، ثمَّ أخبرَ أن عذابَ أحدِهِما؛ لأنهُ كانَ لا يستنزهُ منَ البولِ، أوْ لأنهُ لا يستترُ منْ بولِهِ\"، منَ الاستتارِ أي: لا يجعلُ بينَهُ وبينَ بولِهِ ساترًا يمنعهُ عن الملامسةِ لهُ، أوْ \"لأنهُ لا يستبرئُ\" منَ الاستبراءِ، أوْ \"لأنهُ لا يتوقَّاهُ\". وكلُّها ألفاظٌ واردةٌ في الرواياتِ، والكلُّ مفيدٌ لتحريمِ [ملامسةِ] (^٣) البولِ وعدمِ التحرُّزِ منهُ. وقدِ اختلفَ الفقهاءُ: هلْ إزالةُ النجاسةِ فرضٌ أوْ لا؟\nفقالَ مالكٌ: إزالتُها ليستْ بفرضٍ.\nوقالَ الشافعيُّ: إزالتُها فرضٌ ما عدَا ما يُعْفَى عنهُ منْها، واستدلَّ على الفرضيةِ بحديثِ التعذيبِ على عدمِ التنزُّهِ من البولِ، وهوَ وعيدٌ لا يكونُ إلَّا على تركِ فرضٍ، واعتذرَ لمالكٍ عن الحديثِ بأنهُ يحتملُ أنهُ عذبَ لأنهُ كانَ يتركُ البولَ يسيلُ عليهِ فيصلِّي بغيرِ طهورٍ؛ لأنَّ الوضوءَ لا يصحُّ معَ وجودِهِ. ولا يَخْفَى أن\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٢٨ رقم ٧)، وقال: الصواب مرسل.\n(^٢) البخاري (١/ ٣١٧ رقم ٢١٦) و(١/ ٣٢٢ رقم ٢١٨) و(٣/ ٢٢٢ رقم ١٣٦١) و(٣/ ٢٤٢ رقم ١٣٧٨) و(١٠/ ٤٦٩ رقم ٦٠٥٢) و(١٠/ ٤٧٢ رقم ٦٠٥٥)، ومسلم (١/ ٢٤٠ رقم ١١١/ ٢٩٢).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٣٧٠)، وأبو داود (١/ ٢٥ رقم ٢٠)، والنسائي (١/ ٢٨ رقم ٣١)، والترمذي (١/ ١٠٢ رقم ٧٠)، وابن ماجه (١/ ١٢٥ رقم ٣٤٧)، والبيهقي (١/ ١٠٤)، وابن خزيمة (١/ ٣٢ رقم ٥٥)، وأحمد (١/ ٢٢٥)، والدارمي (١/ ١٨٨ - ١٨٩)، وأبو عوانة (١/ ١٩٦)، والطيالسي (ص ٣٤٤ رقم ٢٦٤٦) كلهم من حديث ابن عباس.\n(^٣) في النسخة (أ): \"ملابسة\".","vol":"1","page":315},{"text":"أحاديثَ الأمرِ بالذهابِ إلى المخرجِ بالأحجارِ، والأمرِ بالاستطابةِ [دالةٌ] (^١) على وجوبِ إزالةِ النجاسةِ. وفيهِ دلالةٌ على نجاسةِ البولِ.\nوالحديثُ نصٌّ في بولِ الإنسانِ؛ لأنَّ الألفَ واللامَ في البولِ في حديثِ البابِ عوضٌ عن المضافِ، أي: عنْ بولهِ، بدليلِ لفظِ البخاريِّ في صاحبِ القبرينِ فإنَّها بلفظِ: \"كانَ لا يستنزهُ عنْ بولهِ\"، ومَنْ حملهُ [علَى] (^٢) جميعِ الأبوالِ، وأدخلَ فيهِ أبوالَ الإبلِ - كالمصنفِ في \"فتح الباري\" (^٣) فقدْ تعسَّفَ، وقد بيَّنا وجهَ التعسُّفِ في هوامشِ \"فتح الباري\".\n١٨/ ٩٥ - وَلِلْحَاكِمِ (^٤): \"أَكثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ\"، وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ. [صحيح]\n(وَلِلْحَاكِمِ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (أكثرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ، وهوَ صحيحٌ الإسنادِ)، هذَا كلامهُ هنَا. وفي \"التلخيصِ\" (^٥) ما لفظهُ: وللحاكمِ (^٦)، وأحمدَ (^٧)، وابنِ ماجَهْ (^٨): \"أكثرُ عَذابِ القَبْرِ مِنَ البَوْلِ\"، وأعلَّهُ أبو حاتمَ (^٩)، وقالَ: \"إنَّ رفعهُ باطلٌ\" اهـ.\nولم يتعقبْهُ بحرفٍ، وهنَا جزمَ بصحَّتهِ فاختلفَ كلامُه - كما ترَى - ولم يتنبَّهِ الشارحُ ﵀ لذلكَ؛ فأقرَّ كلامهُ هنَا.\n_________\n(^١) في (ب): \"دال\".\n(^٢) في (ب): \"في\".\n(^٣) (١/ ٣٢١ - ٣٢٢).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٨٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة، ووافقه الذهبي وقال: له شاهد.\n(^٥) (١/ ١٠٦ رقم ١٣٦).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ١٨٣) كما تقدم آنفًا.\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ٣٢٦، ٣٨٨، ٣٨٩).\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ١٢٥ رقم ٣٤٨).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٠١ رقم ١٤١): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين.\nقلت: وأخرجه الآجري في \"الشريعة\" (ص ٣٦٢، ٣٦٣)، والدارقطني (١/ ١٢٨ رقم ٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٢٢)، والبيهقي (٢/ ٤١٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٩) في \"العلل\" (١/ ٣٦٦ رقم ١٠٨١).","vol":"1","page":316},{"text":"والحديثُ يفيدُ ما أفادهُ الأولُ، واختُلِفَ في عدمِ الاستنزاهِ: هلْ هوَ منَ الكبائرِ أوْ منَ الصغائرِ؛ وسببُ الاختلافِ حديثُ صاحبي القبرينِ، فإنَّ فيهِ: \"وما يعذَّبانِ في كبيرٍ، بلى إنهُ لكبيرٌ\"، بعدَ أنْ ذكرَ أنهُ أحدُهما عذِّبَ بسببِ عدمِ الاستبراءِ منَ البولِ، فقيلَ: إن نفيهُ - ﷺ - كبَر ما يعذَّبانِ فيهِ، يدلُّ على أَنهُ مِنَ الصغائرِ، وردَّ هذا بأنَّ قولَه: \"بلى إنهُ لكبيرٌ\" يردُّ هذَا. وقيلَ: \"بلْ] (^١) أرادَ أنهُ ليسَ بكبيرٍ في اعتقادِهما، أو في اعتقاد المخاطبينَ، وهوَ عندَ اللَّهِ كبيرٌ. وقيلَ: ليسَ بكبيرٍ [في مشقةِ] (^٢) الاحترازِ، وجزمَ بهذَا البغويُّ (^٣) ورجَّحهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٤)، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وعلى هذا فهوَ منَ الكبائرِ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>يجلس لقضاء الحاجة معتمدًا على اليسرى</span>\n١٩/ ٩٦ - وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْخَلاءِ أنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيمْنَى. [ضعيف]\nرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>ترجمة سراقة بن مالك</span>\n(وعنْ سُرَاقَةَ) (^٧) - ﵁ - بضمّ السينِ المهملةِ، وبعدَ الراءِ قافٌ.\nهوَ أبو سفيانَ سراقةُ (ابنُ مالكٍ) ابنُ جُعْشُمٍ بضمِ الجيمِ، وسكونِ المهملةِ، وضمِّ الشينِ المعجمةِ، وهوَ الذي ساختْ قوائمُ فرسهِ لما لحقَ برسولِ اللَّهِ - ﷺ - حينَ خرجَ فارًّا منْ مكةَ، والقصةُ مشهورةٌ. قالَ سراقة في ذلكَ يخاطبُ أبا جهلَ:\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"لمشقة\".\n(^٣) في \"شرح السنة\" (١/ ٣٧١).\n(^٤) في \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" (١/ ٦٢).\n(^٥) وقد أورده الذهبي في \"كتاب الكبائر\" (ص ١٠٤ - ١٠٥) الكبيرة الحادية والثلاثون.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٩٦).\nوقال الحازمي: في \"سنده\" من لا نعرفه ولا نعلم في الباب غيره.\n(^٧) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٤/ ١٢٦ رقم ٣١٠٩)، و\"الاستيعاب\" (٤/ ١٣١ رقم ٩١٦)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦).","vol":"1","page":317},{"text":"أبا حَكَمٍ، واللَّهِ لو كنتَ شاهدًا … لأَمْرِ جوادِي حينَ ساختْ قَوَائِمُهْ\nعلِمتَ، ولم تَشكُكْ بانَّ محمدا … رسولٌ بِبُرهانٍ فمنْ ذا يقاوِمُهْ\nمنْ أبياتٍ. توفيَ سُراقةُ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في صدرِ خلافةِ عثمانَ.\n(قالَ: عَلَّمَنَا رَسُولٌ اللَّهِ - ﷺ - في الخَلاءِ أنْ نَقْعُدَ على اليُسْرَى) مِنَ الرِّجلينِ (ونَنْصِبَ اليُمْنى. رواهُ البيهقيُّ بسندٍ ضعيفٍ)، وأخرجهُ الطبرانيُّ (^١).\nقالَ الحازميُّ (^٢): في سندهِ من لا يُعرف، ولا يُعلم في البابِ غيرُهُ. قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنهُ يكونُ أعونَ على خروجِ الخارجِ؛ لأنَّ المعدةَ في الجانبِ الأيسرِ. وقيلَ: ليكونَ معتمدًا على اليُسرى، ويقلُّ معَ ذلكَ استعمالُ اليُمنى لشرفها.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>إذا بال أحدكم فلينتُر ذكره ثلاث مرات</span>\n٢٠/ ٩٧ - وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ\". [ضعيف]\nرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (^٣).\n(وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ) (^٤) - ﵁ - قيلَ: بباءٍ موحَّدةٍ، وراءٍ مهملةٍ، ودالَينِ مهملتينِ بينهَمَا ألفٌ، وضبطَ بمثناةٍ تحتيةٍ وزايٍ معجمةٍ، وبقيتُهُ كالأولِ، (عَنْ أَبِيهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا بَالَ أحدُكمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهٌ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. رواهُ ابنُ ماجه بسندٍ\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٧ رقم ١٣٨).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٠٧ رقم ١٣٨) وقال عقب كلام الحازمي: وادَّعى ابن الرفعة في \"المطلب\" أن في الباب عن أن فلينظر.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ١١٨ رقم ٣٢٦).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٩٧ رقم ١٣١): رواه أبو داود في \"المراسيل\"، عن عيسى بن أزداد عن أبيه، وأزداد يقال: يزداد، لا تصح له صحبة، وزمعة ضعيف. ورواه الإمام أحمد في \"مسنده\" من هذا الوجه. ورواه مسدد في \"مسنده\"، حدثنا عيسى، حدثنا زمعة بن صالح، حدثني عيسى بن يزداد فذكره.\nوقال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٩١)، وفي \"العلل\" (١/ ٤١ رقم ٨٩): حديث مرسل.\n(^٤) أو أزداد، اليماني، الفارسي، مجهول الحال. \"التقريب\" (٢/ ١٠٣).","vol":"1","page":318},{"text":"ضعيفٍ)، ورواهُ أحمدُ في \"مسنده\" (^١)، والبيهقيُّ (^٢)، وابنُ قانعٍ (^٣)، وأبو نعيمٍ في \"المعرفةِ\" (^٤)، وأبو داودَ في \"المراسيل\" (^٥)، والعقيليُّ في \"الضعفاء\" (^٦)؛ كلُّهم منْ روايةِ عيسى المذكورِ.\nقال ابنُ معينٍ: لا يُعْرَفُ عيسى ولا أبوهُ. وقالَ العقيليُّ: لا يتابعُ عليهِ، ولا يعرفُ إلَّا بهِ. وقالَ النوويُّ في \"شرح المهذبِ\" (^٧): اتفقُوا على أنهُ ضعيفٌ إلَّا أن معناهُ في \"الصحيحينِ\" في روايةِ صاحبي القبرينِ على روايةِ ابن عساكرَ: \"كانَ لا يستبرئُ مِنْ بولهِ\"، بموحدةٍ ساكنةٍ أي: لا يستفرغُ البولَ جهدهُ بعدَ فراغِهِ منهُ فيخرجُ [منه] (^٨) بعدَ وضوئِه.\nوالحكمةُ في ذلكَ حصولُ الظنِّ بأنهُ لم يبقَ في المخرجِ ما يخافُ منْ خروجهِ. وقد أوجبَ بعضُهم الاستبراءَ لحديثِ أحدِ صاحبي القبرينِ هذا، وهو شَاهدٌ لحديثِ البابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-234>الجمع بين الحجارةِ والماء عند الاستنجاء</span>\n٢١/ ٩٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سأل أَهْلَ قُبَاءٍ، فَقَالَ: \"إِن الله يُثْنِي عَلَيكُمْ\"، فَقَالُوا: إنَّا نُتْبعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ. [ضعيف]\nرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعيفٍ (^٩)، وَأَصْلُهُ في أَبِي دَاوُدَ (^١٠).\n- وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِدُونَ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ. [صحيح]\n_________\n(^١) (٤/ ٣٤٧).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١١٣).\n(^٣) في كتابه \"معجم الصحابة\" (٣/ ٢٣٨ قم ١٢٢٢).\n(^٤) في \"معرفة الصحابة\" (٥/ ٢٨٢١) رقم ٦٦٧٩).\n(^٥) (رقم ٤).\n(^٦) (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢ رقم ١٤١٩).\n(^٧) (٢/ ٩١).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) (١/ ١٣٠ رقم ٢٤٧) \"كشف الأستار\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢١٢) وقال: \"رواه البزار وفيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما، وهو الذي أشار بجلد مالك\".\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ٣٨ رقم ٤٤).\n(^١١) لم أعثر على تصحيح ابن خزيمة فيما لديَّ من مراجع.=","vol":"1","page":319},{"text":"(وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - سألَ أهلَ قُباءٍ) بضمِّ القافِ ممدودٌ مذكرٌ مصروفٌ، وفيه لغةٌ بالقصرِ وعدمِ الصرفِ ([فقالَ: إِنَّ اللَّهَ يثني عليكم] (^١)، فقالُوا: إنا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ. رواهُ البزارُ بسندٍ ضعيفٍ)، قالَ البزار (^٢): لا نعلمُ أحدًا رواهُ عن الزهريِّ إلَّا محمد بن عبدِ العزيزِ، ولا عنهُ إلا ابنهُ. ومحمدٌ ضعيفٌ، وراويه عنهُ عبدُ اللَّهِ بنُ شبيب ضعيفٌ (وأصلهُ في أبي داودَ)، [والترمذي] (^٣) في \"السننِ\" (^٤) عنْ أبي هريرةَ عن النبيّ - ﷺ - قالَ: \"نزلتْ هذهِ الآيةُ في أهلِ قباءَ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَّتَطَهَّرُوا﴾ (^٥) \"، قال: كانُوا يستنجونَ بالماءِ فنزلتْ فيهمْ هذهِ الآيةُ.\nقالَ المنذريُّ: زادَ الترمذيُّ: غريبٌ. وأخرجهُ ابنُ ماجَهْ (^٦)، (وصحَّحه ابنُ خزيمةَ منْ حديثِ أبي هريرةَ بدونِ ذكرِ الحجارةِ).\nقالَ النوويُّ في \"شرحِ المهذبِ\" (^٧): المعروفُ في طرقِ الحديثِ أنهمْ كانُوا يستنجونَ بالماءِ، وليسَ فيهِ أنهمْ كانُوا يجمعونَ بينَ الماءِ والأحجارِ، وتبعهُ ابنُ الرِّفعةِ فقالَ: لا يوجدُ هذا في كتبِ الحديثِ، وكذا قالَ المحبُّ الطبريُّ نحوَهُ.\nقالَ المصنفُ (^٨): وروايةُ البزار واردةٌ عليهمْ، وإنْ كانتْ ضعيفةً.\nقلتُ: يحتملُ أنهمْ يردونَ لا يوجدُ في كتبِ الحديثِ بسندٍ صحيح، ولكنَّ الأَوْلى الردُّ بما في الإلمامِ، فإنهُ صححَ ذلكَ. قالَ في \"البدرِ\": والنوويُّ معذورٌ؛ فإنَّ روايةَ ذلكَ [غريبةٌ] (^٩) في زوايا وخبَايا لوْ قُطِعَتْ إليها أكبادُ الإبْلِ لكانَ قليلًا.\nقلتُ: يتحصلُ منْ هذَا كلِّه أن الاستنجاءَ بالماءِ أفضلُ منَ الحجارةِ، والجمعُ\n_________\n=قلت: وانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ١١٢ رقم ١٥١) فقد أورد الحديث وتكلَّم عليه ولم يذكر تصحيح ابن خزيمة له.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"كشف الأستار\" (١/ ١٣١).\n(^٣) في (أ): \"والذي\".\n(^٤) (٨/ ٥٠٣) مع \"التحفة\" وقال: حديث غريب من هذا الوجه.\n(^٥) سورة التوبة: الآية ١٠٨.\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٢٨ رقم ٣٥٧).\n(^٧) (٢/ ١٠٠).\n(^٨) في \"التلخيص\" (١/ ١١٢).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"1","page":320},{"text":"بينهمَا أفضلُ منَ الكلِّ بعدَ صحةِ ما في الإلمامِ، ولمْ نجدْ عنهُ - ﷺ - أنهُ جمعَ بينهمَا. وعدةُ أحاديثِ بابِ قضاءِ الحاجةِ أحد وعشرونَ.\nوقال في الشرحِ خمسةَ عشرَ، وكأنهُ عدَّ أحاديثَ الملاعن حديثًا واحدًا، ولا وجهَ له، فإنَّها أربعةُ أحاديثَ عنْ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (^١)، وعنْ معاذٍ عندَ أبي داودَ (^٢)، وعنِ ابن عباسٍ عندَ أحمدَ (^٣)، وعنِ ابن عمرَ عندَ الطبرانيِّ (^٤)، فقدِ اختلفتْ صحابةً ومخرِّجينَ. وعدَّ حديثي النهيِ عن استقبالِ القبلةِ واحدًا، وهما حديثانِ عنْ سلمانَ عندَ مسلمٍ (^٥)، وعنْ أبي أيوبَ عندَ السبعةِ (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه رقم (٥/ ٨٢).\n(^٢) تقدم تخريجه رقم (٦/ ٨٣).\n(^٣) تقدم تخريجه رقم (٧/ ٨٤).\n(^٤) تقدم تخريجه رقم (٨/ ٨٥).\n(^٥) تقدم تخريجه رقم (١١/ ٨٨).\n(^٦) تقدم تخريجه رقم (١٢/ ٨٩).","vol":"1","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>[الباب الثامن] بابُ الغسلِ وحكمُ الجُنُبِ</span>\n(الغُسلُ) بضم الغينِ المعجمةِ - اسمٌ للاغتسالِ، وقيلَ: إذا أريدَ بهِ الماءُ فهوَ مضمومُ [الغين] (^١)، وأما المصدرُ فيجوزُ فيهِ الضمُّ والفتحُ، وقيلَ: المصدرُ بالفتحِ والاغتسالُ بالضمِّ، وقيلَ: إنهُ بالفتحِ فعلَ المغتسلِ، وبالضمِ الذي يُغْتَسَلُ بهِ، وبالكسرِ ما يجعلُ مِنَ الماءِ كالأشنانِ. (وحكمُ الجُنُبِ) أي: الأحكامُ المتعلقةُ بمنْ أصابتْهُ جنابةٌ.\n١/ ٩٩ - عَنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ\". [صحيح]\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (^٣).\n(عَنْ أَبِي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الماءُ منَ الماء رواهُ مسلمٌ، وأصلُهُ في البخاريِّ)، أي: الاغتسالُ منَ الإنزالِ، فالماءُ الأولُ المعروفُ، والثاني: المنيُّ، وفيهِ منَ البديعِ الجناسُ التامُّ. وحقيقةُ الاغتسالِ إفاضةُ الماءِ على الأعضاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>هل الدَّلك داخل في الغسل لغة؟</span>\nواخْتُلِفَ في وجوبِ الدَّلكِ، فقيلَ: يجبُ، وقيلَ: لا يجبُ، والتحقيقُ أن\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٢٦٩ رقم ٣٤٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٨٤ رقم ١٨٠).\nقلت: ومسلم (١/ ٢٦٩ رقم ٨٣/ ٣٤٥)، وابن ماجه (١/ ١٩٩ رقم ٦٠٦)، والبيهقي (١/ ١٦٥)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٣١).","vol":"1","page":322},{"text":"المسألة لغويةٌ، فإنَّ الواردَ في القرآنِ الغسل في أعضاءِ الوضوءِ، فيتوقفُ إثباتُ الدَّل فيهِ عَلى أنهُ منْ مسمَّاه، وأمَّا الغسلُ فوردَ بلفظِ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^١).\nوهذَا اللفظُ فيهِ زيادةٌ على مسمَّى الغسلِ، وأقلُّها الدَّلكُ، وما عدلَ - ﷿ - في العبارةِ إِلَّا لإفادةِ التفرقةِ بينَ الأمرين، [فأما] (^٢) الغسلُ فالظاهرُ أنهُ ليسَ من مسمَّاهُ الدَّلكُ، إذْ يقالُ: غسلَهُ العروقُ، وغسلَهُ المطرُ، فلا بدَّ من دليلٍ خارجيٍّ على شرطيةِ الدَّلكِ في غسلِ أعضاءِ الوضوءِ، بخلافِ كسرِ الجنابةِ والحيضِ، فقدْ وردَ فيهِ بلفظِ التطهيرِ كما سمعتَ، وفي الحيض: ﴿فَإذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (^٣)، إلَّا أنهُ سيأتي في حديثِ عائشةَ وميمونةَ ما يدلُّ على أنهُ - ﷺ - اكتفَى في إزالةِ الجنابةِ بمجردِ الغسلِ، وإفاضةِ الماءِ عن دونِ دلك، فاللَّهُ أعلمُ [بالنكتة] (^٤) التي لأجلِها عبَّر في التنزيلِ عنْ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ بالغسلِ، وعنْ إزالةِ الجنابةِ [بالتطهيرِ] (^٥) معَ الاتحادِ في الكيفية.\nوأما المسحُ فإنهُ الإمرارُ على الشيءِ باليدِ يصيبُ ما أصابَ، ويخطئُ ما أخطأ، فلا يقالُ: لا يبقَى فرقٌ بينَ الغسلِ والمسحِ إذا لمْ يشرط الدلكَ.\nوحديث الكتاب ذكرهُ مسلمٌ كما نسبهُ المصنفُ إليهِ في قصةِ عتبانَ بن مالك. ورواهُ أبو داودَ (^٦)، وابنُ خزيمةَ (^٧)، وابنُ حبانَ (^٨)، بلفظِ الكتابِ، وَرَوَى البخاريُّ القصةَ ولمْ يذكر الحديثَ، ولذَا قالَ المصنفُ: (أصلهُ في البخاريِّ) وهو أنه - ﷺ - قالَ لعتبانٌ بن مالكٍ: \"إِذَا أُعْجِلْتَ، أو أُقْحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الوُضوءُ\".\nوالحديثُ لهُ طرقٌ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ عنْ أبي أيوبَ (^٩)، وعنْ رافعٍ بن\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) في (أ): \"وأما\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٤) في (أ): \"ما النكتة\".\n(^٥) في (أ): \"بالتطهر\".\n(^٦) في \"السنن\": (١/ ١٤٨ رقم ٢١٧).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ١١٧ رقم ٢٣٣، ٢٣٤).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٤٢ رقم ١١٦٥).\nقلت: وأخرجه البيهقي (١/ ١٦٧)، وأبو عوانة (١/ ٢٨٦)، وابن شاهين في \"ناسخ الحديث ومنسوخه\" (ص ٤١ رقم ٦)، وأحمد (٣/ ٢٩، ٣٦).\n(^٩) أخرجه أحمد (٥/ ٤١٦، ٤٢١)، والنسائي (١/ ١١٥ رقم ١٩٩)، والدارمي (١/ ١٩٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٤)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":323},{"text":"خديجٍ (^١)، وعنْ عتبانَ بن مالكٍ (^٢)، وعنْ أبي هريرةَ (^٣)، وعنْ أنسٍ (^٤).\nوالحديثُ دالٌّ بمفهومِ الحصرِ المستفادِ منْ تعريف المسندِ إليهِ - وقد وردَ عندَ مسلمٍ (^٥) بلفظِ: \"إنَّما الماءُ من الماءِ\" - على أنهُ لا غسلَ إلا مِنَ الإنزالِ ولا غسلَ منِ التقاءِ الختانينِ، وإليه ذهبَ داودُ، وقليلٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، وفي البخاريّ (^٦): أنهُ سئلَ عثمانُ عمَّنْ يجامعُ امرأتَهُ ولمْ يُمنِ؟ فقالَ: يتوضأُ كما يتوضأُ للصلاةِ ويغسلُ ذكرهُ. وقال عثمانُ: سمعتُه منْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وبمثلِهِ قالَ عليٌّ، والزبيرُ، وطلحةُ، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وأبو أيوبَ، ورفعهُ إلى رسولِ الله - ﷺ -، ثم قالَ البخاريُّ: الغسلُ أحوطُ. وقال الجمهورُ: هذا المفهومُ منسوخٌ بحديث أبي هريرةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-237>وجوب الغسل بالتقاء الختانين</span>\n٢/ ١٠٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحح]\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٤٣).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) وقال: رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٤٢).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٦٤)، وقال: \"رواه أحمد وإسناده حسن\".\n(^٣) أورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٦٥)، وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفي البزار عنه: \"إذا أتى أحدكم أهله فأقحط فلا غسل\"، ورجال البزار رجال الصحيح، ورجال الطبراني موثقون إلا شيخ الطبراني محمد بن شعيب فإني لم أعرفه.\n(^٤) فلينظر من أخرجه؟\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٢٦٩ رقم ٣٤٣) كما تقدم.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٨٣ رقم ١٧٩) و(١/ ٣٩٦ رقم ٢٩٢).\n(^٧) البخاري (١/ ٣٩٥ رقم ٢٩١)، ومسلم (١/ ٢٧١ رقم ٨٧/ ٣٤٨)، والنسائي (١/ ١١٠ رقم ١٩١)، وابن ماجه (١/ ٢٠٠ رقم ٦١٠)، والدارقطني (١/ ١١٣ رقم ٧)، والدارمي (١/ ١٩٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٧٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤ - ٥)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٧٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦٣).","vol":"1","page":324},{"text":"- وَزَادَ مُسْلِمٌ: \"وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا جَلَسَ) أيْ: الرجلُ المعلومُ منَ السياق، (بينَ شعَبِهَا) أي: المرأةِ بضمِ الشينِ المعجمةِ وفتحِ العينِ المهملةِ فموحَّدةٍ، جمعُ شُعبةٍ، [وهو كناية عن الجماع] (^١)، (الأربْع ثمَّ جَهَدَهَا) بفتحِ الجيمِ والهاءِ، معناهُ كدَّها بحركتهِ، [أي] (^٢): بلغَ جهدَهُ في العمل بها (فَقَدْ وَجَبَ الغسلُ).\nوفي مسلم (^٣): ثمَّ اجْتَهَدَ. وعندَ أبي داودَ (^٤): \"وألزقَ الختانَ بالختانِ\" (^٥) ثمَّ جهدَها.\nقالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٦): وهذا يدلُّ على أن الْجَهْدَ هنا كنايةٌ عنْ معالجةِ الإيلاجِ، (متفقٌ عليهِ. زادَ مسلمٌ: وإنْ لمْ يُنْزِلْ).\nوالشُّعَبُ الأربعُ قيلَ: يداها ورجلاهَا، وقيلَ: رجلاها وفَخِذَاها، وقيلَ: ساقَاها وفخذاهَا، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والكلُّ كناية عن الجماعِ.\nفهذا الحديثُ استدلَّ بهِ الجمهورُ على نسخِ مفهوم حديثِ: \"الماءُ منَ الماءِ\"، واستدلُّوا على أن هذَا آخرُ الأمرينِ في رواهُ أحمَدُ (^٧) وغيرُه منْ طريقِ الزهريِّ عن أبيِّ بن كعبٍ أنهُ قالَ: \"إنَّ الفُتْيَا التي كانُوا يقولونَ: إنَّ الماءَ منَ الماءِ رخصةٌ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رخَّصَ بهَا في أولِ الإسلامِ، ثمَّ أمرَ بالاغتسالِ بعدُ\". صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ (^٨)، وابنُ حبانَ (^٩).\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"أو\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٧١ رقم (..) / ٣٤٨).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٤٨ رقم ٢١٦).\n(^٥) هنا كلمة من (أ): \"بدل\".\n(^٦) (١/ ٣٩٥).\n(^٧) في \"المسند\" (٥/ ١١٥ - ١١٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١/ ١٨٣ رقم ١١٠) و(١/ ١٨٤ رقم ١١١)، وابن ماجه (١/ ٢٠٠ رقم ٦٠٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦٥).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ١١٢ رقم ٢٢٥).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٤٤ رقم ١١٧٠).\nقلت: وللحديث طريق آخر موصول أخرجه أبو داود (١/ ١٤٧ رقم ٢١٥)، والدارمي=","vol":"1","page":325},{"text":"وقالَ الإسماعيليُّ: إنهُ صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ، وهوَ صريحٌ في النسخِ، على أن [حديث] (^١) الغسلِ، وإنْ لمْ ينزلْ، أرجحُ لو لم يثبتِ النسخُ؛ لأنهُ منطوقٌ في إيجابِ الغسلِ، وذلكَ مفهومٌ، والمنطوقُ مقدمٌ على العملِ بالمفهومِ، وإنْ كانَ المفهومُ موافقًا للبراءةِ الأصليةِ، والآيةُ تعضدُ المنطوقَ في إيجاب الغسلِ. فإنهُ قالَ تعالى: ﴿وَإِن كنُتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٢).\nقالَ الشافعي: إنَّ كلامَ العربِ يقتضي أن الجنابَةَ تطلقُ بالحقيقةِ على الجماعِ، وإنْ لم يكنْ فيهِ إنزالٌ. قال: فإنَّ كلَّ مَنْ خُوطِبَ بأنَّ فلانًا أجنَبَ عنْ فلانةٍ عُقلَ أنهُ أصابَها وإنْ لم ينزلْ، قالَ: ولم يُختلفْ أن الزنى الذي يجبُ بهِ الحدُّ هو الجماع ولو لم يكن منه إنزال اهـ.\nفتعاضدَ الكتابُ والسنةُ على إيجابِ الغُسلِ منِ الإيلاجِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>تغتسل المرأة إذا رأت في نومها ما يرى الرجل</span>\n٣/ ١٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في الْمَرْأَةِ تَرَى في مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ - قَالَ: \"تَغْتَسِلُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n- زَادَ مُسْلِمٌ (^٥): فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هذَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ \". [صحيح]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - في المرأةِ ترى في منامِها ما يرَى الرجلُ، قالَ: تغتسل. متفقٌ عليهِ. زادَ مسلمٌ: فقالتْ أمُّ سلمةَ: وهلْ يكون هذَا؟ قالَ: نعمْ فمنْ أينَ يكون الشَّبَهُ) بكسرِ الشينِ المعجمةِ، وسكونِ الموحدةِ، وبفتحهمَا، لغتان.\n_________\n= (١/ ١٩٤)، والدارقطني (١/ ١٢٦ رقم ١)، والبيهقي (١/ ١٦٥ - ١٦٦). وقال الدارقطني: صحيح. وهو كما قال.\n(^١) في (أ): \"حدث\".\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٣) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٨٢ - ٨٤) و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٣ - ٦٢)، و\"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٤ - ١٣٥)، و\"الاعتبار\" تخريج د. القلعجي (ص ١١٧ - ١٢٩).\n(^٤) قلت: أخرجه مسلم (١/ ٢٥٠ رقم ٢٩/ ٣١٠، ٣٠/ ٣١١، ٣١/ ٣١٢)، والنسائي (١/ ١١٢ رقم ١٩٥)، وابن ماجه (١/ ١٩٧ رقم ٦٠١).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٠ رقم ٣٠/ ٣١١). من حديث أم سليم.","vol":"1","page":326},{"text":"اتفقَ الشيخانِ على إخراجهِ منْ طرقٍ عنْ أمِّ سلمةَ (^١)، وعائشةَ (^٢)، وأنسٍ (^٣)، ووقعتْ هذه المسألةُ لنساءٍ منَ الصحابياتِ، [كخولة] (^٤) بنتِ حكيمٍ عندَ أحمدَ (^٥)، والنسائيِّ (^٦)، وابنِ ماجَهْ (^٧). ولسهلَة بنتِ سهيل عندَ الطبرانيِّ (^٨)، ولبُسرةَ بنتِ صفوانَ عندَ ابن أبي شيبةَ (^٩).\nوالحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ ترى ما يراهُ الرجلُ في منامهِ، والمرادُ إذا أنزلتِ الماءَ، كما في البخاريِّ قالَ: \"نعمْ إذا رأتِ الماءَ\"، أي: المنيَّ بعدَ الاستيقاظِ، وفي روايةِ: \"هنَّ شقائقُ الرجال\". [أخرجها الخمسة إلا النَّسَائِي من حديث عائشة] (^١٠)، وفيه ما يدل على أن ذلك غالب من حال النساء كالرجال، وردُّ على من زعم أن منيَّ المرأة لا يبرز.\nقولُهُ: \"فمِنْ أَيَنَ يكونُ الشبهُ\"؟ استفهامُ إنكارٍ، وتقريرٍ أن الولدَ تارةً يشبهُ أباهُ، وتارةً [يشبهُ] (^١١) أمَّهُ وأخوالَهُ، فأي [الماءين] (^١٢) غلبَ كان الشبهُ للغالبِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١/ ٢٢٨ رقم ١٣٠) و(١/ ٣٨٨ رقم ٢٨٢) و(٦/ ٣٦٢ رقم ٣٣٢٨) و(١٠/ ٥٠٤ رقم ٦٠٩١) و(١٠/ ٥٢٣ رقم ٦١٢١)، ومسلم (١/ ٢٥١ رقم ٣١٣)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٥١ رقم ٨٥)، والنسائي (١/ ١١٤ رقم ١٩٧)، والترمذي (١/ ٢٠٩ رقم ١٢٢) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ١٩٧ رقم ٦٠٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٥١ رقم ٣١٤)، والنسائي (١/ ١١٢ رقم ١٩٦)، وأبو داود (١/ ١٦٢ رقم ٢٣٧). وهو حديث صحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه في الباب رقم الحديث (٣/ ١٠١)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في النسخة (ب): \"لخولة\".\n(^٥) في \"المسند\" (٦/ ٤٠٩) من طريقين.\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١١٥ رقم ١٩٨) وفي إسناده عطاء الخراساني، قال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ٢٣ رقم ١٩٩): صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس … ولم يصح أن البخاري أخرج له.\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ١٩٧ رقم ٦٠٢) وفي إسناده: علي بن زيد وهو ضعيف. والخلاصة أن حديث خولة بنتِ حكيم: حسن.\n(^٨) عزاه له الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٦٧) وقال: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.\n(^٩) في \"المصنف\" (١/ ٨١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: جاءت امرأة يقال لها بُسرة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إحدانا ترى أنها مع زوجها في المنام، فقال: \"إذا وجدتِ بللًا فاغتسلي يا بُسرة\".\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) في (أ): \"الماء\".","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type='title' id=toc-239>كان - ﷺ - يغتسل من أربع</span>\n٤/ ١٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَغْتَسِلُ من أَرْبَع: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجُمْعَةِ، وَمِنْ الحِجَامَةِ، وَمِنَ غُسلٍ المَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ عَائشَةَ - ﵂ - كان النبي - ﷺ - يَغْتَسِل مِنْ أرْبَع: منَ الجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الجمعَةِ، ومِنَ الحِجَامَةِ، [ومن] (^٣) غُسْلِ الميتِ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابن خُزيمةَ)، ورواهُ أحمدُ (^٤)، والبيهقيُّ (^٥). وفي إسنادهِ مصعبُ بنُ شيبةَ، وفيهِ مقالٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الغسلِ في هذهِ الأحوالِ الأربعةِ، فأما الجنابةُ فالوجوبُ ظاهرٌ، وأما الجمعةُ ففي حكمهِ ووقتهِ خلافٌ، أما حكمهُ فالجمهورُ على أنهُ مسنونٌ لحديثِ سمُرةَ: \"مَنْ توضأَ يومَ الجمعةِ فبها ونَعِمَتْ، ومنِ اغتسلَ فالغسلُ أفضلُ\"، يأتي قريبًا (^٦).\nوقالَ داودُ وجماعةٌ: إنهُ واجبٌ لحديثِ: \"غسلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلِمٍ\" يأتي قريبًا (^٧)، أخرجهُ السبعةُ من حديثِ أبي سعيدٍ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٤٨ رقم ٣٤٨) و(٣/ ٥١١ رقم ٣١٦٠)، وقال أبو داود: وحديث مصعب ضعيف فيه خصال ليس العمل عليه.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ١٢٦ رقم ٢٥٦).\n(^٣) في (ب): \"و\".\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ١٥٢).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٩٩).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ١١٣ رقم ٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ١٦٦ رقم ٣٣٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٦٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأقرَّه الذهبي. كذا قالا، وفي سند الحديث مصعب بن شيبة وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة وأحمد، والبخاري، وصحَّحه ابن خزيمة. قاله ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٣٧).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\nتنبيه: وقع في \"المستدرك\" (١/ ١٦٣) قوله: \"ثنا زكريا بن أبي زائدة (و) مصعب بن شيبة\" وهو خطأ طابع أو ناسخ، والصواب ما عند الجماعة: \"زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة\".\n(^٦) وهو حديث حسن بمجموع طرقه. وسيأتي تخريجه رقم (٧/ ١٠٥).\n(^٧) وهو حديث صحيح. سيأتي تخريجه رقم (٦/ ١٠٤).","vol":"1","page":328},{"text":"وأجيبَ بأنهُ يُحملُ الوجوبُ على تأكيدِ السنيَّةِ. وأما وقتهُ ففيهِ خلافٌ - أيضًا - فعندَ الهادويةِ أنهُ من فجرِ الجمعةِ إلى عصرِها. وعندَ غيرِهم أنهُ للصلاةِ فلا يشرعُ بعدَها، [وعلى الأول يشرع بعدها] (^١) ما لمْ يدخلْ وقتُ العصرِ، وحديثُ: \"مَنْ أتى الجمعةَ فليغتسلْ\" (^٢) دليلٌ للثاني، وحديثُ عائشةَ هذا يناسبُ الأولَ.\nأما الغسلُ مِنَ الحِجَامةِ فقيلَ: هوَ سنةٌ، وتقدمَ حديثُ أنسٍ (^٣): \"أنه - ﷺ - احتجمَ وصلَّى ولم يتوضأْ\"؛ فدلَّ على أنهُ سنةٌ يفعلُ تارة - كما أفادهُ حديثُ عائشةَ هذا - ويتركُ أخرى، كما في حديثِ أنسٍ، ويُروَى عنْ علي ﵇ الغسلُ منَ الحجامةِ سنة وإن تطهرتَ أجزأكَ.\nوأما الغسلُ من غَسْلِ الميتِ فتقدمَ الكلامُ فيهِ، وللعلماءِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ: أنهُ سنةٌ، وهوَ أقربُها، وأنهُ واجبٌ، وأنَّهُ لا يستحبُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-240>إيجاب غسل الكافر إذا أسلم</span>\n٥/ ١٠٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - في قِصَّةِ ثُمَامَةَ بن أُثَالٍ، عِنْدَمَا أَسْلَمَ وَأَمَرَهُ النَّبي - ﷺ - أنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرّزَّاقَ (^٤)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ -) أنهُ قالَ: (في قصةِ ثمامةَ) بضمِ المثلثةِ، وتخفيفِ الميمِ، (ابن أثالٍ) بضمِ الهمزةِ، فمثلثةٍ مفتوحةٍ، وهوَ الحنفيُّ سيدُ أهلِ اليمامةِ، (عندَما أسلمَ) أي: عندَ إسلامهِ (وأمرهَ النبيُّ - ﷺ - أنْ يغتسلَ. رواة عبدُ الرزاقِ) (^٦).\n_________\n(^١) زيادة من (أ): وقال في الحاشية: وعند داود يستمر إلى غروب الشمس، ونصره ابن حزم وحقَّقنا ضعفه في حواشي \"شرح العمدة\".\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٣٥٦ رقم ٨٧٧)، ومسلم (٢/ ٥٧٩ رقم ٨٤٤)، والترمذي (٢/ ٣٦٤ رقم ٤٩٢)، والنسائي (٣/ ٩٣ رقم ١٣٧٦)، ومالك (١/ ١٠٢ رقم ٥) من حديث ابن عمر - ﵁ -.\n(^٣) وهو حديث ضعيف، أخرجه الدارقطني (١/ ١٥١ رقم ٢) وفي سنده صالح بن مقاتل.\nقال عنه الدارقطني: يحدث عن أبيه ليس بالقوي. وقد تقدم.\n(^٤) في \"المصنف\" (٦/ ٩ رقم ٩٨٣٤).\n(^٥) عند الشيخين: البخاري (٨/ ٨٧ رقم ٤٣٧٢)، ومسلم (٣/ ١٣٨٦ رقم ٥٩/ ١٧٦٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ١٢٩ رقم ٢٦٧٩)، وأحمد (٢/ ٢٤٦، ٤٥٢، ٤٨٣).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ١٩٤٨ - ١٩٥٢)، و\"تهذيب التهذيب\" =","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>ترجمة عبد الرزاق الصنعاني</span>\nوهوَ الحافظُ الكبيرُ عبدُ الرزاقِ بنُ همام الصنعاني صاحبُ التصانيفِ، رَوَى عنْ عبيدِ اللهِ بن عمرَ، وعنْ خلائق، وعنهُ أحمدُ، اسحاقُ، وابنُ معينٍ، والذهليُّ. قالَ الذهبيُّ: وثقهُ غيرُ واحدٍ، وحديثهُ مخرَّجٌ في \"الصِّحاحِ\"، كانَ منْ أوعيةِ العلم، ماتَ في شوالَ سنةَ إحدى عشرةَ ومائتينِ، (وأصلُهُ متفقٌ عليهِ) بينَ الشيخينِ.\nالحديثُ دليلٌ على شرعية الغُسل بعدَ الإسلامِ، وقولُه: \"أمرَهُ\"، يدل على الإيجابِ.\nوقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فعندَ الهادويةِ أنهُ إذا كانَ قدْ أجنبَ حالَ كفرهِ وجبَ عليهِ الغسلُ للجنابةِ، وإنْ كانَ قدِ اغتسلَ حالَ كفرهِ فلا حكمَ لهُ، وحديثُ: \"الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه\" (^١) لا يوافقُ هذا القولَ، وعندَ الحنفيةِ أنهُ إنْ كانَ قدِ اغتسلَ حالَ كفرهِ فلا غسلَ عليهِ.\nوعندَ الشافعيةِ وغيرِهم لا يجبُ الغسلُ عليهِ بعدَ إسلامِه للجنابةِ للحديثِ المذكورِ وهوَ: \"إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما قبلَه\"، وأما إذا لم يكنْ أجنبَ حالَ كفرهِ؛ فإنهُ يستحبُّ لهُ الاغتسالُ لا غيره.\nوأما أحمد فقالَ: يجبُ عليهِ مطلقًا لظاهرِ حديثِ الكتابِ، ولما أخرجهُ أبو داودَ (^٢) من حديثِ قيسِ بن عاصمٍ قالَ: \"أتيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أريدُ الإسلامَ فأمرني أن أغتسلَ بماءٍ وسدرٍ\"، وأخرجهُ الترمذيُّ (^٣)، والنسائيُّ (^٤)، بنحوِه.\n_________\n= (٦/ ٢٧٨ - ٢٨١ رقم ٦١١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٤٦)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٦٠٩ - ٦١٤ رقم ٥٠٤٤)، و\"النجوم الزاهرة\" (٢/ ٢٠٢)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٨ - ٣٩).\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٨ - ١٩٩، ٢٠٤، ٢٠٥)، والحاكم (٣/ ٤٥٤)، وأبو عوانة (١/ ٧٠)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٤/ ٣٥١)، وابن كثير في \"تفسيره\" (٤/ ٤١٨) من حديث عمرو بن العاص.\nوهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٢١ رقم ١٢٨٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٥١ رقم ٣٥٥).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٥٠٢ رقم ٦٠٥). وقال: هذا حديث حسن.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٠٩ رقم ١٨٨).=","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>هل غسل الجمعة واجب؟</span>\n٦/ ١٠٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"غُسلُ يَوْمِ الجُمْعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ\". [صحيح]\nأخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١).\n(وَعَنْ أبي سَعِيدٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: غُسْلُ يوم الجُمعَةِ واجبٌ على كُل مُحْتَلِمٍ. أخرجه السبعةَ). هذا دليلُ داودَ في إيجابهِ غسلَ الجمعةِ، والجمهورُ [يتأوَّلونهُ] (^٢) بما عرفتَ قريبًا، وقدْ قيلَ إنهُ [قد] (^٣) كانَ الإيجابُ أولَ الأمرِ [بالغسلِ لما كانُوا فيهِ منْ ضيقِ الحالِ، وغالبُ لباسِهم الصوفُ، وهمْ في أرضٍ حارةِ الهواءِ] (^٤)، فكانُوا يعرَقونَ عندَ الاجتماعِ لصلاةِ الجمعةِ؛ فأمرهم بالغسلِ، فلمَّا وسَّعَ اللَّهُ عليهم ولبسُوا القطن رخَّصَ لهم في ذلك.\n_________\n= قلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٦١)، وابن حبان (ص ٨٢ رقم ٢٣٤)، الموارد، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ١٢٦ رقم ٢٥٤، ٢٥٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٣٣٨ رقم ٨٦٦)، والبيهقي (١/ ١٧١، ١٧٢)، وهو حديث صحيح.\nقلت: ويشهد له حديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد (٢/ ١٤٧ رقم ٤٨٨) \"الفتح الرباني\"، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٩ رقم ٩٨٣٤)، والبيهقي (١/ ١٧١)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ١٢٥ رقم ٢٥٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٢٦٩ رقم ١٢٣٥) وأصله في \"الصحيحين\": البخاري (٨/ ٨٧ رقم ٤٣٧٢)، ومسلم (١٢/ ٨٧) \"بشرح النووي\" وليس فيهما الأمر بالاغتسال بل فيهما أنه اغتسل.\n(^١) وهم: أحمد (٣/ ٦)، والبخاري (٢/ ٣٤٤ رقم ٨٥٨)، ومسلم (٢/ ٥٨٠ رقم ٥/ ٨٤٦)، وأبو داود (١/ ٢٤٣ رقم ٣٤١)، والنسائي (٣/ ٩٣)، وابن ماجه (١/ ٣٤٦ رقم ١٠٨٩).\nوأشار إليه الترمذي (٢/ ٣٦٤) في الباب (٣٥٥).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في المنتقى (رقم: ٢٨٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١١٦)، والبيهقي (٣/ ١٨٨)، ومالك (١/ ١٠٢ رقم ٤)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ١٣٣ رقم ٣٩٤)، والدارمي (١/ ٣٦١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٣٨)، والبغوي في شرح السنة\" (٢/ ١٦٠)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٢ رقم ١٧٤٢)، والحميدي (٢/ ٣٢٣ رقم ٧٣٦).\n(^٢) في (أ): \"يؤولونه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"1","page":331},{"text":"٧/ ١٠٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَوَضَّأَ يَومَ الجمْعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالغُسْلُ أَفضَلُ\". [حسن بمجموع طرقه]\nرَوَاهُ الخَمْسَةُ (^١) وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>ترجمة سمُرة بن جُنْدَب</span>\n(وَعَنْ سَمُرَةَ) (^٣) تقدمَ ضبطهُ (ابنُ جُنْدَبٍ) بضمِّ الجيمِ، وسكونِ النونَ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، بعدَها موحدةٌ.\nهوَ أبو سعيد - في أكثرِ الأقوالِ - سمُرةُ بنُ جندَبٍ الفزاريِّ حليفُ الأنصارِ، نزلَ الكوفةَ، وولي البصرةَ، وعدادهُ في البصريينَ، كانَ منَ الحفاظِ المكثرينَ بالبصرة، ماتَ آخرَ سنةِ تسع وخمسينَ.\n(قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: مَن تَوضَّأ يومَ الجُمْعَةِ فبها) أي: بالسنَّةِ أخذَ (وَنَعِمَتْ) السنَّةُ، أو بالرخصةِ أخذَ ونعمتْ [الرخصة] (^٤)؛ لأنَّ السنةَ الغسلُ، أو\n_________\n(^١) وهم: أحمد (٥/ ٨، ١١، ١٦، ٢٢)، وأبو داود (١/ ٢٥١ رقم ٣٥٤)، والترمذي (٢/ ٣٦٩ رقم ٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤).\n- ولم يخرجه ابن ماجه من حديث سمرة بن جندب، إنما أخرجه من حديث أنس (رقم ١٠٩١).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٧٠).\nقلت: وأخرج الحديث الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١١٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٢٨٥)، والبيهقي (٣/ ١٩٠)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٨ رقم ١٧٥٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ١٦٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٣٥٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ١٩٩).\nوقال الترمذي: حديث حسن.\nقلت: فيه عنعنة الحسن. ولكن له شواهد تقويه من حديث أنس وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر، وعبد الرحمن بن سمرة، وابن عباس. انظر تخريجها في: \"نصب الراية\" (١/ ٩١ - ٩٣)، وكتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الطهارة.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن بمجموع طرقه، واللَّه أعلم.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (١/ ٦٥) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٠٧ رقم ٤١١)، \"الإصابة\" (٤/ ٢٥٧ رقم ٣٤٦٨)، \"الاستيعاب\" (٤/ ٢٥٦ - ٢٥٩ رقم ١٠٦٣)، \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٥٤) \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"1","page":332},{"text":"بالفريضةِ أخذَ ونَعِمَتِ الفريضةُ؛ فإنَّ الوضوء هوَ الفريضةُ، (ومن اغتسلَ فالغسل أفضلُ. أخرجه الخمسة، وحسَّنهُ الترمذيُّ). ومنْ صحَّحَ سماعَ الحسنِ من سَمُرةَ قال: الحديثُ صحيحُ، وفي سماعهِ منهُ خلافٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على عدم وجوب الغسل، وهو كما عرفتَ دليلُ الجمهورِ على ذلكَ، وعلى تأويلِ حديثِ الإيجابِ، إلَّا أن فيهِ سؤالًا وهو: أنهُ كيفَ يُفَضَّلُ الغسلُ وهوَ سنَّةُ، على الوضوءِ، وهوَ فريضةٌ، والفريضةُ أفضلُ إجماعًا؟\nوالجوابُ: أنهُ ليسَ التفضيلُ على الوضوءِ نفسهِ بل على الوضوءِ الذي لا غسلَ معهُ، كأنهُ قالَ: منْ توضَأ واغتسلَ فهوَ أفضلُ ممن توضَأ فقط، ودلَّ لعدمِ [الفرضيةِ] (^١) أيضًا حديثُ مسلم (^٢): \"منْ توضَّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجُمعةَ، فاستمعَ وأنصتَ، غُفِرَ لهُ ما بينَ الجمعةِ إلى الجمعةِ وزيادةُ ثلاثةِ أيامٍ\"، ولداودَ أن يقول: هوَ مقيَّدٌ بحديثِ الإيجابِ، فالدليلُ الناهضُ حديثُ سمرةَ وإنْ كان حديثُ الإيجابِ أصحَّ، فإنهُ أخرجهُ السبعةُ بخلافِ حديثِ سمرةَ، فلم يخرجهُ الشيخانِ، فالأحوطُ للمؤمنِ أنْ لا يتركَ [غسلَ] (^٣) الجمعةِ.\nوفي الهدي النبوي (^٤): الأمرُ بالغسلِ يومَ الجمعةِ مؤكدٌ جدًّا، ووجوبهُ أقوى\n_________\n(^١) في (أ): الفريضة.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٨ رقم ٢٧).\nقلت: وأخرج البخاري (٢/ ٣٨٥ رقم ٩٠٢)، ومسلم (٢/ ٥٨١ رقم ٨٤٧) عن عائشة؛ أنها قالت: كان الناس ينتابون الجمعةَ من منازلهم من العوالي، فيأتونَ في العباءِ، ويصيبهم الغبارُ، فتخرج منهم الريحُ. فأتى رسولَ الله - ﷺ - إنسانٌ منهم وهو عندي، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"لو أنكم تَطَهَّرتم ليومِكم هذا\".\nوأخرج مسلم (٢/ ٥٨٠ رقم ٤/ ٨٤٥) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: بينما عمر بن الخطاب يخطبُ الناسَ يوم الجمعة، إذ دخل عثمانُ بنُ عفان، فعرَّض به عُمَرُ فقال: ما بالُ رجالٍ يتأخَّرون بعد النداءِ؟ فقال عثمان: يا أمير المؤمنين، ما زِدْتُ حين سمعتُ النداء أن توضأتُ، ثم أقبلتُ، فقال عمرُ: والوضوءَ أيضًا؟! ألم تسمعوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"إذا جاء أحدُكم إلى الجمعة فليغتسل\".\nوموضع الدلالة في الحديث أن عمر وعثمان ومن حضر الجمعة وهم الجمُّ الغفير أقرُّوا عثمان على ترك الغسل ولم يأمروه بالرجوع له، ولو كان واجبًا لم يتركه ولم يتركوا أمره بالرجوع له. قاله النووي في \"المجموع\" (٤/ ٥٣٥).\n(^٣) في (أ): الغسل يوم.\n(^٤) أي: \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" (١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":333},{"text":"من وجوبِ الوترِ، وقراءةِ البسملةِ في الصلاةِ، ووجوب الوضوءِ من مسِّ النساءِ، ووجوبهُ من مسِّ الذَّكرِ، ووجوبه من القهقهةِ في الصلاةِ، ومنَ الرُّعافِ، ومنَ الحجامةِ والقيءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-244>تحقيق عن الجُنب القرآن</span>\n٨/ ١٠٦ - وعَنْ عليٍّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقرِئُنا القُرْآنَ مَا لَمْ يَكُن جُنُبًا. رَوَاه الخمْسَةُ (^١)، وَهَذا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحّحَهُ، وحَسّنهُ ابنُ حِبَّانَ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ عليٍّ ﵇ قالَ: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُقْرئُنا القرآن ما لمْ يكنْ جُنُبًا. رواهُ أحمدُ والخمسةُ) (^٣) هكذا في نُسَخِ \"بلوغِ المرامِ\"، والأَوْلَى: والأربعةُ، وقدْ وجدَ في بعضِها كذلكَ (وهذا لفظُ الترمذيِّ وحسنهُ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، [وذكرهُ] (^٤) المصنفُ في \"التلخيص\" (^٥) أنهُ حَكَمَ بصحتهِ الترمذيُّ، وابنُ السكنِ، وعبدُ الحقِّ، والبغويُّ. وروى ابنُ خزيمة (^٦) بإسنادهِ عنْ شعبةَ أنهُ قال: هذا الحديثُ ثلثُ رأسِ مالي، وما أحدِّثُ بحديثٍ أحسنَ منهُ.\nوأما قولُ النوويِّ (^٧): \"خالفَ الترمذيَّ الأكثرون، فضعَّفوا هذا الحديث\"، فقد قال المصنف: إن تخصيصه للترمذي بأنهُ صحَّحهُ دليلٌ على أنهُ لم يرَ تصحيحَه لغيرِه، وقد قدَّمْنَا مَنْ صحَّحهُ غيرَ الترمذيِّ. وروى الدارقطنيُّ (^٨) عن\n_________\n(^١) وهم: أحمد (١/ ٨٣، ٨٤، ١٠٧، ١٢٤، ١٣٤)، والنسائي (١/ ١٤٤ رقم ٢٦٥، ٢٦٦)، وأبو داود (١/ ١٥٥ رقم ٢٢٩)، والترمذي (١/ ٢٧٣ رقم ١٤٦)، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (١/ ١٩٥ رقم ٥٩٤).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٨٥ رقم ٧٩٦، ٧٩٧).\n(^٣) الأوْلَى أن يقول: \"والأربعة\".\n(^٤) في (ب): \"وذكر\".\n(^٥) (١/ ١٣٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ١٠٤).\n(^٧) في \"الخلاصة\" - كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٩) - وقال النووي في \"المجموع شرح المهذب\" (٢/ ١٥٩) عقب كلام الترمذي: \"وقال غيره من الحفاظ المحقِّقين: هو حديث ضعيف\" اهـ.\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ١١٨ رقم ٦)، وقال: هو صحيح عن علي - ﵁ -.","vol":"1","page":334},{"text":"عليٍّ موقوفًا: اقرؤُا القرآن ما لم تصبْ أحَدكم جنابةٌ؛ فإن أصابتهُ فلا ولا حرفًا. وهذا يعضدُ حديثَ البابِ، إلا أنَّهُ قالَ ابنُ خزيمةَ (^١): لا حجةَ في الحديثِ لمن منعَ الجنبَ منَ القراءةِ، لأنهُ ليسَ فيهِ نهيٌ، وإنما هيَ حكايةُ فعلٍ، ولم يبيِّن - ﷺ - أنهُ إنما [امتنعَ] (^٢) من ذلكَ لأجلِ الجنابةِ.\nوروى البخاريُّ (^٣) عن ابن عباسٍ أنهُ لم يرَ بالقراءةِ للجنبِ بأسًا، والقولُ بأنَّ روايةَ: \"لم يكن يحجبُ النبيَّ - ﷺ -، أو يحجزُهُ عن القرآنِ شيءٌ سوى الجنابةِ\"، أخرجهُ أحمدُ (^٤)، وأصحابُ السننِ (^٥)، وابنُ خزيمةَ (^٦)، وابنُ حبانَ (^٧)، والحاكمُ (^٨)، والبزارُ (^٩)، والدارقطنيُّ (^١٠)، والبيهقيُّ (^١١)، أصرحُ في الدليلِ على\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٩).\n(^٢) في (أ): منع.\n(^٣) معلَّقًا (١/ ٤٠٧) الباب السابع.\n(^٤) في \"المسند\" (١/ ٨٣ و٨٤ و١٠٧ و١٢٤ و١٣٤) كما تقدم.\n(^٥) أبو داود (١/ ١٥٥ رقم ٢٢٩)، والترمذي (١/ ٢٧٣ رقم ١٤٦)، والنسائي (١/ ١٤٤ رقم ٢٦٥، ٢٦٦)، وابن ماجه (١/ ١٩٥ رقم ٥٩٤) كما تقدم.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ١٠٤ رقم ٢٠٨).\n(^٧) في \"صحيحه\" (٢/ ٨٥ رقم ٧٩٦، ٧٩٧).\n(^٨) في \"المستدرك\" (٤/ ١٠٧) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\n(^٩) (١١/ ٦٢ رقم ٣٢١) \"كشف الأستار\".\n(^١٠) في \"السنن\" (٩/ ١١١ رقم ١٥).\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٨ - ٨٩).\nقلت: وأخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (١/ ٢٤٧ رقم ٢٧/ ٢٨٧) و(١/ ٢٨٨ رقم ٨٨/ ٣٤٨) و(١/ ٣٢٦ رقم ١٤٦/ ٤٠٦) و(١/ ٤٣٦ رقم ٣١٩/ ٥٧٩) و(١/ ٤٥٩ رقم ٣٦٣/ ٦٢٣)، والبغوي في شرح السنة\" (٢/ ٤١ رقم ٢٧٣) وقال: حسن صحيح، والحميدي في \"المسند\" (١/ ٣١ رقم ٥٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٠٤)، وابن الجارود في المنتقى (رقم ٩٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٨٧)، والطيالسي (١/ ٥٩ رقم ٢١٨ \"منحة المعبود\")، وغيرهم من طرق.\nقلت: وصحَّحه ابن السكن وعبد الحق كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٣٩) وتوسط الحافظ في \"الفتح\" فقال (١/ ٤٠٨): رواه أصحاب السنن، وصحَّحه الترمذي وابن حبان، وضعَّف بعضهم [أحد] رواته. والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة. وتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢٤٢) بقوله: \"هذا رأي الحافظ في الحديث ولا نوافقه عليه، فإن الراوي المشار إليه وهو \"عبد الله بن سلمة\" قد قال الحافظ نفسه في ترجمته في \"التقريب\" (١/ ٤٢٠): \"صدوق تغير حفظه، وقد سبق أنه حدَّث بهذا الحديث في حالة التغير، فالظاهر أن الحافظ لم يستحضر ذلك حين حكم بحسن الحديث\" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"1","page":335},{"text":"تحريم القراءةِ على الجنبِ من حديثِ البابِ: غيرُ ظاهرٍ؛ فإنَّ الألفاظَ كلَّها إخبارٌ عن [تركه] (^١) - ﷺ - القرآنَ حالَ الجنابةِ. ولا دليلَ في التركِ على حكمٍ معينٍ.\nوتقدم حديثُ عائشة (^٢): \"أنهُ - ﷺ - كانَ يذكرُ اللَّهَ على كلِّ أحيانهِ\"، وقدَّمْنَا أنهُ مخصَّصٌ بحديثِ عليٍّ ﵇ هذا، ولكنَّ الحقَّ أنهُ لا ينهضُ على التحريمِ، بل يحتملُ أنهُ تركَ ذلكَ حالَ الجنابةِ للكراهةِ أو نحوها، إلا أنهُ أخرجَ أبو يعلى (^٣) من حديث عليٍّ ﵇ قال: \"رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضأَ ثمَّ قرأَ شيئًا منَ القرآنِ ثمَّ قالَ: \"هكذا لمنْ ليسَ بجنبٍ، فأما الجنبُ فلا ولا آيةً\"، قال الهيثميُّ (^٤): \"رجالُهُ موثقونَ\"، وهوَ يدلُّ على التحريمِ، لأنهُ نَهْيٌ، وأصلُهُ ذلكَ، ويعاضدُ ما سلفَ.\nوأما حديثُ ابن عباسٍ (^٥) مرفوعًا: \"لو أن أحدَكم إذا أتى أهلَهُ فقالَ: بسمِ الله\" الحديثَ؛ فلَا دلالةَ فيهِ على جوازِ القراءةِ للجنبِ، لأنهُ يأتي بهذا اللفظِ غيرَ قاصدٍ للتلاوةِ، لأنهُ قبلَ غشيانهِ أهلَهُ وصيروريهِ جُنُبًا. وحديثُ ابن أبي شيبةَ (^٦) أنه - ﷺ - كانَ إذا غشيَ أهلَه فأنزلَ قالَ: \"اللهمَّ لا تجعلْ للشيطانِ فيما رزقتني نصيبًا\"، ليسَ فيه تسميةٌ فلا يُرَدُّ بهِ إشكالٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>من أتى ثم أراد أن يعود فليتوضأ</span>\n٩/ ١٠٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا\n_________\n(^١) في (أ): \"ترك\".\n(^٢) وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه رقم (١٢/ ٧٢).\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٤٠٠ رقم ٢٦٤/ ٥٢٤).\n(^٤) في \"المجمع\" (١/ ٢٧٦).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١/ ١٩١ رقم ٦٣٨٨)، ومسلم (٢/ ١٠٥٨ رقم ١١٦/ ١٤٣٤)، والترمذي (٣/ ٤٠١ رقم ١٠٩٢)، وأبو داود (٢/ ٦١٧ رقم ٢١٦١)، وابن ماجه (١/ ٦١٨ رقم ١٩١٩)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٢٢٠، ٢٤٣، ٢٨٣، ٢٨٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١١٩ رقم ١٣٣٠)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٢١٢ رقم ٦٣٧٤)، والدارمي (٢/ ١٤٥)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٦٠٨)، والبيهقي (٧/ ١٤٩)، والطيالسي (رقم ٢٧٠٥)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٢٦٦)، والحميدي في \"المسند\" (١/ ٢٣٩ رقم ٥١٦).\n(^٦) أي: ما رواه ابن أبي شيبة من طريق علقمة عن ابن مسعود، وكان إذا غشي أهله فأنزل قال … الحديث كما في \"فتح الباري\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":336},{"text":"أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأ بَينَهُمَا وُضُوءًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n- زَادَ الْحَاكِمُ (^٢): \"فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ\".\n(وَعَنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: إذا أتى أحدُكُمْ أهلَهُ ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ) إلى إتيانِها، (فليتوضأ بينَهُمَا وضوءًا)، كأنهُ أكَّدهُ، لأنهُ قدْ يطلقُ على غَسْلِ بعضِ الأعضاءِ، فأبانَ بالتأكيدِ أنهُ أرادَ بهِ الشرعيَّ. وقدْ وردَ في روايةِ ابن خزيمةَ (^٣)، والبيهقيِّ (^٤): \"وضوءَهُ للصلاةِ\"، (رواهُ مسلمٌ. زادَ الحاكمُ) عنْ أبي سعيدٍ: (فإنهُ أنشط للعوْدِ)، فيهِ دلالةٌ على شرعيةِ الوضوءِ لمنْ أرادَ معاودةَ أهلِه.\nوقد ثبتَ أنهُ - ﷺ - غشيَ نساءَهُ ولم يحدثْ وضوءًا بينَ الفعلينِ (^٥). وثبتَ أنهُ اغتسلَ بعدَ غشيانِهِ عندَ كلِّ واحدةٍ (^٦)، فالكلُّ جائزٌ، [وإن كان الوضوء مندوبًا،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٩ رقم ٢٧/ ٣٠٨).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٥٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، إنما أخرجاه إلى قوله: فليتوضأ، فقط، ولم يذكرا فيه: \"فإنه أنشط للعود\".\nوهذه لفظة تفرَّد بها شعبة عن عاصم، والتفرد من مثله مقبول عندهما. ووافقه الذهبي.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ١٠٩ رقم ٢٢٠).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٩٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٤٩ رقم ٢٢٠)، والترمذي (١/ ٢٦١ رقم ١٤١)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١/ ١٤٢ رقم ٢٦٢)، وابن ماجه (١/ ١٩٣ م ٥٨٧)، والبيهقي (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤، ٢٠٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٢٣٩).\n(^٥) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (١/ ٣٧٧ رقم ٢٦٨) و(١/ ٣٩١ رقم ٢٨٤) و(٩/ ١١٢ رقم ٥٠٦٨) و(٩/ ٣١٦ رقم ٥٢١٥)، ومسلم (١/ ٢٤٩ رقم ٢٨/ ٣٠٩)، وأبو داود (١/ ١٤٨ رقم ٢١٨)، والترمذي (١/ ٢٥٩ رقم ١٤٠)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (١/ ١٤٣ - ١٤٤).\nعن أنس بن مالك قال: كان النبي - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدةِ من الليل والنهار وهُنَّ إحدى عشرةَ قال - أي: قتادة - قلتُ لأنس: أو كانَ يُطيقهُ؟ قال: كنا نتحدَّثُ أنه أُعطيَ قوَّةَ ثلاثينَ. وقال سعيدٌ عن قتادَةَ إنَّ أنسًا حدَّثَهم: تِسعُ نِسوَةٍ\".\n(^٦) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود في \"السنن\" (١/ ١٤٩ رقم ٢١٩)، وابن ماجه (١/ ١٩٤ رقم ٥٩٠)، عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ -: أن النبي - ﷺ - =","vol":"1","page":337},{"text":"وإنما صرف الأمر عن الوجوب التعليل، وفعله - ﷺ -] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-246>عدم وجوب الوضوء على من أراد النوم جنبًا</span>\n١٠/ ١٠٨ - وَللأَرْبَعَةِ (^٢) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غيرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلُولٌ. [صحيح بشواهده]\n(ولَلأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ينامُ وهوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً. وَهُوَ مَعْلولٌ)، بَيَّنَ المصنفُ العلةَ أنهُ منْ روايةِ أبي إسحاقَ عن الأسودِ، عَنْ عائشةَ. قَالَ أحمَدُ (^٣): إنهُ ليسَ بصحيحٍ.\nوقالَ أبو داودَ (^٤): وَهْمٌ. ووجههُ أن أبا إسحاقَ لم يسمعْه منَ الأسودِ، وقدْ صحَّحهُ البيهقيُّ (^٥) وقالَ: إنَّ أبا إسحاقَ سمعهُ منَ الأسودِ، فبطلَ القولُ بأنهُ أجمعَ المحدِّثونَ بأنه خطأٌ منْ أبي إسحاقَ. قالَ الترمذيُّ (^٦): وعلى تقديرِ صحتهِ فيحتملُ أن المرادَ لا يمسُّ ماء للغسلِ. قلتُ: فيوافقُ أحاديثَ \"الصحيحينِ\"؛ فإنَّها مصرَّحةٌ بأنهُ يتوضأُ ويغسلُ فرجَهُ لأجلِ النومِ والأكلِ والشربِ والجماعِ.\nوقد اختلفَ العلماءُ هلْ هوَ واجبٌ أو غيرُ واجب؟ فالجمهورُ قالُوا بالثاني لحديثِ البابِ هذا؛ فإنهُ صريحٌ أنهُ لا يمسُّ ماءً، وحديثُ طوافهِ على نسائِهِ بغُسلٍ واحدٍ كذا قيلَ، ولا يخفى أنهُ ليسَ فيهِ على المدَّعي هنا دليل.\n_________\n= طاف ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه، قال: فقلت: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ قال: \"هذا أزكَى وأطيبُ وَأَطْهَرُ\".\nقال أبو داود: وحديث أنس - أي: السابق - أصح من هذا.\nقلت: حديث أبي رافع حديث حسن، واللَّه أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) وهم: أبو داود (١/ ١٥٤ رقم ٢٢٨)، والترمذي (١/ ٢٠٢ رقم ١١٨)، وابن ماجه (١/ ١٩٢ رقم ٥٨١، ٥٨٢، ٥٨٣)، والنسائي في كتاب \"عشرة النساء\" (رقم ١٦٦). وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"آداب الزفاف\" (ص ١١٦).\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٤٠ رقم ١٨٧).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٥٥).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٢).\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٤١).","vol":"1","page":338},{"text":"وذهبَ داودُ وجماعةٌ إلى وجوبهِ لورودِ الأمرِ بالغسلِ عندَ مسلمٍ (^١): \"ليَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيَنَمْ\". وفي البخاريِّ (^٢): \"اغسلْ فرجَكَ ثمَّ توضأْ\"، وأصلُهُ الإيجابُ. وتأولهُ الجمهورُ أنهُ للاستحبابِ جمعًا بينَ الأدلةِ، ولما رواهُ ابنُ خزيمةَ (^٣) وابنُ حبانَ (^٤) في صحيحيهمَا منْ حديثِ ابن عمرَ: أنهُ سألَ النبيَّ - ﷺ -: أينامُ أحدُنا وهوَ جُنُبُ؟ قالَ: \"نعمْ ويتوضأُ إنْ شاء\"، وأصلهُ في \"الصحيحينِ\" (^٥) دونَ قولهِ: \"إنْ شاءَ\"، إلَّا أن تصحيحَ مَنْ ذكرَها وإخراجُها في \"الصحيح\" منْ كتابهِ كافٍ في العملِ. ويؤيدُ حديثَ: \"ولا يمسّ ماءً\"، ولا يحتاجُ إلى تأَويلِ الترمذيِّ، ويعضدُ الأصلَ وهوَ عدمُ وجوبِ الوضوءِ على مَنْ أرادَ النومَ جنبًا كما قالهُ الجمهورُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-247>صفة غسل النبي - ﷺ </span>-\n١١/ ١٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٧). [صحيح]\n١٢/ ١١٠ - وَلَهُمَا (^٨)، مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: ثُمَّ أَفْرَغَ عَلى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٩ رقم ٢٤/ ٣٠٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٩٣ رقم ٢٩٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٦/ ١٠١ رقم ٢١١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٦٠ رقم ١٢١٣).\n(^٥) البخاري (١/ ٣٩٢ رقم ٢٨٧) و(١/ ٣٩٣ رقم ٢٨٩، ٢٩٠)، ومسلم (١/ ٢٤٨ رقم ٣٠٦).\n(^٦) البخاري (١/ ٣٦٠ رقم ٢٤٨) و(١/ ٣٨٢ رقم ٢٧٢)، ومسلم (١/ ٢٥٣ - ٢٥٤ رقم ٣١٦).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٤٤ رقم ٦٧)، وأحمد (٦/ ٥٢)، وأبو داود (١/ ١٦٧ رقم ٢٤٢)، والترمذي (١/ ١٧٤ رقم ١٠٤)، والنسائي (١/ ٢٠٥)، وابن ماجه (١/ ١٩٠ رقم ٥٧٤)، والدارمي (١/ ١٩١).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٣ رقم ٣٥/ ٣١٦).\n(^٨) البخاري (١/ ٣٦٨ رقم ٢٥٧)، ومسلم (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ٣١٧).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٣٠)، والدارمي (١/ ١٩١)، وأبو داود (١/ ١٦٩ رقم ٢٤٥)، والنسائي (١/ ٢٠٤)، وابن ماجه (١/ ١٩٠ رقم ٥٧٣)، والبيهقي (١/ ١٧٣) و(١/ ١٧٤).","vol":"1","page":339},{"text":"- وَفي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، وَفي آخِرِهِ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمَنْدِيلِ، فَرَدّهُ، وَفِيهِ: وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ.\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابةِ)، أيْ: أرادَ ذلكَ (يَبْدَأ فَيَغْسِل يَدَيْهِ)، في حديثِ ميمونةَ: \"مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا\"، (ثم يُفْرِغُ) أيْ: الماءَ (بيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِل فَرْجَهُ ثمَّ يَتَوَضَّأ)، في حديث ميمونةَ \"وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ\"، (ثمَّ يأخُذ الماءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ في أصُولِ الشَّعْرِ) أيْ: شعرِ رأسهِ، وفي روايةِ البيهقيِّ (^١): \"يخلِّلُ بها شقَّ رأسهِ الأيمنَ، فيتتبَّعُ بها أصولَ الشعرِ، ثمَّ يفعلُ بشقِّ رأسهِ الأيسرِ كذلكَ\"، (ثمَّ حَفَنَ عَلَى رأسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ) الحَفْنَةُ - بالمهملةِ فنونٍ - ملءُ الكفِّ كما في \"النهايةِ\" (^٢)، وبكسرِ الحاءِ وفتحِها كما في \"القاموس\" (^٣)، وفي حديثِ ميمونةَ: \"ثم أفْرَغَ على رأسهِ ثلاثَ حَفَنَاتٍ ملءَ كفيهِ\"، إلَّا أن أكثرَ رواياتِ مسلمٍ: ملءَ كفِّهِ، بالإفرادِ، (ثمَّ أفاضَ) أيْ: الماءَ (على سائرِ جَسَدِهِ) أي: بقيتِهِ، ولفظُ حديثِ ميمونةَ: \"ثمَّ غسلَ\" بدلَ أفاضَ، (ثمَّ غسَلَ رجليهِ. متفق عليهِ واللفظُ لمسلمٍ).\n(ولهمَا) أي: الشيخينِ (مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ) في صفةِ الغسلِ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ، إلَّا أن المصنفَ اقتصرَ على ما لمْ يذكرْ في حديثِ عائشةَ فقطْ، (ثم أفْرَغَ على فَرْجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ ثمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ. وفي رِوَايَةٍ: فَمَسَحَها بالتُّرَابِ، وفَي آخِرِهِ: ثم أَتَيْتهُ بالمِنْدِيلِ) بكسرِ الميمِ، وهوَ معروفٌ (فَرَدَّهُ، وفيهِ: وَجَعَلَ يَنْفضُ الماءَ بِيدِهِ)، وقيلَ هذا اللفظُ في حديثِهِمَا: \"ثم تنحَّى عنْ مقامهِ ذلكَ، فغسلَ رجليهِ، ثم أتيتهُ\"، إلى آخرهِ.\nوهذان الحديثانِ مشتملانِ على بيانِ كيفيةِ الغسلِ من ابتدائهِ إلى انتهائهِ؛ فابتداؤُه غسلُ اليدينِ قبلَ إدخالِهما في الإِناءِ إذا كانَ مستيقظًا منَ النومِ كما وردَ صريحًا، وكانَ الغسلُ منَ الإناءِ، وقدْ قيدَهُ في حديثِ ميمونةَ مرتينِ أو ثلاثًا، ثم غسلَ الفرجَ. وفي الشرحِ أن ظاهرَهُ مطلقُ الغسلِ فيكفي مرةً واحدةً، ودَلكُ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧٥) من حديث عائشة.\n(^٢) لابن الأثير (١/ ٤٠٩).\n(^٣) \"المحيط\" (ص ١٥٣٧).","vol":"1","page":340},{"text":"الأرضِ لأجلِ إزالةِ الرائحةِ منَ اليدِ، ولم يذكرْ أنهُ أعادَ غَسْلَ الفرجِ بعدَ ذلكَ، معَ أنها إذا كانتِ الرائحةُ في اليدِ فهي باقيةٌ في الفرجِ، هذا ما يُفْهَمُ منَ الحديثِ.\nويدلُّ على أن الماءَ الذي يطهرُ بهِ محلُّ النجاسةِ طاهرٌ مطهرٌ، وعلى تشريكِ النيةِ للغسلِ الذي يزيلُ النجاسةَ برفعِها الحدثَ. واستدلَّ على أن بقاءَ الرائحةِ بعدَ غَسْلِ المحلِّ لا يضرُّ. ويدلُّ على أن غسلَ الجنابةِ مرةً واحدةً. هذَا كلامهُ، ويحتملُ أنَّها لم تبقَ رائحةٌ، بلْ ضربُ الأرضِ لإزالةِ لُزُوجَةِ اليدِ إنْ سُلِّمَ أنها تفارقُ الرائحةَ، وأما وضوءهُ قبلَ الغسلِ فإنهُ يحتملُ أنهُ وضوؤه للصلاةِ، وأنهُ يصحُّ قبلَ رفعِ الحدثِ الأكبرِ. وأنْ يكونَ غَسْلُ هذهِ الأعضاءِ كافيًا عنْ غسلِ الجنابةِ. وأنهُ تتداخلُ الطهارتانِ وهوَ رأي زيدِ بن عليّ والشافعيِّ وجماعةٍ.\nونقلَ ابنُ بطالٍ الإجماعَ على ذلكَ، ويحتملُ أنهُ غسلَ أعضاءَ الوضوءِ للجنابةِ وقدَّمَها تشريفًا لها، ثمَّ وضَّأها للصلاةِ، لكنَّ هذَا لمْ يُنْقَلْ أصلًا، ويحتملُ أنهُ وضَّاهَا للصلاةِ ثمَّ أفاضَ عليها الماءَ معَ بقيةِ الجسدِ للجنابةِ، ولكنَّ عبارة أفاضَ الماءَ على سائرِ جسدِهِ لا تناسبُ هذا؛ إذْ هيَ ظاهرةٌ أنهُ أفاضهُ على ما بقي منْ جسدهِ مما لمْ يمسَّهُ الماءُ، فإنَّ السائر الباقي لا الجميعُ.\nقال في \"القاموس\" (^١): والسائرُ الباقي لا الجميعُ، كما توهَّمَ جماعاتٌ. فالحديثانِ ظاهرانِ في كفايةِ غسلِ أعضاءِ الوضوءِ مرةً واحدةً عن الجنابةِ والوضوءِ، وأنهُ لا يشترطُ في صحةِ الوضوءِ رفعُ الحدثِ الأكبرِ، ومَن قَالَ لا يتداخلانِ، وأنَّهُ يتوضأُ بعدَ كمالِ الغُسلِ لم ينهضْ لهُ على ذلكَ دليلٌ.\nوقدْ ثبتَ في \"سنن أبي داودَ\" (^٢): \"أنهُ - ﷺ - يغتسلُ ويُصلِّي الركعتينِ، وصلاةَ الغداةِ، ولا يمسُّ ماءً\"؛ فبطلَ القولُ بأنهُ ليسَ في حديثِ ميمونةَ وعائشةَ أنهُ\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٥١٧).\n(^٢) (١/ ١٧٣ رقم ٢٥٠) من حديث عائشة - ﵂ -، قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يغتسل ويُصلي الرَّكعتينِ وصلاةَ الغداةِ، ولا أراه يُحدث وضوءًا بعد الغُسل\".\nقلت: وأخرجه الترمذي (١/ ١٧٩ رقم ١٠٧)، والنسائي (١/ ١٣٧ رقم ٢٥٢)، وابن ماجه (١/ ١٩١ رقم ٥٧٩)، عن عائشة - ﵂ - قالت: \"كان - ﷺ - لا يتوضأ بعد الغسل\"، وزاد ابن ماجه: \"من الجنابة\".\nقال الترمذي: حديث حسنٌ صحيحٌ. وهو كما قال.","vol":"1","page":341},{"text":"صلَّى بعدَ ذلكَ الغسلِ، ولا يتمُّ الاستدلالُ بالتداخلِ إلَّا إذا ثبتَ أنهُ صلَّى بعدَهُ.\nقلْنا: قد ثبتَ في حديثِ السننِ صلاتُهُ بهِ. نعمْ لم يذكرِ المصنفُ في وضوءِ الغسلِ أنهُ مسحَ رأسَه، إلَّا أنْ يقالَ قدْ شملهُ قولُ ميمونةَ: \"وضوءَه للصلاةِ\".\nوقولُها: \"ثم أفاضَ الماءَ\". الإفاضةُ: الإسالةُ. وقدِ استُدِلَّ بهِ على عدمِ وجوب الدَّلكِ، وعلى أن مسمَّى غسلٍ لا يدخلُ فيهِ الدلكُ لأنَّها عبَّرتْ ميمونةُ بالغسلِ، وعبَّرتْ عائشةُ بالإفاضةِ، والمعنى واحدٌ، والإفاضةُ لا دلكَ فيها فكذلكَ الغسلُ.\nوقالَ الماورديُّ: لا يتمُّ الاستدلالُ بذلكَ، لأنَّ أفاضَ بمعنى غسلَ والخلافُ في الغسلِ قائمٌ. هذا وأما هلْ يُكَرِّرُ غَسْلَ الأعضاءِ ثلاثًا عندَ وضوءِ الغُسْلِ؟ فَلَمْ يذكرْ ذلكَ في حديثِ عائشةَ وميمونةَ، قالَ القاضي عياضُ: إنهُ لم يأتِ في شيءٍ منَ الرواياتِ ذلكَ.\nقالَ المصنفُ: بلْ قد وردَ ذلكَ في روايةٍ صحيحةٍ عنْ عائشةَ. وفي قولِ ميمونة: \"إنهُ - ﷺ - أخَّرَ غسلَ الرجلينِ\"، ولم يردْ في روايةِ عائشةَ، قيلَ: يحتملُ أنهُ أعادَ غسلَ رجليهِ بعدَ أنْ غسلَهما أوَّلًا للوضوءِ لظاهرِ قولِها: \"توضأ وضوءه للصلاةِ\"؛ فإنهُ ظاهرٌ في دخولِ الرجلينِ في ذلكَ.\nوقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فمنهمْ مَنِ اختارَ غسلَهما أولًا، ومنهمْ منِ اختارَ تأخيرَ ذلكَ. وقد أُخِذَ منهُ جوازُ تفريقِ أعضاءِ الوضوءِ. وقولُ ميمونةَ: \"ثمَّ أَتيتُهُ بالمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ\"، فيهِ دليلٌ على عدمِ شرعيةِ التنشيفِ للأعضاءِ. وفيهِ أقوالٌ: الأشهرُ أنهُ يستحبُّ تركهُ، وقيلَ مباحٌ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وفيهِ دلالةٌ على أن نفضَ اليدِ منْ ماءِ الوضوءِ لا بأسَ بهِ، وقدْ عارضهُ حديثُ: \"لا تنفضُوا أيديكم؛ فإنَّها مراوحُ الشيطانِ\" (^١)، إلَّا أنهُ حديث ضعيفٌ (^٢) لا يقاوِمُ حديثَ البابِ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٣٦ رقم ٧٣)، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢٠٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٩٠).\nقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر. والبَخْتري: ضعيف الحديث، وأبوه مجهول\". وكذا قال ابن عدي: أن الحديث منكر.\nوخلاصة القول: أن الحديث موضوع. انظر: \"الضعيفة\" للمحدث الألباني (رقم ٩٠٣).\n(^٢) قلت: بل هو موضوع كما تقدم.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type='title' id=toc-248>هل تنقض المرأة شعرها في الغسل</span>\n١٣/ ١١١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغَسْلِ الْجَنَابَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ؟ قَالَ: \"لا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني امرأةٌ أشدُّ شعرَ رأْسي أفأنقضُهُ لغسلِ الجنابةِ؟ وفي روايةِ: والحيضةِ؟ فقال: لا، إِنَّما يكفيكِ أنْ تحثي على رأسِكِ ثلاثَ حثياتٍ. رواهُ مسلمٌ)، لكنَّ لفظهُ: \"أشُدُّ ضَفْرَ رأسيْ\" بدلَ: \"شعرَ رأسيْ\"، وكأنهُ رواهُ المصنفُ بالمعنَى، وضَفْرَ بفتحِ الضادِ وإسكانِ الفاءِ هوَ المشهورُ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ نقضَ الشعرِ على المرأةِ في غُسلِها منْ جنابةٍ أو حيضٍ، وأنهُ لا يشترطُ وصولُ الماءِ إلى أصولِهِ وهي مسألةُ خلافٍ.\nفعندَ الهادويةِ لا يجبُ النقضُ في غسلِ الجنابةِ، ويجبُ في الحيضِ والنفاسِ لقولِهِ - ﷺ - لعائشةَ: \"انقضي شعرَك واغتسلي\" (^٢)، وأجيبَ بأنهُ معارَضٌ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٩ رقم ٥٨/ ٣٣٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٣١٥)، وأبو داود (١/ ١٧٣ رقم ٢٥١)، والترمذي (١/ ١٧٥ رقم ١٠٥) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ١٩٨ رقم ٦٠٣)، والنسائي (١/ ١٣١).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٢١٠ رقم ٦٤١) بإسناد صحيح.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ١٦٧): \" .. لكني أشك في صحةِ هذه اللفظة: \"واغتسلي\" فإن الحديث في \"الصحيحين\" البخاري (١/ ٤١٧ رقم ٣١٧)، ومسلم (٢/ ٨٧٢ رقم ١١٥/ ١٢١١) وغيرهما من طرق عن هشام به أتم منه بدونها\". قالت: خرجنا موافين لهلال ذي الحجة، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"من أحب أن يهلَّ بعمرةٍ فليُهل، فإني لولا أني أهدَيت لأهللت بعمرة\"، فأهل بعضهم بعمرة وأهلَّ بعضهم بحج، وكنت أنا ممن أهلَّ بعمرة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت إلى النبي - ﷺ - فقال: \"دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلِّي بحج … \".\nوكذلك أخرجاه البخاري (١/ ٤١٧ رقم ٣١٦)، ومسلم (٢/ ٨٧٠ رقم ١١٢/ ١٢١١) من طرق أخرى عن عروة به، دون قوله: \"واغتسلي\"، بل إن مسلمًا أخرجه (٢/ ٨٧٢ رقم ١١٧/ ١٢١١) من طريق أخرى عن وكيع عن هشام به إلا أنه لم يسق لفظه بل أحال على لفظ غيره عن هشام وليس فيه هذه الزيادة، والله أعلم.","vol":"1","page":343},{"text":"بهذا الحديثِ، ويُجْمَعُ بينهُما بأنَّ الأمرَ بالنقضِ للندبِ، أو يجابُ بأنَّ شعرَ أمِّ سلمةَ كانَ خفيفًا فعلمَ - ﷺ - أنهُ يصلُ الماءُ إلى أصولهِ. وقيلَ: يجبُ النقضُ إنْ لمْ يصلِ الماءُ إلى أصولِ الشعرِ، وإنْ وصلَ لخفَّةِ الشعرِ لم يجبْ نقضهُ، أو بأنهُ إنْ كانَ مشدودًا نُقِضَ، وإلَّا لمْ يجبِ نقضُهُ، لأنهُ يبلغُ الماءُ أصولَه.\nوأما حديثُ: \"بُلُّوا الشعرَ وأنقوا البَشَرَ\" (^١)، فلا يقْوى على معارضةِ حديثِ أمِ سلمةَ. وأما فعلهُ - ﷺ - وإدخالُ أصابعهِ كما سلفَ في غسلِ الجنابةِ، ففِعلٌ لا يدلُّ على الوجوبِ، ثم هوَ في حقِّ الرجالِ، وحديثُ أمِّ سلمةَ في غُسْلِ النساءِ، هكذا حاصلُ ما في الشرحِ، إلا أنهُ لا يخفى أن حديثَ عائشةَ كانَ في الحجِّ، فإنَّها أحرمتْ بعمرةٍ ثم حاضتْ قبلَ دخولِ مكةَ، فأمرهَا - ﷺ - أنْ تنقضَ رأسَها وتمتشطَ وتغتسلُ، وتهلَّ بالحجِّ، وهي حينئذٍ لم تطهرْ من حيضها فليسَ إلا غسلُ تنظيفٍ لا حيضٍ، فلا يعارضُ حديثَ أمِّ سلمةَ أصلًا، فلا حاجةَ إلى هذهِ التآويلِ التي في غايةِ الرِّكَّةِ، فإنَّ خفةَ شعرِ هذهِ دونَ هذهِ يفتقرُ إلى دليلٍ. والقولُ بأنَّ هذا مشدودٌ، وهذا [خلافُه] (^٢) - والعبارةُ عنهما من الراوي بلفظِ النقضِ - دعوى بغيرِ دليلٍ.\nنعمْ في المسألةِ حديثٌ واضحٌ، فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ في الأفرادِ (^٣)، والطبرانيُّ (^٤)، والخطيبُ في \"التلخيص\" (^٥)، والضياءُ المقدسيُّ (^٦) منْ حديثِ أنسٍ\n_________\n(^١) وهو حديث ضعيف.\nانظر تخريجه رقم (١٦/ ١١٤).\n(^٢) في (ب): \"بخلافه\".\n(^٣) عزاه إليه الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٨٠).\n(^٤) في \"المعجم الكبير\" (١/ ٢٦٠ رقم ٧٥٥).\n(^٥) عزاه إليه الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٨٠).\n(^٦) في \"المختارة\" (ق ٢/ ٢٣)، \"مسند أنس\" كما في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٤٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٢)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٧٣) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\"، وفيه: سلمة بن صبيح اليحمدي ولم أجد من ذكره.\nقلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف لتفرُّد ابن صبيح به، وهو في عداد المجهولين.\nوانظر: \"الضعيفة\" للمحدث الألباني (رقم ٩٣٧).","vol":"1","page":344},{"text":"مرفوعًا: \"إذا اغْتَسَلتِ المرأةُ منْ حَيْضِها نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقضًا وَغَسَلَتْهُ بِخَطْمِيٍّ (^١)، وَأُشْنَانٍ (^٢)، وإن اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةِ صَبَّتْ الماءَ على رأسِهَا صبًّا وَعَصَرَتْهُ\"؛ فهذَا الحديثُ معَ إخراجِ الضياءِ لهُ وهوَ يشترطُ الصحةَ فيما يخرجهُ، يثمرُ الظنُّ في العمل بهِ (^٣)، ويحملُ على الندبِ لذكرِ الخطميِّ والأشنانِ، إذْ لا قائلَ بوجوبِهِما فهوَ قرينةٌ على الندبِ (^٤)، وحديثُ أمِّ سلمةَ محمولٌ على الإيجابِ كما قال: \"إنما يكفيك\"، فإذا زادتْ نقضَ الشعر كانَ ندبًا.\nويدلُّ [على عدم] (^٥) وجوبِ النقضِ ما أخرجهُ مسلمٌ (^٦) وأحمدُ (^٧): \"أنهُ بلغَ عائشةَ أن ابنَ عمرَ كانَ يأمرُ النسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أنْ يَنْقُضْنَ رؤوسَهُنَّ، فقالتْ: [يا عجبًا] (^٨) لابنِ عمرَ وهوَ يأمرُ النساءَ أنْ ينقُضْنَ شعرَهُنَّ، أفلا يأمُرُهُنَّ أن يَحْلِقْنَ رؤوسَهُنَّ؟ لقدْ كنتُ أَغْتَسِلُ أنا ورسولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إناءٍ واحدٍ، فما أزيدُ أنْ أُفْرغَ على رأسي ثَلاثَ إِفْرَاغاتٍ\"، وإنْ كان حديثُها في غسلِها منَ الجنابةِ. وظاهرُ ما نقلَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ يأمرُ النساءَ [بنقضِ الشعر مطلقًا] (^٩) في حيضٍ وجنابةٍ (^١٠).\n_________\n(^١) الخَطْمِيُّ: والكَسْرُ أكثَرُ. شجرةٌ من الفصيلةِ الخُبَّازِيَّةِ، كثيرةُ النفع، يُدَقُّ وَرَقُها يابسًا، ويُجْعَلُ غَسْلًا للرأسِ، فينقِّيهِ. \"القاموس الفقهي\" سعدي أبو جيب (ص ١١٨).\n(^٢) الأُشْنان: وهو بضم الهمزة وكسرها. حكاهما أبو عبيدة والجواليقي، قال: وهو فارسي مُعرَّب، وهو بالعربية \"حُرْضَ\". \"تحرير ألفاظ التنبيه\" للنووي (ص ٣٢).\n(^٣) قال الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣) تعقيبًا على كلام الأمير الصنعاني: \"وهذا مسلَّم بالنسبة لمن لم يقف على إسناده، وأما من وقف عليه، فقد يختلف الحكم بالنسبة له، ويرى خلاف ما ذهب الضياء إليه وعَّول عليه، كما هو الشأن في هذا الحديث. ورواية مسلم بن صبيح، وهو من الأدلة الكثيرة على أن الضياء ﵀ متساهل في التصحيح كالحاكم، وإن كان هو أحسن حالًا منه كما شهد بذلك ابن تيمية ﵀\" اهـ.\n(^٤) إذا عرفت ضعف الحديث فالاستدلال به على ما ذكر الصنعاني غير صحيح.\n(^٥) في (ب): \"لعدم\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٦٠ رقم ٥٩/ ٣٣١).\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ١٣٥ رقم ٤٦٧) \"الفتح الرباني\".\n(^٨) في (أ): \"يا عجباه\".\n(^٩) في (ب): \"بالنقض\".\n(^١٠) قلت: الأقرب إلى الصواب: التفريق بين غسل الحيض فيجب فيه النقض، وبين غسل الجنابة فلا يجب، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-249>نهي الجنب والحائض عن المكث في المسجد</span>\n١٤/ ١١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلا جُنُبٍ\"، رواهُ أَبُو داودَ (^١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنِّي لا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ) أي: دخولَهُ والبقاءَ فيهِ (لِحائِضٍ وَلا جُنُبٍ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ)، ولا سماعَ لقولِ ابن الرفعةِ: إنَّ في رواتهِ متروكًا، لأنهُ قد ردَّ قولَه بعضُ الأئمةِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجوزُ للحائضِ والجنبِ دخولَ المسجدِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ داودُ وغيرهُ، يجوزُ وكأنهُ بنى على البراءةِ الأصليةِ، وأنَّ هذا الحديثَ لا يرفعُها. وأما عبورُهما المسجدَ فقيلَ يجوزُ لقولهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٣) في الجُنبِ، وتقاسُ الحائضُ عليهِ، والمرادُ بهِ مواضعُ الصلاةِ.\nوأجيبَ بأنَّ الآيةَ فيمنْ أجنبَ في المسجدِ، فإنهُ يخرجُ منهُ للغسلِ وهوَ خلافُ الظاهرِ، وفيه تأويلٌ آخرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-250>جواز اغتسال المرأة والرجل من إناء واحد</span>\n١٥/ ١١٣ - وَعَنْها - ﵂ - قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٥٧ رقم ٢٣٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٨٤ رقم ١٣٢٧).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٧ رقم ١٧١٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٢).\nوضعَّف بعضهم هذا الحديث بأن راويه أفلت بن خليفة مجهول الحال كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٤٢).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٢١٢ رقم ٦٤٥)، من حديث أم سلمة وهو حديث ضعيف، أيضًا لجهالة أبي الخطاب وعدم توثيق محدوج.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^٣) سورة النساء: الآية ٤٣.","vol":"1","page":346},{"text":"وَاحِدٍ، تَخْتِلَفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ (^٢): وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا. [صحيح]\n(وَعَنْهَا) أي: عائشةَ (قالتْ: كُنْتُ اغْتَسِلُ أَنَا وَرَسولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إِنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فيهِ) أي: في الاغترافِ منهُ، (مِنَ الجنابةِ) بيانٌ [لأغتسل] (^٣) (متفقٌ عليهِ، زادَ ابنُ حبانَ: وتلتقي) أي تلتقي (أيدينَا) فيهِ.\nوهوَ دليلٌ على جوازِ اغتسالِ الرجلِ والمرأةِ منْ ماءٍ واحدٍ في إناءٍ واحدٍ، والجوازُ هوَ الأصلُ. وقد سلفَ الكلامُ في هذا في بابٍ المياهِ.\n١٦/ ١١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً، فَاغْسِلُوا الشعْرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَ\". [ضعيف]\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَضَعَّفَاهُ.\n(وَعَنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابةً فاغْسِلَّوا الشَّعْرَ)، لأنهُ إذا كانَ تحتَهَ جنابةٌ فبالأَوْلى أنها فيهِ ففرَّعَ غسلَ الشعرِ على الحكمِ بأنَّ تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةً (وَأَنْقُوا الْبَشَرَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وضعَّفاهُ)، لأنهُ عندَهما من روايةِ الحارثِ بن وجيهٍ بفتحِ الواوِ، فجيمٍ فمثناةٍ تحتيةٍ. قالَ أبو داودَ (^٦): وحديثهُ منكرُ، وهوَ ضعيفٌ. وقال الترمذيُّ (^٧): غريبٌ لا نعرفهُ إلَّا منْ حديثِ الحارثِ، وهوَ شيخٌ ليسَ بذاكَ.\n_________\n(^١) البخاري (١/ ٣٧٣ رقم ٢٦١)، ومسلم (١/ ٢٥٦ رقم ٤٥/ ٣٢١).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ٣٩٥ رقم ١١١١).\nقلت: وأخرجه أبو عوانة (١/ ٢٨٤)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ١٩٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨٦ - ١٨٧).\n(^٣) في (ب): \"لنغتسل\".\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ١٧١ رقم ٢٤٨).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ١٧٨ رقم ١٠٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ١٩٦ رقم ٥٩٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦١٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٨٧)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وفي \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ١٨)، كلهم من حديث الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إن تحت كُلِّ شعرة جنابة فبلُّوا الشعر\"، وفي لفظ: \"فاغسلوا وأنقوا البشرة\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ١٧٣).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":347},{"text":"وقال الشافعيُّ (^١): هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ. وقالَ البيهقيُّ (^٢): أنكرهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ، البخاريُّ، وأبو داود، وغيرُهُما، ولكنْ في البابِ من حديثِ عليٍّ ﵇ مرفوعًا: \"مَنْ تركَ موضعَ شعرةٍ منْ جنابةٍ لمْ يغسلْها فُعِلَ بهِ كذا وكذا\"، فمنْ ثمَّ عاديتُ رأسِي، فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا. وكانَ يجزُّهُ. وإسنادهُ صحيحٌ كما قالَ المصنفُ، ولكنْ قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: إنَّ حديثَ عليٍّ هذا مِنْ روايةِ عطاءِ بن السائبِ وهو سيِّءُ الحفظِ. وقال النوويُّ (^٣): إنهُ حديثٌ ضعيفٌ.\nقلتُ: وسببُ اختلافِ الأئمةِ في تصحيحهِ وتضعيفهِ: أن عطاءَ بنَ السائبِ اختلط في آخرِ عمرِه، فمنْ رَوَى عنهُ قَبْلَ اختلاطهِ فروايتهُ عنه صحيحةٌ، وَمَنْ رَوى عنهُ بعدَ اختلاطهِ فروايتهُ عنهُ ضعيفةٌ. وحديثُ عليٍّ (^٤) هذا اختلفوا هلْ رواهُ\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٤٢ رقم ١٩٥).\n(^٢) في \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٤٣٢).\nوقال في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٧٥): \"تفرَّد به موصولًا الحارث بن وجيه، والحارث بن وجيه تكلموا فيه\".\nوقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢٩): \"قال أبي: هذا حديث منكر. والحارث ضعيف الحديث\".\nقلت: وللحديث شواهد، من حديث عائشة، وأبي أيوب، وعلى ولكنها ضعيفة لا تقوى على دعم حديث أبي هريرة.\n• أما حديث عائشة فقد أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ١١٥ - ١١١) بلفظ: \"أجْمَرْتُ رأسي إجْمَارًا شديدًا، فقال النبي - ﷺ -: \"يا عائشة أما علمتِ أن على كل شعرة جنابة\"، وفي سنده مبهم وباقي رجاله ثقات.\n• أجْمَرْتُ رأسي: أي: جمعته وضفرته، يقال: أجمر شعره إذا جعله ذؤابة، والذؤابة الجَميرة، لأنها جُمِّرَتْ، أي: جُمِعَتْ. ابن الأثير في \"النهاية في غريب الحديث\" (١/ ٢٩٣).\n• وأما حديث أبي أيوب فقد أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (١/ ١٩٦ رقم ٥٩٨)، بلفظ: \"الصلواتُ الخمْسُ، والجمعَةُ إلى الجُمُعَةِ وأدَاءُ الأمانَةِ كفَارَةٌ لما بينها\"، قلت: وما أداء الأمانة؟ قال: \"غسل الجنابةِ فإنَّ تحت كل شعرة جنابة\"، وفي سنده انقطاع. فقد قال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" (ص ١٠٠): \"لم يسمع أبو سفيان من أبي أيوب شيئًا\".\n(^٣) في \"المجموع\" (٢/ ١٨٤).\n(^٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٩٤)، والدارمي (١/ ١٩٢)، وأبو داود (١/ ١٧٣ رقم =","vol":"1","page":348},{"text":"قبلَ [اختلاطه] (^١) أو بعده، فَلِذَا اختلفُوا في تصحيحهِ وتضعيفهِ. والحقُّ [الوقوف] (^٢) عنْ تصحيحهِ وتضعيفهِ حتَّى يتبيَّنَ الحالُ فيهِ، وقيلَ: الصوابُ وقفُهُ على عليٍّ ﵇.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ غسلُ جميعِ البدنِ في الجنابةِ، ولا يُعْفَى عن شيءٍ منهُ. قيلَ: وهوَ إجماعٌ إلا المضمضةُ والاستنشاقُ ففيهما خلافٌ، قيل: يجبانِ لهذَا الحديثِ، وقيلَ: لا يجبانِ لحديثِ عائشةَ - الذي تقدَّمَ وميمونةَ - وحديثُ إيجابهمَا هذا غيرُ صحيح ولا يقاومُ ذلكَ.\nوأما أنهُ - ﷺ - توضأ وضوءهَ للصلاةِ، ففعلٌ لا ينهضُ على الإيجابِ، إلا أنْ يقالُ: إنهُ بيانٌ لمُجملٍ، فإنَّ الغسلَ مُجملٌ في القرآنِ يبيِّنهُ الفعلُ.\n١٧/ ١١٥ - وَلأَحْمَدَ (^٣) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - نحوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ. [ضعيف]\n(ولأحمدَ عنْ عائشةَ نحوُهُ. وفيه راوٍ مجهولٌ). لمْ يذكرِ المصنفُ الحديثَ في \"التلخيصِ\"، ولا عيَّنَ مَنْ فيهِ. وإذا كانَ فيهِ مجهولٌ فلا تقومُ بهِ حجةٌ. وأحاديثُ البابِ عدَّتُها سبعة عشرَ.\n* * *\n_________\n= ٢٤٩)، وابن ماجه (١/ ١٩٦ رقم ٥٩٩)، والبيهقي (١/ ١٧٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٠٠) عنه عن النبي - ﷺ - قال: \"من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها ماء فَعَلَ الله تعالى به كذا وكذا من النار\"، قال علي - ﵁ -: فمن ثم عاديتُ شعرَ رأسي، وكان يَجُزُّ شعرَهُ. قال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٤٢): \"الصواب وقفه على علي\".\nفالحديث ضعيف، ضعفه النووي والألباني. انظر: \"الضعيفة\" (رقم ٩٣٠).\n(^١) في (ب): \"الاختلاط\".\n(^٢) في (ب): \"الوقف\".\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ١١٠ - ١١١).\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٧٢) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه رجلًا لم يسم.\nوقد تقدم الكلام عليه أيضًا عند شرح الحديث رقم (١٦/ ١١٤).","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>[الباب التاسع] بابُ التيمُّم</span>\nالتيمُّمُ هوَ في اللغةِ: القصدُ. وفي الشرعِ: القصدُ إلى الصعيدِ لمسحِ الوجهِ واليدينِ بنيَّةِ استباحةِ الصلاةِ ونحوِها. واختلفَ العلماءُ هلِ التيمُّمُ رخصةٌ أو عزيمةٌ؟ وقيلَ: هوَ لعدمِ الماءِ عزيمةٌ، وللعذرِ رخصةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-252>جواز التيمُّم بجميع أجزاء الأرض</span>\n١/ ١١٦ - عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أُعْطِيتُ خَمسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ\"، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (^١). [صحيح]\n(عَنْ جَابرٍ) هوَ إذا أطلقَ [جابرُ] (^٢) (بنُ عبدِ اللَّهِ، أَن النبيَّ - ﷺ - قالَ) متحدثًا بنعمةِ اللَّهِ ومبيِّنًا لأحكامِ شريعتهِ، (أُعْطِيتُ) حُذِفَ الفاعلُ للعلمِ بهِ (خَمْسًا) أي: خصالًا، أوْ فضائلَ، أو خصائصَ، والآخرُ يناسبهُ. قولُهُ: (لم يعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي)، ومعلومٌ أنهُ لا يُعطاهنَّ أحدٌ بعدَهُ، فتكونُ خصائصَ له (إذِ الخاصةُ ما توجدُ في الشيءِ ولا توجدُ في غيرِهِ.\n_________\n(^١) كان ينبغي على المصنف ﵀ أن يقول بعد قوله: \"وذكر الحديث\"، متفق عليه.\nالبخاري (١/ ٤٣٥ رقم ٣٣٥) و(١/ ٥٣٣ رقم ٤٣٨) و(٦/ ٢٢٠ رقم ٣١٢٢)، ومسلم (١/ ٣٧٠ - ٣٧١ رقم ٥٢١).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٠٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٢) و(٢/ ٣٢٩) و(٦/ ٢٩١) و(٩/ ٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣١٦).\n(^٢) زيادة من (ب).","vol":"1","page":350},{"text":"ومفهومُ العددِ غيرُ مرادٍ لأنهُ قد ثبتَ أنهُ أعطيَ أكثرَ منَ الخمسِ. وقدْ عدَّها السيوطي في \"الخصائصِ\" فبلغتِ الخصائصُ زيادةً على المائتينِ، وهذا إجمالٌ فصَّلهُ، (نُصِرْتُ بالرُّعْبِ)؛ وهوَ الخوفُ (مسِيرَةَ شَهْرٍ) أي: بيني وبينَ العدوِّ مسافةُ شهرٍ.\nوأخرجَ الطبراني (^١): \"نُصرتُ بالرُّعبِ على عدوِّي مسيرةَ شهرينِ\". وأخرجَ أيضًا (^٢) تفسيرَ ذَلكَ عن السائبِ بن يزيد [بلفظ] (^٣): شهرٌ خلفيٌّ، وشهرٌ أماميٌّ. قيلَ: وإنما جعلَ مسافةَ شهرٍ لأنهُ لمْ يكنْ بينهُ - ﷺ - وبينَ أحدٍ من أعدائهِ أكثرُ منْ هذهِ المسافةِ، وهي حاصلةٌ لهُ وإنْ كانَ وحدَه، وفي كونِها حاصلةٌ لأمتهِ خِلافٌ.\n(وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا) موضعُ سجودٍ، ولا يختصُّ بهِ موضعٌ دونَ غيرِه، وهذهِ لم تكنْ لغيرهِ - ﷺ - كما صرَّحَ بهِ في روايةٍ (^٤): وكانَ مَنْ قَبْلِي إنما كانوا يصلُّون في كنائِسِهم\"، وفي أخرى (^٥): \"ولم يكنْ أحدٌ منَ الأنبياءِ يصلِّي حتى يبلغَ محرابَهُ\"؛ وهوَ نصٌّ [على] (^٦) أنَّها لم تكنْ هذهِ الخاصيَّةُ لأحدٍ منَ الأنبياءِ قبلهَ (وَطَهُورًا) بفتحِ الطاءِ أي: مطهِّرةٌ تستباحُ بها الصلاةُ.\nوفيهِ دليلٌ أن الترابَ يرفعُ الحدثَ كالماءِ لاشتراكهمَا في الطهوريةِ، وقد يمنعُ ذلكَ، ويقالُ الذي لهُ منَ الطهوريةِ استباحةُ الصلاةِ بهِ كالماءِ. ويدلُّ على جوازِ التيممِ بجميعِ أجزاءِ الأرضِ، وفي روايةٍ: \"وجُعِلَتْ لي الأرضُ كُلُّها،\n_________\n(^١) أخرج الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٥٩) عن ابن عباس قال: \"نُصر رسول اللَّهِ - ﷺ - بالرعب على عدوِّه مسيرة شهرين\".\nوقال الهيثمي: وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف.\n(^٢) أي: الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٥٩)، وقال الهيثمي: وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك.\n(^٣) في (ب): \"بأنه\".\n(^٤) أخرجها أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٢٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأصله في \"الصحيحين\".\n(^٥) أخرجه البزار من حديث ابن عباس كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٥٨) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم.\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"1","page":351},{"text":"ولأُمتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا\"، وهوَ منْ حديثِ أبي أمامةَ عندَ أحمدَ (^١) وغيرِه.\nوأما مَنْ منعَ مِنْ ذلكَ مستدِلًّا بقولهِ في بعضِ رواياتِ \"الصحيحِ\": \"وجُعِلَتْ تُرْبَتُها طَهُورًا\" أخرَجَهُ مسلمٌ (^٢)؛ فلا دليلَ فيهِ على اشتراطِ الترابِ لما عرفتَ في الأصولِ منْ أن ذكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يُخَصَّصُ بهِ، ثمَّ هوَ مفهومُ لقب لا يعملُ بهِ عندَ المحقِّقينَ، نعمْ في قولهِ تعالى في آيةِ التيمم في المائدةِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (^٣)، لفظ \"منه\" دليلٌ على أن المرادَ الترابُ، وذلكَ أن كلمةَ مِنْ للتبعيضِ كما قال في \"الكشاف\" (^٤)، حيثُ قالَ: \"إنهُ لا يفهمُ أحدٌ منَ العربِ قولَ القائلِ مسحتُ برأسي من الدهنِ، ومنَ الترابِ، إلَّا معنى التبعيضِ\" اهـ.\nوالتبعيضُ لا يتحققُ إلَّا في المسحِ مِنَ الترابِ، لا منَ الحجارةِ ونحوِها.\n(فأيُّما رجلٍ) هوَ للعمومِ في قوةِ كلِ رجلٍ (أدركتْهُ الصلاة فليصل) أي: على كلِّ حالٍ وإنْ لم يجدْ مسجدًا ولا ماءً، أي: بالتيممِ، كما بيَّنتْهُ روايةُ أبي أمامةَ (^٥): \"فأيُّما رجلٍ منْ أمتي أدركتْهُ الصلاةُ فلم يجدْ ماءً وجدَ الأرضَ مسجدًا وطهورًا\"، وفي لفظٍ (^٦): \"فعندَه طَهُورُه ومسْجِدُهُ\"، وفيهِ أنهُ لا يجبُ على فاقدِ الماءِ طلبه (وذكرَ الحديث) أي: ذكرَ جابرٌ بقيةَ الحديثِ، فالمذكورُ في الأصلِ اثنتانِ ولنذكرْ بقيةَ الخمس.\nفالثالثةُ: قولُه: \"وأحِلَّتْ لي الغنائمُ\"، وفي روايةٍ: \"المغانمُ\". قالَ الخطابي: كانَ مَنْ تقدَّمَ [أيْ: منَ الأنبياءِ] (^٧) على ضربينِ: منهمْ مَنْ لم يُؤذَنْ له\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢٤٨) ورجاله كلهم ثقات إلا سيَّارًا الأموي وهو صدوق.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٧١ رقم ٤/ ٥٢٢) من حديث حذيفة.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٤) للزمخشري (١/ ٢٧٠).\n(^٥) أخرجه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٢)، وقال الذهبي في \"المهذب\" في \"اختصار السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٣ رقم ٧٩٩): \"رواه الترمذي من حديث أسباط عن التيمي وصحَّحه\".\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧ رقم ٧) \"الفتح الرباني\" ورجاله كلهم ثقات إلا سيَّارًا الأموي وهو صدوق وقد تقدم.\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"1","page":352},{"text":"في الجهادِ فلمْ تكنْ لهمْ مغانمُ، ومنهمْ من أُذِنَ لهمْ فيهِ، ولكنْ إذا غنِمُوا شيئًا لم يحلَّ لهمْ أنْ يأكلُوه، وجاءتْ نارٌ فأحرقَتْهُ.\nوقيل: أُجيزَ ليَ التصرفُ فيها بالتنفيلِ والاصطفاءِ، والصرفِ في الغانمينَ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^١).\nوالرابعةُ: قولُهُ: \"وأعطيتُ الشفاعةَ\"، قدْ عدَّ في الشرح الشفاعاتِ اثنتي عشْرةَ شفاعةً، واختارَ أنَّ الكلَّ منْ حيثُ هو مختصٌ بهِ وإنْ كانَ بعض أنواعِها يكونُ لغيرِه، ويحتملُ أنهُ - ﷺ - أرادَ بها الشفاعةَ العظمَى (^٢) في إراحةِ الناسِ [منَ] (^٣) الموقفِ، لأنَّها الفردُ الكاملُ، [ولذلك] (^٤) يظهرُ شرفُها لكلِّ مَنْ في الموِقفِ.\nوالخامسةُ: قولُهُ: \"وكانَ النبيُّ يُبعثُ في قومِهِ خاصة، وبُعثتُ إلى الناسِ كافة\"؛ فعمومُ الرسالةِ خاصٌّ بهِ، وأما نوحٌ فإنهُ بعثَ إلى قومهِ خاصة. نعم صارَ بعدَ إغراقِ مَنْ كذَّبَ بهِ مبعوثًا إلى أهلِ الأرضِ، لأنهُ لم يبقَ إلَّا مَنْ كان مؤمنًا بهِ، ولكنْ ليسَ العمومُ في أصلِ البعثةِ، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وبهذا عرفتَ أنهُ - ﷺ - مختصٌ بكلِّ واحدةٍ منْ هذهِ الخمسِ، لا أنهُ مختصٌّ بالمجموعِ. وأما الأفرادُ فقدْ شاركهُ غيرُهُ فِيهَا كما قيلَ: فإنهُ قولٌ مردودٌ.\nوفي الحديثِ فوائدٌ جليلةٌ مبيَّنةٌ في الكتبِ المطوَّلةِ، وكان ينبغي للمصنفِ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ: \"وذكرَ الحديثَ\"، متفقٌ عليهِ، ثمَّ يعطفُ عليهِ قولَهُ: وفي حديثِ حذيفةَ إلى آخرهِ، لأنهُ بقي حديثُ جابرٍ غيرَ منسوبٍ إلى مُخْرِجٍ وإنْ كانَ قد فهمَ أنهُ متفقٌ عليه لعطفِ [الحديث الثاني أعني قوله] (^٥):\n٢/ ١١٧ - وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ - ﵁ - عِنْدَ مُسْلِمٌ (^٦): \"وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ\". [صحيح]\n[(حديث حذيفةَ عندَ مسلمٍ: وَجُعِلَتْ تُرْبتُها لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الماءَ)] (^٧)،\n_________\n(^١) سورة الأنفال: الآية ١.\n(^٢) انظر: كتاب \"الشفاعة\" للشيخ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي فقد أجاد وأفاد.\n(^٣) في (أ): \"عن\".\n(^٤) في (أ): \"الذي\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٣٧١ رقم ٤/ ٥٢٢).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"1","page":353},{"text":"هذَا القيدُ قرآنيٌّ معتبرٌ (^١) في الحديثِ الأول كما بيَّناهُ.\n٣/ ١١٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ (^٢): \"وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا\". [حسن]\n(وَعَنْ عَليٍّ - ﵁ - عندَ أحمدَ: وجُعِلَ الترابُ لي طهورًا)، هوَ وما قبلَهُ دليلُ مَنْ قالَ إنهُ لا يجزئُ إلا الترابُ، وقد أجيبَ بما سلفَ منْ أن التنصيصَ على بعضِ أفرادِ العامِ لا يكونُ مخصِّصًا معَ أنهُ منَ العملِ بمفهومِ اللَّقبِ، [ولا يقولُه] (^٣) جمهورُ أئمةِ الأصولِ، ولكن الدليل على تعيين التراب ما قدَّمناه في الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-253>تعليم النبي - ﷺ - التيمم لعمَّار</span>\n٤/ ١١٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - ﵄ - قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - في حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدَ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: \"إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا\"، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِين، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\nوَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.\n- وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٥): \"وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ\". [صحيح]\n_________\n(^١) يشير إلى قوله تعالى في [سورة المائدة: ٦]: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.\n(^٢) في \"المسند\" (١/ ٩٨)، وصحَّح الشيخ أحمد شاكر إسناده.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٣) في (أ): \"ولا يقول به\".\n(^٤) البخاري (١/ ٤٥٥ رقم ٣٤٧)، ومسلم (١/ ٢٨٠ رقم ١١٠/ ٣٦٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٢٧ رقم ٣٢١)، والنسائي (١/ ١٧٠).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٤٤٣ رقم ٣٣٨). =","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>ترجمة عمَّار بن ياسر</span>\n(وَعَنْ عَمَّارٍ) (^١) بفتحِ العينِ المهملةِ، وتشديدِ الميمِ، آخِرَهُ راءٌ.\nهوَ أبو اليقظانِ عمَّارُ (بن ياسرٍ) بمثناةٍ تحتيةٍ، وبعدَ الألفِ سينٌ مهملةٌ مكسورةٌ، فراءٌ. أسلمَ عمَّارٌ قديمًا، وعُذِّبَ في مكةَ [- من الكفار -] (^٢) على الإسلامِ، وهاجرَ إلى الحبشةِ، ثمَّ إلى المدينةِ، وسمَّاهُ - ﷺ - الطيبَ والمطيِّبَ، وهوَ منَ المهاجرينَ الأولينَ، شهدَ بدرًا والمشاهدَ كلَّها، وقُتلَ بصفِّينَ معَ عليٍّ ﵇ وهوَ ابنُ ثلاث [وسبعينَ] (^٣) سنةً، وهوَ الذي قالَ لهُ - ﷺ -: \"تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ\" (^٤).\n(قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ - ﷺ - في حاجةٍ فأَجْنَبْت)؛ أي: صرتُ جُنُبًا، وقدَّمْنَا أنهُ يقالُ: أجنبَ الرجلُ صارَ جُنبًا، ولا يقالُ: اجتنبَ، وإنْ كثرَ في لسانِ الفقهاءِ (فلمْ أجدِ الماءَ فتمرَّغت) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، والميمِ، وتشديد الراءِ، فغينٍ\n_________\n= قلت: وأخرجه مسلم (١/ ٢٨٠ رقم ١١٢/ ٣٦٨)، وأبو داود (١/ ٢٢٨ رقم ٣٢٢)، والترمذي (١/ ٢٦٨ رقم ١٤٤)، والنسائي (١/ ١٦٥ رقم ٣١٢) و(١/ ١٦٨ رقم ٣١٦)، وابن ماجه (١/ ١٨٨ رقم ٥٦٩).\n(^١) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٢٤٦ - ٢٦٤)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٥ رقم ١٠٧)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٣٩ - ١٤٣ رقم ٢٢)، و\"الإصابة\" (٧/ ٦٤ - ٦٥ رقم ٥٦٩٩)، و\"الاستيعاب\" (٨/ ٢٢٤ - ٢٣٥ رقم ١٨٦٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٣٧ - ٣٨ رقم ٣٠)، و\"العقد الثمين\" (٦/ ٢٧٩ - ٢٨١ رقم ٣٠٤٥)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٥٠ - ١٥٣ رقم ٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"وتسعين\"، وهو مما قيل في سنة قتله.\n(^٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٣٦ رقم ٧٢/ ٢٩١٦)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٢٨٩، ٣٠٠، ٣١٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ١٥٤ رقم ٣٩٥٢).\nمن حديث أم سلمة - ﵂ -.\nقلت: وقد رواه جماعة من الصحابة، (منهم): أبو سعيد الخدري، وقتادة بن النعمان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص وغيرهم. وقد قمت بتخريجها في كتابنا: \"إعلام الأنام بعقائد الإسلام\"، باب \"الفتن\" أعاننا الله على إتمامه.","vol":"1","page":355},{"text":"معجمةِ، وفي لفظ: \"فتمعَّكتُ\" ومعناهُ: تقلَّبتُ (في الصعيدِ كما تتمرَّغ الدابة، ثمَّ أتيتُ النبيَّ - ﷺ - فذكرتُ ذلكَ له فقالَ: إنَّما كانَ يكفيكَ أنْ تقولَ) أي: تفعل. والقولُ يطلقُ على الفعلِ، كقولِهِمْ: قالَ بيدِهِ هَكَذَا. (بِيَدَيْكَ هكذا) بَيَّنَهُ بقولِهِ: (ثمَّ ضربَ بيديْهِ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسحَ الشمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كفيهِ ووجهه. متفقٌ عليه) بينَ الشيخين (واللفظُ لمسلمٍ).\nاستعملَ عمارٌ القياسَ، فرأى أنهُ لما كانَ الترابُ نائبًا عن الغسلِ فلا بدَّ منْ عمومهِ للبدنِ، فأبانَ لهُ - ﷺ - الكيفيةَ التي تجزئهُ، وأراهُ الصفةَ المشروعةَ، وأعلمهُ أنها التي فُرضتْ عليهِ، ودلَّ أنهُ يكفي ضربةٌ واحدةٌ، ويكفي في اليدينِ مسحُ الكفينِ، وأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنها - ﷺ - بالاقتصارِ على الكفينِ.\nوأفادَ أن الترتيبَ بينَ الوجهِ والكفينِ غيرُ واجبٍ، وإنْ كانتِ الواوُ لا تفيدُ الترتيبَ، إلَّا أنّهُ قدْ وردَ العطفُ في روايةٍ [للبخاري] (^١) للوجِهِ على الكفينِ بثمَّ، وفي لفظٍ لأبي داودَ (^٢): \" [ثمَّ] (^٣) ضربَ بشمالهِ على يمينهِ، وبيمينهِ على شمالِهِ على الكفينِ، ثمَّ مسحَ وجهَهُ\".\nوفي لفظِ للإسماعيليِّ ما هوَ أوضحُ منْ هذَا: \"إنما يكفيكَ أنْ تضربَ بيديكَ على الأرضِ، ثم تنفضهُما، ثم تمسحُ بيمينِك على شمالِكَ، وبشمالكَ على يمينكَ، ثمَّ تمسحُ على وجهكَ\"، ودلَّ [على] (^٤) أن التيممَ فرضُ مَنْ أجنبَ ولمْ يجدِ الماءَ.\nوقدِ اختُلفَ في كميةِ الضرباتِ وقدرِ التيممِ في اليدينِ: فذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ ومَنْ بعدَهم إلى أنَّها تكفي الضربةُ الواحدةُ، وذهبَ إلى أنَّها لا تكفي الضربةُ الواحدةُ جماعةٌ منَ الصحابةِ ومَنْ بعدَهم، وقالُوا: لا بدَّ منْ ضربتينِ؛ للحديثِ الآتي قريبًا، والذاهبونَ إلى كفايةِ الضرْبةِ جمهورُ العلماءِ وأهلُ الحديثِ، عملًا بحديثِ عمَّارٍ، فإنهُ أصحُّ حديثِ في البابِ، وحديثُ الضربتينِ يأتي\n_________\n(^١) في (ب): \"في البخاري\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ رقم ٣٢١).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"1","page":356},{"text":"[على] (^١) أنهُ لا يقْوى على معارضتهِ، قالُوا: وكلُّ ما عدَا حديثِ عمارٍ فهوَ [إمَّا] (^٢) ضعيفٌ، أو موقوفٌ كما يأتي.\nوأما قَدْرُ ذلكَ في اليدينِ فقالَ جماعةٌ منَ العلماءِ وأهلُ الحديثِ: إنهُ يكفي في اليدينِ الراحتانِ وظاهرُ الكفينِ لحديثِ عمارٍ هذَا. وقد رويتْ عنْ عمارٍ رواياتٌ بخلافِ هذَا، لكنِ الأصحَّ ما في \"الصحيحينِ\". وقد كانَ يُفْتي بهِ عمارٌ بعدَ موتِ النبيِّ - ﷺ -. وقالَ آخرونَ: إنها [تجبُ] (^٣) ضربتانِ، ومسحُ اليدينِ معَ المرفقينِ، لحديثِ ابن عمرَ الآتي، ويأتي أنَّ الأصحَّ فيهِ أنهُ موقوفٌ، فلا يقاومُ حديثَ عمارٍ المرفوعَ الواردَ للتعليمِ.\nومنْ ذلكَ اختلافُهم في الترتيبِ بينَ الوجهِ واليدينِ، وحديثُ عمارٍ - كما عرفتَ - قاضٍ بأنهُ لا يجبُ، وإليهِ ذهبَ مَنْ قالَ: تكفي ضربةٌ واحدةٌ، قالوا: والعطفُ في الآيةِ بالواوِ لا ينافي ذلكَ. وذهبَ مَنْ قالَ بالضربتينِ إلى أنهُ لا بدَّ منَ الترتيبِ بتقديمِ الوجهِ على اليدينِ، واليمنى على اليسرى.\nوفي حديثِ عمارٍ دلالةٌ على أن المشروعَ هوَ ضربُ الترابِ. وقالَ بعدمِ إجزاءِ غيرهِ الهادويةُ وغيرُهم، لحديثِ عمارٍ هذَا، وحديثِ ابن عمرَ الآتي. وقالَ الشافعي: يجزئُ وضعُ يدهِ في الترابِ لأنَّ في إحدى رِوايتي تيمُّمهِ - ﷺ - منَ الجدارِ أنهُ وضعَ يدهُ.\n(وفي روايةٍ) أي: منْ حديثِ عمارٍ (للبخاريِّ: وضربَ بكفَّيهِ الأرضَ، ونفخَ فيهمَا، ثمَّ مسحَ بهمَا وجهَة وكفَّيهِ) أي: ظاهرَهما - كما سلفَ - وهوَ كاللفظِ الأولِ إلَّا أنهُ خالفهُ بالترتيبِ وزيادةِ النفخِ، فأما نفخُ الترابِ فهوَ مندوبٌ، وقيلَ: لا يندبُ، وسلفَ الكلامُ في الترتيبِ.\nوهذا التيممُ واردٌ في كفايةِ الترابِ للجُنُبِ الفاقدِ للماءِ، وقدْ قاسُوا عليهِ الحائضَ والنفساءَ، وخالفَ فيهِ ابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ. وأما كونُ الترابِ يرفعُ الجنابةَ أوْ لَا؟ فسيأتي في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ وهو [حديثُ مائةٍ وتسعةَ عشر] (^٤).\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"الحديث السادس\".","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>التيمم ضربة للوجهِ والكفين</span>\n٥/ ١٢٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهٍ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ). [ضعيف]\nرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^١)، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (^٢).\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: التيممُ ضربتانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقين. رواهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ في سننهِ عقبَ روايتهِ: \"وقفهُ يحيى القطانُ وهشيمٌ وغيرُهما، وهوَ الصوابٌ\" اهـ.\nولذَا قالَ المصنفُ: (وصحَّح الأئمةُ وَقْفَهُ) على ابن عمرَ. قالُوا: وإنهُ مِنْ كلامهِ، وللاجتهادِ مسرحٌ في ذلكَ. وفي معناهُ عدةُ رواياتٍ كلّها غيرُ صحيحةٍ، بلْ إمَّا موقوفةٌ أوْ ضعيفةٌ، فالعُمدةُ حديثُ عمارٍ، وبهِ جزمَ البخاريُّ في صحيحه (^٣) [فقال] (^٤): (بابُ التيممِ للوجهِ والكفينِ).\nقالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٥) \"أيْ: هوَ الواجبُ المجزئُ، وأتَى بصيغةِ الجزمِ في ذلكَ - معَ شهرةِ الخلافِ فيهِ - لقوةِ دليلهِ، فإنَّ الأحاديثَ الواردةَ في صفةِ التيممِ لم يصحَّ منها سِوَى حديثِ أبي جُهَيمٍ (^٦)، وعمارٍ (^٧)، ومَا عداهُما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعهِ وَوَقْفهِ، والراجحُ عدمُ رفعهِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٨٠ رقم ١٦).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ١٧٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٧).\n(^٢) قال الدارقطني: \"كذا رواه علي بن ظبيان مرفوعًا. ووقفه يحيى بن القطان وهشيم وغيرهما. وهو الصواب\" اهـ.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٥١ رقم ٢٠٧): \"وهو ضعيف - علي بن ظبيان - ضعفه ابنُ القطان وابن معين وغير واحد\" اهـ. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٣) (١/ ٤٤٤) الباب الخامس.\n(^٤) في (أ): \"قال\".\n(^٥) (١/ ٤٤٤).\n(^٦) أخرجه البخاري (١/ ٤٤١ رقم ٣٣٧)، ومسلم (١/ ٢٨١ رقم ١١٤/ ٣٦٩). عن الأعرج، قال: سمعتُ عُميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد اللَّهِ بن يسار حتى دخلنا على أبي الجُهَيْم بن الحارثِ بن الصِّمَّةِ الأنصاريِّ فقال: أقبلَ النبي - ﷺ - مِنْ نحوِ بئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فلم يَرُدَّ عليه النبيُّ - ﷺ - حتى أقبلَ على الجدارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ ويديْهِ ثُمَّ رَدَّ ﵇\".\n(^٧) تقدم تخريجه رقم (٤/ ١١٩).","vol":"1","page":358},{"text":"فأما حديثُ أبي جهيمٍ فوردَ بذكرِ اليدينِ مجمَلًا، وأما حديثُ عمارٍ فوردَ بلفظِ الكفينِ في \"الصحيحين\"، وبلفظِ المرفقينِ في \"السنن\"، وفي روايةٍ: إلى نصفِ الذراعِ، وفي روايةٍ: إلى الآباطِ.\nفأما روايةُ المرفقين، وكذا نصفُ الذراع ففيهمَا مقالٌ. وأما روايةُ الآباطِ فقالَ الشافعي وغيرهُ: إنْ كانَ ذلكَ وقعَ بأمرِ النبيِّ - ﷺ - فكلُّ تيمُّمٍ صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - بعدَه فهوَ ناسخٌ لهُ، وإنْ كانَ وقعَ بغيرِ أمرهِ فالحجةُ فيما أمرَ بهِ. ويؤيدُ روايةَ \"الصحيحين\" في الاقتصارِ على الوجهِ والكفينِ أن عمارًا كانَ يفتي بعدَ النبيِّ - ﷺ - بذلكَ، وراوي الحديثِ أعرفُ بالمرادِ بهِ مِنْ غيرهِ، ولا سيَّما الصحابيُّ المجتهدُ\" اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-256>الصعيدُ وضوء المسلم ما لم يجد الماءَ</span>\n٦/ ١٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيُمِسّهُ بَشَرَتَهُ\". [حسن]\nرَوَاهُ الْبَزَّارُ (^١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ (^٢)، لكِنْ صَوَّبَ الدَّارقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ (^٣).\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: الصعيدُ) هوَ عندَ الأكثرينَ الترابُ. وعنْ بعضِ أئمةِ اللغةِ أنهُ وجهُ الأرضِ ترابًا كانَ أو غيرَهُ، وإنْ كانَ صخرًا لا ترابَ عليهِ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، (وضوءُ المسلمِ، وإنْ لم يجدِ الماءَ عشرَ سنين)، فيهِ دليلٌ على تسميةِ التيممِ وضوءًا، (فإذا وجدَ) أي: المسلمُ (الماءَ فليتَّق اللَّهَ وَلَيمِسَّه بَشرَتَهُ. رواهُ البزاز وصحَّحه ابن القطانِ)، تقدَّمَ الكلامُ على ضبطِ ألفاظِهما، والتعريفِ بحالِهما، (لكنْ صوَّبَ الدارقطنيُّ إرسالهُ).\n_________\n(^١) (١/ ١٥٧ رقم ٣١٠) \"كشف الأستار\".\nوقال: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومقدم المقدمي ثقة معروف النسب. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٦١) وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) ذكر ذلك الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ١٥٠).\n(^٣) ذكر ذلك الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (١/ ٢٥٩).","vol":"1","page":359},{"text":"قالَ الدارقطني في كتابِ \"العللِ\": إرسالُهُ أصحُّ.\nوفي قولهِ: (إذا وجدَ الماءَ) دليلٌ على أنهُ إنْ وجدَ الماءَ وجبَ إمساسُهُ بشَرَتَهُ، [فتمسَّكَ] (^١) بهِ مَنْ قالَ: إنَّ الترابَ لا يرفعُ الحدثَ، وأنَّ المرادَ أنهُ يمسهُ بشَرتهُ، لما سلفَ منْ جنابةٍ، فإنها باقيةٌ عليها، وإنما أباحَ لهُ الترابَ للصلاةِ لا غيرُ، وإذا فرغَ منْها عادَ عليهِ حكمُ الجنابةِ، ولذا قالُوا: لا بدَّ لكلِّ صلاةٍ من تيمُّمٍ. واستدلُوا بحديثِ عمروٍ بن العاصِ (^٢) وقولُهُ - ﷺ -: \"صلَّيتَ بأصحابكَ وأنتَ جُنُبٌ\"، وقولُ الصحابةِ لهُ - ﷺ -: إنَّ عَمْرًا صلَّى بهمْ وهوَ جنُبٌ، فأقرَّهمْ على تسميتِهِ جُنُبًا.\nومنهمْ منْ قالَ: إنَّ الترابَ حكمُهُ حكمُ الماءِ يرفعُ الجنابةَ ويصلِّي بهِ ما شاءَ، وإذا وجدَ الماءَ لم يجبْ عليهِ أنْ يمسهُ إلا للمستقبلِ منَ الصلاةِ، واستدلُّوا بأنهُ تعالى جعلهُ بدلًا عن الماءِ فحكمهُ حكمهُ، وبأنهُ - ﷺ - مسمَّاهُ طهورًا، وسمَّاهُ وضوءًا - كما سلفَ قريبًا.\nوالحقُّ أن التيممَ يقومُ مقامَ الماءِ، ويرفعُ الجنابةَ رفعًا مؤقتًا إلى حالِ وُجدانِ الماءِ، أما أنهُ قائمٌ مقامَ الماءِ؛ فلأنهُ تعالى جعلَهُ عِوَضًا عنهُ عندَ عدمهِ، والأصلُ أنهُ قائمٌ مقامَهُ في جميعِ أحكامِهِ، فلا يخرجُ عنْ ذلكَ إلا بدليلٍ.\nوأما أنهُ إذا وجدَ الماءَ اغتسلَ، فلتسميتهِ - ﷺ - عَمْرًا جُنُبًا، ولقولهِ - ﷺ -: \"فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ اللَّهَ\"؛ فإنَّ الأظهرَ أنهُ أمرَ بإمساسهِ الماءَ لسببَ قدْ تقدمَ على وُجدانِ الماءِ، إذْ إمساسهُ - لما يأتي من أسبابِ وجوبِ الغسلِ أو الوضوءِ - معلومٌ منَ الكتابِ والسنةِ، والتأسيسُ خيرٌ منَ التأكيدِ.\n٧/ ١٢٢ - وَللتِّرْمِذِيِّ (^٣) - عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ (^٤). [حسن]\n_________\n(^١) في (ب): \"وتمسك\".\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا (١/ ٤٥٤) الباب السابع.\nوأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٠٣)، وأبو داود في \"السنن\" (١/ ٣٣٨ رقم ٣٣٤)، والدارقطني (١/ ١٧٨ رقم ١٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٧٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥ رقم ١٣١٢).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢١١ رقم ١٢٤).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":360},{"text":"(وَلِلترمِذِيِّ عنْ أبي ذرٍ) (^١) بذالٍ معجمةٍ مفتوحةٍ [قراءٍ] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>ترجمة أبي ذر الغفاري</span>\nاسمُهُ جُندبُ - بضمِ الجيمِ، وسكونِ النونِ، وضمِّ الدالِ المهملةِ، وفتحِها أيضًا - ابنُ جُنادةَ بضمِ الجيمِ، وتخفيفِ النونِ، بعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ.\nوأبو ذرٍّ منْ أعيانِ الصحابةِ وزُهَّادِهِم والمهاجرينَ، وهوَ أولُ مَنْ حيَّا النبيَّ - ﷺ - بتحيةِ الإسلامِ، وأسلمَ قديمًا بمكةَ، [يقالُ] (^٣): كانَ خامسًا في الإسلامِ، ثمَّ انصرفَ إلى قومهِ إلى أن قدِمَ المدينةَ على النبيّ - ﷺ - بعدَ الخندقِ، ثمَّ سكنَ بعدَ وفاتِهِ - ﷺ - الربذة (^٤) إلى أنْ ماتَ بها سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ في خلافةِ عثمانَ، وصلَّى عليهِ ابنُ مسعودٍ. ويقالُ: إنهُ ماتَ بعده بعشرةِ أيامٍ.\n(نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرة ولفظهُ: \"قالَ أبو ذرٍّ: اجتويتُ المدينةَ فأمرَ لي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بإبل، فكنتُ فيها، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: هلك أبو ذرٍّ، [فقال] (^٥): ما حالك؟ قلت: كنت أتعرضُ للجنابةٍ وليسَ قربي ماءٌ، قالَ: الصعيدُ طهورٌ لِمَنْ لمْ يجدِ الماءَ، ولو عشرَ سنينَ\".\n(وصحَّحهُ) أي: حديثَ أبي ذرٍّ \"الترمذيُّ\".\nقالَ المصنِّفُ في \"الفتح\": إنهُ صحَّحهُ - أيضًا - ابنُ حبانَ (^٦) والدارقطنيُّ (^٧).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ١٤٤) و\"طبقات ابن سعد\" (٤/ ٢١٩ - ٢٣٧)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٢١ رقم ٢٢٦٥)، و\"المعجم الكبير\" (٢/ ١٤٧ - ١٥٨ رقم ١٨٢)، و\"المستدرك\" (٣/ ٣٣٧ - ٣٤٦)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ١٥٦ - ١٧٠ رقم ٢٦)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ١٦٩ - ١٧٧ رقم ٣٤٠)، و\"الإصابة\" (٢/ ١٠٣ رقم ١٢١٠)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٥١ - ٥٩ رقم ٦٥٩٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٢٧ - ٣٣٢).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) الربذة: قرية من قرى المدينة قريبة من ذات عرق، فيها قبر أبي ذر الغفاري - ﵁ -.\nوانظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٢٤ - ٢٥).\n(^٥) في (ب): \"قال\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (ص ٧٥ رقم ١٩٦) \"الموارد\".\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ١٨٧ رقم ١ - ٦). =","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type='title' id=toc-258>لا يعيد من صلَّى بالتيمُّم ثم وجد الماء في الوقت</span>\n٨/ ١٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ - وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ - فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ في الْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَال للذي لَمْ يُعِدْ: \"أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ\"، وَقَالَ لِلآخَرِ: \"لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَينِ\". [حسن]\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِيُّ (^٢).\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدَرِي - ﵁ - قَالَ: خَرَجَ رَجُلانِ في سَفَرٍ، فحضرتِ الصلاة) أي: وقتها (- وليسَ معهمَا ماءٌ - فتيمَّمَا صعيدًا طيبًا) هوَ الطاهرُ الحلالُ، وقدْ قيَّدَ اللَّهُ الصعيدَ بهِ في الآيتينِ في القرآنِ (^٣)، فإطلاقهُ في حديثِ أبي هريرةَ مقيدٌ بالآياتِ والأحاديثِ، (فصلَّيا ثمَّ وجدَا الماءَ في الوقت) أي: وقتِ الصلاةِ التي صلَّيَاها (فأعادَ أحدُهما الصلاةَ والوضوءَ) سمَّاهُ إعادةً تغليبًا، وإلا فلمْ يكنْ قدْ توضأَ، أو سمَّى التيممَ وضوءًا مجازًا. (وَلم يُعِدِ الآخرُ، ثم أتيا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فذكرا ذلكَ لهُ فقالَ للذي لم يُعِدْ: أصبتَ السنةَ) أي: الطريقةَ الشرعيةَ (وأجزأتْكَ صلاتك)؛ لأنَّها وقعتْ في وقتِها، والماءُ مفقودٌ، فالواجبُ الترابُ، (وقالَ للآخرِ) الذي أعادَ (لكَ الأجرُ مرتينِ) أجرُ [الصلواتِ] (^٤) بالترابِ، وأجرُ الصلاةِ بالماءِ.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ رقم ٣٣٢، ٣٣٣)، والنسائي (١/ ١٧١)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ١٤٦ - ١٤٧، ١٥٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ١٥٦ - ١٥٧)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ٦٦ رقم ٤٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦ - ١٧٧)، والبيهقي (١/ ٢١٢)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣١٧) كلهم من حديث أبي ذر. وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقلت: وانظر تفصيل الكلام عليه في \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ١٤٨ - ١٤٩).\nوالخلاصة: أن الحديث حسن.\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٤١ رقم ٣٣٨).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢١٣ رقم ٤٣٣).\n(^٣) يشير إلى قوله تعالى في [النساء: ٤٣]: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، وفي [المائدة: ٦]: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.\n(^٤) في (أ): \"الصلاة\".","vol":"1","page":362},{"text":"(رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ)، وفي \"مختصرِ السننِ\" للمنذريِّ (^١) أنهُ أخرجهُ النسائيُّ مسندًا ومرسلًا. وقالَ أبو داودَ (^٢): إنهُ مرسل عنْ عطاءِ بن يسارٍ، لكنْ قالَ المصنفُ (^٣): هذهِ الروايةُ رواها ابنُ السكنِ في صحيحه. [ولهُ] (^٤) شاهدٌ منْ حديثِ ابن عباسٍ رواهُ إسحاقُ في مسندهِ (^٥): أنهُ - ﷺ - بالَ ثمَّ تيممَ، فقيلَ لهُ: إنَّ الماءَ قريبٌ منكَ، قالَ: فلعلي لا أبلغهُ\".\nوالحديثُ دليلٌ على جوازِ الاجتهادِ في عصرهِ - ﷺ -، و[على] (^٦) أنهُ لا يجبُ الطلبُ والتلومُ لهُ [أي: الانتظارُ] (٦)، ودلَّ على [أنها] (^٧) لا تجبُ الإعادةُ على مَنْ صلَّى بالترابِ ثمَّ وجدَ الماءَ في الوقتِ بعدَ الفراغِ منَ الصلاةِ، وقيلَ: بلْ يعيدُ الواجدُ في الوقتِ؛ لقولهِ - ﷺ -: \"فإذا وجدَ الماءَ فليتقِ اللَّهَ وليمسه بشرتَهُ\"، وهذَا قدْ وجدَ الماءَ.\nوأجيبَ بأنه مطلقٌ فيمنْ وجدَ الماءَ بعدَ الوقتِ وقبلَ خروجهِ، وحالَ الصلاةِ وبعدَها، وحديثُ أبي سعيدٍ هذا فيمنْ لم يجدِ الماءَ في الوقتِ حالَ الصلاةِ، فهوَ مُقيدٌ، فيحملُ عليهِ المطيلقُ، فيكونُ معناهُ: فإذا وجدتَ الماءَ قبلَ الصلاةِ في الوقتِ فأمسهُ بشرتَكَ، أي: إذا وجدتَهُ وعليكَ جنابةٌ متقدمةٌ، فيقيَّدُ بهِ كما قدَّمناهُ.\nواستدلَّ القائلُ بالإعادةِ في الوقتِ بقولهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (^٨) والخطابُ متوجهٌ معَ بقاءِ الوقتِ، وأجيبَ بأنهُ بعدَ فعلِ الصلاةِ لم يبقَ للخطابِ توجهٌ إلى فاعلِها، وكيف وقدْ قالَ - ﷺ -: \"وَأَجْزَأَتْكَ صَلاتُكَ\" للذي لم يُعدْ؟ إذِ الإجزاءُ عبارةٌ عنْ كونِ الفعلِ مسقطًا لوجوبِ إعادةِ العبادةِ. والحقُّ أنهُ قدْ أَجزأهُ.\n_________\n(^١) (١/ ٢١٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٤٢).\n(^٣) في \"التلخيص\" (١/ ١٥٦).\nقلت: والخلاصة أن الحديث حسن.\n(^٤) في (ب): \"ولها\".\n(^٥) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٥٦).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (ب): \"لأنه\".\n(^٨) سورة المائدة: الآية ٦.","vol":"1","page":363},{"text":"٩/ ١٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - في قَولهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قَالَ: إذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إنِ اغْتَسَلَ: تيَمَّمَ. [ضعيف]\nرَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا (^١)، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣) وَالْحَاكِمُ (^٤).\n(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - في قولهِ ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قالَ: إذا كانتْ بالرجلِ الجراحة في سبيلِ اللَّهِ) أي: الجهادِ. (والقروحُ) جمعُ قَرْحٍ، وهي البثورُ التي تخرجُ في الأبدانِ كالجُدَري ونحوه، (فيجنبُ) تصيبُهُ الجنابةُ (فيخافُ) [أي] (^٥): يظنُّ (أن يَمُوتَ إنِ اغتسلَ تيمَّمَ. رواهُ الدارقطنيُّ موقوفًا) على ابن عباسٍ (ورفعهُ) إلى النبيِّ - ﷺ - (البزارُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ).\nوقالَ أبو زرعةَ وأبو حاتمٍ (^٦): أخطأَ فيهِ عليُّ بنُ عاصمٍ. وقالَ البزارُ: لا نعلمُ مَنْ رفعهُ عنْ عطاءٍ من الثقاتِ إلا جريرٌ، وقدْ قالَ ابنُ معينٍ: إنهُ سمعَ منْ عطاءٍ بعدَ [الاختلاط] (^٧)، وحينئذٍ فلا يتم رفعهُ.\nوفيه دليلٌ على شرعيةِ التيممِ في حقِّ الجُنب، إنْ خافَ الموتَ، فأما لوْ لم يخفْ إلا الضررَ فالآيةُ - وهي قولُه تعالى -: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (^٨)، دالةٌ على إباحة [التيمُّم للمريض] (^٩) سواءٌ خافَ تَلفًا أو دونَه.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٧٧ رقم ٩) موقوفًا.\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٤٦) وقال البزار: \"لا نعلم رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريرًا، وذكر ابن عدي عن ابن معين أن جريرًا سمع من عطاء بعد الاختلاط\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ١٣٨ رقم ٢٧٢).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٦٥).\nقلت: وأخرجه البيهقيّ (١/ ٢٢٤).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"العلل\" (١/ ٢٥ - ٢٦ رقم ٤٠).\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^٧) في (أ): \"الاختلاف\".\n(^٨) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٩) في (ب): \"المرض للتيمم\".","vol":"1","page":364},{"text":"والتنصيصُ في كلامِ ابنُ عباسٍ على الجراحةِ والقروحِ إنما هوَ مجردُ أمثالٍ، وإلَّا فكلُّ مرضِ كذلكَ. ويحتملُ أن ابنَ عباسٍ يخصُّ هذينِ منْ بين الأمراضِ، وكذلكَ كونُها في سبيلِ اللَّهِ مثالٌ، فلوْ كانتِ الجراحةُ من سقطةٍ فالحكمُ واحدٌ، وإذْ كانَ مثالًا فلا ينفي جوازَ التيممِ لخشيةِ الضررِ إلَّا أن قولَهُ: (أن يموتَ) يدلُّ على أنهُ لا يجزئُ التيممُ إلا لمخافةِ الموتِ، وهوَ قولُ أحمدَ وأحدُ قولَي الشافعي. وأما الهادويةُ، ومالكٌ وأحدُ قولي الشافعي، والحنفيةُ، فأجازُوا التيممَ لخشيةِ الضررِ، قالُوا: لإطلاقِ الآيةِ.\nوذهبَ داودُ والمنصورُ إلى إباحتهِ للمرضِ، وإن لم يخفْ ضررًا، وهو ظاهرُ الآيةِ.\n١٠/ ١٢٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، \"فأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًا (^١). [باطل]\n(وَعَنْ عليٍّ ﵇ قالَ: انكسرتْ إحدى زنْدَيَّ)، بتشديدِ المثناةِ تثنيةُ زَنْدٍ، وهوَ مفصل طرفِ الذراعِ في الكفِّ. (فسألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -) أيْ: عن الواجبِ منَ الوضوءِ في ذلكَ (فأمرني أنْ أمسحَ على الجبائرِ) هي ما يجبرُ بهِ العظمُ المكسورُ ويلفُّ عليهِ (رواه ابنُ ماجه بسندٍ واهٍ جدًّا) بكسرِ الجيمِ وتشديدِ الدالِ المهملةِ، وهوَ منصوبٌ على المصدرِ أي: أجدُ ضعفَه جدًّا.\nوالجِدُّ التحقيقُ كما في \"القاموس\" (^٢)؛ فالمرادُ أحققُ ضعفَهُ تحقيقًا.\nوالحديثُ أنكرهُ يحيى بنُ معينٍ، وأحمدُ، وغيرُهما، قالُوا: وذلكَ أنهُ منْ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢١٥ رقم ٦٥٧).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٤٣ رقم ٢٤٩): \"هذا إسناد فيه عمرو بن خالد كذبه أحمد وابن معين. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: وكيع يضع الحديث. وقال الحاكم: يروي عن زيد بن علي الموضوعات\".\nوقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ١٤٦ رقم ١٠٢): \"سألت أبي عن حديث علي، فقال: حديث باطل لا أصل له. وعمرو بن خالد متروك الحديث\" اهـ.\n(^٢) \"المحيط\" (ص ٣٤٦).","vol":"1","page":365},{"text":"روايةِ عمرِو بن خالدٍ الواسطيِّ (^١)، وهوَ كذابٌ. ورواهُ الدارقطنيُّ (^٢) والبيهقيُّ (^٣) منْ طريقينِ أوهى منهُ.\nقال النوويُّ (^٤): اتفقَ الحفاظُ على ضعفِ هذا الحديثِ. وقالَ الشافعيُّ: لو عرفتُ إسنادَهُ بالصحةِ لقلتُ بهِ، وهذَا مما أستخيرُ اللَّهَ فيهِ. وفي معناهُ أحاديثُ أخرُ قال البيهقيُّ: إنهُ لا يصحُّ منها شيءٌ إلا أن الحديث الحادي عشر يقوِّيه وهو قوله:\n\n<span data-type='title' id=toc-259>المسح على الجبيرةِ</span>\n١١/ ١٢٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - في الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: \"إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمسَحُ عَلَيهَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ\". [حسن بشواهده]\nرَوَاهُ أَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ فيهِ ضَعْفٌ (^٥)، وَفِيهِ اخْتِلافٌ عَلَى رُوَاتِهِ.\n(وَعَنْ جَابرِ - ﵁ - في الرجلِ الذي شُجَّ) بضمِ الشينِ المعجمةِ، وجيمٍ - مِنْ شجَّهُ يشِجُّه بكسرِ الشينِ وضمِها - كَسَرَهُ، كما في \"القاموس\" (^٦)، (فَاغْتَسَلَ فماتَ:\n_________\n(^١) انظر ترجمته في \"\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٠ رقم ١٢٧٧)، و\"الميزان\" (٣/ ٢٥٧ رقم ٦٣٥٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٢٨ رقم ٢٥٤٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٤ رقم ٤١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٢٦ رقم ٣).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٨).\n(^٤) في \"المجموع شرح المهذب\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٢٣٩ رقم ٣٣٦).\nقلت: وأخرجه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٧)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ١٨٩ رقم ٣) وله شاهدان عن ابن عباس.\nالأول: أخرجه أبو داود (١/ ٢٤٠ رقم ٣٣٧)، وابن ماجه (١/ ١٨٩ رقم ٥٧٢٠)، والحاكم (١/ ١٦٥) وقال: حديث صحيح ووافقه الذهبي، وأشار إليه الدارقطني (١/ ١٩١)، وأخرجه ابن حبان (١/ ٧٦ رقم ٢٠١)، والدارمي (١/ ١٩٢) من حديث ابن عباس.\nالثاني: أخرجه الحاكم (١/ ١٧٨)، والدارقطني (١/ ١٩٠) من حديث ابن عباس.\nقلت: وخلاصة القول أن الحديث حسن بشواهده.\n(^٦) \"المحيط\" (ص ٢٤٩).","vol":"1","page":366},{"text":"إنما كانَ يكفيهِ أنْ يتيممَ ويعصبَ على جرحهِ خرقةً، ثم يمسحُ عليها، ويغسل سائرَ جسدهِ. رواهُ أبو داودَ بسندِ فيه ضعفٌ)، لأنهُ تفردَ بهِ الزبيرُ بنُ خُريقٍ (^١) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، فراء مفتوحةٍ، ومثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ وقافٍ. قالَ الدارقطنيُّ (^٢): ليسَ بالقويِّ.\nقلت: وقالَ الذهبيُّ (^٣): إنهُ صدوقٌ (وفيهِ اختلافٌ على رواتهِ) وهوَ عطاءٌ، فإنهُ رواهُ [عنه] (^٤) الزبيرُ بن خُريقٍ عنْ جابرٍ، ورواهُ عنهُ الأَوزاعيُّ بلاغًا عنْ عطاء، عن ابن عباسٍ فالاختلافُ وقعَ في روايةٍ عطاءٍ: هلْ عنْ جابرٍ، أو عن ابن عباسٍ. وفي إحدَى الروايتينِ ما ليسَ في الأخرَى.\nوهذَا الحديثُ، وحديثُ عليٍّ الأولُ قد تعاضدَا على وجوبِ المسحِ على الجبائرِ بالماءِ. وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ، منهمْ مَنْ قالَ: يمسحُ؛ لهذينِ الحديثينِ - وإن كانَ فيهما ضعفٌ - فقدْ تعاضدا؛ ولأنهُ عضوٌ تعذَّرَ غسله بالماءِ فمسحَ ما فوقَه كشعرِ الرأسِ، وقياسًا على [مسحِ أعْلَى] (^٥) الخفينِ وعلى العمامةِ. وهذا القياسُ يقوي النصَّ.\nقلت: مَنْ قالَ بالمسحِ عليهمَا قَوِيَ عندهُ المسحُ على الجبائرِ، وهوَ الظاهرُ. ثم في حديثِ جابرٍ دليلٌ على أنهُ يُجمَعُ بينَ التيممِ والمسح والغسلِ، وهوَ مشكلٌ؛ حيثُ جمعَ بينَ التيممِ والغسلِ، قيلَ: فيحملُ على أَنَّ أعضاءَ التيممِ كانتْ جريحةً فتعذَّرَ إمساسُها بالماءِ، فَعُدِلَ إلى التيممِ، ثم أفاضَ الماءَ على بقيةِ جسدِهِ، وأما الشجَّةُ فقدْ كانتْ في الرأسِ، والواجبُ فيهِ الغسلُ لكنْ تعذرَ لأجلِ الشجَّةِ، فكانَ الواجبُ عليهِ عصبَها والمسحَ عليْهَا، إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في \"التلخيصِ\" (^٦): إنهُ لم يقعْ في روايةٍ عطاء عن ابن عباسٍ ذكرُ التيمم، فثبتَ أن\n_________\n(^١) لين الحديث.\nانظر ترجمته في: \"التقريب\" (١/ ٢٥٨ رقم ١٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٧١ رقم ٥٨٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٩٠).\n(^٣) في \"الميزان\" (٢/ ٦٧ رقم ٢٨٣٤) وثقهُ ابنُ حبان. وقال الذهبي في \"الكاشف\" (١/ ٢٤٨ رقم ١٦٣٢): وثق.\n(^٤) في (أ): \"عنهما\".\n(^٥) في (ب): \"المسح على\".\n(^٦) (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":367},{"text":"الزبيرَ بنَ خُريقٍ تفردَ بهِ، نبَّهَ على ذلكَ ابنُ القطانِ ثمَّ قالَ: ولم يقعْ في روايةٍ عطاءٍ ذكرُ المسحِ على الجبيرةِ، فهوَ مِنْ أفرادِ الزبير - أيضًا - انتهى.\nثمَّ سياقُ المصنفِ لحديثِ جابرٍ يدلُّ على أن قولَهُ: \"إنَّما كانَ يكفيهِ\" غيرُ مرفوع، وهوَ مرفوعٌ، وإنما لما اختصرهُ المصنفُ فاتتْهُ العبارةُ الدالةُ على رفعه.\nوهوَ حديثٌ فيهِ قصةٌ، ولفظُها عندَ أبي داودَ (^١) عن جابرٍ: خرجْنا في سفر؛ فأصابَ رجلًا منَّا حجرٌ فشجَّهُ في رأسهِ، ثم احتلمَ، فسألَ أصحابهُ [فقال] (^٢): هلْ تجدونَ لي رخصةً في التيممِ؟ قالُوا: ما نجدُ لكَ رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ فماتَ، فلما قدمْنَا على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أُخْبِرَ بذلكَ فقالَ: \"قتلوهُ قتلَهم اللَّهُ، ألا سألُوا [إن] (^٣) لمْ يَعلمُوا؟ فإنما شفاءُ العِيّ (^٤) السؤالُ، إنما كَان … \" إلخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-260>لم يصح في التيمم لكل صلاة شيء</span>\n١٢/ ١٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: \"مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلاةِ الأُخرَى\". [ضعيف]\nرَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًا (^٥).\n(وَعَنِ ابْنِ عباس - ﵄ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: سنَّةِ النبيِّ - ﷺ -، والمرادُ طريقتُه وشرعهُ (أنْ لا يصَلِّيَ الرجُل) والمرأةُ أيضًا (بالتيممِ إلَّا صلاة واحدةً، ثمَّ يتيمَّم للصلاةِ الأخرَى. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، لأنهُ مِنْ روايةٍ الحسنِ بن عمارةَ، وهوَ ضعيفٌ (جدًّا)، نصبَ على المصدرِ كما عرفتَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٣٩ رقم ٣٣٦) وقد تقدم.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"إذ\".\n(^٤) العِيّ: بالكسر، الجهل. والمعنى أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم. \"لسان العرب\" (٩/ ٥١٢).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ١٨٥ رقم ٥) وقال: فيه الحسن بن عمارة ضعيف. قلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢١ - ٢٢٢)، والحسن هذا متروك الحديث. انظر: \"المجروحين\" (١/ ٢٢٩)، و\"الميزان\" (١/ ٥١٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٧).","vol":"1","page":368},{"text":"وفي البابِ عنْ عليٍّ (^١) - ﵁ - وابنِ عمرَ (^٢) حديثانِ ضعيفانِ، وإن قيلَ: إنَّ أثرَ أبنِ عمرَ أصحُّ، فهوَ موقوفٌ، فلا تقومُ بالجميعِ حجةٌ.\nوالأصلُ أنهُ - تعالى - قَدْ جعلَ الترابَ قائمًا مقامَ الماء، وقدْ علمَ أنهُ لا يجبُ الوضوءُ بالماءِ إلَّا منَ الحدَثِ فالتيممُ مثلُه.\nوإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الحديثِ وغيرِهمِ، وهو الأقوَمُ دليلًا.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٤ رقم ٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢١)، وفيه: \"الحجاج بن أرطاة\" و\"الحارث الأعور\".\n(^٢) أخرجه الدارقطني (١/ ١٨٤ رقم ٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢١)، وقالَ البيهقي: إسناده صحيح.\nقلت: وقد أخرج الدارقطني (١/ ١٨٤ رقم ٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢١) \"عن قتادة أن عمرو بن العاص كان يُحدِث لكل صلاة تيمُّمًا. وكان قتادة يأخذ به\"، وقال البيهقي: وهذا مرسل.","vol":"1","page":369},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>[الباب العاشر] بابُ الحيض</span>\nالحيضُ مصدرُ حاضتِ المرأةُ تحيضُ حيضًا ومحيضًا، فهي حائضٌ، ولما كانتْ لهُ أحكامٌ شرعيةٌ من أفعالٍ وتروكٍ، عقدَ لهُ المصنفُ بابًا ساقَ فيهِ ما وردَ فيه منْ أحكامهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>أحكام المستحاضة</span>\n١/ ١٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"إِن دَمَ الْحَيضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذلِكِ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وَصَلِّي\". [حسن]\nرَوَاهُ أَبُو دَاودَ (^١) وَالنَّسَائيُّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣) وَالْحَاكِمُ (^٤)، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم (^٥).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٩٧ رقم ٢٨٦) و(١/ ٢١٣ رقم ٣٠٤).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٢٣) و(١/ ١٨٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٣١٨ رقم ١٣٤٥).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٧٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أيضًا الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢٠٦ رقم ٣)، والبيهقي (١/ ٣٤٤)، والحاكم أيضًا في \"المستدرك (١/ ١٧٥ - ١٧٦) بزيادة: \"فإنما هو داء عرض أو ركضة من الشيطان أو عرق انقطع\".\n(^٥) في \"العلل\" (١/ ٥٠). وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر.\nقلت: إن محمد بن عمرو - وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي - له أوهام، فحديثه لا يرقى إلى الصحة ولا ينزل عن الحسن.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":370},{"text":"(عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن فاطِمَةَ بِنْتَ أبي حُبَيْشٍ) تقدَّمَ ضبطُه في أولِ بابِ النواقضِ، (كانتْ تُسْتَحَاضُ) تقدمَ أنَّ الاستحاضةَ جريانُ الدمِ منْ فرجِ المرأةِ في غيرِ أوانهِ، وتقدمَ فيهِ: أنَّ فاطمةَ جاءتِ النبيَّ - ﷺ - فقالتْ: إني امرأةٌ أسْتَحَاضُ فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ (فقالَ لها رسول الله - ﷺ -: إنَّ دمَ الحيضِ دمٌ أسودُ يُعْرَفُ) بضمِّ حرفِ المضارَعةِ، وكسرِ الراءِ، أي: له عَرفٌ ورائحةٌ. وقيلَ: بفتحِ الراءِ أي: تعرفُه النساءُ. (فإذا كانَ ذلكِ) بكسرِ الكافِ (فأمسكي عن الصلاةِ، فإذا كانَ الآخرُ) أي: الذي ليسَ بتلكَ الصفةِ (فتوضئي وصلِّي. رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ، واستنكرهُ أبو حاتمِ)؛ لأنهُ من حديثِ عديِّ بن ثابتٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ، وجدُّهُ لا يُعْرَفُ، وقدْ ضعَّفَ الحديثَ أبو داودَ.\nوهذا الحديثُ فيهِ ردُّ المستحاضةِ إلى صفةِ الدمِ بأنهُ إذَا كانَ بتلكَ الصفةِ فهوَ حيضٌ، وإلا فهي استحاضةٌ. وقدْ قالَ بهِ الشافعيُّ في حقِّ المبتدِأَةِ، وقد تقدمَ في النواقضِ أنهُ - ﷺ - قَالَ لها: \"إنما ذلكَ عِرْقٌ، فإذا أقبلتْ حيضتُكَ فدعيْ الصلاةَ، وإذا أدبرتْ فاغسلِي عنكِ الدمَ [وصلِّي] \" (^١).\nولا ينافيهِ هذا الحديثُ، فإنهُ يكونُ قولُه: \"إنَّ دمَ الحيضِ أسودُ يعرفُ\"، بيانًا لوقتِ إقبالِ الحيضةِ وإدبارهَا، فالمستحاضةُ إذَا ميَّزتْ أيامَ حيضِها: إما بصفةِ الدمِ، أو بإتيانهِ في وقتِ عادتِها إنْ كانتْ معتادةً وعلمتْ بعادتها، ففاطمةُ هذه يحتملُ أنها كانتْ معتادةً فيكونُ قولهُ: \"فإذا أقبلتْ حيضتُكِ\"، أيْ: بالعادةِ، أو غيرَ معتادة، فيرادُ بإقبالِ حيضتِها بالصفةِ، ولا مانعَ منِ اجتماعِ المعرفينِ في حقِّها وحقِّ غيرِها.\nهذا وللمستحاضةِ أحكامٌ [خمسةٌ] (^٢)، قد سلفتْ إشارةٌ إلى الوعدِ بِهَا.\nمنها: جوازُ وطئِها في حالِ جريانِ دمِ الاستحاضةِ عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ لأنَّها كالطاهرِ في الصلاةِ والصومِ وغيرِهما، فكذا في الجماعِ؛ ولأنهُ لا يحرمُ إلَّا عنْ دليلٍ، ولم يأتِ دليل بتحريمِ جماعِهَا.\nقال ابنُ عباسٍ: المستحاضةُ يأتيهَا زوجُها إذا صلَّتْ، الصلاةُ أعظمُ. يريدُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (ب).","vol":"1","page":371},{"text":"إذا جازتْ لها الصلاةُ ودمُها جارٍ وهي أعظمُ ما يُشْتَرَطُ لهُ الطهارةُ، جازَ جماعُها.\nومنها: أنَّها تُؤمَرُ بالاحتياطِ في طهارةِ الحدثِ والنجسِ، فتغسلُ فرجَها قبلَ الوضوءِ وقبلَ التيممِ، وتحشو فرجَها بقُطنةٍ أوْ خِرقةٍ، دفعًا للنجاسةِ، وتقليلًا لها، فإنْ لم [يندفع] (^١) الدمُ بذلكَ شدَّتْ معَ ذلكَ على فرجِها وتلجَّمتْ واستثفرتْ، كما هو معروفٌ في الكتبِ المطولةِ، وليسَ بواجبٍ عليها، وإنما هوَ الأَوْلَى؛ تقليلًا للنجاسةِ بحسبِ القدرةِ، ثمَّ تتوضأُ بعدَ ذلكَ.\nومنها: أنهُ ليسَ لها الوضوءُ قبلَ دخولِ وقتِ الصلاةِ عندَ الجمهورِ، إذْ طهارتُها ضروريةٌ، فليسَ لها تقديمُهَا قبلَ وقتِ الحاجة.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>المستحاضة تتوضأ لكل صلاة</span>\n٢/ ١٢٩ - وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (^٢): \"وَلْتَجْلِسْ في مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةَ فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ للِظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا، وَتَتَوَضأُ فِيمَا بَينَ ذَلِكَ\". [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-264>ترجمة أسماء بنت عميس</span>\n(وفي حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ) (^٣) بضمِّ المهملةِ، وفتحِ الميمِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فسينٍ مهملةٍ.\n_________\n(^١) في (أ): \"يدفع\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٠٧ رقم ٢٩٦).\nقلت: وأخرجه ابن حزم في \"المحلَّى بالآثار\" (١/ ٤١٨ رقم المسألة ٢٦٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٠٠ - ١٠١)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢١٥ رقم ٥٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤). وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٣) انظر ترجمتها في: \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٣٨)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٢٨٠ - ٢٨٥)، و\"المعارف\" (١٧١، ١٧٣، ٢١٠، ٢٨٢، ٥٥٥)، و\"الإصابة\" (١٢/ ١١٦ - ١١٧ رقم ٥١)، و\"الاستيعاب\" (١٢/ ٢٠١ - ٢٠٤ رقم ٣٢٣٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨ رقم ٢٧٢٥)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٦٠)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٥، ٤٨).","vol":"1","page":372},{"text":"هي امرأةُ جعفرَ [بن أبي طالب - ﵁ -] (^١). هاجرتْ معهُ إلى أرضِ الحبشةِ، وَوَلَدَتْ لهُ هناكَ أولادًا: منهمْ عبدُ اللَّهِ.\nثمَّ لما قُتِلَ جعفرُ تزوَّجَها أبو بكرٍ الصديقُ، فولدتْ لهُ محمدًا، ولما ماتَ أبو بكرٍ تزوَّجَها عليُّ بنُ أبي طالبٍ - ﵁ - فولدتْ له يَحْيَى.\n(عندَ أبي داودَ: ولتجلسْ) هوَ عطفٌ على ما قبلَهُ في الحديثِ؛ لأنَّ المصنفَ إنَّما ساقَ شطرَ حديثِ أسماءَ، لكنْ في لفظِ أبي داودَ عنْها هكذَا: \"سبْحانَ اللَّهِ هذَا منَ الشيطانِ لتجلسْ\" إلى آخره بدونِ واوٍ.\nوفي نسخةٍ في \"بلوغ المرامِ\" (في مِرْكَنٍ) بكسرِ الميمِ: الإجَّانةُ التي تغسلُ فيهَا الثيابُ، (فإذا رَأَتْ صُفْرَةَ فوقَ الماءِ) الذي تقعدُ فيهِ، فتصبُّ عليها الماءَ، فإنَّها تظهرُ الصفرةُ فوقَ الماءِ (فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا واحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَتَتَوَضَّأُ فيمَا بينَ ذَلِكَ).\nهذا الحديثُ وحديثُ حَمنةَ الآتي (^٢) فيهِ الأمرُ بالاغتسالِ في اليومِ والليلةِ ثلاثَ مراتٍ، وقدْ بيَّنَ في حديثِ حمنةَ أن المرادَ إذا أخَّرتِ الظهرَ والمغربَ، ومفهومُه أنَّها إذا وقَّتتْ اغتسلتْ لكلِّ فريضةٍ. وقدِ اختلفَ العلماءُ: فرُويَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ أنهُ يجبُ عليها الاغتسالُ لكلِّ صلاةٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى [أنَّها] (^٣) لا يجبُ عليهَا ذلكَ، وقالُوا روايةُ أنهُ - ﷺ - يأمرَها بالغسلِ لكلِّ صلاةٍ ضعيفةٌ، وبيَّنَ البيهقيُّ (^٤) ضعفَها. وقيلَ: بلْ هوَ حديثٌ منسوخٌ بحديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ أنَّها تتوضَّأُ [لكلِّ] (^٥) صلاةٍ.\nقلتُ: إلا أن النسخَ يحتاجُ إلى معرفةِ المتأخرِ، ثمَّ إنهُ قالَ المنذريُّ: إنَّ حديثَ أسماءَ بنتَ عميسٍ حسنٌ، فالجمعُ بينَ حديثِها وحديثِ فاطمةَ بنتِ أبي حبيشٍ أنْ يُقَالَ: إنَّ الغسلَ مندوبٌ بقرينةِ عدمِ أمرِ فاطمةَ بهِ واقتصارهِ على أمرِها بالوضوءِ، فالوضوءُ هو الواجبُ، وقد جنحَ الشافعيُّ إلى هذَا.\n_________\n(^١) في (أ): \"أم عبد الله بن جعفر\".\n(^٢) رقم الحديث (٣/ ١٣٠).\n(^٣) في (أ): \"أنه\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٥٤).\n(^٥) في (أ): \"لوقت كل\".","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type='title' id=toc-265>حديث حَمنة بنت جحش في استحاضتها</span>\n٣/ ١٣٠ - وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ، أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومي وَصَلِّي، فَإِنَّ ذلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ، ثُمَّ تَغْتَسِلي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَينَ الصَّلاتَينِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ. قَالَ: وَهُوَ أَعْجَبُ الأمرَيْنِ إِلَيَّ\". [حسن]\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائيَّ (^١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَحَسّنَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣).\n(وَعَنْ حَمْنَةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، فنونٍ (بنتِ جحشٍ) بفتح الجيمِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ فشينٍ معجمةٍ هي: أختَ زينبَ أمِّ المؤمنين، وامرأةُ طلحة بن عبيدِ اللَّهِ (قالتْ: كنتُ أُستحاضُ حيضة كثيرةً شديدةً). في \"سننِ أبي داودَ\" (^٤) بيانٌ لكثرتِها، قالتْ: \"إنَّما أثجُّ ثجًّا\"، (فأتيتُ النبيَّ - ﷺ - أستفتيهِ فقال: إنما هي ركضةٌ من الشيطانِ) معناهُ: أنَّ الشيطانَ قدْ وجدَ سبيلًا إلى التلبيسِ عليها في أمرِ دينِها وطُهرِهَا وصلاتِها حتى أنْسَاها عادتَها، وصارتْ في التقديرِ، كأنّها ركضةٌ منهُ، ولا ينافي ما تقدَّمَ منْ أنهُ عرقٌ يقالُ لهُ: العاذلُ؛ لأنهُ يحمَلُ على أن الشيطانَ\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٣٩، ٣٨١ - ٣٨٢، ٤٣٩ - ٤٤٠)، وأبو داود في \"السنن\" (١/ ١٩٩ رقم ٢٨٧)، والترمذي في \"السنن\" (١/ ٢٢١ رقم ١٢٨)، وابن ماجه (١/ ٢٠٥ رقم ٦٢٧).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٢٥).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٢٦).\nقال الترمذي: وسألت محمدًا - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن [صحيح].\n(^٤) في \"السنن\" رقم الحديث (٢٨٧).","vol":"1","page":374},{"text":"ركضهُ حتَّى انفجرَ، والأظهرُ أنها ركضةٌ منهُ حقيقةً، إذْ لا مانعَ منْ حملِها عليهِ.\n(فَتَحَيَّضِي ستةَ أيامٍ، أو سبعةَ أيامٍ، ثمَّ اغتسلي، فإذَا اسْتَنْقَأتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ) [إنْ] (^١) كانتْ أيامُ الحيضِ ستةً (أو ثَلاثَةً وَعِشْرِينَ) [إِنْ] (١) كانتْ أيامُ الحيضِ سبعةً (وَصُومي وَصَلِّي) أي: ما شئتِ منْ فريضةٍ وتطوعٍ؛ (فإنَّ ذلكَ يُجْزِئُكِ وكذلِكَ فَافْعَلِي) فيما يستقبلُ منَ الشهورِ.\nولفظُ أبي داودَ: \"فافعلي كلَّ شهرٍ\" (كما تحيضُ النساءُ) في \"سننِ أبي داودَ\" (٢) زيادةٌ: \"وكما يطهرنَ ميقاتَ حيضهنَّ وطُهرهنَّ\"، فيهِ الردُّ لها إلى غالبِ أحوالِ النساءِ.\n(فإنْ قويتِ) أي: قدرتِ (على أنْ تؤخري الظهرَ وتعجِّلي العصرَ) هذا لفظُ أبي داود (٢)، وقولُهُ: \"وتعجِّلي العصرَ\" يريدُ أنْ تؤخري الظهرَ، أي: فتأتي بها في آخرِ وقتِها قبلَ خروجِهِ، وتعجِّلي العصرَ فتأتي بهِ في أولِ وقتهِ، فتكونُ قدْ أتتْ بكلِّ صلاةٍ في وقتها، وجمعتْ بينَهما جمعًا صُوريًا.\n(ثمَّ تَغْتَسِلي حينَ تَطْهُرِينَ) هذا اللفظُ ليسَ في \"سننِ أبي داودَ\"، بلْ لفظهُ هكذا: \"فتغتسلينَ فتجمعينَ بينَ الصلاتينِ الظهرِ والعصرِ\"، أي: جمعًا صُوريًا كما عرفت، (وتصلِّينَ الظهرَ والعصرَ جميعًا). هذا غيرُ لفظِ أبي داودَ كما عرفتَ.\n(ثمَّ تؤخِّرينَ المغربَ والعشاءَ) لفظُ أبي داودَ (^٢): \"وتؤخِّرينَ المغربَ وتعجِّلينَ العِشَاءَ\"، وما كانَ يحسنُ منَ المصنفِ حذفُ ذلكَ كما عرفتَ.\n(ثم تغتسلينَ وتجمعينَ بينَ الصحتينِ فافعلي، وتغتسلينَ معَ الصبعِ وتُصَلِّينَ قالَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (وهوَ أعجبُ الأمرينِ إليَّ). ظاهرُهُ أنهُ منْ كلامهِ - ﷺ -، إلَّا أنهُ قالَ أبو داودَ (^٣): رواهُ عمرُو بنُ ثابتٍ عن [ابن] (^٤) عقيلٍ قالَ: فقالتْ حَمنةُ: \"هذا أعجبُ الأمرينِ إليَّ، لم يجعلْهُ منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -.\n(رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ وصحَّحهُ الترمذيُّ، وحسَّنهُ البخاريُّ)، قالَ المنذريُّ في \"مختصر سننِ أبي داودَ\" (^٥): قالَ الخطابيُّ: \"قد تركَ بعضُ العلماءِ القولَ بهذَا\n_________\n(^١) في (أ): \"إذا\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم الحديث (٢٨٧).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٥٢).\n(^٤) في (أ): أبي وهو خطأ.\n(^٥) (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":375},{"text":"الحديثِ؛ لأنَّ ابنَ عقيلٍ راويهِ ليسَ بذاكَ\"، وقالَ أبو بكرٍ البيهقيُّ: تفرَّدَ بهِ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بن عقيلٍ، وهوَ مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ. هذا آخرُ كلامهِ.\nوقدْ أخرجهُ الترمذيُّ (^١)، وابنُ ماجه (^٢). وقالَ الترمذيُّ (^٣): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال أيضًا: وسألتُ محمدًا - يعني البخاريَّ - عنْ هذَا الحديثِ فقالَ: هوَ حديثٌ حسنٌ. وقالَ أحمدُ: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ اهـ.\nفعرفتَ أن القولَ بأنهُ حديثٌ غيرُ صحيحٍ غير صحيح، بلْ قدْ صحَّحهُ الأئمةُ، وقدْ عرفتَ مما سقناهُ منْ لفظِ روايةٍ أبي داودَ أن المصنفَ نقلَ غيرَ لفظِ أبي داودَ منْ ألفاظ أحدِ الخمسةِ، ولكنْ لا بدَّ منْ تقييدِ ما أطلقتْهُ الرواياتُ بقولهِ: (\"وتعجلينَ العشاءَ\" كما قالَ: [وتعجلين] (^٤) العصرَ) لأنهُ أرشدَها - ﷺ - إلى ذلكَ لملاحظةِ الإتيانِ بكلِّ صلاةٍ في وقتِها، هذهِ في آخرِ وقتها وهذهِ في أولِ وقتِها.\nوقولُه في الحديثِ: \"ستة أو سبعةَ أيامٍ\" ليستْ فيهِ كلمةُ (أو) شكًا من الراوي ولا للتخييرِ، [بل] (^٥) للإعلامِ بأنَّ للنساءِ أحدَ العددينِ، فمنهنَّ مَنْ تحيضُ ستًا، ومنهنَّ منْ تحيضُ سبعًا، فترجعُ إلى مَنْ هي في سنِّها وأقربُ إلى مزاجِها، ثم قوله: \"فإنْ قويتِ\" يُشْعِرُ بأنهُ ليسَ بواجبٍ عليها، وإنَّما هوَ مندوبٌ لها، وإلَّا فإنَّ الواجبَ إنَّما هوَ الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ بعدَ الاغتسالِ عن الحيضِ بمرورِ الستةِ أو السبعةِ الأيام، وهوَ الأمرُ الأولُ الذي أرشَدها - ﷺ - إليهِ، فإنَّ في صدرِ الحديثِ: \"آمرُكِ بَأمرينِ، أيَّهما فعلتِ أجزأَ عنكِ منَ الآخرِ، وإنْ قويتِ عليهمَا فأنتِ أعلمُ\".\nثمَّ ذكرَ لها الأمرَ الأولَ أنها تحيضُ ستًا أو سبعًا، ثمَّ تغتسلُ وتصلِّي، كما ذكرهُ المصنفُ، وقد عُلمَ أنَّها تتوضأُ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ استمرارَ الدمِ ناقضٌ فلمْ يذكرْهُ في هذهِ الروايةِ، وقد ذكرهُ في غيرِهَا، ثمَّ ذكرَ الأمرَ الثاني منْ جمعِ الصلاتينِ والاغتسالِ كما عرفتَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٢٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٦٢٧).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٢٥، ٢٢٦).\n(^٤) في (أ): \"وتعجلي\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"1","page":376},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يباحُ جمعُ الصلاتينِ في وقتِ أحدِهما للعذرِ، إذْ لو أُبِيحَ لعذرٍ لكانتِ المستحاضةُ أولَ مَنْ يباحُ لها ذلكَ، [ولم يبحْ لها ذلك] (^١) بلْ أمرَهَا بالتوقيتِ كما عرفتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-266>المستحاضة تتحرَّى أيام عادتها</span>\n٤/ ١٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الدَّمَ، فَقَالَ: \"امْكُثي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي\"؛ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n- وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٣): \"وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاةٍ\"، وَهِيَ لأبي دَاوُدَ (^٤) وَغَيْرِهِ (^٥)، مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن أمَّ حبيبةَ) بالحاءِ المهملةِ المفتوحةِ (بنتَ جحشٍ) قيلَ: الأصحُّ أن اسمَها حبيبةٌ، وكنيتَها أمُّ حبيبٍ بغيرِ هاءٍ، وهي أختُ حَمنَة [التي] (^٦) تقدم حديثُها، (شكتْ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - الدمَ، فَقَالَ: أمكثي قدرَ ما كانتْ تحبسُكِ حيضُتُكِ)، أيْ: قبلَ استمرارِ جريانِ الدمِ، (ثم اغتسلي) أي: غسلَ الخروجِ عن الحيضِ. (فكانتْ تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ) منْ غيرِ أمرٍ منهُ - ﷺ - لها بذلكَ (رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: توضَّئي لكلِّ صلاةٍ، وهيَ) أي: الروايةُ (لأبي داودَ وغيرِهِ منْ وجهٍ آخرَ).\nأمُّ حبيبةَ كانتْ تحتَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ. وبناتُ جحشٍ ثلاثٌ: زينبُ أمُّ المؤمنينَ، وحَمنةُ، وأمُّ حبيبةَ، قيلَ: إنهنَّ كنَّ مستحاضاتٍ كلُّهن. وقدْ ذكرَ البخاريُّ ما يدلُّ على أنَّ بعضَ أمهاتِ المؤمنينَ كانتْ مستحاضةً، فإنْ صحَّ أن الثلاثَ مستحاضاتٌ فهي زينبُ، وقدْ عدَّ العلماءُ المستحاضاتِ في عصرهِ - ﷺ - فبلغنَ عشرَ نسوةٍ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٢٦٤ رقم ٦٦/ ٣٣٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٣١ - ٣٣٢ رقم ٢٢٨).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢٠٩ رقم ٢٩٨).\n(^٥) كالنسائي في \"السنن\" (١/ ١٨٥).\n(^٦) في (أ): \"الذي\".","vol":"1","page":377},{"text":"والحديثُ دليلٌ على إرجاعِ المستحاضةِ إلى أحدِ المعرِّفاتِ: وهي أيامُ عادتِها، وعرفتَ أن المعرِّفاتِ إما العادةُ التي كانتْ لها قبلَ الاستحاضةِ، أو صفةُ الدمِ بكونهِ أسودَ يعرفُ، أو العادةُ التي للنساءِ منَ الستةِ الأيامِ أو السبعةِ، أوْ إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها، كلُّ هذهِ قد تقدَّمتْ في أحاديثِ المستحاضةِ، فبأيِّها وقعَ معرفةُ الحيضِ - والمرادُ حصولُ الظنِّ لا اليقين - عملت بهِ، سواءٌ كانتْ ذاتَ عادةٍ أو لا كما يفيدُه إطلاقُ الأحاديثِ، بلْ ليسَ المرادُ إلَّا ما يحصلُ لها ظنٌّ أنهُ حيضٌ، وإنْ تعدَّدتِ الأماراتُ كانَ أقوى في حقِّها، ثمَّ متى حصلَ ظنُّ زوالِ الحيضِ وجبَ عليها الغسلُ، ثمَّ [تتوضأ] (^١) لكلِّ صلاةٍ أو تجمعُ جمعًا صُوريًا بالغسلِ.\nوهلْ لها أنْ تجمعَ الجمعَ الصُّوريَّ بالوضوءِ؟ هذا لم يردْ بهِ النصُّ في حقِّها، إلَّا أنهُ معلومٌ جوازُهُ لكل أحدٍ من غيرِهِ.\nوأما هلْ لها أنْ تصلِّيَ النوافلَ بوضوءِ الفريضةِ؟ فهذا مسكوتٌ عنهُ أيضًا، والعلماءُ مختلفونَ في ذلكَ كلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-267>لا تعدُّ الكُدرةُ والصُّفرَةُ بعدَ الطهر حيضًا</span>\n٥/ ١٣٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كُنَّا لا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا\". [صحيح]\nرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-268>ترجمة أم عطية</span>\n(وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) (^٤).\n_________\n(^١) في (أ): \"توضأ\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٦ رقم ٣٢٦).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢١٥ رقم ٣٠٧).\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ١٨٦ - ١٨٧)، وابن ماجه (١/ ٢١٢ رقم ٦٤٧)، والبيهقي (١/ ٣٣٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٣١٧ رقم ١٢١٦)، والدارمي (١/ ٢١٥) ووهم الحاكم فاستدركه في \"المستدرك\" (١/ ١٧٤).\n(^٤) انظر ترجمتها في: \"مسند أحمد\" (٦/ ٤٠٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٦٥)، و\"الإصابة\"=","vol":"1","page":378},{"text":"اسمُها نُسيبةُ - بضمِّ النونِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وفتحِ الموحدةِ - بنتُ كعبٍ. وقيلَ: بنتُ الحرث الأنصاريةُ، بايعتِ النبيَّ - ﷺ -. كانتْ منْ كبارِ الصحابياتِ، وكانتْ تغزو معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، تمرِّضُ المرضَى، وتداوي الجرحَى.\n(قالتْ: كنَّا لا نعدُّ الكُدْرَةَ) (^١) أيْ: ما هوَ بلونِ الماءِ الوسخِ الكدرِ، (والصُّفْرَةَ) هوَ الماءُ الذي تراهُ المرأةُ كالصديدِ يعلوه [صفرة] (^٢) اصفرارٌ (بعدَ الطُّهْرِ) أي: بعدَ رؤيةِ القَصَّةِ البيضاءِ والجفوفِ (شيئًا) أي: لا نعدُهُ حيضًا (رواه [البخاري و] (^٣) أبو داودَ واللفظُ لهُ).\nوقولُها: (كنَّا) قدِ اختلفَ فيهِ العلماءُ، فقيلَ: لهُ حكمُ الرفعِ إلى النبيِّ - ﷺ -، لأنَّ المرادَ كنَّا في زمانهِ - ﷺ - معَ علمِهِ فيكونُ تقريرًا منهُ، وهذا رأيُ البخاريِّ وغيرِهِ مِنْ علماءِ الحديثِ فيكونُ حجةً.\nوهوَ دليلٌ على أنهُ لا حكمَ لما ليسَ بدمٍ غليظٍ أسودَ يعرفُ، فلا يعدُّ حيضًا بعدَ أنْ ترى القَصَّةَ بفتحِ القافِ، وتشديدِ الصادِ المهملةِ.\nقيلَ: إنه شيء كالخيطِ الأبيضِ يخرجُ منَ الرحمِ بعدَ انقطاعِ الدمِ أو بعدَ الجفوفِ، وهو أنْ يخرجَ ما يُحْشَى بِهِ الرحمُ جافًا، ومفهومُ قولِها: (بعدَ الطهرِ) أي بأحدِ الأمرينِ أن قبلهُ تعدُّ الكُدْرَةُ والصُّفْرَةُ شيئًا، أي: حيضًا، وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ معروفٌ في الفروعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-269>يباح الاستمتاع بالحائض فيما دون الفرج</span>\n٦/ ١٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﷺ -، أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"اصْنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلَّا النِّكَاحَ\". [صحيح]\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤).\n_________\n= (١٣/ ٢٥٣ رقم ١٤٠٩)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ٢٥٥ رقم ٣٥٨٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٢ رقم ٢٩٠٣).\n(^١) الكُدْرَةُ: شيء كالصديد تَراهُ المرأةُ، ليس على لونِ شيءٍ من الدماءِ القوية، ولا الضعيفة. \"القاموس الفقهي\" (ص ٣١٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٦ رقم ١٦/ ٣٠٢). =","vol":"1","page":379},{"text":"(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أن اليهودَ كانُوا إذا حاضتِ المرأةُ فيهم لم يُؤاكِلُوها، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: اصنعُوا كلَّ شيءٍ إِلَّا النِّكاحَ، رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ قد بيَّنَ المرادَ منْ قولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^١)، أن المأمورَ بهِ منَ الاعتزالِ، والمنهيَّ عنهُ منَ القربانِ هوَ النكاحُ، أي: اعتزلُوا نكاحَهُنَّ ولا تقربوهنَّ لهُ، وما عدَا ذلكَ منَ المؤاكلةِ، والمجالسةِ، والمضاجعةِ، وغيرِ ذلكَ، جائزٌ، وقدْ كانَ اليهودُ لا [يساكنون] (^٢) الحائضَ في بيتٍ واحدٍ، ولا يجامعونَها، ولا يؤاكلونَها، كما صرَّحتْ بهِ روايةُ مسلمٍ.\nوأما الاستمتاعُ منهنَّ فقدْ أباحهُ هذا الحديثُ كما يفيدُه أيضًا.\n٧/ ١٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يأمرني فأَتَّزِرُ، فيُباشرني وأنا حائضٌ. متفقٌ عليهِ)، أي: يلصقُ بشرتَهُ ببشَرتي فيما دونَ الإزارِ، وليسَ بصريحٍ بأنهُ يستمتعُ منها إنَّما فيهِ إلصاقُ البشرةِ بالبشرةِ.\nوالاستمتاعُ فيما بينَ الركبةِ والسرَّةِ في غيرِ الفرجِ أجازهُ البعضُ، وحجتهُ: \"اصنعُوا كلَّ شيءٍ إلَّا النكاحَ\" (^٤)، ومفهومُ هذا الحديثِ.\nوقال بعضٌ بكراهتِهِ، وآخرُ بتحريمهِ، فالأولُ أوْلى للدليلِ. فأما لو جامعَ وهي حائضٌ فإنهُ يأثمُ إجماعًا، ولا يجبُ عليهِ شيءٌ. وقيلَ: تجبُ عليهِ الصدقةُ لما يفيدُه:\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٧٧ رقم ٢٥٨)، والترمذي (٥/ ٢١٤ رقم ٢٩٧٧)، والنسائي (١/ ١٨٧)، وابن ماجه (١/ ٢١١ رقم ٦٤٤)، والبيهقي (١/ ٣١٣)، والدارمي (١/ ٢٤٥)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ١٣٢)، والطيالسي (ص ٢٧٣ رقم ٢٠٥٢).\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٢) في (أ): \"يساكنوا\".\n(^٣) البخاري (١/ ٤٠٣ رقم ٣٠٢)، ومسلم (١/ ٢٤٢ رقم ١/ ٢٩٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ١٨٤ رقم ٢٦٨)، والترمذي (١/ ٢٣٩ رقم ١٣٢)، وابن ماجه (١/ ٢٠٨ رقم ٦٣٥)، وأحمد (٦/ ١٧٤)، والدارمي (١/ ٢٤٢)، والنسائي (١/ ١٨٥).\n(^٤) وهو حديث صحيح، تقدم تخريجه (رقم ٦/ ١٣٣).","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type='title' id=toc-270>كفارة من يأتي زوجته وهي حائض</span>\n٨/ ١٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - قَالَ: \"يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ\". [صحيح]\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢) وَابْنُ الْقَطَّانِ (^٣)، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ.\n(وَعَنِ ابن عباسٍ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - في الذي يأتي امرأتَهُ وهيَ حائضٌ - قالَ: يتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينارٍ. رواهُ الخمسةُ وصحَّحهُ الحاكِمُ، وابنُ القطانِ، ورجَّحَ غيرُهما وقْفَهُ) على ابن عباسٍ.\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٧، ٢٨٦، ٣١٢، ٣٢٥)، وأبو داود (١/ ١٨١ رقم ٢٦٤)، والنسائي (١/ ١٥٣)، والترمذي (١/ ٢٤٥ رقم ١٣٧)، وابن ماجه (١/ ٢١٠ رقم ٦٤٠).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٧١ - ١٧٢) وقال: حديث صحيح .. فأما عبد الحميد بن عبد الرحمن، فإنه أبو الحسن عبد الحميد بن عبد الرحمن الجزري ثقة مأمون. ووافقه الذهبي. كذا قالا.\nقلت: لقد وقع في كلام الحاكم خلط بين راويين اتفقا في اسميهما واسم أبيهما، وهما: \"عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي أبو عمر المدني الثقة\"، و\"عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو الحسن، الجزري، مجهول\".\nوالظاهر أنه أراد عبد الحميد بن عبد الرحمن العدوي، فاختلط عليه، فكناه بكنية الجزري. واللَّه أعلم. إذ أن كل من رواه من طريق شعبة عن الحاكم، إنما رواه عن عبد الحميد بن عبد الرحمن العدوي المدني، لا الجزري الشامي، وهو نفس طريق الحاكم ولكنه أخطأ في كنيته - ﵀ -.\n(^٣) قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٦٦): \"وقد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث والجواب عن طرق الطعن فيه بما يراجع منه، وأقرَّ ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان وقوَّاه في الإلمام وهو الصواب\" اهـ.\nقلت: وقد أخرج الحديث الدارمي (١/ ٢٥٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ١٠٨)، والبيهقي (١/ ٣١٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ١٢٧ رقم ٣١٥)، والدارقطني (٣/ ٢٨٦ رقم ١٥٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٣٨١ رقم ١٢٠٦٥) و(١١/ ٣٨٢ رقم ١٢٠٦٦) و(١١/ ٤٠١ رقم ١٢١٢٩، ١٢١٣٠، ١٢١٣١، ١٢١٣٢) و(١١/ ٤٠٢ رقم ١٢١٣٣، ١٢١٣٤، ١٢١٣٥).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح. وقد صحَّحه ابن التركماني وابن القيم وابن حجر والألباني. انظر \"الإرواء\" (رقم ١٩٧)، و\"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"1","page":381},{"text":"الحديثُ فيهِ رواياتٌ، هذهِ إِحدَاها، وهي التي خرَّجَ لرجالِها في \"الصحيحِ\"، وروايتُهُ معَ ذلكَ مضطربةٌ، [وَقَدْ] (^١) قَالَ الشافعيُّ (^٢): لو كانَ هذا الحديثُ ثابتًا لأخذنا بهِ، قالَ المصنفُ (^٣): الاضطرابُ في إسنادِ هذا الحديثِ ومتنهِ كثيرٌ جدًّا. وقدْ ذهبَ إلى إيجابِ الصدقةِ الحسنُ وسعيدٌ لكنْ قالا: يُعْتِقُ رقبةً، قياسًا على مَنْ جامعَ في رمضانَ. وقالَ غيرُهما: بل يتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفِ دينارٍ، وقالَ الخطابيُّ (^٤): قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا شيءَ عليهِ، وزعموا أن هذَا مرسلٌ أو موقوفٌ.\nوقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: حجةُ مَنْ لم يوجبْ اضطرابُ هذا الحديثِ، وأنَّ الذمَّةَ على البراءةِ، ولا يجبُ أنْ يثبتَ فيها شيءٌ لمسكينٍ ولا غيرِهِ، إلَّا بدليلٍ لا مَدْفَعَ فيهِ ولا مطعنَ عليهِ، وذلكَ معدومٌ في هذهِ المسألةِ.\nقلتُ: أمَّا مَنْ صحَّ لهُ كابنِ القطانِ، فإنهُ أمعنَ النظرَ في تصحيحهِ، وأجابَ عنْ طرقِ الطعنِ فيهِ، وأقرَّه ابنُ دقيقِ العيدِ وقواهُ في كتابه \"الإلمامِ\"؛ فلا عذرَ لهُ عن العملِ بهِ. وأما منْ لمْ يصحَّ عندَه كالشافعيِّ، وابنِ عبدِ البرِّ، فالأصلُ براءةُ الذمةِ، فلا تقومُ بهِ الحجةُ على رفعها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>ما يحرم على الحائض فعله</span>\n٩/ ١٣٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ \" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦)، في حديثٍ طَويلٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٦٦).\n(^٣) في المرجع السابق (١/ ١٦٦).\n(^٤) في \"معالم السنن\" (١/ ١٨١) مع \"السنن\".\n(^٥) راجع ما كتبه أبو الأشبال أحمد بن محمد شاكر - ﵀ - في \"شرح الترمذي\" (١/ ٢٤٦ - ٢٥٤)، فقد أجاد وأفاد في الرد على من زعم أن الحديث مضطرب.\nوقد رجح هناك - فيما رجح - أن قوله: \"أو نصف دينار\" سهو من بعض الرواة. فراجع بحثه فإنه مفيد.\n(^٦) البخاري (١/ ٤٠٥ رقم ٣٠٤)، ومسلم (١/ ٨٧ رقم ٨٠).","vol":"1","page":382},{"text":"(وَعَنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أليسَ إذا حَاضَتِ المرأةُ لمْ تصَلِّ ولَم تَصُمْ. مُتفقٌ عليهِ في حديثٍ طويلٍ) تمامهُ: \"فذلكَ منْ نقصانِ دينِها\".\nرَواهُ مسلمٌ (^١) من حديثِ ابن عمرَ بلفظِ: \"تمكثُ اللياليَ ما تصلِّي، وتفطرُ في شهرِ رمضانَ، فهذَا نقصانُ دينِها\"؛ وهوَ إخبارٌ يفيدُ تقريرَها على تركِ الصومِ والصلاةِ، وكونهمَا لا يجبانِ عليهَا، وهوَ إجماعٌ (^٢) في أنَّهما لا يجبانِ حالَ الحيضِ، ويجبُ قضاءُ الصومِ لأدلةٍ أُخر (^٣).\nوأما كونُها لا تدخلُ المسجدَ فلحديثِ: \"لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ\"، وتقدمَ (^٤).\nوأما أنَّها لا تقرأُ القرآنَ فلحديثِ ابنِ عمرَ (^٥) مرفوعًا: \"ولا تقرأُ الحائضُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٨٦ رقم ١٣٢/ ٧٩).\n(^٢) ذكره ابن المنذر في كتابه \"الإجماع\" (ص ٣٧ رقم ٢٩).\n(^٣) منها: ما أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢٣٢)، والبخاري (١/ ٤٢١ رقم ٣٢١)، ومسلم (١/ ٢٦٥ رقم ٦٩/ ٣٣٥)، والدارمي (١/ ٢٣٣)، وأبو داود (١/ ١٨٠ رقم ٢٦٣)، والترمذي (١/ ٢٣٤ رقم ١٣٠)، والنسائي (١/ ١٩١)، وابن ماجه (١/ ٢٠٧ رقم ٦٣١).\nعن مُعَاذَةَ قالت: سألتُ عائِشَةَ فقلتُ: ما بالُ الحائِضِ تَقْضي الصومَ ولا تقضي الصلاة؟ فقالتْ: أحَرُوريَّةٌ أنتِ؟ قلت: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةً، ولكني أسألُ. قالت: كانَ يُصِيبُنَا ذِلكَ فَنؤمَرُ بقضاءِ الصومِ ولا نؤمرُ بقضاءِ الصلاة\".\n• أحرورية أنت: نسبة إلى حروراء، وهي قرية بقرب الكوفة. كان أول اجتماع الخوارج بها.\nومعنى قول عائشة - ﵂ -: إن طائفة الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض، وهو خلاف إجماع المسلمين. وهذا الاستفهام الذي استفهمته عائشة هو استفهام إنكاري، أي: هذه طريقة الحرورية، وبئست الطريقة.\n(^٤) رقم الحديث (١٤/ ١١٢)، وهو حديث ضعيف.\n(^٥) أخرجه الترمذي (١/ ٢٣٦ رقم ١٣١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٢)، وابن ماجه (١/ ١٩٥ رقم ٥٩٥)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٩٠)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٤٥)، والبيهقي (١/ ٨٩)، والدارقطني (١/ ١١٧).\nقال الترمذي: حديث ابن عمر لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة .. وسمعت محمد بن إسماعيل - البخاري - يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديث مناكير كأنه ضعَّف روايته عنهم.\nقلت: وهذا من روايته عنهم، فهو منكر.\nوانظر: \"نصب الراية\" (١/ ١٩٥)، و\"الإرواء\" للألباني (رقم ١٩٢).","vol":"1","page":383},{"text":"ولا الجنبُ شيئًا منَ القرآنِ\"، وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ (^١).\n[وكذلكَ] (^٢) لا تمسُّ المصحفَ لحديثِ عمرِو بن حزمٍ، تقدَّم (^٣) وتقدَّمتْ شواهدُه (^٤)، والأحاديثُ لا تقصرُ عن الكراهةِ لكلِّ ما ذُكرَ، وإنْ لمْ تبلغْ درجةَ التحريمِ؛ إذْ لا تخلُو عن مقالٍ في طرقِها، ودلالةُ ألفاظِها غيرُ صريحةٍ في التحريمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-272>الحائض تعملُ أعمال الحج إلا الطواف</span>\n١٠/ ١٣٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حضْتُ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي\". [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالتْ: لَمَّا جِئْنَا) أي: عامَ حَجْةِ الوداعِ وكانتْ قدْ أحرمتْ معهُ - ﷺ -، (سَرِفَ) بالسينِ المهملةِ مفتوحةً وكسرِ الراءِ، ففاءٍ، اسمُ محلٍّ منعهُ من الصرفِ للعلَميةِ والتأنيثِ، وهو محلٌّ بينَ مكةَ والمدينةِ.\n(حِضْتُ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غيرَ أنْ لا تطوفي بالبيتِ حتى تَطْهُرِي. متفقٌ عليهِ في حديثٍ طويلٍ) فيهِ صفةُ حجهِ - ﷺ -. وفيهِ دليل على أن الحائضَ يصحُّ منْها جميعُ أفعالِ الحجِّ غيرَ الطوافِ بالبيتِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ.\nواختُلِفَ في علَّتهِ، فقيلَ: لأنَّ مِنْ شرطِ الطوافِ الطهارةُ، وقيلَ: لكونِها ممنوعةً منْ دخولِ المسجدِ. وأما ركعتا الطوافِ فقدْ عُلم أنَّهما لا يصحَّانِ منْها، إذْ هُما مرتبتانِ على الطوافِ والطهارةِ.\n_________\n(^١) بل هو حديث ضعيف كما تقدم.\n(^٢) في (أ): \"كذا\".\n(^٣) رقم الحديث (١١/ ٧١).\n(^٤) رقم الحديث (٨/ ١٠٦).\n(^٥) البخاري (١/ ٤٠٧ رقم ٣٠٥)، ومسلم (٢/ ٨٧٣ رقم ١٢٠/ ١٢١١).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٤)، والبيهقي (٥/ ٣)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ١٥٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ١٢٤ رقم ١٩١٤)، والطيالسي في \"المسند\" (رقم ١٤١٣، ١٥٠٧)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٩، ١٣٧، ٢١٩، ٢٧٣)، وابن ماجه (٢/ ٩٨٨ رقم ٢٩٦٣)، وأبو داود (٢/ ٣٨٢ رقم ١٧٨٢).","vol":"1","page":384},{"text":"١١/ ١٣٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النبيَّ - ﷺ -: مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: \"مَا فَوْقَ الإِزَارِ\". [ضعيف]\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَضَعَّفَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>ترجمة معاذ بن جبل</span>\n[وَعَنْ مُعَاذٍ] (^٢) بضمِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ خفيفةٍ آخِرَهُ ذالٌ معجمةٌ.\nوهوَ أبو عبدِ الرحمنِ معاذُ بنُ جبلٍ الأنصاريُّ الخزرجيُّ، أحدُ مَنْ شهدَ العقبةَ مِنَ الأنصارِ، وشهدَ بدرًا وغيرَها مِنَ المشاهدِ، وبعثهُ - ﷺ - إلى اليمنِ قاضيًا ومعلِّمًا، وجعلَ إليهِ قبضَ الصدقاتِ منَ العمَّالِ باليمنِ، وكانَ منْ أجلَّاءِ الصحابةِ وعلمائِهم. استعملهُ عمرُ على الشامِ بعدَ أبي عبيدةَ فماتَ في طاعونِ عمواسٍ سنةَ ثماني عشرةَ، وقيلَ: سبعَ عشرةَ، ولهُ ثمانٍ وثلاثونَ سنةً.\n(أنهُ سألَ النبيَّ - ﷺ -: ما يحلُّ للرجلِ منِ امرأتهِ وهي حائضٌ؟ قال: ما فَوْقَ الإِزارِ. رواهُ أبو داودَ وضعَّفهُ). وقالَ: ليسَ بالقويِّ.\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ مباشرةِ محلِّ الإزارِ: وهوَ ما بينَ السرة [والركبة] (^٣). والحديثُ قدْ عارضهُ حديثُ: \"اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاحَ\" (^٤) تقدَّمَ، وهوَ أصحُّ منْ هذا فهوَ أرجحُ منهُ، ولو ضمَّهُ المصنفُ إليهِ لكانَ أولى. وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، وفي حديثِ عائشةَ: \"كانَ يأمرني فأتَّزرُ\" (^٥).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ١٤٦ رقم ٢١٣)، وقال: \"وليس هو - يعني الحديث - بالقوي\".\nقلت: فيه سعيد بن عبد الله الأغطش مجهول الحال، فإنا لا نعرف أحدًا وثقه - كما في \"التلخيص\" (١/ ١٦٦)، والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"مسند الإمام أحمد\" (٥/ ٢٢٧ - ٢٤٨)، و\"طبقات ابن سعد\" (٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٥٩ - ٣٦٠ رقم ١٥٥٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٤٤ - ٢٤٥ رقم ١١٠)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ٢٢٨ - ٢٤٤ رقم ٣٦)، و\"الاستيعاب\" (١٠/ ١٠٤ - ١١٤ رقم ٢٤١٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٩٨ - ١٠٠ رقم ١٤٣)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣١١)، و\"الإصابة\" (٩/ ٢١٩ - ٢٢١ رقم ٨٠٣٢).\n(^٣) في (أ): \"إلى تحت الركبة\".\n(^٤) وهو حديث صحيح، تقدم رقم (٦/ ١٣٣).\n(^٥) وهو حديث صحيح، تقدم رقم (٧/ ١٣٤).","vol":"1","page":385},{"text":"١٢/ ١٣٩ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵁ - قَالَتْ: كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. [حسن]\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^١)، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ.\nوَفِي لَفْظٍ لَهُ (^٢): وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَضَاءِ صَلاةِ النِّفَاسِ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣) [حسن]\n(وَعَنْ أمِّ سَلمةَ - ﵄ -: كانتِ النفساءُ تقعدُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - بعدَ نفاسِها أربعينَ يومًا. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، واللفظُ لأبي داودَ. وفي لفظٍ: ولمْ يأمرْهَا - ﷺ - بقضاءِ صلاةِ النفاسِ. وصحَّحهُ الحاكمُ) وضعَّفهُ جماعةٌ، لكنْ قالَ النوويُّ (^٤): قولُ جماعةٍ مِنْ مصنفي الفقهاءِ إنَّ هذَا الحديثَ ضعيفٌ، مردودٌ عليهم.\nولهُ شاهد عندَ ابن ماجه (^٥) منْ حديثِ أنسٍ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"وقَّتَ\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٩، ٣١٠)، وأبو داود (١/ ٢١٧ رقم ٣١١)، والترمذي (١/ ٢٥٦ رقم ١٣٩)، وابن ماجه (١/ ٢١٣ رقم ٦٤٨).\nقلت: وأخرجه الحا كم في \"المستدرك\" (١/ ١٧٥)، والبيهقي (١/ ٣٤١)، والدارمي (١/ ٢٢٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ١٣٦ رقم ٣٢٢).\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وتعقبهم الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٢٢٢) بقوله: وهو عندي حسن الإسناد فإن رجاله ثقات كلهم معروفون غير \"مسة\" هذه، فقال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٧١): \"مجهولة الحال، قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان: لا يُعرف حالها، وأغرب ابن حبان فضعَّفه بكثير بن زياد فلم يصب\" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن. وقد حسنه النووي في \"المجموع\" (٢/ ٥٢٥)، والألباني في \"الإرواء\" (رقم ٢٠١).\n(^٢) أي: لأبي داود في \"السنن\" (١/ ٢١٩ رقم ٣١٢).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ١٧٥).\n(^٤) في \"المجموع شرح المهذب\" (٢/ ٥٢٥).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٢١٣ رقم ٦٤٩).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٣١٢ رقم ١١٩٨)، والدارقطني (١/ ٢٢٠ رقم ٦٦)، والبيهقي (١/ ٣٤٣).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٤٢ رقم ٢٤٦): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\".\nوتعقَّبه الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٢٢٣) بقوله: وهذا من أوهامه، فإنه ظن أن سلامًا هذا=","vol":"1","page":386},{"text":"للنفساءِ أربعينَ يومًا إلَّا أنْ ترى الطُّهرَ قبلَ ذلكَ\"، وللحاكم (^١) مِنْ حديثِ عثمانَ بن أبي العاصِ: \"وقَّتَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - للنساءِ في نفاسهنَّ أربعينَ يومًا\".\nفهذهِ الأحاديثُ يعضدُ بعضُها بعضًا، وتدلُّ على أنَّ الدمَ الخارجَ عقيبَ الولادةِ حكمهُ يستمرُّ أربعينَ يومًا، تقعدُ فيهِ المرأةُ عن الصلاةِ وعنِ الصومِ، وإنْ لم يصرِّحْ بهِ الحديثُ فقدْ أفيدَ منْ غيرِهِ.\nوأفادَ حديثُ أنسٍ أنها إذا رأتِ الطهرَ قبلَ ذلكَ طهرتْ، وأنهُ لا حدَّ لأقلِّهِ.\n\nتمَّ بحمد الله المجلَّد الأول من\n\"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام\"\nولله الحمد والمنَّة\nويليه المجلَّد الثاني\nوأوله: (الكتاب الثاني)\nكتاب الصلاة\n(الباب الأول)\nبابُ المواقيت\n* * *\n_________\n= هو أبو الأحوص، وإنما هو الطويل كما في البيهقي، لكن رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن أنس مرفوعًا كما قال الحافظ.\nوخلاصة القول: أن حديث أنس ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ١٧٦).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٢٠ رقم ٧٠).\nوفيه: أبو بلال الأشعري وهو ضعيف. انظر: \"الميزان\" للذهبي (٤/ ٥٠٧ رقم ١٠٠٤٠).\nقلت: وفي الباب حديث عبد اللَّه بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأبي الدرداء، وأبي هريرة.\nانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الطهارة.","vol":"1","page":387},{"text":"[الكتاب الثاني] كتابُ الصَّلاةِ\n<span data-type='title' id=toc-275>[الباب الأول] بابُ المواقيتِ</span>\nالصلاةُ - لغةً - الدعاءُ، سميتْ هذهِ العبادةُ الشرعيةُ باسمِ الدعاءِ؛ لاشتمالها عليهِ، (والمواقيتُ) جمعُ ميقاتٍ، والمرادُ بهِ: الوقتُ الذي عيَّنهُ اللَّهُ لأداءِ هذهِ العبادةِ، وهوَ القدرُ المحدودُ للفعلِ منَ الزمانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-276>مواقيت الصلاة</span>\n١/ ١٤٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - أَنَّ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"وَقْتُ الظهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوسَطِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشمْسُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٧ رقم ١٧٣/ ٦١٢).\nقلت: وأخرجه أحمدُ في \"المسند\" (١/ ٢١٠)، والنسائي (١/ ٢٦٠ رقم ٥٢٢)، وأبو داود (١/ ٢٨٠ رقم ٣٩٦)، والطيالسي في \"المسند\" (رقم ٢٢٤٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، (١/ ١٥٠)، والبيهقي (١/ ٣٦٦)، وأبو عوانة في \"المسند\" (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠).","vol":"2","page":5},{"text":"(عَنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرِو [بن العاص] (^١) - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشمسُ) أي: مالتْ إلى جهةِ المغربِ، وهوَ الدلوكُ الذي أرادهُ - تعالى - بقولهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (^٢)، (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُل كَطُولِهِ) أي: ويستمرُّ وقتُها حتَّى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، فهذَا تعريفُ أول وقتِ الظهرِ وآخرهِ، فقولُهُ: \"وكان\" عطفٌ على زالتْ كما قرَّرنا، أي: ويستمرُّ وقتُ الظهرِ إلى صيْرورةِ ظلِّ الرجلِ مثله، (مَا لمْ يَحْضرْ وَقْتُ العَصْرِ) وحضورُهُ بمصيرِ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله كما يفيدهُ مفهومُ هذا، وصريحُ غيرهِ (وَوَقْتُ العَصْرِ) يستمرُّ (مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ). وقد عيَّن آخرَهُ في غيرهِ بمصيرِ ظلِّ الشيءِ مثليْهِ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْربِ) مِنْ عندِ سقوطِ قرصِ الشمسِ ويسمرُّ (ما لمْ يغِبِ الشَّفَقُ) الأحمر، [وتفسيرهُ بالحمرةِ سيأتي نصًّا] (^٣). (وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ) من غيبوبةِ الشفقِ، ويستمرُّ (إلى نِصْفِ اللَّيلِ الأَوْسَطِ)، المرادُ بهِ الأولُ. (وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ) أولُهُ (مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ)، ويستمرُّ (مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. رواهُ مسلمٌ)، وتمامهُ في مسلم: \"فإذا طَلَعتِ الشمسُ فأمسكْ عن الصلاةِ؛ فإنها تطلعُ بينَ قرني الشيطان\" (^٤).\nالحديثُ أفادَ تعيينَ [أكثر] (^٥) الأوقاتِ الخمسةِ أولًا وآخرًا، فأولُ وقتِ الظهرِ زوالُ الشمسِ، وآخرهُ مصيرُ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ. وذكرُ الرجلِ في الحديثِ تمثيلًا، وإذا صارَ كذلكَ فهوَ أولُ العصرِ، ولكنهُ يشاركهُ الظهرَ في قدرِ ما يتسعُ لأربعِ ركعاتٍ، فإنهُ يكونُ وقتًا لهما، كما يفيدُه حديثُ جبريل (^٦): فإنه صلَّى\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٧٨.\n(^٣) في (أ): \"يأتي تفسيره بالحمرة أيضًا\".\n(^٤) في (ب): \"شيطان\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٣٠)، والترمذي (١/ ٢٨١ رقم ١٥٠)، والنسائي (١/ ٢٥٥)، والدارقطني (١/ ٢٥٧ رقم ٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٩٥)، والبيهقي (١/ ٣٦٨) كلهم من حديث جابر بن عبد الله.\nوقال الترمذي: قال محمد - يعني البخاري - أصح شيء في المواقيت حديث جابر عن النبي - ﷺ -.\nوقال الحاكم هذا حديث صحيح مشهور. ووافقه الذهبي. ووافقهما الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٢٧١).\nقلت: إن الحديث صحيح. وانظر: \"نصب الراية\" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣). =","vol":"2","page":6},{"text":"بالنبيِّ - ﷺ - الظهرَ في اليومِ الأولِ بعدَ الزوالِ، وصلَّى بهِ العصرَ عندَ مصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ في الوقتِ الذي صلَّى فيهِ العصرَ اليومَ الأولَ. فدلَّ على أن ذلكَ وقتٌ يشتركُ فيهِ الظهرُ والعصرُ، وهذا هوَ الوقتُ المشتركُ وفيهِ خلافٌ، فمنْ أثبتهُ فحجتهُ ما سمعتَهُ، ومَنْ نفاهُ تأوَّلَ قولَهُ: \"وصلَّى بهِ الظهرَ في اليومِ الثاني حينَ صارَ ظلُّ الشيءِ مثلَهُ\"، بأنَّ معناهُ فرغَ منْ صلاةِ الظهرِ في ذلكَ الوقتِ وهوَ بعيدٌ. ثمَّ يستمرُّ وقتُ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ، وبعدَ الاصفرارِ ليسَ بوقتٍ للأداءِ بلْ وقتُ قضاءٍ، كما قالهُ أبو حنيفةَ [كذا في الشرح وغيره] (^١). وقيلَ: بلْ أداءٌ إلى بقيةٍ تَسَعُ ركعةً لحديثِ: \"منْ أدركَ ركعةً مِنَ العصرِ قبلَ أنْ تغيبَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ\" (^٢)، وأولُ وقتِ المغرب إذا وجبتِ الشمسُ، أيْ: غربتْ. كما وردَ عندَ الشيخينِ (^٣) وغيرِهما، وفي لفظٍ (^٤): \"إذا غربتْ\"، وآخرُه: ما لم يغبِ الشفقُ.\nوفيهِ دليلٌ على اتساعِ وقتِ المغربِ، وعارضهُ حديثُ جبريل\" فإنهُ صلَّى بهِ - ﷺ - المغربَ في وقتٍ واحدٍ في اليومينِ، وذلكَ بعدَ غروبِ الشمس، والجمعُ بينهمَا أنهُ ليسَ في حديثِ جبريلَ حصرٌ لوقتهمَا في ذلكَ؛ ولأنَّ أحاديثَ تأخيرِ المغربِ إلى غروب الشفقِ متأخرةٌ، فإنَّها في المدينةِ، وإمامةُ جبريلَ في مكةَ، فهي زيادةٌ تفضَّلَ اللَّهُ بها. لو قيلَ: إنَّ حديثَ جبريلَ دالٌّ على أنهُ لا وقتَ\n_________\n= قلت: وحديث إمامة جبريل رواه جماعة من الصحابة: منهم \"ابن عباس\" و\"أبو مسعود\" و\"أبو هريرة\" و\"عمرو بن حزم\" و\"أبو سعيد الخدري\" و\"أنس بن مالك\" و\"ابن عمر\".\nانظر تخريجها في: \"نصب الراية\" (١/ ٢٢١ - ٢٢٦)، و\"إرواء الغليل\" (١/ ٢٦٨ - ٢٧٠)، وكتابنا \"إرشاد الأمة .. \" جزء الصلاة.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٥٦ رقم ٥٧٩)، ومسلم (١/ ٤٢٤ رقم ١٦٣/ ٦٠٨)، وأبو داود (١/ ٢٨٨ رقم ٤١٢)، والترمذي (١/ ٣٥٣ رقم ١٨٦)، والنسائي (١/ ٢٥٧)، وابن ماجه (١/ ٣٥٦ رقم ١١٢٢)، ومالك (١/ ١٠ رقم ١٥)، وأحمد (٢/ ٢٥٤) وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٣) البخاري (٢/ ٤١ رقم ٥٦٠) و(٢/ ٤٧ رقم ٥٦٥)، ومسلم (١/ ٤٤٦ رقم ٢٣٣/ ٦٤٦) من حديث محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢/ ٤١ رقم ٥٦١)، ومسلم (١/ ٤٤١ رقم ٢١٦/ ٦٣٦)، وأبو داود (١/ ٢٩١ رقم ٤١٧)، والترمذي (١/ ٣٠٤ رقم ١٦٤).\nمن حديث سلمة بن الأكوع.","vol":"2","page":7},{"text":"لها إلَّا الذي صلَّى فيهِ. وأولُ العشاءِ غيبوبةُ الشفقِ [الأحمر] (^١) ويستمرُّ إلى نصفِ الليلِ (^٢)، وقد ثبتَ في الحديثِ التحديدُ لآخرهِ بثُلُثِ الليلِ (^٣)، لكنَّ أحاديثَ النصفِ صحيحةٌ فيجبُ العملُ بها، وأولُ وقتِ صلاةِ الصبح طلوعُ الفجرِ، ويستمرُّ إلى طلوعِ الشمسِ.\nفهذا الحديثُ الذي في مسلمٍ (^٤)، قدْ أفادَ أولَ كلِّ وقتٍ منَ الخمسةِ وآخرَه.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) • للحديث الذي أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٥)، وأبو داود في \"السنن\" (١/ ٢٩٣ رقم ٤٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦٨)، وابن ماجه (١/ ٢٢٦ رقم ٦٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٥١) من حديث أبي سعيد، قال: \"صلينا معَ رسولِ الله - ﷺ - صلاةَ العَتْمَةِ فلم يخرُجْ حتى مضى نَحْو شطر الليلِ، فقال: \"خذوا مقاعدكم\"، فأخذنا مقاعِدَنا فقال: \"إن الناسَ قد صَلُّوا وأخذُوا مضاجعَهُمْ، وإنكم لم تزالُوا في صلاةِ ما انتظرْتُم الصلاةُ، ولولا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وسَقَمُ السقيمِ لأخَّرْتُ هذِهِ الصلاةَ إلى شَطْرِ الليلِ\"، وهو حديث صحيح.\nوقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود وغيره.\n• وللحديث الذي أخرجه البخاري (٢/ ٥١ رقم ٥٧٢)، ومسلم (١/ ٤٤٣ رقم ٢٢٢/ ٦٤٠)، عن أنس قال: أخَّرَ النبيُّ - ﷺ - صلاةَ العِشاءِ إلى نصفِ الليل، ثم صلَّى ثم قال: \"قد صلَّى الناسُ وناموا، أما إنكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها\". واللفظ للبخاري.\n(^٣) للحديث الذي أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٣٣)، وأبو داود (١/ ٢٧٤ رقم ٣٩٣)، والترمذي (١/ ٢٧٨ رقم ١٤٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٧)، والدارقطني (١/ ٢٥٨ رقم ٦)، والحا كم (١/ ١٩٣)، والبيهقي (١/ ٣٦٤)، وابن خزيمة (١/ ١٦٨ رقم ٣٢٥) وغيرهم.\nعن ابن عباس قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"أمَّني جبريل - ﵇ - عند البيت مرتين .. وصلَّى بي العشاء إلى ثلث الليل … \"، وإسناده حسن.\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٩ رقم ١٧٨/ ٦١٤).\nعن أبي موسى عن رسولِ الله - ﷺ -: أَنَّهُ أَتَاهُ سائلٌ يسألُهُ عن مواقيتِ الصلاةِ؟ فلم يَرُدَّ عليهِ شيئًا. قال: فأقامَ الفجر حين انشقَّ الفجرُ، والناسُ لا يكادُ يَعْرِفُ بعضُهم بعضًا، ثم أمَرَهُ فأقامَ بالظهرِ حينَ زالتِ الشمسُ. والقائلُ يقولُ: قد انتصفَ النهارُ، وهو كانَ أعلمَ منهم، ثم أمرَهُ فأقامَ بالعصرِ والشمسُ مرتفعةٌ، ثم أمرهُ فأقامَ بالمغرب حينَ وقعتِ الشمسُ، ثم أمرَهُ فأقامَ العشاءَ حينَ غابَ الشفقُ، ثمَّ أخَّرَ الفجرَ من الغَدِ حتى انصرفَ منها، والقائلُ يقولُ: قد طَلَعَتِ الشمسُ أو كادتْ، ثم أخَّرَ الظُّهْرَ حتى كانَ قريبًا من وقتِ العصرِ بالأمسِ، ثم أخرَ العصرَ حتى انصرفَ منها، والقائلُ يقولُ: قد احمرَّتِ الشمسُ، ثم أخَّرَ المغربَ حتى كان عِنْدَ سُقُوطِ الشفقِ، ثم أخرَ العِشاءَ حتى كانَ ثُلُثُ الليلِ الأوَّلُ، ثم أصبحَ فدعا السائلَ فقال: \"الوقتُ بين هذين\".","vol":"2","page":8},{"text":"وفيه دليلٌ أن لوقتِ كلِّ صلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وهلْ يكونُ بعدَ الاصفرارِ وبعدَ نصفِ الليلِ وقتٌ لأداءِ العصرِ والعشاءِ أوْ لا؟ هذا الحديثُ يدلُّ على أنهُ ليسَ بوقتٍ لهما، ولكنَّ حديثَ: \"مَنْ أدركَ ركعةً منَ العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ فقدْ أدركَ العصرَ\" (^١)، فإنهُ يدلُّ على أن بعدَ الاصفرارِ وقتًا للعصرِ، وإنْ كانَ في لفظِ: \"أدركَ\" ما يشعرُ بأنهُ إذا كانَ تراخيهِ عن الوقتِ المعروفِ لعذرٍ أو نحوِهِ. ووردَ في الفجرِ مثلُهُ وسيأتي، ولم يردْ مثلُه في العشاءِ، ولكنهُ وردَ في مسلم (^٢): \"ليسَ في النومِ تفريطٌ، إنما التفريط على مَنْ لم يصلِّ الصلاةً حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى\"؛ فإنهُ دليلٌ على امتدادِ وقتِ كلِّ صلاةٍ إلى دخولِ وقتِ الأخْرى، إلا أنهُ مخصوصٌ بالفجرِ، فإنَّ آخرَ وقتِها طلوعُ الشمسِ، وليس بوقتٍ للتي بعدَها، وبصلاةِ العشاءِ فإنَّ آخرَه نصفُ الليلِ وليسَ وقتًا للتي بعدها. وقد قسمَ الوقتُ إلى اختياريٍّ واضطراريٍّ، ولم يقمْ دليلٌ ناهضٌ على غيرِ ما سمعتَ. وقد استوفينا الكلامَ على المواقيتِ في رسالةٍ بسيطةٍ سمَّيناها: \"اليواقيتُ في المواقيتِ\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مالك (١/ ١٠ رقم ١٥)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٥٤)، والبخاري (٢/ ٥٦ رقم ٥٧٩)، ومسلم (١/ ٤٢٤ رقم ١٦٣/ ٦٠٨)، وأبو داود (١/ ٢٨٨ رقم ٤١٢)، والترمذي (١/ ٣٥٣ رقم ١٨٦)، والنسائي (١/ ٢٥٧)، وابن ماجه (١/ ٣٥٦ رقم ١١٢٢) وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٤٧٢ رقم ٣١١/ ٦٨١) من حديث أبي قتادة.\nولفظه: \"أما إنهُ ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيءَ وقتُ الصلاةِ الأخرى … \".\nوأخرجه أبو داود (١/ ٣٠٧ رقم ٤٤١)، وابن الجارود (رقم ١٥٣)، والبيهقي (٢/ ٢١٦) مختصرًا بلفظِ: \"ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت أخرى\".\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٨)، والترمذي (١/ ٣٣٤ رقم ١٧٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٨ رقم ٦٩٨)، بلفظ: \"ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكرها\".\n(^٣) مخطوط/ جامع - ٥٠/ مجاميع.\nوقال الزركلي في \"الأعلام\" (٦/ ٣٨): مخطوطة بمكتبة عمر سميط تريم حضرموت رسالة.\nأعاننا الله على الحصول عليها من أجل خدمتها.","vol":"2","page":9},{"text":"٢/ ١٤١ - وَلَهُ (^١) مِنْ حَدِيثِ بُريْدَةَ في الْعَصْرِ: \"وَالشمْسُ بَيضَاءُ نَقِيَّةٌ\". [صحيح]\n(وَلَهُ) أي: لمسلم (مِنْ حديثِ بُرَيْدَةَ) (^٢) بضمِ الموحَّدةِ فراءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ [ساكنةٍ] (^٣) فدالٍ مهملةٍ فتاءِ تأنيثٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-277>ترجمة بُريدة</span>\nهو أبو عبد اللَّهِ، أو أبو سهلٍ، أو أبو الحصيبِ بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ، بضمِّ الحاءِ المهملةِ فصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فموحَدةٍ، الأسلميِّ. أسلمَ قبلَ بدرٍ ولمْ يشهدْها، وبايعَ بيعةَ الرِّضوانِ. سكنَ المدينةَ ثم تحولَ إلى البصرةِ، ثم خرجَ إلى خُراسانَ غازيًا، فماتَ بمروٍ زمن يزيدَ بن معاويةَ سنةَ اثنتينِ، أو ثلاثٍ وستينَ. (في العصر) أي: في بيانِ وقتِها. (والشمسُ بيضاءُ نقيةٌ) بالنونِ والقافِ ومثناةٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ، أي لم يدخلْها شيءٌ من الصفرةِ.\n٣/ ١٤٢ - وَمِنْ حَدِيثِ أَبي مُوسى: \"وَالشمْسُ مُرْتَفِعَة\". [صحيح]\n(وَمِنْ حَدِيث أبي مُوسى) أي: ولمسلم (^٤) منْ حديثِ أبي مُوسى (^٥).\n_________\n(^١) أي لمسلم في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٨ رقم ١٧٦/ ٦١٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٤٩)، والترمذي (١/ ٢٨٦ رقم ١٥٢)، والنسائي (١/ ٢٥٨)، وابن ماجه (١/ ٢١٩ رقم ٦٦٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم / ١٥١)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٤٨)، والدارقطني (١/ ٢٦٢ رقم ٢٥)، والبيهقي (١/ ٣٧١).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ٣٤٦ - ٣٦١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٤/ ٢٤١ - ٢٤٣) و(٧/ ٣٦٥)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٤١ رقم ١٩٧٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٢٤ رقم ١٦٨٤)، و\"معجم الطبراني\" (٢/ ١٩ - ٢٣ رقم ٩٩)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٩٨)، و\"الإصابة\" (١/ ٢٤١ رقم ٦٢٩)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ٤١ - ٤٣ رقم ٢١٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٧٠).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٩ رقم ٦١٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ٢٦٠ رقم ٥٢٣)، وأبو داود (١/ ٢٧٩ رقم ٣٩٥).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٦٧، ٢٧٠)، و\"أخبار القضاة\" (١/ ٢٨٣ - ٢٨٧)، و\"المستدرك\" (٣/ ٤٦٤ - ٤٦٧)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٧٩ - ٨١ رقم ٦٦٢١)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٥٨ - ٣٦٠)، و\"معرفة القراء\" (١/ ٣٩ - ٤٠ رقم ٦)، و\"تهذيب =","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-278>ترجمة أبي موسى</span>\nوهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ قيسٍ الأشعريُّ أسلمَ قديمًا بمكةَ، وهاجرَ إلى الحبشةِ، وقيلَ: رجعَ إلى أرضهِ ثمَّ وصلَ إلى المدينةِ معَ وصولِ [مهاجرِي] (^١) الحبشةِ. ولَّاهُ عمرُ بنُ الخطابِ البصرةَ بعدَ عزلِ المغيرةِ سنةَ عشرينَ، فافتتحَ أبو مُوسَى الأهوازَ، ولم يزلْ على البصرةِ إلى صدرِ خلافةِ عثمانَ، فعزلهُ فانتقلَ إلى الكوفةِ، وأقامَ بها ثم أقرَّهُ عثمانُ عاملًا على الكوفةِ إلى أن قتلَ عثمانُ. ثمَّ انتقلَ بعدَ أمرِ التحكيمِ إلى مكةَ، ولم يزلْ بها حتَّى ماتَ سنةَ خمسينَ، وقيلَ: بعدَها، ولهُ نيفٌ وستونَ سنةً. (والشمسُ مرتفعةٌ) أي: وصلَّى العصرَ وهي مرتفعةٌ لم تملْ إلى الغروبِ.\nوفي الأحاديثِ ما يدلُّ على المسارعةِ بالعصرِ، وأصْرحُ الأحاديثِ في تحديدِ أولِ وقتِها حديثُ جبريلَ (^٢) - ﵇ - أنهُ صلَّاها بالنبيِّ - ﷺ -، وظلُّ الرجلِ مثلُه، وغيرُه مِنَ الأحاديثِ كحديثِ بريدةَ، وحديثِ أبي موسى محمولةٌ عليهِ.\n٤/ ١٤٣ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ في أقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أبي بَرْزَةَ) (^٤) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الراءِ فزايٍ فهاءٍ.\n_________\n= التهذيب\" (٥/ ٣١٧ - ٣١٨ رقم ٦٢٥)، و\"الإصابة\" (٦/ ١٩٤ - ١٩٦ رقم ٤٨٨٩)، و\"الاستيعاب\" (٧/ ٣ - ٧ رقم ١٦٣٩).\n(^١) في (أ): \"مهاجرة\".\n(^٢) تقدم تخريجه من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث ابن عباس أثناء شرح الحديث رقم (١/ ١٤٠).\n(^٣) البخاري (٢/ ٢٦ رقم ٥٤٧)، ومسلم (١/ ٤٤٧ رقم ٦٤٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٨١ رقم ٣٩٨)، والنسائي (١/ ٢٤٦ رقم ٤٩٥).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (١١/ ٣٥ رقم ١٢٠) و(١٠/ ١٥٢ - ١٥٤ رقم ٨٨١٠)، =","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-279>ترجمة أبي برزة</span>\nاسمُهُ نَضْلةُ، بفتحِ النونِ فضادٍ ساكنةٍ معجمةٍ، ابنُ عبيدٍ، وقيلَ: ابنُ عبدِ اللَّهِ، أسلمَ قديمًا وشهدَ الفتحَ، ولم يزلْ يغزو معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حتَّى تُوُفيَ - ﷺ -، فنزلَ بالبصرةِ، ثمَّ غزا خراسانَ، وتوفيَ بمروٍ، وقيلَ: بغيرِها سنةَ ستينَ. (الأسلميِّ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلِّي العصرَ، ثمَّ يرجعُ أحدُنا) أي: بعدَ صلاتِهِ (إلى رَحْلِهِ) بفتحِ الراءِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وهو مسكنهُ (في أقصى المدينةِ) حالٌ منْ رَحْلِهِ، وقيلَ: صفةٌ لهُ. (والشمسُ حيَّةٌ) أي: يصلُ إلى رحلِهِ حالَ كونها حيةً، أي بيضاءَ قويةَ الأثرِ حرارةً ولونًا وإنارةً. (وكانَ يستحبُّ أنْ يؤخرَ [منْ] (^١) العشاءِ)، لم يبينْ إلى متَى، وكأنهُ يريدُ مطلقَ التأخيرِ، وقد بينهُ غيرُهُ منَ الأحاديثِ، (وكانَ يكرة النومَ قبلَها) لئلَّا يستغرقَ النائمُ فيهِ حتَّى يخرجَ اختيارُ وقتِها. (والحديثَ) التحادثَ معَ الناسِ (بَعْدَهَا) [فينامُ] (^٢) عَقِبَ تكفيرِ الخطيئةِ بالصلاةِ؛ [فتكون] (^٣) خاتمةَ عملِهِ؛ ولئلا يشتغلَ بالحديثِ عنْ قيامِ آخرِ الليلِ، إلَّا أنَّهُ قد ثبتَ أنهُ - ﷺ - كان يسْمُرُ [معَ] (^٤) أبي بكرٍ في أمرِ المسلمينَ، (وكانَ ينفتلُ) بالفاءِ فمثناةٍ بعدَها فوقيةٍ مكسورةٍ، أي: يلتفتُ إلى مَنْ خلفَهُ أو ينصرفُ (منْ صلاةِ الغَدَاةِ) الفجرِ (حينَ يَعْرِفُ الرجُلُ جَلِيسَهُ) أي: بضوءِ الفجرِ؛ لأنهُ كانَ مسجدُهُ - ﷺ - ليسَ فيهِ مصابيحُ، وهوَ يدلُّ [على] (^٥) أنهُ كانَ يدخلُ فيها والرجلُ لا يَعْرفُ جلِيسَهُ، وهوَ دليلُ التبكير بها، (وكانَ يقرأُ بالستينَ إلى المائةِ)؛ يريدُ أنهُ إذا اختصرَ قرأ بالستين في صلاتِهِ في الفجرِ، وإذا طوَّلَ فإلى المائةِ منَ الآياتِ (متفقٌ عليهِ). فيهِ ذكر [وقت] (٥) صلاةِ العصرِ، والعشاءِ، والفجرِ منْ دونِ تحديدٍ للأوقاتٍ، وقدْ سبقَ في الذي مضَى ما هُوَ أصرحُ وأشملُ.\n_________\n= و\"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٩٥ - ٢٦٩ رقم ٢٦٠٩)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ١٧٩ - ١٨٠ رقم ٢٨٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٣ رقم ٩٩)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٢١)، و\"الكنى والأسماء\" (١/ ١٩)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ٣٢ - ٣٣ رقم ١٣٠)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" (٢/ ٥٣٤ رقم ٢٠٧٩).\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"لينام\".\n(^٣) في (أ): \"وتكون\".\n(^٤) في (أ): \"عند\".\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"2","page":12},{"text":"٥/ ١٤٤ - وَعِنْدَهُمَا (^١) مِنْ حديثِ جَابِرٍ: وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا؛ إِذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَأُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصَلِّيهَا بغَلَسٍ. [صحيح]\n(وَعِنْدَهُمَا) أي: الشيخينِ، المدلولِ عليهما بقوله: متفقٌ عليهِ (مِنْ حديثِ جابرٍ: والعِشَاءَ أحيانًا يقدِّمها) أولَ وقتِها (وأحيانًا يؤخِّرُهَا) عنهُ كما فصَّلهُ قولهُ: (إذا رآهمْ) أي: الصحابةَ (اجتمعُوا) في أولِ وقتِها (عجَّلَ) رفقًا بهمْ، (وإذا رآهم أبطأوا) عنْ أولهِ (أخَّرَ) مراعاةً [لما هوَ] (^٢) الأرفقُ بهمْ، وقدْ ثبتَ (^٣) عنهُ أنهُ لولًا خوفُ المشقةِ عليهمْ لأخَّرَ بِهِمْ، (والصبحَ كانَ النبيُّ - ﷺ - يصليها بغَلسٍ) الغَلَسُ - محركةً - ظلمةُ آخِرِ الليلِ، كما في القاموسِ (^٤)، وهوَ أولُ الفجرِ، ويأتي ما يعارضهُ في حديث رافعِ بن خديْج.\n\n<span data-type='title' id=toc-280>التغليس بالفجر</span>\n٦/ ١٤٥ - وَلمُسْلِمٍ (^٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [صحيح]\n(ولمسلمٍ) وحدَه (منْ حديثِ أبي موسى: فأقامَ الفجرَ حينَ انشقَّ الفجرُ، والناسُ لا يكادُ يعرفُ بعضُهم بعضًا)، وهوَ كما أفادهُ الحديثُ الأولُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>الحثُّ على المسارعة بصلاة المغرب</span>\n٧/ ١٤٦ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ\n_________\n(^١) أي: البخاري (٢/ ٤١ رقم ٥٦٠)، ومسلم (١/ ٤٤٦ رقم ٢٣٣/ ٦٤٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في الحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد (٣/ ٥)، وأبو داود (١/ ٢٩٣ رقم ٤٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦٨)، وابن ماجه (١/ ٢٢٦ رقم ٦٩٣)، والبيهقي (١/ ٤٥١) من حديث أبي سعيد قال: صلينا مع رسول اللَّهِ - ﷺ - صلاة العَتمة … فقال: … ولولا ضَعْفُ الضعيفِ، وسَقَمُ السقيمِ، لأخَّرتُ هذ الصلاةَ إلى شطرِ الليل\"، وقد تقدم.\n(^٤) \"المحيط\" (ص ٧٢٣).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٩ رقم ٦١٤)، وقد تقدَّم تخريجه في الحديث (رقم ٣/ ١٤٢).","vol":"2","page":13},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصرُ مَوَاقِع نَبْلِهِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ رافعِ بن خَدِيجٍ) (^٢) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وكسرِ الدالِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فجيمٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-282>ترجمة رافع بن خديج</span>\nورافعٌ هوَ: أبو عبدِ اللَّهِ، ويقالُ: أبو خديجٍ الخزرجيُّ الأنصاريُّ الأوسيُّ منْ أهلِ المدينةِ، تأخرَ عن بدرٍ لصغرِ سنِّه، وشهدَ أُحُدًا وما بعدَها، أصابهُ سهمٌ يومَ أُحدٍ فقالَ لهُ النبيُّ - ﷺ -: \"أنا أشهدُ لكَ يومَ القيامةِ\" (^٣)، وعاشَ إلى [زمان] (^٤) عبدِ الملكِ بن مروانَ، ثمَّ انقضتْ جراحتُه فماتَ سنةَ ثلاثٍ أو أربعٍ وسبعينَ، ولهُ ستٌّ وثمانونَ سنةً، وقيل: [ومائة] (^٥)، زمن يزيدَ بن معاويةَ.\n_________\n(^١) البخاري (٢/ ٤٠ رقم ٥٥٩)، ومسلم (١/ ٤٤١ رقم ٢١٧/ ٦٣٧).\nقلت: وأخرجه أبو عوانة (١/ ٣٦١).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٩٩ رقم ١٠٢٤)، و\"المعارف\" (٣٠٦ - ٣٠٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٧٩ رقم ٢١٥٠)، و\"المستدرك\" (٣/ ٥٦١ - ٥٦٢)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ١٨٦) و\"العبر\" (١/ ٦١) و\"البداية والنهاية\" (٩/ ٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، و\"المطالب العالية\" (٤/ ١١٠ رقم ٤٠٩٣)، و\"معجم الطبراني الكبير\" (٤/ ٢٣٨ - ٢٨٨ رقم ٤٢١)، و\"الكامل في التاريخ\" (٢/ ١٣٦، ١٥١) و(٣/ ١١٥، ١٩١) و(٤/ ٣٦٤)، و\"تاريخ الطبري\" (١/ ٥٥٦، ٥٥٨، ٥٧٠).\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٧٨) من طريق عمرو بن مرزوق، عن يحيى بن عبد الحميد بن رافع بن خديج، أخبرتني جدتي امرأة رافع أن رافعًا رمى مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد أو يوم خيبر - قال: أنا أشك - بسهم في ثنْدُوَتهِ، فأتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله انزع السهم، قال: يا رافع إن شئتَ نزعتُ السهم والقُطْبَةَ جميعًا، وإن شئتَ نزعتُ السهمَ وتركتُ القُطْبَةَ وشَهِدْتُ لك يوم القيامةِ أنكَ شهيدٌ، قال: يا رسول الله بل انزع السهم واترك القطبة واشهد لي يوم القيامة أني شهيد، قال: فنزع رسول الله - ﷺ - السهم وترك القطبة.\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤/ ٢٣٩ رقم ٤٢٤٢)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٤٥ - ٣٤٦) وقال: امرأة رافع إن كانت صحابية وإلا فإني لم أعرفها وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) في (أ): \"زمن\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"2","page":14},{"text":"(قالَ: كنَّا نصلِّي المغربَ معَ النبيِّ - ﷺ -، فينصرفُ أحدُنا، وإنهُ ليبصرُ مواقعَ نَبْلِهِ)، بفتحِ النونِ وسكونِ الموحدةِ، وهي السهامُ العربيةُ، لا واحدَ لها منْ لفظِها، وقيلَ: واحدُها نَبْلَةٌ كتمرٍ وتمرةٌ (مُتفقٌ عليه).\nوالحديثُ فيهِ دليلٌ على المبادرةِ بصلاةِ المغربِ بحيثُ ينصرفُ مِنْهَا والضوءُ باقٍ، وقدْ كثرَ الحثُّ على المسارعةِ بهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-283>أفضل وقت العشاء آخره</span>\n٨/ ١٤٧ - وَعَنْ عَائِشةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبيُّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، وَقَالَ: \"إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي\".\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالتْ: أَعْتَمَ) بفتحِ الهمزة وسكونِ العينِ المهملةِ فمثناةٍ فوقيةٍ مفتوحةٍ، يقالُ: أعتمَ إذا دخلَ في العَتَمَةِ، والعتَمَةُ محركةً: ثلثُ الليلِ الأولِ بعدَ غيبوبةِ الشَّفَقِ، كما في القاموسِ (^٢)، (رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ بالعشاءِ) [أيْ] (^٣): أخَّرَهَا (حتى ذَهَبَ عامةُ الليلِ) كثيرٌ منهُ لا أكثرُهُ، (ثمَّ خرجَ فصلَّى، وقالَ: إنهُ لوقْتُها) أي: المختارُ والأفضلُ (لولا أنْ أشقَّ على أمتي) أي: لأخَّرْتُها إليهِ. (رواهُ مسلمٌ).\nوهوَ دليلٌ على أن وقتَ العشاءِ ممتدٌّ، وأنَّ آخرَهُ أفضلُهُ، وأنهُ - ﷺ - كانَ يراعي الأخفَّ على الأمةِ، [وأنه] (^٤) تركَ الأفضلَ وقتًا. وهي بخلافِ المغربِ فأفضلُهُ أولُه، وكذلكَ غيرُه إلَّا الظهرَ أيام [شدَّة] (^٥) الحرِّ، كما يفيدُه [الحديث التاسع] (٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-284>الإبرادُ بالظهر</span>\n٩/ ١٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا اشْتَدَّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٤٤٢ رقم ٢١٩/ ٦٣٨).\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ٢٦٧ رقم ٥٣٦)، وأحمد (٦/ ١٥٠)، والبيهقي (١/ ٣٧٦، ٤٥٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٥٥٧ رقم ٢١١٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) \"المحيط\" (ص ١٤٦٥).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"وإن\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"2","page":15},{"text":"الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، فَإِن شدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَّنَمَ\" [صحيح]\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\n(وَعَنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْرِدُوا) بهمزةٍ مفتوحةٍ مقطوعةٍ وكسرِ الراءِ (بالصَّلاةِ) أي: صلاةِ الظهرِ؛ (فإنَّ شدةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) بفتحِ الفاءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فحاءٍ مهملةٍ، أي: سعةِ انتشَارِهَا وتنفسِها، (متفقٌ عليهِ). يقالُ: أبردَ إذَا دخلَ في وقتِ البردِ، كأظهرَ إذا دخل في [وقتِ] (^٢) الظهرِ، كمَا يُقَالُ: أنجدَ وأتهمَ إذا بلغَ نجدًا وتهَامةَ، ذلكَ في الزمانِ وهذَا في المكانِ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الإبرادِ بالظهرِ عندَ شدةِ الحرِّ؛ لأنهُ الأصلُ في الأمر، وقيلَ: إنهُ للاستحبابِ. وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وظاهرُهُ عامٌّ للمنفردِ والجماعةِ، والبلدِ الحارِّ وغيرِهِ، وفيهِ أقوالٌ غيرُ هذِهِ. وقيلَ: الإبرادُ سُنَّةٌ، والتعجيلُ أفضلُ؛ لعمومِ أدلةِ فضيلةِ أولِ الوقتِ، وأجيبَ بأنَّها عامةٌ مخصوصةٌ بأحاديثِ الإبرادِ، وعُورِضَ حديثُ الإبرادِ بحديثِ خبَّابٍ: \"شَكَوْنَا إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حرَّ الرَّمْضَاءِ في جباهِنَا وأكُفِّنَا فلمْ يُشْكِنَا\"، أي: لمْ يُزِلْ شكوانَا.\nوهوَ حديثٌ صحيحٌ رواهُ مسلمٌ (^٣). وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ: أحسنُها بأنَّ الذي\n_________\n(^١) البخاري (٢/ ١٥ رقم ٥٣٣ - ٥٣٤) و(١/ ١٨ رقم ٥٣٦)، ومسلم (١/ ٤٣٠ رقم ١٨٠/ ٦١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٨٤ رقم ٤٠٢)، والترمذي (١/ ٢٩٥ رقم ١٥٧)، والنسائي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، وابن ماجه (١/ ٢٢٢ رقم ٦٧٧)، وابن الجارود (رقم ١٥٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار\" (١/ ١٨٦)، وابن خزيمة (١/ ١٧٠ رقم ٣٢٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٧٤)، والبيهقي (١/ ٤٣٧)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٣٤٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٠٤ رقم ٣٦١)، والدارمي (١/ ٢٧٤)، وأحمد (٢/ ٢٣٨)، والطبراني في \"الصغير\" (١/ ٢٣٦ رقم ٣٨٤) عنه.\nوفي الباب عن جماعة وقد عُدَّ متواترًا.\nانظر: \"قطفُ الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة\" للسيوطي (ص ٧٥ - ٧٧ رقم ٢٤)، و\"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" للكتاني (ص ٥٦ رقم ٦٢).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٣٣ رقم ١٨٩/ ٦١٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"المسند\" (ص ١٤١ رقم ١٠٥)، وأحمد في \"المسند\"=","vol":"2","page":16},{"text":"شكوهُ شدةُ الرمضاءِ في الأكفِّ والجباهِ، وهذهِ لا تذهبُ عن الأرضِ إلَّا آخرَ الوقتِ أوْ بعدَ آخرِهِ، ولذَا قالَ لهمْ - ﷺ -: \"صلُّوا الصلاةَ لوقتِها\"، كما ذلكَ ثابتٌ في روايةِ خبابٍ هذهِ بلفظِ: \"فلمْ يشكنا\"، وقال: \"صَلُّوا الصَلاةَ لوقْتِها\"، رواها ابنُ المنذرِ؛ فإنهُ دالٌّ [على] (^١) أنَّهمْ طلبوا تأخيرأ زائدًا عنْ وقتِ الإبرادِ، فلا يعارضُ حديثَ الأمرِ بالإبرادِ، وتعليل الإبرادِ بأنَّ شدةَ الحرِّ منْ فيحِ جهنمَ، يعني: وعندَ شدَّتِه يذهبُ الخشوعُ الذي هوَ روحُ الصلاةِ، وأعظمُ المطلوبِ منْها.\nقيلَ: وإذا كانَ العلةُ ذلكَ فلا يُشْرعُ الإبرادُ في البلادِ الباردةِ. وقالَ ابنُ العربيِّ في القبسِ: ليسَ في الإبرادِ تحديدٌ، إلَّا ما وردَ في حديثِ ابن مسعودٍ - يعني الذي أخرجهُ أبو داودَ (^٢)، والنسائيُّ (^٣)، والحاكمُ (^٤) مِنْ طريقِ الأسودِ عنهُ -: \"كانَ قَدْرُ صلاةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - الظُّهْرَ في الصيفِ ثَلاثَة أقدامٍ إلى خمسةِ أقدامٍ، وفي الشتاءِ خمسةَ أقدامٍ إلى سبعةِ أقدامٍ\"، ذكرهُ المصنفُ في \"التلخيص\" (^٥). وقد بيَّنَّا ما فيهِ، وأنهُ لا يتمُّ بهِ الاستدلالُ في المواقيتِ، وقد عرفتَ أن حديثَ الإبرادِ يخصِّصُ فضيلةَ صلاةِ الظهرِ في أولِ وقتِها بزمانِ شدةِ الحرِّ، كما قيلَ: إنهُ مخصصٌ [بالفجر] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-285>الإسفار بالفجر</span>\n١٠/ ١٤٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأجُورِكُمْ\". [صحيح]\n_________\n= (٥/ ١٠٨)، والنسائي (١/ ٢٤٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٢ رقم ٦٧٥)، والبيهقي (١/ ٤٣٨)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٣٤) من حديث خَبَّاب.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٨٢ رقم ٤٠٠).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٥٠ رقم ٥٠٣).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٨٢).\n(^٥) (١/ ١٨٢).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣ رقم ٣٦٠). وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٦) في (أ): \"في الفجر\".","vol":"2","page":17},{"text":"رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣).\n(وَعَنْ رَافِعِ بن خَديجٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أصْبِحُوا بالصُّبْحِ) وفي رواية: \"أسفِروا\"؛ (فإنهُ أعظمُ لأجورِكُم. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ) وهذا لفظُ أبي داودَ، وبهِ إحتجتِ الحنفيةُ على تأخيرِ الفجرِ إلى الإسفارِ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ استمرارَ صلاتِهِ - ﷺ - بِغَلَسٍ، وبما أخرجَ أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ أنسٍ: \"أنهُ - ﷺ - أسفرَ بالصبحِ مرةً، ثمَّ كانتْ صلاتُهُ بعدُ بغلسٍ حتى ماتَ\"، يُشعرُ بأنَّ المرادَ بأصْبِحُوا غيرُ ظاهرِهِ، فقيلَ: [إن] (^٥) المرادَ بهِ تحققُ طلوعِ الفجرِ، وأنَّ أعظمَ ليسَ للتفضيلِ. وقيل: [المرادُ] (^٦) بهِ إطالةُ القراءةِ في صلاةِ الصبحِ حتى يخرجَ منها مُسْفِرًا. وقيلَ: المرادُ بهِ الليالي المقمرةُ، فإنهُ لا يتضحُ أولُ الفجرِ معهَا؛ لغلبةِ نورِ القمرِ لنورِه، أوْ أنهُ فعلهُ - ﷺ - مرةً واحدةً لعذرٍ، ثمَّ استمرَّ على خلافهِ،\n_________\n(^١) وهم أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٦٥)، وأبو داود (١/ ٢٩٤ رقم ٤٢٤)، والترمذي (١/ ٢٨٩ رقم ١٥٤)، والنسائي (١/ ٢٧٢)، وابن ماجه (١/ ٢٢١ رقم ٦٧٢).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٩٠).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٣/ ٢٣ رقم ١٤٨٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"المسند\" (ص ١٢٩ رقم ٩٥٩)، والدارمي (١/ ٢٧٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٧٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٤)، وفي \"ذكر أخبار أصبهان\" (٢/ ٣٢٩)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٤٠٨ رقم ٤٥٨)، والبيهقي (١/ ٤٥٧)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٤٥)، وغيرهم، وهو حديث صحيح.\nوقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٥٨) وأجاد وأفاد في الكلام عليه.\n(^٤) لم أجده في \"سنن أبي داود\" من حديث أنس، واللَّه أعلم.\nبل أخرجه أبو داود في \"السنن\" (١/ ٢٧٨ رقم ٣٩٤) من حديث أبي مسعود الأنصاري يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"نزل جبريل - ﷺ - فأخبرني بوقتِ الصلاةِ، فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه\"، يحسب بأصابعه خمس صلوات، فرأيت رسول الله - ﷺ - صلَّى الظهر حين تزول الشمس، وربما أخَّرها حين يشتد الحر، .. وصلَّى الصبح مرةً بغَلس ثم صلَّى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات ولم يعد إلى أن يسفر\". وأخرجه البخاري (٣/ ٢ رقم ٥٢١)، والنسائي (١/ ٢٤٥ رقم ٤٩٤)، وابن ماجه (١/ ٢٢٠ رقم ٦٦٨) مختصرًا.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"أراد\".","vol":"2","page":18},{"text":"كما [يفيده] (^١) حديثُ أنسٍ. وأما الردُّ على حديثِ الإسفارِ بحديثِ عائشة (^٢) عندَ ابن أبي شيبةَ وغيرِهِ بِلفظِ: \"ما صلَّى النبيُّ - ﷺ - الصلاةَ لوقتِها الآخَرِ حتى قبضهُ اللَّهُ\"، فليس بتامٍ؛ لأنَّ الإسفارَ ليسَ آخرَ وقتِ صلاةِ الفجرِ، بلْ آخرُهُ ما يفيدُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-286>من أدرك من الصبح أو العصرِ ركعة فقد أدركها</span>\n١١/ ١٥٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ رَكْعَةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ)، أي: وأضافَ إليها أخرَى بعدَ طلوعِها، (فقدْ أدركَ الصبحَ) ضرورةَ أنهُ ليسَ المرادُ مَنْ صلَّى ركعةً فقطْ. والمرادُ فقدْ أدركَ صلاتَهُ أداءً لوقوعِ ركعةٍ في الوقتِ، (ومنْ أدركَ ركعةً من العصرِ) ففعلَها (قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ فقدْ أدركَ العصرَ)، وإنْ فعلَ الثلاثَ بعدَ الغروبِ، (متفقٌ عليهِ). وإنما حملْنا الحديثَ على ما ذكرناهُ منْ أن المرادَ الإتيانُ بالركعةِ بعدَ الطلوعِ، وبالثلاثِ بعدَ الغروبِ\n_________\n(^١) في (أ): \"أفاده\".\n(^٢) • أخرجه الحاكم (١/ ١٩٠)، والدارقطني (١/ ٢٤٩ رقم ١٨): من طريق الليث، عن أبي النضر، عن عمرة، عن عائشة قالت: ما صلَّى رسول اللَّهِ - ﷺ - الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله.\nقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n• وأخرجه الحاكم (١/ ١٩٠)، والدارقطني (١/ ٢٤٩ رقم ١٧): من طريق الليث، عن خالد بن يزيد عن سعيد بن هلال عن إسحاق بن عمر عن عائشة - ﵂ - قالت: \"ما صلَّى رسول اللَّهِ - ﷺ - الصلاة لوقتها الآخر مرتين حتى قبضه الله\".\nوفي سنده: إسحاق بن عمر، عن عائشة، تركه الدارقطني [\"الميزان\" (١/ ١٩٥)].\n(^٣) البخاري (٢/ ٥٦ رقم ٥٧٩)، ومسلم (١/ ٤٢٤ رقم ١٦٣/ ٦٠٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٢٨٨ رقم ٤١٢)، والترمذي (١/ ٣٥٣ رقم ١٨٦)، والنسائي (١/ ٢٥٧)، وابن ماجه (١/ ٣٥٦ رقم ١١٢٢)، ومالك (١/ ١٠ رقم ١٥)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٥٤) وغيرهم.","vol":"2","page":19},{"text":"للإجماعِ على أنهُ ليسَ المرادُ مَنْ أَتَى بركعةٍ فقطْ من الصلاتينِ صارَ مدرِكًا لهما. وقدْ وردَ في الفجرِ صريحًا في روايةِ البيهقي (^١) بلفظ: \"مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ، وركعة بعدَ أنْ تطلعَ [الشمسُ] (^٢)، فقدْ أدركَ الصلاةَ\"، وفي روايةٍ (^٣): \"مَنْ أدركَ مِنَ الصبحِ ركعةً قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ فليصلِّ إليها أخْرى\"، وفي العصر مِنْ حديثِ أبي هريرةَ (^٤) بلفظِ: \"مَنْ صلَّى مِنَ العصرِ ركعةً قبلَ أنْ تغربَ الشمسُ ثمَّ صلَّى ما بقيَ بعدَ غروبِها لم يفُتْهُ العصرُ\". والمرادُ مِنَ الركعةِ الإتيانُ بها بواجباتِها منَ [قراءةِ] (^٥) الفاتحةِ، واستكمالِ الركوعِ والسجودِ. وظاهرُ الأحاديثِ أنّ الكلَّ أداءٌ، وأنَّ الإتيان ببعضِها قبلَ خروج الوقتِ ينسحبُ حكمهُ على ما بعدَ خروجهِ، فضلًا مِنَ اللَّهِ، ثمَّ مفهومُ ما ذُكِرَ أَنهُ مَنْ أدركَ دونَ ركعةٍ لا يكونُ مُدْرِكًا للصلاةِ، إلَّا أن الحديث الثاني عشر وهو قوله:\n١٢/ ١٥١ - وَلِمُسْلِمٍ (^٦) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - نَحْوَهُ، وَقَالَ: \"سَجْدَةً\" بَدَلَ \"ركعةً\". ثُمَّ قَالَ: وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ. [صحيح]\n(وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - نحوُهُ وقالَ: \"سجدةٍ\" بدلَ \"ركعة\")؛ فإنهُ ظاهرٌ أن مَنْ أدركَ سجدةً صارَ مُدْرِكًا للصلاةِ، إلَّا أن قولَه (ثمَّ قَالَ) أي الراوي، ويحتملُ أنهُ النبيُّ - ﷺ -: (والسجدةُ إنَّما هيَ الركعةُ) يدفعُ أنْ يرادَ بالسجدةِ نفسُها؛ لأنَّ هذَا التفسيرَ إنْ كانَ مِنْ كلامِه - ﷺ - فلا إشكالَ، وإنْ كانَ منْ كلامِ الراوي فهوَ أعرفُ بمَا رَوَى. وقالَ الخطابيُّ: المرادُ بالسجدةِ الركعةُ بسجودِهَا وركوعِها، والركعةُ إنَّما تكونُ تامةً بسجودِها، فسمِّيتْ على هذَا المعنى سجدةً اهـ. ولو بقيتِ السجدةُ على بابِها لأفادتْ أن مَنْ أدركَ ركعةً بإحدى سجدتيْها صارَ مُدْرِكًا، وليسَ بمرادٍ لورودِ سائرِ الأحاديثِ بلفظِ الركعةِ، فتُحملُ روايةُ السجدةِ عليها فيبقى مفهومُ مَنْ أدركَ ركعةً سالمًا عما يعارضُه. ويحتملُ أن من أدركَ سجدةً فقدْ صارَ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧٩).\n(^٤) أخرجه أبو عوانة (١/ ٣٥٨).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢٤ رقم ١٦٤/ ٦٠٩).","vol":"2","page":20},{"text":"مدرِكًا للصلاةِ كمنْ أدركَ ركعةً، ولا يُنافي ذلكَ ورودُ مَنْ أدركَ ركعةً لأنَّ مفهومَه غيرُ مرادٍ بدليلِ: \"مَنْ أدركَ سجدةً\"، ويكُونُ اللَّهُ تعالى قدْ تفضَّلَ فجعلَ مَنْ أدركَ سجدة مُدْرِكًا كمنْ أدركَ ركعة، ويكونُ إخبارُهُ - ﷺ - بإدراكِ الركعةِ قبلَ أنْ يعلِّمهُ اللَّهُ جعلَ منْ أدركَ السجدةَ مدركًا للصلاةِ، فلا يردُّ أنهُ قدْ علمَ أن مَنْ أدركَ الركعة فقدْ أدركَ الصلاةَ بطريقِ الأَوْلَى. وأما قولُهُ: والسجدةُ إنَّما هي الركعةُ، فهوَ محتملٌ أنهُ مِنْ كلامِ الراوي، وليس بحجةٍ، وقولُهم: تفسيرُ الراوي مقدَّمٌ، كلامٌ أغلبيٌّ، وإلَّا فحديثُ: \"فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعَى مِنْ سامعٍ\" (^١)، وفي لفظ: \"أفقهُ\" (^٢)، يدلُّ على أنهُ يأتي بعدَ السلفِ مَنْ هوَ أفقهُ منْهم. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أن مَنْ أدركَ الركعةَ مِنْ صلاةِ الفجرِ، أو العصرِ، لا تكرهُ الصلاةُ في حقهِ عندَ طلوعِ الشمس وعندَ غروبها، وإنْ كانا وقتيْ كراهةٍ، ولكنْ في حقِّ المتنفِّلِ فقطْ، وهوَ الذي أفادهُ الحديث الثالث عشر وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-287>بيان الأوقات التي تكره فيها الصلاة</span>\n١٣/ ١٥٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ \"لا صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمْسُ، وَلا صَلاةَ بَعْدَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٧ - مع التحفة) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ٨٥ رقم ٢٣٢)، وأحمد (١/ ١٦٦ - \"الفتح الرباني\") من حديث ابن مسعود.\nقلت: مدار حديث ابن مسعود في كل طرقه على أبنه: عبد الرحمن، وهو مدلس من المرتبة الثالثة، ولم يصرِّح بالسماع. ولكن يشهد له: حديث زيد بن ثابت الذي أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٥ - مع التحفة) وقال: حديث حسن.\nوأبو داود (١٠/ ٩٤ - مع العون)، وأحمد (١/ ١٦٤ - \"الفتح الرباني\")، وابن ماجه (١/ ٨٤ رقم ٢٣٠).\nوكذلك يشهد له: حديث جبير بن مطعم الذي أخرجه أحمد (١/ ١٦٥ - \"الفتح الرباني\")، وابن ماجه (١/ ٨٥ رقم ٢٣١).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح لغيره. وقد صحَّحه الترمذي والألباني في \"صحيح الجامع\" (٦/ ٢٩ رقم ٦٦٤٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٥ - مع التحفة) وقال: حديث حسن، وأبو داود (١٠/ ٩٤ - مع العون)، وأحمد (١/ ١٦٤ - (الفتح الرباني\")، وابن ماجه (١/ ٨٤ رقم ٢٣٠) من حديث زيد بن ثابت وقد تقدم آنفًا.","vol":"2","page":21},{"text":"الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، ولفظ مسلم: \"لا صلاة بعد صلاة الفجر\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: (لا صَلاةَ) أي نافلةً (بعدَ الصُّبْحِ)، أي صلاتُه أو زمانهُ (حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بعدَ العَصْرِ) أيْ صلاتُهُ أو وقتُه (حتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ. مُتفقٌ عليهِ. ولفظُ مسلمٍ: لا صلاةَ بعدَ صلاة الفجرِ). فعينت المرادَ مِنْ قولِهِ: بعد الفجرِ، فإنهُ يحتملُ ما ذكرْناهُ كما وردَ في روايةِ: \"لا صلاةَ بعدَ صلاةَ العصرِ\"، نسبَها ابنُ الأثيرِ إلى الشيخينِ، وفي روايةٍ: \"لا صلاةَ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلا ركعتي الفجرِ\" (^٢)، ستأتي. فالنفيُ قدْ توجهَ إلى ما بعدَ فعلِ صلاةِ الفجرِ، وفعلِ صلاةِ العصرِ، ولكنهُ بعدَ طلوعِ الفجرِ لا صلاةَ إلَّا [نافلتَهُ] (^٣) فقطْ. وأما بعدَ دخولِ العصرِ فالظاهرُ إباحةُ النافلةِ مطلقًا ما لم يصلِّ العصرَ، وهذا نفيٌ للصلاةِ الشرعيةِ، [لا الحسية] (^٤)؛ وهوَ في معنى النهي والأصلُ فيهِ التحريمُ، فدلَّ على تحريمِ النفلِ في هذينِ الوقتينِ مطلقًا. والقولُ بأنَّ ذاتَ السببِ تجوزُ كتحيةِ المسجدِ مثلًا وما لا سببَ لها لا تجوزُ، قدْ بينَّا أنهُ لا دليلَ عليهِ في حواشي شرح العمدةِ (^٥)، وأما صلاتُهُ - ﷺ - ركعتينِ بعدَ [صلاةِ] (^٦) العصرِ في منزلهِ كما أخرجهُ البخاريُّ (^٧) منْ حديثِ عائشةَ: \"ما تركَ السجدتينِ بعدَ العصرِ عندي قطٌّ\"، وفي لفظٍ (^٨): \"لم يكن يدعُهُمَا سِرًّا ولا عَلانِيةً\"؛ فقدْ أجيبَ عنهُ بأنهُ - ﷺ - صلَّاهُمَا قضاءً لنافلةِ الظهر لما فاتتْهُ ثمَّ استمرَّ عليهمَا، لأنهُ كانَ إذا عملَ عملًا أثبتهُ، فدلَّ علَى جوازِ قضاءِ الفائتةِ في وقتِ الكراهةِ، وبأنهُ مِنْ خصائصهِ جوازُ النفلِ\n_________\n(^١) البخاري (٢/ ٦١ رقم ٥٨٦)، ومسلم (١/ ٥٦٧ رقم ٢٨٨/ ٨٢٧).\nقلت: وأخرجه النسائي (١/ ٢٧٧، ٢٧٨)، وابن ماجه (١/ ٣٩٥ رقم ١٢٤٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٣١٩ رقم ٧٧٥)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٦٥) و(٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦) من حديث عبد الله بن عمرو.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعى (١/ ٢٥٦).\n(^٣) في (ب): \"نفلَهُ\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) (٢/ ٨٣ - ٨٥).\n(^٦) في (أ): \"صلاته\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٤ رقم ٥٩١).\n(^٨) للبخاري في \"صحيحه\" (٣٢/ ٦٤ رقم ٥٩٢).","vol":"2","page":22},{"text":"في ذلكَ الوقتِ كما دلَّ لهُ حديثُ أبي داودَ (^١) عنْ عائشة: \"أنهُ كانَ يصلِّي بعدَ العصرِ وينْهى عنْها، وكانَ يواصلُ وينهى عن الوصالِ\".\nوقد [ذهبت] (^٢) طائفةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا كراهةَ للنفلَ بعدَ [فعل] (^٣) صلاتي الفجرِ والعصرِ لصلاتهِ - ﷺ - هذهِ بعدَ العصرِ، ولتقريرهِ - ﷺ - لمن رآهُ يصلِّي بعدَ صلاةِ الفجرِ نافلةَ الفجرِ (^٤). [ولكنْ] (^٥) يقالُ: هذانِ دليلانِ على جوازِ قضاءِ النافلةِ في وقتِ الكراهةِ، لا أنَّهما دليلانِ على أنهُ لا يكرهُ النفلُ مطلقًا؛ إذِ الأخصُّ لا يدلُّ على رفعِ الأعمِّ بلْ يخصصهُ، وهوَ مِنْ تخصيصِ الأقوالِ بالأفعالِ، على أنهُ يأتي النصُّ على أن مَنْ فاتتْهُ نافلةُ الظهرِ فلا يقضيْها بعدَ العصرِ، ولأنه لو تعارضَ القولُ والفعلُ كانَ القولُ مقدَّمًا عليه. فالصوابُ أن هذينِ الوقتينِ يحرُمُ فيهمَا [أداء] (^٦) النوافلُ كما تحرمُ في الأوقاتِ الثلاثة التي أفادَهَا الحديث الرابع عشر:\n١٤/ ١٥٣ - وَلَهُ (^٧) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ثَلاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٥٩ رقم ١٢٨٠) وفي إسناده: محمد بن إسحاق بن يسار، وقد اختلف في الاحتجاج بحديثه. قاله المنذري في \"المختصر\" (٢/ ٨٣).\nقلت: والحديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.\n(^٢) في (ب): \"ذهب\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (٢/ ٥١ رقم ١٢٦٧)، والبيهقي (٢/ ٤٨٣) عن قيس بن عمرو، قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلاة الصبح ركعتان\"، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -.\nوأخرج الترمذي نحوه (٢/ ٢٨٤ رقم ٤٢٢)، وأعله بأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو، لكن للحديث طرق وشواهد يرقى بها إلى الصحة، ذكرها العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٥) في (ب): \"ولكنه\".\n(^٦) في (ب): \"إذًا\".\n(^٧) أي لمسلم في \"صحيحه\" (١/ ٥٦٨ رقم ٨٣١/ ٢٩٣).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ١٣٥ رقم ١٠٠١)، وأحمد (٤/ ١٥٢)، وأبو داود (٣/ ٥٣١ رقم ٣١٩٢)، والترمذي (٣/ ٣٤٨ رقم ١٠٣٠)، والنسائي (١/ ٢٧٥)، وابن ماجه (١/ ٤٨٦ رقم ١٥١٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٥١)، والبيهقي (٢/ ٤٥٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣/ ٤٦ رقم ١٥٤٩).","vol":"2","page":23},{"text":"يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وأَنْ نَقْبُرَ فِيهنَّ مَوْتَانًا: \"حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْس بَازغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ\". [صحيح]\n(وَلَهُ) أي لمسلمٍ (عَنْ عُقْبَةَ) (^١) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ القافِ فموحَّدةٍ مفتوحةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-288>ترجمة عقبة بن عامر</span>\n(ابن عَامِرٍ) هو أبو حماد، أو أبو عامر، عقبة بن عامر الجهني. كان عاملًا لمعاوية على مصر، وتوفي بها سنةَ ثمانٍ وخمسينَ، وذكرَ خليفةُ أنهُ قتلَ يومَ النهَرَوانِ معَ عليٍّ - ﵇ -، وغلَّطهُ ابنُ عبدِ البرِّ.\n(ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ينهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ وأنْ نَقْبُرَ)، بضمِ الباءِ وكسرِها، (فيهنَّ موتانا: حينَ تطلعُ الشمسُ بَازِغَةً حَتَّى ترتفِعَ)، بيَّنَ قدْرِ ارتفاعِها الذي عندَه تزولُ الكراهةُ حديثُ عَمرِو بن عَبَسَةَ بلفظِ: \"وترتفعُ قِيْس رُمْحٍ، أو رُمْحينِ\"، وقِيْسُ: بكسرِ القاف وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فسينِ مهملةٍ؛ أي قَدْرَ. أخرجهُ أبو داودَ (^٢)، والنسائيُّ (^٣). (وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ) في حديث ابنِ عبسةَ: \"حتى يعدلَ الرُّمْحُ ظلَّهُ\". (حَتَّى تزولَ الشمسُ) أي: تميلُ عنْ كبدِ السماءِ، (وحينَ تَتَضَيَّفُ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ فمثناةٌ بعدَها وفتحِ الضادِ المعجمةِ وتشديدِ الياءِ وفاءٍ؛ أي تميلُ (الشمس للغروبِ)؛ فهذهِ ثلاثةُ أوقاتٍ [إن] (^٤) انضافتْ إلى الأوَّلَينِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٣، ٢٠١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٣٠ رقم ٢٨٨٥)، و\"المعارف\" (٢٧٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣١٣ رقم ١٧٤١)، و\"المستدرك\" (٣/ ٤٦٧ - ٤٧٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢١٦ - ٢١٧ رقم ٤٤٠)، و\"الإصابة\" (٧/ ٢١ - ٢٣ رقم ٥٥٩٤)، و\"الاستيعاب\" (٨/ ١٠٠ - ١٠١ رقم ١٨٢٤)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٦٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٥٦ رقم ١٢٧٧).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ رقم ٥٧٢).\nقلت: وأخرجه مسلم مطولًا (١/ ٥٧٠ رقم ٢٩٤/ ٨٣٢).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"2","page":24},{"text":"كانتْ خمسةً، إلَّا أن الثلاثةَ تختصُّ بكراهةِ أمرينِ: دفنِ الموتى، والصلاةِ. والوقتانِ الأوَّلانِ يختصانِ بالنهيِ عن الثاني منهمَا.\nوقدْ وردَ تعليلُ النهي عنْ هذهِ الثلاثةِ في حديثِ ابن عَبَسَةَ عندَ منْ ذكرَ \"بأنَّ الشمسَ عندَ طلوعِها تطلعُ بينَ قرني شيطانِ\"، فيصلِّي لها الكفارُ، وبأنهُ عندَ قيامِ قائمِ الظهيرةِ تُسْجَر جهنمُ وتفتحُ أبوابُها، وبأنَّها تغربُ بينَ قرني شيطانٍ، ويصلِّي لها الكفارُ. ومعنى قولهِ: (قائمُ الظهيرةِ) قيامُ الشمسِ وقتَ الزوالِ، منْ قولهمْ قامتْ بهِ دابتُه وقفتْ، والشمسُ إذا بلغتْ وسطَ السماءِ أبطأتْ حركةُ الظلِّ إلى أنْ تزولَ فيتخيلُ الناظرُ المتأملُ أنَّها وقفتْ وهي سائرةٌ. والنهيُ عنْ هذه الأوقاتِ الثلاثةِ عامٌ بلفظهِ لفرضِ الصلاةِ ونفلِها. والنهيُ للتحريم كما عرفتَ مِنْ أنهُ أصلُه، وكذَا يحرمُ قبرُ الموتَى فيها، ولكنَّ فرضَ الصلاةِ أَخرجهُ [حديث] (^١): \"منْ نامَ عنْ صلاتهِ\" (^٢) الحديثُ. وفيهِ: \"فوقتُها حينَ يذكُرُها\"، ففي أيِّ وقتٍ ذكرَها، أو استيقظَ من نومهِ أتى بِهَا، وكذا مَنْ أدركَ ركعة قبلَ غروبِ الشمسِ، وقبلَ طلوعِها لا يحرمُ عليهِ بلْ يجبُ عليهِ أداؤُها في ذلكَ الوقتِ؛ فيخُصُّ النهيُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢/ ٧٠ رقم ٥٩٧)، ومسلم (١/ ٤٧٧ رقم ٦٨٤)، والترمذي (١/ ٣٣٥ رقم ١٧٨)، وأبو داود (١/ ٣٠٧ رقم ٤٤٢)، والنسائي (١/ ٢٩٣ رقم ٦١٣)، وابن ماجه (١/ ٢٢٧ رقم ٦٩٦)، والدارمي (١/ ٢٨٠)، والبيهقي (٢/ ٢١٨)، وأحمد (٣/ ٢١٦، ٢٤٣، ٢٦٧، ٢٦٩، ٢٨٢) من طرق .. من حديث أنس.\nقلت: وأخرج مسلم في \"صحيحه\": (١/ ٤٧١ رقم ٣٠٩/ ٦٨٠)، وأبو داود (١/ ٣٠٢ رقم ٤٣٥)، وأبو عوانة (٢/ ٢٥٣) والبيهقي (٢/ ٢١٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٧ رقم ٦٩٧) وغيرهم، عن أبي هريرة أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ قفلَ من غزوةِ خيبر، سارَ ليلةً حتى إذا أَدْرَكَهُ الكرَى عَرَّسَ وقالَ لبلالٍ: \"اكْلأْ لَنَا الليلَ\" فصَلَّى بلالٌ ما قُدِّرَ، ونامَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأصحابُهُ. فَلَمَّا تقارَبَ الفجرُ استندَ بلالٌ إلى راحلتِهِ مواجهَ الفجر. فَغَلَبتْ بلالًا عيناهُ وهوَ مستندٌ إلى رَاحِلَتِهِ، فلم يستيقظْ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بلالٌ ولا أحَدٌ من أصحابهِ حتى ضربَتْهُمْ الشمسُ. فكانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أوَّلَهُمُ استيقاظًا، ففزعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فقال: \"أيْ بلالُ\"، فقال بلالٌ: أخذ بنفسي الذي أخذَ - بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّهِ - بنفسِكَ. قال: \"اقتادُوا\" فاقتادوا رواحِلَهُم شيئًا. ثم توضَّأَ رسولُ اللهِ - ﷺ - وأمر بلالًا فأقامَ الصلاة، فصلَّى بهِمُ الصُّبْحَ. فلما قضى الصلاةُ، قال: \"من نسي الصلاة فليُصَلِّها إذا ذكرَهَا، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ طه (١٤).","vol":"2","page":25},{"text":"بالنوافلِ دونَ الفرائضِ. وقيلَ: بلْ يعمُّهما بدليلِ أنهُ - ﷺ - لما نام [في الوادي] (^١) عنْ صلاةِ الفجرِ، ثمَّ استيقظَ لم يأتِ بالصلاةِ في ذلكَ الوقتِ، بلْ أخَّرَها إلى أنْ خرجَ الوقتُ المكروهُ (^٢). وأُجيبَ عنهُ أولًا: بأنهُ - ﷺ - لم يستيقظْ هوَ وأصحابهُ إلَّا حينَ أصابَهُم حرُّ الشمسِ كما ثبتَ في الحديثِ، ولا يوقظُهم حرُّها إلَّا وقدِ ارتفعتْ وزالَ وقتُ الكراهةِ. وثانيًا: بأنهُ قدْ بينَ - ﷺ - وجهَ تأخيرِ أدائِها عندَ الاستيقاظِ بأنَّهم في وادٍ حضرَ فيهِ الشيطانُ، فخرجَ - ﷺ - عنهُ وصلَّى في غيرِه. وهذا التعليلُ يشعرُ بأنهُ ليسَ التأخيرُ لأجلِ وقتِ الكراهةِ لوْ سُلِّم أنهمْ استيقظُوا ولمْ يكنْ قدْ خرجَ [الوقت] (^٣)، فتحصل منَ الأحاديثِ أنها تحرمُ النوافلُ في الأوقاتِ الخمسةِ، وأنهُ يجوزُ أنْ تُقْضَى النوافلُ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وبعدَ صلاةِ العصرِ، أما صلاةُ العصرِ فلِما سلفَ منْ صلاتهِ - ﷺ - قاضيًا لنافلةِ الظهرِ بعدَ العصرِ إنْ لم نقلْ إنهُ خاصٌّ بهِ. وأما صلاةُ الفجرِ فلتقريرِهِ لِمنْ صلَّى نافلةَ الفجرِ بعدَ صلاتهِ. وأنها تصلَّى الفرائضُ في أيِّ الأوقات الخمسةِ لنائمٍ، وناسٍ، ومؤخِّرٍ عمدًا، وإنْ كانَ آثمًا بالتأخيرِ، والصلاةُ أداءٌ في الكلِّ ما لمْ يخرجْ وقتُ العاملِ فهيَ قضاءٌ في حقِّه. ويدلُّ على تخصيصِ وقتِ الزوالِ يومُ الجمعةِ منْ هذهِ الأوقاتِ بجوازِ النفلِ فيهِ الحديثُ الآتي، وهوَ قولُهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-289>تخصيصُ زوالِ الجمعةِ عن عموم النهي عن النافلةِ</span>\n١٥/ ١٥٤ - والْحُكْمُ الثَّاني (^٤) عِنْدَ الشَّافِعيِّ مَنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ (^٥) بِسَنَدٍ ضَعيفٍ، وَزَادَ: \"إِلَّا يَوْمَ الْجُمْعَةِ\". [ضعيف]\n_________\n(^١) في (أ): \"بالوادي\".\n(^٢) يشير المؤلف إلى الحديثِ الذي أخرجه البخاري (١/ ٤٤٧ رقم ٣٤٤)، ومسلم (١/ ٤٧٤ رقم ٣١٢/ ٦٨٢) عن عمران بن حُصينٍ. قال: \"كنتُ مع نبي اللَّهِ - ﷺ - فِي مَسيرٍ لَهُ، فأدْلجْنَا لَيْلَتَنَا، حتى إذا كان في وَجْهِ الصُّبْحِ عَرَّسْنَا فغلبَتْنَا أَعْيُنُنَا حتى بزَغَت الشمسُ. قال: فكان أوَّلَ من استيقظ منا أبو بكر، وكُنَّا لا نُوقِظُ نبيَّ الله - ﷺ - من منامِهِ إذا نامَ حتى يستيقظ، ثم استيقظ عُمَرُ. فقامَ عِنْدَ نبيِّ الله - ﷺ -، فجعل يكبِّرُ ويرفعُ صوتَهُ بالتكبير حتى استيقظ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فلما رفعَ رأسَهُ ورأى الشمسَ قد بزغتْ قالَ: \"ارتحِلُوا\" فسارَ بنا حتى إذا ابيضتِ الشمسُ نزلَ فصلَّى بنا الغداةَ … \".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) وهو النهي عن الصلاةِ وقت الزوال.\n(^٥) • أخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، والبيهقي (٢/ ٤٦٤) من طريقه عن =","vol":"2","page":26},{"text":"(والحكمُ الثاني) وهوَ النهيُ عن الصلاةِ وقتَ الزوالِ. والحكمُ الأولُ النهيُ عنْها عندَ طلوعِ الشمسِ، إلا أنهُ تسامحَ المصنفُ في تسميتهِ حكمًا؛ فإنَّ الحكمَ في الثلاثةِ الأوقاتِ واحدٌ، وهوَ النَهيُ عن الصلاةِ فيها. وإنَّما هذا الثاني أحدُ محلاتِ الحكمِ لا أنهُ حكمٌ ثانٍ. وفسَّرَ الشارحُ الحكمَ الثاني بالنهيِ عن الصلاةِ في الأوقاتِ الثلاثةِ كما أفادهُ حديثُ أَبي سعيدٍ (^١)، وحديثُ عقبةَ، لكنْ فيهِ أنهُ الحكمُ الأولُ؛ لأنَّ الثاني هوَ النهيُ عنْ قبرِ الأمواتِ، فإنهُ الثاني في حديث عقبة (^٢)، وفيهِ أنهُ يلزمُ أن زيادةَ استثناءِ يومِ الجمعةِ يعمُّ الثلاثةَ الأوقاتِ في عدمِ الكراهةِ، وليسَ كذلكَ اتفاقًا، إنَّما الخلافُ في ساعةِ الزوالِ يومَ الجمعةِ (عندَ الشافعي منْ حديثِ أبي هريرةَ بسندٍ ضعيفٍ، وزادَ) فيهِ: (إلَّا يومَ الجمعةِ). [والحديثُ المشارُ إليهِ] (^٣) أخرجهُ البيهقيُّ في المعرفةِ (^٤) منْ حديثِ عطاءٍ بن عِجلانَ عنْ أبي نضرةَ، عنْ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ قالا: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ينْهى عن الصلاةِ نصفَ النهارِ إلَّا يومَ الجمعةِ\"، [وقال] (^٥): إنَّما كانَ ضعيفًا لأنَّ فيهِ إبراهيمَ بنَ يحيى (^٦)، وإسحاقَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنَ أبي فروةَ (^٧)؛ وهما ضعيفانِ، ولكنهُ يشهدُ لهُ الحديث السادس عشر وهو قوله:\n_________\n= إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.\nوإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: كذاب رافضي، قاله ابن معين كما في \"الميزان\" (١/ ٥٨)، وقال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك (المرجع السابق)، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: متروك. قاله الدارقطني في \"الضعفاء\" (رقم ٩٥)، وانظر: \"الميزان\" (١/ ١٩٣ رقم ٧٦٨)، و\"المجروحين\" (١/ ١٣١).\n• وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٦٤) من طريق أبي خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله، عن سعيد المقبري به ..\n• وله طريق ثالث من رواية: \"محمد بن عمر الواقدي\" وهو متروك [\"الضعفاء الصغير\" للبخاري (رقم ٣٣٤)].\n• ورابع فيه \"عطاء بن عجلان\" وهو منكر الحديث [\"الضعفاء الصغير\" للبخاري (رقم ٢٧٩)].\n(^١) تقدم تخريجه (رقم ١٣/ ١٥٢).\n(^٢) تقدم تخريجه (رقم ١٤/ ١٥٣).\n(^٣) في (أ): \"وهذا الحديث\".\n(^٤) (٣/ ٤٣٨ رقم ٥٢٢٨).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) وهو متروك. انظر: \"الميزان\" (١/ ٥٨) وغيرها. وقد تقدم.\n(^٧) وهو متروك. انظر: \"الميزان\" (١/ ١٩٣ رقم ٧٦٨) وغيرها. وقد تقدم.","vol":"2","page":27},{"text":"١٦/ ١٥٥ - وَكَذَا لأَبِي دَاوُدَ (^١) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوهُ. [ضعيف]\n(وكذا لأبي داودَ عنْ أبي قتادةَ نحوَهُ) ولفظهُ: وَكرهَ النبيُّ - ﷺ - الصلاةَ نصفَ النهارِ إلَّا يومَ الجمعةِ وقالَ: \"إنَّ جهنمَ تُسَجَّرُ إلَّا يومَ الجمعةِ\". وقالَ أبو داودَ (^٢): إنهُ مرسلٌ وفيهِ ليثُ بنُ أبي سليمٍ وهوَ ضعيفٌ (^٣)، إلَّا أنهُ أيَّدهُ فعلُ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -؛ فإنهمْ كانُوا يصلونَ نصفَ النهارِ يومَ الجمعةِ، ولأنهُ - ﷺ - حثَّ على التبكيرِ إليها ثمَّ رغَّبَ في الصلاةِ إلى خروجِ الإمامِ من غيرِ تخصيصٍ ولا استثناءٍ. ثمَّ أحاديثُ النهيِ عامةٌ لكلِّ محلٍّ يُصلَّى فيهِ إلا أنه قد خصَّها بمكة قوله:\n\n<span data-type='title' id=toc-290>لا يكره الطواف ولا الصلاةُ عند البيتِ في أي ساعة</span>\n١٧/ ١٥٦ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ\". [صحيح]\nرَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-291>ترجمة جبير بن مطعم</span>\n(وَعَنْ جُبَيْرٍ) (^٧) بضمِّ الجيمِ وفتحِ الموحدةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فراءٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٥٣ رقم ١٠٨٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤): إنه مرسل. مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل - صالح بن أبي مريم - لم يسمع من أبي قتادة.\n(^٣) قاله ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٨٩ رقم ٢٧٤).\nقلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^٤) وهم: أحمد (٤/ ٨٠)، وأبو داود (٢/ ٤٤٩ رقم ١٨٩٤)، والترمذي (٣/ ٢٢٠ رقم ٨٦٨)، والنسائي (٥/ ٢٢٣ رقم ٢٩٢٤)، وابن ماجه (١/ ٣٩٨ رقم ١٢٥٤).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٢٢٠).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ٤٦ - ٤٧ رقم ١٥٥١ و١٥٥٢).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"العقد الثمين\" (٨/ ٤٠٣ - ٤١٠ رقم ٨٧٧)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ١٣١ - ١٣٤ رقم ٣١٢)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٦٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٥٦ رقم ١٠٢)، و\"البداية والنهاية\" (٨/ ٤٨، ٧٠)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ١٦٢ - ١٦٣)، و\"تهذيب الأسماء =","vol":"2","page":28},{"text":"(ابن مُطْعِم) بضمِّ الميمِ وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العينِ المهملةِ. هوَ أبو محمدٍ جبيرُ بنُ مطعمٍ بن عديٍّ بن نوفلِ القرشيِّ النوفليِّ، كنيتُه أبو أميةَ. أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ بها سنةَ أربعٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ وخمسينَ. وكان جبيرُ عالمًا بأنسابِ قريشٍ. قيلَ إنهُ أخذَ ذلكَ مِنْ أبي بكر.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: يا بني عبدِ مَنَافٍ، لا تمنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصلَّى أَيَّةَ ساعةٍ شاءَ منْ ليلٍ أو نهارٍ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ)، وأخرجهُ الشافعيُّ (^١)، وأحمدُ (^٢)، والدارقطنيُّ (^٣)، وابنُ خزيمه (^٤)، والْحاكمُ (^٥) مِنْ حديثِ جبيرٍ أيضًا. وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ، وأخرجهُ غيرُهم. وهوَ دالٌّ على أنهُ لا يكرهُ الطوافُ بالبيتِ، ولا الصلاةُ فيهِ في أيِّ ساعةٍ [شاء] (^٧) من ساعاتِ الليلِ [أو] (^٨) النهارِ. وقدْ عارضَ ما سلفَ، فالجمهورُ عملُوا بأحاديث النهيِ ترجيحًا لجانبِ الكراهةِ، ولأنَّ أحاديثَ النهي ثابتةٌ في الصحيحينِ وغيرِهما، وهي أرجحُ منْ غيرِها. وذهبَ الشافعيُّ وغيرُهُ إلى العملِ بهذَا الحديثِ.\nقالوا: لأن أحاديثَ النهي قدْ دخلَها التخصيصُ بالفائتةِ، والمنومِ عنها، والنافلةِ التي تُقْضَى؛ [فضعَّفُوا] (^٩) جانبَ عمومِها، فتخصصُ أيضًا بهذا الحديثِ. ولا تكرهُ النافلةُ بمكةَ في أي ساعةٍ منَ الساعاتِ، وليسَ هذا خاصًّا بركعتي الطوافِ، بلْ يعمُّ كلَّ نافلةٍ، لروايةِ ابن حبانَ في صحيحه (^١٠): \"يا بَنِي\n_________\n= واللغات\" (١/ ١٤٦ - ١٤٧ رقم ١٠٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥١٢ رقم ٢١١٣)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٢٣ رقم ٢٢٧٤)، و\"العبر\" (١/ ٤٥)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" (١/ ٧٦ رقم ٢٨٨).\n(^١) في \"الأم\" (١/ ١٧٤).\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤٢٣ - ٤٢٥ رقم ١، ٢، ٥، ٧، ٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٦٣ رقم ١٢٨٠).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٨)، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢٣٩) وقال: وقد صرح أبو الزبير بالسماع في رواية النسائي وغيره.\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٢٥ - ٤٢٦ رقم ١٠).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في (ب): \"و\".\n(^٩) في \"ب\": \"فضعف\".\n(^١٠) في \"صحيحه\" (٣/ ٤٦ رقم ١٥٥٠).","vol":"2","page":29},{"text":"عَبْدِ المُطلبِ، إنْ كانَ لكمْ منَ الأمرِ شيءٌ فَلا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا منكم يمنعُ مَنْ يُصلِّي عندَ البيتِ أيَّ ساعةٍ شَاءَ مِنْ لَيلٍ أو نهارٍ\". قالَ في \"النجم الوهاجِ\": وإذا قلنا بجواز النفلِ يعني في المسجدِ الحرامِ في أوقاتِ الكراهةِ فهلْ يختصُّ ذلكَ بالمسجدِ الحرامِ، أو يجوزُ في جميعِ بيوتِ حرمِ مكةَ؟ فيهِ وجهانِ، والصوابُ [أنه] (^١) يعمُّ جميعَ الحرمِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>الشفق: الحمرة</span>\n١٨/ ١٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ\". [ضعيف]\nرَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤)، وَغَيْرُهُ وَقَفَهُ على ابْنِ عُمَرَ.\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قَالَ: الشَّفَقُ الحُمْرَةُ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصححهُ ابنُ خزيمةَ. وغيرُه وقفَهُ على ابن عمرَ). وتمامُ الحديثِ: \"فإذا غابَ الشفقُ وجبتِ الصلاةُ\"، وأخرجهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحه (^٥) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا. وقالَ البيهقيُّ (^٦): رُوِيَ هذا الحديثَ عنْ عليٍّ، وعمرَ، وابنِ عباسٍ، وعُبادةِ بن الصامتِ، وشدادِ بن أوسٍ، وأبي هريرةَ، ولا يصحُّ منْها شيءٌ.\nقلتُ: البحثُ لُغويٌّ، والمرجعُ فيهِ إلى أهلِ اللغةِ. وابنُ عمرَ منْ أهلِ اللغةِ،\n_________\n(^١) في (أ): \"أن\".\n(^٢) قلت: ليس المراد من هذا الحديث إباحة الصلاة في الأوقات المذكورة بل هي نهي لبني عبد مناف من التعرُّض للمصلِّي في أي وقت شاء، لما كانوا يزعمون لأنفسهم من السلطان على البيت وعلى زائريه، فهو حجر عليهم كف به أيديهم عن التعرض للناس.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٦٩ رقم ٣، ٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٣٥٤).\n(^٥) (رقم ٣٥٤) وقال: فلو صحَّت هذه اللفظة في هذا الخبر لكان في هذا الخبر بيان أن الشفق الحمرة. إلا أن هذه اللفظة تفرَّد بها \"محمد بن يزيد\" إن كانت حفظت عنه. وإنما قال أصحاب شعبة في هذا الخبر: ثور الشفق، مكان ما قاله محمد بن يزيد: حمرة الشفق.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٧٣).\nقلت: وانظر \"التلخيص\" (١/ ١٧٦ رقم ٢٥٠).","vol":"2","page":30},{"text":"وقحُّ العربِ، فكلامُه حجةٌ، وإنْ كانَ موقوفًا عليه. وفي \"القاموس\" (^١): الشفقُ محركةً: الحمرةُ في الأُفُقِ منَ الغروبِ إلى العِشاءِ وإلى قَرِيبهِا أو إلى قريبِ العَتَمَةِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>الحق أن للمغرب وقتين</span>\nوالشافعيُّ يرى أن وقتَ المغرب عقيبَ غروب الشمسِ بما يتسعُ لخمسِ ركعاتٍ، ومضيّ قدرُ الطهارةِ، وسترُ العورةِ، وَأذانٌ وإقامةٌ، لَا غيرُ. وحجتُه حديثُ جبريلَ (^٢) أنهُ صلَّى بهِ - ﷺ - المغربَ في اليومينِ معًا في وقت واحدٍ عقيبَ غروب الشمسِ. قالَ: فلوْ كانَ للمغربِ وقتٌ ممتدٌ لأخَّرهُ إليهِ كما أخَّرَ الظهرَ إلى مصيرِ ظلِّ الشيءِ مثلِهِ في اليومِ الثاني، وأجيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ جبريلَ متقدمٌ في أولِ فرضِ الصلاةِ بمكةَ اتفاقًا، وأحاديثُ أن آخِرَ وقتِ المغربِ الشفقُ متأخرةٌ واقعةٌ في المدينةِ أقوالًا وأفعالًا، فالحكمُ لها، وبأنَّها أصحُّ إسنادًا منْ حديثِ توقيتِ جبريلَ، فهيَ مقدمةٌ عندَ التعارضِ.\nوأما الجوابُ بأنَّها أقوالٌ، وخبرُ جبريلَ فعلٌ، فغيرُ ناهضٍ؛ فإنَّ خبرَ جبريلَ فِعْلٌ وقولٌ، فإنهُ قالَ لهُ - ﷺ - بعدَ أنْ صلَّى بهِ الأوقاتَ الخمسةَ: \"ما بينَ هذينِ الوقتينِ وقتُ لكَ ولأمتكَ\". نعمْ لا بينيةَ بينَ المغربِ والعشاءِ على صلاةِ جبريلَ، فيتمُّ الجوابُ [عنه] (^٣) بأنهُ فِعلُ [فقط] (٣) بالنظرِ إلى وقتِ المغربِ، والأقوالُ مقدمةٌ على الأفعالِ عندَ التعارضِ على الأصحِّ. وأما هنا فما ثمَّ تعارضٌ، إنما الأقوالُ أفادتْ زيادةً في الوقتِ للمغربِ منَّ اللَّهُ بها.\nقلتُ: لا يخفى أنهُ كانَ الأوْلى تقديمُ هذا الحديثِ في أولِ بابِ الأوقاتِ عقبَ أولِ حديثٍ فيهِ، وهوَ حديثُ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ - ﵁ -. واعلمْ أن هذَا القولَ [هوَ] (^٤) قولُ الشافعي في الجديدِ، وقوله [في] (^٥) القديمُ أن [لها] (^٦) وقتينِ، أحدُهما: هذا، والثاني: يمتدُّ إلى مغيبِ الشفقِ. وصحَّحهُ أئمةٌ منْ أصحابِهِ كابنِ خزيمةَ، والخطابيِّ، والبيهقيِّ، وغيرِهم. وقدْ ساقَ النوويُّ في \"شرحِ المهذبِ\" (^٧) الأدلةَ على امتدادهِ إلى\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ١١٥٩).\n(^٢) تقدم تخريجه رقم الحديث (١/ ١٤٠).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"لهما\".\n(^٧) (٣/ ٣٠).","vol":"2","page":31},{"text":"الشفقِ، فإذا عرفتَ الأحاديثَ الصحيحةَ تعيّنَ القولُ بهِ جزْمًا؛ لأنَّ الشافعيَّ نصَّ عليهِ في القديمِ، وعلَّقَ القولَ بهِ في الإملاءِ على ثبوتهِ. وقد ثبتَ الحديثُ بلْ أحاديثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-294>ما هو الفجر الذي تجب به الصلاة؟</span>\n١٩/ ١٥٨ - وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فِيهِ الصَّلاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فِيهِ الصَّلاةُ - أيْ صَلاةُ الصبْحِ - وَيَحِلُّ فيهِ الطعَامُ\". [صحيح]\nرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١)، وَالْحَاكِمُ (^٢)، وَصَحَّحَاهُ.\n(وَعَن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: الفَجْرُ) أي لغةً (فَجْرَانِ: فجْرٌ يحرِّمُ الطعامَ) يريدُ على الصائم، (وَتَحِلُّ فيهِ الصلاةُ)، أي: يدخل وقتُ وجوبِ صلاةِ الفجرِ، (وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فيهِ الصلاة، أي: صلاةُ الصبحِ)، فسَّرَهُ بها لئلَّا يُتَوَهَّمَ أنها تحرمُ فيه [مطلقُ الصلاة] (^٣). والتفسيرُ يحتملُ أنهُ منهُ - ﷺ -، وهوَ الأصلُ، ويحتملُ أنهُ منَ الراوي (وَيَحِلُّ فيهِ الطعامُ. رواهُ ابن خزيمةَ، والحاكمُ، وصحَّحاهُ)، لما كانَ الفجرُ لغةً مشتركًا بينَ الوقتينِ، وقدْ أطلقَ في بعضِ أحاديثِ الأوقاتِ أن أولَ صلاةِ الصبحِ الفجرُ: بَيَّنَ - ﷺ - المرادَ بهِ، وأنهُ الذي لهُ علامةٌ ظاهر واضحةٌ، وهي التي أفادَها الحديث العشرون وهو قوله:\n٢٠/ ١٥٩ - وَلِلْحَاكِم (^٤) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ، وَزَادَ في الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: \"إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا في الأُفُقِ\"، وفي الآخَرِ: \"إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَانِ\". [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ١٨٤ رقم ٣٥٦)، وقال: لم يرفعه في الدنيا غير أبي أحمد الزبيري.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٩١).\nوقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين في عدالة الرواة ولم يخرجاه، وأظن أني رأيته من حديث عبد الله بن الوليد عن الثوري موقوفًا، واللَّه أعلم. ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي (١/ ٤٥٧) و(٤/ ٢١٦)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٥٨).\nوأورده المحدث الألباني في \"الصحيحة\" (رقم ٦٩٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في (أ): \"مطلقًا\".\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٩١) وقال الحاكم: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي.","vol":"2","page":32},{"text":"(وَلِلْحَاكِمِ منْ حديثِ جَابِر نحوُهُ)، نحوُ حديثِ ابن عباسٍ ولفظُهُ في \"المستدرك\": \"الفجر فجرانِ. فأما الفجرُ الذي يكونُ كذنبِ السِّرْحَانِ فلا يُحلُّ الصلاةَ، ويُحلُّ الطعامَ. وأما الذي يذهبُ مستطيلًا في الأُفقِ فإنهُ يُحِلُّ الصلاةَ ويُحَرِّمُ الطعامَ\"، وقدْ عرفتَ معنى قولِ المصنفِ: (وزادَ في الذي يحرمُ الطعامَ: \"إنهُ يذهبُ مستطيلًا) أي: ممتدًا (في الأفقِ)، وفي روايةٍ للبخاري (^١): \"أنهُ - ﷺ - مدَّ يدَه منْ عنْ يمينِهِ ويسارِهِ\" (وفى الآخرِ:) وهوَ الذي لا تحلُّ فيهِ الصلاةُ ولا يحرمُ فيهِ الطعامُ أي وقالَ في الآخرِ (إنهُّ) في صفتهِ (كذنب السِّرْحَانِ) بكسرِ السينِ المهملة وسكونِ الراءِ فحاءٍ مهملةٍ وهوَ الذئب. والمرادُ أَنهُ لا يذهبُ مستطيلًا ممتدًا بلْ يرتفعُ في السماءِ كالعمود، وبينَهما ساعةٌ، فإنهُ يظهرُ الأولُ وبعدَ ظهورهِ يظهرُ الثاني ظهورًا بيِّنًا. فهذَا فيهِ بيانُ وقتِ الفجرِ وهوَ أولُ وقتهِ، وآخرُه ما يتسعُ لركعةٍ كما عرفتَ. ولما كانَ لكلِ وقتٍ أولٌ وآخِرٌ بَيَّنَ - ﷺ - الأفضلَ منْهما في الحديث الآتي وهوَ:\n\n<span data-type='title' id=toc-295>أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها</span>\n٢١/ ١٦٠ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاةُ في أَوَّلِ وَقْتِهَا\". [صحيح]\nرَوَاهُ التِّرْمِذيُّ (^٢)، وَالْحَاكِمُ (^٣)، وَصحّحَاهُ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (^٤).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٣ رقم ٦٢١) من حديث ابن مسعود.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٢٦ رقم ١٧٣) بلفظ: \"الصلاةُ على مواقيتها\"، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ١٨٨ - ١٨٩) وقال: \"قد روى هذا الحديث جماعة عن شعبة ولم يذكر هذه اللفظة غير حجاج بن الشاعر عن علي بن حفص، وحجاج حافظ ثقة، وقد احتج مسلم بعلي بن حفص المدايني\".\nقلت: بل احتج مسلم بحجاج بن الشاعر كما في \"الجمع بين رجال الصحيحين\" لابن القيسراني (١/ ٩٩ رقم ٣٨٨)، وبعلي بن حفص المدايني أيضًا كما في رجال \"صحيح مسلم\" لابن منجويه (٢/ ٥٤ رقم ١١٣٢).\n(^٤) البخاري (٢/ ٩ رقم ٥٢٧) و(٦/ ٣ رقم ٢٧٨٢) و(١٠/ ٤٠٠ رقم ٥٩٧٠) و(١٣/ ٥١٠ رقم ٧٥٣٤)، ومسلم (١/ ٨٩ - ٩٠ رقم ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠/ ٨٥). =","vol":"2","page":33},{"text":"(وَعَنِ ابن مسْعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أفضل الأعمال الصلاةُ في أولِ وقتِها\"، رواهُ الترمذيُّ، والحاكم، وصحَّحاهُ. وأصلهُ في الصحيحينِ)، أخرجهُ البخاريُّ (^١) عن ابن مسعودٍ بلفظِ: \"سألتُ النبيَّ - ﷺ -: أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصلاةُ لوقتِها\" وليسَ فيهِ لفظُ \"أولِ\"، [فالحديث دلَّ] (^٢) على أفضليةِ الصلاةِ في أولِ وقتِها، على كلِّ عملٍ منَ الأعمالِ كما هوَ ظاهرُ التعريفِ [للأعمالِ] (^٣) باللامِ، وقدْ عُورِضَ بحديثِ: (\"أفضلُ الأعمالِ إيمانٌ باللَّهِ\" (^٤). ولا يخْفَى أنهُ معلومٌ أن المرادَ مِنَ الأعمالِ في حديثِ ابن مسعودٍ ما عدَا الإيمانَ؛ فإنهُ إنما سألَ عن أفضلِ أعمالِ أهلِ الإيمانِ، فمرادهُ غيرُ الإيمانِ.\nقال ابنُ دقيقِ العيدِ: الأعمالُ هنا أي في حديثِ ابن مسعودٍ محمولةٌ على البدنيةِ، فلا تتناولُ أعمالَ القلوبِ، فلا [تعارضُ] (^٥) حديثَ أبي هريرةَ (^٦) \"أفضلُ\n_________\n= قلت: وأخرجه أحمد (١/ ٤٥١)، (١/ ٤٠٩ - ٤١٠) و(١/ ٤٣٩)، والطيالسي (ص ٤٩ رقم ٣٧٢)، والنسائي (١/ ٢٩٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٦٦)، والدارقطني (١/ ٢٤٦ رقم ٤)، وابن خزيمة (١/ ١٦٩ رقم ٣٢٧).\n(^١) في \"صحيحه\" (١٣/ ٥١٠ رقم ٧٥٣٤) كما تقدم.\n(^٢) في (ب): \"والحديث دليل\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه الطيالسي (١/ ٢٠ رقم ١٦ - منحة المعبود)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٥٦) من حديث جابر.\nوقال أبو نعيم: غريب من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر. واللفظة الأخيرة مشهورة ثابتة.\nقلت: وأخرج البخاري (٥/ ١٤٨ رقم ٢٥١٨)، ومسلم (١/ ٨٩ رقم ١٣٦/ ٨٤)، والحميدي في \"المسند\" (١/ ٧٢ رقم ١٣١)، وابن الجارود (رقم ٩٦٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٣٥٣ رقم ٢٤١٨)، والدارمي (٢/ ٣٠٧)، وابن حبان في \"الإحسان\" (١/ ١٨٣ رقم ١٥٢)، وأبو عوانة (١/ ٦٢ - ٦٣)، والنسائي في \"العتق\" كما في \"الأطراف\" (٩/ ١٩٥) - وفي \"المجتبى\" (٦/ ١٩ رقم ٢١٢٩)، وابن منده في \"الإيمان\" (١/ ٣٩٤ رقم ١/ ٢٣٢) - وأحمد في \"المسند\" (٥/ ١٥٠، ١٧١)، والبيهقي (٦/ ٢٧٣) و(٩/ ٢٧٢) و(١٠/ ٢٧٣) من طرق … عن أبي ذر - ﵁ - قال: سألتُ النبي - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: \"إيمانٌ باللَّه .. \".\n(^٥) في (أ): يتعارض.\n(^٦) أخرجه البخاري (١/ ٧٧ رقم ٢٦) و(٣/ ٣٨١ رقم ١٥١٩)، ومسلم (١/ ٨٨ رقم ١٣٥/ ٨٣)، والنسائي (٨/ ٩٣ رقم ٩٨٥) و(٥/ ١١٣ رقم ٢٦٢٤) و(٦/ ١٩ رقم ٣١٣٠)، =","vol":"2","page":34},{"text":"الأعمالِ الإيمانُ باللَّهِ ﷿\"، ولكنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ أُخَرُ في أنواعٍ منْ أعمالِ البرِ بأنها أفضلُ الأعمالِ، فهي التي تُعارِضُ حديثَ البابِ ظاهِرًا. وقدْ أجيبَ بأنهُ - ﷺ - أخبرَ كلَّ مخاطَبٍ بِمَا هوَ أليقُ بهِ، وهُوَ بهِ أقْوَمُ وإليهِ أرغبُ، ونفعهُ فيهِ أكثرُ، فالشجاعُ أفضلُ الأعمالِ في حقِّه الجهادُ؛ فإنهُ أفضلُ منْ تخلِّيهِ للعبادةِ، والغنيُّ أفضلُ الأعمالِ في حقِّه الصدقةُ وغيرُ ذلكَ، أوْ أن كلمةَ \"مِنْ\" مقدرةٌ؛ والمرادُ منْ أفضلِ الأعمالِ، أوْ كلمةِ \"أفضلَ\" لمْ يردْ بهَا الزيادةُ بلِ الفضلُ المطلقُ. وعورضَ بتفضيلِ الصلاةِ في أولِ وقتِها على ما كانَ منها في غيرهِ بحديثِ العشاءِ؛ فإنهُ قالَ - ﷺ -: \"لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأخَّرْتُها\" (^١)، يعني إلى النصف أو قريبٍ منه، و[بحديث] (^٢) الإصباحِ أو الإسفارِ بالفجر (^٣)، وبأحاديثِ الإبرادِ بالظهرِ (^٤)، والجوابُ أن ذلكَ تخصيصٌ لعمومِ أولِ الوقتِ، ولا معارضةَ بينَ عامٍ وخاصٍ، وأما القولُ بأنَّ ذكرَ أولِ وقتِها تفردَ بهِ عليُّ بنُ حَفْصٍ مِنْ بين أصحابِ شعبةَ، وأنَّهم كلُّهمْ رووهُ بلفظِ: على وقتِها، منْ دونِ ذكرِ أولٍ، فقدْ أجيبَ عنهُ منْ حيثُ الروايةِ: بأنَّ تفردَهُ لا يضرُّ، فإنهُ شيخٌ صدوقٌ منْ رجالِ مسلم (^٥). ثمَّ قدْ صححَ هذهِ الروايةَ الترمذيُّ (^٦)، والحاكمُ (^٧)، وأخرجَها ابنُ خزيمةَ\n_________\n= وابن منده في \"الإيمان\" (١/ ٣٩٠ رقم ١/ ٢٢٧)، والبيهقي (٥/ ٢٦٢) و(٩/ ١٥٧)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٨٧، ٣٣٠، ٣٤٨، ٣٨٨، ٥٢١، ٥٣١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ٣ رقم ١٨٤٠)، والترمذي (٤/ ١٨٥ رقم ١٦٥٨)، وأبو عوانة (١/ ٦١ - ٦٢) من طرق … عنه.\n(^١) أخرجه الترمذي (١/ ٣١٠ رقم ١٦٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٦ رقم ٦٩١)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٥٠، ٤٣٣)، والحاكم (١/ ١٤٦).\nعن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: \"لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهُم أن يؤخِّروا العشاء إلى ثُلُثِ الليلِ أو نصفِهِ\".\nوقال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح.\nقلت: وهو حديث صحيح، وانظر الحديث رقم (٨/ ١٤٧).\n(^٢) في (أ): \"كحديث\".\n(^٣) وهو حديث صحيح. تقدَّم تخريجه: رقم (٦/ ١٤٥) ورقم (١٠/ ١٤٩).\n(^٤) وهو حديث صحيح. تقدَّم تخريجه: رقم (٩/ ١٤٨).\n(^٥) (٢/ ٥٤ رقم ١١٣٢) لابن منجويه كما تقدم آنفًا.\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣٢٦) كما تقدم.\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ١٨٩) كما تقدَّم.","vol":"2","page":35},{"text":"في صحيحه (^١)، ومنْ حيثُ الدرايةِ أن لفظَ روايةٍ على وقتِها: تفيدُ معنى لفظِ أولٍ؛ لأنَّ كلمةَ عَلَى تقتضي الاستعلاء على جميعِ الوقتِ. وروايةُ لوقتِها باللام تفيدُ ذلكَ، لأنَّ المرادَ لاستقبالِ وقتِها، ومعلومٌ ضرورةً شرعيةً أنها لا تَصِحُّ قبلَ دخولِهِ، فتعينَ أن المرادَ لاستقبالِكُمُ الأكثرَ منْ وقتِها، وذلكَ بالإتيانِ بها في أولِ وقتِها، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (^٢)؛ ولأنه - ﷺ - كانَ دأبَهُ دائمًا الإتيانِ بالصلاةِ في أولِ وقتِها، ولا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، [أي بما] (^٣) ذكرناهُ، ولحديثِ عليٍّ عندَ أبي داودَ (^٤): \"ثلاثٌ لا تُؤَخَّرُ\"، ثمَّ ذكرَ منها: \"الصلاةَ إذا حضرَ وقتُها\". والمرادُ أن ذلكَ الأفضلُ، وإلَّا فإن تأخيرَها بعد حضورِ وقتِها جائزٌ، ويدلُّ له أيضًا قولُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>حديث: أول الوقت رضوان الله، موضوع</span>\n٢٢/ ١٦١ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ، وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ\". [موضوع]\nأَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ (^٥) بسندٍ ضعيفٍ جدًّا.\n(وَعَنْ أبي مَحْذورَةَ) (^٦) بفتحِ الميمِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وضمِّ الذالِ المعجمةِ بعدَ الواوِ راءٌ.\n_________\n(^١) (١/ ١٦٩ رقم ٣٢٧) كما تقدم.\n(^٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٠.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) لم أجده في \"سنن أبي داود\".\nوقد أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ١٥٠)، والترمذي (١/ ٣٢٠ رقم ١٧١)، وابن ماجه (١/ ٤٧٦ رقم ١٤٨٦)، والحاكم (٢/ ١٦٢) عن علي - ﵁ - به.\nوقال الترمذي: حديث غريب حسن.\nوقال الحاكم: غريب صحيح. وأقرَّه الذهبي.\nوضعَّفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (رقم ٢٥٦٢).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٢٤٩ رقم ٢٢).\nقلت: وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٥٥)، والبيهقي (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\nوفي إسناده يعقوب بن الوليد وهو متروك. وكذلك إبراهيم بن زكريا أبو إسحاق حدث عن الثقات بالبواطيل.\nوخلاصة القول: أن الحديث موضوع، واللَّه أعلم.\n(^٦) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٣٢ رقم ٣١٦٢)، و\"الإصابة\" (١٢/ ١٢ رقم =","vol":"2","page":36},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>ترجمة أبي محذورة</span>\nاختلفُوا في اسمهِ على أقوالٍ أصحُّها سمرةُ بنُ [مِعْيَر] (^١) بكسرِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ وفتحِ المثناةِ التحتيةِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إنهُ اتفقَ العالمونَ بطَريقِ أنساب قريشٍ أن اسمَ أبي محذورةَ أوسٌ. وأبو محذورةَ مؤذنُ النبيِّ - ﷺ -، أسلمَ عامَ الفتحِ، وأقامَ بمكةَ إلى أنْ ماتَ يؤذنُ بها [للصلاةِ] (^٢)، ماتَ سنةَ تسعٍ وخمسينَ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: أولُ الوقتِ) أي للصلاةِ المفروضةِ (رضوانُ اللَّهِ)، أي يحصلُ بأدائِها فيهِ رضوانُ اللَّهِ تعالى عنْ فاعلِها، (وأوسطُهُ رحمةُ اللَّهِ) أي يحصلُ لفاعلِ الصلاةِ فيهِ رحمتُه، ومعلومٌ أن رتبةَ الرضوانِ أبلغُ، (وآخرُهُ عفوُ الله)، ولا عفوً إلَّا عن ذَنبٍ. (أخرجهُ الدارقطنيُّ بسندٍ ضعيفٍ)؛ لأنهُ منْ روايةِ يعقوبَ بن الوليدِ المدنيِّ (^٣).\nقالَ أحمدُ: كانَ من الكذابينَ الكبارِ، وكذَّبَهُ ابنُ معينٍ، وتركهُ النسائيُّ، ونسبهُ ابنُ حبانَ إلى الوضع، كذا في حواشي القاضي. وفي الشرحِ أن في إسنادِهِ إبراهيمَ بن زكريا البجليِّ (^٤) وهوَ متَّهمٌ، ولِذَا قالَ المصنفُ (جدًّا) مؤكدًا لضعفهِ، وقدَّمنا إعراب جدًّا، ولا يقالُ إنهُ يشهدُ لهُ قولُهُ:\n٢٣/ ١٦٢ - وَللتِّرْمِذِيِّ (^٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ، دونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أيْضًا. [باطل]\n_________\n= ١٠١٠)، و\"التقريب\" (٢/ ٤٦٩ رقم ٢٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٤٣ رقم ١٠١٨).\n(^١) في (أ) و(ب): مِعين والأشهر ما أثبتناه.\n(^٢) في (أ): \"للصلوات\".\n(^٣) أبو يوسف الأزدي، قال أبو داود وغيره: غير ثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أحمد: مزقنا حديثه. وقال أيضًا: كان من الكذابين الكبار، يضع الحديث.\nانظر: \"المجروحين\" (٣/ ١٣٧) و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢١٦)، و\"الميزان\" (٤/ ٤٥٥)، و\"المغني\" (٢/ ٧٥٩)، و\"التقريب\" (٢/ ٣٧٧)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ٤٤٦).\n(^٤) قال أبو حاتم: حديثه منكر. وقال ابن عدي: حدَّث بالبواطيل.\nانظر: \"الميزان\" (١/ ٣١ رقم ٩٠)، و\"الكامل\" لابن عدي (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٢١ رقم ١٧٢).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٩ رقم ٢٠)، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ١٣٨)، وابن الجوزي في \"العلل\" (١/ ٨٨٨ رقم ٦٥٢)، والبيهقي (١/ ٤٣٥). وهو حديث باطل.","vol":"2","page":37},{"text":"(وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حديثِ ابن عمرَ نحوَهُ) في ذكرِ أولِ الوقتِ وآخرِه (دونَ الأوسطِ وهوَ ضعيفٌ أيضًا)، لأنَّ فيهِ يعقوبَ بنَ الوليدِ أيضًا، [وفيه] (^١) ما سمعتَ، وإنَّما قلْنا: لا يصحُّ شاهدًا؛ لأن الشاهدَ والمشهودَ لهُ فيهمَا مَنْ قالَ الأئمةُ إنهُ كذابٌ، فكيفَ يكونُ شاهدًا أو مشهودًا لهُ. وفي البابِ عنْ [جريرٍ] (^٢)، وابنِ عباسٍ (^٣)، وأنسٍ (^٤)، وكلُّها ضعيفةٌ. وفيهِ عنْ عليٍّ (^٥) - ﵇ - من رواية موسى بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. قَالَ البيهقيُّ (^٦): إسنادُهُ فيما أظنُّ أصحُّ ما رُويَ في هذا البابِ، معَ أنهُ معلولٌ؛ فإنَّ المحفوظَ روايتُهُ عنْ جعفرَ بن محمدٍ عنْ أبيهِ موقوفًا، قالَ الحاكمُ: لا أعرفُ فيهِ حديثًا يصحُّ عن النبيِّ - ﷺ -، ولا عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ، وإنَّما الروايةُ فيهِ عنْ جعفرَ بن محمدٍ عنْ أبيهِ موقوفًا.\nقلتُ: إذا صحَّ هذا الموقوفُ فلهُ حكمُ الرفعِ، لأنهُ لا يقالُ في الفضائلِ بالرأْيِ، وفيهِ احتمالٌ. ولكنَّ هذهِ الأحاديثَ - وإنْ لم تصحَّ - فالمحافظةُ - ﷺ - على الصلاةِ أولَ الوقتِ دالةٌ على أفضليتِهِ، وغيرُ ذلكَ منَ الشوهدِ التي قدَّمْنَاهَا (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر</span>\n٢٤/ ١٦٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لا صَلاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدتَينِ\". [صحيح بطرقه]\n_________\n(^١) في (أ): \"فيها\" وهو خطأ.\n(^٢) في (أ) و(ب): \"جابر\": والأصح \"جرير\". وقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٩ رقم ٢١)، وفي سنده من لا يعرف. قاله ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٨٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"الخلافيات\" كما في \"التلخيص\" (١/ ١٨٠)، وفيه نافع أبو هرمز وهو متروك.\n(^٤) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٠٩)، وقال: هذا من الأحاديث التي يرويها بقية عن المجهولين. فإن عبد الله مولى عثمان، وعبد العزيز، لا يعرفان.\n(^٥) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٣٦).\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٨٠).\n(^٧) كحديث ابن مسعود رقم (٢١/ ١٦٠).","vol":"2","page":38},{"text":"أَخْرَجَهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائِيِ (^١).\nوفي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (^٢): \"لا صَلاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتيِ الْفَجْرِ\".\n(وَعَنْ ابْنِ عمرَ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: لا صلاةَ بعدَ الفجر إلَّا سجدتينِ)، أي ركعتي الفجرِ كما يفسرُه ما بعدَهُ، (أخرجه الخمسةُ إلَّا النسائيُّ)، وأخرجهُ أحمدُ (^٣)، والدارَقطنيُّ (^٤). قالَ الترمذيُّ (^٥): إنه غريبٌ لا يُعْرَفُ إلَّا منْ حديثِ قدامةَ بن موسى (^٦).\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ النافلةِ بعدَ طلوعِ الفجرِ قبلَ صلاتهِ إلا سنةَ الفجرِ، وذلكَ لأنهُ - وإنْ كانَ لفظُه نفيًا - فهوَ في معنى النهي، وأصلُ النهي التحريمُ.\nقالَ الترمذيُّ (٥): أجمعَ أهلُ العلمِ على كراهةِ أنْ يصليَ الرجلُ بعدَ الفجرِ إلَّا ركعتيِ الفجرِ، قالَ المصنفُ (^٧): \"دعْوى الترمذي الإجماعَ عجيبٌ؛ فإنَّ الخلافَ فيهِ مشهورٌ، حكاهُ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ. وقالَ الحسنُ البصريُّ: لا بأسَ بها، وكانَ مالكٌ يرى أنْ [يفعله] (^٨) مَنْ فاتتهُ الصلاةُ في الليلِ\".\nوالمرادُ ببعدِ الفجرِ بعدَ طلوعهِ كما دلَّ [عليه] (^٩) قولهُ: (وفي روايةِ عبدِ الرزاق)، أي عن ابن عمرَ: (لا صلاةَ بعدَ طلوعِ الفجرِ إلَّا ركعتيِ الفجرِ)، وكما يدلُّ لهُ قولُهُ:\n_________\n(^١) وهم: أحمد (٢/ ١٠٤)، وأبو داود (٢/ ٥٨ رقم ١٢٧٨)، والترمذي (٢/ ٢٧٨ رقم ٤١٩) واللفظ له. وابن ماجه (١/ ٨٦ رقم ٢٣٥) مختصرًا.\n(^٢) في \"المصنف\" (٣/ ٥٣ رقم ٤٧٦٠).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٥١)، والبيهقي (٢/ ٤٦٥).\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ١٠٤) كما تقدم.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤١٩ رقم ١، ٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٦٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٥٩ رقم ٨٨٦).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢٨٠).\n(^٦) وتعقبه الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٢٥٦) بذكر طرق أخرى له ثم قال: كل ذلك يعكِّر على الترمذي في قوله: \"لا نعرفه إلا من حديث قدامة\".\nقلت: قدامة بن موسى هذا ثقة كما في \"التقريب\" (٢/ ١٢٤).\nوإنما علة الحديث من شيخه \"أيوب بن حصين\" فهو مجهول.\nوالحديث صحيح بطرقه التي أوردها الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(^٧) في \"تلخيصه\" (١/ ١٩١).\n(^٨) في (ب): \"يفعل\".\n(^٩) في (ب): \"له\".","vol":"2","page":39},{"text":"٢٥/ ١٦٤ - وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ (^١) عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ -. [صحيح بطرقه]\n(ومثلهُ للدارقطنيِّ عن ابن عمرِو بن العاصِ)؛ فإنهمَا فسَّرَا المرادَ ببعدِ الفجرِ، وهذَا وقتٌ سادسٌ منَ الأوقاتِ التي نُهِيَ عن الصلاةِ فيْها، وقدْ عرفتَ الخمسةَ الأوقاتِ مما مَضَى إلَّا أنَّهُ قدْ [عورض] (^٢) النهيُّ عن الصلاةِ بعدَ العصرِ [الذي] (^٣) هوَ أحدُ الستةِ الأوقاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-299>صلاة النبي - ﷺ - بعد صلاة العصر نافلة</span>\n٢٦/ ١٦٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: \"شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَينِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ\"، فَقُلْتُ: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: \"لَا\"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٤). [حسن]\n(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ)؛ في سؤالهِا ما يدلُّ على أنهُ - ﷺ - لم يصلِّهِمَا قبلَ ذلكَ عندَها، أوْ أنَّها قدْ كانتْ علمتْ بالنهي فاستنكرت مخالفةَ الفعلِ لهُ. (فَقَالَ: شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ)، قدْ بيَّنَ الشاغلَ لهُ - ﷺ - أنهُ \"أتاهُ ناسٌ منْ عبدِ القيس\" (^٥)، وفي روايةٍ عن ابن عباسٍ عندَ الترمذي (^٦): \"أنهُ - ﷺ - أتاهُ مالٌ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٤٦ رقم ٢) و(١/ ٤١٩ رقم ٣).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٥٥)، والبيهقي (٢/ ٤٦٥).\nوقال البيهقي: في إسناده من لا يحتج به.\nقلت: يعني \"عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي\"، وقد اختلف في الاحتجاج به.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح بمجموع طرقه، واللَّه أعلم.\n(^٢) في (ب): \"عارض\".\n(^٣) في (أ): \"التي\".\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ٣١٥)، وهو حديث حسن.\n(^٥) وهو جزء من حديث كريب عن أم سلمة وفيه قصة مطولة.\nأخرجه البخاري (رقم ١٢٣٣)، ومسلم (رقم ٢٩٧/ ٨٣٤)، وأبو داود (رقم ١٢٧٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٥٧)، والدارمي (١/ ٣٣٤).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣٤٥/ رقم ١٨٤)، وقال: حديث حسن. =","vol":"2","page":40},{"text":"فشغلهُ عن الركعتينِ بعدَ الظهرِ\" (فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ)، أي قضاءً عنْ ذلكَ. وقدْ فهمتْ أمُّ سلمةَ أنَّهما قضاءٌ فَلِذَا قالتْ: (قُلْت: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا) أي كما قضيتَهما في هذا الوقتِ؟ (قَالَ: لا) أي لا تقضوهُما في هذا الوقتِ بقرينةِ السياقِ، وإنْ كانَ [النفي] (^١) غيرَ مقيَّدٍ. (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ)، إلَّا أنهُ سكتَ عليهِ المصنفُ هنا. وقالَ بعدَ سياقه لهُ في فتحِ الباري: (^٢) إنَّها روايةٌ ضعيفةٌ لا تقومُ بها حجةٌ، ولم يبينْ هنالِكَ وجهَ ضعْفِها وما كانَ يحسنُ منهُ أن يسكتَ هنَا عمَّا قيلَ فيهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على ما سلفَ منْ أن القضاءَ في ذلكَ الوقتِ كانَ منْ خصائصهِ - ﷺ -. وقدْ دلَّ على هذَا حديثُ عائشةَ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يصلِّي بعدَ العصرِ وينْهى عنها، ويواصلُ وينْهى عن الوصالِ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^٣). ولكنْ قالَ البيهقيُّ: الذي اختصَّ بهِ - ﷺ - المداومةُ على الركعتينِ [بعد العصرِ] (^٤)، لا أصلُ القضاءِ اهـ.\nولا يخفى أن حديثَ أمِّ سلمةَ المذكورِ يردُّ هذا القولَ، ويدلُّ على أن القضاءَ خاصٌ بهِ أيضًا، وهذا الذي أخرجهُ أبو داودَ وهو الذي أشارَ إليهِ المصنفُ بقولهِ في الحديث السابعُ والعشرون:\n٢٧/ ١٦٦ - وَلأبي داودَ (^٥) عنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِمَعْنَاهُ. [ضعيف]\n(وَلأبي داودَ عائشةَ - ﵂ - بمعناهُ)، تقدمَ الكلامُ فيهِ.\n_________\n= قلت: هو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه. فالحديث ضعيف، واللَّه أعلم.\n(^١) في (أ): \"النهي\".\n(^٢) (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ١٢٨٠).\nوفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف في الاحتجاج به، قاله المنذري في المختصر (٢/ ٨٣). قلت: وهو حديث ضعيف.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ١٢٨٠).\nوفي إسناده محمد بن إسحاق بن يسار وقد اختلف في الاحتجاج به، قاله المنذري في المختصر (٢/ ٨٣). قلت: وهو حديث ضعيف.","vol":"2","page":41},{"text":"<span data-type='title' id=toc-300>[الباب الثاني] بابُ الأذانِ</span>\nالأذانُ لغة: الإِعلامُ، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١)، وشرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصلاةٍ بألفاظٍ مخصوصةٍ. وكانَ فرضهُ بالمدينةِ في السنةِ الأُولى منَ الهجرةِ، ووردتْ أحاديثُ تدلُّ على أنهُ شُرعِ بمكةَ، والصحيحُ الأولُ.\n١/ ١٦٧ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: طَافَ بي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَذَكَرَ الأَذَانَ - بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، والإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ - قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّهَا لَرُؤَيا حَقٍّ\" الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٥). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-301>ترجمة عبد الله بن زيد</span>\n(عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ) (^٦) هوَ أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بْنُ زيدٍ، (ابن عبدِ ربِّهِ)\n_________\n(^١) سورة التوبة، الآية: ٣.\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٣٧ رقم ٤٩٩).\n(^٤) في \"السنن\" مختصرًا (١/ ٣٥٨ رقم ١٨٩) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ١٩٣ رقم ٣٧١) و(١/ ١٩٧).\nقلت: وأخرجه ابن ماجَهْ (رقم ٧٠٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٠ - ٣٩١)، والدارمي (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وابن حبان (ص ٩٤ رقم ٢٨٧ - الموارد).\nوهو حديث صحيح. قد صحَّحه جماعة من الأئمة كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم كما في إرواء الغليل للمحدث الألباني (١/ ٢٦٥).\n(^٦) انظر ترجمته في: مسند أحمد (٤/ ٤٢ - ٤٣)، وطبقات ابن سعد (٣/ ٥٣٦ - ٥٣٧)، =","vol":"2","page":42},{"text":"الأنصاريِّ الخزرجيِّ. شهدَ عبدُ اللَّهِ العقبةَ، وبدْرًا، والمشاهدَ بعدَها. ماتَ بالمدينةِ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ.\n(قالَ: طافَ بي وأنا نائمٌ رجلٌ). وللحديثِ سببٌ؛ وهوَ ما في الرواياتِ أنهُ لما كثرَ الناسُ ذكرُوا أن يعلَموا وقتَ الصلاةِ بشيءٍ يجمعُهم لها فقالُوا: لو اتَّخذْنا ناقوسًا، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ذلكَ للنَّصارى\"، فقالُوا: لو اتَّخذْنَا بُوقًا، قالَ: \"ذلكَ لليهودِ\"، فقالُوا: لو رفعنا نارًا، قالَ: \"ذلكَ للمجوسِ\"، فافترقُوا، فرأَى عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ فجاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: طافَ بي، الحديثُ. وفي سننِ أبي داودَ (^١): \"فطافَ بي وأنَا نائمٌ رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يده، فقلتُ: يا عبدَ اللَّهِ، أتبيعُ الناقوسَ؟ قالَ: وما تصنعُ بهِ؟ قلتُ: ندعو بهِ إلى الصلاةِ، قالَ: أفلا أدلُّكَ على ما هُوَ خيرٌ منْ ذلكَ؟ قلتُ: بلى\"، (فقالَ: تقول اللَّهُ أَكبرُ اللَّه أَكبرُ فذكرَ الأذانَ) أي إلى آخرهِ، (بتربيعِ التكبيرِ) تكريرهُ أربعًا ويأتي ما عاضدَهُ وما عارضَهُ (بغيرِ ترجيعٍ)، أي في الشهادتينِ، قالَ في شرحِ مسلمٍ (^٢): هوَ العَوْدُ إلى الشهادتينِ [مرتين] برفعِ الصوت بعدَ قولهِمَا مرتينِ بخفضِ الصوتِ، ويأتي قريبًا. (والإقامة فرادَى) لا تكريرَ في شيءٍ منْ ألفاظِها (إلا قد قامتَ الصلاةَ)؛ فإنَّها تكررُ. (قالَ: فلما أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: إِنها لرؤْيا حقٍّ، الحديثُ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ).\nالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الأذانِ للصلاةِ دعاءً للغائبينَ ليحضُروا إليْها، ولِذَا اهتمَّ - ﷺ - في النظرِ في أمرٍ يجمعُهم للصلاةِ [فهو دعاء إلى الصلاة] (^٣)، وهوَ إعلامٌ بدخولِ وقتها أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>بيان حكم الأذان</span>\nواختلفَ العلماءُ في وجوبهِ: ولا شَكَّ أنهُ منْ شعارِ أهلِ الإسلامِ، ومنْ محاسنِ ما شرعهُ اللَّهُ. وأمَّا وجوبهُ فالأدلةُ فيهِ محتملةٌ، وتأتي. وكميةُ ألفاظهِ قدِ اختُلِفَ فيهَا، وهذا الحديثُ دلَّ على أنهُ يُكَبِّرُ في أولهِ أربعَ مراتٍ، وقدِ اختلفتِ\n_________\n= والمعرفة والتاريخ (١/ ٢٦٠)، والجرح والتعديل (٥/ ٥٧ رقم ٢٦٥)، والمستدرك (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، وتهذيب التهذيب (٥/ ١٩٧ رقم ٣٨٧)، والإصابة (٦/ ٩٠ - ٩١ رقم ٤٦٧٧).\n(^١) رقم (٤٩٩) كما تقدم.\n(^٢) للإمام النووي (٤/ ٨١).\n(^٣) زيادة من (أ).","vol":"2","page":43},{"text":"الروايةُ: فوردتْ بالتثنيةِ في حديثِ أبي محذورةَ (^١) في بعضِ رواياتِهِ؛ وفي بعضها بالتربيع أيضًا، فذهب الأكثر إلى العمل بالتربيع لشهرة روايته ولأنَّها زيادةُ عدلٍ فهي مقبولةٌ. ودلَّ الحديثُ على عدمِ مشروعيةِ الترجيعِ. وقدِ اختلفَ [العلماء] (^٢) في ذلكَ، فَمَنْ قَالَ: إنهُ غيرُ مشروعٍ، عملَ بهذهِ الروايةِ، ومَن قالَ: إنهُ مشروعٌ، عملَ بحديثِ أبي محذورة وسيأتي (^٣). ودلَّ على أن الإقامةَ تفردُ ألفاظُها إلَّا لفظَ الإقامةِ، فإنهُ يكررُها. وظاهرُ الحديثِ أنهُ يفردُ التكبيرَ في أولها، ولكنَّ الجمهورَ على أن التكبيرَ في أولِها يكررُ مرتينِ. قالُوا: ولكنهُ بالنظرِ إلى تكريرهِ في الأذانِ أربعًا كأنهُ غيرُ مكررٍ فيْها، وكذلكَ يكررُ في آخرهَا، ويكررُ لفظُ الإقامةِ، وتفردُ بقيةُ الألفاظِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ حديثَ: \"أمر بلالٍ أنْ يُشْفِعَ الأذانَ ويوترَ الإقامةَ إلَّا الإقامةَ\" وسيأتي (^٤)، وقدِ استدلَّ بهِ مَنْ قالَ: إن الأذانَ في كلِّ كلماتهِ مثْنَى مَثنى، وأَن الإقامةَ ألفاظُها مفردةٌ، إلَّا قدْ قامتِ الصلاةُ. وقدْ أجابَ أهلُ التربيعِ بأنَّ هذهِ الروايةَ صحيحةٌ دالةٌ على ما ذُكِرَ، لكنَّ روايةَ التربيعِ قدْ صحَّتْ بلا مريةٍ، وهي زيادةٌ منْ عدلٍ مقبولةً، فالقائلُ بتربيعِ التكبيرِ أولَ الأذانِ قدْ عملَ بالحديثينِ، ويأتي أن روايةَ: \"يشفعُ الأذانَ\" لا تدلُّ على عدمِ التربيعِ للتكبيرِ. هذَا ولا يخْفى أن لفظَ كلمةِ التوحيدِ في آخرِ الأذانِ والإقامةِ مفردةٌ بالاتفاقِ، فهوَ خارجٌ عن الحكمِ بالأمرِ بشفع الأذانِ. قالَ العلماءُ: والحكمةُ في تكريرِ الأذانِ وإفرادِ ألفاظِ الإقامةِ هي أن الأذانَ لإعلامِ الغائبينَ، فاحتيجَ إلى التكريرِ، ولذا يشرعُ فيهِ رفعُ الصوتِ وأنْ يكونَ على محلٍّ مرتفعٍ بخلافِ الإقامةِ؛ فإنها لإعلامِ الحاضرينَ، فلا حاجةَ إلى تكريرِ ألفاظها، ولذا شرعَ فيها خَفضُ الصوتِ والحدْرُ، وإنَّما كررتْ جملةُ: (قدْ قامتِ الصلاةُ)؛ لأنَّها مقصودُ الإقامةِ، (وزادَ أحمدُ في آخرهِ) [ظاهرُه] (^٥) في [آخر] (^٦) حديثِ عبدَ اللَّهِ بن زيدٍ [هذا] (^٧).\n_________\n(^١) قلت: رواية التثنية عن أبي محذورة وردت من طرق صحيحة في الظاهر، إلا أن جميعها معلول؛ لأنها غلط من بعض الرواة.\nوكذلك رواية التثنية عن عبد الله بن زيد، فإنها باطلة عنه؛ لأنها وقعت غلطًا من بعض الرواة.\nانظر تفصيل ذلك في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصلاة.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) رقم (٤/ ١٦٨).\n(^٤) رقم (٥/ ١٦٩).\n(^٥) في (أ): \"أي\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"2","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>زيادة \"الصلاة خير من النوم\" في أذان الفجر الأول</span>\n٢/ ١٦٨ - وَزَادَ أَحْمَدُ (^١) في آخِرِهِ قِصّةَ قول بِلَال في أَذَانِ الْفَجْرِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. [ضعيف]\n(قصةُ قول بِلالٍ في أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ) رَوَى الترمذيُّ (^٢)، وابنُ ماجَهْ (^٣)، وأحمدُ (^٤) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى عنْ بلالٍ قَالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا تُثَوِّبَنَّ في شيءٍ منَ الصلاةِ إلَّا في صلاةِ الفجرِ\"، إلَّا أن فيهِ ضعيفًا، وفيهِ انقطاعٌ أيضًا. وكانَ على المصنفِ أنْ يذكرَ ذلكَ على عادتِه.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٤٢ - ٤٣) وقد سبق الكلام عليه في الحديث السابق.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٨ رقم ١٩٨).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٣٧ رقم ٧١٥).\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ١٤).\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٧٥).\nقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث أبي إسرائيل المُلّائي، ولم يسمع هذا الحديث من الحكم بن عُتَيْبَة، وإنما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة.\nوقال العقيلي: في حديث أبي إسرائيل وهم واضطراب.\nقلت: لم يتفرد أبو إسرائيل بالحديث وإن لم يعرف ذلك الترمذي.\nفقد أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٤) من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنا شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: \"أمر بلال أن يثوِّب في صلاة الصبح ولا يثوِّب في غيرها\".\nورجاله ثقات لكنه منقطع؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلقَ بلالًا.\nثم أخرجه البيهقي (١/ ٤٢٤)، وأحمد (٦/ ١٤ - ١٥) من طريق علي بن عاصم ثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال: أمرني رسول الله - ﷺ - ألا \"أثوب إلا في الفجر\". وقال البيهقي: \"وهذا مرسل، فإن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلقَ بلالًا\" اهـ.\nقلت: وفي سنده عطاء بن السائب: صدوق اختلط [التقريب (٢/ ٢٢ رقم ١٩١)].\nوعلي بن عاصم: ضعيف [المغني (٢/ ٤٥٠ رقم ٤٢٩٠)].\nثم قال البيهقي (١/ ٤٢٤): ورواه الحجاج بن أرطأة، عن طلحة بن مصرف وزبيد عن سويد بن غفلة أن بلالًا كان لا يثوّب إلا في الفجر، فكان يقول في أذانه: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، والحجاج مدلس.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":45},{"text":"ويقالُ: التثويبُ مرتينِ كما في سننِ أبي داودَ (^١)، وليس \"الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ\" في حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ، كما رُبَّما تُوهِمهُ عبارةُ المصنفِ حيثُ قالَ في آخرهِ: وإنَّما يريدُ أن أحمدَ ساقَ روايةَ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ ثمَّ وصلَ بها روايةَ بلالٍ.\n٣/ ١٦٩ - وَلاِبْنِ خُزَيْمَةَ (^٢) عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ في الْفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. [صحيح]\n(وَلابْنِ خُزَيْمةَ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ) أي: طريقةِ النَّبيِّ - ﷺ - (إذا قالَ المؤذنُ في الفجرِ: حي على الفلاحِ) الفلاحُ: هوَ الفوزُ والبقاءُ، أي: هلمُّوا إلى سببِ ذلكَ. (قالَ: الصلاةُ خيرٌ منَ النَّومِ) وصححهُ ابنُ السكنِ (^٣)، وفي روايةِ النسائي (^٤): (الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، في الأذانِ الأولِ منَ الصبحِ) وفي هذا تقييدٌ لما أطلقتهُ الرواياتُ. قالَ ابنُ رسلانَ: وصححَ هذهِ الروايةِ ابنُ خزيمةَ (^٥). قالَ: فشرعيةُ التثويبِ إنَّما [هي] (^٦) في الأذانِ الأولِ للفجرِ؛ لأنهُ لإيقاظِ النائمِ، وأمَّا الأذانُ الثاني فإنهُ إعلامٌ بدخولِ الوقتِ ودعاءٌ إلى الصلاةِ. ولفظُ النسائي في سننهِ الكبرى (^٧) منْ جهةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أبي محذورةَ قالَ: \"كنتُ أؤذنُ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - فكنتُ أقولُ - في أذانِ الفجرِ الأولِ - حي على الصلاة، حيَّ على الفلاحِ، الصلاةُ خيرٌ منَ النومِ، الصلاةُ خيرٌ\n_________\n(^١) (١/ ٣٤٠ رقم ٥٠٠) من حديث أبي محذورة وهو حديث صحيح بطرقه.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٢٠٢ رقم ٣٨٦).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٤٣ رقم ٣٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٣) بإسناد صحيح. وكذا صحَّحه البيهقي، ومحمد مصطفى الأعظمي محقق صحيح ابن خزيمة.\nتنبيه: وقع في صحيح ابن خزيمة \"ابن عوف\" وصوابه \"ابن عون\" بالنون كما في سنن البيهقي والدارقطني وهو \"عبد الله بن عون\".\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٠١).\n(^٤) في \"السنن الصغرى\" (٢/ ٧ رقم ٦٣٣) من حديث أبي محذورة.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٢٠٠ - ٢٠٢ رقم ٣٨٥).\n(^٦) في (أ): \"هو\".\n(^٧) قلت: بل في (الصغرى) (٢/ ١٣ - ١٤ رقم ٦٤٧ و٦٤٨) من حديث أبي محذورة.\nوانظر: \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" للمزي (٩/ ٢٨٦ رقم ١٢١٧٠).","vol":"2","page":46},{"text":"منَ النومِ\" قالَ ابنُ حزمٍ (^١): وإسنادهُ صحيحٌ اهـ. منْ تخريج الزركْشيِّ لأحاديثِ الرافعي. ومثلُ ذلكَ في سننِ البيهقي الكُبرَى (^٢) مِنْ حديثِ أَبي محذورةَ \"أنهُ كانَ يثوِّبُ في الأذانِ الأولِ منَ الصبحِ بأمرهِ - ﷺ - \". قلتُ: وعلى هذا ليسَ [الصلاةُ خيرٌ منَ النوم] (^٣) منْ ألفاظِ الأذانِ المشروعِ للدعاءِ إلى الصلاةِ والإخبارِ بدخولِ وقتِها، بلْ هوَ من الألفاظِ التي شُرِعَتْ لإيقاظِ النائمِ، فهوَ كألفاظِ التسبيح الأخيرِ الذي اعتادهُ الناسُ في هذهِ الأعصارِ المتأخرةِ عِوضًا عن الأذانِ الأولِ (^٤). وإذا عرفتَ [ذلك] (^٥)؛ هانَ عليكَ ما اعتادهُ الفقهاءُ منَ الجدالِ في التثويبِ: هلْ هوَ منْ ألفاظِ الأذانِ أوْ لَا؟ وهلْ هوَ بدعةٌ أوْ لَا؟ ثمَّ المرادُ منْ معناهُ: اليقظةُ للصلاةِ، \"خيرٌ منَ النومِ\"، أي: الراحةُ التي يعتاضونها في الآجلِ خيرٌ منَ النومِ. ولنا كلامٌ في هذه الكلمةِ [أودعناها] (^٦) رسالةً لطيفةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-304>زيادة الترجيع في الأذان</span>\n٤/ ١٧٠ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ الأَذَانَ، فَذَكَر فِيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٧).\n_________\n(^١) في \"المحلَّى بالآثار\" (٢/ ١٨٧ في المسألة ٣٣١).\n(^٢) ١/ ٤٢٢.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) وهي من البدع التي بيَّنها العلماء.\nقال الشقيري في \"السنن والمبتدعات\" (ص ٤٩): \"وقولهم - قبل الفجر على المنائر -: يا رب عفوًا بجاه المصطفى كرمًا: بدعة، وتوسل جاهلي، وكذا التسبيح، أو القراءة، أو الأشعار، بدع في الدين مغيرة لسنة الأمين - ﷺ - …).\nوقال ابن الجوزي في \"تلبيس إبليس\" (ص ١٥٧): \"وقد رأينا من يقوم بالليل كثيًرا على المنارة فيعظ ويذكر، ومنهم من يقرأ سورًا من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم ويخلط على المتهجِّدين قراءتهم.\nوكل ذلك من المنكرات.\nوانظر كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصلاة.\nباب: \"بدع الأذان والإقامة وما يتعلق بهما\".\n(^٥) في (ب): \"هذا\".\n(^٦) \"في (ب): \"أودعناه\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٢٨٧ رقم ٦/ ٣٧٩). قال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٨١) عقب الحديث: \"هكذا وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول في أوله: =","vol":"2","page":47},{"text":"وَلِكنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ في أَوَّلهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. وَرَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١) فَذَكَرُوهُ مُرَبّعًا. [صحيح]\n(وعن أبي مَحْذُورةَ) تقدمَ ضبطُه وبيانُ حالهِ (^٢)، (أَنَّ النبيَّ - ﷺ - علمهُ الأذانَ) أي: ألقاهُ - ﷺ - عليهِ بنفسِه في قصةٍ حاصلُها: أنهُ خرجَ أبو محذورةَ بعدَ الفتحِ إلى حنينٍ هوَ وتسعةٌ منْ أهلِ مكةَ، فلمَّا سمعُوا الأذانَ أَذَّنُوا استهزاءً بالمؤمنينَ، فقال - ﷺ -: \"قدْ سمعتُ في هؤلاءِ تأذينَ إنسانٍ حسنِ الصوتِ\"، فأرسلَ إلينا فأذَّنَّا رجلًا رجلًا وكنتُ آخِرهم، فقالَ حينَ أذنتُ: \"تعالَ\" فأجْلَسَنِي بينَ يديهِ فمسحَ على ناصيتي وبرَّكَ عليَّ ثلاثَ مراتٍ ثم قالَ: \"اذهبْ فأذنْ عندَ المسجد الحرامِ\"، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، فعلِّمني، الحديثُ (فذكرَ فيه الترجيعَ) أي في الشهادتينِ. ولفظُهُ عندَ أبي داودَ (^٣): \"ثمَّ تقولُ أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، تخفضُ بها صوتكَ\"، قيلَ: المرادُ أن يُسِمعُ مَنْ بقربهِ، قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنْ يأتيَ بِهمَا أولًا بتدبرٍ وإخلاص، ولا يتأتَّى كمالُ ذلكَ إلا معَ خفضِ الصوتِ. قالَ: \"ثمَّ ترْفعُ صوتكَ بالشهادةِ أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ، أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ\"؛ فهذا هو الترجيعُ الذي ذهب جمهورُ العلماءِ إلى أنهُ مشروعٌ لهذا الحديثِ الصحيحِ، وهوَ زيادةٌ على حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ، وزيادةُ العدلِ مقبولةٌ. وإلى عدمِ القولِ بهِ ذهبَ الهادي\n_________\n= الله أكبر مرتين فقط، ووقع في غير مسلم أربع مرات. قال القاضي عياض ﵀: ووقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم أربع مرات\" اهـ.\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٠٩) و(٦/ ٤٠١)، وأبو داود (رقم ٥٠٢)، والنسائي (٢/ ٤ - ٥)، والترمذي (رقم ١٩٢)، وابن ماجه (رقم ٧٠٩).\nقلت: وأخرجه أبو عوانة (١/ ٣٣٠)، والدارمي (١/ ٢٧١)، والطيالسي (ص ١٩٣ رقم ١٣٥٤)، وابن خزيمة (١/ ١٩٥ رقم ٣٧٧)، وابن حبان (ص ٩٥ رقم ٢٨٨ - الموارد)، والدولابي في الكنى (١/ ٥٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٨)، والبيهقي (١/ ٤١٦ - ٤١٧)، وابن الجارود (رقم ١٦٢)، من طرق عن همام بن يحيى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: وسنده حسن.\n(^٢) عند الحديث رقم (٢٢/ ١٦١).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٤٠ رقم ٥٠٠).","vol":"2","page":48},{"text":"وأبو حنيفةَ وآخرونَ عملًا منْهم بحديثِ عبدِ اللهِ بن زيدِ الذي تقدَّمَ (^١). (أخرجهُ مسلمٌ، ولكنْ ذكرَ التكبيرَ في أولهِ) [أي في أول الأذان] (^٢) (مرتينِ فقطْ)، لا كما ذكرهُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ آنفًا، وبهذهِ الروايةِ عملتِ الهادويةُ ومالكٌ وغيرُهم. (ورواهُ) أي: حديثَ أبي محذورةَ هذَا (الخمسةُ) [هم] (^٣) أهلُ السننِ الأربعةِ، وأحمدُ (فذكروهُ) أي: الكبيرَ في أولِ الأذاقِ (مربعًا)، كرواياتِ حديثِ عبدِ اللهِ بن زِيدٍ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ: التكبيرُ أربعُ مراتٍ في أولِ الأذانِ محفوظٌ منْ روايةِ الثقاتِ منْ حديثِ أبي محذورةَ، ومنْ حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ، وهي زيادةٌ يجب قَبولُها.\nواعلمْ أنَّ ابنَ تيميةَ في المنتقَى (^٤) نسبَ التربيعَ في حديثِ أبي محذورةَ إلى روايةِ مسلمٍ، والمصنفُ لم ينسبهُ إليهِ بلْ نسبهُ إلى روايةِ الخمسةِ، فراجعتُ صحيحَ مسلم وشرحه (^٥) فقالَ النَّوويُّ: إنَّ أكثرَ أصولِه فيها التكبيرُ مرتينِ في أوله، وقالَ القاضي عياضٌ: إنَّ في بعضِ طرقِ الفارسي لصحيحِ مسلم ذكر التكبير أربع مراتٍ في أولهِ، وبهِ تعرفُ أنَّ المصنفَ اعتبرَ أكثر الرواياتِ، وابنُ تيميةَ اعتمدَ بعضَ طرقهِ فلا يُتَوَهمُ المنافاةُ بينَ كلامِ المصنفِ وابنِ تيميةَ. وقال ابن الأثير - في الجامع بعد سياقه الروايات وذكر روايات التربيع في أوله - وقال: وأخرج مسلم من هذه الروايات انتهى كلامه. وليس بصحيح؛ فقد أخرج مسلم الرواية بتربيع التكبير في أوله كما قرَّرنا. انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>تربيع التكبير في أول الأذان</span>\n٥/ ١٧١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ شَفْعًا، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ إِلَّا الإِقَامَةَ - يَعْني: إلا قَد قَامَتِ الصَّلَاةُ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦)، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ. [صحيح]\n_________\n(^١) رقم الحديث (١/ ١٦٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) (٢/ ٤٣ رقم ٤).\n(^٥) (٤/ ٨١).\n(^٦) البخاري رقم (٦٠٥)، ومسلم (رقم ٢/ ٣٧٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٥٠٨)، والترمذي (رقم ١٩٣)، وابن ماجه (رقم ٧٣٠)، والطيالسي (ص ٢٨٠ - ٢٨١ رقم ٢٠٩٥)، وأحمد (٣/ ١٠٣)، والدارمي (١/ ٢٧٠)، =","vol":"2","page":49},{"text":"(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ مبنيٌّ لما لمْ يسمَّ [فاعله] (^١)، بُنِي كذلكَ للعلمِ بالفاعلِ؛ فإنهُ لا يأمرُ [بالأمور] (^٢) الشرعيةِ إلَّا النبيُّ - ﷺ -، ويدلُّ له الحديثُ الآتي قريبًا (بلالٌ) نائبُ الفاعلِ (أنْ يَشْفَعَ) بفتح أولهِ (الأذانَ) يأتي بكلماتهِ (شفْعًا) أي: مثْنى مثْنى، أو أربعًا أربعًا، فالكلُّ يصدقُ عليهِ أنهُ شفعٌ، وهذا إجمالٌ بَيَّنَهُ حديثُ عبدِ اللهِ بن زيدٍ وأبي محذورةَ، [فشفعُ] (^٣) التكبير [أنْ] (^٤) يأتي بهِ أربعًا أربعًا، وشفعُ غيرهِ أن يأتي [بهِ] (^٥) مرتينِ مرتينِ، وهذا بالنظرِ إلى الأكثرِ، وإلَّا فإنَّ كلمةَ التهليلِ في آخرِه مرةً واحدةً اتفاقًا، (وَيُوتِرَ الإقامةَ) يفردُ ألفاظَها (إلَّا الإقامةَ) بَيَّنَ المرادَ بها بقولهِ: (يعني قدْ قَامَتِ الصلاةُ)؛ فإنهُ يشرعُ أنْ يأتيَ بهَا مرتينِ ولا يوترُها، (متفقٌ عليهِ، ولمْ يذكر مسلمٌ الاستثناءَ) أعني قولَه: (إلا الإقامةَ)؛ فاختلفَ العلماءُ في هذا على ثلاثةِ أقوالٍ: الأولُ للهادويةِ [فقالوا]: (^٦) تُشْرَعُ تثنية ألفاظِ الإقامةِ كلِّها لحديثِ: \"إنَّ بلالًا كان يُثنِّي الأذانَ والإقامةَ\"، رواهُ عبدُ الرزاقِ (^٧) والدارقطنيُّ (^٨) والطحاويُّ (^٩). إلَّا أنهُ قدْ ادَّعى فيهِ الحاكمُ الانقطاعَ (^١٠)، ولهُ طرقٌ فيها ضعفٌ (^١١). وبالجملة لا تُعارضُ\n_________\n= وابن الجارود (رقم: ١٥٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، والدارقطني (١/ ٢٣٩)، والبيهقي (١/ ٤١٢، ٤١٣)، وأبو عوانة (١/ ٣٢٦، ٣٢٧، ٣٢٨)، وابن خزيمة (١/ ١٩٠ و١٩١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٥٣، ٢٥٤) من طرق كثيرة عن أبي قلابة، عنه.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"في الأصول\".\n(^٣) في (أ): \"أن يشفع\".\n(^٤) في (أ): \"أي\".\n(^٥) في (أ): \"بها\".\n(^٦) في (أ): \"قالوا\".\n(^٧) في \"المصنف\" (١/ ٤٦٢ رقم ١٧٩٠).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٢٤٢ رقم ٣٤).\n(^٩) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٤).\nكلهم من طريق معمر عن حماد عن إبراهيم عن الأسود بن يزيد، به. وهو إسناد حسن.\n(^١٠) قال ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ١٩٩): وروى الحاكم والبيهقي في الخلافيات والطحاوي (١/ ١٣٤) من رواية سويد بن غفلة، أن بلالًا كان يثني الأذان والإقامة.\nوادَّعى الحاكم فيه الانقطاع، ولكن في رواية الطحاوي: سمعت بلالًا\".\n(^١١) منها: ما أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٦٣ رقم ١٧٩١) من طريق الثوري عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن الأسود بن بلال، قال: كان أذانه وإقامته مرتين مرتين\".\nوأخرجه الدارقطنيُّ في \"السنن\" (١/ ٢٤٢ رقم ٣٥).","vol":"2","page":50},{"text":"روايةُ التربيع في التكبيرِ روايةَ الإفرادِ في الإقامةِ لصحتِها، فلا يقالُ: إنَّ التثنيةَ في ألفاظِ [كلمات] (^١) الإقامةِ زيادةُ عدل فيجبُ قبولُها؛ لأنكَ قدْ عرفتَ أنَّها لم تصحَّ. والثاني لمالك فقالَ: تفردُ ألفاظُ الإقامةِ حتَّى \"قدْ قامتِ الصلاةُ\". والثالثُ للجمهورِ: أنها تفرَدُ ألفاظُها إلَّا \"قدْ قامتِ الصلاةُ\" فتكرَّرُ؛ عملًا بالأحاديثِ الثابتةِ بذلكَ.\n٦/ ١٧٢ - وَللنَّسَائِيِّ (^٢): أَمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بِلَالًا. [صحيح]\n(وَلِلنَّسَائِيِّ: أمَرَ) أي: عنْ أنسٍ بالبناءِ للفاعلِ، وهوَ (النبيُّ - ﷺ - بلالًا)، وإنما أتَى بهِ المصنفُ ليفيدَ أن الحديثَ الأولَ المتفقِ عليهِ مرفوعٌ وإنْ وردَ بصيغةِ البناءِ للمجهولِ، قالَ الخطابيُّ (^٣): إسنادُ تثنيةِ الأذانِ وإفرادُ الإقامةِ أصحُّها أي الرواياتِ وعليهِ أكثرُ علماءِ الأمصارِ، وجرى العملُ بهِ في الحرمينِ، والحجازِ، والشام، واليمنِ، وديارِ مصرَ، ونواحي الغربِ إلى أقصى حجرٍ منْ بلادِ الإسلامِ، ثمَّ عدَّ مَنْ قالهُ منَ الأئمةِ. قلتُ: وكأنهُ أرادَ باليمنِ مَنْ كانَ فيها شافعيَّ المذهبِ، وإلَّا فقدْ عرفتَ مذهبَ الهادويةِ، وهمْ سكانُ غالبِ اليمنِ، وما أحسنَ ما قالهُ بعضُ المتأخرينَ - وقدْ ذكرَ الخلافَ في ألفاظِ الأذانِ: هلْ مثْنى أو أربعٌ؟ أي: التكبيرُ في أولهِ - وهلْ فيهِ ترجيعُ الشهادتينِ أوْ لا، والخلافُ في الإقامةِ - ما لفظُه: هذهِ المسألةُ مِنْ غرائبِ الواقعاتِ يقلُّ نظيرها في الشريعةِ بلْ وفي العاداتِ، وذلكَ أن هذهِ الألفاظَ في الأذانِ والإقامةِ قليلةٌ محصورةٌ معيَّنةٌ، يصاحُ بها في كلِّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مراتٍ في أعلى مكانٍ، وقدْ أمرَ كلَّ سامعٍ أنْ يقولَ كما يقولُ المؤذنُ وهمْ خيرُ القرونِ في غرةِ الإسلامِ شديدو المحافظة على الفضائلِ، ومع هذَا كلِّه لمْ يذكرْ خوضَ الصحابةِ ولا التابعينَ واختلافَهم فيها، ثمَّ جاءَ الخلافُ الشديدُ في المتأخرينَ، ثمَّ كلٌّ منَ المتفرقينَ أدلى بشيءٍ صالحٍ في الجملةِ وإنْ تفاوتَ وليسَ بينَ الرواياتِ تنافٍ لعدمِ المانعِ منْ أنْ يكونَ كلٌّ سنة، كما نقولُه. وقدْ قيلَ في أمثالِه كألفاظِ التشهدِ وصورةِ صلاةِ الخوفِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢ رقم ٦٢٧) من حديث أنس.\n(^٣) في \"معالم السنن\" (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ - مع المختصر).","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-306>الالتفات يمينًا وشمالًا عند الحيعلتين في الأذانِ</span>\n٧/ ١٧٣ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ، أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ في أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحُّحَهُ. [صحيح]\nوَلاِبْنِ مَاجَهْ (^٣): وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ. [صحيح]\nوَلأَبي دَاوُدَ (^٤): لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ \"حَيّ عَلَى الصَّلَاةِ\" يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ. وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (^٥). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-307>ترجمة أبي جُحيفة</span>\n(وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) (^٦) بضمِّ الجيمِ وفتحِ الحاء المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ ففاءٍ، هوَ وهبُ بنُ عبدِ اللهِ، وقيلَ ابنُ مسلمٍ السُوائيِّ [بضمِّ السينِ المهملةِ وتخفيفِ الواوِ وهمزةٍ بعدَ الألفِ] (^٧) العامريٌّ. نزلَ الكوفةَ وكانَ منْ صغارِ الصحابةِ، توفي رسولُ اللهِ - ﷺ - ولمْ يبلغْ الحلُمَ ولكنهُ سمعَ منهُ. جعلهُ عليٌّ على بيتِ المالِ، وشهدَ معهُ المشاهدَ كلَّها، توفيَ بالكوفةِ سنةَ أربعٍ وسبعينَ.\n(قالَ: رأيت بلالًا يُؤَذِّن وأَتَتَبَّع [أي أنا] (^٨) فاهُ) أي أنظرُ إلى فيهِ متتبعًا (ههُنا) أي يَمنةً، (وههُنا) أي يَسرةً (وأصْبُعَاهُ) أي إبهامُهُمَا، ولمْ يردْ تعيينُ الأصبعينِ. وقالَ النوويُّ: هما المسبِّحتانِ (في أذنيه. رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وصحَّحه. ولابنِ ماجه) أي:\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣٠٨).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٥ رقم ١٩٧)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٣٦ رقم ٧١١).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٥٧ رقم ٥٢٠).\n(^٥) البخاري (رقم ٦٣٤)، ومسلم (رقم ٢٤٩/ ٥٠٣).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (١٠/ ٣٢١ - ٣٢٢ رقم ٩١٦٧)، والاستيعاب (١١/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٢٨٩١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ رقم ٣٠٧)، وتهذيب التهذيب (١١/ ١٤٥ رقم ٢٨١)، وتاريخ بغداد (١/ ١٩٩ - ٢٠٠ رقم ٣٨)، وطبقات ابن سعد (٦/ ٦٣)، والكنى والأسماء (١/ ٢٢)، ومشاهير علماء الأمصار (ت: ٢٩٥).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"2","page":52},{"text":"منْ حديثِ أبي جحيفةَ [أيضًا] (^١): (وجعلَ أصبعيهِ في أدنيهِ. ولأبي داودَ) منْ حديثهِ [أيضًا] (١) (لوى عنقَهُ لما بلغَ \"حيَّ على الصلاةِ\" يمينًا وشمالًا)؛ هوَ بيانٌ لقولهِ: ههُنا وههُنا. (ولمْ يستدرْ) بجملةِ بدنِهِ (وأصلهُ في الصحيحينِ).\nالحديثُ دلَّ على آدابٍ للمؤذنِ وهي: الالتفاتُ إلى جهةِ اليمينِ وإلى جهةِ الشمالِ، وقدْ بينَ محلَّ ذلكَ لفظُ أبي داودَ (^٢) حيثُ قالَ: (لوى عنقَه لما بلغَ حيَّ على الصلاةِ). وأصرحُ منهُ حديثُ مسلمٍ بلفظِ: \"فجعلتُ أتتبعُ فاهُ ههنا وههنا يمينًا وشمالًا يقولُ: حي على الصلاةِ، حي على الفلاحِ\"؛ ففيهِ بيانُ الالتفاتِ عندَ الحيعلتينِ. وبوَّبَ عليهِ ابنُ خزيمةَ (^٣) بقولهِ: \"انحرافُ المؤذنِ عندَ قولهِ: حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على الفلاح بفمهِ لا ببدنهِ كلِّهِ\"، قالَ: وإنَّما يمكنُ الانحرافُ بالفمِ بِانحرافِ الوجهِ، ثمَّ ساقَ (^٤) مِنْ طريقِ وكيعٍ، \"فجعلَ يقولُ في أذانهِ هكذا، وحرفَ رأسَهُ يمينًا وشمالًا\". وأما روايةُ أن بلالًا استدارَ في أذانهِ فليستْ بصحيحةٍ (^٥)، وكذلكَ روايةُ أنهُ - ﷺ - أمرهُ أنْ يجعلَ أُصبعيهِ في أذنيهِ روايةٌ ضعيفةٌ (^٦). وعنْ أحمدَ بن حنبلَ: لا\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (رقم: ٥٢٠) وقد تقدم.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٠٢) رقم الباب (٤١).\n(^٤) أي: ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ٢٠٣).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه (رقم ٧١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٥) من طريق الحجاج بن أرطأة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - بالأَبْطَحِ وهو في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ فخرج بلالٌ فأذَّنَ فاستدارَ في أذانِهِ، وجعلَ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ\" وإسنادهَ ضعيف؛ لعنعنة الحجاج بن أرطأة فإنه مدلس. لكن تابعه سفيان عن عون، أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٨) وسنده صحيح على شرط الشيخين.\nوقال البيهقي: \"ويحتمل أن يكون الحجاج أراد بالاستدارة إلتفاته في حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيكون موافقًا لسائر الرواة. والحجاج بن أرطأة ليس بحجَّاج، والله يغفر لنا وله\". اهـ.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ٢٧٧، ٢٧٨).\n(^٦) أخرج ابن ماجه في \"السنن\" (رقم ٧١٠): حدثنا هشامُ بنُ عمَّار، ثنا عبد الرحمن بنُ سَعدِ بن عمارِ بن سَعْدِ مؤذن رسولِ الله - ﷺ -، حدثني أبي، عَنِ أبيه، عن جَدِّهِ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - أمَرَ بلالًا أنْ يجعلَ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، وقال: \"إِنَّهُ أَرْفعُ لصوتكَ\".\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٥٣ رقم ٢٦٥): \"هذا إسناد ضعيف؛ لضعف أولاد سعد القرط: عمار، وسعد، وعبد الرحمن .. \".\nقلت: وهو حديث ضعيف. وكذا ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ٢٣١)، ويغني عنه =","vol":"2","page":53},{"text":"يدورُ إلَّا إذا كانَ على منارةٍ قصدًا لإسماعِ أهلِ الجهتينِ. وذكرَ العلماءُ أن فائدةَ التفاتهِ أمران، أحدُهما: أنهُ أرفعُ لصوتهِ، وثانيهمَا: أنهُ علامةٌ للمؤذنِ ليعرفَ مَنْ يراهُ على بُعدٍ أوَ منْ كانَ بهِ صممٌ أنهُ يؤذنُ، وهذَا في الأذانِ. وأما الإقامةُ فقال الترمذيُّ (^١): إنهُ استحسنَهُ الأوزاعيُّ.\n٨/ ١٧٤ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُوَرَةَ - ﵁ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ - أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ. رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَةَ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أَبي مَحْذورَةَ أَنَّ النَّبي - ﷺ - أعجبهُ صوتُهُ فعلَّمه الأذانَ. رواهُ ابن خزيمةَ) وصحَّحهُ. وقدْ قدَّمنَا القصةَ واستحسانَهُ - ﷺ - لصوتهِ وأمرَهُ لهُ بالأذانِ بمكةَ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يستحبُّ أنْ يكونَ صوتُ المؤذنِ حَسَنًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-308>لا يؤذَّن للعيد ولا يقال الصلاة جامعة</span>\n٩/ ١٧٥ - وَعَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيّ - ﷺ - الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَان وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ جَابِرٍ بن سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - العِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ) أي: بلْ مرَّاتٍ كثيرةً (بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ)، أي: حالَ كونِ الصلاةِ غيرَ مصحوبةٍ بأذانٍ ولا إقامةٍ (رواهُ مسلمٌ).\nفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يشرعُ لصلاةِ العيدينِ أذانٌ ولا إقامةَ، وهوَ كالإجماعِ. وقد رُوِي خلافُ هذَا عن ابن الزبيرِ ومعاويةَ وعمرَ بن عبدِ العزيزِ قياسًا منهمْ\n_________\n= حديث أبي جحيفة، قال: رأيت بلالًا يُؤَذنُ ويَدورُ، ويُتْبعُ فاهُ ها هنا وها هنا، وإصْبَعَاهُ في أذنيهِ، ورسولُ الله - ﷺ - في قُبَّةٍ لهُ حمراءُ … \"، أخرجه الترمذي (رقم ١٩٧)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٠٨)، وإسناده صحيح.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٧٧).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ١٩٥ رقم ٣٧٧) وقد تقدم في حديث (رقم: ٤/ ١٧٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠٤ رقم ٨٨٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٦٨٠ رقم ١١٤٨)، والترمذي (٢/ ٤١٢ رقم ٥٣٢)، وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":54},{"text":"للعيدينِ على الجمعةِ، وهوَ قياسٌ غيرُ صحيحٍ، بلْ فعلُ ذلكَ بدعةٌ؛ إذْ لم يُؤْثَرْ عن الشارعِ ولا عنْ خلفائهِ الراشدينَ. ويزيدُهُ تأكيدًا قولُهُ:\n١٠/ ١٧٦ - وَنَحْوُهُ في الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (^١) عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - وَغَيْرِهِ. [صحيح]\n(وَنَحْوُهُ) أي: نحوُ حديثِ جابرِ بن سمرَةَ (في المتفقِ عليهِ) أي: الذي اتفقَ على إخراجهِ الشيخانِ (عن ابن عباسٍ - ﵁ - وغيره) منَ الصحابةِ. وأما القولُ بأنهُ يقالُ في العيدِ عوضًا عن الأذانِ: الصلاةُ جامعةٌ، فلمْ تردْ بهِ سنةٌ في صلاةِ العيدينِ، قالَ في الهدي النبويِّ (^٢): \"وكان - ﷺ - إذا انتهى إلى المصلَّى أخذَ في الصلاةِ - أي: صلاةِ العيدِ - منْ غيرِ أذانٍ، ولا إقامةٍ، ولا قولِ الصلاةُ جامعةٌ. والسنَّةَ: أنْ لا يفعلَ شيءٌ منْ ذلكَ\". وبهِ يُعْرفُ أن قولَه في الشرحِ: ويستحبُّ في الدعاءِ إلى الصلاةِ في العيدينِ وغيرِهما مما لا يُشْرَعُ فيهِ أذانٌ كالجنازةِ: الصلاةُ جامعةٌ، غيرُ صحيحٍ، إذْ لا دليلَ على الاستحبابِ، ولوْ كانَ مُسْتَحَبًّا لما تركهُ - ﷺ - والخلفاءُ الراشدونَ منْ بعدهِ، نعمْ ثبتَ ذلكَ في صلاةِ الكسوتِ لا غيرُ، ولا يصحُّ فيهِ القياسُ؛ لأنَّ ما وجدَ سببهُ في عصرهِ ولم يفعلْه ففِعلُه بعدَ عصرهِ بدعةٌ فلا يصحُّ إثباتُه بقياسٍ ولا غيرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-309>مشروعية الأذان للفائتة</span>\n١١/ ١٧٧ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ - ﵁ - في الْحَدِيثِ الطَّويلِ في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ - ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى النَّبيُّ - ﷺ - كما كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أبي قَتَادَةَ - في الحديثِ الطَّويلِ في نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ -) أي: عنْ صلاةِ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٩٦٠)، ومسلم (رقم ٨٨٦).\n(^٢) أي في \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" (١/ ٤٤٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٧٢ رقم ٣١٠/ ٦٨١).\nقلت: وأخرجه البخاري (٥٩٥)، وأبو داود (٤٣٧، ٤٣٨، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١)، والترمذي (١٧٧) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (١/ ٢٩٤ - ٢٩٥) و(٢/ ١٠٥ - ١٠٦)، وابن ماجه (٦٩٨).","vol":"2","page":55},{"text":"الفجرِ، وكانَ عندَ قُفُولِهم منْ غزوةِ خيبرَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هوَ الصحيحُ (ثمَّ أذنَ بلالٌ) أي بأمرهِ - ﷺ - كما في سننِ أبي داودَ (^١)، ثمَّ \"أمرَ بلالًا أنْ ينادي بالصلاةِ فنودي بِها\"، (فصلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - كما كانَ يصنعُ كلَّ يومٍ. رواهُ مسلمٌ).\nفيهِ دلالةٌ على شرعيةِ التأذينِ للصلاةِ الفائتةِ بنومٍ ويلحقُ بها المنسيةُ؛ لأنهُ - ﷺ - جمعُهما في الحكمِ حيثُ قالَ: \"منْ نامَ عنْ صلاتهِ أو نسيَها\" (^٢) الحديثَ. وقدْ رَوَى مسلمٌ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ - ﷺ -: \"أمرَ بلالًا بالإقامةِ ولمْ يذكرِ الأذانَ\"، وبأنهُ - ﷺ - لما فاتتهُ الصلاةُ يومَ الخندقِ أمرَ لها بالإقامةِ ولمْ يذكرِ الأذانَ كما في حديثِ أبي سعيدٍ عندَ الشافعيِّ (^٤). وهذهِ لا تعارضُ روايةَ أبي قتادةَ؛ لأنهُ مثبتٌ، وخبرُ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ ليسَ فيهمَا ذكرُ الأذانِ بنفي ولا إثباتٍ، فلا معارضةَ؛ إذْ عدمُ الذكرِ لا يعارضُ الذكرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>تعدُّد الأذان والإقامة في الصلاتين المجموعتين</span>\n١٢/ ١٧٨ - وَلَهُ (^٥) عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بها الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ. [صحيح]\n(وَلَهُ) أي: لمسلم (عَنْ جَابِرٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَتَى المُزْدَلِفَةَ) أي: منصرفًا\n_________\n(^١) (٤٣٨) كما تقدم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بلفظ: \"مَنْ نَسِيَ صلاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَها، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ\".\nوفي لفظ لمسلم (٣١٥/ ٦٨٤): \"مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذا ذَكَرَهَا\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣٠٩/ ٦٨٠).\n(^٤) في \"الأم\" (١/ ١٠٦).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة (٢/ ٩٩ رقم ٩٩٦)، وابن حبان (٤/ ٢٤١ رقم ٢٨٧٩)، والدارمي (١/ ٣٥٨)، والنسائي (٢/ ١٧ رقم ٦٦١)، والطيالسي (١/ ٧٨ رقم ٣٢٣ - منحة المعبود)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٥، ٦٧ - ٦٨)، والبيهقي (٣/ ٢٥١) و(١/ ٤٠٢)، وأبو يعلى الموصلي (٢/ ٤٧١ رقم ١٢٩٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢١) من طرق. وهو حديث صحيح.\n(^٥) أي لمسلم في \"صحيحه\" (١٤٧/ ١٢١٨).\nقلت: وأخرجه النسائي مقطعًا (٢/ ١٥ رقم ٦٥٥) و(٢/ ١٦ رقم ٦٥٦).","vol":"2","page":56},{"text":"[عنْ] (^١) عرفاتٍ، (فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ)، جمعَ بينهما (بأذانٍ واحدٍ وإقامتينٍ). وقدْ رَوَى البخاريُّ (^٢) منْ حديثِ ابن مسعود: \"أنهُ صلَّى أي [في المزدلفة] (^٣) المغربَ بأذانٍ وإقامةٍ، والعشاءِ بأذانٍ وإقامةٍ، وقال: رأيتُ رسول اللهِ - ﷺ - يفعلهُ\"، ويعارضُهما معًا قولُهُ:\n١٣/ ١٧٩ - وَلَهُ (^٤) عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -: جَمَعَ النَّبيُّ - ﷺ - بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (^٥): لِكُلِّ صَلَاةٍ، وفي رِوَايَةٍ لَهُ (^٦): وَلَمْ يُنَادِ في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [صحيح]\n(ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن ابن عمرَ - ﵁ - جمعَ النبيُّ - ﷺ - بينَ المغربِ والعشاءِ بإقامةٍ واحدةٍ) [لكل صلاة] (^٧). وظاهرهُ أنهُ لا أذانَ فيهمَا. [والحديث] (^٨) صريحٌ في مسلمٍ أن ذلكَ بالمزدلفةِ فإنَّ فيهِ: قال سعيدُ بنُ جبير أفضْنَا معَ ابن عمرَ حتى أتينَا جَمْعًا أي: المزدَلفةَ، فإنهُ اسمٌ لها، وهو بفتحِ الجيمِ وسكونِ الميمِ، فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بإقامةٍ واحدةٍ ثمَّ انصرفَ، وقال: هكذَا صلَّى بنا رسول اللهِ - ﷺ - هذَا المكانِ. وقد دلَّ على أنهُ لا أذانَ [فيهما] (^٩)، وأنهُ لا إقامةَ إلا واحدةً للصلاتينِ، وقدْ دلَّ قولُهُ: (زادَ أبو داودَ) أي: منْ حديثِ ابن عمرَ (لكلِّ صلاةٍ) أي: أنهُ أقامَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنهُ زادَ بعدَ قولهِ: بإقامة واحدةٍ لكلِّ صلاةٍ، فدلَّ على أن لكلِّ صلاةٍ إقامةً. فروايةُ مسلمٍ تقيَّدُ بروايةِ أبي داودَ هذهِ.\n(وفي روايةٍ لهُ) أي: لأبي داودَ عن ابن عمرَ (ولم يناد في واحدةٍ منْهما)؛ وهوَ صريحٌ في نفي الأذانِ. وقدْ تعارضتْ هذهِ الرواياتُ فجابرٌ أثبتَ أذانًا واحدًا وإقامتينِ، وابنُ عمرَ نفى الأذانَ وأثبتَ الإقامتينِ، وحديثُ ابن مسعودٍ الذي ذكرناهُ أثبتَ الأذانينِ والإقامتينِ، فإنْ قلْنا: المثبتُ مقدَّمٌ على النافي عملْنا بخبرِ\n_________\n(^١) في (ب): \"من\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٦٧٥).\n(^٣) في (ب): \"بالمزدلفة\".\n(^٤) أي لمسلم في \"صحيحه\" (٢٩٠/ ١٢٨٨).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٤٧٥ رقم ١٩٢٨).\n(^٦) أي لأبي داود (١٩٢٨).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"وهو\".\n(^٩) في (ب): \"بهما\".","vol":"2","page":57},{"text":"ابن مسعودٍ. والشارحُ ﵀ قالَ: يقدَّمُ خبرُ جابرٍ، أي: لأنهُ مثبتٌ للأذانِ على خبرِ ابن عمرَ؛ لأنهُ نافٍ لهُ، ولكنْ نقولُ: [بل] (^١) نقدمُ خبرَ ابن مسعودٍ لأنهُ أكثرُ إثباتًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-311>أذان بلال قبل الفجر لإيقاظ النائم</span>\n١٤/ ١٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - ﵄ - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يُناديَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ\"، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْت. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَفي آخِرِهِ إِدْراجٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) ذكر ابن القيم في شرحه على أبي داود (٥/ ٤٠٥ - ٤١٠ مع العون) اختلاف أهل العلم في هذه المسألة، ثم قال: \"والصحيح في ذلك كله: الأخذ بحديث جابر، وهو الجمع بينهما بأذان وإقامتين لوجهين اثنين:\n(إحداهما): أن الأحاديث سواه مضطربة مختلفة:\n• فهذا حديث ابن عمر في غاية الاضطراب، كما تقدم، فروي عن ابن عمر من فعله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، رروي عنه الجمع بينهما بإقامة واحدة. وروي عنه الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا إلى النبيِّ - ﷺ -: الجمع بينهما بإقامة واحدة، وروي عنه مرفوعًا الجمع بينهما بإقامتين، وعنه أيضًا مرفوعًا: الجمع بينهما بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وعنه مرفوعًا الجمع بينهما دون ذكر أذان ولا إقامة، وهذه الروايات صحيحة عنه، فيسقط الأخذ بها، لاختلافها واضطرابها.\n• وأما حديث ابن مسعود فإنه موقوف عليه من فعله.\n• وأما حديث ابن عباس فغايته: أن يكون شهادة على نفي الأذان والإقامة الثابتين، ومن أثبتهما فمعه زيادة علم، وقد شهد على أمر ثابت عاينه وسمعه.\nقلت: المحفوظ أنه من حديث ابن عمر وليس من حديث ابن عباس.\n• وأما حديث أسامة فليس فيه [إلا] الإتيان بعدد الإقامة لهما، وسكت عن الأذان، وليس سكوته عنه مقدمًا على حديث من أثبته سماعًا صريحًا، بل لو نفاه جملة لقدِّم عليه حديث من أثبته، لتضمنه زيادة علم خفيت على النافي.\n(الوجه الثاني): أنه قد صح من حديث جابر في جمعه - ﷺ - بعرفة: أنه جمع بينهما بأذان وإقامتين، ولم يأت في حديث ثابت قط خلافه.\nوالجمع بين الصلاتين بمزدلفة كالجمع بينهما بعرفة، لا يفترقان إلا في التقديم والتأخير، فلو فرضنا تدافع أحاديث الجمع بمزدلفة جملة لأخذنا حكم الجمع من جمع عرفة\" اهـ.\n(^٣) البخاري (٦٢٢، ٦٢٣) و(١٩١٨، ١٩١٩)، ومسلم (١٠٩٢).\n(^٤) المُدْرَج: هو زيادة الراوي الصحابي فمن دونه في متن الحديث أو سنده يحسبها من يروي=","vol":"2","page":58},{"text":"(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - ﵂ - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ بِلالًا يؤَذنُ بِليلٍ) قدْ بيَّنت روايةُ البخاريِّ أن المرادَ بهِ قُبَيْلَ الفجرِ، فإنَّ فيها: \"ولم يكنْ بينَهما إلَّا أنْ يرقى ذَا وينزلَ ذَا\"، وعندَ الطحاويِّ (^١) بلفظِ: \"إلَّا أنْ يصعدَ هذَا وينزلَ هذَا\"، (فكلُوا واشربُوا حتى ينادي ابنُ أمِّ مكْتُوم)، واسمُه عمروٌ (وكانَ) أي ابنُ أمِّ مكتومٍ (رجلًا أعمى لا ينادي حتَّى يقالَ له أصبْحَتَ أصْبَحْتَ)، أي دخلتَ في الصباحِ. (متفقٌ عليهِ، وفي آخرهِ إدراجٌ)، أي كلامٌ ليسَ مِنْ كلامهِ - ﷺ - يريدُ بهِ قولَهُ: \"وكانَ رجلًا أعمى إلى آخرهِ\". ولفظُ البخاريِّ هكذَا: \"قالَ: وكانَ رجلًا أعمى بزيادةِ لفظِ قالَ\"، وبَيَّنَ [الشارحُ] (^٢) فاعلَ قالَ أنهُ ابنُ عمرَ، وقيلَ الزهريُّ، فهوَ كلامٌ مدرجٌ منْ كلام أحدِ الرجلينِ. وفي الحديثِ شرعيةُ الأذانِ قبلَ الفجرِ لا لما شُرعَ لهُ الأذانُ؛ فإنَّ الأذانَ شُرعَ كما سلفَ للإِعْلامِ بدخولِ الوقتِ، ولدعاءِ السامعينَ لحضورِ الصلاةِ، وهذا الأذانُ الذي قبلَ الفجرِ قدْ أخبرَ - ﷺ - بوجهِ شرعيتِه بقولهِ: \"ليوقظَ نائمَكم، ويُرجعَ قائمكَم\"، رواهُ الجماعةُ إلا الترمذيَّ (^٣). والقائمُ هُو الذي يصلِّي صلاةَ الليلِ ورجوعُه عَوْدة إلى نومهِ أو قعودُه عنْ صلائهِ إذا سمعَ الأذانَ، فليسَ للإعلامِ بدخولِ وقتٍ، ولا لحضورِ الصلاةِ، وإنَّما هوَ كالتسبيحةِ الأخيرةِ التي تفعلُ في هذهِ الأعصارِ، غايتُه أنهُ كانَ بألفاظِ الاذانِ، وهوَ مثلُ النداءِ الذي أحدثهُ عثمانُ في يومِ الجمعةِ لصلاتِها؛ فإنهُ كان يأمرُ بالنداءِ [لها] (^٤) في محلٍّ يقالُ لهُ الزوراءُ (^٥) [ليجتمعَ] (^٦) الناسُ للصلاةِ، وكان ينادِي لها بألفاظِ الأذانِ\n_________\n= الحديث أنها منه - لعدم فصلها عن الحديث - وليست منه.\nانظر: \"الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث\" لابن كثير. تأليف أحمد محمد شاكر (ص ٦٩ - ٧٣) لتشاهد الأمثلة على جميع أنواع المدرج.\n(^١) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٨).\n(^٢) في (أ): \"الشراح\".\n(^٣) وهم: البخاري (٦٢١)، ومسلم (١٠٩٣)، وأبو داود (٢٣٤٧)، والنسائي (٤/ ١٤٨ رقم ٢١٧٠)، وابن ماجه (١٦٩٦)، وأحمد (١/ ٣٨٦، ٣٩٢، ٤٣٥) كلهم من حديث ابن مسعود.\n(^٤) في (أ): \"إليها\".\n(^٥) الزوراء: ممدود، وبعد الواو راء، هو موضع بالمدينة عند السوق قرب المسجد، وذكر الداودي أنه مرتفع كالمنار.\n[مشارق الأنوار (١/ ٣١٥)].\n(^٦) في (ب): \"فيجتمع\".","vol":"2","page":59},{"text":"المشروعِ، ثمَّ جعلهُ الناسُ مِنْ [بعدهِ] (^١) تسبيحًا بالآيةِ والصلاةِ على النبيِّ - ﷺ -. فذِكرُ الخلافِ في المسألةِ، والاستدلالُ للمانع وللمجيزِ لا يلتَفِتُ إليهِ مَنْ همُّهُ العملُ بما ثبتَ. وفي قولِه: \"كلُوا واشربُوا\"، أَيْ: أيُّها المريدونَ للصيامِ \"حتى يؤذِّنَ ابن أمّ مكتومٍ\"، ما يدل على إباحةِ ذلكَ إلى أذانهِ. وفي قولهِ: \"إنهُ كانَ لا يؤذنُ\" أي: ابنُ أمِّ مكتومٍ \"حتَّى يقالَ لهُ أصبحتَ أصبحتَ\"، ما يدلُّ على جوازِ الأكلِ والشربِ بعدَ دخولِ الفجرِ. وبهِ قالَ جماعةٌ، ومَنْ منعَ مِنْ ذلكَ قالَ: معنى قولهِ: \"أصبحتَ أصبحتَ\" قاربتَ الصباحَ، وأنَّهم يقولونَ لهُ ذلكَ عندَ آخرِ جزءٍ منْ أجزاءِ الليلِ، وأذانهُ يقعُ في أولِ جزءٍ منْ طلوعِ الفجرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-312>ما يؤخذ من الحديث</span>\nوفي الحديث دليلٌ على جواز اتخاذِ مؤذنَينِ في مسجدٍ واحدٍ، ويؤذنُ واحدٌ بعدَ واحدٍ، وأما أذانُ اثنينِ معًا، فمنعهُ قومٌ وقالُوا: أولُ منْ أحدثهُ بنو أميةَ. وقيلَ: لا يكرهُ إلَّا أنْ يحصلَ بذلكَ تشويشٌ، قلتُ: وفي هذا المأخذِ نظرٌ؛ لأنَّ بِلالًا لم يكنْ يؤذنُ للفريضةِ - كما عرفتَ - بل المؤذنُ لها واحدٌ [هو ابنُ أمِّ مكتومٍ] (^٢).\nواستُدِلَّ بالحديثِ على جوازِ تقليدِ المؤذنِ الأعمى والبصيرِ، وعلى جوازِ تقليدِ الواحدِ، وعلى جوازِ الأكلِ والشربِ معَ الشكِّ في طلوعِ الفجرِ؛ إذ الأصلُ بقاءُ الليلِ، وعلى جوازِ الاعتمادِ على الصوتِ في الروايةِ إذا عرفهُ، وإنْ لم يشاهدِ الراوي. وعلى جوازِ ذكرِ الرجلِ بما فيهِ منَ العاهةِ إذا كان القصدُ التعريفَ [بهِ ونحوَه] (^٣)، وجوازُ نسبتهِ إلى أمهِ إذا اشتهرَ بذلكَ.\n١٥/ ١٨١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ بِلالًا أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ: \"أَلَا إِن الْعَبْدَ نَام\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف]\n_________\n(^١) في (ب): \"بعد ذلك\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٦٣ رقم ٥٣٢) و(١/ ٣٦٥ رقم ٥٣٣).\nوقال أبو داود: وهذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حمَّاد بن سلمة.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١٠٣): \"اتفق أئمة الحديث: علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، والدارقطني، =","vol":"2","page":60},{"text":"(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ بِلالًا أَذَّنَ قَبْلَ الفَجْرِ فَأَمَرهُ النَّبيُّ - ﷺ - أنْ يرجِعَ فينادِي: \"أَلَا إنَّ العبدَ نامَ\". رواهُ أبو داودَ وضعفهُ)، فإنهُ قالَ عقبَ إخراجهِ: هذا حديثٌ لمْ يروِهِ عن أيوبَ إلا حمادُ بنُ سلمةَ. وقالَ المنذريُّ (^١): قالَ الترمذيُّ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. وقالَ علي بنُ المدينيِّ: حديثُ حمادِ بن سلمةَ غيرُ محفوظٍ، وأخطأ فيه أي: أخطأ في رفعه، والصواب وقفه على ابن عمر، وأنه الذي وقع له ذلك مع مؤذِّنه. وقدِ استدلَّ بهِ مَنْ قالَ لا يُشْرَعُ الأذانُ قبلَ الفجرِ. ولا يخْفى أنهُ لا يقاومُ الحديثَ الذي اتفقَ عليهِ الشيخانِ، ولو ثبتَ أنهُ صحيحٌ لَتُؤُوّلَ على أنَّهُ قبلَ شرعيةِ الأذانِ الأولِ، [فإن] (^٢) بلالًا هوَ المؤذنُ الأولُ الذي أمرَ - ﷺ - عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ أنْ يُلْقي عليهِ ألفاظَ الأذانِ، ثمَّ اتخذَ ابنَ أمّ مكتومٍ بعدَ ذلكَ مؤذنًا معَ بلالٍ، فكانَ بلالٌ يؤذن الأذانَ الأولَ لما ذكرهُ - ﷺ - منْ فائدةِ أذانهِ، ثمَّ إذا طلعَ الفجرُ أذنَ ابنُ أمِّ مكتومٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-313>يقول سامع المؤذن كما يقول المؤذن</span>\n١٦/ ١٨٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مثْلَمَا يَقُولُ الْمُؤذنُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: إذا سمعتمُ النداءَ فقولُوا\n_________\n= على أن حمَّادًا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه\" اهـ.\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٣٩)، والدارقطني (١/ ٢٤٤ رقم ٤٨)، والبيهقي (١/ ٣٨٣)، والترمذي تعليقًا (١/ ٣٩٤).\nوقال: هذا حديث غير محفوظ ..\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^١) في \"المختصر\" (١/ ٢٨٦).\n(^٢) في (ب): \"فإنه كان\".\n(^٣) البخاري (٦١١)، ومسلم (١٠/ ٣٨٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥٢٢)، والترمذي (٢٠٨) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٢/ ٢٣)، وابن ماجه (٧٢٠)، والدارمي (١/ ٢٧٢)، والطيالسي (ص ٢٩٤ رقم ٢٢١٤)، ومالك (١/ ٦٧ رقم ٢)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٦).","vol":"2","page":61},{"text":"مثلَما يقول المؤذِّنُ. متفقٌ عليه). فيهِ شرعيةُ القولِ لمنْ سمعَ المؤذنَ أنْ يقولَ كما يقولُ على أي حالٍ كانَ منْ طهارةٍ وغيرِها، ولو جُنُبًا أوْ حائضًا، إلا حالَ الجماعِ، وحالَ التخلي لكراهةِ الذكرِ فيهمَا. وأما إذا كانَ السامعُ في حالِ الصلاةِ ففيهِ أقوالٌ: الأقربُ أنه يؤخِّرُ الإجابةَ إلى بعدِ خروجهِ منْها. والأمرُ يدلُّ على الوجوب علَى السامعِ لا علَى مَنْ رآهُ فوقَ المنارةِ ولمْ يسمعْهُ، أوْ كانَ أصمَّ. وقدِ اختُلِفَ في وجوبِ الإجابةِ، فقالَ بهِ الحنفيةُ وأهلُ الظاهرِ وآخرونَ، وقالَ الجمهورُ: لا يجبُ، واستدلُّوا بأنهُ - ﷺ - سمعَ مؤذنًا [فلما كبَّرَ قالَ: \"على الفطرةِ\"] (^١)، فلما تشهَّدَ قالَ: \"خرجتَ منَ النَّارِ\"، أخرجهُ مسلمٌ (^٢). قالُوا: فلو كانتِ الإجابةُ واجبةً لقالَ - ﷺ - كما قالَ المؤذنُ، فلمَّا لم يقلْ دلَّ على أن الأمرَ في حديثِ أبي سعيدٍ للاستحبابِ، وتُعقِّبَ بأنهُ ليسَ في كلامِ الراوي ما يدلُّ على أنهُ - ﷺ - لمْ يقلْ كما قالَ، فيجوزُ أنهُ - ﷺ - قالَ مِثْلَ قولهِ ولم ينقلْه الراوي اكتفاءً بالعادةِ، ونقلَ الزائدَ. وقولُه: \"مثلَما يقولُ\"، يدلُّ أنهُ يتبعُ كلَّ كلمةٍ [يسمعُها] (^٣) فيقولُ مثلَها. وقدْ روتْ أمُّ سلمةَ أنهُ - ﷺ - \"كانَ يقولُ كما يقولُ المؤذنُ حتَّى يسكتَ\"، أخرجهُ النسائيُّ (^٤). فلو لمْ يجاوبهُ حتى فرغَ منَ الأذانِ استُحِبَّ لهُ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٨٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٦١٨)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن خزيمة (١/ ٢٠٨ رقم ٤٠٠)، وأبو عوانة (١/ ٣٣٦) من حديث أنس.\n(^٣) في (أ): \"سمعها\".\n(^٤) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٩١) من حديث أم حبيبة.\nقلت: وأخرج حديث أم حبيبة أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٢٦)، وابن ماجه (٧١٩)، وابن خزيمة (١/ ٢١٥ رقم ٤١٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٠٤).\nوهو حديث ضعيف؛ لأن مداره على \"عبد الله بن عُتبة بن أبي سفيان\" وهو مجهول. وقال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٤٥٩ رقم ٤٤٤١): \"لا يكاد يُعْرَف، تفرَّدَ عنه أبو المليح بن أسامة\"، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٤٣١ رقم ٤٥٩): مقبول. والظاهر أن الحافظ اعتبر أن جهالة العين قد ارتفعت برواية ابن خزيمة له في \"صحيحه\"، فيعتبر توثيقًا من ابن خزيمة، وبه صارت جهالتُهُ جهالة حال فقط، فقال فيه: مقبول.\nوأما الحافظ الذهبي فاعتبرها جهالة عين، وهذا هو الراجح. =","vol":"2","page":62},{"text":"التداركُ إنْ لمْ يَطُلِ الفصلُ. وظاهرُ قولهِ\" [في] (^١) النداءِ\" أنهُ يجيبُ كل مؤذن أذَّن بعد الأول، وإجابةُ الأول أفضلُ. قال في الشرح: إلا في الفجر والجمعة، فهمَا سواءٌ لأنَّهما مشروعانِ. قلتُ: يريدُ الأذانَ قبلَ الفجر، والأذانَ قبلَ حضورِ الجمعةِ، ولا يخفَى أن الذي قبلَ الفجرِ قدْ صحَّتْ مشروعيتُه، وسمَّاهُ النبيُّ - ﷺ - أذانًا في قولهِ: \"إنَّ بلالًا يؤذنُ بليلٍ\"، فيدخُلُ تحتَ حديثِ أبي سعيدٍ، وأمَّا الأذانُ قبلَ الجمعةِ فهوَ مُحْدَثٌ بعدَ وفاتهِ - ﷺ - ولا يُسمَّى أذانًا شرعيًّا (^٢). وليسَ المرادُ منَ المماثلةِ أنْ يرفعَ صوتَه كالمؤذنِ، لأنَّ رفعهُ لصوتهِ لقصدِ الإعلامِ بخلافِ المجيبِ، ولا يكفي إمرارة الإجابةَ على خاطرهِ؛ فإنهُ ليسَ بقولٍ، وظاهرُ حديثِ أبي سعيدٍ والحديثِ الآتي وهوَ:\n١٧/ ١٨٣ - وَللْبُخَارِيِّ (^٣) عَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - مِثْلُهُ. [صحيح]\n(وللبخاريِّ عنْ معاويةَ [مثلُه) أَي] (^٤) مثلُ حديث أبي سعيدٍ: أن السامَع يقولُ [كما يقول] (^٥) المؤذنُ في جميعِ ألفاظِه إلَّا في الحيعلتينِ فيقولُ ما أفادهُ الحديث الثامن عشر وهو قوله:\n١٨/ ١٨٤ - وَلمُسْلِمٍ (^٦) عَنْ عُمَرَ - ﵁ - فِي فَضْلِ الْقَوْلِ كما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً، سِوَى الحيْعلَتَينِ، فَيَقُولُ: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ\". [صحيح]\n_________\n= • فائدة: سقط \"عبد الله بن عتبة\" في رواية أحمد، فيوهم صحة السند فتنبَّه.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) هذا هو الصواب، ونرى أن يقتصر على الأذان المشروع عند خروج الإمام وصعوده على المنبر، لزوال السبب المبرر لزيارة عثمان - ﵁ -.\nانظر: \"الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة\" للمحدث الألباني (١/ ٥٨ - ٦٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٦١٣).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٩١ - ٩٢)، والنسائي (٢/ ٢٥ رقم ٦٧٧)، وابن خزيمة (١/ ٢١٦ رقم ٤١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٠٩)، والدارمي (١/ ٢٧٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٧٩ رقم ١٨٤٤).\n(^٤) زيارة من (ب).\n(^٥) في النسخة (ب): \"كقول\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٢/ ٣٨٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥٢٧).","vol":"2","page":63},{"text":"(ولمسلمٍ عنْ عمرَ في فضلِ القولِ كما يقولُ المؤذنُ كلمة كلمةً سِوى الحيعلتينِ) حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ؛ فإنهُ يخصصُ ما قبله [في الحيعلتين أو بعده] (^١). (فيقولُ) أي السامعُ: (لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللهِ) عندَ كلِّ واحدةٍ منْهمَا، وهذا المتنُ هوَ الذي رواهُ معاويةُ [كما في] (^٢) البخاريِّ، وعمرُ كما في مسلمٍ، وإنَّما اختصرَ المصنفُ فقالَ: وللبخاريِّ عنْ معاويةَ أي القولُ كما يقولُ المؤذن إلى آخرِ ما ساقهُ في روايةِ مسلمٍ عنْ عمرَ. إذا عرفتَ هذَا فيقولُها أربعَ مراتٍ. ولفظُه عندَ مسلمٍ (^٣): \"إِذَا قَالَ المُؤَذنُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ فقالَ أحدُكُمْ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ\" إلى أنْ قالَ: \" [فإذَا قالَ] (^٤): حيَّ على الصّلَاةِ [قَالَ] (^٥) لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، ثمَّ قالَ حيَّ على الفَلاحِ قَالَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ\"، فيحتملُ أنهُ يريدُ إذا قالَ حيَّ عَلَى الصلاةِ [حَوْقَلَ] (^٦) وإذَا قالَها ثانيًا [حوقلَ] (٦)، ومثلُهُ حيَّ على الفلاحِ فيكنْ أربعًا، ويحتملُ أنَّها تكفي [حوقلة] (^٧) واحدةٌ عندَ الأُولى منَ الحيعلتينِ. وقدْ أخرج النسائيُّ (^٨)، وابنُ خزيمةَ (^٩)، حديثَ معاويةَ، وفيهِ: \"يقولُ ذلكَ\".\nوقولُ المصنف: \"في فضلِ القولِ\"، لأنَّ آخرَ الحديثِ أنَّهُ قالَ: \"إذَا قالَ السامعُ ذلكَ مِنْ قلبهِ دخلَ الجنةَ\". والمصنفُ لم يأتِ بلفظِ الحديثِ بلْ بمعناهُ. هذَا والحولُ هوَ الحركةُ، أي لا حركةَ ولا استطاعةَ إلَّا بمشيئةِ اللهِ، وقيلَ: لا حولَ في دفعِ شرٍّ ولا قوةَ في تحصيلِ خيبر إلَّا بِاللهِ، وقيلَ: لا حولَ عنْ معصيةِ اللهِ إلا بعصمتهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلَّا بمعونتهِ. وحُكيَ هذَا عن ابن مسعودٍ مرْفوعًا.\nواعلمْ أن هذَا الحديثَ مقيِّدٌ لإطلاقِ حديثِ أبي سعيدٍ (^١٠) الذي فيهِ: \"فقولُوا مثلَما يقولُ\"، أي: فيمَا عدَا الحيعلةِ. وقيلَ: يَجْمَعُ السامعُ بينَ الحيعلةِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"عند\".\n(^٣) تقدم رقم (١٢/ ٣٨٥).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"فقال\".\n(^٦) في (أ): \"حولق.\n(^٧) في (أ): \"حولقة\".\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٢٥ رقم ٦٧٧) كما تقدم،\n(^٩) في \"صحيحه\" (١/ ٢١٦ رقم ٤١٤) كما تقدم.\n(^١٠) تقدم تحت رقم (١٦/ ١٨٢).","vol":"2","page":64},{"text":"[والحوقلةِ] (^١) عملًا بالحديثين، والأولُ أَوْلَى، لأنهُ تخصيصٌ للحديثِ العامِّ أوْ تقييدٌ لمطلقه؛ ولأنَّ المعنى مناسبٌ لإجابةِ الحيعلةِ مِنَ السامعِ [بالحوقلةِ] (١)؛ فإنه لما دُعِيَ إلى ما فيه الفوزُ والفلاحُ والنجاةُ وإصابةُ الخيرِ ناسبَ أنْ يقولَ هذا أمرٌ عظيمٌ لا أستطيعُ معَ ضعفي القيامَ بهِ إلَّا إذا وفَّقني اللهِ بحولهِ وقوتهِ، ولأنَّ ألفاظَ الأذانِ ذكرُ اللهِ فناسبَ أن يجيبَ بها، إذْ هوَ ذكرٌ لهُ تعالَى، وأما الحيعلةُ فإنَّما هيَ دعاءٌ إلى الصلاةِ، والذي يدعُو إليها هوَ المؤذنُ، وأما السامعُ فإنَّما عليهِ الامتثالُ والإقبالُ على ما دعي إليهِ، وإجابتُه في ذكرِ اللهِ لا فِيْما عداهُ. والعملُ بالحديثينِ كما ذكرنَا هوَ الطريقةُ المعروفةُ في حملِ المطلقِ على المقيَّدِ، أو تقديمِ الخاصِّ على العامِّ، [فهو] (^٢) أَوْلَى بالاتباعِ.\nوهلْ يجيبُ عندَ الترجيعِ أوْ لَا يجيبُ وعندَ التثويبِ؟ فيهِ خلافٌ. وقيلَ يقولُ في جوابِ التثويبِ: صدقتَ وبررتَ، وهذا استحسانٌ منْ قائلهِ، وإلَّا فليسَ فيهِ سنةٌ تعتمدُ.\n(فائدةٌ): أخرجَ أبو داودَ (^٣) عنْ بعضِ أصحابِ النبي - ﷺ -: أن بلالًا أخذَ في الإقامةِ، فلمَّا أنْ قالَ قدْ قامتِ الصلاةُ قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"أقامَها اللهُ وأدامَها\". قالَ: وفي سائرِ الإقامةِ بنحوِ حديثِ عمرَ في الأذانِ انتهى. يريدُ بحديثِ عمرَ ما ذكرهُ المصنفُ وسقناهُ في الشرحِ منْ متابعةِ المقيمِ في ألفاظِ الإقامةِ كلِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-314>النهي عن أخذ الأجرة على الأذان</span>\n١٩/ ١٨٥ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْني إِمَامَ قَوْمي، فَقَالَ: \"أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأخُذُ عَلَى أَذَانِهِ\n_________\n(^١) في (أ): \"حولقة\".\n(^٢) في (ب): \"فهي\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٦١ رقم ٥٢٨).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم: ١٠٤) من حديث أبي أمامة، وإسناده واهٍ؛ محمد بن ثابت وهو العبدي ضعيف، ومثله شهر بن حوشب، والرجل الذي بينهما مجهول.\nفالحديث ضعيف، ضعفه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢١١)، والنووي في \"المجموع\" (٣/ ١٢٢)، والألباني في \"الإرواء\" (١/ ٢٥٨ رقم ٢٤١).","vol":"2","page":65},{"text":"أَجْرًا\"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-315>ترجمة عثمان بن أبي العاص</span>\n(وَعَنْ عثمانَ بن أبي العاصِ) (^٤)، هوَ أبو عبدِ اللهِ عثمانُ بنُ أبي العاصِ بن بشرٍ الثقفيُّ، استعملَهُ النبيُّ - ﷺ - على الطائف، فلمْ يزل عليها مدةَ حياتهِ - ﷺ - وخلافةَ أبي بكر وسنينَ منْ خلافةِ عمرَ، ثمَّ عزلهُ وولاهُ عُمَانَ والبحرينِ، وكانَ منَ الوافدينَ عليهِ - ﷺ - في وفدِ ثقيفٍ، وكانَ أصغرَهم سنًا لهُ سبعٌ وعشرونَ سنة، ولما تُوُفيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عزمتْ ثقيفٌ على الرِدَّةِ فقالَ لهمْ: يا ثقيفُ كنتمْ آخرَ الناسِ إسلامًا فلا تكونُوا أولَهم ردةً، فامتنعُوا من الردةِ. ماتَ بالبصرةِ سنةَ إحدى وخمسينَ (^٥). (أنه قالَ: يا رسولَ اللهِ، اجعلني إمامَ قومي، قالَ: أنتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأَضْعَفِهِمْ)، أي: اجعلْ أضعفَهم [بمرض] (^٦) أو زَمَانَةٍ أو نحوِهِما قدوةً لكَ تصلِّي بصلاتَه تخفيفًا، (واتخذ مؤذنًا لا يَأْخُذ عَلَى ادانِهِ أَجرًا. أخرجهُ الخمسةُ، وحسَّنهُ الترمذيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ).\nالحديثُ يدلُّ على جوازِ طلبِ الإمامةِ في الخيرِ. وقدْ وردَ في أدعيةِ عبادِ الرحمنِ الذينَ وصفَهم اللهُ بتلكَ الأوصافِ أنَّهم يقولونَ: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (^٧) وليسَ منْ طلبِ الرياسةِ المكروهةِ؛ فإن ذلكَ فيما يتعلقُ برياسةِ الدنيا\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢١، ٢١٧)، وأبو داود (٥٣١)، والترمذي (٢٠٩)، والنسائي (٢/ ٢٣)، وابن ماجه (٧١٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٩)، وأبو عوانة (٢/ ٨٦ - ٨٧)، والحاكم (١/ ١٩٩، ٢٠١) من طرق ثلاثة.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤١٠).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ١٩٩، ٢٠١) على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وصحّح الحديث الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ١٤٩٢).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٤/ ٢١ - ٢٢، ٢١٦، ٢١٨)، وطبقات ابن سعد (٥/ ٥٠٨ - ٥٠٩)، والتاريخ الكبير (٦/ ٢١٢ رقم ٢١٩٦)، والمعارف (٢٦٨، ٥٥٥)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٢٧٣)، والإصابة (٦/ ٣٨٨ رقم ٥٤٣٣)، وتهذيب التهذيب (٧/ ١١٧ - ١١٨ رقم ٢٧٠)، وشذرات الذهب (١/ ٣٦).\n(^٥) هنا كلمة زائدة من (أ) وهي (سنة).\n(^٦) في (أ): \"لمرض\".\n(^٧) سورة الفرقان: الآية ٧٤.","vol":"2","page":66},{"text":"التي لا يعانُ مَنْ طلبَها ولا يستحقُّ أنْ يُعطاها كما يأتي بيانُه، وأنهُ يجبُ على إمامِ الصلاةِ أنْ يلاحظَ حالَ المصلينَ خلفَه، فيجعلُ أضعفَهم كأنهُ المقتدي بهِ فيخففُ لأجلهِ، ويأتي في أبوابِ الإمامةِ في الصلاةِ تخفيفهُ، وأنهُ يتخذُ المتبوعُ مؤذنًا ليجمعَ الناسَ للصلاةِ، وأنَّ مِنْ صفةِ المؤذنِ المأمورِ باتخاذهِ أنْ لا يأخذَ على أذانهِ أجرًا، أي أجرةً، وهوَ دليلٌ على أن مَنْ أخذَ على أذانهِ أجرًا ليسَ مأمورًا باتخاذهِ، وهلْ يجوزُ له أَخذُ الأجرةِ؟ فذهب الشافعيةُ إلى جوازِ أخذِه الأجرةَ معَ الكراهةِ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّها تحرمُ عليهِ الأجرةُ لهذا الحديثِ.\nقلتُ: ولا يخفَى أنهُ لا يدلُّ على التحريمِ. وقيلَ: يجوزُ أخذُها على التأذينِ في محلٍّ مخصوصٍ؛ إذْ ليستْ على الأذان حينئذٍ بلْ على ملازمةِ المكانِ كأجرةِ الرصدِ.\n٢٠/ ١٨٦ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لنا النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيؤَذنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ\"، الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-316>ترجمة مالك بن الحويرث</span>\n(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) (^٢) بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الواوِ وسكونِ المثناةِ\nالتحتيةِ وكسرِ الراءِ وثاءٍ مثلثةٍ. هوَ [أبو] (^٣) سليمانَ مالكُ بنُ الحويرث الليثيُّ، وفَدَ\nعلى النبيِّ - ﷺ -، وأقامَ عندَهُ عشرينَ ليلةً، وسكنَ البصرةَ، وماتَ سنةَ أربع وتسعينَ بها.\n(قالَ: قالَ [لنا] (^٤) النبيُّ - ﷺ -: إذا حَضَرَتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، الحديثُ أخرجهُ السبعةُ). هوَ مختصرٌ منْ حديثٍ طويل أخرجهُ البخاريُّ (^٥) بألفاظٍ أحدُها قالَ مالكُ: \"أتيتُ النبيَّ - ﷺ - في نفرٍ منْ قَوْمي؛ فأقمنَا عندَهُ عشرينَ ليلةً، وكانَ رَحيمًا رَفيقًا، فلمَّا رَأَى شَوقَنا إلى [أهلينَ] (^٦) قَالَ: ارجعُوا، فكونُوا فيهمْ، وعَلِّموهمْ وصَلُّوا، فإذَا حَضَرتِ الصلاةُ فَلْيُؤَذنْ لكمْ أحدُكم، وليؤُمَّكُم أكبَرُكم\".\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٦٨٥)، ومسلم (٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٨ رقم ٦٣٤)، وابن ماجه (٩٧٩).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٢ رقم ١٣)، والإصابة (٩/ ٤٣ رقم ٧٦١١)، والاستيعاب (٩/ ٣٠٧ رقم ٢٢٦١)، وأسد الغابة (٤/ ٢٧٧).\n(^٣) في (ب): \"بن\" وهو خطأ.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٦٢٨).\n(^٦) في (أ): \"أهلنا\".","vol":"2","page":67},{"text":"زادَ في روايةٍ: (^١) \"وصَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\"، فساقَ المصنفُ قطعةً منهُ هي موضعُ ما يريدُه منَ الدلالةِ على الحثِّ على الأذانِ. ودليلُ إيجابهِ الأمرُ بهِ.\nوفيهِ أنهُ لا يشترطُ في المؤذنِ غيرُ الإيمانِ؛ لقولهِ: \"أحدِكمْ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-317>ينتظرُ المؤذنُ وقتًا يتسع لحضور من يريد الجماعة</span>\n٢١/ ١٨٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِبِلَالٍ: \"إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَينَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ مِقْدَارَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أكلِهِ\"، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف]\n(وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ لبلالٍ: \"إذا أذنت فترسَّلْ)، أي: رتلْ ألفاظهُ، ولا تعجلْ وتسْرع في سردِها، (وإذا أقمتَ فاحدُرْ) بالحاءِ والدالِ المهملتينِ، والدالُ مضمومةٌ فراءٌ، والحدرُ الإسراعُ (واجعلْ بينَ أذانِكَ واقامتِكَ [مقدارَ] (^٣) ما يفرغ الآكلُ مِنْ أكلِهِ) أي: تمهلْ وقْتًا يقدرُ فيهِ فراغُ الآكلِ منْ أكلهِ (الحديثَ)، بالنصبِ على أنهُ مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي قرأَ الحديث أوْ أتمَّ [الحديث] (^٤) أو نحوَه، ويجوزُ رفعُه على خبريةِ مبتدإ محذوفٍ، وإنَّما يأتونَ بهذه العبارةِ إذا لم يستَوفُوا لفظَ الحديثِ، ومثلُه قولُهم الآيةَ والبيتَ. وهذا الحديثُ لم يستوفِهِ المصنفُ وتمامُهُ: \"والشاربُ من شربهِ، والمعتصز إذا دخلَ لقضاءِ الحاجةِ، ولا تقومُوا حتى تروني\". (رواهُ الترمذيُّ وضعفهُ). قالَ (^٥): لا نعرفهُ إلَّا منْ حديثِ عبدِ المنعمِ، وإسنادهُ مجهولٌ. وأخرجه الحاكمُ (^٦) أيضًا، ولهُ شاهدٌ\n_________\n(^١) أي في \"صحيح البخاري\" (٦٣١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٣ رقم ١٩٥).\nقلت: وأخرجه السهمي في تاريخ جرجان (١٥٣ - ١٥٤)، والبيهقي (١/ ٤٢٨). وهو حديث ضعيف سيأتي الكلام عليه من المؤلف.\n(^٣) في (أ): \"قدر\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أي الترمذي في \"السنن\" (١/ ٣٧٤).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٢٠٤) وقال: هذا حديث ليس في إسناده مطعون فيه غير عمرو بن فائدة، والباقون شيوخ البصرة، وهذه سنة غريبة لا أعرف لها إسنادًا غير هذا. وقال الذهبي: قال الدارقطنيُّ: عمرو بن فائدة متروك.\nقلت: وانظر: التلخيص الحبير (١/ ٢٠٠ رقم ٢٩٤)، و\"نصب الراية\" (١/ ٢٧٥).","vol":"2","page":68},{"text":"منْ حديثِ أبي هريرةَ (^١)، ومنْ حديثِ سلمانَ [أخرجهما] (^٢) أبو الشيخ (^٣)، ومنْ حديثِ أبيّ بن كعبٍ أخرجهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (^٤)، وكلُّها واهيةٌ إلَّا أنهُ يقويِّها المعنى الذي شرعَ لهُ الأذانُ؛ فإنهُ نداءٌ لغيرِ الحاضرينَ ليحضرُوا للصلاةِ فلا بدَّ منْ تقديرِ وقتٍ يتسعُ [للتأهب] (^٥) للصلاةِ وحضورِهَا، وإلَّا لضاعتْ فائدةُ النداءِ. وقدْ ترجمَ البخاريُّ (^٦): \"بابُ كمْ بينَ الأذانِ والإقامة\" ولكنْ لمْ يثبتِ التقديرُ. قالَ ابنُ بطالٍ: لا حدَّ لذلكَ غيرُ تمكن دخولِ الوقتِ واجتماعِ المصلينَ. وفيهِ دليل على شرعيةِ الترسلِ في الأذان؛ لأنَّ المرادَ منه الإعلامُ للبعيدِ، وهوَ معَ الترسلِ أكثرُ إبلاغًا، وعلى شرعيةِ الحدرِ والإسراع في الإقامةِ؛ لأنَّ المرادَ منْها إعلامُ الحاضرينَ، فكان الإسراعُ بها أنسبَ ليفرغَ مِنْها بسرعةٍ، فيأتي بالمقصودِ وهَو الصلاةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-318>هل يشترط للأذان والإقامة الطهارة</span>\n٢٢/ ١٨٨ - وَلَهُ (^٧) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النبيّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يُؤَذنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ\"، وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. [ضعيف]\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٢٨) وقال: الإسناد الأول أشهر، يعني طريق جابر.\n(^٢) في (ب): أخرجه.\n(^٣) ابن حبان في كتاب الأذان والإقامة - كما في \"فيض القدير\" (١/ ١٥٩). و\"كنز العمال\" (٧/ ٦٩٤ رقم ٢٠٩٦١).\n(^٤) في \"زوائد المسند\" (٣/ ٤١ رقم ٢٩٣ - الفتح الرباني)، وأورده الهيثمي (٢/ ٤) وقال: رواه عبد الله بن أحمد من زياداته من رواية أبي الجوزاء عن أبي، وأبو الجوزاء لم يسمع من أبي.\n(^٥) في (ب): \"للذاهب\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٦ رقم الباب ١٤).\n(^٧) أي للترمذي في \"السنن\" (١/ ٣٨٩ رقم ٢٠٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٧) من طريق هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن معاوية بن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا.\nثم قال البيهقي: \"هكذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي، وهو ضعيف. والصحيح رواية يونس بن يزيد الأيلي وغيره عن الزهري، قال: قال أبو هريرة: \"لا يُنَادِي بالصلاة إلا متوضئ\".","vol":"2","page":69},{"text":"(وله) أي [للترمذي] (^١)، (عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: \"لا يؤذن إلَّا متوضئٌ\"، وضعفهُ أيضًا) أي كما ضعفَ الأولَ فإنهُ ضعفَ هذا بالانقطاعِ، إذْ هوَ عن الزهريِّ، عنْ أبي هريرةَ. قالَ الترمذيُّ (^٢): والزهريُّ لمْ يسمعْ مِنْ أبي هريرةَ، والراوي عن الزهريِّ ضعيفٌ، وروايةُ الترمذيِّ (^٣) منْ روايةِ يونسَ عن الزهريِّ عنهُ موقوفًا إلَّا أنهُ بلفظِ: \"لا يُنادِي\"، وهذا أصحُّ. ورواهُ أبو الشيخِ (^٤) في كتابِ الأذانِ منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظ: \"إنَّ الأذانَ متصلٌ بالصلاةِ فلا يؤذِّنْ أحدُكم إلَّا وهو طاهرٌ\"، وهوَ دليلٌ على اشتراطِ الطهارةِ للأذانِ مِنَ الحدثِ الأصغرِ، ومنَ الحدثِ الأكبرِ بالأوْلى. وقالتِ الهادويةُ: يشترطُ فيهِ الطهارةُ منَ الحدثِ الأكبرِ، فلا يصحُّ أذانُ الجنُبِ، ويصحُّ منْ غيرِ المتوضئِ عملًا بهذَا الحديثِ كما قالهُ في الشرحِ.\nقلتُ: ولا يَخْفَى أن الحديثَ دالٌّ على شرطيةِ كونِ المؤذنِ متوضئًا فلا وجهَ لما قالوهُ منَ التفرقةِ بينَ الحديثينِ، وأما استدلالهم لصحتهِ منَ المحْدِثِ حدثًا أصغرَ بالقياسِ على جوازِ [قراءةِ] (^٥) القرآنِ فقياسٌ في مقابلةِ النصِّ لا يعملُ بهِ عندَهم في الأصولِ. وقدْ ذهبَ أحمدُ [وآخرونَ] (^٦) إلى أنهُ لا يصحُّ أذانُ المحْدِثِ حَدثًا أصغرَ عملًا بهذَا الحديثِ، وإنْ كانَ فيهِ ما عرفتَ والترمذيُّ صححَ وَقْفَهُ على أبي هريرةَ. وأمَّا الإقامةُ فالأكثرُ على شرطيةِ الوضوءِ لها قالُوا: لأنهُ لمْ يَردْ [أنَّها وقعتْ] (^٧) على خلافِ ذلكَ في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا يخْفَى ما فيهِ، وقالَ قومٌ: تجوز [بغيرِ] (^٨) وضوءٍ وإن كانَ مكروهًا. وقالَ آخرونَ: تجوزُ [بغير] (^٩) كراهةٍ.\n_________\n(^١) في (ب): \"الترمذي\"\n(^٢) في \"السنن\": (١/ ٣٩٠).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٩٠ رقم ٢٠١) وهو حديث ضعيف على كل حال، للانقطاع بين الزهري وأبي هريرة.\n(^٤) في كتاب \"الأذان\"، كما في \"كنز العمال\" (٧/ ٦٩٦ رقم ٢٠٩٧٦).\n(^٥) في (أ): \"قراءته\".\n(^٦) في (أ): \"وغيره\".\n(^٧) في (أ): \"أنه وقع\".\n(^٨) في (ب): \"على غير\".\n(^٩) في (ب): \"بلا\".","vol":"2","page":70},{"text":"يصح أن يقيم من لم يؤذن\n٢٣/ ١٨٩ - وَلَهُ (^١) عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ\"، وَضَعَّفَهُ أَيْضًا. [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-319>ترجمة زياد بن الحارث</span>\n(وَلَهُ) أي الترمذيِّ (عنْ زيادِ بن الحارثِ) (^٢) هوَ زيادُ بنُ الحارثِ الصُّدَائيُّ، بايعَ النبيُّ - ﷺ -[وأذنَ] (^٣) بينَ يديهِ، يعدُّ في البصريينَ، وصُدَاءُ، بضمِّ الصادِ المهملةِ وتخفيفِ الدالِ المهملةِ، وبعدَ الألفِ همزةٌ، اسمُ قبيلةٍ. (قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: وَمَنْ أَذنَ) عطفٌ على ما قبلَه، وهوَ قولُه - ﷺ -: \"إنَّ أخا صُداءٍ قدْ أذنَ\"، ([فهو]) (^٤) يقيمُ. وضعفهُ أيضًا) أي كما ضعفَ ما قبلَه. قالَ الترمذيُّ (^٥): إنَّما يعرفُ منْ حديثِ زيادِ بن أَنْعُمَ الإفْريقيِّ، وقدْ ضعفهُ القطانُ وغيرُه. وقالَ البخاريُّ: هوَ مقاربُ الحديثِ، وضعفهُ أبو حاتمٍ وابنُ حبانَ، وقالَ الترمذيُّ (^٦): والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ أن مَنْ أذنَ فهوَ يقيمُ. والحديثُ دليلٌ على أن الإقامةَ حقٌّ لمنْ أذنَ فلا تصحُّ منْ غيرِهِ، وعليهِ الهادويةُ، وعضدَ حديثَ البابِ حديثُ ابن عمرَ بلفظٍ: \"مهلًا يا بلالُ، فإنَّما يقيمُ مَنْ أذنَ\"، أخرجهُ الطبراني (^٧)، والعقيليُّ (^٨)، وأبو الشيخِ (^٩)،\n_________\n(^١) أي للترمذي في \"السنن\" (١/ ٣٨٣ رقم ١٩٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥١٤)، وابن ماجه (٧١٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٩)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ١٦٩). وهو حديث ضعيف، وقد ضعفه البغوي والبيهقي، وأنكره سفيان الثوري - كما في \"الإرواء\" للمحدث الألباني (١/ ٢٥٥ رقم ٢٣٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣١٠ رقم ٦٦١)، والإصابة (٤/ ٢٧ رقم ٢٨٤٤)، و\"الاستيعاب\" (٤/ ٣٤ رقم ٨٢٥)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٢١٣).\n(^٣) في (أ): \"فأذن\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٨٤).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣٨٥).\n(^٧) في \"الكبير\" (١٢/ ٤٣٥ رقم ١٣٥٩٠).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه: سعيد بن راشد السماك وهو ضعيف.\n(^٨) في \"الضعفاء\" (٢/ ١٠٥).\n(^٩) عزاه إليه صاحب \"كنز العمال\" (٧/ ٦٩٥ رقم ٢٠٩٧٠).","vol":"2","page":71},{"text":"وإنْ كانَ قدْ ضعفهُ أبو حاتمٍ (^١)، وابنُ حبانَ (^٢). وقالتِ الحنفيةُ وغيرُهمْ: تجزئُ إقامةُ غيرِ مَنْ أذنَ؛ لعدمِ نهوضِ الدليلِ على ذلكَ ولما يدلُّ لهُ:\n٢٤/ ١٩٠ - وَلأَبِي دَاوُدَ (^٣) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ - يَعْني الأَذَانَ - وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ، قَالَ: \"فَأقِمْ أَنْتَ\"، وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا. [ضعيف]\n(وَلأَبي دَاوُدَ [مِنْ] (^٤) حديثِ عبدِ اللهِ بن زيدٍ) [أي] (^٥): ابن عبد ربهِ الذي تقدمَ حديثه أولَ البابِ (أنهُ قالَ) أي: النبيُّ - ﷺ - لما أمرهُ أن يلقيهُ على بلالٍ (أنا رأيتهُ - يعني الأذانَ -) في المنامِ، (وأنا كنت أريده، قالَ: فأقمْ أنت. وفيهِ ضعفٌ [أيضًا]) (^٦) لمْ يتعرضِ الشارحُ ﵀ لبيانِ وجههِ، ولا بيَّنَه أبو داودَ بلْ سكتَ عليهِ، لكنْ [ذكرَ] (^٧) الحافظُ المنذريُّ (^٨) أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (^٩) أن في إسنادِه ومتنهِ اختلافًا. وقالَ أبو بكرٍ الحازمي: في إسنادهِ مقالٌ، وحينئذٍ فلا يتمَّ بهِ الاستدلالُ. نعمْ الأصلُ جوازُ كونِ المقيمِ غيرَ المؤذنِ، والحديثُ يقوي ذلكَ الأصلَ.\n٢٥/ ١٩١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْمُؤَذِّنُ أَمْلَكُ\n_________\n(^١) في \"العلل\" (١/ ١٢٣).\n(^٢) في \"المجروحين\" (١/ ٣٢٤).\nوخلاصة القول: أن حديث ابن عمر ضعيف لا تقوم به الحجة.\nوقال المحدث الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ٥٥): \"ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه سبب لإثارة النزاع بين المصلين كما وقع ذلك غير مرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلا أن يعترض عليه محتجًا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنه حديث ضعيف لا يجوز نسبته إليه - ﷺ - عن أن يمنع به الناس من المبادرة إلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إقامة الصلاة\" اهـ.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٥١ رقم ٥١٢).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ١٤٨ رقم ١١٠٣)، والبيهقي (١/ ٣٩٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) في (أ): \"في\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (ب): \"قال\".\n(^٨) في \"المختصر\" (١/ ٢٨٠).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٣٩٩).","vol":"2","page":72},{"text":"بِالأذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ\"، رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ (^١) وَضَعَّفَهُ. [ضعيف]\n- وَللْبَيْهَقِيِّ (^٢) نَحْوُهُ عَنْ عَليٍّ - ﵁ - مِنْ قَوْلِهِ. [ضعيف]\n(وَعَنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: المؤذنُ أملكُ بالأذانِ) أي وقته موكولٌ إليه، لأنهُ أمينٌ عليهِ (والإمامُ أملكُ بالإقامةِ) فلا يقيمُ إلَّا بعدَ إشارتهِ (رواهُ ابن عديٍّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-320>ترجمة ابن عدي</span>\nهوَ الحافظُ الكبيرُ الإمامُ الشهيرُ أبو أحمدَ عبدُ اللهِ بنُ عديٍّ الجرجانيُّ، ويعرفُ أيضًا بابنِ القصارِ صاحبُ كتابِ الكاملِ في الجرْحِ والتعديلِ، كانَ أحدَ الأعلامِ، ولدَ سنةَ تسعٍ وسبعينَ ومائتينِ، سمعَ على خلائقَ وعنهُ أممٌ. قالَ ابنُ عساكر: كان ثقةً على لحْنٍ فيهِ. قالَ حمزةُ السهميُّ: كانَ ابنُ عديٍّ حافظًا متقنًا لم يكنْ في زمانهِ أحدٌ مثلَه. قالَ الخليليُّ: كانَ عديمَ النظيرِ حِفْظًا وجلالةً، سألتُ [عنه محمد بن] (^٤) عبدَ اللهِ بن محمدٍ الحافظَ فقالَ: زرُّ قميصِ بن عديٍّ أحفظُ منْ عبدِ الباقِي بن قانعٍ، تُوفيَ في جُمَادَى الآخرةِ سنةَ خمسٍ وستينَ وثلثمائةٍ، (وضعفهُ) لأنهُ أخرجهُ في ترجمةِ شريكٍ القاضي، وتفردَ بهِ شريكٌ. وقالَ البيهقيُّ (^٥): ليسَ بمحفوظٍ، ورواهُ أبو الشيخِ (^٦) وفيهِ ضعفٌ.\n_________\n(^١) في \"الكامل\" (٤/ ١٣٢٧).\nوقال: وهذا بهذا اللفظ لا يروى إلا عن شريك - ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي المشهور - من رواية يحيى بن إسحاق عنه.\nقلت: وشريك هذا صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدعِ [التقريب: ١/ ٣٥١ رقم ٦٤٣)].\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٩).\n(^٣) انظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٠ - ٩٤٢)، وطبقات السبكي (٣/ ٣١٥ - ٣١٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٥١)، والنجوم الزاهرة (٤/ ١١١)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٨٠ - ٣٨١)، وتاريخ جرجان (ص ٢٢٦ رقم ٤٤٣).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٩).\n(^٦) في كتاب \"الأذان\" من حديث أبي هريرة - كما في \"كنز العمال\" (٧/ ٦٩٤ رقم ٢٠٩٦٣).","vol":"2","page":73},{"text":"والحديثُ دليلٌ على أن المؤذنَ أملكُ بالأذانِ، أي [أن] (^١) ابتداءَ وقتِ الأذانِ إليهِ لأنهُ [الأمينُ] (^٢) على الوقتِ والموكولُ بارتقابهِ، وعلى أن الإمامَ أملكُ بالإقامةِ فلا يقيمُ إلَّا بعدَ إشارةِ الإمام بذلكَ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٣): \"إِذَا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تقومُوا حتى تَرَوْني\"، فدلَّ على أن المقيمَ يقيمُ وإنْ لم يحضرِ الإمامُ، فإقامتُه غيرُ متوقفةٍ على إذْنهِ كذَا في الشرح، ولكنْ قدْ وردَ \"أنهُ كانَ بلالٌ قبلَ أنْ يقيمَ يأتي إلى منزلهِ - ﷺ - بالصلاةِ\" (^٤). والإيذانُ لها بعدَ الأذانِ استئذانٌ في الإقامةِ. وقالَ المصنفُ: إنَّ حديثَ البخاريِّ معارضٌ بحديثِ جابرِ بن سمرةَ: \"أن بلالًا كان لا يقيمُ حتَّى يخرجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - \" (^٥). قالَ: ويُجمعُ بينَهما بأنَّ بلالًا كانَ يراقبَ وقتَ خروجِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فإذا رآهُ [يشرعُ] (^٦) في الإقامةِ قبل أنْ يراهُ [عامة] (^٧) الناسِ، [فإذا] (^٨) رأوهُ قامُوا اهـ. وأمَّا تعيينُ وقتِ قيامِ [المؤتمِّين] (^٩) إلى الصلاةِ فقالَ مالكٌ في الموطإِ (^١٠): لمْ أسمعْ في قيامِ الناسِ حينَ تقامُ الصلاةُ حدًا محدودًا إلا أني أَرَى ذلكَ على طاقةِ الناسِ، فإنَّ منهمُ الثقيلَ والخفيفَ. وذهبَ الأكثرونَ إلى أن الإمامَ إنْ كان معَهم في المسجدِ لم\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"أمين\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٦٣٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (١/ ٤٢٢ رقم ٦٥٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣١٢ رقم ٤٤٠)، وأبو داود (١/ ٣٦٨ رقم ٥٣٩)، والترمذي (٢/ ٣٩٥)، والنسائي (٢/ ٣١ رقم ٦٨٧)، والدارمي (١/ ٢٨٩)، وابن خزيمة (٣/ ١٤ رقم ١٥٢٦)، والبيهقي (٢/ ٢٥ - ٢١)، وأحمد (٥/ ٣٠٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٩١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٥١).\n(^٤) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٦٣١٠) عن عائشة - ﵂ -.\nقالت: كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل إحدى عشرةَ ركعة، فإذا طلعَ الفجرُ صلَّى ركعتين خفيفتين، ثم اضطَجَع على شِقِّه الأيمن حتى يجيء المؤذِّنُ فيُؤذِنه\".\nوأخرجه: مسلم (٧٣٦)، والنسائي (٢/ ٣٠ رقم ٦٨٥)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٧٤، ٨٣، ٨٥، ٢٤٨) وغيرهم.\n(^٥) أخرجه: مسلم (١٦٠/ ٦٠٦)، وأبو داود (٥٣٧)، والترمذي (٢٠٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٦) في (أ): \"شرع\".\n(^٧) في (ب): \"غالب\".\n(^٨) في (ب): \"ثم إذا\".\n(^٩) في (أ): \"المأمومين\".\n(^١٠) (١/ ٧١).","vol":"2","page":74},{"text":"يقومُوا حتى تفرغَ الإقامةُ. وعنْ أنسٍ أنهُ كانَ يقومُ إذا قالَ المؤذنُ: قدْ قامتِ الصلاةُ، رواهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه. وعنِ ابن المسيبِ إذا قالَ المؤذنُ: اللهُ أكبرُ وجبَ القيامُ، وإذا قالَ: حيَّ على الصلاةِ عدلتِ الصفوفُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ كبَّرَ الإمامُ، ولكنَّ هذا رأيٌ منهُ لمْ يذكرْ فيهِ سنةً، (وللبيهقيِّ نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرةَ (عنْ عليٍّ ﵇ مِنْ قولهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-321>الدعاء بين الأذان والإقامة</span>\n٢٦/ ١٩٢ - وَعَنْ أَنَس - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يُرَدُّ الدعَاءُ بَينَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢). [صحيح]\n- وَعَنْ جَابرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَالَ - حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ -: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتي يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامةِ. رواه النسائي، وصحَّحهُ ابن خزيمةَ). والحديثُ في مرفوعِ سننِ أبي داودَ (^٤) أيضًا. ولفظهُ هكذَا: عنْ أنسِ بن مالكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذانِ والإقامةِ\" اهـ. ثم قال المنذريُّ (^٥): وأخرجهُ الترمذيُّ (^٦)، والنسائيُّ في\n_________\n(^١) في عمل اليوم والليلة (رقم: ٦٧ و٦٨ و٦٩).\n(^٢) (١/ ٢٢٢ رقم ٤٢٧) وهو حديث صحيح. وسيأتي باقي تخريجه.\n(^٣) وهم: أبو داود (٥٢٩)، والترمذي (٢١١)، والنسائي في \"السنن\" (٢/ ٢٦ رقم ٦٨٠) وفي عمل اليوم والليلة رقم (٤٦)، وابن ماجه (٧٢٢).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦١٤) و(٤٧١٩)، وأحمد (٣/ ٣٥٤)، والبيهقي (١/ ٤١٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٩٥)، وابن خزيمة (١/ ٢٢٠ رقم ٤٢٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٨٤) وقال: حديث صحيح، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٤٦).\n(^٤) (برقم ٥٢١).\n(^٥) في \"المختصر\" (١/ ٢٨٣).\n(^٦) في \"السنن\" (٢١٢) وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":75},{"text":"عمل [اليومِ والليلةِ] (^١) اهـ.\nوالحديثُ دليلٌ على قَبولِ الدعاءِ في هذهِ المواطنِ إذْ عدمُ الردِّ يرادُ بهِ القبولُ والإجابةُ، ثمَّ هوَ عامٌّ لكلِّ دعاءٍ، ولا بدَّ منْ تقييدهِ بمَا في الأحاديثِ غيرِهِ منْ أنهُ ما لمْ يكنُ دعاءً بإثمٍ أوْ قطيعةِ رحمٍ. هذا وقدْ وردَ تعيينُ أدعيةٍ تقالُ بعدَ الأذانِ، وهوَ ما بينَ الأذانِ والإقامةِ [الأول] (^٢) أن يقولَ: \"رضيتُ باللهِ رَبًّا وبالإسلامِ دِينًا وبمحمدٍ رسولًا\"، قالَ - ﷺ -: \" [إنَّ] (^٣) منْ قالَ ذلكَ غُفِرَ لهُ ذنبُه\" (^٤). الثاني: أنْ يصلِّيَ على النبيِّ - ﷺ - بعدَ فراغهِ منْ إجابةِ المؤذنِ. قالَ ابنُ القيمِ في الهدي: [و] (^٥) أكملُ ما يصلَّى بهِ ويصلُ إليهِ كما علَّمَ أمتهُ أن يصلُّوا عليهِ، فلا صلاةَ عليهِ أكملُ منْها. قلتُ: وستأتي صفتُها في كتابِ الصلاةِ (^٦) إنْ شاءَ اللهُ تعالى.\nالثالثُ: أنْ يقولَ بعدَ صلاتهِ عليهِ: \"اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ التامةِ، والصلاةِ القائمةِ آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدْتَهُ\". [و] (^٧) هذَا في صحيح البخاري (^٨). وزادَ غيرُهُ (^٩): \"إنكَ لا تخلفُ الميعادَ\".\n_________\n(^١) رقم (٦٧ و٦٨ و٦٩). وفي المخطوط (يوم وليلة) والصواب ما أثبتناه.\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ١٥٥، ١١٩، ٢٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (١٠٢)، وابن حبان في \"الإحسان\" (١٦٩٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٨٩ رقم ٤٢٥) وقال: حديث حسن. وقد صحَّحه الدكتور فاروق حمادة في تحقيقه لكتاب اليوم والليلة للنسائي (ص ١٦٨). وما بين القوسين من (ب)، وأما (أ) فهي (يوم وليلة) والأول أصح.\n(^٢) في (أ): \"الأولى\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٣/ ٣٨٦)، وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠)، والنسائي (٢/ ٢٦ رقم ٦٧٩)، وابن ماجه (٧٢١)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ١٨١)، ووهم الحاكم فاستدركه (١/ ٢٠٣) وصححه ووافقه الذهبي. وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٧٣).\nكلهم من طرق عن الليث بن سعد، عن حُكَيْم بن عبد الله بن قيس عن عامر بن سعد عن سعد بن أبي وَقَّاص به.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) رقم الحديث (٤٩/ ٣٠٠).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) (٦١٤) وقد تقدم قريبًا.\n(^٩) كالبيهقي (١/ ٤١٠) زيادتين شاذَّتين. وهما: \"إنك لا تخلف الميعاد\"، و\"اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة\". =","vol":"2","page":76},{"text":"الرابعَ: أنْ يدعوَ لنفسهِ بعدَ ذلكَ، ويسألَ الله مِنْ فضلِهِ كما في السننِ (^١) عنهُ - ﷺ -: \"قلْ: [مثلَما يقولُ] (^٢) أي: [المؤذنُ] (^٣)، فإذا انتهيتَ فسلْ تعطه\"، وَرَوَى أحمدُ بنُ حنبلٍ (^٤) [عنهُ - ﷺ -] (^٥) أنهُ [قالَ] (٥): \"مَنْ قالَ حينَ ينادي المنادِي: اللهمَّ ربَّ هذهِ الدعوةِ القائمةِ، والصلاةِ النافعةِ صلِّ على محمدٍ وارضَ عنهُ رضًا لا سُخْطَ بعدَه استجابَ اللهُ دعوتَه\". وأخرجَ الترمذيُّ (^٦) مِنْ حديثِ أم سلمةَ - ﵂ - قالتْ: \"علمني رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ أقولَ عندَ أذانِ المغربِ: اللهمَّ هذَا إقبالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهارِكَ وأصوَاتُ دُعَاتِكَ فاغفرْ لي\".\nوأخرجَ الحاكمُ (^٧) عنْ أبي أمامةَ يرفعهُ قالَ: \"كانَ إذا سمعَ المؤذنَ قالَ: اللهمَّ ربَ هذهِ الدعوةِ المستجابةِ المستجابِ لها، دعوةِ الحقِّ، وكلمةِ التقوى، توفَّني عليْها، وأحيني عليْها، واجعلْني مِنْ صالحي أهلِها عملًا يومَ القيامةِ\".\nوقدْ عيَّنَ - ﷺ - ما يُدْعَى بهِ أيضًا لما قالَ: \"الدُّعَاءُ بينَ الأذَانِ والإقامَةِ لا\n_________\n= • والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ١٤٦) زيادة شاذة مدرجة. وهي: \"سيدنا محمد\".\n• وابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم: ٩٥): زيادة مدرجة، وهي: \"والدرجة الرفيعة\". انظر: الإرواء (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).\n(^١) أبو داود (٥٢٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (٤٤)، وابن حبان في \"الإحسان\" (١٦٩٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٢٩٠ رقم ٤٢٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١٠)، من طرق عن عبد الله بن عمرو. وهو حديث حسن لغيره.\n(^٢) في (أ): \"كما يقولون\".\n(^٣) في (أ): \"المؤذنون\".\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٣٣٧) من حديث جابر.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٣٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\"، وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف\" اهـ.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (٣٥٨٩) قال الترمذي: \"هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه\".\nوحفصةُ بنتُ أبي كثير لا نعرفها ولا أباها\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٥٤٦ - ٥٤٧).\nقلت: وأخرجه ابن السنِّي في عمل اليوم والليلة (رقم ٩٨).\nكلاهما من طريق الوليد بن مسلم. وهو صدوق يدلس وقد عنعنه. وصحَّحه الحاكم =","vol":"2","page":77},{"text":"يُرَدُّ\"، قالُوا: فما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: \"سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ\". قالَ ابنُ القيمِ (^١): إنهُ حديثٌ صحيحٌ (^٢).\nوذكرَ البيهقيُّ (^٣) أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ عندَ كلمةِ الإقامةِ: \"أقامَها اللهُ وأدامَها\".\nوفي المقامِ أدعيةٌ أخَرُ.\n* * *\n_________\n= وإسناده واهٍ، وهو حديث صحيح لغيره.\nانظر: \"الصحيحة\" (٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣ رقم ١٤١٣).\n(^١) في \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٩٤).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٩٤) عن أنس بن مالك - ﵁ - من رواية يحيى بن اليمان عن الثوري، وقال الترمذي: وقد زاد يحيى بن اليمان في هذا الحديث هذا الحرف. قالوا: فماذا نقول؟ قال: \"سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة\". قال أحمد: يحيى بن اليمان ليس بحجة. وقال ابن معين: ليس بالقوي، وقال البخاري: فيه نظر. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ.\n[\"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣١٣)، و\"الكاشف\" (٣/ ٢٣٩ رقم ٦٣٨٦)، و\"الميزان\" (٤/ ٤١٦)].\nوقد أخرج الحديث مختصرًا أبو داود (٥٢١)، والترمذي (٢١٢) بلفظ: \"لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة\"، وفي \"سنده\" زيد العمي وهو ضعيف [\"الميزان\" (٢/ ١٠٢)].\nلكن أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٥٥ و٢٢٥) من طريق بريد بن أبي مريم، عن أنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا\"، وإسناده صحيح. وصحَّحه ابن خزيمة (١/ ٢٢٢ رقم ٤٢٧)، وابن حبان (١٦٩٤). وانظر تخريج الحديث رقم (٢٦/ ١٩٢).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤١١)، وهو حديث ضعيف تقدَّم الكلام عليه في الحديث رقم (١٨/ ١٨٤).","vol":"2","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-322>[الباب الثالث] بابُ شروطِ الصلاة</span>\nالشرطُ لغةً: العلامةُ، ومنهُ قولُه تَعَالَى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (^١) أي: علاماتُ الساعةِ، وفي لسانِ الفقهاءِ: ما يلزمُ مِنْ عدمِه العدمُ.\n١/ ١٩٣ - عَنْ عَليِّ بْنِ طَلْقٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وليتوضأ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَة (^٢) وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٣). [ضعيف]\n(عَنْ عليِّ بن طلقٍ) تقدمَ طلقُ بنُ عليٍّ في نواقضِ الوضوءِ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: (^٤) أظنهُ والدَ طلقِ بن علي الحنفيِّ. ومالَ أحمدُ والبخاريُّ إلى أن عليَّ بنَ طلقٍ، وطلقُ بنُ عليٍّ اسمٌ لذاتٍ واحدةٍ.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا فَسَا أحدُكُم في الصَّلَاةِ) [- أي في صلاته كما يشعر به السياق -] (^٥) (فلينصرف وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن حبانَ)، كأنهُ عبرَ بهذهِ العبارةِ اختصارًا وإلَّا فأصلُها: \"وأخرجهُ ابنُ حبانَ\n_________\n(^١) سورة محمد: الآية ١٨.\n(^٢) وهم: أحمد (١/ ٨٦)، وأبو داود (٢٠٥) و(١٠٠٥)، والترمذي (١١٦٤) و(١١٦٦)، والنسائي في \"عشرة النساء\" رقم: (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠). ولم أجده عند ابن ماجه، والله أعلم.\n(^٣) في \"الإحسان\" (٤/ ٤ رقم ٢٢٣٤) و(٦/ ٢٠١ رقم ٤١٨٩).\nقلت: وأخرجه الدارقطنيُّ (١/ ١٥٣ رقم ١٠)، والبيهقي (٢/ ٢٥٥)، والبغوي في (شرح السنة\" (٣/ ٢٧٧ رقم ٧٥٢)، والداارمي (١/ ٢٦٠) وغيرهم: وهو حديث ضعيف.\n(^٤) في \"الاستيعاب\" (٨/ ٢٢٠ رقم ١٨٥٦).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"2","page":79},{"text":"وصححهُ\". وقدْ تقدمتْ لهُ هذهِ العبارةُ مرارًا، ويحتملُ أن ابنَ حبانَ صححَ أحاديثَ أخرجَها غيرُهُ، ولم يخرجْها هوَ، وهوَ بعيدٌ. وقدْ أعلَّ الحديثَ ابنُ القطانِ بمسلمِ بن سلامٍ الحنفي، فإنهُ لا يُعْرَفُ. وقالَ الترمذيُّ (^١): قالَ البخاريُّ: لا أعلمُ لعليِّ بن طلقٍ غيرَ هذا الحديثِ الواحدِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن الفساءَ ناقضٌ للوضوءِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ، ويقاسُ عليهِ غيرُهُ منَ النواقضِ، وأنهُ تبطلُ بهِ الصلاةُ. وقدْ تقدمَ حديثُ عائشةَ (^٢) فيمنْ أصابهُ قيءٌ في صلاتهِ أو رُعافٌ؛ فإنهُ ينصرفُ ويبني على صلاتهِ حيثُ لمْ يتكلمْ وهوَ معارضٌ لهذَا (^٣). وكلٌّ منهمَا فيهِ مقالٌ، والشارحُ جنحَ إلى ترجيحِ هذَا قالَ: لأنهُ مثبتٌ لاستئنافِ الصلاةِ، وذلكَ نافٍ، وقدْ يقالُ: هذا نافٍ لصحةِ الصلاةِ وذلكَ مثبتٌ لها، فالأوْلَى الترجيحُ بأنَّ هذَا قال بصحتِه ابنُ حبانَ، وذلكَ لمْ يقلْ أحدٌ بصحتهِ، فهذَا أرجحُ مِنْ حيثُ الصحةِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ستر العورة في الصلاة</span>\n٢/ ١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لا يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلا النَّسَائِيَّ (^٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائشةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: لا يَقْبَل اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ). المرادُ بهَا المكلَّفةُ وإنْ تكلَّفتْ بالاحتلام مثلًا، وإنَّما عبرَ بالحيضِ نظرًا إلى الأغلبِ (إلَّا بخمارٍ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ آَخرهُ راءٌ، هو [هنا] (^٧) ما يُغَطَّى بهِ الرأسُ والعُنُقُ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٤٦٨).\nقلت: عيسى بن حطَّان، ومسلم بن سَلَّام كلاهما لا يُعرف. وقال ابن القطان: وهذا حديث لا يصح، فإن مسلم بن سَلَّام الحنفي أبا عبد الملك مجهول الحال كما في \"نصب الراية\" (٢/ ٦٢).\nوخلاصة القول: أن حديث علي بن طلق ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) تقدم تخريجه رقم (٨/ ٦٨)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) أي لحديث علي بن طلق رقم (١/ ١٩٣) وهو حديث ضعيف.\n(^٤) قلت: لقد أراحنا الله من تعب الترجيح بين الحديثين لضعفهما.\n(^٥) وهم أحمد (٦/ ١٥٠ و٢١٨ و٢٥٩)، وأبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وقال: حديث حسن، وابن ماجَهْ (٦٥٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٣٨٠ رقم ٧٧٥).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"2","page":80},{"text":"(رواهُ الخمسة إلَّا النسائيَّ، وصححة ابن خزيمةَ). وأخرجهُ أحمدُ (^١)، والحاكمُ (^٢)، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ (^٣)، وقالَ: إنَّ وقْفَهُ أشبهُ [بالصواب] (^٤). وأعلهُ الحاكمُ (^٥) بالإرسالِ. ورواهُ الطبرانيُّ في الصغيرِ والأوسطِ (^٦) منْ حديثِ أبي قتادةَ بلفظِ: \"لا يقبلُ اللهُ منِ امرأةٍ صلاة حتَّى تُوَارِي زينتَها، ولا منْ جاريةٍ بلغتِ المحيضَ حتى تختمرَ\". ونَفْيُ القَبولِ المرادُ بهِ هنا نفي الصحةِ والإجزاءِ. وقدْ يطلق القَبولُ ويرادُ بهِ كونُ العبادةِ بحيثُ يترتبُ عليها الثوابُ، فإذا نَفَى [كانَ نفيًا لما يترتبُ] (^٧) عليها منَ الثوابِ لا نفيًا للصحةِ، كما وردَ: \"إنَّ الله لا يقبلُ صلاةَ الآبقِ (^٨)، ولا مَنْ في جوفهِ خمرٌ\" (^٩) كذا قيلَ. وقد بيَّنَّا في رسالةِ الإسبالِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ١٥٠، ٢١٨، ٢٥٩). كما تقدم.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٢٥١). وقال: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة\" ووافقه الذهبي.\nثم أخرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن مرسلًا.\nوهذا المرسل علقه أبو داود عقب الموصول (١/ ٤٢٢) كأنه يعلَّه به إذ ليس بعلة، فإن حماد بن سلمة ثقة، وقد وصله عن قتادة، عن محمد بن سيرين عن صفية، عن عائشة، فهذا إسناد آخر لقتادة، وهو غير إسناده المرسل عن الحسن، فهو شاهد جيد للموصول، لا سيما وقد تابع حماد بن سلمة على وصله سميُّه حماد بن زيد، كما أخرجه ابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٢١٩).\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٧٩ رقم ٤٤٠).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٢٥١). وتقدم آنفًا الكلام عليه.\n(^٦) أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ٥٤) والأوسط رقم (٧٦٠٦) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٥٢) وقال: \"تفرد به إسحاق بن إسماعيل بن عبد الأعلى الأيلي. قلت: ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله موثوقون\". وانظر: \"نصب الراية\" (١/ ٢٩٦)، والتلخيص الحبير (١/ ٢٧٩).\n(^٧) في (أ): \"كون نفيه لما ترتب\".\n(^٨) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (١٢٥/ ٧١) عن الشعبيِّ؛ قالَ: كانَ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ يُحَدِّثُ عن النبيِّ - ﷺ -: \"إذا أبَقَ العبدُ لم تُقبل لهُ صلاةٌ\".\n(^٩) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٧/ ١٥٤ رقم ٦٦٧٢)، عن السائب بن يزيد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من شَرِبَ مُسْكِرًا ما كانَ لَمْ يقبلِ اللهُ لَهُ صلاةً أربعينَ يومًا\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٧٠) وقال: وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو متروك، ونقل عن ابن معين في رواية: لا بأس به، وضعفه في روايتين. =","vol":"2","page":81},{"text":"وحواشي [شرحِ] (^١) العمدةِ (^٢) أن نفي القبولِ يلازمُ نفيَ الصحةِ، وفي قولهِ: \"إلَّا بخمارٍ\"، ما يدلُّ على أنهُ يجبُ على المرأةِ سترُ رأسِها وعنقِها ونحوهِ مما يقعُ عليه الخمارُ. ويأتي في حديثِ أبي داودَ (^٣) منْ حديثِ أمِّ سلمةَ في صلاةِ المرأةِ في درعٍ وخمارٍ ليس عليها إزارٌ، وأنهُ قالَ - ﷺ -: \"إذا كانَ الدرعُ سابغًا يغطي ظهورَ قدميْها\"؛ فيدلُّ على أنهُ لا بدَّ في صلاتِها منْ تغطيةِ رأسِها وَرَقَبتِهَا كمما أفادَه حديثُ الخمارِ، ومنْ تغطيةِ بقيةِ بدنِها حتَّى ظهْرِ قدميْها كما أفادَه حديثُ أمِّ سلمةَ، ويباحُ كشفُ وَجْهِهَا حيثُ لمْ يأتِ دليل بتغطيتهِ، والمرادُ كشفهُ عندَ صلاتِها بحيثُ لا يَرَاها أجنبيٌّ، فهذهِ عورتُها في الصلاةِ، وأما عورتُها بالنظرِ إلى نظرِ الأجنبيِّ إليها فكلها عورةٌ ما يأتي تحقيقُه. وذِكرُه هنا وجَعْلُ عورتِها في الصلاةِ هي عورتُها بالنظرِ إلى نظرِ الأجنبي، وذكرُ الخلافِ في ذلكَ ليسَ محلُّه هنا؛ إذْ لَها عورةٌ في الصلاة، وعورةٌ في نظرِ الأجانبِ، والكلامُ [الآن] (^٤) في الأولِ والثاني يأتي [في] (^٥) محلِّهِ.\n٣/ ١٩٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"إِذا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِف بِهِ في الصَّلاةِ\"، وَلمُسْلِمٍ: \"فَخَالِفْ بَينَ طَرَفَيهِ، وَاِن كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ [له: إن] (^٧) كانَ الثوب واسعًا فالتحفْ بهِ - يعني - في الصلاةِ. ولمسلمٍ: فخالفْ بينَ طرفيهِ)؛ وذلكَ بأنْ يجعلَ شيئًا منهُ على عاتقهِ، (وإنْ كانَ ضيقًا فاتزرْ بهِ. متفقٌ عليهِ). الالتحافُ في معنى الارتداء وهوَ\n_________\n= قلت: ورد فيمن أتى عرَّافًا في الحديث الذي أخرجه مسلم (١٢٥/ ٢٢٣٠) عن بعض أزواج النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال: \"من أتى عَرَّافًا فسألَهُ عن شيءٍ لم تُقبلْ لَهُ صلاةُ أربعين ليلةً\".\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (١/ ٨٥).\n(^٣) رقم (٥/ ١٩٧).\n(^٤) في (أ): \"هنا\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) البخاري (٣٦١)، ومسلم (١٩٦/ ٧٦٦) و(٣٠١٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٨)، ومالك (١/ ١٤١ رقم ٣٤)، وأبو داود (٦٣٤).\n(^٧) في (ب): \"إذا\".","vol":"2","page":82},{"text":"أن يتزرَ بأحدِ طرفي الثوبِ ويرتدي بالطرفِ الآخرِ. وقولُهُ: (يعْني في الصلاةِ) الظاهرُ أنهُ مدرجٌ منْ كلامِ أحدِ الرواةِ قيَّدَ بهِ أخذًا منَ القصةِ؛ فإنَّ فيْها أنهُ قالَ جابرٌ: \"جئتُ إليهِ - ﷺ - وهوَ يصلِّي وعليَّ ثوبٌ فاشتملتُ بهِ وصليتُ إلى جانبهِ، فلما انصرفَ قالَ لي - ﷺ -: \"ما هذَا الاشتمالُ الذي رأيتُ؟ \"، قلتُ: كان ثوبٌ، قالَ: \"فإنْ كانَ واسعًا فالتحفْ بهِ، وإذَا كانَ ضيقًا فاتزرْ بهِ\". فالحديثُ قدْ أفادَ أنهُ إذا كانَ الثوبُ واسعًا التحف بهِ بعدَ اتزاره بطرفيهِ، [وإنْ] (^١) كانَ ضيقًا اتزرَ بهِ لسترِ عورتهِ. فعورةُ الرجلِ منْ تحتِ السرةِ إلى الركبةِ على أشهر الأقوالِ.\n٤/ ١٩٦ - وَلَهُمَا (^٢) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: \"لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءْ\". [صحيح]\n(ولهمَا) أي الشيخينِ (منْ حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -: لا يصلِّي أحدُكمْ في الثوبِ الواحدِ ليسَ على عاتقهِ منهُ شيءٌ)، أي إذا كانَ واسعًا كما دلَّ لهُ الحديثُ الأولُ. والمرادُ ألا يتزرَ في وسطهِ، ويشدَّ طرفي الثوبِ في حقويهِ، بلْ يتوشحُ بهِ على عاتقهِ (^٣)، فيحصلُ السترُ لأعالي البدنِ. وَحَمَلَ الجمهورُ هذا النهيَ على التنزيهِ، كما حملُوا الأمرَ في قولهِ: \"فالتحفْ بهِ\" على الندبِ، وحملَهُ أحمدُ على الوجوبِ، وأنَّها لا تصحُّ صلاةُ مَنْ قدرَ على ذلكَ فتركهُ. وفي روايةٍ عنهُ: تصحُّ الصلاةُ ويأثمُ، فجعلَه على الروايةِ الأُوْلَى منَ الشرائطِ، وعلى الثانيةِ منَ الواجباتِ. واستدلَّ الخطابيُّ للجمهورِ بصلاتهِ - ﷺ - في ثوبٍ واحدٍ كانَ أحدُ طرفيهِ على بعضِ نسائهِ وهي نائمةٌ قالَ: ومعلومٌ أن الطرفَ الذي هوَ لابسُهُ منَ الثوبِ غيرُ متسعٍ لأنْ يتزرَ بهِ ويفضلَ منهُ ما كانَ لعاتقهِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"إذا\".\n(^٢) أي للبخاري ومسلم.\nأخرجه البخاري (٣٥٩)، ومسلم (٥١٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦٢٦)، والنسائي (٢/ ٧١ رقم ٧٦٩)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٣٧٢).\n(^٣) العاتِقُ: مَوْضِعُ الرِّداءِ من المَنْكب يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ. والتذكيرُ أفصَحُ وأشهَرُ. [القاموس الفقهي ص ٢٤١].","vol":"2","page":83},{"text":"قلت: وقدْ يجابُ عنهُ [أن] (^١) مرادَ أحمدَ معَ القدرةِ على ثوبٍ آخر لا أنهُ لا تصحُّ صلاتُه، أو يأثمُ، كما صرحَ بهِ قولُه لا تصحُّ صلاةُ مَنْ قدرَ على ذلكَ، ويحتملُ أنهُ في تلكَ الحالةِ لا يقدرُ على غيرِ ذلكَ الثوبِ، بلْ صلاتهُ فيهِ والحالُ أنَّ بعضَهُ على النائمِ أكبرُ دليلٍ على أنهُ لا يجدُ غيرَهُ.\n٥/ ١٩٧ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبيّ - ﷺ -: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ في دِرْعٍ وَخِمَارٍ، بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَال: \"إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطي ظُهُورَ قَدَمَيهَا\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ أمِّ سَلمةَ: أنَّها سَألَتِ النَّبيَّ - ﷺ -: أَتُصَلِّي المَرْأَة في دِرْع وَخِمَارٍ بغيرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ الدِّرْعُ) [في النهاية: درع المرأة قميصها] (^٣) (سَابِغًا) بسينٍ مهملةٍ فموحدةٍ بعدَ الألفِ فغينٍ معجمةٍ، أي: واسعًا (يغطي ظهورَ قدميْها. أخرجه أبو داودَ، وصححَ الأئمة وقْفَهُ). وقدْ تقدمَ بيانُ معناهُ، ولهُ حكمُ الرفعِ، وإنْ كانَ موقوفًا؛ إذِ الأقربُ أنهُ لا مسرحَ للاجتهادِ [في ذلكَ] (^٤). قدْ أخرجهُ مالكٌ (^٥)، وأبو داودَ (^٦) موقوفًا، ولفظه: عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غيَّب ظهور قدميها.\n_________\n(^١) في (ب): \"بأن\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٢٠ رقم ٦٤٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٣٣)، والدارقطني (٢/ ٦٢ رقم ١٦)، والحاكم (١/ ٢٥٠)، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي.\nوقال ابن الجوزي في \"التحقيق\": (وهذا الحديث فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ضعفه يحيى. وقال أبو حاتمٍ الرازي: لا يحتج به. والظاهر أنه غلط في رفع هذا الحديث، فإن أبا داود أخرجه أيضا (١/ ٤٢٠ رقم ٦٣٩).\nقلت: ومالك (١/ ١٤٢ رقم ٣٦) - من طريق مالك عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة … الحديث. ولم يرفعه. قال أبو داود: هكذا رواه مالك وابن أبي ذئب وبكر بن مضر، وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر ومحمد بن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة من قولها: لم يذكر أحد منهم النبي - ﷺ -) - كما في \"نصب الراية\" (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"فيه\".\n(^٥) في \"الموطأ\": (١/ ١٤٢ رقم ٣٦).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٢٠ رقم ٦٣٩).","vol":"2","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-324>إذا أشكلت عليه القبلة اجتهد وصلَّى</span>\n٦/ ١٩٨ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - ﵁ - قَالَ: \"كُنَّا مَعَ النَّبيّ - ﷺ - في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ \" (^١)، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَضَعَّفَهُ. [حسن]\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١١٥.\n(^٢) في \"السنن\" (٥/ ٢٠٥ رقم ٢٩٥٧).\nقلت: وأخرج ابن ماجه (١٠٢٠) نحوه من طريق الطيالسي، وهذا في \"مسنده\" (ص ١٥٦ رقم ١١٤٥)، وعنه البيهقي (٢/ ١١)، والدارقطني (١/ ٢٧٢ رقم ٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٧٩ - ١٨٠).\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان أبي الربيع، عن عاصم بن عبيد الله، وأشعثُ يُضعف في الحديث. وقال ابن القطان في \"كتابه\": الحديث معلول بأشعث وعاصم، فأشعث مضطرب الحديث ينكر عليه أحاديث، وأشعث السمان سيء الحفظ، يروي المنكرات عن الثقات، وقال: فيه عمرو بن علي: متروك - كما في \"نصب الراية\" (١/ ٣٠٤).\nقلت: وعلة الحديث عاصم هذا، فإنه سيء الحفظ، وبقية رجاله عند الطيالسي ثقات رجال مسلم، عدا أشعث بن سعيد السمان، وقد تابعه عنده عمرو بن قيس وهو الملائي احتج به مسلم.\nوللحديث شاهد من حديث جابر أخرجه الدارقطنيُّ (١/ ٢٧١ رقم ٤)، والحاكم (١/ ٢٠٦)، والبيهقي (٢/ ١٠) من طريق محمد بن سالم عن عطاء عنه قال: \"كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - في مسير - أو سير - فأظل لنا غيم فتحيَّرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل واحد منا على حدة، فجعل كل واحد منا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي - ﷺ - فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: \"قد أجزأت صلاتكم\".\nوقال الحاكم: هذا حديث محتج برواته كلهم، غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح.\nوتعقبه الذهبي بقوله: \"هو أبو سهل واهٍ\".\nقلت: وضعفه الدارقطنيُّ والبيهقي، وقد توبع، فأخرجه الدارقطنيُّ في \"السنن\" (١/ ٢٧١ رقم ٢)، والبيهقي (٢/ ١٠) من طريق أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري. قال: وجدت في كتاب أبي: ثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء به نحوه.\nوعبد الملك هذا ثقة من رجال مسلم، لكن أحمد بن عبيد الله العنبري ليس بالمشهور.\nوقال عنه ابن حجر في \"لسان الميزان\" (١/ ٣١٩): ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقال: =","vol":"2","page":85},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>ترجمة عامر بن ربيعة العنزي</span>\n(وَعَنْ عَامرِ بن ربيعةَ - ﵁ -) (^١) هوَ أبو عبدِ اللهِ عامرُ بنُ ربيعةَ بن مالكٍ العَنْزيُّ، بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ النونِ، وقيلَ: بفتحِها والزاي، نسبة إلى عَنْزِ بن وائلٍ، ويقال له العَدويُّ. أسلمَ قديمًا وهاجرَ الهجرتينِ وشهدَ المشاهدَ كلَّها، ماتَ سنةَ اثنتينِ، أوْ ثلاثٍ، أو خمسٍ وثلاثينَ (قالَ: كنَّا مَعَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ليلةٍ مظلمةٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا القِبْلَة فَصَلَّيْنَا)، ظاهرُهُ منْ غيرِ نظرٍ في الأماراتِ. (فلمَّا طلعتِ الشمسُ إذا نحن صلَّيْنَا إلى غيرِ القبلةِ فنزلتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أخرجه الترمذيُّ وضعفهُ)؛ لأنَّ فيه أشعثَ بنَ سعيدٍ السمانَ، وهوَ ضعيفُ الحديثُ (^٢).\nوالحديثُ دليلٌ على أن مَنْ صلَّى إلى غيرِ القبلةِ لظلمةٍ أو غيمٍ أنَّها تجزئُه صلاتُه سواءٌ كانَ معَ النظرِ في الأماراتِ والتحرِّي أوْ لَا، وسواءٌ انكشفَ لهُ الخطأُ في الوقتِ أو بعدَه. ويدلُّ لهُ ما رواهُ الطبرانيُّ (^٣) منْ حديثِ معاذِ بن جبلٍ قالَ: \" [صلَّيت] (^٤) معَ رسول اللهِ - ﷺ - في يومِ غيمٍ في سفرٍ إلى غيرِ القبلةِ، فلمَّا قضَى صلاتَهُ [تجلَّتِ] (^٥) الشمسُ، فقلْنا: يا رسول اللهِ صلينَا إلى غيرِ القبلةِ، [فقال] (^٦): \"قدْ رُفِعَتْ صلاتُكم بحقِّها إلى اللهِ\"، وفيهِ أبو عبلةَ وقدْ وثقُه ابنُ حبانَ (^٧). وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذَا الحكمِ، فالقولُ بالإجزاءِ مذهبُ\n_________\n= روى عن ابن عيينة وعنه ابن الباغندي لم تثبت عدالته، وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله. وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٤٥ رقم ٢٩٤٣)، والمعارف (٨٧)، والمعرفة والتاريخ (٣/ ٣٨٠)، والجرح والتعديل (٦/ ٣٢٠ رقم ١٧٩٠)، والاستيعاب (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٩ رقم ١٢٢٧)، والإصابة (٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ٤٣٧٤)، وتهذيب التهذيب (٥/ ٥٥ - ٥٦ رقم ١٠٥).\n(^٢) قال أحمد: مضطرب الحديث، ليس بذاك. وقال الدارقطنيُّ: متروك.\nوقال ابن معين: ليس بشيء.\n[\"المجروحين\" (١/ ١٧٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٧٢)، و\"الميزان\" (١/ ٢٦٣)].\n(^٣) في \"الأوسط\" كما في \"المجمع\" (٢/ ١٥) وقال الهيثمي: \"وفيه أبو عبلة والد إبراهيم ذكره ابن حبان في \"الثقات\"، واسمه شمر بن يقظان\".\n(^٤) في (ب): \"صلينا\".\n(^٥) في (ب): \"انجلت\".\n(^٦) في (ب): \"قال\".\n(^٧) في \"الثقات\": (٤/ ٣٦٧).","vol":"2","page":86},{"text":"الشعبيِّ، والحنفية، والكوفيينَ فيما عدَا مَنْ صَلَّى بغيرِ تحرٍّ وتيقَّنَ الخطأ؛ فإنهُ حَكَى في البحرِ (^١) الإجماعَ على وجوبِ الإعادةِ عليهِ، فإنْ تمَّ الإِجماعُ خصَّ بهِ عمومَ الحديثِ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا تجبُ عليهِ الإعادةُ إذا صلَّى بتحرٍّ وانكشفَ له الخطأُ وقدْ خرجَ الوقتُ، وأما إذا تيقنَ الخطأَ والوقتُ باقٍ وجبتْ عليهِ الإعادةُ لتوجهِ الخطابِ معَ بقاءِ الوقتِ، فإنْ لمْ يتيقَّنْ فلا يأمنُ منَ الخطأ في الآخرِ، فإنْ خرجَ الوقتُ فلا إعادةَ للحديثِ، واشترطُوا التحرِّي إذِ الواجبُ عليهِ تيقنُ الاستقبالِ، فإنْ تعذرَ اليقينُ فعلَ ما أمكنهُ منَ التحزي، فإنْ قصَّرَ فهوَ غيرُ معذورٍ إلَّا إذا تيقَّنَ الإصابةَ. وقالَ الشافعي: تجبُ الإعادةُ عليهِ في الوقتِ وبعدهُ لأنَّ الاستقبالَ واجبٌ قطعًا وحديثُ السريةِ فيهِ ضعيفٌ.\nقلتُ: الأظهرُ العملُ بخبرِ السريةِ لتقويهِ بحديثِ معاذٍ بلْ هوَ حجةٌ وحدَهُ (^٢) والإجماعُ قد عرفَ كثرةُ دعواهم لهُ ولا يصِحُّ.\n٧/ ١٩٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا بَينَ الْمَشرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ\"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ (^٣)، وَقَوَّاهُ الْبُخَارِيُّ. [صحيح]\n_________\n(^١) (١/ ٢٠٩).\n(^٢) لأنه حديث حسن كما تقدم آنفًا.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٧١ رقم ٣٤٢ رقم ٣٤٣)، وابن ماجه (١٠١١)، من طريق أبي معشر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوقال الترمذي: حديث أبي هريرة قد روي من غير هذا الوجه. وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قِبل حفظه، واسمه: نجيح، قال مدمد: لا أروي عنه شيئًا، وقد روى عنه الناس.\nوقال النسائي (٤/ ١٧٢): \"وأبو معشر المدني، اسمه: نجيح، وهو ضعيف، ومع ضعفه أيضًا اختلط، عنده أحاديث مناكير منها: محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … \"، قلت: فذكر هذا الحديث.\n• وأخرجه الترمذي أيضًا (٣٤٤). من طريق عبد الله بن جعفر المَخْرَمِيِّ، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال محمد - يعني البخاري -: حديث عبد الله بن جعفر المخرمي عن عثمان بن محمد الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، أقوى من حديث أبي معشر وأصح.\n• وللحديث شاهد من حديث ابن عمر مرفوعًا. أخرجه الدارقطنيُّ (١/ ٢٧١ رقم ٢)، =","vol":"2","page":87},{"text":"(وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب قِبْلَةٌ. رَوَاه التِّرْمِذِيُّ [وقوَّاه البخاري]) (^١). وفي التلخيصِ (^٢) حديثُ: \"ما بينَ المَشرقِ والمغربِ قبلةٌ\" رواهُ الترمذيُّ عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا، وقالَ: حسنْ صحيحٌ. فكانَ عليهِ هنَا أنْ يذكرَ تصحيحَ الترمذيِّ لهُ على قاعدته، ورأيناهُ في الترمذيِّ (^٣) بعدَ سياقهِ لهُ بسندهِ، [وساقه] (١) مِنْ طريقينِ حسَّن إحداهُما [وصحَّحَها] (^٤) ثم قَالَ: (^٥) \"وقدْ رويَ عنْ غيرِ واحدٍ مِنَ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -: \"ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلةٌ\"؛ منهمْ: عمرُ بنُ الخطابُ (^٦)، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (٧)، وابنُ عباسٍ (^٧). وقالَ ابنُ عمرَ: إذا جَعَلْتَ المغربَ عنْ يمينِكَ، والمشرقَ عنْ يسارِكَ فما بينَهما قِبْلةٌ إذا استقبلتَ القبلةَ. وقالَ ابنُ المباركِ: ما بينَ المشرقِ والمغربِ قبلة لأهلِ المشرقِ\" اهـ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن الواجبَ استقبالُ الجهةِ لا العين في حقِّ مَنْ تعذَّرتْ عليهِ العينُ، وقد ذهبَ إليهِ جماعةٌ منَ العلماءِ لهذا الحديثِ. ووجهُ الاستدلالِ بهِ على ذلكَ أن المرادَ أن بينَ الجهتينِ قبلةً لغيرِ المعاينِ وَمنْ في حكمهِ؛ لأنَّ\n_________\n= والحاكم (١/ ٢٠٦)، والبيهقي (٢/ ٩) عن يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبِّر عن نافع عنه.\nوقال الحاكم: صحيح، وابن مجبر ثقة. قلت: كلا بل هو ضعيف [\"الميزان\" (٣/ ٦٢١ رقم ٧٨٣٩)] لكنه لم يتفرد به، فقد أخرجه الدارقطنيُّ (١/ ٢٧٠ رقم ١)، والحاكم (١/ ٢٥٠) من طريق أبي يوسف يعقوب بن يوسف الواسطي ثنا شعيب بن أيوب ثنا عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع به.\nوقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، فإن شعيب بن أيوب ثقة وقد أسنده\".\nووافقه الذهبي.\nقلت: ولكن شعيبًا لم يخرج له الشيخان شيئًا، إنما أخرج له أبو داود فقط. وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) لابن حجر (١/ ٢١٣).\n(^٣) أي في \"سننه\" رقم (٣٤٢ و٣٤٣ و٣٤٤) - كما تقدم آنفًا.\n(^٤) في (أ): \"وصححه\".\n(^٥) أي الترمذي في \"سننه\" (٢/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٦) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٩٦ رقم ٨) بإسناد منقطعٍ، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٣٤٥ رقم ٣٦٣٣)، والبيهقي (٢/ ٩) موصولًا.\nقلت: ويشهد له ما تقدم من حديث أبي هريرة وابن عمر.\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٦٢).","vol":"2","page":88},{"text":"المعاينَ لا تنحصرُ قبلتُه بينَ الجهتينِ المشرقِ والمغرب بلْ كلُّ الجهاتِ في حقّهِ سواءٌ متى قابلَ العينَ أوْ شطرَها، فالحديثُ دليلٌ على أن ما بينَ الجهتينِ قبلةً، وأنَّ الجهةَ كافيةٌ في الاستقبالِ، وليسَ فيهِ دليلٌ على أن المعاينَ يتعيَّنُ عليهِ العينُ بلْ لا بدَّ مَن الدليلِ على ذلكَ، وقولُه تعالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^١) خطابٌ لهُ - ﷺ - وهوَ في المدينةِ، واستقبالُ العينِ فيْها متعسّرٌ أو متعذرٌ إلا ما قيلَ في محرابهِ - ﷺ -، لكنَّ الأمرَ بتوليتهِ وجهَهُ شطرَ المسجدِ الحرام عامٌّ لصلاتهِ في محرابهِ وغيرهِ. وقولُه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١) دالٌّ على كفايةِ الجهةِ؛ إذِ العينُ في كلِّ محلٍّ [تتعذرُ] (^٢) على كلّ مصلٍّ، وقولُهم يقسمُ الجهاتِ حتى يحصلَ لهُ أنهُ توجهَ إلى العينِ تَعَمُّقٌ لم يردْ [عليه] (^٣) دليل، ولا فعلَهُ الصحابةُ، وهمْ خيرُ قبيلٍ، فالحقُّ أن الجهةَ كافيةٌ ولو لمنْ كانَ في مكةَ وما يليْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-326>صلاة النافلة على الراحلة صحيحة</span>\n٨/ ٢٠٠ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - ﵁ - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، زَادَ الْبُخَارِيُّ (^٥): \"يُومِئُ بِرَأسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ في الْمَكْتُوبَةِ\". [صحيح]\n(وَعَنْ عَامِرِ بن رَبيعَةَ - ﵁ - قَالَ: رأيت رسولَ اللهِ - ﷺ - يصلِّي على راحلتهِ حيثُ توجهتْ بهِ. متفقٌ عليهِ). هوَ في البخاريِّ (^٦) عنْ عامرِ بن ربيعةَ بلفظِ: \"كانَ يسبِّحُ على الراحلةِ\"، وأخْرجهُ (^٧) عن ابن عمرَ بلفظِ: \"كان يسبِّحُ على ظهرِ راحلتهِ\"، وأخرجَ الشافعيُّ (^٨) نحوَهُ منْ حديثِ جابرٍ بلفظِ: \"رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يصلِّي وهوَ على راحلتهِ النوافلَ\". وقولُهُ: (زَادَ البخاريُّ: يومئُ برأسهِ) أي في سجودهِ وركوعهِ. زادَ ابنُ خزيمةَ (^٩): \"ولكنهُ يخفضُ السجدتينِ منَ الركعةِ\"، (ولم يكنْ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٤٤.\n(^٢) في (أ): \"يتعذر\".\n(^٣) في (ب): \"به\".\n(^٤) البخاري (١٠٩٣)، ومسلم (٤٠/ ٧٠١).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٠٩٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٠٩٧).\n(^٧) أي البخاري في \"صحيحه\" (١١٠٥).\n(^٨) في \"بدائع المنن\" (١/ ٦٦).\n(^٩) في \"صحيحه\" (١٢٧٠).","vol":"2","page":89},{"text":"يصنعُه) أي هذَا الفعلَ وهوَ الصلاةُ على ظهرِ الراحلةِ (في المكتوبةِ) أي الفريضةِ.\nالحديثُ دليلٌ على صحة [صلاةِ] (^١) النافلةِ على الراحلةِ، وإنْ فاتهُ استقبالُ القبلةِ. وظاهرُهُ سواءٌ كانَ على محملٍ [أم لا] (^٢)، وسواءٌ كانَ السفرُ طويلًا أو قصيرًا، إلا أن في روايةِ رزينٍ في حديثِ جابرٍ زيادةً في سفر القصر، وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء، وقيل: لا يشترط، بل يجوزُ في الحضرِ، وهو مرويٌّ عنْ أنسٍ منْ قولهِ وفعلهِ (^٣). والراحلةُ هي الناقةُ. والحديثُ ظاهرٌ في جوازِ ذلكَ للراكبِ، وأمَّا الماشي فمسكوتٌ عنهُ. وقدْ ذهبَ إلى جوازهِ جماعةٌ منَ العلماءِ قياسًا على الراكبِ بجامعِ التيسيرِ للمتطوعِ، إلَّا أنهُ قيلَ لا يُعْفَى لهُ عدمُ الاستقبالِ في ركوعهِ وسجودِه وإتمامِهمَا، وأنهُ لا يمشي إلَّا في قيامهِ وتشهدِه، ولهمْ في جوازِ مشيْهِ عندَ الاعتدالِ منَ الركوعِ قولانِ. وأما اعتدالُه بينَ السجدتينِ فَلا يمشي فيهِ؛ إذْ لا يمشي إلَّا معَ القيامِ وهوَ يجبُ عليهِ القعودُ بينَهمَا، وظاهرُ قولهِ: (حيثُ توجهتَ) أنهُ [لا يَعْتدِلُ] (^٤) لأجلِ الاستقبالِ لا في حالِ صلاتهِ، ولا في أولها، إلَّا أن في [الحديث التاسع وهو] (^٥) قوله:\n٩/ ٢٠١ - وَلأَبي دَاوُدَ (^٦) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ -: \"وَكَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ\". وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [حسن]\n(ولأبي داودَ منْ حديثِ أنسٍ: وكانَ إذَا سافرَ فأرادَ أنْ يتطوَّعَ استقبلَ بناقتهِ القبلةَ، [فكبر فصلّى] (^٧) حيثُ كانَ وجه رِكَابه. واسنادهُ حسنٌ) ما يدلُّ على أنهُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ يستقبلُ القبلةَ، وهي زيادةٌ مقبولةٌ [حديثها] (^٨) حسنٌ فيُعملُ بهَا. وقولُهُ: (ناقتُهُ)، وفي الأولِ (راحلتُه) هما بمعنًى واحدٍ، وليسَ بشرطٍ أنْ يكونَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"أولًا\".\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٠٠)، ومسلم (٤١/ ٧٠٢)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٥١)، والنسائي (٧٤١).\n(^٤) في (أ): \"لا يعدل\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٢١ رقم ١٢٢٥)، وقال المنذري في \"المختصر\" (٢/ ٥٩): إسناده حسن.\n(^٧) في (أ): \"وكبر ثم صلى\".\n(^٨) في (ب): \"حديثه\".","vol":"2","page":90},{"text":"ركوبُهُ على ناقةٍ بلْ قدْ صحَّ في روايةِ مسلمٍ (^١): - ﷺ - صلَّى على حمارِه\". وقولُهُ: (إذا سافرَ) تقدَّمَ أن السفرَ شرطٌ عندَ بعضِ العلماءِ، وكأنهُ يأخذُهُ منْ هذَا وليس بظاهرٍ في الشرطيةِ، وفي هذا الحديثِ والذي قبلَه أن ذلكَ في النفلِ لا الفرضِ بلْ صرَّحَ البخاريُّ (^٢) أنهُ لا يصنَعُهُ في المكتوبةِ إلَّا أنهُ قدْ وردَ في روايةِ الترمذيِّ (^٣) والنسائي (^٤): \"أنهُ - ﷺ - أتى إلى مضيقٍ هوَ وأصحابه والسماءُ مِنْ فوقهِم، والبلَّةُ من أسفلَ منْهم، فحضرتِ الصلاةُ، فأمرَ المؤذنَ [فأذن] (^٥) وأقامَ، ثمَّ تقدمَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على راحلتهِ فصلَّى بهمْ يومئُ إيماءً، [فيجعلُ] (^٦) السجودَ أخفضَ منَ الركوعِ\". قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ. وثبتَ ذلكَ عنْ أنسٍ منْ فعلِهِ (^٧)، وصححهُ عبدُ الحقِّ، وحسنهُ الثوريُّ، وضعفهُ البيهقيُّ. وذهبَ البعضُ إلى أن الفريضةَ تصحُّ على الراحلةِ إذا كانَ مستقبلَ القبلةِ في هودجٍ، ولوْ كانتْ سائرةً كالسفينةِ؛ فإنَّ الصلاةَ تصحُّ فيها إجماعًا (^٨).\nقلتُ: وقدْ يُفَرَّقُ بأنهُ قدْ يتعذرُ في البحرِ وجدانُ الأرضِ، فعُفي عنهُ بخلاف راكب الهودجِ. وأمَّا إذا كانتِ الراحلةُ واقفةً، فعندَ الشافعيِّ تصحُّ الصلاةُ للفريضةِ كما تصحُّ عندهمْ في الأرجوحةِ المشدودةِ بالحبالِ، وعلى السريرِ المحمولِ على الرجالِ إذا كانُوا واقفينَ، والمرادُ منَ المكتوبةِ التي كُتِبَتْ على جميعِ المكلَّفينَ، فلا يردُّ عليهِ أنهُ - ﷺ - كانَ يوترُ على راحلتِه والوترُ واجبٌ عليهِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤١/ ٧٠٢) من حديث أنس.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٧٤) (الباب) (٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٦٦ رقم ٤١١) من حديث عمرو بن عثمان بن يعلى بن مُرّةَ. وقال: هذا حديث غريبٌ تَفرَّدَ به عمرُ بن الرماحِ البلخيُّ لا يُعْرَفْ إلا من حديثه. قلت: وعمرو وأبوه عثمان مجهولان.\n(^٤) لم يروه النسائي أصلًا، ولم ينسبه المزي في الأطراف (٩/ ١١٩ رقم ١١٨٥١) إلا للترمذي. والحديث أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ١٨٢ - ١٨٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧).\nوقد ضعَّفه البيهقي وهو كما قال.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"يجعل\".\n(^٧) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٥١) وقد تقدم.\n(^٨) انظر: \"الدُّرَر الثمينة في حكم الصلاة في السفينة\" تأليف: أحمد بن محمد الحموي.\nتحقيق: مشهور حسن محمود سلمان.","vol":"2","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>المواضع المنهي عن الصلاة فيها</span>\n١٠/ ٢٠٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَن النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١). وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: الأَرْضُ كلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، رَوَاه التِّرْمِذِي. وَلَهُ عِلَّةٌ)؛ وهيَ الاختلافُ في وصْلهِ وإرسالهِ، فرواهُ حمادُ موصولًا عنْ عمروِ بن يحيَى، عنْ أبيهِ، عنْ أبي سعيدٍ، ورواهُ الثوريُّ مرسلًا عنْ عمرِو بن يحيَى، عنْ أبيهِ، عن النبيِّ - ﷺ -، وروايةُ الثوريِّ أصحُّ وأثبتُ. وقالَ الدارقطنيُّ (^٢): المحفوظُ المرسلُ، ورجحهُ البيهقيُّ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن الأرضَ كلَّها تصحُّ فيها الصلاةُ ما عدَا المقبرة، وهي التي تدفنُ فيها الموتَى، فلا تصحُّ فيها الصلاةُ، وظاهرُه سواءٌ كانَ على القبرِ أو بينَ القبورِ، وسواءٌ كانَ قبرَ مؤمنٍ أو كافرٍ، فالمؤمنُ تكرمةً لهُ، والكافرُ بعدًا منْ خبثه، وهذَا الحديثُ يخصِّصُ: \"جُعلتْ لي الأرضُ كلُّها مسجدًا\" (^٣) الحديثُ، وكذلكَ الحمامُ؛ فإنهُ لا تصحُّ فيهِ الصلاةُ، فقيلَ للنجاسةِ فيختصُّ بما فيهِ النجاسةُ منهُ، وقيلَ: تكرهُ لا غيرُ. وقالَ أحمدُ بنُ حنبل: لا تصحُّ فيهِ الصلاةُ ولوْ على سطحهِ، عملًا بالحديثِ. وذهبَ الجمهورُ إلى صحتِها ولكنْ معَ كراهتهِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ١٣١ رقم ٣١٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤٩٢)، وابن ماجه (٧٤٥)، والحاكم (١/ ٢٥١)، والبيهقي (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، والدارمي (١/ ٣٢٣)، وأحمد (٣/ ٨٣ - ٩٦)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٦٧ رقم ١٩٨)، من طرق عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري به.\nقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (١/ ٣٢٠): \"وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد صحَّحه كذلك الحاكم والذهبي، وأعله بعضهم بما لا يقدح، وقد أجبنا عن ذلك في \"صحيح أبي داود\" (٥٠٧)، وذكرت له هناك طريقًا آخر صحيحًا هو في منجاة من العلة المزعومة، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أسانيده جيدة، ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه. وقد أشار إلى صحَّته الإمام البخاري في جزء القراءة ص ٤\" اهـ.\n(^٢) في \"العلل\" (١١/ ٣٢١ س ٢٣١٠).\n(^٣) وهو جزء من حديث جابر بن عبد الله.\nأخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٣/ ٥٢١).","vol":"2","page":92},{"text":"وقدْ وردَ النهيُ معلَّلًا بأنهُ محلُّ الشياطينِ، والقولُ الأظهرُ معَ أحمدَ، ثمَّ ليسَ التخصيصُ لعمومِ حديثِ: \"جُعلتْ لي الأرضُ مسجدًا\" (^١) بهذينِ المحلينِ فقطْ، بلْ بما يفيدُه الحديثُ الآتي وهوَ قولُهُ:\n١١/ ٢٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى \"أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنِ: الْمزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ تَعَالى\" رَوَاهُ التّرْمِذِيُّ (^٢)، وَضَعَّفَهُ. [ضعيف]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى: أَنْ يُصلى في سبع: الْمزَبْلَةِ) وهي مجتمعُ إلقاءِ الزبلِ، (والمَجْزَرَةِ) محلِّ جَزْرِ الأنعامِ، (والمَقْبَرَةِ) وهما بزنةِ مفعلةٍ بفتحِ العينِ، [وكذا مزبل بفتح الموحدة وجاء ضمها كما في القاموس] (^٣) ولحوقِ التاءِ بهما شاذٌّ، (وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ) ما تقرعهُ الأقدامُ بالمرورِ عليْها، (والحمَّامِ) تقدمَ فيهِ الكلامُ، (وَمَعَاطنِ) بفتحِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ وكسرِ الطاءِ المهملةِ فنونٍ (الإبلِ)، وهوَ مبركُ الإبلِ حولَ الماءِ، (وفوقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ تعالى، رواهُ الترمذيُّ وضعفهُ)؛ فإنهُ قالَ بعدَ إخراجهِ ما لفظهُ (^٤): \"وحديثُ ابن عمرَ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقدْ تُكلمَ في زيدِ بن جَبِيرةَ منْ قِبَلِ حفظهِ\"، وجبيرةُ بفتحِ الجيمِ وكسرِ الموحدةِ فمثناةٍ تحتيةٍ فراءٍ. وقالَ البخاريُّ (^٥) فيهِ: متروكٌ. وقدْ تكلفَ استخراجَ علل للنهي عنْ هذهِ المحلاتِ، فقيلَ: [المقبرةُ] (^٦) والمجزرةُ للنجاسةِ، وقارعةُ الطريقِ كذلكَ، وقيلَ: لأنَّ فيه حقًّا للغيرِ، فلا تصحُّ فيها الصلاةُ واسعةً كانتْ أو ضيقةً لعمومِ النهي،\n_________\n(^١) تقدم وهو جزء من حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٧٨ رقم ٣٤٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٧٤٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٨٣).\nقال البيهقي: تفرد به زيد بن جَبِيرة.\nقلت: هو متروك. فالحديث ضعيف وقد ضعفه الألباني في الإرواء رقم (٢٨٧).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أي الترمذي في \"السنن\" (٢/ ١٧٩).\n(^٥) في \"الضعفاء الصغير\" رقم (١٢٥): \"منكر الحديث\".\nقلت: وقال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٥٩): \"ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه\".\n(^٦) في (أ): \"المزبلة\".","vol":"2","page":93},{"text":"وَمَعَاطِنُ الإبلِ وَرَدَ التعليلُ فيها منصوصًا بأنَّها [مأوى] (^١) الشياطينِ، أخرجهُ أبو داودَ (^٢)، ووردَ بلفظِ: (مَبَارِكُ الإبلِ)، و[في] (^٣) لفظٍ: (مزابلُ الإبلِ)، وفي أَخْرى: (مناخُ الإبلِ)، وهي أعمُّ منْ معاطنِ الإبلِ. وعلَّلُوا النهيَ عن الصلاةِ على ظهرِ بيتِ اللهِ، وقيدوهُ بأنهُ إذا كانَ على طرفٍ بحيثُ يخرجُ [منه] (^٤) عنْ هوائِها لمْ تصحَّ صلاتُه وإلَّا صحَّتْ، إلا أنهُ لا يخفَى أن هذَا التعليلَ أبطلَ معنَى الحديثِ؛ فإنهُ إذا لمْ يستقبلْ بطلتِ الصلاةُ لعدمِ الشرطِ لا لكونِها على ظهرِ الكعبةِ، فلوْ صحَّ هذَا الحديثُ لكانَ بقاءُ النهي على ظاهره في جميعِ ما ذُكِرَ هوَ الواجبَ، وكانَ مخصِّصًا لعمومِ: \"جعلتْ ليَ الأرضُ مسجدًا\" (^٥)، لكنْ قدْ عرفتَ ما فيهِ، إِلَّا أن الحديثَ في القبورِ منْ بين هذهِ المذكوراتِ قدْ صحَّ كما يفيدهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-328>تحريم الصلاة إلى القبر</span>\n١٢/ ٢٠٤ - وَعَنْ أَبي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-329>ترجمة أبي مرثد الغنوي</span>\n(وَعَنْ أَبي مَرْثَدٍ) (^٧) بفتحِ الميمِ وسكونِ الراءِ وفتحِ المثلثةِ (الْغَنَوِيِّ) بفتحِ [الغين] (^٨) المعجمةِ والنونِ. وهوَ مَرْثَدُ بنُ أبي مرثدٍ، أسلمَ هوَ وأبوهُ، وشهدَا بدرًا، وقُتِلَ مرثدُ يومَ غزوةِ الرجيعِ شهيدًا في حياتهِ - ﷺ -.\n_________\n(^١) في (أ): \"من\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٢٨ رقم ١٨٤) من حديث البراء بن عازب.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) وهو حديث صحيح تقدم قريبًا.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٩٨ - ٩٧٢).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٦٧ رقم ٧٦٠)، وأبو داود (٣٢٢٩)، والترمذي (١٠٥٠)، وأحمد (٤/ ١٣٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥١٥) وأورده ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠) وقال: هذا حديث ثابت من جهة الإسناد.\n(^٧) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٩/ ١٦٢ رقم ٧٨٧٢)، و\"الاستيعاب\" (١٠/ ٦٠ - ٦٦ رقم ٢٢٦٤)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"2","page":94},{"text":"(قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مَسْلِمٌ)، وفيهِ دليلٌ على النهي عن الصلاةِ [إلى] (^١) القبرِ، والأصلُ التحريمُ. ولمْ يذكرِ المقدارَ الذي يكونُ بهِ النهيُ عن الصلاةِ إلى القبرِ. والظاهرُ أنهُ ما يعدُّ مستقبلًا له عُرْفًا. ودلَّ على تحريمِ الجلوسِ على القبرِ. وقدْ وردتْ بهِ أحاديثُ كحديثِ جابرٍ (^٢) في وَطءِ القبرِ، وحديثِ أبي هريرةَ: \"لأنْ يَجْلِسَ أَحدُكُم على جَمْرَةٍ؛ فَتُحْرِقَ ثيابَهُ، فتخلُصَ إلى جِلْدِهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ أنْ يجلسَ على قبرٍ\"، أخرجهُ مسلمٌ (^٣). وقدْ ذهبَ إلى تحريمِ ذلكَ جماعةٌ منَ العلماءِ، وعنْ مالكٍ أنهُ لا يكرهُ القعودُ عليْها ونحوُه، وإنَّما النهيُ عن القعودِ لقضاءِ الحاجةِ. وفي الموطأ (^٤) عنْ عليّ [بن أبي طالب] (^٥) ﵇: \"أنهُ كانَ يَتَوَسَّدُ القبرَ ويضطجعُ عليهِ\"، ومثلُهُ في البخاريِّ (^٦) عن ابن عمر، وعنْ غيرِه. والأصلُ في النهي التحريمُ كما عرفتَ غيرَ مرةٍ، وفعلُ الصحابيِّ لا يعارضُ الحديثَ المرفوعَ إلَّا أنْ يُقَالَ: إنَّ فعلَ الصحابي دليلٌ لحملِ النهي على الكراهةِ ولا يخْفَى بُعدُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>الصلاة بالنعلين</span>\n١٣/ ٢٠٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا جَاءَ أَحَدْكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى في نَعْلَيهِ أَذى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٨). [حسن]\n_________\n(^١) في (ب): \"على\".\n(^٢) أخرجه مسلم (٩٧٠)، والترمذي (١٠٥٢)، والنسائي (٤/ ٨٨ رقم ٢٠٢٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٩٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٢٨)، والنسائي (٤/ ٩٥)، وابن ماجه (١٥٦٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤٠٩ رقم ١٥١٩).\n(^٤) (١/ ٢٣٣ رقم ٣٤).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) (٣/ ٢٢٢ رقم الباب ٨١).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٢٦ رقم ٦٥٥).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٧ رقم ١٠١٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٢٠)، والدارمي (١/ ٣٢٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٤٨٠)، والحاكم (١/ ٢٦٠)، والبيهقي (٢/ ٤٠٢)، وابن حبان في \"الموارد\" (ص ١٠٧ رقم ٣٦٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٣٨٨ رقم ١٥١٦)، وابن أبي شيبة في=","vol":"2","page":95},{"text":"(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا جَاءَ أَحَدُكمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ) أي نعليهِ كما دلَّ لهُ قولُه: (فَإِنْ رَأَى فلي نَعْلَيْهِ أذًى أَوْ قَذَرًا) شكٌّ منَ الراوي، (فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). اختُلِفَ في وصلِهِ وإرسالِهِ، ورجَّحَ أبو حاتمٍ (^١) وصلَه، ورواهُ الحاكمُ منْ حديثِ أنسٍ (^٢)، وابنِ مسعودٍ (^٣)، ورواهُ الدارقطنيُّ منْ حديثِ ابن عباسٍ (^٤)، وعبدِ اللهِ بن\n_________\n= \"المصنف\" (٢/ ٤١٧)، والطيالسي (١/ ٨٤ رقم ٣٦٠ - منحة المعبود).\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.\nوقال النووي في \"المجموع\": (١/ ٩٥): حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) في \"العلل\" (١/ ١٢١ رقم ٣٣٠) بقوله: والمتصل أشبه؛ لأنه اتفق اثنان عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٣٩ - ١٤٠) عنه: أن النبي - ﷺ - لم يخلع نعليه في الصلاة قط إلا مرة واحدة خلع فخلع الناس، فقال: \"ما لكم؟ \"، قالوا: خلعتَ فخلعنا، فقال: \"إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا أو أذى\". قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بعبد الله بن المثنى ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٥٦): وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار باختصار\".\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ١٤٠) عنه: قال: خلع رسول الله - ﷺ - نعليه فخلع من خلفه فقال: \"ما حملكم أن خلعتم نعالكم\"؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: \"إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا فخلعتهما لذلك، فلا تخلعوا نعالكم\"، قال إبراهيم: فكانوا لا يخلعون نعالهم. قال: ورأيت إبراهيم يصلي في نعليه.\nقلت: وأخرجه البزار (١/ ٢٩٠ رقم ٦٠٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٨٣ رقم ٩٩٧٢)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٥٦): وقال: \"رواه البزار، والطبراني في \"الأوسط\"، و\"الكبير\"؛ قال البزار: \"لا نعلم رواه هكذا إلا أبو حمزة\" وأبو حمزة هو ميمون الأعور ضعيف.\n• تنبيه: في المستدرك المطبوع بياض في بعض جمل الحديث.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٩٩) عن ابن عباس: \"خذوا زينتكم عند كل مسجد\"، قال: الصلاة في النعلين، وقد صلى رسول الله - ﷺ - في نعليه، فخلعهما فخلع الناس، فلما قضى الصلاة قال: \"لم خلعتم نعالكم؟ \"، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: \"إن جبريل ﵇ أتاني فقال: إن فيها دم حَلَمة\". وفيه \"صالح بن بيان\" متروك، قاله الدارقطنيُّ. وفيه أيضا \"فُرات بن السائب\" منكر الحديث، قاله البخاري.\n[\"الميزان\" (٢/ ٢٩٠ رقم ٣٧٧٥) و(٣/ ٣٤١ رقم ٦٦٨٩)].\n• دم حَلَمة: بفتح الحاء واللام، واحد الحَلَم، العظيم من القراد.","vol":"2","page":96},{"text":"الشخِّيرِ (^١)، وإسنادُهُمَا ضعيفٌ.\n[وفي] (^٢) الحديثِ [دليل] (^٣) على شرعيةِ الصلاةِ في النعالِ (^٤)، وعلى أن مسحَ النعلِ منَ النجاسةِ مطهرٌ لهُ منَ القذرِ والأذَى، والظاهرُ فيهمَا عندَ الإطلاقِ النجاسةُ سواءٌ كانت [النجاسة] (^٥) رطبةً أو جافةً، ويدلُّ لهُ سببُ الحديثِ، وهوَ إخبار جبريلَ لهُ - ﷺ - أن في نعلهِ أَذًى فخلَعهُ في صلاتهِ واستمرَّ فيهَا؛ فإنهُ سببُ هذَا، وأنَّ المصلِّيَ إذا دخلَ في الصلاةِ وهوَ متلبسٌ بنجاسةٍ غيرُ عالمٍ بها أوْ ناسَيًا لها ثمَّ عرفَ بها في أثناءِ صلاتهِ أنهُ يجبُ عليهِ إزالتُها، ثمَّ يستمرُّ في صَلاتِه ويبني على ما [قد] (٦) صلَّى، وفي الكلِّ خلافٌ إلَّا أنهُ لا دليلَ للمخالفِ يقاومُ [هذا] (٦) الحديثَ فلا نطيلُ بذكرهِ. ويؤيدُ طهوريةَ النعالِ بالمسحِ بالترابِ الحديثُ [الآتي وهوَ] (^٦):\n\n<span data-type='title' id=toc-331>تطهر النعل بالدَّلك في التراب</span>\n١٤/ ٢٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٨). [صحيح لغيره]\n(وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ الأَذَى بِخفَّيْهِ) أي: [مثلًا أو] (^٩) نعليهِ، أوْ أيِّ ملبوسٍ لقدميهِ (فَطَهُورُهمَا) أي: الخفينِ (التُّرَابُ.\n_________\n(^١) لم أجده في سنن الدارقطني.\nوقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٥٦) - عنه قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - فخلع نعليه، وهو في الصلاة، فخلع الصف الذي يليه نعالهم، فخلع الصف الذين يلونهم أيضًا نعالهم، فلما انصرف النبي - ﷺ - قال: \"لم خلعتم نعالكم؟ \"، قالوا: خلعت يا رسول الله، فخلع الصف الذي يليك نعالهم، فخلعنا نعالنا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أتاني جبريل ﵇ فذكر أن في نعلي قذرًا فخلعتهما فصلُّوا في نعالكم\" قال الهيثمي: وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"فيه دلالة\".\n(^٤) انظر: \"شرعية الصلاة في النعال\"، تأليف: أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"السنن\" (٣٠٨٦).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٢/ ٣٤٠ رقم ١٤٠١).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"2","page":97},{"text":"أَخْرَجَهُ أَبو دَاودَ وَصَحَّحَه ابْن حِبّانَ)، وأخرجَه ابنُ السكنِ (^١)، والحاكمُ (^٢)، والبيهقي (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ، وسندُهُ ضعيفٌ. وأخرجهُ أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ عائشةَ، وفي البابِ غيرُ هذهِ بأسانيدَ لا تخلُو عنْ ضعي إلَّا أنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا. وقدْ ذهبَ الأوزاعيُّ إلى العملِ بهذهِ الأحاديثِ، وكذا النَّخَعِيُّ، وَقَالا: يجزيهِ أنْ يمسحَ خفيهِ إذا كانَ فيهمَا نجاسةٌ بالترابِ ويصلِّي فيهمَا.\nويشهدُ لهُ أن أمَّ سلمةَ سألتِ النبيَّ - ﷺ - فقالتْ: إني أمرأةٌ أطيلُ ذيلي وأمشي في المكانِ القذرِ فقال: \"يطهرُهُ ما بعدَهُ\". أخرجهُ أبو داودَ (^٥)، والترمذيُّ (^٦)، وابن ماجَهْ (^٧)، ونحوُهُ: \"أن امرأةً منْ بني عبدِ الأشهلِ قالتْ: قلتُ يا رسول اللَّهِ، إنَّ لنَا طريقًا إلى المسجدِ منتنةً فكيفَ نفعلُ إذا مُطِرْنا؟ فقال: \"أليسَ منْ بعدِها طريقٌ هي أطيبُ منْها؟ \"، قلتُ: بلى، قال: \"فهذهِ بهذهِ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^٨)، وابنُ ماجَهْ (^٩). قال الخطابي (^١٠): وفي إسنادِ الحديثينِ مقالٌ وتأولهُ الشافعي بأنهُ\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ١٦٦).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٣٠).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة (١/ ١٤٨ رقم ٢٩٢)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٥٧): من طريق محمد بن كثير الصنعاني عن الأوزاعي، عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، عن أبي هريرة به. وإسناده حسن، محمد بن عجلان: ثقة، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرةَ، ولكن يشهد لها الرواية الآتية التي أخرجها أبو داود (١/ ٢٦٧ رقم ٣٨٥)، وابن حبان (٢/ ٣٤٠ رقم ١٤٠٠)، والبيهقي (٢/ ٤٣٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٦٦): من طريق الوليد عن الأوزاعي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذَا وَطِئَ أَحَدُكم بِنَعلهِ الأذى، فإنَّ الترابَ له طَهُورٌ\"، وإسناده صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" (٣٨٧) وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"السنن\" (٣٨٣).\n(^٦) في \"السنن\" (١٤٣).\n(^٧) في \"السنن\" (٥٣١).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٢٩٠)، ومالك (١/ ٢٤ رقم ١٦)، والدارمي (١/ ١٨٩) وغيرهم. وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٨) في \"السنن\" (٣٨٤).\n(^٩) في \"السنن\" (٥٣٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٤٣٥)، والبيهقي (٢/ ٤٣٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (١٤٣). وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^١٠) ذكره المنذري في \"المختصر\" (١/ ٢٢٧).","vol":"2","page":98},{"text":"إنَّما هوَ فيما جَرَى على ما كانَ يابِسًا لا يعلقُ بالثوبِ منه شيءٌ. قلت: ولا يناسبُ قولَها إذا مُطِرْنَا. وقالَ مالكٌ: معنى كونِ الأرضِ يُطَهِّرُ بعضُها بعضًا، أنْ يطأَ الأرضَ القذرةَ ثمَّ يصلُ للأرضِ الطيبةِ اليابسةِ؛ فإنَّ بعضَها يطهرُ بعضًا. أما النجاسةُ تصيبُ الثوبَ أو الجسدَ فلا يطهرُها إلا الماءُ قالَ: وهوَ إجماعٌ.\nقيلَ: ومما يدلُّ لحديثِ البابِ، وأنهُ على ظاهرِه ما أخرجهُ البيهقيّ (^١) عنْ أبي المعلَّى عنْ أبيهِ عنْ جدهِ قالَ: \"أقبلتُ مع عليّ بن أبي طالبٍ إلى الجمعةِ - وهوَ ماشٍ - فحالَ بينَهُ وبينَ المسجدِ حوضٌ منْ ماءٍ وطينٍ، فخلعَ نعليهِ وسراويلهِ، قالَ: قلتُ: هاتِ يا أميرَ المؤمنينَ أحملْه عنكَ، قالَ: لا، فخاضَ فلما جاوزهُ لبسَ نعليهِ وسراويلَه ثمَّ صلَّى بالناسِ ولمْ يغسلْ رجليهِ\". ومنَ المعلومِ أن الماءَ المجتمعَ في القرى لا يخلُو عن النجاسةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-332>النهي عن الكلام في الصلاة</span>\n١٥/ ٢٠٧ - وَعَنْ مُعَاوِيةَ بْنِ الْحَكَمِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرآنِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) هوَ معاويةُ بنُ الحكمِ السّلميُّ كانَ ينزلُ المدينةَ،\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٣٤). وقال البيهقي: معاذ بن العلاء هو: ابن عمار أبو غسان.\nوروي من وجه آخر عن علي. وروينا عن الأسود وعلقمة وسعيد بن المسيب ومجاهد، وجماعة من التابعين في معناه.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣٣/ ٥٣٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٩٣١)، والنسائي (٣/ ١٤ - ١٨)، وابن الجارود رقم (٢١٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٦)، والبيهقي (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، والدارمي (١/ ٣٥٣)، وأحمد (٥/ ٤٤٧ و٤٤٨)، وأبو عوانة (٢/ ١٤١ - ١٤٢)، والبخاري في \"خلق أفعال العباد\" (ص ٣٨ - ٣٩)، والطيالسي (ص ١٥٠ رقم ١١٠٥)، وابن خزيمة (٢/ ٣٥ رقم ٨٥٩)، وفي كتاب التوحيد (ص ١٢١)، وعثمان بن سعيد في الرد على المريسي (ص ٩٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٣٩٨ - ٣٩٩) وغيرهم، من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحَكم .. به مطولًا ومختصرًا.","vol":"2","page":99},{"text":"وعدادهُ في أهلِ الحجازِ، (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِنَّ هذِهِ الصَّلاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِير، وَقِرَاءَة الْقُرآنِ. رَوَاه مُسْلِمٌ). وللحديثِ سببٌ حاصلُهُ: \"أنهُ عطس [في الصلاة] (^١) رجلٌ فشمَّتهُ معاويةُ وهوَ في الصلاةِ، فأنكرَ عليهِ مَنْ لديهِ منَ الصحابةِ بما أفهمَه ذلكَ ثمَّ قالَ لهُ النبيُّ - ﷺ - بعدَ ذلكَ: إنَّ هذهِ الصلاةَ - الحديثُ\" ولهُ عدةُ ألفاظٍ. والمرادُ منْ عدمِ الصلاحيةِ عدمُ صِحَّتِها، ومنَ الكلامِ مكالمةُ الناسِ ومخاطبتُهم كما هوَ صريحُ السببِ. فدلَّ على أن المخاطبةَ في الصلاةِ تبطلُها سواءٌ كانتْ لإصلاحِ الصلاةِ أوْ غيرِهَا، وإذا احتيِجَ إلى تنبيهِ [الداخلِ] (^٢) فيأتي حكمُهُ وبماذَا [يثبت] (^٣).\nودلَّ الحديثُ على أن تكلم الجاهلِ في الصلاةِ لا يُبِطلُها، وأنهُ معذورٌ لجهلهِ، فإنه - ﷺ - لمْ يأمرْ معاويةَ بالإعادةِ. وقولُهُ: (إنَّما هوَ) أي الكلامُ المأذونُ فيهِ في الصلاةِ أو الذي يصلحُ فيْها، (التسبيحُ والتكبيرُ وقراءة القرآنِ)، أي إنَّما يشرعُ فيها ذلكَ وما انضمَّ إليهِ منَ الأدعيةِ ونحوِها [لدليلهِ الآتي وهوَ] (^٤):\n١٦/ ٢٠٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يُكَلّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٥) فَأمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرقَمَ أنَّهُ قَالَ: إِنْ كنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -). والمرادُ ما لا بدَّ منهُ منَ الكلام، كردِّ السلامِ ونحوِهِ، لا أنَّهم كانُوا يتحادثونَ فيها تحادثَ المتجالسينَ، كما يدلُّ لهُ قولُه: (يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"للداخل\".\n(^٣) في (أ): \"ينبه\"\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.\n(^٦) البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٣٥/ ٥٣٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٠٥)، والنسائي (٣/ ١٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٥٠)، والبيهقي (٢/ ٢٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٨).","vol":"2","page":100},{"text":"﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) وهي صلاةُ العصرِ على أكثرِ الأقوالِ، وقد ادُّعِيَ فيهِ الإجماعُ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللّفْظُ لِمُسْلِمٍ).\nقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^١): \"فيهِ دليلٌ على تحريمِ جميعِ أنواعِ كلامِ الآدميينَ\"، وأجمعَ العلماءُ على أن المتكلمَ فيها عامَدًا عالمًا بتحريمهِ لغيرِ مصلحتِها، ولغيرِ إنقاذِ هالكٍ وشبههِ مبطلٌ للصلاةِ، وذكرَ الخلافَ في الكلام لمصلحتِها، ويأتي في شرح حديثِ ذي اليدينِ في أبوابِ السهوِ (^٢). وفهمَ الصحابة الأمرَ بالسكوتِ من قولهِ: ﴿قَانِتِينَ﴾، لأنهُ أحدُ معاني القنوتِ، ولهُ أحدَ عشرَ معنى معروفةٌ (^٣)، وكأنَّهم أخذُوا خصوصَ هذَا المعنى من القرائنِ، أوْ منْ تفسيرهِ - ﷺ - لهمْ ذلكَ. والحديثُ فيهِ أبحاثٌ قدْ سُقْنَاها في حواشي شرحِ العمدةِ (^٤). فإنِ اضطرَّ المصلِّي إلى تنبيه غيرِه، فقدْ أباحَ لهُ الشارعُ نوعًا منَ الألفاظِ كما يفيدُهُ الحديثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-333>ماذا يصنع من نابه أمر وهو في الصلاة</span>\n١٧/ ٢٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"التسْبِيحُ للرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، زَادَ مُسْلِمٌ: \"في الصَّلاةِ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ)، وفي روايةٍ: \"إذا نَابَكم أمرٌ فالتسبيحُ للرجالِ\". (وَالتَّصْفِيقُ للِنِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ مُسْلِمٌ: في الصَّلَاةِ)، وهوَ المرادُ منَ السياقِ وإنْ لم ياتِ بلفظهِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ\n_________\n(^١) (٥/ ٢٧).\n(^٢) رقم الحديث (٢/ ٣١٤).\n(^٣) انظر: \"لسان العرب\" (١١/ ٣١٣ - ٣١٤).\n(^٤) (٢/ ٤٧٦ - ٤٨١ رقم ١٠٨).\n(^٥) البخاري (١٢٠٣)، ومسلم (١٠٦ و١٠٧/ ٤٢٢).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ١١ رقم ١٢٠٧ و١٢٠٨ و١٢٠٩ و١٢١٠)، وابن ماجه (١٠٣٤)، والترمذي (٣٦٩)، وأبو داود (٩٣٩)، وأحمد (٢/ ٢٦١)، وابن خزيمة (٢/ ٥١ رقم ٨٩٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٥٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٦٠) و(٤/ ١٥٧٠) و(٦/ ٢١٢١) و(٧/ ٢٧٠١)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٢٧)، والدارقطني (٢/ ٨٣ رقم ١)، والطيالسي (١/ ١٠٩ رقم ٤٩٩ - منحة المعبود\"، والبيهقي (٢/ ٢٤٦ و٢٤٧).","vol":"2","page":101},{"text":"يُشرعُ لمنْ نابهُ في الصلاةِ أمرٌ منَ الأمورِ كأنْ [يريدَ تنبيهَ الإمامِ على] (^١) أمرٍ سَهَا عنْهُ، وتنبيهَ المارّ أو مَنْ يريدُ منهُ أمرًا وهوَ لا يدري أنهُ يصلّي فينبههُ على أنهُ في [صلاةٍ] (^٢)، فإنْ كانَ المصلّي رجلًا قالَ: سبحانَ اللَّهِ. وقدْ وردَ في البخاريّ (^٣) بهذَا اللفظِ وأُطلِقَ فيما عداهُ (^٤). وإنْ كانتِ المصليةُ امرأةً نبهتْ بالتصفيقِ، وكيفيته كما قالَ عيسى بنُ أيوبَ أن تضربَ بأُصبُعَينِ منْ يمينِها على كفّها اليُسرى. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بهذَا الحديثِ جمهورُ العلماءِ، وبعضُهم فَصَّلَ بلا دليلٍ ناهضٍ فقالَ: إنْ كانَ ذلكَ للإعلامِ بأنهُ في صلاةٍ فلا يبطلُها، وإنْ كانَ لغيرِ ذلكَ فإنهُ يبطلُها ولو كانَ فتحًا على الإمامِ، قالُوا: لِما أخرجهُ أبو داودَ (^٥) منْ قولهِ - ﷺ -: \"يا علي، لا تفتحْ على الإمامِ في الصلاةِ\". وأجيبَ بأنَّ أبا داودَ ضعفهُ بعدَ سياقهِ لهُ، فحديثُ البابِ باقٍ على إطلاقهِ لا تخرجُ منهُ صورةٌ إلا بدليلٍ.\nثمَّ الحديثُ لا يدلُّ على وجوبِ التسبيحِ تنبيهًا أو التصفيقِ، إِذْ ليسَ فيه أمرٌ، إلَّا أنهُ قد وردَ بلفظِ الأمرِ في روايةِ (^٦): \"إذا نابَكَم أمرٌ فليسبّحِ الرجالُ وليصفّق النساءُ\". وقدِ اختلفَ في ذلكَ العلماءُ. قالَ شارحُ التقريبِ: الذي ذكرهُ أصحابُنا، ومنْهمُ الرافعيُّ والنوويُّ أنهُ سنةٌ، وحكاهُ عن الأصحابِ ثمَّ قالَ بعدَ [كلامٍ] (^٧): والحق انقسامُ التنبيهِ في الصلاةِ إلى ما هوَ واجبٌ ومندوبٌ ومباحٌ بحسبِ ما يقتضيهِ الحالُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-334>البكاء والأنين لا يبطل الصلاة</span>\n١٨/ ٢١٠ - وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي، وَفي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، مِنَ الْبُكَاءِ. أَخْرَجَهُ\n_________\n(^١) في (أ): \"ينبه على الإمام في\".\n(^٢) في (ب): \"الصلاة\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢٦٩٠) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٤) كما في \"صحيح مسلم\" (١٠٢/ ٤٢١) من حديث سهل أيضًا.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٥٥٩ رقم ٩٠٨)، وقال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها. قلت: وهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٣/ ١٨٢ رقم ٧١٩٠) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٧) في (أ): \"كلامه\".","vol":"2","page":102},{"text":"الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-335>ترجمة مطرف بن عبد الله بن الشخير</span>\n(وَعَنْ مُطَرِّفٍ) (^٣) بضمِّ الميمِ، وفتحِ [الطاءِ] (^٤) المهملةِ، وتشديدِ الراءِ، المكسورةِ، وبالفاءِ (ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخَيرِ) بكسرِ الشينِ المعجمةِ وكسرِ الخاءِ المعجمةِ المشددةِ، ومطرفٌ تابعيٌّ جليلٌ (عَنْ أَبِيهِ) عبدِ اللَّهِ بن الشِّخيرِ، وهوَ ممنْ وَفَدَ إلى النبيِّ - ﷺ - في بني عامرٍ يُعَدُّ في البصريينَ (قَالَ: رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - يصَلِّي وَفي صَدْرِهِ أزِيزٌ) بفتحِ الهمزةِ فزاي مكسورة فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فزاي، وهوَ صوتُ القِدْرِ عندَ غَلَيَانِها (كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ الراءِ وفتحِ الجيمِ، هوَ القِدْرُ، (مِنَ البكَاءِ) بيانٌ للأزيزِ (أَخْرَجَهُ الْخَمْسَة). [همْ عندَهُ على ما ذكرهُ في الخطبةِ مَنْ عدَا الشيخينِ، فهمْ أصحابُ السننِ، وأحمدُ إلَّا أنهُ هنا أرادَ بهمْ غيرَ ذلكَ وهمْ أهلُ السننِ الثلاثةِ، وأحمدُ كما بينهُ بقولهِ] (^٥): (إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَه ابْن حِبَّانَ)، وصححهُ أيضًا ابنُ خزيمةَ (^٦)، والحاكمُ (^٧). ووهمَ مَنْ قالَ: إنَّ مسلمًا أخرجهُ، ومثلُه ما رُوِيَ \"أن عمرَ صلَّى صلاةَ الصبحِ وقرأَ سورةَ يوسفَ حتَّى بلغَ إلى قولهِ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ فَسُمِعَ نشيجُهُ\"، أخرجهُ البخاريُّ (^٨)\n_________\n(^١) وهم: أحمد (٤/ ٢٥ و٢٦)، وأبو داود (٩٠٤)، والنسائي (٣/ ١٣)، والترمذي في \"الشمائل\" رقم (٣١٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٦٦٥).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الحلية\" (٢/ ١٩٨)، و\"الإصابة\" (٩/ ٣٢١ رقم ٨٣١٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١١٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٦٤)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٩٦)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢١٤)، و\"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٨٠ و٩٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٣ رقم ٩٠٠).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٥١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٤٤ رقم ٧٢٩) وهو حديث صحيح.\n(^٨) تعليقًا (٢/ ٢٠٦) الباب (٧٠).","vol":"2","page":103},{"text":"مقطوعًا، ووصلهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^١) وأخرجهُ ابنُ المنذرِ (^٢). والحديثُ دليلٌ على أن مِثْلَ ذلكَ لا يُبْطلُ الصلاةَ وقِيْسَ عليهِ الأنينُ.\n١٩/ ٢١١ - وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَدْخَلَانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لي. رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^٣)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٤). [ضعيف]\n(وَعَنْ عَليٍّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَدْخَلَانِ) بفتحِ الميمِ ودالٍ مهملةٍ وخاءٍ معجمةِ، تثنيةُ مَدْخَل بزنِةِ مقتلٍ، أي: وقتانِ أدخلُ عليهِ فيهمَا، (فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي. رَوَاهُ النَّسَائيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وصححهُ ابنُ السكنِ (^٥). وقدْ رُويَ بلفظِ (^٦): \"سبَّحَ\" مكانَ \"تنحنحَ\" منْ طريقٍ أخرى ضعيفةٍ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن التنحنحَ غيرُ مبطلٍ للصلاةِ، وقد ذهبَ إليهِ الناصرُ والشافعي عملًا بهذا الحديثِ، وعندَ الهادويةِ أنهُ مفسدٌ إذا كانَ بحرفينِ فصاعدًا إلحاقًا لهُ بالكلامِ المفسدِ، قالُوا: وهذا الحديثُ فيهِ اضطرابٌ، [ولكنْ قدْ سمعتُ أن روايةَ تنحنحَ صحَّحها ابنُ السكنِ، وروايةُ سبَّحَ ضعيفةٌ فلا تتمُّ دعوى الاضطرابِ] (^٧). ولو ثبتَ الحديثانِ معًا لكانَ الجمعُ بينهمَا بأنهُ - ﷺ - كان تارةً يسبِّحُ، وتارةً يتنحنحُ [تنحنحًا] (^٨). [ولكن قد عرفت أن رواية تنحنح صحَّحها ابن السكن، ورواية سبح ضعيفة. ولا تتم دعوى الاضطراب؛ إذ لا يكون\n_________\n(^١) في سننه (٥/ ٤٠٥ رقم ١١٣٨) بسند صحيح، عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا، وزاد: \"في صلاة الصبح\".\n(^٢) من طريق عبيد الله بن عمير، عن عمر نحوه - كما في \"الفتح\" (٢/ ٢٠٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ١٢).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٢٢٢ رقم ٣٧٠٨).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٨٠). ومداره على \"عبد الله بن نجي\" قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٢٨٣ رقم ٤٥٢): \"واختلف عليه فقيل: عنه عن علي، وقيل: عن أبيه عن علي، وقال يحيى بن معين: لم يسمعه عبد الله من علي، بينه وبين علي أبوه\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٥) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\": (١/ ٢٨٣ رقم ٤٥٢).\n(^٦) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢ رقم ٥٧٠ - شاكر)، وهو حديث ضعيف أيضًا.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"صحيحًا\".","vol":"2","page":104},{"text":"الاضطراب إلا في الأحاديث الصحيحة كما علم في علوم الحديث] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-336>السلام على المصلي وكيف يرد عليه المصلي</span>\n٢٠/ ٢١٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبيَّ - ﷺ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَال: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣) وَصَحَّحَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبيَّ - ﷺ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ)، أي على الأنصارِ كما دلَّ لهُ السياقُ (حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هكَذَا، وبَسَطَ كَفَّهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ)، وأخرجهُ أيضًا أحمدُ (^٤)، والنسائي (^٥)، وابنُ ماجه (^٦). وأصلُ الحديثِ \"أنهُ خرجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إلى قباء يصلِّي فيهِ، فجاءتِ الأنصارُ وسلَّمُوا عليهِ، فقلتُ لبلالٍ: كيفَ رأيتَ؟ الحديثَ\". ورواهُ أحمدُ (^٧) وابنُ حبانَ (^٨)، والحاكمُ (^٩) أيضًا منْ حديثِ ابن عمرَ \"أنهُ سألَ صهيبًا عنْ ذلكَ\" بدل بلالٍ. وذكرَ الترمذيّ (^١٠) أن الحديثينِ صحيحانِ جميعًا. والحديثُ دليلٌ أنهُ إذا سلَّمَ أحدٌ على المصلِّي ردَّ ﵇ بالإشارةِ دونَ النطقِ. وقدْ أخرجَ مسلمٌ (^١١) عن جابرٍ: أن رسول اللَّهِ - ﷺ - بعثهُ لحاجةٍ قال: ثمَّ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" (٩٢٧).\n(^٣) في \"السنن\" (٣٦٨) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ١٢).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٥ رقم ١١٨٧) قلت: في رواية النسائي، عوض \"بلال\"، \"صهيب\".\n(^٦) في \"السنن\" (١٠١٧) قلت: وفى رواية ابن ماجه، عوض \"بلال\"، \"صهيب\".\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ١٠).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٤/ ١٤ رقم ٢٢٥٥).\n(^٩) في \"المستدرك\" (٣/ ١٢)، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٣٣٦ رقم ٣٥٩٧)، والدارمي (١/ ٣١٦)، والبيهقي (٢/ ٢٥٩)، وابن خزيمة (٢/ ٤٩ رقم ٨٨٨). وهو حديث صحيح.\n(^١٠) في \"السنن\" (٢/ ٢٠٥).\n(^١١) في \"صحيحه\" (١/ ٣٨٣ رقم ٣٦/ ٥٤٠).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٠١٨)، والنسائي (٣/ ٦ رقم ١١٨٩)، والبيهقي (٢/ ٢٥٨)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٣٤).","vol":"2","page":105},{"text":"أدركتهُ وهوَ يصلِّي فسلمتُ عليهِ، فأشارَ إليَّ فلما فرغَ دعاني وقالَ: إنكَ سلَّمتَ [عليَّ] (١)، فاعتذرَ إليهِ بعدَ الردّ بالإشارةِ. و[أمَّا] (^١) حديثُ ابن مسعودٍ (^٢): \"أنَّهُ سلَّمَ عليهِ - ﷺ - وهوَ يصلِّي فلمْ يردَّ عليهِ - ﷺ -، ولا ذكرَ الإشارةَ بلْ قالَ لهُ بعدَ فراغهِ منَ الصلاةِ: \"إنَّ في الصلاةِ شغلًا\"، إلا أنهُ قدْ ذكرَ البيهقيُّ (^٣) في حديثهِ \"أنهُ - ﷺ - أَوْمأَ له برأسهِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-337>أقوال العلماء في ردِّ السلام في الصلاة على من سلَّم على المصلي</span>\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في ردّ السلامِ في الصلاةِ على مَنْ سَلَّمَ على المصلِّي، فذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ يردُّ باللفظِ، وقالَ جماعةٌ: يردُّ بعدَ السلامِ مِنَ الصلاةِ، وقالَ قومٌ: يردُّ في نفسهِ، وقالَ قومٌ: يردُّ بالإشارة كما أفادهُ هذا الحديثُ، وهذَا هوَ أقربُ الأقوالِ للدليلِ، وما عداهُ لمْ يأتِ بهِ دليلٌ. قيلَ: وهذَا الردُّ بالإشارةِ استحبابٌ بدليلِ أنهُ لمْ يردَّ - ﷺ - بهِ على ابن مسعودٍ بلْ قالَ لهُ: \"إنَّ في الصلاةِ [لشغلًا] (^٤) \".\nقلتُ: قدْ عرفتَ منَ روايةِ البيهقيِّ أنهُ - ﷺ - ردَّ عليهِ بالإشارةِ برأسهِ، ثمَّ اعتذرَ إليهِ عن الردّ باللفظِ [له] (^٥)، لأنهُ الذي كانَ يردُّ بهِ عليهمْ في الصلاةِ فلمَّا حَرُمَ الكلام ردَّ عليهِ - ﷺ - بالإشارةِ ثمَّ أخبره أن الله أحدث من أمره \"أن لا يتكلَّموا في الصلاة\"، فالعجب من قول من قال: يرد باللفظِ معَ أنهُ - ﷺ - قالَ هذا، أيْ: \"أن اللَّهَ أحدثَ منْ أمرهِ [أن لا يتكلَّموا في الصلاة] (٥) \"في الاعتذارِ عنْ ردّهِ على ابن مسعودٍ السلامَ باللفظِ، وجعلَ ردَّهُ السلامَ في الصلاةِ كلامًا، وأنَّ اللَّهَ نَهَى عنهُ. والقولُ بأنهُ مَنْ سَلَّمَ على المصلِّي لا يستحقُّ جوابًا يعني بالإشارةِ، ولا [باللفظِ] (^٦): يردُّهُ رَدَّهُ - ﷺ - على الأنصارِ، وعلى جابرٍ بالإشارةِ، ولو كانُوا لا\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٩٩) و(١٢١٦) و(٣٨٧٥)، ومسلم (٥٣٨)، وأبو داود (٩٢٣)، والنسائي (٣/ ١٩)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ٤٠٩)، والبيهقي (٢/ ٢٤٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٣٥ رقم ١٠١٢٤)، وابن خزيمة (٢/ ٣٤ رقم ٨٥٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٣٥ رقم ٧٢٤) وغيرهم.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٦٠).\n(^٤) في (ب): \"شغلًا\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"لفظ\".","vol":"2","page":106},{"text":"يستحقونَ لأخبرَهم بذلكَ ولم يردَّ عليهمْ. وأما كيفيةُ الإشارةِ ففي المسندِ (^١) منْ حديثِ صهيبٍ قالَ: \"مررتُ برسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهوَ يصلِّي فسلَّمتُ عليهِ فردّ عليَّ إشارةً\"، قالَ الراوي: لا أعلمهُ إلَّا قالَ: \"إشارةً بأصبُعِهِ\". وفي حديثِ ابن عمرَ (^٢) في وصفهِ لردهِ - ﷺ - السلامَ على الأنصارِ \"أنهُ - ﷺ - قالَ هكذَا، وبسطَ جعفرُ بنُ عونٍ - الراوي عن ابن عمرَ - كفَّهُ وجعلَ بطنَه أسفلَ، [وجعلَ] (^٣) ظهرَهُ إلى فوقٍ\"، فتحصلُ منْ هذَا أنه [يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه، أو بيديه، أو بإصبعه، والظاهر أنه واجب لأن الرد بالقول] (٣) واجبٌ وقدْ تعذرَ في الصلاةِ فبقيَ الردُّ بأيِّ ممكنٍ، وقدْ أمكنَ بالإشارةِ وجعلَهُ الشارعُ ردًا، وسماهُ الصحابةُ ردًا، ودخلَ تحتَ قولهِ تعالَى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾. وأما حديثُ أبي هريرةَ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"مَنْ أشارَ في الصلاةِ إشارةً تفهمُ عنهُ فليُعِدْ صلاتَه\" ذكرهُ الدارقطنيُّ (^٤)، فهوَ حديثٌ باطلٌ، لأنهُ منْ روايةِ أبي غطفانَ عنْ أبي هريرةَ، وهوَ رجلٌ مجهولٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-338>حمل الصبيان في الصلاة وطهارة ثيابهم وأبدانهم</span>\n٢١/ ٢١٣ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَة - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ\n_________\n(^١) (٤/ ٣٣٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٣٦٧)، والنسائي (٣/ ٥ رقم ١١٨٦)، وأبو داود (٩٢٥)، والبيهقي (٢/ ٢٥٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٥٤) وغيرهم.\nوهو حديث حسن بشواهده، وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٢) تقدم تخريجه رقم (٢٠/ ٢١٢).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٨٣ رقم ٢).\nقلت: وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ٤٢٧ رقم ٧٢٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٥٣).\nوقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وابن إسحاق مجروح، وأبو غطفان مجهول.\nقلت: ابن إسحاق ثقة إلا أنه مدلس وقد عنعن.\nوقال الدارقطني: \"قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان هذا رجل مجهول، وآخر الحديث زيادة في الحديث. ولعله من قول ابن إسحاق. والصحيح عن النبي - ﷺ - أنه كان يشير في الصلاة - كما تقدم في الأحاديث السابقة - \" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا. وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٩٠ - ٩١).","vol":"2","page":107},{"text":"حَامِلٌ أُمَامةَ - بِنْتَ زَيْنَبَ - فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\nوَلمُسْلِمٍ (^٢): وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ في الْمَسْجِدِ. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - عَنْه قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يصَلِّي وَهوَ حَامِلٌ أمَامَةَ) بضمِّ الهمزةِ (بِنْتَ زَيْنَبَ)، هي أمُّها؛ وهي زينبُ بنتُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وأبوها أبو العاصِ بنُ الربيعِ، (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإذَا قَامَ حَمَلَهَا). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلمُسْلِمٍ زيادةٌ: (وَهوَ يَؤُمّ النَّاسَ في الْمَسْجِدِ). في قولهِ: \"كان يصلِّي\" ما يدلُّ على أن هذه العبارةَ لا تدلُّ على التكرارِ مطلقًا؛ لأنَّ هذَا الحمْلَ لأُمامةَ وقعَ منهُ - ﷺ - مرةً واحدة لا غيرُ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن حمْلَ المصلِّي في الصلاةِ حيوانًا آدميًا أوْ غيرَهُ لا يضرُّ صلاتَهُ، سواءٌ كان ذلكَ لضرورةٍ أو غيرِها، وسواءٌ كانَ في صلاةِ فريضةٍ أو غيرِها، وسواءٌ كانَ إمامًا أو منفردًا. وقدْ صرَّحَ في روايةِ مسمٍ أنهُ كانَ إمامًا فإذَا جازَ في حالِ الإمامةِ جازَ في حالِ الانفرادِ، [وإذا جازَ] (^٣) في الفريضةِ جازَ في النافلةِ بالأَولى. وفيهِ دلالةٌ على طهارةِ ثيابِ الصبيانِ وأبدانِهم، وأنهُ الأصلُ ما لمْ تظهرِ النجاسةُ، وأنَّ الأفعالَ التي مثلَ هذهِ لا تبطلُ الصلاةَ؛ فإنهُ - ﷺ - كانَ يحملُها ويضعُها. وقدْ ذهبَ إليهِ الشافعيُّ، ومنعَ غيرُه منْ ذلكَ وتأولُوا الحديثَ بتأويلات\nبعيدةٍ منْها أنهُ خاصٌّ بهِ - ﷺ -، ومنْها أن أُمامةَ كانتْ تعلقُ بهِ منْ دونِ فعل منهُ، ومنْها أنهُ للضرورةِ، ومنهمْ مَنْ قالَ: إنهُ منسوخٌ. وكلُّها دَعَاوى بغيرِ برهان واضحٍ. وقدْ أطالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ العمدةِ (^٤) القولَ في هذَا وزدناهُ إيضاحًا في حواشيْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-339>لا تبطل الصلاة بقتل الحية والعقرب فيها</span>\n٢٢/ ٢١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اقْتُلُوا\n_________\n(^١) البخاري (٥١٦) و(٥٩٩٦)، ومسلم (٥٤٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٩١٧ و٩١٨ و٩١٩ و٩٢٠)، والنسائي (٢/ ٤٥ رقم ٧١١) و(٣/ ١٠ رقم ١٢٠٤ و١٢٠٥)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٧٠ رقم ٨١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٦٣ رقم ٧٤١)، وأحمد (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣) و(٢/ ٣١١ - ٣١٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤٢/ ٥٤٣).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) (١/ ٢٣٨ - ٢٤٢ رقم ١٣).","vol":"2","page":108},{"text":"الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ\"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، ولهُ شواهدُ كثيرةٌ (^٣). والأسودانِ اسمٌ يطلقُ على الحيةِ والعقرب على أي لونٍ كانَا كما يفيدهُ كلامُ أئمةِ اللغةِ، [فلا] (^٤) يُتَوهَّمُ أنهُ خاصٌّ بذي اللونِ الأسودِ فيهمَا. وهوَ دليل على وجوبِ\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (٩٢١)، والترمذي (٣٩٠)، والنسائي (٣/ ١٠ رقم ١٢٠٢)، وابن ماجه (١٢٤٥).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٤/ ٤٢ رقم ٢٣٤٦).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٦٧ رقم ٧٤٤)، والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ١٠٩ رقم ٥٠٢)، والحاكم (١/ ٢٥٦)، والبيهقي (٢/ ٢٦٦)، والدارمي (١/ ٣٥٤)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٣٣، ٢٤٨، ٢٥٥، ٤٧٣، ٤٧٥، ٤٩٠).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٣) منها: حديث عائشة قالت: \"كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلي في بيتي، فأقبلَ عليُّ بن أبي طالب فقام إلى جَنْبهِ عن يمينِهِ، فأقبلتْ عقربٌ نحوَ النبي - ﷺ - فلما دنتْ منه صُدَّتْ عنه، ثمَ أقبلتْ نحو عليٍّ، فأخذَ النعلَ فقتلها وهو يُصلِّي. فلما قضى صلاتَهُ قال: قاتَلَهَا الله، أقبلتْ نحوَ النبي - ﷺ - صُدَّتْ عنه، ثم أقبلتْ إليَّ تريدُني. فلم يَرَ رسولَ اللهِ - ﷺ - بقتلِهَا في الصلاةِ بأسًا\".\nأخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٨/ ١٨٤ رقم ٣٨٣/ ٤٧٣٩) وإسناده ضعيف، والبيهقي (٢/ ٢٦٦) وإسناده ضعيف أيضًا.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٨٤) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" وأبو يعلى، وفي طريق الطبراني: \"عبد الله بن صال\" كاتب الليث.\nقال: عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقة مأمون وضعفه الأئمة أحمد وغيره، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير معاوية بن يحيى الصدفي، وأحاديثه عن الزهري مستقيمة كما قال البخاري، وهذا منها. وضعفه الجمهور\" اهـ.\nقلت: إن هذا النقل عن البخاري غير مستقيم، قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٣٦): \"معاوية بن يحيى الصدفي الدمشقي - وكان على بيت مال بالري - عن الزهري، روى عنه هقل بن زياد أحاديث مستقيمة كأنها من كتاب، روى عنه عيسى بن يونس، وإسحاق بن سليمان أحاديث مناكير كأنها من حفظه\" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"و\".","vol":"2","page":109},{"text":"قتلِ الحيةِ والعقربِ في الصلاةِ إذْ هوَ الأصلُ في الأمرِ. وقيلَ: إنهُ للندبِ، وهو دليلٌ على أنْ الفعلَ الذي لا يتمُّ قتلُهُمَا إلَّا بهِ لا يبطلُ الصلاةَ سواءٌ كانَ بفعلٍ [يسير] (^١) أوْ كثيرٍ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ.\nوذهبتِ الهادويةُ إلى أن ذلكَ يفسدُ الصلاةَ، وتأَوَّلُوا الحديثَ بالخروجِ منَ الصلاةِ قياسًا [على] (^٢) سائرِ الأفعالِ الكثيرةِ التي تَدْعُو إليها الحاجةُ وتعرضُ وهوَ يصلِّي، كإنقاذِ الغريقِ ونحوِه؛ فإنهُ يخرجُ لذلكَ منْ صلاتِهِ، وفيهِ لغيرِهم تفاصيلُ أخرُ لا يقومُ عليْها دليلٌ.\nوالحديثُ حجةٌ للقولِ الأولِ. وأحاديثُ الباب اثنانِ وعشرونَ، [وفي الشرحِ ستةٌ وعشرونَ] (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"قليل\".\n(^٢) في (ب): \"عن\".\n(^٣) زيادة من (أ).","vol":"2","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>[الباب الرابع] باب سترة المصلِّي</span>\n<span data-type='title' id=toc-341>تشديد الوعيد في المرور بين المصلي وسترته</span>\n١/ ٢١٥ - عَنْ أَبِي جُهَيمِ بْنِ الْحَارِثِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَينَ يَدَي المُصَلِّي مَاذَا عَلَيهِ مِنَ الإثْم لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيرًا لهُ مِنْ أَن يَمُرَّ بَينَ يَدَيْهِ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ في الْبَزَّارِ (^٢) مِنْ وَجْه آخَرَ: \"أَربْعِينَ خَريفًا\". [صحيح]\n(عنْ أبي جُهَيمٍ) بضم الجيمِ، مصغرُ جهمٍ، وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ جهيمٍ. وقيلَ: هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنُ الصِمَّةِ، بكسرِ المهملةِ وتشديدِ الميمِ، الأنصاريِّ، لهُ حديثان [يعني اتفق الشيخان على إخراجهما] (^٣) هذا أحدُهما، والآخرُ في السلامِ على مَنْ يبولُ. وقالَ فيهِ أبو داودَ: أبو الجهيمِ بنُ الحارثِ بنُ الصمةِ. وقدْ قيلَ: أن راويَ حديثِ البولِ رجلٌ آخرُ هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ، والذي هنَا عبدُ اللَّهِ بنُ جُهَيْمٍ، وأنَّهما اثنانِ.\n(قَالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلَّي مَاذَا عَلَيْهِ الإثم) لفظُ مِنَ الإثم ليسَ منْ ألفاظِ البخاريِّ ولا مسلمٍ، بلْ قال المصنفُ في فتحِ\n_________\n(^١) البخاري (٥١٠)، ومسلم (٢٦١/ ٥٠٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٧٠١)، والترمذي (٣٣٦)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٤٥)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٥٤ رقم ٣٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٥٤ رقم ٥٤٣)، وأحمد (٤/ ١٦٩)، وأبو عوانة (٢/ ٤٤)، والبيهقي (٢/ ٢٦٨).\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٦١) وقال: رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) زيادة من (أ).","vol":"2","page":111},{"text":"الباري (^١): إنَّها لا توجدُ في البخاري إلَّا عندَ بعضِ رُواتِهِ، وقدحَ فيهِ بأنهُ ليسَ منْ أهلِ العلمِ، قالَ: وقدْ عِيْبَ على الطبريِّ نسبتُها إلى البخاريِّ في كتابه الأحكام، وكذَا عِيْبَ على صاحب العُمدةِ نسبتُها إلى الشيخينِ، معًا اهـ. فالعجبُ [منْ] (^٢) نسبةِ المصنفِ لها هنَا إلى الشيخينِ، فقدْ وقعَ لهُ منَ الوهمِ ما وقعَ لصاحبِ العمدةِ، (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَربَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ). وليسَ فيهِ ذكرٌ مميزٌ الأربعينَ (ووقَعَ في الْبَزَّارِ) أي منْ حديثِ أبي جهيمٍ (مِنْ وَجْه آخَرَ) أي منْ طريق رجالها غيرِ رجالِ المتفقِ عليهِ (أَرْبَعِينَ خَريفًا) أي عامًا، أُطِلقَ الخريفُ على العامِ منْ إطلاقِ الجزءِ على الكلِّ.\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ المرورِ بينَ يدي المصلِّي، أي ما بينَ موضع جبهتهِ في سجودهِ وقدميهِ، وقيلَ غيرُ هذَا، وهوَ عامٌّ في كلِّ مصلٍّ فرضًا أوْ نفلًا سواءٌ كانَ إمامًا أو منفردًا، وقيلَ يختصُّ بالإمامِ والمنفردِ إلَّا المأموم فإنهُ لا يضرهُ مَنْ مرَّ بينَ يديهِ، لأنَّ سترةَ الإمامِ سترةٌ لهُ، وإمامهُ سترةٌ لهُ. إلَّا أَنهُ قدْ رُدَّ هذَا القولُ بأنَّ السترةَ إنَّما تَرْفَعُ الحرجَ عن المصلّي لا [عن] (^٣) المارِّ، ثمَّ ظاهرُ الوعيدِ يختصُّ بالمارِّ لا بِمنْ وقفَ عامدًا مثلًا بينَ يدي المصلِّي، أوْ قعدَ، أو رَقَدَ. ولكنْ إذا كانتِ العلةُ فيهِ التشويشَ على المصلِّي فهوَ في معنى المارِّ.\n٢/ ٢١٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ - عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي، فَقَالَ: \"مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي فَقَالَ: مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل)، بضم الميمِ وهمزةٍ ساكنةٍ وكسرِ الخاءِ المعجمةِ. وفيْها لغاتٌ أُخرُ (الرَّحْل) هوَ العودُ الذي في آخرِ الرحلِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).\nوفي الحديث ندبٌ للمصلي إلى اتخاذِ سترةٍ، وأنهُ يكفيهِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ\n_________\n(^١) (١/ ٥٨٥).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"على\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢٤٣، ٢٤٤/ ٥٠٠).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٦٢ رقم ٧٤٦).","vol":"2","page":112},{"text":"وهي قدرُ ثُلُثَي ذراعٍ، وتحصلُ بأيِّ شيءٍ أقامهُ بينَ يديهِ، قال العلماءُ (^١):\n\n<span data-type='title' id=toc-342>ما الحكمة من السترة؟</span>\n\" والحكمةُ في السترةِ كفُّ البصرِ عما وراءَها، ومنعُ مَنْ [يجتازُ] (^٢) بقربهِ\". وأُخِذَ مِنْ هذَا أنهُ لا يكفي الخطُّ بينَ يدي المصلّي وإنْ كانَ قدْ جاءَ به حديثٌ أخرجهُ أبو داودَ (^٣) إلَّا أنهُ ضعيفٌ مضطربٌ [ويأتي للمصنف تحسينه ورد قول من قال أنه مضطرب] (^٤). وقدْ أخذَ بهِ أحمدُ بنُ حنبلٍ فقال: يكفي الخطُّ. وينبغي لهُ أن يدنُوَ منَ السترةِ ولا يزيدَ ما بينَهُ وبينَها على ثلاثةٍ أذُرع فإنْ لمْ يجدْ عَصًا أو نحوَها جمعَ أحجارًا، أوْ تُرَابًا، أو متاعَهُ. قال النوويُّ (^٥): استحبَّ أهلُ العلمِ الدنوَّ مَن السترةِ بحيثُ يكونُ بينَهُ وبينَها قَدْرَ مكانِ السجودِ وكذلكَ بينَ الصفوفِ. وقدْ وردَ الأمرُ بالدنوِّ منْها، وبيانِ الحكمةِ في اتخاذِها، وهوَ ما رواهُ أبو داودَ (^٦) وغيرُه منْ حديثِ سهلٍ بن أبي حَثْمَةَ مرفوعًا: \"إذا صلَّى أحدُكُم إلى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْها، لا يَقْطَعُ الشيطانُ عليه صلاتَهُ\". ويأتي في الحديثِ الرابع ما يفيدُ ذلكَ. والقول بأنَّ أقلَّ السترةِ مثلُ مؤخرةِ الرحلِ يردُّهُ الحديثُ [الآتي] (^٧):\n\n<span data-type='title' id=toc-343>مقدار ما يجزئ في السترة</span>\n٣/ ٢١٧ - وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ قَال: قَال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكمْ في الصلاةِ وَلَو بِسَهْم\"، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (^٨). [حسن]\n_________\n(^١) كما في \"شرح صحيح مسلم بشرح النووي\" (٤/ ٢١٦).\n(^٢) في (أ): \"تجاوز\" وما في (ب) \"موافق لما في شرح مسلم\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤٤٣ رقم ٦٨٩)، وإسناده ضعيف.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المجموع شرح المهذب\" (٣/ ٢٤٧).\n(^٦) في \"السنن\" (٦٩٥).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٦٢ رقم ٧٤٨)، وإسناده صحيح.\nوقد صحَّح الألباني الحديث في صحيح أبي داود.\n(^٧) في (ب): \"الرابع ما يفيد ذلك\".\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٥٢).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٧٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ١١٤ =","vol":"2","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>ترجمة سبرة بن معبد</span>\n(وَعَنْ سَبْرَةَ) (^١) بفتحِ السينِ [المهملة] (^٢) وسكونِ الموحدةِ، وهوَ أبو ثُرَيّة، بضمِّ المثلثةِ وفتحِ الراءِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، وهوَ سبرةُ (بن مَعْبَدٍ الْجُهَنيِّ)، سكنَ المدينةَ وعدادُهُ في البصريينَ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ في الصلَاةِ وَلَوْ بِسَهْم. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ). فيهِ الأمرُ بالسترةِ وحملهُ الجماهيرُ على الندبِ، وعرفتَ أن فائدةَ اتخاذِها أنهُ معَ اتخاذِها لا يقطعُ الصلاةَ شيءٌ، ومعَ عدمِ اتخاذِها يقطعُها ما يأتي. وفي قولهِ: (ولوْ بسهمٍ) ما يفيدُ أنَّها تجزئُ السترةَ غلظتْ أو دقتْ، وأنهُ ليسَ أقلُّها مثلَ مؤخرةِ الرحلِ كما قيلَ.\nقالُوا: والمختارُ أنْ يجعلَ السترةَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ ولا يصمدُ إليْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>مرور الحمار والمرأة والكلب الأسود بين يدي المصلي</span>\n٤/ ٢١٨ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغفَارِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَقْطَعُ صَلاةَ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ - إذَا لم يكُنْ بَينَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ - الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأسوَدُ - الحَدِيثَ\"، وَفِيهِ: \"الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيطَانٌ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي ذَرٍّ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ وقدْ تقدمتْ ترجمتُه (^٤) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: يَقْطَعُ صَلَاةَ المرءِ الْمُسْلِمِ) أي يفسدُها أو يقلِّلُ ثوابَها (إذَا لم يكُنْ\n_________\n= رقم ٦٥٣٩ و٦٥٤٠ و٦٥٤١ و٦٥٤٢)، وأحمد (٣/ ٤٠٤)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٢/ ٢٣٩ رقم ٤/ ٩٤١).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٥٨) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٩٣ - ٣٩٤ رقم ٨٤٧)، والثقات لابن حبان (٣/ ١٧٦)، و\"التاريخ الكبير للبخاري\" (٤/ ١٨٧ رقم ٢٤٣٠)، و\"الإصابة\" (٤/ ١٢٠ رقم ٣٠٨١)، و\"الاستيعاب\" (٤/ ١٢٩ رقم ٩٠٨)، و\"الطبقات لابن سعد\" (٤/ ٣٤٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٦٥ رقم ٢٦٥/ ٥١٠).\n(^٤) في الحديث رقم (٧/ ١٢٢).","vol":"2","page":114},{"text":"بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ)، أي مثلًا، وإلَّا فقدْ أجزأَ السهمُ كما عرفتَ، (الْمَرْأَةُ) هوَ فاعلُ يقطعُ أي مرورُ المرأةِ، (وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ، الحديث)، أي: أتمَّ الحديثَ. وتمامهُ: \"قلتُ: فما بالُ الأسودِ منَ الأحمرِ منَ الأصفرِ من الأبيضِ؟ قالَ: يا ابنَ أخي، سألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عما سألتني [عنه] (^١) فقالَ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ\". (وفيهِ: الكلبُ الأسودُ شيطانٌ)، الجارُّ يتعلقُ بمقدَّرٍ أي وقالَ [فيه] (^٢)، (أَخْرَجَه مُسْلِمٌ)، وأخرجهُ الترمذيُّ (^٣)، والنسائيُّ (^٤)، وابنُ ماجه (^٥) مختَصَرًا ومطولًا.\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ يقطعُ صلاةَ مَنْ لا سترةَ لهُ مرورُ هذهِ المذكوراتِ، وظاهرُ القطعِ الإبطالُ.\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في العملِ بذلكَ، فقالَ قومٌ: [يقطعهَا] (^٦) المرأةُ، والكلبُ الأسودَ دونَ الحمارِ، لحديثٍ وردَ في ذلكَ عن ابن عباس \"أنهُ مرَّ بينَ يدي الصفِّ على حمارٍ - والنبيُّ - ﷺ - يصلِّي - ولمْ يعدِ الصلاةَ، ولا أمرَ أصحابَه بإعادتِها\"، أخرجهُ الشيخان (^٧). فجعلوهُ مخصَّصًا لما هُنَا. وقال أحمدُ: يقطعُها الكلبُ الأسودُ. قالَ: وفي نفسي منَ المرأةِ والحمارِ، أمَّا الحمارُ فلحديثِ ابن عباسٍ، وأما المرأةُ فلحديثِ عائشةَ عندَ البخاريّ (^٨) أنَّها قالتْ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلِّي منَ الليلِ وهيَ معترضةٌ [في قبلته] (^٩)؛ فإذا سجدَ غمزَ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"السنن\" (٣٣٨).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٦٣ رقم ٧٥٠).\n(^٥) في \"السنن\" (٩٥٢).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٥١)، والدارمي (٣٢٩)، والبيهقي (٢/ ٢٧٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٦٢ رقم ٥٥١)، وأبو داود في \"السنن\" (٧٠٢).\n(^٦) في (أ): \"تقطعه\".\n(^٧) البخاري (٨٦١)، ومسلم (٢٥٤/ ٥٠٤)، قلت: وأخرجه أحمد (١/ ٢١٩، ٢٦٤)، وأبو داود (رقم ٧١٥)، والترمذي (٣٣٧)، والنسائي (٢/ ٦٤)، وابن ماجه (٩٤٧)، والبيهقي (٢/ ٢٧٧) وغيرهم.\n(^٨) في \"صحيحه\" (٣٨٢).\nقلت: وأخرجه مسلم (٥١٢)، وأحمد (٦/ ١٢٦)، وأبو داود (٧١٢ و٧١٤)، والنسائي (١/ ١٠١ - ١٠٢)، وابن ماجه (٩٥٦)، والبيهقى (٢/ ٢٧٥).\n(^٩) في (ب): \"بين يديه\".","vol":"2","page":115},{"text":"رجليْها، فكفتْهُمَا فإذا قامَ بسطتْهُمَا\"؛ فلوْ كانتِ الصلاةُ يقطعُها مرورُ المرأةِ لقطعَها اضطجاعُها بينَ يديهِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يقطعُها شيءٌ، وتأولُوا الحديثَ بأنَّ المرادَ بالقطعِ نقضُ الأجرِ لا الإبطالُ. قالُوا: لشغلِ القلب بهذهِ الأشياءِ. ومنهمْ مَنْ قالَ: هذَا الحديثُ منسوخٌ بحديثِ أبي سعيدٍ الآتي (^١): \"لا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ\"، ويأتي الكلامُ عليهِ. وقدْ وردَ: \"أنهُ يقطعُ الصلاةَ اليهوديُّ، والنصراني، والمجوسيُّ، والخنزيرُ\"، وهوَ ضعيف أخرجهُ أبو داودَ (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ وضعَّفَهُ.\n٥/ ٢١٩ - وَلَهُ (^٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ دُونَ الْكَلْبِ. [صحيح]\n(وَلَهُ)، أي: لمسلمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ) [دُونَ الْكَلْب] (^٤)، أي نحوَ حديثِ أبي ذرٍّ (دونَ الكدبِ) كذَا في نسخٍ بلوغِ المرامِ، ويريدُ أن لفظَ الكلبِ لمْ يذكرْ في حّديثِ أبي هريرةَ، ولكنْ راجعتُ الحديثَ فرأيتُ لفظَهُ في مسلمٍ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يقطعُ الصلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ، ويقي [منْ] (^٥) ذلكَ مثلُ مؤخِرَةِ الرَّحْلِ\".\n٦/ ٢٢٠ - وَلأَبِي دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيِّ (^٧) عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ - ﵄ - نَحْوُهُ، دُونَ\nآخِره. وَقَيّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ. [ضعيف]\n_________\n(^١) رقم الحديث (٩/ ٢٢٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٥٣ رقم ٧٠٤).\nوقال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيء. كنت أذاكر به إبراهيم وغيره فلم أر أحدًا جاء به عن هشام ولا يعرفه، ولم أر أحدًا جاء به عن هشام وأحسب الوهم من ابن أبي سمينة - يعني محمد بن إسماعيل البصري مولى بني هاشم - والمنكر فيه ذكر المجوسي. وفيه: \"على قذفةٍ بحجر\"، وذكر الخنزير وفيه نكارة.\nقال أبو داود: ولم أسمع هذا الحديث إلا من محمد بن إسماعيل - ابن أبي سمينة - وأحسبه وهم، لأنه كان يحدثنا من حفظه.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٣) أي لمسلم في \"صحيحه\" (رقم ٢٦٦/ ٥١١).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (٧٠٣).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٦٤ رقم ٧٥١).","vol":"2","page":116},{"text":"(وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحوهُ دُونَ آخرِهِ. وَقَيّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحَائِضِ). في أبي داودَ عنْ شعبةَ قالَ: حدثنَا قتادةُ قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ زيدٍ يحدثُ عن ابن عباسٍ رفعهُ شعبةُ قالَ: \"يقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ\"، وأخرجهُ النسائيُّ (^١)، وابنُ ماجه (^٢). وقولُهُ: (دونَ آخرهِ) يريدُ أنهُ ليسَ في حديثِ ابن عباسٍ آخرُ حديثِ أبي هريرةَ الذي في مسلمٍ (^٣)، وهوَ قولَهُ: \"ويقي منْ ذلكَ مِثْلُ مُؤخِرَةِ الرَّحْلِ\"؛ فالضميرُ في آخرهِ في عبارةِ المصنفِ لآخرِ حديثِ أبي هريرةَ، معَ أنهُ لم يأتِ بلفظهِ كما عرفتَ، ولا يصحُّ أنهُ يريدُ دونَ آخرِ حديثِ أبي ذرٍّ (^٤) كما لا يخْفَى منْ أَنَّ حقَّ الضمير عودُهُ إلى الأقرب، ثمَّ راجعتُ سننَ أبي داودَ (^٥) وإذا لفظُهُ: \"يقطعُ الصلاةَ المرأةُ الحائضُ والكلبُ\" اهـ. فاحتملتْ عبارةُ المصنفِ أن مرادَهُ دونَ آخرِ حديثِ أبي ذرٍّ، وهوَ قولُهُ: \"الكلبُ الأسودُ شيطانٌ\"، أوْ دونَ آخرِ حديثِ أبي هريرةَ، وهوَ ما ذكرناهُ. والأولُ أقربُ؛ لأنهُ ذكرَ لفظَ حديثِ أبي ذرٍّ دونَ لفظِ حديثِ أبي هريرةَ، وإنْ صحَّ أنْ يعيدَ إليهِ الضميرَ، وإنْ لم يذكرْهُ إحالةً على الناظرِ، واللَّه أعلم.\nوتقييدُ المرأةِ بالحائضِ يقتضي معَ صحةِ الحديثِ حملُ المطلقِ على المقيدِ، فلا تقطعُ إلا الحائضُ كما أنهُ أُطْلِقَ الكلبُ عنْ وصفِهِ بالأسودِ في بعضِ الأحاديثِ، وقيدَ في بعضهِا بهِ، وحملوا المطلقَ على المقيدِ وقالُوا: لا يقطعُ إلَّا الأسودُ، فتعينَ في المرأةِ الحائضِ [والأسود] (^٦) حملُ المطلقِ على المقيدِ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-346>يدفع المصلي المار بين يديه بلطف فإن لم يندفع دفعهُ بشدة</span>\n٧/ ٢٢١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكمْ إِلَى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَينَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ،\n_________\n(^١) رقم (٧٥١) وقد تقدم آنفًا.\n(^٢) في \"السنن\" (٩٤٩)، قلت: حديث ابن عباس: ضعيف.\n(^٣) رقم (٢٦٦/ ٥١١) وقد تقدم آنفًا.\n(^٤) رقم (٤/ ٢١٨) وقد تقدم.\n(^٥) رقم (٧٠٣) وقد تقدم آنفًا.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) انظر المجموع للإمام النووي (٣/ ٢٥٠ - ٢٥١).","vol":"2","page":117},{"text":"فَإنْ أَبى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وفي رِوَايَةٍ (^٢): \"فَإِن مَعَهُ الْقَرِينَ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرَيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا صَلَّى أحَدُكمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْترهُ مِنَ النَّاسِ) مما سلفَ تعيينهُ منَ السترةِ وقدْرِها، وقدرِ كَمْ يكونُ بينَها وبينَ المصلِّي (فَأَرَادَ أحَد أَنْ يَجْتَازَ) أي: يمضي (بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ) ظاهرهُ وجوبًا، (فَإِنْ أَبَى) أي عن الاندفاعِ (فَلْيُقَاتِلْه) ظاهرهُ كذلك، (فَإِنَّمَا هوَ شَيْطَانٌ)؛ تعليلٌ للأمرِ بقتالهِ، أو لعدمِ اندفاعهِ، أو لهمَا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفِي رِوَايَةٍ) أي لمسلمٍ منْ حديثِ أبي هريرةَ: (فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ). في القاموسِ (^٣): القرينُ الشيطانُ المقرونُ بالإِنسانِ لا يفارقهُ. وظاهرُ كلام المصنفِ أن روايةَ: (فإن معهُ القرينَ) متفقٌ عليْها بينَ الشيخينِ منْ حديثِ أَبي سعيدٍ، ولمْ أجدْها في البخاريِّ، ووجدتُها في صحيحِ مسلمٍ، لكنْ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ. والحديثُ دالٌ بمفهومهِ [على] (^٤) أنهُ إذا لمْ يكنْ للمصلِّي سترةٌ فليسَ لهُ دفعُ المارِّ بينَ يديهِ، وإذا كانَ لهُ سترةٌ دفعهُ. قالَ القرطبيُّ: بالإشارةِ ولطيفِ المنعِ، [فإنْ] (^٥) لمْ يمتنعْ عن الاندفاعِ قاتلَهُ أي [دفعهُ] (^٦) دفْعًا أشدَّ منَ الأولِ. قالَ: وأجمَعُوا أنهُ لا يلزمُ أنْ يقاتلهُ بالسلاحِ لمخالفةِ ذلكَ قاعدةَ الصلاةِ منَ الإقبالِ عليْها، والاشتغالِ بها والخشوع. هذَا كلامُه. وأطلقَ جماعةٌ أن له قتالَه حقيقةً، وهوَ ظاهرُ اللفظِ. والقولُ بأَنهُ يدفعهُ بلعنهِ وسبِّهِ، يردهُ لفظُ هذَا الحديثِ، ويؤيدُه فعلُ أبي سعيدٍ راوي الحديثِ معَ الشابِّ الذي أرادَ أنْ يجتازَ بينَ يديهِ وهوَ يصلِّي، أخرجهُ البخاريّ (^٧) عنْ\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٩)، ومسلم (٢٥٩/ ٥٠٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٧٠٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٦٠ - ٤٦١)، والبيهقي (٢/ ٢٦٧)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٥٤ رقم ٣٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٥٥ رقم ٥٤٤)، وابن خزيمة (٢/ ١٥ رقم ٨١٧)، وأحمد (٣/ ٦٣).\n(^٢) أي لمسلم في \"صحيحه\" (٢٦٠/ ٥٠٦) من حديث ابن عمر. وليست من حديث أبي سعيد كما قال ابن حجر، ولا من حديث أبي هريرة كما قال الأمير الصنعاني.\n(^٣) \"المحيط\" (ص ١٥٧٩).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"فإذا\".\n(^٦) في (أ): \"دافعه\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٥٠٩).","vol":"2","page":118},{"text":"أبي صالحٍ السمانِ قالَ: \"رأيتُ أبا سعيدٍ الخُدريِّ في يومِ جُمعةٍ يُصلّي إلى شيءٍ يَسْترُه منَ الناسِ، فأرادَ شابٌّ منْ بنِي أبي مُعَيْطٍ أنْ يجتازَ بينَ يدِيه فدفعَهُ أبو سعيدٍ في صدرهِ، فنظرَ الشابُّ فلمْ يجدْ مَسَاغًا إلَّا بينَ يديهِ فعادَ ليجتازَ فدفعَهُ أبو سعيدٍ أشدَّ منَ الأولى - الحديثَ\". وقيلَ يردهُ بأسهلِ الوجوهِ، فإنْ أَبَى فبأشدَّ، ولوْ أدَّى إلى قتلهِ، فإنْ قَتَلَهُ فلا شيءَ عليهِ؛ لأنَّ الشارعَ أباحَ قتلَهُ. والأمرُ في الحديثِ، وإنْ كانَ ظاهرُه الإيجابُ لكنْ قالَ النووي (^١): لا أعلمُ أحدًا منَ الفقهاءِ قالَ بوجوبِ هذَا الدفعِ، بلْ صرحَ أصحابُنا بأنهُ مندوبٌ. ولكنْ قالَ المصنفُ: قدْ صرحَ بوجوبهِ أهلُ الظاهرِ، وفي قولهِ: (فإنَّما هوَ شيطانٌ) تعليل بأنَّ فعلَه فعلُ الشيطانِ في إرادةِ التشويشِ على المصلِّي، وفيهِ دلالة على جوازِ إطلاقِ لفظِ الشيطانِ على الإنسانِ الذي يريدُ إفسادَ صلاةِ المصلِّي وفِتْنَتِهِ في دينهِ كما قالَ تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (^٢). وقيلَ: المرادُ بأنَّ الحاملَ لهُ على ذلكَ شيطانٌ، ويدلُّ لهُ روايةُ مسلمٍ (^٣): (فإنَّ معهُ القرينُ). وقدِ اختُلِفَ في الحكمةِ المقتضيةِ للأمرِ بالدفعِ فقيلَ: لدفعِ الإثم عن المارِّ، وقيلَ: [لدفعِ الخلل] (^٤) الواقعِ بالمرورِ في الصلاةِ، وهذا الأرجحُ لأَنَّ عنايةَ المصلِّي بصيانةِ صلاتِهِ أهمّ منْ دفعهِ الإثمَ عنْ غيرِه.\nقلتُ: ولو قيلَ: إنهُ لهما معًا لما بَعُدَ فيكونُ لدفعِ الإثمِ عن المارِّ الذي أفادهُ حديثُ: \"لو يعلمُ المارُّ\" (^٥)، ولصيانةِ الصلاةِ عن النقصانِ مِنْ أجرِها، فقدْ أخرجَ أبو نعيم (^٦) عنْ عمرَ: \"لو يعلمَ المصلي ما ينقصُ منْ صلاتِهِ بالمرورِ بينَ يديهِ ما صلَّى إلَّا إلى شيءٍ يسترهُ مِنَ الناسِ\". وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٧)\n_________\n(^١) في \"شرحه لصحيح مسلم\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٢) سورة الأنعام: الآية ١١٢.\n(^٣) المتقدمة (رقم: ٢٦٠/ ٥٠٦) من حديث ابن عمر.\n(^٤) في (أ): \"للخلل\".\n(^٥) أخرجه مالك (١/ ١٥٤ رقم ٣٤)، والبخاري (٥١٠)، ومسلم (٢٦١/ ٥٠٧)، وأبو داود (٧٠١)، والترمذي (٢٣٦)، والنسائي (٢/ ٦٦)، وابن ماجه (٩٤٥) من حديث أبي الجهم.\n(^٦) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٥٨٤).\n(^٧) في \"المصنف\" (١/ ٢٨٢).\nوقال ابن حجر في \"الفتح\": \"فهذان الأثران - أي أثر عمر وابن مسعود - مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمار، وهما وإن كانا موقوفين لفظًا فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يقال بالرأي\" اهـ.","vol":"2","page":119},{"text":"عن ابن مسعودٍ: \"إنَّ المرورَ بينَ يدي المصلِّي يقطعُ نصفَ صلاتهِ\"، ولهما حكمُ الرفعِ وإنْ كانا موقوفينِ، إلَّا أنهُ في الأولِ فيمنْ لمْ يتخذْ سترةً، والثاني مطلقٌ فيحملُ عليهِ. وأمَّا مَنِ اتخذَ السترةَ فلا نقصَ في صلاتهِ بمرورِ المارِّ لأنهُ قدْ صرَّحَ الحديثُ أنهُ معَ اتخاذِ السترةِ لا يضرُّهُ مرورُ مَنْ مرَّ، فأمرهُ بدفعهِ للمارِّ لعلَّ وجهَهُ إنكارُ المنكرِ على المارِّ لتعدِّيه ما نهاهُ عنهُ الشارعُ، ولذا يقدَّمُ الأخفُّ على الأغلظِ.\n٨/ ٢٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءِ وجْهِهِ شَيئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخُطَّ خَطًا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَن مَرَّ بَينَ يَدَيْهِ\"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّان (^٣)، وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَّرِبٌ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ (^٤). [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَخطَّ خَطًا، ثمَّ لَا يَضُرُّهُ مَن مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّان. وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ) وهوَ ابنُ الصلاحِ (^٥) (أَنَّهُ مُضْطَّرِبٌ)؛ فإنهُ أوردهُ مثالًا للمضطربِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٠٣ رقم ٩٤٣).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٤/ ٤٩ رقم ٢٣٦٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦٨٩)، والطيالسي (ص ٣٣٨ رقم ٢٥٩٢)، والبيهقي (٢/ ٢٧٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٥١ رقم ٥٤١) وقال: في إسناده ضعيف.\n(^٤) بل هو ضعيف.\nقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ١٩٩): \"وهذا الحديث عند أحمد بن حنبل ومن قال بقوله، حديث صحيح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن علي بن المديني كان يصحِّح هذا الحديث ويحتج به، وقال أبو جعفر الطحاوي إذا ذكر هذا الحديث: أبو عمرو بن محمد بن حُرَيْث، هذا مجهول، وجدُّه أيضًا مجهول، ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث، ولا يحتج بمثل هذا من الحديث\" اهـ.\nوقال السيوطي في \"تدريب الراوي\" (١/ ٢٦٤): \"وقد حكى تضعيف هذا الحديث عن ابن عيينة، فقال عنه: لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه، وضعَّفه أيضًا الشافعي والبيهقي والنووي في الخلاصة\" اهـ.\n(^٥) في \"علوم الحديث\" تحقيق وشرح الدكتور: نور الدين عتر (ص ٩٤ - ٩٥).","vol":"2","page":120},{"text":"[فيهِ] (^١). (بَلْ هُوَ حَسَنٌ) ونازعَهُ المصنف في النكتِ. وقدْ صححهُ أحمدُ وابنُ المديني (^٢). وفي مختصرِ السننِ (^٣) قالَ سفيانُ بنُ عيينةَ: لمْ نجدْ شيئًا نشدُّ بهِ هذَا الحديثَ، ولم يجئْ إلَّا مِنْ هذَا الوجهِ، وكانَ إسماعيلُ بنُ أميةَ إذَا حدَّثَ بهذا الحديثِ يقولُ: هلْ عندكمْ شيءٌ تشدونهُ بهِ؟ وقدْ أشارَ الشافعيُّ إلى ضعفهِ. وقال البيهقيُّ: لا بأسَ بهِ في مثلِ هذا الحكمِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.\nوالحديثُ دليلٌ على أن السترةَ تجزئُ بأي شيءٍ كانتْ. وفي مختصر السنن (٣) قال سفيانُ بنُ عيينةَ: رأيتُ شُرَيكًا صلَّى بِنَا في جنازةٍ العصرَ فوضعَ قَلنْسُوَتَهُ بينَ يدَيهِ (^٤). وفي الصحيحينِ (^٥) مِنْ روايةِ ابن عمرَ أنهُ - ﷺ - \"كانَ يعرضُ راحلتَهُ فيصلِّي إليها\". وقدْ تقدمَ أنهُ [أي المصلِّي] (^٦) إِذَا لَمْ يجدْ جَمَعَ ترابًا أو أحجارًا. واختارَ أحمدُ بنُ حنبلٍ أنْ يكونَ الخطُّ كالهلال. وفي قولهِ: (ثمَّ لا يضرُّهُ شيءٌ) ما يدلُّ أنهُ يضرُّهُ إذا لم يفعلْ إمَّا بنقصانٍ منْ صلاتهِ، أو بإبطالِها على ما ذكرَ أنهُ يقطعُ الصلاةَ، إذْ في المرادِ بالقطعِ الخلافُ كما تقدمَ. وهذا فيما إذا كانَ المصلِّي إمامًا أو منفردًا لا إذا كانَ مؤتَمًّا؛ فإنَّ الإِمامَ سترةٌ لهُ أو سترتُه سترةٌ لهُ [كما سلف] (^٧) قريبًا. وقد بوبَ لهُ البخاريُّ (^٨)، وأبو داودَ (^٩). وأخرجَ الطبراني في الأوسطِ (^١٠) مِنْ حديثِ أنسٍ مرفُوعًا: \"سترةُ الإمامِ [سترةٌ] (^١١) لمِنْ خلْفَهُ\"، وإنْ كانَ فيهِ ضعيفٌ. واعلمْ أن الحديثَ عامٌ في الأمرِ باتخاذِ السترةِ في الفضاءِ وغيرِه، فقدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - \"كانَ إذا صلَّى إلى جدارٍ جعلَ بينَهُ وبينَهُ قَدْرِ ممرّ الشاةِ\" (^١٢)، ولمْ يكنْ يتباعدُ منهُ بلْ أمرَ بالقربِ منَ السترةِ، وكانَ إذا صلَّى إلى\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٨٦ رقم ٤٦٠).\n(^٣) للمنذري (١/ ٣٤٠).\n(^٤) أي في فريضة حضرت.\n(^٥) البخاري (٥٠٧)، ومسلم (٥٠٢).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"وقد سبق\".\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ٥٧١) رقم الباب: (٩٠).\n(^٩) في \"السنن\" (١/ ٤٥٥) رقم الباب (١١١).\n(^١٠) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٦٢) وقال: فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف.\n(^١١) زيادة من (أ).\n(^١٢) أخرجه البخاري (٤٩٦)، ومسلم (٢٦٢/ ٥٠٨)، وأبو داود في \"السنن\" (٦٩٦) من حديث سهل.","vol":"2","page":121},{"text":"عودٍ أو عمود أو شجرةٍ جعلَهُ على جانبهِ الأيمن أو الأيسرِ، ولم يصمدْ لهُ صمْدًا، وكانَ يُرْكِزُ الحربةَ في السفرِ أو العنَزةِ فيصلِّي إليها فتكونُ سترتُهُ، وكانَ يعرضُ راحلتَهُ فيصلِّي إليها. وقاسَ الشافعيةُ على ذلكَ بسطَ المصلِّي لنحوِ سجادةٍ بجامعِ إشعارِ [المار] (^١) أنهُ في الصلاةِ وهوَ صحيحٌ.\n٩/ ٢٢٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وَادْرَأُوا مَا اسْتَطَعْت\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيءٌ وَادْرَأُوا مَا اسْتَطَعْتم. أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُدَ، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ). في مختصرِ المنذريِّ (^٣): في إسنادهِ مجالدُ، وهوَ ابن سعيدِ بنَ عميرٍ الهمداني الكوفي، وقد تكلمَ فيهِ غيرُ واحدٍ (^٤)، وأخرجَ لهُ مسلمٌ حديثًا مقرونًا بغيرِه منْ أصحابِ الشعبيِّ. وأخرجَ نحوَه أيضًا الدارقطني منْ حديثِ أنسٍ (^٥) وأبي أمامةَ (^٦)، والطبرانيُّ (^٧) منْ حديثِ جابرٍ، وفي إسنادِهِما ضعفٌ.\nوهذَا الحديثُ معارضٌ لحديثِ أبي ذرٍّ وفيهِ: أنهُ يقطعُ صلاةَ مَنْ ليسَ لهُ سترةٌ، المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ. ولما تعارضَ الحديثانِ اختلفَ نظرُ\n_________\n(^١) في \"المطبوع\" [الكفار] والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٦٠ رقم ٧١٩).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٦١ رقم ٥٥٠)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ١٩٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٨٠).\n(^٣) (١/ ٣٥٠).\n(^٤) قال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن معين وغيره: لا يحتج به.\nانظر: [\"الميزان\" (٣/ ٤٣٨) و\"المجروحين\" (٣/ ١٠)].\n(^٥) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٦٧ رقم ٣). بسند ضعيف. انظر: \"التعليق المغني\".\n(^٦) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٦٨ رقم ٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ١٩٣ رقم ٧٦٨٨)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٦٢) وقال: إسناده حسن. قلت: كيف يكون إسناده حسن وفيه \"عفير بن معدان\" ليس بثقة.\n(^٧) في \"الأوسط\" كما في \"المجمع\" (٢/ ٦٢) وقال: فيه يحيى بن ميمون التمار وهو ضعيف. وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\".","vol":"2","page":122},{"text":"العلماءِ فيهمَا، فقيلَ: المرادُ بالقطعِ في حديثِ أبي ذرٍّ نقصُ الصلاةِ لشغلِه القلبَ بمرورِ المذكورات، وبعدم القطع في حديث أبي سعيدٍ عدمُ البطلانِ، أي أنهُ لا يبطلُها شيءٌ، وإنْ نقصَ ثوابُها بمرور ما ذكر في حديث أبي ذر.\nوقيلَ: حديثُ أبي سعيدٍ (^١) هذَا ناسخ لحديثِ أبي ذرٍّ، وهذَا ضعيفٌ لأنهُ لا نسخَ معَ إمكانِ الجمعِ لما عرفتَ؛ ولأنهُ لا يتمُّ النسخُ إلَّا بمعرفةِ التاريخِ، ولا يعلمُ هنَا المتقدمُ منَ المتأخرِ، على أنهُ لو تعذرَ الجمعُ بينَهما لرجعَ إلى الترجيحِ، وحديثُ أبي ذرٍّ أرجحُ لأنهُ أخرجهُ مسلمٌ في صحيحهِ، وحديثُ أبي سعيدٍ في سندهِ ضعفٌ كما عرفتَ.\n* * *\n_________\n(^١) قلت: حديث أبي سعيد حديث ضعيف لا يُعتد به في الأحكام.","vol":"2","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>[الباب الخامس] بابُ الحثِّ على الخشوعِ في الصلاة</span>\nفي القاموس (^١): الخشوعُ الخضوعُ أو قريبٌ منَ الخضوعِ، أو هوَ في البدنِ، والخشوعُ في الصوتِ، والبصرِ والسكونِ والتذللِ. وفي الشرحِ: الخضوعُ تارةً يكونُ في القلبِ، وتارةً يكونُ من قِبَلِ البدنِ، كالسكوتِ. وقيلَ: لا بدَّ منِ اعتبارهِما. حكاهُ الفخرُ الرازيُّ في تفسيرِه. ويدل على أنهُ منْ عملِ القلبِ حديثُ عليٍّ ﵇: \"الخشوعُ في القلبِ\"، أخرجهُ الحاكم (^٢).\nقلت: ويدلُّ لهُ حديثُ: \"لو خشعَ قلبُ هذَا لخشعتْ جوارحُهُ\" (^٣)، وحديثُ الدعاءِ في الاستعاذةِ: \"وأعوذُ بكَ منْ قلبٍ لا يخشعُ\" (^٤). وقدِ اختُلِفَ في وجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ؛ فالجمهورُ على عدمِ وجوبهِ. وقدْ أطالَ الغزاليُّ في\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٩٢١).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٣) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وأورده ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٢٢٥) وعزاه للحاكم وسكت عليه. وكذلك سكت عليه الشيخ مقبل في \"المستدرك\" (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣ رقم ٣٥٣٩).\n(^٣) وهو حديث موضوع.\nأخرجه الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (ص ٣١٧)، من حديث أبي هريرة، وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٥/ ٣١٩ رقم ٧٤٤٧ - مع الفيض) ورمز لضعفه. وانظر كلام المناوي على الحديث.\nوقد حكم عليه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٢/ ٩٢ رقم ٣٧٣) بالوضع.\nقلت: وأخرجه موقوفًا ابن المبارك في \"الزهد\" (ص ٤١٩ رقم ١١٨٨): \"أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن المسيب به\"، ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي شيبة.\n(^٤) وهو جزء من حديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم (٧٣/ ٢٧٢٢)، وأحمد (٤/ ٣٧١)، والنسائي (٨/ ٢٦٠).","vol":"2","page":124},{"text":"الإحياء (^١) الكلامَ في ذلكَ، وذكرَ أدلةَ وجوبهِ، وادَّعَى النوويُّ (^٢) الإجماعَ على عدمِ وجوبِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-348>النهي عن الاختصار في الصلاة لأنه فعل اليهود</span>\n١/ ٢٢٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ مُخْتَصِرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَل يَدهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ.\n(عَنْ أَبِي هرَيْرَةَ - ﵁ -: نَهي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) هذَا إخبارٌ مِنْ أبي هريرةَ عنْ نهيهِ - ﷺ - ولمْ يأتِ بلفظهِ الذي أفادَ النهيَ، لكنَّ هذَا لهُ حكمُ الرفعِ (أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجلُ)، ومثلهُ المرأةُ (مُخْتَصِرًا) بضمِ الميمِ وسكونِ الخاءِ المعجمةِ، وفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، فصادٍ مهملةٍ مكسورةٍ فراءٍ، وهوَ منتصِبٌ على الحالِ، وعاملُه يصلِّي، وصاحبُها الرجلُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظ لِمسْلِمٍ) وفسَّرهُ المصنفُ [أيضًا] (^٤) بقولهِ: (وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَجْعَل يَدَهُ) اليُمنَى أو اليُسْرى (عَلَى خَاصِرَتِهِ) كذلكَ، [أي الخاصرةِ اليمنى أو اليسرى] (٤)، أو هُما معًا عليهمَا، إلا أن تفسيرَهُ بما ذكرَ يعارضُهُ ما في القاموسِ (^٥) منْ قولهِ: وفي الحديثِ: \"المختصِرونُ يومَ القيامةِ على وجوهِهمْ النورُ\" (^٦)، أي المصلونَ بالليلِ؛ فإذا تعبُوا وضعُوا أيديَهم على خواصرِهم اهـ.\n_________\n(^١) (١/ ١٥٩ - ١٧٢).\n(^٢) في \"المجموع\" (٤/ ٣١٣).\n(^٣) البخاري (١٢١٩ و١٢٢٠)، ومسلم (٤٦/ ٥٤٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٩٤٧)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي (٢/ ١٢٧ رقم ٨٩٠)، وأحمد (٢/ ٣٩٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) \"المحيط\" (ص ٤٩٢).\n(^٦) لم أعثر عليه.\nقال أبو بكر محمد بن المنذر في \"الأوسط\" (٣/ ٢٦٢): \"وقد ذكر بعض أهل العلم أن الصلاة التي من أجلها نهي عن الاختصار في الصلاة، أن ذلك راحة أهل النار. ورووا فيه حديثًا عن أبي هريرة - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الاختصار في الصلاة راحة أهل النار\"، أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٥٧ رقم ٩٠٩) بإسناد صحيح - وممن كره الاختصار في الصلاة ابن عباس، وعائشة أم المؤمنين، ومجاهد، وأبو مجلز، والنخعي، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. =","vol":"2","page":125},{"text":"إلا [أنني] (^١) لم أجدِ الحديثَ مخرَّجًا؛ فإنْ صحَّ فالجمعُ بينَهُ وبينَ حديثِ الكتابِ أنْ يتوجَه النهيُ إلى مَنْ فعلَ ذلكَ [بغير] (^٢) تعب كما يفيدُهُ قولُهُ في تفسيرِه: فإذا تعبُوا، إلَّا أنَّهُ يخالفُه تفسيرُ النهايةِ، فإنهُ قالَ أرادَ أنّهم يأتونَ ومعَهم أعمالٌ صالحةٌ يتكئونَ عليها. في القاموس (^٣): الخاصِرَةُ الشاكِلَةُ، وما بينَ الحَرْقَفَةِ والقُصَيْرَى. وفسَّرَ الحَرْقَفَةَ بعظمِ الحجبةِ أي رأسِ الوركِ. وهذا التفسيرُ الذي ذكرَهُ المصنفُ عليهِ الأكثرُ. وقيلَ: الاختصارُ في الصلاةِ هوَ أن يأخذَ بيدِهِ عَصَا يتوكأ عليْها، وقيلَ: أن يختصرَ السورةَ، ويقرأ من آخرِها آية أو آيتينِ. وقيلَ: أن يحذفَ منَ الصلاةِ فلا يمدُّ قيامَها، وركوعَها، وسجودَها، وحدودَها. والحكمةُ في النهي عنهُ بيّنها قولُهُ:\n٢/ ٢٢٥ - وَفي الْبُخَارِيِّ (^٤) عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ ذلِكَ فِعْلَ الْيَهُودِ في صَلَاتِهِمْ. [صحيح]\n(وَفي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ذلِكَ) أي: الاختصارُ في الصلاةِ (فِعْلَ الْيَهُودِ في صَلَاتِهِمْ)، وقدْ نُهِينَا عن التشبهِ بهمْ في جميعِ أحوالِهم، فهذَا وجهُ حكمةِ النهي لا ما قيلَ إنهُ فعلُ الشيطانِ، أوْ إنَّ إبليسَ أُهْبِطَ مِنَ الجنةِ كذلكَ، أوْ إنهُ فِعْلُ المتكبرينَ؛ لأنَّ هذه عللٌ تخمينيةٌ، وما وردَ منصوصًا أي عن الصحابيِّ، [هوَ العمدةُ لأنهُ أعرف] (^٥) بسببِ الحديثِ، ويحتملُ أنهُ مرفوعٌ [وهو العمدة] (^٦)، وما وردَ في الصحيحِ مقدمٌ على غيرِه لورودِ هذهِ الأشياءِ أثرًا.\nوفي ذكرِ المصنفِ للحديثِ في بابِ الخشوعِ ما يشعرُ بأنَّ العلةَ في النهي عن الاختصارِ أنهُ ينافي الخشوعَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>يقدم العَشاء إذا حضر على الصلاة</span>\n٣/ ٢٢٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ\n_________\n= انظر: \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٢/ ٤٧ - ٤٨)، و\"المصنف\" لعبد الرزاق (٢/ ٣/ ٢١ - ٢٧٥) اهـ.\n(^١) في (ب): \"أني\".\n(^٢) في (أ): \"لغير\".\n(^٣) \"المحيط\" (ص ٤٩٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣٤٥٨).\n(^٥) في (أ): \"فإنه عارف\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"2","page":126},{"text":"فَابْدَأُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلوا الْمَغْرِبَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ) ممدودٌ كسماءٍ، طعامُ العشيِّ كما في القاموس (^٢)، (فَابْدَأوا بِهِ) أي بأكلهِ، (قَبْلَ أَنْ تصَلُّوا الْمَغْرِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وقدْ وردَ بإطلاقِ لفظِ الصلاةِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: فيحملُ المطلقُ على المقيدِ، ووردَ بلفظِ (^٣): \"إذا وُضِعَ العشاءُ وأحدُكم صائمٌ\" فلا يقيدُ بهِ لما عرفَ في الأصولِ منْ أن ذكرَ حكم الخاصِّ الموافقِ لا يقتضي تقييدًا ولا تخصيصًا. والحديثُ دالٌّ على إيجابِ تقديمِ أكلِ العَشَاءِ إذا حضرَ على صلاةِ المغربِ. والجمهورُ حملوهُ على الندبِ. وقالتِ الظاهريةُ: بلْ يجبُ تقديمُ أكلِ العَشَاءِ، فلوْ قدمَ الصلاةَ [بطلت] (^٤) عملًا بظاهرِ الأمرِ. ثمَّ الحديثُ ظاهرٌ [في] (^٥) أنهُ يقدمُ العشاءُ مطلقًا، سواءً كانَ محتاجًا إلى الطعام أوْ لا، وسواءٌ خشيَ فسادَ الطعامِ أو لا، وسواءً كانَ خفيفًا أوْ لَا. وفي [تأويل] (^٦) الحديثِ تفاصيلُ أخرُ بغيرِ دليلٍ، بلْ تتبَّعُوا علةَ الأمرِ بتقديمِ الطعامِ فقالُوا: [هوَ] (^٧) تشويشُ الخاطرِ بحضورِ الطعامِ، وهو يُفْضِي إلى ترك الخشوعِ في الصلاةِ، وهي علةٌ ليسَ عليْها دليل إلَّا ما يُفْهَمُ مِنْ كلامِ بعضِ الصحابةِ؛ فإنهُ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٨) عنْ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ \"أنَّهما كانَا يأكلانِ طعامًا، وفي التنورِ شواءٌ، فأرادَ المؤذنُ أنْ يقيمَ الصلاةَ، فقالَ لهُ ابنُ عباسٍ: لا تعجلْ لا نقوم وفي أنفسِنا منهُ شيءٌ\"، وفي روايةٍ (^٩): \"لئلَّا يعرضُ لنا في صلاتِنا\". وله (^١٠) عن الحسنِ بن عليّ ﵇ أنهُ\n_________\n(^١) البخاري (٦٧٢) و(٩/ ٥٨٤ رقم ٥٤٦٣)، ومسلم (٦٤/ ٥٥٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢/ ١٨٤ رقم ٣٥٣) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ١١ رقم ٨٥٣).\n(^٢) \"المحيط\" (ص ١٦٩١).\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ١٦٠) وصحَّحه.\n(^٤) في (ب): \"لبطلت\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): \"معنى\".\n(^٧) في (أ): \"هي\".\n(^٨) وسعيد بن منصور - كما في \"الفتح\" (٢/ ١٦١) بإسناد حسن.\n(^٩) أخرجها ابن أبي شيبة - كما في \"الفتح\" (٢/ ١٦١).\n(^١٠) أي لابن أبي شيبة - كما في \"الفتح\" (٢/ ١٦١).","vol":"2","page":127},{"text":"قَالَ: \"العَشاءُ قبلَ الصلاة يذهِبُ النفسَ اللوَّامِةَ\"، ففي هذهِ الآثارِ إشارةٌ إلى التعليلِ بما ذكرَ. ثمَّ هذا إذا كانَ الوقتُ موسَعًا. واختُلِفَ إذا تضيَّقَ بحيثُ لو قدمَ أكلَ العَشَاءَ خَرجَ الوقتُ فقيلَ: يقدّمُ الأكلَ وإنْ خرجَ الوقتُ محافظةً على تحصيلِ الخشوعِ في الصلاةِ، قيلَ: وهذَا على قولِ مَنْ يقولُ بوجوبِ الخشوعِ في الصلاةِ، وقيلَ: بلْ يبدأُ بالصلاةِ محافظةً على حرمةِ الوقتِ، وهوَ قولُ الجمهورِ منَ العلماءِ. وفيهِ أن حضورَ الطعامِ عذرٌ في تركِ الجماعةِ عندَ مَنْ أوجبَها وعندَ غيرِهِ. قيلَ: وفي قولهِ: (فابدأوا) ما يشعرُ بأنهُ إذا كانَ حضورُ الصلاةِ وهوَ يأكلُ فلا يتمادى فيهِ. وقد ثبتَ عن ابن عمر (^١) أنهُ كانَ إذا حضرَ عشاؤُه وسمعَ قراءةَ الإمامِ في الصلاةِ لمْ يقمْ حتَّى يفرغَ منْ طعامهِ. وقد [قيسَ] (^٢) على الطعامِ غيرهُ مما يحصلُ بتأخيرِه تشويشُ الخاطرِ فالأوْلى البَدَاءةُ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-350>النهي عن تقليب الحصى ومسحه في الصلاة إلا لضرر</span>\n٤/ ٢٢٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكمُ في الصلاةِ فَلا يَمْسَحُ الْحَصَى، فَإِن الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٣) بِإِسْنَادٍ\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٥٧٥ رقم ٢١٨٩)، وأحمد (٢/ ١٤٨)، والبخاري معلقًا (٢/ ١٥٩).\n(^٢) في (أ): \"أقيس\".\n(^٣) وهم: أحمد في \"المسند\" (٥/ ١٥٠ و١٧٩)، وأبو داود (رقم ٩٤٥)، والترمذي (رقم ٣٧٩)، وقال حديث حسن. والنسائي (رقم ١١٩١)، وابن ماجه (رقم ١٠٢٧).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٥٧ - ١٥٨ رقم ٦٦٢ و٦٦٣) وقال: هذا حديث حسن. وابن حبان (ص ١٣١ رقم ٤٨١ - الموارد)، والدارمي (١/ ٣٢٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٨٣)، والبيهقي (٢/ ٢٨٤) والحميدي في \"المسند\" (١/ ٧٠ رقم ١٢٨) وغيرهم.\nقلت: وفيه أبو الأحوص هذا لا يعرف اسمه، وقد تكلم فيه يحيى بن معين وغيره - كما قاله المنذري في \"المختصر\" (١/ ٤٤٤).\nوقال النووي في \"المجموع\" (٤/ ٩٦): فيه جهالة. وقال الحافظ نفسه في \"التقريب\" (٢/ ٣٨٩ رقم ١٤): \"مقبول\" أي عند المتابعة وإلا فليِّن الحديث كما نص عليه في المقدمة. وقال الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٩٨): \"وما علمت أحدًا تابعه على هذا الحديث. فهو ضعيف\" اهـ.","vol":"2","page":128},{"text":"صحِيح، وَزَادَ أَحْمَدُ (^١): \"وَاحِدَةً أَوْ دَعْ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي ذرٍّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا قَامَ أَحدُكم في [الصلاة] (^٢) أي دخلَ فيْها (فلا يَمْسَحُ الحصَى) أي منْ جبهتهِ أوْ من محلِّ سجودهِ، (فإنَّ الرحمةَ تواجههُ. رواة الخمسة بإسنادٍ صحيحٍ، وزادَ أحمدُ) في روايتهِ: (واحدةً أو دعْ). في هذَا النقلِ قلقٌ لأنهُ يفهمُ أنهُ زادَ أحمدُ على هذا اللفظِ الذي ساقهُ المصنفُ، ومعناهُ على هذَا فلا يمسحُ واحدةً أو دعْ وهوَ غيرُ مرادٍ، ولفظُهُ عندَ أحمدَ عنْ أبي ذرٍّ: \"سألتُ النبي - ﷺ - عنْ كلِّ شيءٍ حتَّى سألتُهُ عنْ مسحِ الحصاةِ فقالَ واحدةً أو دعْ\" أي امسحْ واحدةً أو اتركِ المسح. فاختصارُ المصنفِ أخلَّ بالمعنَى، كأنهُ اتَّكلَ في بيانِ معناهُ على لفظِه لمنْ عرفَهُ، ولوْ قالَ: وفي روايةٍ لأحمدَ الإذْنُ بمسحةٍ واحدةٍ لكانَ واضحًا.\nوالحديثُ دليلٌ على النهي عنْ مسحِ الحصاةِ بعدَ الدخولِ في الصلاةِ لا قبلَه، فالأوْلَى لهُ أنْ يفعلَ ذلكَ لئَلَّا يشغلَ بالُه وهوَ في الصلاةِ. والتقييدُ بالحصَى أو الترابِ كما في روايةٍ للغالبِ. ولا يدلُّ على نفيهِ عمَّا عداهُ. قيلَ: والعلةُ في النهي المحافظةُ على الخشوعِ كما يفيدهُ سياقُ المصنفِ للحديثِ في هذا البابِ، أوْ لِئَلَّا يكثرُ العملُ في الصلاةِ. وقدْ نص الشارعُ على العلةِ بقولِهِ: فإنَّ الرحمةَ تواجههُ. أي: تكونُ تلقاءَ وجهِهِ فلا يغيرُ ما تعلقَ بوجههِ مِنَ الترابِ والحصَى ولا ما [يسجدُ] (^٣) عليهِ، إلَّا أنْ يُولِمَهُ فلهُ ذلكَ ثمَّ النهيُ ظاهرٌ في التحريمِ.\n٥/ ٢٢٨ - وَفي الصَّحِيحِ (^٤) عَنْ مُعَيْقِيب نَحْوَه بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ. [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-351>ترجمة معقيب بن أبي فاطمة</span>\n(وفي الصحيحِ) أي المتفقِ عليهِ (عنْ مُعَيقيب) (^٥) بضمّ الميمِ وفتحِ العينِ\n_________\n(^١) في \"المسند\": (٥/ ١٦٣).\n(^٢) في (أ): \"صلاته\".\n(^٣) في (أ): \"سجد\".\n(^٤) أي المتفق عليه. البخاري (رقم ١٢٠٧)، ومسلم (رقم ٤٧/ ٥٤٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩٤٦)، والترمذي (رقم ٣٨٠)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٣/ ٧ رقم ١١٩٢)، وابن ماجه (رقم ١٠٢٦).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٣/ ٤٢٦)، و\"طبقات ابن سعد\" (٤/ ١١٦ - ١١٨)، =","vol":"2","page":129},{"text":"المهملةِ والمثناةِ التحتيةِ وكسر القافِ بعدَها تحتيةٌ ساكنة بعدَها موحَّدةٌ، هوَ معيقيبُ بنُ أبي فاطمةَ الدوسيِّ، شهدَ بدرًا وكانَ أسلمَ قديمًا بمكةَ، وهاجرَ إلى الحبشةِ الهجرةَ الثانيةَ، وأقامَ بهَا حتَّى قدمَ النبيُّ - ﷺ - المدينةَ، وكانَ على خاتمِ النبيِّ - ﷺ -، واستعملَهُ أبو بكرٍ - ﵁ - وعمرُ على بيتِ المالِ، ماتَ سنةَ ستٍ وأربعينَ، وقيلَ في آخرِ خلافةِ عثمانَ، (نحوَهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي ذرٍّ، ولفظُهُ: \"لا تمسح الحصَى وأنتَ تصلِّي، فإنْ كنتَ لا بدَّ فاعلًا فواحدةٌ لتسويةِ الحصى\" (بغيرِ تعليلٍ) أي: ليسَ فيهِ أن الرحمةَ تواجههُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>كراهة الالتفات في الصلاة</span>\n٦/ ٢٢٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الالْتِفَاتِ في الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: \"هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشيطَانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْدِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n- وَللتِّرْمِذِيّ (^٢) وَصَحّحَهُ: \"إِيَّاكِ وَالالْتِفَاتَ في الصَّلاةِ، فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَابُدّ فَفي التَّطَوُّعِ\". [ضعيف]\n(وَعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: سألتُ رسولَ الله - ﷺ - عن الالتفاتِ في الصلاةِ [قالَ] (^٣): هوَ اختلاسٌ) بالخاءِ المعجمةِ فمثناةٍ فوقيةٍ آخرَهُ سينٌ مهملةٌ، هوَ الأخذُ للشيءِ على غفلةٍ، (يختلسهُ الشيطانُ منْ صلاةِ العبدِ. رواهُ البخاريُّ). قالَ\n_________\n= و\"المعارف\" (٣١٦، ٥٨٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٢٧ - ٢٢٨ رقم ٤٥٣)، و\"الإصابة\" (٩/ ٢٦٦ رقم ٨١٥٩)، و\"الاستيعاب\" (١٠/ ٢٥٩ - ٢٦١ رقم ٢٤٥٩)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٤٨).\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ٧٥١) و(رقم ٣٢٩١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩١٠)، والترمذي (رقم ٥٩٠)، وقال: حديث حسن غريب. والنسائي (٣/ ٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٧)، وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n(^٢) في \"السنن\" من حديث أنس بن مالك (٢/ ٤٨٤ رقم ٥٨٩). وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وفيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف.\nوقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٧١): ورواية سعيد عن أنس غير مشهورة.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٣) في (أ): \"فقال\".","vol":"2","page":130},{"text":"الطيبي (^١): سماهُ اختلاسًا لأنَّ المصلِّي يُقْبلُ على ربِّه تَعَالى، [ويترصَّدُ] (^٢) الشيطانُ فواتَ ذلكَ عليهِ فإذا التفتَ استلبهَ [ذلكَ] (^٣). وهوَ دليل على كراهةِ [الالتفاتِ] (^٤) في الصلاةِ، وحملَهُ الجمهورُ على ذلك إذا كانَ التفاتًا لا يبلغُ إلى استدبارِ القبلةِ بصدرهِ أو عنقهِ كلِّه، وإلَّا كانَ مبطلًا للصلاةِ. وسببُ الكراهةِ نقصانُ الخشوعِ كما أفادَهُ إيرادُ المصنفِ للحديثِ في هذا البابِ، أو تركُ استقبالِ القبلةِ ببعض البدنِ، أولما فيه منَ الإعراضِ عن التوجهِ إلى الله تَعَالى كما أفادهُ ما أخرَجهُ أحمدُ (^٥) وابنُ ماجهَ (^٦) منْ حديثِ أبي ذرٍّ: \"لا يزالُ اللَّهُ مقبلًا على العبدِ في صلاتِهِ ما لم يلتفتْ؛ فإذَا صرفَ وجهَهُ انصرفَ\" أخرجهُ أبو داودَ (^٧)، والنسائيُّ (^٨).\n(وللترمذيِّ) أي: عنْ [عائشةَ] (^٩) وصححهُ (إياكِ) بكسرِ الكافِ، لأنهُ خطابُ المؤنثِ، (والالتفاتُ) بالنصبِ لأنهُ محذَّرٌ منهُ (في الصلاةِ فإنهُ هلكةٌ)، لإخلالهِ بأفضلِ العباداتِ. وأيُّ هَلَكَةٍ أعظمُ منْ هلكةِ الدينِ، (فإنْ كانَ لا بدَّ) مِنَ الالتفاتِ (ففي التطوعِ)، قيلَ: والنهيُ عن الالتفاتِ إذا كانَ لغيرِ حاجةٍ وإلَّا فقدْ ثبتَ \"أن أبا بكرٍ - ﵁ - التفتَ لمجيءِ النبيِّ - ﷺ - في صلاةِ الظهرِ\"، \"والتفتَ الناسُ لخروجهِ - ﷺ - في مرضِ موتهِ حيثُ أشارَ إليهمْ، ولوْ لم يلتفتُوا ما علمُوا بخروجهِ ولا إشارتهِ، وأقرَّهم على ذلكَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-353>لا يبصق المصلي أمامه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه</span>\n٧/ ٢٣٠ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كانَ أَحَدُكُمْ في\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) في (ب): \"يرتصد\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"ذلك\".\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ١٧٢).\n(^٦) لم يخرجه ابن ماجه.\n(^٧) في \"السنن\" (رقم ٩٠٩).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٨).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٦)، وابن خزيمة (١/ ٢٤٤ رقم ٤٨٢)، والطحاوي في \"المشكل\" (٢/ ١٨٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٥١ رقم ٧٣٣). وقال المنذري في \"المختصر\" (١/ ٤٢٩) \"وفيه أبو الأحوص - هذا - لا يعرف له اسم، وهو مولى بني ليث، وقيل: مولى بني غِفار، ولم يرو عنه غير الزهري، قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال أبو أحمد الكَرابيسِيُّ: ليس بالمتين عندهم\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٩) كذا قال المؤلف والصواب عن أنس كما تقدم آنفًا.","vol":"2","page":131},{"text":"الصَّلاةِ فَإنهُ يُنَاجِي رَبّهُ، فَلَا يَبْصُقَنَّ بَينَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ: \"أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ\".\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسول الله - ﷺ -: إذا كانَ أحدكم في الصلاةِ؛ فإنه يناجي رَبَّه)، وفي روايةِ في البخاريّ: \"فإنَّ ربهُ بينَهُ وبينَ القبلةِ\". والمرادُ منَ المناجاةِ إقبالهُ تعالى عليهِ بالرحمةِ والرضوانِ (فلا يبصقنَّ بينَ يديهِ ولا عن يمينهِ) قدْ عُلّلَ في حديث أبي هريرةَ بأن عنْ يمينِهِ مَلَكًا، (ولكنْ عنْ شمالِهِ تحتَ قدمِهِ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ: أو تحتَ قدمِهِ). الحديثُ نَهَى عن البصاقِ إلى جهةِ القبلةِ، أو جهةِ اليمينِ، إذَا كانَ العبدُ في الصلاةِ. وقدْ وردَ النهيُ مطلقًا عنْ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - \"رأى نخامةً في جدارِ المسجدِ فتناولَ حصاة فحتَّها وقالَ: إذا تنخَّمَ أحدُكم فلا يتنخمنَّ قِبلَ وجهِهِ ولا عنْ يمينهِ، وليبصقنَّ عنْ يسارهِ، أوْ تحتَ قدمهِ اليسرَى\"، متفقٌ عليهِ (^٢). وقدْ جزمَ النوويُّ (^٣) بالمنع في كل حالةٍ داخلَ الصلاةِ وخارجَها، سواءٌ كانَ في المسجدِ أو غيرهِ. وقدْ أَفادهُ حديثُ أنسٍ في حقِّ المصلِّي إلَّا أن غيرَهُ منَ الأحاديثِ قدْ أفادتْ تحريمَ البُصاقِ إلى القبلةِ مُطْلقًا في مسجد وغيرِهِ، وَلمصلٍ وغيرِهِ؛ ففي صحيحِ ابن خزيمةَ (^٤)، وابنِ حبانَ (^٥) منْ حديثِ حذيفةَ مرفوعًا: \"منْ تَفَلَ تجاهَ القبلةِ جاءَ يومَ القيامةِ وتفلتهُ بينَ عينيهِ\". ولابنِ خزيمةَ (^٦) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: \"يبعثُ صاحبُ النخامةِ في القبلةِ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٤١٢) و(رقم ٤١٣)، ومسلم (رقم ٥٤/ ٥٥١).\n(^٢) البخاري (رقم ٤١٠ و٤١١)، ومسلم (رقم ٥٤٨).\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٩).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢ رقم ٩٢٥) و(٢/ ٢٧٨ رقم ١٣١٤) و(٣/ ٨٣ رقم ١٦٦٣).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٣/ ٧٨ رقم ١٦٣٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٣٨٢٤)، والبيهقي (٣/ ٧٦) وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٧٨ رقم ١٣١٣).\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ٧٧ - ٧٨ رقم ١٦٣٦)، والبزار في الكشف (١/ ٢٠٨ رقم ٤١٣). وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" رقم (٢٨٣).","vol":"2","page":132},{"text":"يومَ القيامةِ وهي في وجههِ\". وأخرجَ أبو داودَ (^١) وابنُ حبانَ (^٢) منْ حديثِ السائبِ بن خلادٍ: \"أن رجلًا أمَّ قومًا فبصقَ في القبلةِ، فلمَّا فرغَ قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لا يصلِّي [لكمْ] (^٣) \". ومِثلُ البصاقِ إلى القبلةِ البصاق عن اليمينِ؛ فإنهُ منْهيٌّ عنهُ مطلقًا أيضًا. وجزم بالمنع منه النووي في كل حال داخل الصلاة وخارجها في مسجد وغيره. وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٤) عن ابن مسعودٍ: \"أنهُ كرهَ أنْ يبصقَ عنْ يمينهِ وليسَ في الصلاةِ\". وعنْ معاذِ بن جبل (^٥) [قالَ] (^٦): \"ما بصقتُ عنْ يميني منذُ أسلمتُ\". وعنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ (^٧) أنهُ نَهَى عنهُ أيضًا. وقدْ أرشدَ - ﷺ - إلى أي جهةٍ يبصقُ فقالَ: \"عنْ شمالِه تحتَ قدمهِ\"؛ فبينَ الجهةَ أنَّها جهةُ الشمالِ، والمحلَّ أنهُ تحتَ القدمِ. ووردَ في حديثِ أنسٍ عِندَ أحمدَ ومسلمٍ بعدَ قولِهِ: \"ولكنْ عنْ يسارهِ، أو تحتَ قدمهِ - زيادةٌ: ثمَّ أخذَ طرفَ ردائهِ فبصقَ فيهِ وردَّ بعضَهُ على بعضٍ فقالَ: أو يفعلُ هكَذَا\". وقولُه: أو تحتَ قدمِه خاصٌّ بمنْ ليسَ في المسجدِ، وأمَّا إذا كانَ فيهِ ففي ثوبهِ لحديثِ: \"البصاقُ في المسجدِ خطيئة\" (^٨)، إلَّا أنهُ قدْ يقالُ: المرادُ البصاقُ إلى جهةِ القبلةِ أو جهةِ اليمينِ خطيئةٌ لا تحتَ القدمِ أوْ عنْ شمالهِ، لأنهُ قدْ أذِنَ فيهِ الشارعُ ولا يأذنُ في\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٢٤ رقم ٤٨١).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٣/ ٧٧ رقم ١٦٣٤).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٥٦): وهو حديث حسن. وقد حسنه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٣) في (أ): \"بكم\".\n(^٤) في \"المصنف\": (١/ ٤٣٥ رقم ١٦٩٩).\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٣٥ رقم ١٧٠٠).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٣٥ رقم ١٧٠١).\n(^٨) أخرجه البخاري (رقم ٤١٥)، ومسلم (رقم ٥٥٢)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٦ رقم ١٣٠٩)، والترمذي (رقم ٥٧٢)، وقال: حديث حسن صحيح، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٨٠ رقم ٤٨٨)، والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ٨٣ رقم ٣٥٠)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٥) وغيرهم كما سيأتي عند الحديث رقم (١٢/ ٢٤٧).","vol":"2","page":133},{"text":"خطيئةٍ. هذَا وقدْ سمعتُ أنهُ علَّلَ - ﷺ - النهيَ عن البصاقِ على اليمينِ بأنَّ عنْ يمينهِ مَلَكًا فَأُورِدَ سؤالٌ وهوَ: أن على الشمالِ أيضًا مَلَكًا وهوَ كاتبُ السيئاتِ؟ وأجيبَ بأنهُ اختصَّ بذلكَ مَلَك اليمينِ تخصيصًا لهُ وتشريفًا وإكرامًا. وأجابَ بعض المتأخرينَ بأنَّ الصلاةَ أمُّ الحسناتِ البدنيةِ فلا دَخْلَ لكاتبِ السيئاتِ فيْها. واستشهد لذلكَ بما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^١) منْ حديثِ حذيفةَ موقوفًا في هذا الحديثِ: \"ولا عنْ يمينهِ؛ فإنَّ عنْ يمينهِ كاتبُ الحسناتِ\". وفي الطبرانيِّ (^٢) منْ حديثِ أمامةَ في هذا الحديثِ: \"فإنهُ يقومُ بينَ يدي اللَّهِ وَمَلَكٌ عنْ يمينهِ وقرينُه عنْ يسارِهِ\"، وإذا ثبتَ هذا فالتفْلُ يقعُ على القرينِ وهوَ الشيطانُ، ولعلَّ مَلَكَ اليسارِ [حينئذٍ بحيثُ] (^٣) لا يصيبُه شيءٌ منْ ذلكَ أوْ أنهُ يتحولُ في الصلاةِ إلى جهةِ اليمينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-354>وجوب إزالة ما يلهي المصلي عن الخشوع</span>\n٨/ ٢٣١ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا. فَقَالَ لَهَا النَّبيُّ - ﷺ -: \"أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذَا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لي في صِلَاتي\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: أنسٍ - ﵁ - (قالَ: كانَ قِرَام) بكسرِ القافِ وتخفيفِ الراءِ، السترُ الرقيقُ، وقيلَ: الصفيقُ منْ صوفٍ ذي ألوانٍ (لعائشةَ سترتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ لها النبيُّ - ﷺ -: أميطي [عنَّا] (^٥) أي: أزيلي [عنا] (^٦) (قِرَامَكِ هذا؛ فإنهُ لا تزالُ تصاويرُهُ تعرضُ)، بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ وكسرِ الراءِ (لي في صلاتي. رواهُ البخاريُّ).\nفي الحديثِ دلالةٌ على إزالةِ ما يشوِّشُ على المصلِّي صلاتَهُ مما في منزلهِ أو في\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٩) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" من رواية عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد كلاهما ضعيف.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٣٧٤) و(رقم ٥٩٥٩).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٥١ و٢٨٣).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"2","page":134},{"text":"محلِّ صلاتهِ. ولا دليلَ فيهِ على بطلانِ الصلاةِ، لأنه لم يُرْوَ أنهُ - ﷺ - أعادَها، ومثلُهُ:\n٩/ ٢٣٢ - وَاتَّفَقَا (^١) عَلَى حَدِيثِهَا (^٢) في قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبي جَهْمٍ، \"فَإِنَّها أَلْهَتْني عَنْ صَلَاتي\". [صحيح]\n(واتفقَا) أي: الشيخانِ (على حديثِها) أي: عائشةَ (في قصةِ أنبجانيةِ) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ النونِ وكسرِ الموحدةِ وتخفيفِ الجيمِ وبعدَ النونِ ياءُ النسبةِ؛ كساءٌ غليظٌ لا عَلَم فيهِ، (أبي جهمٍ) بفتحِ الجيمِ وسكونِ الهاءِ، هو عامرُ بنُ حذيفةَ (وفيهِ: فإنَّها) أي: الخميصةُ \"وكانتْ ذاتَ [أعلامٍ] (^٣) أهداها لهُ - ﷺ - أبو جَهْم\"؛ فالضميرُ لها، وإنْ لمْ يتقدمْ في كلام المصنفِ ذكرُها. ولفظُ الحديثِ عنْ عائشةَ: \"أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى في خميصةٍ لها أعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نظرةً، فلمَّا انصرفَ [قال] (^٤): اذهبُوا بخميصتي هذهِ إلى أبي جهمٍ وأتوني بأنبجانيةِ أبي جهم؛ فإنَّها ألهتني آنفًا عنْ صلاتي\"، هذا لفظُ البخاريِّ، وعبارةُ المصنفِ تفهمُ أن ضميرَ فإنَّها للأنبجانيةِ، [ومنه يعرف أنه كان الأولى أن يقول المصنف قصة خميصة أبي جهم ألهتني عن صلاتي] (^٥) وكذا ضمير (ألهتني عنْ صلاتي) وذلكَ أن أبا جهمٍ أَهْدَى للنبيِّ - ﷺ - خميصة لها أعلامٌ [كما روى مالكٌ في الموطأِ (^٦) عن عائشةَ قالتْ: \"أَهْدَى أبو جهمٍ بنُ حذيفةَ إلى رسول الله - ﷺ - خميصةً لها علم، فشهدَ فيها الصلاةَ، فلمَّا انصرفَ قال: ردِّي هذهِ الخميصةَ إلى أبي جهمٍ\". وفي روايةٍ (^٧) عنْها: \"كنتُ أنظرُ إلى عَلمِهَا وأنا في الصلاةِ فأخافُ أنْ يفتني\"] (^٨).\n_________\n(^١) أي البخاري ومسلم. البخاري (رقم ٧٥٢) و(رقم ٣٧٣) و(رقم ٥٨١٧)، ومسلم (رقم ٦١ و٦٢ و٦٣/ ٥٥٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٤٠٥٣)، والنسائي (٢/ ٧٢ رقم ٧٧١)، وابن ماجه (رقم ٣٥٥٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٣٢ رقم ٥٢٣) و(٣/ ٢٥٥ رقم ٧٣٨)، والبيهقي (٢/ ٤٢٣).\n(^٢) أي عائشة - ﵂ -.\n(^٣) في (أ): \"علم\".\n(^٤) في (أ): \"فقال\".\n(^٥) في (ب): (وكذا ضمير \"ألهتني عن صلاتي\").\n(^٦) (١/ ٩٧ رقم ٦٧).\n(^٧) البخاري (رقم ٣٧٣).\n(^٨) في النسخة (أ): \"فشهد فيها الصلاة فلما انصرف قال: ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم، وفي رواية عنها (١) كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن يفتنني\". =","vol":"2","page":135},{"text":"وقالَ ابنُ بطال: إنَّما طلبَ منهُ ثوبًا غيرَها ليُعْلِمَهُ أنهُ لم يردَّ [عليه] (^١) هديتَه استخفافًا به.\nوفي الحديث دليلٌ على كراهةِ ما يشغلُ [المصلي] (^٢) عن الصلاةِ منَ النقوش [ونحوها] (^٣) مما يشغلُ القلبَ، وفيهِ مبادرتُهُ - ﷺ - إلى صيانةِ الصلاةِ عمَّا يلهي، وإزالةُ ما يشغلُ عن الإقبالِ عليْها. قالَ الطيبي: فيهِ إيذانٌ بأنَّ للصورِ والأشياءِ الظاهرةِ تأثيرًا في القلوبِ الطاهرةِ والنفوسِ الزكيةِ فضلًا عما دونَها. وفيهِ كراهةُ الصلاةِ على المفارشِ والسجاجيدِ المنقوشةِ، وكراهةِ نقشِ المساجدِ ونحوِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-355>النهي عن رفع البصر في الصلاة</span>\n١٠/ ٢٣٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لِيَنْتَهِينَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّماءِ في الصَّلاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيهِمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ جَابرِ بْنِ سَمرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لِيَنْتَهِينَّ) [بكسرِ] (^٥) اللامِ وفتحِ المثناةِ التحتيةِ وسكونِ النونِ وفتحِ المثناةِ الفوقيةِ وكسرِ الهاء، (أقوَامٌ يَرفَعونَ أَبْصَارَهمْ إِلَي السَّماءِ في الصّلاةِ) أي: إلى [ما فوقهم] (^٦) مطلقًا (أَوْ لَا تَرجِعُ إِلَيْهِمْ. رَوَاه مُسْلِمٌ).\nقالَ النوويُّ في شرحِ مسلم (^٧): فيهِ النهيُ الأكيدُ والوعيدُ الشديدُ في ذلكَ، وقدْ نقلَ الإجماعُ على ذلكَ. والنهيُ يفيدُ تحريمهُ. وقالَ ابنُ حزمٍ: تبطلُ بهِ الصلاةُ. قالَ القاضي عياضُ: واختلفُوا في غيرِ الصلاةِ في الدعاءِ، فكرهَهُ قومٌ وجَوَّزهُ الأكثرونَ.\n_________\n= كما روى مالك في \"الموطأ (٢) عن عائشة قالت: \"أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله - ﷺ - خميصة لها أعلام\".\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"وغيرها\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ١١٧/ ٤٢٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٠٨)، وابن ماجه (رقم ١٠٤٥)، والبيهقي (٢/ ٢٨٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ رقم ١٨١٧ و١٨١٨ و١٨١٩ و١٨٢٠ و١٨٢١).\n(^٥) في (ب): \"بفتح\".\n(^٦) في (أ): \"ما فوقه\".\n(^٧) (٤/ ١٥٢).","vol":"2","page":136},{"text":"١١/ ٢٣٤ - وَلَهُ (^١) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا صَلاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وهُوَ يُدَافِعَهُ الأَخْبَثَانِ\". [صحيح]\n(وَلَهُ) أي لمسلمٍ (عَنْ عَائِشَةَ [قَالَتْ] (^٢): سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ). تقدمَ الكلامُ في ذلكَ إلَّا أن هذَا يفيدُ أنَّها لا تقامُ الصلاةُ في موضعٍ حضرَ فيهِ الطعامُ، وهوَ عامٌ للنفلِ والفرضِ، وللجائعِ وغيرِهِ. والذي تقدمَ أخصُّ مِنْ هذَا، (ولَا) أي لا صلاةَ، (وهُوَ) أي المصلي (يُدَافِعَة الأَخْبَثَانِ) البولُ والغائطُ، ويلحقُ بهمَا مدافعةُ الريحِ فهذَا معَ المدافعةِ، وأمَّا إذا كانَ يجدُ في نفسهِ ثِقَلُ ذلكَ وليسَ هناك مدافعةٌ فلا نَهْيَ عن الصلاةِ معهُ، ومَعَ المدافعةِ فهيَ مكروهةٌ، قيلَ: تنزيهًا لنقصانِ الخشوعِ، فلو خَشي خروجَ الوقتِ إنْ قدَّمَ التبرزَ وإخراجَ الأخبثينِ قدمَ الصلاةَ، وهي صحيحةٌ مكروهةٌ، كذَا قال النوويُّ (^٣)، ويستحبُّ إعادتُها، وعنِ الظاهريةِ أنَّها باطلةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-356>النهي عن التثاؤب في الصلاة</span>\n١٢/ ٢٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"التثاؤُبُ مِنَ الشيطَانِ، فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَزَادَ: \"فَي الصَّلاةِ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: التَّثَاؤبُ مِنَ الشيْطَانِ)، لأنهُ يصدرُ عن الامتلاءِ والكسلِ، وهمَا مما يحبهُ الشيطانُ، فكأنَّ التثاؤبَ منهُ (فَإذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ) أي: يمنعهُ ويمسكهُ (مَا اسْتَطَاعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالترْمِذِيُّ وَزَادَ) أيْ: الترمذيُّ (فِي الصَّلَاةِ) فقيَّدَ الأمرَ بالكظمِ بكونهِ في الصلاةِ، ولا ينافي النهيَ عنْ\n_________\n(^١) أي لمسلم في \"صحيحه\" (رقم ٦٧/ ٥٦٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٩)، وأحمد (٦/ ٧٣)، والبيهقي (٣/ ٧١).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"شرحه لصحيح مسلم\" (٥/ ٤٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٥٦/ ٢٩٩٤).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٣٧٠)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٨٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٤٣ رقم ٧٢٨).","vol":"2","page":137},{"text":"تلكَ الحالةِ مُطْلقًا لموافقةِ المقيَّدِ والمطلقِ في الحكمِ، وهذهِ الزيادةُ هي في البخاريّ (^١) [أيضًا] (^٢).\nوفيهِ (^٣) بعدَها: \"ولا يقلْ: ها، فإنَّما ذلكَ منَ الشيطانِ يضحكُ منهُ\". وكلُّ هذَا مما ينافي الخشوعَ.\nوينبغي أنْ يضعَ يدَهُ على فيهِ لحديثٍ: \"إذا تثاءبَ أحدُكم فليضَعْ يدَهُ على فيهِ؛ فإن الشيطانَ يدخلُ معَ التثاؤبِ\"، وأخرجهُ أحمدُ (^٤)، والشيخانِ (^٥)، وغيرُهمْ.\n* * *\n_________\n(^١) قلت: هذه الزيادة ليست في البخاري بل هي عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (٤/ ٢٢٩٣ رقم ٥٩/ ٢٩٩٥).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أي في الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ٣٢٨٩)، وطرفاه (رقم ٦٢٢٣ و٦٢٢٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٩٣).\n(^٥) البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٩٤٩)، ومسلم في \"صحيحه\" (رقم ٥٧/ ٢٩٩٥) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"2","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-357>[الباب السادس] باب المساجد</span>\nالمساجدُ جمعُ مسجدٍ، بفتحِ العينِ وكسرِها، فإنْ أريدَ بهِ المكانَ المخصوصَ فهوَ بكسرِ العينِ لا غيرُ، وإنْ أريدَ بهِ موضعَ السجودِ وهوَ موضعُ وقوعِ الجبهةِ في الأرضِ فإنهُ بالفتحِ لا غيرُ، وفي فضائلِ المساجدِ أحاديثُ (^١) واسعةٌ، وأنَّها أحبُّ البقاعِ إلى اللَّهِ، وأنَّ \"مَنْ بَنَى للَّهِ مسجدًا من مال حلال بَنَى اللَّهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ\" (^٢). وأحاديثُها في مجمعِ الزوائدِ (^٣) وغيرِه.\n١/ ٢٣٦ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ في الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيّبَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَ إِرْسَالَهُ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) منها: ما أخرجه الإمام مسلم في \"صحيحه\" (رقم ٢٨٨/ ٦٧١): عن أبي هريرة - ﵁ -، أَنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"أحَبُّ البلادِ إلى اللهِ مساجِدُها، وأبغضُ البلادِ إلى اللهِ أسواقُها\".\nومنها: ما أخرجه الإمامُ البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٤٥٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (رقم ٥٣٣) عن عثمان بن عفان - ﵁ - قال عندَ قولِ الناسِ فيه حين بنى مسجدَ الرسولِ - ﷺ -: إنكم أكثَرْتم، وإني سمعتُ النبي - ﷺ - يقول: \"من بنى مسجدًا - قال بُكيرٌ: حَسِبتُ أنهُ قال: - يبتغي به وجهَ اللَّهِ، بنى اللَّهُ له مِثلَهُ في الجنة\".\n(^٢) أخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٣٣٤)، والذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٠٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٢٥)، وابن القيسراني في \"التذكرة\" (ص ٢٠٥ رقم ٧٦٣) من حديث أبي هريرة.\nوفيه: سليمان بن داود اليمامي يروي المقلوبات، ويحيى بن أبي كثير ضعيف كثير الخطأ. وسليمان بن داود الخولاني دمشقي صدوق.\nوخلاصة القول: أن الحديث موضوع.\n(^٣) (٢/ ٧ - ١٠).\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ٢٧٩).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٤٥٥).\n(^٦) في \"السنن\" (رقم ٥٩٤). =","vol":"2","page":139},{"text":"(عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ببِنَاءِ الْمَسَاجِدِ في الدُّورِ) يحتمل أن المرادَ بها البيوت، [وهي المنازل بناء على أَنه يطلق عليها لفظ الدار. وفي القاموس (^١): الدار المحل يجمع البناء والعرْض بسكون الراء والبلد ومدينة النبي - ﷺ - وموضع القبلة انتهى] (^٢). ويحتملُ أن [المرادَ] (^٣) المحالُّ التي تبنى فيها الدورُ (وَأَنْ تُنَظَّفَ) عن الأقذارِ (وَتطَيّبَ. رَوَاهُ أَحْمَد، وَأَبُو دَاودَ، وَالتَّرمِذِيّ، وَصَحّحَ إِرسَالَهُ)، والتطييبُ بالبخورِ ونحوِهِ. والأمرُ بالبناءِ للندبِ لقولهِ: \"أينَما أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاة فَصَلِّ\"، أخرَجهُ مسلمٌ (^٤) ونحوهُ عندَ غيرِهِ (^٥). قيلَ: وعلى إرادةِ المعنَى الأول [في الدورِ] (^٦)؛ ففي الحديثِ دليلٌ على أن المساجدَ شرطُها قصدُ التسبيلِ إذْ لو كانَ يتمُّ [ما بنى] (^٧) مسجدًا بالتسميةِ لخرجت تلكَ الأماكنُ التي اتُخِذَتْ في المساكنِ عنْ ملكِ أهلِها، وفي شرحِ السُّنَّة (^٨) أن المرادَ المحالُّ التي فيها الدورُ، ومنهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٩)؛ لأنهمْ كانُوا يسمونَ المحلَّة التي اجتمعتْ فيْها القبيلةُ دارًا. قالَ سفيانُ: بناءُ [المساجدِ] (^١٠) في الدورِ يعني القبائلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-358>تغليظ النهي عن اتخاذ القبور مساجد</span>\n٢/ ٢٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ اتخَذُوا\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن ماجه (رقم ٧٥٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٩٩ رقم ٤٩٩).\nوإسناده صحيح على شرط الشيخين، وإعلال الترمذي له بالإرسال لا يضر؛ لأن الوصل من الثقة زيادة مقبولة.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) \"المحيط\" ص ٥٠٣.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"يراد\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ١/ ٥٢٠) من حديث أبي ذر - ﵁ -.\n(^٥) كالإمام أحمد بن حنبل في \"المسند\" (٥/ ١٥٦ و١٥٧ و١٦٠)، وابن خزيمة (٢/ ٢٦٨ رقم ١٢٩٠)، والبيهقي (٢/ ٤٣٣)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٣٢)، والبخاري في \"صحيحه\" (٦/ ٤٥٨ رقم ٣٤٢٥)، وأبو عوانة (١/ ٣٩٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٠٢) كلهم من حديث أبي ذر.\n(^٦) في (أ): \"بالدور\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) للإمام البغوي (٢/ ٣٩٧).\n(^٩) سورة الأعراف: الآية ١٤٥.\n(^١٠) في (أ): \"المسجد\".","vol":"2","page":140},{"text":"قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَزَادَ مُسْلِمٌ (^٢): \"وَالنصَارَى\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهودَ) أي: لعنَ كما جاءَ في روايةٍ، وقيلَ معناهُ قَتَلَهُمْ وأهلكَهُمْ (اتخذوا قبورَ أنبيائهمْ مساجدَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وفي مسلم (^٣) عنْ عائشةَ قالتْ: \"إنَّ أمَّ حبيبةَ، وأمَّ سلمةَ ذَكَرَتَا لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - كنيسة رأتاها بالحبشةِ فيها تصاويرُ، فقالَ: إنَّ أولئكَ إذا كانَ فيهُمْ الرجلُ الصالحُ فماتَ بَنَوْا على قبرهِ مسجدًا، وصوَّرُوْا تلكَ التصاويرَ، أولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ\". واتخاذُ القبورِ مساجدَ أعمُّ منْ أنْ يكونَ بمعْنَى الصلاةِ إليها، أو بمعنَى الصلاةِ عليْها. وفي مسلمٍ: (^٤) \"لا تَجلِسُوا على القُبورِ، ولا تُصَلُّوا إليْها ولا عليْها\"، قالَ البيضاويُّ: لما كانتِ اليهودُ والنَّصَارى يسجدونَ لقبورِ أنبيائِهم تعظيمًا لشأنِهم، ويجعلونَها قبلة يتوجهونَ في الصلاةِ نحوَها اتخذُوها أوثانًا، لعنَهم ومنعَ المسلمينَ منْ ذلكَ. قالَ: وأما مَنِ اتخذَ مسجدًا في جوارِ صالحٍ وقصدَ التبركَ بالقربِ منهُ، لا لتعظيمٍ لهُ، ولا لتوجهِ نحوَهُ، فلا يدخلُ في ذلكَ الوعيدُ.\nقلتُ: قولُهُ لا لتعظيمٍ لهُ، يقالُ اتخاذِ المساجدِ بقربهِ وقصدُ التبركِ بهِ تعظيمٌ لهُ. ثمَّ أحاديثُ النَّهْي مطلقةٌ، ولا دليلَ على التعليلِ بما ذكرَ. والظاهرُ أن العلةَ سدَّ الذريعةِ والبعدُ عن التشبهِ بعَبَدَةِ الأوثانِ الذينَ [يعظِّمونَ] (^٥) الجماداتِ التي لا تسمعُ ولا تنفعُ ولا تضرُّ، ولما في إنفاقِ المالِ في ذلكَ منَ العبثِ والتبذيرِ الخالي عن النفعِ بالكليةِ. ولأنهُ سببٌ لإيقادِ السُّرُجِ عليها الملعونُ فاعلُه. ومفاسدُ ما يُبْنَى علَى القبورِ منَ المشاهدِ والقِبَابِ لا تُحْصَرُ.\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٤٣٧)، ومسلم (رقم ٢٠/ ٥٣٠)، وأبو داود (رقم ٣٢٢٧)، والنسائي (٤/ ٩٥ رقم ٢٠٤٧)، وأحمد (٢/ ٢٨٤)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨٠)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٣٨٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٧٧ رقم ٢١/ ٥٣٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٥٢٨).\nقلت: وأخرجه البخاري (رقم ١٣٤١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤١٥ رقم ٥٠٩)، والنسائي (٢/ ٤١ رقم ٧٠٤)، والبيهقي (٤/ ٨٠)، وأحمد (٦/ ٥١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٩٧/ ٩٧٢). من حديث أبي مَرْثَد الغنويِّ.\n(^٥) في (أ): \"يعظم\".","vol":"2","page":141},{"text":"وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^١)، والترمذيُّ (^٢)، والنسائيُّ (^٣)، وابنُ ماجَهْ (^٤) عن ابن عباسٍ قالَ: \"لعنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - زائراتِ القبورِ والمتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ\". وقد أوضحنا ذلك في رسالتنا المسمَّاة: \"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد\" (^٥).\n(وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَالنَّصَارَى) زادَ في حديثِ أبي هريرةَ هذَا بعدَ قولهِ اليهودِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ لأنَّ النصارى ليسَ لهمْ نبي إلَّا عيسى ﵇؛ إذْ لا نبيَّ بينَهُ وبينَ محمدٍ - ﷺ -، وهوَ حيٌّ في السماءِ. وأجيبَ بأنهُ كانَ فيهمْ أنبياءُ غيرُ مرسلينَ كالحواريينَ ومريمَ في قول، أو أن المرادَ منْ قولهِ: أنبيائِهم المجموعُ منَ اليهودِ والنَّصارى، أوِ المرادُ الأنبياءُ وكبارُ أتباعِهْمِ، واكتفَى بذكرِ الأنبياءِ. ويؤيدُ ذلكَ قولُه في روايةِ مسلمٍ (^٦): \"كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبورَ أنبيائِهمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ\"، ولهذَا لما أفردَ النَّصَارى كما في الحديث الثالث وهو قوله:\n٣/ ٢٣٨ - وَلَهُمَا (^٧) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: \"كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا\"، وَفيهِ: \"أُولئكَ شِرَارُ الْخَلْقِ\". [صحيح]\n(وَلَهُمَا) أي: البخاريِّ ومسلمٍ (مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ) أي النَّصَارَى (الرَّجُلُ الصَّالِحُ [بنَوْا على قبرهِ مسجدًا. وفيهِ: أولئكَ شرارُ الخلَقِ) اسمُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٣٢٣٦).\n(^٢) في \"السنن\" (رقم ٣٢٠) وقال: حديث حسن.\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٩٤ رقم ٢٠٤٣).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ١٥٧٥).\nقلت: وأخرجه ابن حبان (رقم ٧٨٨ - موارد)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٤٨ رقم ١٢٧٢٥)، والحاكم (١/ ٣٧٤)، والبيهقي (٤/ ٧٨) وغيرهم. وهو حديث حسن بشواهده ما عدا لفظ (السُّرُج).\nانظر: الإرواء للألباني (٣/ ٢١٣) والضعيفة رقم (٢٢٥).\n(^٥) وقد طبعت الرسالة مرتين بتحقيقنا على مخطوطتين، ولله الحمد والمنة.\n(^٦) في \"صحيحه\" (رقم ٢٣/ ٥٣٢).\n(^٧) أي للبخاري ومسلم.\nالبخاري (رقم ٤٢٧ ورقم ٤٣٤ ورقم ١٣٤١)، ومسلم (رقم ٥٢٨).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٤١ رقم ٧٠٤)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"2","page":142},{"text":"الإشارةِ عائدٌ إلى الفريقينِ، وكفى بهِ ذمًا] (^١). ولما أفردَ اليهودَ كما في حديثِ أبي هريرةَ قالَ: \"أنبيائِهم\"، وأحسنُ منْ هذَا أنْ يقالَ: أنبياءُ اليهودِ أنبياءُ النَّصَارَى؛ لأنَّ النَّصارى مأمورونَ بالإيمانِ بكلِّ رسولٍ، فرسلُ بني إسرائيلَ يُسَمَّوْنَ أنبياءَ في حقّ الفريقينِ. والمرادُ منَ الاتخاذِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ ابتداعًا أو اتباعًا، فاليهودُ ابتدعتْ والنصارى اتبعتْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-359>جواز دخول الكفار المساجد لحاجة من غير إيذاء</span>\n٤/ ٢٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ - ﷺ - خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ - ﷺ - خَيْلًا، فَجَاءَتْ بِرَجلٍ فَرَبَطوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الرجلُ هوَ ثمامةُ بنُ أثالٍ، صرحَ بذلكَ في الصحيحينِ وغيرِهمَا، وليسَ فيهِ أنَّ الربطَ عن أمرِهِ - ﷺ -، ولكنهُ - ﷺ - قررَ ذلكَ لأنَّ في القصةِ أنهُ كانَ يمرُّ بهِ ثلاثةَ أيامٍ ويقولُ: \"ما عندَك يا ثمامةُ - الحديثَ\". وفيهِ دليلٌ على جوازِ ربطِ الأسيرِ بالمسجدِ وإنْ كانَ كافرًا، وأن هذَا [مخصِّصٌ] (^٣) لقولهِ - ﷺ -: \"إنَّ المسجدَ لذكرِ اللَّهِ والطاعةِ\". وقدْ أنزلَ - ﷺ - وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ (^٤). قالَ الخطابيُّ (^٥): فيهِ جوازُ دخولِ المشركِ المسجدَ إذا كانَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب) ما عدا: \"بنوا على قبره مسجدًا\" فهي من (أ).\n(^٢) البخاري (رقم ٤٦٢ ورقم ٤٦٩ ورقم ٢٤٢٢ ورقم ٢٤٢٣ ورقم ٤٣٧٢)، ومسلم (رقم ٥٩ و٦٠/ ١٧٦٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٢٦٧٩)، والنسائي (٢/ ٤٦ رقم ٧١٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٨٠ رقم ٢٧١٢)، وأحمد (٢/ ٤٥٢)، والبيهقي (٦/ ٣١٩) و(٩/ ٦٥ - ٦٦)، وابن حبان (ص ٥٦٨ رقم ٢٢٨١)، وابن خزيمة (١/ ١٢٥ رقم ٢٥٣).\n(^٣) في (ب): \"تخصيص\".\n(^٤) أخرجه أحمد في \"الفتح الرباني\" (٢١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ رقم ٤٤٩)، وأبو داود (٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ رقم ٣٠٢٦)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ١٢٦ رقم ٩٣٩) كلهم من حديث عثمان بن أبي العاص.\nوأورده المنذري في \"المختصر\" (٤/ ٢٤٤ رقم ٢٩٠٧) وقال: \"قد قيل: إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص\".\nقلت: لم يصرح الحسن وحميد بالسماع، وهما مدلسان، فيكون الحديث ضعيفًا، والله أعلم.\n(^٥) في \"معالم السن\" (١/ ٢٤٤ - مع المختصر).","vol":"2","page":143},{"text":"لهُ فيهِ حاجةٌ مثلَ أنْ يكونَ لهُ غريمٌ في المسجدِ لا يخرجُ إليهِ، ومثلَ أنْ يحاكمَ إلى قاضٍ هوَ في المسجدِ. وقدْ كانَ الكفارُ يدخلونَ مسجدَهُ - ﷺ - ويطيلونَ فيهِ الجلوسَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ: \"أن اليهودَ أَتَوا النبيَّ - ﷺ - وهوَ في المسجدِ\". وأما قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (^٢)؛ فالمرادُ بهِ لا يُمكَّنونَ منْ حجٍّ ولا عمرةٍ كما وردَ في القصةِ التي بَعَثَ لأجلِها - ﷺ - بآياتِ براءةَ إلى مكةَ. وقولُهُ: \"فلا يحجنَّ بعدَ هذا العامِ مشركٌ\" (^٣)، وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ (^٤) لا يتمُّ بها دليلٌ على تحريمِ المساجدِ على المشركينَ لأنَّها نزلتْ في حقِّ مَنِ استولى عليْهَا وكانتْ لهُ الحكمةُ والمَنْعَةُ كما وقعَ في سببِ [نزولِ الآيةِ الكريمة] (^٥)؛ فإنَّها نزلتْ في شأنِ النَّصَارى واستيلائِهمْ على بيتِ المقدسِ، وإلقاءِ الأَذَى فيهِ والأزبالِ، أوْ أنَّها نزلتْ في شأنِ قريشٍ ومَنْعُهُمْ له - ﷺ - عامَ الحديبيةِ عن العمرةِ. وأما دخولُهُ منْ غيرِ استيلاءِ ومنعٍ وتخريب فلمْ تفدْهُ الآيةُ الكريمةُ، وكأنَّ المصنفَ ساقهُ لبيانِ جوازِ دخول المشركِ المسجدَ، وهوَ مذهبُ إمامهِ فيما عدَا المسجدَ الحرامَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>جواز إنشاد الشعر في المساجد</span>\n٥/ ٢٤٠ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - مَرَّ بِحَسَّانَ يُنْشِدُ في الْمَسْجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ، وَفِيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْه) أي أبي هريرةَ (أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - مَرَّ بِحَسَانَ) (^٧) بالحاءِ المهملةِ مفتوحة\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٤٨٨): وفيه رجل من مزينة مجهول. وهو حديث ضعيف.\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٢٨.\n(^٣) أخرجه البخاري (رقم ٣٦٩)، ومسلم (رقم ٤٣٥/ ١٣٤٧)، وأبو داود (رقم ١٩٤٦)، والنسائي (٥/ ٢٣٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١١٤.\n(^٥) في (أ): \"النزول\".\n(^٦) البخاري (رقم ٣٢١٢)، ومسلم (رقم ١٥١/ ٢٤٨٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٥٠١٤)، والنسائي (٢/ ٤٨ رقم ٧١٦).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٩ رقم ١٢٠)، والمعارف (٢/ ١٢٨، ١٤٣)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٢٣٥)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٣٣ رقم ١٠٢٦)، و\"الإصابة\" =","vol":"2","page":144},{"text":"فسينٌ مشددةٌ، هوَ ابنُ ثابت شاعرُ رسولِ الله - ﷺ -، يُكْنَى أبا عبدِ الرحمنِ، أطالَ ابنُ عبدِ البرِّ في ترجمتهِ في الاستيعابِ قالَ: وتوفيَ حسانُ قبلَ الأربعينَ في خلافةِ عليٍّ - ﷺ -، وقيلَ: بلْ ماتَ سنةَ خمسينَ وهوَ ابنُ مائةٍ وعشرينَ سنةً، (يُنْشِدُ) بضمِ حرفِ المضارعةِ وسكونِ النونِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ. (في المسجدِ فلحظ إليهِ)؛ أي نظرَ إليهِ، وكأنَّ حسانَ فَهِمَ منهُ نظرَ الإنكارِ (فَقَالَ: قَدْ كُنْت أُنشِدُ فيه، وفِيهِ) أي المسجد (مَنْ هُوَ خَيرٌ مِنْكَ) يعني رسولَ اللَّهِ - ﷺ - (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nوقدْ أشارَ البخاريُّ في باب بَدْءِ الخلقِ في هذه القصةِ أن حسانًا أنشدَ في المسجدِ ما أجابَ بهِ المشركينَ عنهُ - ﷺ -، ففي الحديث [دلالةٌ] (^١) على جوازِ إنشادِ الشعرِ في المسجدِ. وقدْ عارضَهُ أحاديثُ. أخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٢)، وصححهُ الترمذيُّ (^٣) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: \"نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عنْ تناشدِ الأشعارِ في المسجدِ\"، ولهُ شواهدُ. وجمعَ بينَها وبينَ حديثِ البابِ بأنَّ النَّهْي محمولٌ على تناشدِ أشعارِ الجاهليةِ وأهل البطالةِ، وما لمْ يكنْ فيهِ غرضٌ صحيحٌ، والمأذونُ فيِهِ ما سَلِمَ مِنْ ذلكَ. وقيلَ: المأذونُ فيهِ مشروطٌ بأنْ لا يكونَ ذلكَ مما يشغلُ مَنْ في المسجدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-361>السؤال عن الضالة في المساجد منهي عنه</span>\n٦/ ٢٤١ - وَعَنْهُ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّة فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا الله عَلَيكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n= (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨ رقم ١٧٠٠)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ١٣ - ٣١ رقم ٥١٠)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٧٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢١٦ - ٢١٧ رقم ٤٥٠).\n(^١) في (أ): \"دليل\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٨ رقم ١٨١٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٣٩ رقم ٣٢٢) وقال: حديث حسن.\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٤٧ رقم ٧١٤) و(٢/ ٤٨ رقم ٧١٥)، وأبو داود (رقم ١٠٧٩). وهو حديث حسن. وقد حسنه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٧٩/ ٥٦٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٤٧٣)، وابن ماجه (رقم ٧٦٧)، وأحمد (٢/ ٣٤٩)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٣ رقم ١٣٠٢)، والبيهقي (٦/ ١٩٦) و(٢/ ٤٤٧) و(١٠/ ١٠٢ - ١٠٣)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٦).","vol":"2","page":145},{"text":"(وَعَنْهُ) أي أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ) بفتحِ المثناةِ التحتيةِ، وسكونِ النونِ، وضمِّ الشينِ المعجمةِ، مِنْ نَشَدَ الدابةَ إذا طَلَبها (ضَالَّة فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ) عقوبةً لهُ لارتكابهِ في المسجدِ ما لا يجوزُ. وظاهرُهُ أنهُ يقولهُ جَهْرًا، وأنهُ واجبٌ؛ (فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أي: بلْ بنيتْ لذكرِ اللَّهِ والصلاةِ والعلمِ والمذاكرةِ في الخيرِ ونحوِهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ السؤال عن ضالةِ الحيوانِ في المسجدِ، وهلْ يلحقُ بهِ السؤالُ عنْ غيرها منَ المتاعِ، ولو ذهبَ في المسجدِ؟ قيلَ: يلحقُ للعلةِ؛ وهي قولُهُ: فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ لِهذَا، وأنَّ مَنْ ذهبَ عليهِ متاعٌ فيهِ أوْ في غيرِهِ قعدَ في بابِ المسجدِ يسألُ الخارجينَ والداخلينَ إليهِ. واختُلِفَ أيضًا في تعليمِ الصبيانِ القرآنَ في المسجدِ، وكأنَّ المانعَ يمنعُه لما فيه مِنْ رفعِ الأصواتِ المنهيِّ عنهُ في حديثِ واثلةَ: \"جَنبُوا مساجدَكم مجانينَكم وصبيانَكم ورفعَ أصواتِكم\"، أخرجهُ عبدُ الرزاق (^١) والطبرانيُّ في الكبيرِ (^٢) وابنُ ماجَهْ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-362>يحرم البيع والشراء في المساجد</span>\n٧/ ٢٤٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ، أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (١/ ٤٤٢ رقم ١٧٢٧) مرسلًا.\n(^٢) (٨/ ١٥٦ رقم ٧٦٠١) وفيه العلاء بن كثير ضعيف الحديث.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٤٧ رقم ٧٥٠) وإسناده ضعيف.\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، وأورده القاري في \"الأسرار المرفوعة\" (رقم ١٥٤)، والفتني في \"تذكرة الموضوعات\" (ص ٣٧).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. وانظر: \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١٦٢ رقم ٢٨٤).\n(^٤) في عمل اليوم والليلة رقم (١٧٦).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٦١٠ رقم ١٣٢١) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (رقم ١٥٤)، والدارمي (١/ ٣٢٦)، وابن حبان (ص ٩٩ رقم ٣١٣ - الموارد)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٤ رقم ١٣٠٥)، والحاكم (٢/ ٥٦)، والبيهقي (٢/ ٤٤٧)، وابن الجارود، رقم (٥٦٢).\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\"، رقم (١٢٩٥).","vol":"2","page":146},{"text":"(وَعَنْه) أي أبي هريرةَ (أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ) [أي] (^١) يشتري (فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: لَا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ). فيهِ دلالةٌ على تحريمِ البيعِ والشراءِ في المساجدِ وأنهُ يجبُ على مَنْ رَأَى ذلكَ فيهِ أنْ يقولَ لكلٍّ مِنَ البائعِ والمشتري: لا أربحَ اللَّهُ تجارتَكَ، يقولُ جَهْرًا زَجْرًا للفاعلِ لذلكَ، والعلةُ هي قولُهُ فيما سلفَ: \"فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ (^٢) لذلكَ\". وهلْ ينعقدُ البيعُ؟ قالَ الماورديُّ (^٣): إنهُ ينعقدُ اتفاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-363>لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها</span>\n٨/ ٢٤٣ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِ ضَعِيفٍ (^٥). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-364>ترجمة حكيم بن حزام</span>\n(وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) (^٦) بالحاءِ المهملةِ مكسورةٍ والزاي. وحكيمٌ صحابيٌّ كانَ منْ أشرافِ قريشٍ في الجاهليةِ والإسلامِ. [أسلمَ عامَ الفتحِ، عاشَ مائةً\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) هنا لفظ (تكن) زيادة من (أ).\n(^٣) هو الإمام العلامة، أقضى القضاة، أبو الحسن، علي بنُ محمدِ بن حبيب البصريُّ، الماورديُّ، الشافعي، صاحبُ التصانيف الحسان، منها: \"التفسير\" و\"كتاب الحاوي\" و\"الأحكام السلطانية\" و\"قوانين الوزارة\" و\"الأمثال\" و\"أدب الدنيا والدين\" وغيرها. مات في ربيعِ الأول سنة خمسين وأربعِ مئة، وقد بلغ سِتًا وثمانين سنة.\n[انظر: النجوم الزاهرة (٥/ ٦٤) و\"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٠٢ - ١٠٣)، و\"المنتظم\" (٨/ ١٩٩ - ٢٠٠)، و\"طبقات السبكي\" (٥/ ٢٦٧ - ٢٨٥)].\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٤٣٤).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٦٢٩ رقم ٤٤٩٠).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١١ رقم ٤٢)، و\"المعارف\" (٣١١)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٠٢ رقم ٨٧٦)، و\"تهذيب أسماء واللغات\" (١/ ١٦٦ - ١٦٧ رقم ١٢٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥ رقم ٧٧٥)، و\"العقد الثمين\" (٤/ ٢٢١ - ٢٢٣ رقم ١٠٦٨)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ٥٣ - ٥٥ رقم ٥٣٨)، و\"تاريخ الطبري\" (٢/ ٤٨٥)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":147},{"text":"وعشرينَ سنةً؛ ستونَ في الجاهليةِ، وستونَ في الإسلامِ] (^١)، وتوفيَ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ، ولهُ أربعةُ أولادٍ صحابيونَ كلُّهم، عبدُ اللَّهِ، وخالدٌ، وَيحْيى، وهشامٌ.\n(قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ: لَا تقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُسْتَقَادُ فِيهَا)، أي يقامُ القَوَدُ فيْها (رَوَاهُ أحْمَدُ وَأَبُو دَاودَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، ورواهُ الحاكمُ (^٢)، وابنُ السكنِ (^٣)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ (^٤)، والدارقطنيُّ (^٥)، والبيهقيُّ (^٦). وقالَ المصنفُ في التلخيصِ (^٧): لا بأسَ بإسنادِهِ. والحديثُ دليل على تحريمِ إقامةِ الحدودِ في المساجدِ، وعلى تحريمِ الاستقادةِ فيْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-365>جواز النوم وبقاء المريض في المسجد</span>\n٩/ ٢٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ) (^٩).\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٧٨).\n(^٣) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ٧٧).\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٤٣٤) وقد تقدم.\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٨٦ رقم ١٤).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٢٨).\n(^٧) (٤/ ٧٨).\nقلت: وسكت عليه الحاكم ورجاله ثقات غير زُفر بن وَثيمَة، قال في \"الميزان\" (٢/ ٧١ رقم ٢٨٦٨): وقد ذكر له هذا الحديث: \"وضعفه عبد الحق، أعني الحديث. وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر، تفرد عنه الشعيثي. قلت: وقد وثقه ابن معين ودُحيم\". وقد تابعه العباس بن عبد الرحمن المدني عند أحمد (٣/ ٤٣٤) والظاهر أنه مولى بني هاشم، وهو في عداد المجهولين. والجملة الأخيرة منه لها شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم (٤/ ٣٦٩) ويدخل فيها الجملة الأولى، فإنها أعم منها كما هو ظاهر. والجملة الوسطى يشهد لها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد تقدم في نهاية شرح الحديث رقم (٥/ ٢٣٨)، وانظر: \"إرواء الغليل\" للمحدث الألباني (٧/ ٣٦١ رقم ٢٣٢٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٨) البخاري: (رقم ٤٦٣)، ومسلم (رقم ٦٥/ ١٧٦٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٣١٠١)، والنسائي (٢/ ٤٥ رقم ٧١٠)، وأحمد (٦/ ٥٦).\n(^٩) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٤٢٠ - ٤٣٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ٦٥ رقم =","vol":"2","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-366>ترجمة سعد بن معاذ</span>\nهوَ ابنُ معاذٍ، بضمِّ الميمِ فعينٍ مهملةٍ بعدَ الألفِ ذالٌ معجمةٌ، [وسعد] (^١) هوَ أبو عمروٍ سعدُ بنُ معاذٍ الأوسيِّ، أسلمَ بالمدينةِ بينَ العقبةِ الأُوْلَى والثانيةِ، وأَسْلَمَ بإسلامهِ بنُو عبدِ الأشهلِ، وسماهُ رسولُ الله ﷺ سيِّدَ الأنصارِ، وكانَ مِقدَامًا مُطاعًا شَرِيْفًا في قومهِ مِنْ كبارِ الصحابةِ، شهدَ بدرًا وأُحدًا، وأصيبَ يومَ الخندقِ في أُكْحُلِهِ فلمْ يرقأْ دمُهُ حتَّى ماتَ بعدَ شهر، توفيَ في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ منَ الهجرةِ.\n(يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) أي نصبَ عليهِ (خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ) أي: ليكونَ مكانُهُ قريبًا منهُ - ﷺ - فيعودُهُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ دلالةٌ على جوازِ النومِ في المسجدِ وبقاءِ المريضِ فيهِ وإنْ كانَ جريحًا، وضربِ الخيمةِ وإنْ منعتْ منَ الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-367>اللعب المباح في المسجد</span>\n١٠/ ٢٤٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْهَا) أي عنْ عَائِشَةَ (قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُني وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، الْحَدِيثَ مُتفَقٌ عَلَيْهِ). قدْ بينَ في روايةٍ للبخاريِّ (^٣) أنَّ لِعَبَهُمْ كانَ بالدَّرَقِ وَالحِراب، وفي روايةٍ لمسلم (^٤): يلعبونَ في المسجدِ بالحرابِ، وفي روايةٍ للبخاريّ (^٥): وكانَ يومَ عيدٍ، فهذَا يدلُّ على جوازِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ في يومِ مَسَرَّةٍ. وقيلَ: إنهُ منسوخٌ بالقرآنِ والسنةِ، أنها القرآنُ فقولُهُ\n_________\n= ١٩٧٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٩٣ رقم ٤١١)، و\"الاستيعاب\" (٤/ ١٦٣ - ١٦٧ رقم ٩٥٨)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢١٤ - ٢١٥ رقم ٢٠٦)، و\"العبر\" (١/ ٧)، و\"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٧٣ رقم ٣٦٠)، و\"الإصابة\" (٤/ ١٧١ - ١٧٢ رقم ٣١٩٧).\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) البخاري (رقم ٩٨٨)، ومسلم (رقم ١٧/ ٨٩٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٤٠ رقم ٩٥٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠٩ رقم ١٨/ ٨٩٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٤٠ رقم ٩٥٠).","vol":"2","page":149},{"text":"تعالى: ﴿في بيُوتٍ أَذنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (^١)، وأما السنةُ فبحديثِ: \"جَنِّبُوا مساجدَكم صبيانَكم (^٢)، [ومجانينكم، وسلِّ سيوفكم، وإقامة حدودكم وخصوماتكم، وجمِّروها في الجُمَع، واجعلوا على أبوابها المطاهر\". أخرجه ابنُ عدي، والطبراني في الكبير، والبيهقي، وابن عساكر. وكان يقول القائل بالنسخ أنه إذا نهى عن الخصومة وسل السيوف فبالأولى عن اللعب بالحراب، وفيه بُعد] (^٣)، وتُعُقّب بأنه حديثٌ ضعيفٌ، وليسَ فيهِ ولا في الآيةِ تصريحٌ [بما] (^٤) ادَّعاهُ، ولا عرفَ التاريخُ فيتمُّ النسخُ. وقدْ حُكِيَ أن لعبهَم كانَ خارجَ المسجدِ، وعائشةُ كانتْ في المسجدِ. وهذَا مردودٌ بما ثبتَ في بعضِ طرقِ هذا الحديث (^٥) أن عمرَ أنكرَ عليهمْ لعبَهم في المسجدِ، فقال لهُ النبيُّ ﷺ: \"دعْهُم\"، وفي بعض ألفاظِهِ (^٦) أنهُ قال - ﷺ - لعمرَ: \"لتعلم اليهودُ أن في دينِنَا فسحةً، وأني بُعِثْتُ بحنيفيةٍ سمحةٍ\"، وكأنَّ عمرَ بَنَى عَلَى الأصلِ في تنزيهِ المساجدِ فبينَ لهُ - ﷺ - أن التعمقَ [والتشددَ] (^٧) ينافي قاعدةَ شريعتِهِ - ﷺ - منَ التيسيرِ والتسهيلِ، وهذا يدفعُ قول الطبريِّ (^٨): إنهُ يُغْتَفَرُ للحبشِ ما لا يُغْتَفَرُ لغيرِهم فيقرُّ حيثُ وردَ، ويدفعُ قول مَنْ قال: إنَّ اللعبَ بالحرابِ ليس لعبًا مجردًا بلْ فيهِ تدريبُ الشجعانِ على مواضعِ الحروبِ، والاستعدادِ للعدوِّ، ففي ذلكَ منَ المصلحةِ التي تجمعُ عامةَ المسلمينَ\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٣٦.\n(^٢) وهو حديث ضعيف تقدَّم تخريجه في نهاية شرح الحديث رقم (٦/ ٢٤١).\n(^٣) زيادة من (أ). وبدل الزيادة في (ب): \"الحديث\".\n(^٤) في (أ): \"لما\".\n(^٥) في صحيح البخاري (رقم ٩٨٨).\n(^٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ١١٦ و٢٣٣)، والديلمي (٢/ ١١٠) بسند حسن. وأورده ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤٤٤) وسكت عليه.\nوأخرجه الحميدي في \"المسند\" (١/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ٢٥٤) بلفظ: \"العبوا، يا بني أرفدة! تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة\" ورجاله ثقات. إلا أن التيمي هذا لم يذكروا له رواية عن الصحابة، سوى أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فإنه معدود في الصحابة، وله رؤية، ولم يسمع من النبي - ﷺ - فما أظن التيمي سمع من عائشة.\nولكن الحديث بمجموع طرقه صحيح.\n[الصحيحة للمحدث الألباني (٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤ رقم ١٨٢٩)، و\"كشف الخفاء\" (١/ ٢٥١ رقم ٦٥٨).\n(^٧) في (ب): \"التشديد\".\n(^٨) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤٤٤).","vol":"2","page":150},{"text":"ويحتاجُ إليها في إقامةِ الدينِ فأجيزَ فعلُها في المسجدِ. هذا وأما نظرُ عائشةَ إليهمْ وهمْ يلعبونَ وهي أجنبيةٌ ففيهِ دلالةٌ على جوازِ نظرِ المرأةِ إلى جملةِ الناسِ منْ دونِ تفصيلِ لأفرادِهم كما تنظرُهم إذا خرجتْ للصلاةِ في المسجدِ، وعندَ الملاقاة في الطرقات. ويأتي تحقيقُ هذهِ المسئلةِ في محلّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>المبيت والمقيل والخيمة في المسجد</span>\n١١/ ٢٤٦ - وَعَنْهَا أَنَّ وَليدَةَ سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِيني فَتَحَدَّثُ عِنْدِي - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْهَا) أي عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَة) الوليدةُ: الأَمةُ (سَوْدَاءَ [كان] (^٢) لَهَا خِبَاءٌ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وموحدةٍ فهمزةٍ ممدودةٍ، الخيمةُ منْ وَبَرٍ أو غيرِهِ، وقيلَ: لا تكونُ إلَّا منْ شعرٍ (فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأتِيني فَتَحَدُّثُ عِنْدِي - الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). والحديثُ برُمَّتهِ في البخاريِّ عنْ عائشةَ: \"أَنَّ وَليدةَ سَوداءَ كانتْ لحيٍّ منَ العرب فأعتَقُوها فكانتْ معَهم، فخرجتْ صَبِيَّة لهم عليْها وشاحٌ (^٣) أحمرُ منْ سُيورٍ (^٤). قالتْ: فَوَضَعَتْهُ أو - وَقعَ منْها - فمرَّت حُدَيَّاةٌ (^٥) وهوَ مُلْقًى فَحسِبَتْهُ لحمًا فَخَطِفَتْهُ قالتْ: فالتمَسوهُ فلم يَجدوهُ، فاتهموني بهِ فجعلُوا يفتشوني حتَّى فَتَّشُوا قُبُلهَا، قالتْ: إني واللَّهِ لقائمةٌ معهُم إذْ مرتِ الحدياةُ فألقتْهُ، قالتْ: فوقعَ بينَهم، فقلتُ: هذا الذي اتهمتموني بهِ زعمتمْ وأنا منه بريئةٌ وها هُوَ ذَا، قالتْ: فجاءتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فأسلمتْ، قالتْ عائشةُ: فكانَ لها خباءٌ في المسجدِ أو حِفْشٌ (^٦) فكانتْ تأتيني فَتَحَدَّثُ عندي قالتْ فلا تجلسُ إلَّا قالتْ:\nويومَ الوِشاحِ مِنْ تعاجيبِ رَبّنَا … إلَّا أنَّهُ مِنْ دارةِ الكفرِ نجاني\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٤٣٩) و(رقم ٣٨٣٥). ولم أجده في مسلم.\n(^٢) في (ب): \"فكان\".\n(^٣) وشاح: نسيج من جلد مرصَّع بالجواهر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحها.\n(^٤) سيور: جمع سير، وهو ما يقطع من الجلد.\n(^٥) حُدَيَّاة: هي طائر، قيل يأكل الجرذان. وهي الحِدأة، وهي من الحيوانات المأذون بقتلها للمحرم وفي الحرم.\n(^٦) حِفْش: بيت صغير قليل الارتفاع.","vol":"2","page":151},{"text":"قَالَتْ عائشةُ: [فقلت] (^١) لها ما شأنُكِ لا تَقعُدِينَ إلَّا قُلتِ هذا؟ فحَدّثَتني بهذا الحديثِ\". [فهذا] (^٢) الذي أشار إليهِ المصنفُ بقولهِ (الحديثَ).\nوفي الحديثِ دلالةٌ على إباحةِ المبيتِ والمقيلِ في المسجدِ لمنْ ليسَ لهُ مسكنٌ منَ المسلمينَ، رجلًا كان أو امرأةٌ عندَ [مْنِ الفتنةِ] وجوازِ ضربِ الخيمةِ لهُ ونحوِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-369>تنظيف المساجد عن القاذورات</span>\n١٢/ ٢٤٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْبُصَاقُ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَة وَكَفارَتُهَا دَفْنُها\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: الْبُصَاقُ) في القاموسِ (^٤): البُصَاقُ كغُرابٍ، والبُساقُ والبزاقُ: ماءُ الفمِ إذا خرجَ منهُ، وما دامَ فيهِ فهوَ ريقٌ، وفي لفظٍ للبخاريِّ: البزاقُ، ولمسلمٍ: التفلُ، (في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُها دَفْنُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nالحديثُ دليل على أن البصاقَ في المسجدِ خطيئةٌ والدفنُ يكفّرُها، وقدْ عارضَهُ ما تقدمَ منْ حديثِ فليبصقْ عنْ يسارهِ، أو تحتَ قدمهِ؛ فإنَّ ظاهرَهُ سواءٌ كانَ في المسجدِ أو غيرِهِ. قالَ النوويُّ: هما عمومانِ لكنَّ [عموم] (^٥) الثاني مخصوصٌ بمَا إِذَا لمْ يكنْ في المسجدِ، ويبقَى عمومُ الخطيئةِ إذا كانَ في المسجدِ منْ دونِ تخصيصِ، وقالَ القاضي عياضُ: إنَّما يكونُ البصاقُ في المسجدِ خطيئة إذا لم يدفنْه، وأما إذا [أراد] (^٦) دفنَه فلَا. وذهبَ إلى هذا أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ، ويدلُّ لهُ حديثُ أحمدَ (^٧)، والطبرانيّ (^٨) بإسنادٍ حسنٍ منْ حديثِ أبي أمامةَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"فهو\".\n(^٣) البخاري (رقم ٤١٥)، ومسلم (رقم ٥٥٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٤٧٥)، والترمذي (رقم ٥٧٢). وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ٥٠ رقم ٧٢٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٨٠ رقم ٤٨٨)، وأحمد (٣/ ١٧٣ و٢٣٢ و٢٧٤ و٢٧٧)، والبيهقي (٢/ ٢٩١)، وأبو عوانة (١/ ٤٠٤ و٤٠٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٦٥)، والطيالسي (١/ ٨٣ رقم ٣٥٠ - منحة المعبود)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٦ رقم ١٣٠٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٣٩٦).\n(^٤) \"المحيط\" (١١٢٠).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"المسند\" (٣/ ١٨٣، ٢٨٩).\n(^٨) في \"الكبير\" (٨/ ٣٤١ رقم ٨٠٩٢).=","vol":"2","page":152},{"text":"مرفوعًا: \"منْ تنخَّعَ في المسجدِ فلمْ يدفنْهُ فسيئةٌ، فإنْ دَفَنَهُ فحسنةٌ\"؛ فلم يجعلْه سيئة إلَّا بقيدِ عدمِ الدفنِ. ونحوهُ حديثُ أبي ذرّ عندَ مسلمٍ (^١) مرفُوعًا: \"وَجَدْتُ في مَسَاوِي أمتي النُّخَاعةَ تكونُ في المسجدِ لا تُدْفنُ\"، وهكذَا فهمَ السلفُ ففي سننِ سعيدِ بن منصورٍ (^٢) عنْ أبي عبيدةَ بن الجراحِ: \"أنهُ تنخَّمَ في المسجدِ ليلةً، فنسيَ أنْ يدفنَها حتى رجعَ إلى منزلهِ، فأخذَ شعلة منْ نارٍ ثمَّ جاءَ فطلبَها حتَّى دفنَها، وقالَ: الحمدُ للَّهِ حيثُ لمْ تكْتَبْ عليَّ خطيئةٌ الليلةَ\"؛ فدلَّ على أنهُ فهمَ أن الخطيئةَ مختصة بمنْ تركهَا، وقَدَّمْنَا وجْهًا منَ الجمعِ، وهوَ أن الخطيئةَ حيثُ كانَ التفلُ عن اليمينِ أوْ إلى جهةِ القبلةِ، لا إذا كانَ عن الشمالِ أو تحتَ القدمِ؛ فالحديثُ هذَا مخصصٌ بذلكَ ومقيدٌ بهِ، قالَ الجمهورُ: والمرادُ - أي منْ دَفْنِها -[دفنُها] (^٣) في ترابِ المسجدِ ورملِهِ وحصاهُ، وقولُ مَنْ قَالَ: المرادُ مِنْ دفْنِها إخراجُها منَ المسجدِ بعيدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>النهي عن زخرفة المساجد وتشييدها</span>\n١٣/ ٢٤٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ\"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٥). [صحيح]\n_________\n= وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٨) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، إلا أنه قال: خطيئة وكفارتها دفنها. ورجال أحمد موثوقون\".\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٣٩٠ رقم ٥٧/ ٥٥٣).\n(^٢) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٣٤ رقم ١٦٩٦).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) وهم: أحمد (٣/ ١٣٤ و١٤٥ و١٥٢ و٢٣٠ و٢٨٣)، وأبو داود (رقم ٤٤٩)، والنسائي (رقم ٦٨٩)، وابن ماجه (رقم ٧٣٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٨٢ رقم ١٣٢٣).\nقلت: وأخرجه ابن حبان (ص ٩٩ رقم ٣٠٨ - الموارد)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٥٠ رقم ٤٦٤).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.","vol":"2","page":153},{"text":"(وَعَنْهُ) أي أنسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى) يتفاخرُ (النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ) بأنْ يقولَ واحدٌ مسجدي [خير] (^١) مِنْ مسجدِكَ، علوًا وزينةً وغيرَ ذلكَ. (أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ).\nالحديثُ مِنْ أعلامِ النبوةِ. وقولُهُ: (لا تقومُ الساعةُ) قدْ يؤخذُ منهُ أنهُ منْ أشراطِها، والتباهي إمَّا بالقولِ كما عرفتَ، أوْ بالفعلِ كأنْ يبالغَ كلُّ واحدٍ في تزيينِ مسجدهِ ورفع بِنائهِ وغيرِ ذلكَ. وفيهِ دلالة مفهمة بكراهةِ ذلكَ، وأنهُ منْ أشراطِ الساعةِ، وأنَّ الله لا يحبُّ تشييدَ المساجدِ ولا عمارتِها إلَّا بالطاعةِ.\n١٤/ ٢٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عما قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ: مَا أمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ. أَخْرَجَه أَبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَه ابْن حِبَّانَ). وتمامُ الحديثِ: قالَ ابنُ عباسٍ: \"لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَت اليهودُ والنَّصَارى\"، وهذَا مدرجٌ (^٤) منْ كلامِ ابن عباس، كأنهُ فهمهُ منَ الأخبارِ النبويةِ منْ أن هذهِ الأمةَ تحذُو حذوَ بني إسرائيلَ. والتشييدُ\n_________\n(^١) في (ب): \"أحسن\".\n(^٢) في \"السنن\" (رقم ٤٤٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ٧٠ رقم ١٦١٣).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٣٤٨ رقم ٤٦٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣١٣).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٤) المدرج في اللغة: اسم مفعول من أدرج، تقول: أدرجت الثوب والكتاب طويته، وتقول: أدرجت الكتيب في الكتاب جعلته في دَرْجه أي في طيه وثنيه.\nوفي الاصطلاح: ما يدخله الراوي على الأصل المروي متصلًا به سواء كان الاتصال بآخر المروي، أو بأوله، أو في أثنائه، دون فصل بذكر قائله، بحيث يلتبس على من لم يعرف الحال، فيتوهم أن الجميع من ذلك الأصل المروي.\nويعرف الإدراج:\n(أ) بورود الحديث من رواية أخرى تفصل القدر المدرج عما أدرج فيه.\n(ب) بالتنصيص على ذلك من الراوي نفسه، أو من بعض الأئمة المطَّلعين.\n(حـ) باستحالة كون ذلك من كلام النبي ﷺ.\n[انظر كتابنا: \"مدخل إرشاد الأمة … \" الفائدة الثالثة: شذرات من علوم الحديث رقم (٣) ذكر أنواع تشترك في الصحيح والحسن والضعيف].","vol":"2","page":154},{"text":"رفعُ البناءِ وتزيينُه بالشِّيدِ، وهوَ الجصُّ، كذَا في الشرحِ. والذي في القاموسِ (^١): شادَ الحائِطَ يَشِيدُهُ طَلاهُ بالشِّيدِ، وهوَ ما [يطلَى به الحائطُ] (^٢) منْ جِصٍّ [ونحوهِ] (^٣) انتهى. فلمْ يجعلْ رفعَ البناءِ منْ مسمَّاهُ. [وأما قوله تعالى: ﴿فِي بيُوُتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ﴾ (^٤) ففي الكشاف رفعها بناؤها. كقوله: ﴿بَنَاهَا (٢٧) سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (^٥)، ﴿وَإِذْ يَرفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ (^٦). وعن ابن عباس ﵄: هي المساجد تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن ما أمر الله بالرفع بالبناء ولكن التعظيم] (^٧). والحديثُ ظاهرٌ في الكراهة أو التحريمِ لقولِ ابن عباسٍ كما زخرفتِ اليهودُ والنَّصارى، فإنَّ التشبهَ بهمْ محرمٌ، وذلكَ أنهُ ليسَ المقصودُ منْ بناءِ المساجدِ إلَّا أنْ [تَكِنَّ] (^٨) الناسَ منَ الحرِّ والبردِ، وتزيينُها يشغلُ القلوبَ عن الإقبال على الطاعةِ، ويذهب الخشوع الذي هوَ روحُ جسمِ الصلاة. والقولُ بأنهُ يجوزُ تزيينُ المحرابِ باطلٌ. قالَ المهديُّ في البحرِ (^٩): إنَّ تزيينَ الحرمينِ لم يكنْ برأي ذي حلٍّ وعقد، ولا سكوتِ رضا، أي منَ العلماءِ، وإنَّما فَعَلَهُ أهلُ الدولِ الجبابرةِ مِنْ غيرِ مؤاذنةٍ لأحدٍ منْ أهلِ الفضلِ، وسكتَ المسلمونَ والعلماءُ منْ غيرِ رضًا. و[هذا] (^١٠) كلامٌ حسنٌ.\nوفي قولهِ - ﷺ -: (ما أمرتُ) إشعارٌ بأنهُ لا يحسنُ ذلكَ؛ فإنهُ لو كانَ حسنًا لأمرهُ اللَّهُ بهِ - ﷺ -. وأخرجَ البخاريُّ (^١١) منْ حديثِ ابن عمرَ: \"أن مسجدهُ - ﷺ - كانَ على عهدهِ - ﷺ - مَبنِيًا باللبِنِ، وسَقفهُ الجَريدُ، وعَمَدُهُ خَشبُ النَّخل، فلمْ يَزِدْ فيهِ أبو بكرٍ شَيئًا، وزادَ فيهِ عُمرُ وبَناهُ على بنائهِ في عَهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - باللّبنِ والجَريدِ، وأعادَ عَمدُهُ خَشَبًا، ثمَّ غَيَّرهُ عُثمانُ فزادَ فيهِ زيادةً [كبيرة] (^١٢)، وبنى جدرانه بالأحجارِ المنقوشةِ، والجصِّ، وجعلَ عَمَدهُ مِنْ حِجارةٍ منقوشةٍ، وسَقَفَهُ بالساجِ\". قالَ ابنُ بطالٍ (^١٣): وهذَا\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٣٧٣).\n(^٢) في (أ): \"طُلي به حائط\".\n(^٣) في (أ): \"وغيره\".\n(^٤) سورة النور: الآية ٣٦.\n(^٥) سورة النازعات: الآيتان ٢٧ - ٢٨.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٢٧.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"وهو\".\n(^٩) (١/ ٢٢٢).\n(^١٠) في (أ): \"يقي\".\n(^١١) في \"صحيحه\" (رقم ٤٤٦).\n(^١٢) في (أ): \"كثيرة\".\n(^١٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٥٤٠).","vol":"2","page":155},{"text":"يدلُّ على أن السنةَ في بنيانِ المساجدِ القصدُ وتركُ الغلوِّ في [تحسينها] (^١)؛ فقدْ كانَ عمرُ معَ كثرةِ الفتوحاتِ في أيامهِ، وكثرةِ المالِ عندَهُ لم يغيِّر المسجدَ عمَّا كانَ عليهِ، وإِنَّما احتاجَ إلى تجديدِهِ؛ لأنَّ جريدَ النخلِ كانَ قدْ نَخَرَ في أيامهِ، ثمَّ قالَ عندَ عمارتِهِ: \"أَكِنَّ الناسَ منَ المطرِ، وإياكَ أن تحمِّرَ أو تصفِّر، فتفتِنَ الناسَ\" (^٢)، ثمَّ كانَ عثمانَ والمالُ في زمنهِ أكثرُ فَحَسَّنَهُ بما لا يقتضِي الزخرفةَ، ومعَ ذلكَ أنكرَ بعضُ الصحابةِ عليهِ. وأولُ مَنْ زخرفَ المساجدَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ، [وذلك] (^٣) في أواخرِ عصرِ الصحابةِ، وسكتَ كثيرٌ منْ أهلِ العلمِ عنْ إنكارِ ذلكَ خوفًا من الفتنةِ.\n١٥/ ٢٥٠ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتي، حَتى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٦). [ضعيف]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ: عُرِضَتْ عَلَى أُجُورُ أُمَّتِي حَتى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ وَصَحَّحَه ابْنُ خزَيْمَةَ). القذاةُ بزنةِ حصاةٍ، هي مستعملةٌ في كلِّ شيءٍ يقعُ في البيتِ وغيرِه إذا كانَ يسيرًا، وهذا إخبارٌ بأنَّ ما يخرجهُ الرجلُ منَ المسجدِ وإنْ قلَّ وحَقُرَ\n_________\n(^١) في (أ): \"تحسينه\".\n(^٢) علقه البخاري (١/ ٥٣٩) وقال الحافظ: وهو طرف من قصة تجديد المسجد النبوي.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٤٦١).\n(^٥) في \"السنن\" (٥/ ١٧٨ رقم ٢٩١٦).\nقال: الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلا من هذا الوجه.\nقال: وذاكرتُ به محمدَ بن إسماعيل فلم يَعْرِفْهُ واسْتَغْرَبهُ.\nقال محمد - أي البخاري - ولا أعرِفُ للمُطَّلِب بن عبدِ اللَّهِ سماعًا مِنْ أحد من أصحاب النبي - ﷺ - إلا قَوَلَهُ: حدثني من شَهِدَ خُطبَة النبي ﷺ، قال: وسمِعْتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ الرحمن، يقولُ: لا نَعْرِفُ للمطلِب سماعًا مِنْ أحَدٍ من أصحابِ النبي ﷺ. قالَ عبدُ اللَّهِ: وأَنكرَ عليُّ بنُ المدينيِّ أن يكوَنَ المطلِبُ سَمِعَ من أنسٍ.\nقلت: وعلة الحديث الانقطاع.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٧١ رقم ١١٩٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٤٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٣٩١ رقم ٥٩٧٧).\nوهو حديث ضعيف.","vol":"2","page":156},{"text":"مأجورٌ فيهِ؛ لأنَّ فيهِ تنظيفُ بيتِ اللَّهِ، وإزالةُ ما يؤذي المؤمنينَ. ويفيدُ بمفهومهِ أن مِنَ الأوزارِ إدخالَ القذاةِ إلى المسجدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-371>تحية المسجد</span>\n١٦/ ٢٥١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ لله قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يصَلِّيَ رَكعَتَينِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسول اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسَ حَتَّى يصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الحديثُ. نَهَى عن جلوسِ الداخلِ إلى المسجدِ إلَّا بعدَ صلاتهِ ركعتينِ، وهُما تحيةُ المسجدِ. وظاهرهُ وجوبُ ذلكَ، وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ندبٌ واستدلُّوا بقولهِ - ﷺ - للذي رآهُ يتخطَّى: \"اجلسْ فقدْ آذيتَ\" (^٢)، ولم يأمرهُ بصلاتِهمَا، وبأنهُ قالَ - ﷺ - لمنْ علمهُ الأركانَ الخمسةَ فقالَ: لا أزيدُ عليْها: \"أفلحَ إنْ صدقَ\" (^٣). والأولُ مردودٌ بأنهُ لا دليلَ على أنهُ لم يصلِّهِمَا؛ فإنهُ يجوزُ أنهُ صلَّاهُما في طرفِ المسجدِ، ثمَّ جاءَ يتخطَّى الرقابَ. والثاني بأنهُ قدْ وجبَ غيرُ ما ذُكِرَ كصلاةِ الجنائزِ ونحوِها، ولا مانعَ مِنْ أنهُ وجبَ بعدَ قولِهِ: (لا أزيدُ) واجباتٌ وأعلمَهُ - ﷺ - بهَا.\nثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنهُ يصليهمَا في أيِّ وقتٍ شاءَ ووقتِ الكراهةِ، وفيهِ خلافٌ، وقرَّرناهُ في حواشي شرحِ العمدةِ (^٤) أنهُ لا يصليْهِمَا مَنْ دخلَ المسجدَ،\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٤٤٤)، ومسلم (رقم ٦٩، ٧٠/ ٧١٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١/ ٣١٨ رقم ٤٦٧)، والترمذي (٢/ ١٢٩ رقم ٣١٦)، والنسائي (٢/ ٥٣)، وابن ماجه (رقم ١٠١٣)، وأحمد (٥/ ٢٩٥)، والبيهقي (٣/ ٥٣ و١٩٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٦٨).\n(^٢) أخرجه أبو داود (رقم ١١١٨)، والنسائي (٣/ ١٠٣ رقم ١٣٩٩)، وأورده البغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٢٦٨). كلهم من حديث عبد الله بن بُسْرٍ: بإسناد حسن. وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٧١): وضعَّفه ابن حزم بما لا يقدح.\nقلت: وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٣) أخرجه البخاري (رقم ٤٦ - البغا)، ومسلم (رقم ٨/ ١١)، وأبو داود (رقم ٣٩١)، والنسائي (رقم ٤٥٨)، والبيهقي (٢/ ٤٦٦)، وأحمد (١/ ١٦٢)، ومالك (١/ ١٧٥ رقم ٩٤)، كلهم من حديث طلحة بن عبيد الله.\n(^٤) (٣/ ١٢٥ - ١٢٧).","vol":"2","page":157},{"text":"أي: أوقاتِ الكراهةِ، وقرَّرْنَا أيضًا أن وجوبَهما هوَ الظاهرُ لكثرةِ الأوامرِ الواردةِ [به] (^١)، وظاهر أنهُ إذا جلسَ ولمْ يصلِّهِمَا لا يشرعُ لهُ أنْ يقومَ فيصلّيهِمَا. وقالَ جماعةٌ: يشرعُ لهُ التداركُ لما رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (^٢) منَ حديثِ أبي ذرّ أنهُ دخلَ المسجدَ فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: \"ركعتَ ركعتينِ؟ قالَ: لا، قالَ: قمْ فاركعْهُما\". وترجمَ عليهِ ابنُ حبانَ تحيةَ المسجدِ لا تفوتُ بالجلوسِ، وكذلكَ ما يأتي منْ قصةِ سُلَيْكٍ الغطفانيِّ (^٣). وقولُهُ (ركعتينِ) لا مفهومَ لهُ في جانبِ الزيادةِ، بلْ في جانبِ القلةِ، فلا تتأدَّى سنةُ التحيةِ بركعةٍ واحدةٍ. قالَ في الشرحِ: وقدْ أخرجَ منْ عمومِ المسجدِ المسجدَ الحرامِ فتحيتُهُ الطوافُ، وذلكَ لأنَّ النبيَّ ﷺ بدأَ فيهِ بالطوافِ. قلتُ: هكذَا ذكرهُ ابنُ القيمِ في الهدي (^٤). وقدْ يقالُ: إنهُ لم يجلسْ فلا تحيةَ للمسجدِ الحرامِ؛ إذ التحيةُ إنَّما تُشرعُ لمِنْ جلسَ، والداخلُ المسجدِ الحرامِ يبدأُ بالطوافِ، ثمَّ يصلِّي صلاةَ المقامِ؛ فلا يجلسُ إلَّا وقدْ صلَّى، نعمْ لوْ دخلَ المسجدَ الحرامَ وأرادَ القعودَ قبلَ الطوافِ فإنهُ يشرعُ لهُ [صلاةُ] (^٥) التحيةِ [كغيرهِ] (^٦) منَ المساجدِ، وكذلكَ قدِ استثْنَوا صلاةَ العيدِ؛ لأنهُ - ﷺ - لم يصلِّ قبلها ولا بعدَها، ويجابُ عنهُ بأنهُ - ﷺ - ما جلسَ حتَّى يتحققَ في حقِّهِ أنهُ تركَ التحيةَ، بلْ وصلَ إلى الجبَّانةِ أوْ إلى المسجدِ، فإنهُ صلَّى العيدَ في مسجدهِ مرةً واحدةً ولم يقعدْ بلْ وصلَ إلى المسجدِ ودخلَ في صلاةِ العيدِ، وأمَّا الجبَّانةُ فلا تحيةَ لها؛ إذْ ليستْ بمسجدٍ إِذًا، وأما إذا اشتغلَ الداخلُ بالصلاةِ كأنْ يدخلَ وقدْ أقيمتِ الفريضةُ، فيدخلُ فيها فإنَّها تجزئُهُ عنْ ركعتي التحيةِ، بلْ هوَ منهيٌّ عنْهَا بحديث: \"إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّا المكتوبةَ\" (^٧).\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"الإحسان\" (١/ ٢٨٧ رقم ٣٦٢) وإسناده ضعيف.\n(^٣) رقم الحديث (١٢/ ٤٢٥).\n(^٤) (٢/ ١٢٨).\n(^٥) في (ب): \"ركعتي\".\n(^٦) في (ب): \"كسائر\".\n(^٧) أخرجه أحمد (٢/ ٥١٧)، ومسلم (رقم ٦٣/ ٧١٠)، وأبو داود (رقم ١٢٦٦)، والترمذي (٢/ ٢٨٢ رقم ٤٢١)، والنسائي (٢/ ١١٦ - ١١٧)، وابن ماجَهْ (رقم ١١٥١) من حديث أبي هريرة.\nقلت: وفي الباب، عن ابن عمر، وجابر، وأنس.\nانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصلاة.","vol":"2","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-372>[الباب السابع] بابٌ صفةِ الصلاةِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-373>حديث المسيء لصلاته وتعليم النبي ﷺ له</span>\n١/ ٢٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَطمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطمئِن سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذلِكَ في صَلَاِتكَ كلِّهَا\"، أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٢)، وَلابنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ (^٣): \"حَتَّى تَطمئِنَّ قَائِمًا\". [صحيح]\n(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ) مخاطبًا للمسيءِ في صلاتِه، وهوَ خلادُ بنُ رافعٍ: (إذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضوءَ). تقدمَ أن [إسباغَ الوضوءِ] (^٤) إتمامُهُ، (ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فكبِّرْ) تكبيرةَ الإحرامِ، (ثُمَّ اقرَأْ مَا تَيَسّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ). فيهِ أنهُ لا يجبُ دعاءُ الاستفتاحِ؛ إذْ لو وجبَ لأمرهُ بهِ، وظاهرُهُ أنهُ\n_________\n(^١) وهم: أحمد (٢/ ٤٣٧)، والبخاري (رقم ٧٩٣)، ومسلم (رقم ٤٥/ ٣٩٧)، وأبو داود (رقم ٨٥٦)، والترمذي (٢/ ١٠٣ رقم ٣٠٣)، والنسائي (٢/ ١٢٤ رقم ٨٨٤)، وابن ماجه (رقم ١٠٦٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥، ٣٧، ٦٢، ٣٧٢)، وأبو عوانة ٢١/ ١٠٣ - ١٠٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٣ رقم ٥٥٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٤٩ رقم ٦٦٦٧).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٣٦ رقم ١٠٦٥) وقد تقدم.\n(^٤) في (أ): \"إسباغه\".","vol":"2","page":159},{"text":"يجزئُه منَ القرآنِ غيرُ الفاتحةِ ويأتي تحقيقُهُ. (ثُمَّ ارْكَعْ حَتى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا) فيهِ إيجابُ [الرجوعِ] (^١)، والاطمئنانِ فيهِ (ثُمَّ ارْفَعْ) منَ الركوعِ (حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا) منَ الركوعِ، (ثُمَّ اسْجُدْ حَتى تَطْمَئِنَّ ساجدًا) فيهِ أيضًا [وجوبُ] (^٢) السجودِ، ووجوبُ الاطمئنانِ فيهِ. (ثُمَّ ارْفَعْ) منَ السجودِ (حَتى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا) بعدَ السجدة الأُوْلَى (ثُمَّ اسْجُدْ) الثانيةَ (حَتى تَطْمئنَّ سَاجِدًا) كالأُولى؛ فهذهِ صفةُ ركعةٍ منْ ركعاتِ الصلاةِ قيامًا، وتلاوة، ورُكُوعًا، واعتدالًا منهُ، وسجودًا، وطمأنينة، وجلوسًا بينَ السجدتينِ، ثمَّ سجدةً باطمئنانٍ كالأُولى؛ فهذهِ صفةُ ركعةٍ كاملةٍ، (ثُمَّ افْعَلْ ذلِكُ) أي جميعَ ما ذُكِرَ منَ الأقوال والأفعالِ إلَّا تكبيرةَ الإحرامِ؛ فإنَّها مخصوصةٌ بالركعةِ الأُولَى لما عُلمَ شَرعًا منْ عدمِ تكرارِها، (في صَلَاتِكَ) في ركعاتِ صلاتِكَ (كُلِّهَا. أَخْرَجهُ السَّبْعَةُ) بألفاظٍ متقاربةٍ، (وَ) هذا (اللَّفْظُ) الذي ساقهُ [المصنفُ] (^٣) هُنَا (لِلبُخَارِيِّ) وحدَهُ، (وَلاِبْنِ مَاجَهْ) أي منْ حديثِ أبي هريرةَ (بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ)، أي باسنادٍ رجالُهُ رجالُ مسلم، (حتَّى تطمئنَّ قائمًا) عِوَضًا عنْ قولِهِ في لفظِ البخاريِّ: حتَّى تعتدلَ؛ فدلَّ على إيجابِ الاطمئنانِ عندَ الاعتدالِ منَ الركوعِ، (ومثلُهُ) أي مثلُ ما أخرجهُ ابنُ ماجهْ ما في قولِهِ:\n٢/ ٢٥٣ - وَمِثْلُهُ في حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع (^٤) عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ: \"حَتى تَطمَئِنَّ قَائِمًا\". [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"الركوع\".\n(^٢) في (أ): \"إيجاب\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) وهو حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (٤/ ٣٤٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٨ رقم ١٧٨٤)، والنسائي (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦) و(٢/ ٢٠ رقم ٦٦٧) و(٢/ ١٩٣ رقم ١٠٥٣)، وأبو داود (رقم ٨٥٨) و(رقم ٨٥٩) و(رقم ٨٥٧) و(رقم ٨٦٠ و٨٦١)، والترمذي (٢/ ١٠٠ رقم ٣٠٢)، وابن ماجه (رقم ٤٦٠)، والدارمي (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ١٩٦ رقم ١٣٧٢)، وابن خزيمة (١/ ٢٧٤ رقم ٥٤٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٣٢)، وفي \"مشكل الآثار\" (٤/ ٣٨٦)، والبيهقي (٢/ ١٠٢، ١٣٣ - ١٣٤، ٣٤٥، ٣٧٢ - ٣٧٣ - ٣٨٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٦ رقم ٥٥٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ١٩٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٣٥ رقم ٤٥٢٠) و(٥/ ٣٦ رقم ٤٥٢١) و(٥/ ٣٧ رقم ٤٥٢٢ و٤٥٢٣ و٤٥٢٤ و٤٥٢٥) =","vol":"2","page":160},{"text":"- ولأَحْمَدَ: \"فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتى تَرْجِعَ الْعِظَامُ\".\n- وَللنَّسَائِي وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَديث رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع: \"إِنَّهَا لَا تُتِمُّ صَلاةُ أَحَدِكُمْ حَتى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى، ثُمَّ يُكَبِّرَ اللهُ تَعَالَى وَيَحْمَدَهُ وَيُثْني عَلَيهِ\"، وَفِيهَا: \"فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرآن فَأقَرَأَ، وَإِلَّا فَاحْمَدِ الله وَكبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ\".\n- وَلأَبي دَاوُدَ: \"ثُمَّ اقْرَأ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللهُ\".\n- وَلاِبْنِ حِبَّانَ: \"ثُمَّ بِمَا شِئْتَ\".\n(في حَدِيثِ رِفَاعَةَ) (^١) بكسرِ الراءِ، هوَ ابنُ رافعٍ، صحابي أنصاريٌّ، شهدَ بدرًا وأُحُدًا وسائرَ المشاهدِ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وشهدَ معَ علي ﵇ الجملَ وصفينَ، وتُوُفيَ أولَ إمارةِ معاويةَ. (عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ) فإنهُ عندَهما بلفظِ: (حَتى تَطْمَئِنَّ قَائِمًا، وفي لفظٍ لأحمدَ: فَأَقِمْ صُلْبَكَ حَتي تَرْجِعَ العِظَامُ)، أي التي انخفضتْ حالَ الركوعِ ترجعُ إلى ما كانتْ عليهِ حالَ القيامِ للقراءةِ؛ وذلكَ بكمالِ الاعتدالِ.\n(وللنسائيِّ وأبي داودَ منْ حديثِ رفاعةَ بن رافعٍ) أي مرفوعًا (إنَّهَا لَا تُتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتى يُسْبغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ) في آيةِ المائدةِ (^٢)، (ثُمَّ يُكَبِّرَ اللَّهُ) تكبيرةَ الإحرامِ، (وَيَحْمَدَهُ) بقراءةِ الفاتحةِ إلَّا أن قولُهُ: ([فإنْ] (^٣) كانَ معكَ قرآن) يشعرُ\n_________\n=و(٥/ ٣٨ رقم ٤٥٢٦) و(٥/ ٣٩ رقم ٤٥٢٧ و٤٥٢٨) و(٥/ ٤٠ رقم ٤٥٢٩)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٣٧٠ رقم ٣٧٣٩) من طرق، ورواه بعضهم مطولًا، وبعضهم مختصرًا.\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، بعد أن أقام همام بن يحيى إسناده، فإنه حافظ ثقة، وكل من أفسد قوله!! فالقولَ قول همام، ولم يخرجاه بهذه السياقة\" اهـ. ووافقه الذهبي.\nقلت: قد وهما في ذلك، فمن علي بن يحيى بن خلّاد، وأباه لم يخرج لهما مسلم شيئًا. والخلاصة: أن الحديث صحيح.\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٣/ ٢٨١ رقم ١٩٥١)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ١٧٨ - ١٧٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٤٣ رقم ٥٣٠).\n(^٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].\n(^٣) في (أ): \"إن\".","vol":"2","page":161},{"text":"بأنَّ المرادَ بقولَهِ يحمدُه غيرُ القراءةِ، وهوَ دعاءُ الافتتاحِ، فيؤخذُ منهُ وجوبُ مطلقِ الحمدِ والثناءِ بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ. ويأتي الكلامُ في ذلك، (وَيُثْنِي عَلَيْهِ) بهَا.\n(وفيْها) أي في روايةِ النسائيِّ وأبي داودَ عن رِفاعةَ: (فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقَرَأْ وَإِلَّا) أي وإنْ لمْ يكنْ معكَ قرآنٌ (فَاحْمَدِ اللَّهَ)، أيْ ألفاظِ الحمدُ للَّهِ، والأظهرُ أنْ يقولَ: الحمدُ لله، (وَكَبِّرْهُ) بلفظِ: اللَّهُ أكبرُ، (وَهَلِّلْهُ) بقولِ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؛ فدلَّ [على] (^١) أن هذهِ عوض [القراءة] (^٢) لِمَنْ ليسَ لهُ قرآنٌ يحفظهُ. (وَلأَبي دَاوُدَ [أي] (^٣) منْ روايةِ رفاعةَ: ثمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ، وَلاِبْنِ حِبَّانَ: ثمَّ بِمَا شِئْتَ).\nهذا حديثٌ جليلٌ يعرفُ بحديثِ المسيءِ صلاتُهُ، وقد اشتملَ على تعليم ما يجبُ في الصلاة وما لا تتمُّ إلا به، فدلَّ على وجوب الوضوءِ لكلِّ قائم إلى الصلاةِ وهوَ كما دلتْ عليهِ الآيةُ: ﴿إِذَا قُمتُمْ إِلَى الْصَّلَاة﴾ (^٤)، والمرادُ لمنْ كانَ محدِثًا كما عُرِفَ مِنْ غيرِهِ. وقدْ فصَّلَ ما أجملتْهُ رواية البخاري روايةُ النسائيِّ بلفظِ: \"حتَّى يسبغَ الوضوءَ كما أمرهُ اللَّهُ فيغسلُ وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ، ويمسحُ برأسِهِ ورجليْهِ إلى الكعبينِ\". وهذا التفصيلُ دلَّ على عدمِ وجوبِ المضمضة والاستنشاقِ، ويكونُ هذا قرينة على حملِ الأمرِ بهمَا حيثُ وردَ علىَ الندبِ، ودلَّ على [وجوب] (^٥) استقبالِ القبلةِ قبلَ تكبيرةِ الإحرامِ. وقدْ تقدمَ وجوبُهُ وبيانُ عفوِ الاستقبالِ للمتنفلِ الراكبِ، ودلَّ على وجوبِ تكبيرةِ الإحرام، وعلى تعيينِ [ألفاظِها] (^٦) روايةُ الطبرانيِّ لحديثِ رفاعةَ بلفظِ: \"ثمَّ يقولُ اللهُ أكبرُ\"، وروايةُ ابن ماجَهْ (^٧) التي صحَّحها ابنُ خزيمةَ (^٨)، وابنُ حبانَ (^٩) منْ حديثِ أبي حُمَيْدٍ مِنْ فعلِهِ - ﷺ -: \"إذا قامَ إلى الصلاةِ اعتدلَ قائمًا، ورفع يديه، ثمَّ قالَ اللَّهُ أكبرُ\"، ومثلُهُ أخرجهُ البزارُ (^١٠) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ بإسنادٍ صحيح على شرطِ مسلمٍ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ إذا قامَ إلى الصلاةِ قالَ: اللَّهُ أكبرُ\"، فهذَا يبينُ أن المرادَ مِنْ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"عن القرآن\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) في (ب): \"إيجاب\".\n(^٦) في (أ): \"لفظها\".\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٢٨٠ رقم ٨٦٢).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١/ ٢٩٧ رقم ٥٨٧).\n(^٩) في \"الإحسان\" (٣/ ١٦٩ رقم ١٨٦٢).\n(^١٠) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢١٧).","vol":"2","page":162},{"text":"تكبيرةِ الإحرامِ هذا اللفظُ. ودلَّ على وجوبِ قراءةِ القرآنِ في الصلاةِ سواء كانَ الفاتحةُ أو غيرُها لقولهِ: \"ما تيسَّرَ مَعكَ منَ القرآنِ\"، وقولُهُ: \"فإنْ كانَ معكَ قرآنٌ\"، ولكنَّ روايةَ أبي داودَ بلفظِ: \"فاقرأ بأم الكتابِ\"، وعندَ أحمد وابنِ حبانَ: \"ثمَّ أقرأ بأمِّ القرآنِ، ثمَّ اقرأ بما شئتَ\". وترجمَ لهُ ابنُ حبانَ (^١) (بابُ فرضِ المصلِّي فاتحةَ الكتابِ في كلّ ركعةٍ) فمعَ تصريحِ الروايةِ بأمِّ القرآنِ يُحْمَلُ قولُه: ما تيسرَ معكَ على الفاتحةِ؛ لأنَّها كانتْ المتيسرة لحفظِ المسلمينَ لها أو يحملُ أنهُ - ﷺ - عرفَ منْ حالِ المخاطبِ أنهُ لا يحفظُ الفاتحةَ، ومنْ كانَ كذلكَ وهوَ يحفظُ غيرَها فلهُ أن يقرأَهُ، أو أنهُ منسوخٌ بحديثِ تعيينِ الفاتحةِ، أوْ أن المرادَ ما تيسرَ فيما زادَ على الفاتحةِ. ويؤيدُهُ روايةُ أحمدَ وابنِ حبانَ؛ فإنَّها عيَّنتِ الفاتحةَ وجعلتْ ما تيسَّرَ لما عدَاها، فيحتملُ أن الراوي حيثُ قالَ ما تيسرَ ولمْ يذكرِ الفاتحةَ ذهلَ عنْها، ودلَّ على إيجابِ غيرِ الفاتحةِ معها لقولهِ بأمّ الكتابِ وبما شاءَ اللَّهُ أو شئتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-374>ما يدل عليه حديث المسيء صلاته</span>\nودلَّ على أن مَنْ [لمْ] (^٢) يحفظِ القرآنَ يجزئُه الحمدُ والتكبيرُ والتهليلُ، وأنهُ لا يتعينُ عليهِ منهُ قدرٌ مخصوصٌ، ولا لفظٌ مخصوصٌ. وقدْ وردَ تعيينُ الألفاظِ بأنْ يقولَ: سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ. ودلَّ على وجوبِ الركوعِ ووجوبِ الاطمئنانِ فيهِ. وفي لفظٍ لأحمدَ (^٣) بيانُ كيفيتِهِ فقالَ: \"فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيْكَ على ركبتيْكَ، وامددْ ظهرَكَ، ومكِّنْ ركوعَك\"، وفي روايةٍ (^٤): \"ثمَّ [تكبرُ وتركعُ حتى تطمئنَّ مفاصلَك وتسترخي\"] (^٥). ودلَّ على وجوبِ الرفعِ منَ الركوعِ، وعلى وجوبِ الانتِصابِ قائمًا، وعلى وجوبِ الاطمئنانِ [قائمًا] (^٦) لقولهِ: \" [حتى\n_________\n(^١) في \"الإحسان\" (٣/ ١٣٨).\n(^٢) في (أ): \"لا\".\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٣٤٠).\n(^٤) أخرجها النَّسَائِي (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦).\n(^٥) في (أ): \"يكبر ويركع حتى تطمئن مفاصله ويسترخي\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"2","page":163},{"text":"تطمئنَّ] (^١) قائمًا\". وقدْ قالَ المصنفُ (^٢): إنَّها بإسنادِ مسلمٍ وقدْ أخرجَها السراجُ أيضًا بإسنادٍ على شرطِ البخاريِّ، فهيَ على شرطِ الشيخينِ. ودلَّ على وجوبِ السجودِ والطمأنينةِ فيهِ. وقدْ فصَّلتْها روايةُ النسائيِّ (^٣) عنْ إسحاقَ بن أبي طلحة بلفظِ: \"ثمَّ يكبرَ ويسجدُ حتى يُمَكِّنَ وجهَهُ وجبَهتُه حتَّى تطمئنَّ مفاصلُه وتسترخي\". ودلَّ على وجوبِ القعودِ بينَ السجدتينِ، وفي روايةِ النسائيّ (^٤): \"ثمَّ يكبرُ فيرفعُ رأسَهُ حتَّى يستويَ قاعدًا على مقعدتِهِ ويقيمَ صلبَهُ\"، وفي روايةٍ (^٥): \"فإذا رفعتَ رأسَكَ فاجلِسْ على فخذِكَ اليسرَى\"؛ فدلَّ على أن هيئةَ القعودِ بينَ السجدتينِ بافتراشِ اليُسرى.\nودلَّ على أنهُ يجبُ أنْ يفعلَ كلَّ ما ذكرَ في بقيةِ ركعاتِ صلاتهِ إلا تكبيرةَ الإحرامِ؛ فإنهُ معلومٌ أن وجوبَها خاصٌّ بالدخولِ في الصلاةِ أولَ ركعةٍ، ودلَّ على إيجابِ القراءةِ في كلِّ ركعةٍ وعلى ما عرفتَ منْ تفسيرِ ما تيسرَ بالفاتحةِ فتجبُ الفاتحةُ في كلّ ركعةٍ، وتجبُ قراءةُ ما شاء معهَا في كلّ ركعةٍ. ويأتي الكلامُ على إيجابِ ما عدَا الفاتحةِ في الآخرتينِ، والثالثةِ منَ المغربِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-375>كل ما ذكر في حديث المسيء فهو واجب</span>\n(واعلمْ) أن هذَا حديثٌ جليلٌ تكررَ منَ العلماءِ الاستدلالُ بهِ على وجوبِ كلِّ ما ذُكِرَ فيهِ، وعدمُ وجوب كلِّ ما لا يذكرُ فيهِ. أمَّا الاستدلالُ على أن كلَّ ما ذُكِرَ فيهِ واجبٌ فلأنهُ ساقهُ - ﷺ - بلفظِ الأمرِ بعدَ قولِهِ: \"لنْ تتمَّ الصلاةُ\" إلَّا بما ذكرَ فيهِ، وأمَّا الاستدلالُ بأنَّ كلَّ ما لمْ يُذْكَرْ فيهِ لا يجبُ فلأنَّ المقامَ مقامُ تعليمِ الواجباتِ في الصلاةِ، فلوْ تركَ ذكرَ بعضَ ما يجبُ لكانَ فيهِ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ، وهوَ لا يجوزُ بالإجماعِ؛ فإذا حصرتْ ألفاظُ هذَا الحديثِ الصحيحِ أُخِذَ منْها بالزائدِ، ثمَّ إنْ عارضَ الوجوبَ الدالَّ عليهِ ألفاظُ هذَا الحديثِ أوْ عدمُ الوجوبِ دليلٌ أقْوَى منهُ عملَ بهِ، وإنْ جاءتْ صيغةُ أمرٍ بشيءٍ لمْ يذكرُ في هذا\n_________\n(^١) في (أ): \"ويطمئن\".\n(^٢) أي ابن حجر. قلت: وفي كلامه نظر.\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ١١٣٦).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ١١٣٦).\n(^٥) أخرجها ابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ١٣٨ رقم ١٧٨٤).","vol":"2","page":164},{"text":"الحديثِ [احتملَ] (^١) أنْ يكونَ هذا الحديثُ قرينةً على حملِ الصيغةِ على الندبِ، واحتملَ البقاءَ على الظاهرِ فيحتاجُ إلى مرجِّع للعملِ بهِ. ومنَ الواجباتِ المتفَقِ [عليها] (^٢) ولمْ تُذْكَرْ في هذا الحديثِ النيةُ. قلتُ: كَذَا في الشرحِ.\nولقائلٍ أنْ يقول: قولُهُ إذا قمتَ إلى الصلاةِ دال على إيجابِها، إذْ ليسَ النيةُ إلَّا القصدُ إلى فعلِ الشيءِ. وقولُهُ: فتوضأ أي قاصدًا لهُ ثمَّ قال: والقعودُ الأخيرُ أي منَ الواجبِ المتفقِ عليهِ ولم يذكرُه في الحديثِ، ثمَّ قال: ومنَ المختلَفِ فيهِ التشهدُ الأخيرُ، والصلاةُ على النبي ﷺ فيهِ، والسلامُ في آخرِ الصلاةِ.\n٣/ ٢٥٤ - وَعَنْ أَبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ؛ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِع رِجْلَيْهِ الْقبْلَةَ، وَإِذَا جَلَسَ في الرّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنى، وَإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ونَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أبِي حُمَيْدٍ) (^٤) بصيغةِ التصغيرِ (السّاعِدِيِّ)، هوَ أبو حميدِ ابن عبدِ الرحمنِ بن سعد الأنصاريِّ الخزرجيِّ الساعديِّ، منسوبٌ إلى ساعدةَ وهوَ أبو الخزرجِ، المدنيُّ، غلبَ عليهِ كنيتُهُ، ماتَ [في أواخر] (^٥) ولايةِ معاويةَ.\n(قَالَ: رَأَيْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ) أي للإحرامِ (جَعَلَ يَدَيْهِ) أي كفيهِ (حَذْوَ)\n_________\n(^١) في (أ): \"حمل\".\n(^٢) في (ب): \"عليه\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٨٢٨)، وفرقه البخاري في مواضع من \"صحيحه\" معلَّقًا مجزومًا به. قلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٧٣٠ و٧٣١ و٧٣٢ و٧٣٣ و٧٣٤ و٧٣٥)، والترمذي (٢/ ٤٥ رقم ٢٦٠) و(٢/ ١٠٥ رقم ٣٠٤) و(٢/ ١٠٧ رقم ٣٠٥)، وابن ماجه (رقم ٨٦٢ و٨٦٣)، والنسائي مختصرًا (١/ ١٨٧)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٢٤).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (١١/ ٨٩ رقم ٣٠٣)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ١٩٩ رقم ٢٩٢١)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٨٥ رقم ٣٣٩).\n(^٥) في (ب): \"آخر\".","vol":"2","page":165},{"text":"بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ (مَنْكِبَيْهِ)، وهذا هوَ رفعٌ [لليدين] (^١) عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، (وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ). تقدمَ بيانهُ في روايةِ أحمدَ (^٢) لحديث المسيءِ صلاتُه: \"فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتيْكَ على ركبتيْكَ، وامددْ ظهرَكَ، ومكِّنْ ركوعَك\"، (ثُمَّ هَصَرَ) بفتحِ الهاءِ فصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فراءٍ (ظَهْرَهُ)، قال الخطابيُّ (^٣): أي ثناهُ في استواءٍ مِنْ غيرِ تقويسٍ، وفي روايةٍ للبخاريِّ: (ثمَّ حَنَى) بالحاءِ المهملةِ والنونِ، وهوَ بمعناهِ، وفي روايةٍ: \"غيرَ مقنعٍ رأسَهُ ولا مصوِّبهُ\"، وفي روايةٍ: \"وفرَّجَ بينَ أصابعهِ\"، (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي منَ الركوعِ (اسْتَوَى) زادَ أبو داودَ: \"فقالَ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ اللهمَّ ربَّنَا لكَ الحمدُ ورفعَ يديهِ\"، وفي روايةٍ لعبدِ الحميدِ زيادةٌ: \"حتَّى يحاذِيَ بهمَا منكبيهِ مُعْتَدِلًا\"، (حَتى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ) بفتحِ الفاءِ والقافِ آخرَهُ راءٌ، جمعُ فقارةٍ؛ وهي عظامُ الظهرِ. وفيْها روايةٌ بتقديمِ القافِ على الفاءِ (مَكَانَة)؛ وهي التي عبَّرَ عنْها في حديثِ رِفَاعَةَ (^٤) بقولَهِ: \"حتَّى تَرجعَ العِظَامُ\"، (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ) أي لهما، وعندَ ابن حبانَ: \"غيرَ مفترشٍ ذراعيْهِ\" (وَلَا قَابِضِهِمَا)، بأنْ يضمَّهُمَا إليهِ (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ)، ويأتي بيانُهُ في شرحِ حديثِ (^٥): \"أُمِرْتُ أنْ أسجدَ على سبعةِ أعظُمٍ\"، (وَإِذَا جَلَسَ في الرَّكْعَتَيْنِ) جلوسَ التشهدِ الأوسطِ (جلس على رجلهِ اليُسرى، نصبَ اليمنى، وإذا جلس في الركعةِ الأخيرةِ) للتشهدِ الأخيرِ (قدمَ رجلَهُ اليسرى ونَصَب [اليمنى] (^٦)، وقعدَ على مَقْعَدَتِهِ. أخرجهُ البخاريُّ) حديثُ أبي حميدٍ هذَا رُوِيَ عنهُ قولًا، وَرُوِيَ عنهُ فعلًا واصفًا فيهمَا صلاتَهُ - ﷺ -، وفيه بِيانُ صلاتِهِ - ﷺ -، وأنهُ كانَ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ يرفعُ يديهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ، ففيهِ دليلٌ عَلَى أَنَّ ذلكَ منْ أفعالِ الصلاةِ، وأنَّ رفعَ اليدينِ مقارِنٌ للتكبيرِ، وهوَ الذي دلَّ عليهِ حديثُ وائلِ بن حجرٍ عندَ أبي داودَ (^٧): وقدْ وردَ تقديمُ الرفعِ على التكبيرِ\n_________\n(^١) في (ب): \"اليدين\".\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٣٤٠) كما تقدَّم قريبًا.\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣٠٨). والذي في \"معالم السنن\" (الخطابي (١/ ٣٥٧ - مع المختصر): \"هصر ظهره: معناه ثنى ظهره وخفضه، وأصل الهصر: أن يأخذ بطرف الشيء ثم يجذبه إليه، كالغصن من الشجرة، ونحوه، فينهصر، أي ينكسر من غير بينونة\" اهـ.\n(^٤) تقدم رقم (٢/ ٢٥٣).\n(^٥) رقم (٣١/ ٢٨٢).\n(^٦) في (ب): \"الأُخْرى\".\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٦٥ رقم ٧٢٦).","vol":"2","page":166},{"text":"وعكسُهُ، فوردَ بلفظِ: رَفَعَ يديْه ثمَّ كَبَّرَ، وبلفظِ: كبَّرَ ثمَّ رفعَ يديْهِ. وللعلماءِ قولانِ، (الأولُ): مقارنةُ الرفعِ للتكبيرِ، (والثاني): تقديمُ الرفع على التكبيرِ. ولمْ يقلْ أحدٌ بتقديم التكبيرِ على الرفع فهذهِ صفتُهُ. وفي المنهاجِ (^١) وشرحِهِ \"النجمُ الوهاجُ\": والأولُ رفعُهُ [وهو الأصحّ] (^٢) معَ ابتدائِهِ لمَا رَوَاهُ الشيخانِ (^٣) عن ابن عمرَ: \"أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يرفعُ يديْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ حينَ يكبِّرُ،\"؟ فيكونُ ابتدَاؤُهُ معَ ابتدائهِ، [ولا استصحابَ] (^٤) في انتهائهِ؛ فإنْ فرغَ منَ التكبيرِ قبلَ تمامِ الرفعِ أوْ بالعكسِ أتمَّ الآخرُ، فإنْ فرغَ منْهما حطَّ يديْهِ ولمْ يستدم الرفعَ. (والثاني): يرفعُ غيرَ مكبِّرٍ ثمَّ يكبِّرُ - ويداه قارَّتانِ - فإذا فرغَ أرسلَهُمَا؛ لأنَّ أَبا داودَ رواهُ (^٥) كذلكَ بإسنادِ حسنٍ. وصححَ هذا البغداديُّ، واختارهُ الشيخُ النووي، ودليلُه في مسلم (^٦) منْ روايةِ ابن عمرَ.\n(والثالثُ) يرفعُ معَ ابتداءِ التكبيرِ، ويكونُ انتهاؤُه معَ انتهائِه، ويحطُّهُمَا بعدَ فراغِ التكبيرِ لا قبلَ فراغِهِ؛ لأنَّ الرفعَ للتكبيرِ فكانَ معهُ، وصحَّحهُ المصنفُ (^٧) ونسبهُ إلى الجمهورِ. انتهى بلفظهِ وفيهِ (^٨) تحقيقُ الأقوالِ وأدلتها. ودلَّتِ الأدلةُ أنهُ مِن العمل المخيَّرِ فيهِ، فلا يتعينُ شيءٌ [بعينه] (^٩).\nوأمَّا حكمهُ، فقالَ داودُ، والأوزاعيُّ، والحُمَيْدِيُّ شيخُ البخاريِّ، وجماعةٌ: إنهُ واجبٌ لثبوتِهِ مِنْ فعلِهِ - ﷺ -؛ فإنهُ قالَ المصنفُ (^١٠): إنهُ رَوَى رفعَ اليدينِ في\n_________\n(^١) وانظر: \"المغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج\" للشيخ محمد الخطيب الشربيني (١/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) البخاري (رقم ٧٣٥)، ومسلم (رقم ٣٩٠).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٧٥ رقم ١٦)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٧٢ رقم ٢١١)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ١٤٧)، والدارمي (١/ ٢٨٥)، وأبو داود (رقم ٧٢١)، والترمذي (٢/ ٣٥ رقم ٢٥٥)، وابن ماجه (رقم ٨٥٨)، وأبو عوانة (٢/ ٩٠)، والدارقطني (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ رقم ٢)، والبيهقي (٢/ ٢٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٥٧) وغيرهم من طرق عنه.\n(^٤) في (ب): \"استحباب\".\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٤٦٧ رقم ٧٣٠) من حديث أبي حميد الساعدي.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٩٢ رقم ٢٢/ ٣٩٠).\n(^٧) في \"الفتح\" (٢/ ٢١٨).\n(^٨) أي في \"الفتح\" (٢/ ٢١٨ - ٢٢٢).\n(^٩) في (ب): \"بحكمه\".\n(^١٠) في \"الفتح\" (٢/ ٢٢٠).","vol":"2","page":167},{"text":"أول الصلاةِ خمسونَ صحابيًا، منهمْ: العشرةُ المشهودُ لهم بالجنةِ (^١). وَرَوَى\n_________\n(^١) قلت: وهو كما قال، وسأورد ما وقع لي الآن منهم:\n١ - حديث أبي بكر الصديق ﵁: أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٣) وقال: رواته ثقات.\n٢ - حديث عمر بن الخطاب ﵁: أخرجه البيهقي (٢/ ٧٣ - ٧٤).\n٣ - حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -: أخرجه أحمد (١/ ٩٣)، والبخاري في \"قرَّة العينين برفع اليدين في الصلاة\" (رقم ١ و٩)، وأبو داود (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦ و٧٤٤)، والترمذي (٥/ ٤٨٧ رقم ٣٤٢٣)، وابن ماجه (١/ ٢٨٠ - ٢٨١ رقم ٨٦٤)، والدارقطني (١/ ٢٨٧ رقم ١)، والبيهقي (٢/ ٧٤) وهو حديث حسن.\n٤ - حديث ابن عمر ﵁: أخرجه البخاري (رقم ٧٣٥)، ومسلم (رقم ٣٩٠) وغيرهم وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n٥ - حديث مالك بن الحويرث - ﵁ - أخرجه البخاري (رقم ٧٣٧)، ومسلم (رقم ٣٩١)، وأبو داود (رقم ٧٤٥)، والنسائي (٢/ ١٢٣)، وابن ماجه (رقم ٨٥٩)، وأبو عوانة (٢/ ٩٤)، والدارقطني (١/ ٢٩٢)، والبيهقي (٢/ ٧١)، والدارمي (١/ ٢٨٥)، وأحمد (٣/ ٣٤٦)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ١٧٦ رقم ١٢٥٣).\n٦ - حديث أنس - ﵁ -: أخرجه البخاري في \"قرة العينين … \" رقم: (٨)، وابن ماجه (٨٦٦)، والدارقطني (١/ ٢٩٠ رقم ١١) وهو حديث حسن.\n٧ - حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري في \"قرة العينين … \" رقم: (٥٦)، وابن ماجه (رقم ٨٦٠)، وأبو داود (رقم ٧٣٨)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٢٤) وهو حديث حسن.\n٨ - حديث أبي موسى - ﵁ -: أخرجه الدارقطني (١/ ٢٩٢ رقم ١٦)، ورجاله ثقات.\n٩ - حديث عبد الله بن الزبير - ﵁ -: أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٣ رقم ٧٣٩)، وهو حديث صحيح.\n١٠ - حديث عبد الله بن عباس ﵄: أخرجه أحمد (١/ ٣٢٧) و(١/ ٤٧٤ رقم ٧٤٠)، وابن ماجه (١/ ٢٨١ رقم ٨٦٥)، وهو حديث صحيح.\n١١ - حديث عمر الليثي - ﵁ -: أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٨٠ رقم ٨٦١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ٤٨ - ٤٩ رقم ١٠٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥٨). ووهم ابن ماجه فسماه \"عمير بن حبيب\" وإنما هو \"عمير بن قتادة\".\n١٢ - حديث البراء بن عازب - ﵁ -: أخرجه البيهقي (٢/ ٧٧).\n١٣ - حديث وائل بن حجر - ﵁ -: أخرجه الطيالسي في \"المسند\" (ص ١٣٧ رقم ١٠٢٠)، وأحمد (٤/ ٣١٦ - ٣١٧)، والدارمي (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، والبخاري في \"قرة العينين … \" رقم (١٠)، ومسلم (١/ ٣٠١ رقم ٥٤/ ٤٠١)، وأبو داود (١/ ٤٦٥ رقم ٧٢٤ - ٧٢٦)، والنسائي (٢/ ١٢٣)، وابن ماجه رقم (٨٦٧)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٢٣)، والدارقطني (رقم ١٤)، والبيهقي (٢/ ٧١).=","vol":"2","page":168},{"text":"البيهقيُّ عن الحاكمِ قال: لا نعلم سنةٌ اتفقَ [على روايتَها] (^١) عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - الخلفاءُ الأربعةُ، ثمَّ العَشَرَةُ المشهودُ لهمْ بالجنةِ فَمَنْ بعدَهم منَ الصحابةِ معَ تفرُّقِهم في البلادِ الشاسعةِ غيرَ هذهِ السنةِ. قالَ البيهقيُّ: هوَ كما قالَ أستاذُنا أبو عبدِ اللَّهِ. قالَ الموجبونَ: قد ثبتَ الرفعُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ هذا الثبوتَ. وقدْ قالَ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^٢)، فَلِذَا قلْنَا بالوجوبِ. وقالَ غيرُهم: إنهُ سنةٌ منْ سننِ الصلاةِ، وعليهِ الجمهورُ، وزيدُ بنُ عليٍّ، والقاسمُ، والناصريُّ، والإمامُ يحيى. وبهِ قالتِ الأئمةُ الأربعةُ منْ أهلِ المذاهبِ، ولمْ يخَالفْ فيهِ ويقولُ إنهُ ليسَ سنةً إلا الهادي. وبهذَا تعرفُ أن مَنْ رَوَى عن الزيديةِ أنَّهم لا يقولونَ بهِ فقدْ عمَّمَ النقلَ بِلا علم هذَا، وأما إلى أي محلٍّ يكونُ الرفعُ فروايةُ أبي حُمَيْدٍ هذه (^٣) تفيدُ أنهُ إلى مقابلِ المنكبينِ، والمنكبُ مجمعُ رأسِ عظمِ الكتفِ والعضدِ، وبهِ أخذتِ الشافعيةُ. وقيلَ: إنهُ يرفعُ حتَّى يحاذيَ بهمَا فروعَ أذنيهِ لحديثِ وائل بن حجرٍ (^٤) بلفظه: \"حتَّى حاذَى أذنيْهِ\" وجُمِعَ بينَ الحديثينَ بأنَّ المرادَ أنهُ يحاذي بظهرِ كفيهِ المنكبينِ، وبأطرافٍ أناملِهِ الأذنينِ، كما تدلُّ لهُ روايةٌ [لوائل] (^٥) عندَ أبي داودَ (^٦) بلفظِ: \"حتَّى كانتْ حيالَ منكبيهِ، ويحاذي بإبهاميهِ أذنْيهِ\". وقولُهُ: (أمكنَ يديْهِ منْ ركبتيهِ) قدْ فسرَ هذَا الإمكانَ روايةُ أبي داودَ (^٧):\n_________\n=١٤ - حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٧٤ رقم ١٣٩) وسنده ضعيف؛ لأن فيه \"الخصيب بن جحدر\" كذاب.\n١٥ - حديث عقبة بن عامر - ﵁ -؛ أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٢٤٠ رقم ٦٦٨ - ٦٧٠) وسنده حسن.\nوانظر: كتاب \"قرة الحينن برفع اليدين في الصلاة\" للإمامِ البخاري. تحقيق: أحمد الشريف. راجعه: مقبل بن هادي الوادعي.\n(^١) في (أ): \"عليها الحفاظ رواها\".\n(^٢) أخرجه البخاري (رقم ٦٣١)، ومسلم (رقم ٢٤/ ٣٩١)، وأبو داود (رقم ٥٨٩)، والترمذي (١/ ٣٩٩ رقم ٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٧٧)، وا بن ماجه (رقم ٩٧٩). من حديث مالك بن الحويرث إلا أن مسلمًا عنده أصله.\n(^٣) رقم الحديث (٣/ ٢٥٤).\n(^٤) تقدم رقم (١٣).\n(^٥) في (أ): \"وائل\".\n(^٦) في \"السنن\": (١/ ٤٦٥ رقم ٧٢٤). وفيه \"حتى كانتا\".\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٧١ رقم ٧٣٤).","vol":"2","page":169},{"text":"\"كأنهُ قابضٌ عَليْهِمِا\"، وقولُهُ: (هصرَ ظهرَهُ) تقدمَ قولُ الخطابيِّ فيهِ، وتقدمَ في روايةِ: \"ثمَّ حَنَى\" بالحاءِ المهملةِ والنونِ، وهوَ بمعناهُ، وفي روايةِ: \"غيرَ مقنعٍ رأسَه ولا مصوِّبهُ\"، وفي روايةِ: \"وفرَّجَ بينَ أصابِعِه\"، [وقد سبقتْ] (^١).\nوقولُهُ: (حتَّى يعودَ كلَّ فَقارٍ) المرادُ منهُ كمالُ الاعتدالِ، وتفسِّرهُ روايةُ: \"ثمَّ يمكثُ قائمًا حتَّى يقعَ كلُّ عضو [موقعهُ] \" (^٢). وفي ذكرهِ كيفيةِ الجلوسينِ: الجلوسِ الأوسطِ والأخيرِ دليلٌ على تغايرِهِما، وأنهُ في الجلسةِ الأخيرةِ يتوركُ أي يفضي بورِكِه إلى الأرضِ وينصبُ رجلَه اليمنى. وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ سيأتي. وبهذا الحديثِ عملَ الشافعي ومَنْ تابَعَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-376>دعاء الاستفتاح عن علي بن أبي طالب</span>\n٤/ ٢٥٥ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: \"وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ - إِلى قَوْلِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَئي وَأَنا عَبْدُكَ - إِلَى آخِرِهِ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣)، وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (^٤): إِنَّ ذَلِكَ في صَلَاةِ اللَّيْلِ. [صحيح]\n(وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ - ﵁ - عَنْ رَسول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: وَجَّهْت وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ) أي قصدتُ بعبادتي، (إلى قَوْلِهِ مِنَ\n_________\n(^١) في (أ): \"وتقدم\".\n(^٢) في (ب): \"موضعَهُ\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٢٠١/ ٧٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٧٦٠)، والترمذي (٥/ ٤٨٥ رقم ٣٤٢١)، والنسائي (٢/ ١٢٩ رقم ٨٩٧)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ١٠٠ رقم ٧٢٩ - شاكر)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٣٣)، والبيهقي (٢/ ٣٢).\n(^٤) أي لمسلم.\nقلت: لم أجده عند مسلم ولا عند أصحاب السنن، والله أعلم.\nولكن قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٠): \"وورد فيه - يعني الدعاء بين التكبير والقراءة - أيضًا حديث: \"وجهت وجهي إلخ\"، وهو عند مسلم من حديث علي لكن قيده بصلاة الليل\" اهـ.\nوتعقبه ابن باز بقوله: \"هذا وهم من الشارح ﵀، وليس في رواية مسلم تقييد بصلاة الليل، فتنبَّه، والله أعلم\" اهـ.","vol":"2","page":170},{"text":"الْمُسْلِمِينَ)، وفيهِ روايتانِ أنْ يقول: [وأنا أول المسلمينَ بلفظِ الآيةِ، ورِواية] (^١): وأنَا مِنَ المسلمينَ، وإليها أشارَ المصنفُ (^٢).\n(اللَّهُمَّ أَنتَ الْمَلِكُ لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، إِلَى آخِرِهِ. رَوَاه مُسْلِمٌ)، تمامُهُ: \"ظَلَمْتُ نفسي، واعتَرَفْتُ بذنبي فَاغفِرْ لي ذنوبي جَمِيعًا؛ إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذنوبَ إلا أنتَ، واهدِني لأحسنِ الأخْلاقِ؛ لا يهدي لأحسَنِها إلا أنْتَ، وَاصْرِفْ عنِّي سيئَها لا يَصْرِفُ عني سَيّئهَا إلا أنْتَ، لبيكَ وسعَدْيكَ والخيرُ كلُّهُ في يديكَ، والشرُّ ليسَ إليكَ، أنا بكَ وإليكَ، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ\". وقولُهُ: (فطرَ السمواتِ والأرضَ) أي: ابتدأَ خلْقَهُما منْ غيرِ مثالٍ [سبق] (^٣)، وقولُهُ: (حنيفًا) أي مائلًا إلى الدينِ الحقِّ وهوَ الإسلامُ، وزيادةُ (وما أنا من المشركينَ) بيانٌ للحنيفِ، وأيضًا لمعناهُ. والنسكُ العبادةُ وكلُّ ما يتقربُ بهِ إلى اللَّهِ. وعطْفُهُ على الصلاةِ مِنْ عطفِ العامِ على الخاصِّ. وقولُهُ: (ومحيايَ ومماتي) أي: حياتي وموتي للَّهِ، أي: هوَ المالكُ لهما والمختصّ بِهَمَا. وقولُهُ: (ربِّ العالمينَ) الربُّ الملكُ، والعالمينَ جمعُ عَالَمٍ، مشتقٌّ منَ العلم وهو اسمٌ لجميعِ المخلوقاتِ كذا قيلَ. وفي القاموسِ (^٤): العالَمِ الخَلْقُ كُلُّهُ، أَو مَا حَواهُ بَطْنُ الفَلَكِ، ولا يُجْمَعُ فاعل بالواوِ والنونِ غَيْرُهُ، وغَيْرُ ياسَمٍ (^٥).\nوقولُهُ: (لا شريكَ له) [تأكيد] (^٦) لقولهِ ربّ العالمينَ المفهومِ منهُ الاختصاصُ، وقولُهُ: (اللَّهمَّ أنتَ الملكُ) أي: مالكُ لجميعِ المخلوقاتِ. وفي قوله: (ظلمتُ نفسي)، اعترافٌ بظلمِ نفسِهِ، قدَّمَهُ على سؤالِ المغفرةِ. ومعنَى (لبيكَ) أقيمُ على طاعتِكَ وامتثالِ أمرِكَ إقامةً متكررةً، (وسعديْكَ) أي: أُسْعِدُ أمَرَكَ وأتبعُهُ إسعادًا متكررًا. ومعنَى: (الخيرُ كلُّهُ في يديكَ) الإقرارُ بانَّ كلَّ خيرٍ واصلٍ إلى العبادِ ومرجوٍّ وصولُهُ فهوَ في يديهِ تَعَالَى. ومعنى (والشرُّ ليسَ إليكَ) أي ليسَ مما يَتَقَرَّبُ إليكَ بهِ، أي يضافُ إليكَ؛ فلا يقالُ: يا ربّ الشرُّ، أو لا يصعدُ إليكَ؛\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) هنا جملة مكررة من (أ) وهي: \"ورواية بلفظ الآية وأنا أول المسلمين\".\n(^٣) في (أ): \"سابق\".\n(^٤) \"المحيط\" (ص ١٤٧٢).\n(^٥) هو الياسمين.\n(^٦) في (أ): \"تأكيدًا\".","vol":"2","page":171},{"text":"فإنهُ إنما يصعدُ إليه الكلمُ الطيبُ. ومعنَى: (أنا بكَ وإليكَ) أي: التجائي [وانتهائي] (^١) إليكَ، وتوفيقي بكَ. ومعنى: (تباركتَ) استحققتَ الثناءَ أو ثبتَ الخيرُ عندَك، فهذَا ما يقالُ في الاستفتاح مطلقًا، (وفي روايةٍ لهُ) أي لمسلمٍ: (أن ذلكَ) كانَ يقولُهُ - ﷺ - (في صلاةِ الليلِ) [لم نجده في مسلم هذا الذي ذكره المصنف من أنه كان يقول في صلاة الليل، وإنما ساق حديث علي ﵇ هذا في قيام الليل. وقد] (^٢) نقلَ المصنفُ في التلخيصِ (^٣) عن الشافعيِّ، وابنِ خزيمةَ أنهُ يقالُ في المكتوبةِ، وأنَّ حديثَ عليٍّ ﵇ وردَ فيها، فعَلى كلامِهِ هُنَا يحتملُ أنهُ مختصٌّ بها هذَا الذكرُ، ويحتملُ أنهُ عامٌ، وأنهُ يخيَّرُ العبدُ بينَ قولِه عقيبَ التكبيرِ، أو قولِ ما أفادَهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-377>دعاء الاستفتاح عن أبي هريرة</span>\n٥/ ٢٥٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ للِصّلَاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: \"أَقُولُ: اللَّهُمّ بَاعِدْ بَيني وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَينَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّني مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْني مِنْ خَطَايَايَ بالْمَاءِ وَالثلْجِ وَالْبَرَدِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ في الصّلَاةِ) أي تكبيرةَ الإحرامِ (سَكَتَ هُنَيْهَةً) بضمِ الهاءِ فنونٍ فمثناةٍ [تحتية] (^٥) فهاءٍ مفتوحةٍ [فهاء] (^٦)، أي ساعةً لطيفةً (قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَسَأَلْتُهُ) أي عنْ سكوتِهِ ما يقولُ فيهِ؟ (قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ) المباعدةُ المرادُ بها محوُ ما حَصَلَ منْها، أو العصمةُ عمَّا\n_________\n(^١) في (أ): \"وانتمائي\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) قلت: بل في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٠).\n(^٤) البخاري (رقم ٧٤٤)، ومسلم (رقم ١٤٧/ ٥٩٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣١)، والدارمي (١/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وأبو داود (رقم ٧٨١)، والنسائي (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، وا بن ماجه (رقم ٨٠٥)، والبيهقي (٢/ ١٩٥)، والدارمي (١/ ٣٣٦ رقم ٣)، وأبو عوانة (٢/ ٩٨).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): \"فنون\".","vol":"2","page":172},{"text":"يأتي منْها (كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) فكما لا يجتمعُ المشرقُ والمغربُ لا يجتمعُ هوَ وخطاياهُ. (اللَّهُمَّ نَقِّني مِنْ خَطَايَايَ كَمَا ينَقَّى الثَّوْب الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) بفتحِ الدالِ المهملةِ والنونِ فسينٍ مهملةٍ، في القاموسِ (^١) أنهُ الوسخُ، والمرادُ أزلْ عني الخطايا [بهذه] (^٢) الإنابةِ. (اللَّهمَّ اغْسِلْني مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ) بالتحريكِ، جمعُ بردةٍ. قالَ الخطابيُّ (^٣): ذكرَ الثلجَ والبردَ تأكيدًا، أوْ لأنَّهما ماءانِ لم تستعْملهُما الأيدي. وقال ابنُ دقيقِ (^٤) العيدِ: عبَّرَ بذلكَ عنْ غايةِ المحو؛ فإنَّ الثوبَ الذي تكررَ عليهِ ثلاثةُ أشياءَ منقيةً يكونُ في غايةِ النَّقَا. وفيهِ أقوالُ أُخَرُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يقولُ هذا الذكرَ بينَ التكبيرةِ والقراءةِ سرًا، وأنهُ يخيرُ بينَ هذا الدعاءِ والدعاءِ الذي [سلف] (^٥) في حديثِ عليٍّ ﵇، أو يجمعُ بينهمَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-378>دعاء الاستفتاح عن عمر</span>\n٦/ ٢٥٧ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، بسندٍ مُنْقَطِعٍ (^٦). وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا (^٧) وَمَوْقُوفًا (^٨). [موقوف]\n(وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يَقولُ) أي بعدَ تكبيرةِ الإحرامِ: (سُبْحَانَكَ اللَّهمَّ وَبِحَمْدِكَ) أي: أسبِّحُكَ حالَ كوني متلبِّسًا بحمدِكَ (وتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلهَ غَيْرُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ). قالَ الحاكمُ (^٩): قدْ صحَّ عنْ عمرَ. وقالَ في الهدَى النبويِّ (^١٠): إنَّهُ قدْ صحَّ عنْ عمرَ أنهُ كانَ يستفتحُ بهِ في مقامِ النبيِّ ﷺ، ويجهرُ بهِ ويعلِّمُهُ الناسَ، وهوَ بهذَا الوجهِ في حكمِ المرفوعِ، ولذَا فالَ الإمامُ\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٧٠٤).\n(^٢) في (أ): \"كهذه\".\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٢٣٠).\n(^٤) في \"أحكام الأحكام\" (١/ ٢١٣).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" (رقم ٥٢/ ٣٩٩) موقوفًا على عمر.\nقلت: وأخرجه ابن حجر في \"الوقوف على ما في صحيح مسلم\" من (الموقوف) رقم (١٤).\n(^٧) في \"السنن\" (رقم ٦).\n(^٨) في \"السنن\" (رقم ٧، ٨، ٩، ١٠).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٥).\n(^١٠) أي في \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" لابن قيم الجوزية (١/ ٢٠٥).","vol":"2","page":173},{"text":"أحمدُ: أمَّا أنا فأذهبُ إلى ما رُويَ عنْ عمرَ، ولوْ أن رجلًا استفتحَ ببعضِ ما رَوَى [لكانَ] (^١) حَسَنًا. وقدْ [روى] (^٢) في التوجهِ ألفاظ كثيرةٌ، والقولُ بأنهُ يُخَيَّرُ العبدُ بينَها قولٌ حَسَنٌ، وأما الجمعُ بينَ هذَا وبينَ وجَّهتُ وجهيَ الذي تقدمَ [فقدْ وردَ] (^٣) في حديث ابن عمرَ، رواهُ الطبرانيُّ في الكبير (^٤)، وفي رُوَاتِهِ ضعفٌ. (والدَّارَقُطْنِيُّ) عطفٌ على مسلمٍ، أي رواهُ الدارقطنيُّ (مَوْصُولًا) [وَمَوْقُوفًا] (^٥) على عمرَ، وأخرجهُ أبو داودَ (^٦)، والحاكمُ (^٧) منْ حديثِ عائشةَ مرفوعًا [قالتْ] (^٨): \"كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا استفتحَ الصلاةَ قالَ: سبحانكَ\" الحديثُ. ورجالُ إسنادهِ ثقاتٌ، وفيهِ انقطاعٌ، وأعلَّهُ أبو داودَ، وقالَ الدارقطنيُّ: ليسَ بالقويِّ.\n٧/ ٢٥٨ - وَنَحْوَه عَنْ أبي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا عِنْدَ الْخَمْسَةِ (^٩)، وَفِيهِ:\n_________\n(^١) في (أ): \"كان\".\n(^٢) في (ب): \"ورد\".\n(^٣) في (أ): \"فورد\".\n(^٤) (١٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤ رقم ١٣٣٢٤). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٠٧) وقال: فيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف.\n(^٥) في (أ): \"وهو موقوف\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٩١ رقم ٧٧٦).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢/ ١١ رقم ٢٤٣)، وابن ماجه (رقم ٨٠٦)، والدارقطني (١/ ٢٩٩ رقم ٥).\nقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحارثة قد تُكلم فيه من قبل حفظه\" اهـ. قلت: قد عرفه غير الترمذي من حديث غير حارثة. كما أخرجه أبو داود والدارقطني والحاكم ورجاله ثقات وبالطريقين يتقوى حديثها.\nوقال أبو داود: وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يرده إلَّا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بديل جماعة لم يذكروا فيه شيئًا من هذا\" اهـ.\nقلت: ولحديث عائشة شاهد من حديث أبي سعيد الخدري سيأتي رقم (٧/ ٢٥٨).\nوالخلاصة: أن حديث عائشة صحيح، والله أعلم.\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) وهم: أحمد (٣/ ٥٠)، والترمذي (٢/ ٩ رقم ٢٤٢)، وأبو داود (رقم ٧٧٥)، والنسائي (٢/ ١٣٢)، وابن ماجه (رقم ٨٠٤).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٢٨٢)، والبيهقي (٢/ ٣٤ - ٣٥)، والدارقطني (١/ ٢٩٨ رقم ٤)، وهو حديث صحيح.\nانظر: \"إرواء الغليل\" (٢/ ٥١ - ٥٢).","vol":"2","page":174},{"text":"وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكبِيرِ: \"أَعوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، منْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفَثِهِ\". [صحيح]\n(وَنَحْوَه) أي نحوَ حديثٍ عمرَ (عَنْ أَبي سَعِيدٍ مَرْفوعًا عِنْدَ الخَمْسَةٍ وفِيهِ، وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبيرِ: \"أَعوذ بِاللَّهِ السَّمِيعِ\" لأقوالهم (الْعَلِيمِ) بأقوالهِم وأفعالِهم وضمائرِهمْ (مِنْ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) المرجومِ (مِنْ هَمْزِهِ) المراد به الجنون (ونَفْخِهِ) بالنونِ فالفاءِ فالخّاء [المعجمة] (^١)؛ والمرادُ بهِ الكبرُ (وَنَفَثِهِ) بالنونِ والفاءِ والمثلثة؛ المرادُ بهِ الشِّعْرُ وكأنه أرادَ بهِ الهجاء.\nوالحديثُ دليلٌ على الاستعاذةِ وأنَّها بعدَ التكبيرةِ، والظاهرُ أنَّها أيضًا بعدَ التوجهِ بالأدعيةِ لأنَّها تعوُّذُ القراءةَ [وهوَ] (^٢) قبلَها.\n٨/ ٢٥٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ: بِالْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذلِكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مِنَ الركُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ جالسًا. وَكَانَ يَقُولُ في كلِّ رَكعَتَينِ التَّحِيَّةَ. وَكَان يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى. وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقبَةِ الشّيْطَانِ، وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السّبُعِ. وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاة بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣)، وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح بشواهده]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"وهي\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٢٤٠/ ٤٩٨).\nقلت: وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٩٤، ١٦٤، ١٨٩، ٢٢١)، وأبو داود (رقم ٧٨٣)، والبيهقي (٢/ ١٥، ١١٣، ١٧٢)، وأحمد (٦/ ٣١، ١٩٢)، والطيالسي (رقم: ١٥٤٧)، عن بديل بن ميسرة عن أبيه عن أبي الجوزاء عنها.\nقلت: هذا الإسناد ظاهره الصحة ولذلك أخرجه مسلم في \"صحيحه\" لكنه معلول، فقد قال الحافظ ابن عبد البر في \"الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف\" (ص ١٦١): \"رجال إسناد هذا الحريث كلهم ثقات إلا أنهم يقولون - أي أئمة الحديث - إن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة وحديثه عنها إرسال\" اهـ. وقد أشار البخاري إلى ذلك في ترجمة أبي الجوزاء واسمه: \"أوس بن عبد الله، فقال: \"في إسناده نظر\". قال الحافظ في \"تهذيب التهزيب\" (١/ ٣٣٦): \"وقول البخاري في إسناده نظر، يريد أنه لم يسمع من مثل=","vol":"2","page":175},{"text":"(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسول اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِح) أي يفتتحُ (الصَّلَاةَ\nبِالتَّكْبِيرِ)، أيْ [يقولُ] (^١): اللَّهُ أكبرُ، كما وردَ بهذَا اللفظِ في الحليةِ لأبي نعيمٍ (^٢).\nوالمرادُ تكبيرةُ الإحرامِ، ويقال لها تكبيرةُ الافتتاح، (وَالْقِرَاءَةَ) منصوبٌ معطوفٌ على الصلاةِ، أي ويستفتحُ القراءةَ (بِالْحَمْدُ) بضمِّ الدالِ على الحكايةِ، (للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يشْخِصْ) بضمِّ المثناةِ التحتيةِ فشينٍ فخاءٍ معجمتين فصادٍ مهملةٍ، (رَأْسَهُ) أي لمْ يرفعْه (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) بضمِّها أيضًا وفتحِ الصادِ المهملةِ وكسرِ الواوِ المشددةِ، أي لم يخفضْهُ خفضًا بليغًا، بلْ بينَ الخفضِ والرفعِ، وهوَ التسويةُ كما دلَّ لهُ قولُهُ: (وَلكِنْ بَيْنَ ذلِكَ) أيْ بينَ المذكورِ منَ الخفضِ والرفعِ (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ) أي: رأسَهُ (مِنَ الرُّكوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) تقدمَ في حديثِ أبي هريرةَ في أولِ البابِ: \"ثمَّ ارفعْ حتَّى تعتدلَ قائمًا\". (وَ) كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السجودِ أي الأولِ (لَمْ يسْجدْ) الثانية (حَتى يَسْتِويَ بينَهمَا) جالسًا. وتقدمَ: \"ثم ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالسا\"، (وكانَ يقول في كلِّ ركعتينِ) أي بعدَهما (التحيةَ) أي يتشهدُ بالتحياتِ [للَّهِ] (^٣) كما يأتي، ففي الثلاثيةِ والرباعيةِ المرادُ بهِ الأوسطَ، وفي الثنائيةِ الأخيرَ. (وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى) ظاهرُهُ أن هذا جلوسُهُ في جميعِ الجلساتِ بينَ السجودينَ وحالَ التشهدينِ. وتقدَّمَ في حديثِ أبي حميدٍ (^٤): \"وإذا جلسَ في الركعتينِ جلسَ على رجلهِ اليُسرى ونَصبَ اليُمنى\"، (وَكَانَ يَنْهى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ القافِ فموحَّدةٍ، ويأتي تفسيرُها. (وَيَنْهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجل ذِرَاعَيْهِ افتِرَاشَ السّبعِ) بأنَّ يبسطهُمَا في سجودهِ، وفسرَ السبعَ بالكلبِ، ووردَ في روايةِ بلفظهِ: (وَكَانَ يَخْتِتم الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. أَخْرَجَهُ فسْلِمٌ وَلَه عِلَّةٌ)، وهي أنهُ أخرجهُ مسلمٌ منْ روايةِ أبي الجوزاءِ، بالجيمِ والزاي، عنْ عائشةَ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٥): هوَ مرسلٌ، أبو الجوزاءِ لم يسمع منْ عائشةَ. وأُعِلَّ أيضًا بأنهُ أخرجهُ مسلمٌ منْ طريقِ الأوزاعيِّ مكاتبةً.\n_________\n=ابن مسعود وعائشة وغيرهما لا أنه ضعيف عنده\".\nولكن لسائره - أي الحديث - شواهد كثيرة متعددة، فهو صحيح بشواهده إن شاء الله.\n(^١) في (أ): \"بقوله\".\n(^٢) (٣/ ٦٣).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) رقم الحديث (٣/ ٢٥٤).\n(^٥) في \"الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف\" (ص ١٦١).","vol":"2","page":176},{"text":"والحديثُ فيهِ دلالةٌ على تعيينِ التكبيرِ عندَ الدخولِ في الصلاةِ. وتقدمَ الكلامُ فيهِ في حديثِ أبي هريرةَ أولَ البابِ (^١). واستدلَّ بقولِها: \"والقراءةُ بالحمدِ\" على أن البسملةَ ليستْ منَ الفاتحةِ، وهوَ قولُ أنسٍ وأُبي منَ الصحابةِ، وقالَ بهِ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وآخرونَ، وحجَّتُهم هذا الحديثِ. وقد أجيبَ عنهُ بأنَّ مرادهَا بالحمدِ لله ربِّ العالمينَ السورةُ نفسُها لا هذَا اللفظُ؛ فإنَّ الفاتحةَ تُسَمَّى بالحمدِ للَّهِ ربّ العالمينَ، كما ثبتَ في صحيحِ البخاريّ (^٢)؛ فلا حجةَ فيهِ على أن البسملةَ ليستْ منَ الفاتحةِ. ويأتي الكلامُ [عليهِ] (^٣) مُسْتَوْفَى في حديثِ أنسٍ (^٤) قريبًا. وتقدمَ الكلامُ على أنهُ في ركوعهِ لا يرفعُ رأسَهُ ولا يخفضُهُ كما تقدمَ على قولِهِ: (وكانَ إذا رفعَ رأسَه) إلى قولِهِ: (وكانَ يقول التحيةَ). والمرادُ بها الثناءُ المعروفُ بالتحياتِ للَّهِ الآتي لفظُهُ في حديثِ ابن مسعود (^٥) [إن] (^٦) [شاء اللَّهُ تعالى] (^٧)، ففيه شرعيةُ التشهدِ الأوسطِ والأخيرِ. ولا يدلُّ على الوجوب لأنهُ فعلٌ إلَّا أنْ يقال إنهُ بيانٌ لإجمالِ الصلاةِ في القرآنِ المأمورِ بهَا وُجُوبًا. والأَفعالُ لبيانِ الواجبِ واجبةٌ أوْ يقالْ بإيجابِ أفعالِ الصلاةِ لقولهِ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي\" (^٨). وقدِ اختُلِفَ في التشهدينِ، فقيلَ واجبانِ، وقيلَ [سنتانِ] (^٩)، وقيلَ الأولُ سنةٌ والأخيرُ واجبٌ. ويأتي الكلامُ في حديثِ ابن مسعودٍ إنْ شاءَ اللَّهَ تعالَى على التشهدِ الأخير، وأما الأوسطِ فإنهُ استدلَّ مَنْ قالَ بالوجوب بهذا الحديثِ كما قررناهُ، وبقولهِ - ﷺ -: \"إذا صلَّى أحدُكمْ فليقلْ التحياتُ للَّهِ\" (^١٠) الحديثَ. ومَنْ قالَ بأنَّها سنةٌ استدلَّ بأنهُ - ﷺ - لما سَهَا عنهُ لمْ يعدْ لأدائِهِ وجبره بسجودِ السهوِ ولوْ وجبَ لمْ يجبرْهُ سجودُ السهوِ كالركوعِ وغيرِهِ منَ الأركانِ. وقدْ ردَّ هذا الاستدلالُ بأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ الوجوبُ معَ الذكرِ فإن نسيَ حتَّى دخلَ في\n_________\n(^١) رقم الحديث (١/ ٢٥٢).\n(^٢) (رقم ٤٤٧٤).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) رقم الحديث (١٤/ ٢٦٥).\n(^٥) رقم الحديث (٤٦/ ٢٩٧).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) وهو حديث صحيح، تقدَّم تخريجه في شرح الحديث رقم (٣/ ٢٥٤).\n(^٩) في (أ): \"مسنونان\".\n(^١٠) وهو حديث صحيح، سيأتي تخريجه رقم (٤٦/ ٢٩٧).","vol":"2","page":177},{"text":"فرضٍ آخرَ [جبره] (^١) سجودُ السهوِ، [وفي] (٢) قولِها: (وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنى)، [ما] (^٢) يدل أنَّهُ كانَ جلوسهُ - ﷺ - بينَ السجدتينِ وحالَ التشهدِ، وقدْ ذهبَ إليهِ الهادويةُ، والحنفيةُ، ولكنَّ حديثَ أبي حميدٍ (^٣) الذي تقدَّمَ فرَّقَ بينَ الجُلوسينِ فجعلَ هذا صفة الجلوسِ [بعد] (^٤) الركعتينِ، وجعلَ صفةَ الجلوسِ الأخيرِ تقديمَ رجلهِ اليُسرى ونَصْبَ الأخرى، والقعودَ على مَقْعَدِتِهِ، وللعلماءِ خلافٌ في ذلكَ، والظاهرُ أنهُ مِنَ الأفعالِ المخيَّرِ فيْها. وفي قولِها: (يَنْهَى عنْ عُقْبَةِ الشيطانِ) أي في القعودِ، وفُسِّرَتْ بتفسيرينِ، أحدِهما: أنْ يفترشَ قدميْهِ [ويجلس بأَليتيهِ] (^٥) على عقبيهِ، ولكنَّ هذه القَعْدَةَ اختارَها العبادلةُ في القعودِ [غير] (^٦) الأخيرِ، وهذه تُسَمَّى إقعاءً، وجعلوا المنهيَّ عنهُ هو الهيئةُ الثانيةُ تسمَّى أيضًا إقعاءً؛ وهو أنْ يلصقَ [الرجل] (^٧) أليتيهِ في الأرض وينصبَ ساقيهِ وفخذيهِ، ويضعَ يديهِ على الأرضِ، كما يقعي الكلبُ. وافتراشُ الذراعينِ تقدَّمَ أنهُ بَسْطُهُمَا على الأرضِ حالَ السجودِ. وقدْ نَهَى - ﷺ - عن التشبهِ بالحيواناتِ، نهى عن بروكٍ كبُروكِ البعير (^٨)، والتفات كالتفاتِ الثعلب (^٩)، وافتراشٍ كافتراشِ السَّبُعِ (^١٠)،\n_________\n(^١) في (أ): \"يجبره\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) رقم الحديث (٣/ ٢٥٤).\n(^٤) في (أ): \"بين\".\n(^٥) في (أ): \"ويجعل إليتيه\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٢/ ٣٨١)، والدارمي (٣/ ٣٠١)، وأبو داود (رقم ٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٥٤)، والدارقطني (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥ رقم ٣)، والبيهقي (٢/ ٩٩) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه\"، وهو حديث صحيح.\n(^٩) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (٢/ ٣١١) بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: \"أمرني رسول اللَّهِ ﷺ بثلاث، ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب\".\n(^١٠) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (رقم ٢٤٠/ ٤٩٨)، عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - كان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترِشَ الرجلُ ذراعيهِ افتراشَ السَّبُعِ\"، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":178},{"text":"وإقعاء كإقعاءِ الكلب (^١)، ونقرٍ كنقرِ الغرابِ (^٢)، ورفعِ الأيدي وقتَ السلامِ كأذنابِ خيلٍ شُمُسٍ (^٣). وفي قولِها: (وكانَ يختمُ الصلاةَ بالتسليمِ) دلالةٌ على شرعيةِ التسليمِ، وأما إيجابهُ فَيُسْتَدَلُّ لهُ بما قدَّمْنَاهُ سابِقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-379>سنة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه</span>\n٩/ ٢٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ، أي: مقابلَ (مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ). تقدمَ في حديثِ\n_________\n(^١) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (١/ ١٤٦)، والترمذي (٢/ ٧٢ رقم ٢٨٢)، وابن ماجه (رقم ٨٩٥)، والبيهقي (٢/ ١٢٠)، عن علي أن النبي ﷺ قالَ لهُ: \"يا عليُّ لا تُقْعِ إقعاءَ الكلبِ\"، هكذا رواه ابن ماجه مختصرًا وهو عند أحمد مطولًا وهو حديث حسن.\n(^٢) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (رقم ٨٦٢)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٤/ ٢١ رقم ٢٢٧٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٦١ رقم ٦٦٦)، والنسائي (٢/ ٢١٤)، وأحمد (٣/ ٤٢٨ و٤٤٨)، والدارمي (١/ ٣٠٣)، عن عبد الرحمن بن شِبْل الأنصاري قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينهى عن ثلاثِ خِصَالٍ في الصلاة: عن نَقْرَةِ الغُرَابِ، وعنِ افتراش السَّبُعِ، وأن يُوطِنَ الرجُلُ المكان كما يُوطِنُ البعيرِ\"، وهو حديث حسن بشاهده.\n(^٣) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (رقم ٤٣١)، وأبو داود (رقم ٩٩٨)، والنسائي (٣/ ٦١ رقم ١٣١٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٠٦ رقم ٦٩٩)، عن جابر بن سَمُرَةَ قال: كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا معَ رسولِ اللهِ ﷺ قُلْنَا: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّهِ. وأشارَ بيدِهِ إلى الجانبين. فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَام تُومِئونَ بأيدِيكُمْ كأنَّهَا أذنابُ خَيْلٍ شُمُسٍ؟ إنما يكفي أحدُكُمْ أن يضعَ يدَهُ على فَخِذِهِ، ثم يُسَلِّمُ على أخيهِ من على يمينهِ وشمالِهِ\". وهو حديث صحيح.\n(^٤) البخاري (رقم ٧٣٥)، ومسلم (رقم ٢١/ ٣٩٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٧٢١)، والترمذي (٢/ ٣٥ رقم ٢٥٥)، وابن ماجه (رقم ٨٥٨)، وأبو عوانة (٢/ ٩٠)، والدارقطني (١/ ٢٨٧ رقم ٢)، والبيهقي (٢/ ٢٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٥٧)، والدارمي (١/ ٢٨٥)، وأحمد (١/ ١٤٧)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٧٢ رقم ٢١١)، ومالك (١/ ٧٥ رقم ١٦)، والنسائي (٢/ ١٢١، ١٢٢). وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":179},{"text":"أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ (^١). (وإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ) رفعَهُما، (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: أرادَ أنْ يرفعَهُ (مِنَ الرُّكُوعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ شرعيةُ رفعِ اليدينِ في هذهِ الثلاثةِ المواضعِ، أمَّا عندَ تكبيرةِ الإحرامِ فتقدمَ فيهِ الكلامُ، وأما عندَ الركوعِ والرفعِ مِنْهُ فهذَا الحديثُ دلَّ على مشروعيةِ ذلكَ. قالَ محمدُ بن نصرٍ المروزيِّ: أجمعَ علماءُ الأمصارِ على ذلكَ إلَّا أهلَ الكوفةِ. قلتُ: والخلافُ فيهِ للهاوديةِ مطلقًا في المواضعِ الثلاثةِ، واستُدِلَّ للهادي ﵇ في البحرِ (^٢) بقولِهِ - ﷺ -: \"ما لي أراكم [الحديث] (^٣) \"، قلتُ: وهوَ إشارةٌ إلى حديثِ جابرِ بن سمرةَ أخرجَهُ مسلمٌ (^٤)، وأبو داودَ (^٥)، والنسائيُّ (^٦)، ولفظهُ عنهُ قَالَ: \"كنَّا إذا صَلَّيْنَا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ قلْنا بأيدينَا السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللَّهِ وأشارَ بيديهِ إلى الجانبينِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: علامَ تُوْمِئُونَ بأيديْكمْ، ما لي أرى أيديْكم كأذنابِ خيلِ شُمسٍ، اسكنُوا في الصلاةِ، وإنما يكفي أحدَكم أنْ يضعَ يدَهُ على فَخِذِهِ، ثمَّ يسلِّمَ على أخيهِ عنْ يمينهِ وشمالهِ\" انتهى بلفظهِ. وهوَ حديثٌ صريحٌ في أنهُ كانَ ذلكَ في إيمائِهم بأيديهمْ عندَ السلامِ، والخروجِ منَ الصلاةِ، وسببهُ صريحٌ في ذلكَ.\nوأما قولُهُ: \"اسكنُوا في الصلاةِ\" فهوَ عائدٌ إلى ما أنكرهُ عليهمْ منَ الإيماءِ إلى كل حركة في الصلاةِ؛ فإنهُ معلومٌ أنَّ الصلاةَ مركبةٌ منْ حركاتٍ وسكونٍ وذكرِ [الله] (^٧)، قالَ المقبليُّ في المنارِ (^٨) على كلامِ الإمامِ المهديِّ: إنْ هذا كان غفلةً منَ الإمامِ إلى هذَا الحد فقدْ أبعدَ، وإنْ كانَ معَ معرفتهِ حقيقةُ الأمرِ، فهوَ أورعُ وأرفعُ منْ ذلكَ، والإكثارُ في هذا لجاجٌ مجردٌ، وأمرُ الرفعِ أوضحُ منْ أنْ تورَدَ لهُ\n_________\n(^١) رقم الحديث (٣/ ٢٥٤).\n(^٢) (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٤٣١) وقد تقدَّم.\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٩٩٨) وقد تقدم.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٣١٨) وقد تقدَّم.\n(^٧) في (أ): \"لله\".\n(^٨) وهو: \"المنار في المختار من جواهرِ البحر الزخار، حاشية العلامة المجتهد صالح بن مهدي المقبلي على البحر الزخار\" (١/ ١٧٣ - ١٧٤) وتمام قوله: \" .. وإن تكلف أتباعه لإذاعتها، فهو عدو في صورة صديق عند التوفيق، وقد انفرد الأنبياء بالعصمة، والذي وافق الهادي ممن بعده من ديدن الأتباع في كل فرقة، ومن تقدمه أو تأخر أو عاصره: كزيد بن علي، والناصر والمؤيد، وأحمد بن عيسى وغيرهم، نصوا على الرفع، وحسن الظن بالقاسم يقتضي صحة رواية الرفع عنه وترجيحها … \" اهـ.","vol":"2","page":180},{"text":"الأحاديثُ المفرداتُ، وقدْ كثرتْ كثرةً لا تُوَازَى، وصحَّتْ صحةً لا تمنعُ، ولذَا لم يقعِ الخلافُ المحققُ فيهِ إلا للهادي فقطْ، فَهِيَ منَ النوادرِ التي تقعُ لأفرادِ العلماءِ مثلِ مالك والشافعيِّ وغيرِهما، ما أحدٌ منْهم إلَّا لهُ نادرةٌ ينبغي أنْ تغمرَ في [جنبِ فضلِهِ] (^١) وتجتنبَ\"، انتهى. وخالفتِ الحنفية فيْما عدا الرفعَ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، واحتجُّوا بروايةِ مجاهدٍ (^٢): \"أنهُ صلَّى خلف ابن عمرَ فلمْ يرهُ يفعلُ ذلكَ\"، وبما أخرجهُ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ ابن مسعودٍ: \"بأنهُ رَأَى النبيَّ ﷺ يرفعُ يديهِ عندَ الافتتاحِ ثمَّ لا يعودُ\". وأجيبَ بأنَّ الأولَ فيهِ أبو بكرٍ بنُ عياشٍ (^٤) وقدْ ساءَ حِفْظُهُ، ولأنهُ معارَضٌ بروايةِ نافعٍ وسالمٍ ابن ابن عمرَ لذلكَ، وهما مثبتانِ، ومجاهدُ نافٍ، والمثبتُ مقدَّمٌ، وبأنَّ تركهُ لذلكَ إذا ثبتَ كما رواهُ مجاهدُ يكونُ\n_________\n(^١) في (أ): \"جناب فضل\".\n(^٢) أخرجها البخاري في \"قرة العينين برفع اليدين في الصلاة\" رقم (١٥) وقال البخاري: قال يحيى بن معين: حديث أبي بكر - بن عياش - عن حصين إنما هو توهم لا أصل له.\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ٧٤٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٣٨٨)، والترمذي (٢/ ٤٠ رقم ٢٥٧)، والنسائي (٢/ ١٨٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٢٤)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (٣/ ٢٣٥)، قال أبو داود: هذا حديث مختصر من حديث طويل، ولي هو بصحيح على هذا اللفظ\".\nوقال الترمذي: حدي حسن. وقد صححه ابن حزم وأحمد شاكر والألباني وغيرهم.\nوقال أحمد شاكر: \" .. وما قالوه في تعليله لي بعلة، ولكنه لا يدل على ترك الرفع في المواضع الأخرى؛ لأنَّه نفي، والأحاديث الدالة على الرفع إثبات، والإثبات مقدم، ولأن الرفع سنة، وقد يتركها مرة أو مرارًا، ولكن الفعل الأغلب والأكثر هو السنة، وهو الرفع عند الركوع وعند الرفع منه.\nوقد جعل العلماء الحفاظ المتقدمون هذه المسألة - مسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه - من مسائل الخلاف العويصة، وألف فيها بعضهم أجزاء مستقلة ثم تبعهم من بعدهم في خلافهم، وتعصب كل فريق لقوله، حتى خرجوا به عن حد البحث، إلى حد العصبية والتراشق بالكلام، وذهبوا يصحِّحون بعض الأسانيد أو يضعِّفون، انتصارًا لمذاهبهم، وتركوا - أو كثير منهم - سبيل الأنصاف والتحقيق، والمسألة أقرب من هذا كله، فإن الرفع في الموضعين المختلف عليهما ثابت بأحاديث صحاح جدًّا، وليس في رواية من روى ترك الرفع إلا ما قلنا: أن المثبت مقدم على النافي.\nوقد ثبت الرفع أيضًا في موضع ثالث، وهو عند القيام إلى الركعة الثالثة … \" اهـ.\n(^٤) ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه.","vol":"2","page":181},{"text":"مبيِّنًا لجوازِه، وأنهُ لا يراهُ واجبًا، وبأنّ الثاني وهو حديثُ ابن مسعودٍ لم يثبتْ كما قالَ الشافعيُّ، ولوْ ثبتَ لكانت روايةُ ابن عمرَ مقدَّمةٌ عليهِ لأنَّها إثباتٌ، وذلكَ نفْيٌ، والإثباتُ مقدَّمٌ. وقدْ نقلَ البخاريُّ عن الحسنِ (^١)، وحميدِ بن هلالِ (^٢) أن الصحابةَ - ﵃ - كانُوا يفعلونَ ذلكَ. قالَ البخاريُّ (^٣): ولمْ يستثنِ الحسنُ أحدًا. ونقلَ عن شيخهِ عليٍّ بن المديني أنهُ قالَ: حق على المسلمينَ أنْ يرفعُوا أيدَيهُمْ عندَ الركوعِ والرفعِ منهِ لحديثِ ابن عمرَ هذا، وزادَ البخاريُّ (^٤) في موضع آخرَ بعدَ كلامِ ابن المديني: وكانَ علي أعلمَ أهلِ زمانِهِ. قالَ (^٥): ومَنْ زَعَمَ أنهُ بدعةٌ فقدْ طعنَ في الصحابةِ ويدل لهُ قولُهُ:\n١٠/ ٢٦١ - وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ، عِنْدَ أَبي دَاوُدَ (^٦): يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ. ثُمَّ يُكَبِّرُ. [صحيح]\n(وَفي حَدِيثِ أَبي حُمَيْدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتى يحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكَبَيْهِ ثمَّ يُكَبِّرُ). تقدمَ حديثُ أبي حميدٍ منْ روايةِ البخاريِّ، لكنْ ليسَ فيهِ ذكرُ الرفعِ إلَّا عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، بخلافِ حديثهِ عندَ أبي داودَ ففيهِ إثباتُ الرفعِ في الثلاثةِ المواضع كما أفادُه حديثُ ابن عمرَ، ولفظُهُ عندَ أبي داودَ (^٧): \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ﷺ إذا قامَ إلى الصلاةِ اعتدلَ قائمًا، ورفعَ يدْيهِ حتَّى يحاذيَ بهمَا منكبيهِ، فإذَا أرادَ أنْ يركعَ رفعَ يديْهِ حتى يحاذَي بهمَا منكبيهِ - الحديثُ [تمامه] (^٨): ثمَّ قالَ: اللَّهُ أكبرُ وركعَ، ثمَّ اعتدلَ ولم يصوِّبْ رأسَهُ، ولمْ يقنعْ، ووضعَ يديهِ على ركبتيهِ، ثمَّ قالَ: سمعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ورفعَ يديهِ، واعتدلَ حتَّى رجعَ كلُّ عَظْمٍ إلى موضعِهِ معتدلًا - الحديثَ\"، فأفادَ رفعُهُ - ﷺ - يديهِ في الثلاثةِ المواضعِ، وكانَ على\n_________\n(^١) في \"قرة العينين برفع اليدين في الصلاة\" رقم (٢٨)، وهو موقوف.\n(^٢) في \"المرجع السابق\" رقم (٢٩)، وهو حديث حسن.\n(^٣) في \"المرجع السابق\" (ص ٢٦).\n(^٤) في \"المرجع السابق\" (ص ٩).\n(^٥) أي البخاري، في \"المرجع السابق\" (ص ٥٤).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٦٧ رقم ٧٣٠) وقد تقدم.\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٦٧ رقم ٧٣٠) من حديث أبي حميد الساعدي.\nولم أجده بهذا اللفظ من حديث ابن عمر، والله أعلم.\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"2","page":182},{"text":"المصنفِ أنْ يقولَ بعدَ قولِهِ ثمَّ يكبرُ: الحديثَ، ليفيدَ أن الاستدلالَ بهِ جميعَهُ، فإنهُ قدْ يتوهمُ أن حديثَ أبي حميدٍ ليسَ فيهِ إلَّا الرفعُ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ، كما أن [قولَهُ] (^١):\n١١/ ٢٦٢ - وَلمُسْلِمٍ (^٢) عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ: حَتى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. [صحيح]\n(وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ نحوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) أي في الرفعِ في الثلاثةِ المواضعِ (لَكِنْ قَالَ حَتى [يحَاذِيَ] (^٣) بِهِمَا) أي اليدينِ (فُرُوعَ أُذُنَيْهِ) أطرافَهُمَا، فخالفَ روايةَ ابن عمرَ وأبي حميدٍ في هذا اللفظِ. فذهبَ البعضُ إلى ترجيحِ روايةِ ابن عمرَ لكونِها متَّفَقًا عليْها، وجمعَ آخرونَ بينَهما، فقالُوا: يحاذي بظهرِ كفيهِ المنكبينِ، وبأطرافِ أناملِهِ الأذنينِ، [وأيَّدُوا ذلكَ] (^٤) بروايةِ أبي داودَ (^٥) عنْ وائل بلفظِ: حتَّى كانتْ حيالَ منكبيهِ وحاذى بإبهاميهِ أذنيْهِ\"، وهذا جمعٌ حسنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-380>السنة وضع اليدين على الصدر في الصلاة</span>\n١٢/ ٢٦٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبي ﷺ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. [صحيح بطرقه]\nأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-381>ترجمة وائل بن حجر</span>\n(وَعَنْ وَائِلِ) (^٧) بفتحِ الواوِ وألفٍ فهمزةٍ، هوَ أبو هُنَيْدِ، بضمِ الهاءِ وفتح\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ٢٦/ ٣٩١).\n(^٣) في (أ): \"حاذى\".\n(^٤) في (ب): \"تأيدوا لذلك\".\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٤٦٥ رقم ٧٢٤)، وهو حديث ضعيف. وفيه \"حتى كانتا\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٣ رقم ٤٧٩) وإسناده ضعيف؛ لأن مؤملًا وهو ابن إسماعيل سيء الحفظ، لكن الحديث صحيح جاء من طرق أخرى بمعناه، وفي الوضع على الصدر أحاديث تشهد له. قاله الألباني.\n(^٧) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٤/ ٣١٥ - ٣١٩ و٦/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٨/ ١٧٥ - ١٧٦ رقم ٢٦٠٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٢ رقم ١٧٩)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٧٣ - ٣٧٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (١١/ ٩٦ - ٩٧ رقم ١٨٩)، و\"الإصابة\" (١٠/ ٢٩٤ - ٢٩٥ رقم ٩١٠١)، و\"الاستيعاب\" (١١/ ٤٤ - ٤٦ رقم ٢٧٣٦).","vol":"2","page":183},{"text":"النونِ (ابْنِ حُجْرِ) بن ربيعةِ الحضرميِّ، كانَ أبوهُ منْ ملوكِ حضرموتَ. وفدَ وائلٌ على النبيِّ ﷺ فأسلمَ، ويقالُ إنهُ ﷺ بَشَّرَ أصحابَهُ قبلَ قدومهِ [فقالَ] (^١): \"يقدمُ عليكمْ وائلُ بنُ حجرٍ منْ أرضٍ بعيدةٍ طائعًا راغبًا في اللَّهِ ﷿، وفي رسولهِ، وهوَ بقيةُ أبناء الملوكِ، فلمَّا دخلَ عليهِ - ﷺ - رحَّبَ بهِ وأدناهُ منْ نفسهِ، وبسطَ لهُ رداءَهَ فأجلسهُ عليهِ، وقالَ: اللَّهمَّ باركْ على وائلٍ وولدِهِ، [واستعملهُ] (^٢) على الأقيالِ منْ حضرموتَ\" (^٣). رَوَى لهُ الجماعةُ إلا البخاريَّ، وعاشَ إلى زمنِ معاويةَ وبايعَ لهُ.\n(قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رسول الله ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنى عَلَى يدِهِ الْيُسْرَى عَلَى صَدْرِهِ. أَخْرَجَهُ ابْن خزَيْمَةَ)، [وأخرجَ] (^٤) أبو داودَ (^٥) والنسائيُّ (^٦) بلفظِ: \"ثمَّ وضعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ظَهِرِ كفِّهِ اليُسْرَى والرُّسْغَ والسَّاعدِ\" الرسغُ، بضمّ الراءِ وسكونِ السينِ المهملةِ، بعدَها معجمة، هوَ المفصلُ بينَ الساعدِ والكفِّ.\nوالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ الوضع المذكورِ في الصلاةِ ومحلُّهُ على الصدرِ كما أفادَ هذَا الحديثُ. وقالَ النوويُّ في المنهاجِ (^٧): [ويجعلُ] (^٨) يديْهِ تحتَ صدرهِ. قالَ في شرحه النجمَ الوهاجُ: عبارةُ الأصحابِ \"تحتَ صدرهِ\" يريدُ: والحديثُ بلفظِ: \"على صدرهِ\"، قالَ: وكأنَّهمْ جعلُوا التفاوتَ بينَهما يسيرًا. وقدْ ذهبَ إلى مشروعيتهِ زيدَ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عِيْسَى. ورَوَى أحمدُ بْنُ عِيْسَى حديثَ وائلٍ هذَا في كتابهِ الأمالي، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ (^٩). وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ مشروعيتهِ، وأنهُ يبطلُ الصلاةَ لكونهِ فعلا كثيرًا (^١٠). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١١) لم يأتِ عن النبي ﷺ فيهِ خلاف، وهوَ قولُ جمهورِ الصحابةِ\n_________\n(^١) في (أ): \"وقال\".\n(^٢) في (أ): \"فاستعمله\".\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٧ رقم ١١٧٦)، وفي \"الكبير\" (٢٢/ ٤٦ رقم ١١٧).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٧٤ - ٣٧٦) وقال: رواه الطبراني في \"الصغير والكبير\"، وفيه \"محمد بن حجر\" وهو ضعيف.\n(^٤) في (أ): \"وأخرجه\".\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٧٢٧).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ١٢٦ رقم ٨٨٩). من حديث وائل بن حجر، وهو حديث صحيح.\n(^٧) (١/ ١٨١ - مع المغني).\n(^٨) في (ب): \"وجعل\".\n(^٩) انظر: \"المجموع شرح المهذب للنووي\" (٣/ ٣١٣).\n(^١٠) انظر: \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماءِ الأمصار\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).\n(^١١) ذكره الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٢/ ١٨٦)، والزرقاني في \"شرح الموطأ\" (١/ ٣٢١).","vol":"2","page":184},{"text":"والتابعينَ. قال: وهوَ الذي ذكرهُ مالكٌ في الموطأِ (^١)، ولم يحكِ ابنُ المنذرِ وغيرهُ عنْ مالكِ، ورُوي عنْ مالك الإرسال وصارَ إليهِ أكثرُ أصحابهِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-382>حجة من قال بوجوب الفاتحة في كل ركعة</span>\n١٣/ ٢٦٤ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: \"لَا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِأُمِّ الْقُرآنِ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n- وَفِي رِوَايةٍ لابْنِ حِبَّانَ (^٤) وَالدَّارقُطْنيِّ (^٥): \"لَا تُجْزِئُ صَلاة لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\" [إسناده صحيح]\n- وَفي أُخْرَى، لأَحْمَدَ (^٦)، وَأَبي دَاوُدَ (^٧)، وَالتّرْمِذِيِّ (^٨)، وَابْنِ حِبَّانَ (^٩): \"لَعلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ \"، قُلْنَا: نَعَمْ، قَال: \"لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ لَا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأَ بِهَا\". [ضعيف]\n_________\n(^١) (١/ ١٥٩ رقم ٤٧).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٧٤٠) عن سهل بن سعدٍ، قال: \"كان الناسُ يؤمرونَ أن يضعَ الرجلُ اليدَ اليمنَى على ذِراعِه اليُسرَى في الصلاة. قالَ أبو حازمٍ: لا أعلمُهُ إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي ﷺ\".\n• يَنْمِي: نَمَيْتُ الحديثِ أُنْمِيه: إذا بلَّغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير، وكل شيء نَمَيْتَه فقد رفعتَه. فإذا أرَدْتَه على وجه الفساد، قلت: نَمَّيْته بالتشديد.\n(^٢) انظر: \"شرح الموطأ\" للزرقاني (١/ ٣٢١).\n(^٣) البخاري (رقم ٧٥٦)، ومسلم (رقم ٣٤/ ٣٩٤).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ١٢٩)، وأحمد (٥/ ٣١٤)، والدارمي (١/ ٢٨٣)، وأبو داود (رقم ٨٢٢)، والترمذي (٢/ ٢٥ رقم ٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٧)، وابن ماجه (رقم ٨٣٧)، والدارقطني (١/ ٣٢١ رقم ١٧)، والبيهقي (٢/ ٣٨) وغيرهم.\n(^٤) في \"الإحسان\" (٣/ ١٣٦ رقم ١٧٧٩).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٢٢) وقال: إسناده صحيح.\n(^٦) في \"المسند\" (٥/ ٣٢٢).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٥١٥ رقم ٨٢٣).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ١١٦ رقم ٣١١).\n(^٩) في \"الإحسان\" (٣/ ١٣٧ رقم ١٧٨٢).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٣١٨ رقم ٥)، وابن خزيمة (٣/ ٣٦ - ٣٧ رقم ١٥٨١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٣٢١)، والحاكم (١/ ٢٣٨)، وغيرهم. وانظر تخريجنا لبلوغ المرام رقم الحديث (١٣/ ٢٦٤) رقم (٣).","vol":"2","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-383>ترجمة عبادة بن الصامت</span>\n(وَعَنْ عُبَادَةَ) (^١) بضمّ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الموحدةِ وبعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ، [وهو] (^٢) أبو الوليدِ عبادةُ (بن الصَّامِتِ) بنُ قيسٍ الخزرجيِّ الأنصاريِّ السالميِّ، كانَ مِنْ نقباءِ الأنصارِ، وشهدَ العقبةَ الأولى والثانيةَ والثالثةَ، وشهدَ بَدْرًا والمشاهدَ كلَّها، وجَّهَهُ عمرُ إلى الشامِ قاضيًا ومعلمًا، فأقامَ بحمصَ، ثمَّ انتقلَ إلى فلسطينَ وماتَ بها في الرملةِ، وقيلَ في بيتِ المقدسِ سنةَ أربعٍ وثلاثينَ، وهوَ ابنُ اثنتينِ وسبعينَ سنةً. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا صَلَاة لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بأمُّ الْقُرآنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). هوَ دليل على نفي الصلاةِ الشرعيةِ إذا لم يقرأْ فيْها المصَلِّي بالفاتحةِ؛ لأنَّ الصلاةَ مركبةٌ منْ أقوالٍ وأفعالٍ، والمركَّب ينتفي بانتفاءِ جميعِ أجزائهِ، وبانتفاءِ البعضِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ نفي الكمالِ؛ لأنَّ التقديرَ إنَّما يكونُ عندَ تعذرِ صدقِ نفي الذاتِ إلَّا أنَّ الحديثَ الذي أفادهُ قولُهُ: (وفي روايةٍ لابنِ حبانَ والدارقطنيِّ: لا تجزئُ صلاةٌ لا يَقْرَأُ فيها بفاتحةِ الكتاب) فيهِ دلالةٌ على أنّ النفيَ متوجهٌ إلى الإجزاءِ، وهوَ كالنفي للذاتِ في المآلِ؛ لأنَّ ما لَا يجزئُ فليسَ بصلاةٍ شرعيةٍ. والحديثُ دليل على وجوبِ قراءةِ الفاتحةِ في الصلاةِ، ولا يدلّ على إيجابِها في كلِّ ركعةٍ بلْ في الصلاةِ جملةً، وفيهِ احتمالُ أنهُ في كلّ ركعةٍ لأنَّ الركعةَ تُسَمَّى صلاةً. وحديثُ المسيءِ صلاتُهُ قدْ دلَّ على أن كلَّ ركعةٍ تُسَمَّى صلاةً لقولهِ - ﷺ - بعدَ أنْ علَّمهُ ما يفعلُه في كل ركعةٍ: \"وافعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلِّها\" (^٣)؛ فدلَّ على إيجابِها في كلِّ ركعةٍ لأنهُ أمرهُ أنْ يقرأَ [فيها] (^٤) بفاتحةِ الكتابِ. وإلى وجوبِها في كلِّ ركعةٍ ذهبتِ الشافعيةُ وغيرُهم. وعندَ الهادويةِ وآخرينَ أنَّها لا تجبُ قراءتُها في كلِّ ركعةٍ، بلْ في جملةِ الصلاةِ،\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ١١٤)، و\"طبقات ابن سعد\" (٣/ ٥٤٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٩٢ رقم ١٨٠٩)، و\"المعارف\" (٢٥٥، ٣٢٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٩٥ رقم ٤٩٢)، و\"المستدرك\" (٣/ ٣٥٤)، و\"الاستيعاب\" (٥/ ٣٢٣ - ٣٢٦ رقم ١٣٧٢)، و\"الإصابة\" (٥/ ٣٢٢ - ٣٢٤ رقم ٤٤٩٠)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٢٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٩٧ - ٩٨ رقم ١٨٩).\n(^٢) في (أ): \"فها هو\".\n(^٣) تقدم تخريجه رقم (١/ ٢٥٢).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"2","page":186},{"text":"والدليلُ ظاهرٌ [معَ أهل القولِ الأولِ] (^١). وبيانهُ منْ وجهينِ، (الأولِ): أن في بعضِ ألفاظِه بعدَ تعليمهِ - ﷺ - لهُ ما ذكرهُ منَ القراءةِ والركوعِ والسجودِ والاطمئنانِ [إلى] (^٢) [آخرِه أنهُ] (^٣) قالَ الراوي: فوصفَ [أي] (٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ الصلاةَ هكذَا أربعَ ركعاتٍ حتَّى فرغَ ثمَّ قالَ: \"لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتَّى يفعلَ ذلكَ\". ومعلومٌ أن المرادَ منْ قولِهِ: يفعلُ ذلِكَ أيْ كلَّ ما ذكرَهَ منَ القراءةِ بأمِّ الكتاب وغيرها في كلِّ ركعةٍ لقولهِ: فوصفَ الصلاةَ هكذا أربعَ ركعاتٍ، (والثاني): أن ما ذكرهُ - ﷺ - معَ القراءةِ منْ صفاتِ الركوعِ والسجودِ والاعتدالِ ونحوِهِ مأمورٌ بهِ في كل ركعةٍ كما يفيده هذا الحديث، والمخالف في قراء الفاتحة في كل ركعة لا يقولُ إنهُ يكفي الركوعُ والسجودُ والاطمئنانُ في ركعةٍ واحدةٍ منْ صلاتهِ أوْ يفرقُها في [ركعاتِها] (^٤)، فكيفَ يقولُ إنَّ القراءةَ بالفاتحةِ تنفردُ منْ بين هذهِ المأموراتِ بأنَّها لا تجبُ إلَّا في ركعةٍ واحدةٍ، أو [يفرقُ] (^٥) بينَ الركعاتِ، وهذا تفريقٌ بينَ أجزاءِ الدليلِ بلا دليلٍ، فتعيَّنَ حينئذٍ أن المرادَ منْ قولهِ: \"ثمَّ افعلْ ذلكَ في صلاتِكَ كلّها\"، في ركعاتِها. ثمَّ رأيتُ بعدَ كتب هذا أنهُ أخرجَ أحمدُ (^٦)، والبيهقيُّ (^٧)، وابنُ حبانَ (^٨) بسندٍ صحيحٍ أنهُ - ﷺ - قالَ لخلادِ بن رافع وهوَ المسيءُ صلاتَهُ: \"ثمَّ اصنعْ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ\"، ولأنهُ - ﷺ - كانَ يقرأُ بها في كلِّ ركعةٍ كما رواهُ مسلمٌ وقالَ: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^٩). ثمَّ ظاهرُ الحديثِ [وجوبُ قراءتِها] (^١٠) في سريةٍ وجهريةٍ للمنفردِ والمؤتَمِّ، أما المنفردُ فظاهرٌ، وأما المؤتمُّ فدخولُهُ في ذلكَ واضحٌ وزادهُ إيضاحًا في قولهِ: (وفي أخْرَى) منْ روايةِ عُبَادَةَ (لأَحْمَدَ، وَأَبَي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَأونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قالَ: لا تفعلُوا إلا بفاتحةِ الكتاب فإنهُ لا صلاةَ لمنْ لمْ يقرأْ بِها)؛ فإنهُ [دليل] (^١١) عَلَى\n_________\n(^١) في (أ): \"مع من قال بالوجوب\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"ثم\".\n(^٤) في (ب): \"الركعات\".\n(^٥) في (ب): \"تفريق\".\n(^٦) في \"الفتح الرباني\" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٤٨٢).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧٣).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٣/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ١٧٨٤). كلهم من حديث رِفاعة بن رافع.\n(^٩) وهو حديث صحيح. تقدم تخريجه في \"شرح الحديث\" رقم (٣/ ٢٥٤).\n(^١٠) في (أ): \"وجوبها\".\n(^١١) في (ب): \"دل\".","vol":"2","page":187},{"text":"إيجابِ فراءةِ الفاتحةِ خلفَ الإمامِ تخصيصًا كما دلَّ اللفظُ الذي عندَ الشيخينِ لعمومهِ، وهوَ أيضًا ظاهرٌ في عمومِ الصلاةِ الجهريةِ والسريةِ، وفي كلِّ ركعةٍ أيضًا، وإلى هذا ذهبَ الشافعيةُ. وذهبتِ الهادويةُ إلى [أنْ] (^١) لا يقرأَها المؤتمُّ خلفَ إمامِهِ في الجهريةِ إذا كانَ يسمعُ قراءتَه، ويقرأَها في السريةِ، وحيثُ لا يسمعُ في الجهريةِ. وقالتِ الحنفيةُ: لا يقرأُها المأمومُ في سريةٍ ولا جهريةٍ. وحديثُ عبادةَ حجةٌ على الجميعِ، واستدلالُهم بحديثِ: \"مَنْ صلَّى خلفَ الإمامِ فقراءةُ الإمامِ قراءةٌ لهُ\" (^٢) معَ كونهِ ضعيفًا قالَ المصنفُ في التلخيصِ (^٣) بأنهُ مشهورٌ منْ حديثِ جابرٍ، ولهُ طرقٌ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ كلُّها معلولة انتهى. وفي المنتقى رواهُ الدارقطني (^٤) منْ طرقٍ كلِّها ضعاف والصحيحُ أنهُ مرسلٌ: لا يتم [به] (^٥) الاستدلالُ لأنهُ عام؛ لأنَّ لفظَ قراءةِ الإمامِ اسمُ جنسٍ مضافٍ يعمّ كلَّ ما يقرأهُ الإمامُ، وكذلكَ قولهُ تَعَالى: ﴿وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَه وَأَنصِتُوا﴾ (^٦)، وحديثُ: \"إذا قرأ فأَنْصِتُوا\" (^٧)، فإنَّ هذه\n_________\n(^١) في (أ): \"أنه\".\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\": - رواية محمد بن الحسن الشيباني - (رقم ١١٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٩)، والدارقطني (١/ ٣٢٥ - رقم ٤)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٩٤) من طرق .. من حديث جابر، بلفظ الكتاب.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (رقم ٨٥٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٧)، والدارقطني (١/ ٣٣١ رقم ٢٠)، وابن عدي \"الكامل\" (٦/ ٢١٠٧)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (رقم: ١٠٥٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣٣٤) من طرق .. عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان له إمام فقراءَةُ الإمام له قراءةٌ\".\nوقد حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ٥٠٠)، وقال: \"روى عن جماعة من الصحابة: (منهم) عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس. وفي الباب عن أبي الدرداء، وعلي، والشعبي مرسلًا\" اهـ.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٦ - ١٠).\n(^٣) (١/ ٢٣٢). قلت: انظر: طرق الحديث في \"الإرواء\" (٢/ ٢٦٨ - ٢٧٩ رقم ٥٠٠ و\"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٦ - ١٠).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٣١ رقم ٢٠) و(١/ ٣٢٣ رقم ١) و(١/ ٣٢٥ رقم ٤) و(١/ ٣٢٧ رقم ٩).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.\n(^٧) قلت: ورد من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي موسى الأشعري:\n• أما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٠)، وأبو داود (رقم ٦٠٤)، والنسائي (٢/ ١٤١)، وابن ماجه (رقم ٨٤٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٧)،=","vol":"2","page":188},{"text":"عموماتٌ في الفاتحةِ وغيرِها، وحديثُ عبادةَ خاصٌّ بالفاتحةِ، فيختصُّ بهِ العامةُ ثمّ اختلفَ القائلونَ بوجوبِ قراءتِها خلفَ الإمامِ فقيلَ في محلِّ سكتاتهِ بينَ الآياتِ، وقيلَ في سكوتهِ بعدَ تمامِ قراءةِ الفاتحةِ، ولا دليلَ على هذينِ القولينِ في الحديثِ، بلْ حديثُ عبادةَ دالٌّ أنَّها تُقْرَأُ عندَ قراءةِ الإمامِ الفاتحةَ، ويزيدهُ إيضاحًا ما أخرجهُ أبو داودَ (^١) منْ حديثِ عبادةَ: \"أنهُ صلَّى خلفَ أبي نعيمٍ وأبو نعيمٍ يجهرُ بالقراءةِ - فجعلَ عبادةُ يقرأُ بأمّ القرآنِ، فلمَّا انصرفُوا منَ الصلاةِ قالَ لعبادةَ بعضُ مَنْ سمَعهُ يقرأ: سمعتُكَ تقرأُ بأمِّ القرآنِ، وأبو نعيمٍ يجهرُ. قالَ: أجلْ، صلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ بعضَ الصلواتِ التي يُجْهَرُ فيها بالقراءةِ قال: فالتبستْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ أقبلَ علينا بوجهه فقالَ: هل تقرأونَ إذا جهرتُ بالقراءةِ؟ فقالَ بعضُنَا: نعمْ إنَّا نصنعُ ذلكَ، قالَ: فلا وأَنَا أقولُ: ما لي ينازعُني القرآنُ فلا تقرَأوا بشيءٍ إذا جَهَرْتُ إلَّا بأمِّ القرآنِ\"؛ فهذَا عُبَادةُ راوي الحديثِ قرأَ بِها جَهْرًا خلفَ الإمامِ لأنهُ فهمَ مِنْ كلامه - ﷺ - أنه يقرأُ بها خلفَ الإمامَ جَهْرًا، وإنْ نازعهُ. وأمَّا أبو هريرةَ فإنه أخرجَ عنهُ أبو داودَ (^٢) أنهُ لما حدثَ بقولهِ - ﷺ -: \"مَنْ صلَّى\n_________\n= والدارقطني (١/ ٣٢٧ رقم ١٠) عنه، عن النبي ﷺ قال: \"إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا\" الحديث، وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n• وحديث أبي موسى الأشعري أخرجه مسلم (رقم ١٢/ ٤٠٤)، وأبو داود (رقم ٩٧٢)، والدارقطني (١/ ٣٣٠ رقم ١٧)، والبيهقي (٢/ ١٥٦) عنه في حديث طويل .. قال فيه: \"إن النبي - ﷺ - خطبنا فبيَّن لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال: \"إذا صلَّيتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدُكم، فإذا كبَّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا\"، الحديث.\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٨٢٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ١٦٥)، والدارقطني (١/ ٣١٩ رقم ٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩) وقال: هذا متابع لمكحول في روايته عن محمود بن الربيع وهو عزيز وإن كان رواية إسحاق بن أبي فروة فإني ذكرته شاهدًا. وقال الذهبي: ابن أبي فروة هالك.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥١٢ رقم ٨٢١).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٨٤ رقم ٣٩)، والشافعي في \"الأم\" (١/ ١٢٩)، والطيالسي (ص ٣٣٤ رقم ٢٥٦١)، وأحمد (٢/ ٢٨٥)، والترمذي (٢/ ٢٥ رقم ٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٥)، ومسلم (رقم ٤١/ ٣٩٥)، والبيهقي (٢/ ٣٩)، وابن ماجه (رقم ٨٣٨) وغيرهم.","vol":"2","page":189},{"text":"صلاةً لا يقرأُ فيها بأمِّ القرآنِ فهيَ خِداجٌ، فهيَ خِداجٌ، فهيَ خِداجٌ غيرُ تمام\"، قالَ لهُ الراوي عنهُ وهوَ أبو السائبِ مولى هشام بن زِهرةَ: يا أبا هريرةَ، إني أكونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ فغمزَ ذراعي، وقالَ: اقرأْ بها في نفسكَ - الحديثَ.\nوأخرج (^١) عنْ مكحولٍ أنهُ كانَ يقولُ: اقرأْ في المغربِ والعشاءِ والصبحِ بفاتحةِ الكتابِ في كلِّ ركعةٍ سرًا، [ثمَّ] (^٢) قالَ مكحولٌ: اقرأْ بِها فيما جهرَ بهِ الإمامُ إذا قرأَ بفاتحةِ الكتابِ وسكتَ سرًا، فإنْ لمْ يسكتْ قرأتَها قبله ومعهُ وبعدَهُ لا تتركْها على حالٍ. وقدْ أخرج أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ: \"أنهُ أمرهُ - ﷺ - أنْ ينادَى في المدينةِ أنهُ لا صلاةَ [إلا بقراءةِ فاتحةِ] (^٤) الكتابِ فما زادَ\"، وفي لفظٍ (^٥): إلَّا \"بقرآنٍ ولو بفاتحةِ الكتابِ فما زادَ\"، إلَّا أنهُ [أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: \"وإن لم يزد على أم القرآن أجزأت\". ولابن خزيمة من حديث ابن عباس أن النبيَّ ﷺ قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب] (^٦)، يحملُ على المنفردِ جمعًا بينَه وبينَ حديثِ عبادةَ الدالِّ على أنهُ لا يقرأُ خلفَ الإمامِ إلَّا بفاتحةِ الكتابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-384>حجة من لا يجهر بالبسملة في الصلاة والجمع بين أحاديثها</span>\n١٤/ ٢٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِالْحَمْدِ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n- زَادَ مُسْلِمٌ (^٨): لَا يَذْكُرُونَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) في أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا في آخِرِهَا. [صحيح]\n_________\n(^١) يعني أبا داود في \"السنن\" (رقم ٥٢٥). وقال المنذري في \"المختصر\" (١/ ٣٩١): هذا منقطع. مكحول لم يدرك عبادة بن الصامت.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٥١٢ رقم ٨١٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) في (أ): \"إلا بفاتحة\".\n(^٥) في \"السنن\" لأبي داود (رقم ٨٢٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) البخاري (رقم ٧٤٣)، ومسلم (رقم ٣٩٩).\n(^٨) في \"صحيحه\" (رقم ٥٥/ ٣٩٩).","vol":"2","page":190},{"text":"- وَفي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ (^١)، وَالنَّسَائِيِّ (^٢)، وَابْنِ خُزْيَمَةَ (^٣): لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ. [إسناده صحيح]\n- وفي أُخْرَى لابْنِ خُزَيْمَةَ (^٤): كَانُوا يُسِرُّونَ. [إسناده ضعيف]\nوعلى هذا يُحْمَلُ النَّفيُ في روايةِ مُسلمٍ خِلافًا لِمَنْ أعَلَّها.\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعمَرَ كَانوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِالْحَمْدِ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أي: القراءةَ في الصلاةِ بهذَا اللفظِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَلَا يتمُّ هنَا أنْ يقالَ ما قلْناهُ في حديثِ عائشةَ إنَّ المرادَ بالحمدِ للَّهِ ربِّ العالمينَ السورةُ، فلا يدلُّ على حذفِ البسملةِ، بلْ يكونُ دليلًا عليْها؛ إذْ هيَ منْ مسمَّى السورةِ لقولهِ: (زَادَ مُسْلِمٌ: لَا يَذْكرُونَ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\" في أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا في آخِرِهَا)، زيادةً في المبالغةِ في النفي، وإلَّا فإنهُ ليسَ في آخرِها بسملةٌ، ويحتملُ أنْ يريدَ بآخرِها السورةَ الثانيةَ التي تُقْرَأُ بعدَ الفاتحةِ. والحديثُ دليل أن الثلاثةَ كانُوا لا يُسْمِعُونَ مَنْ خَلْفَهم لفظَ البسملةِ عندَ قراءةِ الفاتحةِ جَهْرًا مَعَ احتمالِ أنَّهم يقرأونَ البسملةَ سِرًا، ولا يقرأونَها أصلًا، إلَّا أن قولَهُ: (وَفي رِوَايَةٍ) أي عن أنسٍ (لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خزَيْمَةَ: لَا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ) يدلُّ بمفهومهِ أنهمْ يقرأونَها سرًا، ودلَّ قولُهُ: (وَفي أُخرَى) أي روايةٍ أُخْرَى عَنْ أنسٍ (لابْنِ خُزَيْمَةَ: كَانُوا يسِرُّونَ) فمنطوقهُ [على] (^٥) أنَّهم كانُوا يقرأونَ بها سِرًا، ولذَا قالَ المصنفُ: (وعلى هذَا) أي على قراءةِ النبي ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ البسملةِ سرًا (يحملُ النفيُ في روايةِ مسلمٍ) حيثُ قالَ: [لا يذكرونَ، أي] (^٦) لا يذكرونَها جهرًا (خلافًا لمنْ أعلَّها) أي أَبْدَى علةً لما زادهُ مسلمٌ. والعلةُ هي أن الأوزاعيَ روى هذهِ الزيادةَ عنْ قتادة مكاتبةً، وقدْ وردتْ هذهِ العلةُ بأنَّ الأوزاعيَ لم ينفردْ بها بلْ قدْ رواها غيرُه روايةً صحيحةً. والحديثُ قد استدلَّ بهِ مَنْ يقولُ: إن البسملةَ لا يجهرُ بها في الفاتحةِ ولا في غيرِها بناء على أن قولَهُ ولا في آخرِها مرادٌ بهِ أولَ السورة [الثانية] (^٧)، ومَنْ أثبتَها\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٢٦٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥٥ رقم ٤٩٥ و٤٩٦ و٤٩٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٥ رقم ٤٩٨).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"2","page":191},{"text":"قالَ: المرادُ أنهُ لمْ يجهرْ بها الثلاثةُ حالَ جهرِهمْ بالفاتحةِ بلْ يقرأونَها سرًا كما قررهُ المصنفُ. وقدْ أطالَ العلماءُ في هذهِ المسألةِ الكلامَ، وألَّفَ فيها بعضُ الأعلامِ، وبيَّنَ [على] (^١) أن حديثَ أنسٍ مضَّطِربٌ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ بعدَ سردهِ رواياتِ حديثِ أنسٍ هذه ما لفظهُ: هذَا الاضطرابُ لا تقومُ معهُ حجةٌ لأحدٍ منَ الفقهاءِ الذينَ يقرأونَ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، والذينَ لا يقرأونَهَا، وقدْ سُئِلَ عنْ ذلكَ أنسٌ فقالَ: كبرتْ سِنِّي ونسيتُ، انتهى، فلا حجةَ فيهِ. والأصلُ أن البسملةَ مِنَ القرآنِ، وأطالَ الجدالَ بينَ العلماءِ مِنَ الطوائفِ لاختلافِ المذاهبِ، والأقربُ أنهُ - ﷺ - كان يقرأُ بها تارةً جَهْرًا وتارةً يُخفيْها. وقد طولنا البحثَ في حواشي شرحِ العمدةِ (^٢) بما لا زيادةَ عليهِ. واختارَ جماعةٌ منَ المحققينَ أنها مثلُ سائرِ آياتِ القرآنِ يجهرُ بها فيما يجهرُ فيهِ ويُسِرُّ بها فيما يُسِرُّ فيهِ. وأما الاستدلالُ بكونهِ - ﷺ - لمْ يقرأُ بها في الفاتحةِ، ولا في غيرِها في صلاتهِ على أنَّها ليستْ بآيةٍ، والقراءةُ بها تدلُّ على أنَّها آيةٌ فلا ينهضُ؛ لأنَّ تركَ القراءةِ بها في الصلاةِ لو ثبتَ لا يدلُّ على نفي قُرْآنِيَّتِها، فإنهُ ليسَ الدليلُ على القرآنيةِ الجهرُ بالقراءةِ بالآيةِ في الصلاةِ، بلِ الدليلُ أعمُّ منْ ذلكَ. وإذا انتفَى الدليلُ الخاصُّ لم ينتفِ الدليلُ العامُّ.\n١٥/ ٢٦٦ - وَعَنْ نُعَيْمِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَرَأَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتى إِذَا بَلَغَ (ولَا الضالين) قَالَ: \"آمِينَ\"، وَيَقُولُ كُلَّمَا سَجَدَ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ: اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَد إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (٢/ ٢٠٨ - ٢١٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٣٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٤٩٩).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٩٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ١٨٤)، والدارقطني (١/ ٣٠٥ رقم ١٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٢/ ٤٦)، وابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٢/ ١٧٦).\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.=","vol":"2","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>ترجمة نعيم المُجمر</span>\n(وَعَنْ نُعَيْمِ) (^١) بضمّ النونِ وفتحِ العينِ المهملةِ، مصغرٌ (الْمُجْمِرِ) بضمِّ الميم وسكونِ الجيمِ وكسرِ الميمِ وبالراءِ، ويقالُ: وتشديدُ الميمِ الثانيةِ، ذكرهُ الحلبيُّ في شرحِ العمدةِ، هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مولى عمرَ بن الخطابِ، سمعَ منْ أبي هريرةَ وغيرِهِ، وسُمِّيَ مجمرًا لأنهُ أُمِرَ أنْ يجمرَ مسجدَ المدينةِ كلَّ جمعةٍ حينَ ينتصفَ النهارُ.\n(قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هرَيْرَةَ، فَقَرَأَ بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ثمَّ قَرَأَ بأمِّ الْقرآنِ حَتى إِذَا بَلَغَ وَلَا الضالينَ قَالَ: آمِينَ، وَيَقَول كلَّمَا سَجَدَ وَإذَا قَامَ مِنَ الْجُلُوسِ) أي التشهدِ الأوسطِ، وكذلكَ إذا قامَ مِنَ السجدةِ الأُوْلى والثانيةِ (اللَّهُ أكبَرُ)، وهوَ تكبيرُ النَّقْلِ، (ثمَّ يَقولُ) أي: أبو هريرةَ ﵁ (إذَا سَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أي: روحي في تصرُّفِهِ (إِني لأَشْبَهُكُمْ صَلَاة بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. رَوَاه النَّسَائِيُّ وَابْن خزَيْمَةَ)، وذكرهُ البخاريُّ تعليقًا، وأخرجهُ السراجُ، وإبنُ حبانَ (^٢)، وغيرُهم وبَوَّبَ عليهِ النسائيُّ (^٣) (الجهرُ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ) وهوَ أصحُّ حديثٍ وردَ في ذلكَ، فهوَ مَؤيِّدٌ للأصلِ، وهوَ كون - البسملةِ حكمُهُا حكمُ الفاتحةِ في القراءةِ جَهْرًا [وسرًا] (^٤)؛ إذْ هوَ ظاهرٌ في أنهُ كانَ - ﷺ - يقرأُ بالبسملة لقولِ أبي هريرةَ: إني لأشبُهكم صلاةً برسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وإنْ كانَ محتملًا أنهُ يريدُ في أكثرِ أفعالِ الصلاةِ وأقوالِها، إلَّا أنهُ خلافُ الظاهرِ، ويبعدُ مِنَ الصحابيِّ أنْ يبتدعَ في صلاتهِ شيئًا لم يفْعلهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ فيها، ثمَّ يقولُ: والذي نفسي بيده إني لأشبهُكم. وفيهِ دليل على شرعيةِ التأمينِ للإمامِ. وقدْ أخرجَ الدارقطنيُّ في السننِ (^٥) منْ حديثِ وائلٍ بن\n_________\n=قلت: \"سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المعري: ثقة معروف حديثه في الكتب الستة\".\nقال ابن حزم وحده: ليس بالقوي. [\"الميزان\": (٢/ ١٦٢)، وتجريد أسماء الرواة الذين تكلم فيهم ابن حزم جرحًا وتعديلًا مقارنة مع أقوال أئمة \"الجرح والتعديل\" (ص ١١٤ رقم ٢٥٢)].\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٩٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٤٦٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤١٤ رقم ٨٣٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٢٧ رقم ٩٤).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٣/ ١٤٣ رقم ١٧٩٤).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٣٤).\n(^٤) في (ب): \"وإسرارًا\".\n(^٥) (١/ ٣٣٤ رقم ٣).","vol":"2","page":193},{"text":"حجرٍ: \"سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ إذا قالَ: غيرِ المغضوبِ عليهمْ ولا الضالينَ، قال: آمينَ، يمدُّ بها صوتَهُ\"، وقالَ إنهُ حديثٌ صحيحٌ، ودليلٌ على تكبيرِ النقلِ ويأتي ما فيهِ مُسْتَوْفَى في حديثِ أبي هريرةَ.\n١٦/ ٢٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"إِذا قَرَأتُمُ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فَإنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^١)، وَصَوَّبَ وَقْفَه (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا قَرَأْتُمُ الْفَاتِحَةَ فَاقْرَأُوا بِسْمِ إلا الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؛ فَإِنَّهَا إِحْدَى آيَاتِهَا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَصَوَّبَ وَقْفَهُ). لا يدلُّ الحديثُ [هذا] (^٣) على الجهرِ بها، ولا الإسرارِ، بلْ يدلُّ على الأمرِ بمطلقِ قراءتِها. وقدْ ساقَ الدارقطنيُّ (^٤) في السننِ لهُ أحاديثَ في الجهرِ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣١٢ رقم ٣٦).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٥).\n(^٢) قال الدارقطني في \"علله\": \"هذا الحديث يرويه نوح بن أبي بلال، واختلف عليه فيه، فرواه عبد الحميد بن جعفر عنه، واختلف عنه، فرواه المعافى بن عمران عن عبد الحميد عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا، ورواه أسامة بن زيد. وأبو بكر الحنفي عن نوح بن أبي بلال عن المقبري عن أبي هريرة موقوفًا، وهو الصواب\" اهـ - كما في \"نصب الراية\" (١/ ٣٤٣).\n(^٣) في (أ): \"هنا\".\n(^٤) • (١/ ٣٠٢ رقم ٢) من حديث علي بن أبي طالب.\nوفيه عيسى بن عبد الله، قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن آبائه أشياء موضوعة.\n• (١/ ٣٠٣ رقم ٥) من حديث علي بن أبي طالب وعمار.\n• (١/ ٣٠٣ رقم ٦) من حديث ابن عباس.\nوفيه: أبو الصلت الهروي، هو عبد السلام بن صالح الهروي، قال أبو حاتم: لم يكن عندي بصدوق، وقال العقيلي والدارقطني: رافضي خبيث، وقال ابن عدي: متهم، وقال النسائي: لي بثقة.\n• (١/ ٣٠٤ رقم ١٠) من حديث ابن عمر.\nوفيه: أحمد بن رشد بن خثيم الهلالي: أحمد بن رشد ضعيف أتى بخبر باطل.\n• (١/ ٣٠٧ رقم ٢٠) من حديث أبي هريرة.=","vol":"2","page":194},{"text":"الرحيمِ في الصلاةِ واسعةً مرفوعةً: عنْ عليٍّ ﵇، وعنْ عمارٍ، وعنِ ابن عباسٍ، وعنِ ابن عمرَ، وعنْ أبي هريرةَ، وعنْ أمِّ سلمةَ، وعنْ جابرٍ، وعنْ أنسٍ بن مالكٍ، ثمَّ قالَ (^١) بعدَ سردِ أحاديثِ هؤلاءِ وغيرهم ما لفْظُهُ: \"ورَوى الجهرَ ببسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ عن النبيِّ ﷺ مِنْ أصحابهِ ومِنْ أزواجهِ غيرُ مَنْ سمَّيْنَا. كَتَبْنَا أحاديثَهم بذلكَ في كتابِ الجهرِ بها مفرَدًا، واقتصرْنا على ما ذكرْنَا هنا طلبًا للاختصارِ والتخفيف\"، انتهى لفظُهُ. والحديثُ دليل على قراءةِ البسملةِ وأنَّها إحدى آياتِ الفاتحةِ، وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-386>تأمين الإمام والمأموم في الصلاة</span>\n١٧/ ٢٦٨ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: \"آمِينَ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ وحَسّنَهُ (^٢)، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ (^٣). [صحيح بطرقه]\n(وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رسول اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ أمِّ الْقُرْآنِ رَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ: \"آمِينَ\"، رَوَاهُ الدَّارَقطْنيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ). قَالَ الحاكمُ: إسنادهُ صحيحٌ على شرطِهِمَا. وقالَ البيهقيُّ (^٤): حسنٌ صحيحٌ.\nوالحديثُ دليل على أنهُ يُشْرَعُ للإمامِ التأمينُ بعدَ قراءةِ الفاتحةِ جهرًا، وظاهرُهُ في الجهريةِ [وفي] (^٥) السريةِ، وبشرعيتهِ قالتِ الشافعيةُ. وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ شرعيتهِ لما يأتي. وقالتِ الحنفيةُ: يُسِرُّ بها في الجهريةِ. ولمالكٍ قولانِ،\n_________\n= • (١/ ٣١٢ رقم ٣٧) من حديث أم سلمة. وقال الدارقطني: إسناده صحيح وكلهم ثقات.\n• (١/ ٣٠٨ رقم ٢٢) من حديث جابر.\nوفيه لجهم بن عثمان عن جعفر، قال الذهبي: جهم بن عثمان عن جعفر الصادق لا يدرى من ذا، وبعضهم وهَّاه.\n• (١/ ٣٠٨ رقم ٢٦) من حديث أنس بن مالك.\n(^١) أي الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣١١).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٣٥ رقم ٧) وقال: هذا إسناد حسن.\n(^٣) في \"المستدرك (١/ ٢٢٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٥٧).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"2","page":195},{"text":"(الأولُ): كالحنفيةِ، (والثاني): [أنهُ] (^١) لا يقولُها. والحديثُ حجةٌ بينةٌ للشافعيةِ. وليسَ في الحديثِ تَعُرُّضٌ لتأمينِ المأمومِ والمنفردِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٢) في شرعيةِ التأمين للمأمومِ منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا أمَّنَ الإمامُ فأمِّنوا؛ فإنهُ مَنْ وَافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غَفَرَ اللَّهُ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ\". وأخرجه أيضًا (^٣) منْ حديثِهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذا قالَ الإمامُ ولا الضالينَ فقولُوا آمينَ\" الحديثَ. وأخرجَ أيضًا (^٤) منْ حديثهِ مرفوعًا: \"إذا قالَ أحدُكم آمينَ، وقالتِ الملائكةُ في السماءِ آمينَ؛ فوافقَ أحدُهما الآخرَ غفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ منْ ذنبهِ\". فدلتِ الأحاديثُ على شرعيتهِ للمأمومِ، والأخيرُ يعمُّ المنفردَ. وقد حملهُ الجمهورُ مِنَ القائلينَ بهِ على الندبِ، وعنْ بعضِ [أهل الظاهرِ] (^٥) أنهُ للوجوبِ عملًا بظاهرِ الأمرِ فأَوْجَبُوهُ على كلِّ مصلٍّ. واستدلتِ الهادويةُ على أنهُ بدعةٌ مفسدةٌ للصلاةِ بحديثِ: \"إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلحُ فيها شيءٌ منْ كلامِ الناسِ\" (^٦) [الحديث] (^٧). ولا يتمُّ بهِ الاستدلالُ لأنَّ [هذَا] (^٨) قامَ الدليلُ على أنهُ مِنْ أذكار الصلاةِ كالتسبيحِ ونحوِهِ، وكلامُ الناسِ المرادُ بهِ مكالمتُهُمْ ومخاطبتهُمْ كما عرفتَ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ٧٨٠).\nقلت: وأخرجه مسلم (رقم ٧٢/ ٤١٠)، وأبو داود (رقم ٩٣٦)، والترمذي (٢/ ٣٠ رقم ٢٥٠)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، وابن ماجه (رقم ٨٥٢)، وأحمد (٢/ ٤٥٩)، ومالك (١/ ٨٧ رقم ١١)، والبيهقي (٢/ ٥٦ - ٥٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٦٠ رقم ٥٨٧).\n(^٣) أي البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٧٨٢).\nقلت: وأخرجه مسلم (رقم ٨٧/ ٤١٥)، وأبو داود (رقم ٩٣٥)، والنسائي (٢/ ١٤٤)، وأحمد (٢/ ٤٤٠)، ومالك (١/ ٨٨ رقم ٤٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٩٧ رقم ٢٦٤٤).\n(^٤) أي البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٧٨١).\nقلت: وأخرجه مسلم (رقم ٧٥/ ٤١٠)، والنسائي (٢/ ١٤٤، ١٤٥)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٨ رقم ٤٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٦٢ رقم ٥٩٠).\n(^٥) في (أ): \"الظاهرية\".\n(^٦) تقدم تخريجه رقم (١٥/ ٢٠٧).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"قد\".","vol":"2","page":196},{"text":"١٨/ ٢٦٩ - وَلأَبي دَاوُدَ (^١) وَالتّرْمِذِيّ (^٢) مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نحوُهُ. [صحيح]\n(وَلأَبي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِل بْنِ حُجْرٍ نحوُهُ) أي: نحوُ حديثِ أبي هريرةَ. ولفظُهُ في السننِ: \"إذا قرأ الإمامُ ولا الضالينَ قالَ آمينَ، ورفعَ بها صوتَهُ\". وفي لفظٍ لهُ عنْهُ: \"أنهُ صلَّى خلفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فجهرَ بآمينَ\". وآمينُ بالمدِّ والتخفيفِ في جميعِ الرواياتِ، وعنْ جميعِ القراءِ، وحُكِيَ فيها لغاتٌ، ومعناها: اللَّهمَّ استجبْ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-387>ماذا يصنع من لم يحسن شيئًا من القرآن</span>\n١٩/ ٢٧٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفى - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِني لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْني مَا يُجْزِئُني مِنْهُ. فَقَالَ؟ \"قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا الله، واللهُ أكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَليِّ الْعَظِيمِ\"، الحَدِيث. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالنَّسَائِي (^٥). وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦)، وَالدَّارَقُطْني (^٧)، وَالْحَاكِمُ (^٨). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-388>ترجمة عبد الله بن أبي أوفى</span>\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفى) (^٩) هوَ أبو إبراهيمَ، أوْ محمدٍ، أو معاويةَ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٩٣٢).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٧ رقم ٢٤٨)، وقال: حديث حسن.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (رقم ٨٥٥). وهو حديث صحيح، انظر: \"الصحيحة\" (١/ ٧٥٥).\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٣٥٣، ٣٥٦، ٣٨٢).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٨٣٢).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٤٣ رقم ٩٢٤).\n(^٦) في \"الإحسان\" (٣/ ١٤٧ - ١٤٨ رقم ١٨٠٥ و١٨٠٦ و١٨٠٧).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٣١٣ - ٣١٤ رقم ١ و٢ و٣).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٤١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\nقلت: وأخرجه الحميدي (٢/ ٣١٣ رقم ٧١٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ١٢١ رقم ٢٧٤٧)، والبيهقي (٢/ ٣٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٢٧)، وابن خزيمة (١/ ٢٧٣ رقم ٥٤٤) من طرق … والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٩) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ و٦/ ٢١)، و\"التاريخ الكبير\"=","vol":"2","page":197},{"text":"واسمُ أبي أَوْفَى علقمةُ بنُ قيسِ بن الحرْثِ الأسلميِّ، شهدَ الحديبيةَ وخيبرَ وما بعدَهما، ولمْ يزلْ [في المدينةِ] (^١) حتَّى قبضَ - ﷺ -، فتحولَ إلى الكوفةِ وماتَ بها، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ بالكوفةِ منَ الصحابةِ. (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِني لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْني مَا يُجْزِئُني [مِنْهُ، فَقَالَ] (^٢): قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلهَ إِلَّا الله، واللَّهُ أَكبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِّي الْعَظِيمِ. الْحَدِيثَ) (^٣) بالنصبِ، أي أتمَّ الحديثَ. وتمامُهُ في سننِ أبي داودَ: \"قالَ: - أي الرجلَ - يا رسولَ اللَّهِ، هذَا للَّهِ فما لي؟ قالَ: قلِ اللَّهمَّ ارحمْني وارزقني، وعافني واهدني، فلمَّا قامَ قالَ هكذَا [بيديهِ] (^٤)، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أمَّا هذَا فقدْ ملأَ [يديهِ] (^٥) منَ الخيرِ\" انتَهَى. إلَّا أنهُ ليسَ في سننِ أبي داودَ: العليِّ العظيمِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَالْحَاكِمُ).\nالحديثُ [دليل] (^٦) على أن هذه الأذكارَ قائمةٌ مقامَ القراءةِ للفاتحةِ وغيرِها لمنْ لا يحسنُ ذلكَ. وظاهرُهُ أنهُ لا يجبُ عليهِ تَعُلُّمُ القرآنِ ليقرأَ بهِ في الصلاةِ؛ فإنَّ معنَى لا أستطيعُ لا أحفظُ الآنَ منهُ شيئًا، فلمْ يأمرْهُ بِتَحَفُّظِهِ، وأمرَهُ بهذهِ الألفاظِ، معَ أنهُ يمكنهُ حفظُ الفاتحةِ كما يحفظُ هذهِ [الألفاظ] (^٧). وقدْ تقدمَ في حديثِ المسيءِ صلاتُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-389>قراءة الفاتحة في كل ركعة وتطويل الأولى</span>\n٢٠/ ٢٧١ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - في الرّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ - بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، ويُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيانًا، وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى، وَيَقْرَأُ في الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n_________\n= (٥/ ٢٤ رقم ٤٠)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٦٥)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٢٠ رقم ٥٥٢)، و\"مشاهير علماء الأمصار\" (ت: ٣٢٠)، و\"الجمع بين رجال الصحيحين\" (١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ٨٨٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٢ - ١٣٣ رقم ٢٦٠)، و\"الإصابة\" (٧/ ٢٠١ رقم ٦١٥٩)، و\"الاستيعاب (٦/ ١١٠ - ١١٢ رقم ١٤٧٨)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ٢٠٧).\n(^١) في (أ): بالمدينة.\n(^٢) في (أ): \"قال\".\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ٨٣٢).\n(^٤) في (أ): \"بيده\".\n(^٥) في (أ): \"يده\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) البخاري (رقم ٧٧٦)، ومسلم (رقم ١٥٥/ ٤٥١). =","vol":"2","page":198},{"text":"(وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصلِّي بِنَا فَيَقْرَأ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ في الرّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ) بيائينِ تثنيةُ أُوْلَى (بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ)، أي في كلِّ ركعةٍ منْهمَا، (وَسُورَتَيْنِ) أي: يقرأُهُما في كلِّ ركعةٍ سورةً، (وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيانًا)، وكأنهُ منْ هُنَا علمُوا مقدارَ قراءتِهِ، (وَيُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُوْلَى)؛ يجعلُ السورةَ فيها أطولَ مِنَ التي في الثانيةِ، (وَيَقْرَأ في الأُخْرَيَيْنِ) تثنيةُ أُخْرى [بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ] (^١) منْ غيرِ زيادةٍ عليْها (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\n[في الحديث دلالة] (^٢) على شرعيةِ قراءةِ الفاتحةِ في الأربعِ الركعاتِ في كلِّ واحدةٍ، وقراءةِ سورةٍ معَها في كلِّ ركعةٍ منَ الأوليينِ، وأنَّ هذَا كانَ عادَتهُ - ﷺ - كما يدلُّ لهُ كانَ يصلّي؛ إذْ هيَ عبارةٌ تفيدُ الاستمرارَ غالبًا، وإسماعُهم الآيةَ أحيانًا دليل على أنهُ لا يجبُ الإسرارُ في السِّريةِ، وأنَّ ذلكَ لا يقتضي سجودَ السهوِ. وفي قولهِ: أحيانًا ما يدلُّ على أنهُ تكررَ ذلكَ منهُ - ﷺ -. وقدْ أخرجَ النسائيُّ (^٣) منْ حديثٍ البراءِ قالَ: \"كنَّا نصلِّي خَلْفَ النبيِّ - ﷺ - الظُّهْرَ، ونَسْمَعُ مِنْهُ الآيةَ بعدَ الآيةِ منْ سُورَةِ لُقْمَانَ، والذَّارِياتِ\". وأخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٤) منْ حديثٍ أنسٍ نحوَه، ولكنْ قالَ: \"سبِّح اسمَ ربِكَ الأعْلَى، وهل أتاكَ حديثُ الغاشيةِ\". وفي الحديث دليل على تطويلِ الركعةِ الأُولى. ووجهُه ما أخرجَه عبدُ الرزاقِ (^٥) في آخرِ حديثِ أبي قتادةَ هذَا: \"وظَنَّنَا أنهُ يُريدُ بذلكَ أنْ يُدْرِكَ الناسُ الركعةَ الأولى\"، [وأخرجَ أبو داودَ منْ حديثِ] (^٦) عبدِ الرزاقِ عنْ عطاءٍ: \"إني لأحبُّ أنْ يطَوِّلَ الإمامُ الركعةَ الأولى\" من كل صلاة حتى يكثر الناس في الأولى، ويقصر\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٧٩٨)، والنسائي (٢/ ١٦٤ - ١٦٥ رقم ٩٧٥)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٠٥ و٣١١).\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"فيه دليل\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٦٣ رقم ٩٧١)، وهو حديث حسن.\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٢٥٧ رقم ٥١٢) بإسناد صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ١٥٣ رقم ١٨٢١)، وقد تحرَّفت فيه \"قتادة\" إلى \"عبادة\".\nوأخرجه - مختصرًا - الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٠٨)، والنسائي (٢/ ١٦٣ - ١٦٤ رقم ٩٧٢).\n(^٥) في \"المصنف\" (١/ ١٠٤ رقم ٢٦٧٥).\n(^٦) العبارة في \"الفتح\" (٢/ ٢٤٤): (ولأبي داود وابن خزيمة نحوه من رواية أبي خالد عن سفيان، عن معمر وروى).","vol":"2","page":199},{"text":"في الثانية. والظاهر أن التطويل يكون بطول السورة في الركعة الأولى. وقدِ ادَّعَى ابنُ حبانَ [أن] (^١) التطويل إِنَّما هوَ بترتيلِ القراءةِ فيْها معَ استواءِ المقروءِ. وقدْ رَوَى مسلمٌ (^٢) منْ حديثٍ حفصةَ: \"كانَ يرتلُ السورةَ حتَّى تكونَ أَطْولَ منْ أطولَ منْها\"، وقيلَ: إِنَّما طالتِ الأُولى بدعاءِ الافتتاحِ والتعوذِ، وأما القراءةُ فيها فهمَا سواءٌ. وفي حديثٍ أبي سعيدِ الآتي (^٣) ما يرشدُ إلى ذلكَ. وقالَ البيهقيُّ (^٤): يطول في الأُولى إنْ كانَ ينتظرُ أحدًا، وإلا فيسوي بينَ الأوليينِ. وفيهِ دليل على أنهُ لا يزادُ في الأخريينِ على الفاتحةِ، وكذلكَ الثالثةُ في المغربِ، وإنْ كانَ مالكٌ قدْ أخرجَ في الموطأِ (^٥) منْ طريقِ الصّنَابحيِّ أنهُ سمعَ أبا بكرٍ يقرأُ فيها: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (^٦) الآيةَ. وللشافعيِّ قولانِ في استحبابِ قراءةِ السورةِ في الأخريينِ. وفيهِ دليل علَى جوازه أنْ يخبرَ الإنسانُ بالظنِّ فإن معرفةَ القراءةِ بالسورةِ لا طريقَ فيهِ إلى اليقينِ. وإسماعُ الآيةِ أحيانًا لا يدلُّ على قراءةِ كلِّ [السورةِ] (^٧). وحديثُ أبي سعيدٍ الآتي يدلُّ على الإخبارِ عنْ ذلكَ بالظنِّ، وكذَا حديثُ خبابٍ (^٨) حينَ سُئِلَ: \"بمَ كنتمْ تعرفونَ قراءةَ النبيِّ - ﷺ - في الظهرِ والعصرِ؟ قالَ: باضطرابِ لحيتهِ\"، ولوْ كانُوا يعلمونَ قراءتَه فيهمَا بخبرٍ عنهُ - ﷺ - لذكرُوهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-390>مقدار قراءة النبي - ﷺ - في الصلاة</span>\n٢١/ ٢٧٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ في الرّكْعَتَينِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ١١٨/ ٧٣٣).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٣٧ رقم ٢١)، والترمذي (٢/ ٢١١ رقم ٣٧٣)، والنسائي (٣/ ٢٢٣ رقم ١٦٥٨). وقال الترمذي حديث حسن صحيح.\n(^٣) رقم (٢١/ ٢٧٠).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٦٦).\n(^٥) (١/ ٧٩ رقم ٢٥)، وإسناده صحيح.\n(^٦) سورة آل عمران: الآية ٨.\n(^٧) في (ب): \"سورة\".\n(^٨) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٧٦١)، وأبو داود (رقم ٨٠١)، عن عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي قال: قلنا لخباب .. الحديث.","vol":"2","page":200},{"text":"قَدْرَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ والسَّجْدَةِ. وَفي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. وَفي الأُولَيَيْنِ مِنْ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَالأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ) بفتحِ النونِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ وضمّ الزاي، نخرصُ ونقدِّرُ. وفي قولهِ: (كنا نحزُرُ) ما يدلّ على أن المقدرينَ لذلكَ جماعةٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجَهْ (^٢) روايةَ أن الحازرينَ ثلاثونَ رجلًا منَ الصحابةِ، (قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَزنَا قِيَامَة في الرّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ آلم تنزيل السَّجْدَةِ)، أي في كلّ ركعةٍ بعدَ قراءةِ الفاتحةِ، (وَفي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ).\nفيهِ دلالَةٌ على قراءةِ غيرِ الفاتحةِ معَها في الأخريينِ، [ويزيدهُ] (^٣) دلالةٌ [على ذلكَ] (^٤) قولُهُ: (وَفي الأُولَيَيْنِ منَ العصرِ عَلَى قَدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ). ومعلومٌ أنهُ كانَ يقرأُ في الأُوليينِ منَ العصرِ سورةً غيرَ الفاتحةِ، (وَالأُخْرَيَيْنِ) أي منَ العصرِ (على النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ)، أي منَ الأوليينِ منهُ (رَوَاه مُسْلِمٌ). الأحاديثُ في هذَا قدِ اختلفتْ فقدْ وردَ أنَّهَا \"كانتْ صلاة الظهرِ تُقَامُ فيذهبُ الذاهبُ إلى البقيعِ، فيقضي حاجَتهُ، ثمَّ يأتي إلى أهلِهِ، فيتوضأُ [ويدركَ] (^٥) النبيَّ - ﷺ - في الركعةِ الأُولى مما يطيلُها\"، أخرجهُ مسلمٌ (^٦)، والنسائيَّ (^٧) عنْ أبي سعيدٍ، وأخرجَ أحمدُ (^٨) ومسلمٌ (^٩) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ أيضًا: \"أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يقرأُ في صلاةِ الظهرِ في الركعتينِ الأُوليينِ في كلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آيةً، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أوْ قالَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ١٥٧/ ٤٥٢).\nقلت وأخرجه أبو داود (رقم ٨٠٤)، والنسائي (١/ ٢٣٧)، وأحمد (٣/ ٢)، والبيهقي (٢/ ٦٦).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٧١ رقم ٨٢٨).\nوهو حديث ضعيف، لكن المرفوع منه له طريق آخر عند مسلم كما تقدم آنفًا دون لفظة القياس.\n(^٣) في (أ): \"ويؤيده\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"فيدرك\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (رقم ٤٥٤).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ١٦٤ رقم ٩٧٣).\n(^٨) في \"المسند\" (٣/ ٢) وقد تقدم.\n(^٩) في \"صحيحه\" (رقم ١٥٧/ ٤٥٢) وقد تقدم.","vol":"2","page":201},{"text":"نصفَ ذلكَ. وفي العصرِ في الركعتينِ الأوليينِ في كلِّ ركعةٍ قدرَ خمسَ عشْرةَ آيةً، وفي الأخريينِ قدرَ نصفِ ذلكَ\". هذا لفظُ مسلمٍ، وفيهِ دليل على أنهُ لا يقرأُ في الأخريينِ منَ العصرِ إلَّا الفاتحةَ، وأنهُ يقرأُ في الأخريينِ منَ الظهرِ غيرَها معَها، وتقدمَ حديثُ أبي قتادةَ (^١): \"أنهُ - ﷺ - كانَ يقرأُ في الأخريينِ منَ الظهرِ بأمِّ الكتابِ، ويسمعُنا الآيةَ أحيانًا\". وظاهرُهُ أنهُ لا يزيدُ على أمِّ الكتابِ فيهمَا، ولعلَّهُ أرجحُ منْ حديثٍ أبي سعيدٍ منْ حيثُ الروايةُ لأنهُ اتفقَ عليهِ الشيخانِ منْ حيثُ الروايةُ، ومنْ حيثُ الدرايةُ، لأنهُ إخبارٌ مجزومٌ بهِ، وخبرُ أبي سعيدٍ انفردَ بهِ مسلمٌ، ولأنهُ خبرٌ عنْ حُزْرٍ وتقديرٍ وتَظَنُّنٍ، ويحتملُ أنْ يجمعَ بينهَما بأنهُ - ﷺ - كانَ يصنعُ هذا تارةً فيقرأُ في الأخريينَ غيرَ الفاتحةِ معَها ويقتصرُ فيهما أحيانًا (^٢)، فتكونُ الزيادةُ عليْها [فيهما سنة] (^٣) تفعلُ أحيانًا وتتركُ أحيانًا.\n٢٢/ ٢٧٣ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلَ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَفي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ، وَفي الصُّبْحِ بِطِوالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ هذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ (^٤). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-391>ترجمة سليمان بن يسار</span>\n(وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) (^٥) هوَ أبو أيوبَ سليمانُ بنُ يسارٍ بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وتخفيفِ السينِ المهملة، وهوَ مولى ميمونةَ أمِّ المؤمنينَ وأخو عطاءِ بن يسارٍ منْ أهلِ المدينةِ وكبارِ التابعينَ. كانَ فقيهًا فاضلًا ثقةً عابدًا ورِعًا حجةً، وهوَ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ. (قَالَ: كَانَ فُلَانٌ) في شرح السنةِ للبغويِّ أن فلانًا يريدُ بهِ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه (٢٠/ ٢٧١).\n(^٢) هنا لفظ (عليها) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٩٨٣) وهو حديث صحيح.\n(^٥) انظر ترجمته في: شذرات الذهب\" (١/ ١٣٤)، والنجوم الزاهرة (١/ ٢٥٢)، و\"غاية النهاية\" (ت: ١٣٩٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٩ رقم ٣٩١)، و\"حلية الأولياء\" (٢/ ١٩٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٨٥)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥٤٩)، و\"تاريخ البخاري الكبير\" (٤/ ٤١)، و\"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٧٤).","vol":"2","page":202},{"text":"أميرًا [كان] (^١) على المدينةِ قيلَ اسمهُ (عمرُو بنُ سلمةَ) وليسَ هوَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ كما قيلَ لأنَّ ولادةَ عمرَ بن عبدِ العزيزِ كانتْ بعدَ وفاةِ أبي هريرةَ، والحديثُ مصرحٌ بأنَّ أبا هريرةَ صلَّى خلفَ فلانٍ هذَا (يُطِيلَ الأُوْلَيَيْنِ في الظُّهْرِ، وَيخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بقِصَارِ الْمفَصَّلِ) اختُلِفَ في أولِ المفصلِ فقيلَ إنَّها منَ الصافاتِ، أو الجاثيةِ، أَو القتالِ، أو الفتحِ، أو الحجراتِ، أو الصفِ، أو تباركَ، أو سبحِ، أو الضُّحى، واتُّفِقَ أنَّ منتهاهُ آخرُ القرآنِ، (وَفي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وَفي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ هَذَا. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). قالَ العلماءُ: السنةُ أنْ يقرأَ في الصبحِ والظهرِ بطوالِ المفصلِ، ويكونُ الصبحُ أطولَ، وفي العشاءِ والعصرِ بأوسطِهِ، وفي المغربِ بقصارهِ. قالُوا: والحكمةُ في تطويلِ الصبحِ والظهرِ أنَّهما وقْتَا غفلةٍ بالنومِ في آخرِ الليلِ والقائلةِ فطولُهما ليدْرِكَهُما [المتأخرونَ لغفلةٍ أوْ نومِ ونحوهما] (^٢)، وفي العصرِ ليستْ كذلكَ بلْ هيَ في وقتِ الأعمالِ فخُفَّتْ لذلكَ، وفي المغربِ لضيقِ الوقتِ، فاحتيجَ إلى زيادةِ تخفيفِها ولحاجةِ الناسِ إلى عشاءِ صائِمِهمْ وضيفهِمْ، وفي العشاءِ لغلبةِ النومِ ولكنَ وقتَها واسعٌ فأشبهتِ العصرَ هكذا قالُوه. وستعرفُ اختلافَ أحوالِ صلاتهِ - ﷺ - مما يأتي قريبًا بما لا يتمُّ بهِ هذا التفصيلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>قراءة النبي - ﷺ - في المغرب</span>\n٢٣/ ٢٧٤ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ -) تقدمَ [ضبطُهُما] (^٤) وبيانُ حالِ جبيرٍ (^٥) (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قدْ بيَّنَ في فتحِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"المتأخر لفعله أو نحوها\".\n(^٣) البخاري (رقم ٧٦٥)، ومسلم (رقم ١٧٤/ ٤٦٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨١١)، والنسائي (٢/ ١٦٩ رقم ٩٨٧)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٨ رقم ٢٣) وأحمد (٤/ ٨٤)، وابن ماجه رقم (٨٣٢).\n(^٤) في (أ): \"ضبطه\".\n(^٥) في الحديث رقم (١٧/ ١٥٦).","vol":"2","page":203},{"text":"الباري (^١) أن سَمَاعهُ لذلكَ كانَ قبلَ إسلامه، وهوَ دليل على أن المغربَ لا يختصُّ بقصارِ المفصّلِ. وقدْ وردَ أنهُ - ﷺ - قرأَ في المغربِ بـ ﴿المَصَ﴾ (^٢)، وأنهُ قرأَ فيهَا بالصافاتِ، وأنهُ قرأَ فيْها بحم الدخانِ (^٣)، وأنهُ قرأَ فيْها سبحِ اسمَ ربكَ الأعلى (^٤)، وأنهُ قرأَ فيْها بالتينِ والزيتونِ (^٥)، وأنهُ قرأَ فيْهَا بالمعوذتينِ، [وأنهُ قرأَ فيْها] (^٦) بالمرسلاتِ (^٧)، وأنهُ كانَ يقرأُ فيها بقصارِ المفصَّلِ (^٨)، وكلُّها أحاديثُ صحيحةٌ. وأمَّا المداومة في المغربِ على قُصَارَى المفصلِ؛ فإنما هوَ فعلُ مروانَ بن الحكمِ، وقدْ أنكرَ عليهِ زيدُ بنُ ثابتٍ، وقالَ لهُ: \"مَا لَكَ تقرأُ بقصارِ المفصَّلِ، وقدْ رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بطولى الطوليينِ [تثنيةُ طولى، والمرادُ بهمَا الأعرافُ والأنعامُ، والأعرافُ أطولُ منَ الأنعامِ، إلى هنا] (^٩)\n_________\n(^١) (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه النسائي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٩٨٩ و٩٩٠)، وأبو داود (رقم ٨١٢)، والبخاري - مختصرًا - (رقم ٧٦٤). من حديث زيد بن ثابت.\n(^٣) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه النسائي (٢/ ١٦٩ رقم ٩٨٨) من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود. وفي سنده \"معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدني\" لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وباقي رجاله ثقات.\n(^٤) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" - (٢/ ١١٨) من حديث عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب وقال الهيثمي: \"وفيه حجاج بن نصير ضعفه ابن المديني وجماعة ووثقه ابن معين في رواية ووثقه ابن حبان \" اهـ. قلت: والأرجح قول من ضعفه. انظر: \"الميزان\" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦ ت ١٧٥١/ ٢٥٩٩).\n(^٥) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" - (٢/ ١١٨) من حديث عبد الله بن يزيد: وقال الهيثمي: \"وفيه جابر الجعفي وثقة شعبة وسفيان، ضعفه بقية الأئمة\" اهـ. قلت: والأرجح قول من ضعفه. انظر: \"الميزان\" (٢/ ١٠٣ - ١٠٧ ت ١٤٢٧/ ٢٥٠٦).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ٧٦٣)، ومسلم (رقم ١٧٣/ ٤٦٢)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٨ رقم ٢٤)، وأبو داود (١/ ٥٠٨ رقم ٨١٠)، والترمذي (٢/ ١١٢ رقم ٣٠٨) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ١٦٨ رقم ٩٨٥ و٩٨٦) وغيرهم من حديث أم الفضل.\n(^٨) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٩ رقم ٢٥) من حديث عبد الله الصنابحي بإسناد صحيح.\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"2","page":204},{"text":"أخرجهُ البخاريُّ (^١)، وهي الأعرافُ. وقدْ أخرجَ النسائيُّ (^٢): أنهُ - ﷺ - فرقَ الأعرافَ في ركعتيْ المغربِ. وقدْ قرأَ في العشاءِ بالتينِ والزيتونِ (^٣)، ووقَّتَ لمعاذٍ فيها بالشمسِ وضحَاهَا، وبالليلِ إذا يغشَى، وسبحِ اسمَ ربِّكَ الأعلى ونحوِها (^٤) \". والجمعُ بَيْنَ هذهِ الرواياتِ أنهُ وقعَ ذلكَ منهُ - ﷺ - باختلافِ الحالاتِ والأوقاتِ والأشغالِ عدمًا ووجُودًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>قراءة النبي - ﷺ - في فجر الجمعة</span>\n٢٤/ ٢٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ) أي في الركعةِ الأُولى، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ أي في الثانيةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فيهِ دليل على أن ذلكَ كانَ دأبُهُ - ﷺ - في تلكَ الصلاةِ، وزادَ استمرارُهُ على ذلكَ بيانًا قولُهُ:\n٢٥/ ٢٧٦ - وَلِلطَّبَرَانيِّ (^٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُدِيمُ ذلِكَ. [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ٧٦٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٩٨٩ و٩٩٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ٧٦٧)، ومسلم (رقم ٤٦٤)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٧٩ رقم ٢٧)، وأبو داود (رقم ١٢٢١)، والترمذي (٢/ ١١٥ رقم ٣١٠)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ١٧٣ رقم ١٠٠٠) من حديث البراء بن عازب.\n(^٤) يشير المؤلف إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري (رقم ٧٠٠ و٧٠١، ورقم ٧٠٥ و٧١١ ورقم ٦١٠٦)، ومسلم (رقم ٤٦٥)، وأبو داود (رقم ٧٩٠ و٧٩١ ورقم ٧٩٣)، والنسائي (٢/ ٩٧ رقم ٨٣١) من حديث جابر - ﵁ -.\n(^٥) البخاري (رقم ٨٩١ و١٠٦٨)، ومسلم (رقم ٨٨٠).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ١٥٩ رقم ٩٥٥).\n(^٦) في \"الصغير\" (٢/ ١٢٠ رقم ٨٨٧) و(٢/ ١٧٨ رقم ٩٨٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٦٨) وقال: \" - هو عند ابن ماجَهْ\" خلا قوله: يديم ذلك - رواه الطبراني في \"الصغير\" ورجاله موثقون\" اهـ.","vol":"2","page":205},{"text":"(وَلِلطَّبَرَانيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُدِيمُ ذلِكَ) أي: يجعلهُ عادةً دائمةً لهُ. قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ (^١): السرُّ في قراءتِهمَا في صلاةِ فجرِ الجمعةِ أنَّهما تضمَّنَتَا ما كان وما يكونُ في يومِهِمَا، فإنَّهما اشْتَمَلَتَا على خَلْقِ آدمَ وعلى ذكرِ المعادِ وحشرِ العبادِ، وذلكَ يكونُ يومَ الجمعةِ، ففي قراءَتِهمَا تذكيرٌ للعبادِ بما كانَ فيهِ ويكونُ.\nقلت: ليعتبروا بذكرِ ما كانَ ويستدُّوا لما يكونُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>ما يقول في الركوع والسجود</span>\n٢٦/ ٢٧٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ (^٢)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْت مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فَمَا مَرَّتْ بِهِ آيَةُ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ) أي: يطلبُ منَ اللَّهِ رحمتَهُ، (وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْهَا) مما ذُكِرَ فيْها. (أَخْرَجَه الْخَمْسَةُ، وَحسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ). في الحديثِ دليل على أنهُ ينبغي للقارئِ في الصلاةِ تَدَبُّرُ ما يقرؤُهُ، وسؤالُ اللَّهِ رحمتَه، والاستعاذةُ منْ عذابهِ. ولعلَّ هذَا كانَ في صلاةِ الليلِ، وإنَّما قلْنا ذلكَ لأنَّ حديثَ حذيفةَ مطلقٌ، ووردَ تقييدُهُ بحديثِ عبدِ الرحمنِ ابن أبي ليلى عنْ أبيهِ: قالَ: \"سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) في \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام\" (٢٤/ ٢٠٤ - ٢٠٦).\n(^٢) وهم: أحمد في المسند (٥/ ٣٨٤)، وأبو داود (رقم ٨٧١)، والترمذي (٢/ ٤٨ رقم ٢٦٢)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦ رقم ١٦٦٤)، وابن ماجه (رقم ٨٨٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (رقم ٢٠٣/ ٧٧٢). ولفظه: \"عن حذيفة، قال: صليتُ مع النبي - ﷺ - ذاتَ ليلَةٍ، فافتتحَ البقرة، فقلتُ: يركعُ عندَ المائةِ. ثم مضى، فقلتُ: يُصلي بها في رَكْعَةِ. فمضى. فقلتُ: يركعُ بها. ثُمَّ افتتحَ النساءَ فقرأهَا. ثم افتتحَ آلَ عمِرانَ فقرأها يقرأُ مترسِّلًا. إذا مَرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٍ سبَّحَ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تَعَوَّذَ. ثم ركعَ فجعلَ يقولُ: \"سبحانَ ربيَ العظيمِ\" فكان ركوعُهُ نحوًا من قيامِهِ. ثم قال: \"سمع اللهُ لمنْ حَمِدَهُ\"، ثم قامَ طويلًا قريبًا مَما ركعَ. ثم سجدَ فقال: \"سبحان ربيَ الأعلى\" فكان سجودُهُ قريبًا من قيامه\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٤٩).","vol":"2","page":206},{"text":"يقرأُ في صلاةٍ ليستْ بفريضةٍ، فمرَّ بذكرِ الجنةِ والنارِ فقالَ: أعوذُ باللَّهِ منَ النارِ، ويلٌ لأهلِ النارِ\" رواهُ أحمدُ (^١)، وابنُ ماجَهْ (^٢) بمعناهُ. وأخرجَ أحمدُ (^٣) عنْ عائشةَ: \"قمتُ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ليلةَ التمامِ، فكانَ يقرأُ بالبقرةِ، والنساء، وآلِ عمرانَ ولا يمرُّ بآيةٍ فيها تخويفٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ ﷿ واستعاذَ، ولا يمرُّ بآيةٍ فيْها استبشارٌ إلَّا دَعَا اللَّهَ ﷿ ورَغِبَ إليهِ\". وأخرجَ النسائيُّ (^٤)، وأبو داودَ (^٥) منْ حديثٍ عوفِ بن مالكٍ: \"قمتُ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فبدأَ فاستاكَ، وتوضأَ، ثمَّ قامَ فصلَّى فاستفتحِ بالبقرةَ؛ لا يمرُّ بآيةٍ رحمةٍ إلَّا وقفَ [يسأل] (^٦)، ولا يمرُّ بآيةٍ عذابٍ إلَّا وقفَ وتعوَّذ\" الحديثَ. وليسَ لأبي داودَ ذكْرُ السواكِ والوضوءِ، فهذَا كلُّهُ في النافلةِ كما هوَ صريحٌ الأولِ، وفي قيامِ الليلِ كما يفيدُهُ الحديثانِ الآخرانِ؛ فإنهُ لمْ يأتِ عنهُ - ﷺ - في روايةٍ قطُّ أنهُ أمَّ الناسَ بالبقرةِ وآلِ عمرانَ في فريضةٍ أصلًا. ولفظُ: قمتُ، يُشعِرُ أنهُ في الليلِ، [فتمّ ما ترجَّيْنا بقولِنَا] (^٧). ولعلَّ هذَا في صلاةِ الليلِ، فهذَا باعتبارِ ما ورد، فلوْ فعلَهُ أَحدٌ في الفريضةِ فلعلهُ لا بأسَ [فيه] (^٨)، ولا يخلُّ بصلاتِهِ سيَّما إذا كانَ منفردًا [لئلا] (^٩) يشقَّ على غيرهِ [إذا] (^١٠) كانَ إمامًا. وقولُها: (ليلةَ التمامِ)، في القاموس (^١١): وليلةُ التِّمامِ ككِتابِ، وليلٌ تِماميٌ: أطولُ ليالي الشتاءِ، أو هي ثلاثٌ لا يُسْتبانُ نُقْصانُها، أوْ هي إذا بَلَغَتِ اثْنَتَي عَشْرَةَ ساعةً فصاعدًا، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-395>قراءة القرآن حرام حال الركوع والسجود</span>\n٢٧/ ٢٧٨ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَلَا وَإِني نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرآنَ رَاكعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣٤٧).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٢٩ رقم ١٣٥٢)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ١١٩) وفيه ابن لهيعة، فيه مقال.\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٩١ رقم ١٠٤٩).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٨٧٣). وحديث عوف بن مالك حسن.\n(^٦) في (ب): \"فسأل\".\n(^٧) في (أ): \"فيتم ما شرحناه بقوله\".\n(^٨) في (أ): \"لمن فعله فيها\".\n(^٩) في (أ): \"لا\".\n(^١٠) في (أ): \"إن\".\n(^١١) \"المحيط\": (ص ١٣٩٩).","vol":"2","page":207},{"text":"فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابُ لَكُمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَلَا وَإِنِي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا)؛ فكأنهُ قيلَ فماذا تقولُ فيْهِمَا؟ فقالَ: (فَأَمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ)، قدْ بيَّنَ كيفيةَ هذا التعظيمِ حديثُ مسلمٍ (^٢) عنْ حذيفةَ: \"فجعلَ يقولُ أي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: سبحانَ ربيَ العظيمِ\". (وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا في الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ) بفتحِ القافِ، وكسرِ الميمِ، ومعناهُ حقيقٌ (أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).\nالحديثُ دليل على تحريمِ قراءةِ القرآنِ حالَ الركوعِ والسجودِ؛ لأنَّ الأصلَ في النهي التحريمُ. وظاهرُهُ وجوبُ تسبيحِ الركوعِ [والسجود] (^٣)، ووجوبُ الدعاءِ [في السجودِ] (^٤) للأمرِ بهمَا. وقدْ ذهبَ إلى ذلكَ أحمدُ بنُ حنبلٍ، وطائفةٌ منَ المحدثينَ. وقالَ الجمهورُ: إنهُ مستحبٌ لحديثِ المسيءِ صلاتِهِ؛ فإنهُ لمْ يعلِّمْهُ - ﷺ - ذلكَ، ولو كانَ واجبًا لأمرهُ بهِ. ثمَّ ظاهرُ قولهِ: (فعظِّمُوا فيهِ الربَّ) أنها تجزئُ المرةُ الواحدةُ، ويكونُ بها ممتثلًا ما أُمِرَ بهِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٥) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: \"إِذَا ركَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ثلاثَ مراتٍ سبحانَ ربيَ العظيمِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ\" ورواهُ الترمذيُّ (^٦)، وابنُ ماجَهْ (^٧)، إِلَّا أنهُ قالَ أبو داودَ فيهِ: إرسالٌ. وكذَا قال البخاريُّ، والترمذيُّ. وفي قولهِ: \"ذلكَ أدناهُ\"، ما يدلُّ على أَنَّها لا تجزئُ المرةُ الواحدةُ. والحديثُ دليل على مشروعيةِ الدعاءِ حالَ السجودِ بأي دعاءٍ كانَ، منْ طلبِ خيرِ الدنيا والآخرةِ، والاستعاذةِ من شرِّهِمَا، وأنهُ محل الإجابةِ. وقد بينَ بعضَ الأدعيةِ ما أفادهُ قولُهُ:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ٢٠٧/ ٤٧٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٧٦)، والنسائي (٢/ ١٨٩ - ١٩٠)، وأحمد (١/ ٢١٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٨٧ - ٨٨)، وفي \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٩٦)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ٢٠٣/ ٧٧٢) وقد تقدم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"فيه\".\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٨٨٦) وقال: هذا مرسل. عون لم يدرك عبد الله.\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٤٦ رقم ٢٦١) وقال: حديث ابن مسعود ليس إسنادُه بمتصل، عون بن عبد الله بن عُتبة لم يلق ابن مسعود.\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٢٨٧ رقم ٨٩٠). وهو حديث ضعيف. وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦).","vol":"2","page":208},{"text":"<span data-type='title' id=toc-396>الدعاء في السجود وتعظيم الرب في الركوع</span>\n٢٨/ ٢٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [رَبَّنَا] (^٢) وَبِحَمْدِكَ). الواو للعطفِ، والمعطوفُ عليهِ ما يفيدهُ ما قبلهُ، والمعطوفُ يتعلقُ بحمدكَ. والمعنى أنزِّهكَ وأتلبسُ بحمدِكَ، ويحتملُ أنْ تكونَ للحالِ، والمرادُ أسبِّحكُ وأنا متلبسٌ بحمدِكَ، أي حالَ كوني متلبسًا بهِ. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)\nالحديثُ وردَ بألفاظٍ منْها (^٣) أنَّها قالتْ عائشةُ: \"ما صلَّى النبيُّ - ﷺ - بعدَ أنْ أُنزلتْ عليهِ إذا جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتحُ إلَّا يقولُ سبحانكَ رَبَّنَا وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفرْ لي\". والحديثُ دليل على أنَّ هذَا منْ أذكارِ الركوعِ والسجودِ ولا ينافيهِ حديثُ: \"أمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ\"، لأنَّ هذَا الذكرَ زيادةٌ على ذلكَ التعظيمِ الذي كانَ يقولُهُ - ﷺ -، فَيُجْمَعُ بينهُ وبينَ هذَا. وقولُهُ: (اللهمَّ اغفرْ لي) امتثالٌ لقولهِ تعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ (^٤)، وفيهِ مسارعتُه - ﷺ - إلى امتثالِ ما أمرهُ اللَّهُ بهِ قيامًا بحقِّ العبوديةِ، وتعظيمًا لشأنِ الربوبيةِ، زادهُ اللَّهُ شرفًا وفضلًا، وقد غُفِرَ لهُ ما تقدمَ منْ ذنبهِ وما تأخرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-397>ما يقول عند كل خفض ورفع</span>\n٢٩/ ٢٨٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكِبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: \"رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ\"، ثُمَّ يُكَبِّرُ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٨١٧)، ومسلم (رقم ٤٨٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٧٧)، والنسائي (٢/ ٢١٩ رقم ١١٢٢) و(٢/ ٢٢٠ رقم ١١٢٣) و(٢/ ١٩٠ رقم ١٠٤٧)، وابن ماجه (رقم ٨٨٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٨٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) ما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (رقم ٤٩٦٧). ومسلم (رقم ٢١٩/ ٤٨٤).\n(^٤) سورة النصر: الآية ٣.","vol":"2","page":209},{"text":"حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع، ثُمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ في الصَّلَاةِ كلِّها، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) أيْ إذا قامَ فيْها (يُكبِّرُ)، أيْ تكبيرةَ الإحرامِ (حِينَ يَقُومُ). فيهِ دليل أنهُ لا يتوجهُ، ولا يصنعُ قبلَ التكبيرةِ شيئًا. (ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ) تكبيرةَ النقْلِ، (ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي أجابَ اللَّهُ مَنْ حَمِدَهُ؛ فإنَّ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ تعالى متعرِّضًا لثوابهِ استجابَ اللَّهُ لهُ وأعطاهُ ما تعرضَ لهُ، فناسبَ بعدَهُ أنْ يقولَ: ربَّنا ولكَ الحمدُ (حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَة مِنَ الرُّكُوعِ)، فهذَا في حالِ أخذ في رفعِ صلبهِ منْ هويه للقيامِ (ثمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) بإثباتِ الواوِ للعطفِ على مقدرٍ، أي: ربَّنا أطعناكَ وحمدناكَ، أو للحالِ، أوْ زائدةٌ. ووردَ في روايةٍ بحذفِها، وهي نسخةٌ في بلوغِ المرامِ (^٢). (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا) تكبيرَ النقْلِ، (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَأْسَهُ)، أي منَ السجودِ الأولِ، (ثمَّ يُكَبِّرْ حِينَ يَسْجُدُ) أي السجدة الثانية، (ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ) أي منَ السجدةِ الثانيةِ. هذا كلُّهُ تكبيرُ النقلِ، (ثُمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ) أي ما ذكرَ ما عدا التكبيرةَ الأولى التي للإحرامِ (في الصَّلَاةِ كلِّها) أي ركعاتِها كلِّها. (وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ) للتشهدِ الأوسطِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nالحديثُ دليل على [مشروعية] (^٣) ما ذُكِرَ فيهِ منَ الأذكارِ، فأما أولُ التكبيرِ [فهي] (^٤) تكبيرةُ الإحرامِ. وقدْ تقدمَ الدليلُ على وجوبِها منْ غيرِ هذا الحديثِ. وأما ما عداها منَ التكبيرِ الذي وصفهُ فقدْ كانَ وَقَعَ منْ بعضِ أمراءِ بني أميةَ تركُهُ تساهلًا، ولكنهُ استقرَّ العملُ منَ الأمةِ على فعلهِ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ، في كلِّ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٧٨٩)، ومسلم (رقم ٢٨/ ٣٩٢).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٩٠ رقم ٦١٣)، وأبو داود (رقم ٨٣٦)، وأبو عوانة (٢/ ٩٥)، والدارمي (١/ ٢٨٥)، والبيهقي (٢/ ٦٧)، وأحمد (٢/ ٢٧٠)، والنسائي (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) رقم الحديث (٢٩/ ٢٨٠).\n(^٣) في (ب): \"شرعية\".\n(^٤) في (أ): \"فهو\".","vol":"2","page":210},{"text":"ركعةٍ خمسَ تكبيراتٍ كما عرفتَهُ منْ [لفظ] (^١) هذا الحديث، ويزيدُ في الرباعيةِ والثلاثيةِ تكبيرَ النهوض منَ التشهدِ [الأوسط] (^٢)، فيتحصلُ في المكتوباتِ الخمسِ بتكبيرةِ الإحرامِ أربعٌ وتسعونَ تكبيرةً، ومنْ دونِها تسعُ وثمانونَ تكبيرةً. واختلفَ العلماءُ في حكمِ تكبيرِ النقلِ، فقيلَ: إنهُ واجبٌ. ورَويَ قولًا لأحمدَ بن حنبلٍ، وذلكَ لأنهُ - ﷺ - داومَ عليهِ. وقدْ قالَ: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" (^٣). وذهبَ الجمهورُ إلى نَدْبِهِ، لأنهُ - ﷺ - لم يعلِّمْه المسيءَ صلاتِهِ، وإنَّما علَّمَهُ تكبيرةَ الإحرامِ، وهوَ موضعُ البيانِ للواجبِ. ولا يجوزُ تأخيرُهُ عنْ وقتِ الحاجةِ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ قدْ أخرجَ تكبيرةَ النقلِ في حديث المسيءِ أبو داودَ (^٤) منْ حديثٍ رفاعةَ بن رافعٍ؛ فإنهُ ساقهُ وفيهِ: \"ثمَّ يقولُ: اللَّهُ أكبرُ، ثمَّ يركعُ\" وذَكَرَ فيهِ قولَهُ: سمعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ، وبقيَّةُ تكبيراتِ النقلِ. [وأخرجها الترمذيُّ (^٥)، والنسائيُّ (^٦). ولِذَا ذهبَ أحمدُ، وداودُ إلى وجوبِ تكبيرةِ النقلِ] (^٧). وظاهرُ قولِهِ: يكبرُ حينَ كذا وحينَ كذا أن التكبيرَ يقارن هذه الحركات فيشرع في التكبير عند ابتدائه للركن، وأما القول بأنه يمد التكبير حتى يتمَّ الحركةَ كما في الشرحِ وغيرهِ، فلا وجهَ لهُ، بلْ يأتي باللفظِ منْ غيرِ زيادةٍ على أدائهِ ولا نقصانٍ منهُ. وظاهرُ قولهِ: (ثمَّ يقولُ: سمعَ اللهُ لمنْ حَمِدَهُ رَبَّنا لكَ الحمدُ) أنهُ يشرعُ ذلكَ لكلِّ مصلٍّ منْ إمامٍ ومأمومٍ؛ إذْ [هوَ] (^٨) حكايةٌ لمطلقِ صلاتِهِ - ﷺ -، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ حكايةٌ لصلاتهِ - ﷺ - إمامًا؛ إذِ المتبادرُ منَ الصلاةِ عندَ إطلاقِها الواجبةُ. وكانت صلاتهُ - ﷺ - الواجبةُ جماعةً، وهوَ الإمامُ فيها، إلَّا أنهُ لو فرضَ هذَا فإنَّ قولَهُ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصَلِّي\" (^٩) أمرٌ لكلِّ مصلٍّ أنْ يصلِّي كصلاتهِ - ﷺ - منْ إمامِ [أوَ] (^١٠) منفردٍ، [وإليه] (^١١) ذهبتِ الشافعيةُ،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"الأول\".\n(^٣) وهو حديث صحيح تقدَّم تخريجه.\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٨٥٧) وقد تقدم رقم (٢/ ٢٥٣).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٠٠ رقم ٣٠٢) وقد تقدم.\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٢٢٥ رقم ١١٣٦) وقد تقدم.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"وهما\".\n(^٩) وهو حديث صحيح تقدَّم تخريجه.\n(^١٠) في (ب): \"و\".\n(^١١) في (ب): \"و\".","vol":"2","page":211},{"text":"والهادويةُ، وغيرُهم إلى أن التسميعَ مطلقًا لمتنفلٍ أو مفترضٍ للإمامِ والمنفردِ والحمدُ للمؤتمِ لحديثِ: \"إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدَه فقولُوا ربَّنا لكَ الحمدُ\" أخرجهُ أبو داودَ (^١). وأجيبَ بأنَّ قولَهُ: \"إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ فقولُوا ربَّنا لكَ الحمدُ\" لا ينفي قولطَ المؤتمِّ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ، وإنَّما يدلُّ على أنهُ يقولُ المؤتمُّ ربنا لكَ الحمدُ عقبَ قولِ الإمامِ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ، والواقعُ هوَ ذلكَ لأنَّ الإمامَ يقولُ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ في حالِ انتقالهِ، والمأمومُ يقولُ التحميدَ في حالِ اعتدالهِ، واستُفيْدَ الجمعُ بينهَما منَ الحديثِ الأولِ.\nقلتُ: لكنْ أخرجَ أبو داودَ (^٢) عن الشعبيِّ: \"لا يقولُ المؤتمُّ خلْفَ الإمامِ سمعَ اللَّهُ لمنْ حمدهُ ولكنْ يقولُ ربنا لكَ الحمدُ\"، ولكنهُ موقوفٌ على الشعبيِّ، فلا تقومُ بهِ حجة. وقد ادَّعى الطحاويُّ، وابنُ عبدِ البرِّ الإجماعَ على كونِ المنفردِ يجمعُ بينهَما. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يجمعُ بينهَما الإمامُ والمنفردُ ويحمدُ المؤتمُّ. قالُوا: والحجةُ جمعُ الإمامِ بينَهما لاتحادِ حكمِ الإمامِ والمنفردِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>ما يقول عند الاعتدال من الركوع</span>\n٣٠/ ٢٨١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: \"اللَّهُمّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلءَ السّمَواتِ وَالأَرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\": (رقم ٨٤٨).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٨٨ رقم ٤٧)، والبخاري (رقم ٧٩٦)، ومسلم (رقم ٧١/ ٤٠٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١١٢ رقم ٦٣٠)، والترمذي (٢/ ٥٥ رقم ٢٦٧) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" (رقم ٨٤٩)، وهو حسن مقطوع.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٤٧ رقم ٢٠٥/ ٤٧٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٤٧)، والنسائي (٢/ ١٩٨ رقم ١٠٦٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٩٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٣٩).","vol":"2","page":212},{"text":"(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: اللَّهُمّ) لمْ أجدْ لفظَ اللهمَّ في مسلمٍ في روايةٍ أبي سعيدٍ، ووجدتُها في روايةِ ابن عباسٍ (^١) (رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلءَ) بنصبِ الهمزةِ على المصدريةِ، ويجوزُ رفعهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ (السّموَاتِ وَالأَرْضِ)، وفي سننِ أبي داودَ (^٢) وغيرِه؛ \"وَمِلءَ الأرضِ\" وهي في روايةٍ ابن عباسٍ عندَ مسلمٍ؛ فهذهِ الروايةُ كلُّها ليستْ لفظَ أبي سعيدٍ لعدمِ وجودِ [لفظ] (^٣) اللهمَّ في أولهِ، ولا لفظَ ابن عباسٍ لوجودِ ملءِ الأرضِ فيْها، (وملءَ ماشئتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ) بضمِّ الدالِ على البناءِ للقطعِ عن الإضافةِ ونيةِ المضافِ إليهِ، (أَهْلَ) بنصبهِ على النداءِ أو رفعهِ أي أنتَ أهلُ (الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ) بالرفعِ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وما مصدريةٌ تقديرِه هذا، أي قولُه: اللهمَّ لكَ الحمدَ أحقُّ قولِ العبدِ وإنما لم يجعلْ (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) خبرًا وأحقُّ مبتدأ لأنهُ محذوفٌ في بعضِ الرواياتِ، فجعلناهُ جملة استئنافية إذا حذفَ تمَّ الكلامُ منْ دونِ ذكْرِهِ. وفي الشرحِ جعلَ أحقَّ مبتدأ، وخبرُهُ لا مانعَ لما أعطيتَ، وفي شرحِ المهذبِ (^٤) نقلًا عن ابن الصلاحِ معناهُ: أحقُّ ما قالَ العبدُ قولُهُ لا مانعَ لما أعطيتَ إلى آخرهِ. وقولُهُ: (وكلنا لك عبدُ) اعتراضٌ بينَ المبتدأ والخبرِ، قالَ: أو يكونُ قولُهُ: أحقَّ ما قالَ [العبدُ] (^٥) خَبرًا لما قبلَهُ أي قولُه: ربَنا لكَ الحمدُ إلى آخرهِ أحقُّ ما قالَ العبدُ. قالَ: والأولُ أَوْلى. قالَ النوويُّ (^٦): لما فيهِ منْ كمالِ التفويضِ إلى اللَّهِ تعالى، والاعترافِ بكمالِ قدرتهِ، وعظمتهِ، وقهرهِ، وسلطانهِ، وانفرادهِ بالوحدانيةِ، وتدبيرِ مخلوقاتهِ انتهى. (مَا قَالَ الْعَبْدُ وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ)، ثمَّ استأنفَ فقالَ: (اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).\nالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ هذَا الذكرِ في هذا الركنِ لكلِّ مصلٍّ، وقدْ جعلَ الحمدَ كالأجسامِ وجعلهُ سادًا لما ذكرهُ منَ الظروفِ مبالغةً في كثرةِ الحمدِ، وزادَ مبالغةً بذكرِ ما يشاؤهُ تعالى مما لا يعلمهُ العبدُ، والثناءُ الوصفُ بالجميلِ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (رقم ٢٠٦/ ٤٧٨).\n(^٢) رقم (٨٤٧) كما تقدم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) (٣/ ٤١٥)\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في المجموع \"شرح المهذب\" (٣/ ٤١٥).","vol":"2","page":213},{"text":"والمدحُ، والمجدُ، والعظمةُ، ونهايةُ الشرفِ. والجَدُّ بفتحِ الجيمِ معناهُ الحظُّ، أي: لا ينفعُ ذا الحظِّ منْ عقوبتكَ حظُّهُ بلْ ينفعهُ العملُ الصالحُ، ورُويَ بالكسرِ للجيمِ أي لا ينفعهُ جِدُّهُ واجتهادُه، وقد ضعفتْ روايةُ الكسرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-399>أعضاء السجود</span>\n٣١/ ٢٨٢ - وَعنَ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَينِ، وَأَطرَافِ الْقَدَمَينِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنَ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَي سَبْعَةِ أَعْظُم: عَلَى [الْجَبْهَةِ] (^٢) وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطرَافِ الْقَدَمَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). وفي روايةٍ (^٣): \"أُمِرْنَا\" أي أيُّها الأمةُ، وفي روايةٍ (^٤): \"أُمِرَ النبيُّ - ﷺ - \". والثلاثُ الرواياتِ للبخاريِّ. وقولُهُ: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ) [فسَّرْتها] (^٥) روايةُ النسائيُّ (^٦). قالَ ابنُ طاوسٍ: \"ووضعَ يدَهُ على جبهتهِ وأمرَّها على أنفهِ وقالَ: هذا واحدٌ\"، قال القرطبيُّ: هذا يدلُّ على أن الجبهةَ الأصلُ في السجودِ، والأنفُ تبعٌ لها. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٧): معناهُ أنهُ جعلَهُما كأنَّهما عضوٌ واحدٌ وإلّا لكانتِ الأعضاءُ ثمانيةً. والمرادُ منَ اليدينِ الكفَّانِ. وقدْ وقعَ بلفظِهما في روايةٍ، والمرادُ منْ قولهِ: (وأطرافِ القدمينِ) أنْ يجعلَ قدميْهِ قائمتينِ على بطونِ أصابِعِهمَا، وعقباهُ مرتفعتانِ، فيستقبلُ بظهورِ قدميهِ القبلةَ، وقدْ وردَ هذا في حديثٍ أبي حميدٍ في صفةِ السجودِ. وقيلَ: يندبُ ضمُّ أصابعِ اليدينِ لأنَّها لو انفرجتْ انحرفتْ رؤوسُ بعضِها عن القبلةِ، وأما أصابعُ الرجلينِ فقد تقدمَ في\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٨١٢)، ومسلم (رقم ٤٩٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٩٠)، بلفظ: \"على سبعة آراب\"، والترمذي (٢/ ٦٢ رقم ٢٧٣)، والنسائي (٢/ ٢٠٨ رقم ١٠٩٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٥١ رقم ١١٠١٤).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أخرجها البخاري (رقم ٨١٠).\n(^٤) أخرجها البخاري (رقم ٨٠٩).\n(^٥) في (ب): \"يفسره\".\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ رقم ١٠٩٨).\n(^٧) في \"إحكام الأحكام\" (١/ ٢٢٤).","vol":"2","page":214},{"text":"حديثٍ أبي سعيدٍ الساعدي في بابِ صفةِ الصلاةِ بلفظِ: \"واستقبل بأصابعِ رجليهِ القبلةَ\". هذا والحديثُ دليلٌ على وجوبِ السجودِ على ما ذُكِرَ؛ لأنهُ ذكرهُ - ﷺ - بلفظِ الإخبارِ عنْ أمرٍ اللَّهِ لهُ، أوْ لَهُ ولأُمَّتِهِ، والأمرُ لا يردُّ إلَّا بنحوِ صيغةِ أفعلُ، وهي تفيدُ الوجوبَ. وقدِ اختُلِفَ في ذلكَ، فالهادويةُ، وأحدُ قوليْ الشافعيِّ أنهُ للوجوبِ لهذا الحديثِ. وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يجزئُ السجودُ على الأنفِ فقطْ مستدلًا بقولهِ: \"وأشارَ بيدهِ إلى أنفهِ\". قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (^١): قدِ احْتُجَّ لأبي حنيفة بهذَا في السجودِ على الأنفِ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٢): والحقُّ أَنَّ مثلَ هذَا لا يعارضُ التصريحَ بالجبهةِ، وإنْ أمكنَ أنْ يعتقدَ أنَّهما كعضوٍ واحدٍ، فذلكَ في التسميةِ والعبارةِ، لا في الحكمِ الذي دلَّ عليهِ أنتهى. واعلمْ أنهُ وقعَ هنا في الشرحِ أنهُ ذهبَ أبو حنيفةَ، وأحدُ قولي الشافعيِّ، وأكثرُ الفقهاءِ إلى أنَّ الواجبَ الجبهةُ فقطْ لقولهِ - ﷺ - في حديث المسيءِ صلاتِهِ: \" [ومكِّنْ] (^٣) جبهتكَ\"؛ فكانَ قرينةً على حملِ الأمرِ هنا على غيرِ الوجوبِ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ هذَا لا يتمُّ إلَّا بعدَ معرفةِ تقدمِ هذَا على حديثٍ المسيءِ صلاتِهِ، ليكونَ قرينةً على حملِ الأمرِ على الندبِ. وأما لو فرضَ تأخرُهُ لكانَ في هذا زيادةُ شرعٍ ويمكنُ أنْ تتأخرَ شرعيتُه، ومعَ جهلِ التاريخِ يرجحُ العملُ بالموجبِ لزيادةِ الاحتياطِ، كذا قالهُ الشارحُ، وجعلَ السجودَ على الجبهةِ والأنفِ مَذْهبًا للعترةِ، فحولنَا عبارتَه إلى الهادوية معَ أنهُ ليس مذهبهم إلا السجودُ على الجبهةِ فقطْ كما في البحرِ (^٤) وغيرِه (^٥)، ولفظُ الشرحِ هنَا: والحديثُ فيهِ دلالةٌ على وجوبِ السجودِ على ما ذكر فيهِ. وقد ذهبَ إلى هذا العترةُ وأحدُ قوليْ الشافعيِّ انتهِى. وعرفتَ أنهُ وَهِمَ في قولهِ: إنَّ أبا حنيفةَ يوجبهُ على الجبهةِ؛ فإنهُ يجيزُهُ عليْها أو على الأنفِ، وأنهُ مخيَّر في ذلكَ. هذا الذي في الشرح، والذي في البحر أنهُ يقول أبو حنيفة أيهما سجد أجزأه لأنهما عضو واحدةٌ انتهى. فجعل الخلاف بأبي حنيفة وحده دون أصحابه، وفي عيون المذاهب للطحاوي أن أبا حنيفة يقول لو اقتصر على الأنف\n_________\n(^١) (٢/ ٢٩٦).\n(^٢) في \"إحكام الأحكام\" (١/ ٢٢٤).\n(^٣) في (ب): \"تمكن\".\n(^٤) (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ و٢٦٨).\n(^٥) \"كالتاج المذهب\" (١/ ٩٢).","vol":"2","page":215},{"text":"جاز، وعندهما والثلاثة بلا عذر انتهى. فدلَّ على أنه لا يقول بإجزاء السجود على الأنف فقط إلَّا أبو حنيفة وأنَّ صاحبيه محمد بن الحسن وأبا يوسف يخالفانه، فلا ينبغي نسبة ذلك إلى الحنفية، ثمَّ ظاهرهُ وجوبُ السجودِ على العضوِ جميعهِ ولا يكفي بعضُ ذلكَ، والجبهةُ يضعُ منْها على الأرضِ ما أمكَنهُ بدليلٍ: \"وتمكِّنْ جبهتَكَ\"، وظاهرُهُ أنهُ لا يجبُ كشفُ شيءٍ منْ هذهِ الأعضاء لأنَّ مُسَمَّى السجودِ عليْها يصدقُ بوضعِها منْ دونِ كشْفِها، ولا خلافَ أن كشفَ الركبتينِ غيرُ واجبٍ لما يخافُ منْ كشفِ العورةِ، واختلفَ في الجبهةِ فقيلَ يجبُ كشفُها لما أخرجهُ أبو داود في المراسيلِ (^١): \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ -. رَأَى رجلًا يسجدُ إلى جنبه (^٢) وقدِ اعتمَّ على جَبْهَتِهِ فحسرَ عنْ جبهتِه\"، إلَّا أنهُ قدْ علقَ البخاريُّ (^٣) عن الحسنِ: \"كانَ أصحابُ رسولِ - ﷺ - يسجدونَ وأيديْهِمْ في ثيابِهمْ ويسجدُ الرجلُ منْهم على عمامتِهِ\". ووصلَهُ البيهقيُّ (^٤) وقالَ: هذا أصحُّ ما في السجودِ موقوفًا على الصحابةِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يسجدُ على كورِ عمامتهِ\" منْ حديثٍ ابن عباسٍ أخرجه أبو نعيمٍ في الحليةِ (^٥)، وفي إسناده ضعفٌ، ومنْ حديثٍ ابن أبي أَوْفَى أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٦) وفيهِ ضعفٌ، ومنْ حديثٍ جابرٍ عندَ ابن عديٍّ (^٧) وفيهِ متروكانِ (^٨)، ومنْ حديثٍ أنسٍ عندَ\n_________\n(^١) (ص ١١٦ - ١١٧ رقم ٨٤)، وقال الشيخ شعيب: \"صالح بن خَيْوانَ: ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣٧٣) وروى عنه جمع، ووثقه العجلي (ص ٢٢٥ رقم ٦٨٣) - وباقي رجاله ثقات. وابن لهيعة: هو عبد الله، قد توبع، ورواية ابن وهب عنه صحيحة\" اهـ.\n(^٢) وفي \"المراسيل\" يسجد بجبينه.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩٢). ووصل الأثر عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٠٠ رقم ١٥٦٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٦٦)، والبيهقي كما سيأتي:\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٠٦).\n(^٥) (٨/ ٥٥) من حديث سعيد بن جبير.\n(^٦) أورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٢٥) وقال: فيه سعيد بن عنبسة، فإن كان الرازي فهو ضعيف. وإن كان غيره فلا أعرفه.\n(^٧) في \"الكامل\" (٥/ ١٧٨١).\n(^٨) وهما: \"عَمرو بن شَمِر\" و\"جابر الجُعْفي\".\nوانظر لترجمة عمرو: \"المجروحين\" (٢/ ٧٥)، و\"الميزان\" (٣/ ٢٦٨) و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٤٤). =","vol":"2","page":216},{"text":"ابن أبي حاتمٍ في العللِ (^١) وفيهِ ضعيفٌ. وذكرَ هذهِ الأحاديثَ وغيرِها البيهقيُّ ثمَّ قالَ (^٢): أحاديثُ \"كانْ يسجدَ على كورِ عمامتهِ\" لا يثبتُ [فيها] (^٣) شيءٌ يعني مرفوعًا، والأحاديثُ منَ الجانبين غيرُ ناهضةٍ على الإيجابِ. وقولُهُ: \"سجدَ على جبهتهِ\" يصدقُ على الأمرينِ، وإنْ كانَ معَ عدمِ الحائلِ أظهرُ فالأصلُ جوازُ الأمرينِ.\nوأما حديثُ خبابٍ (^٤): \"شكوْنَا إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حرَّ الرمضاءِ في جباهِنا وأكُفِّنا فلم يُشْكِنَا\" (^٥) الحديثَ، فلا دلالةَ فيهِ على كشفِ هذهِ الأعضاءِ ولا عدمهِ، وفي حديثٍ أنسٍ عندَ مسلمٍ (^٦): \"أنهُ كانَ أحدُهم يبسطُ ثوبَهُ منْ شدةِ الحرِّ ثمَّ يسجدُ عليهِ\" ولعلَّ هذَا مما لا خلافَ فيهِ، [أوالخلاف] (^٧) في السجودِ على محمولهِ فهوَ محلُّ النزاعِ وحديثُ أنسٍ محتملٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-400>مجانبة الذراعين عن الجنبين في السجود</span>\n٣٢/ ٢٨٣ - وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتى يَبْدُو بَيَاضُ إِبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-401>ترجمة عبد الله بن مالك بن بُحينة</span>\n(وَعَنْ ابْنِ بُحَيْنَةَ) (^٩) هو عبدُ اللَّهِ بنُ مالكِ بنُ بُحَيْنةَ، بضمِّ الباءِ الموحدةِ\n_________\n= وانظر لترجمة جابر: \"المجروحين\" (١/ ٢٠٨)، و\"الميزان\" (٢/ ٣٧٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢١٠).\n(^١) (١/ ١٨٧ رقم ٥٣٥) وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٠٦).\n(^٣) في (أ): \"بها\".\n(^٤) أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٥)، ومسلم (رقم ٦١٩)، والنسائي (١/ ٢٤٧ رقم ٤٩٧).\n(^٥) فلم يُشْكِنا: أشْكَيْتُ الرجلَ: إذا أزَلتَ شكواه، ولم يُشْكِنَا أي: لم يُزِل شكوانا.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٤٣٣ رقم ١٩١/ ٦٢٠).\n(^٧) في (أ): \"إنما الخلاف\".\n(^٨) البخاري (رقم ٨٠٧)، ومسلم (رقم ٤٩٥).\nقلت: وأخرجه النسائيُّ (٢/ ٢١٢ رقم ١١٠٦)، وأحمد (٥/ ٣٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١١٤).\n(^٩) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥ رقم ٤٩١٩)، و\"الاستيعاب\" (٧/ ٩ - ١٠ رقم ١٦٤٦).","vol":"2","page":217},{"text":"وفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وبعدَها نونٌ، وهوَ اسم لأمِّ عبدِ اللَّهِ، واسمُ أبيهِ مالكُ بنُ القِشْبِ بكسرِ القافِ وسكونِ الشينِ المعجمةِ فموَّحدةِ، الأزديِّ. ماتَ عبدُ اللَّهِ في ولايةِ معاويةَ بينَ سنةِ أربعٍ وخمسينَ، وثمانٍ وخمسينَ (أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ) بفتحِ الفاءِ وتشديدِ الراءِ آخرُه جيمٌ، (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي باعدَ بينَهما، أي نحَّى كلَّ يدٍ عن الجنبِ الذي يليْها (حَتى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nالحديثُ دليلٌ على فعلِ هذهِ الهيئةِ في الصلاةِ، قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ أنْ يظهرَ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ويتميزَ حتى يكونَ الأنسانُ الواحدُ في سجودهِ كأنهُ عددٌ. ومُقْتَضَى هذا أنْ يستقلَّ كلُّ عضوٍ بنفسهِ ولا يعتمدُ بعضُ الأعضاءِ على بعضٍ. وقد ورد هذا المعنى مصرَّحًا به فيما أخرجه الطبراني (^١) وغيره من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: \"أنه قال: لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبِّد ضبعيك؛ فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك\"، وعند مسلم (^٢) من حديث مَيْمُونَة: \"كَانَ النبيُّ - ﷺ - يجافي بيديه؛ فلو أن بَهيمة أرادت أَنْ تَمُرَّ مَرَّتْ\". وظاهر الحديث الأول وهذا مع قوله - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" (^٣) يقتضي الوجوب، ولكنه قد أخرج أبو داود (^٤) من حديث أبي هريرة ما يدل على أن ذلك غير واجب بلفظ: \"شَكَا أَصْحَابُ النبي - ﷺ - له مَشَقَّةَ السُّجُودِ عليهم إذا تَفَرَّجُوا\n_________\n(^١) لم أعثر عليه من حديث ابن عمر؟!!\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ٢٣٧/ ٤٩٦).\n(^٣) وهو حديث صحيح تقدَّم تخريجه.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٥٥٦ رقم ٩٠٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (رقم ٢٨٦)، والبيهقي (٢/ ١١٦ - ١١٧)، والحاكم (١/ ٢٢٩)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ١٩٢ - ١٩٣ رقم ١٩١٥)، وأبو يعلى في \"المسند\" (١٢/ ١٨ رقم ٨٢٤/ ٦٦٦٤)، وفي \"المعجم\" (ص ٨١ رقم ٢٨)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٣٠).\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - إلَّا من هذا الوجه\" من حديثِ الليثِ عن ابن عجلان.\nوقد روى هذا الحديث سفيان بن عيينة وغير واحد عن سُمَيٍّ، عن النعمان بن أبي عياش، عن النبي - ﷺ - نحو هذا. وكأنه رواية هؤلاء أصح من رواية الليث\".\nقلت: لم ينفرد به الليث بل توبع، مع العلم أن الليث ثقة مأمون لا يضر تفرده.\nوقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.","vol":"2","page":218},{"text":"فقالَ: استعينوا بالرُّكبِ\". وترجم له (^١) (الرخصة في ترك التفريج). قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال السجود. وقوله: حتى يُرى بياض إبطيه، ليس فيه كما قيل دلالة على أنه لم يكن - ﷺ - لابسًا لقميص لأنه وإن كان لابسًا له فإنه قد يبدو منه أطراف إبطيه، لأنها كانت أكمام قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة فيمكن أن يرى الإبط من كمِّها، ولا دلالة فيه على أنه لم يكن على إبطيه شعر كما قيل، لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا يرى إلَّا بتكلف، وإن صح ما قيل [إنّ] (^٢) من خواصه أنه ليس على إبطيه شعر فلا إشكال.\n٣٣/ ٢٨٤ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-402>ترجمة البراء بن عازب</span>\n(وَعَنْ الْبَرَاءِ) (^٤) بفتحِ الموحدةِ، فراءٍ [وقيلَ بالقصرِ] (^٥) ثمَّ همزةٍ ممدودةٍ، هوَ أبو عمارةَ في الأشهرِ، وهوَ (ابْنِ عَازِبٍ) بعيني مهملةٍ فزايٌ بعدَ الألفِ مكسورةٌ فموحدةٌ، ابن الحارثِ الأوسيِّ الأنصاريِّ الحارثيِّ. أولُ مشهدٍ شهدهُ الخندقُ، نزلَ\n_________\n(^١) أبو داود في \"السنن\" (١/ ٥٥٦) الباب (١٥٩).\n(^٢) في (أ): \"إنه\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٤٩٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١١٣)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١/ ٣٢٩ رقم ٦٥٦).\nوأخرجه الترمذي: (رقم ٣٧١) بلفظ: \"عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراءِ بن عازبٍ: أين كانَ النبي - ﷺ - يضعُ وجهه إذا سجد؟ فقال: بين كفيه\"، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تاريخ الطبري\" (٢/ ٥٣٣)، و\"الإصابة\" (١/ ٢٣٤ رقم ٦١٥)، و\"الاستيعاب\" (١/ ٢٨٨ - ٢٩١ رقم ١٧٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٧٢ رقم ٧٨٥)، و(شذرات الذهب\" (١/ ٧٧ - ٧٨)، و\"مرآة الجنان\" (١/ ١٧٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٣٢ - ١٣٣ رقم ٨٠)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٧٧ رقم ١٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ١١٧ رقم ١٨٨٨)، و\"المعارف\" (٣٢٦)، و\"العبر\" (١/ ٥٨).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"2","page":219},{"text":"الكوفةَ وافتتحَ الريَّ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في قولٍ، وشهدَ معَ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ بن أبي طالب - ﵇ - الجَمَلَ، وصفينَ، والنهروانَ. ماتَ بالكوفةِ أيامَ مصعبِ بن الزبيرِ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَع مِرْفَقَيْكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ هذهِ الهيئةِ للأمرِ بها، وحملَهُ العلماءُ على الاستحبابِ. قالُوا: والحكمةُ فيهِ أنهُ أشبهُ بالتواضعِ، وأتمُّ في تمكينِ الجبهةِ والأنفِ من الأرضِ، وأبعدُ منْ هيئةِ الكُسَالَى، فإنَّ المنبسطَ يشبهُ الكلبَ، ويشعرُ حالُهُ بالتهاونِ بالصلاةِ، وقلةِ الاعتناءِ بها، والإقبالِ عليْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-403>المرأة تضم بعضها إلى بعض في السجود</span>\nوهذا في حقِّ الرجلِ لا المرأةِ؛ فإنَّها تخالفُهُ في ذلكَ لما أخرجهُ أبو داودَ في مراسيلهِ (^١) عنْ زيدِ (^٢) بن أبي حَبيب: \"أن النبيَّ - ﷺ - مرَّ على امرأتينِ تصليانِ فقالَ: إذا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بعضَ اللَّحْمِ إلى الأرضِ؛ فإنَّ المرأةَ في ذلكَ لَيْسَتْ كالرَّجُلِ\". قالَ البيهقيَّ (^٣): وهذَا المرسلُ أحسنُ منْ موصولَيْنِ فيهِ يعني منْ حديثينِ موصولينِ ذكرَهُما البيهقيُّ في سننهِ (^٤) وضَعَّفَهُمَا. ومنَ السنةِ تفريجُ الأصابعِ في الركوعِ لما رواهُ أبو داودَ (^٥) منْ حديثٍ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ: \"أنهُ كانَ - ﷺ - يمسكُ يديْهِ على ركبتيهِ كالقابضِ عليْهِمَا، ويفرِّجُ بينَ أصابعهِ\". ومنَ السنةِ في الركوعِ أن يوترَ يديه فيجافي عنْ جنبيهِ كما في حديثٍ أبي حُمْيَدٍ عندَ أبي داودَ (^٦) بهذَا اللفظِ، ورواة ابنُ خزيمةَ (^٧) بلفظِ: \"ونحَّى يديْه عنْ جنبيهِ\"، وتقدمَ قريبًا. وذكر المصنفُ حديثَ ابن بُحينةَ - هذا الذي ذكرهُ في بلوغِ المرامِ - في التلخيصِ (^٨) [مرتينِ، أولًا: في وصفِ ركوعهِ، وثانيًا: في وصفِ سجودِه] (^٩)، دليل\n_________\n(^١) (ص ١١٧ - ١١٨ رقم ٨٧) ورجاله ثقات.\n(^٢) في \"المراسيل\" (ص ١١٨) \"يزيد\"، وكذلك في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢٣).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٢٣).\n(^٤) (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣) (الأول) من حديث أبي سعيد. و(الثاني) من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٤٦٨ رقم ٧٣١).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٧١ رقم ٧٣٤).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٣٢٢ رقم ٦٣٧)، وإسناده ضعيف.\n(^٨) (١٠/ ٢٤٢) و(١/ ٢٥٥).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"2","page":220},{"text":"على التفريجِ في الركوع وهوَ صحيحٌ؛ فإنهُ قالَ: \"إذا صلَّى فرَّجَ بينَ يديْهِ حتَّى يبدُو بياضُ إِبْطَيْهِ\"؛ فإنهُ يصدق على حالهِ الركوعِ والسجودِ.\n٣٤/ ٢٨٥ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ -: كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^١). [حسن]\n(وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَكَعَ فَرّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أي أصابعِ يديْهِ (وَإِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ). قالَ العلماءُ: الحكمةُ في ضمِّهِ أصابعَهُ عندَ سجودِهِ لتكونَ متوجهةً إلى سَمْتِ القبلةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-404>كيفية قعود العليل إذا صلَّى من قعود</span>\n٣٥/ ٢٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). وَرَوَى البيهقيُّ (^٤) منْ حديثٍ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ عنْ أبيهِ: \"رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يدعُوا هكذَا، ووضعَ يديهِ على ركبتيهِ وهوَ متربعٌ جالسٌ\". ورواهُ البيهقيُّ (^٥) عنْ حميدٍ: \"رأيتُ أَنسًا يصلِّي على فراشِهِ\"، وعلقهُ البخاريُّ (^٦). قالَ العلماءُ: وصفةُ التربُّعِ أنْ يجعلَ باطنَ قدمهِ اليمنى تحتَ الفخذِ اليُسرى، وباطنَ اليُسرى تحتَ اليُمنى، مطمئِنًا، وكفيهِ على ركبتيهِ مفرِّقًا أناملَه كالراكعِ.\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٢٢٤) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١١٢)، والدارقطني (١/ ٣٣٩ رقم ٣)، والطبراني في \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٣٥) - وقال الهيثمي: وإسناده حسن.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٢٤ رقم ١٦٦١) وقال: ولا أحسبُ هذا الحديث إلَّا خطأ.\nقلت: هذا ظن والسند صحيح فلا يجوز إعلاله به.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٨٩ رقم ٩٧٨).\nوالخلاصة: أن حديث عائشة صحيح.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٥).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩١) وأسنده البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٨٥ و٥٤٢ و(٢٠٨) عن أنس بمعناه. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٩١/ ٦٢٠)، وفيه اللفظ المذكور هنا لكن سياقه أتم. وانظر كلام الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٢١٨ - ٢١٩).","vol":"2","page":221},{"text":"والحديثُ دليلٌ على كيفيةِ قعودِ العليلِ إذا صلَّى مَنْ قعودٍ، إذِ الحديثُ واردٌ في ذلكَ، وهوَ في صفةِ صلاتهِ - ﷺ - لما سقطَ عنْ فرسهِ فانفكتْ قدمُهُ فصلَّى متربِّعًا، وهذهِ القعدةُ اختارَها الهادويةُ في قعودِ المريضِ لصلاتهِ، ولغيرِهم اختيارٌ آخرُ. والدليلُ معَ الهادويةِ وهوَ هذَا الحديثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-405>شرعية الدعاء في القعود بين السجدتين</span>\n٣٦/ ٢٨٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ: \"اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْني، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْني\". رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ (^١)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَن النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْني، وَاهْدِني، وَعَافِني، وَارْزُقْني. رَوَاهُ الأَرْبَعَة إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ)، ولفظُ الترمذيِّ: \"واجبرني\" بدلَ وارحمني، ولم يقلْ وعافني. وجمعَ ابنُ ماجه في لفظِ روايتهِ بينَ ارحمني واجبرني، ولمْ يقلْ اهدِني ولا عافني، وجمعَ الحاكمُ بينَهما إلَّا أنهُ لم يقلْ وعافني. والحديثُ دليل على شرعيةِ الدعاءِ في القعودِ بينَ السجدتينِ، وظاهرُهُ أنهُ كانَ - ﷺ - يقولُهُ جَهْرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-406>جلسة الاستراحة سنَّة</span>\n٣٧/ ٢٨٨ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ - ﵁ -: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (رقم ٨٥٠)، والترمذي (رقم ٢٨٤)، وابن ماجه (رقم ٨٩٨).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو العلاء كامل بن العلاء ممن يجمع حديثه في الكوفيين. ووافقه الذهبي. مع أن حبيب بن ثابت مدلس وقد عنعن. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٥٨).\nوخلاصة القول: أن حديث ابن عباس صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٢ رقم ٨٢٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٨٤٤)، والترمذي (رقم ٢٨٧)، والنسائي (٢/ ٢٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":222},{"text":"(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ - ﵁ -: أَنَّهُ رَأَى النَّبيّ - ﷺ - يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وفي لفظٍ له (^١): \"فإذَا رَفعَ رأسَهُ منَ السجدةِ الثانيةِ جلسَ واعتمدَ على الأرضِ ثمَّ قامَ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٢) منْ حديثٍ أبي حُمَيْدٍ في صفةِ صلاتهِ - ﷺ - وفيهِ: \"ثمَّ أهوى ساجدًا، ثم ثَنى رجلَيْهِ وقعد حتى رجعَ كلُّ عُضْوٍ في موضعِهِ ثمَّ نهضَ\". وقدْ ذكرتْ هذهِ القعدةُ في بعضِ ألفاظِ روايةٍ حديثٍ المسيءِ صلاتهِ. وفي الحديثِ دليل على شرعيةِ هذهِ القعدةِ بعدَ السجدةِ الثانيةِ منَ الركعةِ الأُولى والركعةِ الثالثةِ، ثمَّ ينهضُ لأداءِ الركعةِ الثانيةِ أو الرابعةِ، وتُسَمَّى جلسةَ الاستراحةِ. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بشرعيَّتِها الشافعيُّ في أحدِ قوليْهِ، وهوَ غيرُ المشهورِ عنهُ، والمشهورُ عنهُ وهوَ رأيُ الهادويةِ والحنفيةِ، ومالكٍ، وأحمدَ، وإسحاقَ أنهُ لا يشرعُ القعودُ هذَا، مستدلينَ بحديثِ وائلِ بن حجرٍ في صفةِ صلاتهِ - ﷺ - بلفظِ: \"فكانَ إذا رفعَ رأْسَهُ منَ السجدتينِ استوى قائمًا\"، أخرجهُ البزارُ (^٣) في مُسْنَدهِ، إِلَّا أنهُ ضعَّفَهُ النوويُّ (^٤)، وبما رواهُ ابنُ المنذرِ (^٥) منْ حديثٍ النَّعمانِ بن أبي عياشٍ: \"أدركتُ غيرَ واحدٍ منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فكانَ إذا رفعَ رأسَهُ منَ السجدةِ في أولِ ركعةٍ، وفي الثالثةِ قامَ كما هوَ ولم يجلسْ\". ويجابُ عن الكلِّ بأنهُ لا منافاةَ إذْ مَنْ فعلَها فلأنَّها سنةٌ، ومَنْ تركَها فكذلكَ. وإنْ كانَ ذكرُها في حديثٍ المسيءِ يشعرُ بوجوبِها لكنْ لمْ يقلْ بهِ أحدٌ فيما أعلمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-407>القنوت وموضعه والجمع بين أحاديثه</span>\n٣٨/ ٢٨٩ - وَعَنْ أَنْسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) أي للبخاري في \"صحيحه\" (رقم ٨٢٤).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٦٧ رقم ٧٣٠).\n(^٣) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٣٤ - ١٣٥) وقال: وفيه محمد بن حجر، قال البخاري: فيه بعض النظر، وقال الذهبي: له مناكير.\n(^٤) في \"المجمع شرح المهذب\" (٣/ ٤٤١).\n(^٥) في \"الأوسط\" (٣/ ١٩٥ رقم ١٤٩٧). وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٣٩٥).\n(^٦) البخاري (رقم ٣٨٦١ - البغا)، ومسلم (رقم ٣٠٤/ ٦٧٧).","vol":"2","page":223},{"text":"- وَلأَحْمَدَ (^١) وَالدَّارَقُطْنيِّ (^٢) نَحْوَهُ مِنْ وَجْهٍ آاخَرَ، وَزَادَ: وَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتى فَارَقَ الدُّنْيَا. [ضعيف]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ) ووردَ تعيينُهم أنَّهم رعلٌ، وعصيةُ، وبنو لحيانَ (ثُمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nلفظهُ في البخاريِّ (^٣) مطوَّلًا عنْ عاصمٍ الأحولِ قالَ: \"سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ عن القنوتِ فقالَ: قدْ كانَ القنوتُ، قلتُ: قبلَ الركوعِ أوْ بعدَهُ؟ قالَ: قبلهُ، قلتُ: فإنَّ فلانًا أخبرني عنكَ أنكَ قلتَ بعدَ الركوعِ، قالَ: كذبَ، إنما قنتَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بعدَ الركوعِ شهرًا أُراهُ كانَ بعثَ قومًا يقالُ لهمُ القراءُ زهاءَ سبعينَ رجلًا إلى قومٍ منَ المشركينَ، فغدرُوا وقتلُوا القراءَ دونَ أولئكَ، وكانَ بينهَم وبينَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عهدٌ، فقنتَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - شهرًا يدعُو عليهمْ\".\n(وَلأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنيِّ نحوُهُ) أي منْ حديثٍ أنسٍ (مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: فأمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتى فَارَقَ الدُّنْيَا)؛ فقولُهُ في الحديثِ الأولِ: \"ثمَّ تركهُ \" أي فيما عدا الفجرِ، ويدلُّ أنهُ أرادهُ قولُهُ: \"فلمْ يزلْ يقنتُ [في كلِّ صلاتهِ\"، هذَا] (^٤) والأحاديثُ عنْ أنسٍ في القنوتِ قدِ اضطربتْ وتعارضتْ في صلاةِ الغداةِ، وقدْ جمعَ بينَها في الهدي النبوي (^٥) فقالَ: أحاديثُ أنسٍ كلُّها صحاحٌ يُصدّقُ بعضُها بعضًا، ولا تناقضَ فيها، والقنوتُ الذي ذكرهُ قبلَ الركوعِ غيرُ الذي ذكرهُ بعدَهُ، والذي وقَّتهُ غيرُ الذي أطلقهُ، فالذي ذكرهُ قبلَ الركوعِ هوَ إطالةُ القيامِ للقراءةِ الذي قالَ فيهِ النبيُّ - ﷺ -: \"أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القيامِ\" (^٦)، والذي ذكرهُ بعدُ هوَ إطالةُ القيامِ للدعاءِ، ففعلَهُ شهرًا يدعوَ على قومٍ، ويدعُو لقوم، ثمَّ استمرَّ تطويلُ هذا الركنِ للدعاءِ والثناءِ إلى أنْ فارقَ الدنيا كما دلَّ لهُ الحديث: \"أن أَنَسًا كانَ إِذا رفعَ رأسهُ منَ الركوعِ انتصبَ قائمًا حتَّى يقولَ القائلُ قدْ نسِي، وأخبرَهم أن هذه صفةُ صلاتهِ - ﷺ -\"، أخرجهُ عنهُ في الصحيحينِ (^٧). فهذَا هوَ القنوتُ الذي قالَ فيهِ أنسٌ: \"إنهُ ما زال - ﷺ - عليهِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ١٦٢).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٩ رقم ٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٢٩٩٩ - البغا).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) (١/ ٢٨٢).\n(^٦) أخرجه مسلم (رقم ١٦٤/ ٧٥٦).\n(^٧) البخاري (رقم ٨٢١)، ومسلم (رقم ١٩٥ - ٤٧٢).","vol":"2","page":224},{"text":"حتَّى فارقَ الدنيا\". والذي تركهُ هوَ الدعاءُ على أقوامٍ منَ العربِ، وكانَ بعدَ الركوعِ، فمرادُ أنسٍ بالقنوتِ قبلَ الركوعِ وبعدَه الذي أخبرَ أنهُ ما زالَ عليهِ: هوَ إطالةُ القيامِ في هذينِ المحلينِ بقراءةِ القرآنِ، وبالدعاءِ، هذا مضمونُ كلامهِ. ولا يخْفَى أنهُ لا يوافقُ قولَهُ: \" [وأما] (^١) في الصبحِ فلمْ يزلْ يقنتُ حتَّى فارقَ الدنيا\"، وأنهُ دلَّ أن ذلكَ خاصٌّ بالفجرِ. وإطالةُ القيامِ بعدَ الركوعِ عامٌّ للصلواتِ كلها.\nوأمَّا حديثُ أبي هريرةَ الذي أخرجهُ الحاكمُ (^٢) وصححهُ: \"بأنهُ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا رفعَ رأسَهُ منَ الركوعِ منْ صلاةِ الصبحِ في الركعةِ الثانيةِ يرفعُ يديْهِ فيدعُو بهذا الدعاءِ: اللَّهُمَّ اهدِني فيمنْ هديتَ إلى آخرهِ\"، ففيهِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ المقبري (^٣)، ولا تقومَ بهِ حجةٌ. وقدْ ذهبَ إلى أن الدعاءَ [عقيبَ] (^٤) آخرِ ركوعٍ منَ الفجرِ سنةُ جماعةٍ منَ السلفِ، ومنَ الخلفِ الهادي، والقاسمُ، وزيدُ بنُ عليٍّ، والشافعيُّ. وإنِ اختلفُوا في ألفاظهِ فعندَ الهادي بدعاءٍ منَ القرآنِ، وعندَ الشافعيِّ بحديثِ: \"اللهمَّ اهدني فيمنْ هديتَ إلى آخرهِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-408>القنوت في النوازل</span>\n٣٩/ ٢٩٠ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْهُ) أي أنسٍ (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). أَمَّا دعاؤُه لقومٍ فكما ثبتَ أنهُ كانَ يدعُو للمستضعفينَ منْ أهلِ مكةَ، وأما دعاؤُه على قومٍ فكما عرفتُهُ قريبًا. ومنْ هُنَا قالَ بعضُ العلماءِ:\n_________\n(^١) في (ب): \"فأما\".\n(^٢) لم أعثر عليه!\n(^٣) قال عنه ابن معين: ليس بشيء. وقال مرة: ليس بثقة.\nوقال الفلاس: منكر الحديث، متروك.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٠٥)، و\"المجروحين\" (٢/ ٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ٧١)، و\"الميزان\" (٢/ ٤٢٩)، و\"التقريب\" (١/ ٤١٩).\n(^٤) في (ب): \"عقب\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٣١٤ رقم ٦٢٠) بإسناد صحيح. وأورده المحدِّث الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٦٣٩).","vol":"2","page":225},{"text":"يُسَنُّ القنوتُ في النوازلِ، فيدعو بما يناسبُ الحادثةَ. وإذا عرفتَ هذا فالقولُ بأنهُ يسن في النوازلِ قولٌ حسنٌ تأسيًا بما فعلهُ - ﷺ - في دعائِهِ على أولئكَ الأحياءِ منَ العربِ، إلَّا أنهُ قدْ يقالُ: قدْ نزلَ بهِ - ﷺ - حوادثٌ كحصارِ الخندقِ وغيرِه، ولم يُرْوَ أنهُ قنتَ فيهِ، ولعلَّهُ يقالُ التركُ لبيانِ الجوازِ. وقدْ ذهبَ أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ إلى أنهُ منهيٌّ عن القنوتِ في الفجرِ، وكأنَّهم استدلُّوا بقولِهِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-409>النهي عن القنوت في الفجر</span>\n٤٠/ ٢٩١ - وَعَنْ سَعْد بْنِ طَارِقِ الأَشْجَعِيِّ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ لأَبي: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعلِيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-410>ترجمة سعد بن طارق الأشجعي</span>\n(وَعَنْ سَعيدٍ) كذَا في نُسَخِ البلوغِ سعيدٌ وهوَ سعدٌ (^٢) بغيرِ مثناةٍ تحتيةٍ، (ابْنِ طَارِقِ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لأَبي) وهوَ طارقُ بنُ أَشْيَمِ بفتحِ الهمزةِ فشينٍ معجمةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ مفتوحةٍ، بزِنَةِ أحمرَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: يعدُّ في الكوفيينَ. روى عنهُ ابنهُ أبو مالكِ سعدُ بنُ طارقٍ (يَا أَبَتِ إِنَّكَ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَبي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلَيٍّ، أَفَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؛ فَقَالَ: أَيْ بنيَّ مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَبَا دَاوُدَ). وقدْ رُوِيَ خلافَه عمنْ ذُكِرَ، والجمعُ بينهَما أنهُ وقعَ القنوتُ لهم تارةً، وتركوهُ أُخْرَى. وأمَّا أبو حنيفةَ ومنْ ذُكِرَ معهُ فإنَّهم جعلوهُ منهيًا عنهُ لهذا الحديثِ، لأنهُ إذا كانَ محدثًا فهوَ بدعةٌ، والبدعةُ منْهِيٌّ عنْها.\n_________\n(^١) وهم: أحمد (٦/ ٣٩٤)، والترمذي (رقم ٤٠٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (٢/ ٢٠٤ رقم ١٠٨٠)، وابن ماجه (رقم ١٢٤١).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٢٢ رقم ٦٣٨)، والبيهقي (٢/ ٢١٣)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ١٨٩ رقم ١٣٢٨) وغيرهم. وهو حديث صحيح. وكذلك صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ٤٣٥).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٥٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٨٦ - ٨٧)، و\"الثقات\" لابن حبان (٣/ ٨٨)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٢٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤١٠ رقم ٨٨٠).","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>القنوت الذي علمه النبي - ﷺ - للحسن بن علي</span>\n٤١/ ٢٩٢ - وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵄ - أَنَّهُ قَالَ: عَلَّمَني رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الْوِتْرِ: \"اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّني فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَاليْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ\" رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١). وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ (^٢)، وَالْبَيْهَقيُّ (^٣): \"وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ\"، زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (^٤) فِي آخرِهِ: \"وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبيِّ\". [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-412>ترجمة الحسن بن علي - ﵄ </span>-\n(وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵇ -) (^٥) هوَ أبو محمدٍ الحسنُ بنُ عليٍّ سِبْطُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، [وريحانته] (^٦)، ولدَ في النصفِ منْ شهرِ رمضانَ سنةَ ثلاثٍ منَ\n_________\n(^١) وهم: أحمد (١/ ١٩٩)، وأبو داود (رقم ١٤٢٥)، والترمذي (٢/ ٣٢٨ رقم ٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨ رقم ١٧٤٥)، وابن ماجه (١١٧٨).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤)، وابن الجارود (رقم: ٢٧٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٣٢١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٢٨ رقم ٦٤٠)، وابن خزيمة (٢/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ١٠٩٥)، وابن حبان (رقم ٥١٢ و٥١٣ - الموارد)، والطيالسي (ص ١٦٣ رقم ١١٧٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٧٣ - ٧٧ رقم ٢٧٠١ و٢٧٠٢ و٢٧٠٣ و٢٧٠٤ و٢٧٠٥ و٢٧٠٦ و٢٧٠٧ و٢٧٠٨ و٢٧١١ و٢٧١٢ و٢٧١٣)، والدولابي في \"الكُنى\" (١/ ١٦١)، والحاكم (٣/ ١٧٢)، والبيهقي (٢/ ٢٠٩ و٤٩٧ - ٤٩٨)، وغيرهم من طرق.\nقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه .. ولا نعرف عن النبي - ﷺ - في القنوت في الوتر شيئًا أحسنَ من هذا\" اهـ.\nقلت: وهو حديث حسن، انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ١٢٥)، و\"إرواء الغليل\" (رقم ٤٢٩).\n(^٢) في \"الكبير\" (٣/ ٧٣ رقم ٢٧٠١) و(٣/ ٧٤ رقم ٢٧٠٣ و٢٧٠٤ و٢٧٥٠٥) و(٣/ ٧٥ رقم ٢٧٠٧).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٠٩).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٢٤٨ رقم ١٧٤٦).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٨٦)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٩)، و\"الحلية\" لأبي نعيم (٢/ ٣٥)، و\"تاريخ بغداد\" (١/ ١٣٨)، و\"جامع الأصول\" (٩/ ٢٧ - ٣٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٥٨ رقم ١١٨)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٦٥)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ١٧٤ - ١٧٩)، و\"الإصابة\" (٢/ ٢٤٢ رقم ١٧١٥).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"2","page":227},{"text":"الهجرةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١): إنهُ أصحُّ ما قيلَ في ذلكَ. وقالَ أيضًا: كانَ الحسنُ حليمًا، ورِعًا، فاضلًا. ودعاهُ ورعُهُ وفضلُه إلى أنهُ تركَ الدنيا والملكَ رغبةً فيما عندَ اللَّهِ، بايعوهُ بعدَ أبيهِ - ﵇ -، فبقيَ نحوًا منْ سبعةِ أشهرٍ خليفةً بالعراقِ وما وراءَها منْ خراسانَ، وفضائله لا تُحصَى. وقدْ ذكرنَا منْها شطرًا صالحًا في الروضةِ النديةِ (^٢). وفاتهُ سنةَ إحدى وخمسينَ بالمدينةِ النبويةِ، ودفنَ في البقيعِ. وقدْ أطالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ في عدِّهِ لفضائلهِ.\n(قَالَ: عَلَّمَني رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ في قُنُوتِ الْوِتْرِ) أي في دعائهِ، وليسَ فيهِ بيانٌ لمحلهِ، (اللَّهُمَّ اهْدِني فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِني فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّني فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِني شَرَّ مَا قَضَيْتَ؛ فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ وَالْبَيْهَقيُّ) بعدَ قولِهِ: وَلا يذلُّ مَنْ واليتَ: (وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ. زَادَ النَّسَائِيَّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ في آخرِهِ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبيِّ) إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في تخريجِ أحاديثِ الأذكارِ (^٣): إنَّ هذهِ الزيادةَ غريبة لا تثبتُ لأنَّ فيها عبدَ اللَّهِ بنَ علي لا يُعْرَفُ وعلى القولِ بأنهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عليٍّ بن الحسينِ بن عليٍّ فالسندُ منقطعٌ، فإنهُ لم يسمع منْ عمِّه الحسنِ. ثمَّ قالَ: فتبينَ أن هذَا الحديثَ ليسَ منْ شرطِ الحسنِ لانقطاعهِ، أو جهالةِ رُوَاتهِ انتَهى. فكانَ عليه أنْ يقولَ: [إن هذه الزيادة لا تثبت] (^٤).\nوالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ القنوتِ في صلاةِ الوترِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ في النصفِ الأخيرِ منْ رمضانَ. [وذهبَ] (^٥) الهادويةُ وغيرهُم إلى أنهُ يشرعُ أيضًا في غيرهِ، إلَّا أن الهادويةَ لا يجيزونَهُ بالدعاءِ منْ غيرِ القرآنِ. والشافعيةُ يقولونَ: إنهُ يقنتُ بهذَا الدعاءِ في صلاةِ الفجرِ ومستندُهم في ذلكَ قولهُ:\n٤٢/ ٢٩٣ - وَللْبَيْهَقيِّ (^٦) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح. وَفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"الاستيعاب\" (٣/ ٩٩ رقم ٥٥٥).\n(^٢) \"شرح التحفة العلوية\" في مناقب الإمام علي.\n(^٣) (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٤) في (ب): \"ولا تثبت هذه الزيادةُ\".\n(^٥) في (ب): \"وذهبت\".\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٠).","vol":"2","page":228},{"text":"(وَلِلْبَيْهَقيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا دُعَاء نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صلاةِ الصُّبْح).\nقلت: أجملهُ هنا وذكرَهُ [المصنف] (^١) في تخريجِ الأذكارِ (^٢) منْ روايةٍ البيهقيِّ وقالَ: \"اللهمَّ اهدني - الحديثَ\" إلى آخرهِ، رواهُ البيهقيُّ (^٣) منْ طرقٍ أحدُها عنْ بُريدٍ [بالموحدةِ والراءِ، وتصغيرُ بُرْدٍ وهوَ ثقبةُ] (^٤) بنُ أبي مريمَ، سمعتُ ابنَ الحنفيةِ وابنَ عباسٍ يقولانِ: \"كانَ النبيُّ - ﷺ - يقنتُ في صلاةِ الصبحِ ووترِ الليلِ بهؤلاءِ الكلماتِ\". وفي إسنادهِ مجهولٌ. ورُويَ منْ طريقٍ أُخْرى وهي التي ساقَ المصنفُ لفظَها عن ابن جُرَيْجٍ بلفظِ: \"يعلِّمُنا دعاءً ندعُو بهِ في القنوتِ، وصلاةِ الصبحِ\". وفيهِ عبدُ الرحمنِ بن هرمزٍ (^٥) ضعيفٌ، ولذَا قالَ المصنفُ: (وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>يقدم المصلي يديه قبل ركبته عند الهويِّ للسجود</span>\n٤٣/ ٢٩٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكِ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ\"، أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (^٦)، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ ابْنِ حُجْرٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (٢/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٠).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) قلت: ليس هو الأعرج، لأن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث ثقة - كما في \"التقريب\" (١/ ٥٠١ رقم ١١٤٢).\n(^٦) أخرجه أبو داود (رقم ٨٤٠)، والنسائي (٢/ ٢٠٧ رقم ١٠٩١)، وأحمد (٢/ ٣٨١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم ٦٤٣)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٣٩)، والدارمي (١/ ٣٠٣)، والطحا وي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٦٥ - ٦٦)، والبيهقي (٢/ ٩٩ - ١٠٠)، والدارقطني (١/ ٣٤٤ رقم ٣).\nكلهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: ثنا محمد بن عبد اللَّهِ بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا به. قال الألباني: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير محمد بن عبد الله بن الحسن وهو المعروف بالنفس الزكية العلوي، وهو ثقة كما قال النسائي وغيره، وتبعهم الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٧٦ رقم ٣٧٠)، ولذلك قال النووي في \"المجموع\" (٣/ ٤٢١)، والزرقاني في شرح المواهب\" (٧/ ٣٢٠): إسناده جيد.\nوقد أعلَّه بعضهم بثلاث علل: =","vol":"2","page":229},{"text":"(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكِ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ).\nهذا الحديثُ أخرجهُ أهلُ السننِ، وعلَّلَهُ البخاريُّ، والترمذيُّ، والدارقطنيُّ. قالَ البخاريُّ (^١): محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الحسنِ لا يُتَابَعُ عليهِ، وقالَ: لا أدري سمعَ منْ أبي الزنادِ أمْ لَا. وقالَ الترمذيُّ (^٢): غريبٌ لا نعرفُهُ منْ حديثٍ أبي الزنادِ إلَّا من هذا الوجه. وقدْ أخرجهُ النسائيُّ منْ حديثٍ أبي هريرةَ أيضًا عنهُ: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ -\"، ولمْ يذكر فيهِ \"وليضع يديهِ قبلَ ركبتيهِ\". وقدْ أخرجَ ابنُ أبي داودَ منْ حديثٍ أبي هريرةَ: \"أنَّ النبيِّ - ﷺ - كانَ إذا سجدَ بدأَ بيديهِ قبلَ ركبتيه\" (^٣)، ومثلَه أخرجَ الدراورْدِيُّ منْ حديثٍ ابن عمرَ (^٤)، وهوَ الشاهدُ الذي سيشيرُ المصنفُ إليهِ (^٥). وقد أخرجَ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (^٦) منْ حديثٍ مُصْعَبِ بن سعدِ بن\n_________\n= الأولى: تفرَّد الدراوردي به عن محمد بن عبد الله.\nالثانية: تفرد محمد هذا عن أبي الزناد.\nالثالثة: قول البخاري: لا أدري أسمع محمد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا.\nوهذه العلل ليست بشيء ولا تؤثر في صحة الحديث البتة.\nأما الجواب عن الأولى والثانية، فهو أن الدراوردي وشيخه ثقتان فلا يضر تفردهما بالحديث.\nوأما الثالثة؛ فليست بعلة إلا عند البخاري بناء على أصله المعروف وهو اشتراط معرفة اللقاء. وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء مع أمن التدليس. وهذا متوفر هنا. فالحديث صحيح بلا ريب.\nعلى أن الدراوردي لم يتفرد به بل توبع عليه في الجملة، فقد أخرجه أبو داود (رقم ٨٤١)، والنسائي (٢/ ٢٠٧ رقم ١٠٩٠)، والترمذي (رقم ٢٦٩) من طريق عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله بن حسن به مختصرًا بلفظ: \"يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل\" فهذه متابعة قوية، فإن ابن نافع ثقة أيضًا من رجال مسلم كالدراوردي.\nانتهى من \"إرواء الغليل\" (٢/ ٧٨ - ٧٩) بتصرف.\n(^١) في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٣٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٥٨).\n(^٣) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٤).\n(^٤) أخرجه ابن خزيمة (١/ ٣١٨ رقم ٦٢٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٢٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٠٠) وإسناده صحيح. والبخاري معلقًا (٢/ ٢٩٠ الباب ١٢٨).\n(^٥) في الحديث رقم (٤٤/ ٢٩٥).\n(^٦) (١/ ٣١٩ رقم ٦٢٨) وإسناده ضعيف جدًّا، إسماعيل بن يحيى بن سلمة متروك كما في \"التقريب\" (١/ ٧٥ رقم ٥٦٢)، وابنه إبراهيم ضعيف. وانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٩١).","vol":"2","page":230},{"text":"أبي وقاصٍ عنْ أبيهِ قالَ: \"كنَّا نضعُ اليدينِ قبلَ الركبتينِ، فأُمِرْنَا بوضعِ الركبتينِ قبلَ اليدينِ\".\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يقدِّمُ المصلِّي يديهِ قبلَ ركبتيهِ عندَ الانحطاطِ إلى السجودِ. وظاهرُ الحديثِ الوجوبُ لقولهِ: لا يبركنَّ؛ وهوَ نَهْيٌ، وللأمرِ بقولهِ: \"وليضعْ\". قيلَ: ولمْ يقلْ أحدٌ بوجوبهِ فتعينَ أنهُ مندوبٌ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهب الهادويةُ، وروايةٌ عنْ مالكٍ، والأوزاعيِّ إلى العملِ بهذَا الحديثِ حتَّى قالَ الأوزاعي: أدركْنَا الناسَ يضعونَ أيديَهمْ قبلَ رُكَبِهمْ. وقالَ ابنُ أبي داودَ: وهوَ قولُ أصحابِ الحديثِ. وذهبتِ الشافعيةُ، والحنفيةُ، وروايةٌ عنْ مالكٍ إلى العملِ بحديثِ وائلٍ، وهوَ قولُهُ؛ (وَهُوَ) أي حديثُ أبي هريرةَ هذَا (أَقْوَى) في سندهِ (مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ) وهوَ أنهُ قَالَ:\n٤٤/ ٢٩٥ - رَأَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ -: إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١). [ضعيف]\nفَإِنَّ لِلأَوّلِ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا صَحّحَهُ\n_________\n(^١) وهم: أبو داود (رقم ٨٢٨)، والترمذي (رقم ٢٦٨)، والنسائي (٢/ ٢٠ - رقم ١٠٨٩)، وابن ماجه (رقم ٨٨٢).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٥)، والدارمي (١/ ٣٠٣)، والدارقطني (١/ ٣٤٥ رقم ٦)، والبيهقي (٢/ ٩٨)، والحا كم (١/ ٢٢٦)، وابن خزيمة (١/ ٣١٨ رقم ٦٢٦)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ١٩٠ رقم ١٩٠٩)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٢٢٢).\nقال الترمذي؛ هذا حديث حسن غريب، لا نعرفُ أحدًا رواهُ مثلَ هذا عن شَرِيك.\nوقال الحاكم: احتج مسلم بشريك! ووافقه الذهبي! وليس كما قالا فإن مسلمًا أخرج له في المتابعات كما صرح بذلك المنذري في خاتمة \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٥٧١).\nوقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٢٣) وقد ذكر الحديث: \"هو الصحيح\".\nوخالفهم الدارقطني، فقال عقبه: \"تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به\" اهـ. وخالفهم أيضًا البيهقي (٢/ ٩٩) بقوله: \"هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي، وإنما تابعه همام من هذا الوجه مرسلًا، هكذا ذكره البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى\" اهـ.\nوانظر: \"الإرواء\" رقم (٣٥٧).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"2","page":231},{"text":"ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١)، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا (^٢). [إسناده صحيح]\n(رَأَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. فَإِنَّ لِلأَوَّلِ) أي حديثٍ أبي هريرةَ (شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمرَ صَحَحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ). تقدمَ ذِكْرُ الشاهدِ هذَا قريبًا (^٣). (وَذَكَرَهُ) أي الشاهد (الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا مَوْقُوفًا) فقالَ: \"قالَ نافعٌ: كانَ [ابنُ عمرَ] (^٤) يضعُ يديهِ قبلَ ركبتيهِ\". وحديثُ وائلٍ أخرجهُ أصحابُ السننِ الأربعةِ، وابنُ خزيمةَ (^٥)، وابنُ السكنِ (^٦) في صحيحيْهِمَا منْ طريقِ شُرَيْكٍ، عنْ عاصمِ بن كُلَيْبٍ، عنْ أبيهِ. قالَ البخاريُّ، والترمذيُّ، وابنُ أبي داودَ، والبيهقيُّ: تفردَ بهِ شريكٌ، ولكنْ لهُ شاهدٌ عنْ عاصمٍ الأحولِ، عنْ أنسٍ قالَ: \"رأَيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - انحطَّ بالتكبيرِ حتى سبقتْ ركبتاهُ يديهِ\"، أخرجهُ الدارقطنيُّ (^٧)، والحاكمُ (^٨)، والبيهقيُّ (^٩). وقالَ الحاكمُ: هوَ علَى شرطِهِمَا (^١٠). وقالَ البيهقيُّ: تفردَ بهِ العلاءُ بنُ العطارِ، والعلاءُ مجهولٌ. وهذَا حديثُ وائلٍ هوَ دليلُ الحنفيةِ والشافعيةِ، وهوَ مرويٌّ عنْ عمرَ أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^١١)، وعنِ ابن مسعودٍ أخرجهُ الطحاويُّ (^١٢). وقالَ بهِ أحمدُ، وإسحاقُ، وجماعةٌ منَ العلماءِ. وظاهرُ كلامِ المصنفِ ترجيحُ حديثٍ أبي هريرةَ وهوَ خلافُ مذهبِ إمامهِ\n_________\n(^١) (١/ ٣١٨ رقم ٦٢٧)، وإسناده صحيح.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٩٠ الباب ١٢٨) قلت: ووصله الحاكم (١/ ٢٢٦)، والبيهقي (٢/ ١٠٠).\n(^٣) في شرحه للحديث رقم (٤٣/ ٢٩٤).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٣١٨ رقم ٦٢٦)، وإسناده ضعيف كما تقدم.\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٥٤).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٣٤٥ رقم ٧).\n(^٨) في \"المستدرك\"١/ ٢٢٦).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٩٩).\nقلت: وأخرجه الحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٢٢٢) وابن حزم في \"المحلَّى\" (٤/ ١٢٩).\nقال الدارقطني والبيهقي: (تفرد به العلاء بن إسماعيل). قلت: وهو مجهول كما قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٢٩). وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ١٨٨ رقم ٥٣٩): \"هذا حديث منكر\".\n(^١٠) قال الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٣١): \"وأما قول الحاكم والذهبي: هذا حديث صحح على شرط الشيخين، فغفلة كبيرة منهما عن حال العلاء هذا، مع كونه ليس من رجال الشيخين .. \"، قلت: وانظر: \"لسان الميزان\" (٤/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(^١١) في \"المصنف\" (٢/ ١٧٦ رقم ٢٩٥٥).\n(^١٢) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٦).","vol":"2","page":232},{"text":"الشافعيِّ، وقالَ النوويُّ (^١): لا يظهرُ ترجيحُ أحدُ المذهبينِ على الآخرَ. ولكنَّ أهلَ هذا المذهبِ رجَّحُوا حديثَ وائلٍ، وقالُوا في [حديث] (^٢) أبى هريرةَ: إنهُ مضطربٌ؛ إذْ قدْ رُوِيَ عنهُ الأمرانِ. وحقَّقَ ابنُ القيمِ المسألةَ وأطالَ فيها (^٣)، وقالَ: إنَّ في حديثٍ أبي هريرةَ قلبًا منَ الراوي حيثُ قالَ: وليضعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ، وإنَّ أصلَهُ: وليضعْ ركبتيهِ قبلَ يديهِ. قالَ: ويدلُّ عليهِ أولُ الحديثِ، وهوَ قولُهُ: فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ؛ فإنَّ المعروفَ مِنْ بروكِ البعيرِ هوَ تقديمُ اليدينِ على الرجلينِ. وقدْ ثبتَ عن النبيِّ - ﷺ - الأمرُ بمخالفةِ سائرِ الحيواناتِ في هيئاتِ الصلاةِ؛ فَنَهَى عن التفاتٍ كالتفاتِ الثعلبِ، وعنِ افتراشٍ كافتراشِ السَّبُعِ، وإقعاءٍ كإقعاءِ الكلْبٍ، ونقْرِ كنقرِ الغرابِ، ورفعِ الأيدي كأذنابِ خيلٍ شُمسٍ؛ أي حالَ السلامِ، وقدْ تقدمِ (^٤)، ويجمعُها قولُنا:\nإذا نحنُ قمنا للصلاة … فإنَّنَا نُهينَا عن الإتيانِ فيها بستةِ\nبروكِ بعير والتفاتٍ كثعلب … ونقرِ غرابٍ في سجودِ الفريضةِ\nوإقعاءِ كلبٍ أوْ كبسطِ ذراعهِ … وأذنابِ خيلٍ عندَ فعلِ التحيةِ\nوزدْنا على ما ذكرهُ فِي الشرحِ قولَنا:\nوزدْنا كتدبيحِ الحمارِ بمدِّهِ … لعنقٍ وتصويبٍ لرأسِ بركعةِ\nهذا السابعُ وهوَ بالدالِ [المهملة] (^٥)، بعدَها موحدةٍ ومثناةٍ تحتيةٍ وحاءٍ مهملةٍ، ورُوِيَ بالذالِ المعجمةِ. قيلَ: وهوَ تصحيفٌ. قالَ في النهايةِ (^٦): هوَ أنْ يُطأطئَ المصلِّي رأسَهُ حتَّى يكونَ أَخْفَضُ منْ ظَهْرِهِ، انتهَى. إلَّا أنَّهُ قالَ النوويُّ: حديثُ التدبيحِ ضعيفٌ. وقيلَ: كانَ وضعُ اليدينِ قبلَ الركبتينِ [أول الأمر] (٥)، ثمَّ أُمِرُوا بوضعِ الركبتينِ قبلَ اليدينِ. وحديثُ ابن خزيمةَ (^٧) الذي أخرجهُ عنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ، وقدَّمناهُ قريبًا يشعرُ بذلكَ. وقولُ المصنفِ: إنَّ لحديثِ أبي هريرةَ شاهدًا يقوَى بهِ، مُعَارضٌ بأنَّ لحديثِ وائلٍ أيضًا شاهدًا قدْ قدْمنَاهُ. وقالَ الحاكمُ، إنهُ على شرطِهِمَا. وغايتهُ وإنْ لم يتمَّ كلامَ الحاكمِ فهوَ مثلُ شاهد [حديث] (٥)\n_________\n(^١) في \"المجموع شرح المهذب\" (٣/ ٤٢١).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٢٣ - ٢٣١).\n(^٤) انظر الأحاديث المشار إليها في شرح الحديث رقم (٨/ ٢٥٩).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) (٢/ ٩٧).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٣١٩ رقم ٦٢٨) وإسناده ضعيف جدًّا، وقد تقدم في شرح الحديث رقم (٤٣/ ٢٩٤).","vol":"2","page":233},{"text":"أبي هريرةَ الذي تفردَ بهِ شريكٌ؛ فقدِ اتفقَ حديثُ وائلٍ، وحديثُ أبي هريرةَ في القوةِ. وعلى تحقيقِ ابن القيِّم فحديثُ أبي هريرةَ عائدٌ إلى حديثٍ وائلٍ، وإنَّما وقعَ فيهِ قلبٌ ولا ينكرُ ذلكَ، فقدْ وقعَ القلبُ في ألفاظِ الحديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>وضع اليدين على الركبتين في الجلوس</span>\n٤٥/ ٢٩٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنى عَلَى الْيُمْنى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ، وأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٢): وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإِبْهَامَ. [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنى، وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ)، قالَ العلماءُ: خُصَّتِ السبابةُ بالإشارةِ لاتصالها بنياطِ القلبِ، فتحريكُها سببٌ لحضورهِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وَأَشَارَ بِالَّتي تَلِي الإِبْهَامَ)، ووضعَ اليدينِ على الركبتينِ مُجْمَعٌ على استحبابهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-415>قبض الأصابع في التشهد وتحريك السبابة</span>\nوقولُهُ: \"وعقدَ ثلاثًا وخمسينَ\" قالَ المصنفُ في التلخيصِ: صورتُها أنْ يجعلَ الإبهامَ (مفتوحةً) (^٣) تحتَ [المسبِّحةَ] (^٤). وقولُه: \"وقبضَ أصابِعَهُ كُلَّها\"، أي أصابعَ يدِهِ اليُمنى، قبضَها على الراحةِ، وأشارَ بالسبابةِ، [وقوله: التي تلي الإبهام، وصف كاشف لتحقيق السبابة، وقوله] (^٥): في روايةِ وائلِ ابن حجرٍ: \"حَلَّقَ بينَ الإبهامِ والوُسْطى\"، أخرجهُ ابنُ ماجَه (^٦): فهذهِ ثلاثُ هيئاتٍ جعلَ الإبهامَ تحتَ المسبِّحةِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ١١٥/ ٥٨٠).\n(^٢) أي لمسلم في \"صحيحه\" (رقم ١١٦/ ٥٨٠). قلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩٨٧)، والنسائي (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ رقم ١٢٦٠) و(٣/ ٣٦ رقم ١٢٦٦)، والترمذي (رقم ٢٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٠)، وابن ماجه (رقم ٢٩٥).\n(^٣) (١/ ٢٦٢) وفيه \" معترضة\" بدل \"مفتوحة\".\n(^٤) في (أ): \"السبابة\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٢٩٥ رقم ٩١٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"2","page":234},{"text":"مفتوحةً. وسكتَ في هذهِ عنْ بقيةِ الأصابع هلْ تُضَمُّ إلى الراحةِ، أو تبقى منشورةً على الركبةِ؟ (الثانيةُ): ضمُّ الأصابعِ كلِّها على الراحةِ والإشارةِ بالمسبِّحةِ. (الثالثةُ): التحليقُ بينَ الإبهامِ والوسْطَى، ثمَّ الإشارةُ بالسبابةِ. وورد بلفظِ الإشارة كما هُنَا، وكما في حديثٍ ابن الزبيرِ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يشيرُ بالسبابةِ ولا يحرِّكُها\". أخرجهُ أحمدُ (^١)، وأبو داودَ (^٢)، والنسائيُّ (^٣)، وابنُ حبانَ في صحيحهِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-416>الحكمة من الإشارة بالسبابة</span>\nوعندَ ابن خزيمةَ (^٥)، والبيهقيِّ (^٦) منْ حديثٍ وائلٍ: \"أنهُ - ﷺ - رفعَ أُصبُعهُ فرأيتهُ يحرِّكُها يدعُو بهَا\". قالَ البيهقيُّ (^٧): يحتملُ أنْ يكونَ مرادَهُ بالتحريكِ الإشارةُ لا تكريرُ تحريكِها حتَّى لا يعارِضَ حديثَ ابن الزبيرِ. وموضعُ الإشارةِ عندَ قولهِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، لما رواهُ البيهقيُّ منْ فعلِ النبيِّ - ﷺ -. وينْوي بالإشارةِ التوحيدَ والإخلاصَ فيهِ، فيكونُ جامعًا في التوحيدِ بينَ القولِ والفعلِ والاعتقادِ، ولذلكَ نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن الإشارةِ بالإصبعينِ وقالَ: \"أحِّد أحِّد\" (^٨) لمنْ رآهُ يشر بأصبعيهِ، ثمَّ الظاهرُ أنهُ مخيرٌ بينَ هذهِ الهيئاتِ. ووجهُ الحكمةِ شغلُ كلِّ عضوٍ بعبادةٍ. ووردَ في اليدِ اليُسرى عندَ الدارقطنيِّ (^٩) منْ حديثٍ ابن عمرَ: \"أنهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٦٠٣ رقم ٩٨٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٣٧ - ٣٨ رقم ١٢٧٠).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٦٢ رقم ٤٠٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٣٥٤ رقم ٧١٤).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٢) بإسناد صحيح.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٢).\n(^٨) أخرجه النسائي (٣/ ٣٨ رقم ١٢٧٢)، والترمذي (رقم ٣٥٥٧). وقال: حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة. وله شاهد عند النسائي (٣٨/ ٣ رقم ١٢٧٣) من حديث سعد: ولفظه: \"عن سعد قال: مر عليَّ رسول الله - ﷺ - وأنا أدعو بأصابعي، فقال؛ أحِّد أحِّد. وأشار بالسبابة\"، وإسناده صحيح.\n(^٩) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٦١ رقم ٣٩٥).\nقلت: وأخرج مسلم في \"صحيحه\" (رقم ١١٣/ ٥٧٩)، من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا قعدَ يَدْعُو، وضعَ يَدَهُ اليُمْنى على فخذِهِ اليُمنى، ويدَهُ =","vol":"2","page":235},{"text":"ألقمَ كفَّهُ اليُسرى ركبتَهُ\"، وفسَّرَ الإلقامَ بعطفِ الأصابعِ على الركبةِ. وذهبَ إلى هذا بعضُهم عملًا بهذهِ الروايةِ. قالَ: وكأنَّ الحكمةَ فيهِ منعُ اليدِ عن العبثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-417>طريقة العرب في عد الحساب</span>\nواعلمْ أن قولَهُ في حديثٍ ابن عمرَ: (وعقدَ ثلاثًا وخمسينَ) إشارةٌ إلى طريقةٍ معروفةٍ، تواطأتْ عليْها العربُ في عقودِ الحسابِ، وهي أنواعٌ منَ الآحادِ، والعشراتِ، والمئينَ، والألوفِ. أما الآحادُ فللواحدِ عقدُ الخنصرِ إلى أقربِ ما يليهِ منْ باطنِ الكفِّ، وللاثنينِ عقدُ البنصرِ معَها كذلكَ، وللثلاثةِ عقدُ الوسُطى معَها كذلكَ، وللأربعةِ حلُّ الخنصرِ، وللخمسةِ حلُّ البنصرِ معَها دونَ الوسْطى، وللستةِ عقدُ البنصرِ وحلُّ جميعِ الأناملِ، وللسبعةِ بسطُ الخنصرِ إلى أصلِ الإبهامِ مما يلي الكفَّ، وللثمانيةِ بسطُ البنصرِ فوقَها كذلكَ، وللتسعةِ بسطُ الوسْطَى فوقَها كذلكَ. وأما العشراتُ فلَها الإبهامُ والسبابةُ، فللعشرةِ الأُولى عقدُ رأسِ الإبهامِ على طرفِ السبابةِ، وللعشرينَ إدخالُ الإبهامِ بينَ السبابةِ والوْسطى، وللثلاثينَ عقدُ رأسِ السبابةِ على رأسِ الإبهامِ عكسَ العشرةِ، وللأربعينَ تركيبُ الإبهامِ على العقد الأوسطِ منَ السبابةِ، وعطفُ الإبهامِ إلى أصلِها، وللخمسينَ عطفُ الإبهامِ إلى أصلِها، وللستينَ تركيبُ السبابةِ على ظهرِ الإبهامِ عكسَ الأربعينَ، وللسبعينَ إلقاءُ رأسِ الإبهامِ على العقدِ الأوسطِ منَ السبابةِ، وردُّ طَرَفِ السبابةِ إلى الإبهامِ، وللثمانين ردُّ طرفِ السبابةِ إلى أصلِها وبسطُ الإبهامِ على جَنْبِ السبابةِ منْ ناحيةِ الإبهامِ، وللتسعينَ عطفُ السبابةِ إلى أصلِ الإيهامِ وضمِّها بالإبهامِ، وأمَّا المئينُ فكالآحادِ إلى تسعمائةٍ في اليدِ اليُسرى، والألوفُ كالعشراتِ في اليُسرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-418>أصح ما روي في التشهد حديث ابن مسعود</span>\n٤٦/ ٢٩٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيّاتُ للَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ\n_________\n= اليُسرى على فخذِهِ اليُسرى، وأشارَ بإِصِبَعِهِ السبابَةِ. ووضعَ إبهامَهُ على إصْبَعِهِ الوسطى وَيُلْقِمُ كفَّهُ الْيُسْرَى رُكَبتهُ\".","vol":"2","page":236},{"text":"عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لِيَتَخَيّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n- وَللنَّسَائِيِّ (^٢): كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ.\n- وَلأَحْمَدَ (^٣): أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ التَّشهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمهُ النَّاسَ. [ضعيف]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: الْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقلْ: التَّحِيّاتُ)، جمعُ تحيةٍ، ومعناها: البقاءُ، والدوامُ، أو العظمةُ، أو السلامةُ منَ الآفاتِ، أو كلُّ أنواعِ التعظيمِ (للَّهِ، وَالصَّلَوَات) قيلَ: الخمسُ أو ما هوَ أعمُّ منَ الفرضِ، أو النفلِ، أو العباداتِ كلِّها، أو الدعواأتِ أو الرحمةِ. وقيلَ: التحيَّاتُ: العباداتُ القوليةُ، والصلواتُ: العباداتُ الفعليةُ. (والطيباتُ) أي ما طابَ مِنَ الكلامِ وحَسُنَ أنْ يُثْنَى بهِ على اللَّهِ، أو ذكرُ اللَّهِ، أوِ الأقوالُ الصالحةُ، أوِ الأعمالُ الصالحةُ، أو ما هوَ أعمُّ منْ ذلكَ. وطيبُها كونُها كاملةً خالصةً عن الشوائبِ. والتحيَّاتُ مبتدأٌ خبرُها للَّهِ، والصلواتُ والطيباتُ عطفٌ عليهِ،\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٨٣١ و٨٣٥ و١٢٠٢ و٦٢٣٠ و٦٢٦٥ و٦٣٢٨) و٧٣٨١)، ومسلم (رقم ٥٥ و٥٦ و٥٧ و٥٨ و٥٩/ ٤٠٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩٦٨)، والترمذي (رقم ٢٨٩)، والنسائي (٢/ ٢٣٩ - ٢٤١) و(٣/ ٤٠ و٤١)، وابن ماجه (رقم ٨٩٩)، وأحمد (١/ ٣٨٢ و٤١٣ و٤٢٧ - ٤٢٨ و٤٣١ و٤٣٩ و٤٤٠ و٤٦٤)، وأبو عوا نة (٢/ ٢٢٩ و٢٣٠)، والدارمي (١/ ٣٠٨)، وابن خزيمة (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ٧٠٣)، والدارقطني (١/ ٣٥٠ رقم ٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٨)، والبغوي في شرح السنة\" (٣/ ١٨٠ رقم ٦٧٨)، والطيالسي (ص ٣٣ رقم ٢٤٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٢٠٥) من طرق عنه …\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٤٠ رقم ١٢٧٧).\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٣٧٦) وإسناده ضعيف، وله علَّتان.\n(الأولى): الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ابن مسعود، فإنه لم يسمع منه كما يقول الترمذي وغيره.\n(الثانية): ضعف خصيف الجزري. قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٢٢٤): صدوق سيء الحفظ خلط بأخره.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. وقد ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ٣٢٢).","vol":"2","page":237},{"text":"وخبرُهما محذوفٌ، وفيهِ تقاديرُ أُخَرُ. (السَّلَامُ) أي: السلامُ الذي [يعرفه] (^١) كلُّ أحدٍ. (عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) خصُّوهُ - ﷺ - أولًا بالسلامِ عليهِ لعظمِ حقِّهِ عليْهمْ، وقدموهُ على التسليمِ على أنفسِهم لذلكَ، ثم أتبعوهُ بالسلامِ عليهمْ في قولِهمْ: (السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ). وقد وردَ أنهُ يشملُ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءِ والأرضِ، وفُسِّرَ الصالحُ بأنهُ القائمُ بحقوقِ اللَّهِ وحقوقِ عبادِه، ودرجاتُهم متفاوتةٌ. (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) لا مستحقَّ للعبادةِ بحقٍّ غيرُهُ؛ فهوَ قصرُ إفرادٍ لأنَّ المشركينَ كانُوا يعبدونهُ ويشركونَ معهُ غيرَهُ. (وَأَشْهَدُ أَن مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) هكذَا هو بلفظِ عبدِهِ ورسولِهِ في جميعِ رواياتِ الأمهاتِ الستِّ. ووهمَ ابنُ الأثيرِ في جامعِ الأصولِ (^٢) فساقَ حديثَ ابن مسعودٍ بلفظِ: \"وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ\" ونسبَهُ إلى الشيخينِ وغيرِهما، وتبعهُ على وهْمِهِ صاحبُ تيسيرِ الوصولِ (^٣)، وتبعَهُمَا على الوهمِ الجلالُ في ضوءِ النهارِ (^٤)، وزادَ أنهُ لفظُ البخاريِّ، ولفظُ البخاريِّ كما قالهُ المصنفُ فتنبَّه، (ثمَّ لِيَتَخَيّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ).\nقالَ البزارُ (^٥): \"أصحُّ حديثٍ عندي في التشهد حديثُ ابن مسعودٍ، يُرْوَى عنهُ منْ نيفٍ وعشرينَ طريقًا، ولا نعلمُ رُوِيَ عن النبيِّ - ﷺ - في التشهدِ أثبتُ منهُ، ولا أصحُّ إسنادًا، ولا أثبتَ رجالًا، ولا أشدَّ تضافرًا بكثرةِ الأسانيدِ والطرقِ. وقالَ مسلمٌ: إنَّما أجمع الناسُ على تشهدِ ابن مسعودٍ لأنَّ أصحابَهُ لا يخالفُ بعضُهم بعضًا، وغيرهُ قدِ اختلفَ عنهُ أصحابهُ. وقالَ محمدُ بنُ يحيى الذهلي: هوَ أصح ما رُوِيَ في التشهدِ\". وقدْ رَوَى حديثَ التشهدِ أربعةٌ وعشرونَ صحابيًا بألفاظٍ مختلفةٍ، اختارَ الجماهيرُ منْها حديثَ ابن مسعودٍ. والحديثُ فيهِ دلالةٌ على وجوبِ التشهدِ لقولهِ: \"فليقلْ\"، وقدْ ذهبَ إلى وجوبهِ أئمةٌ منَ الآلِ وغيرُهم منَ العلماءِ. وقالتْ طائفةٌ: إنهُ غيرُ واجبٍ لعدمِ تعليمهِ - ﷺ - المسيءَ صلاتِهِ. ثمَّ اختلفُوا في الألفاظِ التي تجبُ عندَ مَنْ أَوْجَبَهُ أوْ عندَ مَنْ قالَ إنهُ سنةٌ. وقدْ سمعتَ [أرجحية] (^٦) حديثٍ ابن مسعودٍ، وقدِ اختارهُ الأكثرُ فهوَ الأرجحُ. وقدْ\n_________\n(^١) في (ب): \"يعرف\".\n(^٢) (٥/ ٣٩٦).\n(^٣) (٢/ ٢٨٨) ط: دار الفكر.\n(^٤) (١/ ٥٠٨).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٦٤).\n(^٦) في (أ): \"راجحية\".","vol":"2","page":238},{"text":"رجَّحَ جماعةٌ غيرَهُ منْ ألفاظِ التشهدِ الواردةِ عن الصحابةِ. وزادَ ابنُ أبي شيبةَ (^١) قولَ: \"وحدَهُ لا شريكَ لهُ\" في حديث ابن مسعودٍ منْ روايةٍ أبي عبيدةَ عنْ أبيه، وسندُهُ ضعيفٌ. لكنْ ثبتتْ هذهِ الزيادةُ منْ [حديث] (^٢) أبي موسى عندَ مسلمٍ (^٣). وفي حديثٍ عائشةَ الموقوفِ في الموطأِ (^٤)، وفي حديثٍ ابن عمرَ عندَ الدارقطنيِّ (^٥) إلَّا أنهُ بسندٍ ضعيفٍ. وفي سننِ أبي داودَ (^٦): \"قالَ ابنُ عمرَ: زدت فيهِ وحدَهُ لا شريكَ لهُ\". وظاهرُه أنهُ موقوفٌ على ابن عمرَ وقولُهُ: \"ثمَّ ليتخيْر منَ الدعاءِ [أعجبَه] (^٧) \"، زادَ أبو داودَ (^٨): فيدعُو بهِ. ونحوُه للنسائي منْ وجهٍ آخر (^٩) بلفظِ: فليدعُ. وظاهرُه الوجوبُ أيضًا للأمرِ بهِ، وأنهُ يدعُو بما شاءَ منْ خير الدنيا والآخرةِ. وقدْ ذهبَ إلى وجوبِ الاستعاذةِ الآتيةِ طاوسُ فإنهُ أمرَ ابنَهُ بالإعادةِ للصلاةِ لمَّا لمْ يَتَعَوَّذْ منَ الأربعِ الآتي ذكرُها، وبهِ قالَ بعضُ الظاهريةِ. وقالَ ابنُ حزمٍ (^١٠): ويجبُ أيضًا في التشهدِ الأولِ، والظاهرُ معَ القائلِ بالوجوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>ما يدعو به بعد التشهد</span>\nوذهبَ الحنفيةُ، والنخعيُّ، وطاوسُ إلى أنهُ لا يدعُو في الصلاةِ إلَّا بما يوجدُ في القرآنِ. وقالَ بعضُهم: لا يدعُو إلَّا بما كانَ مأثورًا. ويردُّ القولينِ قولُهُ - ﷺ -: \"ثمَّ ليتخيرْ منَ الدعاءِ أعجبَهُ\"، وفي لفظٍ: \"ما أحبَّ\"، وفي لفظٍ\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣١٥).\n(^٢) في (أ): \"من رواية\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٤٠٤) بدون هذه الزيادة. مع أن ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣١٥) نسب هذه الزيادة لمسلم.\nقلت: وقد أخرج هذه الزيادة النسائي (٢/ ٢٤٢ رقم ١١٧٣)، وأبو داود (رقم ٩٧٣) وهو حديث صحيح.\n(^٤) (١/ ٩١، - ٩٢ رقم ٥٦)، وإسناده صحيح. وهو موقوف حكمه حكم الرفع. لأن مثله لا يقال بالرأي.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٥١ رقم ٧) وقال: موسى بن عبيدة وخارجة ضعيفان.\n(^٦) (١/ ٥٩٣ - ٥٩٤ رقم ٩٧١). وهو حديث صحيح.\n(^٧) في (أ): \"ما أعجبه\".\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٥٩١ - ٥٩٢ رقم ٩٦٨) وقد تقدم.\n(^٩) في \"السنن\" (٢/ ٢٣٨ رقم ١١٦٣).\n(^١٠) في \"المحلى بالآثار\" (٢/ ٣٠٠).","vol":"2","page":239},{"text":"للبخاريِّ: \"منَ الثناءِ ما شاءَ\"؛ فهوَ إطلاقٌ للداعي أنْ يدعوَ بما أرادَ. وقالَ ابنُ سيرينَ: لا يدعُو في الصلاة إلَّا بأمر الآخرةِ. وقدْ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^١) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: \"فَعَلَّمَنَا [التشهدَ في الصلاةِ، أي النبيُّ - ﷺ -] (^٢) ثمَّ يقولُ: إذا فرغَ أحدُكم منَ التشهدِ فليقلْ: اللهمَّ إني أسألكَ منَ الخيرِ كلِّه ما علمتُ منه وما لمْ أعلمُ، وأعوذُ بكَ من الشرِّ كلِّه ما علمتُ منهُ وما لمْ أعلمْ، اللَّهم إني أسألكَ من خيرِ ما سألكَ منهُ عبادكَ الصالحونَ، وأعوذُ بكَ منْ شرِّ ما استعاذَكَ منهُ عبادَكَ الصالحونَ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ (^٣) الآيةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-420>الأدلة على وجوب التشهد</span>\nومنْ أدلةِ وجوب التشهدِ ما أفادَهُ قولُهُ: (وَلِلنَّسَائِيَ) أي: منْ حديث ابن مسعودٍ: (كنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ) حذفَ المصنفُ تمامهُ وهوَ: \"السلامُ على اللَّهِ، السلامُ على جبريلَ وميكائيلَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تقولُوا هَذا ولكنْ قولُوا التحيَّاتُ [لله] (^٤) إلى آخرهِ\"، ففي قولهِ يفرضُ عليه دليل على الإيجابِ، إلَّا أنهُ أخرجَ النسائيُّ (^٥) هذَا الحديثَ منْ طريقِ ابن عيينةَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ: تفردَ ابنُ عيينةَ بذلكَ. وأخرجَ مثلَهُ الدارقطنيُّ (^٦)، والبيهقيُّ (^٧)، وصحَّحاهُ. (وَلأَحْمَدَ) أي منْ حديثٍ ابن مسعودٍ وهوَ منْ أدلةِ الوجوب أيضًا: (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عَلَّمَهُ التَّشهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمهُ النَّاسَ)، أخرجهُ أحمدُ (^٨) عن أبي عبيدةَ عنْ عبدِ اللَّهِ قالَ: \"علمهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - التشهدَ وأمرهُ أن يعلمهُ الناسَ التحياتُ [لله] (^٩) وذكرَهُ إلخ\".\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣٢١).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^٢) في (أ): \"النبي - ﷺ - التشهد في الصلاة\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٠١.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢٣٩).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣٥٠ رقم ٤) وقال: هذا إسناد صحيح.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٣٨) وقال: قال علي - أي الدارقطني -: هذا إسناد صحيح.\nوهو حديث صحيح. وقد صححه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٣١٩).\n(^٨) في \"المسند\" (١/ ٣٧٦)، وهو حديث ضعيف، وقد تقدم.\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-421>تشهُّد ابن عباس</span>\n٤٧/ ٢٩٨ - وَلِمُسْلِمٍ (^١) عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: \"التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للَّهِ - إِلَى آخِرِهِ\". [صحيح]\n(وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ للَّهِ … إلخ) تمامهُ: \"السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللَّهِ الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ\". هذا لفظُ مسلمٍ، وأبي داودَ (^٢). ورواهُ الترمذيُّ (^٣) وصحَّحهُ كذلكَ، لكنهُ ذكرَ السلامَ منكرًا. ورواهُ ابنُ ماجه (^٤) كمسلمٍ لكنهُ قالَ: \"وأَشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ\". ورواهُ الشافعيُّ (^٥)، وأحمدُ (^٦) بتنكيرِ السلامِ أيضًا، وقالا فيهِ: \"وأنَّ محمدًا [عبده ورسوله] (^٧). ولمْ يذكرْ أشهدُ، وفيهِ زيادةُ المباركاتِ، وحذفَ الواوَ منَ الصلواتِ ومن الطيباتِ. وقدِ اختارَ الشافعيُّ تشهُّدَ ابن عباسٍ هذَا، قالَ المصنفُ (^٨): إنهُ قالَ الشافعيُّ لما قيلَ لهُ كيفَ صرتَ إلى حديثٍ ابن عباسٍ في التشهدِ؟ قالَ: لما رأيتُهُ واسعًا، وسمعتُهُ عن ابن عباسٍ صحيحًا كانَ عندي أجمعَ وأكثرَ لفظًا منْ غيرِه، فأخذتُ بهِ غيرَ معنِّفٍ لمنْ [أخذ] (^٩) بغيرِه مما صحَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-422>وجوب التحميد والثناء والصلاة عليه - ﷺ </span>-\n٤٨/ ٢٩٩ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِع رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ٦٠/ ٤٠٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥٩٦ رقم ٩٧٤).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٨٣ رقم ٢٩٠)، وقال: حديث حسن غريب صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢٩١ رقم ٩٠٠).\n(^٥) في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٧ رقم ٢٧٦) وفي \"الأم\" (١/ ١٤٠).\n(^٦) في \"المسند\" (١/ ٢٩٢).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٣٥٠ رقم ٢)، والبيهقي (٢/ ١٤٠).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٦).\n(^٩) في (ب): \"يأخذ\".","vol":"2","page":241},{"text":"يَدْعُو في صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"عَجِلَ هذَا\" ثُمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: \"إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاء عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبيِّ - ﷺ -، ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالثَّلَاثَةُ (^٢)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٤)، وَالْحَاكِمُ (^٥). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-423>ترجمة فضالة بن عبيد</span>\n(وَعَنْ فَضَالَة) (^٦) بفتحِ الفاءِ بزنةِ سحابةَ، هوَ أبو محمد فضالةُ (ابْنِ عُبَيْدٍ) بصيغةِ التصغيرِ لعبدٍ، أنصاري أوسيٍّ، أولُ مشاهدِه أُحُدٌ، ثمَّ شهدَ ما بعدَها، وبايعَ تحتَ الشجرةِ، ثمَ انتقلَ إلى الشامِ، وسكنَ دمشقَ، وتولَّى القضاءَ بها، وماتَ بها، وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قَالَ: سَمِعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلًا يَدْعُو في صَلَاتِهِ وَلَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ على النبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: عَجِلَ هذَا) أي بدعائهِ قبلَ تقديمِ أمرينِ، (ثُمَّ دَعَاهُ فقَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) هوَ عطفٌ تفسيريّ، ويحتملُ أنْ يرادَ بالتحميدِ نفسهِ وبالثناءِ مَا هوَ أعمُّ [بأي] (^٧) عبارةِ، فيكونُ منْ عطفِ العامِ على الخاصِّ، (ثُمَّ يُصَلِّي) هوَ خبر، أي ثمَّ هوَ يصلِّي عطفَ جملةً على جملةٍ، فلِذَا لم تجزمْ، (عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَدْعُوَ بِمَا شَاءَ) من خيرِ الدنيا\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ١٨).\n(^٢) وهم: أبو داود (رقم ١٤٨١)، والترمذي (رقم ٣٤٧٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣/ ٤٤ رقم ١٢٨٤).\n(^٣) في \"السنن\" (٥/ ٥١٧).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٣/ ٢٠٨ رقم ١٩٥٧).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٠ و٢٦٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي. وفي السند أبو هانئ واسمه حميد بن هانئ قال في \"التقريب\" (١/ ٢٠٤ رقم ٦١٤): لا بأس به. فهو حسن الإسناد فقط.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٦) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٢٤) و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٤١)، و\"أخبار القضاة\" (٣/ ٢٠٠)، و\"الجرح والتعديل\" (٧/ ٧٧)، و\"المستدرك\" (٣/ ٤٧٣)، و\"الحلية\" (٢/ ١٧)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٥٠ رقم ٥٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٢٤١ رقم ٤٩٩)، و\"الإصابة\" (٨/ ٩٧ رقم ٦٩٨٦).\n(^٧) في (ب): \"أي\".","vol":"2","page":242},{"text":"والآخرةِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحّحَهُ التِّزْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ ما ذُكِرَ منَ التحميدِ والثناءِ والصلاةِ عليه - ﷺ -، والدعاءِ بما شاءَ، وهوَ موافقٌ في المعنى لحديثِ ابن مسعودٍ وغيرِه؛ فإنَّ أحاديثَ التشهدِ تتضمنُ ما ذكرَ منَ الحمدِ والثناءِ وهي مبيِّنةٌ لما أجملَهُ هذا، ويأتي الكلامُ في الصلاةِ عليهِ - ﷺ -. وهذَا إذا ثبتَ أن هذَا الدعاءَ الذي سمعهُ النبيُّ - ﷺ - منَ ذلكَ الرجلِ كانَ في قعدةِ التشهدِ، وإلَّا فليسَ في هذَا الحديثِ دليلٌ على أنهُ كانَ ذلكَ حالَ قعدةِ التشهدِ إلَّا أن ذكرَ المصنف لهُ هُنَا يدلُّ على أنهُ كانَ في قعودِ التشهدِ وكأنهُ عرفَ ذلكَ منْ سياقهِ، وفيهِ دليلٌ على تقديمِ الوسائلِ بينَ يدي المسائلِ، و[هو] (^١) نظيرُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، حيثُ قدَّمَ الوسيلةَ وهي العبادةُ على طلب الاستعانةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-424>وجوب الصلاة والسلام على النبي وآله في الصلاة</span>\n٤٩/ ٣٠٠ - وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ: \"قُولُوا اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣) فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟ [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-425>ترجمة أبي مسعود الأنصاري</span>\n(وَعَنْ أَبي مَسْعُودٍ) (^٤) الأنصاريِّ. أبو مسعودٍ اسمهُ عقبةُ بنُ\n_________\n(^١) في (ب): \"هي\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٠٥ رقم ٦٥/ ٤٠٥).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ٦٧)، وأبو داود (رقم ٩٨٠ و٩٨١)، والترمذي (رقم ٣٢٢٠)، والنسائي (٣/ ٤٥ - ٤٦ رقم ١٢٨٥)، وفي \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٤٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٥١ - ٣٥٢ رقم ٧١١) بإسناد حسن.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٤/ ١١٨ - ١٢٦) و(٥/ ٢٧٢ - ٢٧٥)، و\"طبقات=","vol":"2","page":243},{"text":"[عمروِ] (^١) بنُ ثعلبةَ الأنصاري الخزرجيِّ البدريِّ، شهدَ العقبةَ الثانيةَ وهوَ صغيرٌ، ولمْ يشهدْ بدرًا وإنما نزلَ بهِ فنسبَ إليهِ. سكنَ الكوفةَ وماتَ بها في خلافةِ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ - ﵇ - (قَالَ: قَالَ بَشَيرُ بْنُ سَعْدٍ) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-426>ترجمة بشير بن سعد الأنصاري</span>\nهوَ أبو النعمانِ بشيرُ بنُ سعد بن ثعلبةَ الأنصاريِّ الخزرجيِّ والدُ النعمانِ بن بشيرٍ، شهدَ العقبةَ وما بعدَها (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عليك) يريدُ في قولِهِ تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٣)، (فَكَيْفَ نُصَلِّيِ عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ) أي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، وعندَ أحمدَ (^٤) ومسلمٍ (^٥) زيادةٌ: \"حتَّى تمنيْنَا أنهُ لمْ يسأَلْهُ\"، (ثُمَّ قالَ: قُولُوا: اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَي مُحَمَّدٍ وَعَلَي آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ في الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). الحميدُ صيغةُ مبالغةٍ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، يستوي فيهِ المذكرُ والمؤنثُ، أي: إنكَ محمودٌ بمحامدِكَ اللائقهِ بعظمةِ شأنكَ، وهوَ تعليلٌ لطلبِ الصلاةِ، أي: لأنكَ محمودٌ ومنْ محامدِكَ إفاضتُكَ أنواعَ العناياتِ وزيادةِ البركاتِ على نبيِّكَ الذي تقربَ إليكَ بامتثالِ ما أهَّلْتَهُ لهُ من أداءِ الرسالةِ، ويحتملُ أنَّ حميدًا بمعنَى حامدٍ، أي: إنكِ حامدٌ مَنْ يستحقُّ أنْ يُحْمَدَ، ومحمدٌ منْ أحقِّ عبادكَ بحمدِكَ، وقَبولِ دعاءِ مَنْ يدعو لهُ ولآلهِ، وهذَا أنسبُ بالمقامِ. (مجيدٌ) مبالغةُ ماجدِ، والمجدُ الشرفُ (وَالسّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ) بالبناءِ للمجهولِ وتشديدِ اللامِ، وفيهِ روايةٌ بالبناءِ للمعلومِ، وتخفيف اللَّامِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خزَيْمَةَ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟) وهذهِ الزيادةُ رَوَاهَا أيضًا ابنُ حبانَ (^٦)، والدارقطنيُّ (^٧)،\n_________\n= ابن سعد\" (٦/ ١٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٢٩ رقم ٢٨٨٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣١٣ رقم ١٧٤٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ٤٤٧)، و\"الإصابة\" (٧/ ٢٤ - ٢٥ رقم ٥٥٩٩)، و\"الاستيعاب\" (٨/ ١٠٢ - ١٠٣ رقم ١٨٢٧).\n(^١) في المطبوع \"عامر\" والتصويب من مصادر الترجمة المتقدمة.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (١/ ٢٦٢ رقم ٦٩١)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ١٢ رقم ١٩٣).\n(^٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(^٤) في \"المسند\" (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٦٥/ ٤٠٥) كما تقدم.\n(^٦) في \"الإحسان\" (٣/ ٢٠٧ رقم ١٩٥٦).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥ رقم ٢).","vol":"2","page":244},{"text":"والحاكمُ (^١). وأخرجَها أبو حاتمٍ (^٢)، وابنُ خزيمةُ (^٣)، في صحيحيْهما. وحديثُ الصلاةِ أخرجهُ الشيخانِ (^٤) عنْ كعبِ بن عُجْرَةَ، عنْ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ (^٥). وأخرجهُ البخاريُّ (^٦) عنْ أبي سعيدٍ، والنسائيّ (^٧) عنْ طلحةَ، والطبرانيُّ (^٨) عنْ سهلِ بن سعدٍ، وأحمدُ (^٩) والنسائيُّ (^١٠) عنْ زيدِ بن خارجةَ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الصلاةِ عليهِ - ﷺ - في الصلاةِ لظاهرِ الأمرِ؛ (أعني) قولُوا، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ، والأئمةُ، والشافعيُّ، وإسحاقُ. ودليلُهم الحديثُ معَ زيادتهِ الثابتةِ، ويقتضي أيضًا وجوبَ الصلاةِ على الآلِ، وهوَ قولُ الهادي، والقاسمِ، وأحمدَ بن حنبلٍ. ولا عذرَ لمنْ قالَ بوجوبِ الصلاةِ عليهِ - ﷺ - مستدلًا بهذَا الحديث منَ القولِ بوجوبِها على الآلِ؛ إذِ المأمورُ بهِ واحدٌ، ودعوى النوويِّ وغيرهِ الإجماع على أن الصلاةَ على الآلِ مندوبةٌ غيرُ مسلَّمةٍ (^١١)، بلْ نقولُ الصلاةُ عليهِ - ﷺ - لا تتمُّ ويكونُ العبدُ ممتثلًا بها حتَّى يأتي بهذا اللفظِ النبويِّ الذي فيهِ ذكرُ الآلِ لأنهُ قالَ السائلُ: \"كيفَ نصلي عليكَ؟ \"، فأجابهُ بالكيفيةِ إنَّها الصلاةُ عليهِ وعلى آلهِ، فمنْ لم يأتِ بالآلِ فما صلَّى عليهِ بالكيفيةِ التي أمرَ بها، فلا يكونُ ممتثلًا للأمرِ، فلا يكونُ مصليًا عليهِ - ﷺ -،\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦٨).\n(^٢) في \"الإحسان\" (رقم ١٩٥٦) وقد تقدم.\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٧١١) وقد تقدم.\n(^٤) البخاري (رقم ٤٧٩٧)، ومسلم (رقم ٤٠٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩٧٦)، والترمذي (رقم ٤٨٣)، والنسائي (٣/ ٤٧ - ٤٨)، وابن ماجه (رقم ٩٠٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ١٩٠ رقم ٦٨١).\n(^٥) أخرجه البخاري (رقم ٦٣٦٠)، ومسلم (رقم ٦٩/ ٤٠٧)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٦٥ رقم ٦٦)، وأبو داود (رقم ٩٧٩)، والنسائي (٣/ ٤٩ رقم ١٢٩٤)، وابن ماجه (رقم ٩٠٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١١/ ١٥٢ رقم ٦٣٥٨).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ٤٩ رقم ١٢٩٣).\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٤٨ رقم ١٢٩٠ و١٢٩١)، وهو حديث حسن.\n(^٨) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٦٣).\n(^٩) في \"المسند\" (١/ ١٩٩).\n(^١٠) في \"السنن\" (٣/ ٤٨ - ٤٩ رقم ١٢٩٢) وإسناده حسن.\n(^١١) قال النووي في \"المجموع\" (٣/ ٤٦٥): \" .. وفي وجوبها - أي الصلاة - على الآل وجهان، وحكاهما إمام الحرمين والغزالي قولين، والمشهور وجهان \"الصحيح\" المنصوص وبه قطع جمهور الأصحاب أنها لا تجب. والثاني تجب .. \".","vol":"2","page":245},{"text":"وكذلكَ بقيةُ الحديثِ منْ قولهِ: \"كما صليتَ إلى آخرهِ\" يجبُ إذْ هوَ منَ الكيفيةِ المأمورِ بهَا، ومَنْ فَرَّقَ بينَ ألفاظِ هذهِ الكيفيةِ بإيجاب بعضِها وندبِ بعضِها فلا دليلَ لهُ على ذلكَ. وأما استدلالُ المهديِّ في البحر (^١) [للمخالف] (^٢) على أن الصلاةَ على الآلِ سنةٌ بالقياسِ على الأذانِ فإنَّهم لم يذكرُوا معهُ - ﷺ - فيهِ فكلامٌ باطلٌ، فإنهُ كما قيلَ لا قياسَ معَ النصِّ [ولأنه لم] (^٣) يذكرِ الآلَ في تشهدِ الأذانِ لا ندبًا ولا وجوبًا؛ ولأنهُ ليسَ في الأذانِ دعاءٌ لهُ - ﷺ -، بلْ شهادةٌ بأنهُ رسولُ اللَّهِ، والآلُ لم يأتِ تعبدٌ بالشهادةِ بأنَّهم آلهُ. ومنْ هنَا تعلمُ أن حذفَ لفظِ الآلِ منَ الصلاةِ كما يقعُ في كتبِ الحديثِ ليسَ على ما ينبغي، وكنتُ سُئِلْتُ عتهُ قديمًا فأجبتُ [بأنه] (^٤) قدْ صحَّ عندَ أهلِ الحديثِ بلا ريبٍ كيفيةُ الصلاةِ على النبيِّ - ﷺ -، وهمْ رواتُها وكأنَّهم حذفُوها خطأ تقيةً لما كانَ في الدولةِ الأمويةِ مَنْ يكرهُ ذكرَهم، ثمَّ استمرَّ عليهِ عملُ الناسِ متابعةً من الآخرِ للأوَّلِ، [وإلا فلا] (^٥) وجهَ لهُ. وبسطتُ هذا الجوابَ في حواشي شرحِ العمدةِ بسطًا شافيًا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-427>من هم آل النبي - ﷺ </span>-\nوأمَّا مَنْ هُم الآلُ ففي ذلكَ أقوالٌ، الأصحُّ أنهمْ مَنْ حرِّمَتْ عليهمُ الزكاةُ، فإنهُ بذلكَ فسَّرهمْ زيدُ بن أرقمَ، والصحابيُّ أعرفُ بمرادِه - ﷺ -، فتفسيرُه قرينةٌ على تعيينِ المرادِ منَ اللفظِ المشتركِ. وقد فسَّرهمْ بآلِ عليٍّ، وآلِ جعفرَ، وآلِ عقيلٍ، وآلِ العباسِ. فإنْ قيلَ يحتملُ أنْ يرادَ بقولهِ: \"إذا نحنُ صلينا عليكَ في صلاتنا\"، أي: إذا فحنُ دعونا لكَ في دعائِنا، فلا يدلُّ على إيجابِ الصلاةِ عليهِ في الصلاةِ، (قلتُ): الجوابُ منْ وجهينِ، الأولِ: المتبادرِ في لسانِ الصحابةِ منَ الصلاةِ في قولهِ صلاتُنا الشرعيةُ لا اللغويةُ، والحقيقةُ العرفيةُ مقدمةٌ إذا تردَّدتْ بينَ المعنيينِ. الثاني: أنهُ قد ثبتَ وجوبُ الدعاءِ في آخرِ التشهدِ كما عرفتَ منَ الأمرِ\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"لأنه لا\".\n(^٤) في (ب): \"أنهُ\".\n(^٥) في (ب): \"فلا\".\n(^٦) (٣/ ٢٢).","vol":"2","page":246},{"text":"بهِ، والصلاةُ عليهِ - ﷺ - قبلَ الدعاءِ واجبةٌ لما عرفتَ منْ حديثٍ فضالةَ (^١)، وبهذَا يتمُّ إيجابُ الصلاةِ عليهِ بعدَ التشهدِ قبلَ الدعاءِ الدالِّ على وجوبهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>يتعوَّذ من أربع بعد التشهد</span>\n٥٠/ ٣٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلَيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذّابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمَنِ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَفي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ (^٣): \"إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) مطلقٌ في التشهدِ الأوسطِ والأخيرِ، (فَلَيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ) بَيَّنَها بقولهِ: (يَقُولُ: اللَّهُمّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمَنِ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ)، هذه الروايةُ قيَّدتْ إطلاقُ الأولى، وأبانتْ أن الاستعاذةَ المأمورَ بها بعدَ التشهدِ الأخيرِ. ويدلُّ التعقيبُ بالفاءِ أنَّها تكونُ قبلَ الدعاءِ المخيَّرِ فيهِ بما شاءَ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الاستعاذةِ مما ذكرَ، وهوَ مذهبُ الظاهرية. وقالَ ابنُ حزمٍ منْهم: ويجبُ أيضًا في التشهدِ الأولِ عملًا منهُ بإطلاقِ اللفظِ المتفقِ عليهِ، وأمرِ طاوسَ ابنَه بإعادةِ الصلاةِ لمَّا لمْ يستعذْ فيها، [فكأنه] (^٤) يقولُ بالوجوبِ وبطلانِ الصلاةِ منْ ترْكها. والجمهورُ حملُوهُ على الندبِ.\n_________\n(^١) تقدم رقم (٤٨/ ٢٩٩).\n(^٢) البخاري (رقم ١٣٧٧)، ومسلم (رقم ١٢٨/ ٥٨٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤١٢ رقم ١٣٠/ ٥٨٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٧)، والدارمي (١/ ٣١٠)، وأبو داود (رقم ٩٨٣)، والنسائي (رقم ١٣١٠)، وابن ماجه (رقم ٩٠٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٢٠٧)، والبيهقي (٢/ ١٥٤).\n(^٤) في (ب): \"فإنه\".","vol":"2","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-429>ما يُستفاد من حديث أبي هريرة</span>\nوفيه [دلالةٌ] (^١) على ثبوتِ عذابِ القبرِ، والمرادُ منْ فتنةِ المحيا ما يعرضُ للإنسانِ مدةَ حياتِه منَ الافتتانِ بالدنيا، والشهواتِ، والجهالاتِ، وأعظمُهها والعياذُ باللَّهِ أمرُ الخاتمةِ عندَ الموتِ. وقيلَ هيَ الابتلاءُ معَ عدمِ الصبرِ. وفتنةُ المماتِ قيل: المرادُ بها الفتنةُ عندَ الموتِ أضيفتْ إليهِ لقربها منهُ، ويجوزُ أنْ يرادَ بها فتنةَ القبرِ، وقيلَ أرادَ بها السؤالَ معَ الحيرةِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٢): \"إنكمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قريبًا منْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ\". ولا يكونُ هذا تكريرٌ لعذابِ القبرِ لأنَّ عذابَ القبرِ متفرعٌ على ذلكَ. وقولُهُ: \"فتنةِ [المسيحِ] (^٣) الدجالِ\"، قالَ [العلماء] (^٤) أهلُ اللغةِ: الفتنةُ الامتحانُ والاختبارُ، وقدْ يطلقُ على القتلِ، والإحراقِ، والتهمةِ، وغيرِ ذلكَ. والمسيحُ بفتحِ الميمِ وتخفيفِ السينِ المهملةِ، وآخِرَهُ حاءٌ مهملةٌ، وفيهِ ضبطٌ آخرَ، وهذَا الأصحُّ. ويطلقُ على الدجالِ وعلى عِيْسى، ولكنْ إذا أريدَ بهِ الدجالُ قُيِّدَ باسمهِ، [سُمِّيَ] (^٥) المسيحُ لمسحهِ الأرضَ، وقيلَ لأنهُ ممسوحُ العينِ. وأما عيْسى - ﵇ - فقيلَ لهُ المسيحُ لأنهُ خرجَ منْ بطنِ أمِّهِ ممسوحًا بالدهنِ، وقيلَ لأنَّ زكريا مسحهُ، وقيلَ لأنهُ كانَ لا يمسحُ ذا عاهةٍ إلَّا بَرِئَ، وذكرَ صاحبُ القاموسِ (^٦) أنهُ جمعَ في وجهِ تسميتهِ بذلكَ خمسينَ قولًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-430>ما كان يدعو به أبو بكر الصديق في الصلاة</span>\n٥١/ ٣٠٢ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: عَلِّمْني دُعاءً أَدْعُو بهِ في صَلَاتي، قَالَ قُلْ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفِسي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةَ مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْني، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحِيمُ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"دليل\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم: ٨٦ - البغا).\nقلت: وأخرجه مسلم (رقم ١١/ ٩٠٥) من حديث أسماء.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"يسمى\".\n(^٦) (٣٠٨ - ٣٠٩).\n(^٧) البخاري (رقم ٨٣٤) ومسلم (رقم ٤٨/ ٢٧٠٥). =","vol":"2","page":248},{"text":"(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: علِّمْني دُعَاءً أَدْعُو بهِ في صَلَاتي، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفِسي ظُلْمًا كَثِيرًا)، يُرْوَى بالمثلثةِ، وبالموحدةِ، فيخيرُ الداعي بينَ اللفظينِ، ولا يجمعُ بينَهما لأنهُ لمْ يردْ إلَّا أحُدهما. (وَلَا يَغِفْرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) إقرارٌ بالوحدانيةِ، (فَاغْفِرْ لِي) استجلابٌ للمغفرةِ، (مَغْفِرَةً) نكَّرَها للتعظيمِ، أي: مغفرةً عظيمةً وزادَها تعظيمًا بوصفِها بقولهِ: (مِنْ عِنْدِكَ)، لأنَّ ما يكونُ منْ عندهِ تعالى لا تحيطُ بوصفهِ عبارةٌ، (وَارْحَمْني إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفورُ الرَّحِيمُ) توسلٌ إلى نيلِ مغفرةِ اللَّهِ ورحمتهِ بصفتيْ غفرانهِ ورحمتهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-431>ما يُستفاد من حديث أبي بكر</span>\nالحديثُ دليلٌ على شرْعيةِ الدعاءِ في الصلاةِ على الإطلاقِ منْ غيرِ تعيينِ محلِّ لهُ، ومنْ محلاتهِ بعدَ التشهدِ والصلاةِ عليهِ - ﷺ - والاستعاذةِ لقولهِ: \"فليتخيرْ منَ الدعاءِ ما شاءَ\". والإقرارُ [بظلم] (^١) نفسهِ اعترافٌ بأنهُ لا يخلُو [أحد] (^٢) البشرِ عن [ظلم] (^٣) نفسهِ بارتكابهِ ما نُهيَ عنهُ أو تقصيرِه عنْ أداءِ ما أُمِرَ بهِ. وفيهِ التوسلُ إلى اللَّهِ تعالى بأسمائهِ عندَ طلبِ الحاجاتِ، واستدفاعِ المكروهاتِ، وأنهُ يأتي منْ صفاتهِ في كلِّ مقامٍ ما يناسبُه، كلفظِ الغفورِ الرحيمِ عندَ طلبِ المغفرةِ، ونحوِ: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ عندَ طلبِ الرزقِ. والقرآنُ والأدعيةُ النبويةِ مملوءةٌ بذلكَ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على طلب التعليمِ منَ العالمِ سيَّما في الدعواتِ المطلوبِ فيها جوامعُ الكلمُ. واعلمْ أَنهُ قدْ وردَ في الدعاءِ بعدَ التشهدِ ألفاظٌ غيرُ ما ذكِرَ. أخرجَ النسائيُّ (^٤) عنْ جابرٍ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ في صلاتهِ بعدَ التشهدِ: أَحْسَنُ الكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وأَحْسَنُ الهدي هَدْيُ مُحمدٍ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٥) عن\n_________\n= قلت: وأخرجه النسائي (٣/ ٣٥ رقم ١٣٠٢)، وفي \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٧٩)، والترمذي (رقم ٣٥٣١)، وابن ماجه (رقم ٣٨٣٥)، وأحمد (١/ ٤، ٧)، والبيهقي (٢/ ١٥٤)، وابن خزيمة (٢/ ٢٩ رقم ٨٤٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٠٢ رقم ٦٩٤)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٥٩).\n(^١) في (أ): \"بظلمه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"ظلمه\".\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٥٨ رقم ١٣١١)، بإسناد صحيح.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٥٩٢ رقم ٩٦٩)، وهو حديث ضعيف.","vol":"2","page":249},{"text":"ابن مسعودٍ \"أنهُ - ﷺ - كانَ يعلِّمُهُمْ منَ الدعاءِ بعدَ التشهدِ اللهمَّ أَلِّفْ على الخيرِ بينَ قلوبِنَا، وأصلحْ ذاتَ بَيْنِنَا، واهدِنَا سُبُلَ السلامِ، ونجِّنا منَ الظلماتِ إلى النورِ، وجنِّبنا الفواحشَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وباركْ لنا في أسماعِنا، وأبصارِنا، وقلوبِنا، وأزواجِنا، وذرياتِنا، وتبْ علينا إنكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ، واجعلْنا شاكرينَ لنعمتِكَ مثنينَ بها قابليْها وأتِمَّها علينا\"، أخرجهُ أبو داودَ (^١). وأخرجَ أبو داودَ (^٢) أيضًا عنْ بعضِ الصحابةِ أنهُ - ﷺ - لرجلٍ: \"كيفَ تقولُ في الصلاةِ؟ \"، قالَ: أتشهَّدُ ثمَّ أقولُ: اللَّهمَّ إني أسألكَ الجنةَ، وأعوذُ بكَ منَ النارِ، أما إني لا أحسنُ دنْدنَتكَ ولا دندنةَ معاذٍ، فقالَ - ﷺ -: \"حولَ ذلكَ نُدَنْدِنُ أنا ومعاذٌ\"، ففيهِ أنهُ يدعو الإنسانُ بأيِّ لفظٍ شاءَ منْ مأثورٍ وغيرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-432>وجوب التسليم على اليمين والشمال</span>\n٥٢/ ٣٠٣ - وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ -، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: \"السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ\"، وَعَنْ شِمَالِهِ: \"السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَعَنْ شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). هذا الحديثُ أخرجهُ أبو داودَ منْ حديثِ علقمةَ بن\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٥٩٢ رقم ٩٦٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥٠١ رقم ٧٩٢). وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٧٤) من الطريق نفسه.\nوأخرجه ابن ماجه (رقم ٩١٠) و(رقم ٣٨٤٧)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٢/ ١١٤ - ١١٥ رقم ٨٦٥) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ١١٢ - ١١٣): \"هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات\" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ٩٩٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٧٨)، وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٢/ ٣٤٣١).","vol":"2","page":250},{"text":"وائلٍ، عنْ أبيهِ ونسبهُ المصنفُ في التلخيصِ (^١) إلى عبدِ الجبارِ بن وائلٍ، وقالَ: لمْ يسمعْ منْ أبيهِ فأعلَّه بالانقطاعِ، وهُنَا قالَ صحيحٌ. وراجعْنا سننَ أبي داودَ فرأيناهُ رواهُ عنْ علقمةَ بن وائلٍ، عنْ أبيهِ. وقدْ صحَّ سماعُ علقمةَ عنْ أبيهِ، فالحديثُ سالمٌ عن الانقطاعِ، فتصحيحهُ هنا هوَ الأَوْلى وإنْ خالفَ ما في التلخيصِ. وحديثُ التسليمتينِ رواهُ خمسةَ عشرَ من الصحابةِ (^٢) بأحاديثَ مختلفةٍ، ففيه\n_________\n(^١) (١/ ٢٧١).\n(^٢) قلت: بل ضِعف ذلك، وهم:\n١ - عبد الله بن مسعود\n٢ - سعد بن أبي وقاص\n٣ - عمار بن ياسر\n٤ - البراء بن عازب\n٥ - سهل بن سعد\n٦ - عدي بن عمير\n٧ - طلق بن علي\n٨ - المغيرة بن شعبة\n٩ - واثلة بن الأسقع\n١٠ - وائل بن حجر\n١١ - يعقوب بن الحصين\n١٢ - أبو رمثة\n١٣ - جابر بن سمرة\n١٤ - عبد الله بن عمر\n١٥ - أبو هريرة\n١٦ - أبو السيد\n١٧ - أبو حميد\n١٨ - أوس بن أوس\n١٩ - أبو موسى الأشعري\n٢٠ - علي بن أبي طالب\n٢١ - أبو مالك الأشعري\n٢٢ - أبو مالك الأشجعي\n٢٣ - عقبة بن عامر\n٢٤ - سمرة بن جندب\n٢٥ - جابر بن عبد الله\n٢٦ - عبد الله بن زيد\n٢٧ - أزهر بن منقذ\n٢٨ - رجل من الصحابة\n٢٩ - أعرابي من الصحابة.\n١ - فحديث ابن مسعود: أخرجه الطيالسي (ص ٣٧ رقم ٢٨٦)، وأحمد (١/ ٤٤٤)، والدارمي (١/ ٣١٠ - ٣١١)، ومسلم (رقم ١١٧/ ٥٨١)، وأبو داود (رقم ٩٩٦)، والترمذي (رقم ٢٩٥)، والنسائي (٣/ ٦٣)، وابن ماجه (رقم ٩١٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٢٠٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٧)، والدارقطني (١/ ٣٥٦ - ٣٥٧ رقم ٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٨٥)، والبيهقي (٢/ ١٧٧) وابن حبان في \"الإحسان\" (٣/ ٢٢٣ رقم ١٩٩٠)، وهو حديث صحيح.\n٢ - وحديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه مسلم (رقم ١١٩/ ٥٨٢)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٨ رقم ٢٨١)، والدارمي (١/ ٣١٠)، وأبو عوانة (٢/ ٢٣٧)، والنسائي (٣/ ٦١)، وابن ماجه (رقم ٩١٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٧)، والدارقطني (١/ ٣٥٦ رقم ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٧٦)، والبيهقي (٢/ ١٧٨)، وهو حديث صحيح.\n٣ - وحديث عمار بن ياسر: أخرجه ابن ماجه (رقم ٩١٦)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٨)، والدارقطني (١/ ٣٥٦ رقم ٢)، وهو حديث صحيح.\n٤ - وحديث البراء بن عازب: أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٩٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٩)، والدارقطني (١/ ٣٥٧ رقم ٥)، والبيهقي (٢/ ١٧٧) من وجهين عنه. =","vol":"2","page":251},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٥ - وحديث سهل بن سعد: أخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٨ رقم ٢٨٣)، وأحمد (٥/ ٣٣٨). إسناده ضعيف يصلح في الشواهد، ويشهد له الأحاديث المتقدمة.\n٦ - وحديث عدي بن عمير الحضرمي أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٦٩).\n٧ - وحديث طلق بن علي: أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٩).\n٨ - وحديث المغيرة بن شعبة: أخرجه المعمري في \"اليوم والليلة\"، والطبراني وفي إسناده نظر - كما في \"التلخيص\" (١/ ٢٧١).\n٩ - وحديث واثلة بن الأسقع: أخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٨ رقم ٢٨٤)، وسنده ضعيف.\n١٠ - وحديث وائل بن حجر: تقدم تخريجه رقم (٥٢/ ٣٠٣).\n١١ - وحديث يعقوب بن حصين: أخرجه أبو نعيم في \"المعرفة، وفيه عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك - كما في \"التلخيص\" (١/ ٢٧١).\n١٢ - وحديث أبي رمثة: أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٠). وقال: صحيح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي بأن المنهال ضعفه ابن معين وأشعث فيه لين.\n١٣ - وحديث جابر بن سمرة: أخرجه أحمد (٥/ ٨٦)، ومسلم (رقم ١٢٠/ ٤٣١)، وأبو داود (رقم ٩٩٨)، والنسائي (٣/ ٦١ - ٦٢)، وأبو عوانة (٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٨)، والبيهقي (٢/ ١٧٨).\n١٤ - وحديث عبد الله بن عمر: أخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٩٩ رقم ٢٨٥)، وأحمد (٢/ ٧٢)، والنسائي (٣/ ٦٢)، والطحاوي في شرح المعاني\" (١/ ٢٦٨)، والبيهقي (٢/ ١٧٨) من طرق وبألفاظ متعددة. وهو حديث صحيح.\n١٥ - ١٦ - ١٧ - وحديث أبي هريرة وأبي السيد وأبي حميد: أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٠) من حديث محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس بن سهل الساعدي، وكان في مجلس فيه أبوه، وأبو هريرة، وأبو السيد، وأبو حميد الساعدي، وأنهم تذاكروا الصلاة … الحديث.\n١٨ - وحديث أوس بن أوس: أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم ٥٩٦ و٥٩٧)، ورجاله ثقات.\n١٩ - وحديث أبي موسى الأشعري: أخرجه ابن ماجه (رقم ٩١٧)، وأحمد (٤/ ٣٩٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٧) بسند صحيح.\n٢٠ - وحديث علي بن أبي طالب: أخرجه ابن ماجه (رقم ٩١٧)، وأحمد (٤/ ٣٩٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٧) بسند صحيح.\n٢١ - وحديث أبي مالك الأشعري: أخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٦٩). =","vol":"2","page":252},{"text":"صحيحٌ، وحسنٌ، وضعيفٌ، ومتروكٌ، وكُلُّها بدونِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا في روايةِ وائلٍ هذهِ، وروايةٍ عن ابن مسعودٍ، وعندَ ابن ماجه، وعندَ ابن حبانَ. ومعَ صحةِ إسنادِ حديثِ وائلٍ كما قالَ المصنفُ هنا يتعينُ قبولُ زيادتهِ؛ إذْ هيَ زيادةُ عدْلٍ. وعدمُ ذكرِها في روايةِ غيرهِ ليستْ روايةً لعدمها. قالَ الشارحُ: إنهُ لم يرَ مَنْ قالَ بوجوبِ زيادةِ وبركاتُهُ إلَّا أنهُ قالَ: قالَ الإمامُ يحيى: إذا زادَ وبركاتُهُ ورضوانُهُ وكرامتُهُ أجزأَ إذ هي زيادةُ فضيلةٍ، وقدْ عرفتَ أن الواردَ زيادةُ وبركاتُهُ وقدْ صحتْ، ولا عذرَ عن القولِ بها. وقالَ بهِ السرخسيُّ، والإمامُ، والرويانيُّ في الحليةِ، وقولُ ابنُ الصلاحِ: إنها لم تثبتْ قدْ تعجبَ منهُ المصنفُ (^١). وقالَ هي ثابتةٌ عندَ ابن حبانَ في صحيحهِ، وعندَ أبي داودَ، وعندَ ابن ماجه. قالَ المصنفُ: إلَّا أنهُ قالَ ابنُ رسلانَ في شرحِ السننِ: لم نجدْها في ابن ماجْه.\nقلتُ: راجعْنا [سنن] (^٢) ابن ماجَهْ (^٣) منْ نسخةٍ صحيحةٍ مقروءةٍ فوجدْنا فيهِ ما لفظهُ: بابُ التسليمِ حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنُ نُمَيْرٍ، حدَّثنا [عُمَرُ] (^٤) بنُ عُبَيْدٍ عن أبي إسحاقَ، عن ابن الأَحْوَصِ (^٥)، عنْ عبدِ اللَّهِ \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يُسَلِّمُ عنْ يمينهِ، وعنْ شمالهِ حتَّى يُرَى بياضُ خَدِّهِ: السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه\"، انتهى بلفظهِ. وفي تلقيحِ الأفكارِ تخريجُ الأذكارِ للحافظِ ابن حجرٍ لما\n_________\n٢٢ - وحديث أبي مالك الأشجعي: أخرجه محمد بن الحسن في \"الحجة\" (١/ ١٤٢).\n= ٢٣ - وحديث عقبة بن عامر: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\". رقم (١٧٦ - الزوائد)، وهو ضعيف جدًّا. فيه الواقدي.\n٢٤ - وحديث سمرة بن جندب: أخرجه الدارقطني (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩ رقم ٨) وفيه من لا يُعرف.\n٢٥ - وحديث جابر بن عبد الله: ذكره الترمذي في \"السنن\" (٢/ ٩٠).\n٢٦ - وحديث عبد الله بن زيد: أخرجه أبو عوانة (١/ ٢٣٨).\n٢٧ - وحديث أزهر بن منقذ: أخرجه ابن منده في \"الصحابة\" من طريق عمير بن جابر عنه. وقال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه. وفيه علي بن قرين، وقد كذبه ابن معين وموسى بن هارون وغيرهما، كما في \"الإصابة\" (١/ ٤٤).\n٢٨، ٢٩ - وحديث الرجل والأعرابي. أخرج كلًا منهما أحمد (٥/ ٥٩ - ٦٠).\n(^١) في \"التلخيص\" (١/ ٢٧١).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٩٦ رقم ٩١٤).\n(^٤) في (أ): \"عمرو \"وهو مخالف للصواب.\n(^٥) في (ب): \"أبي الأحوص\" وهو مخالف للصواب.","vol":"2","page":253},{"text":"ذكرَ النوويُّ أن زيادةَ وبركاتُهُ زيادةٌ فَرْدَةٌ ساقَ الحافظُ طُرُقًا عدةً لزيادةِ وبركاتُهُ ثمَّ قالَ: فهذهِ عدةُ طرقٍ ثبتتْ بهَا وبركاتُهُ، بخلافِ ما يوهِمُهُ كلامُ الشيخ أنَّها روايةٌ فَرْدَةٌ، انتهَى كلامُهُ. (وحيثُ) ثبتَ أن التسليمتينِ منْ فعلهِ - ﷺ - في الصلاةِ، وقدْ ثبتَ قولُهُ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" (^١)، وثبتَ حديثُ: \"تحريمُها التكبيرُ وتحليلُها السلامُ\"، أخرجهُ أصحابُ السننِ (^٢) بإسنادٍ صحيحٍ؛ فيجبُ التسليمُ لذلكَ. وقدْ ذهبَ إلى القولِ بوجوبهِ الهادويةُ والشافعيةُ. وقالَ النوويُّ (^٣): إنهُ قولُ جمهورِ العلماءِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم. وذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إلى أنهُ سنةٌ، مستدلينَ على ذلكَ بقولهِ - ﷺ - في حديثِ ابن عمرٍو (^٤): \"إذا رفعَ الإمامُ رأسهُ منَ السجدةِ وقعدَ ثمَّ أحدثَ قبلَ التسليمِ فقدْ تمتْ صلاتُهُ\"؛ فدلَّ على أنَّ التسليمَ ليسَ بركنٍ واجبٍ وإلَّا لوجبتِ الإعادةُ، ولحديثِ المسيءِ صلاتُهُ، فإنَّهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (رقم ٦٣١)، ومسلم (رقم ٢٤/ ٣٩١)، من حديث مالك بن الحُوَيْرث.\n(^٢) وهم: أبو داود (رقم ٦١٨) والترمذي (رقم ٣)، وابن ماجه (رقم ٢٧٥)، ولم يخرجه النسائي، انظر: \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٤٤٢ رقم ١٠٢٦٥).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٧٠ رقم ٢٠٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٢٢٩)، وأحمد (١/ ١٢٩)، والدارمي (١/ ١٧٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٧٣)، والدارقطني (١/ ٣٧٩ رقم ١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٧٢)، والبيهقي (٢/ ١٧٣) من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي عن النبي - ﷺ -.\nقال الترمذي: \"إنه أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه\".\nوفي الباب: عن أبي سعيد، وابن عباس، وعبد الله بن زيد، وأنس وابن مسعود موقوفًا عليه، وعائشة من فعل النبي - ﷺ -.\nانظر تخريج أحاديثهم في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصلاة.\n(^٣) في \"المجموع\" (٣/ ٤٨١).\n(^٤) أخرجه أبو داود (رقم ٦١٧)، والترمذي (رقم ٤٠٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، والدارقطني (١/ ٣٧٩ رقم ١)، والبيهقي (٢/ ١٧٦) كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. لا من حديث ابن عمر كما في المطبوع.\nقال ابن عبد البَرِّ في \"الاستذكار\" (٢/ ٢٥٠): \"تفرد به الإقريقي، وهو عند أهل النقل ضعيف. وضعف الألباني الحديث في \"ضعيف الجامع\" (رقم: ٧٣٤) وكذلك النووي في \"المجموع\" (٣/ ٤٨١).","vol":"2","page":254},{"text":"لمْ يأمرْهُ بالسلامِ، وأجيبَ [عنهُ] (^١) بأنَّ حديثَ ابن عمرٍو ضعيفٌ باتفاقِ الحفَّاظِ؛ فإنهُ أخرجهُ الترمذيُّ (^٢) وقالَ: هذا حديثٌ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقدِ اضطَّربُوا في إسنادهِ. وحديثُ المسيءِ صلاتُهُ لا ينافي الوجوبَ؛ فإنَّ هذهِ زيادةٌ وهيَ مقبولةٌ، والاستدلالُ بقولهِ تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^٣) على عدمِ وجوبِ السلامِ استدلالٌ غيرُ تامٍّ؛ لأنَّ الآيةَ مجملةٌ بيَّنَ المطلوبَ منهَا فعلُهُ - ﷺ -، ولوْ عملَ بها وحدَها لما وجبتِ القراءةُ ولا غيرُها. ودلَّ الحديثُ على وجوبِ التسليمِ على اليمينِ واليسارِ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ وجماعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ تسليمةٌ واحدةٌ والثانيةُ مسنونةٌ.\nقالَ النوويُّ (^٤): أجمعَ العلماءُ الذينَ يعتدُّ بهمْ [على] (^٥) أنهُ لا يجبُ إلا تسليمةٌ واحدةٌ؛ فإنِ اقتصرَ عليها استُحِبَّ لهُ أنْ يسلِّمَ تلقاءَ وجههِ، فإنْ سلَّمَ تسليمتينِ جعلَ الأُولى عنْ يمينهِ والثانيةَ عنْ يسارهِ، ولعلَّ حجةَ الشافعيِّ حديثُ عائشةَ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ إذا أوترَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا في الثامِنَةِ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، وَيَذْكُرُهُ، وَيَدْعُو، ثمَّ يَنْهَضُ ولا يُسلِّمَ، ثمَّ يصلِّي التاسِعَةَ فيجلس ويذكُرُ اللَّهَ ويدعُو ثمَّ يسلِّمُ تسليمةً\"، أخرجهُ ابنُ حبانَ (^٦)، وإسنادهُ على شرطِ مسلمٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ لا يعارضُ حديثَ الزيادةِ كما عرفتَ منْ قبولِ الزيادةِ إذا كانتْ منْ عدلٍ، وعندَ مالكٍ أن المسنونَ تسليمةٌ واحدةٌ، وقدْ بيَّنَ ابنُ عبدِ البرِّ ضَعْفَ أدلةِ هذا القولِ منَ الأحاديثِ. واستدلَّ المالكيةُ على كفايةِ التسليمةِ الواحدةِ بعملِ أهلِ المدينةِ، وهوَ عملٌ توارثوهُ كابرًا عنْ كابرٍ. وأجيبُ عنهُ بأنهُ قدْ تقررَ في الأصولِ أن عَملَهم ليسَ بحجةٍ. وقولُه: (عنْ يمينِهِ وعنْ شمالِهِ) أي منحَرفًا إلى الجهتينِ؛ بحيثُ يُرَى بياضُ خدِّهِ كما وردَ في روايةِ سعدٍ: \"رأيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - سلم عنْ يمينهِ وعنْ شمالهِ حتَّى كأني أنظرُ إلى صفحةِ خدِّه\"، وفي لفظٍ: \"حتَّى أَرَى بياضَ خدِّهِ\"، أخرجهُ مسلمٌ (^٧) والنسائيُّ (^٨).\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٦١ رقم ٤٠٨).\n(^٣) سورة الحج: الآية ٧٧.\n(^٤) في \"المجموع\" (٣/ ٤٨٢).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"الإحسان\" (٤/ ٧٢ رقم ٢٤٣٣) بإسناد صحيح.\nوانظر: \"مسند الموصلي\" (٨/ ١١٠ رقم ٤٦٥٠) لتمام تخريجه والتعليق عليه.\n(^٧) في \"صحيحه\" (رقم ١١٩/ ٥٨٢).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٦١)، وقد تقدم تخريجه قريبًا.","vol":"2","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>ما كان يقول النبي - ﷺ - في دبر كل صلاة مكتوبة</span>\n٥٣/ ٣٠٤ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. اللَّهُمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَة أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يَقول فِي دُبُرِ) قالَ في القاموسِ (^٢): الدُّبُرُ بضمِّ الدالِ وبضمتينِ نقيضُ القُبُلِ منْ كلِّ شيءٍ: عَقِبُهُ ومؤخَّرُهُ. وقالَ في الدُّبُرُ محركةَ الدالِ والباءِ بالفتحِ، الصلاةُ في آخرِ وقتِها، وتسكنُ الباءُ، ولا يقالُ بضمتينِ فإنهُ مِنْ لحنِ المحدثينِ، (كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَة لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، اللَّهمّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) ووقعَ عندَ عبدِ ابن حميدٍ (^٣) بعدَهُ: \"ولا رادَّ لما قضيتَ\"، (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ)، زادَ الطبرانيُّ (^٤) منْ طريقٍ أُخْرى عن المغيرةِ بعدَ قولهِ: لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ: \"يُحْيي ويميتُ وهوَ حيٌّ لا يموتُ بيدهِ الخيرُ\"؛ ورواتُهُ موثقونَ، وثبتَ مثلُه عندَ البزارُ (^٥) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ بسندٍ صحيحٍ، لكنهُ في القولِ إذا أصبحَ وإذا أمسى ومعنَى: (لا مانعَ لما أعطيت) أن مَنْ قضيتَ له بقضاء منْ رزقٍ أو غيرِه [فلا] (^٦) يمنعهُ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٨٤٤)، ومسلم (رقم ٥٩٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧٠ رقم ١٣٤١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٢٥ رقم ٧١٥)، والحميدي (٢/ ٣٣٧ رقم ٧٦٢)، وابن خزيمة (١/ ٣٦٥ رقم ٧٤٢)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (ص ١٥٠ رقم ٣٩٠).\n(^٢) \"المحيط\" (ص ٤٩٨).\n(^٣) في المنتخب من \"المسند\" (ص ١٥٠ - ١٥١ رقم ٣٩١).\n(^٤) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" وقال: رجاله رجال الصحيح.\n(^٥) (٤/ ٢٥ رقم ٣١٠٦ - كشف الأستار) وقال البزار: لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن عوف إلا بهذا الإسناد، ولا نعلم روى سهيل بن عبد الرحمن عن أبيه إلا هذا الحديث. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١١٣)، وقال: رواه البزار، وفيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، وهو متروك.\n(^٦) في (ب): \"لا\".","vol":"2","page":256},{"text":"أحدٌ عنهُ. ومعنى (لا معطي لما منعتَ) [أنهُ] (^١) مَنْ قضيتَ له بحرمانٍ لا معطي لهُ. والجَدُّ بفتحِ الجيمِ كما سلفَ. قالَ البخاريُّ: معناهُ الغِنى؛ والمرادُ لا ينفعهُ ولا ينجيهِ حظُّه في الدنيا بالمالِ والولدِ والعظمةِ والسلطانِ، وإمَّا ينجيهِ فضلُكَ ورحمتُكَ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ هذا الدعاءِ عقبَ الصلوات لما اشتملَ على توحيدِ اللَّهِ، ونسبةِ الأمرِ كلِّهِ إليهِ، والمنعُ والإعطاءُ وتمامُ القدرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-434>كان - ﷺ - يتعوَّذ دُبُر الصلاة من الجبن</span>\n٥٤/ ٣٠٥ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَاصٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَتَعَوّذُ بِهِنّ [دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ] (^٢): \"اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عذَابِ الْقَبْرِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَتَعَوّذ بِهِنّ [دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ] (٢): اللَّهُمَّ إِني أَعُوذ بِكَ). أي: ألتجئُ إليكَ (مِنَ الْبُخْلِ) بضمِّ الموحدةِ، وسكونِ الخاءِ، المعجمةِ، وفيهِ لغاتٌ. (وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ) بزنةِ البخلِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذ بِكَ مِنْ عَذابِ الْقَبْرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قولُهُ: دبرَ الصلاةِ هنا، وفي الأولِ يحتملُ أنهُ قبلَ الخروجِ؛ لأنَّ دبرَ الحيوانِ منهُ وعليهِ بعضُ أئمةِ الحديث، ويحتملُ أنهُ بعدَها وهوَ الأقرب. والمرادُ بالصلاةِ عندَ الإطلاقِ المفروضةُ. والتعوذُ من البخلِ قدْ كثرَ في الأحاديث، قيلَ: والمقصودُ منهُ منعُ ما يجبُ بذلُه منَ المالِ شرعًا أو عادةً. والجبنُ هوَ المهابةُ للأشياءِ والتأخرُ عنْ فعلِها، ويقالُ منهُ جبانُ كسحابِ لِمَنْ قَامَ بهِ، والمتعوَّذُ منهُ هو التأخرُ عن الإقدامِ بالنفسِ إلى الجهادِ الواجب، والتأخرِ عن الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ ونحوِ ذلكَ. والمرادُ منَ الردِّ إلى أرذلِ العمرِ هوَ بلوغُ الهرمِ\n_________\n(^١) في (أ): \"أي\".\n(^٢) في (أ): دبر الصلاة.\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٢٨٢٢) و(رقم ٦٣٦٥) و(رقم ٦٣٧٠) و(رقم ٦٣٧٤) و(رقم ٦٣٩٠). قلت: وأخرجه الترمذي (رقم ٣٥٦٧) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٨/ ٢٦٦ رقم ٥٤٧٨ و٥٤٧٩).","vol":"2","page":257},{"text":"والخوفِ حتى يعودَ كهيئتهِ الأولى في أوانِ [الطفولة] (^١) ضعيفَ البنية، سخيفَ العقلِ، قليلَ الفهمِ، وأما فتنةُ الدنيا فهي الافتتانُ بشهواتِها وزخارِفها حتَّى تلهيهِ عن القيامِ بالواجباتِ التي خُلِقَ لها العبدُ، وهي عبادةُ بارئِه وخالقهِ. وهوَ المرادُ منْ قولِهِ تعالَى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^٢)، وتقدمَ الكلامُ على عذابِ القبرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-435>الاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل دبر الصلاة</span>\n٥٥/ ٣٠٦ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: \"اللَّهُمّ أَنْتَ السّلامُ وَمِنْكَ السّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَامِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ) أيْ سلَّمَ منْها (اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثَلَاثًا) بلفظِ: أستغفرُ اللَّهَ، وفي الأذكارِ للنوويِّ (^٤): قيلَ للأوزاعي وهوَ أحدُ رواةِ هذا الحديثِ: كيفَ الاستغفارُ؟ قالَ: تقولُ: أستغفرُ اللَّهَ أستغفرُ اللَّهَ. (وقَالَ: اللَّهمّ أَنْتَ السّلَامُ وَمِنْكَ السّلَامُ تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ).\nوالاستغفارُ إشارةٌ إلى أن العبدَ لا يقومُ بحقِّ عبادةِ مولاهُ لما يعرضُ لهُ منَ الوسواسِ والخواطرِ؛ فَشُرِعَ لهُ الاستغفارُ تداركًا لذلكَ، وشرعَ له أن يصفَ ربهُ بالسلامِ كما وصفَ بهِ نفسَهُ. والمرادُ ذو السلامةِ منْ كلِّ نقصٍ وآفةٍ، مصدرٌ وُصِفَ بهِ للمبالغةِ، (ومنكَ السلامُ) أي: منكَ نطلبُ السلامةَ منْ شرورِ الدنيا والآخرةِ، والمرادُ بقولهِ ذو الجلالِ والإكرامِ: ذو الغنى المطلَقِ والفضلِ التامِّ، وقيلَ الذي عندَهُ الحلالُ والإكرامُ لعبادهِ المخلصينَ، وهوَ منْ عظائمِ صفاتهِ تعالى، ولِذَا قالَ - ﷺ -: \"ألِظُّوا (^٥) بيا ذا الجلالِ والإكرامِ\" (^٦). ومرَّ برجلٍ يصلِّي\n_________\n(^١) في (ب): \"الطفولية\".\n(^٢) سورة الأنفال: الآية ٢٨.\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ١٣٥/ ٥٩١).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ٦٨ رقم ١٣٣٧)، وابن ماجه (رقم ٩٢٨)، وأبو داود (رقم ١٥١٣)، والترمذي (رقم ٣٠٠) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) ص ١٣٩.\n(^٥) قال ابن الأثير في \"النهاية\" (٤/ ٢٥٢): \"يقال: أَلَظَّ بالشيء يُلِظُّ إِلْظَاظًا، إذا لَزِمَهُ وثابرَ عليه\" اهـ.\n(^٦) أخرجه الترمذي (رقم ٣٥٢٥) من حديث أنس بن مالك، وقال: هذا حديثَ غريبٌ وليسَ بمحفوظ. =","vol":"2","page":258},{"text":"وهوَ يقولُ: يا ذا الجلالِ والإكرامِ، فقالَ: \"قدْ استجيبَ لكَ\".\n٥٦/ ٣٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ سَبّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثينَ، وكَبّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاِثينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (^٢): أَنَّ التّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَنْ سَبّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثَينَ) يقولُ: سبحانَ اللَّهِ، (وَحَمِدَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثين) يقولُ: الحمدُ للَّهِ، (وكبَّرَ اللَّهَ ثلاثًا وثلاثينَ) يقولُ: اللَّهُ أكبرُ، (فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ) عددُ أسماءِ اللَّهِ الحسنَى (وَقَالَ تَمَامَ الْمائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)، هوَ ما يعلُو عليهِ عندَ اضطرابهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى) لمسلمٍ عنْ أبي هريرةَ (أن التكبيرَ أربعٌ وثلاثونَ)، وبهِ تتمُّ المائةُ، فينبغي العملُ بهذا تارةً، وبالتهليلِ أُخْرى ليكونَ قدْ عملَ بالروايتينِ. وأمَّا الجمعُ بينهَما كما قالَ الشارحُ وسبقَهُ غيرُهُ فليسَ بوجهٍ لأنَّه لم يردِ الجمعُ بيَنهما، ولأنهُ يخرجُ العددُ عن المائةِ هذَا. وللحديثِ سببٌ وهوَ: \"أن فقراءَ المهاجرينَ أَتَوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قدْ ذهبَ أهلُ الدثورِ بالدرجاتِ العُلَى والنعيمِ المقيمِ، فقالَ: وما ذلكَ؟ قالوا: يصلونَ كما\n_________\n= وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٩) من حديث أبي هريرة. وفيه \"رشدين بن سعد\" ضعيف من قبل حفظه، وهو ممن يكتب حديثه في المتابعات.\nوأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٧٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، وصححه ووافقه الذهبي. والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٨٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣ رقم ٦٩٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٦٤ رقم ٤٥٩٤) من حديث ربيعة بن عامر، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٥٨) وقال: رواه الطبراني وفيه \"يحيى بن عبد الحميد الحماني\" وهو ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. انظر مزيدا من الكلام عليه في تخريج الشيخ حمدي عبد المجيد السلفي لمسند الشهاب القضاعي.\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ١٤٦/ ٥٩٧).\n(^٢) لمسلم في \"صحيحه\" (رقم ٥٩٦).","vol":"2","page":259},{"text":"نصلِّي، ويصومونَ كما نصومُ، ويتصدَّقونَ ولا نتصدَّقُ، ويعتقونَ ولا نعتقُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أفلا أعلِّمُكم شيئًا تدركونَ بهِ مَنْ سبقَكم، وتسبقونَ بهِ مَنْ بعدَكم، ولا يكونُ أحدٌ أفضلَ منْكم إلَّا مَنْ صَنَعَ مثلَ ما صنعتُم! قالوا: بلى، قالَ [سبِّحوا] (^١) اللَّهَ، الحديثَ\"، وكيفيةُ التسبيح وأخوَيْهِ كما ذكرناهُ. وقيلَ: يقولُ سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، واللَّهُ أكبرُ ثلاثًا وثلاثينَ. وقدْ وردَ في البخاريِّ (^٢) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أيضًا: \"يسبّحونَ عشْرًا، ويحمِدونَ عشْرًا، ويكبرونَ عشْرًا\". وفي صفةٍ أُخْرى (^٣): \"يسبحونَ خمسًا وعشرينَ تسبيحةً، ومثلَها تحميدًا، ومثلَها تكبيرًا، ومثلَها لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فتتمُّ مائة\". وأخرجَ أبو داود (^٤) منْ حديثِ زيدِ بن أرقمٍ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، أنا شهيد أنكَ أنتَ الربُّ وحدَكَ لا شريكَ لكَ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلّ شيءٍ إنَّا نشهدُ أن محمدًا - ﷺ - عبدُكَ ورسولُكَ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ أنَّا شهيدُ أن العبادَ كلَّهم إخوَةٌ، اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء اجعلْني مخلِصًا لكَ وأهلي في كلِّ ساعةٍ منَ الدنيا والآخرةِ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ، استمعْ واستَجِبْ اللَّهُ أكبرُ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ، اللَّهُ نورُ السمواتِ والأرضِ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ، حسبَي اللَّهُ ونعمَ الوكيلُ، اللَّهُ أكبرُ الأكبرُ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٥) منْ حديثِ عليٍّ - ﵇ -: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا سلَّمَ منَ الصلاةِ قالَ: اللَّهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنتَ أعلمُ بهِ مني، أنتَ المقدِّمُ، وأنتَ المؤخِّرُ،\n_________\n(^١) في (أ): \"تسبحون\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم ٦٣٢٩).\n(^٣) أخرجه النسائي (٣٠/ ٧٦ رقم ١٣٥١) من حديث ابن عمر.\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ١٥٠٨) وفي سنده داود بن راشد الطفاوي وهو لين الحديث. قال المنذري في \"المختصر\" (٢/ ١٤٩): \"وأخرجه النسائي\".\nوقال الدارقطني: تَفَرَّدَ به مُعْتَمِر بن سليمان عن داود الطُّفاوي عن أبي مسلم البجلي عن زيد بن أرقم.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، وقد ضعفه الألباني في ضعيف أبى داود.\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ١٥٠٩).\nوهو جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي (رقم ٣٤٢١). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال. وصحَّحه الألباني أيضًا في صحيح أبي داود.","vol":"2","page":260},{"text":"لا إلهَ إلَّا أنتَ\". وأخرجَ أبو داودَ (^١)، والنسائيُّ (^٢) منْ حديثِ عقبْةَ بن عامرٍ: \"أمرني رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ أقرأَ بالمعوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ\". وأخرجَ مسلمٌ (^٣) منْ حديثِ البراءِ أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ بعدَ الصلاةِ: \"ربِّ قِني عذابَكَ يومَ تبعثُ عبادَكَ\". ووردَ بعدَ صلاةِ المغربِ، وبعدَ صلاةِ الفجرِ بخصوصِهِما قولُ: \"لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ عشْرَ مراتٍ\"، أخرجهُ أحمدُ (^٤)؛ وهوَ زيادةٌ على ما ذُكِرَ في غيرِهما. وأخرجَ الترمذيُّ (^٥) عنْ أبي ذرٍّ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ قَالَ في دُبُرِ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ثانٍ رجليْهِ، قبلْ أنْ يتكلَّمَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشر مراتٍ، كتبَ اللَّهُ لهُ عشْرَ حسناتٍ، ومحا عنهُ عشْرَ سيئاتٍ، ورفعَ لهُ عشْرَ درجاتٍ، وكانَ يومَهُ ذلكَ في حِرْزٍ مِنْ كلِّ مَكْروهٍ، وحِرْزٍ منَ الشيطانِ، ولم يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ في ذلكَ اليومِ إِلَّا الشركَ باللَّهِ ﷿\"، قالَ الترمذيُّ: غريبٌ حسنٌ صحيحٌ. وأخرجهُ النسائيُّ (^٦) منْ حديثِ معاذٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٥٢٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٦٨ رقم ١٣٣٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي في \"السنن\" (رقم ٢٩٠٣) وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٥٥ و١٥٩) من طريقين وأخرجه أيضًا ابن حبان (رقم: ٢٣٤٧ - الموارد\".\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح. انظر: \"الصحيحة\" للألباني (رقم: ١٥١٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٦٢/ ٧٠٩).\n(^٤) في \"الفتح الرباني\" (٤/ ٦٩ - ٧٠ رقم ٧٩٤) من حديث أبي أيوب.\n(^٥) في \"السنن\" (٥/ ٥١٥ رقم ٣٤٧٤) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nقلت: في سنده شهر بن حوشب، صدوق كثير الإرسال والأوهام كما قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٥٥). وقد ضعف الحديث الألباني في \"ضعيف الترمذي\"، وفي \"ضعيف الجامع\" رقم (٥٧٥٠).\n(^٦) في \"اليوم والليلة\" (رقم ١٢٦).\nقلت: وأخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" أيضًا (رقم: ١٤٠). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩)، وقال: رواه الطبراني من طريق عاصم بن منصور ولم أجد من وثقه ولا ضعفه، وبقية رجاله ثقات. وأورده المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٥) وقال: رواه ابن أبي الدنيا، والطبراني بإسناد حسن واللفظ له.\nقلت: خلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.","vol":"2","page":261},{"text":"وزادَ فيهِ: \"بيدهِ الخيرُ\"، وزادَ فيه أيضًا: \"وكانَ لهُ بكلِّ واحدةٍ قالَها عِتْقُ رَقَبةٍ\"، وأخرجَ الترمذيُّ (^١)، والنسائيُّ (^٢) منْ حديثِ عمارةَ بن شبيبٍ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قالَ لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وحدَهُ لَا شريكَ لهُ، لهُ. الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، عشْرَ مراتٍ على إِثْرِ المغربِ، بعثَ اللَّهُ لهُ ملائكةً يحفظونهُ منَ الشيطانِ الرجيمِ حتَّى يصبحَ، كتبَ لهُ بها عشرُ حسناتٍ، ومحا عنهُ عشْرَ سيئاتٍ موبقاتٍ، وكانتْ لهُ [تعدلُ] (^٣) عشْرَ رقباتٍ مؤمناتٍ\". قالَ الترمذيُّ: حسنٌ لا نَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ حَدِيثِ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، ولا نَعْرِفُ لِعِمَارَةَ سَمَاعًا منَ النبيِّ - ﷺ -. وأمَّا قراءةُ الفاتحةِ بنيةِ كذا، وبنيةِ كذَا، كما يفعلُ الآنَ، فلمْ يردْ بها دليلٌ بلْ هي بدعةٌ. وأما الصلاةُ على النبيِّ بعدَ تمامِ التسبيحِ وأخويهِ منَ الثناءِ فالدعاءُ بعدَ الذكرِ سنةٌ، والصلاةُ عليهِ - ﷺ - أمامَ الدعاءِ كذلكَ سنةٌ، [إنَّما] (^٤) الاعتيادُ لذلكَ، وجعلُهُ في حكمِ السننِ الراتبةِ، ودعاءُ الإمامِ مستقبلًا القبلةَ، مستدبرًا للمأمومينَ، فلمْ يأتِ بهِ سُنَّةٌ، بلْ الذي وردَ أنهُ - ﷺ - كانَ يستقبلُ المأموينَ إذا سلَّمَ. قالَ البخاريُّ (^٥): (بابُ يستقبلُ الإمامُ الناسَ إذا سلَّمَ). ووردَ حديثُ سمرةَ بن جندبٍ (^٦)، وحديثُ زيدِ بن خالدٍ (^٧): \" [أنه] (^٨) كانَ إذا صلَّى صلاةً أقبلَ علينا بوجههِ\". وظاهرُهُ المداومةُ على ذلكَ.\n٥٧/ ٣٠٨ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"أُوصيكَ يَا مُعاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي علَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٣٥٣٤) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ليثِ بن سعدٍ، ولا نعرفُ لِعمَارَةَ سماعًا عن النبيِّ - ﷺ -.\n(^٢) في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ٥٧٧ مكرر).\nوقد حسَّنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (رقم: ٤٧٢).\n(^٣) في (أ): \"بعدل\".\n(^٤) في (أ): \"أما\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٣٣ رقم الباب ١٥٦).\n(^٦) أخرجه البخاري (رقم ٨٤٥).\n(^٧) أخرجه البخاري (رقم ٨٤٦)، ومسلم (رقم ١٢٥/ ٧١).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"2","page":262},{"text":"عِبَادَتِكَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣) بِسَنَدٍ قَويٍّ (^٤).\n(وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ)؛ هو نَهْيٌ مِنْ ودعهِ إلَّا أنهُ هجرَ ماضيْهِ في الأكثرِ استغناءً عنهُ بترك. وقدْ وردَ قليلًا، وقرئَ ما ودَّعَكَ ربُّكَ، (دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوَيٍّ). النهيُ أصلُهُ التحريمُ فيدلُّ على إيجابِ هذهِ الكلماتِ دُبُرَ الصلاةِ، وقيلَ: إنهُ نَهْيُ إرشادٍ ولا بدَّ منْ قرينةٍ على ذلكَ، وقيلَ: يحتملُ أنها في حقِّ معاذٍ نَهْيُ تحريمٍ وفيهِ بُعْدٌ، وهذهِ الكلماتُ عامةٌ لخير الدنيا والآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-436>قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد بعد الصلاة</span>\n٥٨/ ٣٠٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتوبَةٍ لمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٥)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦). [صحيح]\nوَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانيُّ (^٧): \"وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ\".\n(وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ) - ﵁ - هوَ إياسٌ - على الأصحِّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (^٨) -\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢٤٥، ٢٤٧).\n(^٢) في \"السنن\" (رقم ١٥٢٢).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٣ رقم ١٣٠٣).\nقلت: وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٠٩)، وابن حبان (رقم ٢٣٤٥ - الموارد)، وابن خزيمة (١/ ٣٦٩ رقم ٧٥١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٣) و(٣/ ٢٧٣)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ١١٨).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٤) أي: بسند صحيح.\n(^٥) في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٠٠).\n(^٦) عزاه إليه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٥٣ رقم ٦).\n(^٧) في \"الكبير\" (٨/ ١٣٤ رقم ٧٥٣٢)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٠٢)، وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" بأسانيد واحدها جيد. وأخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٢٤)، وصحَّحه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٩٧٢).\n(^٨) في \"الاستيعاب\" (١١/ ١٣١ - ١٣٢ رقم ٢٨٥٣).","vol":"2","page":263},{"text":"ابنُ ثعلبةَ الحارثيِّ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، لمْ يشهدْ بدْرًا [إلَّا أنهُ] (^١) عذرَهُ - ﷺ - عن الخروج لعِلَّتِهِ بمرضِ والدتهِ، وأبو أمامةَ الباهليِّ تقدمَ فِي أولِ الكتابِ (^٢)؛ [فإذا] (^٣) أُطْلِقَ فالمرادُ بهِ هذَا، وإذا أريدَ الباهليُّ قُيِّدَ بهِ.\n(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتوبَةٍ) أي مفروضةٍ (لمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخولِ الجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْت. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحّحَه ابْن حِبَّانَ، وَزَادَ فِيهِ الطَّبَرَانيُّ: وَقلْ هوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وقدْ وردَ نحوُهُ منْ حديثِ عليٍّ - ﵇ - بزيادةِ: \"مَنْ قَرأَها حينَ يأخذُ مضجعهُ أمَّنَهُ اللَّهُ على دارهِ، ودارٍ جارهِ، وأهلِ دُوَيْرَاتٍ حولَهُ\". رواهُ البيهقيُّ في شعبِ الإيمانِ (^٤)، وضعَّفَ إسنادُهُ. وقولُهُ: \"لمْ يمْنعه مِنْ دخولِ الجنةِ إلَّا الموتُ\"، هوَ على حذفِ مضافٍ، أي: لا يمنعهُ إلَّا عدمُ موتِهِ، حُذِفَ لدلالةِ المعنَى عليه، وأختُصَّتْ آية الكرسيِّ بذلكَ لما اشتملتْ عليهِ من أصولِ الأسماءِ والصفاتِ الإلهيةِ، والوحدانيةِ، والحياةِ، والقيُّوميةِ، والعلمِ، والملكِ، والقدرةِ، والإرادةِ. وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ متمحضةٌ لذكرِ صفاتِ الربِّ تَعَالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-437>أفعال النبي - ﷺ - وأقواله في الصلاة بيان لما أُجْمل من الأمر بالصلاة</span>\n٥٩/ ٣١٠ - وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِث - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). هذَا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في دلالتهِ على أن أفعالَهُ - ﷺ - في الصلاةِ، وأقوالَه، بيانٌ لما أُجْمِلَ منَ الأمرِ بالصلاةِ في القرآنِ، وفي الأحاديثِ. وفيهِ دلالةٌ على وجوبِ التأسي بهِ - ﷺ - فيما فعلَهُ في الصلاةِ، فكلُّ ما حافظَ عليهِ منْ أفعالِها وأقوالها وجبَ على الأمةِ، إلَّا لدليلٍ يخصِّصُ شيئًا منْ ذلكَ.\n_________\n(^١) في (أ): \"لأنه\".\n(^٢) عند الحديث رقم (٣/ ٣).\n(^٣) في (أ): \"وهو إذا\".\n(^٤) (٢/ ٤٥٨ رقم ٢٣٩٥) وقال: إسناده ضعيف.\n(^٥) في \"صحيحه\" (رقم ٦٣١).","vol":"2","page":264},{"text":"وقدْ أطالَ العلماءُ الكلامَ في الحديث، واستوفاهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في [شرحِ] (^١) العمدةِ (^٢)، وزدْناهُ تحقيقًا في حواشيْها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-438>صلاة المريض على قدر استطاعته</span>\n٦٠/ ٣١١ - وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبْيَّ - ﷺ - قَالَ: \"صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعلَى جَنْبٍ؛ وَإِلَّا فَأَوْمِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ - ﷺ -: \"صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لمْ تَسْتَطِعْ) أي: الصلاةَ قائمًا (فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ) أي: وإنْ لم تستطعِ الصلاةَ قاعدًا (فَعلَى جَنْبٍ وَإِلَّا) أي: وإنْ لم تستطعِ الصلاةَ على جنبٍ (فَأَوْمِ). لمْ نجدْهُ في نُسَخِ [بلوغ المرام] (^٥) منسوبًا. وقدْ أخرجهُ البخاريُّ دونَ قولهِ: وإلَّا فأومِ. والنسائيُّ (^٦)، وزادَ: \"فإنْ لمْ تستطعْ فمستلقٍ، لا يكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وسْعَهَا\".\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) المسمَّى: \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" (١/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٣) (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ١١١٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ٩٥٢)، والترمذي (رقم ٣٧٢)، وابن ماجه (رقم ١٢٢٣)، وأحمد (٤/ ٤٢٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٠٩ رقم ٩٨٣)، وابن خزيمة (٢/ ٨٩ رقم ٩٧٩) و(٢/ ٢٤٢ رقم ١٢٥٠)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٢٣١).\n(^٥) في (ب): \"البلوغ\".\n(^٦) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٢٥ رقم ٣٣٤)، ولم يعزه صاحب التحفة إلى النسائي (٨/ ١٨٥ رقم ١٠٨٣٢).\nقلت: وأخرجه البخاري (رقم ١١١٥)، وأبو داود (رقم ٩٥١)، والنسائي (٣/ ٢٢٣ رقم ١٦٦٠)، والترمذي (رقم ٣٧١)، وابن ماجه (رقم ١٢٣١)، وأحمد (٤/ ٤٣٣، ٤٣٥، ٤٤٢، ٤٤٣)، والبيهقي (٢/ ٤٩١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٠٨ رقم ٩٨٢)، من طرق عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال: سألتُ النبيَّ - ﷺ - عن الذي يُصَلِّي قاعدًا قال: من صلى قائمًا فهو أفضلُ، ومن صَلَّى قاعدًا فله نِصفُ أَجْرِ القائم، ومن صَلَّى نائمًا فله نصف أجْرِ القاعِدِ\".","vol":"2","page":265},{"text":"وقدْ [روى] (^١) الدارقطنيُّ (^٢) منْ حديثِ عليٍّ - ﵇ - بلفظِ: \"فإنْ لم تستطعْ أنْ تسجدَ أومِ واجعلْ سجودَكَ أخفضَ منْ ركوعِكَ، فإنْ لم يستطعْ أنْ يصلِّيَ قاعدًا صلَّى على جَنْبِهِ الأَيمنِ، مستقبلَ القبلةِ، فإنْ لم يستطعْ أنْ يصلِّيَ على جَنْبِهِ الأيمنِ صلَّى مستلقيًا، رجلاهُ مما يلي القبلةَ\" وفي إسنادهِ ضَعْفٌ، وفيهِ متروكٌ. وقالَ المصنفُ (^٣): لم يقعْ في الحديثِ ذكرُ الإيماءِ، وإنَّما أوردهُ الرافعيُّ قالَ: ولكنهُ وردَ في حديثِ جابرٍ: \"إنِ استطعتَ وإلَّا فأومِ إيماءً، واجعلْ سجودَك أخفضَ منْ ركوعِكَ\" أخرجهُ البزارُ (^٤)، والبيهقيُّ في المعرفةِ (^٥). قالَ البزارُ (^٦): وقدْ سُئلَ عنهُ أبو حاتمٍ فقالَ: الصوابُ عنْ جابرٍ موقُوفًا، ورفعهُ خطأ. وقدْ رُوِيَ أيضًا منْ حديثِ ابن عمرَ (^٧)، وابنِ عباسٍ (^٨)، وفي إسناديْهِمَا ضعْفٌ. والحديثُ [يدل] (^٩) على أنهُ لا يصلِّي الفريضةَ قاعدًا إلا لعذرٍ، وهوَ عدمُ الاستطاعةِ، ويلحقُ بهِ ما إذا خشي ضررًا لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^١٠)، وكذَا قولُهُ: \"فإنْ لمْ تستطعْ فعلى جَنْبٍ\". وفي قولهِ في حديثِ الطبرانيِّ: \"فإنْ نالتْهُ مشقةٌ فجالِسًا، فإنْ نالتْهُ مشقةٌ فنائمًا، أي مضطجعًا، وفيهِ\n_________\n(^١) في (ب): \"رواه\".\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٢ رقم ١) فيه حسين بن زيد، ضعفه علي بن المديني والحسن بن الحسين العرني، قال الحافظ: هو متروك. وقال النووي: هذا حديث ضعيف.\n(^٣) في \"التلخيص\" (١/ ٢٢٦).\n(^٤) (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥ رقم ٥٦٨)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٤٨) وقال: \"رواه البزار وأبو يعلى بنحوه، إلا أنهُ قال: \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عاد مريضًا فرآه يصلي على وسادة فرمى بها فأخذ عودًا يصلي عليه فرمى به\" ورجال البزار رجال الصحيح.\n(^٥) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٢٦). وهنا سقط ما قاله البزار.\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٢٧).\n(^٧) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ١٤٨) وقال الهيثمي: \"فيه حفص بن سليمان المنقري وهو متروك واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعفه والله أعلم، وقد ذكره ابن حبان في الثقات\" اهـ.\n(^٨) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ١٤٩) - وقال: لم يروه عن ابن جريج إلا حلس بن محمد الضبعي. قلت: - أي الهيثمي - ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٩) في (ب): \"دليل\".\n(^١٠) سورة الحج: الآية ٧٨.","vol":"2","page":266},{"text":"حجةٌ على مَنْ قالَ: إنَّ العاجزَ عن القعود تسقطُ عنهُ الصلاةُ، وهوَ يدلُّ على أن مَنْ نالتْهُ مشقةٌ ولو بالتألم [يباح] (^١) لهُ الصلاةُ منْ قعودٍ، وفيهِ خلافٌ. والحديثُ مَعَ مَنْ قالَ إنَّ التألمَ يبيحُ ذلكَ، ومِنَ المشقةِ صلاةُ مَنْ يخافُ دورانَ رأسِهِ إنْ صلَّى قائمًا في السفينةِ، أوْ يخافُ الغرقَ أبيحَ لهُ القعودُ. هذَا ولمْ يبينِ الحديثُ هيئةَ القعودِ على أي صفةٍ، ومقتضَى صحتُهُ على أي هيئةٍ شاءَها المصلِّي، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ. وقالَ الهادي وغيرُهُ: إنهُ يتربعُ واضعًا يدَهُ على رُكبتيْهِ، ومثلُه عندَ الحنفيةِ، وذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وجماعةٌ إلى أنهُ مثلُ قعودِ التشهدِ. قيلَ: والخلافُ في الأفضلِ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (^٢): اخْتُلِفَ في الأفضلِ؛ فعندَ الأئمةِ الثلاثةِ التربعُ وقيل: مفترشًا، وقيل: متورِّكًا، وفي كلِّ منْها أحاديثُ. وقولُهُ في الحديثِ: [فعلى] (^٣) جنبٍ، الكلامُ في الاستطاعةِ هنا كما مرَّ، وهوَ هنا مطلقٌ، وقيَّدَهَ [في] (^٤) حديثِ عليٍّ - ﵇ - عندَ الدارقطنيُّ (^٥) على جنبهِ الأيمنِ مستقبلَ القبلةِ بوجههِ، وهوَ حجةُ الجمهورِ، وأنهُ يكونُ على هذهِ الصفةِ كتوجُّهِ الميتِ في القبرِ، ويؤخذُ منَ الحديثِ أنهُ لا يجبُ شيءٌ بعدَ تعذرِ الإيماءِ [على الجنبِ] (^٦). وعنِ الشافعيِّ والمؤيدِ: يجب الإيماءُ بالعينينِ والحاجبينِ، وعن زفرَ: الإيماءُ بالقلبِ. وقيلَ: يجبُ إمرارُ القرآنِ والذكرِ على اللسانِ، ثمَّ على القلبِ، إلَّا أن هذهِ [الكلمة لم تأت] (^٧) في الأحاديث، وفي الآية: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (^٨)، وإنْ كانَ عدمُ الذكرِ لا ينفي الوجوبَ بدليلٍ آخر وقدْ وجبتِ الصلاةُ على الإطلاقِ وثبتَ: \"إذا أُمِرْتمْ بأمرٍ فأتوا منهُ ما استطعتُم\" (^٩)؛ فإذا استطاعَ شيئًا مما يفعلُ في الصلاةِ وجبَ عليهِ لأنهُ مستطيعٌ لهُ.\n_________\n(^١) في (أ): \"أبيح\".\n(^٢) (٢/ ٥٨٦).\n(^٣) في (ب): \"على\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٤٢ - ٤٣ رقم ١)، وهو حديث ضعيف، وقد تقدم قريبًا.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"كلمة لم يأت\".\n(^٨) سورة النساء: الآية ١٠٣.\n(^٩) أخرجه البخاري (رقم ٦٨٥٨ - البغا)، ومسلم (رقم ٤١٢/ ١٣٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"2","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>لا يتخذ المريض ما يسجدُ عليه</span>\n٦١/ ٣١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: \"صَلِّ عَلَى الأرضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ\"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بسندٍ قَوِيٍّ (^١)، وَلَكِنْ صَحّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (^٢). [ضعيف]\n(وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكوعِكَ. رَوَاه الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلكِنْ صَحّحَ أَبو حاتم وَقْفَهُ).\nالحديثُ أخرجهُ البيهقيُّ في المعرفةِ منْ طريقِ سفيانَ الثوريِّ، وفي الحديثِ: \"فرمى بها وأخذَ عودًا ليصلِّي عليهِ فأخذَهُ [ورمى] (^٣) بهِ\" وذكرَ الحديثَ. وقالَ البزارُ (^٤): لا يُعْرَفُ أحدٌ رواهُ عن [سفيان] (^٥) الثوريِّ غيرُ أبي بكرٍ الحنفيِّ. وقدْ سُئِلَ عنهُ أبو حاتمٍ فقالَ: الصوابُ عنْ جابرٍ موقوفًا، ورفْعُهُ خطأٌ.\nوقد رَوَى الطبرانيُّ (^٦) منْ حديثِ طارقِ بن شهابٍ عن ابن عمرَ قالَ: \"عادَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مريضًا فذكرهُ\". وفي إسنادهِ ضعفٌ. والحديثُ دليل على أنهُ لا يتخذِ المريضُ ما يسجدُ عليهِ حيثُ تعذرَ سجودُه على الأرضِ، وقد أرشدَهُ إلى أنهُ يفصِلُ بينَ ركوعهِ وسجودهِ، ويجعلُ سجودَهُ أخفضَ منْ ركوعهِ، فإنْ تعذَّرَ عليهِ القيامُ والركوعُ فإنهُ يومئُ منْ قعودٍ لهما جاعلًا الإيماءَ بالسجودِ أخفضَ منَ الركوعِ، أوْ لم يتعذرْ عليهِ القيامُ فإنهُ يومئُ للركوعِ منْ قيامٍ، ثمَّ يقعدُ ويومئُ للسجودِ منْ قعودٍ. وقيلَ: في هذهِ الصورةِ يومئُ لهما منْ قيامٍ ويقعدُ للتشهدِ، وقيلَ: يومئُ لهما كليْهما منَ القعودِ ويقومُ للقراءةِ، وقيلَ: يسقطُ عنهُ القيامُ ويصلِّي قاعدًا؛ فإنْ صلَّى قائمًا جازَ، وإنْ تعذَّرَ عليهِ القعودُ أومأَ لهما منْ قيامٍ.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) ذكره الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٢٧).\n(^٣) في (أ): \"فرمى\".\n(^٤) في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٧٥).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"الكبير\" (١٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ١٣٠٨٢). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٤٨) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه: حفص بن سليمان المنقري وهو متروك.\nواختلفت الرواية عن أحمد في \"توثيقه\"، والصحيح أنه ضعفه. والله أعلم\" اهـ.","vol":"2","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>الباب الثامن باب سجود السهو وغيره (من سجود التلاوة والشكر)</span>\n<span data-type='title' id=toc-441>التشهد الأول يُجبر بسجود السهو</span>\n١/ ٣١٣ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظر النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهَوَ جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجَدْتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١)، وَهَذَا اللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٢): يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِس، ويَسْجُد، وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ. [صحيح]\n(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بحَيْنَةَ - ﵁ -) تقدَّمَ ضبطُه وترجمتُه (^٣)، وتكررَ على الشارحِ ترجمتُه فأعادَها هنا (أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأْولَيَينِ)\n_________\n(^١) وهم: البخاري (رقم ١٢٣٠)، ومسلم (رقم ٨٥/ ٥٧٠)، وأبو داود (رقم ١٠٣٤)، والترمذي (رقم ٣٩١)، والنسائي (٣/ ٢٠)، وابن ماجه (رقم ١٢٠٦)، وأحمد (٥/ ٣٤٥، ٣٤٦).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم: ٢٤٢)، والبيهقي (٢/ ١٣٤، ٣٤٠، ٣٤٣، ٣٥٢)، والدارمي (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، ومالك (١/ ٩٦ رقم ٦٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٩٠)، وأبو عوانة (٢/ ١٩٣ - ١٩٤)، وابن خزيمة (٢/ ١١٤ رقم ١٠٢٩)، والدارقطني (١/ ٣٧٧ رقم ٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٣٨) من طرق عن الأعرج عنه.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٩٩ رقم ٨٦/ ٥٧٠).\n(^٣) في شرح الحديث رقم (٣٢/ ٢٨٣).","vol":"2","page":269},{"text":"بالمثناتينِ التحتَّيتين، (وَلَمْ يَجْلِسْ) هوَ تأكيدٌ لقامَ مِنْ \"بابِ أقولُ لهُ ارحلْ لا تقيمنَّ عندنَا\". (فَقَامَ النَّاسُ مَعَه حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهَوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَه السَّبْعَة، وَهَذَا اللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ).\nالحديثُ دليلٌ على أن تركَ التشهدِ الأولِ سهوًا يجبرهُ سجودُ السهوِ، وقولُهُ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^١) يدلُّ على وجوبِ التشهدِ الأولِ، وجبرانُهُ هنا عندَ تركِهِ دلَّ على أنهُ وإنْ كانَ واجبًا فإنهُ [يُجْبَرُ بسجودِ] (^٢) السهوِ، والاستدلالُ على عدمِ وجوبهِ بأنهُ لو كانَ واجبًا لما جَبَرَهُ [سجود السهو] (^٣)؛ إذْ حقَّ الواجبِ أنْ يفعلَ بنفسهِ لا يتمُّ إذْ يمكنُ أنهُ كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ واجبُ، ولكنهُ إنْ تُرِكَ سهوًا جبرَهُ سجودُ السهوِ، وحاصلُهُ أنهُ لا يتمٌّ الاستدلالُ على عدمِ وجوبِهِ حتَّى يقومَ الدليلُ أن كلَّ واجبٍ لا يجزئُ عنهُ سجودُ السهوِ إنْ تُرِكَ سهوًا، وقولُهُ: \"كبَّر\" دليلٌ على شرعيةِ تَكبيرةِ الإحرامِ لسجودِ السهوِ، وأنَّها غيرُ مختصةٍ بالدخولِ في الصلاةِ، وأنهُ يُكَبِّرُها وإنْ كانَ لمْ يخرجْ منْ صلاتِهِ بالسلامِ منْها. وأما تكبيرةُ النقل فلمْ تذكرْ هنَا، ولكنَّها ذكرتْ في قولهِ: (وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) أيْ: عنْ عبدِ اللَّهِ بن بحينةَ (يُكَبِّرُ فِي كلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِس، ويَسْجُد وَيَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ) فيهِ دليلٌ على شرعيةِ تكبيرِ النَّقْلِ كما سلفَ في الصلاةِ. وقولُهُ: (مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ) كأنهُ عرفَ الصحابيُّ ذلكَ منْ قرينةِ الحالِ، فهذَا لفظٌ مدرجٌ (^٤) منْ كلامِ الراوي، ليسَ حكايةً لفعلهِ - ﷺ - الذي شاهدَهُ، ولا لقولهِ - ﷺ -، ثمَّ فيهِ دليلٌ على أن محلَّ مثلِ هذَا السجودِ قبلَ السلامِ، ويأتي [ما يخالف هذا] (^٥) والكلامُ عليهِ. وفي روايةِ مسلمٍ دلالةٌ على وجوبِ متابعةِ الإمامِ. وفي الحديثِ دلالةٌ أيضًا على وجوبِ متابعتهِ وإنْ تركَ ما هذَا حالهُ، فإنهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح وقد تقدَّم مرارًا.\n(^٢) في (أ): \"يجبره سجود\".\n(^٣) في (ب): \"السجود\".\n(^٤) المُدْرَج: هو زيادة الراوي الصحابي فمن دونه في متن الحديث وسنده، يحسبها من يروي الحديث أنها منه - لعدم فصلها عن الحديث - وليست منه.\nانظر: \"الباعث الحثيث شرح اختصار الحديث\" لابن كثير. تأليف أحمد محمد شاكر \"ص ٦٩ - ٧٣\".\n(^٥) في (ب): \"ما يخالفه\".","vol":"2","page":270},{"text":"أقرَّهم على متابعتهِ معَ تَرْكِهمْ للتشهدِ عَمْدًا، وفيهِ تأملٌ لاحتمالِ أنهُ ما ذكرَ أنهُ [تركَ] (^١) وتركُوا إلا بعدَ تَلَبُّسهِ وَتَلبُّسِهِمْ بواجبٍ آخرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-442>نية الخروج مع ظن التمام وكلام الجاهل والناسي لا يبطل الصلاة</span>\n٢/ ٣١٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى النَّبيُّ - ﷺ - إِحْدَى صلاتَيَ الْعَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ - ﷺ - ذَا الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَقَالَ: \"لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ\"، فَقَالَ: بَلَى، قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمّ كَبّرَ، ثُمّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبّرَ، ثُمّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٣): صَلَاةَ الْعَصْرِ. [صحيح]\n- وَلأَبي دَاوُدَ (^٤)، فَقَالَ: \"أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ \"، فَأَوْمَأُوا: أيْ نَعَمْ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا. [صحيح]\n- وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (^٥): وَلَمْ يَسْجُدْ حَتى يَقَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ. [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ) هوَ بفتحِ العينِ المهملةِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، قالَ الأزهريُّ (^٦):\n_________\n(^١) في (أ): \"تركه\".\n(^٢) البخاري (رقم ١٢٢٩)، ومسلم (رقم ٩٧/ ٥٧٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ٩٩/ ٥٧٣).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ١٠٠٨).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ١٠١٢).\n(^٦) ذكره ابن منظور في \"لسان العرب\" (٩/ ٢٢٨).","vol":"2","page":271},{"text":"[هو] (^١) ما بينَ زوالِ الشمسِ وغروبها، وقدْ عيَّنَها أبو هريرةَ في روايةٍ لمسلمٍ أنَّها الظهرُ، وفي أُخرى أنَّها العصرُ ويأتي. وقدْ جمعَ بينَهمَا بأنَّها تعددتِ القصةُ، (رَكْعَتَيْنِ [ثُمَّ سَلَّمَ] (^٢)، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَفِي الْقَوْمِ) المصلينَ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ فَهَابَا أَنْ يكَلِّمَاهُ) أي: بأنهُ سلَّم على ركعتينِ، (وَخَرَجَ) منَ المسجدِ (سَرَعَانَ النَّاسِ) بفتحِ السينِ المهملةِ وفتحِ الراءِ، هوَ المشهورُ، وُيرَوى بإسكانِ الراءِ همُ المسرعونَ إلى الخروجِ، قيلَ: وبضمِّها، وسكونِ الراءِ، على أنهُ جمعُ سريعٍ كقفيزٍ وقفزانَ. (فَقَالُوا [أَقُصِرَتِ]) (^٣) بضمِّ القاف وكسرِ الصادِ (الصَّلَاة)، ورُوِيَ بفتحِ القافِ وضمِّ الصادِ. وكلاهما صحيحٌ، والأولُ أشهرُ. (ورَجُلٌ يَدْعُوهُ) أي: يسميهِ (النَّبيُّ - ﷺ - ذَا الْيَدَيْنِ)، وفي روايةٍ [رجلٌ] (^٤) يُقالُ لهُ الخِرباقُ [بنُ عمرو] (٤) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ فباءٍ موحدةٍ آخرَهُ قافٌ، لُقِّبَ ذي اليدينِ لطولٍ كانَ في يديهِ. وفي الصحابةِ رجلٌ آخرَ يقالُ لهُ ذو الشمالينِ وهوَ غيرُ ذي اليدينِ. ووهمَ الزهريُّ فجعلَ ذا اليدينِ وذا الشمالينِ واحدًا. وقدْ بيَّنَ العلماءُ وهْمَهُ (^٥) (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قصِرَتِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"قصُرت\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) قال النووي في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٨٥ - ١٨٦).\n\"ذو اليدين الصحابي - ﵁ - مذكور في كتاب الصلاة في هذه الكتب اسمه الخرباق بن عمرو بخاء معجمة مكسورة وبموحده وقاف وهو من بني سُليم وهو الذي قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت حين سلم في ركعتين.\nوليس هو ذا الشمالين الذي قتل يوم بدر، لأن ذا الشمالين خزاعي قتل يوم بدر، وذو اليدين سلمي عاش بعد النبي - ﷺ - زمانًا حتى روى المتأخرون من التابعين عنه. واستدل العلماء لما ذكرناه بأن أبا هريرة شهد قصة السهو في الصلاة .. وقد اجتمعوا على أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة بعد بدر بخمس سنين، وكان الزهري يقول إن ذا اليدين هو ذو الشمالين وأنه قتل ببدر وأن قصته في الصلاة كانت قبل بدر تابعه أصحاب أبي حنيفة على هذا وقالوا كلام الناسي في الصلاة يبطلها وادَّعوا أن الحديث منسوخ، والصواب ما سبق. وقد أطنب أعلام المحدثين في إيضاح هذا ومن أحسنهم له إيضاحًا الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب \"التمهيد\" في شرح \"الموطأ\". وقد لخصت مقاصد ما ذكره مع ما ذكره غيره في \"شرح صحيح مسلم\"، وفي \"شرح المهذب\". قال ابن عبد البر، واتفقوا على أن الزهري غلط في هذه القصة، والله أعلم\". اهـ.","vol":"2","page":272},{"text":"الصَّلَاة؟) أي: شرعَ اللَّهُ قصرَ الرباعيةِ إلى اثنتينِ (فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تْقْصَرْ)، أي: في ظنِّي (فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتُ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ سَلَّمَ، ثُمّ كَبّرَ ثمّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَع رَأْسَهُ [فَكَبّرَ] (^١)، [ثمّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أطْوَلَ، ثمَّ رَفَع رَأْسَهُ وَكَبّرَ] (^٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ).\n\n<span data-type='title' id=toc-443>فوائد قيمة في حديث ذي اليدين</span>\n[هذا] (٢) الحديثُ قدْ أطالَ العلماءُ الكلامَ عليهِ، وتعرَّضوا لمباحثَ أصوليةٍ وغيرَها. وأكثرُهمْ استيفاءً لذلكَ القاضي عياضُ، ثمَّ المحققُ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ العمدةِ (^٣)، وقدْ وفَّينا المقامَ حقَّهُ في حواشيْها (^٤). والمهمُّ هنَا الحكمُ الفرعيُّ المأخوذُ منهُ، وهوَ أن الحديثَ دليلٌ على أن نيةَ الخروجِ منَ الصلاةِ وقطعِها إذا كانتْ بناءً على ظنِّ التمامِ لا يوجبُ بطلانَها، ولو سلَّمَ التسليمتينِ، وأنَّ كلامَ الناسي لا يبطلُ الصلاةَ، وكذا كلامُ مَنْ ظنَّ التمامَ. وبهذَا قالَ جمهورُ العلماءِ منَ السلفِ والخلفِ، وهوَ قولُ ابن عباسٍ، وابنِ الزبيرِ، وأخيْهِ عروةَ، وعطاءٍ، والحسنِ وغيرهِم. وقالَ بهِ الشافعيُّ، وأحمدُ، وجميعُ أئمةِ الحديثِ. وقالَ بهِ الناصرُ منْ أئمةِ الآلِ. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: التكلُّمُ في الصلاةِ ناسيًا أو جاهلًا يبطلُها مستدلينَ بحديثِ ابن مسعودٍ (^٥)، و[حديثِ] (^٦) زيدِ بن أرقمٍ (^٧) في النَّهي عن التكلمِ في الصلاةِ، وقالُوا: هما ناسخانِ لهذا الحديثِ. وأجيبَ بأنَّ حديثَ ابن مسعودٍ كانَ بمكةَ متقدِّمًا على حديث البابِ بأعوامٍ، والمتقدمُ لا ينسخُ المتأخرَ، وبأنَّ حديثَ زيدِ بن أرقمٍ، وحديثَ ابن مسعودٍ [أيضًا] (^٨) عمومانِ، وهذا الحديثُ خاصٌّ بمنْ تكلَّمَ ظانًّا لتمامِ صلاتهِ، فَيُخَصُّ بهِ [الحديثانِ المذكورانِ] (^٩)، فتجتمعُ الأدلةُ منْ غيرِ إبطالٍ لشيءٍ منْها. ويدلُّ الحديثُ أيضًا\n_________\n(^١) في (أ): \"وكبر\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) (٢/ ٢٥ - ٣٨).\n(^٤) (٢/ ٤١٣ - ٤٤٥).\n(^٥) وهو حديث صحيح، تقدَّم عند شرح الحديث رقم (٢٠/ ٢١٢).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) وهو حديث صحيح، تقدَّم تخريجه رقم (١٦/ ٢٠٨).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"الحديثين المذكورين\".","vol":"2","page":273},{"text":"[على] (^١) أن الكلامَ عمدًا لإصلاحِ الصلاةِ لا يبطلُها كما في كلامِ ذي اليدينِ. وقولُهُ: \"فقالُوا\" يريدُ الصحابةُ: \"نعم\" كما في روايةٍ تأتي، فإنهُ كلامٌ عَمْدٌ لإصلاحِ الصلاةِ. وقدْ رُوِيَ عنْ مالكٍ أنَّ الإِمامَ إذَا تَكَلَّمَ بما تكلَّمَ بهِ النبيُّ - ﷺ - منَ الاستفسار والسؤالِ عندَ الشكِّ وإجابةِ المأمومِ: أنَّ الصلاةَ لا تفسدُ. وقدْ أجيبَ بأنهُ - ﷺ - تكلَّمَ معتقدًا للتمامِ، وتكلَّمَ الصحابةُ معتقدينَ للنسخ، وظنُّوا حينئذٍ التمامَ. قلتُ: ولا يخفى أنَّ الجزمَ باعتقادِهم التمامَ محلُّ نظرٍ بلْ فيهمْ مترددٌ بينَ القصرِ والنسيانِ، وهوَ ذو اليدينِ. (نعمْ) سرعانُ الناسِ اعتقدُوا القصرَ ولا يلزمُ اعتقادُ الجميعِ، ولا يخفى أنهُ لا عذرَ عن العملِ بالحديثِ لمنْ يتفقُ لهُ مثلُ ذلكَ، وما أحسنَ كلامَ صاحبِ المنارِ؛ فإنهُ ذكرَ كلامَ [الهادوية ودعواهم] (^٢) نسخَهُ كما ذكرناهُ ثمَّ ردَّهُ بما رددناهُ ثمَّ قالَ: وأنا [أقولُ] (^٣): أرجو اللَّهَ للعبدِ إذا لَقَيَ اللَّهَ عاملًا لذلكَ أن يثبتَهُ في الجوابِ بقولهِ صحَّ لي ذلكَ عنْ رسولِكَ، ولمْ أجدْ ما يمنعُهُ، وأنْ ينجوَ بذلكَ، ويثابَ على العملِ بهِ، وأخافُ على المتكلفينَ وعلى المجبرينَ على الخروجِ منَ الصلاةِ للاستئنافِ، فإنهُ ليسَ بأحوطَ كما تَرَى، لأنَّ الخروجَ بغيرِ دليلٍ ممنوعٌ، وإبطالٌ للعملِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أن الأفعالَ الكثيرةَ التي ليستْ منْ جنسِ الصلاةِ إذا وقعتْ سهوًا، أو معَ ظنِّ التمامِ لا تفسدُ بها الصلاةُ؛ فإنَّ في روايةٍ أنهُ - ﷺ - خرجَ إلى منزلهِ، وفي أخرى يجرُّ رداءَهُ مغضبًا. وكذلكَ خروجُ سرعانِ الناسِ؛ فإنَّها أفعالُ كثيرةٌ قطعًا. وقد ذهبَ إلى هذا الشافعيِّ. وفيهِ دليلٌ على صحةِ البناءِ على الصلاةِ بعدَ السلامِ [سهوًا أو ظنًا للتمامِ، والجمهور عليه. وفيه دليل على صحة البناءِ على الصلاة] (^٤) وإنْ طالَ زمنُ الفصلِ بينهمَا. وقدْ رُويَ هذا عن ربيعةَ ونسبَ إلى مالكٍ وليسَ بمشهورٍ عنهُ، ومنَ العلماءِ مَنْ قَالَ: يختصُّ جوازُ البناءِ إذا كانَ الفصلُ بزمنٍ قريبٍ. وقيلَ: بمقدارِ ركعةٍ، وقيلَ: بمقدارِ الصلاةِ. ويدلُّ أيضًا [على أن] (^٥) سجودَ السهوِ [بعد السلام خلاف الحديث الأول، ويأتي فيه\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"الهدي ودعواه\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (ب): \"أنه يجبرُ ذلك\".","vol":"2","page":274},{"text":"الكلام. ويدل أنه يجيز سجود السهو] (^١) وجوبًا لحديثِ: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^٢). ويدلُّ أيضًا على أن سجودَ السهوِ لا يتعددُ بتعدُّدِ أسبابِ السهوِ. وأما تعيينُ الصلاةِ التي اتفقتْ فيها القصةُ، [فيدلُّ لهُ] (^٣) قولُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (صَلَاةَ الْعَصْرِ) عِوَضًا عنْ قولهِ في الروايةِ الأُولَى إحدى صلاتي العَشِيِّ، (وَلأَبي دَاوُدَ) أي: مِنْ حديثهِ أيضًا (فَقَالَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (أَصَدَقَ ذُو اليَدْينِ؟ فَأَوْمَأوا أيْ نَعَمْ، وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ بِلَفْظِ: فَقَالُوا).\nقلت: وهيَ [في] (^٤) روايةٍ لأبي داودَ بلفظِ: \"فقالَ الناسُ نعمْ\"، وقالَ أبو داودَ: إنهُ لمْ يذكرْ فأومأوا إلَّا حمادُ بنُ زيدٍ (وفي روايةٍ لهُ) أي لأبي داودَ منْ حديثِ أبي هريرةَ: (وَلَمْ يَسْجُدْ حَتى يَقَّنَه اللَّهُ ذَلِكَ). ولفظُ أبي داودَ: \"ولمْ يسجدُ سجدتيْ السهوِ حتَّى يقَّنهُ اللَّهُ ذلكَ\". أي: صيرَ تسليمَهُ على ثنتينِ يقينًا عندهُ إما بوحيٍ أو تذكرٍ حصلَ لهُ اليقينُ [بهِ] (^٥)، واللَّهُ أعلمُ ما مستندُ أبي هريرةَ في [هذا] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-444>هل للسهو تشهُّد</span>\n٣/ ٣١٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ (^٨)، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ (^٩). [شاذ]\n(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) وهو حديث صحيح تقدَّم تخريجه مرارًا.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"من\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"ذلك\".\n(^٧) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٩).\n(^٨) في \"السنن\" (رقم ٣٩٥). وقال: حديث حسن غريب صحيح.\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ٣٢٣) وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٤/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٢٦٦٠، ٢٦٦٢)، وابن خزيمة (٢/ ١٣٤ رقم ١٠٦٢)، والبيهقي (٢/ ٣٥٥)، والنسائي (٣/ ٢٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٢٩٧ رقم ٧٦١).\nوهو حديث شاذ كما حققه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٩٨ - ٩٩)، والألباني في \"الإرواء\" (٢/ ١٢٨ - ١٣١ رقم ٤٠٣).","vol":"2","page":275},{"text":"ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحّحَهُ) في سياقِ حديثِ السننِ أن هذا السهوَ [هو] (^١) سهوُهُ - ﷺ - الذي في خبرِ ذي اليدينِ، فإنَّ فيهِ بعدَ أنْ ساقَ حديثَ أبي هريرةَ مثلَ ما سلفَ منْ سياقِ الصحيحينِ إلى قولهِ: ثمَّ رفعَ وكبَّرَ ما لفظهُ: \"فقيلَ لمحمدٍ [أي] (^٢) ابن سيرينَ [الراوي] (^٣) سلَّمَ في السهوِ فقالَ: لمْ أحفظْهُ منْ أبي هريرةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أن عمرانَ بنَ الحصينِ قالَ: ثمَّ سلَّمَ\". وفي السننِ أيضًا (^٤) منْ حديثِ عمران بن الحُصَيْنِ: \"قالَ: سلَّمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في ثلاثِ ركعاتٍ منَ العصرِ، ثمَّ دخلَ، فقامَ إليهِ رجلٌ يقالُ لهُ الخرباقُ كانَ طويلَ اليدينِ - إلى قولهِ - فقالَ: أَصَدَقَ؟ فقالُوا: نعمْ، فصلَّى تلكَ الركعةَ، [ثم سلم] (^٥)، ثم سجدَ سجدتيْها، ثمَّ سلَّمَ\" انتهَى. ويحتملُ أنَّها تعددتِ القصةُ.\nوفي الحديثِ دليلٌ أنهُ [سجد] (^٦) عقيبَ الصلاةِ كما تدلُّ لهُ الفاءُ، وفيهِ تصريحٌ بالتشهدِ. قيلَ: ولمْ يقلْ أحدٌ بوجوبهِ. ولفظُ تَشهَّدَ يدلُّ أنهُ أَتَى بالشهادتينِ، وبهِ قالَ بعضُ العلماءِ. وقيلَ يكفي التشهدُ الأوسطُ، واللفظُ في الأولِ أظهرُ، وفيهِ دليلٌ على شرعيةِ التسليمِ كما تدلُّ لهُ روايةُ عمرانَ بن الحصينِ التي ذكرنَاها لا الروايةُ التي أتى بها المصنفُ، فإنّها ليستْ بصريحةٍ أن التسليمَ كانَ لسجدتي السهوِ، [فإنَّها تحتملُ] (^٧) أنهُ لم يكنْ - ﷺ - سلَّمَ للصلاةِ، وأنهُ سجدَ [لهما] (^٨) قبلَ السلامِ، ثمَّ سلَّمَ تسليمَ الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-445>الشاك في الصلاة يبني على اليقين ويسجد للسهو</span>\n٤/ ٣١٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرْح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه أبو داود (رقم ١٠١٨)، والنسائي (٣/ ٢٦)، وابن ماجه (رقم ١٢١٥)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (رقم ٣٥٧)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٤٢٧)، والبيهقي (٢/ ٣٥٥)، ومسلم في \"صحيحه\" (١/ ٤٠٤ رقم ١٠١/ ٥٧٤).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"يستحب\".\n(^٧) في (أ): \"لأنها يحتمل\".\n(^٨) في (ب): \"لها\".","vol":"2","page":276},{"text":"عَلَى مَا اسْتَيقَنَ. ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كَانَتَا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَح الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يسَلِّمَ؛ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا) في رباعيةِ (شَفَعْنَ) أي السجدتانِ (صَلَاتَهُ) صيَّرنَها شفعًا؛ لأنَّ السجدتينِ قامتا مقامَ ركعةٍ، وكأنَّ المطلوبَ منَ الرباعيةِ الشفعُ، وإنْ زادتْ على الأربعِ (وَإِنْ كَانَ صَلَّى تَمَامًا كانتا تَرْغِيمًا للشَّيْطَانِ) أي: إلصاقًا لأنفهِ بالرُّغامِ. والرُّغامُ بزنةِ غُرابٍ الترابُ، وإلصاقُ الأنفِ بهِ في قولِهمْ: رَغِمَ أَنفُهُ كنايةً عنْ [إذلاله] (^٢) وإهانتهِ، والمرادُ إهانةُ الشيطانِ حيثُ لبَسَ عليهِ صلاتَهُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ [فيه دلالةٌ] (^٣) على أن الشاكَ في صلاتهِ يجبُ عليهِ البناءُ على اليقينِ عندَهُ، ويجبُ عليهِ أنْ يسجدَ سجدتين، وإلى هذا ذهبَ [جماهيرُ] (^٤) العلماءِ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ. و[ذهبت] (^٥) الهادويةُ وجماعةٌ منَ التابعينَ إلى وجوبِ الإعادةِ عليهِ حتى يستيقن، وقال بعضُهم: يعيدُ ثلاثَ مراتٍ؛ فإذا شكَ في الرابعةِ فلا إعادةَ عليه. والحديثُ معَ الأوَّلَيْنِ. والحديثُ ظاهرٌ في أن هذا حكمُ الشاكِّ مطلقًا مبتدأُ كانَ أو مبتلَى، وفرَّقَ الهادويةُ [بينهم] (^٦) فقالُوا في الأولِ يجبُ عليهِ الإعادةُ، وفي الثاني يتحرَّى بالنظرِ في الأماراتِ، فإنْ حصلَ له ظنُّ التمامَ أوِ النقصَ عملَ بهِ، وإنْ كانَ النظرُ في الأماراتِ لا يحصلُ لهُ بحسبِ العادةِ شيئًا فإنهُ يبني على الأقلِّ كما في هذا الحديثِ، وإنْ كانَ عادتُه أن يفيدَه النظرُ الظنَّ ولكنهُ لم يفدْه في هذهِ الحالةِ وجبَ عليه [أيضًا] (^٧) الإعادةُ، وهذا التفصيلُ يردُّ عليهِ هذا الحديثُ الصحيحُ، ويردَّ عليهِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ٨٨/ ٥٧١).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٨٣)، وأبو داود (رقم ١٠٢٤)، والنسائي (٣/ ٢٧)، وابن ماجه (رقم ١٢١٠)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٢٤١)، والدارقطني (١/ ٣٧١ رقم ٢٠)، والبيهقي (٢/ ٣٣١) وله عندهم ألفاظ.\n(^٢) في (أ): \"ذلة\".\n(^٣) في (أ): \"دليل\".\n(^٤) في (أ): \"جماعة\".\n(^٥) في (ب): \"ذهب\".\n(^٦) في (ب): \"بينهما\".\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"2","page":277},{"text":"أيضًا حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ عندَ أحمدَ (^١) قالَ: \"سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: إذا شكَّ أحدُكم في صلاتِهِ فلمْ يدرِ واحدةً صلَّى أو اثنتينِ، فليجعلْها واحدةً، وإذا لمْ يدرِ ثنتينِ صلَّى أم ثلاثًا فليجعلْها ثنتينِ، وإذا لمْ يدرِ ثلاثًا صلَّى أو أربعًا فليجعلْها ثلاثًا، ثمَّ يسجدُ إذا فرغَ منْ صلاتهِ وهوَ جالسٌ قبلَ أنْ يُسلِّمَ سجدتينِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-446>قيام الإمام إلى الخامسة لا يفسد صلاة المؤتم</span>\n٥/ ٣١٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيء؟ قَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمّ سَلَّمَ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: \"إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شيءٌ أَنبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَين\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢) [صحيح]\n- وَفِي رِوَايةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"فَليُتِمّ ثَمّ يُسَلِّمْ ثُمّ يَسْجُد\". [صحيح]\n- وَلمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَجَدَ سَجْدَتي السّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ١٩٠).\nقلت: وأخرجه الترمذي (رقم ٣٩٨)، وابن ماجه (رقم ١٢٠٩)، والبيهقي (٢/ ٣٣٢)، والحاكم (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥) وغيرهم. من طريق محمد بن إسحاق عن مكحولَ عن كريب عن ابن عباس عنه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. كذا قال، ومكحول، وابن إسحاق مدلِّسان وقد عنعناه، فأنَّى له الحُسن فضلًا عن الصحة.\nنعم صرَّح ابن إسحاق بالتحديث في رواية أحمد (١/ ١٩٣)، ولكنه أرسله عن مكحول، ووصله من طريق غيره، وفيه حسين بن عبد الله ضعيف. وللحديث شواهد يتقوَّى بها إلى الحسن.\nانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥ رقم ٤٧٦)، و\"الصحيحة\" للألباني (رقم: ١٣٥٦).\n(^٢) البخاري (رقم ٤٠١) و(رقم ٤٠٤) و(رقم ١٢٢٦) و(رقم ٦٦٧١) و(رقم ٧٢٤٩)، ومسلم (رقم ٨٩، ٩٠ و٩١ و٩٢ و٩٣ و٩٤ و٩٥ و٩٦ و٥٧٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٣٧٩)، وأبو داود (رقم ١٠١٩)، والترمذي (رقم ٣٩٢)، والنسائي (٣/ ٣١)، وابن ماجه (رقم ١٢٠٥)، والبيهقي (٢/ ٣٤١).","vol":"2","page":278},{"text":"(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي: إحدَى الرباعياتِ خمسًا، وفي روايةٍ أنهُ قالَ إبراهيمُ النخعيُّ: \"زادَ أو نقصَ\"، (فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا، فَثَنى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمّ سَلَّمَ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيءٌ [أَنْبَأتُكُمْ] (^١) بِهِ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) في البشريةِ، وبَيَّنَ وجهَ المثليةِ بقولهِ (أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ؛ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني؛ وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِه) هلْ زادَ أو نقصَ (فَلْيَتَحَرَّ الصوابَ) بأنْ يعملَ بظنهِ منْ غيرِ تفْرقَةٍ بينَ الشكِّ في ركعةٍ أوْ ركنٍ. وقدْ فسَّرهُ حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ الذي قدمنَاهُ، (فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْن. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). ظاهرُ الحديثُ أنَّهم تابعوهُ - ﷺ - على الزيادةِ، ففيهِ دليلٌ على أن متابعةَ المؤتمِّ للإمامِ فيما ظنهُ واجب لا يفسدُ صلاتَهُ؛ فإنهُ - ﷺ - لمْ يأمرْهمْ بالإعادةِ. وهذا في حقِّ [أصحابه] (٢) في مثلِ هذهِ الصورةِ لتجويزهمْ التغييرَ في عصرِ النبوةِ، فأمَّا لو اتفقَ الآنَ قيامُ الإمامِ إلى الخامسةِ سبَّحَ لهُ مَنْ خَلْفَهُ، فإنْ لم يقعدْ انتظروهُ قعودًا حتى يتشهدُوا بتشهدِهِ، ويسملِّمُوا بتسليمهِ، فإنَّها لم تفسدْ عليهِ حتَّى يقالَ يعزلونَ بلْ فعلَ ما هوَ واجبٌ في حقِّهِ. وفي هذا دليلٌ على أن محلَّ سجودِ السهو بعدَ السلامِ، إلَّا أنهُ [قدْ] (^٢) يقالُ إنهُ - ﷺ - ما عرفَ سهوَهُ في الصلاةِ إلَّا بعدَ أنْ سلَّمَ منْها، فلا يكونُ دليلًا. وقدِ اختلفتِ الأحاديثُ في محلِّ سجودِ السهوِ واختلفتْ بسببِ ذلكَ أقوالُ الأئمةِ، قالَ بعضُ أئمةِ الحديثِ: أحاديثُ باب سجودِ السهوِ [قدْ] (^٣) تعدَّدتْ، (منْها) حديثُ أبي هريرةَ (^٤) فيمنْ شكَّ [فلمْ] (^٥) يَدْرِ كَمْ صَلَّى، وفيهِ الأمرُ أنْ يسجدَ سجدتينِ، ولمْ يذكرُ موضعَهما، وهوَ حديثٌ أخرجهُ الجماعةُ، ولمْ يذكرُوا فيهِ محلَّ السجدتينِ، هلْ قبلَ السلامِ أو بعدَهُ. نعمْ عندَ أبي داودَ (^٦)، وابنِ ماجَه (^٧)، فيهِ زيادةٌ: \"قبلَ\n_________\n(^١) في (أ): \"لأنبأتكم\".\n(^٢) في (أ): \"الصحابة\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) تقدم رقم (٢/ ٣١٤).\n(^٥) في (أ): \"ولم\".\n(^٦) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٠ و١٠٣١ و١٠٣٢).\n(^٧) في \"السنن\" (رقم ١٢١٦).","vol":"2","page":279},{"text":"أنْ يسلِّم\". وحديثُ أبي سعيدٍ (^١) مَنْ شكَّ وفيهِ\" [أنه] (^٢) يسجدُ سجدتينِ قبلَ [التسليمِ] (^٣) \"، وحديثُ أبي هريرةَ (^٤) وفيهِ القيامُ إلى الخشبةِ، وأنهُ سجدَ بعدَ السلامِ، وحديثُ ابن بحينةَ (^٥)؛ وفيهِ السجودُ قبلَ السلامِ، ولما وردتْ هكذا اختلفتْ آراءُ العلماءِ في الأخذِ بها، فقالَ داودُ: تستعملُ في مواضعِها على ما جاءتْ بهِ ولا يقاسُ عليها، ومثلُه قالَ أحمدُ في هذه الصلاةِ خاصةً، [وخالفَ] (^٦) فيما سواها، فقالَ: يسجدُ قبلَ السلامِ لكلِّ سهوٍ. وقالَ آخرونَ: هوَ مخيرٌ في كلِّ سهوٍ إنْ شاءَ سجدَ بعدَ السلامِ وإنْ شاءَ قبلَ السلامِ في الزيادةِ والنقصِ. وقالَ مالكٌ: إنْ كانَ السجودُ لزيادةٍ سجدَ بعدَ السلامِ، وإنْ كانَ لنقصانٍ سجدَ قبلَه. وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: الأصلُ في سجودِ السهوِ بعدَ السلامِ، وتأولُوا الأحاديثَ الواردةَ في السجودِ قبلَه [وستأتي أدلتَهم] (^٧). وقالَ الشافعيُّ: الأصلُ السجودُ قبلَ السلامِ، وردَّ ما خالفَهُ منَ الأحاديث بادعائهِ نسخَ السجودِ بعدَ السلامِ. ورُويَ عن الزهريِّ (^٨) قالَ: \"سجدَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - سجدتيْ السهوِ قبلَ السلامِ وبعدَهُ، وآخرُ الأمرينِ قبلَ السلام. وأيَّدَهُ بروايةِ معاويةَ (^٩): \"أنهُ - ﷺ - سجدَهَما قبلَ السلامِ\"، وصحبتهُ متأخرةٌ. وذهبَ إلى مثلِ قولِ الشافعيِّ أبو هريرةَ، ومكحولٌ، والزهريُّ، وغيرُهم. قالَ في الشرحِ: وطريقُ الإنصافِ أن الأحاديثَ الواردةَ في ذلكَ قولًا وفعلًا فيها نوعُ تعارضٍ. وتقدُّمُ بعضِها، وتأخرُ\n_________\n(^١) تقدم رقم (٤/ ٣١٦).\n(^٢) في (أ): \"أن\".\n(^٣) في (أ): \"السلام\".\n(^٤) تقدم رقم (٢/ ٣١٤).\n(^٥) قدم رقم (١/ ٣١٣).\n(^٦) في (ب): \"وخالفه\".\n(^٧) في (أ): \"وتأتي أدلته\".\n(^٨) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤١)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ٣٠٠)، وهو حديث منقطع، لا يقع معارضًا للأحاديث الثابتة.\n(^٩) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٣٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٣٤)، وأصله عند النسائي (٣/ ٣٣)، والدارقطني (١/ ٣٧٥ رقم ٤) إلا أن التصريح بالسجود قبل السلام إنما وقع صريحًا عند الآخرين، وهو من رواية محمد بن يوسف مولى عثمان عن أبيه أن معاوية بن أبي سفيان صلى بهم فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم. وقال: هكذا رأيت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يصنع. وهو حديث ضعيف.","vol":"2","page":280},{"text":"البعضِ غيرُ ثابتٍ برواية صحيحةٍ موصولةٍ، حتَّى يستقيمَ القولُ بالنسخِ، فالأَوْلى الحملُ على التوسيعِ في جوازِ الأمرينِ. ومنْ أدلةِ الهادويةُ والحنفيةُ روايةُ البخاريِّ التي أفادَها [قَولُهُ] (^١): (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أي: من حديث ابن مسعودٍ: (فَليُتِمّ، ثمّ يُسَلِّمْ، ثُمّ يَسْجُدْ) ما يدلُّ على أنهُ بعدَ السلامِ، وكذلكَ روايةُ مسلمٍ التي أفادَها [قولُهُ] (١): (وَلِمُسْلمٍ) أي: منْ حديثِ ابن مسعودٍ: (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَجَدَ سَجْدَتي السّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ) منَ الصلاةِ (وَالْكَلَامِ) أي: الذي خوطبَ بهِ وأجابَ عنهُ بما أفادهُ اللفظُ الأولُ. ويدلُّ لهُ أيضًا:\n٦/ ٣١٨ - وَلأَحْمَدَ (^٢)، وَأَبي دَاوُدَ (^٣)، وَالنَّسَائِيِّ (^٤)، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا: \"مَنْ شَكَّ فِي صَلَاِتهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ\"، وَصَحّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٥). [ضعيف]\n(وَلأَحْمَدَ، وَأَبي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بن جَعْفَرٍ مَرْفوعًا: مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يسَلِّمُ. وَصَحّحَة ابْن خزَيْمَةَ)؛ فهذهِ أدلةُ مَنْ يقولُ إنهُ يسجدُ بعدَ السلامِ مطلقًا، ولكنهُ قدْ عارضَها ما عرفتَ. فالقولُ بالتخييرِ أقربُ الطرقِ إلى الجمعِ بينَ الأحاديثِ كما عرفتَ. قالَ الحافظُ أبو بكرٍ البيهقيِّ: رُوِّينَا [عن النبيِّ] (^٦) - ﷺ -[أنه] (^٧) سجدَ للسهوِ قبلَ السلامِ، وأنهُ أمرَ بذلكَ. ورُوِّينَا أنهُ سجدَ بعدَ السلامِ، وأنهُ أمرَ [بهِ] (^٨). وكلاهُما صحيحٌ ولهما شواهدُ يطولُ بذكرِهَا الكلامُ ثمَّ قالَ: الأشبهُ بالصوابِ جوازُ الأمرينِ جميعًا. قالَ: وهذا مذهبُ كثيرٍ منْ أصحابنَا.\n_________\n(^١) في (أ): \"بقوله\".\n(^٢) في \"المسند\" (رقم: ١٧٤٧ و١٧٥٢ و١٧٥٣ و١٧٦١ - بتحقيق شاكر).\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٣).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٣٠).\nوهو حديث ضعيف. وكذا ضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود والنسائي و\"الجامع الصغير\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ١١٦ رقم ١٠٣٣) ثم قال: \"هكذا قال أبو موسى: عن عقبة بن محمد بن الحارث. قال أبو بكر: وهذا الشيخ يختلف أصحاب ابن جريج في اسمه، قال حجاج بن محمد وعبد الرزاق: عتبة بن محمد، وهذا الصحيح حسب علمي\" اهـ.\n(^٦) في (أ): \"أنه\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"بذلك\".","vol":"2","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>ماذا يصنع من قام للثالثة بدون تشهد</span>\n٧/ ٣١٩ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَينِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنُ لَمْ يَسْتِتِمَّ قَائمًا فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَالدَّارَقُطْنيُّ (^٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ، بِسَنَدٍ ضعِيفٍ. [صحيح لغيره]\n(وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَاسْتَتَمَّ قَائِمًا فَلْيَمْضِ)، ولا يعودُ للتشهدِ الأولِ، (وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ)، لمْ يذكرْ محلَّهمَا؛ (فَإِنَّ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ) ليأتي بالتشهدِ الأولِ، (وَلَا سَهْوَ عَلَيهِ. رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ، وَابْن مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ). وذلكَ أن مدارَهُ في جميعِ طرقِهِ على جابرٍ الجعْفيِّ، وهوَ ضعيفٌ. وقدْ قالَ أبو داودَ (^٤): ليسَ في كتابي عنْ جابرٍ الجعْفيِّ غيرُ هذا الحديثِ. وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ لا يسجدُ للسهوِ إلَّا لفواتِ التشهدِ الأولِ، لا لفعلِ القيامِ، لقولهِ: \"ولا سهوَ عليهِ\". وقدْ ذهبَ إلى هذا جماعةٌ، وذهبتِ الهادويةُ، وابنُ حنبلٍ إلى أنهُ يسجدُ للسهوِ لما أخرجهُ البيهقيُّ (^٥) منْ حديثِ أنسٍ: \"أنهُ تحركَ للقيامِ منَ الركعتينِ الأُخريينِ منَ العصرِ على جهةِ السهوِ، فسبَّحُوا فقعدَ، ثمَّ سجدَ للسهوِ\"، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^٦). والكلُّ منْ فعلِ أنسٍ موقوفٌ عليهِ، إلَّا أنَّ في بعضِ طُرقِهِ أنهُ قالَ: \"هذهِ السنةُ\". وقدْ رُجِّحَ حديثُ المغيرةِ عليهِ لكونهِ مرفوعًا، ولأنهُ يؤيدُهُ حديثُ ابن\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٦).\n(^٢) في \"السنن\" (رقم ١٢٠٨).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٧٨ رقم ١).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٥٣، ٢٥٤)، والبيهقي (٢/ ٣٤٣)، وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف جدًّا. لكن تابعه إبراهيم بن طهمان، وقيس بن الربيع عند الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٤٠). فالحديث صحيح بطرقه ومتابعاته.\nانظر: \"إرواء الغليل\" للمحدث الألباني (٢/ ١٠٩ - ١١١).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٢٩).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٦) في \"العلل\" - كما في \"التلخيص\" (٢/ ٦ رقم ٤٨٠).","vol":"2","page":282},{"text":"عمرَ مرفوعًا: \"لا سهوَ إلا في قيام عنْ جلوسٍ، أوْ جلوسٍ عنْ قيامٍ\"، أخرجهُ الدارقطنيُّ (^١)، والحاكمُ (^٢)، والبيهقيُّ (^٣)، وفيهِ ضعفٌ. ولكنْ يؤيدُ ذلكَ أنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الفعلِ القليلِ، وأفعالٍ صدرتْ منهُ - ﷺ -، ومنْ غيرهِ معَ علمهِ بذلكَ، ولمْ يأمرْ فيها بسجودِ السهوِ، ولا سجدَ لما صدرَ عنهُ منْها. قلتُ: وأخرجَ النسائيُّ (^٤) مِنْ حديث ابن بُحَيْنَةَ \"أنهُ - ﷺ - صلَّى فقامَ في الركعتينِ، فسبَّحوا لهُ فمضَى، فلما فرغَ منْ صلاتهِ سجدَ سجدتينِ، ثمَّ سلَّمَ\"، وأخرجَ أحمدُ (^٥)، والترمذيُّ (^٦)، وصححهُ منْ حديثِ زيادِ بن علاقةَ قالَ: \"صلَّى بنَا المغيرةُ بنُ شعبةَ، فلمَّا صلَّى ركعتينِ قامَ ولمْ يجلسْ، فسبَّحَ لهُ مَنْ خَلَفهُ، فأشارَ إليهمْ أن قومُوْا، فلمَّا فرغَ مِنْ صلاتِهِ سلَّمَ ثمَّ سجدَ سجدتينِ، وسلَّمَ، ثمَّ قالَ: هكذا صنعَ بِنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - \". إلَّا أن هذهِ فيمَنْ مضَى بعدَ أنْ [يسبِّحُوا] (^٧) لهُ، فيحتملُ أنهُ سجدَ لتركِ التشهدِ، وهوَ الظاهرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-448>ليس على من خلف الإمام سهو</span>\n٨/ ٣٢٠ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ، فَإِنْ سَهَا الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ\"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ (^٨)، وَالْبَيْهَقيُّ (^٩) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإِمَامِ سَهْوٌ: فَإِنْ سَهَا\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٧٧ رقم ٢).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٣٢٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٢٤٤).\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ٢٥٣).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٢٠١ رقم ٣٦٥) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ١٠٣٧)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٤٣٩)، والبيهقي (٢/ ٣٤٤).\nوهو حديث حسن، وكذلك حسَّنه الشيخ عبد القادر في \"جامع الأصول\" (٥/ ٥٣٣).\n(^٧) في (أ): \"سبحوا\".\n(^٨) عزوه للترمذي وهم لعله من بعض النساخ.\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٥٢) وقال: حديث ضعيف، وأبو الحسين هذا مجهول.\nوأما خارجة بن مصعب فهو متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه\"، قاله الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٢١٠ - ٢١١ رقم ٧).","vol":"2","page":283},{"text":"الإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ. رَوَاهُ [التِّرْمِذِيُّ] (^١)، وَالْبَيْهَقيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ)، وأخرجه الدارقطنيُّ (^٢) في السننِ [بلفظٍ آخرَ] (^٣)، وفيهِ زيادةٌ: \"وإنْ سَهَا مَنْ خَلْفَ الإمامِ، [فليسَ] (^٤) عليهِ سهوٌ والإمامُ كافيهِ\"، والكلُّ منَ الرواياتِ فيها خارجةُ بنُ مصعبٍ ضعيفٌ (^٥). وفي البابِ عن ابن عباسٍ (^٦) إلَّا أن فيهِ متْروكًا.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ على المؤتمِّ سجودُ السهوِ إذا سَهَا في صلاتِهِ، وإنَّما يجبُ عليهِ إذا سَهَا الإمامُ فقط، وإلى هذَا ذهبَ زيدُ بن عليٍّ، والناصرُ، والحنفيةُ، والشافعيةُ. وذهبَ الهادي إلى أنهُ يسجدُ للسهوِ لعمومِ [أدلةِ] (^٧) [سجود السهوِ] (^٨) للإمامِ والمنفردِ والمؤتمِّ. والجوابُ أنهُ لو ثبتَ هذا الحديثُ لكانَ مخصَّصًا لعموماتِ أدلةِ سجودِ السَّهوِ، ومعَ عدمِ ثبوتِهِ، فالقولُ قولُ الهادي (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-449>هل يُكتفى بسجودٍ واحد إذا تكرر السهو</span>\n٩/ ٣٢١ - وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"لِكلِ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٠)، وَابْنُ مَاجَهْ (^١١) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [حسن لغيره]\n_________\n(^١) في (أ): \"البزار\". قلت: لم أجده في \"مسنده\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٧ رقم ١).\n(^٣) في (أ): \"بلفظه\".\n(^٤) في (أ): \"فلا\".\n(^٥) بل متروك كما تقدم.\n(^٦) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٢٢) في ترجمة عمر بن عمرو أبو حفص الطحان العسقلاني. وهو في عداد من يضع الحديث.\n(^٧) في (أ): \"أدلته\".\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) تعقب الألباني الصنعاني في \"الإرواء\" (٢/ ١٣٢) بقوله: \"نحن نعلم يقينًا أن الصحابة الذين كانوا يقتدون به - ﷺ - كانوا يسهون وراءه - ﷺ - سهوًا يوجب السجود عليهم لو كانوا منفردين، هذا أمر لا يمكن لأحد إنكاره. فإذا كان كذلك، فلم ينقل أن أحدًا منهم سجد بعد سلامه - ﷺ -، ولو كان مشروعًا لفعلوه، ولو فعل لنقلوه، فإذا لم ينقل، دل على أنهُ لم يشرع. وهذا ظاهر إن شاء الله تعالى … \" اهـ.\n(^١٠) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٨).\n(^١١) في \"السنن\" (رقم ١٢١٩).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٢٣٧)، وأحمد (٥/ ٢٨٠).\nوفيه: زهير بن سالم فإنه لم يوثقه أحد غير ابن حبان. وقال الدارقطني: منكر الحديث، فهو علة الحديث. فالحديث ضعيف من أجل زهير هذا لكن له شواهد يتقوى بها فهو بها حسن. انظر: \"إرواء الغليل\" للألباني (٢/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"2","page":284},{"text":"(وَعَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: لِكلِّ سَهْوِ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ) قالُوا: لأنَّ في إسنادهِ إسماعيلَ بنَ عياشٍ، وفيهِ مقالٌ وخلافٌ. قالَ البخاريُّ (^١): إذا حدَّثَ عنْ أهلِ بلدِهِ يعني الشاميينَ فصحيحٌ، وهذا الحديثُ منْ روايتِهِ عن الشاميينَ، فتضعيفُ الحديثِ بهِ فيهِ نظرٌ.\nوالحديثُ دليلٌ لمسألتينِ، (الأُولى): أنهُ إذا تعددَ المقتضِي لسجودِ السهوِ تعددَ لكلِّ سهوٍ سجدتانِ، وقدْ حُكِي عن ابن أبي ليلَى. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يتعددُ السجودُ وإنْ تعددَ موجبُهُ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - في حديثِ ذي اليدينِ سلَّمَ وتكلَّمَ ومشَى ناسيًا ولم يسجدْ إلا سجدتينِ، ولئنْ قيلَ، إنَّ القولَ أَوْلى بالعملِ بهِ منَ الفعلِ، فالجوابُ أنهُ لا دلالةَ فيهِ على تعددِ السجودِ لتعددِ مقتضيْهِ، بلْ هوَ للعمومِ لكلِّ ساهٍ؛ فيفيدُ الحديثُ أن كلَّ مَنْ سَهَا في صلاتهِ بأيِّ سهْوٍ كان يشرعُ لهُ سجدتانِ، ولا يختصانِ بالمواضعِ التي [سَهَا فيها] (^٢) النبيُّ - ﷺ -، ولا بالأنواعِ التي سَهَا بها. والحملُ على هذا المعنَى أَوْلَى مِنْ حملِهِ على المعنَى الأولِ، وإنْ كانَ هوَ الظاهرُ فيهِ، جمعًا بينَه وبينَ حديثِ ذي اليدينِ، على أن لكَ أنْ تقولَ: إنَّ حديثَ ذي اليدينِ لمْ يقعْ فيهِ السهوُ المذكورُ حالَ الصلاةِ؛ فإنهُ محلُّ النزاعِ فلا يعارضُ حديثُ [البابِ] (^٣). (والمسألةُ الثانيةُ) يحتجُّ بهِ مَنْ يرى سجودَ السهوِ بعدَ السلامِ. وتقدمَ فيهِ تحقيقُ الكلامِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-450>حكم سجود التلاوة ومواضعه</span>\n١٠/ ٣٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - في\n_________\n(^١) في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٧٠).\n(^٢) في (ب): \"بيَّنها\".\n(^٣) في (ب): \"الكتاب\".\n(^٤) وخلاصة القول: أن سجود السهو سجدتان قبل التسليم في موضعين: (الأول): إذا كان عن نقص، لحديث عبد الله بن بُحينة المتقدم رقم (١/ ٣١١).\n(الثاني): إذا كان عن شك لم يترجح فيه أحد الأمرين، لحديث أبي سعيد الخدري (رقم ٤/ ٣١٤).\nوسجدتان بعد التسليم في موضعين أيضًا. (الأول): إذا كان عن زيادة، لحديث عبد الله بن مسعود رقم (٥/ ٣١٥).\n(الثاني): إذا كان عن شك ترجح فيه أحد الأمرين، لحديث ابن مسعود.\nوانظر: كتابنا: \"الأدلة الرضية لمتن الدرر البهية في المسائل الفقهية\" (ص ٧٧ - ٧٩).","vol":"2","page":285},{"text":"﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ (^١)، وَ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ (^٢)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هذا منْ أحاديثِ سجودِ التلاوةِ، وهوَ داخلٌ في ترجمةِ المصنفِ الماضيةِ كما عرفتَ حيثُ قالَ: بابُ سجودِ السهوِ وغيرِهِ. والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ سجودِ التلاوةِ. وقدْ أجمعَ على ذلكَ العلماءُ، وإنَّما اختلفُوا في الوجوبِ، وفي مواضعِ السجودِ، فالجمهورُ [على] (^٤) أنهُ سنةٌ. وقالَ أبو حنيفةَ: واجبٌ غيرُ فرضٍ، ثمَّ هوَ سنةٌ في حقِّ التالي والمستمعِ [إنْ] (^٥) سجدَ التالي. وقيلَ: وإنْ لم يسجدْ، [وأما] (^٦) مواضعُ السجودِ فقالَ الشافعيُّ: يسجدُ فيما عدا المفصلِ (^٧)، فيكونُ أحدَ عشرَ موضِعًا.\nوقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ في أربعةَ عشرَ محلًا، إلَّا أنَّ الحنفيةَ لا يعدُّونَ في الحجِ إلَّا سجدةً، واعتبروا بسجدةِ سورةِ ﴿ص﴾، والهادويةُ عكسُوا ذلكَ كما ذَكَرَ [ذلك] (^٨) - المهدي [في البحرِ] (^٩). وقالَ أحمدُ وجماعةٌ: يسجدُ في [خمسةَ] (^١٠) عشر موضعًا عدُّوا سجدتي الحجِّ وسجدةَ ﴿ص﴾.\n_________\n(^١) سورة الانشقاق: الآية ١.\n(^٢) سورة العلق: الآية ١.\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ١٠٨/ ٥٧٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ١٤٠٧)، والترمذي (رقم ٥٧٣ و٥٧٤)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٢/ ١٦١ و١٦٢)، وابن ماجه (رقم ١٠٥٨).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"إذا\".\n(^٦) في (ب): \"فأما\".\n(^٧) وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.\nوالمفصَّل: قيل: من أول سورة ﴿ق﴾، وقيل: من أول ﴿الْحُجُرَاتِ﴾، وقيل: غير ذلك. وأقسامه ثلاثة: طواله، وأوساطه، وقصاره.\nفطواله: ﴿ق﴾ أو ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ إلى ﴿عَمَّ﴾ أو ﴿الْبُرُوجِ﴾.\n- وأوساطه: من ﴿عَمَّ﴾ أو ﴿الْبُرُوجِ﴾ إلى ﴿الضُّحَى﴾ أو إلى ﴿لَمْ يَكُنِ﴾.\n- وقصاره: من ﴿الضُّحَى﴾ أو ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ إلى آخر القرآن - على خلاف في ذلك.\n[مباحث في علوم القرآن \"للشيخ مناع القطان\" (ص ١٤٥ - ١٤٦)].\n(^٨) في (أ): \"الإمام\".\n(^٩) (١/ ٣٤٤). وما بين الحاصرتين زيادة من (ب).\n(^١٠) في (أ): \"خمس\".","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type='title' id=toc-451>هل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة</span>\nواختلفوا أيضًا هلْ يشترطُ فيها ما يشترطُ في الصلاةِ منَ الطهارةِ وغيرِها؟ فاشترطَ ذلكَ جماعةٌ، وقالَ قومٌ: لا يشترطُ. وقالَ البخاريُّ (^١): كانَ ابنُ عمرَ يسجدُ على غيرِ وضوءٍ. وفي مسندِ ابن أبي شيبةَ (^٢): \"كانَ ابنُ عمرَ ينزلُ عنْ راحلتهِ فيهريقُ الماءَ، ثمَّ يركبُ فيقرأُ السجدةَ فيسجدُ وما يتوضأُ\". ووافقَهُ الشعبيُّ على ذلكَ. ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ لا يسجدُ الرجلُ إلَّا وهوَ طاهرٌ. وجمعَ بينَ قولهِ وفعلهِ [بحمله] (^٣) على الطهارةِ منَ الحدثِ الأكبرِ.\nقلتُ: والأصلُ أنهُ لا يشترِطُ الطهارةَ إلَّا بدليلٍ، وأدلةُ وجوبِ الطهارةِ وردتْ للصلاةِ، والسجدةُ لا تُسَمَّى صلاةً، فالدليلُ علَى مَنْ شَرطَ ذلكَ. وكذلكَ أوقاتُ الكراهةِ وردَ النهيُ عن الصلاةِ فيها فلا تشملِ السجدةِ الفرْدَةَ. وهذا الحديثُ دلَّ على السجودِ للتلاوةِ في المفصَّلِ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ. ثمَّ رأيتُ لابنِ حزم كلامًا في شرحِ المحلَّى (^٤) لفظُهُ: (السجودُ في قراءةِ القرآنِ ليسَ [ركعةً أوْ] (^٥) ركعتينِ فليسَ صلاةً، وإذا كانَ ليسَ صلاةً فهوَ جائزٌ بلا وضوءٍ، وللجنب والحائضِ، وإلى غيرِ القبلةِ كسائرِ الذِّكرِ، ولا فرقَ إذْ لا يلزمُ الوضوءُ إلَّا للصلاةِ، ولمْ يأتِ بإيجابهِ لغيرِ الصلاةِ قرآن، ولا سنةٌ، ولا إجماعٌ، ولا قياسٌ؛ فإنْ قيلَ: السجودُ منَ الصلاةِ، وبعضُ الصلاةِ صلاةٌ، قُلْنَا: والتكبيرُ بعضُ الصلاةِ، [وقراءة القرآن بعض الصلاة] (^٦)، والجلوسُ والقيامُ والسلامُ بعضُ الصلاةِ، فهلْ [يلتزمونَ] (^٧) أنْ لا يفعلَ أحدٌ شيئًا منْ هذهِ الأفعالِ والأقوال إلَّا وهوَ على وضوءٍ، هذا لا يقولونَهُ ولا يقولهُ أحدٌ)، انتهَى [بتلخيص] (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-452>سجد - ﷺ - في ﴿ص﴾</span>\n١١/ ٣٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٥٣) رقم الباب (٥).\n(^٢) في \"المصنف\" (٢/ ١٤).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) ذكر ابن حزم في \"المحلَّى بالآثار\" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١) كلامًا قريبًا من ذلك.\n(^٥) في (أ): \"ركعة ولا\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ): \"يلزمون\".\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"2","page":287},{"text":"السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵁ - قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَسْجُدُ فِيهَا. رَوَاه الْبُخَارِيُّ) أي: ليستْ مما وردَ في السجودِ فيها أمرٌ، ولا تحريضٌ، ولا تخصيصٌ، ولا حثٌ، وإنَّما وردَ بصيغةِ الإخبارِ عنْ داودَ - ﵇ - بأنهُ فعلَها وسجدَ نبيُّنا - ﷺ - فيها اقتداءً بهِ لقولهِ تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٢). وفيهِ [دلالةٌ] (^٣) على أن المسنوناتِ قدْ يكونُ بعضُها آكدَ منْ بعضٍ. وقدْ [وردَ أنهُ] (^٤) قالَ - ﷺ -: \"سجدَهَا داودُ توبةً، وسجدْناها شكرًا\" (^٥). ورَوَى ابنُ المنذرِ وغيرُه (^٦) بإسناد حسنٍ عنْ عليِّ بن أبي طالبٍ - ﵇ -: \"أن العزائمَ ﴿حم﴾ و﴿اقْرَأْ﴾ و﴿الم (١) تَنْزِيلًا﴾، وكذَا ثبتَ عن ابن عباسٍ في الثلاثةِ الأُخَرِ، وقيلَ: الأعرافُ و﴿سُبْحَانَكَ﴾ و﴿حم﴾ و﴿الم﴾، أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-453>سجد - ﷺ - النجم</span>\n١٢/ ٣٢٤ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٨). [صحيح]\n(وَعَنْهُ) أي: ابن عباسٍ (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - سَجَدَ بِالنَّجْمِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، هوَ دليلٌ على السجودِ في المفصَّلِ، كما أن الحديثَ الأولَ دليلٌ على ذلكَ، وقدْ خالفَ فيهِ مالكٌ، وقالَ: لا سجودَ [لتلاوةٍ] (^٩) في المفصَّلِ. وقد قدَّمنَا لكَ الخلافَ في أولِ المفصَّلِ [أي في أول سورة منه خلاف كبير كما في الإتقانِ وغيره] (^١٠) محتجًا بما رُوِيَ عن ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - لمْ يسجدْ في شيء منَ المفصَّلِ منذُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ١٠٦٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ١٤٠٩)، والترمذي (رقم ٥٧٧)، وأحمد (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠).\n(^٢) سورة الأنعام: الآية ٩٠.\n(^٣) في (أ): \"دليل\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) أخرجه النسائي (٢/ ١٥٩ رقم ٩٥٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٣٤ رقم ١٢٣٨٦)، وهو حديث صحيح. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٨ - ٩).\n(^٦) كابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٧).\n(^٧) في \"المصنف\" (٢/ ١٧).\n(^٨) في \"صحيحه\" (رقم ١٠٧١).\nقلت: وأخرجه الترمذي (رقم ٥٧٥)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٩) في (أ): \"للتلاوة\".\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"2","page":288},{"text":"تحوَّلَ إلى المدينةِ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^١)، وهوَ ضعيفُ الإسنادِ؛ فيهِ أبو قدامةَ، واسمهُ الحارثُ بنُ عبيدِ اللَّهِ إياديٌّ بصريٌّ، ولا يُحْتَجَّ بحديثهِ كما قالَ الحافظُ المنذريُّ في مختصرِ السننِ (^٢)، ومحتجًا أيضًا بقولِهِ:\n١٣/ ٣٢٥ - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - قَالَ: قَرَاتُ عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - النَّجْمَ، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - قَالَ: قَرَأَتُ عَلَى النَّبيِّ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مَتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وزيدُ بنُ ثابتٍ منْ أهلِ المدينةِ، وقراءتهُ بها كانتْ في المدينةِ. قالَ مالكٌ فأيَّدَ حديثَ ابن عباسٍ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ تركَ السجودَ تارةً، وفعلَه تارةً، دليلُ السنيةِ أو لمانعٍ عارَضَ ذلكَ، ومعَ ثبوتِ حديثِ زيدٍ فهوَ نافٍ، وحديثُ غيرِه وهوَ ابنُ عباسٍ مثبتٌ، والمثبتُ مقدَّمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-454>في سورة الحج سجدتان</span>\n١٤/ ٣٢٦ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ - ﵁ - قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ (^٤). [إسناده صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-455>ترجمة خالد بن معدان</span>\n(وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ - ﵁ -) (^٥) بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ وتخفيفِ الدالِ المهملة، [وخالد] (^٦) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ خالدُ بنُ معدانَ الشامي الكلاعي بفتحِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ١٤٠٣)، وهو حديث ضعيف.\n(^٢) (٢/ ١١٧).\n(^٣) البخاري (رقم ١٠٧٣)، ومسلم (رقم ١٠٦/ ٥٧٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (رقم ١٤٠٤)، والترمذي (رقم ٥٧٦) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٢/ ١٦٠ رقم ٩٦٠).\n(^٤) (رقم: ٧٨) بسند صحيح.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"تاريخ البخاري\" (٣/ ١٧٦)، و\"المعارف\" (ص ٦٢٥)، و\"الحلية\" (٥/ ٢١٠)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢٥٢)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٢٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٠٢ رقم ٢٢٢).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"2","page":289},{"text":"الكافِ، تابعيٌ منْ أهلِ حمصَ. قالَ: لقيتُ سبعينَ رجلًا منْ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، وكانَ منْ ثقاتِ الشاميينَ، ماتَ سنةَ أربعٍ ومائةٍ، وقيلَ [سنة] (^١) ثلاثٍ.\n(قَالَ: فضِّلَتْ سُورَة الْحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ)، كذا نسبهُ المصنفُ إلى مراسيلِ أبي داودَ، وهوَ موجودٌ في سننةِ (^٢) مرفوعًا منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ بلفظِ: \"قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، في سورةِ الحجِّ سجدتانِ؟ قالَ: نعمْ ومَنْ لم يسجدْهما فلا يقرأْهُما\". فالعجبُ كيفَ نسبهُ المصنفُ إلى المراسيلِ معَ وجودِهِ في سننهِ مرفوعًا، ولكنهُ قدْ وصلَ في:\n١٥/ ٣٢٧ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَالترْمِذِيُّ، (^٤) مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ: فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. [صحيح]\n(رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولًا مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، وَزَادَ) أي: الترمذيُّ في روايتهِ: ([فَمَنْ] (^٥) لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهَا) بضمير مفردٍ، أي: السورةَ، أوْ آية السجدةِ. [ويرادُ] (^٦) الجنسُ، (وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةٍ (^٧). قيلَ: إنهُ [تفرَّدَ] (^٨) بهِ، وأيَّدَهُ الحاكمُ (^٩) بأنَّ الروايةَ صحَّتْ فيهِ من قولِ عمرَ وابنهِ،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) (رقم ١٤٠٢).\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ١٥١ و١٥٥).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم ٥٧٨) وقال: هذا حديث ليس إسنادُهُ بذاكَ القوي.\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٣٠٤ رقم ٧٦٥)، والدارقطني (١/ ١٥٧)، والحاكم (١/ ٢٢١) و(٢/ ٣٩٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في (أ): \"ومن\".\n(^٦) في (أ): \"ونريد\".\n(^٧) وهو ضعيف من قبل حفظه، لكن الراوي عنه عند أبي داود، والحاكم، عبد الله بن وهب، وعند أحمد: عبد الله بن يزيد، وهما أحد العبادلة الذين يرى النقاد أن حديثهم عنه صحيح، لأنهم سمعوا منه قبل احتراق كتبه. فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٨) في (أ): \"انفرد\".\n(^٩) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).\nقلت: وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١١): - عن عمر أنه سجد في \"الحج\" سجدتين. ثم قال: إن هذه السورة فضلت على سائر السور بسجدتين.\n- وعن ابن عباس، قال: في سورة الحج سجدتان.\n- وعن علي أنه سجد في الحج سجدتين.\n- وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، أن أبا الدرداء سجد في الحج سجدتين. =","vol":"2","page":290},{"text":"وابنِ مسعودٍ، وابن عباسٍ، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعمارٍ، وساقَها موقوفةً عليْهم، وأكدهُ البيهقيُّ بما رواهُ في المعرفةِ منْ طريقِ خالدِ بن معدانَ. وفي الحديثِ ردٌّ على أبي حنيفةَ وغيرِه ممنْ قالَ: [إنهُ ليسَ بواجبٍ كما قالَ] (^١) إنهُ ليسَ في سورة الحجِّ إلا سجدةٌ واحدة في الأخيرة منْها.\nوفي قولهِ: (ولمنْ لم يسجدْهما فلا يقرأها) تاكيدٌ لشرعيةِ السجودِ فيْها، ومنْ قالَ بإيجابهِ فهوَ منْ أدلتهِ، ومنْ قالَ ليسَ بواجب قالَ: لما تركَ السنةَ وهوَ سجودُ التلاوةِ بفعلِ المندوبِ وهوَ القرآنُ كانَ الأليقُ الاعتناءُ بالمسنونِ، وأنْ لا يتركَهُ، [فإذا] (^٢) تركهُ فالأحسنُ لهُ أنْ لا يقرأَ السورةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-456>رأي عمر في السجود التلاوة</span>\n١٦/ ٣٢٨ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وَفِيْهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ) أي: بآيتهِ (فَمَنْ [سَجَدَ] (^٥) فَقَدْ أَصَابَ) أي: السنةَ، (وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفِيْهِ) أيْ: البخاريِّ عنْ عمرَ (إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودِ) أي: لمْ يجعلْه فرضًا (إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ). فيه دلالةٌ على أن عمرَ كانَ لا يرى وجوبَ سجودِ التلاوةِ، واستدلَّ بقولهِ: \"إلَّا أنْ نشاءَ\"، [أي] (^٦) أنَّ منْ شرعَ في السجودِ وجبَ عليهِ إتمامهِ لأنهُ مخرجٌ منْ بعضِ حالاتِ عدمِ فرضيةِ السجودِ، وأجيبَ بأنهُ استثناءٌ منقطعٌ. [والمرادُ] (^٧) ولكنَّ ذلكَ موكولٌ إلى مشيئِتنَا.\n_________\n= وفي \"الموطأ\" (١/ ٢٠٦ رقم ١٤) عن عبد الله بن دينار، أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين.\nوهذه شواهد يشدُّ بعضُها بعضًا.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"فإن\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ١٠٧٧).\n(^٤) (١/ ٢٠٦ رقم ١٦).\n(^٥) في (أ): \"سجدها\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"2","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-457>سجود التلاوة والتكبير له وموضعه وما يقول فيه</span>\n١٧/ ٣٢٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرّ بِالسَّجْدَةِ كَبّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لينٌ. [ضعيف]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرآنَ، فَإِذَا مَرَ بِالسَّجْدَةِ كَبّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) بِسَنَدِ فِيهِ لِينٌ)، لأنهُ منْ روايةِ عبدِ اللَّهِ المكبرِ العمري، وهوَ ضعيفٌ. وأخرجهُ الحاكمُ (^٢) منْ روايةِ عُبَيْدِ اللَّهِ المصغرِ، وهوَ ثقةٌ. وفي الحديثِ دلالة على التكبيرِ وأنهُ مشروعٌ. وكان الثوريُّ يعجبهُ هذا الحديثُ. قالَ أبو داودَ: يعجبهُ لأنهُ كبَّرَ. وهلْ هوَ تكبيرُ الافتتاحَ أوِ النقلِ؟ الأولُ أقربُ، ولكنهُ يجتزئُ بها عنْ تكبيرة النقلِ لعدمِ ذكرِ تكبيرةٍ أُخْرى، وقيلَ: يكبرُ لهُ وعدمُ الذكرِ ليسَ دليلًا. قالَ بعضُهم: ويتشهدُ ويسلِّمُ قياسًا للتحليلِ على التحريمِ. وأجيبَ بأنهُ لا يجزئُ [هذا] (^٣) القياسُ فلا دليلَ على ذلكَ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على شرعيةِ سجودِ التلاوةِ للسامعِ لقولهِ: وسجدْنا. وظاهرُهُ سواءٌ كانَا مصليَينِ معًا أو أحدُهما في الصلاةِ، وقالتِ الهادويةُ: إذا كانتِ الصلاةُ فرضًا أخَّرَها حتَّى يسلِّم، قالُوا: لأنَّها زيادةٌ عن الصلاةِ فتفسدُها، ولما رواهُ نافعُ عن ابنِ عمرَ [أنهُ] (^٤) قالَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يقرأُ علينَا السورةَ في غيرِ الصلاةِ، فيسجد ونسجدُ معهُ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^٥). قالُوا: ويشرعُ لهُ أنْ يسجدَ إذا كانتِ الصلاةَ نافلةً لأنَّ النافلةَ مخففٌ فيْها.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ١٤١٣).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٢/ ٣٢٥) وسكت عليه البيهقي، فتعقَّبه ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" بقوله: \"في سنده عبد الله بن عمر أخو عبيد الله متكلم فيه، ضعفه ابن المديني، وكان يحيى بن سعيد لا يحدِّث عنه، وقال ابن حنبل: كان يزيد الأسانيد، وقال صالح بن محمد: لين، مختلط الحديث\" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. وقد ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (رقم ٤٧٢).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٢٢٢) وقال: إنه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٣) في (أ): \"هنا\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ١٤١٢).\nقلت: وأخرجه البخاري (رقم ١٠٧٥)، ومسلم (رقم ٥٧٥).","vol":"2","page":292},{"text":"وأجيبَ عن الحديثِ بأنهُ استدلالٌ بالمفهومِ. وقدْ ثبتَ منْ فعلهِ (^١) - ﷺ - أنهُ قرأَ سورةَ الانشقاقِ في الصلاةِ وسجدَ وسجدَ مَنْ خَلْفَهُ. وكذلكَ سورةَ تنزيلِ السجدةِ (^٢)، قرأَ بها وسجدَ فيْها. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٣)، والحاكمُ (^٤)، والطحاويُّ (^٥) منْ حديثِ ابن عمرَ: \"أنهُ - ﷺ - سجدَ في الظهرِ فرأى أصحابهُ أنهُ قرأَ آيَةَ سجدةٍ فسجدُوها\".\nواعلمْ أنهُ قدْ وردَ الذكرُ في سجودِ التلاوةِ بأنْ يقولَ: \"سجدَ وجهي للذي خلقَه وصوَّرَه وشقَّ سمعَه وبصرَه بحولِهِ وقُوَّتهِ\"، أخرجهُ أحمدُ (^٦)، وأصحابُ السننِ (^٧)، والحاكمُ (^٨)، والبيهقيُّ (^٩)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ (^١٠) وزادَ في آخرهِ: \"ثلاثًا\"، وزادَ الحاكمُ في آخرهِ: \"فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقينَ\"، وفي حديثِ ابن عباسٍ (^١١): \"أنهُ - ﷺ - كانَ يقولُ في سجودِ التلاوةِ: اللَّهم اكتبْ لي بها عندَكَ أجْرًا، واجعلْها لي عندَك ذُخْرًا، وضعْ عنِّي بها وِزرًا، وتقبَّلْها منِّي كما تقبَّلْتَها منْ عبدِكَ داودُ\".\n_________\n(^١) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ١٠٧٤)، ومسلم (رقم ١٠٧/ ٥٧٨)، ومالك (١/ ٢٠٥ رقم ١٢) أن أبا هريرة قرأ لهم - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ - فسجد فيها. فلما انصرفَ أخبرهُمْ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - سجد فيها.\n(^٢) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ٨٩١)، ومسلم (رقم ٨٨٠) عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلًا﴾ و﴿هَلْ أَتَى﴾.\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ٨٠٧) وفي \"سنده\" أمية وهو مجهول.\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٢٢١).\n(^٥) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^٦) في \"المسند\" (٦/ ٢١٧).\n(^٧) وهم: أبو داود (رقم ١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٢ رقم ١١٢٩)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٢٠) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٢٥).\n(^١٠) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٠).\nوهو كما قال ابن السكن.\n(^١١) أخرجه الترمذي (رقم ٥٧٩)، وابن ماجه (رقم ١٠٥٣)، وفي \"سنده\": الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد المكي وفيه كلام. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٠٢) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.","vol":"2","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>سجود الشكر مشروعيته وما يشترط فيه</span>\n١٨/ ٣٣٠ - وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ - ﵁ -، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - \"كَانَ إِذَا جَاءَهُ خَبَرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للَّهِ\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^١). [حسن]\n(وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا جَاءَهُ أمرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِدًا للَّهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَة إِلَّا النَّسَائيَّ). هذَا مما شملتْهُ الترجمةُ بقولهِ: وغيرُهُ، وهوَ دليلٌ على شرعيةِ سجودِ الشكرِ. وذهبَ إلى شرعيتهِ الهادويةُ، والشافعيُّ، وأحمدُ، خلافًا لمالكٍ، وروايةٌ لأبي حنيفةَ بأنهُ لا كراهةَ [فيه] (^٢)، ولا ندبَ. والحديثُ دليلٌ للأَوَّلينِ. وقد سجدَ - ﷺ - في آيةِ ﴿ص﴾ وقالَ: \" [إنما] (^٣) هي لنَا شكرٌ\".\nواعلمْ أنهُ قدِ اختُلِفَ هلْ يشترطُ لها الطهارةُ أمْ لا؟ فقيلَ: يشترطُ قياسًا على الصلاةِ، وقيلَ: لا يشترطُ لأنَّها ليستْ بصلاةٍ وهوَ الأقربُ كما قدَّمْنَاهُ، وقالَ المهدي (^٤): إنهُ يكبرُ لسجودِ الشكرِ، وقالَ أبو طالبٍ: ويستقبلُ القبلةَ، وقالَ الإمامُ يحيى: ولا يسجدُ للشكرِ في الصلاةِ قولًا واحدًا؛ إذْ ليسَ منْ توابِعِها، قيلَ: ومُقْتَضَى شرعيتهِ حدوثُ نعمةٍ أو اندفاعُ مكروهٍ، فيفعلُ ذلكَ في الصلاةِ، ويكونُ كسجودِ التلاوةِ.\n١٩/ ٣٣١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ - ﷺ -، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاني، فَبَشَّرَني، فَسَجَدْتُ للَّهِ شُكْرًا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦). [صحيح بطرقه وشواهده]\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٥/ ٤٥)، وأبو داود (رقم ٢٧٧٤)، والترمذي (رقم ١٥٧٨)، وابن ماجه (رقم ١٣٩٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقد حسنه الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢٢٦ رقم ٤٧٤).\n(^٢) في (أ): \"فيها\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"البحر\" (١/ ٣٤٦).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ١٩١)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٧) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وزاد: \"وما في سجدة الشكر أصح منه\"، قلت: وهو حديث صحيح لطرقه وشواهده.","vol":"2","page":294},{"text":"(وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - سَجَدَ رسولُ الله - ﷺ - فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَع رَأْسَهُ [فَقَالَ] (^١): إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاني فَبَشَّرَني). وجاءَ تفسيرُ البُشْرى بأنهُ تَعَالَى قَالَ: \"مَنْ صلَّى عليهِ - ﷺ - صلاةً صلَّى اللَّهُ عليهِ بها عشْرًا\"، رواهُ أحمدُ في المسندِ (^٢) منْ طرقٍ، (فَسَجَدْتُ للَّهِ شكْرًا. رَوَاه أَحْمَدُ، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ)، وأخرجهُ البزارُ (^٣)، وابنُ أبي عاصمٍ في فضلِ الصلاةِ عليه - ﷺ - (^٤). قالَ البيهقيُّ (^٥): وفي البابِ عنْ جابرٍ (^٦)، وابنِ عُمرَ (^٧)، وأنسٍ (^٨)، وجريرٍ (^٩)، وأبي جحيفةَ (^١٠).\n٢٠/ ٣٣٢ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بَعَثَ عَلِيًا إِلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكِتَابَ خَرّ سَاجِدًا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١١). وَأَصلُهُ فِي الْبُخَاريِّ (^١٢). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"وقال\".\n(^٢) انظر هذه الطرق في: \"الفتح الرباني\" (٤/ ١٨٤ - ١٨٥ رقم ٩٢١).\n(^٣) (١/ ٣٥٨ رقم ٧٤٩ - كشف الأستار)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٢)، وقال: رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١١).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧١).\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٩) وقال الهيثمي: وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر وثقه أبو زرعة، وضعفه جماعة.\n(^٧) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٩) وقال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن عبيد الله وهو ضعيف.\n(^٨) فلينظر من أخرجه.\n(^٩) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٨٩) وقال الهيثمي: وفيه الحسن بن عمارة ضعفه شعبة وجماعة كثيرة، وقال عمر بن علي: صدوق كثير الخطأ والوهم.\n(^١٠) فلينظر من أخرجه.\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٦٩). وقال: \"أخرج البخاري صدر هذا الحديث عن أحمد بن عثمان عن شريح بن مسلمة عن إبراهيم بن يوسف فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه.\n(^١٢) في \"صحيحه\" (رقم: ٤٠٩٢ - البغا).","vol":"2","page":295},{"text":"(وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بعَثَ علِيًا (^١) إلى الْيَمَنِ، فذكر الحديثَ. قَالَ: فَكَتَبَ عليٌّ بإسْلامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْكِتَابَ سَاجِدًا شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ. رواه الْبَيْهَقِيُّ وَأَصلُهُ فِي الْبُخَاريِّ).\nوفي معناه سجودُ كعبِ بن مالكٍ (^٢) لمَّا أنزل اللَّهُ توبتَه، فإنهُ يدلُّ على أن شرعيةَ ذلك كانت متقرِّرةً عندهم.\n\nتمَّ بحمد الله المجلَّد الثاني من\n\"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\"\nولله الحمد والمنَّة\nويليه المجلد الثالث\nوأوله: (الباب التاسع)\nبابُ صلاة التطوع\n* * *\n_________\n(^١) هنا كلمة (عليكم) زائدة من (أ).\n(^٢) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (رقم ٤٤١٨)، ومسلم (رقم ٥٣/ ٢٧٦٩).","vol":"2","page":296},{"text":"<span data-type='title' id=toc-459>[الباب التاسع] بابُ صلاةِ التطوعِ</span>\nأي: صلاةُ العبدِ التطوعَ، فهُو مِنْ إضافةِ المصدرِ إلى مفعولهِ، وحذفِ فاعلهِ. في \"القاموسِ\" (^١): صلاةُ التطوعِ: النافلةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-460>الترغيب في النوافل</span>\n١/ ٣٣٣ - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ مَالكٍ الأَسْلَمِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"سَلْ\"، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: \"أَوْ غَيْرَ ذلكَ\"؟ فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: \"فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَميِّ - ﵁ -) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-461>ترجمة ربيعة بن كعب بن مالك</span>\nهوَ من أهلِ الصُّفَّةِ (^٤)، كانَ خادمًا لرسولِ الله - ﷺ -، صحبهُ قديمًا ولازمهُ\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ٩٦٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٥٣ رقم ٢٢٦/ ٤٨٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢/ ٧٨ رقم ١٣٢٠)، والنسائي (٢/ ٢٢٧ رقم ١١٣٨)، والبيهقي (٢/ ٤٨٦).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"التقريب\" (١/ ٢٤٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٢٦ رقم ٤٩٦)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ٢٦٤ رقم ٧٦٥)، و\"الإصابة\" (٢/ ٢٧٠ رقم ١٩١١).\nتنبيه: في بعض النسخ: ربيعة بن مالك، وهو نفسه؛ إذ هو: ربيعة بن كعب بن مالك بن يعمر الأسلمي، كما تقدم في مصادر ترجمته.\n(^٤) هنا كلمة زائدة من (أ)، وهي (بالضم).","vol":"3","page":5},{"text":"حضرًا وسفرًا، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وستينَ منَ الهجرةِ، وكنيتهُ أبو فِراسٍ بكسرِ الفاءِ، فراءٍ آخِرَهُ سينٌ مهملةٌ.\n(قال: قال لِي رسول الله ﷺ: سَلْ، فقلتُ: أسألُكَ مُرافَقَتَكَ في الجنةِ، فقالَ: أوَ غيرَ ذلكَ؟.\n[قلت:] (^١) هو ذاكَ، قالَ: فأعنِّي على نفسِكَ) أي: على نيلِ مرادِ نفسِك (بكثرةِ السجودِ. رواه مسلمٌ).\nحمل المصنفُ السجودَ على الصلاةِ نفلًا، فجعلَ الحديثَ دليلًا على التطوعِ، وكأنهُ صرفَهُ عن الحقيقةِ كونُ السجودِ بغيرِ صلاةٍ غيرَ مرغَّبٍ فيهِ على انفرادهِ، والسجودُ وإنْ كانَ يصدقُ على الفرضِ، لكنَّ الإتيانَ بالفرائضِ لا بدَّ منهُ لكلّ مسلمٍ، وإنَّما أرشدَهُ - ﷺ - إلى شيءٍ يختصُّ بهِ ينالُ به ما طلبَهُ. وفيه دلالةٌ على كمالِ إيمانِ المذكورِ وسموِّ همَّتهِ إلى أشرفِ المطالبِ وأغلى المراتبِ، [وعزفِ] (^٢) نفسهِ عن الدنيا وشهواتِها. ودلالةٌ على أن الصلاةَ أفضلُ الأعمالِ في حقِّ مَنْ كانَ مثلَهُ، فإنهُ لمْ يُرْشِدْهُ - ﷺ - إلى نيلِ ما طلبهُ إلّا بكثرةِ الصلاةِ، معَ أن مطلوبهُ أشرفُ المطالبِ.\n٢/ ٣٣٤ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قبْلَ الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح]\nوفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمْعَةِ فِي بَيْتِهِ (^٣).\n- وَلمُسْلِمٍ (^٤): كَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. [صحيح]\n(وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: حَفِظتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عشرَ ركعاتٍ) هذا إجمالٌ\n_________\n(^١) في (أ): \"فقلت\".\n(^٢) في (أ): \"وعزوب\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٣٧ و١١٦٥ و١١٧٢ و١١٨٠)، ومسلم (١٠٤/ ٧٢٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢٥٢)، والنسائي (٨٧٣)، والترمذي (٤٣٣، ٤٣٤)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٦٦ رقم ٦٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥ رقم ٨٦٧، ٨٦٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٥٠٠ رقم ٨٨/ ٧٢٣).","vol":"3","page":6},{"text":"[فصَّله] (^١) بقولِه: (ركعتينِ قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَيْنِ بعدَ المَغْرِبِ في بيتهِ)، تقييدُها يدلُّ على أن ما عدَاها كانَ يفعلهُ في المسجدِ، وكذلكَ قولهُ: (وركعتينِ بعدَ العشاءِ في بيتهِ، وركعتينِ قبلَ الصبحِ) لم يقيدْهُما معَ أنهُ كانَ يصلّيهِمَا ﷺ في بيتهِ، وكأنهُ تركَ التقييدَ لشهرةِ ذلكَ من فعلهِ ﷺ، (متفقٌ عليه. وفي رواية لهما: وركعتينِ بعدَ الجمعةِ في بيتهِ)؛ فيكونُ قولُهُ: عشرَ ركعاتٍ نظرًا إلى التكرارِ كلَّ يومٍ.\n(ولمسلم) أي: من حديث ابن عمرَ: (كان إذا طلعَ الفجرُ لا يصلّي إلَّا ركعتينِ خفيفتين) هما المعدودتانِ في العشرِ، وإنَّما أفادَ لفظُ مسلم خفَّتَهُمَا، وأنهُ لا يصلّي بعدَ [طلوعِه] (^٢) سواهُما، وتخفيفُهما مذهبُ مالك والشافعيِّ وغيرِهما. وقد جاءَ في حديثِ عائشة: \"حتى أقولَ: أقَرأ [بأمِّ] (^٣) الكتابِ\"؟ يأتي قريبًا (^٤).\nوالحديثُ دليل على أن هذهِ النوافلَ للصلاة. وقدْ قيلَ في حكمةِ شرعِيَّتِها: إنَّ ذلكَ ليكونَ ما بعدَ الفريضةِ جبْرًا لما فرطَ فيها منْ آدابِها وما قبلَها كذلك، وليدخلْ [في] (^٥) الفريضةِ وقدِ انشرحَ صدرُه للإتيانِ بها، وأقبل قلبُهُ على فعلِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-462>يجبر نقص صلاة الفرض بصلاة النفل وكذلك الزكاة</span>\nقلتُ: قد أخرج [أحمدُ] (^٦)، وأبو داودَ (^٧)، وابنُ ماجه (^٨)، والحاكمُ (^٩) منْ حديثِ تميمٍ الدَّاري قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: \"أولُ ما يُحاسبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ صَلَاتُهُ، فإنْ كانَ أتمَّها كتبتْ لهُ تامَّة، وإنْ لَمْ يكنْ أتمَّها قالَ اللَّهُ لملائكتهِ: انظُروا هل تجدونَ لعبدي منْ تطوع فتكمِلونَ [بها] (^١٠) فريضته، ثمَّ\n_________\n(^١) في (أ): \"فسره\".\n(^٢) في (أ): \"طلوع الفجر\".\n(^٣) في (أ): \"أمّ\".\n(^٤) رقم الحديث (٩/ ٣٤١).\n(^٥) في (ب): \"إلى\".\n(^٦) في \"المسند\" (٤/ ١٠٣)، وما بين الحاصرتين زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٥٤١ رقم ٨٦٦).\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٤٥٨ رقم ١٤٢٦).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"كتاب الإيمان\" (رقم ١١٢)، وفي \"المصنف\" (١١/ ٤١ - ٤٢ رقم ١٠٤٧١)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٢٢٧)، وهو حديث صحيح.\n(^١٠) في (أ): \"به\".","vol":"3","page":7},{"text":"الزكاةُ كذلكَ، ثم تؤخذُ الأعمالُ على حسبِ ذلكَ\"، انتهى. وهوَ دليل لما قيلَ من حكمةِ شرعِيَّتها.\nوقولُهُ في حديثِ مسلمٍ (^١): \"إنَّهُ لَا يُصلِّي بعدَ طلوعِ الفجرِ إلَّا ركعتين\"، قدِ [استدلَّ] (^٢) بهِ منْ يَرَى كراهةَ النفلِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، وقد قدَّمْنَا ذلكَ.\n٣/ ٣٣٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵄: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عائِشةَ ﵂ أن النَّبِي ﷺ كانَ لا يدعُ أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتينِ قبلَ الغداةِ. رواهُ البخاري)، لا ينافي حديثَ ابن عمرَ في قولهِ: \"ركعتينِ قبلَ الظهرِ\"؛ لأنَّ هذه زيادةٌ علمتْها عائشةُ ولم يعلمْها ابنُ عمَر، ثمَّ يحتملُ أنَّ الركعتينِ اللتينِ ذكرَهما من الأربع، وأنهُ - ﷺ - كان يصلِّيْها مَثْنَى، وأنَّ ابنَ عمرَ شاهدَ اثنتينِ فقطْ، ويحتملُ [أنَّهما] (^٤) منْ غيرِها، وأنهُ - ﷺ - كان يصلِّيهما أربعًا متصلةً، ويؤيدُ هذا حديثُ أبي أيوبَ عندَ أبي داودَ (^٥)، والترمذيِّ في \"الشمائلِ\" (^٦)، وابنِ ماجَهْ (^٧)، وابنِ خزيمةَ (^٨) بلفظِ: \"أربعُ قبلَ الظهرِ ليسَ فيهنَّ تسليمٌ تفتحُ لهنَ أبوابُ السماءِ\"، وحديثُ أنسٍ: \"أربعٌ قبلَ الظهرِ كعدلِهنَّ بعدَ العشاء، [وأربعٌ بعدَ العشاءِ كعدلِهنَّ من ليلةِ القدْرِ] (^٩) \"، أخرجهُ الطبراني في \"الأوسطِ\" (^١٠)، وعلى هذا فيكونُ قبلَ الظهرِ ستٌّ ركعاتٍ، ويحتملُ أنهُ - ﷺ - يصلِّي الأربعَ تارةً ويقتصرُ علَيْها، وعنها أخبرتْ عائشةُ، وتارةً يصلِّي ركعتينِ وعَنْهمَا أخبرَ ابنُ عُمرَ.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٢) في (أ): \"يستدل\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ٥٨ رقم ١١٨٢).\n(^٤) في (أ): \"أنه\".\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٥٣ رقم ١٢٧٠).\n(^٦) (رقم ٢٨٧).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٣٦٥ رقم ١١٥٧).\n(^٨) في \"\"صحيحه\" (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ رقم ١٢١٤).\nوسنده ضعيف، ولكنه حديث صحيح لغيره.\nوكذلك صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\"، وفي \"مختصر الشمائل\" (رقم ٢٤٩).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في الأوسط رقم (٢٧٣٣) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٣٠)، وقال: فيه يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف جدًّا.","vol":"3","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-463>حرص النبيّ ﷺ على ركعتي الفجر</span>\n٤/ ٣٣٦ - وعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الفَجرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَلِمُسْلِمٍ (^٢): \"رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\".\n(وعنها) أي: [عن] (^٣) عائشةَ (قالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ على شيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أشدَّ تعاهدًا منهُ على ركعتي الفجرِ. متفقٌ عليه). تعاهدًا: أي محافظةً. وقدْ ثبتَ أنهُ [كان لا يتركُهما] (^٤) حَضَرًا ولا سَفَرًا، وقدْ حُكِيَ وجوبُهما عن الحسنِ البصري.\n(ولمسلم:) أي: عن عائشةَ مرفوعًا (ركعتا الفجرِ خيرٌ منَ الدنيا وما فيها) أي: أجرُهما خيرٌ من الدنيا، وكأنهُ أريدَ بالدنيا الأرضُ، وما فيها: أثاثُها ومتاعُها، وفيهِ [دليلٌ على] (^٥) الترغيبِ في فعلِهمَا، وأنَّهما ليستا بواجبتينِ، إذ لمْ يُذكرِ العقابُ في تركِهما، بلِ الثوابُ في فعلِهما.\n٥/ ٣٣٧ - وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ - ﵂ - قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمِهِ وَلَيلَتِهِ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيتٌ فِي الجَنةِ\" رَوَاهُ مِسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\nوَفي رِوايةٍ (^٧): \"تَطَوّعًا\". [صحيح]\n- وَلِلْتِّرْمِذِيِّ (^٨) نَحوُهُ، وزَادَ: \"أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَينِ بَعْدَهَا، ورَكْعَتَينِ\n_________\n(^١) البخاري (١١٦٩)، ومسلم (٩٤/ ٧٢٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢٥٤)، والنسائي (٣/ ٢٥٢)، والبيهقى (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٥٠١ رقم ٩٦/ ٧٢٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٥٠ - ٥١)، والترمذي (٤١٦)، والنسائي (٣/ ٢٥٢)، والبيهقي (٢/ ٤٧٠).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"ما كان يتركهما\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٥٠٢ رقم ١٠١/ ٧٢٨).\n(^٧) لمسلم في \"صحيحه\" (١٠٢/ ٧٢٨).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٢٧٤ رقم ٤١٥)، وقال: حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":9},{"text":"بَعْدَ الْمَغْرِبِ، ورَكْعَتَينِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَينِ قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ\". [صحيح]\nوَلِلْخَمْسَةِ (^١) عَنْهَا: \"مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَها حَرَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ\". [صحيح بطرقه]\n\n<span data-type='title' id=toc-464>ترجمة أم حبيبة</span>\n(وَعَنْ أمِّ حبيبةَ أمِّ المؤمنين) تقدَّمَ ذكرُ اسمِها وترجمتِها (^٢) (قالتْ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: مَنْ صَلَّى اثنتي عشرةَ ركعة في يومهِ وليلتهِ)، كأنَّ المرادَ: في كلِّ يومٍ وليلةٍ لا في يوم منَ الأيامِ، [ولا في] (^٣) ليلةٍ منَ الليالي (بُنِيَ لهُ بهنَّ بيتٌ في الجنةِ)، ويأتي تفصيلُها في روايةِ الترمذي (رواهُ مسلمٌ. وفي رواية) أي: لمسلمٍ عن أم حبيبة: (تطوّعًا) تمييزٌ للاثنتي عشرةَ زيادةٌ في البيانِ، وإلَّا فإنهُ معلومٌ.\n(وللترمذي) أي: عنْ أم حبيبةَ (نحوَهُ) أي: نحوُ حديثِ مسلمٍ، (وزادَ) تفصيلُ ما أجملَتْهُ روايةُ مسلمٍ: أربعًا قبلَ الظهرِ هي التي ذكرتْها عائشةُ في حديثِها السابقِ، (وركعتينِ بعدَها) هي التي في حديثِ ابن عمر، (وركعتينِ بعد المغربِ) هي التي قيَّدَها حديثُ ابن عمرَ بـ \"في بيته\"، (وركعتينِ بعدَ العشاءِ) هي التي قيَّدَها أيضًا بـ \"في بيتهِ\"، (وركعتينِ قبلَ صلاةِ الفجرِ) هي التي اتّفق عليها ابنُ عمرَ وعائشةُ في حديثهِمَا السابقين.\n(وللخمسةِ عَنْها:) أي: عن أمِّ حبيبةَ (من حافظَ على أربع قبلَ الظهرِ، وأربعٍ\n_________\n(^١) وهم: أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٢٦)، وأبو داود (١٢٦٩)، والترمذي (٤٢٨)، والنسائي (٣/ ٢٦٥)، وابن ماجه (١١٦٠).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣١٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٦٤)، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.\n(^٢) وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٨٨ رقم ٢٧٩٣)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ٣ - ٩ رقم ٣٣٤٤)، و\"الإصابة\" (١٢/ ٢٦٠ - ٢٦٣ رقم ٤٣٢).\n(^٣) في (ب): \"و\".","vol":"3","page":10},{"text":"بعدَها) يحتملُ أنَّها غيرُ الركعتينِ [المذكورتين] (^١) سابقًا، ويحتملُ أن المرادَ: أربعٌ [فيها] (^٢) الركعتانِ اللَّتانِ مرَّ ذكرُهُما (حرَّمَة اللَّه على النارِ) أي: منعهُ عنْ دخولِها، كما يمنعُ الشيءُ المحرمُ ممنْ حرِّمَ عليه.\n٦/ ٣٣٨ - وعَنِ ابن عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ العَصْرِ\". [صحيح]\n(رَوَاهُ أحمَد (^٣)، وأبُو داوُدَ (^٤)، والترْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ (^٥)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وصَحَّحَهُ) (^٦).\n(وعَنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسول اللَّهُ ﷺ: رحمَ اللَّه امرءًا صلَّى أَرْبَعًا قبلَ العصرِ). هذهِ الأربعُ لم تُذكَرْ فيما سلفَ منَ النوافلِ، فإذا ضُمَّتْ إلى حديثِ أمِّ حبيبةَ الذي عندَ الترمذيِّ كانتِ النوافلُ قبلَ الفرائضِ وبعدَها ستَّ عشرةَ ركعةً، (رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنهُ، وابن خزيمةَ وصحَّحه)، وأما صلاةُ ركعتينِ قبلَ العصرِ فقطْ فيشملُهما حديثُ: \"بينَ كلِّ أذانينِ صلاةٌ\" [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-465>النفل قبل صلاة المغرب ثبت بالقول والفعل والتقرير</span>\n٧/ ٣٣٩ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ\"، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: \"لِمَنْ شَاءَ\" كَرَاهِيَةَ\n_________\n(^١) في (أ): \"المذكورة\".\n(^٢) في (أ): \"منها\".\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ١١٧).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٥٣ رقم ١٢٧١).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢٩٥ رقم ٤٣٠)، وقال: حديث غريب حسن.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٦/ ٢٠٢ رقم ١١٩٣).\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٤/ ٧٧ رقم ٢٤٤٤)، وأبو يعلى في \"المسند\" (١٠/ ١٢٠ رقم ٣٣٤/ ٥٧٤٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٧٠ رقم ٨٩٣)، والبيهقي (٢/ ٤٧٣).\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٢): فيه محمد بن مهران، وفيه مقال، لكن وثّقه ابن حبان وابن عدي.\nوقال الألباني في التعليق على ابن خزيمة: إسناده حسن، وحسّنه الترمذي، وأعلّ بغير حجة … قلت: وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"3","page":11},{"text":"أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n- وَفِي رِوَايَة لابْنِ حِبَّانَ (^٢): أن النَّبِي ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكعَتَيْنِ. [إسناده صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-466>ترجمة عبد الله بن مغفَّل</span>\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ المُزَنيِّ) (^٣) بضمِ الميمِ، وفتحِ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ الفاءِ مفتوحةً، هو أبو سعيدٍ في الأشهرِ عبدُ اللَّهِ بْنُ مغفلٍ بن غنمٍ، كانَ مِنْ أصحابِ الشجرةِ، سكنَ المدينةَ، ثمَّ تحولَ إلى البصرةِ وابتَنَى بها دارًا، وكان أحدَ العشرةِ الذينَ بعثَهم عمرُ إلى البصرةِ يفقّهونَ الناسَ، وماتَ عبدُ اللَّهِ بها سنةَ ستينَ، وقيلَ: قبلَها بسنةٍ.\n(عن النبيِّ ﷺ قال: صَلّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، ثمَّ قالَ في الثالثةِ: لِمَنْ شاءَ، كَراهيةَ) أي: لكراهيةِ (أن يتَّخِذَهَا النَّاسُ شنَّةً) أي: طريقةً مألوفةً لا يتخلَّفونَ عَنْهَا، فقد يؤدي إلى فواتِ أولِ الوقتِ (رواهُ البخاريُّ).\nوهوَ دليلٌ على أنَّها تندبُ الصلاةُ قبلَ صلاةِ المغربِ، إذ هوَ المرادُ من قولهِ: \"قبلَ المغربِ\"، لا أنَّ المرادَ قبلَ الوقتِ لما علمَ منْ أنهُ منهيٌّ عن الصلاةِ فيه.\n(وفي روايةِ لابنِ حبانَ) أي: منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ المذكورِ (أن النبيَّ ﷺ صلَّى قبلَ المغربِ ركعتينِ) فثبتَ شرعيتُهما بالقولِ والفعلِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ٥٩ رقم ١١٨٣) و(١٣/ ٣٣٣٧ رقم ٧٣٦٨).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٢٦٧ رقم ١٢٨٩)، وأبو داود (١٢٨١)، والدارقطني (١/ ٢٦٥ رقم ٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٧١ رقم ٨٩٤)، والبيهقي (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٣/ ٥٩ رقم ١٥٨٦) بإسناد صحيح على شرط مسلم.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"المعارف\" (٢٩٧)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٥٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٧٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٨ رقم ٧٥)، و\"الإصابة\" (٦/ ٢٢٣ رقم ٤٩٦٣)، و\"الاستيعاب\" (٧/ ٣٨ - ٤١ رقم ١٦٦٧)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٦٥)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ٨٥ - ٨٨) و(٤/ ٥٥ - ٥٧، ٢٧٢).","vol":"3","page":12},{"text":"٨/ ٣٤٠ - وَلمُسْلِمٍ (^١) عَنْ أنسٍ قالَ: كُنّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. [صحيح]\n(وَلِمسْلِمٍ عن أنس قالَ: كنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَانَا فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا)، فتكونُ ثابتةً بالتقريرِ - أيضًا - فثبتتْ هاتانِ الركعتانِ بأقسامِ السنةِ الثلاثةِ، ولعلَّ أنَسًا لم يبلغْهُ حديثُ عبدِ اللَّهِ الذي فيهِ الأمرُ بهمَا، وبهذهِ تكونُ النوافلُ عشرينَ ركعةً [تضافُ] (^٢) إلى الفرائضِ، وهي سبعَ عشرةَ [ركعةً] (٣)، فيتمُّ لِمَنْ حافظَ على هذهِ النوافلِ في اليومِ والليلةِ سبعٌ وثلاثونَ ركعةً، [وثلاثُ ركعاتٍ الوترُ، تكونُ أربعينَ ركعةً في اليومِ والليلةِ] (^٣).\nوقال ابنُ القيمِ (^٤): إنهُ كان - ﷺ - يحافظُ في اليومِ والليلةِ على أربعينَ ركعةً: سبعَ (^٥) عشْرةَ الفرائضُ، واثنتي عَشْرةَ التي روتْ أمُّ حبيبةَ، وإحدى عشْرةَ صلاة الليل، فكانتْ أربعينَ ركعةً]، انتهَى.\nولا يَخْفَى أنهُ بلغَ عددُ ما ذكرَ هنا منَ النوافلِ غيرِ الوترِ اثنتينِ وعشرينَ إن جعلْنا الأربعَ قبلَ الظهرِ وبعدَهُ داخلةً تحتَها الاثنتانِ اللَّتانِ في حديثِ ابن عمرَ، ويزادُ ما في حديثِ أمِّ حبيبةَ التي بعدَ العشاءِ، فالجميعُ أربع وعشرونَ ركعةً من دونِ الوترِ والفرائضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-467>ما يقرأ في ركعتي الفجر</span>\n٩/ ٣٤١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إني أقُولُ: أقَرأَ بأُمِّ الكِتَابِ؟ مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٥٧٣ رقم ٣٠٢/ ٨٣٦) من حديث أنس بن مالك.\n(^٢) في (ب): \"مضافة\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"زاد المعاد\" (١/ ٣٢٧).\n(^٥) في \"المخطوط \" \"سبعة\"، والصواب ما أثبتناه، واعلم أنني لا أنبّه على ذلك لكثرته وأكتفي بالتصويب.\n(^٦) البخاري (١١٧١)، ومسلم (٩٢، ٩٣/ ٧٢٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢٥٥)، والنسائي (٢/ ١٥٦ رقم ٩٤٦)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢٧ رقم ٣٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٥٤ رقم ٨٨٢).","vol":"3","page":13},{"text":"(وعَنْ عائشةَ ﵂ قالَتْ: كانَ النبيُّ ﷺ يخفِّفُ الركعتينِ اللَّتينِ قبلَ الصبحِ) أي: نافلةَ الفجرِ (حتَّى إني أقولُ: أقَرَأ بأمِّ الكتابِ) يعني أمْ لا؟ لتخفيفهِ [قيامَهُمَا] (^١)، (متفقٌ عليهِ).\nوإلى [تخفيفهما] (^٢) ذهبَ الجمهورُ، ويأتي تعيينُ [قدر] (^٣) ما يقرأُ فيهمَا، وذهبتِ الحنفيةُ إلى تطويلِهِمَا، ونُقِلَ عَنِ النخعيِّ، وأوردَ فيهِ البيهقي (^٤) حديثًا مرسلًا عن سعيدِ بن جبيرٍ، وفيهِ راوٍ لم يسمَّ، وما ثبتَ في \"الصحيحِ\" لا يعارضُهُ مثلُ ذلكَ.\n١٠/ ٣٤٢ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيِ الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ (^٥)، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ (^٦)، رواهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن النَّبيَّ ﷺ قرأَ في ركعتي الفجرِ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ أي: في الأولى بعدَ الفاتحةِ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ أي: في الثانيةِ بعدَ الفاتحةِ (رواهُ مسلمٌ)، وفي رواية لمسلم أي: عن أبي هريرةَ (^٨): \"قرأ الآيتينِ أي - في ركعتي الفجرِ -: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ - إلى آخر الآية في البقرة (^٩) - عوضًا عنْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ - الآيةُ\n_________\n(^١) في (أ): \"قيامها\".\n(^٢) في (أ): \"تخفيفها\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) قال ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٤٧): \"وأورد البيهقي فيه حديثًا مرفوعًا من مرسل سعيد بن جبير وفي سنده راوٍ لم يسم\" اهـ.\n(^٥) سورة الكافرون: الآية ١.\n(^٦) سورة الإخلاص: الآية ١.\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٥٠٢ رقم ٩٨/ ٧٢٦).\n(^٨) هذا سبق قلم، والصواب: عن ابن عباس ﵄، وقد أخرجه مسلم عنه من طريقين:\n(الأولى منهما): (١/ ٥٠٢ رقم ٩٩/ ٧٢٧): أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يقرأُ في ركعتي الفجر، في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية التي في البقرة [١٣٦]، وفي الآخِرَةِ منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران: ٥٢].\n(والطريق الثانية): (١/ ٥٠٢ رقم ١٠٠/ ٧٢٧): \"كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آلِ عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤] وكلاهما رواهما عنه سعيد بن يسار، فتنبّه\".\n(^٩) سورة البقرة: الآية ١٣٦.","vol":"3","page":14},{"text":"في آل عمرانَ (^١) - عوضًا عن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \". وفيهِ دليلٌ على جوازِ الاقتصارِ على آيةٍ من وسطِ السورةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>الضجعة على الجنب الأيمن بعد ركعتي الفجر سنة</span>\n١١/ ٣٤٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلَّى رَكْعَتَيِ الفجرِ اضطجعَ على شقِّهِ الأيمنَ. رواهُ البخاريُّ).\nالعلماءُ في هذهِ الضَّجْعةِ بينَ مفرِطٍ ومفرِّطٍ ومتوسطٍ: فأفرطَ جماعةٌ مِنْ أهلِ الظاهرِ منهُم ابن حزم (^٣)، ومن تابعه فقالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها، وذلك لفعلهِ المذكورِ في هذا الحديثِ، ولحديثِ الأمرِ بِها في حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ: \"إذا صَلَّى أحدُكم الركعتينِ قبلَ الصبحِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلى جنبهِ الأيمنِ\"، قال الترمذيُّ (^٤): حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، وقالَ ابنْ تيميةَ: ليسَ بصحيحٍ، [لأنَّه تفردَ به] (^٥) [عبدُ الواحد بنُ زيادٍ] (^٦) وفي حفظهِ مقالٌ.\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٦٤.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ٤٣ رقم ١١٦٠).\nقلت: وأخرجه مسلم (٧٤٣)، وأبو داود (١٢٦٢)، وابن ماجه (١١٩٨)، وأحمد (٦/ ٢٥٤).\n(^٣) في \"المحلَّى بالآثار\" (٢/ ٢٢٧ رقم المسألة ٣٤١).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٢٨١ رقم ٤٢٠)، وهو حديث صحيح.\nوقال الألباني في تعليقه على \"المشكاة\" (رقم ١٢٠٦): إسناده صحيح، ومن أعلّه فما أصاب، كما بيّنته في \"التعليقات الجياد\".\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢/ ٤٧ رقم: ١٢٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٤٦٠ رقم ٨٨٧)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٤/ ٨١ رقم ٢٤٥٩)، وابن خزيمة (٢/ ١٦٧ رقم ١١٢٠)، وغيرهم.\n(^٥) في (أ): \"لأن فيه\".\n(^٦) في المخطوط (أ) و(ب): \"عبد الرحمن بن زياد\"، والصواب ما أثبتناه. انظر المراجع المتقدمة، وكذلك \"الميزان\" للذهبي (٢/ ٦٧٢ رقم ٥٢٨٧).","vol":"3","page":15},{"text":"قالَ المصنفُ (^١): والحقُّ أنهُ تقومُ بهِ الحجةُ إلا أنهُ صرفَ الأمرَ عن الوجوبِ ما وردَ منْ عدمِ مداومتِهِ - ﷺ - على فعلِها.\nوفرَّطَ جماعةٌ فقالُوا بكراهتِها، واحتجُّوا بأنَّ ابنَ عمرَ كانَ لا يفعلُ ذلكَ، ويقولُ: \"كفى بالتسليمِ\" أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^٢)، وبأنهُ كانَ يحصبُ مَنْ يفعلُها. وقالَ ابنُ مسعودِ: \"ما بالُ الرجلِ إذا صلَّى الركعتينِ تمعَّكَ كما يتمعَّكُ الحمارُ\".\nوتوسطَ [فيها] (^٣) طائفةٌ منهمْ مالكٌ وغيرُه، فلمْ يَرَوْا بها بأسًا لمن فعلَها راحةً، [وكرهوها] (^٤) لمنْ فعلَها استنانًا. ومنهمْ مَنْ قال باستحبَابِها على الإطلاق سواءٌ فعلَها استراحةً أم لا. قيلَ: وقدْ شرعتْ لمنْ يتهجدُ منَ الليلِ؛ لما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^٥) عن عائشةَ كانتْ تقولُ: \"إنَّ النبي ﷺ لمْ يضطجعْ لسنةٍ لكنهُ كانَ يدأبُ ليلهُ فيضطجعُ ليستريحَ منهُ\". وفيهِ راوٍ لمْ يُسَمَّ. وقالَ النوويُّ (^٦): المختارُ أنَّها سنةٌ؛ لظاهرِ حديث أبي هريرةَ.\nقلتُ: وهوَ الأقربُ، وحديثُ عائشةَ لو صحَّ فغايتُهُ أنهُ إخبارٌ عن فهمِهَا، وعدمُ استمرارِهِ - ﷺ - عليها دليلُ سُنِّيَتِها، ثمَّ إنهُ يسنُّ على الشقِّ الأيمنِ. قالَ ابنُ حزمٍ: فإنْ تعذَّرَ على الأيمنِ، فإنهُ يومئُ ولا يضطجعُ على الأيسرِ.\n١٢/ ٣٤٤ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الرَّكْعَتَينِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأيمَنِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٨)، والترْمِذِي وَصَحَّحَهُ (^٩). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إذا صلَّى أحدُكم الركعتينِ قبلَ\n_________\n(^١) في \"الفتح\" (٣/ ٤٤).\n(^٢) في \"المصنف\" (٣/ ٤٢ رقم ٤٧٢٠).\n(^٣) زيادة من (ب)\n(^٤) في (أ): \"كرهوا\".\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٤٣ رقم ٤٧٢٢).\n(^٦) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٦).\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ٤١٥).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٤٧ رقم ١٢٦١).\n(^٩) في \"السنن\" (٢/ ٢٨١ رقم ٤٢٠).\nوهو حديث صحيح، تقدم الكلام عليه أثناء شرح الحديث (رقم ١١/ ٣٤٣).","vol":"3","page":16},{"text":"صلاةِ الصبحِ فليضطجعْ على جنبهِ الأيمنِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وصحَّحه). تقدَّمَ الكلامُ وأنهُ ﷺ [كان] (^١) يفعلُها، وهذهِ روايةٌ في الأمرِ بها، وتقدمَ أنهُ صرفهُ عن الإيجابِ ما عرفتَ، وعرفتَ كلامَ [العلماء] (^٢) فيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-469>نافلة الليل مثنى مثنى</span>\n١٣/ ٣٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"صلاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوترُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n- وَللْخَمْسَةِ (^٤) - وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٥) - بِلَفْظِ: \"صَلاةُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ مَثْنى مَثْنى\"، وَقَالَ النسَائيُّ (^٦): هَذَا خَطَأ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: صَلاة الليلِ مثنى مثنى، فإذا خَشِيَ أحدُكم الصبحَ صلَّى ركعةً واحدةً توترُ لهُ ما قدْ صلَّى. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ نافلةِ الليلِ مثْنى مَثْنى، فيسلِّمُ على كلِّ ركعتينِ. وإليهِ ذهبَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"الناس\".\n(^٣) البخاري (٩٩٠)، ومسلم (١٤٥/ ٧٤٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٣٢٦)، الترمذي (٤٣٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، وابن ماجه (١٣٢٠)، وأحمد (٢/ ٥)، ومالك (١/ ١٢٣ رقم ١٣) وغيرهم.\n(^٤) وهم: أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٦، ٥١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (٣/ ٢٢٧ رقم ١٦٦٦)، وقال: هذا الحديث عندي خطأ، وابن ماجه (١٣٢٢).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٤١٧)، والبيهقي (٢/ ٤٨٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢١٤ رقم ١٢١٠)، والدارمي (١/ ٣٤٠)، والطيالسي (١/ ١١٧ رقم ٥٤٢ \"منحة المعبود\")، وصحَّحه البخاري والألباني، وهو كما قالا.\nوللمزيد من الكلام على هذا الحديث انظر: \"التلخيص\" (٢/ ٢٢)، و\"الدراية\" (١/ ٢٠٠)، و\"التمهيد\" (١٣/ ١٨٥ - ١٨٦)، و\"نصب الراية\" (٢/ ١٤٣ - ١٤٥)، وقد ضعَّف أحمد وغيره زيادة \"والنهار\"، وأيّده ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٢١/ ٢٨٩).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٤/ ٨٦ رقم ٢٤٧٤)، وإسناده جيد، إلّا أن الثقات من أصحاب ابن عمر لم يذكروا فيه: \"صلاة النهار\".\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٢٢٧).","vol":"3","page":17},{"text":"جماهيرُ العلماءِ، وقالَ مالكٌ: لا تجوزُ الزيادةُ على اثنتينِ؛ لأنَّ مفهومَ الحديثِ الحصرُ لأنهُ في قوةِ: ما صلاةُ الليلِ إلَّا مثْنى مثْنى [فيسلم] (^١)؛ لأنَّ تعريفَ المبتدأ قدْ يفيدُ ذلكَ على الأغلبِ، وأجابَ الجمهورُ بأنَّ الحديثَ وقعَ جوابًا لمنْ سألَ عن صلاةِ الليلِ، فلا دلالةَ فيهِ على الحصرِ، وبأنهُ لو سلمَ فقدْ عارضَهُ فعلُهُ ﷺ وهوَ ثبوتُ إيتارهِ بخمسٍ، كما في حديثِ عائشة عندَ الشيخينِ (^٢)، والفعلُ قرينةٌ على عدمِ إرادةِ الحصرِ، وقولُهُ: \"فإذا خشي أحدُكم الصبحَ أوترَ بركعةٍ\" دليل على أنهُ لا يوترُ بركعةٍ واحدةٍ إلّا لخشيةِ طلوعِ الفجرِ، وإلَّا أوترَ بخمسٍ أو سبع أو نحوِها، لا بثلاثٍ للنهي عن الثلاث، فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (^٣)، والحاكمُ (^٤)، وابنُ حبانَ (^٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"أوتِرُوا بخمسٍ، أو [بسبعٍ] (^٦)، أو بتسعٍ (^٧)، أو إحدى عشرةَ\"، زادَ الحاكمُ: \"ولا توتِرُوا بثلاثٍ لا تشبَّهُوا بصلاةِ المغرب\". قالَ المصنفُ (^٨): ورجالهُ كلُّهم ثقاتُ، ولا يضرهُ وقفُ مَنْ وقفَهُ، [إلا أنَّهُ] (^٩) قد عارضَهُ حديثُ أبي أيوبَ: \"مَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بثلاثٍ فليفعلْ\"، أخرجهُ أبو داود (^١٠)، والنسائيُّ (^١١)، وابنُ ماجَهْ (^١٢)، وغيرُهم. وقدْ جُمِعَ بَينَهما بأنَّ النهيَ عن الثلاثِ إذا كانَ يقعدُ للتشهدِ الأوسط؛\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢٣/ ٢٣٧)، وأحمد (٦/ ٢٣٠)، والدارمي (١/ ٣٧١)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنسائي (٣/ ٢٤٠)، والبيهقي (٣/ ٢٧) من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها ﵂، قالت: \"كان رسول الله ﷺ يصلّي من الليلِ ثلاثَ عَشْرَةَ ركعةً، يُوترُ من ذلكَ بخمسٍ، لا يجلسُ في شيءٍ إلا في آخِرِهَا\".\nوأخرجه مالك (١/ ١٢١ رقم ١٠)، والبخاري (١١٧٠) من طريقه عن هشام بدون زيادة: \"ويوتر من ذلك بخمسٍ\"، بل قال: عنها، قالت: \"كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلّي بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلّي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٤ رقم ١).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٤).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٤/ ٦٨ رقم ٢٤٢٠).\n(^٦) في (أ): \"سبع\".\n(^٧) في (أ): \"تسع\".\n(^٨) في \"التلخيص\" (٢/ ١٤ رقم ٥١١).\n(^٩) في (أ): \"و\".\n(^١٠) في \"السنن\" (٢/ ١٣٢ رقم ١٣٢٢).\n(^١١) في \"السنن\" (٣/ ٢٣٨).\n(^١٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٦ رقم ١١٩٠).\nوهو حديث صحيح، سيأتي تخريجه في الحديث (رقم ١٥/ ٣٤٧).","vol":"3","page":18},{"text":"لأنَّهُ يشبهُ المغربَ، وأمَّا إذا لم يقعدْ إلَّا في آخرِها فلا يشبهُ المغربَ، وهوَ جمعٌ حسنٌ (^١)، وقد أيَّدهُ حديثُ عائشةَ عندَ أحمدَ (^٢)، والنسائي (^٣)، والبيهقي (^٤)، والحاكم (^٥): \"كان - ﷺ - يوترُ بثلاثٍ لا يجلس إلَّا في آخرهن\"، ولفظُ أحمدَ: \"كانَ يوترُ بثلاثٍ لا يفصلُ بينَهنَّ\"، ولفظُ الحاكِم: \"لا يقعدُ\" [هذا] (^٦). وأمّا مفهومُ أنهُ لا يوترُ بواحدةٍ إلَّا لخشيةِ طلوعِ الفجرِ، فإنهُ يعارضُهُ حديثُ أبي أيوبَ هذا فإنَّ فيهِ: \"ومَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بواحدةٍ فليفعلْ\"، وهوَ أقوى منْ مفهوم حديثِ الكتابِ، وفي حديثِ أبي أيوبَ دليلٌ على صحةِ الإحرامِ بركعةٍ واحدةٍ، وسَيأتي قريبًا.\n(وللخمسةِ) أي: منْ حديثِ أبي هريرةَ (^٧) (وصحَّحهُ ابنُ حبانَ بلفظِ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مَثْنى مَثْنى، وقالَ النسائيُّ: هذَا خطأٌ)، أخرجَهُ المذكورُونَ من حديثِ عليِّ بن عبدِ اللَّهِ البارقي الأزْدي عن ابن عمرَ بهذَا، وأصلُهُ في \"الصحيحينِ\" بدونِ ذكرِ النهارِ. وقالَ ابنُ عبد البرِّ (^٨): لم يقلْهُ أحدٌ عن ابن عمرَ غيرُ عليٍّ وأنكروهُ عليهِ، وكانَ ابنُ معينٍ يضعفُ حديثَهُ هذَا ولا يحتجُّ بهِ، ويقولُ: إنَّ نافعًا وعبدَ اللَّهِ بنَ دينارٍ وجماعةً رَوَوْهُ عن ابن عمرَ بدونِ ذكرِ النهارِ، ورَوَى بسندهِ عن يحيى بن معينٍ أنهُ قالَ: صلاةُ الليلِ والنهارِ مثنى مثنى، قالَ: بأي حديثٍ؟ فقيل: بحديثِ الأزدي. قالَ: ومَن الأزدي حتَّى أقبلَ منهُ، قالَ النَّسَائِيُّ: هذا الحديثُ عندي خطأٌ، وكذا قالَ الحاكمُ في \"علومِ الحديثِ\" (^٩)، وقالَ الدارقطنيُّ في\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧١).\n(^٢) في \"المسند\" (٦/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥ رقم ١٦٩٨).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨).\n(^٥) في \"المستدرك (١/ ٣٠٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: بل هو معلول.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، وانظر: \"إرواء الغليل\" (٢/ ١٥٠ - ١٥٢ رقم ٤٢١).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) هذا سبق قلم. والصواب: من حديث ابن عمر، وهذا ما ذكره الصنعاني ﵀ بعد سطرين.\n(^٨) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢).\n(^٩) (ص ٥٨).","vol":"3","page":19},{"text":"\"العللِ\" (^١): ذكرُ النهارِ فيه وهمٌ، وقالَ الخطابيُّ (^٢): رَوَى هذا الحديثَ طاوسُ ونافعٌ وغيرُهما عن ابن عمرَ، فلمْ يذكرْ أحدٌ فيهِ النهارَ إلَّا أن سبيلَ الزيادةِ منَ الثقةِ أنْ تقبلَ، وقالَ البيهقي: هذا حديثٌ صحيحٌ، قالَ: والبارقي احتجَّ بهِ مسلمٌ، والزيادةُ منَ الثقةِ مقبولَةٌ، انتهَى كلامُ المصنفِ في التلخيصِ (^٣). فانظرْ إلى كلامِ الأئمةِ في هذهِ الزيادةِ فقدِ اختلفُوا فيها اختلافًا شديدًا، ولعلَّ الأمْرَيْنِ جائزانِ. وقالَ أبو حنيفةَ: يخيّرُ في النهارِ بينَ أنْ يصلِّيَ ركعتينِ ركعتينِ، أوْ أربعًا أربعًا ولا يزيدُ على ذلكَ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ ثمانيةَ أحاديثَ في \"صلاةِ النهارِ ركعتينِ\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-470>فضل صلاة الليل</span>\n١٤/ ٣٤٦ - وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيلِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢).\n(^٢) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٥ - مع سنن أبي داود).\n(^٣) (٢/ ٢٢).\n(^٤) ستة منها موصولة، واثنان معلقان:\n(أولها): حديث جابر في صلاة الاستخارة (٣/ ٤٨ رقم ١١٦٢)، وطرفاه رقم (٦٣٨٢ و٧٣٩٠).\n(وثانيها): حديث أبي قتادة في تحية المسجد (٣/ ٤٨ رقم ١١٦٣).\n(وثالثها): حديث أنس في صلاة النبيّ ﷺ في بيت أم سليم (٣/ ٤٨ رقم ١١٦٤)، وأطرافه رقم (٧٢٧ و٨٦٠ و٨٧١ و٨٧٤).\n(ورابعها): حديث ابن عمر في \"رواتب الفرائض\" (٣/ ٤٨ رقم ١١٦٥).\n(وخامسها): حديث جابر في صلاة التحية والإمام يخطب (٣/ ٤٩ رقم ١١٦٦).\n(وسادسها): حديث ابن عمر عن بلال في صلاة النبيّ ﷺ في الكعبة (٣/ ٤٩ رقم ١١٦٧).\n(وسابعها): قوله: وقال أبو هريرة: أوصاني النبيّ ﷺ بركعتي الضحى (٣/ ٤٩).\n(وثامنها): قوله: وقال عتبان بن مالك: \"غدا عليَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأبو بكر ﵁ بعد ما امتدَّ النهارُ وصَفَفْنَا وراءَه، فركع ركعتين\" (٣/ ٤٩).\n(^٥) في صحيحه (٢/ ٨٢١ رقم ٢٠٢/ ١١٦٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٤٣٨) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١٦١٣)، وأبو داود (٢٤٢٩)، وأحمد في (المسند) (٢/ ٣٤٤)، والحاكم في \"المستدرك (١/ ٣٠٧)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.=","vol":"3","page":20},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَفْضَل الصلاةِ بعد الفريضةِ) فإنَّها أفضلُ الصلاةِ (صلاةُ الليل. أخرجه مسلمٌ)، يحتملُ أنهُ أُريد بالليلِ جوفُهُ لحديثِ أبي هريرةَ عندَ الجماعةِ إلّا البخاريَّ (^١)، قالَ: \"سُئلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ بعدَ المكتوبةِ؟ قالَ: الصلاةُ في جوفِ الليلِ\"، وفي حديثِ عمرو بن عَبْسَةَ عندَ الترمذي وصحَّحهُ (^٢): \"أقربُ ما يكونُ الربُّ منَ العبدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ ممنْ يذكرُ اللَّهَ في تلكَ الساعةِ فكنْ\"، وفي حديثِهِ أيضًا عندَ أبي داودَ (^٣): \"قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الليلِ أسمعُ؟ قالَ: جوفُ الليلِ الاخِرُ فصلِّ ما شئتَ، فإنَّ الصلاةَ فيهِ مشهودةٌ مكتوبةٌ\"، والمرادُ من جوفهِ الآخِرِ هوَ الثلثُ [الآخِرُ] (^٤) كما وردتْ بهِ الأحاديثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-471>حجة من قال بوجوب الوتر</span>\n١٥/ ٣٤٧ - وَعَنْ أبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ\"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا التّرْمِذِيَّ (^٥)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦)، وَرَجَّحَ النَّسَائِي وَقْفَهُ. [صحيح]\n_________\n=وابن المبارك في \"الزهد\" (ص ٤٢٧ رقم ١٢١٤)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٠١).\n(^١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٠٣/ ١١٦٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٣ و٣٢٩)، والبيهقي (٣/ ٤)، وابن خزيمة (٢/ ١٧٦ رقم ١١٣٤).\n[وانظر تخريج الحديث رقم (١٤/ ٣٤٦)].\n(^٢) في \"السنن\" (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠ رقم ٣٥٧٩)، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصحّحه الألباني في \"صحيح الترمذي\" رقم (٢٨٣٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٥٦ - ٥٧ رقم ١٢٧٧).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٥٧٢)، وأخرجه مسلم مطولًا في \"صحيحه\" (٢٩٤/ ٨٣٢).\n(^٤) في (أ): \"الأخير\".\n(^٥) وهم: أبو داود (١٤٢٢)، والنسائي (٣/ ٢٣٨)، وابن ماجه (١١٩٠).\n(^٦) في \"الإحسان\" (٤/ ٦٣ رقم ٢٤٠٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٤١٨)، والدارمي (١/ ٣٧١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٩١)، والدارقطني (٢/ ٢٢ - ٢٣ رقم ١، ٤، ٧)، والحاكم في \"المستدرك\"=","vol":"3","page":21},{"text":"(وعن أبي أيوبَ الأنصاريِّ - ﵁ - أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الوترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ) هوَ دليلٌ لمنْ قالَ بوجوبِ الوترِ (مَنْ أحبَّ أنْ يوترَ بخمسٍ فليفعلْ، ومنْ أحبَّ أن يوترَ بثلاثٍ فليفعلْ)، قد قدَّمْنا الجمعَ بينَه وبَينِ ما عارضَه، (ومَنْ أَحبَّ أنْ يوترَ بواحدةٍ) مِنْ دونِ أن يضيفَ إليها غيرَها، كما هو الظاهرُ (فليفعلْ. رواهُ الأربعة إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحه ابن حبانَ ورجَّحَ النسائيُّ وقْفَه)، وكذا صحَّحَ أبو حاتمٍ، والذهلي، والدارقطنيُّ في العللِ، والبيهقيُّ وغيرُ واحدةٍ وقْفَهُ، قالَ المصنفُ (^١): وهوَ الصوابُ.\nقلت: ولهُ حكمُ الرفعِ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ أي في المقادير. والحديثُ دليلٌ على إيجابِ الوترِ، ويدلُّ له أيضًا حديثُ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (^٢): \"مَنْ لمْ يوترْ فليسَ منَّا\"، وإلى وجوبهِ ذهبتِ الحنفيةُ.\n_________\n= (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، والبيهقي (٣/ ٢٣).\nكلهم من رواية الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب، إلَّا أنهم اختلفوا عن الزهري فرفعه أكثرهم ووقفه أقلّهم، قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٣): \"وصحَّح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في \"العلل\" والبيهقي وقفه، وهو الصواب\".\nقلت: وليس كذلك، ولا يمكن أن يكون هو الصواب؛ لأن الواقع ينادي بصحة رفعه بلا تردد …\nوقد صحَّح الألباني الحديث في صحيح أبي داود.\n(^١) في \"التلخيص\" (٢/ ١٣).\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٤٤٣)، وفيه \"خليل بن مرة\" وهو منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن قرة وأبي هريرة كما قال أحمد. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢١)، و\"نصب الراية\" (٢/ ١١٣).\nوأخرج أحمد (٥/ ٣٥٧)، وأبو داود (١٤١٩)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، والبيهقي (٢/ ٤٧٠): عن أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا بلفظ: \"الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منّا، قالها ثلاثًا\".\nقال الحاكم: \"حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي ثقة يجمع حديثه\"، وتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت: قال البخاري: عنده مناكير\"، وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\nوقد تكلَّم عليه المحدِّث الألباني في \"الإرواء\" (رقم ٤١٧)، وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ١١٢)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٠ - ٢١).","vol":"3","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-472>حجة من قال بعدم وجوب الوتر</span>\nوذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ بواجبٍ، مستدلينَ بحديثِ عليٍّ - ﵁ -: \"الوترُ ليسَ بحتم كهيئةِ المكتوبةِ، ولكنهُ سنة سنَّها رسولُ الله ﷺ\". ويأتي (^١)، ولفظُهُ عندَ ابن ماجَةْ (^٢): \"إنَّ الوترَ ليسَ بحتمٍ ولا كصلاتكُم المكتوبةِ، ولكنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أوترَ وقالَ: يا أهلَ القرآنِ، أوتِرُوا فإنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يحبُّ الوتر\".\nوذكرَ المجدُ بنُ تيميةَ (^٣): أن ابنَ المنذرِ رَوَى حديثَ أبي أيوبَ بلفظِ: \"الوترُ حقٌّ وليسَ بواجبٍ\"، وبحديثِ: \"ثلاثٌ هنَّ عليَّ فرائِضُ ولكُم تطوعٌ\" (^٤)، وعدَّ فرائضٌ منها الوترُ، وإنْ كانَ ضعيفًا فلهُ متابعاتٌ يتأيّدُ بها، على أن حديثَ أبي أيوبَ الذي استدلّ بهِ على الإيجاب قد عرفتَ أن الأصحَّ وقْفُه عليه [إلّا أنهُ] (^٥) سبقَ أن لهُ حكمَ المرفوع [ولكنه] (^٦) لا يقاومُ الأدلةَ الدالةَ على عدمِ الإيجاب، والإيجابُ قد أطلق على المسنونِ تأكيدًا، كما سلفَ في غسلِ الجمعةِ.\nوقولُه: (بخمس أو بثلاث) أي: ولا يقعد إلّا في آخرها، ويأتي حديث عائشة في الخمس، وقوله: (بواحدةٍ) ظاهرهُ مقتصرًا عليها. وقد رُوِيَ فعلُ ذلكَ عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، فأخرجَ محمدُ بنُ نصرٍ وغيرُهُ بإسنادٍ صحيحٍ عن السائبِ بن يزيدَ: \"أن عمرَ قرأ القرآنَ ليلةً في ركعةٍ لم يصلِّ غيرَها\" (^٧)، ورَوَى البخاريُّ (^٨): \"أن معاويةَ أوترَ بركعةٍ، وأنَّ ابنَ عباسٍ استصْوَبَهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-473>الوتر ليس بواجب</span>\n١٦/ ٣٤٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: لَيْسَ الوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ\n_________\n(^١) رقم الحديث (١٦/ ٣٤٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٧٠ رقم ١١٦٩).\n(^٣) في \"المنتقى\" (٣/ ٢٩ رقم ٤ - مع النَّيْل).\n(^٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٢٣١)، والبيهقي (٢/ ٤٦٨) و(٩/ ٢٩٤)، والدارقطني (٢/ ٢١ رقم ١)، والحاكم (١/ ٣٠٠)، وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: هو غريب منكر.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٨).\n(^٥) في (ب): \"وإنْ\".\n(^٦) في (ب): \"فهو\".\n(^٧) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤٨٢)، ولكن قال: \"عثمان\" بدل \"عمر\".\n(^٨) في \"صحيحه\" (٧/ ١٠٣ رقم ٣٧٦٤ و٣٧٦٥).","vol":"3","page":23},{"text":"المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ (^١)، والنَّسَائِيّ (^٢)، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَ (^٣). [صحيح بشواهده]\n(وعَنْ عَلِيٍّ بن أبي طالبٍ - ﵁ - قالَ: ليسَ الوترُ بحتمٍ كهيئةِ المكتوبةِ، و[لكنْ] (^٤) سُنَّةٌ سنَّهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنَهُ، والنسائي، والحاكمُ وصحَّحهُ). تقدَّمَ أنه منْ أدلةِ الجمهورِ على عدمِ الوجوبِ. وفي حديثِ علي هذا عاصمُ بنُ ضمرةَ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ، وذكرُه القاضي الخيمي في حواشيهِ على بلوغِ المرامِ، ولم أجدْه في التلخيصِ (^٥) بل ذُكِرَ هنا أنهُ صحَّحهُ الحاكمُ ولم يتعقبْهُ فما أدري مِنْ أينَ نقلَ القاضي، ثمَّ رأيتُ في التقريبِ (^٦) ما لفظُه: عاصمُ بنُ ضمرَة السلولي الكوفي صدوقٌ منَ الثالثةِ ماتَ سنةَ أربعٍ وسبعينَ. انتهى. وفي التلخيص: رواه النَّسَائِي والترمذي من طريق عاصم بن ضمرة، وصحَّحه الحاكم. انتهى] (^٧).\n١٧/ ٣٤٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ في شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوهُ مِنَ القَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: \"إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ الوِتْرُ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [حسن]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٣١٦ رقم ٤٥٣) وقال: حديث حسن.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٤١٦)، وابن ماجه (١١٦٩)، وابن خزيمة (٢/ ١٣٦ رقم ١٠٦٧)، وأحمد (٤/ ٢٧٣ رقم ١٠٤٥ - الفتح الرباني).\nقال الألباني في تعليقه على ابن خزيمة: \"إسناده ضعيف لاختلاط أبي إسحاق - وهو السبيعي - وعنعنته، وفي ابن ضمرة كلام يسير، لكن الحديث حسن بل صحيح له ما يشهد له … \" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"لكنه\".\n(^٥) بل هو موجود فيه، فانظره (٢/ ١٤ رقم ٥٠٩).\n(^٦) (١/ ٣٨٤ رقم ١٣).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٤/ ٦٤ رقم ٢٤٠٦)، وإسناده ضعيف.\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (١/ ٣١٧ رقم ٥٢٥ - الروض الداني)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ٣٣٦ رقم ٣٥/ ١٨٠٢).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٧٢ - ١٧٣) وقال: \"رواه أبو يعلى والطبراني في الصغير، وفيه: عيسى بن جارية وثّقه ابن حبان وغيره، وضعَّفه ابن معين\" اهـ.","vol":"3","page":24},{"text":"(وَعَنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵄ - أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قامَ في شهرِ رمضانَ، ثمَّ انتظرُوهُ منَ [الليلة] (^١) القابلة فلم يخرجْ وقالَ: إنِّي خشيت أن يكتبَ عليكمُ الوترُ. رواهُ ابن حبانُ) أبعدَ المصنفُ النجعةَ. والحديثُ في البخاري (^٢) إلَّا أنهُ بلفظ: \"أنْ تفرضَ عليكمْ صلاةُ الليل، وأخرجهُ أبو داودَ (^٣) من حديثِ عائشةَ ولفظُه: \"أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في المسجدِ فصلَّى بصلاتهِ ناسٌ، ثمَّ صلَّى من القابلةِ فكثرَ الناسُ، ثمَّ اجتمعُوا [في] (^٤) الليلةِ الثالثةِ فلم يخرجْ إليهمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ، فلمَّا أصبحَ قالَ: قدْ رأيتُ الذي صنعتُم، ولم يمنعْني منَ الخروجِ إليكمْ إلا أني خشيتُ أنْ تفرضَ عليكم\"، هذا والحديثُ في البخاري (^٥) بقريبٍ من هذا.\nواعْلَمْ أنهُ قدْ أشكلَ التعليلُ لعدمِ الخروجِ بخشيةِ الفرضيةِ عليهمْ معَ ثبوتِ [حديثِ] (^٦): \" [هي] (^٧) خمسٌ وهنَّ خمسونَ، لا يُبَدَّلُ القولُ لديَّ\" (^٨). فإذا أمنَ التبديلُ كيفَ يقعُ الخوفُ من الزيادةِ. وقدْ نقلَ المصنفُ عنهُ أجوبة كثيرةً وزيَّفَها، وأجابَ بثلاثةِ أجوبةٍ قالَ إنهُ فتحَ الباري عليهِ بها، وذكرَها واستجودَ منها أن خوفَهُ - ﷺ - كانَ مِنَ افتراضِ قيامِ الليلِ، يعني جعلَ التهجُّدِ في المسجدِ جماعةً شرطًا في صحةِ التنفُّلِ بالليلِ، قالَ: ويومئُ إليهِ قولُهُ في حديثِ زيدِ بن ثابتٍ (^٩): \"حتَّى خَشِيتُ أنْ يُكْتَبَ عليكمْ، ولو كتبَ عليكمْ ما قمتمْ بهِ، فصلُّوا أيَّها الناسُ في بيوتِكُم\"، فمنعَهم منَ التجمعِ في المسجدِ إشفاقا عليهمْ منِ اشتراطهِ. انتهى.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (رقم ٦٩٦ - البغا) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٠٤ رقم ١٣٧٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في (أ): \"من\".\n(^٥) (رقم ٨٨٢ - البغا)، ومسلم (٧٦١) من حديث عائشة ﵂.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ): \"هن\".\n(^٨) حديث المراجعة لتخفيف الصلاة، أخرجه البخاري (١٣/ ٤٧٨ - ٤٧٩ رقم ٧٥١٧) بهامش الفتح، روايته عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة.\nوأخرجه مسلم (٢٦٣/ ١٦٣) عن أنس بن مالك عن أبي ذر.\n(^٩) أخرجه البخاري (١٣/ ٢٤ رقم ٧٢٩٠)، ومسلم (٧٨١)، وأبو داود (١٤٤٧)، والنسائي (٣/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم ١٥٩٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٢٩ رقم ٩٩٤)، وأحمد (٥/ ١٣ رقم ١١١٣ - الفتح الرباني).","vol":"3","page":25},{"text":"قلتُ: ولا يخفَى أنهُ لا يطابقُ قولَهُ: \"أنْ تفرضَ عليكمْ صلاةُ الليلِ\" كما في البخاري (^١)، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ خشيةَ فرضِها مطلقًا، وكانَ ذلكَ في رمضانَ فدلَّ على أنهُ صلَّى بهم ليلتينِ. وحديثُ الكتابِ أنهُ صلَّى بهمْ ليلةً واحدةً في روايةِ أحمدَ (^٢): \"إنهُ - ﷺ - صلَّى بهمْ ثلاثَ ليالٍ وغصَّ المسجدُ بأهلهِ في الليلةِ الرابعةِ\"، وفي قولهِ: \"خشيتُ أنْ يكتبَ عليكمُ [الوترّ] \" (^٣)، دلالةٌ على أن الوترَ غيرُ واجبٍ.\nواعلم أن مَنْ أثبتَ صلاةَ التراويحِ وجعلها سنةً في قيامٍ رمضانَ استدلَّ بهذا الحديثِ على ذلكَ، وليسَ فيه دليلٌ على كيفيةِ ما يفعلونهُ ولا كميّتهِ، فإنَّهم يصلونَها جماعةً عشرين [ركعةً] (^٤) يتروَّحونَ بينَ كلِّ ركعتينِ. فأمّا الجماعةُ فإنّ النبي - ﷺ - صلّى بهم جماعة، ثم ترك خشية أن يفرض عليهم، ثم إن أولُ مَنْ جَمَعَهُمْ على إمام عمر (^٥)، وقال: \"إنها بدعةٌ\" كما أخرجهُ مسلمٌ (^٦) في صحيحهِ، وأخرجهُ (^٧) غيرُهُ من حديثِ أبي هريرةَ: \"أنه - ﷺ - كانَ يرغِّبهُم في قيامِ رمضانَ من غيرِ أنْ يأمُرَهُمْ فيهِ بعزيمةٍ فيقول: \"مَنْ قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنْبِهِ\"، قال: وتُوُفِّيَ رسول اللَّهِ ﷺ والأمرُ على ذلكَ، وفي خلافةِ أبي بكرٍ\n_________\n(^١) (رقم ٦٩٦ - البغا) من حديث عائشة.\n(^٢) (٥/ ٦ - ٧ رقم: ١١٠٨ - الفتح الرباني) من حديث عائشة.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) قلت: بل صلاتها جماعة مشروعة بنص حديث رسول الله ﷺ الذي أخرجه البخاري (٢٠١٢)، ومسلم (١٧٨):\nعن عائشة ﵂ أخبرت أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ ليلةً من جوفِ الليلِ فصلّى في المسجد وصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدّثوا فاجتمع أكثرُ منهم، فصلَّى فصلُّوا معَهُ، فأصبحَ الناسُ فتحدَّثُوا فكثرَ أهلُ المسجد من الليلة الثالثةِ، فخرجَ رسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى بصلاتهِ، فلما كانت الليلةُ الرابعةُ عجزَ المسجدُ عن أهلهِ حتى خرج لصلاةِ الصبح، فلما قضى الفجر أقبلَ على الناسِ فتشهدَ ثم قال: \"أما بعدُ فإنهُ لم يَخْفَ عليَّ مكانكم، ولكني خشيتُ أن تفرضَ عليكم فتعجزوا عنها، فتوفّي رسولُ اللهِ - ﷺ - والأمرُ على ذلك\".\n(^٦) قلت: بل أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤/ ٢٥٠ رقم ٢٠١٠) عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ، وكذلك أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١١٤ رقم ٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١١٨ رقم ٩٩٠).\n(^٧) البخاري (٢٠٠٩)، ومسلم (١٧٤/ ٧٥٩)، ومالك (١/ ١١٣ رقم ٢)، وأبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٨٠٨) وغيرهم.","vol":"3","page":26},{"text":"[وصدرًا] (^١) من خلافةِ عمرَ\"، زادَ في روايةٍ عندَ البيهقي (^٢): \"قال عروةُ: فأخبرني عبدُ الرحمنِ القاري أن عمرَ بنَ الخطابِ خرجَ ليلةً فطاف في رمضان في المسجدِ وأهلُ المسجدِ أوزاعٌ متفرقونَ يصلِّي الرجلُ لنفسهِ ويصلِّي الرجلُ فيصلِّي بصلاتهِ الرهطُ، فقالَ عمر: واللَّهِ لأظنُّ لو جَمَعْنَاهُمْ على قارئٍ واحد [لكان أمثلَ، فعزمَ عمرُ على أنْ يجمعهُمْ على قارئٍ واحدٍ] (^٣)، فأمرَ أبيَّ بن كعب أنْ يقومَ بهم في رمضانَ فخرجَ عمرُ والناسُ يصلّونَ بصلاتهِ، فقال عمرُ: \"نِعْمَ البدعةُ هذهِ\". وساقَ البيهقيُّ في السننِ (^٤) عدة رواياتٍ في هذا المعنَى. إذا عرفتَ هذا عرفت أن عمرَ هو الذي جعلها جماعة وسمّاها بدعةً. وأمّا قولُه: \"ونِعْمَ البِدعةُ\"، فليسَ في البدعة ما يمدحُ بل كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ (^٥).\nواعلمْ أنهُ يتعينُ حملُ قولهِ: \"بدعةٌ\" على جمعهِ لهم على معيَّنٍ وإلزامِهم بذلكَ (^٦)، لا أنهُ أرادَ أن الجماعةَ بدعةٌ، فإنه - ﷺ - قد جمَعَ بهم كما عرفتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-474>عدد ركعات القيام في رمضان</span>\nوأمَّا الكميَّةُ - وهي جعلُها عشرينَ ركعةً - فليسَ فيهِ حديث مرفوعُ إلَّا ما رَوَاهُ عبدُ بنُ حميدٍ (^٧)، والطبرانيُّ (^٨) منْ طريقِ أبي شيبةَ إبراهيمَ بن عثمانَ، عن\n_________\n(^١) في (أ): \"صدر\"، والصواب ما في (ب).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٩٣).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).\n(^٥) ويقول ابن تيمية في كتابه \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٢٧٦): \" … أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية. وذلك: أن \"البدعة\" في اللغة تعمّ كل ما فعل ابتداء من غير سابق، وأما البدعة الشرعية: فكل ما لم يدل عليه دليل شرعي … \" اهـ.\n(^٦) انظر كتابنا: \"مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\"، الفائدة الرابعة: \"البدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة\".\n(^٧) في \"المنتخب\" (ص ٢١٨ رقم ٦٥٣).\n(^٨) في \"الكبير والأوسط\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٧٢)، وقال الهيثمي: \"وفيه أبو شيبة إبراهيم، وهو ضعيف\" اهـ.\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٩٤)، والبيهقي (٢/ ٤٩٦)، والخطيب في \"الموضح\" (١/ ٣٨٢)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٤٠).=","vol":"3","page":27},{"text":"الحكمِ، عنْ مقسمٍ، عن ابن عباسٍ: \"أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يصلِّي في رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ\". قالَ في سُبُل الرشادِ (^١): أبو شيبةَ ضعَّفَهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ، والبخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائي وغيرُهم، وكذَّبَهُ شعبةُ، [و] (^٢) قالَ ابنُ معينٍ: ليسَ بثقةٍ، وعدَّ هذا الحديثَ من منكراتِهِ (^٣).\nوقالَ الأذرعيُّ في المتوسطِ (^٤): \"وأمَّا ما نُقِلَ أنهُ - ﷺ - صلَّى في الليلتينِ [اللَّتينِ] (^٥) خرجَ فيهما عشرينَ ركعةً فهو منكرٌ\". وقالَ الزركشي في الخادمِ (^٦): \"دَعْوَى أنهُ - ﷺ - صلَّى بهمْ في تلكَ الليلةِ عشرينَ ركعة لم تصحَّ، بل الثابتُ في الصحيحِ الصلاةُ من غيرِ ذكرٍ بالعددِ\"، وجاء في روايةِ جابرٍ: \"أنهُ - ﷺ - صلَّى بهمْ ثماني ركعاتٍ والوترَ، ثمَّ انتظرُوهُ في القابلةِ فلم يخرجْ إليهمْ\"، رواهُ ابنُ حبانَ (^٧)، [وابنُ خُزيمةَ] (^٨) في صحيحهِما، انتهى. وأخرجَ البيهقي (^٩) روايةَ ابن\n_________\n= قال البيهقي: \"تفرّد به أبو شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، وهو ضعيف\" اهـ.\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/ ٢٥٤): \"وأمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: \"كان رسول الله ﷺ يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر\"، فإسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة الذي في الصحيحين - سيأتي رقم (٢٠/ ٣٥٢) - مع كونها أعلم بحال النبيّ ﷺ ليلًا من غيرها، والله أعلم\" اهـ.\nوسبقه إلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ١٥٣).\nوقال السيوطي في \"الحاوي للفتاوي\" (١/ ٣٤٧): \"هذا الحديث ضعيف جدًّا لا تقوم به حجَّة … \".\nوخلاصة الأمر: أن الحديث ضعيف جدًّا كما علمت.\n(^١) وهو لا يزال مخطوطًا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) قلت: انظر ترجمة إبراهيم بن عثمان هذا في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣١٠)، و\"المجروحين\" (١/ ١٠٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ١١٥)، و\"الميزان\" (١/ ٤٧)، و\"التقريب\" (١/ ٣٩).\n(^٤) وهو كتاب في فقه الشافعي لا يزال مخطوطًا، أفاده الدكتور حسن الأهدل، والشيخ عبد الله الحَبْشي.\n(^٥) في (ب): \"التي\".\n(^٦) وهو كتاب في فقه الشافعية شرح روضة الطالبين للنووي، لا يزال مخطوطًا، أفاده الدكتور حسن، والشيخ عبد الله أيضًا.\n(^٧) في \"الإحسان\" (٤/ ٦٢ رقم ٢٤٠١) و(٤/ ٦٤ رقم ٢٤٠٦).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ١٣٨ رقم ١٠٧٠).\nوإسناده حسن، عيسى بن جارية فيه لين.\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٩٦).","vol":"3","page":28},{"text":"عباسٍ من طريقِ أبي شيبَةَ ثمَّ قالَ: إنهُ ضعيفٌ وساقَ رواياتٍ (^١): \"أن عمرَ أمرَ أُبَيًا وتميمًا الداريَّ يقومانِ بالناسِ بعشرينَ ركعةً\"، وفي روايةٍ: \"أنهمْ كانُوا يقومونَ في زمنِ عمرَ بعشرينَ ركعةً\"، [وفي روايةٍ: بثلاثٍ وعشرينَ ركعةً] (^٢)، وفي روايةٍ: \"أنَّ عليًّا - ﵁ - كانَ يؤمُّهُم بعشرينَ ركعةً ويوترُ بثلاثٍ\"، قالَ: وفيه قوةٌ.\nإذا عرفتَ هذا علمتَ أنهُ ليسَ في العشرينَ روايةٌ مرفوعةٌ (^٣)، بل يأتي حديثُ عائشةَ المتفقُ عليهِ قريبًا (^٤): \"أنهُ - ﷺ - ما كان يزيدُ في رمضانَ ولا غيرهِ على إحدَى عشْرَةَ ركعةً\"، فعرفتَ من هذا كلِّهِ أنَّ صلاةَ التراويحِ على هذا الأسلوبِ الذي اتفقَ عليهِ الأكثرُ - بدعةٌ، نعمْ قيامُ رمضانَ سنةٌ بلا خلافٍ والجماعةُ في نافلتهِ لا تنكرُ، [وقدْ] (^٥) ائتمَّ ابنُ عباسٍ ﵁ وغيرُه بهِ - ﷺ - في صلاةِ الليلِ، لكنْ جعلُ هذهِ الكيفيةِ والكميةُ سنةً والمحافظةُ عليها هوَ الذي نقولُ إنهُ بدعةٌ، وهذا عمرُ - ﵁ - خرجَ أوَّلًا والناسُ أوزاعُ متفرِّقونَ، منهم مَنْ يصلِّي منفردًا، ومنهمْ مَنْ يصلِّي جماعةً على ما كانُوا [عليه] (^٦) في عصرهِ، وخيرُ الأمورِ ما [كانت] (^٧) على عهدهِ. وأما تسميتُها بالتراويحِ فكأنَّ وجهَهُ ما أخرجَهُ البيهقي (^٨) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: \"كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يصلِّي أربعَ ركعاتٍ في الليلِ، ثمَّ يتروَّحُ، فأطالَ حتَّى رحمتُهُ\" الحديث. قالَ البيهقي (٨): تفردَ بهِ المغيرةُ بنُ [زياد] (^٩) وليسَ بالقويِّ، فإنْ ثبتَ فهوَ أصلٌ في تروُّحِ الإمامِ في صلاةِ التراويحِ. انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-475>الاقتداء بالصحابة ليس تقليدًا</span>\nوأمَّا حديثُ: \"عليكمْ بسنّتي وسنّة الخلفاءِ الراشدينَ بعدي، تمسَّكُوا بها، وعضُّوا عليها بالنواجذِ\"، أخرجهُ أحمدُ (^١٠)، وأبو داودَ (^١١)، وابنُ ماجَهْ (^١٢)،\n_________\n(^١) في المرجع السابق (٢/ ٤٩٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) وزيادة في استبانة ذلك، انظر: \"صلاة التراويح\" للمحدث الألباني.\n(^٤) رقم الحديث (٢٠/ ٣٥٢).\n(^٥) في (أ): \"فقد\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"كان\".\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٩) في (ب): \"دياب\"، وهو خطأ. انظر: \"معجم الجرح والتعديل لرجال السنن الكبرى\" (ص ١٦٢).\n(^١٠) في \"المسند\" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^١١) في \"السنن\" (٥/ ١٣ رقم ٤٦٠٧).\n(^١٢) في \"السنن\" (١/ ١٥ رقم ٤٢).","vol":"3","page":29},{"text":"والترمذيُّ (^١) وصحَّحهُ، [و] الحاكمُ (^٢)، وقالَ: على شرطِ الشيخينِ، ومثلُهُ حديثُ: \"اقتَدُوا باللذين مِنْ بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ\"، أخرجهُ الترمذيُّ (^٣)، وقال: حسنٌ، وأخرجهُ أحمدُ (^٤)، وابنُ ماجَهْ (^٥)، وابنُ حبانَ (^٦)، ولهُ طرقٌ فيها مقالٌ إلَّا أنهُ يقوّي بعضُها بعضًا، فإنهُ ليسَ المرادُ بسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ إلَّا طريقتُهم الموافقةُ لطريقتهِ - ﷺ - من جهادِ الأعداءِ، وتقويةِ شعائرِ الدين، ونحوِها، فإنَّ الحديثَ عامٌّ لكلِّ خليفةٍ راشدٍ لا يخصُّ الشيخينِ (^٧)، ومعلومٌ من قواعدِ الشريعةِ أنْ ليسَ لخليفةٍ راشدٍ أنْ يشرعَ (^٨) طريقةً غيرَ ما كانَ عليها النبيُّ - ﷺ -،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٩٥ - ٩٧) وقال: هذا حديث صحيح ليس له علّة ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٤٤ - ٤٥)، وابن حبان (١/ ١٠٤ رقم ٥ - الإحسان)، وابن أبي عاصم في كتاب \"السنة\" (١/ ١٧ و٢٩)، والآجري في \"الشريعة\" (ص ٤٦ - ٤٧)، وابن عبد البرّ في \"جامع بيان العلم\" (٢/ ١٨١ - ١٨٢).\nكلهم من حديث العرباض بن سارية، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" (٥/ ٦٠٩ رقم ٣٦٦٢)، وقال: حديث حسن.\n(^٤) في \"المسند\" (٥/ ٣٨٢ و٣٨٥ و٤٠٢).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٧ رقم ٩٧).\n(^٦) في \"الموارد\" (ص ٥٣٨ رقم ٢١٩٣).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٣/ ٧٥)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٨٣ - ٨٤)، والحميدي في \"مسنده\" (١/ ٢١٤ رقم ٤٤٩)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٣٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٠٩)، والخطيب في \"تاريخه\" (١٢/ ٢٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ١٠١ رقم ٣٨٩٤ و٣٨٩٥) كلّهم من حديث حذيفة، وهو حديث صحيح.\n• وأخرجه الترمذي (٥/ ٦٧٢ رقم ٣٨٠٥) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه …، والحاكم (٣/ ٧٥ - ٧٦) وقال: إسناده صحيح، وردّه الذهبي بقوله: سنده واهٍ، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ١٠٢ رقم ٣٨٩٦) وقال: حديث كريب، كلّهم من حديث ابن مسعود.\n• وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٦٦) من حديث أنس بإسناد جيد.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. وانظر: \"الصحيحة\" للمحدث الألباني (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٦ رقم ١٢٣٣).\n(^٧) يا اللعجب! كيف يقال: حديث عام لكل خليفة؟ والتنصيص على أبي بكر وعمر ﵄ بالذات. فالحديث لا يشمل غيرهما لأنَّه - ﷺ - نصق عليهما، والقياس مخالف للنص.\n(^٨) قلت: إن عمر ﵁ لم يشرع جديدًا في تجميع المسلمين على إمام واحد؛ لأن صلاتها جماعة مشروعة، وإنما ترك النبيّ ﷺ الحضور في الليلة مخافة أن تفرض على =","vol":"3","page":30},{"text":"[ثمَّ] (^١) عمرُ - ﵁ - نفسُه الخليفةُ الراشدُ سمَّى ما رآهُ من تجميعِ صلاتهِ ليالي رمضانَ بدعةً، ولمْ يقلْ: إنَّها سنةٌ، فتأمّلْ. على أن الصحابةَ - ﵃ - خالفُوا الشيخينِ في مواضعَ ومسائلَ (^٢)، فدلَّ [على] (^٣) أنّهم لم يحملُوا الحديثَ على أن ما قالُوهُ وفعلُوهُ حجةٌ. وقدْ حقَّقَ البرماويُّ الكلامَ في شرح ألفيتهِ في أصولِ الفقهِ، معَ أنهُ قالَ: إنَّما الحديثُ الأولُ يدل [أنه] (^٤) إذا [اتفق] (^٥) الخلفاءُ الأربعةُ على قولٍ كانَ حجةً لا إذا انفردَ واحدٌ منهم، والتحقيقُ أن الاقتداءَ ليسَ هو التقليدَ بل هوَ غيرُه كما حقَّقناهُ في شرحِ نظمِ الكافلِ (^٦) في بحثِ الإجماعِ.\n١٨/ ٣٥٠ - وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ\"، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْوِتْرُ مَا بَينَ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ\"، رَوَاهُ الْخمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٧)، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٨). [صحيح]\n_________\n= المسلمين، فلما انقطع الوحي بموت رسول الله ﷺ أُمن ما خاف منه الرسول - ﷺ -؛ لأن العلّة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فبقيت السنة للجماعة لزوال العارض، فجاء عمر ﵁ بصلاتها جماعة إحياءً للسنة التي شرعها رسول الله ﷺ بالإضافة لما ذُكر: لم يُعلم من الصحابة مخالف في ذلك، فكان إجماعًا.\n(^١) في (أ): \"هذا\".\n(^٢) قلت: لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنه قد خالف في صلاة التراويح.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"أنهم\".\n(^٥) في (ب): \"اتّفقوا\".\n(^٦) المسمى: \"إجابة السائل شرح بغية الآمل\" (ص ١٥١ - ١٥٣).\n(^٧) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٠١ رقم ٩٧٥)، والدارقطني (٢/ ٣٠ رقم ١)، والبيهقي (٢/ ٤٦٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٠٠ رقم ٤١٣٦).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٦) وقال: صحيح الإسناد، وأقرّه الذهبي في \"التلخيص\"، لكنه قال في \"الميزان\" (٢/ ٥٠١): \"عبد الله بن أبي مرة الزوفي، له عن خارجة في الوتر لم يصح. قال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض\" اهـ.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٦): \"وضعفه البخاري، وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل\" اهـ.=","vol":"3","page":31},{"text":"- وَرَوَى أَحْمدُ (^١) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>ترجمة خارجة بن حذافة</span>\n(وعنْ خارجةَ) (^٢) بالخاءِ المعجمةِ، فراءِ بعدَ الألفِ، فجيمٍ هوَ: (ابنُ حذافةَ) بضمِّ المهملةِ، فدالٍ [بعدها] (^٣) معجمةٍ، ففاءِ بعدَ الألفِ، وهوَ قرشيٌّ عدويٌّ، كانَ يعدلُ بألفِ فارسٍ، رُوِيَ: أنَّ عمروَ بنَ العاصِ استمدَّ من عمرَ بثلاثةِ آلافِ فارسٍ فأمدَّهُ بثلاثةٍ وهمْ: خارجةُ بنُ حذافةَ، والزبيرُ بنُ العوامِ، والمقدادُ بنُ الأسودِ. وُلِّيَ خارجةَ القضاءَ بمصرَ لعمرِو بن العاصِ، وقيلَ: كانَ على شرطتهِ، وعدادُهُ في أهلِ مصرَ، قتلَه الخارجيُّ ظنًّا منهُ أنهُ عمرُو بنُ العاصِ، حينَ تعاقدتِ الخوارجِ على قتلِ ثلاثةٍ: عليٍّ ﵇، ومعاويةَ وعمروِ بن العاصِ - ﵄ -، فتمَّ أمرُ اللهِ في أميرِ المؤمنينَ علي ﵇ دونَ الآخرين. وإلى الغلطِ بخارجةَ أشارَ من قالَ شعرًا:\n_________\n= وقال الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ١٥٧ - ١٥٨): \"أما الانقطاع فمجرَّد دعوى لا دليل عليها\"، وإنّما العلة جهالة ابن راشد - الزوفي - هذا، وهو الذي وثقه ابن حبان وحده بناء على قاعدته الواهية في توثيق من لم يُعرف بجرح!\nوأما أن المتن باطل فهو من عنت ابن حبان وغلوائه، وإلّا فكيف يكون باطلًا وقد جاءت له شواهد كثيرة يقطع الواقف عليها بصحَّته، كيف لا وبعض طرقه صحيح لذاته؟! … \" اهـ.\nوانظر طرق الحديث وشواهده في: \"الإرواء\" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩)، و\"نصب الراية\" (٢/ ١٠٩ - ١١٢)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٦).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح دون قوله: \"هي خير لكم من حمر النعم\".\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٣٩٧) وفيه ابن لهيعة، ولكن ابن لهيعة لم ينفرد به فقال الإمام أحمد (٦/ ٧): ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله - يعني ابن المبارك - أنا سعيد بن يزيد حدثني ابن هبيرة عن أبي تميم الجيشاني أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم جمعة فقال: \"إن أبا بصرة حدثني أن النبيّ ﷺ قال: \"إن الله زادكم صلاة وهي الوتر فصلّوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر … \"\"، وإسناده صحيح.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" (٣/ ٤٧ رقم ١٤٠٨)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ١٤٩ رقم ٥٩١).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"3","page":32},{"text":"فليتَها إذْ فدتْ عمرًا بخارجةٍ … فدتْ عليًّا بمنْ شاءتْ منَ البشرِ\nوكانَ قتلُ خارجةَ سنةَ أربعينَ.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ اللَّهَ أمدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمُرِ النعمِ، قلنا: وما هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الوترُ ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى طلوعِ الفجرِ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيّ، وصحَّحه الحاكمُ).\nقلتُ: قالَ الترمذيُّ (^١) [عقيبَ] (^٢) إخراجه لهُ: حديثُ خارجةَ بن حذافة [حديثٌ] (^٣) غريبٌ لا نعرفُهُ إلّا من حديثِ يزيد بن أبي حبيبٍ، وقد وهمَ بعضُ المحدثينَ في هذا الحديثِ. ثمَّ ساقَ الوهم فيه، فكان يحسنُ من المصنفِ التنبيه على ما قاله الترمذيُّ هنا. وفي الحديثِ ما يفيدُ عدم وجوبِ الوترِ لقولهِ: \"أمدَّكم\"، فإنَّ الإمدادَ: هو الزيادةُ بما يقوّي المزيدَ عليهِ، يقالُ: مدَّ الجيشَ وأمدَّهُ إذا زادَهُ وألحقَ بهِ ما يقويهِ ويكثرهُ، ومدَّ الدواةَ وأمدَّها: زادَها ما يصلحُها، ومددتُ السراجَ والأرضَ: إذا أصلحتُهما بالزيتِ والسمادِ. [وتقدم الخلافُ في وجوبِ الوترِ وعدمِهِ] (^٤).\nفائدة في حكمةِ شرعيةِ النوافلِ: أخرجَ أحمدُ (^٥)، وأبو داودَ (^٦)، وابنُ ماجَهْ (^٧)، والحاكمُ (^٨)، من حديثِ تميم الداريِّ مرفوعًا: \"أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يومَ القيامةِ صلاتهُ فإنْ كان أتمَّها كتبتْ له تامةً، وإنْ لم يكن أتمَّها قال اللَّهُ تعالى لملائكتهِ: \"انظرُوا هل تجدونَ لعبدي من تطوُّع فتكملونَ بها فريضته، ثمَّ الزكاةُ كذلكَ، [ثمَّ الصيامُ كذلكَ] (^٩)، ثمَّ تؤخذ الأعمالُ على حسبِ ذلكَ\". [وأخرجهُ] (^١٠) الحاكمُ في الكُنَى (^١١) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: \"أولُ ما افترضَ اللَّهُ على أمتي الصلواتُ الخمسُ، وأولُ ما يرفعُ من أعمالِهم الصلواتُ الخمسُ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٣١٥).\n(^٢) في (أ): \"عقب\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ١٠٣).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٥٤١ رقم ٨٦٦).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٥٨ رقم ١٤٢٦).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وهو حديث صحيح.\nتقدم تخريجه في شرح الحديث رقم (٢/ ٣٣٤)\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في (أ): \"وأخر\".\n(^١١) عزاه إليه صاحب \"كنز العمال\" (٧/ ٢٧٦ رقم ١٨٨٥٩).","vol":"3","page":33},{"text":"وأولُ ما يُسألونَ عنهُ الصلوات الخمسُ، فمنْ كانَ ضيّعَ شيئًا منها يقولُ اللهُ ﵎: انظرُوا هل تجدونَ لعبدي نافلةً مِنْ صلواتٍ تتمّون بها ما نقصَ منَ الفريضةِ، وانظُروا [في] (^١) صيامِ عبدي شهرَ رمضانَ، فإنْ كانَ ضيَّعَ شيئًا منه فانظُرا هل تجدونَ لعبدي نافلة منْ صيامٍ تتمون بها ما نقصَ منَ الصيامِ، انظُروا في زكاةِ عبدي، فإنْ كانَ ضيِّعَ شيئًا [منها] (١)، فانظُروا هو تجدونَ لعبدي نافلةً من صدقةٍ تتمُّونَ بها ما نقصَ من الزكاةِ فيؤخذُ ذلكَ على فرائضِ اللهِ، وذلكَ [برحمةِ] (^٢) اللهِ وعدلهِ، فإنْ وجدَ لهُ فضلٌ وضعَ في ميزانهِ، وقيلَ له: ادخلِ الجنةَ مسرورًا، وإنْ لم يوجدْ لهُ شيءٌ من ذلكَ أمرتْ الزبانيةُ فأخذتْ بيديهِ ورجليهِ، ثمَّ قُذِفَ في النارِ\"، وهوَ كالشرحِ والتفصيل لحديثِ تميمٍ الداريِّ. (ورَوَى أحمدُ عن عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عن جدِّهِ نحوَهُ)، أي نحوَ حديثِ خارّجةَ فشرحُه شرحُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-477>تأكيد سنيَّة الوتر</span>\n١٩/ ٣٥١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ - ﵁ - عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الوِترُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوْتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا\"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ (^٣)، وصَحَّحَهُ الحَاكم (^٤). [ضعيف]\n- وَلَهُ شَاهدٌ ضَعِيفٌ عَن أَبى هُرَيْرَةَ - ﵁ - عِنْدَ أَحْمَدَ (^٥). [ضعيف]\n_________\n(^١) في (أ): وأخرج.\n(^٢) في (أ): \"رحمة\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٣٩ رقم ١٤١٩).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٣٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢٩٧)، والبيهقي (٢/ ٤٧٠).\nقال الحاكم: \"حديث صحيح. وأبو المنيب العتكي مروزي ثقة يجمع حديثه\"، وتعقَّبه الذهبي بقوله: \"قلت: قال البخاري عنده مناكير\". وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف. وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ١١٢)، والتلخيص الحبير\" (٢/ ٢٠ - ٢١)، و\"إرواء الغليل\" رقم (٤١٧).\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ٤٤٣).\nوفيه \"خليل بن مرة\" وهو منكر الحريث، وفي الإسناد انقطاع بين معاوية بن قرة وأبي هريرة كما قال أحمد.\nانظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢١)، و\"نصب الراية\" (٢/ ١١٣).","vol":"3","page":34},{"text":"<span data-type='title' id=toc-478>ترجمة عبد الله بن بريدة</span>\n(وَعَنْ عبدِ اللَّهِ بن برَيْدَةَ) (^١) بضمِّ الموحدةِ، بعدَها راءٌ مهملةٌ مفتوحةٌ، ثمَّ مثناةٌ تحتيةٌ ساكنةٌ، فدالٌ مهملةٌ مفتوحةٌ هو: ابنُ الحُصيبِ - بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وفتحِ الصادِ المهملةِ، والمثنَّاةِ التحتيةِ، والباءِ الموحدةِ - الأسلميُّ. وعبدُ اللَّهِ منْ ثقات التابعينَ، سمعَ أباهُ وسمرةَ بنَ جندبٍ وآخرينَ، وتولَّى قضاءَ مروٍ، وماتَ بها، (عن أبيهِ) بريدةَ بن الحصيبِ، تقدمَ ذكرُهُ. (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: الوترُ حقٌّ) أي: لازمٌ، فهوَ من أدلةِ الإيجاب (فمنْ لم يوتِرْ فليسَ منَّا. أخرجَه أبو داودَ بسند لينٍ)؛ لأنَّ فيه عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهَ العتكيَّ، ضعَّفهُ البخاريُّ والنسائيُّ. وقالَ أبو حاتمٍ: صالحُ الحديث، (وصحَّحه الحاكمُ). وقالَ ابنُ معينٍ: إنهُ موقوفٌ (ولَه شاهدٌ ضعيفٌ عن أبي هريرةَ عندَ أحمدَ) رواهُ بلفظِ: \"فَمَنْ لمْ يوترْ فليس منَّا\"، وفيه الخليلُ بنُ مرةَ منكَرُ الحديثِ، وإسنادُه منقطعٌ كما قالهُ أحمدُ، ومعنى - ليس منَّا: ليسَ على سنَّتِنا وطريقتِنا، والحديث محمولٌ على تأكُّدِ السنيةِ للوِترِ جمعًا بينَه وبينَ الأحاديثِ الدالةِ على عدمِ الجوب.\n٢٠/ ٣٥٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا. قَالَتْ عَاثِشَةُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، إِن عَينَيَّ تَنَامَانَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n- وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (^٣) عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، ويُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. [صحيح]\n(وَعَنْ عائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: ما كانَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - يزيدُ في رمضانَ ولا في غيرهِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٥١)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٣)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٥١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٧ رقم ٢٧٠).\n(^٢) البخاري (١١٤٧)، ومسلم (١٢٥/ ٧٣٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٣٤١)، والترمذي (٤٣٩)، والنسائي (٣/ ٢٣٤)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢٠ رقم ٩).\n(^٣) البخاري (١١٤٠)، ومسلم (١٢٨/ ٧٣٨).","vol":"3","page":35},{"text":"على إحدى عَشْرةَ ركعةً)، ثمَّ فصَّلتْها بقولها: (يصلِّي أربعًا) يحتملُ أنَّها متَّصلاتٌ، وهوَ الظاهرُ، ويحتملُ أنها [مفصَّلاتٌ] (^١) وهوَ بعيدٌ، إلَّا أنهُ يوافقُ حديثَ: \"صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى\". (فَلا تَسألْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ) نهتْ عن سؤالِ ذلكَ إمَّا [أنهُ] (^٢) لا يقدرُ المخاطبُ على مثلهِ فأيُّ حاجةٍ لهُ في السؤالِ، أو لأنهُ قد علمَ حسنهنَّ وطولهنَّ لشهرتهِ فلا يسألُ عنهُ، أو لأنَّها لا تقدرُ تصفُ ذلكَ، (ثمَّ يصلِّي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهنَّ وطولهنَّ، ثمَّ يصلِّي ثلاثًا، قالتْ [عائشة] (^٣): فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، أتنامُ قبلَ أنْ تُوتِرَ) كأنهُ كانَ ينامُ بعدَ الأربعِ، ثمَّ يقومُ فيصلِّي الثلاثَ، وكأنهُ كانَ قد تقرّرَ عندَ عائشةَ أن النومَ ناقضٌ للوضوءِ، فسألتْهُ فأجابَها بقولهِ: (قال: يا عائشة إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامانِ ولا ينامُ قلبي)، دلَّ على أن الناقضَ نومُ القلبِ وهوَ حاصلٌ معَ كلِّ مَنْ نامَ مستغرقًا، فيكونُ منَ الخصائص أن النومَ لا ينقضُ وضوءَهُ - ﷺ -، وقد صرَّحَ المصنفُ بذلكَ في التلخيصِ (^٤). واستدلَّ بهذا الحديثِ وبحديثِ ابن عباسٍ (^٥): \"أنهُ - ﷺ - نامَ حتَّى نفخَ، ثمَّ قامَ فصلَّى ولم يتوضأ\"، وفي البخاريِّ (^٦): \"إنَّ الأنبياءَ تنامُ أعينهُم ولا تنامُ قلوبُهم\"، (متفقٌ عليه). اعلمْ [أنهُ] (^٧) قدِ اختلفتِ الرواياتُ عن عائشةَ في كيفيةِ صلاتهِ - ﷺ - في الليل وعددِها، فقد رُويَ عنها سبعٌ وتسعٌ (^٨)، وإحدى عشرةَ (^٩)، سوَى ركعتي الفجرِ، ومنها [هذه] (^١٠)\n_________\n(^١) في (ب): \"منفصلات\".\n(^٢) في (أ): \"لأنَّه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) وكذلك في \"فتح الباري\" عند كلامه على حديث عمران بن الحصين في صاحبة المزادتين من \"كتاب التيمّم\" (١/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٦/ ٥٧٩ رقم ٣٥٧٠)، ومسلم (١٦٢/ ٢٦٢) من حديث أنس بن مالك.\n(^٧) في (أ): \"أنها\".\n(^٨) في حديث طويل أخرجه مسلم (١٣٩/ ٧٤٦)، وأبو داود (١٣٤٢)، والنسائي (٣/ ٢٤٠، ٢٤١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٠)، وغيرهم من حديث عائشة ﵂.\n(^٩) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢٠ رقم ٨)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ١٩١ رقم ٥٣٩)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٥)، ومسلم (١٢١/ ٧٣٦)، وأبو داود (١٣٣٥)، والنسائي (٣/ ٢٣٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٨٣) وغيرهم من حديث عائشة ﵂.\n(^١٠) في (أ): \"هنا\".","vol":"3","page":36},{"text":"الروايةُ التي أفادَها قولُه: (وفي روايةٍ لهما)، أي: الشيخينِ (عنها) أي: عن عائشةَ (كان يصلِّي منَ الليلِ عشرَ ركعاتٍ)، وظاهرُهُ أنَّها موصولةٌ لا قعودَ فيها، (ويوترُ بسجدةٍ) أي: ركعةٍ (ويركعُ ركعتي الفجرِ) أي: بعد طلوعهِ، (فتلكَ) أي الصلاةُ في الليل معَ تغليبِ ركعتي الفجرِ، أوْ [فتلك] (^١) الصلاةُ جميعًا (ثلاثَ عشرةَ ركعةً). وفي روايةٍ: \"أنهُ كانَ يصلِّي منَ الليلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثمَّ يصلِّي إذا سمعَ النداءَ ركعتينِ خفيفتينِ، فكانتْ خمسَ عشَرةَ ركعةً\" (^٢). ولما اختلفتْ ألفاظُ حديثِ عائشةَ زعمَ البعضُ أنهُ حديثٌ مضطربٌ، وليس كذلكَ، بل الرواياتُ محمولةٌ على أوقاتٍ متعدِّدةٍ [مختلفة] (^٣)، وأوقات مختلفةٍ بحسبِ النشاطِ وبيانِ الجوازِ، وأنَّ الكلَّ جائزٌ، وهذا لا يناسبهُ قولُها: \"ولا في غيرهِ\"، [بل] (^٤) الأحسنُ أنْ يقال: إنَّها أخبرتْ عن الأغلبِ من فعلِهِ - ﷺ -، فلا ينافيهِ ما خالفَهُ؛ لأنهُ إخبارٌ عن النادرِ.\n٢١/ ٣٥٣ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا (^٥). [صحيح]\n(وعنْها) أي: عائشةَ (قالَتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلِّي منَ الليلِ ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) لم تفصِّلها وتبيِّن على كمْ كانَ يسلِّمُ كما ثبتَ ذلكَ في الحديثِ السابق، إنَّما [ثبت] (^٦) هذا في الوترِ بقولِها: (ويوتِرُ منْ ذلكَ) أي: العددِ المذكورِ (بخمسٍ لا يجلسُ في شيء إلَّا في آخرِها)، كأنَّ هذا أحدُ أنواعِ إيتارهِ - ﷺ -، كما أن الإيتارَ بثلاثٍ أحدُها كما أفادَهُ حديثُها السابقُ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢١ رقم ١٠)، والبخاري (١١٧٠) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"و\".\n(^٥) أخرجه مسلم (١٢٣/ ٢٣٧)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٢٣٠)، والدارمي (١/ ٣٧١)، وأبو داود (١٣٣٨)، والترمذي (٤٥٩)، والنَّسَائِي (٣/ ٢٤٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧).\nوقد أخرجه البخاري بدون زيادة: \"ويوتر ذلك بخمس\" عنها قالت: \"كان رسول الله ﷺ يصلّي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلّي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين\".\n(^٦) في (أ): \"بينت\".","vol":"3","page":37},{"text":"<span data-type='title' id=toc-479>بيان وقت الوتر وأنه الليل كله</span>\n٢٢/ ٣٥٤ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (^١). [صحيح]\n(وعنْها) أي: عائشة (قالتْ: مِنْ كلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -)، أي: منْ أولهِ، وأوسطهِ، وآخرهِ، (وانتهى وِتْرُهُ إلى السَّحرِ. متفقٌ عليهما) أي: [على] (^٢) الحديثينِ. وهذا الحديث بيانٌ لوقتِ الوترِ، وأنهُ الليلُ كلُّه منْ بعدِ صلاةِ العشاءِ، وقدْ أفادَ ذلكَ حديثُ خارجةَ (^٣)، حيثُ قالَ: \"الوترُ ما بينَ صلاةِ العشاءِ إلى\n_________\n(^١) أي: على الحديثين رقم (٢١/ ٢٥٣ و٢٢/ ٢٥٤).\nأخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥)، وأبو داود (١٤٣٥)، والنَّسَائِي (٣/ ٢٣٠ رقم ١٦٨١)، والترمذي (٢/ ٣١٨ رقم ٤٥٧)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أخرجه أبو داود (١٤١٨)، والترمذي (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨)، والطبرانى في \"الكبير\" (٤/ ٢٠٠ رقم ٤١٣٦)، والحاكم (١/ ٣٠٦)، والبيهقي (٢/ ٤٧٨)، والدارقطني (٢/ ٣٠ رقم ١).\nوقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وهذا من عجائبه، فقد قال في ترجمة ابن راشد الزوفي - \"الميزان\" (٢/ ٤٢٠ رقم ٤٣٠٥) - وقد ذكر له هذا الحديث: \"رواه عنه يزيد بن أبي حبيب، وخالد بن يزيد، قيل: لا يعرف سماعُهُ من أبي مرة، قلت: ولا هو بالمعروف، وذكره ابن حبان في الثقات\".\nوقال ابن حجر في \"التقريب\" (١/ ٤١٣ رقم ٢٨٧): أنه مستور.\nثم قال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٥٠١ رقم ٤٥٩٤) في ترجمة عبد الله بن أبي مرة: \"له عن خارجة في الوتر لم يصح، قال البخاري: لا يُعرف سماع بعضهم من بعض\".\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٦): \"وضعفه البخاري، وقال ابن حبان: إسناد منقطع، ومتن باطل\".\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ١٥٧ - ١٥٨): \"أما الانقطاع فمجرد دعوى لا دليل عليها، وإنّما العلة جهالة ابن راشد هذا، وهو الذي وثّقه ابن حبان وحده بناء على قاعدته الواهية في توثيق من لم يُعرف بجرح!\nوأما أن المتن باطل فهو عنت ابن حبان وغلوائه، وإلّا فكيف يكون باطلًا وقد جاءت له شواهد كثيرة يقطع الواقف عليها بصحته، كيف لا وبعض طرقه صحيح لذاته؟! … \".\nوانظر هذه الشواهد في: \"الإرواء\" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٦)، و\"نصب الراية\" (١/ ١٠٩).\nوخلاصة القول: أن حديث خارجة صحيح دون قوله: \"هي خير لكم من حُمُر النعم\".","vol":"3","page":38},{"text":"طُلوعِ الفجرِ\". وقد ذكرْنا أنواعِ الوترِ التي وردتْ في حاشيةِ ضوءِ النهارِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-480>يستحب الدوام على فعل الخير</span>\n٢٣/ ٣٥٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢).\n(وعَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العاصِ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: يا عبدَ اللَّهِ لا تَكُنْ مِثْلَ فلانٍ كانَ يقومُ منَ الليلِ فَتَرَكَ قيامَ الليلِ، متفقٌ عليهِ). قولُهُ: \"مثلَ فلانٍ\" قال المصنفُ في فتحِ الباري (^٣): لم أقفْ على تسميته في شيءٍ منَ الطرقِ، وكأنّ إبهامَ هذا القصدِ [للسترِ] (^٤) عليهِ.\nقالَ ابنُ العربي: في هذا الحديثِ دليلٌ على أن قيامَ الليلِ ليسَ بواجبٍ، إذْ لو كانَ واجبًا لم يكتفِ لتاركهِ بهذا القدرِ بلْ كانَ يذمهُ أبلغَ ذمٍ، وفيهِ استحبابُ الدوامِ على ما اعتادَهُ المرءُ منَ الخيرِ منْ غيرِ تفريطٍ، ويُستنبطُ منهُ كراهةُ قطعِ العبادةِ.\n٢٤/ ٣٥٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ؟ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ\"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٦). [صحيح لغيره]\n(وَعَنْ عليِّ [بن أبي طالب] (^٧) ﵇ قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أوتِرُوا يا أهلَ القرآنِ، فإنَّ اللَّهِ وترٌ)، في النهايةِ (^٨): أي واحدٌ في ذاتهِ لا يقبلُ الانقسامَ ولا\n_________\n(^١) (١/ ٤٢٣ - ٤٢٦).\n(^٢) البخاري (١١٥٢)، ومسلم (١١٥٩)، والنسائي (٣/ ٢٥٣ رقم ١٧٦٣)، وابن خزيمة (٢/ ١٧٣ رقم ١١٢٩).\n(^٣) (٣/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) في (أ): \"الستر\".\n(^٥) وهم: أحمد في \"المسند\" (١/ ١٤٨)، وأبو داود (٢/ ١٢٧ رقم ١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣)، والنسائي (٣/ ٢٢٨ رقم ١٦٧٥)، وابن ماجه (١١٦٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ١٣٦ رقم ١٠٦٧)، وإسناده ضعيف لاختلاط أبي إسحاق - وهو السبيعي - وعنعنته، وفي ابن ضمرة كلام يسير، لكن الحديث صحيح لما يشهد له.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) (٥/ ١٤٧).","vol":"3","page":39},{"text":"التَّجزِئةَ، واحدٌ في صفاتهِ لا شبيهَ لهُ ولا مِثْلَ، واحِدٌ في أفعالِهِ [لا] (^١) شريكَ لَهُ ولا مُعينَ، (يحبُّ الوترَ) يُثيبُ عليهِ ويقبلُه من عاملهِ، (رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ).\nالمرادُ بأهلِ القرآنِ: المؤمنونَ لأنَّهم الذينَ صدَّقُوا القرآنَ، وخاصةً مَنْ يتولَّى حفظَه ويقومُ بتلاوتهِ ومراعاةِ حدودهِ وأحكامهِ. والتعليلُ بأنه تعالى وترٌ، فيهِ - كما قالَ القاضي عياضٌ -: أن كلَّ ما ناسبَ الشيءَ أدْنَى مناسبةٍ كانَ أحبَّ إليهِ، وقد عرفتَ أن الأمرَ للندبِ للأدلةِ التي سلفتْ الدالةِ على عدمِ وجوبِ الوترِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-481>إذا أوتر ثم أراد أن يتنفَّل فماذا يصنع؟</span>\n٢٥/ ٣٥٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاِتِكُمِ باللَّيلِ وِتْرًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنِ ابن عُمَرَ - ﵄ - عن النبيِّ ﷺ قال: اجعلوا آخرَ صلاتِكُم بالليلِ وِتْرًا. متفقٌ عليهِ)، في فتحِ الباري (^٣): أنهُ اختلفَ السلفُ في موضعينِ:\nأحدِهما: في مشروعيةِ ركعتينِ بعدَ الوترِ من جلوسٍ.\nوالثاني: مَنْ أوترَ ثمَّ أرادَ أن يتنفلَ منَ الليلِ هل يكتفي بوتره الأولِ ويتنفلُ ما شاءَ، أو يشفعُ وترهُ بركعةٍ ثمَّ يتنفلُ، ثمَّ إذا فعلَ هذا هل يحتاجُ إلى وترٍ آخرَ أوْ لا؟\nأمَّا (الأولُ) فوقعَ عندَ مسلمٍ (^٤) من طريقٍ: أبي سلمةَ عن عائشةَ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يصلّي منَ الليلِ ركعتينِ بعدَ الوترِ وهوَ جالسٌ\". وقد ذهبَ إليهِ بعضُ أهلِ العلمِ، وجعلَ الأمرَ في قولِهِ: \"اجعلُوا آخرَ صلاتكُم بالليلِ وترًا\" مختصًا بمنْ\n_________\n(^١) في (أ): \"فلا\".\n(^٢) البخاري (٩٩٨)، ومسلم (١٥١/ ٧٥١).\nوأخرجه أبو داود (١٤٣٨)، والنسائي (٣/ ٢٣٠ رقم ١٦٨٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٨٦ رقم ٩٦٥).\nوابن خزيمة (٢/ ١٤٤ رقم ١٠٨٢)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٠ و١٠٢).\n(^٣) (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٥٠٩ رقم ١٢٦/ ٧٣٨).","vol":"3","page":40},{"text":"أوترَ آخرَ الليلِ، وأجابَ مَنْ لم يقلْ بذلك بأنَّ الركعتينِ المذكورتينِ هما ركعتا الفجرِ، وحملَهُ النوويُّ (^١) على أنهُ - ﷺ - فعلَ ذلكَ لبيانِ جوازِ النفل بعدَ الوترِ، وجوازِ التنفلِ جالسًا. وأمَّا (الثاني): فذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يصلِّي شَفْعًا ما أرادَ ولا ينقضُ وترَهُ الأولَ عملًا بالحديثِ:\n٢٦/ ٣٥٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"لَا وِتْرَانِ فِي لَيلَةٍ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَالثَّلَاثَةُ (^٣)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\nوهو (وَعَنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵁ -: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: لا وتران في ليلةٍ. رواهُ أحمدُ والثلاثة، وصحَّحهُ ابن حبانَ)؛ فدلَّ على أنهُ لا يوترُ بلْ يصلِّي شفعًا ما شاءَ، وهذا نظر إلى ظاهرِ فعلهِ، وإلَّا فانَّهُ لما شفعَ وترَه الأولَ لم يبقَ إلَّا وترٌ واحدٌ هوَ ما يفعلُه آخرًا، وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ قالَ لما سئلَ عن ذلكَ: \"إذا كنتَ لا تخافُ الصبحَ ولا النومَ فاشفعْ، ثمَّ صلِّ ما بدا لك، ثمَّ أوترْ\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-482>ما يقرأ في الوتر</span>\n٢٧/ ٣٥٩ - وَعَنْ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦)،\n_________\n(^١) في \"شرحه لصحيح مسلم\" (٦/ ٢١).\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٢٣).\n(^٣) وهم: أبو داود (١٤٣٩)، الترمذي (٢/ ٣٣٣ رقم ٤٧٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠ رقم ١٦٧٩)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.\n(^٤) في \"الإحسان\" (٤/ ٧٤ - ٧٥ رقم ٢٤٤٠) وهو حديث صحيح. صحَّحه الشيخ أحمد شاكر، والشيخ عبد القادر الأرنؤوط في \"جامع الأصول\" (٦/ ٦٢).\n(^٥) أخرجه محمد بن نصر من طريق: سعيد بن الحارث، أنه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: الأثر … كما في \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨١).\nوأخرج مالك في \"الموطأ\" (١/ ١٢٥) بإسناد صحيح عن نافع (مولى ابن عمر) ﵃، قال: \"كنتُ مع عبد الله بن عمر بمكةَ والسماءُ مُغِيمَةٌ، فخشيَ عبد الله الصبحَ، فأوترَ بواحدةٍ، ثم انكشفَ الغيمُ، فرأى أن عليه ليلًا، فَشَفَعَ بواحدةٍ، ثم صلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فلما خشيَ الصبحَ أوترَ بواحدةٍ\".\n(^٦) في \"المسند\" (٥/ ١٢٣).","vol":"3","page":41},{"text":"وَأَبُو دَاوُد (^١)، وَالنَّسَائِيُّ (^٢). وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرهِنَّ. [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-483>ترجمة أبي بن كعب</span>\n(وعنْ أُبيِّ بن كَعْبٍ (^٣) - ﵁ - قَالَ: كَانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يوترُ) أي: يقرأ في صلاةِ الوترِ (بسبحِ اسمَ ربِّكَ الأعْلَى) أي: في الأُولى بعدَ قراءةِ الفاتحةِ، (وقلْ يا أيُّها الكافرونَ) أيْ: في الثانيةِ بعدَها، (وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ) أيْ في الثالثةِ بعدَها، (رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ وزاد) أي: النسائيّ: (ولا يسلِّمُ إلَّا في آخرِهنَّ). الحديثُ دليلٌ على الإيتارِ بثلاثٍ؛ وقدْ عارضَهُ حديثُ: \"لا توتِرُوا بثلاثٍ\" [وهو] (^٤) عنْ أبي هريرةَ صحَّحهُ الحاكمُ (^٥). وقدْ صحَّحَ الحاكمُ عن ابن عباسٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ١٣٢ رقم ١٤٢٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٤٤).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١١٧١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٢٧١)، والدارقطني (٢/ ٣١ رقم ١ و٢)، والبيهقي (٣/ ٣٨).\nوالبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٩٨ رقم ٩٧٢)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٤/ ٧١ رقم ٢٤٢٧)، والطيالسي (١/ ١٢٠ رقم ٥٦٢ - منحة المعبود)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"مسند أحمد\" (٥/ ١١٣ - ١١٤)، و\"الطبقات\" لابن سعد (٣/ ٤٩٨ - ٥٠٢)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٩ - ٤٠ رقم ١٦١٥)، و\"المعارف\" (٢٦١)، \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٩٠ رقم ١٠٥٧)، و\"حلية الأولياء\" (١/ ٢٥٠ - ٢٥٦ رقم ٣٩)، و\"الاستيعاب\" (١/ ١٢٦ - ١٣٥ رقم ٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٠٨ - ١١٠ رقم ٤٤)، و\"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣١١ - ٣١٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٦٤ رقم ٣٥٠)، و\"الإصابة\" (١/ ٢٦ - ٢٧ رقم ٣٢)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٣٢ - ٣٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٣٨٩ - ٤٠٢ رقم ٨٢).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٧٢ رقم ٥٥٠٩)، والدارقطني (٢/ ٢٤ رقم ١) و(٢/ ٢٦ - ٢٧ رقم ٢) من طرق، وابن حبان في \"الإحسان\" (٦/ ١٨٥ رقم ٢٤٢٩)، وقال الدارقطني عن رقم (١): رواته كلهم ثقات. وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٤ رقم ٥١١): ورجاله كلهم ثقات، ولا يضره وقف من أوقفه. وانظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٨١).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"3","page":42},{"text":"وعائشةَ (^١) كراهيةَ الوترِ بثلاثٍ. وقدْ قدَّمْنَا وجهَ الجمعِ، ثمَّ الوترُ بثلاثٍ أحدُ أنواعهِ كما عرفتَ فلا يتعينُ فيهِ. فذهبتِ الحنفيةُ (^٢)، والهادويةُ (^٣) إلى تعيينِ الإيتارِ بالثلاثِ تُصَلَّى موصولةً، قالُوا: لأنَّ الصحابةَ أجمعُوا على أن الإيتارَ بثلاثٍ موصولةٍ جائزٌ، واختلفوا فيما عداهُ. فالأخذُ بهِ أخذٌ بالإجماعِ؛ ورُدَّ عليهم بعدمِ صحةِ الإجماعِ ما عرفتَ.\n٢٨/ ٣٦٠ - وَلأَبِي داوُدَ (^٤)، والتِّرْمِذِيِّ (^٥) نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، وَفِيهِ: كُلّ سُورَةٍ في رَكْعَةٍ، وفي الأخيرَةِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. [حسن]\n(ولأبي داودَ، والترمذيِّ نحوُه) أي: نحوُ حديثِ أبيّ (عن عائشةَ، وفيه كلُّ سورةٍ) منْ \"سبِّح\" و\"الكافرونَ\" (في ركعةٍ) من الأولى والثانيةِ، كما بينَّاهُ، (وفي الأخيرةِ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحدٌ﴾ والمُعَوِّذتينِ). في حديثِ عائشةَ لينٌ؛ لأنَّ فيهِ خصيفًا الجزري (^٦)، ورواهُ ابنُ حبانَ (^٧)، والدارقطنيّ (^٨) من حديثِ يحيى بن سعيدٍ عن عمرةَ عن عائشةَ. قالَ العقيليُّ (^٩): إسنادهُ صالحٌ. وقالَ ابنُ\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٣٠٤).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٣/ ٢٣٤ رقم ١٦٩٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١)، وقال النووي في \"المجموع\" (٤/ ٢٢): رواه النَّسَائِي بإسناد حسن.\n(^٢) \"الهداية شرح بداية المبتدي\" (١/ ٦٦).\n(^٣) \"التاج المذهب\" (١/ ١٥٧).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٣٣ رقم ١٤٢٤).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٣٢٦ رقم ٤٦٣) وقال: \"هذا حديث حسن غريب\".\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٢٢٧)، وابن ماجه (١١٧٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٨)، وحسّنه ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٥١٢).\n(^٦) هو صدوق سيء الحفظ، انظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" للإمام أحمد رقم (٣١٨٧) و(٤٤٩٨) و(٤٩٢٦)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤)، و\"التقريب\" (١/ ٢٢٤ رقم ١٢٦).\n(^٧) في \"الإحسان\" (٦/ ١٨٨ رقم ٢٤٣٢).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٤٣ - ٣٥ رقم ١٧ و١٨).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣٠٥) و(٢/ ٥٢٠)، والبيهقي (٣/ ٣٧ و٣٨)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٢٨٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٩٩ رقم ٩٧٣) من طرق. وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nوقال ابن حجر في \"نتائج الأفكار\" (١/ ٥١٣ - ٥١٤): \"وهو حديث حسن\".\n(^٩) في \"الضعفاء\" (٢/ ١٢٥): \"وحديث ابن عباس صالح الإسناد\".","vol":"3","page":43},{"text":"الجوزيِّ (^١): أنكرَ أحمدُ، ويحيى بنُ معينٍ زيادةَ المعوِّذتينِ. ورَوَى ابنُ السكن لهُ شاهدًا من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سرجسٍ بإسنادٍ غريبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-484>وقت الوتر</span>\n٢٩/ ٣٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n- وَلابْنِ حِبَّانَ (^٣): \"مَن أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ\". [صحيح]\n(وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ - ﵁ - أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: أوتروا قبلَ أن تصبحُوا. رواهُ مسلمٌ) هوَ دليلٌ على أن الوترَ قبلَ الصبحِ، (ولابنِ حبانَ) [أي] (^٤): منْ حديثِ أبي سعيدٍ؛ (مَنْ أدركَ الصبحَ ولمْ يوترُ فلا وترَ لهُ)، [وهوَ] (^٥) دليلٌ على أنهُ لا يشرعُ الوترُ بعدَ خروجِ الوقتِ، وإمَّا أنهُ لا يصحُّ قضاؤُهُ فلا؛ إذِ المرادُ مَنْ تركَهُ متعمِّدًا فإنهُ قدْ فاتتْهُ السنةُ العظمى حتَّى أنهُ لا يمكنهُ تداركُه، وقدْ حَكَى ابنُ المنذرِ عنْ جماعةٍ منَ السلفِ أن الذي يخرجُ بالفجرِ وقتُهُ الاختياريُّ، [وأمَّا] (^٦) وقتُه الاضطراريُّ [فيبقى] (٥) إلى قيامِ صلاةِ الصبح، وأمَّا مَنْ نامَ عن وترهِ أو نسيَهُ فقدْ بيَّنَ حكمَهُ الحديثُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-485>يقضي الوتر إذا خرج وقته</span>\n٣٠/ ٣٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ أوْ نَسِيَهُ\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٩ رقم ٥٣٣).\n(^٢) في صحيحه (١/ ٥١٩ رقم ١٦٠/ ٧٥٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٤٦٨)، وابن ماجه (١١٨٩)، والبيهقي (٢/ ٤٧٨)، وابن خزيمة (٢/ ١٤٧ رقم ١٠٨٩)، والطيالسي (رقم ٢١٦٣)، وأحمد (٣/ ١٣، ٣٥، ٣٧، ٧١)، والنسائي (٣/ ٢٣١ رقم ١٦٨٤)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٨ رقم ٤٥٨٩).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٦/ ١٦٨ رقم ٢٤٠٨) بإسناد صحيح على شرط الصحيح.\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة (٢/ ١٤٨ رقم ١٠٩٢)، والحاكم (١/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وعنه البيهقي (٢/ ٤٧٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (أ): \"ويبقى\".","vol":"3","page":44},{"text":"فَلْيُصَلِّ إِذا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ\"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^١). [صحيح]\nوهوَ قولهُ: (وعنهُ) أي عنْ أبي سعيدٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ نامَ عن الوترِ، أو نسيهُ، فليصلِّ إذا أصبحَ أو ذكر) لفٌّ ونشرٌ مرتب، [أصبحَ] (^٢) حيثُ كانَ نائمًا، أو ذكرَ إذا كان ناسيًا (رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ)، فدلَّ على أن مَنْ نامَ عن وترهِ أو نسيَهُ فحكمُهُ حكمُ مَنْ نامَ عن الفريضةِ أو نسيَها، [فإنه] (^٣) يأتي بها عندَ الاستيقاظِ أو الذكرِ، والقياسُ أنهُ أداءٌ كما عرفتَ فيمنْ نامَ عن الفريضةِ أو نسيَها.\n٣١/ ٣٦٣ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتر آخِرَ اللَّيلِ، فَإنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذلِكَ أَفْضَلْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ -) [هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ] (^٥) (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ خافَ أنْ لا يقومَ من [آخر] (^٦) الليلِ فليوترْ أولَه، ومَنْ طمعَ أنْ يقومَ آخرَهُ فليوترْ آخرَ الليلِ، فإنَّ صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ وذلكَ أفضل. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دلالةٌ على أن تأخيرَ الوتر أفضلُ، ولكنْ إنْ خافَ أنْ لا يقومَ قدمَهُ لئلَّا يفوتَه فعلًا. وقدْ ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ إلى هذا، وإلى هذَا، وفعلِ كلِّ بالحالينِ، ومعنى كونِ صلاةِ آخرِ الليلِ مشهودة: تشهدُها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ.\n٣٢/ ٣٦٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ فَقَدْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٣١)، والترمذي (٤٦٥)، وابن ماجه (١١٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٤).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٧٠٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني كما في \"الإرواء\" (٢/ ١٥٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٨٠)، والدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٢٢ رقم ١)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"أنه\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٥٢٠ رقم ٧٥٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٤٥٦).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"3","page":45},{"text":"ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاةِ اللَّيلِ وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قال: إذا طلعَ الفجرُ فقد ذهبَ وقتُ كلِّ صلاةِ الليلِ) أي: النوافل المشروعةِ فيهِ، (والوترِ) عطفُ خاصٍّ على عامٍّ، فإنهُ من صلاةِ الليلِ، عطفَهُ عليهِ لبيانِ شرفهِ، (فأوتِرُوا قبلَ طلوعِ الفجرِ)، [فتخصيصُ الأمر] (^٢) بالإيتار لزيادة العناية بشأنه، وبيانِ أنه أهمُّ صلاةِ الليلِ، وأنَّهُ يذهبُ وقتُهُ بذهابِ الليلِ.\nوتقدَّمَ في حديثِ أبي سعيدٍ (^٣) أن النائمَ والناسي يأتيانِ بالوترِ عندَ اليقظةِ إذا أصبحَ، والناسي عندَ [التذكرِ] (^٤)، فهوَ مخصصٌ [لهذا] (^٥)، فبيّنَ أن المرادَ بذهابِ وقتِ الوتر بذهابِ الليلِ على مَنْ تركَ الوترَ لغيرِ العذرينِ، وفي تركِ ذلكَ للنومِ ما رواهُ الترمذيُّ (^٦) عن عائشةَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا لم يصلِّ منَ الليلِ منعهُ من ذلكَ النومُ، أو غَلَبَتْهُ عيناهُ، صلَّى [منَ] (٥) النهار اثنتي عشرةَ ركعةً\"، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، وكأنهُ تداركَ لما فاتَ (رواهُ الترمذيُّ).\nقلتُ: وقالَ عقيبهُ: سليمانُ بنُ موسى قد تفرَّدَ بهِ على هذا اللفظِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٣٣٢ رقم ٤٦٩) وقال: سليمان بن موسى قد تفرَّد به على هذا اللفظ.\nقلت: سليمان بن موسى الأموي الأشدق كان فقيه أهل الشام، وثقه كثيرون وأثنوا عليه.\nانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ١٣ رقم ٤٦١٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١١٦)، وأورده الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ج ١١٣)، وقال: قال النووي في \"الخلاصة\": إسناده صحيح.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) في (ب): \"تخصيص للأمر\".\n(^٣) رقم (٣٠/ ٣٦٢).\n(^٤) في (ب): \"الذكرى\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٣٠٦ رقم ٤٤٥) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه الترمذي أيضًا في \"الشمائل\" رقم (٢٦٤)، ومسلم (١/ ٥١٥ رقم ١٤٠/ ٧٤٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٥١ رقم ٤٧٥١)، والنسائي (٣/ ٢٥٩ رقم ١٧٨٩).","vol":"3","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-486>صلاة الضحى وأقوال العلماء فيها</span>\n٣٣/ ٣٦٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعن عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلِّي الضحى أربعًا ويزيد ما شاءَ اللَّهُ. رواهُ مسلمٌ).\nهذا يدلُّ على شرعيةِ صلاةِ الضُّحى، وأنَّ أقلَّها أربعٌ. وقيلَ: ركعتانِ، وهذَا في الصحيحينِ (^٢) من روايةِ أبي هريرةَ: \"وركعتي الضُّحى\"؛ وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: لعلَّهُ ذكرَ الأقلَّ الذي [يؤخذ] (^٣) التأكيدُ بفعلِهِ، قالَ: وفي هذا دليلٌ على استحبابِ صلاةِ الضُّحى، وأنَّ أقلَّها ركعتانِ، وعدمُ مواظبةِ النبي ﷺ على فعلِها لا ينافي استحبابَها؛ لأنهُ حاصلٌ بدلالةِ القولِ، وليسَ من شرطِ الحكمِ أنْ تتضافرَ عليهِ أدلةُ القولِ والفعلِ. لكنَّ ما واظبَ النبيُّ ﷺ على فعلهِ مرجحٌ على ما لمْ يواظبْ عليهِ. انتهَى.\nوأما حكمُها: فقدْ جمعَ ابنُ القيمِ (^٤) الأقوالَ فبلغتْ ستةَ أقوالٍ:\nالأولُ: أنَّها سنةٌ مستحبةٌ.\nالثاني: لا تشرعُ إلَّا لسببٍ.\nالثالثُ: لا تستحبُّ أصلًا.\nالرابعُ: يستحبُّ فعلُها تارةً وتركُها تارةً، فلا يواظبُ عليها.\nالخامسُ: [يستحبُّ] (^٥) المواظبةُ عليها في البيوتِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩٧ رقم ٧٩/ ٧١٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ١٤٥، ١٦٨، ٢٦٥)، وأبو عوانة (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٧٤ رقم ٤٨٥٣) كلهم من طريق قتادة عن معاذة العدوية عنها.\n(^٢) البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٨٥/ ٧٢١).\n(^٣) في (ب): \"يوجد\".\n(^٤) في \"زاد المعاد\" (١/ ٣٥٢ - ٣٥٥)، وأبو داود (٢/ ٦٤ رقم ١٢٩٢).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٤/ ١٥٢ رقم ٢١٨٥).\n(^٥) في (ب): \"تستحب\".","vol":"3","page":47},{"text":"السادسُ: أنَّها بدعةٌ.\nوقد ذَكَرَ هنالكَ مستندُ كلِّ قولٍ. هذَا، وأرجحُ الأقوالِ: أنَّها سنةٌ مستحَبةٌ كما قرّرهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، نعمْ، وقدْ عارضَ حديثَ عائشةَ هذا حديثُها الذي أفادهُ قولُهُ:\n٣٤/ ٣٦٦ - وَلَهُ (^١) عَنْهَا: أنَّها سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضحَى؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ. [صحيح]\n- وَلَهُ (^٢) عَنْهَا: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَطُّ سُبْحَةَ الضُّحَى، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [صحيح]\n(ولهُ) أي: لمسلم (عنها) أي: عن عائشةَ (أنّها سُئِلَتْ: هلْ كانَ النبي ﷺ يصلِّي الضُّحَى؟ قالتْ: لا، إلَّا أنْ يجيءَ من مغيبهِ)؛ فإنَّ الأولَ دلَّ على أنهُ كانَ يصلّيها دائمًا، لما تدلُّ عليهِ كلمةُ \"كان\"؛ فإنَّها تدلُّ على التكرارِ، والثانيةُ دلّتْ على أنهُ كانَ لا يصلّيها إلَّا في حالِ مجيئهِ من مغيبهِ، وقد جُمِعَ بينَهما بأنَّ كلمةَ كانَ يفعلُ كذَا لا تدلُّ على الدوامِ دائمًا بلْ غالبًا، وإذا قامتْ قرينةٌ على خلافهِ صرفتْها عنهُ كما هنا، فإنَّ اللفظَ الثاني صرفَها عن الدوامِ، وأنَّها أرادتْ بقولِها: \"لا، إلَّا أنْ يجيءَ من مغيبهِ\"، نفيَ رؤيتِها صلاةَ الضُّحَى، وأنَّهَا لمْ ترهُ يفعلُها إلَّا في ذلكَ الوقتِ، واللفظُ الأول: [إخبارٌ] (^٣) عما بلغَها في أنهُ ما كانَ يتركُ صلاةَ الضُّحى، إلَّا أَنَّهُ يضعفُ هذا قولهُ:\n(ولهُ) أي: لمسلم، وهوَ أيضًا في البخاري بلفظه، فلوْ قالَ: ولهمَا كانَ أوْلَى.\n(عنها) أي: [عن] (^٤) عائشةَ (ما رأيت رسولَ اللَّهِ ﷺ يصلي [قطُّ] (^٥) سُبحةَ الضُّحى) بضمِّ السينِ، وسكونِ الباءِ، أي: نافلتَه، (وإني لأسبِّحُها)، فنفتْ رؤيتَها\n_________\n(^١) أي: لمسلم في \"صحيحه\" (٧١٧).\n(^٢) أي: لمسلم في \"صحيحه\" (٧١٨).\nقلت: وأخرجه البخاري (١١٢٨)، وأبو داود (١٢٩٣)، ومالك (١/ ١٥٢ - ١٥٣ رقم ٢٩).\n(^٣) في (أ): \"الإخبار\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"3","page":48},{"text":"لفعلهِ [ﷺ لها] (^١)، وأخبرتْ أنَّها كانتْ تفعلُها، كأنهُ استنادٌ إلى ما بلغَها منَ الحثِّ عليها، ومنْ فعلِه ﷺ لها، فألفاظُها لا تتعارضُ حينئذٍ.\nوقالَ البيهقيُّ (^٢): المرادُ بقولها: ما رأيتُهُ سبَّحَها أي: داومَ عليها، وقولها: وإني لأسبِّحها: أداوم عليها، وقالَ ابنُ عبدِ البرّ (^٣): يرجحُ ما اتفقَ عليهِ الشيخانِ، [وهوَ] (^٤) روايةُ إثباتها دونَ ما انفردَ بهِ مسلمٌ وهي روايةُ نفْيِها. قالَ: وعدمُ رؤية عائشةَ لذلكَ لا يستلزمُ عدمَ الوقوعِ الذي أثبتهُ غيرُها. هذا معنىَ كلامهِ.\nقلتُ: ومما [اتّفقَا] (^٥) عليهِ في إثباتِها حديثُ أبي هريرةَ في الصحيحينِ (^٦): \"أنهُ أوصاهُ - ﷺ - بأنْ لا يترك ركعتي الضُّحَى\". وفي الترغيب في فعلِها أحاديثُ كثيرةٌ - وفي عددِها كذلكَ - مبسوطةٌ في كتبِ الحديثِ.\n٣٥/ ٣٦٧ - وَعَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"صَلاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ\"، رَوَاهُ التّرمِذِيُّ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ زيدِ بن أرقمَ - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: صلاة الأوابينَ) الأوَّابُ: الرجَّاعُ إلى اللَّهِ تعالى بتركِ الذنوبِ وفعلِ الخيراتِ، (حينَ ترمَضُ الفصالُ) [ترمَض] (^٨) بفتح الميم: من رمِضتْ بكسرِها أي: تحترقُ منَ الرمضاءِ، وهوَ شدَّةُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩).\n(^٣) ذكره الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (١/ ٣٠٧).\n(^٤) في (أ): \"وهي\".\n(^٥) في (أ): \"اتفق\".\n(^٦) البخاري (١١٧٨)، ومسلم (٨٥/ ٧٢١).\n(^٧) لم يخرجه الترمذي.\nبل أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٧٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٧، ٣٧٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٩٦ رقم ٥٥٨٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢٩ رقم ١٢٢٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٥/ ٢٠٦ رقم ٥١٠٨)، وفي \"الصغير\" (١/ ٥٨)، وأبو عوانة (٢/ ٢٧٠ و٢٧١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٤٥ رقم ١٠١٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٠٦).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"3","page":49},{"text":"[حرارةِ] (^١) الأرضِ من [وقوعِ] (^٢) الشمسِ على [الرمل] (^٣) [وغيرِه] (^٤)، وذلكَ يكونُ عندَ ارتفاعِ الشمسِ وتأثيرِها الحرَّ، والفصالُ: جمعُ فصيلٍ، وهوَ ولدُ الناقةِ، سُمِّيَ بذلكَ لفصلهِ عن أمهِ، (رواهُ الترمذيُّ)، ولم يذكرْ لها عددًا.\nوقد أخرجَ البزارُ (^٥) من حديثِ ثوبانَ: \" (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يستحبُّ أن يصلِّيَ بعدَ نصفِ النهارِ، فقالتْ عائشةُ: يا رسولَ اللَّهِ إنكَ تستحبُّ الصلاةَ هذهِ الساعةَ، قالَ: \"تفتحُ فيها أبوابُ السماءِ، وينظرُ ﵎ فيها بالرحمةِ إلى خلقهِ، وهي صلاةٌ كانَ يحافظُ عليها آدمُ، ونوح، وإبراهيمُ، وموسى، وعيسى\"، وفيه راوٍ متروكٌ (^٦). ووردتْ أحاديثُ كثيرةٌ أنَّها أربعُ ركعاتٍ.\n٣٦/ ٣٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ صَلَّى الضُّحَى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ\"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (^٧). [ضعيف]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ صلَّى الضُّحَى اثنتي عشرةَ ركعةً بنى الله له قصرًا في الجنةِ. رواهُ الترمذيُّ واستغربَهُ). قالَ المصنفُ: وإسنادهُ ضعيفٌ (^٨).\n_________\n(^١) في (أ): \"حر\".\n(^٢) في (أ): \"وقع\".\n(^٣) في (أ): \"الأرض\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) كما في \"كشف الأستار\" (١/ ٣٣٧ رقم ٧٠٠).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢١٩) وقال: \"رواه البزار وفيه عتبة بن السكن، قال الدارقطني: متروك، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وقال: يخطئ ويخالف\" اهـ.\n(^٦) وهو عتبة بن السكن.\nانظر ترجمته في: \"الميزان\" (٣/ ٢٨ رقم ٥٤٧١).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٣٣٨ رقم ٤٧٣) وقال: حديث أنس حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٠): \"وإسناده ضعيف\".\nوفي الباب عن أبي ذر رواه البيهقي.\nوعن أبي الدرداء رواه الطبراني.\nوإسنادهما ضعيفان\" اهـ.\nقلت: وأخرج حديث أنس ابن ماجه (١٣٨٠) وضعّفه الألباني.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٨) في \"التلخيص\" (٢/ ٢٠).","vol":"3","page":50},{"text":"وأخرجَ البزارُ (^١) عن ابن عمرَ قالَ: قلتُ لأبي ذرٍّ: يا عمَّاهُ، أوصني، قال: سألتني عمَّا سألتُ عنهُ رسول الله ﷺ فقالَ: \"إنْ صليتَ الضُّحى ركعتينِ لم تُكتبْ منَ الغافلينَ، وإنْ صلَّيتَ أربعًا [كُتبتَ] (^٢) من العابدينَ، وإنْ صلَّيتَ سِتًّا لم يلحقْكَ ذنبٌ، وإنْ صلَّيتَ ثمانيًا كتبتَ منَ القانتينَ، وإنْ صلَّيتَ ثنتي عشرةَ بُنِيَ لكَ بيتٌ في الجنةِ\"، (وفيهِ حسينُ بنُ عطاءٍ ضعَّفَهُ أبو حاتمٍ وغيرُهُ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ، وقالَ: يخطئُ ويدلِّسُ) (^٣). وفي البابِ أحاديثُ لا تَخْلُو عنْ مقالٍ.\n٣٧/ ٣٦٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (^٤). [حسن]\n(وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ رسول اللَّهِ ﷺ بيتي، فصلَّى الضّحي ثماني ركعاتٍ. رواهُ ابن حبانَ في صحيحهِ). قد تقدمَ روايةُ مسلمٍ (^٥) عنها: \"أنَّها ما رأتْه - ﷺ - يصلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى\"، وهذا الحديثُ أثبتتْ فيهِ صلاتَه في بيتها، وجُمِعَ بينهما بأنَّها نفتِ الرؤيةَ، وصلاتُهُ في بيتِها يجوزُ أنَّها لم ترهُ، ولكنهُ ثبتَ لها بروايةٍ، واختارَ القاضي عياضٌ هذا الوجهَ. ولا بُعدَ في ذلكَ وإنْ كانَ في بيتها لجوازِ غَفْلَتِها في الوقت، فلا منافاةَ، والجمعُ مهما أمكنَ هوَ الواجبُ.\n(فائدة): من فوائدِ صلاة الضُّحى أنَّها تجزئُ عن الصدقةِ التي تصبحُ على\n_________\n(^١) في \"كشف الأستار\" (١/ ٣٣٤ رقم ٦٩٤) وقال البزار: لا نعلمه إلَّا عن أبي ذر، ولا روى ابن عمر عنه إلَّا هذا.\n(^٢) في (ب): \"كنت\".\n(^٣) قاله الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٣٦)، وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٢٠٦) عن حسين بن عطاء هذا بأنه يخطئ ويدلِّس. وقال عنه أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٦١ رقم ٢٧٣): \"شيخ منكر الحديث، وهو قليل الحديث، وما حدَّث به فمنكر\".\n(^٤) في \"الإحسان\" (٦/ ٢٧٢ رقم ٢٥٣١) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: \"المطلب بن عبد الله بن حنطب، وثقه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان والدارقطني، إلا أنهم اختلفوا في سماعه من عائشة. قال أبو حاتم: لم يدرك عائشة وعامة حديثه مراسيل، وقال أبو زرعة: أرجو أن يكون سمع منها، وباقي السند على شرط مسلم\" اهـ.\n(^٥) رقم (٣٤/ ٣٦٤).","vol":"3","page":51},{"text":"مفاصل الإنسانِ في كلِّ يومٍ، وهي ثلاثُمائةٍ وستون مفصلًا، [لما] (^١) أخرجهُ مسلم (^٢) من حديثِ أبي ذرٍّ [الذي] (^٣) قالَ فيه: \" [وتجزئ] (^٤) من ذلك ركعتا الضُّحَى\".\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"كما\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩٨ رقم ٨٤/ ٧٢٠).\n(^٣) زيادة في (ب).\n(^٤) في (أ): \"يجزئ\".","vol":"3","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-487>[الباب العاشر] بابُ صلاة الجماعة والإمامةِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-488>مضاعفة الأجر في الجماعة</span>\n١/ ٣٧٠ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ - أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْع وَعِشْرِينَ دَرَجَةً\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n- وَلَهُمَا (^٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: \"بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا\". [صحيح]\n- وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ (^٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَالَ: \"دَرَجَةً\". [صحيح]\n(عَن عبدِ اللَّهِ بْنِ عمرَ - ﵄ - أَنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفذِّ) بالفاءِ والذالِ المعجمةِ: الفردُ (بسبعٍ وعشرينَ درجةً. متفق عليهِ). (ولهما) أي: الشيخين (عن أبي هريرةَ: بخمس وعشرينَ جزءًا) عِوَضًا عن قولهِ: سبعٍ وعشرينَ درجةً، (وكذَا) أي: وبلفظِ: بخمسٍ وعشرينَ (للبخاريِّ عن أبي سعيدٍ، وقالَ: درجةً) عوضًا عن \"جزءٍ\". ورواهُ جماعةٌ منَ الصحابةِ غيرُ الثلاثةِ\n_________\n(^١) البخاري (٦٤٥)، ومسلم (٢٤٩/ ٦٥٠).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ١٢٩ رقم ١)، وأحمد (٢/ ٦٥)، وأبو عوانة (٢/ ٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٥٩).\n(^٢) البخاري (٦٤٨)، ومسلم (٢٤٥/ ٦٤٩).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ١٢٩ رقم ٢)، وأحمد (٢/ ٤٧٣)، والترمذي (١/ ٤٢١ رقم ٢١٦)، والنسائي (٢/ ١٠٣)، وابن ماجَهْ (١/ ٢٥٨ رقم ٧٨٧)، وابن الجارود رقم (٣٠٣)، وأبو عوانة (٢/ ٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ١٣١ رقم ٦٤٦).","vol":"3","page":53},{"text":"المذكورينَ، منهم: أنسٌ (^١)، وعائشةُ (^٢)، وصهيبٌ (^٣)، ومعاذٌ (^٤)، وعبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ (^٥)، وزيدُ بنُ ثابتٍ (^٦).\nقالَ الترمذيُّ (^٧): عامةُ مَن رواهُ قالُوا خمسًا وعشرينَ إلّا ابنَ عمرَ فقالَ [سبعةً] (^٨) وعشرينَ، ولهُ روايةٌ فيها: خمسًا وعشرينَ، ولا منافاةَ فإنَّ مفهومَ العددِ غيرُ مرادٍ، فروايةُ الخمسِ والعشرينَ داخلة تحت رواية السبع والعشرين، أو أنه أخبر - ﷺ - بالأقل عددًا أوَّلًا، ثم أخبر بالأكثرِ، وأنهُ زيادةٌ تفضَّلَ اللَّهُ بها، وقد زعمَ قومٌ أن السبعَ محمولةٌ على مَنْ صلَّى في المسجدِ، والخمسَ لمنْ صلَّى في غيرهِ، وقيلَ: السبعُ لبعيدِ المسجدِ، والخمسُ [لقريبِ المسجدِ] (^٩)، ومنهم مَنْ أبدى مناسباتٍ وتعليلاتٍ استوفاها المصنفُ في فتح الباري (^١٠)؛ \"وهي أقوالٌ تخمينيةٌ ليسَ عليها نصٌّ، والجزءُ والدرجةُ [هما] (^١١) بمعنًى واحدٍ [هنا] (^١٢)؛ لأنهُ عبَّرَ بكلِّ واحدٍ [منها] (^١٣) عن الآخرِ. وقد وردَ تفسيرُهما بالصلاةِ، وأنَّ صلاةَ الجماعةِ بسبعٍ وعشرينَ صلاةً فرادى، والحديثُ حثَّ على الجماعةِ، وفيهِ دليلٌ على عدمِ وجوبِها، وقد قالَ: بوجوبِها جماعةٌ منَ العلماءِ مستدلِّينَ بقولِهِ:\n_________\n(^١) أخرجه البزار (١/ ٢٢٧ رقم ٤٥٩ - كشف)، والطبراني في الأوسط - كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٨)، وقال الهيثمي: \"ورجال البزار ثقات\".\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٩)، والنسائي (٢/ ١٠٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٨٦) بسند صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٨)، وقال الهيثمي: وفيه من لم يسمَّ.\n(^٤) أخرجه البزار (١/ ٢٢٥ رقم ٤٥٤ - كشف)، والطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٩)، وقال الهيثمي: وفيه عبد الحكيم بن منصور، وهو ضعيف.\n(^٥) أخرجه الطبراني في الأوسط والكبير - كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٨) وقال الهيثمي: وفيه موسى بن عبيدة ضعيف.\n(^٦) أخرجه الطبراني في الكبير - كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٨ - ٣٩) وقال الهيثمي: وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف.\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٢٠ - ٤٢١).\n(^٨) في (أ): \"سبعًا\".\n(^٩) في (ب): \"لقريبه\".\n(^١٠) (٢/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^١١) زيادة من (أ).\n(^١٢) زيادة من (ب).\n(^١٣) في (أ): منهما.","vol":"3","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-489>دليل من قال بوجوب الجماعة من العلماء</span>\n٢/ ٣٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ؛ فَأُحَرِّقُ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَينِ حَسَنَتَينِ لَشَهِدَ العِشَاءَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: والذي نفسي بيدهِ)، أي: في ملكه وتحتَ تصرفِهِ، (لقد هممتُ) [هو] (^٢) جوابُ القسمِ، والأقسامُ منهُ - ﷺ - لبيانِ عِظَم شأن ما يذكرهُ زجرًا عن تركِ الجماعةِ (أنْ آمُرَ بحطبٍ فيحتطبُ، ثم آمرَ بالصلاةِ فيؤذنَ لها، ثمَّ آمُرَ رجلًا فيؤمَّ الناسَ، ثمَّ أخالفُ) في الصحاحِ (^٣): خالفَ إلى فلانٍ أي: أتاهُ إذا غابَ عنهُ، (إلى رجالٍ لا يشهدونَ الصلاةَ) أي: لا يحضرونَ الجماعةَ (فأحرِّقُ عليهم بيوتَهم. والذي نفسي بيدهِ لو يعلمُ أحدُهم أنه يجدُ عَرْقًا) بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، ثمَّ قافٌ: هوَ العَظْمُ إذا كانَ عليه لحمٌ (سمينًا أو مِرْماتينِ) تثنيةُ مِرماةِ بكسرِ الميم، فراءٍ ساكنةٍ وقد تفتحُ الميمُ، وهيَ: ما بينَ ضلعِ الشاةِ مِنَ اللحمِ (حسنتينِ) بمهملتينِ منَ الحسنِ (لشهدَ العشاءَ) أي صلاتَهُ في جماعةٍ (متفقٌ عليهِ). [أي بينَ الشيخينِ] (^٤) (واللفظُ للبخاريِّ).\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الجماعةِ عينًا لا كفايةً؛ إذْ قدْ قامَ بها غيرُهم فلا يستحقونَ العقوبةَ، ولا عقوبةَ إلَّا على تركِ واجبٍ أو فعلِ محرَّم. وإلى أنَّها فرضُ عينٍ ذهبَ عطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ المنذرِ، وابنُ حبانَ، ومن أهلِ البيتِ: أبو العباسِ، وقالتْ بهِ الظاهريةُ. وقالَ\n_________\n(^١) البخاري (رقم ٦٤٤)، ومسلم (٢٥١/ ٦٥١).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ١٢٩ رقم ٣)، وأحمد (٢/ ٢٤٤)، وأبو داود (٥٤٨ و٥٤٩)، والنسائي (٢/ ١٠٧)، وابن ماجه (٧٩١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٥٥) وغيرهم.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) (٤/ ١٣٥٨).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"3","page":55},{"text":"داودُ: إنَّها شرطٌ في صحةِ الصلاةِ بناء على ما يختارهُ مِنْ أن كلَّ واجبٍ في الصلاةِ فهوَ شرطٌ فيها، [ولمْ يسلَّمْ لهُ هذا لأنَّ الشرطيةَ لا بدَّ لها منْ دليلٍ، ولذَا قالَ أحمدُ وغيرُه: إنَّها واجبةُ غيرُ شرطٍ] (^١)، وذهبَ أبو العباسِ تحصيلًا لمذهبِ الهادي أنَّها فرضُ كفايةٍ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ من متقدِّمي الشافعيةِ، وكثيرٌ من الحنفيةِ والمالكيةِ، وذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ والمؤيَّدُ باللهِ، وأبو حنيفةَ، وصاحباهُ، والناصرُ إلى أنَّها سنةٌ مؤكدةٌ.\nاستدلَّ القائلُ بالوجوبِ بحديثِ البابِ؛ لأنَّ العقوبةَ البالغة لا تكونُ إلَّا على تركِ الفرائضِ، وبغيرهِ من الأحاديثِ؛ كحديثِ ابن أمّ مكتوم أنهُ قالَ: \"يا رسولَ اللهِ، قد علمتَ ما بي، وليسَ لي قائدٌ، وإنَّ بيني وبينَ المسجدِ شجرًا ونخلًا، ولا أقدرُ على قائدٍ كلَّ ساعةٍ، قال - ﷺ -: \"أتسمعُ الإقامةَ\"؟ قالَ: نعم، قال: \"فاحضرها\"، أخرجهُ أحمدُ (^٢)، وابنُ خزيمةُ (^٣)، والحاكمُ (^٤)، وابنُ حبانَ (^٥) بلفظِ: \"أتسمعُ الأذانَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فأتِها ولو حبوًا\"، والأحاديثُ في معناهُ كثيرةٌ، ويأتي حديثُ ابن أمِّ مكتومٍ (^٦)، وحديثُ ابن عباس (^٧).\nوقد أطلق البخاريُّ (^٨) الوجوبَ عليها [وبوَّبَ له] (^٩) بقولِهِ: بابُ وجوبِ صلاةِ الجماعةِ. وقالُوا: هي فرضُ عينٍ؛ إذْ لو كانت فرضَ كفايةٍ لكانَ قد أسقطَ وجوبَها فعلُ النبيِّ - ﷺ - ومَنْ معهُ لها، وأمّا التحريقُ في العقوباتِ بالنارِ، فإنهُ وإنْ كانَ قد ثبتَ النهيُ عنهُ عامًا فهذا خاصٌّ، وأدلةُ القائلِ بأنَّها فرضُ كفايةٍ أدلةُ مَنْ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المسند\" (٣/ ٤٢٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٦٨ رقم ١٤٨٠)، بإسناد صحيح.\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٧) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n(^٥) في \"الإحسان\" (٥/ ٤١٢ رقم ٢٠٦٣)، بإسناد ضعيف.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢)، والبغوي (٣/ ٣٤٨ رقم ٧٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٦).\nوهو حديث صحيح، وله طرق أخرى. انظر في: \"الإحسان\" بتخريج الشيخ شعيب الأرنؤوط.\n(^٦) رقم (٤/ ٣٧٣).\n(^٧) رقم (٥/ ٣٧٤).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ١٢٥ الباب: ٢٩).\n(^٩) في (ب): \"وبوبهُ\".","vol":"3","page":56},{"text":"قالَ: إنَّها فرضُ عينٍ بناءً على قيامِ الصارفِ للأدلةِ [على] (^١) فرضِ العينِ إلى فرضِ الكفايةِ، وقدْ أطالَ القائلونَ بالسنيةِ الكلامَ في الجواباتِ عن هذا الحديثِ بما لا يشفي، وأقربُها أنهُ خرجَ مخرجَ الزجرِ لا الحقيقةِ بدليلِ أنهُ لمْ يفعله - ﷺ -، واستدلَّ القائلُ بالسنيةِ بقولهِ - ﷺ - في حديثٍ أبي هريرةَ: \"صلاةُ الجماعةِ أفضلُ من صلاةِ الفذِّ\" (^٢)؛ فقد اشتركَا في الفضيلةِ، ولو كانتِ الفرادَى غيرَ مجزئةٍ لما كانتْ لها فضيلةٌ أصلًا، وحديثُ: \"إذا صليتُما في رحالِكُما\" (^٣)، فأثبتَ لهما الصلاةَ في رحالِهما، ولم يبينْ أنَّها إذا كانت جماعة، وسيأتي.\n٣/ ٣٧٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ: صَلاةُ العِشَاءِ، وَصَلاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأتوْهُمَا وَلَوْ حَبْوا\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أثقلُ الصلاةِ علي المنافقينَ) فيهِ أن الصلاةَ كلها عليهم ثقيلةٌ، فإنَّهم الذينَ إذا قامُوا إلى الصلاةِ قامُوا كسالى، ولكنَّ الأثقلَ عليهم (صلاةُ العشاءِ)؛ لأنَّها في وقتِ الراحةِ والسكونِ، (وصلاةُ الفجرِ) لأنَّها في وقتِ النومِ، وليسَ لهم داعٍ دينيٌّ ولا تصديقٌ بأجرِهِما حتَّى يبعثَهم على إتيانِهما، ويخفَّ عليهمُ الإتيانُ بهما، ولأنَّهما في ظلمةِ الليلِ، وداعي الرياءِ الذي لأجلهِ يصلونَ منتفٍ لعدمِ مشاهدةِ مَنْ يُراءُونَهُ منَ الناسِ إلّا القليلَ. فانتفى الباعثُ الدينيُّ منهما كما انتفَى في غيرِهما، ثمَّ انتفَى الباعثُ الدنيويُّ الذي في غيرِهما؛ ولذا قالَ - ﷺ - ناظرًا إلى انتفاءِ الباعثِ الدينيِّ عندَهم: (ولو يعلمونَ ما فيهمَا) في فعلِهما من الأجرِ (لأتَوْهُمَا) إلى المسجدِ (ولو حَبْوًا) أي: [ولو مشوا] (^٥) حبوًا، أي: كحبوِ الصبيِّ على يديهِ وركبتيهِ، وقيلَ: هو الزحفُ\n_________\n(^١) في (أ): \"عن\".\n(^٢) وهو حديث صحيح، تقدَّم تخريجه رقم (١/ ٣٧٠).\n(^٣) رقم (٦/ ٣٧٥).\n(^٤) البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٢٥٢/ ٦٥١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٢٦١ رقم ٧٩٧)، والدارمي (١/ ٢٩١) وغيرهما. وقد تقدَّم تخريجه رقم (٢/ ٣٧١) بلفظ آخر.\n(^٥) في (أ): \"مشيًا\".","vol":"3","page":57},{"text":"على الرُّكبِ، وقيلَ على الأستِ، وفي حديثٍ أبي أمامةَ عندَ الطبراني (^١): \"ولو حبوًا على يديهِ ورجليهِ\"، وفي روايةٍ جابرٍ عندَهُ أيضًا (^٢) بلفظِ: \"ولو حَبْوًا أو زحفًا\" فيهِ حثٌّ بليغٌ على الإتيانِ إليهمَا، وأنَّ المؤمنَ إذا علمَ ما فيهمَا أتى إليهمَا على أيِّ حالٍ، فإنهُ ما حالَ بينَ المنافق وبينَ هذا الإتيانِ إلّا عدمُ تصديقهِ بما فيهمَا (متفقٌ عليهِ).\n٤/ ٣٧٣ - وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: \"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَأجِبْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: عن أبي هريرةَ - ﵁ - (قالَ: أَتَى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ أَعْمى)، قد وردتْ بتفسيرهِ الروايةُ الأخرى، وأنهُ ابنُ أمِّ مكتومٍ (فقال: يا رسولَ اللهِ، ليسَ لي قائدٌ يقودُني إلى المسجدِ، فرخَّصَ لهُ) أي: في عدمِ إتيانِ المسجدِ، (فلمَّا ولَّى دعاهُ فقالَ: هل تسمعُ النداءَ)، وفي رواية: \"الإقامةَ\" (بالصلاةِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فأجبْ. رواهُ مسلمٌ).\nكانَ الترخيصُ أوَّلًا مطلقًا عن التقييدِ بسماعهِ النداءَ فرخَّص لهُ، ثمَّ سألهُ: هلْ تسمعُ النداءَ؟ قالَ: نعمْ. فأمرَهُ بالإجابةِ، ومفهومُهُ أنهُ إذا لمْ يسمعْ النداءَ كانَ ذلكَ عُذْرًا لهُ، وإذا سمعَهُ لم يكنْ لهُ عذرٌ عن الحضورِ.\nوالحديثُ منْ أدلةِ الإيجابِ للجماعةِ عينًا، لكنْ ينبغي أنْ يقيدَ الوجوبُ عينًا على سامعِ النداءِ لتقييدِ حديثٍ الأعمى، وحديثِ ابن عباسٍ لهُ، وما أُطلقَ منَ الأحاديثِ يُحملُ على المقيَّدِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٤٣)، وقال الهيثمي: \"وفيه علي بن يزيد الألهاني عن القاسم وقد ضعفهما الجمهور، واختلف في الاحتجاج بهما\" اهـ.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٦٧)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ٣٣٧ رقم ٣٦/ ١٨٠٣) بسند ضعيف.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٤٢)، وقال: \"رواه أحمد، وأبو يعلى والطبراني في \"الأوسط\"، ورجال الطبراني موثقون\" اهـ.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٥٢ رقم ٢٥٥/ ٦٥٣).\nقلت: وأخرجه النسائيُّ (٢/ ١٠٩ رقم ٨٥٠).","vol":"3","page":58},{"text":"وإذا عرفتَ هذا فاعلمْ أن الدَّعْوى: وجوبُ الجماعةِ عينًا أو كفايةً، والدليلُ هوَ حديثُ الهمِّ بالتحريقِ، وحديثُ الأعْمى، وهما إنَّما دلَّا على وجوبِ حضورِ جماعتهِ - ﷺ - في مسجدهِ لسامعِ النداءِ، وهوَ أخصُّ من وجوبِ الجماعةِ، ولو كانتِ الجماعةُ واجبةً مطلقًا لبيّنَ - ﷺ -[ذلكَ] (^١) للأعمى، ولقالَ لهُ: انظرْ مَنْ يصلِّي معكَ، ولقالَ في المتخلّفينَ: إنَّهم لا يحضرونَ جماعتَهُ - ﷺ - ولا يجمعونَ في منازلهِمْ، والبيانُ لا يجوزُ تأخيرُهُ عن وقتِ الحاجةِ، فالأحاديثُ إنَّما دلَّتْ على وجوبِ حضورِ جماعتهِ - ﷺ - عينًا على سامعِ النداءِ، لا على وجوبِ مطلقِ الجماعةِ كفايةً ولا عينًا.\nوفيه أنهُ لا يرخَّصُ لسامعِ النداءِ عن الحضورِ وإنْ كانَ لهُ عذرٌ، فإنَّ هذا ذكرَ العذرَ وأنهُ لا يجدُ قائدًا فلم يعذرْهُ إذنْ، ويحتملُ أن الترخيصَ لهُ ثابتٌ للعذرِ، ولكنهُ أمرهُ بالإجابةِ ندبًا لا وجوبًا ليحرزَ الأجرَ في ذلكَ، والمشقةُ تغتفرُ بما يجدهُ في قلبهِ منَ الروحِ في الحضورِ، ويدلُّ لكون الأمر للندب -[أي] (١): مع العذرِ - قولُهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-490>حجَّة من قال بصرف الأمر من الوجوب إلى الندب</span>\n٥/ ٣٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلا صَلاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٤)، وَالْحَاكِمُ (^٥)، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، لَكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٢٦٠ رقم ٧٩٣).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤٢٠ رقم ٤).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٥/ ٤١٥ رقم ٢٠٦٤) بإسناد صحيح.\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٥) وقال: \"هذا حديث قد أوقفه غندرٌ وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح (هو عبد الرحمن بن غزوان) ثقتان، فإذا وصلاه فالقول فيه قولُهما\" اهـ. ووافقه الذهبي. ووافقهما الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٣٢٧) وقال: وقد صرّح هشيم بالتحديث عند الحاكم.\nوللحديث طرق أخرى انظرها في تخريج \"الإحسان\" للشيخ شعيب الأرنؤوط.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بطرقه، والله أعلم.\n(^٦) قال الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٣٢٧): \"لا مبرر لهذا الترجيح، فإن الذين رفعوه جماعة =","vol":"3","page":59},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵁ - عَنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: مَنْ سَمِعَ النداءَ فلمْ يأتِ فلا صلاةَ لَهُ، إِلَّا مِنْ عُذرٍ. رواهُ ابنُ ماجهْ، والدارقطنيُّ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ، وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ، لكنْ رجَّحَ بعضُهم وقْفَهُ).\nالحديثُ أُخرجَ من طريقِ شعبةَ موقوفًا ومرفوعا، والموقوفُ فيه زيادةُ: \"إلَّا من عذرٍ\"؛ فإنَّ الحاكمَ وَقَفَهُ عندَ أكثرِ أصحابِ شعبةَ، وأخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (^١) من حديثٍ أبي موسى عنهُ - ﷺ -: \"من سمعَ النداءَ فلمْ يجبْ من غيرِ ضررٍ ولا عذرٍ فلا صلاةَ لهُ\". قال الهيثميُّ (^٢): \"فيهِ قيسُ بن الربيعِ وثَّقَهُ شعبةُ، وسفيانُ الثوريُّ، وضعَّفَهُ جماعةٌ\". وقد أخرجَ حديثَ ابن عباسٍ المذكورَ أبو داودَ (^٣) بزيادةِ: \"قالوا: وما العذرُ؟ قالَ: خوفٌ أو مرضٌ لم يقبلِ اللهُ منهُ الصلاةَ التي صلَّى\"، بإسنادٍ ضعيفٍ.\nوالحديثُ دليلٌ على تأكدِ الجماعةِ، وهوَ حجةٌ لمن يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ، ومَنْ يقولُ: إنَّها سنةٌ يُؤوِّلُ قولُهُ: \"فلا صلاةَ لهُ\"، أي كاملةً، وإنهُ نزَّلَ نفيَ الكمالِ منزلةَ نفي الذاتِ مبالغةً. والأعذارُ في تركِ الجماعةِ: منها ما في حديث أبي داودَ، ومنها المطرُ، والريحُ الباردةُ، ومن أكلَ كُرَّاثًا أو نحوَهُ من ذواتِ الريحِ الكريهةِ، فليسَ له أنْ يقربَ المسجدَ، قيل: ويحتملُ أنْ يكونَ النهيُ عنها لما يلزمُ من أكلها من تفويتِ الفريضةِ فيكون آكلها آثِمًا لما تسبّبَ لهُ من تركِ الفريضةِ، ولكنْ لعلَّ مَنْ يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ يقولُ: تسقطُ بهذهِ الأعذارِ صلاتُها في المسجدِ لا في البيت فيصليْها جماعةً.\n٦/ ٣٧٥ - وَعَنْ يَزِيدَ بن الأسْوَدِ أنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: \"مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ \"، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: \"فَلا تَفْعَلا، إِذَا صَلَّيتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَدْرَكتُمَا الإِمَامَ وَلَمْ\n_________\n= الثقات تابعوا هشيمًا عليه، منهم قراد واسمه عبد الرحمن بن غزوان عند الدارقطني والحاكم، وسعيد بن عامر وأبو سليمان: داود بن الحكم عند الحاكم … \" اهـ.\n(^١) (١١/ ٤٤٦ رقم ١٢٢٦٦).\n(^٢) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٤٢).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٣٧٢ رقم ٥٥١)، وهذه الزيادة (ضعيفة).","vol":"3","page":60},{"text":"يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣) والتِّرْمِذِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وعن يزيدَ بن الأسودِ - ﵁ -) هو أبو جابرٍ يزيدُ بنُ الأسودِ السُّوائي، بضمِّ المهملةِ، وتخفيفِ الواوِ، والمدِّ، ويقالُ: الخزاعيُّ، ويقالُ: العامريُّ، روى عنهُ ابنهُ جابرٌ، وعدادُهُ في أهلِ الطائفِ، وحديثُهُ في الكوفيينَ (أنهُ صلَّى معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - الصبحَ، فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ -) أي: فرغَ من صلاتهِ (إذا هوَ برجلينِ لم يصلِّيا) أي: معهُ (فدَعا بِهِمَا، فَجيءَ بهما ترعُدُ) بضمِّ المهملةِ (فرائصُهما) جمعُ فريصةٍ، وهيَ اللحمةُ التي بينَ جنبِ الدابةِ وكتفِها، أي: ترجفُ منَ الخوفِ، قالهُ في النهايةِ (^٥).\n(فقالَ لهما: ما منعَكما أنْ تصلِّيا معنَا؟ قالَا: قد صلَّينا في رحالِنا) جمعُ رَحلٍ بفتحِ الراءِ، وسكونِ المهملةِ، هوَ المنزلُ، ويطلقُ على غيرِهِ، ولكنَّ المرادَ هنَا بهِ المنزلُ، (قالَ: فلا تفعلَا، إذَا صَلَّيتُما في رحالِكُما، ثمَّ أدركتُما الإمامَ ولم يصلِّ فصلِّيَا معهُ، فإنَّها) أي: الصلاةُ معَ الإمامِ بعدَ [صلاةِ] (^٦) الفريضةَ (لكما نافلةٌ) والفريضةُ: هي الأُولى سواءٌ صُلِّيَتْ جماعةً أو فُرادَى لإطلاقِ الخبرِ.\n(رواهُ أحمدُ، واللفظُ لهُ، والثلاثة، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والترمذيُّ). زادَ المصنفُ في التلخيصِ (^٧): \"والحاكمُ (^٨)، والدارقطنيُّ (^٩)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ، كلُّهُم من طريقِ يعلى بن عطاءٍ، عن جابرٍ بن يزيدَ بن الأسودِ عن أبيهِ\"، وقالَ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) الترمذي (٢١٩)، والنسائي (٢/ ١١٢ - ١١٣ رقم ٨٥٨)، وأبو داود (٥٧٥).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٤/ ٤٣٤) رقم ١٥٦٥.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٢٦).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٠، ٣٠١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٤)، والدارقطني (١/ ٤١٣ رقم ١)، وابن خزيمة (٣/ ٦٧ رقم ١٦٣٨)، وابن عبد البرّ في \"التمهيد\" (٤/ ٢٥٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) لابن الأثير (٣/ ٤٣١).\n(^٦) في (ب): \"صلاتِهما\".\n(^٧) (٢/ ٢٩).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٤).\n(^٩) في \"السنن\" (١/ ٤١٣ رقم ١).","vol":"3","page":61},{"text":"الشافعيُّ في القديمِ: إسنادهُ مجهولٌ، قالَ البيهقيُّ: لأنَّ يزيدَ بنَ الأسودِ ليسَ له راوٍ غيرُ ابنهِ، ولا لابنهِ جابرٍ غير يَعْلَى. قلتُ: يَعْلَى من رجالِ مسلمٍ، وجابرٌ وثَّقَهُ النسائيُّ وغيرُه. انتهى.\nوهذا الحديثُ وقعَ في مسجدِ الخيفِ في حجةِ الوداعِ، فدلَّ على مشروعيةِ الصلاةِ معَ الإمامِ إذا وجدَهُ يصلِّي، أو سيصلِّي بعدَ أنْ كانَ قد صلَّى جماعةً أو فُرادى، والأُولى هي الفريضةُ، والأخْرى نافلةٌ كما صرحَ بهِ الحديثُ. وظاهرهُ أنهُ لا يحتاجُ إلى رفضِ الأُولى، وذهبَ إلى هذا زيدُ بنُ عليٍّ، والمؤيدُ [باللهِ] (^١)، وجماعةٌ منَ الآلِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ. وذهبَ الهادي ومالكٌ وهوَ قولُ [للشافعي] (^٢) إلى أن الثانيةَ هيَ الفريضةُ لما أخرجه أبو داودَ (^٣) من حديثٍ يزيدَ بن عامرٍ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"إذا جئتَ الصلاةَ فوجدتَ الناسَ يصلونَ فصلِّ معَهُم إنْ كنتَ قد صلّيتَ تكنْ لك نافلةً، وهذهِ مكتوبةٌ\"، وأجيبَ بأنهُ حديثٌ ضعيف ضعّفهُ النوويُّ [وغيرُه] (^٤)، وقال البيهقيُّ: هو مخالفٌ لحديثِ يزيدَ بن الأسودِ وهوَ أصحُّ، ورواهُ الدارقطني بلفظِ: \"وليجعلْ التي صلَّى في بيتهِ نافلةً\". قال الدارقطنيُّ: هذه روايةٌ ضعيفةٌ شاذةٌ (^٥)، وعلى هذا القولِ لا بدَّ منَ الرفضِ للأُولى بعدَ دخولهِ في الثانيةِ، وقيلَ: بشرطِ فراغهِ من الثانية صحيحةً، وللشافعيِّ قولٌ ثالث: أن الله تعالى يحتسبُ بأيِّهما شاء، لقولِ ابن عمرَ لمنْ سألهُ عن ذلكَ: \"أو ذلكَ إليكَ؟، إنَّما ذلكَ إلى اللهِ تعالى يحتسبُ بأيِّهما شاءَ\"، أخرجهُ مالكٌ (^٦) في الموطأ.\nوقدْ عُورضَ حديثُ البابِ بما أخرجَهُ أبو داودَ (^٧)، والنسائيُّ (^٨)، وغيرُهما\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"الشافعي\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٨٨ رقم ٥٧٧)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٣٠).\n(^٦) في \"الموطأ\" (١/ ١٣٣ رقم ٩).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٣٨٩ رقم ٥٧٩).\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ١١٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٩)، والدارقطني (١/ ٤١٥ رقم ١)، والبيهقي (٢/ ٣٠٣)، وابن خزيمة (٣/ ٦٩ رقم ١٦٤١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٣٣٣ رقم ١٣٢٧٠)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٦/ ١٥٥ - ١٥٦ رقم ٢٣٩٦).\nوصحَّح ابن حزم الحديث في \"المحلَّى\" (٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣).","vol":"3","page":62},{"text":"عن ابن عمرَ يرفعهُ: \"لا تُصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتينِ\"، ويجابُ عنهُ بأنَّ المنهيَّ عنهُ أنْ يصلِّيَ كذلكَ على أنَّهما فريضةٌ لا على أن إحداهُما نافلةٌ، أو المرادُ: لا يصليهمَا مرتينِ منفردًا، ثمَّ ظاهرُ حديثٍ البابِ عمومُ ذلكَ في الصلواتِ كلِّها، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ، وقالَ أبو حنيفةَ: لا تعادُ إلّا الظهرُ والعشاءَ، أمّا الصبحَ والعصرُ فلا للنهي عن الصلاةِ بعدَهما، وأما المغربُ فلأنَّها وترُ النهارِ، [فلوْ] (^١) أعادَها صارتْ شفعًا، وقالَ مالكُ: إذا كانَ صلَّاها في جماعةٍ لم يُعِدْهَا، وإنْ كانَ صلَّاها منفردًا أعادَها.\nوالحديثُ ظاهرٌ في خلافِ ما قالهُ أبو حنيفةَ ومالكٌ، بلْ في حديثٍ يزيدَ بن الأسودِ أن ذلكَ كانَ في صلاةِ الصبحِ، فيكونُ أظهرَ في ردِّ ما قالَهُ أبو حنيفةَ. ويُخصُّ به عمومُ النهي عن الصلاة في الوقتينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-491>وجوبُ متابعةِ الإمام والنهي عن سبقهِ ومقارنتهِ</span>\n٧/ ٣٧٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحيحَيْنِ (^٣). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ بهِ، فإذا كبَّرَ) أي: للإحرامِ أو مطلقًا فيشملُ تكبيرَ النقلِ، (فكبّرُوا، ولا تكبرُوا حتَّى يكبِّر)، زادهُ تأكيدًا لما أَفادهُ مفهومُ الشرطِ، كما في سائرِ الجملِ الآتيةِ، (وإذا ركعَ فاركعُوا، ولا تركعُوا حتَّى يركعَ) أي: حتَّى يأخذَ في الركوع، لا حتَّى يفرغَ منهُ\n_________\n(^١) في (أ): \"لو\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٠٤ رقم ٦٠٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) البخاري (٧٢٢)، ومسلم (٨٦/ ٤١٤).","vol":"3","page":63},{"text":"كما يتبادرُ منَ اللفظِ: (وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ، فقولُوا: اللَّهمّ ربَّنَا لكَ الحمدُ، وإذا سجدَ) أخذَ في السجودِ (فاسجدُوا، ولا تسجدُوا حتَّى يسجدَ، وإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى قاعدًا) لعذرٍ (فصلُّوا قعودًا أجمعين)، هكذا بالنصبِ على الحالِ، وهي روايةٌ في البخاري، وأكثرُ الرواياتِ على \"أجمعونَ\" بالرفعَ تأكيدًا لضميرِ الجمعِ (رواهُ أبو داودَ، وهذا لفظهُ، وأصلُه في الصحيحينِ)، إنَّما يفيدُ جعلَ الإمامِ مقصورًا على الاتّصافِ بكونهِ مؤتمًّا بهِ لا يتجاوزُه المؤتمُّ إلى مخالفتهِ. والائتمامُ: الاقتداءُ والاتباعُ.\nوالحديثُ دلَّ على أن شرعيةَ الإمامةِ ليقتدَى بالإمامِ، ومنْ شأنِ التابعِ والمأمومِ أنْ لا يتقدمَ متبوعَهُ، ولا يساويَهُ ولا يتقدمَ عليهِ في موقفهِ، بل يراقبُ أحوالَهُ ويأتي على أثرِها بنحوِ فعلِهِ، ومقتضَى ذلكَ أنْ لا يخالفَهُ في شيءٍ منَ الأحوالِ، وقد فصَّلَ الحديثُ ذلكَ بقوله: \"فإذا كبَّرَ … \" إلى آخره، ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم - على ما ذُكِرَ، فمنْ خالفَهُ في شيءٍ مما ذُكِرَ، فقدْ أَثِمَ ولا تفسدُ صلاتُهُ بذلكَ، إلَّا أَنَّهُ إنْ خالفَ في تكبيرةِ الإحرامِ بتقديمِها على تكبيرةِ الإمامِ فإنَّها [لا] (^١) تنعقدُ معهُ صلاتهُ، لأنهُ لم يجعلْه إمامًا؛ إذ الدخولُ بها بعدَهُ وهي عنوانُ الاقتداءِ بِهِ واتخاذُه إمامًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>الدليل على عدم فساد صلاة المقتدي بمخالفته لإمامه</span>\nواستدلَّ على عدم فسادِ الصلاةِ [بمخالفتهِ لإمامهِ] (^٢) بأنّهُ - ﷺ - توعَّدَ مَنْ سابقَ [إمامَهُ] (^٣) في ركوعهِ أو سجودِهِ بأنَّ الله يجعلُ رأسَهُ رأسَ حمارٍ (^٤)، ولمْ يأمْره بإعادةِ صلاتهِ، ولا قالَ: فإنهُ لا صلاةَ لَهُ. ثمَّ الحديثُ لم يشترطِ المساواةَ في النيَّةِ، فدلَّ أنَّها إذا اختلفتْ نيةُ الإمامِ والمأمومِ كأنْ ينويَ أحدُهما فرضًا والآخرُ\n_________\n(^١) في (أ): \"لم\".\n(^٢) في (أ): \"لمخالفة الإمام\".\n(^٣) في (ب): \"الإمام\".\n(^٤) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (١/ ٣٢٠ رقم ٤٢٧/ ١١٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"أما يخشى الذي يرفعُ رأسَهُ قبلَ الأمام أن يُحوَّلَ رأسُهُ رأس حمار\". وعند البخاري: \"أن يجعلَ الله رأسَهُ رأسَ حمارٍ، أو يجعلَ الله صورتَهُ صورةَ حمارٍ\".","vol":"3","page":64},{"text":"نفلًا، أو ينوي هذا [عصرًا والآخرُ ظهرًا] (^١) - أنَّها تصحُّ الصلاةُ جماعةً، وإليهِ ذهبتِ الشافعيةُ، ويأتي الكلامُ على ذلكَ في حديثٍ جابرٍ (^٢) في صلاةِ معاذٍ.\nوقولُهُ: \"وإذا قالَ: سمعَ اللهُ لمن حمدهُ\" يدلُّ أنهُ الذي يقولُهُ الإمامُ، ويقولُ المأمومُ: \"اللَّهمّ ربَّنا لكَ الحمدُ\"، وقد ورد بزيادةِ الواوِ، ووردَ بحذفِ \"اللَّهمّ\" والكلُّ جائزٌ، والأرجحُ العملُ بزيادةِ \"اللَّهمَّ\"، وزيادةِ الواو، لأنَّهما يفيدانِ معنىً زائدًا.\nوقد احتجَّ بالحديثِ مَنْ يقولُ: إنهُ لا يجمعُ الإمامُ والمؤتمُّ بينَ التسميعِ والتحميدِ، وهمُ الهادويةُ والحنفيةُ، قالُوا: ويشرعُ للإمامِ والمنفردِ التسميعُ، وقدْ [تقدَّم الكلامَ فيه] (^٣). وقالَ أبو يوسفَ ومحمدٌ: يَجْمَعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ ويقولُ المؤتمُّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يفعلُ ذلكَ\"، وظاهرهُ: منفردًا وإمامًا؛ [فإنَّ] (^٤) صلاتَهُ - ﷺ - مؤتمًا نادرةٌ، ويقالُ عليهِ: فأينَ الدليلُ على أنهُ يشملُ المؤتمَّ، فإنَّ الذي في حديثٍ أبي هريرةَ [هذَا] (^٥) أنهُ [يحمدُ] (^٦)، وذهبَ الإمامُ يحيى، والثوريُّ، والأوزاعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما الإمامُ والمنفردُ، ويحمدُ المؤتمُّ لمفهومِ حديثٍ الباب؛ إذ يفهمُ مِن قولِهِ: \"فقولُوا: اللَّهمَّ\" الخ، أنهُ لا يقولُ المؤتمُّ إلَّا ذلكَ.\nوذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ يجمعُ بينَهما المصلِّي مطلقًا مستدلًّا بما أخرجهُ مسلمٌ (^٧) من حديثٍ ابن أبي أَوْفَى: \"أنهُ - ﷺ - كانَ إذا رفعَ رأسُهُ منَ الركوعِ قالَ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، اللهمَّ ربَّنَا لكَ الحمدُ\" الحديثَ. قالَ: والظاهرُ عمومُ [الأحوال، أي] (^٨): أحوال صلاتِه جماعةً ومنفردًا، وقد قالَ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^٩)، ولا حجةَ في سائرِ الرواياتِ على الاقتصارِ؛ إذ عدمُ الذكرِ\n_________\n(^١) في (أ): \"ظهرًا وهذا عصرًا\".\n(^٢) رقم (١٠/ ٣٧٩).\n(^٣) في (ب): \"قدمنا هذا\".\n(^٤) في (أ): \"على أن\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): \"صلّى بحمده\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٣٤٦ رقم ٢٠٢/ ٤٧٦).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٢٤/ ٣٩١) من حديث مالك بن الحويرث بألفاظ، وهذا لفظ البخاري.","vol":"3","page":65},{"text":"في اللفظِ لا يدلُّ على عدمِ الشرعيةِ، فقولُهُ: \"إذا قالَ الإمامُ سمعَ اللهُ لمنْ حمدهُ\"، لا يدلُّ على نفي قولهِ: \"ربَّنَا ولكَ الحمدُ\"، وقولُهُ: \"قولُوا: ربَّنا لكَ الحمدُ\" لا يدلُّ على نفي قول المؤتمِّ: سمعَ اللهُ لمنْ حمدَهُ، وحديثُ ابن أبي أَوْفَى في حكايتهِ لفعلِهِ - ﷺ - زيادةٌ، وهي مقبولةٌ، لأنَّ القولَ غيرُ معارضٍ لها، وقد رَوَى ابنُ المنذرِ هذَا القولَ عن عطاءٍ (^١)، وابنِ سيرينَ (^٢)، وغيرِهما، فلمْ ينفردْ بهِ الشافعي، ويكونُ قولُهُ: \"سمعَ اللهُ لمن حمدَهُ\" عندَ رفعِ رأسِهِ، وقولُهُ: \"ربَّنَا لكَ الحمدُ\" عندَ انتصابِهِ.\nوقولُهُ: (فصلُّوا قعودًا أجمعينَ) دليل على أنهُ يجبُ متابعةُ الإمامِ في القعودِ لعذرٍ، وأنه يقعدُ المأموم مع قدرته على القيام، وقد ورد تعليلُه بأنه فعل فارس والروم، أي: القيامُ معَ قعودِ الإمامِ؛ فإنهُ قال - ﷺ -: \"إنْ كدتُم آنفًا لتفعلونَ فعلَ فارسَ والرومِ، يقومون على ملوكهِم وهم قعودٌ، فلا تفعلُوا\" (^٣)، وقد ذهبَ إلى [ذلك] (^٤) أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ وغيرُهما (^٥) وذهبتِ الهادويةُ (^٦)، ومالكٌ (^٧)، وغيرُهم إلى أنَّها لا تصح صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ لا قائمًا ولا قاعِدًا؛ لقولهِ - ﷺ -: \"لا تختلِفُوا على إمامِكم ولا تتابعُوه في القعودِ\" (^٨)، كذا في شرح القاضي، ولم يسندْهُ إلى كتابِ ولا وجدتُ قولَه: \"ولا تتابعُوهُ في القعودِ\" في حديثٍ، فينظَرُ.\n_________\n(^١) في \"الأوسط\" لابن المنذر (٣/ ١٦١).\n(^٢) في \"الأوسط\" لابن المنذر (٣/ ١٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٤/ ٤١٣)، وأبو عوانة (٢/ ١٠٨)، وابن ماجه (١٢٤٠)، وأحمد (٣/ ٣٣٤) من طريق الليث بن سعد وغيره عن أبي الزبير عن جابر، وأخرجه أبو داود (٦٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٨٠)، وأحمد (٣/ ٣٠٠) من طريق أبي سفيان عن جابر.\nبسند صحيح على شرط مسلم.\n(^٤) في (أ): \"هذا\".\n(^٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٨ - ٥٠ رقم المسألة ١١٧٩).\n(^٦) انظر: \"التاج المذهب\" (١/ ١١١).\n(^٧) انظر: \"الخَرَشي على مختصر سيدي خليل\" (٢/ ٢٤).\n(^٨) لم أقف عليه.","vol":"3","page":66},{"text":"وذهبَ الشافعيُّ (^١) إلى أنَّها تصحُّ صلاةُ القائمِ خلفَ القاعدِ، ولا يتابعُهُ في القعودِ، قالُوا: لصلاةِ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - في مرضِ موتهِ قيامًا حينَ خرجَ وأبو بكرٍ قد افتتحَ الصلاةَ فقعدَ عن يسارِهِ (^٢)، فكانَ ذلكَ ناسخًا لأمرهِ - ﷺ - لهمْ بالجلوسِ في حديثٍ أبي هريرةَ، فإنَّ ذلكَ كانَ في صلاتهِ حينَ جحشَ وانفكتْ قدمُهُ، فكانَ هذا آخرَ الأمرينِ فتعيَّنَ العملُ بهِ، كذا قرّرهُ الشافعيُّ.\nوأجيب: بأنَّ الأحاديثَ التي أمرَهم فيها بالجلوسِ لم يختلفْ في صحتِها، ولا في سياقِها. وأما صلاتُه - ﷺ - في مرضِ موتهِ فقدِ اختُلِفَ فيها: هل كانَ إمامًا أو مأمومًا؟ والاستدلالُ بصلاتهِ في مرضِ موتهِ لا يتمُّ إلَّا على أنهُ كانَ إمامًا.\n(ومنها): أنهُ يحتملُ أن الأمرَ بالجلوسِ للندبِ، وتقريرُ القيامِ قرينةٌ على ذلكَ، فيكونُ هذا جمعًا بين الروايتينِ خارجًا عن المذهبينِ جميعًا؛ لأنهُ يقتضي التخييرَ للمؤتمِّ بينَ القيامِ والقعودِ.\n(ومنها): أنهُ قد ثبتَ فعلُ ذلكَ عن جماعةٍ من الصحابةِ بعدَ وفاتهِ - ﷺ - أنَّهم أمُّوا قعودًا ومن خَلْفَهم قعودًا أيضًا، مِنْهم: أسيدُ بنُ حضير (^٣)، وجابر (^٤)، وأفتَى به أبو\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٦).\n(^٢) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٢/ ١٦٦ رقم ٦٨٣)، ومسلم (٩٧/ ٤١٨) عن عائشة ﵂ قالت: \"أمرَ رسول الله - ﷺ - أبا بكرٍ أن يُصلِّي بالناسِ في مرضهِ، فكان يُصلِّي بهم. قال عروةُ: فوجدَ رسولُ الله - ﷺ - في نفسهِ خِفَةً فخرج، فإذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآهُ أبو بكر استأخرَ، فأشارَ إليه أنْ كما أنتَ، فجلسَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حذاءَ أبي بكر إلى جنبهِ، فكان أبو بكر يُصلّي بصلاةِ رسولِ الله - ﷺ -، والناسُ يصلون بصلاة أبي بكر\".\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) من طريق عبد الله بن هبيرة عن أسيد، بإسناد صحيح.\nوأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٠٦ رقم ٢٠٤٥) من طريق بشير بن يسار عن أسيد، بإسناد صحيح.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ١٧٦): رواه ابن المنذر بإسناد صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤٦٢ رقم ٤٠٨٥) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أسيد.\nوأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧ رقم ٢٠٤٦) من طريق كثير بن السائب عن أسيد.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٢٦)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٠٦ رقم ٢٠٤٣) عنه بإسناد صحيح.","vol":"3","page":67},{"text":"هريرةَ (^١)، قالَ ابنُ المنذرِ (^٢): ولا يحفظُ عن أحدٍ منَ الصحابةِ [خلافُ ذلكَ] (^٣).\nوأمّا حديثُ: \"لا يؤمنَّ أحدُكم بعدي قاعدًا قومًا قيامًا\"، فإنهُ حديثٌ [ضعيفٌ أخرجهُ البيهقيُّ (^٤) والدارقطنيُّ (^٥) من حديثٍ جابرٍ الجعفيِّ (^٦) عن النبيّ - ﷺ -، وجابر] (^٧) ضعيفٌ جدًّا، وهوَ معَ ذلكَ مرسلٌ، قالَ الشافعيُّ (^٨): قد علمَ منِ احتجَّ بهِ أنهُ لا حجةَ فيهِ لأنهُ مرسلٌ، ومن رواتِهِ رجلٌ يرغبُ أهلُ العلمِ عن الروايةِ عنهُ يعني [جابرًا] (^٩) الجعفيَّ. وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (^١٠) في الجمع بينَ الحديثينِ إلى أنهُ إذا ابتدأ الإمامُ الراتبُ الصلاةَ قاعدًا لمرضٍ يُرجَى [برؤه] (^١١)، فإنَّهم يصلُّونَ خلفَه قعودًا، وإذا ابتدأ الإمامُ الصلاةَ قائمًا لزمَ [المأمومينَ] (^١٢) أن\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٢٦) عنه بإسناد صحيح.\n• وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ١٧٦): وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا.\n• وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤٦٢ رقم ٤٠٨٤) عن ابن عيينة.\nوابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٢٧) عن وكيع.\nكلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: أخبرني قيس بن قَهْد الأنصاري أن إمامهم اشتكى على عهد رسول الله - ﷺ -، قال: فكان يؤمّنا جالسًا ونحن جلوس. وإسناده صحيح.\n(^٢) وقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٠٢): \"الأخبار في هذا الباب ثابتة، والقول بها يجب، والانتقال منها إلى أخبار مختلف فيها غير جائز\".\n(^٣) في (أ): \"خلافٌ\".\nهنا جملة من (ب) مكررة وهي: \"جدًّا وهو مع ذلك مرسل. قال الشافعي: قد علم من احتجّ به فلا حجّة فيه\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٨٠).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٣٩٨ رقم ٦) وقال: \"لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة\" اهـ.\nوانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٤٩ - ٥٠)، و\"الأوسط\" (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٥٣٧ - ٥٤٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، و\"المجروحين\" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) ذكره النووي في \"المجموع\" (٤/ ٢٦٦).\n(^٩) في (أ): \"عن جابر\".\n(^١٠) ذكره ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٤٩).\n(^١١) في (أ): \"زواله\".\n(^١٢) في (أ): \"المؤتمين\".","vol":"3","page":68},{"text":"يصلُّوا خلفَه قيامًا سواءٌ طرأ ما يقتضي صلاةَ إمامِهم قاعدًا أمْ لا، كما في الأحاديثِ التي في مرضِ موتهِ؛ فإنهُ - ﷺ - لم يأمْرهم بالقعودِ؛ لأنَّ ابتداءَ إمامِهم صلاتَه قائمًا ثمَّ أمَّهمْ - ﷺ - في بقيةِ الصلاةِ قاعدًا، بخلافٍ صلاتِه - ﷺ -[بهم] (^١) في مرضهِ الأولِ، فإنهُ ابتدأ صلاتَهُ قاعدًا فأمرَهم بالقعودِ، وهو جمْعٌ حسنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-493>النهي عن التأخر عن الصفوف</span>\n٨/ ٣٧٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ: \"تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - رأى في أصحابِهِ تأخرًا، فقال: تقدَّموا فأتمُّوا بي، وليأتمَّ بكمْ مَنْ بعدَكم. رواهُ مسلمٌ). كأنَّهم تأخَّروا عن القربِ والدنوِّ منهُ - ﷺ -، وقولُهُ: \"ائتمُّوا بي\"، أي: اقتدُوا بأفعالي، وليقتدِ بكم مَنْ بعدَكم، مستدلينَ بأفعالِكم على أفعالي.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ اتباعُ مَنْ خلفَ الإمامِ ممنْ لا يراهُ ولا يسمعُه كأهلِ الصفِّ الثاني يقتدونَ بالأولِ، وأهلُ الصفِّ الثالثِ، بالثاني، ونحوِه، أو بمنْ يبلِّغُ عنهُ. وفي الحديث حثٌّ على الصفِّ الأولِ، وكراهةِ البعدِ عنهُ، وتمامُ الحديثِ: \"لا يزالُ قومٌ يتأخّرونَ حتَّى يؤخرَهمُ اللهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-494>حكم صلاة النقل بجماعة</span>\n٩/ ٣٧٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حُجْرَةً مُخَصَّفَةً، فَصَلَّى فِيهَا فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ - الحديثَ، وَفِيهِ: \"أَفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٣٢٥ رقم ١٣٠/ ٤٣٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦٨٠)، والنسائي (٧٩٥)، وابن ماجه (٩٧٨).\n(^٣) البخاري (٧٣١ و٦١١٣ و٧٢٩٠)، ومسلم (٢١٣/ ٢١٤/ ٧٨١). =","vol":"3","page":69},{"text":"(وعن زيدِ بن ثابتٍ قالَ: احْتجرَ) هوَ بالراءِ: المنعُ. أي: اتّخذَ شيئًا كالحجرةِ منَ الخصفِ وهوَ الحصيرُ، ويروى بالزاي أي: اتّخذَ حاجزًا بينَه وبينَ غيرهِ، أي: مانعًا (رسولُ اللهِ - ﷺ - حجرة مخصَّفةً، فصلَّى فيها، فتتبَّعَ إليهِ رجالٌ وجاءُوا يصلُّونَ بصلاتهِ - الحديث، وفيهِ: أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ. متفقٌ عليهِ).\nوقد تقدّمَ في شرحِ حديث جابرٍ (^١) في بابِ صلاةِ التطوّعِ، وفيهِ دلالةٌ على جوازِ فعلِ مثلِ ذلكَ في المسجدِ إذا لم يكنْ فيهِ تضييقٌ على المصلينَ؛ لأنّهُ كانَ يفعلُه بالليلِ، ويبسطُ بالنهارِ، وفي روايةٍ مسلمٍ: \"ولمْ يتخذُه دائمًا\".\nوقولُه: فتتبَّعَ: من التتبعِ الطلبُ، والمعنَى: طلبُوا موضعَهُ واجتمعُوا إليهِ، وفي روايةٍ البخاري: \"فثارَ إليهِ\"، وفي روايةٍ لهُ: \"فصلَّى فيها لياليَ، فصلَّى بصلاتِهِ ناسٌ من [صحابه] (^٢)، فلمَّا علمَ بهم جعلَ يقعدُ فخرج إليهم فقالَ: قد عرفتُ الذي رأيتُ من صنيعِكم فصلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتِكم، فإنَّ أفضلَ الصلاةِ صلاةُ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ\"، هذا لفظُه، وفي مسلمٍ قريبٌ منهُ. والمصنفُ ساقَ الحديثَ في [أبوابِ] (^٣) الإمامةِ لإفادةِ شرعيةِ الجماعةِ في النافلةِ، وقد تقدمَ معناهُ في التطوعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-495>حكم صلاة المفترض خلف المتنفِّل</span>\n١٠/ ٣٧٩ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللهِ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِأصْحَابِهِ العِشَاءَ فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّانًا؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ بِالشمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. [صحيح]\n(وعن جابرٍ بن عبدِ اللهِ - ﵁ - قالَ: صلَّى معاذٌ باصحابهِ العشاءَ، فطوّلَ عليهم،\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (١٠٤٤)، والترمذي (٤٥٠)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ١٣٠ رقم ٤)، والنسائي (٣/ ١٩٧ رقم ١٥٩٩)، وأحمد (٥/ ١٨٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٣١ رقم ٩٩٧) مختصرًا.\n(^١) رقم (١٧/ ٣٤٩).\n(^٢) في (أ): \"الصحابة\".\n(^٣) في (أ): \"باب\".\n(^٤) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (١٧٩/ ٤٦٥).","vol":"3","page":70},{"text":"فقالَ النبيُّ - ﷺ -: أَتريدُ يا معاذ أنْ تكونَ فتانًا؟ إذا أمَمتَ الناسَ فاقرأ بالشمسِ وضحاها، وسبِّح اسمَ ربِّكَ الأعلى، واقرأ باسم ربِّك، والليلِ إذا يغْشَى\" متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ).\nالحديثُ في البخاريِّ لفظُهُ: \"أقبلَ رجلٌ بناضحينِ (^١)، وقد جنحَ الليلُ، فوافقَ معاذًا يصلِّي فتركَ ناضحيْهِ وأقبلَ إلى معاذٍ، فقرأ معاذٌ سورةَ البقرةِ، أو النساءِ، فانطلقَ الرجلُ بعدَ أنْ قطعَ الاقتداءَ بمعاذٍ، وأتمَّ [صلاتَه] (^٢) منفردًا\"، وعليه بوَّبَ البخاريُّ (^٣) بقولهِ: إذا طوَّلَ الإمامُ. وكانَ للرجلِ - أي المأمومِ - حاجةٌ فخرج، وبلغَهُ أَنَّ معاذًا نالَ منهُ [وقد جاءَ ما قالهُ معاذٌ مفسرًا بلفظ: \"فبلغَ ذلكَ معاذًا، فقالَ: إنهُ منافقٌ] (^٤)، فأتى النبيَّ - ﷺ - فشكَا معاذًا، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: أفتَّانٌ أنتَ يا معاذُ - أو: فاتنٌ أنتَ (ثلاثَ مراتٍ)، فلو صلَّيتَ بسبِّحِ اسم ربِّكَ الأعلى، والشمسُ وضُحاها، والليل إذا يَغْشَى، فإنهُ يُصلِّي وراءك الكبيرُ، والضعيفُ، وذُو الحاجةِ\". ولهُ في البخاريِّ ألفاظ (^٥) غيرُ [هذهِ، والمرادُ] (^٦) بفتَّانٍ، أي: أتعذبُ أصحابَكَ بالتطويلِ، وحملَ ذلكَ على كراهةِ المأمومينَ للإطالةِ، وإلّا فإنهُ - ﷺ - قرأ الأعرافَ في المغربِ (^٧) وغيرها (^٨)، وكانَ مقدارُ قيامهِ في الظهرِ بالستينَ آيةً، وقرأ بأقصرَ من ذلكَ (^٩).\nوالحاصلُ أنهُ يختلفُ ذلكَ باختلافِ الأوقاتِ في الإمامِ والمأمومينَ.\n_________\n(^١) واحدة ناضح وهو الحيوان الذي يُستقى عليه.\n(^٢) في (أ): \"الصلاة\".\n(^٣) الباب رقم (٦٠) في \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٢).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) منها: (١/ ١٩٢ رقم ٧٠١) و(١/ ٢٠٣ رقم ٧١١) و(١٠/ ٥١٥ رقم ٦١٠٦).\n(^٦) في (أ): \"هذا فالمراد\"\n(^٧) أخرج النسائيُّ (٢/ ١٧٠ رقم ٩٩١) عن عائشة: \"أن رسول الله - ﷺ - قرأ في صلاة المغرب بسورةِ الأعراف فرَّقها في ركعتين\"، وهو حديث حسن.\n(^٨) انظر: \"جامع الأصول\" (٥/ ٣٤٣ - ٣٤٧ رقم ٣٤٥٦ و٣٤٥٧ و٣٤٥٩ و٣٤٦٠ و٣٤٦١ و٣٤٦٢).\n(^٩) انظر: \"جامع الأصول\" (٥/ ٣٣٨ - ٣٤٣ رقم ٣٤٤٦ - ٣٤٥٥).","vol":"3","page":71},{"text":"والحديثُ دليلٌ على صحةِ صلاةِ المفترضِ (^١) خلفَ المتنفِّلِ؛ فإنَّ معاذًا كانَ يصلِّي فريضةَ العشاء معهُ - ﷺ -، ثمَّ يذهبُ إلى أصحابِه فيصلّيها بهمْ نفلًا. وقد أخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٢)، والشافعيُّ (^٣)، والطحاويُّ (^٤) من حديثٍ جابرٍ بسندٍ صحيحٍ وفيهِ: \"هي لهُ تطوعٌ\". وقد طولَ المصنفُ الكلامَ على الاستدلالِ بالحديثِ [على ذلك] (^٥) في فتح الباري. وقد كتبْنا فيهِ رسالةً مستقلةً جوابَ سؤالٍ، وأبنَّا فيها عدمَ نهوضِ الحديثِ على صحةِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفلِ (^٦).\nوالحديثُ أفادَ أنهُ يخففُ الإمامُ [في] (^٧) قراءتهِ وصلاتهِ، وقد عيَّنَ - ﷺ - مقدارَ القراءةِ، ويأتي حديثُ: \"إذا أمَّ أحدكُم الناسَ فليخفِّفْ\" (^٨).\n_________\n(^١) هنا لفظة \"من\" زائدة من (أ).\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٥).\n(^٣) في \"بدائع المنن\" (١/ ١٤٣ رقم ٤١٢).\n(^٤) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٠٩).\nقلت: وأخرجه الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢٧٤ رقم ١) وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح وقد صرّح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه، فقول ابن الجوزي إنه لا يصح مردود، وتعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريج ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسنّ وأجلّ من ابن عيينة وأقدم أخذًا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عددًا، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها.\nوأما ردّ الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه ولا سيما إذا روي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعًا لعمرو بن دينار عنه. وقول الطحاوي هو ظنّ من جابر مردود لأن جابرًا كان ممّن يصلّي مع معاذ فهو محمول على أنه سمع ذلك منه ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلّا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه. قاله ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ١٩٦).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) وعنوان الرسالة: \"جواب سؤال في صحة صلاة المفترض خلف المتنفل والمختلفين فرضًا\"، بتحقيقنا.\n(^٧) في (أ): \"من\".\n(^٨) رقم (١٢/ ٣٨١).","vol":"3","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-496>الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم</span>\n١١/ ٣٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعن عائِشَةَ - ﵂ - في قصةِ صلاةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالناسِ وهوَ مريضٌ، قالتْ: فجاءَ حتَّى جليسَ عن يسارِ أبي بكرٍ)، هكذَا في روايةٍ البخاري في (باب الرجلِ يأتمُّ بالإمام) (^٢) تعيينُ مكانِ جلوسِه - ﷺ -، وأنهُ عن يسارِ أبي بكرٍ، وهذا هوَ مقامُ الإمامِ، ووقعَ في البخاري في (بابِ حدِّ المريضِ أنْ يشهدَ الجماعةَ) (^٣) بلفظِ: \"جلسَ إلى جنبهِ\"، ولم يعينْ فيهِ محلَّ جلوسهِ، لكنْ قالَ المصنفُ: إنهُ عيَّنَ المحلَّ في روايةٍ بإسنادٍ حسنٍ: \"أنهُ عن يسارهِ\"، قلتُ: حيثُ قد ثبتَ في الصحيحِ في بعضِ رواياتهِ، فهيَ تبيِّنُ ما أُجْمِلَ في أُخْرَى، وبهِ يتضحُ أنهُ - ﷺ - كانَ إمامًا؛ (فكانَ) النبيُّ - ﷺ - (يصلِّي بالناسِ جالسًا وأبو بكرٍ) يصلِّي (قائمًا، يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ النبيِّ - ﷺ -، ويقتدي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ. متفقٌ عليه).\nفيه دلالةٌ على أنهُ يجوزُ وقوفُ الواحدِ [عن] (^٤) يمينِ الإمامِ وإنْ حضرَ معهُ غيرُه، ويحتملُ أنهُ صنعَ ذلكَ ليبلغَ عنهُ أبو بكرٍ، أوْ لكونهِ كانَ إمامًا أولَ الصلاةِ، أوْ لكونِ الصفِّ قد ضاقَ، أو لغيرِ ذلكَ منَ المحتملاتِ، ومعَ عدمِ الدليلِ على أنهُ فعلٌ لواحدٍ منها، فالظاهرُ الجوازُ على الإطلاقِ.\nوقولُها: \"يقتدي أبو بكر\"، يحتملُ أنْ [يكون] (^٥) ذلكَ الاقتداءُ على جهةِ الائتمامِ، فيكونُ أبو بكرٍ إمامًا ومأمومًا، ويحتملُ أنْ يكونَ أبو بكرٍ إنَّما كانَ مبلِّغًا وليسَ بإمامٍ.\nواعلمْ أنهُ قد وقعَ الاختلافُ في حديثٍ عائشةَ وفي غيرِه: هلْ كانَ النبيُّ - ﷺ - إمامًا أو مأمومًا؟ ووردتِ الرواياتُ بما يفيدُ هذا، وما يفيدُ هذا، لكنَّا قدَّمْنَا ظهورَ\n_________\n(^١) البخاري (٧١٣)، ومسلم (٩٥/ ٤١٨).\n(^٢) الباب رقم (٦٨).\n(^٣) الباب رقم (٣٩)، (٢/ ١٥١ - ١٥٢ رقم ٦٦٤).\n(^٤) في (أ): \"على\".\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"3","page":73},{"text":"أنهُ - ﷺ - الإمامَ، فمن العلماءِ من ذهبَ إلى الترجيحِ بين الرواياتِ، فرجحَ أنه - ﷺ - كان الإمامَ لوجوهٍ منَ الترجيحِ مستوفاة في فتحِ الباري، وفي الشرحِ بعضٌ من ذلك، وتقدمَ في شرح الحديث السابع (^١) بعضُ وجوهِ ترجيحِ خلافهِ، ومنَ العلماءِ مَنْ قالَ بتعدّدِ [القصةِ] (^٢)، وأنهُ - ﷺ - صلَّى تارةً إمامًا، وتارةً مأمومًا في مرضِ موتهِ هذا.\nوقد استدلَّ بحديثِ عائشةَ هذا وقولِها: \"يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ النبي - ﷺ -، ويقتدي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ\"، أن أبا بكرِ كانَ مأمومًا إمامًا. وقد بوَّبَ البخاريُّ على هذَا فقالَ: (بابُ الرجلِ يأتمُّ بالإمامِ ويأتمُّ الناسُ بالمأمومِ) (^٣)، قالَ ابنُ بطالٍ: هذا يوافقُ قولَ مسروقٍ والشعبيِّ: إنَّ الصفوفَ يؤمُّ بعضُها بعضًا خلافًا للجمهورِ، قالَ المصنفُ: قالَ الشعبُّ: مَنْ أحرمَ قبلَ أنْ يرفعَ الصفُّ الذي يليه رؤوسَهم منَ الركعةِ [إنهُ] (^٤) أدركَها ولوْ كانَ الإمامُ رفَعَ قبلَ ذلكَ؛ لأنَّ بعضَهم لبعضِ أئمةٌ. فهذَا يدلُّ أنهُ يرى أنهم متحمِّلونَ عن بعضِهم بعضًا ما يتحمَّلُهُ الإمامُ، ويؤيدُ ما ذهبَ إليهِ قولُهُ - ﷺ -: \"تقدَّموا فأْتمُّوا بي، وليأتمَّ بكمْ مَنْ بعدكم\"، وقد تقدَّم (^٥).\nوفي روايةٍ مسلمٍ (^٦): \"أن أبا بكرٍ كانَ يُسْمِعُهُم التكبيرَ\"، دليل على أنهُ يجوزُ رفعُ الصوتِ بالتكبيرِ لإسماعِ المأمومينَ ويتبعونه، وأنهُ يجوزُ للمقتدي اتباعُ صوتِ المكبرِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ، وفيهِ خلافٌ للمالكيةِ. قالَ القاضي عياضٌ عن مذهبْهم: إنَّ منهُمْ مَنْ يبطِلُ صلاةَ المقتدي، ومنهم مَنْ لا يبطلُها، ومنهم مَنْ قالَ: [إنْ] (^٧) أَذِنَ لهُ الإمامُ بالإسماع صحِّ الاقتداءُ بهِ وإلَّا فلا، ولهمْ تفاصيلُ غيرُ هذهِ ليسَ عليها دليلٌ، وكأنَّهم يقولون في هذا الحديثِ: إنَّ أبا بكرِ كانَ هوَ الإمامَ، ولا كلامَ أنهُ يرفعُ صوتَهُ لإعلام مَنْ خلفَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-497>تخفيف الإمام الصلاة على المأمومين</span>\n١٢/ ٣٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ\n_________\n(^١) رقم (٧/ ٣٧٦)، في المخطوط التاسع، والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في (أ): القضية.\n(^٣) الباب رقم (٦٨).\n(^٤) في (ب): \"فقد\".\n(^٥) رقم (٨/ ٣٧٧).\n(^٦) (١/ ٣١٤ رقم ٩٦/ ٤١٨).\n(^٧) في (أ): \"إذا\".","vol":"3","page":74},{"text":"النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِن فِيهِمْ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ والضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كيفَ شَاءَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: إِذَا أَمَّ أحدُكم الناسَ فليخفِّفْ؛ فإن فيهمُ الصغيرَ والكبيرَ والضعيفَ وذا الحاجةِ)، وهؤلاءِ يريدونَ التخفيف فيلاحظُهم الإمامُ، ([وإذا] (^٢) صلَّى وحدَة فليصلِّ كيفَ شاءَ. متفقٌ عليهِ) مخفِّفًا ومطوِّلًا.\nوفيهِ دليلٌ على جوازِ تطويلِ المنفردِ [للصلاةِ] (^٣) في جميعِ أركانِها ولو خشيَ خروجَ الوقتِ، وصحَّحهُ بعضُ الشافعيةِ، ولكنهُ معارَضٌ بحديثِ أبي قتادةَ: \"إنَّما التفريطُ أنْ تؤخَّرَ الصلاةُ حتَّى يدخلَ وقتُ الأُخرى\" أخرجهُ مسلمٌ (^٤)؛ فإذا تعارضتْ مصلحةُ المبالغةِ في الكمالِ بالتطويلِ ومفسدةُ إيقاعِ الصلاةِ في غيرِ وقتِها كانت مراعاةُ تركِ المفسدةِ أَوْلَى، ويحتملُ أنه إنَّما يريدُ بالمؤخِّرِ حتَّى يخرج الوقت مَنْ لم يدخلْ في الصلاةِ أصلًا حتَّى خرجَ، وأمَّا مَنْ خرجَ وهوَ في الصلاةَ فلا يصدق عليهِ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-498>يقدَّم في الإمامة أكثرهم قرآنًا</span>\n١٣/ ٣٨٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - حَقًّا، فَقَالَ: \"إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكثَرُكُمْ قُرْآنًا\"، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنِّي قُرآنًا، فَقَدَّمُونِي وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَالنَّسَائِيُّ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٧٩٤، ٧٩٥)، والترمذي (١/ ٤٦١ رقم ٢٣٦)، والنسائي (٢/ ٩٤ رقم ٨٢٣)، ومالك (١/ ١٣٤ رقم ١٣).\n(^٢) في (ب): \" فإذا\".\n(^٣) في (ب): \"بالصلاة\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٤٧٢ - ٤٧٣ رقم ٣١١/ ٦٨١).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ١١١ رقم ٦٣١).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣٩٥ رقم ٥٨٩).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٧٧ رقم ٧٨١).\nقلت: وأخرجه مسلم (٦٧٤)، والترمذي (٢٠٥)، وابن ماجه (٩٧٩).","vol":"3","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-499>ترجمة عمرو بن سلِمة</span>\n(وعن عمرِو بن سلِمة) (^١) بكسرِ اللامِ، هوَ أبو يزيدَ من الزيادةِ كما قالهُ البخاريُّ وغيرُه، [و] (١) قالَ مسلمٌ وآخرونَ: بُرَيْد بضمِّ الباءِ الموحَّدةِ، وفتحِ الراءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، فدالٍ مهملةٍ، هوَ عمرُو بنُ سلمةَ الجرميُّ بالجيم والراءِ مخففٌ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: عمرُو بنُ سلمةَ أدركَ زمنَ النبيِّ - ﷺ -، وكانَ يؤمُّ قومَهُ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، لأنهُ كانَ أقرأهم للقرآنِ، وقيلَ: إنهُ قَدِمَ على النبيِّ - ﷺ - معَ أبيهِ، ولم يُختلفْ في قدومِ أبيهِ. نزلَ عمروٌ البصرةَ، ورَوَى عنهُ أبو قلابةَ، وعامرٌ الأحولُ، وأبو الزبيرِ المكيُّ.\n(قالَ: قالَ أبي) أي: سلمةُ بنُ نُفيعٍ بضمِّ النونِ، أو ابنُ لأي بفتحِ اللامِ، وسكونِ الهمزةِ على الخلافِ في اسمهِ (جئتكم من عندِ النبيِّ - ﷺ - حقًّا) نصبَ على صفةِ المصدرِ المحذوفِ، أي: نبوةً حقًّا، أو أنهُ مصدرٌ مؤكدٌ للجملةِ المتضمنةِ؛ إذْ هو في قوةِ: هوَ رسولُ اللَّهِ حقًّا، فهوَ مصدرٌ مؤكدٌ لغيرهِ (قالَ: إذا حضرتِ الصلاةُ فليؤذنْ أحدُكم، وليؤمَّكم أُكثرُكم قرآنًا، قال) أي: عمرُو بنُ سلمةَ: (فنظروا فلمْ يكنْ أحدٌ أكثرَ مني قرآنًا). [و] (^٢) قد ورد [بيانُ] (^٣) سببِ أكثريةِ قرآنيتهِ أنهُ كانَ يتلقَّى الركبانَ الذينَ كانُوا يفدونَ إليه - ﷺ -، ويمرونَ بعمرٍو وأهلهِ، فكانَ يتلقَّى منهم ما يقرأونهُ، وذلكَ قبلَ إسلامِ أبيهِ وقومِه، (فقدَّموني وأنا ابنُ ستٍ، أو سبعٍ سنينَ. رواهُ البخاريِّ، وأبو داودَ، والنسائي).\nفيه دلالةٌ على أن الأحقَّ بالإمامةِ الأكثرُ قرآنًا، ويأتي الحديثُ بذلكَ قريبًا، وفيهِ: أن الإمامةَ أفضلُ منَ الأذانِ؛ لأنهُ لم يشترطْ في المؤذنِ شرطًا. وتقديمهُ وهو ابنُ سبعٍ سنينَ دليلٌ لما قالهُ الحسنُ البصريُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ من أنهُ لا كراهةَ في إمامةِ المميزِ. وكرِهَهَا مالكُ والثوريُّ، وعن أحمدَ، وأبي حنيفةَ روايتانِ، والمشهورُ عنهما الإجزاءُ في النوافلِ دونَ الفرائضِ، وقالَ بعدمِ صحتِها\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" (٢/ ٥٤٤ - مع الإصابة)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٢٣٤ رقم ٣٩٤٥)، و\"الإصابة\" (٢/ ٥٤١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٥٢٣ رقم ١٣٠).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).","vol":"3","page":76},{"text":"الهادي، والناصرُ وغيرُهما (^١) قياسًا على المجنونِ، قالُوا: ولا حجةَ في قصةِ عمروٍ هذه، لأنهُ لم يُرْوَ أن ذلكَ كان عن أمرهِ - ﷺ - ولا تقريرِهِ، وأجيبَ بأنَّ دليلَ الجوازِ وقوعُ ذلكَ في زمنِ الوحي، ولا يقرّرُ فيهِ على فعل ما لا يجوزُ سيَّما في الصلاةِ التي هي أعظمُ أركانِ الإسلامِ. وقد نُبِّهَ - ﷺ - بالوحي على القذَى الذي كانَ في نعلِهِ (^٢)، فلو كانَ إمامةُ الصبيِّ لا تصحُّ لنزلَ الوحيُ بذلك.\nوقد استدلَّ أبو سعيدٍ (^٣) وجابرٌ (^٤) بأنَّهم كانُوا يعزلونَ والقرآنُ ينزلُ، والوفدُ الذينَ قدَّمُوا عَمرًا كانُوا جماعةً منَ الصحابةِ، قالَ ابنُ حزمٍ (^٥): [ولا نعلمُ] (^٦) لهمْ مخالفًا في ذلكَ، واحتمالُ أنهُ أمَّهم في نافلةٍ يبعذهُ سياقُ القصةِ، فإنهُ - ﷺ - علَّمَهُمْ الأوقاتِ للفرائضِ ثمَّ قالَ لهمْ: \"إنهُ [يؤمُّكم أكثرُكُم] (^٧) قرآنًا\".\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٥٥ - ٥٦ رقم المسألة ١١٩٢)، و\"المحلَّى\" لابن حزم (٤/ ٢١٧ - ٢١٩ رقم المسألة ٤٩٠)، و\"المجموع\" للنووي (٤/ ٢٤٨ - ٢٥٠)، و\"معجم السلف\" (٢/ ٢١ - ٢٢)، و\"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^٢) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٠، ٩٢)، والدارمي (١/ ٣٢٠)، والبيهقي (٢/ ٤٣١)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٢/ ٤٠٩ رقم ٢٢٠/ ١١٩٤)، والحاكم (١/ ٢٦٠)، وابن خزيمة (٢/ ١٠٧ رقم ١٠١٧)، وأبو داود (٦٥٠)، وابن حبان (٥/ ٥٦٠ رقم ٢١٨٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٤١٧)، والطيالسي رقم (٢١٥٤) من طرق عن أبي سعيد الخدري، قال: صلّى بنا رسولُ اللهِ - ﷺ -، فلمّا صلّى خلعَ نعليه فوضَعهُما عن يساره، فخلع القومُ نعالَهُم، فلما قضى صلاته، قال: \"ما لكم خلعتم نعالكم\"؟ قالوا: رأيناكَ خلعتَ فخلعْنَا، قال: \"إني لم أخْلَعْهُمَا من بأسٍ، ولكن جبريلَ أخبرني أن فيهما قذرًا، فإذا أتى أحدكُم المسجد، فلينظُرْ في نعليهِ، فإن كان فيهما أذىً فليمسحْهُ\".\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.\n(^٣) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٧٤٠٩)، ومسلم (١٤٣٨) من حديث أبي سعيد.\n(^٤) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٢٠٩)، ومسلم (١٤٤٠) من حديث جابر.\n(^٥) في \"المحلى\" (٤/ ٢١٨).\n(^٦) في (ب): \"ولا يُعلم\".\n(^٧) في (أ): \"يؤمّهم أكثرهم\".","vol":"3","page":77},{"text":"وقد أخرجَ أبو داود (^١) في سننهِ، قالَ عمروٌ: فما شهدت مشهدًا في جرمِ [اسمِ قبيلةٍ] (^٢) إلَّا كنتُ إمامَهم، وهذا يعمُّ الفرائضَ والنوافلَ.\nقلتُ: ويحتاجُ مَنِ ادَّعى التفرقةَ بينَ الفرضِ والنفلِ، وأنهُ تصحُّ إمامةُ الصبيِّ في هذا دونَ ذلكَ إلى دليلٍ. ثمَّ الحديثُ فيهِ دليلٌ على القولِ بصحةِ صلاةِ المفترضِ خلفَ المتنفلِ. كذَا في الشرحِ وفيهِ تأملٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-500>من هم أولى بالإمامة</span>\n١٤/ ٣٨٣ - وَعَنِ أبي مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمَهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمَهُمْ سِلْمًا\" - وَفِي رِوَايَةٍ: \"سِنًّا - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ أبي مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: يومُّ القومَ أقرؤُهمْ لكتابِ اللهِ) الظاهرُ أن المرادَ: أكثرُهم لهُ حِفْظًا. وقيلَ: أعلمُهم بأحكامِه، والحديثُ الأولُ يناسبُ القولَ الأولَ: (فإنْ كانُوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ، فإنْ كانُوا في السنةِ سواءً فأقدمُهم هجرة، فإنْ كانُوا في الهجرةِ سواءً فأقدمُهم سلمًا) أي: إسلامًا (وفي روايةٍ: سنًا) عوضًا عن سلمًا (ولا يَؤمَّنَّ الرجل الرجلَ في سلطانِه، ولا يقعدْ في بيتهِ على تكرِمَتِهِ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، وكسرِ الراءِ: الفراشُ ونحوُه مما يبسطُ لصاحبِ المنزلِ، ويختصُّ بهِ (إلَّا بإذنهِ، رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ دليلٌ على تقديمِ الأقرأ على الأفقهِ، وهوَ مذهبُ أبي حنيفةَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٩٥ رقم ٥٨٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٦٥ رقم ٦٧٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢٣٥)، وأبو داود (٥٨٢)، وابن ماجه (٩٨٥)، والنسائي (٢/ ٧٦ رقم ٧٨٠)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٢٠٩ رقم ٥٩٠٤)، وابن خزيمة (٣/ ٤ رقم ١٥٠٧)، وأحمد (٤/ ١١٨).","vol":"3","page":78},{"text":"وأحمدَ (^١). وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يقدَّمُ الأفقهُ على الأقرأ؛ لأنَّ الذي يحتاجُ إليهِ منَ القراءةِ مضبوطٌ، والذي يحتاجُ إليهِ منَ الفقهِ غيرُ مضبوطٍ، وقدْ [يعرضُ] (^٢) في الصلاةِ أمورٌ لا يقدرُ على مراعاتِها إلَّا كاملُ الفقهِ، قالُوا: ولهذا قدَّمَ - ﷺ - أبا بكرٍ على غيرِهِ معَ قولِهِ: \"أقرؤُكم أُبيُّ\" (^٣).\nقالُوا: والحديثُ خرجَ على ما كانَ عليهِ حالُ الصحابةِ منْ أنَّ الأقرأ هُوَ الأفقهُ، وقد قالَ ابنُ مسعودٍ: ما كنَا نتجاوزُ عشرَ آياتٍ حتَّى نعرفَ حكمُها وأمرَها ونهيَها، ولا يخفَى أنهُ يبعدُ هذا قولُهُ: \"فإنْ كانُوا في القراءةِ سواءً فأعلمُهم بالسنةِ\"؛ [فإنهُ دليلٌ على تقديمِ الأقرأ مطلقًا، والأقرأُ على ما فسَّروهُ بهِ هوَ الأعلمُ بالسنةِ] (^٤)، فلو أُريدَ بهِ [ذلك] (٤) لكانَ القسمانِ قسمًا واحدًا.\nوقولُهُ: \"فأقدمُهم هجرةً\" هوَ شاملٌ لمنْ [تقدَّمَ هجرة] (^٥)، سواءٌ كانَ في زمنهِ - ﷺ - أو بعدَهُ، كمنْ يهاجرُ من دارِ الكفارِ إلى دار الإسلامِ، وأمّا حديثُ: \"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ\" (^٦)، فالمرادُ من مكةَ إلى المدينةِ، لأنَّهما جميعًا صارا دارَ إسلامٍ، ولعلَّهُ يقالُ: وأولادُ المهاجرينَ لهمْ حكمُ آبائِهم في [التقديم] (^٧)، وقولُهُ: \"سلمًا\" أي: مَنْ تقدمَ إسلامُهُ يقدَّمُ على مَنْ تأخرَ، وكذا روايةُ سنًّا أي: الأكبرُ [في السنِّ] (^٨)، وقد ثبتَ في حديثٍ مالكِ بن الحويرثِ (^٩): \"ليؤَّمكمْ أكبرُكم\"، ومنَ الذينَ يستحقونَ التقديمَ قريشٌ لحديثِ: \"قدِّمُوا قريشًا\" (^١٠)، قالَ الحافظُ\n_________\n(^١) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ١٨٢ - ١٨٦) الأحق بالإمامة.\n(^٢) في (أ): \"تعرض\".\n(^٣) أخرج البخاري (٥٠٠٥) عن ابن عباس قال: \"قال عمر: أُبيٌّ أقرَؤنا … \".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"تقدمت هجرته\".\n(^٦) أخرجه مسلم (٨٦/ ١٨٦٤)، والبخاري (٣٩٠٠ و٤٣١٢ و٣٠٨٠) من حديث عائشة.\n(^٧) في (أ): \"التقدم\".\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) رقم (١٣/ ٣٨٢).\n(^١٠) وهو حديث صحيح.\nروي من حديث الزهري مرسلًا، ومن حديث عبد الله بن السّائب، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وجبير بن مطعم.\n• وأما حديث الزهري فأخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٢١١ رقم ٥٩١٢)، والشافعي في \"المسند\" (٢/ ١٩٤) عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن =","vol":"3","page":79},{"text":"المصنفُ: إنهُ قد جمعَ طرقهُ في جزءٍ كبيرٍ. ومنهمُ: الأحسنُ وجهًا، لحديثٍ وردَ [به] (^١)، وفيهِ راوٍ ضعيفٌ.\nوأمّا قولُهُ: \"ولا يؤمنَّ [الرجلُ] (^٢) الرجلَ في سلطانِهِ\"، فهو نهيٌ عن تقديمِ غيرِ السلطانِ عليهِ، والمرادُ ذو الولايةِ سواءٌ كانَ السلطانَ الأعظمَ، أو نائبَه وظاهرهُ، وإنْ كانَ غيرُه أكثرُ قرآنًا وفقهًا فيكونُ هذا خاصًّا، وأولُ الحديثِ عامٌّ، ويلحقُ بالسلطانِ صاحبُ البيتِ؛ لأنُ وردَ في صاحبِ البيتِ حديثٌ بخصوصِهِ بأنهُ الأحقُّ. أخرجَ الطبرانيُّ (^٣)، من حديثٍ ابن مسعودِ: \" [فقد] (^٤) علمتُ أن منَ السنةِ أنْ يتقدَّمَ صاحبُ البيتِ\"، قالَ المصنفُ: رجالُهُ ثقاتٌ.\n_________\n= رسول الله - ﷺ - قال: \"قدِّموا قريشًا ولا تَقَدَّموها، وتعلّموا منها ولا تعالموها أو تعلموها\".\nوأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٢١) من طريق معمر عن الزهري عن ابن أبي حثمة مرفوعًا به وزاد: \"فإن للقرشي مثل قوة الرجلين من غيرهم. يعني في الرأي\" وقال: هذا مرسل، وروي موصولًا وليس بالقوي.\nقلت: وابن أبي حثمة هو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة، وهو تابعي ثقة. [التقريب (٢/ ٣٩٧ رقم ٤٣)].\n• أما حديث عبد الله بن السائب فأخرجه الطبراني من حديث أبي معشر عن سعيد المقبري عن السائب. وأبو معشر ضعيف - كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٦ رقم ٥٧٩).\n• أما حديث علي بن أبي طالب فأخرجه الطبراني وفيه أبو معشر وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح - كما في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٥).\nقلت: أبو معشر ضعيف أسنَّ واختلط توفي سنة ١٧٠. [\"التقريب\" (٢/ ٢٩٨ رقم ٤٦)].\n• أما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٦٤) وفيه محمد بن يونس وهو الكُديمي وهو ضعيف. [\"التقريب\" (٢/ ٢٢٢ رقم ٨٥٠)].\nوأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه البيهقي - كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٦)، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٦٤).\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\": \"وقد جمعت طرقه في جزء كبير\"، كذلك أشار في \"الفتح\" (١٣/ ١١٨) إلى صحة الحديث. وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٥١٩).\n(^١) في (أ): \"فيه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٦٥ - ٦٦)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\n• وأخرج الشافعي في \"المسند\" (١/ ١٠٨ رقم ٣٢٠) عن ابن مسعود قال: \"من السنةِ أنْ لا يؤمَّهُم إلا صاحبُ البيت\"، وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٣٦ رقم ٥٨٠): \"وفيه ضعف وانقطاع\".\n(^٤) في (ب): \"لقد\".","vol":"3","page":80},{"text":"وأمّا إمامُ المسجدِ، فإنْ كانَ عن ولايةٍ منَ السلطانِ أوْ [عمَّاله] (^١) فهوَ داخلٌ في حكم السلطانِ، وإنْ كانَ باتفاقٍ من أهلِ المسجدِ، فيحتملُ أنهُ يصيرُ بذلكَ أحقَّ، وأنَّها ولايةٌ خاصةٌ، [وكذلك] (^٢) النهيُ عن القعودِ مما يختصُّ بهِ السلطانُ في منزلِهِ، أو الرجلُ من فراشٍ وسريرٍ ونحوهِ، ولا يقعدُ فيهِ أحدٌ إلَّا بإذنهِ، ونحوهُ قولُهُ:\n١٥/ ٣٨٤ - وَلابْنِ مَاجَهْ (^٣)، مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ - ﵁ -: \"وَلَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا\"، وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ. [ضعيف]\n(ولابن ماجهْ من حديثٍ جابرٍ - ﵁ -: ولا تؤمنَّ امرأةٌ رجلًا، ولا أعرابيٌّ مهاجرًا، ولا فاجرٌ مؤمنًا. وإسنادُهُ واهٍ)، فيهِ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ العدوي، عن عليٍّ بن زيدِ بن جدعانَ، والعدويُّ اتّهمَهُ وكيعٌ بوضعِ الحديثِ (^٤)، وشيخُهُ ضعيفٌ (^٥)، ولهُ [طرقٌ] (^٦) أخرى فيها عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ، وهو متَّهمٌ بسرقةِ الحدثِ، وتخليطِ الأسانيدِ (^٧).\nوهو يدلُّ على أنَّ المرأةَ لا تَؤُمُّ الرجلَ، وهوَ مذهبُ الهادويةِ، والحنفيةِ، والشافعيةِ (^٨) وغيرِهم، وأجازَ المزني وأبو ثورٍ إمامةَ المرأةِ، وأجاز الطبريُّ إمامتَها في التراويحِ إذا لم يحضر مَنْ يحفظُ القرآنَ، وحجّتُهم حديثُ أمِّ ورقةَ،\n_________\n(^١) في (ب): \"عامله\".\n(^٢) في (أ): \"وكذا\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٤٣ رقم ١٠٨١).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٣٨٦): \"هذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي … \" اهـ.\nقلت: هو حديث ضعيف.\n(^٤) كما في \"التقريب\" (١/ ٤٤٨ رقم ٦١٧).\n(^٥) كما في \"التقريب\" (٢/ ٣٧ رقم ٣٤٢).\n(^٦) في (أ): \"طريق\".\n(^٧) كما في \"التلخيص\" (٢/ ٣٢ رقم ٥٦٩).\n(^٨) قال النووي في \"المجموع\" (٤/ ٢٥٥): \"هذا مذهبنا - أي الشافعية - ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف ﵏، وحكاه البيهقي عن الفقهاء السبعة فقهاء المدينة التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وسفيان وأحمد وداود. وقال أبو ثور والمزني وابن جرير تصح صلاة الرجال وراءها حكاه عنهم القاضي أبو الطيب والعبدري. وقال الشيخ أبو حامد: مذهب الفقهاء كافة أنه لا تصح صلاة الرجال وراءها إلَّا أبا ثور، والله أعلم\" اهـ.","vol":"3","page":81},{"text":"وسيأتي (^١)، ويحملونَ هذا النهيَ على التنزيهِ، أو يقولونَ: الحديثُ ضعيفٌ.\nويدلُّ أيضًا [على] (^٢) أنهُ لا يؤمُّ الأعرابيُّ مهاجرًا، ولعلهُ محمولٌ على الكراهةِ؛ إذْ كانَ في صدرِ الإسلامِ.\nويدلُّ أيضًا على أنهُ لا يؤمُّ الفاجرُ - وهوَ المنبعثُ في المعاصي - مؤمنًا، وإلى هذا ذهبت الهادويةُ، فاشترطُوا عدالةَ مَنْ يُصلَّى خلفَهُ، وقالُوا: لا تصحُّ إمامةُ الفاسق، وذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ إلى صحةِ إمامتهِ، مستدلينَ بما يأتي من حديثٍ ابن عمرَ (^٣) وغيرهِ، وهي أحاديثُ كثيرةٌ دالّةٌ على صحةِ الصلاةِ خلفَ كلِّ برٍّ وفاجرٍ، إلَّا أنَّها كلُّها ضعيفة، وقد عارضَها حديثُ: \"لا يؤمَّنَّكم ذُو جرأةٍ في دينِهِ\" (^٤) ونحوهُ، وهي أيضًا ضعيفة. قالُوا: فلمِّا ضعفت [الأحاديثُ] (^٥) منَ الجانبينِ رجعنا إلى الأصلِ، وهي أن مَنْ صحَّتْ صلاتهُ صحَّتْ إمامتُه، وأيّد ذلكَ فعلُ الصحابةِ، فإنهُ أخرجَ البخاريُّ في التاريخِ (^٦) عن عبد الكريمِ أنهُ قالَ: \"أدركتُ عَشْرَةً من أصحابِ محمدٍ - ﷺ - يصلُّونَ خلفَ أئمةِ الجورِ\"، ويؤيّدهُ أيضًا حديثُ مسلم (^٧): \"كيفَ أنتَ إذا كانَ عليكم أمراءُ يؤخّرونَ الصلاةَ عن وقتِها، أو يميتونَ الصلاةَ عن وقتِها؟ قال: فما تأمرُني؟ قال: صلِّ الصلاةَ لوقتِها فإنْ أدركتَه معهم فصلِّ؛ فإنَّها لك نافلةٌ\". فقد أذنَ بالصلاةِ خلفَهم وجعلَها نافلةً لأنَّهم أخرجُوها عن وقتِها، وظاهرهُ أنَّهم لو صلَّوها في وقتها لكانَ مأمورًا بصلاتها خلفَهم فريضةً.\n_________\n(^١) رقم (٢٥/ ٣٩٤).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) رقم (٢٨/ ٣٩٧).\n(^٤) قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦٣) عن هذ الحديث: \"قد ثبت في كتب جماعة من أئمة أهل البيت: كأحمد بن عيسى، والمؤيد بالله، وأبي طالب، وأحمد بن سليمان، والأمير الحسين وغيرهم، عن علي ﵇ مرفوعًا\" اهـ.\nقلت: وهو حديث ضعيف.\n(^٥) في (أ): \"الحديثين\".\n(^٦) \"الكبير\" (٦/ ٩٠ رقم ١٨٠٠).\nوقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٦٣): \"وأما قول عبد الكريم البكاء … فهو ممن لا يحتج بروايته، وقد استوفى الكلام عليه في \"الميزان\" (٢/ ٦٤٦) \"اهـ.\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٤٤٨ رقم ٢٣٨/ ٦٤٨) من حديث أبي ذرٍّ.","vol":"3","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>حكم تسوية الصفوف ورصِّها</span>\n١٦/ ٣٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَينَهَا، وَحَاذُوا بِالأعنَاقِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِيُّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: رُصُّوا) أي: في صلاة الجماعة - بضمِّ الراءِ، والصادِ المهملةِ - منْ رصِّ البناءَ (صفوفكم) بانضمام بعضِكم إلى بعضٍ، (وقاربوا بينَها) أي: بين الصفوفِ (وحاذوا) أي: يساوي بعضُكم بعضًا في الصفِّ (بالأعناقِ. رواة أبو داود، والنسائيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ)، تمامُ الحديثِ من سننِ أبي داودَ: \"فوَالذي نفسي بيدِهِ إني لأرَى الشياطينَ تدخلُ في خللِ الصفِّ كأنَّها الحَذَفُ\" بفتح الحاءِ المهملةِ، والذالِ المعجمةِ: هي صغارُ الغنم.\nوأخرجَ الشيخانِ (^٤)، وأبو داودَ (^٥) من حديثٍ النعمانِ بن بشيرٍ [قال (^٦): \"أقبلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على الناسِ بوجهِهِ فقالَ: أقيمُوا صفوفَكم - ثلاثًا - واللَّهِ لتقيمُنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بينَ قلوبكم. قالَ: فرأيتُ الرجلَ يلزقُ منكبُه بمنكبِ صاحبهِ وكعبَه بكعبهِ\". وأخرج أبو داودَ (^٧) عنهُ أيضًا قالَ: \"كانَ النبيُّ - ﷺ -\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٤٣٤ رقم ٦٦٧).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٩٢ رقم ٨١٥).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٥/ ٥٣٩ رقم ٢١٦٦).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٣٦٨ رقم ٨١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٠٠)، وابن خزيمة (٣/ ٢٢ رقم ١٥٤٥)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٦٠ و٢٨٣) وهو حديث صحيح.\n(^٤) أخرجه البخاري معلقًا (٢/ ٢١١ باب ٧٦) ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (٢/ ٣٠٢) من طريق الدارقطني (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣ رقم ١)، ونسبه لأبي داود (١/ ٤٣١ رقم ٦٦٢)، وابن خزيمة من حديث وكيع، عن زكريا به وإسناده حسن. وأصل الحديث دون الزيادة في آخره، من حديث النعمان في \"صحيح مسلم\" (١٢٧/ ٤٣٦) وغيره من غير هذا الوجه، والله أعلم.\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٦٦٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) في (ب): \"فقال\".\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٣٢ رقم ٦٦٣)، وهو حديث صحيح.","vol":"3","page":83},{"text":"يسوِّينَا في الصفوفِ كما يقوِّم [القداحُ] (^١)، حتى إذا ظنَّ أن قدْ أخذْنا ذلكَ عنهُ وفقِهْنَا أقبلَ ذاتَ يومٍ بوجههِ إذا رجلٌ منتبذٌ بصدره فقالَ: لتسوُّنَّ صفوفَكم أو ليخالفَنَّ اللهُ بينَ وجوهِكم\". وأخرج (^٢) أيضًا من حديثٍ البراءِ بن عازبٍ - ﵁ - قالَ: \"كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يتخلَّلُ الصفَّ من ناحيةٍ إلى ناحيةٍ، يمسحُ صدورَنا ومناكبَنا ويقول: لا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكم\".\nوهذه الأحاديثُ والوعيدُ الذي فيها دالةٌ على وجوب ذلكَ، وهوَ مما تساهل فيهِ الناسُ كما تساهلُوا فيما يفيدُهُ حديثُ أنسٍ عنهُ - ﷺ -: \"أتمُّوا الصفَّ المقدمَ، ثمَّ الذي يليهِ فما كانَ من نقصٍ فليكنْ في الصفِّ المؤخَّرِ\" أخرجهُ أبو داودَ (^٣)، فإنكَ ترى الناسَ في المسجدِ يقومونَ للجماعةِ وهم لا يملأونَ الصفَّ الأولَ لو قامُوا فيهِ، فإذا أقيمتِ الصلاةُ يتفرَّقونَ صفوفًا على اثنينِ، وعلى ثلاثةٍ ونحوهِ. وأخرجَ أبو داودَ (^٤) من حديثٍ جابرٍ بن سمرةَ: \"قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ألا تصفُّونَ كما تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم، قلنا: وكيفَ تصفُّ الملائكةُ عندَ ربِّهم؟ قالَ: يتمُّونَ الصفوفَ المقدَّمةَ ويتراصُّونَ في الصفِّ\".\nوقد وردَ في سدِّ الفُرَج في الصفوفِ أحاديثُ؛ كحديثِ ابن عمرَ: \"ما منْ خطوةٍ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ مشاها الرجلُ في فرجةٍ في الصفِّ فسدَّها\"، أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ (^٥)، وأخرجَ أيضًا (^٦) فيهِ من حديثٍ عائشةَ قالَ - ﷺ -: \"مَنْ سدَّ فرجةً في صفٍّ رفعهُ اللهُ بها درجةً، وبَنَى لَهُ بيتًا في الجنةِ\". قالَ الهيثمي: فيهِ مسلمُ بنُ خالدٍ الزنجي، وهو ضعيفٌ وثَّقُهُ ابنُ حبانَ (^٧).\n_________\n(^١) في (أ): \"القدح\". والقدح: خشب السهم إذا بري وأُصلح قبل أن يركب فيه النصل والريش.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٣٢ رقم ٦٦٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤٣٥ رقم ٦٧١).\nقلت: وأخرجه النسائي (٢/ ٩٣ رقم ٨١٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٣١ رقم ٦٦١).\nقلت: وأخرجه مسلم (١١٩/ ٤٣٠)، والنسائي (٢/ ٩٢ رقم ٨١٦)، وابن ماجه (٩٩٢).\n(^٥) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩٠) وقال الهيثمي: في إسناده ليث بن حماد ضعفه الدارقطني.\n(^٦) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩١).\n(^٧) في \"الثقات\" (٧/ ٤٤٨).","vol":"3","page":84},{"text":"وأخرجَ البزارُ (^١) من حديثٍ أبي جحيفة عنهُ - ﷺ -: \"مَنْ سدَّ فرجةً في الصفّ غُفِرَ لهُ\"، قال الهيثميُّ (^٢): إسنادُهُ حسنٌ، ويغني عنهُ: \"رصُّوا صفوفَكم\" الحديث؛ إذِ الفُرَجُ إنَّما تكونُ من عدمِ رصِّهم الصفوفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-502>خير الصفوف في الصلاة</span>\n١٧/ ٣٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها) أي: أكثرُها أجرًا، وهوَ الصفُّ الذي تصلِّي الملائكةُ على مَنْ صلَّى فيهِ كما يأتِي، (وشرُّها آخرُها) أقلّها أجرًا، (وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها، وشرُّها أوَّلُها. رواهُ مسلمٌ)، ورواهُ - أيضًا البزارُ (^٤)، والطبرانيُّ في الكبيرِ (^٥) والأوسطِ (^٦)، والأحاديثُ في [فضائل] (^٧) الصفِّ الأولِ واسعةٌ.\nأخرج أحمدُ (^٨) - قالَ الهيثمي (^٩): رجالُه موثقونَ - والطبرانيُّ في الكبير (^١٠)\n_________\n(^١) في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٤٨ رقم ٥١١).\n(^٢) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩١). وانظر: \"الترغيب والترهيب\" للمنذري (١/ ٣٢٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٢٦ رقم ١٣٢/ ٤٤٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦٧٨)، والترمذي (٢٢٤)، والنسائي (٢/ ٩٣ رقم ٨٢٠)، وابن ماجه (١٠٠٠)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٤٧، ٣٤٠، ٣٦٧، ٤٨٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣/ ٣٧١ رقم ٨١٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) كما في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٤٩ رقم ٥١٣).\n(^٥) (١١/ ٢٠٣ رقم ١١٤٩٧).\n(^٦) (٣/ ٢١٣ رقم ٢٤٤٦) كلهم من حديث ابن عباس.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٩٣) وقال: \"رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون\" اهـ.\n(^٧) في (أ): \"فضل\".\n(^٨) في \"المسند\" (٥/ ٢٦٢).\n(^٩) في \"المجمع\" (٢/ ٩١).\n(^١٠) (٨/ ٢٠٥ رقم ٧٧٢٧).\nقلت: وفيه عندهما \"فرج بن فضالة\" ضعيف. [\"التقريب\" (٢/ ١٠٨ رقم ١٥)].","vol":"3","page":85},{"text":"من حديثٍ أبي أُمامةَ: \"قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ الله وملائكتَه يصلُّونَ على الصفِّ الأولِ، قالُوا: يا رسولَ اللهِ، وعلى الثاني؟ قالَ: وعلى الثاني\". وأخرجَ أحمدُ (^١) والبزارُ (^٢) - قال الهيثميُّ: برجالٍ ثقاتٍ (^٣) - من حديثٍ النعمانِ بن بشيرٍ قالَ: \"سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - استغفرَ للصفِّ الأولِ ثلاثًا، وللثانِي مرتينِ، وللثالثِ مرةً\". قال الهيثمي (^٤): فيهِ أيوبُ بنُ عتبةَ ضعَّفَهُ من قِبَلِ حفظِه.\nثم قد ورد في ميمنة الصفّ الأول ومسامَتَةِ الإمام وأفضليتهِ على الأيسرِ أحاديثُ، فأخرجَ الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٥) من حديثٍ أبي بردةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنِ استطعتَ أنْ تكونَ خلفَ الإمامِ وإلَّا فعنْ يمينهِ\". قال الهيثمي (^٦): فيهِ مَنْ لم أجدْ لهُ ذكرًا، وأخرجَ أيضًا في الأوسطِ (^٧) والكبيرِ (^٨) من حديثٍ ابن عباسٍ: \"عليكمْ بالصفِّ الأولِ، وعليكمْ بالميمنةِ، وإياكمْ والصفَّ بينَ السواري\". قالَ الهيثميُّ (^٩): فيهِ إسماعيلُ بنُ مسلمٍ المكيُّ ضعيفٌ.\nواعلمْ أن الأحقَّ بالصفِّ الأوّلِ أُولُو الأحلامِ والنُّهَى، فقد أخرجَ البزارُ (^١٠) من حديثٍ عامرِ بن ربيعةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لِيَلِني منكم [أولو] (^١١) الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذينَ يلونَهم\". قالَ الهيثميُّ (^١٢): فيهِ عاصمُ بنُ عبيدِ اللهِ العمري، والأكثرُ على تضعيفهِ. واختُلِفَ في الاحتجاجِ بهِ، وأخرجهُ مسلمٌ (^١٣)، والأربعةُ (^١٤) من حديثٍ ابن مسعودٍ بزيادةٍ: \"ولا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكم، وإياكمْ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٦٩).\n(^٢) كما في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٤٧ رقم ٥٠٨).\n(^٣) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩١).\n(^٤) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٩٢).\n(^٥) و(^٦) كما في \"المجمع\" (٢/ ٩٢).\n(^٧) كما في \"مجمع البحرين\" (٦٦ - ٦٧).\n(^٨) (١١/ ٣٥٧ رقم ١٢٠٠٤).\n(^٩) في \"المجمع\" (٢/ ٩٢).\n(^١٠) كما في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٤٦ رقم ٥٠٥).\n(^١١) في (ب): \"أهل\"، ومما في (أ) موافق لما عند البزار.\n(^١٢) في \"المجمع\" (٢/ ٩٤).\n(^١٣) في \"صحيحه\" (١/ ٣٢٣ رقم ١٢٣/ ٤٣٢).\n(^١٤) الترمذي (٢٢٨)، وأبو داود (٦٧٥) من حديث ابن مسعود، وابن ماجه (٩٧٦)، والنسائي (٢/ ٩٠ رقم ٨١٢) من حديث أبي مسعود.","vol":"3","page":86},{"text":"وهيشاتِ (^١) الأسواقِ\"، وفي البابِ أحاديثُ غيرُهُ.\n[وفي حديثٍ البابِ] (^٢) دلالةٌ على جوازِ اصطفافِ النساءِ صفوفًا، وظاهرُه سواءٌ كانتْ صلاتُهنَّ مع الرجالِ أو معَ النساءِ، وقد علَّلَ خيريتَهُ [أواخر] (^٣) صفوفهنَّ بأنهنَّ عندَ ذلك يبعدْنَ عن الرجالِ، وعن رؤيتهمْ، وسماع كلامهِم، إلَّا أنَّها علّةٌ لا تتمُّ إلَّا إذا كانت صلاتُهنَّ معَ الرجالِ، وأمّا إذا صلّينَ [وإمامتُهنَّ] (^٤) امرأةٌ [فصفوفهنّ] (^٥) كصفوفِ الرجالِ أفضلُها أوَّلُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>أين يقف المؤتم؟</span>\n١٨/ ٣٨٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ قالَ: صلَّيت معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - ذاتَ ليلةٍ) هي ليلةُ مبيتهِ عندَهُ المعروفةُ، (فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ رسول اللهِ - ﷺ - برأسي من ورائي فجعلني عن يمينهِ. متفقٌ عليه)، دلَّ على صحةِ صلاةِ المتنفلِ بالمتنفلِ، وعلى أن موقفَ الواحدِ معَ الإمامِ عن يمينهِ بدليلِ الإدارةِ؛ إذْ لو كانَ اليسارُ موقفًا لهُ لما أدارهُ في الصلاةِ. وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ، وخالفَ النخعي (^٧) فقالَ: إذا كانَ الإمامُ وواحدٌ قامَ الواحدُ خلفَ الإمام، فإنْ ركعَ الإمامُ قبلَ أن يجيءَ أحدٌ قامَ عن يمينهِ. أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٨).\n_________\n(^١) وهيشات الأسواق: ما يكون فيها من الجلبة وارتفاع الأصوات وما يحدث فيها من الفتن.\nوأصله من الهوش وهو الاختلاط. يقال: تهاوَشَ القوم: إذا اختلطوا ودخل بعضهم في بعض، وبينهم تهاوش أي: اختلاط واختلاف. [\"معالم السنن\" للخطابي (١/ ٤٣٧)].\n(^٢) في (أ): \"وفيه\".\n(^٣) في (ب): \"آخر\".\n(^٤) في (أ): \"وأمهن\".\n(^٥) في (ب): \"فصفوفها\".\n(^٦) البخاري (٨٥٩)، ومسلم (٧٦٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦١٠)، والنسائي (٢/ ١٠٤ رقم ٨٤٢)، والترمذي (٢٣٢).\n(^٧) انظر: \"موسوعة فقه إبراهيم النخعي\" (٢/ ٦٥٩).\n(^٨) وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤١٠ رقم ٣٨٩٠).","vol":"3","page":87},{"text":"ووُجِّهَ بأنَّ الإمامة مظنّةُ الاجتماع [فاعتبرتْ] (^١) في موقفِ المأموم حتَّى يظهرَ خلافُ ذلكَ. قيلَ: ويدلُّ على صحةِ صلاةِ مَنْ قامَ عن يسارِ الامامِ؛ لأَنهُ - ﷺ - لم يأمرِ ابنَ عباسٍ بالإعادةِ، وفيهِ أنهُ لا يجوزُ أنهُ لم يأمرْهُ، لأنهُ معذورٌ بجهلهِ، أو بأنهُ ما كانَ قد أحرمَ بالصلاةِ، ثمَّ قولُه: \"فجعلني عن يمينهِ\" ظاهرٌ في أنهُ قامَ مساويًا لهُ، وفي بعضِ ألفاظهِ: \"فقمتُ إلى جنبهِ\"، وعن بعضِ أصحابِ الشافعي أنهُ يستحبُّ أنْ يقفَ المأمومُ دونَه قليلًا (^٢)، إلَّا أنّهُ قد أخرجَ ابنُ جريجٍ قالَ: \"قُلْنَا لعطاءٍ: الرجلُ يصلِّي معَ الرجلِ أينَ يكونُ منهُ؟ قالَ: إلى شقِّهِ، قلتُ: أيحاذيهِ حتَّى يصفَّ معهُ لا يفوتُ أحدُهما الآخرَ، قالَ: نعمْ. قلتُ: بحيثُ أنْ لا يبعدَ حتَّى يكونَ بينَهما فرجةٌ، قالَ: نعمْ\"، ومثلُه في الموطأ (^٣) عن عمرَ منْ حديثٍ ابن مسعودٍ أنهُ صفَّ معهُ فقرَّبَهُ حتَّى جعلَه حذاءَه عن يمينِهِ.\n١٩/ ٣٨٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٥). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ -، فقمتُ ويتيمٌ خلفَهُ)، فيهِ العطفُ على المرفوعِ المتصلِ من دونِ تأكيدٍ ولا فصلٍ (^٦)، وهوَ صحيحٌ على مذهبِ الكوفيينَ، واسمُ اليتيمِ ضميرةُ وهو جدُّ حسينِ بن عبدِ الله بن ضميرةَ، (وأمُّ سليمٍ) هيَ أُمُّ أنس [بن مالكٍ] (^٧) واسمُها: مُلَيْكَةُ مصغَّرًا (خلْفَنَا. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ).\nدلَّ الحديثُ على صحةِ الجماعةِ في النفلِ، وعلى صحةِ الصلاةِ للتعليم والتبرّك كما تدلُّ عليهِ القصة، وعلى أن مقامَ الاثنينِ خلفَ الإمامِ، وعلى أن الصغيرَ يعتدُّ بوقوفه ويسدُّ الجناحَ، [وهو] (^٨) الظاهر من لفظ اليتيم؛ إذ لا يُتْمَ بعدَ\n_________\n(^١) في (أ): \"واعتبرت\".\n(^٢) ذكر ذلك النووي في \"المجموع\" (٤/ ٢٩٢) بدون دليل.\n(^٣) (١/ ١٥٤ رقم ٣٢) بإسناد صحيح. من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.\n(^٤) البخاري (٨٦٠)، ومسلم (٦٥٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٢/ ٨٥) وغيرهم.\n(^٥) (٢/ ٣٥١ رقم ٨٧١).\n(^٦) في نسخة: \"قمت أنا … إلخ\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"فهو\".","vol":"3","page":88},{"text":"الاحتلامِ، وعلى أن المرأةَ لا تصفُّ مع الرجالِ، وأنَّها تنفردُ في الصفِّ، وأنَّ عدمَ امرأةٍ تنضمُّ إليها عذرٌ في ذلكَ، فإنِ انضمتِ المرأةُ معَ الرجلِ أجزأتْ صلاتُها لأنهُ ليسَ في الحديثِ إلّا تقريرُها على التأخرِ، وأنهُ موقفُها، وليسَ فيه دلالةٌ على فسادِ صلاتِها لو صلَّتْ في غيرهِ، وعندَ الهادويةِ (^١) أنَّها تفسدُ عليها، وعلى مَنْ خلفَها، وعلَى من في صفِّها إنْ علمُوا، وذهبَ أبو حنيفةَ (^٢) إلى فسادِ صلاهِ الرجلِ دونَ المرأة، ولا دليلَ على الفسادِ في الصورتينِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-504>من وجد الإمام راكعًا فلا يدخل في الصلاة حتى يصل الصف</span>\n٢٠/ ٣٨٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ -، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - ﷺ -: \"زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤)، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (^٥) فِيهِ: فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. [صحيح]\n(وعن أبي بكرةَ، أنهُ انتهَى إلى النبيِّ - ﷺ - وهوَ راكعٌ، فركعَ قبلَ أن يصلَ إلى الصفِّ، فقالَ لهُ النبيُّ - ﷺ -: زادَكَ اللهُ حِرْصًا) أيْ: على طلبِ الخيرِ، (ولا تَعُدْ) بفتحِ المثناةِ الفوقية منَ العودِ، (رواهُ البخاريُّ، وزادَ أبو داودَ فيهِ: فركعَ دونَ الصفِّ ثمَّ مشى إلى الصفِّ). الحديثُ يدلُّ على أن مَنْ وجدَ الإمامَ راكعًا فلا يدخلُ في الصلاةِ حتَّى يصلَ الصفَّ لقولهِ - ﷺ -: \"ولا تعدْ\"، وقيلَ: بل يدلُّ على أنهُ يصحُّ منهُ ذلكَ؛ لأنهُ - ﷺ - لم يأمرْهُ بالإعادةِ لصلاتهِ، فدلَّ على صحتِها.\nقلتُ: لعلَّهُ - ﷺ - لم يأمرْهُ لأنهُ كانَ جاهلًا للحكمِ، والجهلُ عذرٌ.\nورَوَى الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٦) من روايةٍ عطاءٍ عن ابن الزبيرِ - قالَ الهيثميُّ (^٧): رجالُهُ رجالُ الصحيحِ - أنهُ قالَ: \"إذا دخلَ أحدُكمُ المسجدَ والناسُ\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: \"الهداية\" (١/ ٥٧).\n(^٣) وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٢١٢): \"وعن الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب … \" اهـ.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٦٧ رقم ٧٨٣).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٤٤١ رقم ٦٨٤).\n(^٦) الأوسط رقم (٧٠١٦).\n(^٧) في \"المجمع\" (٢/ ٩٦).","vol":"3","page":89},{"text":"ركوعٌ فليركعْ حينَ يدخلُ، ثمَّ يدبُّ راكعًا حتَّى يدخلَ في الصفَّ فإنَّ ذلك السنةُ\"، قالَ عطاءُ: قد رأيتهُ يصنَعُ ذلكَ، قالَ ابنُ جُريجٍ: وقدْ رأيتُ عطاءً يصنعُ ذلكَ. قلتُ: وكأنهُ مبنيٌّ على أن لفظَ: \"ولا تعدْ\" [بضمِّ المثناة الفوقيةِ منَ الإعادةِ، أي: زادك اللهُ حرصًا على طلب الخيرِ، ولا تُعِدْ صلاتَكَ] (^١) فإنَّهَا صحيحةٌ. ورُوِيَ بسكونِ العينِ المهملةِ من العدْوِ، وتؤيدُه روايةُ ابن السكنِ (^٢) من حديثٍ أبي بكرةَ بلفظِ: \"أقيمتِ الصلاةُ، فانطلقتُ أسعَى حتَّى دخلتُ في الصفِّ، فلمَّا قضى الصلاةَ قال - ﷺ -: مَنِ الساعي آنِفًا؟ قالَ أبو بكرةَ: فقلتُ: أَنَا، قالَ - ﷺ -: زادَكَ اللهُ حِرصًا ولا تعدْ\". والأقربُ [روايةُ] (^٣) أنهُ لا تَعُدْ من العودِ. أي: لا تعدْ ساعيًا إلى الدخول [راكعًا] (^٤) قبل وصولِكَ الصفَّ، فإنهُ ليسَ في الكلامِ ما يشعرُ بفسادِ صلاتِهِ حتَّى يَفْتِيَهُ - ﷺ - بأنهُ لا يعيدُها، بل قولهُ: زادكَ اللهُ حرصًا يشعرُ بإجزائِها، أو: لا تعدُ من العدْوِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-505>لا صلاة لمنفرد خلف الصف</span>\n٢١/ ٣٩٠ - وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مِعْبَدٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٦)، والترْمِذِيُّ (^٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) كما في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٨٥).\n(^٣) في (ب): \"دراية\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ٢٢٨).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٣٩ رقم ٦٨٢).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٤٤٥ رقم ٢٣٠).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٥/ ٥٧٦ رقم ٢١٩٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ١٦٦ رقم ١٢٠١)، وابن ماجه (١/ ٣٢١ رقم ١٠٠٤)، وابن الجارود رقم (٣١٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٣٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٠٤) وغيرهم.\nوقد حسّنه الترمذى وأعلّه بعضهم بالاضطراب وهو مرفوع كما بيَّنه ابن حبان في \"الإحسان\"، وابن حزم في \"المحلى\" (٤/ ٥٢ - ٥٤).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"3","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-506>ترجمة وابصة</span>\n(وعن وابصةَ) (^١) بفتحِ الواوِ، وكسرِ الموحدة، فصادٍ مهملةٍ وهوَ: أبو قِرصافةَ بكسرِ القافِ، وسكونِ الراءِ، فصادٍ مهملةٍ، وبعدَ الألفِ فاءٌ (ابن مِعبدٍ) بكسرِ الميم، وسكونِ العينِ المهملةِ، فدالٍ مهملةٍ، وهوَ ابنُ مالكٍ من بني أسدٍ بن خزيمةَ [الأَنصاري] (^٢) الأسدي. نزلَ وابصةُ الكوفةَ، ثمَّ تحوَّل إلى الحيرةٍ، ومات بالرقةِ (أن رسولَ اللهِ - ﷺ - رأى رجلًا يصلِّي خلفَ الصفَّ وحدَهُ فأمرَهُ أَنْ يعيدَ الصلاةَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنَهُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ).\nفيه دليلٌ على بطلانِ صلاةِ من صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَهُ، وقد قالَ ببطلانِها النخعيُّ (^٣)، وأحمدُ (^٤). وكانَ الشافعيُّ يضعفُ هذا الحديثَ (^٥) ويقولُ: لو ثبتَ هذا الحديثُ لقلتُ بهِ. قالَ البيهقيُّ: الاختيارُ أنْ يتوقّى ذلكَ لثبوتِ الخبرِ المذكورِ. ومَنْ قالَ بعدمِ بطلانِها استدلَّ بحديثِ أبي بكرةَ، وأنهُ لم يأمرْهُ - ﷺ - بالإعادةِ معَ أنهُ أَتَى ببعضِ الصلاة خلفَ الصفِّ منفردًا، قالُوا: فيحملُ الأمرُ بالإعادةِ ههُنا على الندبِ، قيلَ: والأَوْلَى أن يحملَ حديثُ أبي بكرةَ على العذرِ وهوَ خشيةُ الفواتِ معَ انضمامهِ بقدرِ الإمكان، وهذا لغيرِ عذرٍ في جميعِ الصلاةِ.\nقلت: وأحسنُ منهُ أنْ يقالَ: هذا لا يعارضُ حديثَ أبي بكرةَ بل يوافقُهُ، وإنَّما لم يأمرْ - ﷺ - أبا بكرةَ بالإعادةِ لأنهُ كانَ معذورًا بجهلهِ، وبحملُ أمرهُ بالإعادةِ لِمَنْ صلَّى خلفَ الصفِّ بأنهُ كانَ عالمًا بالحكمِ، ويدلُّ على البطلانِ أيضًا ما تضمنهُ قولُهُ:\n٢٢/ ٣٩١ - وَلَهُ (^٦) عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵁ -: \"لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ\". [صحيح]\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ٤٢٧ رقم ٥٤٢١)، و\"الإصابة\" (٣/ ٦٢٦ رقم ٩٠٨٥)، و\"الاستيعاب\" (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"موسوعة فقه إبراهيم النخعي\" (٢/ ٦٥٩).\n(^٤) انظر: \"المغني\" (٢/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٥) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ١٨٤)، و\"المجموع\" (٤/ ٢٩٨).\n(^٦) أي: لابن حبان في \"الإحسان\" (٥/ ٥٨٠ رقم ٢٢٠٣) بإسناد صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ٥٥١)، وأحمد (٤/ ٢٣)، والطحاوي في =","vol":"3","page":91},{"text":"وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ (^١) فِي حَدِيثِ وَابِصَةَ: \"أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوْ اجْتَرَرْتَ رَجُلًا؟ \". [حسن لغيره]\n(ولهُ) أي: لابنِ حبانَ (عن طلقِ بن عليٍّ) [الذي سلفَ ذكرُه] (^٢) إلَّا صلاةَ لمنفردٍ خلفَ الصفِّ)؛ فإنَّ النفيَ ظاهرٌ في نفي الصحةِ. (وزادَ الطبرانيُّ) في حديثِ وابصةَ (ألَا دخلْتَ) أيُّها المصلِّي منفردًا عن الصفِّ [(معهُم) أي: في الصفِّ] (^٣)، (أو اجتررتَ رجلًا)، أي: منَ الصفِّ [فينضمُّ] (^٤) إليكَ، وتمامُ حديثٍ الطبرانيِّ: \"إنْ ضاقَ بكَ المكانُ أعدْ صلاتَكَ، فإنهُ لا صلاةَ لكَ\"، وهوَ في مجمعِ الزوائدِ (^٥) من روايةٍ ابن عباسٍ: \"إذا انتهَى أحدُكم إلى الصفِّ وقدْ تمَّ، فليجذبْ إليهِ رجلًا يقيمُهُ إلى جنبهِ\". [وقال] (^٦): رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٧)، وقالَ: لا يُروَى عن النَّبيِّ - ﷺ - إلَّا بهذا الإسنادِ، وفيهِ السريُّ بنُ إبراهيمَ، وهوَ ضعيفٌ جدًّا.\nويظهرُ من كلامِ مجمع الزوائدِ أن في حديثٍ وابصةَ السريَّ بن إسماعيلَ وهوَ ضعيفٌ، والشارحُ ذكرَ أَنَّ السريَّ في روايةٍ الطبرانيِّ التي فيها الزيادةُ، إلَّا أنهُ قد أخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (^٨) من روايةٍ مقاتلِ بن حبَّانَ مرفوعًا: \"إنْ جاءَ\n_________\n= \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٩٤)، وابن ماجه (١٠٠٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٠٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٣)، وابن خزيمة (٣/ ٣٠ رقم ١٥٦٩)، وهو حديث صحيح.\nوقال الشيخ شعيب عن هذا الحديث: وهو شاهد قوي لحديث وابصة بن معبد.\n(^١) لم يعزه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٩٦) للطبراني، بل عزاه لأبي يعلى.\nوقد أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ١٦٣ رقم ٤/ ١٥٨٩) بإسناد ضعيف.\nوقال الهيثمي: وفيه السري بن إسماعيل وهو ضعيف.\nقلت: والحديث حسن لغيره. انظر: رقم (٢١/ ٣٩٠).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"وينضم\".\n(^٥) (٢/ ٩٦).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) رقم (٧٧٦٤).\n(^٨) (ص ١١٦ رقم ٨٣).\nوأورده البيهقيُّ في \"سننه\" (٣/ ١٠٥) عن أبي داود.\nوروى البيهقيُّ (٣/ ١٠٥) من حديث وابصة، قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا صلَّى خلف الصفوف وحده، فقال: \"أيها المصلِّي وحده، ألا وصلتَ إلى الصفِّ، أو جررتَ إليكَ رجلًا، فقام معك، أعِدِ الصلاة\"، وفي سنده السري بن إسماعيل، وهو ضعيف.","vol":"3","page":92},{"text":"أحدكُم فلم يجدْ موضعًا فَلْيَخْتَلِجْ إليهِ رجلًا من الصفِّ فليقمْ معهُ، فما أعظمَ أجرَ المختلَجِ\" (^١)، وأخرج الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٢) من حديثٍ ابن عباسٍ: \"أن النَّبيَّ - ﷺ - أمرَ الآتي وقد تمَّتِ الصفوفُ بأنْ يجتذبَ إليهِ رجلًا يقيمهُ إلى جنبهِ\"، وإسنادُه، واهٍ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-507>المشي إلى الصلاة بسكينة ووقار</span>\n٢٣/ ٣٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلاةِ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَما فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيّ. [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: إذا سمعتمُ الإقامة) أي: الصلاةَ (فامشُوا إلى الصلاةِ وعليكمُ السكينةُ). قالَ النوويُّ (^٥): السكينةُ: التأنّي في الحركاتِ واجتنابُ العبثِ، (والوقار): في الهيئةِ كغضِّ الطرفِ، وخفضِ الصوتِ، وعدمِ الالتفاتِ، وقيلَ: معناهُما واحدٌ، وذكرَ الثاني تأكيدًا، وقد نبَّهَ في روايةٍ مسلمٍ (^٦) على الحكمةِ في شرعيةِ هذا الأدبِ بقولهِ في آخرِ حديثٍ أبي هريرةَ هذا: \"فإن أحدكم إذا كان يَعْمِدُ إلى الصلاةِ فإنهُ في صلاةٍ\"، أي: فإنهُ في حكم المصلِّي، فينبغي اعتمادُ ما ينبغي للمصلِّي اعتمادُهُ، واجتنابُ ما ينبغي لهُ اجتنابُهُ.\n(ولا تسرعُوا فما أدركتمْ) منَ الصلاةِ معَ الإمامِ (فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ). فيهِ الأمرَ بالوقارِ، وعدمْ الإسراعِ في الإتيانِ إلى الصلاةِ، وذلكَ لتكثيرِ الخُطا فينالُ فضيلةَ ذلكَ؛ فقدْ ثبتَ عندَ مسلمٍ (^٧) من حديثِ\n_________\n(^١) خَلَجَ: جَذَبَ. [\"القاموس المحيط\" (ص ٢٣٩)].\n(^٢) رقم (٧٧٦٤).\n(^٣) قال أبو بكر بن المنذر (٤/ ١٨٤): \"صلاة الفرد خلف الصف باطل، لثبوت خبر وابصة، وخبر علي بن الجعد بن شيبان\" اهـ.\n(^٤) البخاري (٦٣٦)، ومسلم (١٥١/ ٦٠٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥٧٢)، والترمذي (٣٢٧)، والنسائي (٢/ ١١٤ - ١١٥ رقم ٨٦١)، وابن ماجه (٧٧٥).\n(^٥) في \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٠٠).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٤٢١ رقم ١٥٢/ ٦٠٢).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٤٦١ رقم ٢٧٩/ ٦٦٤).","vol":"3","page":93},{"text":"جابرٍ: \"إنَّ بكلِّ خطوةٍ يخطوهَا [المصلّي] (^١) إلى الصلاةِ درجةً\"، وعندَ أبي داودَ (^٢) مرفوعًا: \"إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ الوضوءَ، ثمَّ خرجَ إلى المسجدِ لمْ يرفعْ قدمَهُ اليمنى إلَّا كتبَ اللهُ لهُ حسنةً، ولم يضعْ قدمَهُ اليُسرى إلَّا حطَّ اللهُ عنهُ سيئةً، فإذا أتى المسجدَ فصلَّى في جماعةٍ غفرَ لهُ، فإن جاءَ وقد صلُّوا بعضًا وبقي بعضٌ، فصلَّى ما أدركَ وأتمَّ ما بقيَ كانَ كذلكَ، وإنْ أتَى المسجدَ وقد صلُّوا كانَ كذلكَ\".\nوقولُهُ: \"فما أدركتم فصلُّوا\" جوابُ شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا فعلتم ما أُمرتمْ به من ترك الإسراعِ ونحوه فما أدركتم فصَلُّوا، وفيهِ دلالةٌ على أن فضيلةَ الجماعةِ يدركُها ولو دخلَ معَ الإمام في أي جزءٍ من أجزاءِ الصلاةِ، ولو دونَ ركعةٍ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وذهبَ آخَرونَ إلى أنهُ لا يصيرُ مدركًا لها إلَّا بإدراكِ ركعةٍ لقولِهِ - ﷺ -: \"مَنْ أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ فقد أدركَها\". وسيأتي في الجمعةِ (^٣) اشتراطُ إدراكِ ركعةٍ، ويقاسُ عليها غيرُها، وأجيبَ بأنَّ ذلكَ في الأوقاتِ لا في الجماعة، وبأنَّ الجمعةَ مخصوصةٌ فلا يقاسُ عليها، واستدلَّ بحديثِ البابِ على صحةِ الدخولِ معَ الإمامِ في أي حالةِ أدركهُ عليها. وقد أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) مرفوعًا: \"مَن وجدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكنْ معي على حالتي التي أنا عليها\".\nقلتُ: وليسَ فيهِ دلالةٌ على اعتدادِه بما أدركهُ معَ الإمام، ولا على إحرامهِ في أي حالةٍ أدركهُ عليها، بل فيهِ الأمرُ بالكونِ معهُ، وقد أَخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (^٥) برجالٍ موثقينَ - كما قالَ الهيثميُّ (^٦) - عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ قالا: \"مَنْ لم يدركِ الركعةَ فلا يَعْتَدَّ بالسجدةِ\"، وأخرجَ أيضًا في الكبيرِ (^٧) - قالَ الهيثميُّ (^٨)\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٨٠ رقم ٥٦٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) رقم الحديث (٥/ ٤١٨).\n(^٤) في \"المصنف\" (١/ ٢٥٣) عن رجل من أهل المدينة.\nوذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١١٨).\n(^٥) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٧٦).\n(^٦) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٧٦).\n(^٧) كما في \"المجمع\" (٢/ ٧٧).\n(^٨) في \"المجمع\" (٢/ ٧٧).","vol":"3","page":94},{"text":"[أيضًا] (^١): برجالٍ موثقينَ - من حديثٍ زيدِ بن وهبٍ قال: \"دخلتُ أنا وابنُ مسعودٍ المسجدَ والإمامُ راكعٌ فركعْنَا ثمَّ مشينا حتَّى استوَيْنَا بالصفِّ، فلما فرغَ الإمامُ قمتُ أقضي فقالَ: قدْ أدركتَهُ\" وهذهِ آثارٌ موقوفةٌ، وفي الآخرِ دليلٌ على ما ذهبَ إليهِ ابنُ الزبيرِ وقد تقدَّمَ.\nووردَ في بعضِ الرواياتِ حديثُ البابِ بلفظِ: \"فاقضُوا\" (^٢) عوضَ أتمُّوا، والقضاءُ يطلقُ على أداءِ الشيءِ فهوَ في معنَى أتمُّوا فلا مغايرةَ. ثمَّ قدِ اختلَفَ العلماءُ فيما يدركهُ اللاحقُ معَ إمامهِ هل هي أولُ صلاتهِ أو آخرُها، والحقُّ أنَّها أولُها، وقد حقَّقناهُ في حواشي \"ضوء النهارِ\" (^٣).\nواختُلِفَ فيما إذا أدركَ الإمامَ راكعًا فركعَ معهُ هل تسقطُ قراءةُ تلكَ الركعةِ عندَ مَنْ أوجبَ الفاتحةَ [في كل ركعة] (^٤)، فيعتدُّ بها، أوْ لا تسقطُ فلا يعتدُّ بها، [قيلَ] (^٥): يعتدُّ بها لأنهُ قد أدركَ الإمامَ قبلَ أنْ يقيمَ صُلْبَهُ، وقيلَ: لا يعتدُّ بها [لأنها] (^٦) فاتَتْهُ الفاتحةُ. وقد بسطْنا القولَ [في ذلك] (^٧) في مسألةٍ مستقلةٍ [ورجحَ عندنا] (^٨) الإجزاءُ، ومن أدلَّتهِ حديثُ أبي بكرة (^٩) حيثُ ركعَ وهم ركوعٌ ثمَّ أقرَّهُ - ﷺ - على ذلكَ، وإنما نهاهُ عن العودةِ إلى الدخولِ قبلَ الانتهاءِ إلى الصفِّ كما عرفتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-508>الندب إلى صلاة الجماعة</span>\n٢٤/ ٣٩٣ - وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"صَلاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَينِ أَزْكَى مِنْ صَلاتِهِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٧٠)، وأبو داود (٥٧٣)، والنسائي (٢/ ١١٤) من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح.\n(^٣) وهي \"منحة الغفار على ضوء النهار\" (٢/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"فقيل\".\n(^٦) في (أ): \"لأنه\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في (أ): \"ورجحنا\".\n(^٩) رقم الحديث (٢٠/ ٣٨٩).","vol":"3","page":95},{"text":"مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ﷿\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِي (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [حسن]\n(وعن أبي بن كعبٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: صلاةُ الرجلِ معَ الرجلِ أزكَى من صلاتهِ وحدَهُ)، أي: أكثرُ أجرًا من صلاتهِ منفردًا، (وصلاتُه معَ الرجلينِ أزكَى من صلاتهِ معَ الرجلِ، وما كانَ أكثرَ فهوَ أحبُّ إلى اللهِ تعالى. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ).\nوأخرجه ابنُ ماجَهْ (^٤)، وصحَّحهُ ابنُ السكنِ (^٥)، والعقيليُّ (^٦)، والحاكمُ (^٧)، وذكرَ الاختلافَ فيهِ، وأخرجهُ البزارُ (^٨)، والطبرانيُّ (^٩) بلفظِ: \"صلاةُ الرجلينِ يؤمُّ أحدُهما صاحبَهُ أزكَى عندَ اللهِ من صلاةِ مائةِ [ركعة] (^١٠) تَتْرَى\".\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٣٧٥ رقم ٥٥٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٠٤ رقم ٨٤٣).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٥/ ٤٠٥ رقم ٢٠٥٦).\nقلت: وأخرجه الطيالسي رقم (٥٥٤)، والدارمي (١/ ٢٩١)، وابن خزيمة (٢/ ٣٦٧ رقم ١٤٧٧)، والحاكم (١/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٧ و٦٨ و٦١)، وأحمد (٥/ ١٤٠)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٥٢٣ رقم ٢٠٠٤) من طرق، وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٦ رقم ٥٥٤): \"وصحَّحه ابن السكن والعقيلي والحاكم وذكر الاختلاف فيه وبسط ذلك، وقال النووي: أشار علي بن المديني إلى صحَّته. وعبد الله بن أبي بصير قيل: لا يعرف لأنه ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي. - قلت: لم يوثقه إلا ابن حبان (٥/ ١٥)، والعجلي (ص ٢٥١) - لكن أخرجه الحاكم من رواية العيزار بن حريث عنه فارتفعت جهالة عينه، وأورد له الحاكم شاهدًا من حديث قباث بن أشيم، وفي إسناده نظر … \" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٢٥٩ رقم ٧٩٠) مختصرًا.\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٦ رقم ٥٥٤).\n(^٦) في \"الضعفاء\" (٢/ ١١٦).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٩).\n(^٨) في \"كشف الأستار\" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ رقم ٤٦١).\n(^٩) في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٣٦ رقم ٧٤).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٩) وقال: رجال الطبراني موثقون. وقد حسَّن الألباني الحديث في \"صحيح الجامع\" رقم (٣٨٣٦).\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"3","page":96},{"text":"وفيهِ [دلالةٌ] (^١) على أن أقلَّ صلاةِ الجماعةِ إمامٌ ومأمومٌ، ويوافقهُ ما أخرجهُ ابنُ ماجَهْ (^٢) من حديث أبي موسى: \"اثنان فما فوقَهما جماعةٌ\"، ورواه البيهقيُّ (^٣) أيضًا من حديثٍ أنسٍ، وفيهمَا ضعفٌ.\nوبوَّبَ البخاريُّ: (بابُ اثنانِ فما فوقَهما جماعةٌ) (^٤)، واستدلَّ بحديثِ مالكِ بن الحويرثِ (^٥): \"إذا حضرتِ الصلاةُ فأذِّنا، ثمَّ أقيما، ثم ليؤمَّكُما أكبرُكما\"، وقد رَوَى أحمدُ (^٦) من حديثٍ أبي سعيدٍ: \"أنهُ دخلَ رجلٌ المسجدَ وقد صلَّى النبيُّ - ﷺ - بأصحابهِ الظهرَ، فقالَ لهُ النبيُّ - ﷺ -: ما حبسكَ يا فلانُ عن الصلاةِ، فذكرَ شيئًا اعتلَّ بهِ، قالَ: فقامَ يصلِّي، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ألا رجلٌ يتصدّقُ على هذَا فيصلِّي معهُ، فقامَ رجلٌ معهُ\". قالَ الهيثميُّ (^٧): رجالُه رجالُ الصحيحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-509>تؤمُّ المرأة أهل دارها</span>\n٢٥/ ٣٩٤ - وَعَنْ أُمِّ وَرَقَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٩). [حسن]\n_________\n(^١) في (أ): \"دليل\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣١٢ رقم ٩٧٢).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٣١ رقم ٣٥٢/ ٩٧٢): \"هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمرو … \" اهـ.\nوهو حديث ضعيف، وانظر: \"الإرواء\" رقم (٤٨٩).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٩)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) في \"الفتح\" (٢/ ١٤٢ رقم الباب ٣٥).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٥٨)، ومسلم (٢٩٣/ ٦٧٤)، وأبو داود (٥٨٩)، والنسائي (٢/ ٧٧ رقم ٧٨١)، وابن ماجه (٩٧٩) وغيرهم.\n(^٦) في \"المسند\" (٣/ ٨٥).\n(^٧) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٤٥).\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٣٩٧ رقم ٥٩٢).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٣/ ٨٩ رقم ١٦٧٦)، وإسناده حسن.\nقلت: وأخرجه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٠)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٢٣٠ رقم ٥٩٧٢).\nوهو حديث حسن، والله أعلم.","vol":"3","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-510>ترجمة أم ورقة</span>\n(وعن أمِّ ورقةَ) (^١) بفتحِ الواوِ والراءِ والقافِ، هي أمُّ ورقةَ بنتُ نوفلٍ الأنصاريةِ، وقيلَ: بنتُ عبدِ اللهِ بن الحرثِ بن عويمرٍ، كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يزورُها ويسمِّيها الشهيدةَ، وكانت قدْ جمعتِ القرآنَ وكانت تؤمُّ أهلَ دارِها، ولما غَزَا رسولُ اللهِ - ﷺ - بدرًا قالتْ: يا رسولَ اللهِ ائذنْ لي في الغزوِ معكَ، الحديث. وأمرَها أنْ تؤمَّ أهلَ دارِها وجعلَ لها مؤذنًا يؤذنُ، وكانَ لها غلام وجاريةٌ فدبَّرتْهما، وفي الحديثِ أن الغلامَ والجاريةَ قاما إليها في الليلِ فغمَّاها بقطيفةٍ لها حتَّى ماتتْ وذهبا، فأصبحَ عمرُ فقامَ في الناسِ، فقالَ من عندَهُ من علمِ هذينِ أو مَنْ رآهما فليجئْ بهما فوُجِدا فأمرَ بهما فصلبهُما، وكانَا أولَ مصلوبٍ بالمدينةِ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - أمرَها أنْ تؤمَّ أهلَ دارِها. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ). والحديثُ دليلٌ على صحَّةِ إمامةِ المرأةِ أهل دارِها وإنْ كانَ فيهمُ الرجلُ، فإنهُ كانَ لها مؤذنٌ وكانَ شيخًا كما في الروايةِ، والظاهرُ أنها كانت تؤمُّهُ وغلامَها، وجاريتها، وذهبَ إلى صحته أبو ثورٍ، والمزني، والطبريُّ، وخالفَ في ذلكَ الجماهيرُ (^٢).\nوأما إمامةُ الرجلِ النساءَ فقط، فقد رَوَى عبدُ اللهِ بن أحمدَ من حديثٍ أُبيِّ بن كعبٍ: \"أنهُ جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ اللهِ، عملتُ الليلةَ عملًا، قالَ: ما هوَ؟ قالَ: نسوةٌ معي في الدارِ قُلْنَ إنكَ تقرأُ ولا نقرأُ، فصلِّ بنا فصليتُ ثمانيًا والوتر، فسكتَ النبيُّ - ﷺ - قالَ: فرأينا أن سكوتَهُ رضًا\"، قالَ الهيثميُّ (^٣) في إسنادهِ مَنْ لم يسمَّ. قال (^٤): ورواهُ أبو يَعْلَى (^٥)، والطبرانيُّ في الأوسطِ وإسنادهُ حسنٌ.\n_________\n(^١) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٧/ ٤٠٨ رقم ٧٦١٨)، و\"الإصابة\" (٤/ ٥٠٥ رقم ١٥٤٢).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٤/ ٢٥٤).\n(^٣) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٧٤).\n(^٤) أي: الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٧٤).\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٣٣٦ رقم ٣٤/ ١٨٠١)، بإسناد ضعيف.","vol":"3","page":98},{"text":"<span data-type='title' id=toc-511>تصح إمامة الأعمى</span>\n٢٦/ ٣٩٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - استخلفَ ابنَ أمِّ مكتومٍ) وتقدَّمَ اسمُه في الأذانِ (يؤمُّ الناسَ وهوَ أعمَى. رواة أحمدُ وأبو داودَ)، في روايةٍ لأبي داودَ (^٣): أنهُ استخلفهُ مرتينِ، وهوَ في الأوسطِ للطبراني (^٤) من حديثٍ عائشةَ: \"استخلفَ النبيُّ - ﷺ - ابنَ أمِّ مكتومٍ على المدينةِ مرتينِ يؤمُّ الناسَ\"، والمرادُ استخلافُه في الصلاةِ وغيرِها، وقد أَخرجَهُ الطبرانيُّ (٤) بلفظِ: في الصلاةِ وغيرها، وإسنادُه حسنٌ. وقد عُدَّتْ مرَّاتُ الاستخلافِ لهُ فبلغتْ ثلاثَ عشرةَ مرةً، [ذكرهُ] (^٥) في الخلاصةِ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ إمامةِ الأعمى [من دون] (^٦) كراهةٍ في ذلكَ.\n٢٧/ ٣٩٦ - وَنَحْوُهُ لابْنِ حِبَّانَ (^٧) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -. [إسناده صحيح]\n(ونحوهُ) أي: نحوَ حديثٍ أنسٍ (لابنِ حبانَ عن عائشة) تقدمَ أنهُ أخرجهُ الطبراني في الأوسطِ (^٨).\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ١٩٢).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٩٨ رقم ٥٩٥).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٣١٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٨٨) كلهم من طريق عمران القطان، ثنا قتادة، عن أنس …\nقلت: وعمران هو ابن داور القطان، صدوق له أوهام ومخالفات وقتادة مدلس.\n[\"التهذيب\" (٨/ ١١٥ رقم ٢٢٦)، و\"التقريب\" (٢/ ٨٣)].\nولكن للحديث شاهد عن عائشة أخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٥/ ٥٠٦ رقم ٢١٣٤) بإسناد صحيح.\nوالخلاصة: أن حديث أنس صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٣٤٤ رقم ٢٩٣١) وهو حديث صحيح.\n(^٤) كما في \"المجمع\" (٢/ ٦٥) وقال الهيثمي: \"رواه أبو يعلى - (٥/ ٤٢٢ رقم ٣١١٠)، والطبراني في \"الأوسط\"، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): \"من غير\".\n(^٧) في \"الإحسان\" (٥/ ٥٠٦ رقم ٢١٣٤) بإسناد صحيح وقد تقدم آنفًا.\n(^٨) كما في \"المجمع\" (٢/ ٦٥) وقد تقدم آنفًا.","vol":"3","page":99},{"text":"٢٨/ ٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: صلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ)، أي: صلاةَ الجنازةِ، (وصلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ).\nقالَ في البدرِ المنيرِ (^٢): هذا الحديثُ من جميع طُرُقِهِ لا يثبتُ. وهوَ دليلٌ على أنهُ يُصَلَّى على مَنْ قالَ كلمةَ الشهادةِ وإنْ لم يأَتِ بالواجباتِ، وذهبَ إلى هذا زيدُ بنُ عليٍّ، وأحمدُ بنُ عيسى، وذهبَ إليهِ أبو حنيفة إلَّا أنهُ استثنَى قاطعَ الطريقِ والباغي (^٣)، وللشافعيِّ أقوالٌ في قاطعِ الطريقِ إذا صُلِبَ، والأصلُ أن مَنْ قالَ كلمةَ الشهادة فلهُ ما للمسلمينَ، ومنهُ صلاةُ الجنازةِ عليه، ويدلُّ لهُ حديثُ: \"الذي قتلَ نفسهُ بمشاقصَ فقالَ - ﷺ -: أمَّا أنا فلا أصلِّي عليه، ولم ينههم عن الصلاةِ عليهِ\" (^٤). ولأنَّ عموم شرعيةِ صلاةِ الجنازةِ لا يخصُّ منهُ أحدٌ من أهلِ كلمةِ الشهادةِ إلَّا بدليلٍ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٥٦ رقم ٣، ٤، ٥).\nويوجد في رقم (٣): عثمان بن عبد الرحمن كذاب، قاله يحيى بن معين.\nوفي رقم (٤): أبو الوليد المخزومي وهو خالد بن إسماعيل، قال عنه ابن عدي: متهم بالكذب.\nوفي رقم (٥): محمد بن الفضل، قال عنه النسائيُّ: متروك، وقال ابن معين: كان كذابًا.\nقلت: الحديث ضعيف بجميع طرقه التي ذكرت وغيرها. انظر كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصلاة.\n(^٢) \"مختصر البدر المنير\" (ص ٨١ رقم ٤٧٤)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٥).\n(^٣) \"الروض النضير\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٠٧/ ٩٧)، والنسائي (٤/ ٦٦ رقم ١٩٦٤)، والترمذي (١٠٦٨)، وابن ماجه (١٥٢٦)، والحاكم (١/ ٣٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٩)، والطيالسي رقم (٧٧٩)، وأحمد (٥/ ٨٧ و٩١ و٩٢ و٩٤ و٩٦ - ٩٧ و١٠٢ و١٠٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: يصلّي على كل من صلّى للقبلة، وعلى قاتل النفس، وهو قول سفيان والثوري وإسحاق.\nوقال أحمد: \"لا يصلّي الإمام على قاتل النفس، ويصلي عليه غير الإمام\".","vol":"3","page":100},{"text":"[فأما] (^١) الصلاةُ خلفَ مَنْ قالَ: لا إله إلَّا اللهُ، فقد قدَّمْنَا الكلامَ في ذلكَ، وأنهُ لا دليلَ على اشتراطِ العدالةِ، وأنَّ مَنْ صحَّتْ صلاتهُ صحَّتْ إمامتُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-512>يأتم المصلي في أي جزء أدرك الإمام فيه</span>\n٢٩/ ٣٩٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [صحيح]\n(وعن عليٍّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: إذا أتَى أحدُكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصنعْ كما يصنعُ الإمام. رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ ضعيف).\nأخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ عليٍّ ومعاذٍ، وفيهِ ضعفٌ وانقطاعٌ، وقالَ: لا نعلمُ أحدًا أسندَهُ إِلَّا مِنْ هذا الوجهِ، وقدْ أخرجهُ أبو داودَ (^٣) من حديثٍ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، قالَ: حدَّثَنا أصحابُنا -[وفيه أن معاذًا قال] (^٤) … الحديثَ، وفيهِ أن معاذًا قالَ: \"لا أراهُ على حالٍ إلَّا كنتُ عليها\"، وبهذا يندفعُ الانقطاعُ، إذِ الظاهرُ أن الراويَ لعبدِ الرحمنِ غيرُ معاذٍ بل جماعةٌ منَ الصحابةِ، والانقطاعُ إنَّما ادُّعِيَ بينَ عبدِ الرحمنِ ومعاذٍ، قالُوا: لأنَّ عبدَ الرحمنِ لم يسمعْ\n_________\n(^١) في (ب): \"وأما\".\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٨٥ رقم ٥٩١) وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسندَهُ إلّا ما روي من هذا الوجه\" اهـ.\nوقال الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤٢): \"وفيه ضعف وانقطاع\"، ويريد بالضعف الإشارة إلى تضعيف حجاج بن أرطأة، وهو عندنا ثقة إلّا أنه يدلس، ولم يصرِّح بالسماع هنا. ويشير بالانقطاع إلى أن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ولكن له شاهد من حديثه - أيضًا - عند أبي داود (٥٠٦) يقول فيه ابن أبي ليلى: \"حدثنا أصحابنا\" ثم ذكر الحديث وفيه: \"فقال معاذ: لا أراه على حال إلّا كنت عليها. قال: فقال: إن معاذًا قد سنّ لكم سنة، كذلك فافعلوا\"، وهذا متّصل؛ لأن المراد بأصحابه الصحابة، كما صرَّح بذلك في رواية ابن أبي شيبة: \"حدثنا أصحاب محمد - ﷺ - \" اهـ. من كلام الشيخ أحمد شاكر على الترمذي.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، وانظر: \"الصحيحة\" للألباني رقم (١١٨٨).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٥٠٦) كما تقدم.\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"3","page":101},{"text":"من معاذٍ، وقد سمعَ من غيرهِ من الصحابةِ. وقالَ هنَا: \"أصحابُنا\"، والمرادُ بهِ الصحابةِ - ﵃ -.\nوفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ لحقَ [بالإمامِ] (^١) أن ينضمَّ إليهِ في أيِّ جزءٍ كانَ من أجزاءِ الصلاةِ، فإذا كانَ الإمامُ قائمًا أو راكعًا، فإنّهُ يَعْتَدُّ بما أدركهُ معهُ كما سلفَ، [فإذَا] (^٢) كانَ قاعِدًا أو ساجدًا [فقعد] (^٣) بقعودِهِ وسجدَ بسجودِهِ ولا يعتدُّ بذلكَ، وتقدمَ ما يؤيُّدهُ من حديث ابن أبي شيبةَ (^٤): \"مَنْ وجدني قائمًا أو راكعًا أوْ ساجدًا فليكنْ معي على حالتي التي أنا عليها\"، وأخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٥) مرفوعًا عن أبي هريرةَ: \"إذا جئتمْ ولحنُ سجودٌ فاسجدُوا، ولا تعدُّوها شيئًا ومن أدركَ الركعةَ فقد أدركَ الصلاةَ\"، وأخرجَ (^٦) أيضًا فيهِ مرفوعًا عن أبي هريرةَ: \"مَن أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ قبلَ أن يقيمَ الإمامُ صُلْبَهُ [من الركوع] (^٧) فقدْ أدركَها\". وترجمَ لهُ (بابُ (^٨) ذكرِ الوقتِ الذي يكونُ فيه المأموم مدرِكًا للركعةِ إذا ركعَ إمامُهُ).\nوقولُهُ: \"فليصنعْ كما يصنعُ الإمامُ\" ليسَ صريحًا أنهُ يدخلُ معهُ بتكبيرةِ الإحرامِ بل ينضمُّ إليهِ إمَّا بها إذا كانَ قائمًا أو راكعًا فيكبرُ اللاحقُ من قيامٍ ثمَّ يركعُ، أوْ بالكونِ معهُ فقطْ ومتَى قامَ كبَّرَ للإحرام وغايتُه أنهُ يحتملُ ذلكَ إلَّا أن شرعيةَ تكبيرةِ الإحرامِ حالَ القيامِ للمنفردِ والإمامِ يقضي أنْ لا تجزئَ إلَّا كذلكَ، وذلكَ أصرحُ من دخولِها بالاحتمالِ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(^١) في (أ): \"الإمام\".\n(^٢) في (أ): \"فإن\".\n(^٣) في (أ): \"قعد\".\n(^٤) في \"المصنف\" (١/ ٢٥٣) عن رجل من أهل المدينة، وذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ١١٨).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٣/ ٥٧ - ٥٨ رقم ١٦٢٢)، وذكره الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤٢) رواية ابن خزيمة.\nوقال الشيخ ناصر الدين (٣/ ٥٧): \"وصحَّحه الحاكم والذهبي، وهو حديث حسن كما حققته في \"صحيح أبي داود\" (٨٣٢) \".\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ٤٥ رقم ١٥٩٥)، وذكره الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤١).\nوقال الشيخ ناصر الدين (٣/ ٤٥): \"إسناده ضعيف لسوء حفظ قرَّة، لكن الحديث له طريق أخرى وشواهد\"، كما حققته في \"صحيح أبي داود\" (٨٣٢)، و\"الإرواء\" (٤٨٩).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (١٠٢).","vol":"3","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-513>أعذار التخلف عن الجماعة</span>\n(فائدةٌ) في الأعذارِ في تركِ الجماعةِ: أخرجَ الشيخانِ (^١) عن ابن عمرَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"أنهُ كانَ يأمرُ المنادي ينادي، فينادي: صلُّوا في رحالِكم في الليلةِ الباردةِ، وفي الليلةِ [المطيرةِ] (^٢) في السفرِ\"، وعن جابرٍ: \"خرجْنَا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في سفرٍ فَمُطِرْنَا فقالَ: ليصلِّ مَنْ شاءَ منكم في رَحلهِ\" رواهُ مسلمٌ (^٣)، وأبو داودَ (^٤)، والترمذيُّ (^٥)، وصحَّحهُ، وأخرجهُ الشيخانِ (^٦) عن ابن عباسٍ: \"أنهُ قالَ لمؤذِّنهِ في يومٍ مطيرٍ: إذا قلتَ أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ فلا تقلْ حيَّ على الصلاةِ قلْ: صلُّوا في بيوتكمِ. قالَ: فكأنَّ الناسَ استنكَرُوا ذلكَ، فقالَ: أتعجبونَ من ذَا فقد فعلَ ذَا مَنْ هو خيرٌ مني، يعني النبيّ - ﷺ -\"، وعند مسلمٍ (^٧): \"أن ابنَ عباسٍ أمرَ مؤذِّنَهُ في يومِ جمعةٍ في يومٍ مطيرٍ بنحوهِ\".\nوأخرجَ البخاريُّ (^٨) عن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا كانَ أحدكُم على الطعامِ فلا يعجلْ حتَّى يقضيَ حاجتَهُ منهُ، وإنْ أقيمت الصلاةُ\". وأخرجَ أحمدُ (^٩)، ومسلمٌ (^١٠) من حديثٍ عائشةَ قالتْ: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: \"لا صلَاةَ بحضْرَةِ طعامٍ، ولا وهوَ يدافعُ الأخبثينِ\"، وأخرجَ البخاريُّ (^١١) عن أبي الدرداءِ قالَ: \"مِنْ فقهِ الرجلِ إقبالُه على حاجتهِ حتَّى يقبلَ على صلاتهِ وقلبهُ فارغٌ\".\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٢)، ومسلم (٦٩٧).\n(^٢) في (أ): \"الممطرة\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٨٤ رقم ٢٥/ ٦٩٨).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٤٣ رقم ١٠٦٥).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢٦٣ رقم ٤٠٩)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٦) البخاري (٩٠١)، ومسلم (٢٦/ ٦٩٩).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٤٨٦ رقم ٢٩/ ٦٩٩).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ١٥٩ رقم ٦٧٤).\n(^٩) في \"المسند\" (٦/ ٤٣، ٥٤، ٧٣).\n(^١٠) في \"صحيحه\" (١/ ٣٩٣ رقم ٦٧/ ٥٦٠).\n(^١١) في \"صحيحه\" تعليقًا (٢/ ١٥٩ رقم الباب ٤٢). وقال ابن حجر في \"الفتح\": \"وصله ابن المبارك في \"كتاب الزهد\" (ص ٤٥١ رقم ١١٤٢)، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة\" اهـ.","vol":"3","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>[الباب الحادي عشر] بابُ صلاةِ المسافرِ والمريضِ</span>\n١/ ٣٩٩ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: \"أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الحَضَرِ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n- وَلِلْبُخَارِيِّ (^٢): ثُمَّ هاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَلِ.\n- زَادَ أَحْمَدُ (^٣): إِلَّا الْمَغْرِبَ، فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّا الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ.\n(عن عائشة - ﵂ - قالتْ: أول ما فرضتِ الصلاة) ما عدا المغربَ (ركعتين) أي: حَضَرًا وسفَرًا، (فأُقِرَّت) أي: أقرَّ اللهُ (صلاةَ السفرِ) بإبقائِها ركعتينِ، (وأُتِمَّتْ صلاة الحضرِ) ما عدا المغربَ يزيدُ في الثلاثِ الصلواتِ ركعتينِ، والمرادُ بأُتمّتْ: زِيدَ فيها حتَّى كانتْ تامَّةً بالنظرِ إلى صلاةِ السفرِ (متفقٌ عليهِ، وللبخاريِّ) وحدهُ عن عائشةَ (ثمَّ هاجرَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (ففرضتْ أربعًا) أي: صارتْ أربعًا بزيادةِ اثنتينِ، (وأقرَّتْ صلاةُ السفرِ على الأولِ) أي: على الفرضِ الأولِ (زادَ أحمدُ: إلَّا المغربَ) أي: زادهُ من روايةٍ عن عائشةَ بعدَ قولِها: \"أولُ ما فرضتِ الصلاةُ\"، أي: إلَّا المغربَ فإنَّهَا فرضتْ ثلاثًا، (فإنَّها) أي: المغربُ (وترُ النهارِ) فرضتْ وترًا ثلاثًا من أولِ الأمرِ (وإلَّا الصبحَ، فإنَّها تطَوَّلُ فيها القراءة).\n_________\n(^١) البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٣/ ٦٨٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٧/ ٢٦٧ رقم ٣٩٣٥).\n(^٣) في \"الفتح الرباني\" (٥/ ٩٢ رقم ١٢٠٤ الطريق الثاني).","vol":"3","page":104},{"text":"في [هذا] (^١) الحديثِ دليلٌ على وجوبِ القصرِ في السفرِ؛ لأنَّ فرضتْ بمعنى وَجَبَتْ، ووجوبُهُ مذهبُ الهادويةِ والحنفيةِ وغيرِهم (^٢)، وقالَ الشافعيُّ وجماعةٌ (^٣): إنهُ رخصةٌ والتمامُ أفضلُ، وقالُوا: فرضتْ بمعنَى قُدِّرَتْ أو فرضتْ لمن أرادَ القصرَ، واستدلُّوا بقولهِ تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (^٤)، وبأنهُ سافرَ أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - معهُ فمنهم من يقصرُ، ومنهم يتمُّ، ولا يعيبُ بعضُهم على بعضٍ، وبأنَّ عثمانَ كانَ يتمُّ وكذلكَ عائشةُ، أخرجَ ذلك مسلمٌ (^٥)، ورُدَّ بأنَّ هذهِ أفعالُ [صحابة] (^٦) لا حجّةَ فيها، وبأنهُ أخرجَ الطبرانيُّ في الصغيرِ (^٧) من حديثٍ ابن عمرَ موقوفًا: \"صلاةُ السفرِ ركعتانِ [نَزَلَتَا] (^٨) منَ السماءِ، فإنْ شئتمْ فردُّوهما\". قالَ الهيثميُّ (^٩): رجالُهُ موثوقونَ، وهوَ توقيفٌ إذْ لا مسرحَ فيهِ للاجتهادِ، وأخرجَ أيضًا عنهُ في الكبيرِ (^١٠) برجالِ الصحيحِ: \"صلاةُ السفرِ ركعتانِ مَنْ خالفَ السنةَ كفرَ\".\nوفي قولهِ: \"السنةُ\" دليلٌ على رفعهِ كما هوَ معروفٌ. قالَ ابنُ القيمِ في الهدي النبويّ (^١١): كانَ يقصرُ - ﷺ - الرباعية (^١٢) فيصليها ركعتينِ من حينِ يخرجُ مسافرًا إلى أنْ يرجعَ إلى المدينةِ، ولم يثبتْ عنهُ أنهُ أتمَّ الرباعيةَ في السفر البتّة، وفي قولِها: \"إلَّا المغربَ\"، دلالةٌ على أنَّ شرعيتَها في الأصل ثلاثًا لم تتغيرْ، وقولَها: \"إنَّها وترُ النهارِ\"، أي: صلاةُ النهارِ كانت شفعًا والمغربُ آخرُها لوقوعِها في آخرِ جزءٍ منَ النهارِ فهيَ وترٌ لصلاةِ النهارِ كما أنهُ شرعَ الوترُ لصلاةِ الليلِ، والوترُ محبوبٌ إلى اللهِ تعالى كما تقدمَ في الحديث: \"إنَّ الله وترٌ يحبُّ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) انظر: \"الروض النضير\" للسياغي (٢/ ٣٥٦)، و\"التاج المذهب\" للعنسي (١/ ١٤٢).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (١/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٠١.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٤٧٨ رقم ٣/ ٦٨٥).\n(^٦) في (أ): \"الصحابة\".\n(^٧) (٢/ ١٨٤ رقم ٩٩٧ - الروض الداني).\n(^٨) في (ب): \"نزلًا\".\n(^٩) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٥٤).\n(^١٠) كما في \"المجمع\" (٢/ ١٥٤ - ١٥٥) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\n(^١١) (١/ ٤٦٤).\n(^١٢) هنا جملة زائدة من (أ)، وهي: \"في السفر البتة\".","vol":"3","page":105},{"text":"الوترَ\" (^١)، وقولُها: \"إلّا الصبحَ\"، فإنَّها تطوَّلُ فيها القراءةُ، يريد أنه لا يقتصرُ في صلاتِها فإنَّها ركعتانِ حَضَرًا وسَفَرًا، لأنهُ شرعَ فيها تطويلُ القراءةِ؛ ولذلكَ عبّرَ عنها في الآيةِ بقرآنِ الفجرِ لما كانتِ القراءةُ معظمَ أركانِها لطولِها فيها، فعبَّرَ عنها بها من إطلاقِ الجزءِ الأعظمِ على الكلِّ.\n٢/ ٤٠٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ ويُتِمُّ وَيَصُومُ ويُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا يَشُق عَلَيَّ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٣). [ضعيف]\n(وعن عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - كان يقصرُ في السفرِ ويتمُّ ويصومُ ويفطرُ) الأربعةُ الأفعالُ بالمثناةِ التحتيةِ، أي: أنهُ - ﷺ - كان يفعلُ هذَا وهذا (رواهُ الدارقطنيُّ، ورواتُه) من طريقِ عطاءِ عن عائشةَ (ثقاتٌ، إلَّا أنهُ معلولٌ، والمحفوظُ عن عائشةَ من فعلِها وقالتْ: إنهُ لا يشقُّ عليَّ. أخرجهُ البيهقيُّ) واستنكرهُ أحمدُ؛ فإنَّ عروةَ رَوَى عنها أنَّها كانت تتمُّ وأنَّها تأوّلتْ كما تأوّلَ عثمانُ كما في الصحيحِ (^٤)، فلو كانَ عندَها عن النبيِّ - ﷺ - روايةٌ لم يقلْ عروةُ إنَّها تأوَّلتْ، وقد ثبتَ في الصحيحينِ خلافُ ذلكَ.\nوأخرجَ أيضًا الدارقطنيُّ (^٥) عن عطاءٍ، والبيهقيُّ (^٦) عن عائشةَ: \"أنَّها اعتمرتْ معهُ - ﷺ - منَ المدينةِ إلى مكة حتَّى إذا قدمتْ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ؛ بأبي أنتَ وأمّي أتممتُ وقصرتُ، وأفطرتُ وصمتُ، فقالَ: أحسنتِ يا عائشةُ، وما\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح بشواهده، تقدم رقم (٢٤/ ٣٥٦).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٨٩ رقم ٤٤) وقال: وهذا إسناد صحيح.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤٢).\n(^٤) أي: في \"صحيح مسلم\" (٦٨٥).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٨٩ رقم ٤٤) وقال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح.\nوأخرج الدارقطني (٢/ ١٨٨ رقم ٣٩، ٤٠) وقال الدارقطني: الأول متصل وهو إسناد حسن، وعبد الرحمن قد أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق وهو مع أبيه وقد سمع منها.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٤٢) وقال البيهقي: إسناده صحيح.\nوذكر صاحب \"التنقيح\" \"أن هذا المتن منكر، فإن النبيّ - ﷺ - لم يعتمر في رمضان قط\"، كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ١٩١).","vol":"3","page":106},{"text":"عابَ عليَّ\". قال ابنُ القيمِ (^١): وقد رُويَ: \"كان يقصرُ وتتمُّ\"، الأول بالياءِ آخرِ الحروفِ، والثاني بالمثناةِ من فوقِ، وكذلكَ يفطرُ وتصومُ، أي: تأخذ هي بالعزيمةِ في الموضعينِ. قالَ شيخُنا ابنُ تيميةَ: وهذا باطلٌ، ما كانت أمُّ المؤمنينَ لتخالفَ رسول اللَّهِ - ﷺ - وجميعَ أصحابه فتصلِّي خلافَ صلاتِهم. وفي الصحيحِ (^٢) عنها: \"إنَّ اللَّهَ فرضَ الصلاةَ ركعتينِ ركعتينِ، فلمَّا هاجرَ رسول الله - ﷺ - إلى المدينةِ زِيدَ في صلاةِ الحضرِ، وأُقِرَّتْ صلاةُ السفرِ\"، فكيفَ يُظَنُّ بها معَ ذلكَ أنَّها تصلِّي خلافَ صلاتِهِ وصلاةِ المسلمين مَعهُ. قلتُ: وقد أتمّتْ عائشةُ بعدَ موتِهِ - ﷺ -. قالَ ابنُ عباسٍ وغيرُه: إنَّها تأوَّلتْ كما تأوّلَ عثمانُ. انتهَى.\nهذا وحديثُ البابِ قد اختُلِفَ في اتصالهِ، فإنهُ مِنْ روايةِ عبدِ الرحمنِ بن الأسودِ عن عائشةَ، قال الدارقطنيُّ (^٣): إنهُ أدركَ عائشةَ وهوَ مراهقٌ، قال المصنفُ ﵀: هوَ كما قال، ففي تاريخِ البخاري (^٤) وغيرهِ ما يشهدُ لذلكَ، وقال أبو حاتمٍ (^٥): أُدخلَ عليها وهوَ صغيرٌ ولم يسمعْ منها، وادَّعى ابنُ أبي شيبةَ والطحاويُّ ثبوتَ سماعهِ منها، واختلفَ قولُ الدارقطنيِّ في الحديثِ، فقالَ في السنن: إسنادهُ حسنٌ، وقال في العللِ: المرسلُ أشبهُ. هذا كلامُ المصنفِ ونقلَه الشارحُ، وراجعتُ سننَ الدارقطنيّ فساقه الدارقطني، وقال: إنهُ صحيحٌ، ثمَّ فيهِ العلاءُ بنُ زهيرٍ، وقال الذهبي في الميزانِ (^٦): وثقهُ ابنُ معينٍ، وقال ابن حبانَ (^٧): كانَ ممنْ يروي عن الثقاتِ مما لا يشبهُ حديثَ الأثباتِ، انتهى. فبطلَ الاحتجاجُ بهِ فيما لم يوافقِ الأثباتَ، وبطلَ بهذا ادّعاءُ ابن حزم جهالتَه، فقد عُرفَ عينًا وحالًا.\nوقال ابنُ القيم (^٨) بعدَ روايتهِ لحديثِ عائشةَ هذا ما لفظُه: وسمعتُ شيخَ الإسلام يقول: وهذا كذبٌ على رسول اللَّهِ - ﷺ -، انتهى. يريدُ روايةَ: \"يقصرُ\n_________\n(^١) \"زاد المعاد\" (١/ ٤٦٥).\n(^٢) تقدم تخريجه (١/ ٣٩٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٨٨ رقم ٣٩، ٤٠).\n(^٤) (٥/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٥) في \"المراسيل\" (ص ١٢٩ رقم ٤٦٤)، وأما في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٠٩ رقم ٩٨٦) لم يذكر قوله: ولم يسمع منها.\n(^٦) (٣/ ١٠١ رقم ٥٧٣١).\n(^٧) في \"المجروحين\" (٢/ ١٨٣).\n(^٨) في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٧٢).","vol":"3","page":107},{"text":"ويتمُّ\" بالمثناةِ التحتيةِ، وجعلَ ذلكَ من فعلهِ - ﷺ -، فإنهُ ثبتَ عنهُ - ﷺ - بأنهُ لم يتمَّ رباعيةً في سفرٍ ولا صامَ فيه فرضًا.\n[وقد حقّقْنا ما في البحثِ في رسالةٍ مستقلّةٍ اخترْنا فيها أن القصرَ رخصةٌ لا عزيمةٌ] (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-515>استحباب إتيان الرخص</span>\n٣/ ٤٠١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵂ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣) وَابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ (^٥): \"كمَا يُحِبُّ أَنْ تؤْتَى عَزَائِمُهُ\".\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ اللَّهَ تعالى يحبُّ أنْ تؤتَى رُخَصُهُ كما يَكْرَة أَنْ تؤتَى معصيتُه. رواة أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، وفي روايةٍ: كما يحبُّ أنْ تؤتَى عزائمُهُ)، فُسِّرَتْ محبةُ اللَّهِ برضاهُ، وكراهتهُ بخلافِها.\nوعندَ أهلِ الأصولِ أن الرخصةَ ما شرعَ منَ الأحكامِ لعذرٍ، والعزيمةَ مقابلُها، والمرادُ بها هنا ما سهلهُ لعبادهِ ووسعهُ عندَ الشدّةِ من تركِ بعضِ الواجباتِ وإباحةِ بعضِ المحرَّماتِ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ١٠٨) إلا أنه سقط من \"المسند\": حرب بن قيس من المطبوع.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٧٣ رقم ٩٥٠) بإسناد صحيح.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٦/ ٤٥١ رقم ٢٧٤٢) بإسناد قوي.\nوانظر ما قاله الشيخ شعيب في تخريج الحديث.\n(^٥) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٦٩ رقم ٣٥٤) من حديث ابن عباس، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (١١٨٨٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٧٦)، والبزار رقم (٩٩٠).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٦٢) ورجال البزار ثقات وكذلك رجال الطبراني.\n• وقد تحرَّف (الحسين) في (البزار) و(الحلية) إلى (الحسن)، والذارع تصحَّف فيهما إلى (الذراع) وتحرَّف في \"الإرواء\" (٣/ ١١) إلى الزراع.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"3","page":108},{"text":"والحديثُ [دليلٌ] (^١) على أن [فعلَ] (^٢) الرخصةِ أفضلُ من فعلِ العزيمةِ، كذا قيلَ، وليسَ فيهِ على ذلكَ دليلٌ، بل يدلُّ على [مساواتِها] (^٣) للعزيمةِ، والحديثُ يوافقُ قولَه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-516>القول في تحديد مسافة القصر</span>\n٤/ ٤٠٢ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ فَرَاسِخَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قَالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا خرجَ مسيرةَ ثلاثةِ أميالٍ أو فراسخَ صلَّى ركعتينِ. رواهُ مسلمٌ). المرادُ من قولهِ: \"إذا خرجَ\" إذا كانَ قصدُ\" مسافةَ هذا القدرِ، لا أن المرادَ أنه [كانَ] (^٦) إذا أرادَ سفرًا طويلًا فلا يقصرُ إلَّا بعدَ هذهِ المسافةِ. وقولُه: \"أميالٍ أو فراسخَ\" شكٌّ منَ الراوي، وليسَ التخييرُ في أصلِ الحديثِ، قالَ الخطابيُّ: شكَّ فيهِ شعبةُ. قيلَ: في حدِّ الميلِ هوَ أن ينظرَ إلى الشخصِ في أرضٍ مستويةٍ فلا يدري أهوَ رجلٌ أمِ امرأةٌ أو غيرُ ذلكَ، وقالَ النوويُّ (^٧): هوَ ستةُ آلافِ ذراع، والذراعُ أربعةٌ وعشرونَ أصبعًا معترضةً متعادلةً، والأصبعُ ستُّ شعيراتٍ معترضةٍ متعادلةٍ، وقيلَ: هو اثنا عشرَ ألفِ قدمٍ بقدمِ الإنسانِ، وقيلَ: هوَ أربعةُ آلافِ ذراعٍ، وقيلَ: ألفُ خطوةٍ للجملِ، وقيلَ: ثلاثةُ آلافِ ذراعٍ بالهاشمي، وهوَ اثنانِ وثلاثونَ أصبعًا، وهو ذراعُ الهادي ﵇، وهوَ الذراعُ العُمَريُّ المعمولُ عليهِ في صنعاء وبلادِها.\nوأما الفَرْسَخُ فهوَ ثلاثة أميالٍ وهو فارسيٌّ معرَّبٌ.\nواعلمْ أنهُ قد اختلفَ العلماءُ في المسافةِ التي تقصرُ فيها الصلاةُ على نحوِ\n_________\n(^١) في (أ): \"دل\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"تساويها\".\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٤٨١ رقم ١٢/ ٦٩١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢٠١)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ١٢٩).\n• الميل= ١٨٤٨ م\n• الفرسخ= ٥٥٤٤ م.\nانظر كتابنا: \"الإيضاحات العصرية … \".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"المجموع\" شرح المهذب (٤/ ٣٢٣).","vol":"3","page":109},{"text":"عشرينَ قولًا حكاها ابنُ المنذرِ: فذهبَ الظاهريةُ إلى العملِ بهذا الحديث، [فقالوا] (^١): مسافةُ القصرِ ثلاثةُ أميالٍ، وأجيبَ عليهم بأنهُ مشكوكٌ فيهِ فلا يحتجُّ بهِ على التحديدِ بالثلاثةِ الأميالِ، نعمْ يحتجُّ بهِ على التحديدِ بالثلاثةِ الفراسخِ؛ إذِ الأميالُ داخلةٌ فيها فيؤخذُ بالأكثرِ احتياطًا، لكنْ قيلَ: إنهُ لم يذهبْ إلى التحديدِ بالثلاثةِ الفراسخِ أحدٌ، نعمْ يصحُّ الاحتجاجُ للظاهريةِ بما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ من حديثِ أبي سعيدٍ أنهُ [قال] (^٢): \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا سافرَ فرسخًا يقصرُ الصلاةَ\" (^٣). وقد عرفتَ أن الفرسخَ ثلاثةُ أميالي، وأقلُّ ما قيلَ في مسافةِ القصرِ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) من حديثِ ابن عمرَ موقوفًا: \"أنهُ كانَ يقولُ: إذا خرجتَ مِيلًا قصرتَ الصلاةَ\"، وإسنادهُ صحيحٌ، وقدْ رُوِيَ هذا في البحر (^٥) عن داودَ، ويلحقُ بهذينِ القولينِ قولُ الباقرِ، والصادقِ، وأحمدَ بن عيسى، والهادي وغيرِهم: إنهُ يقصرُ في مسافةِ بريدٍ فصاعدًا مستدلينَ بقولهِ - ﷺ - في حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: \"لا يحلُّ لامرأةٍ تسافرُ بريدًا إلَّا ومعَها مَحرمٌ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^٦)،\n_________\n(^١) في (ب): \"وقالوا\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٣٤) وفيه: \"عمارة بن جُوين أبو هارون العبدي\" ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٥٦٧) وصحح إسناده، وانظر: \"المحلَّى\" (٥/ ١١).\n(^٥) (٢/ ٤٢). وانظر: \"الروض النضير\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٣٤٧ رقم ١٧٢٥) وهو حديث شاذ قاله الألباني في ضعيف أبي داود.\nوالبريد= ٤ فراسخ.\nالفرسخ= ٣ أميال.\nالميل= ٤٠٠٠ ذراع مرسلة.\nالذراع المرسلة= ٦ قبضات.\nالقبضة= ٢٤ أصبعًا.\nالأصبع= ١.٩٢٥ سم.\nإذًا طول الذراع المرسلة= ٢٤ × ١.٩٢٥ = ٤٦.٢ سم.\nالميل= ٤٠٠٠ × ٤٦.٢ = ١٨٤٨ م= ١.٨٤٨ كم.\nالفرسخ - ٣ × ١٨٤٨ = ٥٥٤٤ م= ٥.٥٤٤ كم.\nالبريد= ٤ × ٥٥٤٤ = ٢٢١٧٦ م= ٢٢.١٧٦ كم.\nانظر: \"الإيضاحات العصرية … \".","vol":"3","page":110},{"text":"قالُوا: فسَمَّى [مسافةَ] (^١) البريدِ سفرًا.\n[قلت] (١): ولا يخفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ على أنهُ لا يسمَّى الأقلُّ من هذهِ المسافةِ سفَرًا، وإنَّما هذا تحديدٌ للسفرِ الذي يجبُ فيهِ المَحرَمُ، ولا تلازمَ بينَ مسافةِ القصرِ و[بين] (^٢) مسافةِ وجوبِ المحرَم لجوازِ التوسعةِ في إيجابِ المحرمِ تخفيفًا على العبادِ. وقالَ زيدُ بنُ عليٍّ والمؤيدُ وغيرُهما (^٣) والحنفيةُ: بل مسافتُه أربعةٌ وعشرونَ فرسخًا، لِما أخرجهُ البخاريُّ (^٤) من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: \"لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ أنْ تسافرَ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ إلَّا معَ مَحرمٍ\"، قالوا: وسيرُ الإبلِ في كلِّ يومٍ ثمانيةُ فراسخَ، وقالَ الشافعيُّ: بلْ أربعةُ بُرُدٍ لحديثِ ابن عباسٍ (^٥) مرفوعًا: \"لا تقصرُوا الصلاةَ في أقلِّ من أربعةِ بُرُدٍ\"، وسيأتي (^٦). وأخرجهُ البيهقيُّ (^٧) بسندٍ صحيح من فِعلِ ابن عباسٍ وابنِ عمرَ، وبأنهُ رَوَى البخاريُّ (^٨) من حديثِ ابن عباسٍ \"تعليقًا بصيغةِ الجزم: \"أنهُ سئلَ: أتقصرُ الصلاةُ من مكةَ إلى عرفةَ؟ قالَ: لا، ولكنْ إلى عُسْفَانَ (^٩)، وإلى جُدَّة، وإلى الطائفِ\".\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٢/ ٤٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٦٦ رقم ١٠٨٧) و(٢/ ٥٦٥ رقم ١٠٨٦).\nقلت: وأخرجه مسلم (١٤١٣/ ١٣٣٨)، وأبو داود (١٧٢٧).\n(^٥) أخرجه الدارقطني (١/ ٣٨٧ رقم ١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٧).\nوعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٥٧) للطبراني في \"الكبير\" من رواية ابن مجاهد عن أبيه عطاء ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\nقلت: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد بن جَبر وهو متروك. انظر: \"المجروحين\" (٢/ ١٤٦)، و\"الميزان\" (٢/ ٦٨٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٦٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٩٨).\nوالخلاصة: حديث ابن عباس ضعيف، والله أعلم.\n(^٦) رقم (١١/ ٤٠٩).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٦ و١٣٧).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٦٥).\n(^٩) عُسْفَان: بضم أوله، وسكون ثانيه ثم فاء، وآخره نون، فُعلان من عسفت المفازة، وهو يعسفها وهو: قطعها بلا هداية ولا قصد … قال أبو منصور: \"عُسفان منهلة من مناهل الطريق، بين الجحفة ومكة، وقال غيره: عسفان بين المسجدين، وهي من مكة على مرحلتين … \" اهـ. \"معجم البلدان\" (٤/ ١٢١ - ١٢٢).","vol":"3","page":111},{"text":"وهذه الأمكنةُ بينَ كلِّ واحدٍ منها وبينَ مكةَ أربعةُ بردٍ فما فوقَها. والأقوالُ متعارضةٌ كما سمعتَ، والأدلةُ [متقاومة] (^١)، قالَ في \"زاد المعادِ\" (^٢): \"ولم يحدِّدْ - ﷺ - لأمتِهِ مسافةً محدودةً للقصرِ والفطرِ، بل أطلقَ لهم ذلكَ في مُطلقِ السفرِ والضربِ في الأرضِ، كما أطلقَ لهم التيمّمَ في كل سفرٍ، وأمّا ما يُرْوَى عنهُ منَ التحديدِ باليومِ واليومينِ والثلاثةِ، فلم يصحَّ عنهُ فيها شيءٌ البتةُ، واللَّهُ أعلمُ\"، وجوازُ القصرِ والجمعِ في طويلِ السفرِ وقصيرهِ مذهبُ كثيرٍ منَ السلفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-517>كم يقيم المسافر حتى يقصرُ الصلاة</span>\n٥/ ٤٠٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنهُ) أي: عن أنسٍ (قالَ: خرجْنَا معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - منَ المدينةِ إلى مكةَ وكانَ يصلِّي) أي: الرباعيةَ (ركعتينِ ركعتينِ) أي: كلَّ رباعيةٍ ركعتينِ (حتَّى رجعنا إلى المدينةِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ).\nيحتملُ أن هذَا كانَ في سفرهِ في عامِ الفتحِ، ويحتملُ أنهُ في حَجَّة الوداعِ، إلَّا أن فيهِ عندَ أبي داودَ زيادةً: \"أنَّهم قالُوا لأنسٍ: هل أقمتمْ بها شيئًا؟ قالَ: أقمْنا بها عَشرًا\"، ويأتي أنَّهم أقامُوا في الفتحِ زيادةً على [خمسةَ عشرَ يومًا أو] (^٤) خمسَ عشرةَ، وقد صرحَ في حديثِ أبي داودَ أن هذا - أي: خمسَ عشرةَ ونحوَها - كانَ [في] (^٥) عامِ الفتحِ.\nوفيهِ دلالةٌ على أنهُ لم يتمَّ مع إقامتهِ في مكةَ وهوَ كذلكَ كما يدلُّ عليهِ الحديثُ الآتي. وفيهِ دليل على أن نفسَ الخروجِ منَ البلدِ بنيَّةِ السفرِ يقتضي\n_________\n(^١) في (أ): \"متفاوتة\".\n(^٢) (١/ ٤٨١).\n(^٣) البخاري (١٠٨١)، ومسلم (١٥/ ٦٩٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢٣٣)، والترمذي (٥٤٨)، والنسائي (٣/ ١٢١ رقم ١٤٥٢).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"3","page":112},{"text":"القصرَ ولو لم [يتجاوز] (^١) منَ البلدِ ميلًا ولا أقلَّ، وأنهُ لا يزالُ يقصرُ حتى يدخلَ البلدَ ولو صلَّى وبيوتُها بمرأى منهُ.\n٦/ ٤٠٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَقْصُرُ. وَفِي لَفْظٍ: بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ (^٣): سَبْعَ عَشَرَةَ. [صحيح]\nوَفِي أُخْرَى (^٤): خَمْسَ عَشَرَةَ. [منكر]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: أقامَ النبيُّ - ﷺ - تسعةَ عشرَ يومًا يقصرُ. وفي لفظٍ) تعيينُ محلِّ الإقامةِ، وأنهُ (بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا. رواهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ لأبي داودَ) أي: عن ابن عباسٍ (سبعَ عشرةَ) بالتذكيرِ في الروايةِ الأُولى، لأنهُ ذكرَ مميزَهُ يومًا وهوَ مُذَكَّرٌ، وبالتأنيثِ في روايةِ أبي داودَ لأنهُ حذفَ مميزَهُ وتقديرُه: ليلةٌ، وفي روايةٍ لأبي داودَ عنهُ تسعةَ عشرَ كالروايةِ الأُولى (وفي أُخرى) أي: لأبي داودَ عن ابن عباسٍ (خمسَ عشرةَ)، (ولهُ) أي: لأبي داود.\n٧/ ٤٠٥ - وَلَهُ (^٥) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ -: ثَمَانِيَ عَشَرَةَ. [ضعيف]\n(عن عمرانَ بن حصينٍ ثماني عشرةَ)، ولفظهُ عندَ أبي داودَ: \"شهدتُ معهُ الفتحَ فأقامَ بمكةَ ثمانيَ عشرةَ ليلةً لا يصلِّي إلَّا ركعتينِ، ويقولُ: يا أهلَ البلدِ صلُّوا أربعًا فإنّا قومٌ سُفْرٌ\"، (ولهُ) أي: أبي داود.\n_________\n(^١) في (ب): \"يجاوز\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٦١ رقم ١٠٨٠).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٥٤٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٤ رقم ١٢٣٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٢٥ رقم ١٢٣١).\nقال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس.\nوالخلاصة: أن هذه الرواية ضعيفة منكرة، والله أعلم.\n(^٥) أي: لأبي داود في \"السنن\" (٢/ ٢٣ رقم ١٢٢٩) بإسناد ضعيف، فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان، ضعيف.\nوحكم الألباني على الحديث بالضعف في ضعيف أبي داود.","vol":"3","page":113},{"text":"٨/ ٤٠٦ - وَلَهُ (^١) عَنْ جَابِرٍ - ﵁ -: أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ. [صحيح]\n(عن جابرٍ أقامَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (بتبوكَ عشرينَ يومًا يقصرُ الصلاةَ. ورواتهُ ثقاتٌ إلَّا أنهُ اختُلفَ في وصلهِ)؛ فوصلَه معمَرُ عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن ثوبانَ، عن جابرٍ، قالَ أبو داودَ: غيرُ معمر لا يسندُه، وأعلهُ الدارقطنيُّ في العلل بالإرسالِ والانقطاعِ (^٢)، قالَ المصنفُ ﵀: وقد أخرجَهُ البيهقي (^٣) عن جابر بلفظِ: \"بضعَ عشرةَ\"، واعلمْ أن أبا داودَ ترجمَ لباب (^٤) هذهِ الأحاديثِ (بابُ متَى يُتِمُّ المسافرُ)، ثمَّ ساقَها وفيها كلامُ ابن عباسٍ (^٥): \"مَنْ أقامَ سبعةَ عشرَ قَصَرَ، ومَنْ أقامَ أكثرَ أتمَّ\".\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في قدرِ مدةِ الإقامةِ التي إذا عزمَ المسافرُ على إقامتِها أتمَّ فيها الصلاةَ على أقوالٍ: فقالَ ابنُ عباسٍ: وإليهِ ذهبَ الهادويةُ أن أقلَّ مدةِ الإقامةِ عشرةُ أيامٍ لقولِ عليٍّ ﵇: \"إذا أقمت عشرًا فأتمَّ الصلاةَ\"، أخرجهُ المؤيدُ باللَّهِ في شرحِ التجريدِ (^٦) من طرقٍ فيها ضِرارُ بنُ صُرَدٍ، قالَ المصنفُ في التقريبِ (^٧): إنهُ غيرُ ثقةٍ، قال: وهوَ توقيفٌ، وقالتِ الحنفيةُ (^٨): خمسةَ عشرَ يومًا مستدلينَ بإحدَى رواياتِ ابن عباسٍ وبقولهِ وقولِ ابن عمرَ: \"إذا قدمتَ بلدةَ وأنتَ مسافرٌ وفي نفسكَ أن تقيمَ خمسَ عشرةَ ليلةً فأكملِ الصلاةَ\"، وذهبتِ المالكيةُ (^٩) والشافعيةُ (^١٠) إلى أن أقلَّها أربعةُ أيامٍ، وهوَ مرويٌّ عن عثمانَ، والمرادُ غيرُ يومي الدخولِ والخروجِ، واستدلُّوا بمنعهِ - ﷺ - المهاجرينَ بعدَ مضيّ النُّسُكِ أنْ يزيدُوا\n_________\n(^١) أي: لأبي داود في \"السنن\" (١٢٣٥) وهو حديث صحيح، صحَّحه ابن حزم والنووي والظفاري كما في \"الروض النضير\" (٢/ ٣٦١)، وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ١٨٦).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٤٥).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥٢).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٢٣ رقم الباب ٢٧٩).\n(^٥) أخرجه أبو داود (١٢٣٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) كما في \"الروض النضير\" (٢/ ٣٦٠).\n(^٧) (١/ ٣٧٤ رقم ٢١).\n(^٨) انظر: \"الهداية شرح بداية المبتدي\" للمرغيناني (١/ ٨١).\n(^٩) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جُزي (ص ١٠٠).\n(^١٠) انظر: \"مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج\" للخطيب الشربيني (١/ ٢٦٥).","vol":"3","page":114},{"text":"على ثلاثةِ أيامٍ في مكةَ، فدلَّ على أنهُ بالأربعةِ الأيامِ يصيرُ مقيمًا، وثمَّ أقوالٌ أُخَرُ لا دليلَ عليها، وهذا كلُّه فيمَن دخلَ البلدَ عازمًا على الإقامةِ فيها.\nوأما من تردّدَ في الإقامةِ ولم يعزمْ ففيهِ خلافٌ أيضًا، فقالتِ الهادويةُ (^١): يقصرُ إلى شهرٍ لقولِ عليٍّ ﵇: \" [إنهُ] (^٢) مَنْ يقولُ: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ يقصرُ الصلاةَ شهرًا\"، وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه وهوَ قولٌ للشافعيِّ، وقالَ بهِ الإمامُ يحيى إنهُ يقصرُ أبدًا؛ إذِ الأصلُ السفرُ، ولفعلِ ابن (^٣) عمرَ، فإنهُ أقامَ بأذربيجانَ ستةَ أشهر يقصرُ الصلاةَ. ورُوي عن أنسِ بن مالكٍ (^٤) أنهُ أقامَ بنيسابورَ سنةً أو سنتينِ يقصرُ الصلاةَ، وعن جماعةٍ (^٥) منَ الصحابةِ أنَّهم أقامُوا برَامَهُرْمُزَ تسعةَ أشهرٍ يقصرُونَ الصلاةَ، ومنهمْ من قدَّرَ ذلكَ بخمسةَ عشرَ، وسبعةَ عشرَ، وثمانيةَ عشرَ على حسمبِ ما وردتْ [به] (^٦) الرواياتُ في مدةِ إقامتهِ - ﷺ - في مكةَ وتبوكَ، وأنهُ بعدَ ما يجاوزُ مدة ما روى عنهُ - ﷺ - يتمُّ صلاتَهُ، ولا يخْفَى أنهُ لا\n_________\n(^١) انظر: \"التاج المذهب\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) في (ب): \"أن\".\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"المعرفة\" (٤/ ٢٧٤ رقم ٦١٤٨)، وفي \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥٢) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"ارتجّ علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غَزاةٍ، قال ابن عمر: فكنا نصلي ركعتين\"، قال النووي: وهذا سند على شرط الصحيحين، كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ١٨٥).\n(^٤) لم أجده عن أنس.\n• بل أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٢) عن الحسن عن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ قال: كنّا معه شتويتين، يعني: مع عبد الرحمن لا نجمع ونقصر الصلاة.\n• وأخرج البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٢)، وفي \"المعرفة\" (٤/ ٢٧٤ رقم ٦١٤٩): عن أنس بن مالك أنه أقام بالشام مع عبد الملك بن مروان شهرين، يصلي صلاة المسافر. قال النووي: وفي سنده عبد الوهاب بن عطاء، مختلف فيه، وثقه الأكثرون واحتجّ به مسلم في صحيحه. كما في \"نصب الراية\" (٢/ ١٨٥).\n(^٥) أخرج البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٢) عن أنس \"أن أصحاب رسول الله - ﷺ - أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة\".\nقال النووي: إسناده صحيح، وفيه عكرمة بن عمار واختلفوا في الاحتجاج به، واحتجّ به مسلم في صحيحه - كما في \"نصب الراية\" (٢/ ١٨٦) وقال ابن حجر في \"الدراية\" (١/ ٢١٢): صحيح.\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"3","page":115},{"text":"دليلَ في المدةِ التي قصرَ فيها على نفي القصرِ فيما زادَ عليها، وإذا لم يقمْ دليلٌ على تقديرِ المدةِ، فالأقربُ أنهُ لا يزالُ يقصرُ كما فعلَهُ الصحابةُ؛ لأنهُ لا يسمَّى بالبقاءِ معَ التردُّدِ كلَّ يومٍ في الإقامةِ والرحيلِ مقيمًا، وإنْ طالتِ المدةُ، ويؤيّدُه ما أخرجهُ البيهقيُّ في السننِ (^١) عن ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - أقامَ بتبوكَ أربعينَ يومًا يقصرُ الصلاة\"، ثمَّ قالَ: تفردَ بهِ [الحسنُ] (^٢) بن عمارةَ وهوَ غيرُ محتجٍّ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-518>القول في جمع التقديم والتأخير في السفر</span>\n٩/ ٤٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣).\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ فِي الأَرْبَعِينَ (^٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ. وَلأَبِي نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ: كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ. [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا ارتحلَ [في سفرهِ] (^٥) قبلَ أن تزيغَ الشمسُ) أي: قبلَ الزوالِ، (أخَّر الظهرَ إلى وقتِ العصرِ، ثمَّ نزلَ، فجمعَ بينهما، فإنْ زاغتِ الشمسُ قبلَ أنْ يرتحلَ صلَّى الظهرَ)، أي: وحدَهُ، ولا يضمُّ إليه العصرَ، (ثمَّ ركبَ. متفقٌ عليهِ).\nالحديثُ فيهِ دليلٌ على جوازِ الجمعِ [بينَ الصلاتين] (٤) للمسافرِ تأخيرًا، ودلالةٌ على أنهُ لا يجمعُ بينَهما تقديمًا لقولهِ: \"صلَّى الظهرَ\"، إذْ لو جازَ جمعُ التقديمِ لضمَّ إليهِ العصرَ، وهذا الفعلُ منهُ - ﷺ - يخصّصُ أحاديثَ التوقيتِ التي\n_________\n(^١) (٣/ ١٥٢).\n(^٢) في (أ): الحسين. وهو خطأ.\n(^٣) البخاري (١١١٢)، ومسلم (٤٦/ ٧٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٢١٨)، وأبو عوانة (٢/ ٣٥١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٦١ - ١٦٢)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٤٧ و٢٦٥)، والنسائي (١/ ٢٨٤ رقم ٥٨٦).\n(^٤) انظر: \"إرواء الغليل\" (٣/ ٣٣).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"3","page":116},{"text":"مضتْ، وقد اختلفَ العلماءُ في ذلكَ: فذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ ابن عباسٍ، وابنِ عمرَ وجماعةٍ منَ الصحابةِ، ويروى عن مالكٍ، وأحمدَ، والشافعي إلى جوازِ الجمع للمسافرِ تقديمًا وتأخيرًا، عملًا بهذا الحديثِ في التأخيرِ، وبما يأتي في التقديمِ، وعنِ الأوزاعيِّ أنهُ يجوزُ للمسافرِ جمعُ التأخيرِ فقط، عملًا بهذا الحديثِ، وهوَ مرويٌّ عن مالكٍ وأحمدَ بن حنبل، واختارهُ أبو محمدٍ بنُ حزمٍ، وذهبَ النخعيُّ، والحسنُ، وأبو حنيفةَ إلى أنهُ لا يجوزُ الجمعُ [لا] (^١) تقديمًا ولا تأخيرًا للمسافر (^٢)، وتأوَّلُوا ما وردَ من جمعهِ - ﷺ - بأنهُ جمعٌ صوريٌّ، وهو أنهُ أخّرَ الظهرَ إلى آخرِ وقتها وقدمَ العصرَ في أولِ وقتِها ومثلُه العشاءُ، ورُدَّ عليهم بأنهُ وإن تمشَّى لهم هذا في جمع التأخيرِ لم يتمَّ لهمْ في جمعِ التقديمِ الذي أفادهُ قولُه: (وفي رواية للحاكم في الأربعينَ بإسنادٍ [صحيحٍ] (^٣): صلَّى الظهرَ والعصرَ) أي: إذا زاغتْ قبلَ أن يرتحلَ صلَّى الفريضتينِ معًا، (ثمَّ ركبَ)؛ فإنَّها أفادتْ ثبوتَ جمعِ التقديمِ من فعلهِ - ﷺ -، ولا يتصورُ فيهِ الجمعُ الصُّورِيُّ.\n(و) مثلهُ الروايةُ التي (لأبي نعيمٍ في مستخرجِ مسلمٍ) أي: في مستخرجهِ على صحيحِ مسلمٍ (كانَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (إذا كانَ في سفرٍ، فزالتِ الشمسُ صلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا، ثمَّ ارتحلَ)؛ فقد أفادتْ روايةُ الحاكمِ، وأبي نعيمٍ ثبوتَ جمعِ التقديمِ أيضًا، وهُما روايتانِ صحيحتانِ كما قالَ المصنفُ؛ إلَّا أنهُ قالَ ابنُ القيم (^٤): إنهُ اختُلِفَ في روايةِ الحاكمِ فمنهم مَن صحَّحَها، ومنهم مَنْ حسَّنَها، ومنهم من قدحَ فيها وجعلَها موضوعة، وهوَ الحاكمُ؛ فإنهُ حكمَ [بوضعِها] (^٥)، ثمَّ ذكرَ كلامَ الحاكمِ في بيانِ وضعِ الحديثِ، ثمَّ ردَّه ابنُ القيمِ، واختارَ أنهُ ليسَ بموضوع، وسكوتُ المصنفِ هنا عليهِ وجزمُه بأنهُ بإسنادٍ صحيحٍ يدلُّ على ردِّهِ لكلامِ الحاكمِ ويؤيدُ صحَّتَهُ قولُه:\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) انظر: \"اللباب في الجمع بين السنة والكتاب\" لأبي محمد علي بن زكريا المنبجي (١/ ٣٢٠ - ٣٢٢)، و\"المجموع للنووي\" (٤/ ٣٧١ - ٣٧٢)، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٣٤٩ - ٣٥١)، و\"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (ص ٩٧ - ٩٨).\n(^٣) في (ب): \"الصحيح\".\n(^٤) في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٧٧ - ٤٧٩).\n(^٥) في (أ): \"بوضعه\".","vol":"3","page":117},{"text":"١٠/ ٤٠٨ - وَعَنْ مُعَاذٍ - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغرِبَ وَالْعِشّاءَ جَميعًا. رَوَاه مُسْلمٌ (^١). [صحيح]\n(وعن معاذٍ - ﵁ - قَالىَ: خرجْنا معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في غزوةِ تبوكَ، فكانَ يصلِّي الظهرَ والعصرَ جميعًا، والمغربَ والعشاءَ جميعًا. رواهُ مسلمٌ)، إلَّا أن اللفظَ محتملٌ لجمعِ التأخيرِ لا غيرُ، أو لهُ ولجمعِ التقديمِ، ولكن قد رواة الترمذيُّ (^٢) بلفظِ: \"كانَ إذا ارتحلَ قبلَ أنْ تزيغَ الشمسُ أخَّرَ الظهرَ إلى أن يجمعَها إلى العصرِ، فيصليهِمَا جميعًا، وإذا اهـ تحلَ بعدَ زيغِ الشمسِ عجَّلَ العصرَ إلى الظهرِ، وصلَّى الظهرَ والعصرَ جميعًا\"؛ فهو كالتفضيل لمجملِ روايةِ مسلم، إلَّا أنهُ قالَ الترمذيُّ (^٣) بعدَ إخراجهِ: إنهُ حديثٌ حسنٌ غريبٌ تفرّدَ بهِ قتيبةَ، [و] (^٤) لا نعرفُ أحدًا رواهُ عن الليثِ غيرَهُ، قالَ: والمعروفُ عند أهلِ العلمٍ حديثُ معاذٍ من حديثِ ابن الزبيرِ عن أبي الطفيلِ عن معاذٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - جمعَ في غزوةِ تبوكَ بينَ الظهرِ والعصرِ، وبينَ المغربِ والعشاءِ\"، انتهَى.\nإذا عرفتَ هذا فجمعُ التقديمِ في ثبوتِ روايتهِ مقالٌ إلَّا روايةَ المستخرجِ على صحيحِ مسلمٍ؛ فإنَّهُ لا مقالَ فيها، وقد ذهبَ ابنُ حزمٍ (^٥) إلى أنهُ يجوزُ جمعُ التأخيرِ لثبوتِ الدوايةِ [بهِ] (^٦) لا جمعُ التقديم، وهوَ قولُ النخعيِّ، وروايةٌ عن مالكٍ وأحمدَ، ثمَّ إنهُ قد اختُلِفَ في الأفضلِ للمسافرِ [هل] (^٧) الجمعُ أو التوقيتُ؟ فقالتِ الشافعية: تركُ الجمعِ أفضلُ، وقالَ مالكٌ: إنهُ مكروهٌ، وقيلَ: يختصُّ بمن له عذرٌ.\nواعلمْ أنهُ كما قالَ ابنُ القيم في الهدي النبوي (^٨) [أنه] (^٩) لم يكنْ - ﷺ - يجمع راتبًا في سفرهِ كما يفعله كثيرٌ من الناسِ، ولا يجمعُ حال نزولهِ أيضًا، وإنّما كان يجمعُ إذا جدَّ بهِ السيرُ، وإذا سارَ عقيبَ الصلاةِ كما في أحاديثِ تبوكَ، وأما\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩٠ رقم ٥٢/ ٧٠٦).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٣٨ رقم ٥٥٣)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) انظر: \"المحلى\" (٣/ ١٧٢).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) (١/ ٤٨١).\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"3","page":118},{"text":"جمعُه وهوَ نازلٌ غيرُ مسافرٍ فلم ينقلْ ذلكَ عنهُ إلَّا بعرَفَةَ ومزدلفةَ لأجلِ اتصالِ الوقوفِ كما قالَ الشافعيُّ وشيخُنا، وجعلُه أبو حنيفةَ من تمامِ النُّسُكِ وأنهُ سبب. وقالَ أحمدُ ومالكٌ والشافعيُّ: إنَّ سببَ الجمعِ بعرفةَ ومزدلفةَ السفرُ، وهذا كلُّه في الجمع في السفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-519>حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر</span>\nوأما الجمعُ في الحضرِ، فقالَ الشارحُ بعدَ ذكرِ أدلةِ القائلينَ بجوازِهِ فيهِ: \"إنهُ ذهبَ أكثرُ الأئمةِ إلى أنهُ لا يجوزُ الجمعُ في الحضرِ لما تقدمَ منَ الأحاديثِ المبيِّنةِ لأوقاتِ الصلواتِ، ولما تواترَ من محافظةِ النبيِّ - ﷺ - على أوقاتِها حتَّى قالَ ابنُ مسعودٍ (^١): \"ما رأيتُ النبيّ - ﷺ - صلَّى صلاةً لغيرِ ميقاتِها إلّا صلاتينِ جمعَ بينَ المغربِ والعشاء [- أي: بمزدلفة -] (^٢) بجمعٍ، وصلَّى الفجرَ يومئذٍ قبلَ ميقاتِها\"، وأمّا حديثُ ابن عباسٍ عندَ مسلمٍ (^٣): \"أنهُ جمعَ بينَ الظهرِ والعصرِ، والمغرب والعشاءِ بالمدينةِ من غيرِ خوفٍ ولا مطرٍ\"، قيلَ لابنِ عباسٍ: ما أرادَ إلى ذلكَ؟ قالَ: أرادَ أنْ لا يحرجَ أمتَهُ\"؛ فلا يصحُّ الاحتجاجُ بهِ لأنهُ غيرُ معينٍ لجمعِ التقديمِ والتأخيرِ كما هوَ ظاهرُ روايةِ مسلمٍ، وتعيينُ واحدٍ [منهما] (^٤) تحكُّمٌ فوجبَ العدولُ عنهُ إلى ما هوَ واجبٌ منَ البقاءِ على العمومِ في حديثِ الأوقاتِ للمعذورِ وغيرهِ، وتخصيصُ المسافرِ لثبوتِ المخصِّص، وهذا هوَ الجوابُ الحاسمُ.\nوأما ما يُرْوَى منَ الآثارِ عن الصحابةِ والتابعينَ فغيرُ حجةٍ، إذْ للاجتهادِ في ذلكَ مسرحٌ، وقد أوَّلَ بعضُهم حديثَ ابن عباسٍ بالجمعِ الصُّورِي، واستحسنُه القرطبيُّ، ورجَّحهُ، وجزمَ بهِ ابنُ الماجشونِ، والطحاويُّ وقوّاهُ ابنُ سيدِ الناسِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٦٨٢)، ومسلم (٢٩٢/ ١٢٨٩)، وأبو داود (١٩٣٤)، والنسائي (١/ ٢٩١ - ٢٩٢ رقم ٦٠٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٤٩٠ رقم ٥٠/ ٧٠٥).\n(^٤) في (ب): \"منها\".","vol":"3","page":119},{"text":"لما أخرجهُ الشيخانِ (^١) عن عمروِ بن دينارٍ - راوي الحديثِ - عن أبي الشعثاءِ قالَ: \"قلتُ: يا أبا الشعثاءِ أظنهُ أخَّرَ الظهرَ وعَجَّلَ العصرَ، وأخّرَ المغربَ وعجلَ العِشاءَ، قال: وأنا أظنهُ\". قالَ ابنُ سيدِ الناس: وراوي الحديثِ أدرى بالمرادِ منهُ من غيرهِ، وإنْ لم يجزمْ أبو الشعثاءِ بذلكَ.\nوأقولُ إنَّما هو ظنٌّ منَ الراوي، والذي يقالُ فيهِ: \"أدرى بما رَوَى\"، إنما يجري في تفسيرهِ [للفظة] (^٢) مثلًا، على أن في هذه الدعوى نظرًا، فإنَّ قولَهُ - ﷺ -: \"فربَّ حاملِ فقهٍ إلى مَنْ هوَ أفقهُ منهُ\" (^٣) يردُّ عمومَها، نعمْ يتعيَّنُ هذا التأويلُ فإنهُ صرَّحَ بِه النسائي في أصلِ حديثِ ابن عباسٍ (^٤)، ولفظهُ: \"صلّيتُ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - بالمدينةِ ثمانيًا (^٥) جمعًا، وسبعًا جمعًا، أخَّر الظهرَ وعجَّلَ العصرَ، وأخّرَ المغربَ وعجَّلَ العشاءَ\".\nوالعجبُ منَ النوويِّ كيفَ ضعَّفَ هذا التأويلَ، وغفل عن متنِ الحديثِ المرويّ، والمطلقُ في روايةٍ يُحملُ على المقيَّدِ إذا كانَا في قصةٍ واحدةٍ كما في هذا، والقولُ بأنَّ قوله: \"أرادَ أنْ لا يُحرجَ أمتَه\" يُضعفُ هذا الجمعَ الصوريّ لوجودِ الجرحِ فيهِ - مدفوعٌ بأنَّ ذلكَ أيسرُ منَ التوقيتِ؛ إذْ يكفي للصلاتينِ تأهبٌ واحدٌ، وقصدٌ واحدٌ إلى المسجدِ، ووضوءٌ واحدٌ بحسبِ الأغلبِ بخلافِ الوقتينِ، فالحرجُ في هذا الجمعِ - لا شكَّ أخفُّ، وأمَّا قياسُ الحاضرِ على المسافرِ كما قيلَ فوهمٌ، لأنَّ العلةَ في الأصلِ هي السفرُ [وهو] (^٦) غيرُ [موجودٍ] (^٧) في الفرعِ وإلَّا لزمَ مثلُهُ في القصرِ والفطرِ\"، انتهى.\n_________\n(^١) البخاري (١١٧٤)، ومسلم (٥٥/ ٧٠٥).\n(^٢) في (ب): \"اللفظ\".\n(^٣) وهو جزء من حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (٥/ ١٨٣)، وأبو داود (٣٦٦٠)، والترمذي (٢٦٥٦)، والدارمي (١/ ١٧٥)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" رقم (٩٤)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٢٣٢)، والطبراني (٤٨٩٠) و(٤٨٩١) من طرق بإسناد صحيح.\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ٨٤ رقم ٢٣٠)، والطبراني (٤٩٩٤ و٤٩٢٥) من طريقين عن زيد بن ثابت.\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٤٣)، ومسلم (٥٦/ ٧٠٥).\n(^٥) أي: من الركعات وسبعًا منها.\n(^٦) في (أ): \"وهي\".\n(^٧) في (أ): \"موجودة\".","vol":"3","page":120},{"text":"قلتُ: وهو كلامٌ رصينٌ، وقد كنّا ذكرنَا ما يلاقيهِ في رسالتِنا (اليواقيتُ في المواقيتِ) (^١) قبلَ الوقوف على كلامِ الشارحِ ﵇ وجزاهُ خيرًا. ثمَّ قالَ: \"واعلم أن جمعَ التقديمِ فيهِ خطرٌ عظيمٌ، وهوَ كمنْ صلَّى الصلاةَ قبلَ دخولِ وقتِها، فيكونُ حالُ الفاعلِ كما قالَ اللَّهُ: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (^٢) الآيةَ من ابتدائِها، وهذهِ الصلاةُ المقدمةُ لا دلالةَ عليها بمنطوقٍ، ولا مفهومٍ، ولا عمومٍ، ولا خصوصٍ\".\n١١/ ٤٠٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَقْصُرُوا الصَّلاةَ فِي أَقَلِّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ: مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، كَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤). [ضعيف]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تقصُروا الصلاةَ في أقلِّ من أربعةِ بُرُدٍ: من مكةَ إلى عُسفانَ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ فإنهُ من روايةِ عبدِ الوهابِ بن مجاهدٍ، وهوَ متروكٌ، نسبَهُ الثوريُّ إلى الكذبِ، وقالَ الأزديُّ: لا تحلُّ الروايةُ عنهُ (^٥)، وهوَ منقطعٌ أيضًا لأنهُ لم يسمعْ منْ أبيهِ، (والصحيحُ أنهُ موقوفٌ، كذا أخرجهُ ابنُ خُزيمةَ) أي: موقوفًا على ابن عباسٍ، وإسنادُهُ صحيحٌ، ولكن للاجتهادِ فيهِ مسرحٌ، فيحتملُ أنهُ من رأيهِ، وتقدمَ أنهُ لم يثبتْ في التحديدِ حديثٌ [مرفوعٌ] (^٦).\n_________\n(^١) قال الزركلي في \"الأعلام\" (٦/ ٣٨): مخطوطة في مكتبة عمر سميط بتريم - حضرموت - رسالة.\n(^٢) سورة الكهف: الآية ١٠٤.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٣٨٧ رقم ١) بإسناد ضعيف، فيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك.\nرواه عنه إسماعيل بن عياش وروايته عن الحجازيين ضعيفة. والصحيح عن ابن عباس من قوله.\nوقد تقدم الكلام عليه في شرح الحديث رقم (٤/ ٤٠٢).\n(^٤) لم أجده في صحيح ابن خزيمة، والله أعلم.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"المجروحين\" (٢/ ١٤٦)، و\"الميزان\" (٢/ ٦٨٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٦٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٩٨).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"3","page":121},{"text":"١٢/ ٤١٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خَيرُ أُمِّتِي الَّذِينَ إِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا وَأَفْطَرُوا\"، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوْسَطِ (^١)، بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عِنْدَ البَيْهَقِي (^٢) مُخْتَصَرًا. [ضعيف]\n(وعن جابرٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: خيرُ أمتي الذينَ إذا أساءُوا استغفرُوا، وإذا سافرُوا قصرُوا وأفطرُوا. أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ بإسنادٍ ضعيفٍ، وهوَ في [مرسلِ سعيدِ] (^٣) بن المسيبِ عندَ البيهقي مختصرًا).\nالحديثُ دليلٌ على أن القصرَ والفطرَ أفضلُ للمسافرِ من خلافِهما، وقالتِ الشافعيةُ: ترك الجمعِ أفضلُ، فقياسُ هذا أنْ يقولُوا: التمامُ أفضلُ، وقدْ صرَّحُوا به أيضًا، وكأنَّهم لم يقُولوا بهذا الحديثِ لضعفهِ. واعلمْ أن المصنفَ ﵀ أعادَ هنا حديثَ عمرانَ بن حصينٍ، وحديثَ جابرٍ، وهما قولُهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-520>صلاة المريض على قدر طاقته</span>\n١٣/ ٤١١ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"صَلٌ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وعن عمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - قالَ: كانت بي بواسيرُ فسألتُ النبيَّ - ﷺ - عن الصلاةِ)، هذا لم يذكرْه المصنفُ فيما سلفَ في هذهِ الروايةِ، (فقال: صلِّ قائمًا،\n_________\n(^١) كما في \"المجمع\" (٢/ ١٥٧) وقال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه كلام.\n(^٢) في \"معرفة السنن والآثار\" (٤/ ٢٥٩ رقم ٦٠٧٢).\nوأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٣/ ٤٨٣ رقم ٤٠٥٥ - مع الفيض)، وعزاه للطبراني في الأوسط، وزاد المناوي فعزاه للديلمي ونقل كلام الهيثمي.\nوانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٥١)، والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٣) في (أ): \"المرسل لسعيد\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٧ رقم ١١١٧).\nوتقدم تخريجه رقم الحديث (٦٠/ ٣١١).","vol":"3","page":122},{"text":"فإنْ لم تستطعْ فقاعدًا؛ فإنْ لم تستطعْ فعَلَى جَنْبٍ. رواهُ البخاريُّ) هوَ كما قالَ، ولم ينسبْه فيما تقدمَ إلى أحدٍ، وقد بَيَّنَّا مَنْ رواهُ غيرُ البخاريِّ وما فيهِ منَ الزيادةِ.\n١٤/ ٤١٢ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: عَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَرِيضًا فَرَآهُ يُصلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَرَمَى بِهَا، وَقَالَ: \"صَلِّ عَلَى الأَرْضِ أِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَل سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ\"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١)، وَصَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ (^٢). [ضعيف]\n(وعن جابرٍ - ﵁ - قالَ: عادَ النبيُّ - ﷺ - مريضًا فرآهُ يصلِّي على وسادةٍ فرمَى بها وقالَ: صلِّ على الأرضِ إن استطعتَ، وإلَّا فأوم إيماء، واجعلْ سجودَكَ أخفضَ من ركوعِكَ. رواهُ البيهقيُّ، وصحَّحَ أبو حاتمٍ وقْفَهُ)، زادَ فيما مضَى أنهُ رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ قويٍّ، وقد تقدَّمَا في آخرِ بابِ صفةِ الصلاةِ قُبَيْلَ بابِ سجودِ السهوِ بلفظِهِمَا، وشرحنَاهُمَا هنالكَ فتركْنَا شرحَهُما [ههنا] (^٣) لِذَلك، ثمَّ ذكرَ هنا حديثَ عائشةَ وقد تقدَّم أيضًا في بابِ صفةِ الصلاةِ بلفظهِ، وقالَ [هناك] (^٤): صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وهنَا قالَ: صحَّحهُ الحاكمُ [وهوَ] (^٥):\n١٥/ ٤١٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُصلِّي مُتَرَبِّعًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٦)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٧). [حسن]\n(وعن عائشةَ قالتْ: رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يصلِّي متربّعًا. رواهُ النسائيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، وهوَ من أحاديثِ صلاةِ المريضِ لا مِنْ أحاديثِ صلاةِ المسافرِ، وقد أتى بهِ فيما سلفَ، والحديثُ دليل على صفةِ قعودِ المصلِّي إذا كانَ لهُ عذرٌ عن القيامِ، وفيهِ الخلافُ الذي تقدَّمَ.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٦).\n(^٢) ذكره الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (١/ ٢٢٧).\nوقد تقدم تخريجه رقم (٦١/ ٣١٢).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"هنالك\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) كما في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٤٤٣ رقم ١٦٢٠٦).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٢٥٨ و٢٧٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.","vol":"3","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-521>[الباب الثاني عشر] بابُ الجُمُعَةِ</span>\nالجمعةُ بضمِّ الميم، وفيها الإسكانُ والفتحُ، مثلُ هُمَزةٍ ولُمَزةٍ، وكانتْ تسمَّى في الجاهليةِ العروبة. أخرجَ الترمذي (^١) من حديثِ أبي هريرةَ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"خيرُ يومٍ طَلَعتْ فيهِ الشمسُ يومُ الجمعةِ: فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ دَخلَ الجنةَ، وفيهِ أُخْرِجَ منْها، ولا تقومُ الساعةُ إلَّا في يومِ الجمعةِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-522>عقوبة تارك الجمعة</span>\n١/ ٤١٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵃ - أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ - عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ -: \"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، وأبي هريرةَ - ﵃ - أنَّهما سَمِعَا رسول اللَّهِ - ﷺ - يقولُ على أعوادِ منبرهِ) أي: منبره الذي من عودٍ، لا على الذي كانَ منَ الطينِ ولا على الجذعِ الذي كان يستندُ إليهِ، وهذا المنبرُ عُمِلَ لهُ - ﷺ - سنةَ سبعٍ، وقيلَ: سنةَ ثمانٍ، عملهُ لهُ غلامُ امرأةٍ منَ الأنصارِ، كانَ نجارًا، واسمهُ على أصحِّ الأقوال: ميمونٌ، وكانَ على ثلاثِ درجٍ (^٣)، ولم يزلْ عليهِ حتَّى زادهُ مروانُ في زمنِ معاويةَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٣٥٩ رقم ٤٨٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (٨٥٤)، والنسائي (١٣٧٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٥٩٢ رقم ٤٠/ ٨٦٥).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٧١).\n(^٣) أخرج ابن ماجه (١٤١٤) عن الطُّفيلِ بن أُبيِّ بن كعبٍ، عن أبيه قال: (كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - =","vol":"3","page":124},{"text":"ستَّ [درج] (^١) من أسفلهِ، ولهُ قصةٌ في زيادتهِ - وهي أن معاويةَ كتبَ إليهِ أنْ يحملَه إلى دمشقَ، فأمرَ بهِ فقلعَ فأظلمتِ المدينةُ، فخرجَ مروانُ فخطبَ فقالَ: إنَّما أمرني أميرُ المؤمنينَ أنْ [أرفعه ففعل ذلك] (^٢)، وقالَ: إنَّما زدتُ عليهِ لما كثرَ الناسُ، ولم يزلْ كذلكَ حتَّى احترقَ المسجدُ النبويُّ سنة أربعٍ وخمسينَ وستمائةَ فاحترقَ.\n(لينتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِمُ) بفتحهِ الواوِ، وسكونِ الدالِ المهملةِ، وكسرِ العينِ المهملةِ، أي: تركهم (الجمعاتِ أو ليختمنَّ اللَّهُ على قلوبهمْ) الختمُ: الاستيثاقُ منَ الشيءِ بضربِ الخاتمِ عليهِ كتمًا لهُ وتغطيةً لِئَلَّا يُتوصلُ إليهِ ولا يُطلعُ عليهِ، شبهتِ القلوبُ بسببِ إعراضِهم عن الحقِّ واستكبارِهم عن قَبولِه، وعدمِ نفوذِ الحقِّ إليها بالأشياءِ التي استُوثِقَ عليها بالختمِ، فلا ينفذ إلى باطنِها شيءٌ، وهذهِ عقوبةٌ على عدمِ الامتثالِ لأمرِ اللَّهِ، وعدمِ إتيانِ الجمعةِ من بابِ تيسيرِ العُسْرى (ثمَّ ليكوننَّ من الغافلين. رواه مسلمٌ) بعد ختمهِ تعالى على قلوبِهمْ فيغفلونَ عن اكتسابِ ما ينفعُهم منَ الأعمالِ وعن تركِ ما يضرُّهمْ منها.\nوهذا الحديثُ من أعظمِ الزواجرِ عن تركِ الجمعةِ والتساهلِ فيها، وفيهِ إخبارٌ بأنَّ تركَها مِن أعظمِ أسبابِ الخذلان، [ولقد عرفنا من يتساهل بالجمعة\n_________\n= يُصلِّي إلى جِذْعٍ إذْ كانَ المسجدُ عريشًا. وكانَ يخطُبُ إلى ذلكَ الجِذْعِ، فقالَ رجلٌ من أصحابهِ: هل لكَ أن نجعَلَ لكَ شيئًا تقومُ عليه يومَ الجمعةِ حتى يراكَ الناسُ وتُسْمِعُهم خُطبتَكَ؟ قال: نعم. فصنعَ له ثلاثَ درجاتٍ، فهي التي أعلَى المنبرِ، فلما وُضِعَ المنبرُ وضعُوهُ في موضعِهِ الذي هو فيه، فلما أرادَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن يقومَ إلى المنبر مرَّ إلى الجذع الذي كان يخطُب إليه، فلما جاوزَ الجذع خارَ حتى تصدَّعَ وانشقَّ فنزلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لما سمِعَ صوتَ الجذع، فمسحَهُ بيده حتى سكن، ثم رجعَ إلى المنبر، فكان إذا صلَّى صلّى إليه، فلما هُدِمَ المسجدُ وغيِّرَ أخذَ ذلك الجذع أُبيُّ بنُ كعب، وكان عندَهُ في بيته حتى بلى، فأكلتْهُ الأرضةُ وعادَ رُفاتًا\".\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤٥٧ رقم ٤٩٩/ ١٤١٤): \"هذا إسناد حسن، رواه أبو يعلى الموصلي في مسند … \"، وصحح الألباني الحديث في صحيح ابن ماجه، والله أعلم.\nولمزيد المعرفة انظر: \"شمائل الرسول - ﷺ -\" لابن كثير (ص ٢٣٩ - ٢٥١)، و\"الصحيحة\" للألباني رقم (٢١٧٤).\n(^١) في (أ): \"درجات\".\n(^٢) في (ب): \"أرفعه\".","vol":"3","page":125},{"text":"أسبوعًا بعد أسبوع حتى يُحْرَمَ حضورَها بسبب الخِذْلانِ] (^١) بالكليةِ، والإجماعُ قائمٌ على وجوبها على الإطلاقِ، والأكثرُ أنَّها فرضُ عينٍ، وقال في معالمِ السننِ (^٢): أنَّها فرضُ كفاية عندَ الفقهاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-523>وقت صلاة الجمعة</span>\n٢/ ٤١٥ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يُسْتَظَلُّ بِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\nوَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (^٤): كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ نَتتَبَّعُ الْفَيْءَ.\n(وعن سلمةَ بن الأكوعِ قالَ: كنَّا نصلِّي معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يومَ الجمعةِ، ثمَّ ننصرفُ وليسَ للحيطانِ ظلٌّ يستظلُّ بهِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ، وفي لفظٍ لمسلمٍ) أي: من روايةِ سلمةَ: (كنَّا نجمعُ معهُ) أي: [مع] (^٥) النبيِّ - ﷺ - (إذا زالتِ الشمسُ، ثمَّ نرجعُ نتتبعُ الفيءَ).\nالحديثُ دليلٌ على المبادرةِ بصلاةِ الجمعةِ عندَ أولِ زوالِ الشمسِ، والنفي في قولهِ: \"وليسَ للحيطانِ ظلٌّ\"، متوجهٌ إلى القيدِ، وهوَ قولُه: \"إنهُ يستظلُّ بهِ\"، لا أنه نفي لأصل الظلِّ حتَّى يكونَ دليلًا [على] (^٦) أنهُ صلَّاها قبلَ [زوال الشمس] (^٧)، وهذا التأويلُ معتبرٌ عندَ الجمهورِ القائلينَ بأنَّ وقتَ الجمعةِ هوَ وقتُ الظهرِ، وذهبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى صحةِ صلاةِ الجمعةِ قبلَ الزوالِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) للخطابي (١/ ٦٤٤ - هامش سنن أبي داود).\n(^٣) البخاري (٤١٦٨)، ومسلم (٣٢/ ٨٦٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٠٨٥)، والنسائي (٣/ ١٠٠ رقم ١٣٩١)، وابن ماجه (١/ ٣٥٠ رقم ١١٠٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٩ رقم ٣١/ ٨٦٠).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"الزوال\".","vol":"3","page":126},{"text":"واختلفَ أصحابُ أحمدَ (^١)، فقالَ بعضُهم: وقتُها صلاةُ العيدِ، وقيلَ: الساعةَ السادسةَ، وأجازَ مالكٌ الخطبةَ قبلَ الزوالِ دونَ الصلاةِ، وحجتُهم ظاهرُ الحديثِ وما بعدَهُ، وأصرحُ منهُ ما أخرجهُ أحمدُ (^٢) ومسلمٌ (^٣) من حديثِ جابرٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يصلِّي الجمعةَ، ثمَّ نذهبُ إلى جِمَالِنَا فنريحُها حينَ تزولُ الشمسُ، يعني النواضحَ\".\nوأخرجَ الدارقطنيُّ (^٤) عنْ عبدِ اللَّهِ بن شيبانَ قال: \"شهدتُ معَ أبي بكر\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ١٤٤)، و\"الشرح الكبير\" (٢/ ١٦٣ - ١٦٦)، و\"بداية المجتهد\" (١/ ١١٤)، و\"المجموع للنووي\" (٤/ ٥١١ - ٥١٢).\n(^٢) في \"الفتح الرباني\" (٦/ ٣٨ - ٣٩ رقم ١٥٣٧).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٨ رقم ٢٩/ ٨٥٨).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٧ رقم ١). ورواته كلهم ثقات إلا عبد الله بن سيدان فمتكلَّم فيه.\nقال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١١٠): عبد الله بن سِيدان المطرودي لا يتابع في حديثه.\nوقال ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٣٧): وهو شبه المجهول.\nوقال اللالكائي: مجهول لا خير فيه، كما في \"لسان الميزان\" (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\nوقال الذهبي في \"الضعفاء\" (١/ ٣٤١ رقم ٣٢١٠): تابعي.\nوالحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وأبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وابن أبي شيبة، من رواية عبد الله بن سيدان، قال: شهدت الجمعة … الحديث. قال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٣٨٧): رجاله ثقات إلّا عبد الله بن سيدان فإنه تابعي كبير إلَّا أنه غير معروف العدالة، وقال النووي في الخلاصة (٢/ ٣٧٣): اتّفقوا على ضعف ابن سيدان.\nقال بعض فضلاء العرب: عبد الله بن سيدان صوابه عبد ربه، وهو مقبول من الثالثة كذا في \"التقريب\" (١/ ١٢٢ رقم ٦)، لكن من يشهد الجمعة مع أبي بكر يقتضي أنه مخضرم، وإلّا فمن كبار التابعين، فتأمّل عده من الثالثة القرن هم صغار التابعين، انتهى كلام البعض.\nوما قال خطأ وليس بوارد على الحافظ، لأن الحافظ ابن حجر إنما عدّ عبد الله بن سيلان باللام بعد السين، أو عبد ربه بن سيلان من الطبقة الثالثة، وليس هو من المخضرمين، ولا من كبار التابعين، وأمّا عبد الله بن سيدان أو سندان بالياء التحتانية أو النون بعد السين الذي هو من كبار التابعين، فليس له ذكر ولا ترجمة في \"التقريب\" ولا في \"التهذيب\"، وما أخرج له أحد من الأئمة الستة في كتبهم فاحفظه\".\nوانظر: \"التعليق المغني على الدارقطني\" (٢/ ١٧ - ١٨).\nوالخلاصة: أن الأثر ضعيف، والله أعلم.","vol":"3","page":127},{"text":"الجمعةَ، فكانتْ خطبتهُ وصلاتُه قبلَ نصفِ النهارِ، ثمَّ شهدتُها معَ عمرَ فكانتْ صلاتُه وخطبتُه إلى أن أقولَ: انتصفَ النهارُ، ثم شهدتُها معَ عثمانَ فكانت صلاتُه وخطبتهُ إلى أن أقول: زال النهارُ، فما رأيتُ أحدًا عابَ ذلكَ ولا أنكرهُ\"، ورواهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ (^١)، قالَ: وكذلكَ رُوِيَ عن ابن مسعودٍ (^٢) وجابرٍ (^٣)، وسعيدٍ (^٤)، ومعاويةَ (^٥): \"أنَّهم صلُّوا قبلَ الزوالِ\".\nودلالةُ هذَا على مذهب أحمدَ واضحةٌ، والتأويلُ الذي سبقَ [منَ] (^٦) الجمهورِ يدفعُه أن [صلاة] (^٧) النبيِّ - ﷺ - معَ قراءتهِ سورةَ الجمعةِ والمنافقينَ، وخطبتُهُ لو كانتْ بعدَ الزوالِ لَما ذهبُوا من صلاةِ الجمعةِ إلَّا وللحيطانِ ظلٌّ يستظلُّ بهِ. كذا في الشرحِ، وحقَّقْنَا في حواشي \"ضوءُ النهارِ\" (^٨) أن وقتَها الزوالُ، ويدلُّ لهُ أيضًا [قولُه] (٧):\n٣/ ٤١٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا\n_________\n(^١) قال عبد الله بن أحمد في مسائله (ص ١٢٥ - ١٢٦ رقم ٤٥٩): \"سئل أبي - وأنا أسمع - عن الجمعة هل تصلّى قبل أن تزول الشمس؟\nفقال: حديث ابن مسعود: أنه صلّى بهم الجمعة ضحى، أنه لم تزل الشمس.\nوحديث أبي حازم عن سهل بن سعد: كنّا نقيل ونتغدّى بعد الجمعة، فهذا يدلّ على أنه قبل الزوال، ورأيته كأنه لم يدفع هذه الأحاديث أنها قبل الزوال، وكأن رأيه على أنه إذا زالت الشمس فلا شك في الصلاة، ولم تره يدفع حديث ابن مسعود سهل بن سعد على أنه كان ذلك عنده قبل الزوال\" اهـ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٠٧)، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٦٣): \"وهذا سند حسن رجاله كلهم ثقات، وفي عبد الله بن سلمة ضعف من قبل أنه كان تغيّر حفظه، لكنه هنا يروي أمرًا شاهده بنفسه، والغالب في مثل هذا أنه لا ينساه الراوي وإن كان فيه ضعف، بخلاف إذا كان يروي أمرًا لم يشاهده كحديث النبيّ - ﷺ -، فإنه يخشى عليه أن يزيد فيه أو ينقص منه، وأن يكون موقوفًا في الأصل فتخونه ذاكرته فيرفعه\" اهـ.\n(^٣) لم أقف على إسنادها.\n(^٤) لم أقف على إسنادها.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٠٧)، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٦٣): \"وهذا سند رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين غير سعيد بن سويد - ذكره ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٢٩) برواية عن معاوية ورواية عمر وعنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكذلك ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٣٦١) … \" اهـ.\n(^٦) في (ب): \"عن\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) أي: في \"منحة الغفار\" (٢/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"3","page":128},{"text":"بَعْدَ الْجُمُعَةِ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ: فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-524>ترجمة سهل بن سعد</span>\n(وعن سهلِ بن سعدٍ) هوَ أبو العباسِ سهلُ بنُ سعدِ بن مالكٍ الخزرجيِّ الساعدي الأنصاري، قيلَ: كانَ اسمهُ حَزَنًا فسمّاهُ - ﷺ - سهلًا، ماتَ النبيُّ - ﷺ - ولهُ خمسَ عشرةَ سنةً، وماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وسبعينَ، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ بالمدينةِ منَ الصحابةِ (^٢).\n(قالَ: ما كنَّا نقيلُ) منَ القيلولةِ، (ولا نتغدَّى إلَّا بعدَ الجمعةِ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ، وفي روايةٍ: في عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -).\nفي \"النهايةِ\" المقيلُ والقيلولةُ: الاستراحةُ نصفَ النهارِ وإنْ لم يكنْ معَها نومٌ.\nفالحديثُ دليلٌ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ، وهوَ من أدلَّةِ أحمدَ، وإنَّما أتَى المصنفُ ﵀ بلفظِ روايةِ: \"على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - \" لِئلَّا يقولَ قائلٌ: إنهُ لم يصرِّحِ الراوي في الروايةِ الأُولى أن ذلكَ كانَ من فعلهِ - ﷺ - وتقريرهِ، فدفعهُ بالروايةِ التي أثبتتْ أن ذلكَ كانَ على عهدهِ، ومعلومٌ أنهُ لا يصلِّي الجمعةَ في المدينةِ في عهدهِ سواهُ، فهوَ إخبارٌ عن صلاتهِ. وليسَ فيه دليلٌ على الصلاةِ قبلَ الزوالِ لأنَّهم في المدينةِ ومكةَ، لا يقيلونَ ولا يتغدّونَ إلَّا بعدَ صلاةِ الظهرِ؛ كما قالَ تعالى: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (^٣)، نعمْ كانَ - ﷺ - يسارعُ بصلاةِ الجمعةِ في أولِ وقتِ الزوالِ بخلافِ\n_________\n(^١) البخاري (٩٣٩)، ومسلم (٣٠/ ٨٥٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٣٦)، وأبو داود (١٠٨٦)، والترمذي (٥٢٥)، وابن ماجه (١٠٩٩) وغيرهم.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٤٢٢ رقم ٧٢)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٩٩)، و\"الإصابة\" (٢/ ٨٨)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٣) سورة النور: الآية ٥٨.","vol":"3","page":129},{"text":"الظهرِ، فقد كانَ يؤخرهُ [بعدَه] (^١) حتَّى يجتمعَ الناسُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-525>الخطبة قائمًا ولا يشترط لها ولا للجمعة عدد معين</span>\n٤/ ٤١٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعن جابرٍ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يخطبُ قائمًا، فجاءتْ عيرٌ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ فراءٍ، قالَ في \"النهايةِ\" (^٣): العيرُ: الإبلُ بأحمالِها. (منَ الشامِ فانفتلَ) بالنونِ الساكنةِ، وفتحِ الفاءِ، فمثناةٍ فوقيةٍ، أي: انصرفَ (الناسُ إليها حتَّى لم يبقَ) أي: في المسجدِ (إلَّا اثنا عشَرَ رجلًا. رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ يشرعُ في الخطبةِ أنْ يخطبَ قائمًا، وأنهُ لا يشترطُ لها عددٌ معينٌ، كما قيلَ: إنهُ يشترطُ لها أربعونَ رجلًا، ولا ما قيلَ: إنَّ أقلَّ ما تنعقدُ بهِ اثنا عشرَ رجلًا كما رُويَ عن مالكٍ؛ لأنهُ لا دليلَ أنَّها لا تنعقدُ بأقلَّ. وهذهِ القصةُ هي التي نزلتْ فيها الآيةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (^٤) الآيةَ، وقالَ القاضي عياضٌ: إنهُ رَوَى أبو داودَ في مراسيلهِ (^٥): \"أن خطبتهُ - ﷺ - التي انفضُّوا عنها إنَّما كانتْ بعدَ صلاةِ الجمعةِ، وظنُّوا أنهُ لا شيءَ عليهم في الانفضاضِ عن الخطبةِ، وأنهُ قبلَ هذهِ القصةِ كانَ يصلِّي قبلَ الخطبةِ\". قال القاضي: وهذا أشبهُ بحالِ أصحابهِ، والمظنونُ بهم ما كانُوا يدَعُونَ الصلاةَ معَ النبيِّ - ﷺ -، ولكنَّهم ظنُّوا جوازَ الانصرافِ بعدَ انقضاءِ الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-526>من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة</span>\n٥/ ٤١٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَدْرَكَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٠ رقم ٣٦/ ٨٦٣).\n(^٣) (٣/ ٣٢٩).\n(^٤) سورة الجمعة: الآية ١١.\n(^٥) (ص ١٠٥ رقم ٦٢) ورجاله ثقات.","vol":"3","page":130},{"text":"رَكْعَةً مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ وَغَيرِهَا فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَالدَّارَقُطْنِي (^٣)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ قَوَّى أَبُو حَاتِمٍ (^٤) إِرْسَالَهُ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵃ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: من أدركَ ركعة من صلاةِ الجمعةِ وغيرِها) أي: من سائر الصلواتِ (فليضفْ إليها أخْرى) في الجمعةِ أوْ [في] (^٥) غيرِها، يضيفُ إليها ما بقي من ركعةٍ [فأكثرَ] (^٦)، (وقد تمتْ صلاتُه. رواهُ النسائيُّ، وابنُ ماجهْ، والدارقطنيُّ، واللفظُ لهُ، وإسنادُه صحيحٌ، لكنْ قوَّى أبو حاتم إرسالهُ).\nالحديثُ أخرجوهُ من حديثِ بقيةَ. [حدثني] (^٧) يونسُ بنُ يزيدَ عن سالمٍ عن أبيهِ … الحديث. قالَ أبو داودُ والدارقطنيُّ (^٨): تفرّدَ بهِ بقيةُ عن يونسَ، وقالَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٧٤ رقم ٥٥٧).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٣٥٦ رقم ١١٢٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٢ رقم ١٢).\n(^٤) في \"العلل\" (١/ ١٧٢ رقم ٤٩١).\nولحديث ابن عمر شاهد من حديث أبي هريرة:\nأخرج النسائي (٣/ ١١٢ رقم ١٤٢٥) بإسناد صحيح من طريق قتيبة.\nعن أبي هريرة عن النبيّ - ﷺ - قال: \"من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك\"، وأخرجه الحاكم (١/ ٢٩١) من طريق الوليد بن مسلم، عنه بلفظ النسائي إلّا أنه زاد في آخره: \"الصلاة\".\nوأخرجه الحاكم (١/ ٢٩١)، والبيهقي (٣/ ٢٠٣)، والدارقطني (٢/ ١١ رقم ٤) بإسناد حسن من طريق أسامة بن زيد الليثي عنه بلفظ: \"من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى\"، ثم أخرجه الحاكم (١/ ٢٩١)، والبيهقي (٣/ ٢٥٣)، والدارقطني (٢/ ١١ رقم ٦) من طريق صالح بن أبي الأخضر عنه بلفظ: \"من أدرك من الجمعة ركعة واحدة فليصل إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسًا صلّى أربعًا\"، ولم يذكر الحاكم الجملة الأخيرة. وأخرجه ابن ماجه (١١٢١) من طريق عمر بن حبيب عنه، بلفظ أسامة بن زيد الليثي. وعمر بن حبيب: متروك.\nوالخلاصة: أن الحديث بذكر الجمعة صحيح من حديث ابن عمر، والله أعلم.\nانظر: \"الإرواء\" رقم (٦٢٢)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ٤٠ - ٤١).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"وأكثر\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في \"السنن\" للدارقطني (٢/ ١٢ رقم ١٢): قال أبو بكر بن أبي داود: لم يروه عن يونس إلّا بقية.","vol":"3","page":131},{"text":"ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ (^١) عن أبيه: هذا خطأ في المتنِ والإسنادِ، وإنَّما هوَ عن الزهريِّ عن أبي سلمةَ عن أبي هريرةَ مرفوعًا: \"منْ أدركَ ركعةً منَ الصلاةِ فقدْ أدركَها\"، وأما قولهُ: \"من صلاةِ الجمعةِ\" فوَهْمٌ، وقد أُخْرِجَ الحديثُ من ثلاثةَ عشرَ طريقًا عن أبي هريرةَ، ومن ثلاثةِ طرقٍ عن ابن عمرَ، وفي جميعِها مقال.\nوفي الحديثِ دلالةٌ على أن الجمعةَ تصحُّ للَّاحقِ وإنْ لم يدركْ منَ الخطبة شيئًا، وإلى هذَا ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ، والمؤيدُ (^٢)، والشافعيُّ (^٣)، وأبو حنيفةَ (^٤)، وذهبتِ الهادويةُ (^٥) إلى أن إدراكَ شيءٍ منَ الخطبةِ شرطٌ لا تصحُّ [الجمعة] (^٦) بدونهِ، وهذا الحديثُ حجةٌ عليهم وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ، لكنَّ كثرةَ طرقِهِ يقوي بعضُها بعضًا معَ أنهُ أخرجهُ الحاكمُ من ثلاثِ طرقٍ (^٧): أحدُها من حديث أبي هريرةَ وقال فيها: على شرطِ الشيخينِ، ثمَّ الأصلُ عدمُ الشرطِ حتَّى يقومَ عليه دليلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-527>هل القيام شرط في الخطبة</span>\n٦/ ٤١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٨). [صحيح]\n(وعن جابرِ بن سمُرةَ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يخطبُ قائمًا ثمَّ يجلسُ، ثمَّ يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمنْ أنبأكَ أنهُ كانَ يخطبُ جالسًا فقد كذبَ. أخرجهُ مسلمٌ).\nالحديثُ دليلٌ أنهُ يشرعُ القيامُ حالَ الخطبتين، والفصلُ بينَهما بالجلوسِ، وقد اختلفَ العلماءُ هل [هو] (^٩) واجبٌ أو سنةٌ؟\n_________\n(^١) (١/ ١٧٧٢ رقم ٤٩١).\n(^٢) \"الروض النضير\" (٢/ ٢١٤).\n(^٣) \"مغني المحتاج\" (١/ ٢٩٦).\n(^٤) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٦٧).\n(^٥) \"التاج المذهب\" (١/ ١٤٠).\n(^٦) في (أ): \"الصلاة\".\n(^٧) تقدم قريبًا في تخريج الحديث (٥/ ٤١٨).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٩ رقم ٣٥/ ٨٦٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٠٩٣)، والنسائي (٣/ ١١٠ رقم ١٤١٧).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"3","page":132},{"text":"فقالَ أبو حنيفةَ (^١): إنّ القيامَ والقعودَ سنةٌ، وذهبَ مالكٌ (^٢) إلى أن القيامَ واجبٌ، فإنْ تركَه أساءَ وصحَّتِ الخطبةُ، وذهبَ الشافعيُّ (^٣) وغيرُه إلى أن الخطبة لا تكونُ إلَّا منْ قيامٍ لمنْ أطاقهُ، واحتجُّوا بمواظبتهِ - ﷺ - على ذلكَ حتَّى قال جابرٌ: \"فمنْ أنباكَ … إلى آخرِه، [وبما] (^٤) رُوِيَ أن كعبَ بنَ عجرةَ (^٥) لما دخلَ المسجدَ وعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكمِ يخطبُ قاعدًا فأنكرَ عليهِ وتلا عليهِ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وفي روايةِ ابن خزيمة (^٦): \"ما رأيتُ كاليومِ قطُّ إمامًا يؤمُّ المسلمينَ يخطبُ وهو جالسٌ. يقولُ ذلكَ مرتينِ\".\nوأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٧) عن طاوسَ: \"خطبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - قائمًا، وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ، وأولُ مَنْ جلسَ على المنبرِ معاويةُ\"، وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٨) عن الشعبيِّ: \"أن معاويةَ إنَّما خطبَ قاعدًا لما كثرَ شحمُ بطنهِ ولحمُه\"، وهذا إبانةٌ للعذرِ، فإنهُ معَ العذرِ في حكم المتفقِ على جوازِ القعودِ في الخطبةِ. وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الذي أخرجهُ البخاريُّ (^٩): \"أن النبيَّ - ﷺ - جلسَ ذاتَ يومٍ على المنبرِ، وجلسْنَا حولَه\"، فقد أجابَ عنهُ الشافعي أنهُ كانَ في غيرِ جمعةٍ، وهذه الأدلةُ تقضِي بشرعيةِ القيامِ والقعودِ المذكورين في الخطبةِ.\nوأمَّا الوجوبُ وكونُه شرطًا في صحتِها فلا دلالةَ عليهِ في اللفظِ؛ إلَّا أَنَّهُ قد ينضمُّ إليهِ دليلُ وجوب التأسّي بهِ - ﷺ -، وقد قالَ: \"صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي\" (^١٠)، وفعلُهُ في الَجمعةِ في الخطبتينِ، وتقديمُها على الصلاةِ مبينٌ لآيةِ الجمعةِ، فما واظبَ عليهِ فهوَ واجبٌ، وما لمْ يواظبْ عليهِ كانَ في التركِ دليلٌ على عدمِ الوجوبِ، فإنْ صحَّ أن قعودَه - ﷺ - في حديثِ أبي سعيدٍ كانَ في خطبةِ الجمعةِ كان الأقوى القولُ الأولُ، وإنْ لم يثبتْ فالقولُ الثاني.\n_________\n(^١) \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٦٣).\n(^٢) \"قوانين الأحكام الشرعية\" (ص ٩٦).\n(^٣) \"المجموع\" للنووي (٤/ ٥١٥).\n(^٤) في (أ): \"ولما\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٣٩/ ٨٦٤)، والنسائي (٣/ ١٠٢ رقم ١٣٩٧).\n(^٦) ذكرها ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤٠١).\n(^٧) في \"المصنف\" (٢/ ١١٢).\n(^٨) في \"المصنف\" (٢/ ١١٣).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٧/ ٢٢٧ رقم ٣٩٠٤).\n(^١٠) أخرجه البخاري (٦٣١)، ومسلم (٢٤/ ٣٩١) من حديث مالك بن الحويرث.","vol":"3","page":133},{"text":"(فائدةٌ): تسليمُ الخطيبِ على المنبرِ على الناسِ فيهِ حديثٌ أخرجهُ الأثرمُ بسندهِ (^١) عن الشعبيِّ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا صعدَ المنبرَ يومَ الجمعةِ استقبلَ الناسَ فقالَ: السلامُ عليكمْ\" الحديثَ، وهوَ مرسلٌ، وأخرجَ ابنُ عديٍّ (^٢): \"أنهُ كانَ إذا دَنَا من منبرهِ سلَّمَ على مَنْ عندَ المنبرِ ثمَّ صعدَ، فإذا استقبلَ الناسَ بوجههِ سلَّم ثمَّ قعدَ\"، إلَّا أَنَّهُ ضعَّفَهُ ابنُ عديٍّ بعيسى بن عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، وضعَّفهُ به ابنُ حبانَ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-528>كيف كان يخطب النبيّ - ﷺ </span>-\n٧/ ٤٢٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ، وَيَقُولُ: \"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤).\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٥): كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ: يَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ - وَقَدْ عَلَا صَوْتُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٦): \"مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ\"، وَلِلنَّسَائِي (^٧): \"وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ\". [صحيح]\n(وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا خطبَ احمرَّتْ عيناهُ وعلا صوتُه واشتدَّ غضبهُ، حتَّى كأنهُ منذرُ جيشٍ يقولُ: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقولُ: أمَّا بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، وخيرَ الهَدْي هديُ محمدٍ). قالَ النوويُّ (٨): ضبطناهُ في مسلمٍ (^٨) بضمِّ الهاءِ، وفتحِ الدالِ فيهما، وبفتحِ الهاءِ، وسكونِ الدالِ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٩١٤)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٩٣ رقم ٥٢٥٢) عنه مرسلًا.\n(^٢) في \"الكامل\" (٥/ ١٨٦٣).\n(^٣) في \"المجروحين\" (٢/ ١٢١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٢ رقم ٤٣/ ٨٦٧).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٢ رقم ٤٤/ ٨٦٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٣ رقم ٤٥/ ٨٦٧).\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم ١٥٧٨).\n(^٨) بشرح النووي (٦/ ١٥٤).","vol":"3","page":134},{"text":"فيهمَا، وفسّرهُ الهرويُّ (^١) على روايةِ الفتحِ بالطريقِ، أي: أحسنَ الطريقِ طريقُ محمدٍ، وعلى روايةِ الضمِّ معناهُ الدلالةُ والإرشادُ، وهو الذي يضافُ إلى الرسلِ وإلى القرآنِ، قالَ تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ (^٢)، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ (^٣)، وقد يضافُ إليهِ تعالى، وهوَ بمعنَى اللطفِ والتوفيق والعصمة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (^٤) الآيةَ.\n(وشرَّ الأمورِ محدثاتُها)، المرادُ بالمحدَثاتِ ما لم يكن ثابتًا بشرعٍ منَ الله ولا مِن رسولهِ، (وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ) البدعةُ لغةً: ما عُمِلَ على غيرِ مثالٍ سابقٍ، والمرادُ بها هنا: ما عُمِلَ مِن دونِ أن يسبقَ لهُ شرعيةٌ من كتابٍ ولا سنةٍ، (رواهُ مسلمٌ).\nوقد قسَّمَ العلماءُ البدعةَ خمسةَ أقسامٍ: واجبةٌ: كحفظِ العلويم بالتدوينِ، والردِّ على الملاحدةِ بإقامةِ الأدلةِ، ومندوبةٌ: كبناءِ المدارسِ، ومباحةٌ: كالتوسعة في ألوانِ الأطعمةِ وفاخرِ الثيابِ، ومحرَّمةٌ ومكروهةٌ: وهما ظاهرانِ، فقولُه: \"كلُّ بدعةٍ ضلالةٌ\" (^٥) عامٌّ مخصوصُ.\n_________\n(^١) في غريب الحديث لفظ \"هدى\".\n(^٢) سورة الشورى: الآية ٥٢.\n(^٣) سورة الإسراء: الآية ٩.\n(^٤) سورة القصص: الآية ٥٦.\n(^٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٢٧٤) \"\"ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - ﷺ - الكلية، وهي قوله: \"كل بدعة ضلالة\" بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليس كل بدعة ضلالة، فإن هذه إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل\" اهـ.\nوقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في كتابه \"جامع العلوم والحكم\" (ص ٢٥٢): \"فقوله - ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله - ﷺ -: \"مَنْ أحْدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رد\"، وفي رواية: \"من عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ\". [أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (٤/ ٣٥٥) ووصله (٥/ ٣٠١)، ومسلم (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)].\nفكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والذين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأمّا ما وقع من كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية … \" اهـ.\nوانظر كتابنا: \"مدخل إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\"، الفائدة الرابعة: البدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.","vol":"3","page":135},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يستحبُّ للخطيبِ أنْ يرفعَ بالخطبةِ صوتَه، ويجزلَ كلامَهُ، ويأتي بجوامعِ الكلم منَ الترغيبَ والترهيبَ، ويأتي بقول: (أما بعدُ)، وقد عقدَ البخاريُّ بابًا في استحبابِها (^١)، وذكرَ فيهِ جملةً منَ الأحاديثِ، وقد جمعَ الرواياتِ التي فيها ذكرُ \"أما بعدُ\" لبعضِ المحدِّثينَ، وأخرجَها عن اثنينِ وثلاثينَ صحابيًا، وظاهرهُ أنهُ كانَ - ﷺ - يلازمُها في جميعِ خُطَبِهِ، وذلكَ بعدَ حمدِ اللَّهِ والثناءِ [عليه] (^٢) والتشهُّدِ، كما تفيدُه الروايةُ المشارُ إليها بقولهِ: (وفي روايةٍ له)، أي: لمسلمٍ عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ: (كانت خطبة النبيِّ - ﷺ - يومَ الجمعةِ، يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ، ثمَّ يقولُ على أثر ذلكَ وقد علا صوتُه) حذفَ المقولَ اتّكالًا على ما تقدمَ، وهوَ قولُهُ: \"أما بعدُ، فإنَّ خيرَ الحديثِ\" إلى آخرهِ [ما تقدمَ] (^٣)، ولم يذكرِ الشهادةَ اختصارًا لثبوتِها في غيرِ هذهِ الروايةِ، فقد ثبتَ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"كلُّ خُطْبَةٍ ليسَ فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماءِ\" (^٤)، وفي \"دلائلُ النبوةِ\" للبيهقي (^٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا حكايةً عن اللَّهِ ﷿: \"وجعلتُ أمَّتَكَ لا يجوزُ لهم خطبةٌ حتَّى يشهدُوا أنكَّ عبدي ورسولي\"، وكانَ يذكرُ في تشهدهِ نفسَه باسمِهِ العَلَمِ.\n(وفي رواية لهُ) أي: لمسلم عن جابر: (من يهدِ اللَّهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ له) أي: أنهُ يأتي بهذهِ الألفاظِ بعدَ \"أما بعدُ\"، (وللنسائيِّ) أي: عن جابرٍ: (وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ) أي: بعد قولِه: \"كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ\" كما هوَ في النسائي، واختصرهُ المصنفُ، والمرادُ صاحبُها.\nوكانَ يعلمُ أصحابهُ في خطبتهِ قواعدَ الإسلامِ وشرائعَه، ويأمرُهم وينهاهُمْ\n_________\n(^١) (٢/ ٤٠٢ رقم الباب ٢٩)، وذكر جملة من الأحاديث رقم (٩٢٢، ٩٢٣، ٩٢٤، ٩٢٥، ٩٢٦، ٩٢٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) وهو حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (٢/ ٣٠٢ و٣٤٣)، وأبو داود (٤٨٤١)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٢٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٤٣)، الترمذي (١١٠٦) من طرق عن أبي هريرة.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\n(^٥) لم أعثر عليه!.","vol":"3","page":136},{"text":"في [خطبته] (^١) إذا عرضَ لهُ أمرٌ، أو نهيٌ كما أمرَ الداخلَ - وهو يخطبُ - أن يصلِّيَ ركعتينِ، ويذكرُ معالمَ الشرائعِ في الخطبةِ، والجنةَ، والنارَ، والمعادَ، ويأمرُ بتقوى اللَّهِ، ويحذرُ من غضبه، ويرغِّبُ في موجباتِ رضاهُ، وقد وردَ قراءةُ آيةٍ في حديثِ مسلمٍ (^٢): \"كانَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - خطبتانِ يجلسُ بينَهما يقرأُ القرآنَ، ويذكِّرُ الناسَ ويحذرُ\"، وظاهرُه محافظتُه - ﷺ - على ما ذكرَ في الخطبةِ، ووجوبُ ذلكَ؛ لأنَّ فعلَه بيانٌ لما أُجْمِلَ في آيةِ الجمعةِ. وقد قالَ - ﷺ -: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي\" (^٣)، وقد ذهبَ إلى هذا الشافعيُّ، وقالتِ الهادويةُ: لا يجبُ في الخطبةِ إلَّا الحمدُ والصلاةُ على النبيّ - ﷺ - في الخطبتينِ جميعًا، وقالَ أبو حنيفةَ: يكفي سبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ. وقالَ مالكٌ: لا يجزي إلَّا ما يسمَّى خطبة (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-529>تطويل الصلاة وتقصير الخطبة علامة فقه الرجل</span>\n٨/ ٤٢١ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعن عمَّارِ بن ياسرٍ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: إنَّ طولَ صلاةِ الرجلِ وقِصَرَ خطبتهِ مَئِنَّةٌ) بفتحِ الميمِ، ثمَّ همزةٌ مكسورةٌ، ثمَّ نونٌ مشددةٌ، أي: علامةٌ (من فقههِ) أي: مما يعرفُ بهِ فقهُ الرجلِ، وكلُّ شيءٍ دلَّ على شيءٍ فهو مئنةٌ لهُ، (رواهُ مسلمٌ).\nوإنَّما كانَ قصرُ الخطبةِ علامةً على فقهِ الرجلِ؛ لأنَّ الفقيهَ هوَ المطلعُ على حقائقِ المعاني، وجوامعِ الألفاظِ، فيتمكّن منَ التعبيرِ بالعبارةِ الجزلةِ المفيدةِ،\n_________\n(^١) في (أ): \"خطبه\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٩ رقم ٣٤/ ٨٦٢) من حديث جابر بن سَمُرَة.\n(^٣) تقدم قريبًا، وهو حديث صحيح.\n(^٤) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" للزحيلي (٢/ ٢٨٥ - ٢٩٠).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٤ رقم ٤٧/ ٨٦٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٠٨)، والحاكم (٣/ ٣٩٣)، وابن خزيمة (٣/ ١٤٢ رقم ١٧٨٢).","vol":"3","page":137},{"text":"ولذلكَ كانَ من تمامِ رواية هذا الحديثِ: \"فأطيلُوا الصلاةَ، واقصرُوا الخطبةِ، وإنَّ منَ البيانِ لسِحرًا\"، فشبَّهَ الكلامَ العاملَ في القلوبِ الجاذبَ للعقولِ بالسحرِ، لأجلِ ما اشتملَ عليهِ من الجزالةِ، وتناسقِ الدلالةِ وإفادةِ المعاني الكثيرةِ، ووقوعِهِ في مجازِهِ من الترغيبِ والترهيب ونحو ذلك، ولا يقدرُ عليهِ إلَّا مَنْ فقِه [في المعاني] (^١) وتناسقِ دلالتها، فإنهُ يتمكّنُ منَ الإتيانِ بجوامعِ الكلمِ، وكانَ ذلكَ من خصائصهِ - ﷺ -؛ فإنهُ أُوتِي جوامعَ الكلمِ.\nوالمرادُ من طولِ الصلاةِ الطولُ الذي لا يدخلُ فاعلُه تحتَ النهي، وقد كانَ يصلِّي - ﷺ - الجمعةَ بالجمعةِ، والمنافقينَ، وذلكَ طولٌ بالنسبة إلى خطبتهِ، وليسَ بالتطويلِ المنهيِّ عنهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-530>قراءة سورة ق في الخطبة</span>\n٩/ ٤٢٢ - وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانَ - ﵂ - قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعن أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ بن النعمانِ - ﵄ -) هي الأنصاريةُ، رَوَى عنها حبيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنُ يسافٍ، قالَ أحمدُ بنُ زهيرٍ: سمعتُ أبي يقولُ: أمُّ هشامٍ بنتُ حارثةَ بايعتْ بيعةَ الرضوانِ. ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ (^٣) ولم يذكر اسمَها، وذكرَها المصنّفُ في التقريبِ (^٤) ولم يسمِّها أيضًا، وإنَّما قالَ: صحابيةٌ مشهورةٌ.\n(قالتْ: ما أخذتُ ق والقرآنِ المجيدِ إلَّا عن لسانِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، يقرؤُها كلَّ جمعةٍ على المنبرِ إذا خطبَ الناسَ. رواهُ مسلمٌ).\nفيه دليلٌ على مشروعيةِ قراءةِ سورةِ ق في الخطبةِ كلَّ جمعةٍ، قالَ\n_________\n(^١) في (أ): \"بالمعاني\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥/ ٥٩٢ رقم ٥١/ ٨٧٣).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ١٠٧ رقم ١٤١١)، وأبو داود (١١٠٠).\n(^٣) (٤/ ٥٠٤ - بهامش الإصابة).\n(^٤) (٢/ ٦٢٦ رقم ٩٧).","vol":"3","page":138},{"text":"العلماءُ: وسببُ اختيارهِ - ﷺ - هذه السورةَ لِمَا اشتملتْ عليهِ من ذكرِ البعثِ والموتِ والمواعظِ الشديدةِ والزواجرِ الأكيدةِ. وفيهِ دلالةٌ لقراءةِ شيءٍ منَ القرآنِ في الخطبةِ كما سبقَ، وقدْ قامَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ قراءةِ السورةِ المذكورةِ ولا بعضِها في الخطبةِ، [وكانتْ] (^١) محافظتُه على هذهِ السورةِ اختيارًا منهُ لما هوَ الأحسنُ في الوعظِ والتذكيرِ. وفيهِ دلالةٌ على ترديدِ الوعظِ في الخطبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-531>النهي عن الكلام حال الخطبة</span>\n١٠/ ٤٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢) بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (^٣) مَرْفُوعًا. [حسن لغيره]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ تكلَّمَ يومَ الجمعةِ - والإمامُ يخطبُ - فهوَ كمثلِ الحمارِ يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصتْ ليستْ له جمعةٌ. رواهُ أحمدُ بإسنادٍ لا بأسَ بهِ)، ولهُ شاهدٌ قويٌّ في جامعِ حمادٍ مرسلٌ (^٤)، (وهوَ) أي: حديثُ ابن عباسٍ (يفسِّرُ) الحديثَ.\n_________\n(^١) في (ب): \"وكان\".\n(^٢) في \"المسند\" (١/ ٢٣٠)، قلت: وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ٤٦٣ رقم ٧٩٣)، وقال أحمد بن حنبل: مجالد ليس بشيء، وقال يحيى: لا يُحتجّ بحديثه، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٨٤) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعَّفه الناس ووثّقه النسائي في رواية\" اهـ.\nوأورده ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤١٤) قال عقبه: \"وله شاهد قوي في جامع حماد بن سلمة عن ابن عمر موقوفًا\" اهـ.\n(^٣) البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٨٥١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١١١٢)، والترمذي (٥١١)، والنسائي (٣/ ١٠٤)، وابن ماجه (١١١٠)، ومالك (١/ ١٠٣ رقم ٦).\n(^٤) كما في \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٤).","vol":"3","page":139},{"text":"١١/ ٤٢٤ - \"إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ\" (^١). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ في الصحيحينِ مرفوعًا: إذا قلتَ لصاحبِكَ أنصتْ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطبُ، فقدْ لغوتَ)، في قوله: \"يَومَ الجمعةِ\" دلالةٌ على أن خطبةَ غيرِ الجمعةِ ليستْ مثلَها يُنْهَى عن الكلامِ حالَها، وقولُه: \"والإمامُ يخطبُ\" دليل على أنهُ يختصُّ النهيُ بحالِ الخطبةِ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ قالَ: إنهُ يُنْهَى عن الكلامِ من حالِ خروجِ الإمامِ. وأمّا الكلامُ [حالَ] (^٢) جلوسِه بينَ الخطبتينِ فهوٍ غير خاطبٍ، فلا يُنْهَى عن الكلامِ حالَه، وقيلَ: هوَ وقتٌ يسيرٌ يُشَبَّهُ بالسكوتِ للتنفسِ فهوَ في حكمِ الخاطب، وإنَّما شبَّههُ بالحمارِ يحملُ أسفارًا لأنهُ فاتهُ الانتفاعُ بأبلغ نافعٍ، وقدْ تكلَّفَ المشقةَ وأتعبَ نفسهُ في حضورِ الجمعةِ، والمشبَّهُ بهِ كذلكَ فاتَهُ الانتفاعُ بأبلغِ نافعٍ معَ تحمُّلِ التعبِ في استصحابهِ.\nوفي قولهِ: \"ليستْ لهُ جمعةٌ\" دليلٌ على أنهُ لا صلاةَ لهُ، فإنَّ المرادَ بالجمعةِ الصلاةُ، إلَّا أنَّها تجزئُهُ إجماعًا، فلا بدَّ من تأويلِ هذَا بأنهُ نفيٌ للفضيلةِ التي يحوزُها مَنْ أنصتَ، وهوَ كما في حديثِ ابن عمرَ الذي أخرجهُ أبو داودَ (^٣)، وابنُ خزيمةَ (^٤) بلفظِ: \"مَنْ لغا وتخطَّى رقابَ الناسِ كانتْ لهُ ظُهرًا\"، قال ابنُ وهبٍ، أحدُ رواتهِ: معناهُ أجزأتْهُ الصلاةُ وحُرِمَ فضيلةَ [الجماعةِ] (^٥).\nوقدِ احتَجَّ بالحديثِ مَنْ قال بحرمةِ الكلامِ حالَ الخطبةِ، وهمُ الهادويةُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وروايةٌ عن الشافعي، فإنَّ تشبيهَهُ بالمشبهِ بهِ المستنكرِ، وملاحظةَ وجهِ الشبهِ يدلُّ على قبحِ ذلكَ، وكذلكَ نسبتُه إلى فواتِ الفضيلةِ الحاصلةِ بالجمعةِ ما ذاكَ إلَّا لما يلحقُ المتكلمَ مِنَ الوزرِ الذي يقاومُ الفضيلةَ مُحبطًا لها، وذهبَ القاسمُ، وابنا الهادي، وأحدُ قولَيْ أحمدَ والشافعي إلى\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح، تقدَّم تخريجه في الحديث (١٠/ ٤٢٣) الذي تقدَّم.\n(^٢) في (ب): \"عند\".\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٢٤٧ رقم ٣٤٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٦ رقم ١٨١٠) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في (أ): \"الجمعة\".","vol":"3","page":140},{"text":"التفرقةِ بينَ مَنْ يسمعُ الخطبةَ ومَنْ لا يسمعُها (^١)، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٢) الإجماعَ على وجوبِ الإنصاتِ على مَنْ يسمعُ خطبةَ الجمعةِ إلَّا عن قليلٍ منَ التابعينَ.\nوقولُه: (إذا قلتَ لصاحبكَ أنصتْ فقد لغوتَ) [تأكيدٌ] (^٣) في النهيِ عن الكلام؛ لأنهُ إذا عُدَّ منَ اللغوِ وهوَ أمرٌ بمعروفٍ فأَوْلَى غيرُه، فعلَى هذا يجبُ [عليهِ] (^٤) أَن يأمرَه بالإشارةِ [إنْ] (^٥) أمكنَ ذلكَ، والمرادُ بالإنصاتِ قيلَ: من مكالمةِ الناسِ، فيجوزُ على هذا الذكرُ وقراءةُ القرآنِ، والأظهرُ أن النهيَ شاملٌ للجميعِ، ومَنْ فرَّقَ فعليهِ الدليلُ، فمثلُ جوابِ التحيةِ والصلاةِ على النبيِّ - ﷺ - عندَ ذكرِه عندَ مَنْ يقولُ بوجوبها، فقد تعارضَ فيهِ عمومُ النهي هنا، وعمومُ الوجوبِ فيهما، وتخصيصُ أحدِهما لعمومِ الآخرِ تحكُّمٌ من دونِ مرجِّع. واختلفُوا في معنَى قولهِ: \"لغوتَ\"، والأقربُ ما قالهُ ابنُ المنيِّرِ أن اللغوَ ما لا يحسنُ، وقيلَ: بطلتْ فضيلةُ جُمُعَتِك وصارتْ ظهرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-532>تحية المسجد والإمام يخطب</span>\n١٢/ ٤٢٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: \"صَلَّيتَ\"؟ قَالَ: لَا، قَالَ: \"قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَينِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وعن جابرٍ - ﵁ - قالَ: دخلَ رجل يومَ الجمعةِ والنبيُّ - ﷺ - يخطبُ، فقالَ: صليتَ؟ قالَ: لا، قالَ: قُمْ صلِّ ركعتينِ. متفقٌ عليهِ)، الرجلُ هوَ: سُليكُ الغطفاني، سمَّاهُ في\n_________\n(^١) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٦ رقم ١١)، و\"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٢) في \"التمهيد\" (١٩/ ٣٢).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤١٥): \"وأغرب ابن عبد البر فنقل الإجماع على وجوب الإنصات على من سمعها إلا عن قليل من التابعين … \" اهـ.\n(^٣) في (أ): \"تأكيدًا\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"إذا\".\n(^٦) البخاري (٩٣١)، ومسلم (٥٥/ ٨٧٥)، قلت: وأخرجه أبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي (٣/ ١٠٣ رقم ١٤٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٤).","vol":"3","page":141},{"text":"روايةِ مسلمٍ (^١)، وقيلَ: غيرُهُ، وحذفتْ همزةُ الاستفهامِ من قولهِ: \"صلَّيتَ\"، وأصلُهُ أصليتَ، وفي مسلمٍ (^٢) قالَ لهُ: \"أصليتَ\"، وقد ثبتَ في بعضِ طرقِ البخاريِّ. وسُليكٌ بضمِّ السينِ المهملةِ، بعدَ اللامِ مثناةٌ تحتيةٌ، مصغرٌ، الغطفاني بفتحِ الغينِ المعجمةِ، فطاءٍ مهملةٍ بعدَها فاءٌ.\nوقولُه: \"صلِّ ركعتينِ\"، وعندَ البخاريِّ وصفَهما بخفيفتينِ (^٣)، وعندَ مسلمٍ (^٤): \"وتجوَّز فيهمَا\". وبوَّبَ البخاريُّ لذلكَ بقولهِ: (بابُ مَنْ جاءَ والإمامُ يخطبُ يصلِّي ركعتينِ خفيفتينِ) (^٥).\nوفي الحديثِ دليلٌ على أن تحيةَ المسجدِ تُصَلَّى حالَ الخطبةِ، وقد ذهبَ إلى هذا طائفةٌ منَ الآلِ والفقهاءِ والمحدِّثينَ، ويخفِّفهُما [ليفرغَ] (^٦) لسماعِ الخطبةِ. وذهبَ جماعةٌ من السلفِ والخلفِ إلى عدمِ شرعيتهمَا حالَ الخطبةِ، والحديثُ هذا حجةٌ عليهمْ، وقد تأوَّلُوهُ بأحدَ عشرَ تأويلًا، كلُّها مردودةٌ، سردَها [الحافظ] (٦) المصنفُ في [فتح الباري] (^٧) بردودِها، [ونقلها] (^٨) [ذلك] (^٩) الشارحُ [﵀ في الشرحِ] (^١٠)، واستدلُّوا بقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (^١١)، ولا دليلَ في ذلكَ؛ لأنَّ هذا خاصٌّ وذلكَ عام، ولأنَّ الخطبةَ ليستْ قرآنًا.\n[وبأنهُ] (^١٢) - ﷺ - نَهَى الرجلَ أنْ يقولَ لصاحبهِ والخطيبُ يخطبُ: \"أنصتْ\"، [وهو] (^١٣) أمرٌ بمعروفٍ، وجوابهُ أن هذا أمرُ الشارعِ، وهذَا أمرُ الشارعِ، فلا تعارضَ بينَ أمرَيْه، بلِ القاعدُ ينصتُ والداخلُ يركعُ التحيةَ.\n_________\n(^١) (٢/ ٥٩٧ رقم ٥٨، ٥٩/ ٨٧٥).\n(^٢) (٢/ ٥٩٦ رقم ٥٤، ٥٥/ ٨٧٥).\n(^٣) البخاري وصفهما بخفيفتين في عنوان الباب (٣٣)، وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٤١٢): \"قال الإسماعيلي: لم يقع في الحديث الذي ذكره التقييد بكونهما خفيفتين. قلت: هو كما قال، إلّا أن المصنف جرى على عادته في الإشارة إلى ما في بعض طرق الحديث وهو كذلك\" اهـ.\n(^٤) (٢/ ٥٩٧ رقم ٥٩/ ٨٧٥).\n(^٥) (٢/ ٤١٢ رقم الباب ٣٣).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) (٢/ ٤٠٩ - ٤١١)، وفي (أ): \"الفتح\".\n(^٨) في (ب): \"ونقل\".\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.\n(^١٢) في (أ): \"ولأنه\".\n(^١٣) في (أ): \"وهذا\".","vol":"3","page":142},{"text":"وبإطباقِ أهلِ المدينةِ خَلَفًا عن سلفٍ على منعِ النافلةِ حالَ الخطبةِ، وهذَا الدليلُ للمالكيةِ، وجوابهُ أنهُ ليسَ إجماعُهم حجةً لو أجمعُوا كما عُرفَ في الأصولِ، على أنهُ لا يتمُّ دعوى [إجماعِهم] (^١)، فقد أخرجَ الترمذيُّ (^٢)، وابنُ خزيمةَ وصحَّحهُ (^٣) أن أبا سعيدٍ أتَى ومروانُ يخطبُ فصلَّاهُما، فأرادَ حرسُ مروانَ أن يمنعُوهُ فأبَى حتَّى صلَّاهما [ثمَّ قالَ] (^٤): ما كنتُ لأدعَهما بعدَ أنْ سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يأمرُ بهمَا.\nوأمَّا حديثُ ابن عمرَ عندَ الطبرانيِّ في الكبيرِ (^٥) مرفوعًا بلفظِ: \"إذا دخلَ أحدُكم المسجدَ والإمامُ يخطبُ فلا صلاةَ ولا كلامَ حتَّى يفرغَ الإمامُ\"؛ ففيهِ أيوبُ بنُ نهيكٍ متروكٌ، وضعَّفهُ جماعةٌ، وذكرهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ (^٦) وقالَ: يخطئُ. وقد أُخِذَ منَ الحديثِ أنهُ يجوزُ للخطيب أنْ يقطعَ الخطبةَ باليسيرِ منَ الكلامِ، وأجيبَ عنهُ بأنَّ هذا الذي صدرَ منهُ - ﷺ - من جملةِ الأوامرِ التي شُرِعَتْ لها الخطبةُ، وأمرُهُ - ﷺ - بهَا دليلٌ على وجوبها، وإليهِ ذهبَ البعضُ.\nوأمَّا مَنْ دخلَ الحرمَ في غيرِ حالِ الخطبةِ، فإنهُ يشرعُ لهُ الطوافُ فإنهُ تحيتهُ، أو لأنهُ في الأغلبِ لا يقعدُ إلَّا بعدَ صلاةِ ركعتي الطوافِ، وأما صلاتُها قبلَ صلاةِ العيدِ فإنْ كانتْ صلاةُ العيدِ في جبَّانةٍ غيرِ مسبَلةٍ فلا يشرعُ لها التحيةُ مطلقًا، وإنْ كانت في مسجدٍ فتشرعُ، وأما كونهُ - ﷺ - لما خرجَ إلى صلاتهِ لم يصلِّ قبلَها شيئًا فذلكَ لأنهُ حالَ قدومهِ اشتغل بالدخولِ في صلاةِ العيدِ، ولأنهُ كانَ يصلِّيها في الجبانةِ ولم يصلِّها إلّا مرةً واحدةً في مسجدهِ - ﷺ -، فلا دليلَ [فيهِ] (^٧) على أنَّها لا تشرعُ لغيرهِ ولو كانت [صلاة] (٧) العيد في مسجدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-533>ما يقرأ في الجمعة والعيدين</span>\n١٣/ ٤٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ\n_________\n(^١) في (أ): \"الإجماع\".\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٨٥ رقم ٥١١)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) (٣/ ١٦٥ رقم ١٨٣٠) إسناده حسن.\n(^٤) في (أ): \"فقال\".\n(^٥) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٨٤).\n(^٦) (٦/ ٦١).\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"3","page":143},{"text":"الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يقرأ في صلاةِ الجمعةِ سورةَ الجمعةِ) في الأولى (والمنافقينَ) في الثانية [أي] (^٢): بعدَ الفاتحةِ فيهما لما علمَ من غيرهِ (رواهُ مسلمٌ)، وإنَّما خصَّهما بهما لما في سورةِ الجمعةِ منَ الحثِّ على حضورِها والسعي إليها وبيانِ فضيلةِ بعثتهِ - ﷺ -، [وذكرِ الأربعِ الحكمِ في بعثته - ﷺ - وهي: يتلو عليهم آياتهِ، ويزكّيهمْ، ويعلمُهمُ الكتابَ، والحكمة] (^٣)، والحثِّ على ذكر الله، ولما في سورةِ المنافقينَ مِنْ توبيخِ أهلِ النفاقِ وحثِّهم على التوبةِ، ودعائِهم إلى طلبِ الاستغفارِ منْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ولأنَّ المنافقين يكثرُ اجتماعُهم في صلاتِها، ولما في آخرِها منَ الوعظِ والحثِّ على الصدقةِ.\n١٤/ ٤٢٧ - وَلَهُ (^٤) عَنِ النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةَ. [صحيح]\n(ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن النعمانِ بن بشيرٍ - ﵁ - كانَ يقرأ) أي: رسولُ اللَّهِ - ﷺ - (في العيدينِ) الفطرِ والأضْحَى أي: في صلاتِهما، (وفي الجمعةِ) أي: في صلاتِها (بسبِّحِ اسمَ ربك الأعلى) أي: في الركعةِ الأُولى بعدَ الفاتحةِ، (وهل أتاكَ حديث الغاشيةِ) أي: في الثانيةِ بعدَها، [وكأنهُ كانَ] (^٥) يقرأُ ما ذكرُه ابنُ عباسٍ تارةً وما ذكرهُ النعمانُ تارةً، وفي سورةِ سبِّحْ والغاشيةِ منَ التذكيرِ بأحوالِ الآخرةِ والوعدِ والوعيدِ ما يناسبُ قراءتَهما في تلكَ الصلاةِ الجامعةِ، وقد وردَ في العيدينِ أنهُ كانَ يقرأ بـ \"ق\" و\"اقتربتْ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-534>الاكتفاءُ بالعيد عن الجمعة إذا اجتمعا</span>\n١٥/ ٤٢٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الْعِيدَ، ثُمَّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٩ رقم ٨٧٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أي: لمسلم في \"صحيحه\" (٨٧٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١١٢٢)، والترمذي (٥٣٣)، والنسائي (٣/ ١١٢ رقم ١٤٢٤) وغيرهم.\n(^٥) في (أ): \"وكان\".","vol":"3","page":144},{"text":"رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَال: \"مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَة (^٢). [صحيح بشواهده]\n(وعن زيدِ بن أرقمَ - ﵁ - قالَ: صلَّى النبيُّ - ﷺ - العيدَ) في يوم جُمُعَةٍ، (ثمَّ رخَّصَ في الجمعةِ) أي: في صلاتِها (ثمَّ قالَ: من شاءَ أنْ يصلِّي) أي: الجمعة (فليصلِّ) هذا بيانٌ لقولهِ رخصَ، وإعلامٌ بأنهُ كانَ الترخيصُ بهذا اللفظِ، (رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيِّ)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ.\nوأخرجَ أيضًا أبو داودَ (^٣) من حديثِ أبي هريرةَ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"قد اجتمعَ في يومِكم هذا عيدانِ فمن شاءَ أجزأهُ عن الجمعةِ وإنَّا مُجمعونَ\"، وأخرجهُ ابنُ ماجَهْ (^٤)، والحاكمُ (^٥) من حديثِ أبي صالحٍ، وفي إسنادهِ بقيةٌ (^٦)، وصحَّحَ الدارقطنيُّ وغيرُه إرسالَه، وفي الباب عن ابن الزبيرِ (^٧) من حديثِ عطاءٍ: \"أنهُ تركَ ذلكَ، وأنهُ سُئِلَ ابنُ عباسٍ فقالَ: أَصابَ السنةَ\".\nوالحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ الجمعةِ بعدَ صلاةِ العيدِ تصيرُ رخصةً يجوزُ فعلُها وتركها، [وهوَ] (^٨) خاصٌّ بمنْ صلَّى العيدَ دونَ مَنْ لم يصلَّها، وإلى هذا ذهبَ الهادي وجماعة إلَّا في حقِّ الإمامِ وثلاثةٍ معَه، وذهبَ الشافعيُّ وجماعة إلى أنَّها لا تصيرُ رخصةً مستدلّينَ بأنَّ دليلَ وجوبَها عامٌّ لجميعِ الأيامِ (^٩)، وما ذكرَ منَ\n_________\n(^١) وهم أحمد (٤/ ٣٧٢)، وأبو داود (١٠٧٠)، وابن ماجه (١٣١٠)، والنسائي (٣/ ١٩٤ رقم ١٥٩١).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٢٨٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٥٩ رقم ١٤٦٤) بإسناد ضعيف.\nقلت: وصحَّحه علي بن المديني كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٨٨).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بشواهده.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٦٤٧ رقم ١٠٧٣).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤١٦ رقم ١٣١١).\n(^٥) في \"المستدرك (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n(^٦) بقية بن الوليد صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، \"التقريب\" (١/ ١٠٥ رقم ١٠٨).\n(^٧) أخرجه أبو داود (١٠٧١)، والنسائي (٣/ ١٩٤ رقم ١٥٩٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٨) في (أ): \"وهذا\".\n(^٩) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٨٢ - ٢٨٣)، و\"الفقه الإسلامي وأدلّته) (٢/ ٢٧٠ - ١، ٢)، =","vol":"3","page":145},{"text":"الأحاديثِ والآثارِ لا يقوى على تخصيصِها لما في أسانيدِها منَ المقالِ.\nقلت: حديثُ زيدِ بن أرقمٍ قد صحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، ولم يطعنْ غيرُه فيهِ، فهوَ يصلحُ للتخصيصِ، فإنهُ يُخَصُّ العامُّ بالآحادِ، وذهبَ عطاءُ إلى أنهُ يسقطُ فرضُها عن الجميعِ لظاهرِ قولهِ: \"من شاءَ أنْ يصلِّي فليصلِّ\"، ولفعلِ ابن الزبيرِ، فإنهُ صلَّى بهم في يومِ عيدٍ صلاةَ العيدِ يومَ الجمعةِ، قالَ عطاءٌ: ثمَّ جئْنا إلى الجمعةِ فلمْ يخرجْ إلينا فصلَّيْنَا وُحْدَانًا، قالَ: وكانَ ابنُ عباسٍ في الطائفِ، فلمَّا قدمَ ذكرَنا لَهُ ذلكَ، فقالَ: أصابَ السنةَ، وعندهُ أيضًا أنه يسقطُ فرضُ الظهرِ، ولا يصلِّي إلّا العصرَ. وأخرجَ أبو داودَ (^١) عن ابن الزبيرِ: \"أنهُ قالَ: عيدانِ اجتمعا في يومٍ واحدٍ فجمعَهما فصلاهُما ركعتينِ بكرةً لم يزدْ عليهما حتى صلَّى العصرَ\"، وعلى القولِ بأنَّ الجمعةَ (الأصل) (^٢) في يومِها، والظهرُ بدلٌ فهوَ يقتضي صحةَ هذا القولِ لأنهُ إذا سقطَ وجوبُ الأصلِ معَ إمكانِ أدائِه سقطَ البدلُ.\nوظاهرُ الحديثِ أيضًا حيثُ رخّصَ لهم في الجمعةِ، ولم يأمرهم بصلاةِ الظهرِ معَ تقديرِ إسقاطِ الجمعةِ للظهرِ يدلُّ على ذلكَ كما قالهُ الشارحُ، وأيَّدَ الشارحُ مذهبَ ابن الزبيرِ.\nقلت: [و] (^٣) لا يَخْفَى أن عطاءً أخبرَ أنهُ لم يخرجِ ابنُ الزبيرِ لصلاةِ الجمعةِ، وليسَ ذلكَ بنصٍّ قاطعٍ أنهُ لم يصل الظهرَ في منزلهِ، فالجزمُ بأنَّ مذهبَ ابن الزبيرِ سقوطُ صلاةِ الظهرِ في يومِ [الجمعةِ] (^٤) يكونُ عيدًا على مَنْ صلَّى صلاةَ العيدِ لهذهِ الروايةِ غيرُ صحيحٍ لاحتمالِ أنهُ صلَّى الظهرَ في منزلهِ، بلْ [في] (^٥) قولِ عطاءٍ: إنَّهم صلَّوا وُحْدانًا - أي: الظهرَ - ما يشعرُ بأنهُ لا قائلَ بسقوطهِ، ولا يقالُ: إنَّ مرادَه صلَّوا الجمعةَ وحدانًا، فإنَّها لا تصحُّ إلا جماعةً إجماعًا، ثمَّ القولُ بأنَّ الأصلَ في يومِ الجمعةِ صلاةُ الجمعةِ، والظهرُ بدلٌ عنها قولٌ مرجوحٌ، بلِ الظهرُ هوَ الفرضُ الأصليُّ المفروضُ ليلةَ الإسراءِ، والجمعةُ متأخرٌ فرضُها، ثمَّ إذا فاتتْ وجبَ [صلاة] (٥)\n_________\n= و\"المجموع شرح المهذب\" (٤/ ٤٩٢).\n(^١) (١/ ٦٤٧ رقم ١٠٧٢).\n(^٢) في (أ): \"أصل\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"جمعة\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"3","page":146},{"text":"الظهرِ إجماعًا، فهيَ البدلُ عنهُ، وقد حقَّقناهُ في رسالةٍ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-535>التنفل بعد الجمعة</span>\n١٦/ ٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَها أَرْبَعًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: إذا صلَّى أحدُكُم الجمعةَ فليصلِّ بعدَها أربعًا. رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ دليلٌ على شرعيةِ أربعِ ركعاتٍ بعدَ الجمعةِ، والأمرُ بها وإنْ كانَ ظاهرُه الوجوبَ إلَّا أنهُ أخرجهُ عنهُ ما وقعَ في لفظهِ من روايةِ ابن الصباحِ: \"مَنْ كانَ مُصَلِّيًا بعدَ الجمعةِ فليصلِّ أربعًا\"، أخرجهُ مسلمٌ (^٣)، فدلَّ على أن ذلكَ ليسَ بواجبٍ، والأربعُ أفضلُ منَ الاثنتينِ لوقوعِ الأمرِ بذلكَ، وكثرةِ فعلهِ لها - ﷺ -، قالَ في الهَدي النبوي (^٤): \"وكانَ - ﷺ - إذا صلَّى الجمعةَ دخلَ منزلَه [وصلَّى] (^٥) ركعتينِ سنتَها، وأمرَ مَنْ صلَّاها أنْ يصلِّي بعدَها أربعًا\"، قالَ شيخُنا ابنُ تيميةَ: إنْ صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإنْ صلَّى في بيتهِ صلَّى ركعتينِ.\nقلت: وعلى هذا تدلُّ الأحاديثُ، وقد ذكرَ أبو داودَ (^٦) عن ابن عمرَ \"أنهُ كانَ إذا صلَّى في المسجدِ صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في بيتهِ صلَّى [ركعتين] (^٧) \"، وفي الصحيحينِ (^٨) عن ابن عمرَ أنهُ - ﷺ - كانَ يصلِّي بعدَ الجمعةِ ركعتينِ في بيتهِ.\n_________\n(^١) وهي: \"اللمعة في تحقيق شرائط الجمعة\" في جامع ٩ مجاميع.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠٠ رقم ٦٧/ ٨٨١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١١٣١)، والترمذي (٥٢٣)، وابن ماجه (١١٣٢)، والنسائي (١٣/ ١١٣ رقم ١٤٢٦)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٤٩ و٤٤٣ و٤٩٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠٠ رقم ٦٩/ ٨٨١).\n(^٤) (١/ ٤٤٠).\n(^٥) في (أ): \"فصلى\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٦٧٣ رقم ١١٣٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في المخطوط \"اثنتين والتصويب من \"السنن\" ومن (ب).\n(^٨) البخاري (٩٣٧)، ومسلم (٢/ ٦٠٠ رقم ٨٨٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١١٣٢)، والترمذي رقم (٥٢١)، والنسائي (٣/ ١١٣).","vol":"3","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-536>يفصلُ بين الفرض والتنفل بكلامٍ ونحوه</span>\n١٧/ ٤٣٠ - وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - ﵁ - أَنَّ مُعَاوِيةَ - ﵁ - قَالَ لَهُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَنَا بِذلِكَ: \"أَنْ لَا توصل صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-537>ترجمة السائب بن يزيد</span>\n(وعنِ السائبِ بن يزيدَ - ﵁) (^٢) هو: أبو يزيدَ السائبُ بنُ يزيدَ الكندي في الأشهرِ، وُلد في الثانية منَ الهجرةِ، وحضرَ حجةَ الوداعِ معَ أبيهِ وهوَ ابنُ سبع سنينَ (أن معاويةَ قال: إذا صليتَ الجمعة فلا تَصِلْها) بفتحِ حرفِ المضارعةِ [منِ] (^٣) الوصلِ (بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ) أي: منَ المسجدِ؛ (فإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أمرَنَا بذلكَ أنْ لا نوصلَ صلاةً بصلاةٍ حتَّى نتكلم أو نخرجَ). أن وما [بعده] (^٤): بدلٌ أو عطفُ بيانٍ من ذلكَ (رواهُ مسلمٌ).\nفيهِ مشروعيةُ فصلِ النافلةِ عن الفريضةِ وأنْ لا توصلَ بها، وظاهرُ النهي التحريمُ، وليسَ خاصًّا بصلاةِ الجمعةِ لأنهُ استدلَّ الراوي على تخصيصهِ بذكرِ صلاةِ الجمعةِ بحديثٍ يعمُّها وغيرَها. قيلَ: والحكمةُ في ذلكَ لئلَّا يشتبهَ الفرضُ بالنافلةِ، وقد وردَ أن ذلكَ هَلَكَةٌ.\nوقد ذكرَ العلماءُ أنهُ يستحبُّ التحوُّلُ للنافلةِ من موضعِ الفريضةِ، والأفضلُ أن يتحوَّلَ إلى بيتهِ، فإنَّ فِعْلَ النوافلِ في البيوتِ أفضلُ، وإلَّا فإلى موضعٍ في المسجدِ أو غيرِه، وفيهِ تكثيرٌ لمواضعِ السجودِ، وقد أخرجَ أبو داودَ (^٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"أيعجزُ أحدُكم أنْ يتقدَّمَ أو يتأخرَ، أو عن يمينهِ أو عنْ شمالهِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠١ رقم ٨٨٣).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٥٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٣٩١)، و\"الإصابة\" (٢/ ١٢)، و\"مشاهير علماء الأمصار\" (ت ١٤١).\n(^٣) في (ب): \"عن\".\n(^٤) في (أ): \"بعدها\".\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٦١١ رقم ١٠٠٦)، وهو حديث صحيح.","vol":"3","page":148},{"text":"في الصلاة، يعني السُّبْحَةَ\"، ولمْ يضعِّفْه أبو داودَ، وقالَ البخاريُّ في صحيحهِ (^١): ويُذْكَرُ عنْ أبي هريرةَ رفعُه: \"لا يتطوعُ الإمامُ في مكانهِ\"، ولم يصحَّ (^٢) [النهيُ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-538>فضل الاغتسال والتطيب والإنصات يوم الجمعة</span>\n١٨/ ٤٣١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ الْجُمُعَةِ الأخرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنِ اغتسلَ) أي: للجمعة؛ لحديثِ: \"إذا أتَى أحدُكُم الجمعةَ فليغتسلْ\" (^٥)، أو مطلقًا (ثمَّ أتى الجمعةَ) أي: الموضعَ الذي تقامُ فيهِ كما يدلُّ لهُ قولُهُ: (فصلَّي) منَ النوافلِ (ما قُدِّرَ لهُ، ثم أنصتَ حتَّى يفرغَ الإمامُ من خطبتهِ، ثمَّ [يصلِّي] (^٦) معهُ، غُفِرَ لهُ ما بينَه وبينَ الجمعةِ الأخرى وفضلُ) أي: زيادةُ (ثلاثةِ أيامٍ. رواهُ مسلمٌ).\nفيه دلالةٌ على أنهُ لا بدَّ في إحرازهِ لما ذكرَ منَ الأجرِ منَ الاغتسالِ إلَّا أن في روايةٍ لمسلمٍ (^٧): \"مَنْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثمَّ أتى الجمعةَ\"، وفي هذهِ الروايةِ بيانُ أن غسلَ الجمعةِ ليسَ بواجبٍ، وأنهُ [لا بدَّ من النافلةِ] (^٨) حسبَما\n_________\n(^١) (٢/ ٣٣٤ رقم ٨٤٨).\n(^٢) قال ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ٣٣٥): \"وهو كلام البخاري، وذلك لضعف إسناده واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في تاريخه، وقال: لم يثبت هذا الحديث\" اهـ.\n(^٣) في (أ): \"انتهى\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٧ رقم ٢٦/ ٨٥٧).\n(^٥) أخرجه البخاري (٨٨٢)، ومسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٨٤٥)، وأبو داود (٣٤٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٦) في (أ): \"صلى\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٨ رقم ٢٧/ ٨٥٧).\n(^٨) في (أ): \"يصلي نافلة\".","vol":"3","page":149},{"text":"يمكنهُ فإنهُ لم يقدِّرْها بحدٍّ فيتمُّ لهُ هذا الأجرُ، ولو اقتصرَ على تحيةِ المسجدِ، وقولهُ: \"أنصتْ\" من الإنصاتِ وهو السكوتُ وهو غيرُ الاستماعِ إذْ هوَ الإصغاءُ لسماعِ الشيءِ، ولذَا قالَ تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (^١)، وتقدمَ الكلامُ على الإنصاتِ هل يجبُ أوْ لَا.\nوفيهِ دلالةٌ على أنَّ النهيَ عن الكلامِ إنَّما هوَ حالَ الخطبةِ لا بعدَ الفراغِ منها، ولو قبلَ الصلاةِ، فإنهُ لا نهيَ عنهُ كما دلتْ عليهِ \"حتَّى\"، وقولُهُ: \"غفرَ لهُ ما بينَه وبينَ الجمعةِ\" أي: ما بينَ صلاتِها وخطبتِها إلى مثل ذلكَ الوقتِ من الجمعةِ الثانيةِ، حتَّى يكونَ سبعةُ أيامٍ بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ، أي: غفرتْ لهُ الخطايا الكائنةُ فيما بينَهما، وفضلُ ثلاثةِ أيامٍ، وغفرتْ لهُ ذنوبُ ثلاثةِ أيامٍ معَ السبعِ حتَّى تكونَ عشرةً. وهلِ المغفورُ الصغائر والكبائرُ؟ الجمهورُ على [الصغائر] (^٢) وأنَّ الكبائرَ [لا يغفرُها] (^٣) إلَّا التوبةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-539>إجابة الدعاء في ساعة الجمعة</span>\n١٩/ ٤٣٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: \"فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْد مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ ﷿ شَيئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ\" وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٥): \"وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ\".\n(وعنه) أي: أبي هريرةَ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - ذكرَ يومَ الجمعةِ فقالَ: فيهِ ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ) جملةٌ حاليةٌ، أو صفةُ العبدِ، والواوُ لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ (يصلِّي) حالٌ ثانيةٌ (يسألُ اللَّهَ تعالى) حالٌ [ثالثةٌ] (^٦) (شيئًا إلَّا أعطاهُ إياهُ، وأشارَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (بيدهِ يقلِّلُها) [حال رابعة أي] (^٧): يحقرُ وقتها (متفقٌ عليه، وفي روايةٍ لمسلمٍ: [وهي] ساعةٌ خفيفةٌ) هوَ الذي أفادهُ لفظُ يقلِّلُها في الأُولى،\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤.\n(^٢) في (ب): \"الآخر\".\n(^٣) في (أ): \"لا يكفرها\".\n(^٤) البخاري (٩٣٥)، ومسلم (١٣/ ٨٥٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٤ رقم ١٥/ ٨٥٢).\n(^٦) في (ب): \"ثالث\".\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"3","page":150},{"text":"وفيهِ إبهامُ الساعةِ، ويأتي تعيينُها. ومعنى \"قائمٌ\" أي: مقيمٌ لها متلبِّسٌ بأركانها لا بمعنَى: حال القيامِ فقط، وهذهِ الجملةُ ثابتةٌ في روايةِ جماعةٍ منَ الحفاظِ، [وأسقطتْ] (^١) في روايةِ آخرينَ.\nوحُكِيَ عن بعضِ العلماءِ أنهُ كانَ يأمرُ بحذفِها منَ الحديثِ، وكأنهُ استشكل الصلاةَ؛ إذْ وقتُ تلكَ الساعةِ إذا [كانَ] (^٢) من بعدِ العصرِ فهوَ وقتُ كراهةٍ للصلاةِ، وكذا إذا كانَ من حالِ جلوسِ الخطيبِ على المنبرِ إلى انصرافهِ. وقد تأولت هذهِ الجملةَ بأنَّ المرادَ: منتظرًا [للصلاةِ] (^٣)، والمنتظرُ للصلاةِ في صلاةٍ كما ثبتَ في الحديثِ (^٤).\nوإنَّما قلنا: إنَّ المشيرَ بيدهِ هوَ النبي - ﷺ - لما في رواية مالكٍ (^٥): \"فأشارَ النبي - ﷺ -\"، وقيلَ: المشيرُ بعضُ الرواةِ، وأما كيفيةُ الإشارة فهوَ أنهُ وضعَ أنملتَهُ على بطنِ الوسطى والخنصر يبيِّنُ قلَّتَها، وقد أطلقَ السؤال هنا وقيّدَه في غيرهِ كما عند ابن ماجَهْ (^٦): \"ما لم يسألِ اللَّهَ إثمًا\"، وعندَ أحمدَ (^٧): \"ما لم يسألْ إثمًا أو قطيعةَ رحمٍ\".\n٢٠/ ٤٣٣ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"هِيَ مَا بَينَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٨)، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْني أنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ. [موقوف]\n_________\n(^١) في (أ): \"وسقطت\".\n(^٢) في (أ): \"كانت\".\n(^٣) في (ب): الصلاة.\n(^٤) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٦٥٩)، ومسلم (٢٧٥/ ٦٤٩) عن أبي هريرة ﵁ أن رسولَ الله - ﷺ - قال: \"الملائكة تُصلِّي على أحدكم ما دامَ في مُصلَّاهُ ما لم يُحْدِثْ: اللَّهمّ اغفر له، اللَّهمّ ارحمهُ، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما دامتِ الصلاةُ تحبسُهُ، لا يمنعُه أن ينقلبَ إلى أهلهِ إلَّا الصلاةُ\".\n(^٥) في \"الموطأ\" (١/ ١٠٨ رقم ١٥).\n(^٦) من حديث أبي لبابة.\n(^٧) في \"المسند\" (٥/ ٢٨٤) من حديث سعد بن عبادة بسند رجاله ثقات.\n(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٨٤ رقم ١٦/ ٨٥٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٠٤٩)، وابن خزيمة (٣/ ١٢٠ رقم ١٧٣٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٠).\nوقال الألباني في تحقيق \"مشكاة المصابيح\" (١/ ٤٢٨ رقم التعليقة ٢): \"وقد أعلّ =","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type='title' id=toc-540>ترجمة أبي بردة</span>\n(وعن أبي بردةَ) بضمِّ الموحدة، وسكونِ الراءِ، ودالٍ مهملةٍ هوَ: عامرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن قيسٍ، وعبدُ اللَّهِ هوَ أبو موسى الأشعريُّ، وأبو بردةَ منَ التابعينَ المشهورينَ سمعَ أباهُ، وعليًا - ﵇ - وابنَ عمرَ وغيرَهم (عن أبيهِ) أبي موسى الأشعريِّ (قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: هيَ) أي: ساعةُ الجمعةِ (ما بينَ أنْ يجلسَ الإمامُ) أي: على المنبرِ (إلى أن تُقْضَى الصلاةُ. رواهُ مسلمٌ، ورجَّحَ الدارقطنيُّ أنهُ من قولِ أبي بردةَ).\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في هذهِ الساعةِ، وذكرَ المصنفُ في فتح الباري (^١) عن العلماءِ ثلاثةً وأربعينَ قولًا، وسيشيرُ إليها، وسردَها الشارحُ ﵀ في الشرح، وهذا المرويُّ عن أبي موسى أحدُها، ورجَّحهُ مسلمٌ على ما رَوَى عنهُ البيهقيُّ (^٢). وقالَ: هو أجودُ شيءٍ في هذا الباب وأصحُّهُ، وقالَ بهِ البيهقيُّ، وابن العربيِّ، وجماعةٌ، وقالَ القرطبي: هو نصٌّ في موضعِ الخلافِ فلا يلتفت إلى غيرهِ، وقالَ النوويُّ (^٣): هوَ الصحيحُ بل الصوابُ، قالَ المصنفُ: وليسَ المرادُ أنَّها تستوعبُ جميعَ الوقتِ الذي عيَّنَ، بل تكونُ في أثنائِه لقولِه: \"يقلِّلُها\" وقولُه: \"خفيفةٌ\".\nوفائدةُ ذكرِ الوقتِ أنَّها تنتقلُ فيهِ فيكونَ ابتداءُ مَظَنَّتِهَا ابتداءَ الخطبةِ مثلًا، وانتهاؤُها انتهاءَ الصلاةِ، وأما قولُه: إنه رجحَ الدارقطنيُّ أن الحديثَ من قولِ أبي بردةَ فقدْ يجابُ عنهُ بأنهُ لا يكونُ إلَّا مرفوعًا، فإنهُ لا مسرحَ للاجتهادِ في تعيينِ أوقاتِ العباداتِ، ويأتي ما أعلُّهُ به الدارقطنيُّ قريبًا.\n\n٢١ و٢٢/ ٤٣٤ و٤٣٥ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (^٤). [إسناده صحيح]\n_________\n= بالوقف، وسائر الأحاديث تخالفه، فانظر: (١٣٥٩، ١٣٦٠، ١٣٦٥). وقد أشار إلى هذا الإمام أحمد بقوله: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر، وترجى بعد زوال الشمس، ذكره الترمذي في \"السنن\" (٢/ ٣٦١)، ومن شاء التفصيل حول الحديث فليراجع \"فتح الباري\" (٢/ ٤١٦ - ٤٢٢) \"اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والمحفوظ أنه موقوف.\n(^١) (٢/ ٤١٦ - ٤٢١).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٠).\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٣٦٠ رقم ١١٣٩).=","vol":"3","page":152},{"text":"وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِيِّ (^٢): \"أَنَّهَا مَما بَينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشمْسِ\". [صحيح]\nوَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتُهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-541>ترجمة عبد الله بن سلام</span>\n(وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ) (^٤) هوَ أبو يوسفَ بنُ سلامٍ، من بني قينقاعَ، إسرائيليٌّ من [ذريةِ] (^٥) يوسفَ بن يعقوبَ ﵇ وهوَ أحدُ الأحبارِ وأحدُ مَنْ شهدَ لهُ النبي - ﷺ - بالجنةِ، رَوَى عنهُ ابناهُ يوسفُ ومحمدٌ، وأنسُ بنُ مالكٍ، وغيرُهم، ماتَ بالمدينةِ سنةَ ثلاثٍ وأربعينَ، وسلامٌ بتخفيفِ اللامِ، قالَ المبرِّدُ: لم يكنْ في العربِ سلامٌ [بالتخفيفِ] (^٦) غيرُهُ (عندَ ابن ماجهْ) لفظُهُ فيهِ: عن عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ قال: قلتُ: - ورسولُ اللَّهِ - ﷺ - جالسٌ - إنَّا لنجدُ في كتاب اللَّهِ - يعني التوراة -: في الجمعةِ ساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ يصلِّي يسألُ اللَّهَ ﷿ [فيها] (٧) شيئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ لهُ حاجتَه.\nقالَ عبدُ اللَّهِ: فأشارَ - أي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أو بعضَ ساعةٍ، قلتُ: صدقتَ يا رسولَ اللَّهِ: أو بعضَ ساعةٍ، قلتُ: أي ساعةٍ هي؟ قالَ: \" [هيَ] (^٧) آخرُ ساعةٍ من ساعاتِ النهارِ\"، قلتُ: إنها ليستْ ساعةَ صلاةٍ، قالَ: \"إنَّ العبد المؤمنَ إذا صلَّى ثمَّ جلسَ لا يُجْلِسُهُ إلَّا الصلاةُ فهوَ في صلاةٍ\" (^٨)، انتهَى.\n_________\n= وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٣٨٠ رقم ١١٣٩/ ٤٠٦): \"هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات على شرط الصحيح … \".\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٣٦ رقم ١٠٤٨).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٩٩ رقم ١٣٨٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) (٢/ ٤١٦ - ٤٢١).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢١٩)، و\"الإصابة\" (٦/ ١٠٨)، و\"الاستيعاب\" (٦/ ٢٢٨).\n(^٥) في (ب): \"ولِد\".\n(^٦) في (أ): \"بتخفيف اللام\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١/ ٤٦٠ رقم ٢٧٥/ ٦٦١).\nعن أبي هريرة، أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"لا يزالُ أحدُكُمْ في صلاةٍ ما دامت الصلاةُ =","vol":"3","page":153},{"text":"(وعن جابرِ بن عبدِ الله، عند أبي داودَ والنسائي: أنَّها ما بينَ صلاةِ العصرِ [و] (^١) غروبِ الشمس) فقولُه: \"أنَّها\" بفتحِ الهمزةِ مبتدأٌ خبرُه ما تقدمَ من قولهِ: \"وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ: إلى آخرهِ\"، ورجَّحَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذا القولَ. رواهُ عنهُ الترمذيُّ (^٢)، وقالَ أحمدُ: أكثرُ الأحاديثِ على ذلكَ، وقالَ ابنُ عبدَ البرِّ: هوَ أثبتُ شيءٍ في هذا البابِ، روى سعيدُ بنُ منصورٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن: \"أن ناسًا منَ الصحابةِ اجتمعُوا فتذاكرُوا ساعةَ الجمعةِ، ثمَّ افترقُوا ولم يختلفُوا أنَّها آخرُ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ\". ورجَّحهُ إسحاقُ وغيرهُ، وحكى أنهُ نصٌّ للشافعي.\nوقدِ استشكلَ هذا فإنهُ ترجيحٌ لغيرِ ما في الصحيحِ على ما فيهِ، والمعروفُ من علومِ الحديثِ وغيرِها أن ما في الصحيحينِ، أوْ [في] (^٣) أحدِهما مقدَّم على غيرِه، والجوابُ أن ذلكَ حيثُ لم يكنْ حديثُ الصحيحينِ أوْ أحدِهما مما انتقدَهُ الحفاط، كحديثِ أبي موسى هذَا الذي في مسلمٍ (^٤)؛ فإنهُ قد أُعِلَّ بالانقطاعِ والاضطرابِ: أمَّا الأولُ: فلأنهُ من روايةِ مخرمةَ بن بكيرٍ، وقد صرَّحَ أنهُ لم يسمعْ من أبيهِ، فليسَ على شرطِ مسلمٍ. وأمّا الثاني: فلأنَّ أهلَ الكوفةِ أخرجوهُ عن أبي بردةَ غير مرفوعٍ، وأبو بردةَ كوفيٌّ، وأهلُ [بلدتهِ] (^٥) أعلمُ بحديثهِ من بكيرٍ، فلوْ كانَ مرفوعًا عندَ أبي بردةَ لم يقفوهُ عليهِ، ولهذا جزمَ الدارقطنيُّ بأنَّ الموقوفَ هو الصوابُ.\nوجمعَ ابنُ القيمِ (^٦) بينَ حديثِ أبي موسى وابنِ سلامٍ بانَّ الساعةَ تنحصرُ في أحدِ الوقتينِ، وسبقهُ إلى هذا أحمدُ بنُ حنبلٍ.\n(وقد اختُلِفَ فيها على أكثر منْ أربعينَ قولًا أمليتُها في شرحِ البخاريِّ). تقدَّمتِ الإشارةُ إلى هذا، قالَ الخطابيُّ: اختُلِفَ فيها على قولينِ. فقيلَ: \"قد\n_________\n= تحبِسُهُ، لا يمنعُهُ أن ينقلبَ إلى أهلهِ إلا الصَّلاةُ\"، ولم أعثر عليه بلفظ الكتاب.\n(^١) في (أ): \"إلى\".\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٦١).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) تقدم رقم (٢٠/ ٤٣٣).\n(^٥) في (أ): \"بلده\".\n(^٦) في \"زاد المعاد\" (١/ ٣٩٤).","vol":"3","page":154},{"text":"رفعتْ\" وهو محكيٌّ عن بعضِ الصحابةِ، وقيلَ: \"هي باقيةٌ\" [و] (^١) اختلفَ في تعيينها، ثمَّ سردَ الأقوالَ لم يبلغْ بها ما بلغَ بها المصنفُ من العددِ، وقدِ اقتصرَ المصنفُ ههنا على قولينِ كأنَّهما الأرجحُ عندَهُ دليلًا. وفي الحديث بيانُ فضيلةِ الجمعةِ لاختصاصِها بهذهِ الساعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-542>لا يثبت في العدد حديث</span>\n٢٣/ ٤٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعن جابرٍ - ﵁ -) هوَ ابنُ عبدِ اللَّهِ ([قال] (^٣): مضتِ السُّنَّةُ أن في كلِّ أربعينَ فصاعدًا جمعةٌ. رواهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وذلكَ أنهُ من روايةِ عبدِ العزيزِ بن عبدِ الرحمنِ، وعبدُ العزيز قالَ فيهِ أحمدُ (^٤): اضربْ على أحاديثهِ فإنَّها كذبٌ أو موضوعةٌ. وقالَ النسائيُّ (^٥): ليسَ بثقةِ، وقال الدارقطنيُّ (^٦): منكرُ الحديثِ، وقالَ ابنُ حبانَ (^٧): لا يجوزُ أن يحتجَّ بهِ، وفي البابِ أحاديثُ لا أصلَ لها، وقالَ عبدُ الحقّ: لا يثبتُ في العددِ حديثٌ.\nوقد اختلفَ العلماءُ في النصابِ [الذين بهم تقومُ] (^٨) الجمعةُ: فذهبَ إلى وجوبها على الأربعينَ لا على مَنْ دونهم: عمرُ بنُ عبد العزيزِ، والشافعيُّ، وفي كونِ الإمامِ أحدَهم وجهانِ عندَ الشافعيةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ، والمؤيدُ باللَّهِ، وأبو طالبٍ إلى أنَّها تنعقدُ بثلاثةٍ معَ الإمامِ (^٩)، وهوَ أقلُّ عددٍ تنعقدُ بهِ، فلا تجبُ إذا لم يتمَّ هذا القدرُ مستدلّينَ بقولهِ تعالى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ (^١٠)، قالُوا: والخطابُ للجماعةِ بعدَ النداءِ للجمعةِ، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فدلَّ على وجوبِ السعي على الجماعةِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣ - ٤ رقم ١).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) نفله ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٢٧).\n(^٥) في كتابه \"الضعفاء والمتروكين\" (ص ١٦٨ رقم ٤١٥).\n(^٦) انظر: \"الضعفاء والمتروكين\" له (ص ١٧٤ رقم ٣٥١).\n(^٧) في \"المجروحين\" (٢/ ١٣٨).\n(^٨) في (أ): \"الذي تقوم بهم\".\n(^٩) انظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٣/ ٢٣٠ - ٢٣٤).\n(^١٠) سورة الجمعة: الآية ٩.","vol":"3","page":155},{"text":"للجمعةِ بعدَ النداءِ لها، والنداءُ لا بدَّ لهُ من منادٍ فكانُوا ثلاثةً معَ الإمامِ، ولا دليلَ على اشتراطِ ما زادَ على ذلكَ، واعتُرِضَ بأنهُ لا يلزمُ من خطابِ الجماعةِ فعلُهم [لها] (^١) مجتمعينَ، وقد صرحَ في البحرِ (^٢) بهذا، واعترضَ بهِ أهلَ المذهب لما استدلُّوا بهِ للمذهبِ، ونقضَهُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٣) ﴿وَجَاهِدُوا﴾ (^٤)، فإنهُ لا يلزمُ إيتاءُ الزكاةِ في جماعةٍ.\nقلت: والحقُّ أن شرطيةَ أي شيءٍ في أيِّ عبادةٍ لا يكونُ إلَّا عن دليلٍ، ولا دليلَ هنَا على تعيينِ عددٍ لا منَ الكتابِ ولا منَ السنّةِ، وإذْ قد علمَ أنَّها لا تكونُ صلاتُها إلَّا جماعة كما [قدْ] (^٥) وردَ بذلكَ حديثُ أَبي موسى عندَ ابن ماجَهْ (^٦)، وابنِ عديٍّ (^٧)، وحديثُ أَبي أمامةَ عندَ أحمدَ (^٨)، والطبراني (^٩)، والاثنانِ أقلُّ ما تتمُّ به الجماعةُ لحديثِ: \"الاثنانِ جماعةٌ\" (^١٠)، فتتمُّ بهم في الأظهرِ.\n_________\n(^١) في (أ): \"له\".\n(^٢) في \"البحر الزخار الجامع لمذهب علماء الأمصار\" (٢/ ١١ - ١٢).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٤٣.\n(^٤) سورة الحج: الآية ٧٨.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٣١٢ رقم ٩٧٢).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجَة\" (١/ ٣٣١ رقم ٣٥٢/ ٩٧٢): \"هذا إسناد ضعيف لضعف الربيع ووالده بدر بن عمرو … \" اهـ. وتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (٢/ ٢٤٨ رقم ٤٨٩) بقوله: \"بدر لم يضعفه أحد، وإنما علّته أنه لا يعرف، قال الذهبي: \"لا يدرى حاله، فيه جهالة\"، وقال الحافظ ابن حجر: \"مجهول\". قلت: ومثله عمرو بن جهاد جد الربيع، فالإسناد واهٍ جدًّا\" اهـ.\n(^٧) في \"الكامل\" (٣/ ٩٨٩).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤١٥) و(١١/ ٤٥ - ٤٦)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢٨٠ رقم ١). والخلاصة: فالحديث ضعيف.\n(^٨) في \"المسند\" (٥/ ٢٥٤، ٢٦٩).\nوفيه: عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد الألهاني ضعيفان.\n(^٩) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٤٥) وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني وله طرق كلها ضعيفة\" اهـ.\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف.\n(^١٠) انظر تخريجه فيما تقدم آنفًا.","vol":"3","page":156},{"text":"وقد سردَ الشارحُ الخلافَ والأقوالَ في كميةِ العددِ المعتبرِ في صلاةِ الجمعةِ فبلغتْ أربعةَ عشرَ قولًا، وذكرَ ما تشبَّثَ بهِ كلُّ قائلٍ من الدليلِ على ما ادّعاهُ بما لا ينهضُ حجةً على الشرطيةِ، ثمَّ قالَ: والذي نُقلَ من حالِ النبيِّ - ﷺ - أنهُ كانَ يصلِّيها في جمع كثيرٍ غيرِ موقوفٍ على عددِ يدلُّ على أن المعتبرَ هوَ الجمعُ الذي يحصلُ بهِ الشعارُ، ولا يكونُ إلَّا في كثرةٍ يغيظُ بها المنافقَ، ويكبتُ بها الجاحدَ، ويسرُّ بها المصدقَ، والآيةُ الكريمةُ دالّةٌ على الأمرِ بالجماعةِ، فلو وقفَ على أقلَّ ما دلّتْ عليهِ لم تنعقدْ (^١).\nقلتُ: قد كتبنا رسالةً في شروطِ الجمعةِ التي ذكروها ووسَّعنَا [فيها] (^٢) المقالَ والاستدلالَ، سمَّيْنَاهَا: اللمعةُ في تحقيقِ شرائطِ الجمعةِ (^٣).\n٢٤/ ٤٣٧ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. رَوَاهُ البَزَّارُ (^٤) بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ. [ضعيف]\n(وعن سمُرةَ بن جندبٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يستغفرُ للمؤمنينَ والمؤمناتِ كلَّ جمعةٍ. رواهُ البزارُ بإسنادٍ لينٍ).\nقلتُ: قالَ البزارُ: لا نعلمُه عن النبيّ - ﷺ - إلَّا بهذا الإسنادِ، وفي إسنادِ البزارُ يوسفُ بنُ خالدٍ البستي وهوَ ضعيفٌ، ورواهُ الطبرانيُّ في الكبيرِ إلَّا أنهُ بزيادةِ: \"والمسلمينَ والمسلماتِ\"، وفيهِ دليل على مشروعيةِ ذلكَ للخطيبِ، لأنَّها موضعُ الدعاءِ. وقدْ ذهبَ إلى وجوبِ دعاءِ الخطيبِ لنفسهِ وللمؤمنينَ والمؤمناتِ أَبو طالبٍ، والإمامُ يحيى، وكأنَّهم يقولونَ: إنَّ مواظبتَه - ﷺ - دليلُ الوجوبِ كما يفيدُه: \"كانَ يستغفرُ\"، وقالَ غيرُهم: يندبُ ولا يجبُ لعدمِ الدليلِ على الوَجوبِ، وقالَ الشارحُ: والأولُ أظهرُ.\n_________\n(^١) في المخطوط: لم تبعد، والأصح ما أثبتناه.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) مخطوط ضمن مجاميع (١) كما في \"فهرس المخطوطات\" (٣/ ١١٦٠).\n(^٤) في \"كشف الأستار\" (١/ ٣٠٧ رقم ٦٤١/ ١٢٨). قلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٢٦٤)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٩٠)، وقال: \"رواه البزار والطبراني في الكبير، وقال البزار: لا نعلمه عن النبيّ - ﷺ - إلا بهذا الإسناد، وفي إسناد البزار يوسف بن خالد البستي وهو ضعيف\" اهـ.","vol":"3","page":157},{"text":"<span data-type='title' id=toc-543>قراءة آيات من القرآن في الخطبة</span>\n٢٥/ ٤٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي الْخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (^٢). [حسن]\n(وعن جابرٍ بن سمُرةَ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ في الخطبةِ يقرأُ آيات منَ القرآنِ يذكرُ الناسَ. رواهُ أَبو داودَ، وأصلُهُ في مسلمٍ)، كأنهُ يريدُ ما تقدمَ من حديثِ أمِّ هشامٍ بنتِ حارثةَ (^٣) أنَّها قالتْ: \"ما أخذتُ قَ والقرآنِ المجيدِ إلَّا من لسانِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، يقرأُها كلَّ جمعةٍ على المنبر\"، ورَوَى الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٤) من حديثِ عليٍّ - ﵇ -: \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يقرأُ على المنبرِ قلْ يا أيّها الكافرونَ، وقلْ هوَ اللَّهُ أحدٌ\". وفيهِ رجلٌ مجهولٌ، وبقيةُ رجالِه موثقونَ، وأخرجَ الطبرانيُّ فيهِ أيضًا (^٥) من حديثِ جابرٍ: \"أنهُ خطبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فقرأ في خطبتهِ آخرَ الزُّمَرِ، فتحرك المنبرُ مرتينِ\"، وفي رواته ضعيفانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-544>الذين تسقط عنهم الجمعة</span>\n٢٦/ ٤٣٩ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٍّ، وَمَرِيضٌ\".\nرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَقَالَ لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَخرَجَهُ الْحَاكِمُ (^٧) مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٦١ رقم ١١٠١)، وهو حديث حسن.\n(^٢) ٢/ ٥٩١ رقم ٨٦٦.\n(^٣) رقم (٩/ ٤٢٢).\n(^٤) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٩٠) وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" وقال: تفرد به إسحاق بن زريق. قلت: ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله موثقون\" اهـ.\n(^٥) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٩٠) وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" من رواية أَبي بحر البكراوي عن عباد بن ميسرة المنقري وكلاهما ضعيف، إلّا أن أحمد قال في أَبي بحر: لا بأس به\".\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٦٤٤ رقم ١٠٦٧).\nوقال النووي في \"الخلاصة\": \"وهذا غير قادح في صحته، فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة، والحديث على شرط الصحيحين\" اهـ. كما في \"نصب الراية\" (٢/ ١٩٩).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٢٨٨). =","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-545>ترجمة طارق بن شهاب</span>\n(وعن طارقٍ بن شهابٍ) (^١) بن عبدِ شمسٍ الأحْمَسِيّ البَجَليّ الكوفيّ، أدركَ الجاهليةَ ورأى النبيَّ - ﷺ - وليسَ لهُ منهُ سماعٌ، وغزَا في خلافةِ أَبي بكرٍ [وعمرَ] (^٢) [ثلاثًا] (^٣) وثلاثينَ، أو أربعًا وثلاثينَ غزوةً وسريةً (^٤)، وماتَ سنةَ اثنتين وثمانينَ.\n(أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: الجمعةُ حقٌّ واجبٌ على كلِّ مسلمٍ في جماعةٍ إلَّا أربعةً: مملوكٌ، وامرأةٌ، وصبيٌّ، ومريضٌ. رواهُ أَبو داودَ وقالَ: لم يسمعْ طارقٌ منَ النبيِّ - ﷺ -) إلَّا أنهُ في سننِ أَبي داودَ بلفظِ: \"عبدٌ مملوكٌ، أو امرأةٌ، أو صبيٌّ، أو مريضٌ\"، بلفظِ \"أو\" وكذا ساقهُ المصنفُ في التلخيصِ (^٥)، ثمَّ قالَ أَبو داودَ: طارقٌ قد رأى النبيَّ - ﷺ - هوَ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - ولم يسمعْ منهُ شيئًا. انتهَى.\n(وأخرجهُ الحاكمُ [أيضًا] (^٦) من روايةِ طارقٍ المذكورِ عن أَبي مُوسَى)، يريدُ المصنفُ أنهُ بهذا صارَ موصولًا، وفي البابِ عن تميمٍ الدَّاري (^٧)، وابنِ عمرَ (^٨)، ومولى لابنِ الزبيرِ (^٩)، رواهُ البيهقيُّ، وحديثُ تميمٍ فيهِ أربعةُ أنفسٍ ضعفاءُ على\n_________\n= وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وقد احتجًا بهريم بن سفيان، ورواه ابن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فلم يذكر فيه أبا موسى، وطارق بن شهاب يعدّ في الصحابة\" اهـ.\nوأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٣) وقال: \"هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد، فطارق من خيار التابعين وممن رأى النبيّ - ﷺ - وإن لم يسمع منه ولحديثه هذا شواهد\".\nوالخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٨٥)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٢٥١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤)، و\"خلاصة تذهيب الكمال\" (ص ١٧٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"ثلاثةً\".\n(^٤) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٥ - ٣١٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣٨٥ رقم ٨٢٠٥).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وقال: ورجالهما رجال الصحيح.\n(^٥) في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٦٥).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٣)، وابن أَبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢١٢) وقال: قال أَبو زرعة: \"هذا حديث منكر\".\n(^٨) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٤).\n(^٩) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٤)، وسنده ضعيف.","vol":"3","page":159},{"text":"الولاءِ، قالهُ ابنُ القطانِ، وحديثُ ابن عمرَ أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (^١) بلفظِ: \"ليسَ على مسافرٍ جمعةٌ\"، وفيهِ أيضًا (^٢) من حديثِ أَبي هريرةَ مرفوعًا: \"خمسةٌ لا جمعةَ عليهم: المرأةُ، والمسافرُ، والعبدُ، والصبيُّ، وأهلُ الباديةِ\".\n٢٧/ ٤٤٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٣) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ليسَ على مسافرٍ جمعةٌ. رواهُ الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، ولم يذكرِ المصنفُ تضعيفَه في التلخيصِ، ولا [بيَّن] (^٤) وجهَ ضعفِه، وإذا عرفتَ هذا فقدِ اجتمعَ منَ الأحاديثِ أنَّها لا تجبُ الجمعةُ على ستةِ أنفُسٍ: الصبيِّ، وهو متفقٌ على أنهُ لا جمعةَ عليهِ.\nوالمملوكِ: وهوَ متفق عليهِ إلَّا عندَ داودَ فقالَ بوجوبها عليهِ لدخولهِ تحتَ عمومِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾ (^٥)، فإنهُ تقرّرَ في الأصولِ دخولُ العبيدِ في الخطابِ، وأجيبَ عنهُ بأنهُ خصَّصتْهُ الأحاديثُ، وإنْ كانَ فيها مقالٌ، فإنهُ يقوي بعضُها بعضًا. والمرأةِ: وهوَ مجمعٌ على عدم وجوبها عليها. وقالَ الشافعي: يستحبُّ للعجائزِ حضورُها بإذنِ الزوجِ، [وفي] (^٦) روايةِ البحر (^٧) عنهُ أنهُ يقولُ بالوجوبِ عليهنَّ خلافَ ما هوَ مصرّحٌ بهِ في كتبِ الشافعيةِ (^٨).\nوالمريضِ: فإنهُ لا يجبُ عليه حضورُها إذا كانَ يتضرّرُ بهِ.\nوالمسافرِ: لا يجبُ عليهِ حضورُها وهوَ يحتملُ أنْ يرادَ بهِ: مباشرُ السفرِ،\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٦٥).\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٧٠) وقال: وفيه إبراهيم بن حماد ضعّفه الدارقطني.\n(^٣) عزاه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٦٥) إلى الطبراني ولم يضعف سنده.\nوقال الألباني في \"إرواء الغليل\" (٣/ ٦١): \"وأورده الحافظ في \"بلوغ المرام\" من حديث ابن عمر بهذا اللفظ وقال: رواه الطبراني بإسناد ضعيف.\nوما أظن عزوه للطبراني إلّا وهمًا، فإنه لم يورده الهيثمي في \"المجمع\"، ولا في زوائد معجم الطبراني الصغير والأوسط\" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"بيان\".\n(^٥) سورة الجمعة: الآية ٩.\n(^٦) في (ب): \"و\".\n(^٧) (٢/ ٤).\n(^٨) \"المجموع\" (٤/ ٤٩٦).","vol":"3","page":160},{"text":"وأما النازلُ [فيجبُ] (^١) عليهِ ولو نزلَ بمقدارِ الصلاةِ، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ وغيرُهم، وقيلَ: لا تجبُ عليهِ لأنهُ داخلٌ في لفظِ المسافرِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ أيضًا [وغيرهم] (^٢)، وهوَ الأقربُ لأنَّ أحكامَ السفرِ باقيةٌ لهُ منَ القَصْرِ ونحوهِ، ولذا لم ينقلْ أنهُ - ﷺ - صلَّى الجمعةَ بعرفاتٍ في حجةِ الوداعِ لأنهُ كانَ مسافرًا. وكذلكَ العيدُ تسقطُ صلاتُه عن المسافرِ، ولذا لم يُرْوَ أنهُ - ﷺ - صلَّى صلاةَ العيدِ في حجّتهِ تلكَ، وقد وهمَ ابنُ حزمٍ (^٣) - ﵀ - فقالَ: إنهُ صلّاها في حجتهِ وغلَّطَه العلماءُ.\nالسادسُ: أهلُ الباديةِ، وفي النهايةِ (^٤): أن الباديةَ تختصُّ بأهلِ العمدِ والخيامِ دونَ أهلِ القرى والمدنِ، وفي شرحِ العمدةِ أن حكمَ أهلِ القُرَى حكمُ أهلِ الباديةِ. ذكرهُ في شرحِ حديثِ: \"لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-546>استقبال الناس الخطيب بوجوههم</span>\n٢٨/ ٤٤١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [صحيح لغيره]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (^٧).\n_________\n(^١) في (أ): \"فتجب\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المحلَّى\" (٥/ ٥٠).\n(^٤) ١/ ٣٩٨.\n(^٥) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (٢١٥٠)، ومسلم (١١/ ١٥١٥) من حديث أَبي هريرة.\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٣٨٣ رقم ٥٠٩).\nقال الترمذي: وحديث منصور لا نعرفه إلّا من حديث محمد بن الفضل بن عطية ومحمد بن الفضل بن عطية ضعيف ذاهب الحديث عند أصحابنا …\nوقال أَبو عيسى: \"ولا يصح في هذا الباب عن النبيّ - ﷺ - شيءٌ\"، وتعقَّبه الألباني في \"الصحيحة\" (٥/ ١١٥) بقوله: \"كذا قال، وفيه نظر لما تقدم من حديث ابن المبارك وللشاهد الآتي … \" اهـ.\n(^٧) وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٨) بسند ضعيف.\nوانظر كلام الألباني في \"الصحيحة\" (٥/ ١١٣ - ١١٤).\nوالخلاصة: فالحديث صحيح لغيره، والله أعلم.","vol":"3","page":161},{"text":"(وعن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا استَوى على المنبرِ استقبلناهُ بوجوهِنَا. رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، لأنَّ فيهِ محمدَ بن الفضلِ بن عطيةَ، وهو ضعيفٌ تفرَّدَ بهِ وضعفُه بهِ الدارقطنيُّ (^١)، وابنُ عدي (^٢)، وغيرُهما، (ولهُ شاهدٌ من حديثِ البراءِ عندَ ابن خزيمةَ - ﵀ -)، لم يذكرْهُ الشارحُ، ولا رأيتهُ في التلخيصِ.\nوالحديثُ يدلُّ على أن استقبالَ الناسِ الخطيبَ مواجهينَ لهُ أمرٌ مستمرٌّ، وهوَ في حكمِ المجمعِ عليهِ، وجزمَ بوجوبهِ أَبو الطيبِ منَ الشافعيةِ. وللهادويةِ احتمالانِ (^٣) فيما إذا تقدمَ بعضُ المستمعينَ على الإمامِ، ولم يواجهوهُ يصحُّ أو لا يصحُّ، ونصَّ صاحبُ الأثمارِ أنهُ يجبُ على العددِ الذينَ تنعقدُ بهمُ الجمعةُ المواجهةُ دونَ غيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-547>اعتماد الخطيب على عصا ونحوها</span>\n٢٩/ ٤٤٢ - وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنَ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَا أَوْ قَوْسٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤). [حسن]\n_________\n(^١) انظر: \"الضعفاء والمتروكين\" للدارقطني (ص ٢٢٢ رقم ٤٨٤).\n(^٢) في \"الكامل\" (٦/ ٢١٧٤).\n(^٣) قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٦٣): \"وأحاديث الباب وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار فقد شدّ عضدها عمل السلف والخلف على ذلك. قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع.\nوقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ - ﷺ - وغيرهم يستحبون استقبال الإمام إذا خطب وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.\nقال العراقي وغيرهم: عطاء بن أَبي رباح وشريح ومالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جابر ويزيد بن أَبي مريم وأصحاب الرأي … \" اهـ.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٥٨ رقم ١٠٩٦) قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢١٢).\nقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٦٥): \"وإسناده حسن، فيه شهاب بن خراش وقد اختلف فيه، والأكثر وثّقوه، وقد صحَّحه ابن السكن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رواه أَبو داود … \" اهـ.\nوحسَّن الألباني الحديث في صحيح أَبي داود.","vol":"3","page":162},{"text":"(وعن الحكمِ بن حَزْنٍ) بفتحِ المهملةِ، وسكونِ الزاي، فنونٍ، والحكمُ: قالَ ابنُ عبد البرِّ (^١): إنهُ أسلَمَ عامَ الفتحِ، وقيلَ: يومَ اليمامةِ، وأبوهُ حزنُ بنُ أَبي وهبٍ المخزومي ([قال] (^٢): شهدْنا الجمعةَ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فقامَ متوكّئًا على عصًا أو قوسٍ. رواهُ أَبو داودَ)، تمامهُ في السننِ: فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ كلماتٍ خفيفاتٍ طيّباتٍ مباركاتٍ، ثمَّ قالَ: \"أيها الناسُ إنكمْ لن تطيقُوا، أو لنْ تفعلُوا كلَّ ما أمرتُمْ بهِ، ولكنْ سدِّدُوا ويسِّروا\"، وفي رواية: \"وأبشرُوا\"، وإسنادُه حسنٌ. وصحَّحهُ ابنُ السكن [وابن خزيمةَ] (^٣)، وله شاهدٌ عندَ أَبي داودَ (^٤) من حديثِ البراءِ: \"أنهُ - ﷺ -[أُعطي يوم العيد قوسًا فخطبَ عليهِ\" وطوَّله أحمد والطبراني، وصحَّحه ابن السكن، وأخرج الشافعي (^٥) أنه - ﷺ -] (^٦) كان إذا خطب يعتمد على [عنَزةٍ لهُ] (^٧)، والعنَزةُ: مثلُ نصفِ الرمحِ أوْ [أكبرُ] (^٨)، فيها سنانٌ مثل سنانِ الرمحِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ أنهُ يندبُ للخطيبِ الاعتمادُ على سيفٍ (^٩) أو نحوهِ وقتَ\n_________\n(^١) في \"الاستيعاب\" (١/ ٣٢١) بهامش الإصابة.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"التلخيص\" (٢/ ٦٥)، وما بين الحاصرتين زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٧٩ رقم ١١٤٥). قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠٤)، وأبو الشيخ في \"أخلاق النبي وآدابه\" رقم (٤٠٢) بسند ضعيف لضعف أَبي جناب وهو يحيى بن أَبي حية ضعّفوه لكثرة تدليسه، وللحديث شواهد، فهو بها صحيح، والله أعلم.\nوقد حسَّنه الألباني في صحيح أَبي داود.\n(^٥) في \"بدائع المنن\" (١/ ١٧٧ رقم ٥٠٤).\nوفيه إبراهيم بن محمد بن أَبي يحيى الأسلمي متَّهم بالكذب كما في \"الميزان\" (١/ ٥٧ رقم ١٨٩)، وليث ضعيف.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ): \"عنزته\".\n(^٨) في (أ): \"أكثر\".\n(^٩) وفي هذا الاستدلال نظر، فإن ابن القيم قال في \"زاد المعاد\" (١/ ١٩٠): \"وكان أحيانًا يتوكأ على قوس، ولم يُحفظ عنه أنه توكأ على سيف، وكثير من الجهلة يظن أنه كان يُمسِك السيفَ على المنبر إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهل قبيح … \".\nوقال الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٣٨١): \"وجملة القول: أنه لم يرد في حديث أنه - ﷺ - كان يعتمد على العصا أو القوس وهو على المنبر، فلا يصح الاعتراض على ابن القيم في قوله: \"إنه لا يحفظ عن النبيّ - ﷺ - بعد اتخاذه المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس وغيره\"، بل الظاهر من تلك الأحاديث الاعتماد على القوس إذا خطب على الأرض، والله أعلم\" اهـ.","vol":"3","page":163},{"text":"[الخطبةَ] (^١)، والحكمةُ أن في ذلكَ ربطًا للقلبِ ولبعدِ (^٢) يديهِ عن العبثِ، فإنْ لم يجدْ ما يعتمدُ عليهِ أرسلَ يديهِ أو وضعَ اليُمنى على [اليسرى] (^٣)، أو على جانبِ المنبرِ، ويكرهُ دقُّ المنبرِ بالسيفِ إذْ لم يُؤْثَرْ فهوَ بدعةٌ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"خطبتهِ\".\n(^٢) في المخطوط: \"وليعتمد\"، والصواب ما أثبتناه.\n(^٣) في (أ): \"الشمال\".","vol":"3","page":164},{"text":"<span data-type='title' id=toc-548>[الباب الثالث عشر] بابُ الصلاةِ الخوفِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-549>غزوة ذات الرقاع وشرعية صلاة الخوف</span>\n١/ ٤٤٣ - عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ - ﵁ - عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ - ﷺ - صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لابْنِ مَنْدَهْ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ. [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-550>ترجمة صالح بن خوات</span>\n(عن صالحٍ بن خوَّاتٍ) (^٢) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وتشديدِ الواوِ، فمثناةٍ فوقيةٍ، الأنصاريِّ المدنيِّ تابعيٌّ مشهورٌ، سمعَ جماعةً منَ الصحابةِ (عمَّنْ صلَّى مع\n_________\n(^١) البخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٣١٠/ ٨٤٢).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ١٨٣ رقم ١)، وأحمد (٣/ ٤٤٨)، وأبو داود (١٢٣٨)، والنسائي (٣/ ١٧١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٢٣٥)، والدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٦٠ رقم ١١).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"ذكر أسماء التابعين\" للدارقطني (١/ ١٧٨ رقم ٤٦٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٣٩)، و\"الكاشف\" (٢/ ١٨).","vol":"3","page":165},{"text":"النبيُّ - ﷺ -) في صحيحِ مسلمٍ (^١) عن صالحٍ بن خواتٍ بن جبيرٍ، عن سهلِ بن أَبي حثمة فصرَّحَ بمن حدَّثهُ [في روايةٍ] (^٢)، وفي روايةٍ أبهمَهُ كما هنَا، (يومَ ذات الرِّقاعِ) (^٣) بكسرِ الراءِ، فقافٍ مخففةٍ، آخرَهُ عينٌ مهملةٌ، هوَ مكانٌ من نجدٍ بأرضِ غطفانَ، سميتْ الغزاةُ بذلك لأنَّ أقدامَهم نُقبتْ؛ فلفُّوا عليها الخِرقَ كما في صحيحِ البخاريّ (^٤) من حديثِ أَبي موسى، وكانت في جمادى الأُولى في السنةِ الرابعةِ منَ الهجرةِ.\n(صلاةَ الخوفِ أن طائفة من أصحابهِ - ﷺ -[صفتْ] (^٥) معهُ وطائفةً وِجَاهَ) بكسرِ الواوِ، فجيمٍ، مواجهةَ (العدوِّ، فصلَّى بالَّذينَ معة ركعةً، ثمَّ ثبتَ قائمًا وأتمُّوا لأنفسِهِمْ، ثمَّ انصرفُوا وصفُّوا) في مسلم: فصفُّوا بالفاءِ (وِجَاهَ العدوِّ، وجاءتِ الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهمُ الركعةَ التي بقيتْ، ثمَّ ثبت جالسًا وأتمُّوا لأنفسِهم، ثمَّ سلَّمَ بهمْ. متفقٌ عليه، وهذَا لفظُ مسلمٍ، ووقعَ في المعرفة) كتابٍ (لابنِ مَنْدَهْ) بفتحِ الميمِ، وسكونِ النونِ، فدالٍ مهملةٍ، إمامٍ كبيرٍ من أئمةِ الحديثِ (عن صالحِ بن خواتٍ عن أبيهِ)، أي: خواتٍ [بن جبير] (^٦) وهو صحابيٌّ، فذكرَ المبهمَ وأنهُ أبوهُ، وفي مسلمٍ أنهُ مَنْ ذكرناهُ.\nواعلمْ أن هذهِ الغزاةَ كانت في الرابعةِ كما ذكرناهُ، وهو الذي قالهُ ابنُ إسحاقَ وغيرُه من أهلِ السِّيَرِ والمغازي، وتلقّاهُ الناسُ عنهم، قالَ ابنُ القيمِ: وهوَ مشكلٌ جدًّا، فإنهُ قد صَحَّ أن المشركينَ حَبَسُوا رسول اللهِ - ﷺ - يومَ الخندقِ عن صلاةِ الظهرِ والعصرِ، والمغربِ والعشاءِ، فصلاهنَّ جميعًا، وذلكَ قبلَ نزولِ صلاةِ الخوفِ، والخندقُ بعدَ ذاتِ الرقاعِ سنةَ خمسٍ، قالَ: والظاهرُ أن أولَ صلاةِ صلَّاها رسولُ اللَّهِ - ﷺ - للخوفِ بعُسفانَ، ولا خلافَ بينَهم أن عسفانَ كانت بعدَ الخندقِ، وقد صحَّ عنهُ - ﷺ - أنهُ صلَّى صلاةَ الخوفِ بذاتِ الرِّقاعِ، فعُلمَ أنَّها بعدَ الخندقِ وبعدَ عسفانَ، وقد تبينَ لنا وَهْمُ أهل السِّيَر. انتهَى.\n_________\n(^١) (١/ ٥٧٥ رقم ٣٠٩/ ٨٤١).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٥٦ - ٥٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٧/ ٤١٧ رقم ٤١٢٨).\n(^٥) في (أ): \"صلت\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"3","page":166},{"text":"[ومَنْ] (^١) يحتجُّ بتقديمِ شرعيتها على الخندقِ على روايةِ أهلِ السيرِ من يقولُ إنَّها لا تصلَّى [صلاة] (^٢) الخوفِ في الحضرِ، ولِذَا لم يصلِّها النبيُّ - ﷺ - يومَ الخندقِ. وهذه الصفةُ التي ذكرت في الحديثِ في كيفيةِ صلاتِها واضحةٌ. وقد ذهبَ إليها جماعةٌ من الصحابةِ ومنَ الآلِ من بعدِهم، واشترطَ الشافعيُّ أنْ يكونَ العدوُّ في غيرِ جهةِ القبلةِ، وهذا في الثنائيةِ، وإنْ كانتْ ثلاثيةً انتظرَ في التشهّدِ الأولِ، وتُتِمُّ الطائفةُ الركعةَ الثالثةَ، وكذلكَ في الرباعيةِ إنْ قُلنا: إنَّها تصلَّى صلاةُ الخوفِ في الحضرِ، وينتظرُ في التشهّد أيضًا، وظاهرُ القرآن مطابقٌ لما دلَّ عليهِ هذا الحديثُ الجليلُ لقولهِ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ (^٣)، وهذهِ الكيفيةُ أقربُ إلى موافقةِ المعتادِ منَ الصلاةِ في تقليل الأفعالِ المنافيةِ للصلاةِ ولمتابعةِ الإمامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-551>صلاة الإمام بكل طائفة ركعة وقضاء كل طائفة ركعة</span>\n٢/ ٤٤٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازينَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعن ابن عمر - ﵄ - قال: غزوت مع رسول اللهِ - ﷺ - قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحدة، أي: جهة (نجد) نجد: كل ما ارتفع من بلاد العرب، (فوازينا) بالزاي\n_________\n(^١) في (أ): \"وقد\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) سورة النساء: الآية ١٠٢.\n(^٤) البخاري (٩٤٣)، ومسلم (٣٠٦/ ٨٣٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٥٥)، والنسائي (٣/ ١٧٣)، والدارقطني (٢/ ٥٩ رقم ٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٠) وغيرهم، كلّهم من رواية موسى بن عقبة عن نافع عنه.","vol":"3","page":167},{"text":"بعدها مثناة تحتية: قابلنا (العدو فصاففناهم، فقام رسول اللَّهِ - ﷺ - فصلّى بنا)، في المغازي من البخاري: أنها صلاة العصر، ثم لفظ البخاري: \"فصلَّى لنا\" باللام. قال المصنف في الفتح (^١): أي: لأجلنا، ولم يذكر أن فيه رواية بالموحدة، وفيه \"يصلي\" بالفعل المضارع.\n(فقامت طائفةٌ معه وأقبلت طائفة على العدو، وركعَ بمن معه - ركعةً - وسجد سجدتين، ثمَّ انصرفوا) أي: الذين صلّوا معه، ولم يكونوا أتوا بالركعةِ الثانيةِ، ولا سلّموا من صلاتهم (مكان الطائفة التي لم تصلّ، فجاءوا فركع بهم ركعةً وسجد سجدتين، ثم سلَّم، فقام كلّ واحدٍ منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. متَّفق عليه، وهذا لفظ البخاري).\nقال المصنّف: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، ويحتمل أنهم أتمّوا في حالة واحدة، ويحتمل أنّهم أتمّوا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلّا استلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجِّحه ما رواه أَبو داود (^٢) من حديث ابن مسعود بلفظ: \"ثم سلّم فقام هؤلاء، أي: الطائفة الثانية فصلّوا لأنفسهم ركعة، ثم سلّموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلّوا لأنفسهم ركعة ثم سلّموا\". انتهى.\nوالطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، حتى لو كانوا ثلاثة جاز للإمام أن يصلّي بواحد، والثالث يحرس، ثم يصلّي مع الإمام، وهذا أقل ما تحصل به جماعة الخوف. وظاهر الحديث أن الطائفة الثانية والتي بين ركعتيها ثم أتت الطائفة الأولى بعدها، وقد ذهب إلى هذه الكيفية أَبو حنيفة ومحمد.\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣٠).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٧ رقم ١٢٤٤).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٣١١)، والدارقطني (٢/ ٦١ رقم ١٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦١) كلهم من رواية خصيف عن أَبي عبيدة.\nوقال البيهقي: هذا الحديث مرسل، أَبو عبيدة لم يدرك أباه، وخصيف الجزري ليس بالقوي. ومع ذلك فقد حسّنه الألباني في صحيح أَبي داود.","vol":"3","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-552>صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة</span>\n٣/ ٤٤٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، فَذكرَ الحَدِيثَ (^١). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ (^٢): ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَواخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n(وعن جابرٍ - ﵁ - قالَ: شهدتُ مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ، فصففنا صفّين: صفٌّ خلفَ رسول اللَّهِ - ﷺ - والعدوُّ بيننا وبين القبلة، فكبّر النبيّ - ﷺ -، وكبّرنا جميعًا، [ثم ركع وركعنا جميعًا] (^٣)، ثم رفع رأسه من الركوع، ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه)، أي: انحدر الصف الذي يليه وهو عطف على الضمير المتّصل من دون تأكيد لأنه قد وقع الفصل.\n(وأقام الصف المؤخَّر في نَحْرِ العَدُوِّ، فلما قضَى السجودَ قامَ الصفّ الذي يليهِ، فذكرَ الحديث) تمامه: \"انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخّر الصف المقدم، ثم ركع النبيّ - ﷺ - وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعةِ الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضَى النبيّ - ﷺ - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلَّم النبيّ - ﷺ - وسلَّمنا جميعًا. وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم\"، انتهى لفظ مسلم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٠٧/ ٨٤٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٣٠٨/ ٨٤٠).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"3","page":169},{"text":"قوله: (وفي رواية) هي في مسلم عن جابر - ﵁ -، وفيها تعيين القوم الذين حاربوهم ولفظها: \"غزونا مع رسول اللَّهِ - ﷺ - قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلّينا الظهر، قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة واحدة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول اللَّهِ - ﷺ -، فذكر ذلك لنا رسول اللَّهِ - ﷺ -، قال: وقالوا: إنها ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولى، فلما حضرت العصر\" إلى أن قال: (ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني)، ثم تأخّر الصف الأول، وتقدّم الصف الثاني، [فذكر] (^١) مثله\"، قال: \"فقاموا مقام الأول فكبّر رسول اللَّهِ - ﷺ - وكبّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصفّ الأول، وقام الثاني، فلما سجد [الصف] (^٢) الثاني جلسوا جميعًا\"، (وفي [أواخره] (^٣) ثم سلَّم النبيّ - ﷺ - وسلَّمنا جميعًا. رواه مسلم).\nالحديث دليلٌ على أنه إذا كان العدوّ في جهةِ القبلةِ، فإنه يخالفُ ما إذا لم يكن كذلك، فإنّها تمكنُ الحراسةُ مع دخولهم جميعًا في الصلاةِ، وذلكَ أن الحاجةَ إلى الحراسةِ إنما تكونُ في حالِ السجود فقط، فيتابعونَ الإمام في القيامِ والركوعِ ويحرسُ الصفّ المؤخّر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم يسجدون عند قيام الصف الأول، ويتقدم المؤخّر إلى محل الصف المقدَّم، ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين فيصحّ مع كل من الطائفتين المتابعة في سجدتين.\nوالحديث يدلّ أنها لا تكون الحراسة إلّا حال السجود فقط دون حال الركوع، لأن حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدوّ، وهذه الكيفيّة لا توافق ظاهر الآية، ولا توافق الرواية الأولى عن صالح بن خوات (^٤)، ولا رواية ابن عمرَ (^٥)، إلَّا أنه قد يقال أنها تختلف الصفات باختلاف الأحوال.\n٤/ ٤٤٦ - وَلِأَبي دَاوُد (^٦)، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، وَزَادَ: إِنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ. [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"وذكر\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"أخره\".\n(^٤) تقدم رقم (١/ ٤٤٣).\n(^٥) تقدم رقم (٢/ ٤٤٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٢٨ رقم ١٢٣٦). =","vol":"3","page":170},{"text":"(ولأبي داودَ عن أَبي عياشٍ الزرقيِّ مثلُهُ) أي: مثلُ روايةِ جابرٍ هذهِ، (وزادَ) تعيينَ محلِّ الصلاةِ (أنَّها كانتْ بعُسْفَانَ) بضمِّ العينِ المهملةِ، وسكونِ السينِ المهملةِ، ففاء آخرهُ نونٌ، وهوَ موضعٌ على مرحلتينِ من مكةَ في القاموسِ (^١).\n٥/ ٤٤٧ - وَللنَّسَائِيِّ (^٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. [صحيح]\n(وللنسائي من وجهٍ آخرَ) غيرِ الوجهِ الذي أخرجهُ منهُ مسلمٌ (عن جابر أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى بطائفةٍ من أصحابهِ ركعتينِ، ثمَّ سلَّم، ثمَّ صلَّى بآخرين [أيضًا] (^٣) ركعتين ثم سلَّم)، فصلَّى بإحداهما فرضًا، وبالأُخرى نَفْلًا [لهُ] (^٤)، وعملَ بهذا الحسنُ البصريّ، وادّعى الطحاويُّ أنهُ منسوخٌ بناءً منهُ على أنهُ لا يصحُّ أنْ يصلّي المفترضُ خلف المتنفّلِ، ولا دليلَ على النسخِ.\n٦/ ٤٤٨ - وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ (^٥)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. [صحيح]\n(ومِثلُه لأبي داودَ عن أَبي بكرةَ)، وقالَ أَبو داودَ (^٦): وكذلكَ في صلاة المغرب، فإنه يصلِّي ستَّ ركعاتٍ، والقومُ ثلاثًا ثلاثًا.\n_________\n= قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٥٩ - ٦٠)، والنسائي (٣/ ١٧٧)، والطيالسي (١/ ١٥٠ رقم ٧٢٣ - منحة المعبود)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٥٠٥ رقم ٤٢٣٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٢٣٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٨)، والدارقطني (٢/ ٥٩ رقم ٨)، والحاكم (١/ ٣٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٦، ٢٥٧) من رواية مجاهد، عن أَبي عياش الزرقي به، واللفظ لأبي داود، ومثله للحاكم.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وصحَّح الألباني الحديث في صحيح أَبي داود.\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ١٥٨٢)، و\"المصباح المنير\" (ص ١٥٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ١٧٨ رقم ٢٤/ ١٥٥٢) وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح النسائي\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٤٠ رقم ١٢٤٨).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ١٧٨)، والطيالسي (١/ ١٥١ - منحة المعبود)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (١/ ٣١١)، والدارقطني (٢/ ٦١ رقم ١٢، ١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٩) كلّهم من رواية الحسن عنه.\nوهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في صحيح أَبي داود.\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٤١ رقم ١٢٤٨). =","vol":"3","page":171},{"text":"٧/ ٤٤٩ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حبَّان (^٤). [صحيح]\n(وعن حذيفةَ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى صلاةَ الخوفِ بهؤلاء ركعةً، وبهؤلاءِ ركعةً ولمْ يقضُوا. ورواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبان)، ومثلُهُ:\n٨/ ٤٥٠ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ (^٥)، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -. [صحيح]\n(عندَ ابن خزيمةَ عن ابن عباسٍ) وهذهِ الصلاةُ بهذه الكيفيةِ صلَّاها حذيفةُ \"بطبرستانَ\"، وكانَ الأميرُ سعيدُ بنُ العاصِ، فقالَ: \"أيُّكم صلَّى مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ؟ قالَ حذيفةُ: أنا، فصلَّى بهمْ هذه الصلاةَ\"، وأخرجَ أَبو داودَ (^٦)\n_________\n= قلت: وقد ورد هذا في نفس الحديث الذي أخرجه الحاكم (١/ ٣٣٧)، والدارقطني (٢/ ٦١ رقم ١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٠) من رواية عمر بن خليفة البكراوي ثنا أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، عن أَبي بكرة به.\nوأعلّه ابن القطان بان أبا بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة.\nقال الحافظ: وهذه ليست بعلة فإنه يكون مرسل صحابي.\nوالخلاصة: أنه صحيح، والله أعلم.\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٣٨٥، ٣٩٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٣٨ رقم ١٢٤٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣ رقم ١٤٥٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦١، ٢٦٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣١٠)، و\"الحاكم\" (١/ ٣٣٥) من طرق …\nوانظر: كلام الشيخ شعيب في الإحسان عليه، فخلاصته: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٢٩٣ رقم ١٣٤٤) بإسناد صحيح.\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٣٥ رقم ١٢٤٣).\nقلت: وأخرجه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٣٠٥/ ٨٣٩)، والترمذي (٥٦٤)، والنسائي (٣/ ١٧١)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٢٣٣)، والدارقطني (٢/ ٥٩ رقم ٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٠) وغيرهم كلّهم من رواية معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر به.","vol":"3","page":172},{"text":"عن ابن عمرَ، وزيد بن ثابتٍ (^١) \"قالَ [زيد] (^٢): فكانتْ للقومِ ركعةً ركعة، وللنبيِّ - ﷺ - ركعتينِ\". وأخرج (^٣) عن ابن عباسٍ قالَ: \"فرضَ اللَّهُ تعالى الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم - ﵊ - في الحضرِ أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوفِ ركعةً\"، وأخذَ بهذا عطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وغيرُهم فقالُوا: يصلِّي في شدَّةِ الخوفِ ركعةً يومئُ إيماءً، وكانَ إسحاقُ يقولُ: تجزئُك عندَ المسايفةِ ركعةٌ واحدةٌ تومئُ لها إيماءً، فإنْ لم [تقدرْ] (^٤) فسجدةٌ، فإنْ لم فتكبيرةٌ لأنَّها ذكرُ اللَّهِ.\n٩/ ٤٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ\"، رَوَاهُ الْبَزَّارُ (^٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعن ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ على أيّ وجهٍ كانَ. رواهُ البزارُ بإسنادٍ ضعيفِ)، وأخرجَ النسائيُّ (^٦): \"أنهُ - ﷺ - صلَّاها بذي قردٍ بهذهِ الكيفيةِ\". وقالَ المصنفُ (^٧): قد صحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه، وأما الشافعيُّ فقالَ: لا يثبتُ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ الخوفِ ركعةٌ واحدةٌ في حقِّ الإمام والمأمومِ، وقد قالَ بهِ الثوريُّ وجماعةٌ، وقالَ بهِ منَ الصحابةِ أَبو هريرةَ وأبو موسى.\n_________\n(^١) ذكره أَبو داود (٢/ ٣٩ - ٤٠) عنه، وأخرجه النسائي (٣/ ١٦٨ رقم ١٥٣١)، وهو حديث صحيح لغيره.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أَبو داود في \"السنن\" (٢/ ٤٠ رقم ١٢٤٧).\nقلت: وأخرجه مسلم (٥/ ٦٨٧)، والنسائي (٣/ ١٦٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٠٩)، وأحمد (١/ ٣٥٥) وغيرهم عن ابن عباس.\n(^٤) في (أ): \"يقدر\".\n(^٥) في \"كشف الأستار\" (١/ ٣٢٦ رقم ٦٧٨) وقال البزار: \"محمد بن عبد الرحمن أحاديثه مناكير وهو ضعيف عند أهل العلم\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٩٦) وقال: \"رواه البزار وفيه النصر بن عبد الرحمن وهو مجمع على ضعفهِ\" اهـ.\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ١٦٩ رقم ١٥٣٣) من حديث ابن عباس، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٧٧).","vol":"3","page":173},{"text":"واعلمْ أنهُ ذكرَ المصنفُ في هذا الكتابِ خمسَ كيفياتِ لصلاةِ الخوفِ. وفي سننِ أَبي داودَ ثماني كيفيّات منها هذه الخمسُ، وزادَ ثلاثا. وقالَ المصنفُ في فتح الباري (^١): قد رُوِيَ في صلاةِ الخوفِ كيفياتٌ كثيرةٌ، ورجَّحَ ابنُ عبدِ البرِّ الكيفيةَ الواردةَ في حديثِ ابن عمرَ لقوةِ الإسنادِ، وموافقةِ الأصولِ في أن المؤتمَّ لا يتمَّ صلاتَهُ قبل الإمامَ.\nوقالَ ابنُ حزمٍ (^٢): صحَّ منها أربعةَ عشرَ وجهًا، وقالَ ابنُ العربي (^٣): فيها رواياتٌ كثيرةٌ أصحُّها ستَّ عشرةَ روايةً مختلفةً، وقال النوويُّ نحوَه في شرحِ مسلمٍ (^٤)، ولم يبيّنْها. قالَ الحافظِ (^٥): وقد بيَّنها شيخُنا الحافظُ أَبو الفضلِ في شرحِ الترمذيِّ، وزادَ وَجْهًا، فصارتْ [سبع عشرةَ] (^٦)، ولكنْ يمكنُ أن [تتداخلَ] (^٧)، وقالَ في الهدي النبويّ (^٨): صلَّاها النبيُّ - ﷺ - عشر مراتٍ، وقال ابنُ العربي (^٩): صلَّاها أربعًا وعشرينَ مرةً، وقالَ الخطابيُّ (^١٠): صلَّاها النبيُّ - ﷺ - في أيام مختلفة بأشكالٍ متباينةٍ يتحرَّى ما هوَ الأحوطُ للصلاةِ، والأبلغُ في الحراسةِ، فهيَ على اختلاف صورتِها متّفقةُ المعنَى، انتهى.\n١٠/ ٤٥٢ - وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: \"لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ\"، أَخْرَجَهُ الْدَّارَقُطْنِيُّ (^١١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنهُ) أي: ابن عمرَ (مرفوعًا: ليسَ في صلاةِ الخوفِ سهوٌ. أخرجه\n_________\n(^١) (٢/ ٤٣١).\n(^٢) في \"المحلَّى\" (٥/ ٣٣).\n(^٣) في \"العارضة\" (٣/ ٤٥).\n(^٤) (٦/ ١٢٦).\n(^٥) في \"الفتح\" (٢/ ٤٣١).\n(^٦) في (أ): \"سبعة عشر\".\n(^٧) في (ب): \"تداخل\".\n(^٨) (١/ ٥٣٢).\n(^٩) كما في \"الفتح\" (٢/ ٤٣١).\n(^١٠) في هامش \"سنن أبي داود\" (٢/ ٢٨).\n(^١١) في \"السنن\" (٢/ ٥٨ رقم ١)، وقال الدارقطني: تفرّد به عبد الحميد بن السري وهو ضعيف.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٨٨ رقم ٩٩٨٦) من حديث عبد الله بن مسعود.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٥٤) وقال: وفيه الوليد بن الفضل ضعّفه ابن حبان والدارقطني.","vol":"3","page":174},{"text":"الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وهوَ معَ هذا موقوفٌ، قيلَ: ولم يقلْ بهِ أحدٌ من العلماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-553>شروط صلاة الخوف</span>\nواعلمْ أنهُ قد شُرِطَ في صلاةِ الخوفِ شروطٌ، منها: السفرُ، فاشترطَهُ جماعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (^١) الآية، ولأنهُ - ﷺ - لم يصلِّها في الحضرِ، وقالَ زيدُ بنُ عليٍّ، والناصرُ، والإمام يحيى، والحنفيةُ، والشافعيةُ: لا يشترطُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ [فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ] (^٢)﴾ (^٣) بناءً على أنهُ معطوفٌ على قولهِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، فهوَ غيرُ داخلٍ في التقييدِ بالضربِ في الأرضِ، ولعلَّ الأولينَ يجعلونَهُ مقيَّدًا بالضربِ في الأرضِ، وأنَّ التقديرَ وإذا كنتَ فيهم معَ هذهِ الحالةِ التي هي الضربُ في الأرضِ. والكلامُ مُسْتَوْفًى في كتبِ التفسيرِ.\nومنها: أنْ يكونَ آخرَ الوقتِ؛ لأنَّها بدلٌ عن صلاةِ الأمنِ لا تجزئُ إلَّا عندَ اليأسِ منَ المبدلِ [منهُ] (٢)، وهذهِ قاعدةٌ للقائلين بذلكَ، وهمُ الهادويةُ، وغيرُهم، يقولُ: تجزئُ أولَ الوقتِ لعمومِ أدلَّةِ الأوقاتِ.\nومنها: حملُ السلاحِ حالَ الصلاةِ، اشترطَهُ داودُ، فلا تصحُّ الصلاةُ إلَّا بحملِهِ، ولا دليلَ على اشتراطِهِ، وأوجبَهُ الشافعيُّ والناصرُ للأمرِ بهِ في الآيةِ، ولهمْ في السلاحِ تفاصيلُ معروفةٌ.\nومنها: أنْ لا يكونَ القتالُ محرمًا سواءٌ كانَ واجبًا عينًا أو كفاية.\nومنها: أنْ يكون المصلّي مطلوبًا للعدوِّ لا طالبًا؛ لأنهُ إذا كانَ طالبًا أمكنَهُ أنْ يأتي بالصلاةِ تامّةً، أو يكون خاشيًا لكرِّ العدوِّ عليهِ، وهذهِ الشرائطُ مستوفاةٌ في الفروع، مأخوذةٌ من أحوالِ شرعيّتِها، وليستْ بظاهرةٍ في الشرطيةِ. واعلمْ أن شرعيةَ هذه الصلاةِ من أعظم الأدلّة على عظم شأن صلاةِ (^٤) الجماعةِ.\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ١٠١.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) سورة النساء: الآية ١٠٢.\n(^٤) هنا لفظة \"لا سيما\" زائدة من (أ).","vol":"3","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-554>[الباب الرابع عشر] بابُ صلاة العيدينِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-555>يعتبر في ثبوت العيدين موافقة الناس</span>\n١/ ٤٥٣ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١). [صحيح لغيره]\n(عن عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: الفطرُ يومَ يفطرُ الناسُ، والأضْحى يومَ يضحِّي الناسُ. رواهُ الترمذيُّ). وقالَ بعد سياقهِ (^٢): هذا \"حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وفسَّرَ بعضُ أهلِ العلمِ هذا الحديثَ أن معنَى هذا الفطرِ والصومَ معَ الجماعةِ [وعُظْمِ] (^٣) الناسِ\"، انتهَى بلفظهِ.\nفيهِ دليلٌ على أنهُ يعتبرُ في ثبوت [العيدين موافقة الناس] (^٤). وأنَّ المنفردَ بمعرفةِ يومِ العيدِ بالرؤيةِ يجبُ عليهِ موافقةُ غيرِهِ، ويلزمُه حكمُهم في الصلاةِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ١٦٥ رقم ٨٠٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه.\nومحمد بن المنكدر سمع من عائشة كما قاله البخاري.\n• وأخرجه الترمذي (٦٩٧)، وابن ماجه (١٦٦٠) من حديث أَبي هريرة بلفظ: \"الصومُ يومَ تصومونَ، والفِطْرُ يومَ تفطِرُون، والأضحى يوم تضحُّون\"، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوالحديث صحيح بطرقه. وانظر: \"الإرواء\" رقم (٩٠٥).\n(^٢) قلت: ذكر الترمذي هذا بعد حديث أَبي هريرة (٣/ ٨٠ رقم ٦٩٧) ولم يذكره بعد حديث عائشة.\n(^٣) في (ب): \"ومعظمِ\".\n(^٤) في (ب): \"العيد الموافقة للناس\".","vol":"3","page":176},{"text":"والإفطارِ والأضحيةِ، وقد أخرجَ الترمذيُّ (^١) مثلَ هذا الحديثِ عن أَبي هريرةَ، وقالَ: حسنٌ. وفي معناهُ حديث ابن عباسٍ، وقد قالَ لهُ كريبٌ (^٢): \"إنهُ صامَ أهلُ الشامِ ومعاويةُ برؤيةِ الهلالِ يومَ الجمعةِ بالشامِ، وقدمَ المدينةَ آخرَ الشهرِ وأخبرَ ابن عباسٍ بذلكَ، فقالَ ابنُ عباسٍ: لكنَّا رأيناهُ ليلةَ السبتِ فلا نزالُ نصومُ حتَّى نكملَ ثلاثينَ أو نراهُ، قالَ: [قلتُ] (^٣): أوَ لا تكتفي برؤيةِ معاويةَ والناسِ؟ قالَ: لا، هكذا أمرَنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - \".\nوظاهرُ الحديثِ أن كُرَيْبًا ممنْ رآهُ، وأنهُ أمرهُ ابنُ عباسٍ أن يتمَّ صومَهُ، وإنْ كانَ متيقّنًا أنهُ يومُ عيدٍ عندَهُ. وذهبَ إلى هذا محمدُ بنُ الحسنِ، وقالَ: يجبُ موافقةُ الناسِ وإنْ خالفَ يقينَ نفسهِ، وكذا في الحجِّ لأنهُ وردَ: \"وعَرَفَتُكم يومَ تعرفونَ\". وخالفَهُ الجمهورُ وقالُوا: إنهُ يجبُ عليهِ العملُ في نفسهِ بما تيقنَهُ، وحملُوا الحديثَ على عدمِ معرفتهِ بما يخالفُ الناسَ، فإنَّهُ إذا انكشفَ بعدَ الخطأ [فقد] (^٤) أجزأهُ ما فعلَ، قالُوا: وتتأخرُ الأيامُ في حقِّ مَنِ التبسَ عليهِ وعملَ بالأصلِ، وتأوّلُوا حديثَ ابن عباسٍ بأنهُ يحتملُ أنهُ لم يقلْ برؤيةِ أهلِ الشامِ لاختلافِ المطالعِ في الشامِ والحجازِ، [أو] (^٥) أنهُ لما كانَ المخبرُ واحدًا لم يعملْ بشهادتهِ، وليسَ فيهِ أنهُ أمرَ كُرَيْبًا بالعملِ بخلافِ يقينِ نفسهِ، [فإنَّما] (^٦) أخبرَ عن أهلِ المدينةِ وأنَّهم لا يعملونَ بذلكَ لأحد الأمرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-556>قضاءُ صلاة العيد إذا تركت لعذر</span>\n٢/ ٤٥٤ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵄ - عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٨) - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٨٠ رقم ٦٩٧) كما تقدَّم أعلاه،\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٨/ ١٠٨٧)، وأحمد (١/ ٣٠٦)، وأبو داود (٢٣٣٢)، والترمذي (٦٩٣)، والنسائي (٤/ ١٣١).\n(^٣) في (أ): \"فقلت\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"و\".\n(^٦) في (أ): \"فإنه إنما\".\n(^٧) في \"المسند\" (٥/ ٥٨).\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٦٨٤ رقم ١١٥٧).","vol":"3","page":177},{"text":"(وعن أَبي عميرٍ - ﵁ -) هوَ أَبو عميرٍ (ابنُ أنسٍ بن مالكٍ) الأنصاريِّ، يقالُ: إنَّ اسمَهُ عبدُ اللَّهِ، وهوَ من صغارِ التابعينَ، رَوَى عن جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعمَّرَ بعدَ أبيهِ زمانًا طويلًا، (عن عمومةٍ لهُ منَ الصحابةِ أن رَكْبًا جاءُوا فشهدُوا اتَّهم رأوُا الهلال بالأمسِ، فأمرَهُم النبيُّ - ﷺ - أن يفطِروا، وإذا أصبحُوا أن يغدُوا إلي مصلَّاهم. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظهُ. واسنادُه صحيحٌ)، وأخرجهُ النسائيُّ (^١)، وابنُ ماجَهْ (^٢)، وصحَّحهُ ابنُ المنذرِ، وابنُ السكنِ، وابنُ حزمٍ (^٣)، وقولُ ابن عبدِ البرِّ: إنَّ أبا عميرٍ مجهولٌ مردودٌ بأنهُ قدْ عرفهُ مَنْ صحَّحَ لهُ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن صلاةَ العيدِ تُصَلَّى في اليومِ الثاني حيثُ انكشفَ العيدُ بعدَ خروجِ وقتِ الصلاةِ. وظاهرُ الحديثِ الإطلاقُ بالنظرِ إلى وقتِ الصلاةِ، وأنهُ وإنْ كانَ وقتُها باقيًا حيثُ لم يكنْ ذلكَ معلومًا مِنْ أولِ اليومِ.\nوقد ذهبَ إلى العملِ بهِ الهادي، والقاسمُ، وأبو حنيفةَ لكنْ [بشرط] (^٤) أنْ لا يعلمَ إلَّا وقد خرجَ وقتُها؛ فإنَّها تُقْضَى في اليومِ الثاني فقطْ في الوقتِ الذي تُؤَدَّى فيهِ في يومِها. قالَ أَبو طالبٍ: بشرطِ أنْ يتركَ للبسِ كما وردَ في الحديثِ، وغيرُه يعمّمُ العذرَ سواءً كان للَّبسِ، أو لمطرٍ، وهوَ مصرَّحٌ بهِ في كتبِ الحنفيةِ قياسًا لغيرِ اللَّبسِ عليهِ، ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنَّها أداءٌ لا قضاءٌ.\nوذهبَ مالكٌ أنَّها لا تُقْضَى مطلقًا كما لا تقضَى في يومِها، وللشافعيةِ تفاصيلُ (^٥) أُخرُ ذكرَها في الشرحِ، وهذا الحديثُ وردَ في عيدِ الإفطارِ، وقاسُوا\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ١٨٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥٢٩ رقم ١٦٥٣).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٢٦٦)، والطحاوي في (شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٨٦)، والدارقطني (٢/ ١٧٠)، والبيهقى في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١٦).\nقال البيهقي: هذا إسناد صحيح.\nوقال الدارقطني: إسناد حسن ثابت.\nقلت: وصحَّحه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم كما ذكره الحافظ في \"التلخيص\".\n(^٣) أورده الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٨٧ رقم ٦٩٦).\n(^٤) في (ب): \"شرط\".\n(^٥) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٣٦٧)، و\"نيل الأوطار\" (٣/ ٣١٠).","vol":"3","page":178},{"text":"عليهِ الأضحَى، وفي التركِ للبسِ، وقاسُوا عليهِ سائرَ الأعذارِ، وفي القياسِ نظرٌ؛ إذْ لم يتعيَّنْ معرفةُ الجامعِ، واللَّهُ أعلمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-557>يسنّ أكل تمرات قبل الخروجِ لصلاةِ الفطر</span>\n٣/ ٤٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ (^٢) - وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ (^٣) -: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرادًا. [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لا يغدُو) أي: يخرج وقتَ الغداةِ (يومَ الفطرِ) أي: إلى المصلَّى (حتَّى يأكلَ تمراتٍ. أخرجهُ البخاريُّ، وفي روايةٍ معلَّقةٍ) أي: للبخاريِّ علَّقَها عن أنس (ووصلَها أحمدُ: ويأكلهنَّ أفرادًا). وأخرجهُ البخاريُّ في تاريخهِ (^٤)، وابنُ حبانَ (^٥)، والحاكمُ (^٦) من روايةِ عتبةَ بن حميدٍ عنهُ بلفظِ: \"حتَّى يأكلَ تمراتٍ ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقلَّ من ذلكَ، أو أكثرَ وترًا\"، والحديثُ يدلُّ على مداومتهِ - ﷺ - على ذلكَ.\nقالَ المهلبُ: الحكمةُ في الأكلِ قبلَ الصلاةِ أنْ لا يظنَّ ظانٌّ لزومَ الصومِ حتَّى يصلِّي العيدَ، فكأنهُ أرادَ سدَّ هذه الذريعةِ. وقيلَ: لمَّا وقعَ وجوبُ الفطرِ عقيبَ وجوبِ الصومِ استحبَّ تعجيلُ الفطرِ مبادرةً إلى امتثالِ أمرِ اللَّهِ، قالَ ابنُ قدامةَ (^٧): ولا نعلمُ في استحبابِ تعجيلِ الأكلِ في هذا اليومِ قبلَ الصلاةِ خلافًا، قالَ المصنفُ في الفتحِ (^٨): والحكمةُ في استحبابِ التمرِ ما في الحلوِ من تقويةِ البصرِ الذي يضعفُهُ الصومُ، [أو] (^٩) لأنَّ الحلوَ ممّا يوافقُ الإيمانَ، ويُعَبَّرُ بهِ المنامُ، ويرققُ القلبَ، ومن ثمةَ استحبَّ بعضُ التابعينَ أن يفطرَ على الحلو مطلقًا.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٤٦ رقم ٩٥٣).\n(^٢) في عقب الحديث (٩٥٣) وفى \"تغليق التعليق\" (٢/ ٣٧٤).\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ١٢٦).\n(^٤) (٦/ ٥٢٦ ترجمة رقم ٣٢٠٦).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٨٤ رقم ٦٨٧).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٤)، وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٧) في \"المغني\" (٢/ ٢٢٩ - مع الشرح الكبير).\n(^٨) (٢/ ٤٤٧).\n(^٩) في (أ): \"و\".","vol":"3","page":179},{"text":"قالَ المهلَّبُ: وأما جعلُهنَّ وترًا فللإشارةِ إلى الوحدانيةِ، وكذلكَ كانَ يفعلُ - ﷺ - في جميعِ أمورهِ تبرُّكًا بذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-558>يسنّ تأخير الأكل يوم الأضحى</span>\n٤/ ٤٥٦ - وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالتّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [حسن]\n(وعنِ ابن بُريدةَ) بضمِّ الموحدةِ، وفتحِ الراءِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، ودالٍ مهملةٍ، (عن أبيهِ) هو بُريدةُ بنُ الحُصَيْبِ، تقدمَ. واسمُ ابن بريدةَ عبدُ اللَّهِ بن بُريدةَ بنُ الحصيبِ الأسلميُّ، أَبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ من الثالثةِ، قالهُ المصنفُ في التقريبِ (^٤).\n(قالَ: كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لا يخرجُ يومَ الفطرِ حتَّى يطعمَ، ولا يطعمُ يومَ الأضْحى حتى يصلِّي. رواه أحمدُ)، [وزاد فيه: فيأكل منْ أضحيته] (^٥)، (والترمذيُّ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ أيضًا ابنُ ماجهْ (^٦)، والدارقطنيُّ (^٧)، والحاكمُ (^٨)،\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٣٥٢ و٣٦٠).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٢٦ رقم ٥٤٢)، وقال الترمذي: حديثُ بُريدةَ بن حُصيب الأسلمي حديثٌ غريبٌ.\nوقال محمدٌ - أي البخاري - لا أعرف لثواب بنُ عتبة غيرَ هذا الحديث.\n(^٣) في \"الإحسان\" (٧/ ٥٢ رقم ٢٨١٢).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ٤٥)، وابن ماجه (١/ ٥٥٨ رقم ١٧٥٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٣٠٥ رقم ١١٠٤)، وابن خزيمة (٢/ ٣٤١ رقم ١٤٢٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٤) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وثواب بن عتبة المهري قليل الحديث، ولم يجرح بنوع يسقط به حديثه، وهذه سنة عزيزة من طريق الرواية مستفيضة في بلاد المسلمين، ووافقه الذهبي على تصحيحه.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤ رقم ٢٠٣).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (رقم ١٧٥٦) كما تقدم.\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٤٥) كما تقدم.\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٤) كما تقدم.","vol":"3","page":180},{"text":"والبيهقيُّ (^١)، وصحَّحهُ ابنُ القطان (^٢). وفي رواية البيهقيِّ زيادةٌ: \"وكان إذا رجعَ أكلَ من كبدِ (أضحيته) \"، قالَ الترمذيّ (^٣): وفي الباب عنْ عليٍّ، وأنسٍ، ورواهُ الترمذيُّ أيضًا عن ابن عمرَ (^٤)، وفيها ضعفٌ، وزاد فيه: فيأكل من أضحيته.\nوالحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الأكلِ يومَ الفطرِ قبلَ الصلاةِ، وتأخيرِه يومَ الأضحى إلى [وما بعدها] (^٥)، والحكمةُ فيهِ هوَ أنهُ لما كانَ إظهارُ كرامةِ اللهِ تعالى للعبادِ بشرعيةِ نحرِ الأضاحي، كانَ الأهمَّ الابتداءُ بأكلِها شكرًا للَّهِ على ما أنعمَ بهِ من شرعيةِ النسكيةِ الجامعةِ لخيرِ الدنيا وثوابِ الآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-559>خروج النساء إلى مصلَّى العيد</span>\n٥/ ٤٥٧ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ - قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيّضَ فِي الْعِيدَيْنِ: يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ المُصَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-560>ترجمة نسيبة بنت الحارث</span>\n(وعن أمِّ عطية) (^٧) هي الأنصاريةُ اسمُها: نسيبةُ بنت الحارث، وقيلَ: بنتُ كعبٍ، كانت تغزُو معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - كثيرًا، تداوي الجرحَى، وتمرِّضُ المرضَى، تعدُّ في أهلِ البصرةِ، وكانَ جماعةٌ منَ الصحابةِ وعلماءِ التابعينَ بالبصرةِ يأخذونَ\n_________\n(^١) في \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٦١ رقم ٦٨٤٦) و(٥/ ٦٢ رقم ٦٨٤٨).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٨٤ رقم ٦٨٨).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٤٢٦).\n(^٤) قلت: وأخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٠٧ رقم ٥٧٤٠ و٥٧٤٣)، وابن أَبي شيبة (٢/ ١٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٣) عن ابن عمر موقوفًا.\n(^٥) في (ب): \"وما بعدَ الصلاة\".\n(^٦) البخاري (٩٧٤)، ومسلم (١٢/ ٨٩٠).\nقلت: وأخرجه أَبو داود (١١٣٦)، والترمذي (٥٣٩)، والنسائي (٣/ ١٨٠)، وابن ماجه (١٣٠٧).\n(^٧) انظر ترجمتها في: \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٦٥)، و\"الإصابة\" (١٣/ ٢٥٣)، و\"الاستيعاب\" (١٣/ ٢٥٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٥٠٠).","vol":"3","page":181},{"text":"عنها غسل الميتِ؛ لأنَّها شهدتْ غسلَ بنتِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؛ فحكتْ ذلكَ وأتقنتْ، فحديثُها أصلٌ في غسل الميتِ، ويأتي حديثُها هذا في كتابِ الجنائزِ (^١).\n(قالت: أُمرْنا) مبنيٌّ للمجهولِ للعلم بالآمرِ [به] (^٢)، وأنهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، وفي روايةٍ للبخاري: أَمَرنا نبيُّنا (أن نخرِجَ) أي: إلى المصلَّى (العواتقَ) البناتِ الأبكارَ البالغات والمقارباتِ للبلوغِ، (والحُيَّضَ) هوَ أعمُّ من الأول من وجهٍ، (في العيدينِ يشهدْنَ الخيرَ)، هوَ الدخولُ في فضيلةِ الصلاةِ لغيرِ الحيّضِ، (ودعوةَ المسلمينَ) تعمُّ الجميعَ (ويعتزلُ الحيَّضُ المصلَّى. متفقٌ عليهِ)، لكنَّ لفظُه عند البخاري: \"أُمِرْنا أنْ نخرجَ العواتقَ ذواتِ الخدورِ\"، أو قالَ: \"العواتقَ وذواتِ الخدورِ، فيعتزلنْ الحيَّضُ المصلَّى\"، ولفظُ مسلمٍ: \"أمَرَنا، يعني النبيُّ - ﷺ -، أنْ نخرجَ العواتقَ وذواتِ الخدورِ، وأمرَ الحيّضَ أن يعتزلن مصلَّى المسلمينَ\"؛ فهذا اللفظُ الذي أتى به المصنفُ ليسَ لفظُ أحدِهما.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ إخراجهنَّ، وفيهِ أقوالٌ ثلاثةٌ:\n(الأول): أنهُ واجبٌ، وبه قال الخلفاءُ الثلاثةُ: أَبو بكرٍ، وعمرُ، وعليٌّ، ويؤيّدُ الوجوبَ ما أخرجهُ ابنُ ماجَهْ (^٣)، والبيهقيُّ (^٤)، من حديثِ ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يخرجُ نساءَه وبناتهِ في العيدينِ\"، وهوَ ظاهرٌ في استمرارِ ذلكَ منهُ - ﷺ -، وهوَ عامٌّ لمنْ كانتْ ذاتِ هيئةٍ وغيرِها، وصريحٌ في الشوابِّ، وفي العجائزِ بالأولى.\n(والثاني): سنّةٌ، وحُمِلَ الأمرَ بخروجهنَّ على الندب، قالهُ جماعةٌ، وقوّاهُ الشارحُ مستدلًا بأنهُ عللَ خروجهنَّ بشهودِ الخيرِ ودعوةِ المسلمينِ. قال: ولو كانَ واجبًا لما عُلِّلَ بذلكَ، ولكانَ خروجُهنَّ لأداءِ الواجبِ عليهنَّ لامتثالِ الأمرِ.\nقلت: وفيه تأملُ، فإنهُ قد يعلّلُ الواجبُ بما فيهِ منَ الفوائدِ، ولا يعلّلُ\n_________\n(^١) رقم (١٢/ ٥١١).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤١٥ رقم ١٣٠٩)، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٤٢٨ رقم ٤٦٠/ ١٣٠٩): \"هذا إسناد ضعيف لتدليس حجاج بن أرطاة\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٠٧).\nوهو حديث ضعيف، وقد ضعَّفه الألباني في ضعيف ابن ماجه.","vol":"3","page":182},{"text":"بأدائِهِ، وفي كلام الشافعيِّ في الأمِّ (^١) التفرقةُ بينَ ذواتِ الهيئاتِ والعجائزِ؛ فانهُ قالَ: [أحبُّ] (^٢) شهودَ العجائزِ وغير ذواتِ الهيئاتِ منَ النساءِ الصلاة، وإنَّا لشهودهنَّ الأعيادَ أشدُّ استحبابًا.\n(والثالثُ): أنهُ منسوخ، قالَ الطحاويُّ: إنَّ ذلكَ كانَ في صدرِ الإسلامِ للاحتياج في خروجهنَّ لتكثيرِ السوادِ، فيكونُ فيهِ إرهابٌ للعدوِّ ثمَّ نسخَ، وتعقّبَ أنهُ نسخٌ بمجردِ الدعوى، ويدفعهُ أنّ ابنَ عباسٍ شهدَ خروجهنَّ وهو صغيرٌ، وكانَ ذلكَ بعد فتحِ مكّةَ، ولا حاجةَ إليهنَّ لقوةِ الإسلامِ حينئذٍ، ويدفعهُ أنهُ علّلَ في حديثِ أمِّ عطيةَ حضورَهنَّ لشهادتهنَّ الخيرَ ودعوةَ المسلمين، ويدفعهُ أنه أفئتْ به أمّ عطيةَ بعدَ وفائهِ - ﷺ - بمدةٍ، ولم يخالفْها أحدٌ منَ الصحابةِ.\nوأمّا قولُ عائشةَ: \"لو رأى النبيُّ - ﷺ - ما أحدثَ النساءُ لمنعهنَّ عن المساجدِ\" (^٣)، فهو لا يدلُّ على تحريمِ خروجهنَّ ولا على نسخِ الأمرِ به، بل فيه دليل على [أنهنَّ لا يمنعنَ لأنهُ لم يمنعهنَّ - ﷺ -] (^٤)، بل أمرَ بإخراجهنَّ، فليسَ لنا أن نمنعَ ما أمرَ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-561>السنة تقديم صلاة العيد على الخطبة</span>\n٦/ ٤٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأبو بكرٍ وعمر يصلّونَ العيدينِ قبلَ الخطبةِ. متفقٌ عليهِ). فيه دليل [على] (^٦) أن ذلكَ هوَ الأمرُ الذي داومَ عليهِ - ﷺ - وخليفتاهُ، واستمرُّوا على ذلكَ. وظاهرهُ وجوبُ تقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ.\n_________\n(^١) (١/ ٢٧٥) طبع دار الفكر.\n(^٢) في (أ): \"وأحب\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٨٦٩)، ومسلم (١٤٤/ ٤٤٥)، وأبو داود (٥٦٩)، ومالك (١/ ١٩٨ رقم ١٥) من حديث عائشة.\n(^٤) في (أ) \"أنا لا نمنعهن\".\n(^٥) البخاري (٢/ ٤٥٣ رقم ٩٦٣)، ومسلم (٨/ ٨٨٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٢)، والترمذي (٥٣١)، والنسائي (٣/ ١٨٣)، وابن ماجه (١٢٧٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٩٦).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"3","page":183},{"text":"وقد نُقِلَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ الخطبةِ في العيدينِ، ومستندهُ ما أخرجهُ النسائيُّ (^١)، وابنُ ماجهْ (^٢)، وأبو داودَ (^٣) من حديثِ عبدِ اللهِ بن السائبِ، قالَ: شهدتُ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - العيدَ فلما قضَى صلاتَهُ قالَ: \"إنا نخطبُ، فمن أحبَّ أن يجلسَ للخطبةِ فليجلسْ، ومن أحبَّ أنْ يذهبَ فليذهبْ\"، فكانتْ غيرَ واجبةٍ، فلوْ قدَّمها لم تشرعْ إعادتُها وإنْ كانَ فاعلًا خلافَ السنةِ.\nوقد اختُلِفَ مَنْ أولُ مَنْ خَطَبَ قبلَ الصلاةِ: ففي مسلمٍ (^٤) أنهُ مروانُ، وقيلَ: سبقَهُ إلى ذلكَ عثمانُ، كما رواهُ ابنُ المنذرِ (^٥) بسندٍ صحيحٍ إلى الحسنِ البصري، قال: \"أولُ مَنْ خطب قبلَ الصلاةِ عثمانُ، أي: صلاةِ العيدِ\"، وأمّا مروانُ فإنهُ إنما قدَّمَ الخطبةَ، لأنهُ قالَ لما أنكرَ عليه أَبو سعيدٍ؛ إنَّ الناسَ لم يكونُوا يجلسونَ لنا بعدَ الصلاةِ، قيلَ: إنَّهم كانُوا يتعمّدونَ تركَ سماع خطبته لما فيها من سبِّ مَنْ لا يستحقُّ السبَّ، والإفراطِ في بعضِ مدحِ الناسِ. وقد روى عبدُ الرزاقِ (^٦) عن ابن جريجٍ، عن الزهريّ، قالَ: \"أولُ مَنْ أحدثَ الخطبة قبلَ الصلاةِ في العيدِ معاويةُ\".\nوعلى كلِّ تقديرٍ فإنهُ بدعةٌ مخالفٌ لهديهِ - ﷺ -، وقد اعتُذِرَ لعثمانَ بأنهُ كثرَ الناسُ في المدينةِ وتناءتِ البيوتُ، فكانَ يقدمُ الخطبةَ ليدركَ مَنْ بَعُدَ منزلُه الصلاةَ، وهوَ رأيٌ مخالفٌ لهديهِ - ﷺ -.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ١٨٥).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤١٠ رقم ١٢٩٠).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٦٨٣ رقم ١١٥٥) قال أَبو داود: هذا مرسل عن عطاء عن النبيّ - ﷺ -. وقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في تحقيق \"جامع الأصول\" (٦/ ١٤٢)، وفيه أيضًا عنعنة ابن جريج.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٩٧): \"كل روايات ابن جريج عن عطاء محمولة على السماع إلّا ما تبيّن تدليسه فيه\" اهـ.\nكما ردّ ابن التركماني (٣/ ٣٠١ - بهامش السنن الكبرى) على كلام أَبي داود بكلام متين ونقد مبين، فلذا فالحديث صحيح كما قال الحاكم (١/ ٢٩٥) ووافقه الذهبي.\n(^٤) (٢/ ٦٠٥ رقم ٩/ ٨٨٩) من حديث أَبي سعيد الخدري.\n(^٥) في \"الأوسط\" (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٢١٥١). وذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥١) وقال: رواه ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري.\n(^٦) في \"المصنف\" (٣/ ٢٨٤ رقم ٥٦٤٦).","vol":"3","page":184},{"text":"<span data-type='title' id=toc-562>لا صلاة قبل العيد ولا بعدها</span>\n٧/ ٤٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ -: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صلَّى يومَ العيدِ ركعتينِ لم يصلِّ قبلَها ولا بعدَها. أخرجةُ السبعةُ).\nهوَ دليلٌ على أن صلاةَ العيدِ ركعتانِ، وهوَ إجماعٌ فيمنْ صلَّى معَ الإمامِ في الجبَّانةِ، وأما إذا فاتتهُ صلاةُ الإمام [فصلَّى] (^٢) وحدَه [فكذلكَ] (^٣) عند الأكثرِ. وذهبَ أحمدُ والثوريُّ إلى أنهُ يصلِّي أربعًا، وأخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٤) عن ابن مسعودٍ: \"مَنْ فاتتهُ صلاةُ العيدِ معَ الإمامِ فليصلِّ أربعًا\"، وهوَ إسنادٌ صحيحٌ، وقالَ إسحاقُ: إنْ صلَّاها في الجبانةِ فركعتينِ، وإلَّا فأربعًا، وقالَ أَبو حنيفةَ: إذا قَضَى صلاةَ العيدِ فهوَ مخيّرٌ بينَ [اثنتين] (^٥) وأربعٍ. وصلاةُ العيدينِ مجمعٌ على شرعيّتِها مختلفٌ فيها على أقوالٍ ثلاثةٍ:\nالأولُ: وجوبُها عندَ الهادي عينًا وأبي حنيفةَ، وهوَ الظاهرُ من مداومتهِ - ﷺ - والخلفاءِ من بعدهِ. وأمرِهِ بإخراجِ النساءِ، وكذلكَ ما سلفَ من حديثِ أمرِهِمْ بالغدوِّ إلى مصلَّاهم، فالأمرُ أصلُه الوجوبُ، ومنَ الأدلّةِ قولُه تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (^٦)، على مَنْ يقولُ: المرادُ بهِ: صلاةُ النحر، وكذلكَ قولُه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ (^٧)، فسَّرها الأكثرُ بزكاةِ الفطرِ وصلاةِ عيدهِ.\nالثاني: أنَّها فرضُ كفايةٍ لأنَّها شعارٌ وتسقطُ بقيامِ البعضِ بهِ كالجهادِ، ذهبَ إليهِ أَبو طالبٍ وآخرونَ.\n_________\n(^١) أحمد (١/ ٣٥٥)، والبخاري (٩٨٩)، ومسلم (١٣/ ٨٨٤)، وأبو داود (١١٥٩)، والترمذي (٥٣٧)، والنسائي (٣/ ١٩٣)، وابن ماجه (١٢٩١).\n(^٢) في (ب): \"وصلّى\".\n(^٣) في (ب): \"وكذلك\".\n(^٤) وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٢/ ٢٠٥) - عن ابن مسعود ورجاله ثقات.\n(^٥) في (ب): اثنين.\n(^٦) سورة الكوثر: الآية ٢.\n(^٧) سورة الأعلى: الآية ١٤ - ١٥.","vol":"3","page":185},{"text":"الثالثُ: أنّها سنةٌ مؤكّدةٌ، ومواظبتهُ - ﷺ - عليها دليلُ تأكيد سنّيّتِها، وهوَ قولُ زيدِ بن عليٍّ وجماعةِ، قالُوا: لقولهِ - ﷺ -: \"خمسُ صلواتٍ كتبهنّ اللَّهُ على العبادِ\" (^١)، وأجيبَ بأنهُ استدلالٌ بمفهومِ العددِ وبأنهُ يحتملُ: كتبهنَّ كلَّ يومٍ وليلةٍ. وفي قولهِ: \"لم يصلِّ قبلَها ولا بعدَها\"، دليل على عدمِ شرعيةِ النافلةِ قبلَها ولا بعدَها، لأنهُ إذا لم يفعلْ ذلك ولا أمرَ بهِ - ﷺ -، فليسَ بمشروعٍ في حقِّهِ فلا يكونُ مشروعًا في حقِّنا ويأتي حديثُ أَبي سعيد (^٢)، فإنَّ فيهِ الدلالةَ على [تركه لذلك] (^٣) إلَّا أنهُ يأتي مِنْ حديثِ أَبي سعيدٍ: \"أنهُ - ﷺ - كان يصلّي بعدَ العيدِ ركعتينِ في بيتهِ\"، وصحَّحهُ الحاكمُ، فالمرادُ بقولهِ هنا: \"ولا بعدها\"، أي: في المصلّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-563>لا أذان ولا إقامة لصلاة العيدين</span>\n٨/ ٤٦٠ - وَعَنْهُ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَأَضلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (^٥). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى العيدَ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ. أخرجهُ أَبو داودَ، وأصلُه في البخاريِّ)، هوَ دليل على عدمِ شرعيّتِهما في صلاةِ العيدِ [فإنَّهما] (^٦) بدعةٌ. ورَوَى ابنُ أَبي شيبةَ (^٧) بإسنادِ صحيحٍ عن ابن المسيّبِ \"أن أوَّلَ مَنْ أحدثَ الأذانَ لصلاةِ العيدِ معاويةُ\"، ومثلُه رواهُ الشافعيُّ (^٨) عن الثقةِ، وزادَ: \"وأخذَ بهِ الحجَّاجُ حينَ أُمِّرَ على المدينةِ\".\nوروى ابنُ المنذرِ (^٩): \"إنَّ أولَ مَنْ أحدَثه زيادٌ بالبصرةِ\". وقيلَ: أوّلُ مَنْ أحدثَه مروانُ، وقالَ ابنُ أَبي حبيب: أولُ مَنْ أحدثَه عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، وأقامَ أيضًا. وقد رَوَى الشافعيُّ (^١٠) عن الثقةِ عن الزهريِّ: \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يأمرُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١) من حديث طلحة بن عبيد الله.\n(^٢) رقم (٩/ ٤٦١).\n(^٣) في (ب): \"ترك ذلك\".\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٨٠ رقم ١١٤٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٥١ رقم ٩٦٠).\n(^٦) في (أ): \"وأنهما\".\n(^٧) في \"المصنف\" (٢/ ١٦٩).\n(^٨) في \"الأم\" (١/ ٢٦٩) طبع دار الفكر.\n(^٩) في \"الأوسط\" (٤/ ٢٥٩).\n(^١٠) في \"الأم\" (١/ ٢٦٩).","vol":"3","page":186},{"text":"المؤذنَ في [العيدين] (^١) أنْ يقولَ (^٢): الصلاةُ جامعةٌ\". قالَ في الشرحِ: وهذا مرسلٌ يعتضدُ بالقياسِ على الكسوفِ لثبوتَ ذلكَ فيه. قلتُ: وفيهِ تأمّلٌ.\n٩/ ٤٦١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٣) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٤). [حسىن]\n(وعن أَبي سعيدٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - لا يصلِّي قبلَ العيدِ شيئًا، فإذا رجعَ إلى منزلهِ صلَّى ركعتينِ. رواة ابن ماجَهْ بإسنادٍ حسنٍ)، وأخرجهُ الحاكمُ (^٥)، وأحمدُ (^٦)، وروى الترمذيُّ (^٧) عن ابنٍ عمرَ نحوَه، وصحّحهُ، وهوَ عندَ أحمدَ (^٨)، والحاكم (^٩). ولهُ طريقٌ أخْرى عندَ الطبرانيِّ في الأوسطِ (^١٠)، لكنْ فيهِ جابرٌ الجعفيُّ وهوَ متروكٌ.\nوالحديثُ يدلُّ على أنهُ شرعَ صلاةَ ركعتينِ بعدَ العيدِ في المنزلِ، وقدْ عارضَهُ حديثُ ابن عمرَ عندَ أحمدَ مرفوعًا: \"لا صلاة يومَ العيد [لا] (^١١) قبلَها ولا بعدَها\"، ويجمعُ بينَهما بأنْ المرادَ: لا صلاةَ في الجبَّانةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-564>شرعية الخروج إلى المصلَّى</span>\n١٠/ ٤٦٢ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى\n_________\n(^١) في (ب): \"العيد\".\n(^٢) في المخطوط: فيقول، وما أثبتناه من الأم.\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤١٠ رقم ١٢٩٣).\n(^٤) قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤٢٣ رقم ٤٥١/ ١٢٩٣): \"وهذا إسناد حسن\".\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٧) وقال: هذه سنَّة عزيزة بإسناد صحيح، ووافقه الذهبي.\n(^٦) في \"المسند\" (٣/ ٣٦).\nوالخلاصة: فهو حديث حسن، والله أعلم.\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٤١٨ رقم ٥٣٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٨) في \"المسند\" (٢/ ٥٧ رقم ٥٢١٢).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٥) وصححه ووافقه الذهبي.\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^١٠) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٨٣ رقم ٦٨٦).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"3","page":187},{"text":"الْمُصَلَّى، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ - وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ - فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: أَبي سعيدٍ (قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يخرجُ يومَ الفطرِ والأضحَى إلى المصلَّى، وأولُ شيءٍ يبدأ بهِ الصلاةُ، ثمَّ ينصرفُ فيقومُ مقابلَ الناسِ، والناسُ على صفوفِهم، فيعظُهم ويأمرُهم. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دليل على شرعيةِ الخروجِ إلى المصلَّى، والمتبادرُ منهُ الخروجُ إلى موضع غيرِ مسجدِه - ﷺ -، وهوَ كذلكَ؛ فإنَّ مصلاهُ - ﷺ - محلٌّ معروفٌ بينهُ وبينَ بابِ مسجدِه ألفُ ذراع، قالهُ عمرُ بنُ شبةَ في أخبارِ المدينةِ.\nوفي الحديثِ دلالةٌ على تقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ - وتقدَّمَ - وعلى أنهُ لا نَفْلَ قَبْلَها. وفي قولهِ: \" [يقومُ] (^٢) مقابلَ الناسِ\" دليلٌ على أنهُ لم يكنْ في مصلَّاهُ منبرٌ.\nوقدْ أخرجَ ابنُ حبانَ (^٣) في روايةٍ: \"خطبَ يومَ عيدٍ على راحلتهِ\"، وقد ذكر البخاريُّ (^٤) في تمامِ روايتهِ عن أَبي سعيدٍ: \"أن أولَ مَنِ اتَّخذَ المنبرَ في مصلَّى العيدِ مروانُ\"، وإنْ كانَ قدْ رَوَى عمرُ بنُ شبةَ \"أن أولَ مَنْ خطبَ الناسَ في المصلَّى على المنبرِ عثمانُ فعلهُ مرةً، ثمَّ تركهُ حتَّى أعادهُ مروانُ\"، وكأنَّ أبا سعيدٍ لم يطلعْ على ذلكَ (^٥).\nوفيهِ دليلٌ على مشروعيةِ خطبةِ العيدِ، وأنَّها كخطبِ الجمع أمرٌ ووعظٌ وليسَ فيهِ أنَّها خطبتانِ كالجمعةِ، وأنهُ يقعدُ بينَهما، ولعلهُ لم يثبتْ ذلكَ من فعلهِ - ﷺ -، وإنَّما صنعهُ الناسُ قياسًا على الجمعةِ.\n_________\n(^١) البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٩/ ٨٨٩).\n(^٢) في (أ): \"قام\".\n(^٣) في \"الإحسان\" (٧/ ٦٥ رقم ٢٨٢٥) بإسناد صحيح على شرط مسلم، قاله الشيخ شعيب.\nوهو في مسند أَبي يعلى رقم (١١٨٢)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٠٥): رواه أَبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه ابن خزيمة رقم (١٤٤٥) من طريق سلم بن جنادة عن وكيع بهذا الإسناد.\n(^٤) في الحديث رقم (٩٥٦) وقد تقدم.\n(^٥) سبق الكلام عنه عند شرح الحديث رقم (٦/ ٤٥٨).","vol":"3","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-565>التكبير في صلاة العيد</span>\n١١/ ٤٦٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ - ﵃ - قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -: \"التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الآخرة، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيهِمَا\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيّ تَصْحِيحَهُ (^٢). [صحيح بشواهده]\n\n<span data-type='title' id=toc-566>ترجمة عمروِ بن شعيبِ</span>\n(وعن عمروِ بن شعيبِ) (^٣) هو أَبو إبراهيمَ عمرُو بنُ شعيبٍ، بن محمدٍ، بن عبدِ اللَّهِ، بن عمروِ بن العاصِ، سمعَ أباهُ وابن المسيّبِ وطاوسًا، ورَوَى عنهُ الزُّهريُّ وجماعةٌ، ولم يخرجِ الشيخانِ حديثَه، وضميرُ أبيهِ وجدِّه إنْ كانَ معناهُ أنَّهُ أباهُ شعيبًا رَوَى عَنْ جدِّه محمدٍ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ كذا فيكونُ مرسلًا، لأنَّ جدَّهُ محمدًا لم يدركِ النبيّ - ﷺ -، وإنْ كانَ الضميرُ الذي في أبيهِ عائدًا إلى شعيبٍ، والضميرُ [الذي] (^٤) في جدِّهِ إلى عبدِ اللَّهِ، فيرادُ أن شعيبًا رَوَى عن جدِّهِ عبدِ اللَّهِ، (وشعيبٌ) (^٥) لم يدركْ جدَّه عبدَ اللَّهِ، فلهذهِ العلةِ لم يخرجا حديثَه. وقالَ النووي (^٦).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٨١ رقم ١١٥١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (١٢٧٨)، وأحمد (٢/ ١٨٠)، وابن الجارود رقم (٢٦٢)، والدارقطني (٢/ ٤٨ رقم ٢٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٩٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦) كلّهم من حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٢١٧): \"قال ابن القطان في كتابه: والطائفي هذا ضعّفه جماعة منهم ابن معين. اهـ. قال النووي في \"الخلاصة\": قال الترمذي في \"العلل\": سألت البخاري عنه، فقال: هو صحيح. اهـ.\nقلت: وله شواهد، وخلاصة القول: أن الحديث صحيح بشواهده، والله أعلم.\n(^٢) في \"العلل الكبير\" (ص ٩٣ - ٩٤ رقم ١٥٤).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٤٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٨)، و\"المغني في الضعفاء\" للذهبي (٢/ ٤٨٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٣)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ٣٢٥).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (ب): \"فشعيب\".\n(^٦) في المطبوع: \"الذهبيّ\" وقد ثبت هذا القول عنهما كما في \"الميزان\" (٣/ ٢٦٧)، =","vol":"3","page":189},{"text":"قد ثبتَ سماعُ شعيبٍ منْ جدِّهِ عبدِ اللَّهِ. وقَدِ احتجَّ بهِ أربابُ السننِ الأربعةِ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، والحاكمُ.\n(عن أبيهِ عن جدِّهِ قالَ: قالَ نبيّ اللَّهِ - ﷺ -: التكبيرُ في الفطرِ)، أي: في صلاةِ عيدِ الفطرِ (سبعٌ في الأولَى) أي: في الركعةِ الأُولى (وخمسٌ في [الآخرة]) (^١) أي: الركعةِ الأُخْرى، (والقراءة) الحمدُ وسورةٌ (بعدَهما كلتيهما. أخرجه أَبو داودَ، ونقلَ الترمذيُّ عن البخاريِّ تصحيحَه)، وأخرجهُ أحمدُ (^٢) وعليُّ بنُ المدينيّ وصحَّحاهُ (^٣). وقد رَوَوْهُ منْ حديثِ عائشةَ (^٤)، وسعدٍ القَرَظْ (^٥)، وابنِ\n_________\n= و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٢٩).\n(^١) كما في النسخة (أ): والأخيرة.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ١٨٠) كما تقدم.\n(^٣) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٨٤ رقم ٦٩١).\n(^٤) أخرجه أَبو داود (١١٥٠)، وابن ماجه (١٢٨٠)، وأحمد (٦/ ٧٠)، والدارقطني (٢/ ٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤) من طرق عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: \"وكان رسول الله - ﷺ - يُكبر في العيدين، في الأولى: سبع تكبيرات، وفي الثانية: خمس تكبيرات قبل القراءة\" بسند صحيح.\nوابن لهيعة وإن كان فيه ضعف، فقد رواه عنه ابنُ وهب، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط. ولكن اختلف على ابن لهيعة فيه:\nفقد أخرجه أَبو داود أيضًا (١/ ٦٨٠ رقم ١١٤٩)، والحاكم (١/ ٢٩٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٦ - ٢٨٧) عن ابن لهيعة، عن عقيل عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة به.\nوأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٤٣) عن ابن لهيعة، عن أَبي الأسود، عن عروة عن أَبي واقد الليثي، ومرة يزيد على هذا: عن عائشة، ومرة يرويه عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب.\nقلت: ويمكن ترجيح الطريق الأولى على ما سواها وبذلك ينتفي وجه الاضطراب.\nوقد قال البيهقي عقب الطريق الأولى: هذا هو المحفوظ، لأن ابن وهب قديم السماع من ابن لهيعة\" اهـ.\n(^٥) أخرجه ابن أَبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢٥٣ رقم ٢٢٥٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٤٩ رقم ٥٤٤٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٧) من طريق بقية ثنا الزبيدي عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد القرظ أن أباه وعمومته أخبروه عن أبيه سعد - وكان القرظ مؤذنًا لأهل قباء فانتقله عمر بن الخطاب فاتخذه مؤذّنًا - \"أن السنة في الأضحى والفطر أن يكبِّر الإمام في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، ويكبِّر في =","vol":"3","page":190},{"text":"عباسٍ (^١)، وابنِ عمرَ (^٢)، وكثيرِ بن عبدِ اللهِ (^٣)، والكلُّ فيهِ [ضعفاء] (^٤). وقد رُوِيَ عن عليٍّ (^٥) - ﵇ - وابن عباسٍ (^٦) موقوفًا، وقالَ ابنُ رشدٍ (^٧): إنَّما صارُوا\n_________\n= الركعة الثانية خمس تكبيرات قبل القراءة\"، وفي إسناده حفص وأبوه، قال الحافظ عن كل منهما: مقبول.\nوبقيَّة ممن يدلَّس تدليس التسوية وقد صرَّح بالتحديث من شيخه عند الطبراني لكنه لم يصرح بتحديث الزهري للزبيدي حتى يقبل حديثه.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح بشواهده.\n(^١) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٦٦ رقم ٤)، والحاكم (١/ ٣٢٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٨) من طريق محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن طلحة به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وردَّه الذهبي فقال: ضعف عبد العزيز. وقال الآبادي في \"التعليق المغني\": \"وفي تصحيحه - أي الحاكم - نظر، لأن محمد بن عبد العزيز هذا، قال فيه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أَبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال فاعتلّ الحديث بهما\" اهـ.\n(^٢) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٤٨ رقم ٢٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٤٤) من طريق الفرج بن فضالة عن عبد الله بن عامر الأسلمي عن نافع عن ابن عمر به.\nوقال الترمذي في \"العلل الكبير\" (ص ٩٤ - ٩٥ رقم ١٥٦): \"وسألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: وحديث الفرج بن فضالة، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر عن النبيّ - ﷺ - بهذا خطأ. قال البخاري: الفرج بن فضالة ذاهب الحديث … \" اهـ.\n(^٣) أخرجه الترمذي (٥٣٦)، وابن ماجه (١٢٧٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٤٤)، والدارقطني (٢/ ٤٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٧٩) عنه.\nقال الترمذي: حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب عن النبيّ - ﷺ -.\nوقال النووي في \"المجموع\" \"٥/ ١٦\": \"وهذا الذي قاله - أي الترمذي - فيه نظر، لأن كثير بن عبد الله ضعيف ضعفه الجمهور\" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"ضعيف\".\n(^٥) أخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٧٠)، والبيهقي في \"السنن والآثار\" (٥/ ٧٢ رقم ٦٨٧٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٢٩٢ رقم ٥٦٧٨) عنه بإسناد ضعيف جدًّا لأن إبراهيم بن أَبي يحيى متروك كما في \"التقريب\".\n(^٦) أخرجه الفريابي في \"أحكام العيدين\" (رقم ١٢٤) عن ابن عباس قال: \"التكبير في العيدين ثلاث عشرة، سبع وست\"، وإسناده صحيح.\n(^٧) في \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (١/ ٥٠٨) بتحقيقي.","vol":"3","page":191},{"text":"إلى الأخذِ بأقوالِ الصحابةِ في هذهِ المسألةِ، لأنهُ لم يثبتْ فيها عن النبيِّ - ﷺ - شيء.\nقلتُ: [وقد] (^١) روى العقيليُّ (^٢) عن أحمدَ بن حنبلٍ أنهُ قالَ: ليسَ يروى في التكبيرِ في العيدينِ حديثٌ صحيح، [هذا] (^٣) والحديثُ دليل على أنهُ يكبرُ في الأُولى من ركعتي العيدِ سبعًا، ويحتملُ أنها بتكبيرة الافتتاحِ، وأنَّها من غيرَها، والأوضحُ أنَّها من دونِها وفيها خلادث، وقالَ في الهدي النبويّ (^٤): إنَّ تكبيرةَ الافتتاح منها إلَّا أنهُ لمْ يأتِ بدليلٍ، وفي الثانية خمسًا، وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منَ الصحابةِ وغيرِهم، وخالفَ آخرونَ فقالُوا: خمسٌ في الأُولى وأربعٌ في الثانيةِ، وقيلَ: ثلاثٌ في الأُولى وثلاثٌ في الثانيةِ، وقيلَ: ستٌّ في الأُولى وخمسٌ في الثانيةِ، قلتُ: والأقربُ العملُ بحديثِ البابِ، فإنهُ وإنْ كانَ كلُّ طرقهِ واهيةً، فإنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ولأنَّ ما عداهُ منَ الأقوالِ ليسَ فيها سنةٌ يُعملُ بها.\n[وفي الحديث] (^٥) دليلٌ على أن القراءةً بعدَ التكبيرِ في الركعتينِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ ومالكٌ، وذهبَ الهادي إلى أن القراءةَ قبلَها فيهمَا، واستدلَّ لهُ في البحرِ (^٦) بما لا يتمُّ دليلًا، وذهبَ الباقرُ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ يقدمُ التكبيرَ في الأُولى، ويؤخّرُهُ في الثانيةِ ليوالي بينَ [القراءتين] (^٧).\nواعلمْ أن قولَ المصنفِ أنهُ نقلَ الترمذيُّ عن البخاريِّ تصحيحَه، وقال في \"التلخيصُ الحبيرِ\" (^٨): إنهُ قالَ البخاريُّ والترمذيُّ إنهُ أصحُّ شيءٍ في هذا البابِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"و\".\n(^٢) قلت: ويظهر أن الإمام أحمد ﵀ قد ثبت عنده الحديث بعد ذلك فقال: أنا ذهبت إلى هذا.\nففي مسائل أَبي داود (ص ٥٩): \"قلت لأحمد: تكبير العيد؟ قال: يكبر في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا … \".\nوكذا ذكره ابنه عبد الله في المسائل (ص ١٢٨)، وإسحاق بن هانئ في مسائله (١/ ٩٣).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) (١/ ٤٤٣).\n(^٥) في (أ): \"وفيه\".\n(^٦) (١/ ٦١ - ٦٢).\n(^٧) في (أ): \"الفرائض\".\n(^٨) (٢/ ٨٤ رقم ٦٩١).","vol":"3","page":192},{"text":"فلا أدري من أينَ نقلَهُ عن الترمذيِّ، فإنَّ الترمذيَّ لم يخرجْ في سننهِ رواية عمرِو بن شعيبٍ أصلًا (^١)، بل أخرجَ روايةَ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ عن أبيهِ عن جدِّهِ وقالَ: حديث جدِّ كثيرٍ أحسنُ شيء رُوي في هذا البابِ عن النبيّ - ﷺ -، وقال: وفي البابِ عن عائشةَ، وابنِ عمرَ، وعبدَ اللَّهِ بن عمرٍو. ولمْ يذكرْ عن البخاري شيئًا، وقد وقعَ للبيهقيِّ في السننِ الكبرى هذا الوهمُ (^٢) بعينهِ إلَّا أنهُ ذكرهُ بعدَ روايتهِ لحديثِ كثيرٍ، فقال: قالَ أَبو عيسى: سألتُ محمدًا - يعني البخاريَّ - عن هذا الحديثِ فقال: ليسَ في هذا الباب شيءٌ أصحَّ منهُ، قالَ: وحديثُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الرحمنِ الطائفي عن عمروِ بن شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه في هذا البابِ هوَ صحيحٌ أيضًا، انتهَى كلامُ البيهقيّ.\nولم نجدْ في الترمذيّ شيئًا مما ذكرهُ، وقد نبَّهَ في \"تنقيح الأنظارِ\" (^٣) على شيءٍ من هذا، وقالَ: والعجبُ أنّ ابن النحوي ذكرَ في خلاصتهِ عن البيهقيِّ أن الترمذيّ قال: سألتُ محمدًا عنهُ … إلخ، وبهذا يعرفُ أنّ المصنفَ قلَّدَ في النقلِ عن الترمذيّ عن البخاريِّ الحافظَ البيهقيّ، ولهذا لم ينسبْ حديثَ عمروِ بن شعيبٍ إلَّا إلى أَبي داودَ. والأَوْلى العملُ بحديثِ عمروٍ لما عرفتَ، وأنهُ أشفَى شيءٍ في البابِ، وكانَ - ﷺ - يسكتُ بينَ كلِّ تكبيرتينِ سكتةً لطيفةً، ولمْ يحفظْ عنهُ ذكرٌ معينٌ بينَ التكبيرتين، ولكنْ ذكرَ الخلال عن ابن مسعودٍ (^٤) أنهُ قالَ: يحمدُ اللَّهَ ويثني عليهِ ويصلِّي على النبيِّ - ﷺ -، وأخرجَ الطبرانيُّ في الكبيرِ (^٥) عن ابن مسعودٍ: \"أن بينَ كلّ تكبيرتينِ قدرَ [كلمتينِ] (^٦) \"، وهوَ موقوفٌ وفيهِ (سليمانُ بنُ أرقمٍ) (^٧) ضعيفٌ. وكان ابنُ عمرَ مع تحرّيهِ للاتباعِ يرفعُ يديهِ معَ كلِّ تكبيرةٍ (^٨).\n_________\n(^١) قلت: انظر \"العلل الكبير\" للترمذي (ص ٩٣ - ٩٤ رقم ١٥٤) فقد ذكر ذلك.\n(^٢) قلت: ليس هذا وهمًا من البيهقي بل من الأمير ﵀.\n(^٣) \"تنقيح الأنظار في شرح هداية الأفكار\"، تأليف: السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد المؤيدي (١٠٨٣) في \"شرح الهداية\"، ثلاث مجلدات حافلة، كل مجلد يأتي مثل \"شرح الأزهار\" لابن مفتاح، مكتبة \"الجامع الكبير\" (١١٧٨) الجزء الثالث.\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٩١ - ٢٩٢) عنه موقوفًا.\n(^٥) كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢٠٥).\n(^٦) في (أ): \"كلمة\".\n(^٧) في \"المجمع\" (٢/ ٢٠٥) عبد الكريم بدل سليمان بن أرقم.\n(^٨) ذكره ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٤٣). =","vol":"3","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-567>ما يقرأ في صلاة العيدينِ</span>\n١٢/ ٤٦٤ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيّ - ﵁ - قَالَ: كانَ النبيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى بق، وَاقْتَرْبَتْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعن أَبي واقدٍ) (^٢) بقافٍ ومهملةٍ، اسمُ فاعل من وَقَدَ، اسمُهُ الحارثُ بنُ عوفٍ الليثيّ قديمُ الإسلامِ، قيلَ: إنهُ شهدَ بدرًا، وقيلَ: إنهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الفتحِ، والأولُ أصحُّ، عدادهُ في أهلِ المدينةِ، وجاورَ بمكةَ، وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وستينَ (الليثيِّ - ﵁ - قال: كان النبيُّ - ﷺ - يقرأُ في الفطرِ والأضحَى بقافٍ) أي: في الأُولى بعد الفاتحةِ (واقتربتْ) أي: في الثانيةِ بعدَها (أخرجهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أن القراءةَ بهمَا في صلاةِ العيد سنةٌ، وقد سلفَ أنهُ يقرأُ فيهما بسبِّحِ والغاشيةِ، والظاهرُ أنهُ كان يقرأ هذا تارة وهذا تارة، وقد ذهبَ إلى سنّيةِ ذلك الشافعيُّ ومالكٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>مخالفة الطريق في العيد</span>\n١٣/ ٤٦٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n_________\n= وقال ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٨٢): \"وممن رأى أن يرفع يديه في كل تكبيرة من تكبيرات العيد: عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد\".\nوقال مالك في \"المدوَّنة\" (١/ ١٦٩): \"ولا يرفع يديه في شيء من تكبير صلاة العيدين إلّا في الأولى\". وذهب إليه الثوري أيضًا وكذا ابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ٨٣ - ٨٤).\nوانظر: \"المجموع\" (٥/ ٢١).\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٠٧ رقم ١٤/ ٨٩١).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ١٨٠ رقم ٨)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ١٥٨ رقم ٤٦١)، وأحمد (٥/ ٢١٧ - ٢١٨)، وأبو داود (١١٥٤)، والترمذي (٥٣٤)، والنسائي (٣/ ١٨٣ - ١٨٤)، وابن ماجه (١٢٨٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤١٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٩٤) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثي …\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" (١٢/ ١٨٠)، و\"الإصابة\" (١٢/ ٨٨)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٩٥)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٨٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٧٢ رقم ٩٨٦).","vol":"3","page":194},{"text":"(وعن جابرٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا كانَ يوم العيد خالفَ الطريقَ. أخرجهُ البخاريُّ) يعني: أنهُ يرجعُ من مصلّاهُ من جهةٍ غير الجهةِ التي خرجَ منها إليه، وقال الترمذيُّ (^١): أخذَ بهذا بعضُ أهل العلم، واستحبّهُ للإمام وبه يقولُ الشافعيُّ، انتهى. وقال بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، ويكون مشروعًا للإمام والمأمومِ الذي أشار إليهِ بقولهِ:\n١٤/ ٤٦٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ (^٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ. [صحيح]\n(ولأبي داودَ عن ابن عمرَ نحوُهُ)، ولفظُه في السنن عن ابن عمرَ: \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أخذَ يومَ العيدِ في طريقٍ ثمَّ رجعَ في طريقٍ أُخرى\"، فيهِ دليلٌ أيضًا على ما دلّ عليه حديثُ جابرٍ، واخْتُلِفَ في وجهِ الحكمةِ في ذلكَ، فقيلَ: ليسلّمَ على أهلِ الطريقينِ، وقيل: لينال بركتَهُ الفريقانِ، وقيلَ: ليقضيَ حاجةَ مَنْ لهُ حاجةٌ فيهمَا، وقيلَ: ليظهرَ شعائرَ الإسلامِ في سائرِ الفجاجِ والطرقِ، وقيلَ: ليغيظَ المنافقينَ برؤيتهِم عزّةَ الإسلامِ وأهلهِ ومقامَ شعائرهِ، وقيل: لتكثرَ شهادةُ البقاعِ، فإنَّ الذاهبَ إلى المسجدِ أو المصلَّى إحدى خطواتهِ ترفعُ درجةً والأخرى تحطُّ خطيئةً حتَّى يرجعَ إلى منزلهِ، وقيلَ: - وهوَ الأصحُّ - إنهُ لذلكَ كلِّه منَ الحِكَمِ التي لا يخلُو فعلُه عنها، وكانَ ابنُ عمرَ - ﵁ -[معَ] (^٣) شدّة تحرّيهِ للسنّةِ يكبّرُ من بيته إلى المصلَّى (^٤).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٦٨٣ رقم ١١٥٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٢٩٩)، والحاكم (١/ ٢٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٠٩)، وأحمد (٢/ ١٠٩).\nوفي إسناده عبد الله بن عمر بن حفص العمري وفيه مقال. وقد أخرج له مسلم مقرونًا بأخيه عبيد الله بن عمر …\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في (أ): \"من\".\n(^٤) أخرجه الفريابي في أحكام العيدين (ص ١١١ رقم ٣٩)، والشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧٩)، وابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٦٤)، والدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٤٤ - ٤٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٨)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٥٠ رقم ٢١٠١) بسند صحيح.","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type='title' id=toc-569>الأعياد اثنان</span>\n١٥/ ٤٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - المَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا. فَقَالَ: \"فَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِيُّ (^٢) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [صحيح]\n(وعن أنسٍ قالَ: قدمَ رسول اللَّهِ - ﷺ - المدينةَ ولهمْ يومانِ يلعبونَ فيهمَا فقالَ: قد أبدلَكمُ اللَّهُ بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى ويومَ الفطرِ. أخرجه أَبو داودَ، والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ). الحديثُ يدلُّ [على] (^٣) أنهُ قالَ - ﷺ - ذلكَ عقيبَ قدومهِ المدينةَ كما تقتضيهِ الفاءُ، والذي في كتبِ السِّيَرِ أن أولَ عيدٍ شرعَ في الإسلامِ عيدُ الفطرِ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ.\nوفيهِ دليلٌ على أن إظهارَ السرورِ في العيدينِ مندوبٌ، [وأن] (^٤) ذلكَ منَ الشريعةِ التي شرَّعَها اللَّهُ لعبادهِ؛ إذْ في إبدالِ عيدِ الجاهليةِ بالعيدينِ المذكورينِ دلالةٌ على أنهُ يفعلُ في العيدينِ المشروعينِ ما يفعلُه الجاهليةُ في أعيادِها، وإنَّما خالفَهم في تعيينِ الوقتينِ.\nقلت: هكذا في الشرحِ، ومرادُه من أفعالِ الجاهليةِ ما ليسَ بمحظورٍ ولا شاغلٍ عن طاعةٍ. وأمّا التوسعةُ على العيالِ في [أيام] (^٥) الأعيادِ بما [يحصل] (^٦) لهمْ من ترويحِ البدنِ، وبسطِ النفسِ من كلفِ العبادةِ فهوَ مشروعٌ. وقد استنبطَ بعضُهم كراهيةَ الفرحِ في أعيادِ المشركينَ والتشبّهِ بهمْ، وبالغَ في ذلكَ الشيخُ الكبيرُ أَبو حفصٍ البستي منَ الحنفيّة، وقالَ: مَنْ أهدى فيه بيضةً إلى مشرك تعظيمًا لليومِ فقد كفرَ باللَّهِ (^٧).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٧٥ رقم ١١٣٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ١٧٩ رقم ١٥٥٦) بإسناد صحيح، وقد صحَّحه الألباني في صحيح أَبي داود.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"فإن\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"حصل\".\n(^٧) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"3","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-570>الخروج إلى صلاة العيد ماشيًا</span>\n١٦/ ٤٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (^١). [حسن]\n(وعن عليٍّ - ﵁ - قالَ: منَ السنةِ أن يخرجَ إلى العيدِ ماشيًا. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنهُ). تمامُه منَ الترمذيِّ: \"وأنْ تأكلَ شيئًا قبلَ أنْ تخرجَ\"، قال أَبو عيسى: والعملُ على هذا الحديث عندَ أكثرِ أهلِ العلم يستحبّونَ أن يخرجَ الرجلُ إلى العيدِ ماشيًا، وأنْ يأكلَ شيئًا قبلَ أنْ يخرجَ، قال أَبو عيسى: ويستحبُّ أنْ لا يركبَ إلَّا من عذرٍ، انتهى.\nولم أجدْ فيهِ أنهُ حسَّنهُ، [ولا أظنهُ] (^٢) يحسِّنهُ لأنهُ رواهُ من طريقِ الحارثِ الأعورِ (^٣)، وللمحدّثينَ فيهِ مقالٌ، وقدْ [أخرج سعيد بن منصور (^٤) عن الزهري] (^٥) مرسلًا: \"أنهُ - ﷺ - ما ركبَ في عيدٍ ولا جنازةٍ\"، وكانَ ابنُ عمرَ يخرجُ إلى العيدِ ماشيًا، ويعودُ ماشيًا. وتقييدُ الأكلِ بـ\"قبلَ الخروجِ\" الخروج بعيدِ الفطرِ لما مرَّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن بريدةَ عن أبيهِ (^٦).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٤١٠ رقم ٥٣٠) وقال: حديث حسن، قلت: وأخرجه ابن ماجه (١٢٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٨١) بسند ضعيف من أجل الحارث الأعور.\n(^٢) في (ب): \"ولا أظنّ أنهُ\".\n(^٣) من كبار علماء التابعين على ضعف فيه. قال الدارقطني وابن معين: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال ابن المديني: كذاب.\n[\"المجروحين\" (١/ ٢٢٢)، \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٧٨)، \"الميزان\" (١/ ٤٣٥)].\n(^٤) وأخرجه الشافعي في \"الأم\" (١/ ٢٦٧)، والبيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ٥٧ رقم ٦٨٣٤)، والفريابي في \"أحكام العيدين\" (ص ١٠٢ رقم ٢٧)، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٠٤): \"وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات، ولكنه مرسل\" اهـ.\nثم أخرج الفريابي في \"أحكام العيدين\" (ص ٨٤ رقم ١٨) عن سعيد بن المسيب أنه قال: \"سنة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال\"، وإسناده صحيح.\nقلت: والمشي إلى المصلَّى ورد من حديث سعيد بن أَبي وقاص، وعبد الرحمن بن حاطب، وابن عمر، وعلي بن أَبي طالب، وسعد القرظ، وأبي رافع.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن كما قال الترمذيُّ، والله أعلم.\n(^٥) في (ب): \"أخرجه الزهري\".\n(^٦) رقم (٤/ ٤٥٦).","vol":"3","page":197},{"text":"وروى ابنُ ماجَهْ (^١) من حديثِ أَبي رافعٍ وغيرهِ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يخرجُ إلى العيدِ ماشيًا ويرجعُ ماشيًا\"، ولكنهُ بوّبَ البخاريُّ في الصحيح (^٢) [على] (^٣) المضيّ والركوبِ إلى العيدِ، فقال: (بابُ المضِيِّ والركوبِ إلى العيدِ) فسَوَّى بينَهما كأنهُ لما رأى منْ عدمِ صحةِ الحديثِ فرجعَ إلى الأصلِ في التوسعةِ.\n١٧/ ٤٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّهُمْ أَصَابَهمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) بِإِسْنَادٍ لَيِّنِ. [ضعيف]\n(وعن أَبي هريرةَ - ﵁ -: أنَّهم أصابَهم مطرٌ في يوم عيدٍ فصلَّى بهمُ النبيُّ - ﷺ - صلاةَ العيدِ في المسجدِ. رواهُ أَبو داودَ بإسنادٍ لينٍ)؛ لأنَّ في إسنادهِ رجلًا مجهولًا، ورواهُ ابنُ ماجَهْ (^٥)، والحاكمُ (^٦) بإسنادٍ ضعيفٍ.\nوقدِ اختلفَ العلماءُ على قولينِ: هلِ الأفضلُ في صلاةِ العيدِ الخروجُ إلى الجبّانةِ أو الصلاةُ في مسجدِ البلدِ إذا كانَ واسعًا؟ [الثاني] (^٧): قولُ الشافعي أنهُ إذا كانَ مسجدُ البلدِ واسعًا صلَّوا فيه ولا يخرجون، فكلامُه يقضي بأنَّ العلَّةَ في\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٢/ ٤١١ رقم ١٢٩٧)، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤٢٥ رقم ٤٥٤/ ١٢٩٧): \"هذا إسناد فيه مندل، ومحمد بن عبيد الله وهما ضعيفان، وله شاهد من حديث علي بن أَبي طالب رواه الترمذي وقال: حديث حسن\".\nوقد ضعَّف الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥١) أسانيد حديث علي وسعد القرظ وأبي رافع.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن بمرسل الزهري وقول سعيد بن المسيب، والله أعلم.\n(^٢) (٢/ ٤٥١).\n(^٣) في (ب): \"عن\".\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٨٦ رقم ١١٦٠).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٤١٦ رقم ١٣١٣).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٥) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\nقال الألباني في رسالته \"صلاة العيدين في المصلَّى هي السنة\" (ص ٣٢): \"وفي هذا التصحيح نظر بيِّن، فإن مداره عند الحاكم على عيسى بن عبد الأعلى بن أَبي فروة أنه سمع أبا يحيى عبيد الله التيمي يحدث عن أَبي هريرة به. وكذلك رواه أَبو داود وابن ماجه والبيهقي (٣/ ٢١٠)، فهذا إسناد ضعيف مجهول. عيسى هذا مجهول كما قال الحافظ في \"التقريب\"، ومثله شيخه أَبو يحيى، وهو عبيد الله بن عبد الله بن موهب فهو مجهول الحال، وقال الذهبي في \"مختصر سنن البيهقي\" (٣/ ٢٨٢ رقم ٤٤٢٣):\nقلت: عبيد الله ضعيف، وقال في ترجمة الراوي عنه من \"الميزان\": لا يكاد يعرف، وهذا حديث منكر … \" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٧) في (ب): \"الأول\".","vol":"3","page":198},{"text":"الخروجِ طلبُ الاجتماعِ، ولذا أمرَ - ﷺ - بإخراجِ العواتقِ وذواتِ الخدورِ، فإذا حصلَ ذلكَ في المسجدِ فهوَ أفضلُ، ولذلكَ فإنَّ أهلَ مكةَ لا يخرجون لسعةِ مسجدِها وضيقِ أطرافِها، وإلى هذا ذهبَ الإمامُ يحيى وجماعة وقالُوا: الصلاةُ في المسجدِ أفضلُ (^١).\nوالقولُ [الأولُ] (^٢) للهادويةِ ومالكٍ أن الخروجَ إلى الجبَّانةِ أفضلُ ولو اتّسعَ المسجدُ للناسِ، وحجّتُهم محافظتُه - ﷺ - على ذلك، ولم يصلِّ في المسجدِ إلَّا لعذرِ المطرِ، ولا يحافظُ - ﷺ - إلَّا على الأفضلِ، ولقولِ عليٍّ - ﷺ - فإنهُ رُوِيَ أنهُ خرجَ إلى الجبَّانةِ لصلاةِ العيدِ، وقالَ: \"لولا أنهُ السنةُ لصلّيتُ في المسجدِ، واستخلفَ مَنْ يصلّي بضعفةِ الناس في المسجد\" (^٣). قالُوا: فإنْ كانَ في الجبانةِ مسجدٌ مكشوفٌ فالصّلاةُ [فيه] (^٤) أفضلُ، وإنْ كان مسقوفًا ففيهِ تردّدٌ (^٥).\n(فائدةٌ): التكبيرُ في العيدينِ مشروعٌ عندَ الجماهيرِ، فأمّا تكبيرُ عيدِ الإفطارِ فأوجبَه الناصرُ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٦)، والأكثرُ أنهُ سنَّةٌ ووقتُه [مجهولٌ] (^٧) مختَلفٌ فيهِ على قولينِ: فعندَ الأكثرِ أنهُ من عند خروجِ الإمامِ للصلاةِ إلى ابتداءِ الخطبةِ، وذكرَ فيهِ البيهقيُّ (^٨) حديثينِ، وضعَّفَهُما، لكنْ قال الحاكمُ (^٩): هذهِ سنةٌ تداولَها أئمّةُ الحديثِ، وقد صحَّتْ بهِ الروايةُ عن ابن عمرَ (^١٠) وغيرهِ من الصحابةِ. والثاني للناصرِ: أنهُ من مغربِ أولِ ليلةٍ من شوال إلى عصرِ يومِها خلفَ كلِّ صلاةٍ. وعندَ الشافعي: إلى خروجِ الإمامِ، أو حتَّى يصلِّي، أو حتَّى يفرغَ منَ الخطبةِ. أقوالٌ عنهُ.\n_________\n(^١) انظر رسالة المحدث الألباني: \"صلاة العيدين في المصلَّى هي السنة\".\n(^٢) في (ب): \"الثاني\".\n(^٣) أخرجه ابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٨٥).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: \"نيل الأوطار\" (٣/ ٢٩٢).\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٧٩).\n(^٩) في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٨).\n(^١٠) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٢٥٠ رقم ٢١٠١)، والفريابي في \"أحكام العيدين\" (ص ١١٠ رقم ٣٩)، وابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٦٤)، والدارقطني (٢/ ٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٩٨) عنه بسند صحيح.","vol":"3","page":199},{"text":"وأمّا صفتهُ: ففي فضائلِ الأوقاتِ للبيهقيِّ (^١) بإسنادٍ إلى سلمانَ: \"أنهُ كانَ يعلِّمُهُم التكبيرَ ويقولُ: كبِّرُوا: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ كبيرًا - أوْ قالَ: كثيرًا - اللَّهُمَّ أنتَ أعلَى وأجلُّ منْ أن تكونَ لكَ صاحبةٌ، أو يكونَ لكَ ولدٌ أو يكونَ لكَ شريكٌ في الملكِ، أوْ يكونَ لكَ وليٌّ منَ الذلِّ، وكبِّرْهُ تكبيرًا، اللَّهُمَّ اغفرْ لنا اللَّهمّ ارحمْنا\".\nوأمّا تكبيرُ عيدُ النحرِ فأوجبَه أيضًا الناصرُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٢)، ولقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٣)، ووافقهُ المنصورُ باللَّهِ، وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ سنةٌ مؤكّدةٌ للرجالِ والنساءِ، ومنهمْ مَنْ خصَّهُ بالرجالِ.\nوأمّا وقتُه فظاهرُ الآيةِ الكريمةِ، والآثارُ عن الصحابةِ أنهُ لا يختصُّ بوقتٍ دونَ وقتٍ؛ إلَّا أنهُ اختلفَ العلماءُ: فمنهم مَنْ خصَّهُ بعقيبِ [الصلاة] (^٤) مطلقًا، ومنهم مَنْ خصَّهُ بعقيبِ الفرائضِ دونَ النوافلِ، ومنهم مَنْ خصَّه بالجماعةِ دونَ الفُرادَى، وبالمؤدَّاةِ دونَ المقضيَّةِ، وبالمقيمِ دونَ المسافرِ، وبالأمصارِ دونَ القُرَى.\nوأمّا ابتداؤُه وانتهاؤُه ففيهِ خلافٌ أيضًا، فقيلَ: في الأولِ من صبحِ يومِ عرفةَ، وقيلَ: من ظهرهِ، وقيلَ: من عصرهِ، وفي الثاني إلى ظُهرِ ثالثهِ، وقيلَ: إلى آخرِ أيامِ التشريقِ، وقيلَ: إلى ظهرهِ، وقيلَ: إلى عصرهِ، ولم يثبتْ عنهُ - ﷺ - في ذلكَ حديثٌ واضحٌ، وأصحُّ ما وردَ فيهِ عن الصحابةِ قولُ عليٍّ (^٥)، وابنِ مسعودٍ (^٦)، وأنهُ من صبحِ يومِ عرفةَ إلى آخر أيامِ مِنَى. أخرجَهُمَا ابنُ المنذرِ.\n_________\n(^١) (ص ٤٢٤ رقم ٢٢٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١٦).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.\n(^٣) سورة الحج: الآية ٣٧.\n(^٤) في (أ): \"الصلوات\".\n(^٥) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٣٠٠ رقم ٢٢٠١) عنه.\nوذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٦٢) وقال: أصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي، أخرجه ابن المنذر وغيره. وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣١٤) من طريق زائدة.\n(^٦) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٤/ ٣٠١ رقم ٢٢٠٤) عنه. =","vol":"3","page":200},{"text":"وأمّا صفتُه فأصحُّ ما وردَ فيهِ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ (^١) عن سلمانَ بسندٍ صحيحِ قالَ: \"كبّروا: اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ كبيرًا\". وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ، ومجاهدٍ، وابن أَبي ليلى (^٢)، وقولٍ للشافعي وزادَ فيهِ: \"وللَّهِ الحمدُ\". وفي الشرحِ صفاتٌ كثيرةٌ استحساناتٌ عن عدّةٍ منِ الأئمةِ. وهوَ يدلُّ على التوسعةِ في الأمرِ، وإطلاقِ الآيةِ يقتضي ذلكَ.\nواعلمْ أنهُ لا فرقَ بينَ تكبيرِ عيدِ الإفطارِ وعيدِ النحرِ في مشروعيّةِ التكبيرِ لاستواءِ الأدلّةِ في ذلكَ، وإنْ كانَ المعروفُ عندَ الناسِ إنَّما هوَ تكبيرُ عيدِ النحرِ. وقد وردَ الأمرُ في الآيةِ بالذكرِ في الأيامِ المعدوداتِ، والأيام المعلوماتِ، وللعلماءِ قولانِ: منهم مَنْ يقولُ: هما مختلفانِ؛ فالأيامُ المعدوداتُ أيامُ التشريقِ، والمعلوماتُ أيامُ العشرِ. ذكرهُ البخاريُّ عن ابن عباسٍ تعليقًا (^٣)، ووصله غيرُه، وأخرجَ ابنُ مردويه (^٤) عن ابن عباسٍ: \"أن المعلوماتِ التي قبلَ أيامِ الترويةِ، ويومُ الترويةِ، ويومُ عرفةَ، والمعدوداتُ أيامُ التشريقِ\"، وإسنادُه صحيحٌ. وظاهرُهُ إدخالُ يومِ العيدِ في أيامِ التشريقِ. وقد رَوَى ابنُ أَبي شيبةَ (^٥) عن ابن عباسٍ أيضًا: أن المعلومات يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَهُ، ورجَّحهُ الطحاويّ لقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^٦)، فإنَّها تُشعرُ بأنَّ المرادَ أيامُ النحرِ، انتهى.\n_________\n= وذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٦٢) وقال: أصح ما ورد فيه عن الصحابة قول ابن مسعود وعلي، أخرجه ابن المنذر وغيره. وأخرجه ابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ١٦٨).\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٩٧) وقال: رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" ورجاله موثقون.\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٦٢).\n(^٢) أخرجه الفريابي في \"أحكام العيدين\" (ص ١١٩ رقم ٦٢) عنهم بسند ضعيف.\nقلت: لضعف يزيد بن أَبي زياد، قال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ٣٦٥) عنه: ضعيف كبر فتغيَّر، صار يتلقَّن وكان شيعيًا.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٥٧ رقم الباب ١١).\n(^٤) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٨).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٥٨).\n(^٦) سورة الحج: الآية ٢٨.","vol":"3","page":201},{"text":"وهذَا لا يمنعُ تسمية أيام العشر معلوماتٍ، ولا أيامِ التشريق معدودات، بل تسميةُ [أيام] (^١) التشريقِ معدوداتٍ متفقٌ عليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (^٢).\nوقد ذكرَ البخاريُّ عن أَبي هريرةَ وابنِ عمرَ تعليقًا (^٣): \"أنَّهما كانَا يخرجانِ إلى السوقِ أيامَ العشرِ يكبّرانِ ويكبّرُ الناسُ بتكبيرِهِما\". وذكرَ البغويُّ والبيهقيُّ ذلكَ. قالَ الطحاويُّ: كانَ مشايخُنا يقولونَ بذلكَ [أي] (^٤): التكبيرِ أيام العشرِ جميعًا.\n(فائدة ثانية): يندبُ لُبسُ أحسنِ الثيابِ والتطيّبُ بأجودِ الأطيابِ في يومِ العيدِ، ويزيدُ في الأضحى الضحيَّةَ بأسمنِ ما يجدُ، لما أخرجهُ الحاكمُ (^٥) من حديثِ الحسنِ السِّبطِ، قال: \"أَمَرَنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في العيدينِ أنْ نلبسَ أجودَ ما نجدُ، وأنْ نتطيَّبَ بأجودِ ما نجدُ، وأنْ نضحِّي بأسمنَ ما نجدُ: البقرةَ عن سبعةٍ، والجَزورَ عن عشرةٍ، وأنْ نُظهرَ التكبيرَ، [وعلينا] (٤) السكينةُ والوقارُ\".\nقالَ الحاكمُ بعدَ إخراجهِ من طريقِ إسحاقَ بن بُرْزُخٍ (^٦): لولا جهالةُ إسحاقَ هذا لحكمتُ للحديثِ بالصحةِ.\nقلتُ: ليسَ بمجهولٍ فقد ضعَّفه الأزديُّ، ووثَّقَهُ ابنُ حبانَ. ذكرهُ في التلخيصِ (^٧).\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.\n(^٣) (٢/ ٤٥٧ رقم الباب ١١) وقال الحافظ في \"الفتح\": لم أره موصولًا عنهما. وقد ذكره البيهقي أيضًا معلَّقًا عنهما وكذا البغوي.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٠) ووافقه الذهبي.\n(^٦) ضعَّفه الأزدي كما في \"لسان الميزان\" (١/ ٣٥٣) وسكت عنه ابن أَبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢١٣)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣)، ووثقه ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٤).\n(^٧) (٢/ ٨١ رقم ٦٧٧).","vol":"3","page":202},{"text":"<span data-type='title' id=toc-571>[الباب الخامس عشر] بابُ صلاة الكسوفِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-572>الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان لموت أحد</span>\n١/ ٤٧٠ - عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - قَال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَال النَّاسُ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الشمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا الله وَصَلُّوا، حَتَّى تَنْكَشِفَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢): \"حَتَّى تَنْجَلِيَ\". [صحيح]\n(عن المغيرةِ بن شعبةَ - ﵁ - قالَ: انكسفت الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يومَ ماتَ إبراهيمُ) أي: ابنهُ - ﵇ - وموتُه في العاشرةِ منَ الهجرةِ، وقالَ أَبو داودَ: في ربيعِ الأول يومَ الثلاثاءِ لعشرٍ خَلَوْنَ منهُ، وقيلَ: في [الرابعةِ] (^٣)، (فقالَ الناسُ: انكسفتَ الشمسُ لموتِ إبراهيمَ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -) أي: رادًّا عليهم: (إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا ينكسفانِ لموتِ أحدٍ، ولا لحياتهِ، فإذَا رأيتموهما فادعُوا اللَّهَ وصلُّوا). هذا لفظُ مسلمٍ، ولفظُ البخاري: \"فصلُّوا وادْعُوا اللَّهَ\" (حتَّى تنكشفَ). ليسَ هذا اللفظُ في البخاريِّ بل هوَ في مسلمٍ (متفقٌ عليهِ).\nيقالُ: كَسفتِ الشمسُ بفتحِ الكافِ، وتضمُّ نادرًا، [وانكسفتْ وخسَفت بفتحِ الخاءِ، وتضمُّ نادرًا] (^٤) وانخَسفتْ.\n_________\n(^١) البخاري (١٠٤٣)، ومسلم (٢٩/ ٩١٥).\n(^٢) البخاري (١٠٦٠).\n(^٣) في (أ): \"أربعة\".\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"3","page":203},{"text":"واختلفَ العلماءُ في اللفظينِ هلْ يستعملانِ في الشمسِ والقمرِ، أو يخصُّ كلُّ لفظٍ بواحدٍ منهما. وقد ثبتَ في القرآن نسبةُ الخسوفِ إلى القمرِ، ووردَ في الحديثِ خسفتْ الشمسِ كما ثبتَ فيهِ نسبةُ الكسوفِ [إليهما] (^١)، وثبتَ استعمالُهما منسوبينِ إليهمَا فيقالُ فيهمَا: الشمسُ والقمرُ ينخسفانِ وينكسفانِ، إنَّما الذي لم يردْ في [الأحاديث] (^٢) نسبةُ الكسوفِ إلى القمرِ على جهةِ الانفرادِ، وعلى هذا يدلُّ استعمالُ الفقهاءِ، فإنَّهم يخصُّونَ الكسوفَ بالشمسِ والخسوفَ بالقمرِ، واختارُه ثعلبٌ. وقالَ الجوهريُّ (^٣): إنهُ أفصحُ. وقيلَ: يقالُ بهمَا في كلٍّ منهما.\nوالكسوفُ لغةً التغيرُ إلى السوادِ، والخسوفُ النقصانُ، وفي ذلكَ أقوالٌ أُخَرُ، وإنَّما قالُوا: إنَّها كُسِفَتْ لموتِ إبراهيمَ لأنَّها كسفتْ في غيرِ يومِ كسوفِها المعتادِ، فإنَّ كسوفَها في العاشرِ أو الرابعِ لا يكادُ يتفقُ، فلِذَا قالُوا: إنَّما هوَ لأجلِ هذا الخطبِ العظيمِ، فردَّ عليهمْ - ﷺ - ذلكَ، وأخبرَهم أنَّهما علامتانِ مِنَ العلاماتِ الدالَّةِ على وحدانيةِ اللَّهِ تعالى وقدرتهِ، وعلى تخويفِ عبادِهِ من بأسِهِ وسَطْوتِهِ. والحديثُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (^٤).\nوفي قولهِ: \"لحياتهِ\" معَ أنَّهم لم يدَّعُوا ذلكَ بيانُ أنهُ لا فرقَ بين الأمرينِ، فكما أنَّكمْ لا تقولونَ بكسوفِهما لحياةِ أحدٍ كذلكَ لا يكسفانِ لموتهِ، أوْ كانَّ المرادَ من حياتهِ صحتُه من مرضهِ وخوِهِ، ثمَّ ذكرَ القمرَ معَ أن الكلامَ خاصٌّ بكسوفِ الشمسِ زيادة في الإفادةِ والبيانِ أن حكمَ النيِّرينِ واحدٌ في ذلكَ، ثمَّ أرشدَ العبادَ إلى ما [شُرعَ] (^٥) عندَ رؤيةِ ذلكَ منَ الصلاةِ والدعاءِ ويأتي صفةُ الصلاةِ.\nوالأمرُ دليلُ الوجوبِ، إلَّا أنهُ حملهُ الجمهورُ على أنهُ سنةٌ مؤكّدةٌ لانحصارِ الواجباتِ في الخمسِ الصلواتِ، وصرّحَ أَبو عوانةَ في صحيحهِ (^٦) بوجوبِها، ونُقِلَ عن أَبي حنيفةَ (^٧) أنهُ أوجبَها، وجعلَ - ﷺ - غايةَ وقتِ الدعاءِ والصلاةِ انكشافَ\n_________\n(^١) في (أ): \"إليها\".\n(^٢) في (أ): \"الحديث\".\n(^٣) في \"الصحاح\" (٤/ ١٤٢١).\n(^٤) سورة الإسراء: الآية ٥٩.\n(^٥) في (ب): \"يشرع\".\n(^٦) (٢/ ٣٦٦).\n(^٧) انظر: \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٨٠).","vol":"3","page":204},{"text":"الكسوفِ، فدلَّ على أنَّها تفوتُ الصلاةُ بالانجلاءِ، فإذا انجلتْ وهوَ في الصلاةِ فلا يتمُّها بل يقتصرُ على ما فعلَ إلَّا أن في روايةٍ لمسلمٍ (^١): فسلَّمَ وقدِ انجلتْ، فدلَّ أنهُ يتمُّ الصلاةَ وإنْ كانَ قد حصلَ الانجلاءُ، ويؤيّدُهُ القياسُ على سائرِ الصلواتِ؛ فإنَّها تقيَّدُ بركعةٍ كما سلفَ فإذا أتَى بركعةٍ أتمَّها.\nوفيهِ دليلٌ على أنَّ فعلَها يتقيّدُ بحصولِ السببِ في أيِّ وقتٍ كانَ مِنَ الأوقاتِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وعندَ أحمدَ وأبي حنيفةَ ما عدا أوقاتِ الكراهةِ، (وفي روايةٍ للبخاريِّ) أي: عن المغيرةِ (حتَّى تنجليَ) عوضُ قولهِ: تنكشفَ، والمعنى واحدٌ.\n٢/ ٤٧١ - وَللْبُخَارِيِّ (^٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ -: \"فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى\nيَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ\". [صحيح]\n(وللبخاريِّ من حديثِ أَبي بكرةَ - ﵁ -: فصلُّوا وادعُوا حتَّى ينكشفَ ما بكمْ)، هوَ أولُ حديثٍ ساقهُ البخاريّ في بابِ الكسوفِ، ولفظهُ: \"يكشفَ\"، والمرادُ: يرتفعُ ما حلَّ بكمْ من كسوفِ الشمسِ أوِ القمرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-573>كيف يقرأ في صلاة الكسوف</span>\n٣/ ٤٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقَرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ (^٤): فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.\n(وعن عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - جهرَ في صلاةِ الكسوفِ بقراءتهِ فصلَّى أربعَ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ بدليلِ قولِها: (في ركعتينِ وأربعَ سجداتٍ. متفقٌ عليه، وهذا لفظُ مسلمٍ).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦١٨ رقم ١/ ٩٠١) من حديث عائشة.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٤٧ رقم ١٠٦٣).\nقلت: وأخرجه النسائي (٣/ ١٤٦)، والبيهقي (٣/ ٣٣٢).\n(^٣) البخاري (١٠٦٥)، ومسلم (٥/ ٩٠١).\n(^٤) أي: لمسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٩٠١).","vol":"3","page":205},{"text":"الحديثُ دليلٌ علي شرعيةِ الجهرِ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، والمرادُ هنا: كسوفُ الشمسِ لما أخرجهُ أحمدُ (^١) بلفظِ: \"خسفتِ الشمسُ\"، وقالَ: \"ثمَّ قرأ فجهرَ بالقراءةِ\"، وقدْ أخرجَ الجهرَ أيضًا الترمذيُّ (^٢)، والطحاويُّ (^٣)، والدارقطنيُّ (^٤)، وقد أخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٥) وغيرُه عن عليٍّ ﵇ مرفوعًا الجهرَ بالقراءةِ في صلاةِ الكسوفِ، وفي ذلكَ أقوالٌ أربعةٌ:\nالأولُ: [أنهُ] (^٦) يجهرُ بالقراءةِ مطلقًا في كسوفِ الشمسِ والقمرِ لهذا الحديثِ وغيرهِ، وهو وإنْ كانَ واردًا في كسوفِ الشمسِ، فالقمرُ مثلُه لجمعهِ - ﷺ - بينَهما في الحُكْمِ حيثُ قال: \"فإذا رأيتموهُما، أي: كاسفتينِ، فصلُّوا وادعُوا\"، والأصلُ استواءُهما في كيفيةِ الصلاةِ ونحوها، وهوَ مذهبُ أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي حنيفةَ، وابن خزيمةَ، وابنِ المنذرِ (^٧) وآخرينَ.\nالثاني: يسرُّ مطلقًا لحديثِ ابن عباسٍ (^٨): \"أنهُ - ﷺ - قامَ قيامًا طويلًا نحوًا من\n_________\n(^١) في \"الفتح الرباني\" (٦/ ١٨٢ رقم ١٦٨٦) من حديث عائشة.\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٥٢ رقم ٥٦٣) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٣٣).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٦٤ رقم ٧) كلّهم من حديث عائشة.\nوقال المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\" (٣/ ١٤٨): \"فإن قلت: روى هذا الحديث سفيان بن حسين عن الزهري وهو ثقة في غير الزهري فكيف يكون حديثه هذا بلفظ: \"وجهر بالقراءة فيها\" حسنًا صحيحًا؟\nقلت: لم يتفرَّد هو برواية هذا الحديث بهذا اللفظ عن الزهري بل تابعه على ذلك سليمان بن كثير عند أحمد، وعقيل عند الطحاوي، وإسحاق بن راشد عند الدارقطني، قال الحافظ: وهذه طرق يعضد بعضها بعضًا يفيد مجموعها الجزم بذلك فلا معنى لتعليل من أعلّه بتضعيف سفيان بن حسين وغيره\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٥) وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٣٠).\n(^٦) في (أ): \"أن\".\n(^٧) انظر: \"الأوسط\" لابن المنذر (٥/ ٢٩٨)، و\"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٠)، و\"البدائع\" (١/ ٢٨١ - ٢٨١)، و\"المجموع\" (٥/ ٥٢).\n(^٨) أخرجه البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (١٧/ ٩٠٧)، وأبو داود (١١٨٩)، والنسائي (٣/ ١٤٦)، والبيهقي (٣/ ٣٣٥) من رواية عطاء بن يسار عنه.","vol":"3","page":206},{"text":"سورةِ البقرةِ\"، فلو جهرَ لم يقدِّرْهُ بما ذكرَ، وقد علَّقَ [الشافعي] (^١) عن ابن عباسٍ: \"أنهُ قامَ بجنبِ النبيِّ - ﷺ - في الكسوفِ فلم يسمعْ منهُ حرفًا\"، ووصلهُ البيهقيُّ (^٢) من ثلاثِ طرقٍ أسانيدُها واهيةٌ، فيضعفُ القولُ بأنهُ يحتملُ أن ابنَ عباسٍ كانَ بعيدًا منهُ - ﷺ - فلمْ يسمعْ جهرَهُ بالقراءةِ.\nالثالثُ: أنهُ يخيّرُ [فيهما] (^٣) بينَ الجهرِ والإسرار لثبوتِ الأمرينِ عنهُ - ﷺ - ما\nعرفتَ من أدلّةِ القولينِ.\nالرابعُ: أنهُ يسرُّ في الشمسِ، ويجهرُ في القمرِ، وهوَ لمنْ عدا الحنفية منَ الأربعةِ عملًا بحديثِ ابن عباسٍ، وقياسًا على الصلواتِ الخمسِ، وما تقدمَ من دليلِ أهلِ الجهرِ مطلقًا أنهضُ مما قالوهُ.\nوقد أفادَ حديثُ البابِ أن صفةَ صلاةِ الكسوفِ ركعتانِ، في كلِّ ركعةٍ ركوعانِ، وفي كلّ ركعةٍ سجدتانِ، ويأتي في شرحِ الحديثِ الرابعِ الخلافُ في ذلكَ.\n(وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عن عائشةَ (فبعثَ) أي: النبيُّ - ﷺ - (مناديًا ينادي: الصلاةٌ جامعةٌ) بنصبِ الصلاةِ وجامعةٍ، فالأولُ على أنهُ مفعولُ فعلٍ محذوفٍ، أي: احضُروا، والثاني على الحالِ، ويجوزُ رفعُهما على الابتداءِ والخبرِ، وفيهِ تقاديرُ أُخَرُ. وهوَ دليل على مشروعيةِ الإعلامِ بهذا اللفظِ للاجتماعِ لها، ولم يردِ الأمرُ بهذا اللفظِ عنهُ - ﷺ - إلَّا في هذهِ الصلاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-574>الجماعة لصلاة الكسوف والتطويل فيها</span>\n٤/ ٤٧٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ\n_________\n(^١) ذكره البيهقيُّ في \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٥٤ رقم ٧١٤٥).\nوفي (ب): البخاري بدلًا عن الشافعي.\n(^٢) في \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٥٤ رقم ٧١٤٦ و٧١٤٧ و٧١٤٨).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"3","page":207},{"text":"رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٢): صَلَّى حِينَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.\n(وعنِ ابن عبَّاسٍ - ﵁ - قالَ: انخسفتِ الشمسُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فصلَّى فقامَ قيامًا طويلًا نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرة، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفعَ فقامَ قيامًا طويلًا، وهوَ دونَ القيامِ الأَوَّلِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ [الركوع] (٣) الأولِ، ثمَّ سجدَ، ثمَّ قامَ قيامًا طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأولِ، ثمَّ رفعَ فقامَ طويلًا وهوَ دونَ القيامِ الأولِ، ثمَّ ركعَ ركوعًا طويلًا وهوَ دونَ الركوعِ الأول، [ثمَّ رفع رأسهُ] (^٣)، ثمَّ سجدَ، ثم انصرفَ وقد انجلتِ الشمسُ فخطبَ الناسَ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاري). قولُه: فصلَّى، ظاهرُ الفاء التعقيبُ.\nواعلمْ أن صلاةَ الكسوفِ [وردت] (^٤) على وجوهٍ كثيرةٍ (^٥) ذكرَها الشيخانِ (^٦)،\n_________\n(^١) البخاري (١٠٥٢)، ومسلم (١٧/ ٩٠٧).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٧ رقم ١٨/ ٩٠٨).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب): \"رويت\".\n(^٥) انظر: \"الروضة الندية\" لصدِّيق حسن خان (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩) بتحقيقنا.\n(^٦) البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٩٥١) من حديث عائشة.\nوالبخاري (١٠٤٢)، ومسلم (٩١٤) من حديث ابن عمر.\nوالبخاري (١٠٥٢)، ومسلم (٩٠٧) من حديث ابن عباس.\nومسلم (١٠/ ٩٠٤) من حديث جابر.\nومسلم (٩٠٩) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":208},{"text":"وأبو داودَ، وغيرُهم (^١). وهيَ سنةٌ باتفاقِ العلماءِ. وفي دعوى الاتفاقِ نظرٌ، لأنه صرَّحَ أبو عوانةَ في صحيحهِ بوجوبها (^٢). وحُكِيَ عن مالكٍ أنهُ أجراها مَجْرى الجمعةِ. وتقدمَ عن أبي حنيفةَ إيجابُها. ومذهبُ الشافعيِّ وجماعةٍ أنها تُسَنُّ في جماعة. وقال آخرونَ: فُرادَى، وحجّةُ الأَوَّلينَ الأحاديثُ الصحيحةُ من فعلهِ - ﷺ - لها جماعةً، ثمَّ اختلفُوا في صفتِها: فالجمهورُ أنَّها ركعتانِ في كلِّ ركعةٍ قيامانِ وقراءتانِ وركوعانِ، والسجودُ سجدتانِ كغيرِها، وهذه الكيفيةُ ذهبَ إليها مالكٌ، والشافعيُّ، والليثُ، وآخرونَ.\nوفي قولهِ: \"نحوًا من قراءةِ سورةِ البقرةِ\"، دليلٌ على أنهُ يقرأُ فيها القرآنُ. قالَ النوويُّ (^٣): اتّفقَ العلماءُ أنهُ يقرأُ في القيامِ الأَولِ من أول ركعة [فاتحة الكتاب] (^٤). واختلفُوا في القيامِ الثاني، ومذهبُنا ومالكٌ أنَّها لا تصحُّ الصلاةُ إلَّا بقراءتِها.\nوفيهِ دليلٌ على شرعيّةِ طولِ الركوعِ. قالَ المصنفُ: لم أرَ في شيء منَ الطرقِ بيانَ ما قالهُ - ﷺ - فيهِ، إلَّا أن العلماءَ اتفقُوا أنهُ لا قراءةَ فيهِ، وإنَّما المشروعُ فيهِ الذكرُ من تسبيع وتكبيير وغيرِهما.\nوفي قولهِ: \"وهوَ دونَ [الركوع] (٥) الأولِ، [ثم سجد] (^٥) \"دلالةٌ على أن القيامَ الذي يعقبهُ السجودُ لا تطويلَ فيهِ، وأنهُ دونَ الأولِ وإنْ كانَ قد وقعَ في روايةٍ مسلمٍ (^٦) في حديثٍ جابرٍ: \"أنهُ أطالَ ذلكَ\"، لكنْ قالَ النوويُّ (^٧): إنَّها شاذّةٌ فلا يعملُ بها، ونقلَ القاضي إجماعَ العلماءِ أنهُ لا يطولُ الاعتدالَ الذي يلي السجودَ، وتأويلُ هذهِ الرواية بأنهُ أرادَ بالإطالةِ زيادة الطمأنينةِ، ولمْ يذكرْ في هذهِ\n_________\n(^١) الترمذي (٥٦٠) من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (١٤٧٢)، وأحمد (٦/ ٢١١ رقم ١٧٠٢ - الفتح الرباني) من حديث عائشة.\nوأبو داود (١١٨٢)، والحاكم (١/ ٣٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى، (٣/ ٣٢٩) من حديث أبي بن كعب، وهو حديث ضعيف.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ١٩٩).\n(^٤) في (ب): \"الفاتحة\".\n(^٥) زيادة من (أ):\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٣ رقم ١٠/ ٩٠٤).\n(^٧) في \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٠٧).","vol":"3","page":209},{"text":"الروايةِ طولَ السجودِ، ولكنهُ قدْ [ثبتتْ] (^١) إطالتُه في روايةٍ أبي موسى عندَ البخاريِّ (^٢). وحديثُ ابن عمرَ عندَ مسلمٍ (^٣)، قالَ النوويُّ (^٤): قالَ المحقّقونَ من أصحابنا: وهوَ المنصوصُ للشافعيِّ إنهُ يطولُ للأحاديثِ الصحيحةِ بذلكَ، فأخرجَ أبو داودَ (^٥)، والنسائيذُ (^٦) من حديثٍ سمُرةَ: \"كانَ أطولَ ما يسجدُ في صلاةٍ قطُّ\"، وفي روايةٍ مسلمٍ (^٧) من حديثٍ جابرٍ: \"وسجودُه نحوٌ من ركوعِه\"، وبهِ جزمَ أهلُ العلمِ بالحديثِ.\nويقولُ عقيبَ كلِّ ركوعٍ سمعَ اللَّهُ لمن حَمدهُ، ثمَّ يقولُ عقيبهُ؛ ربَّنا لكَ الحمدُ … إلى آخرهِ، ويطولُ الجلوسُ بينَ السجدتينِ، فقد وقعَ في روايةٍ مسلمٍ (^٨) لحديثِ جابرٍ إطالةُ الاعتدالِ بينَ [السجدتين] (^٩). قالَ المصنفُ: لم أقفْ عليهِ في شيءٍ منَ الطرقِ إلَّا في هذا. ونَقْلُ الغزاليِّ الاتفاقَ على عدم إطالتهِ (^١٠) مردودٌ، وفي قولهِ: \"ثمَّ قامَ قيامًا طويلًا وهوَ دونَ القيام الأَوَّلِ\"، دليل على إطالةِ القيامِ في الركعةِ الثانيةِ، ولكنهُ دونَ القيامِ في الركعةِ الأُولى. وقد وردَ في روايةٍ أبي داودَ (^١١) عن عروةَ: \"أنهُ قرأ آلَ عمرانَ\"، قال ابنُ بطالٍ: لا خلافَ أن\n_________\n(^١) في (أ): \"ثبت\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٤٥ رقم ١٠٥٩). قلت: وأخرجه مسلم (٢/ ٦٢٨ رقم ٢٤/ ٩١٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٧ رقم ٢٠/ ٩١٠) من حديث عبد الله بن عمرو. قلت: وأخرجه البخاري (١٠٥١).\n(^٤) في \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ١٩٩).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٧٠٠ رقم ١١٨٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ١٤٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٦)، والحاكم (١/ ٣٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٣٥) في حديث طويل، وأصله عند الترمذي (٥٦٢)، وابن ماجه (١٢٦٤).\nوفي سنده ثعلبة بن عباد العبدي وهو مجهول لم يوثقه غير ابن حبان وقد قال الترمذي: حديث سمُرة: حديث حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عائشة وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي، ولعل ذلك لشواهده.\nوقد ضعف الألباني الحديث، والله أعلم.\n(^٧) و(^٨) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٤ رقم ٩٠٤).\n(^٩) في (أ): \"السجودين\".\n(^١٠) انظر: \"موسوعة الإجماع\" لسعدي أبو جيب (٢/ ٦٥٨).\n(^١١) في \"السنن\" (١/ ٧٠١ رقم ١١٨٧)، وهو حديث حسن.","vol":"3","page":210},{"text":"الركعةَ الأُولى بقيامِها وركوعِها تكونُ أطولَ منَ الركعةِ الثانيةِ بقيامِها وركوعِها، واختُلِفَ في القيام الأولِ منَ الثانيةِ وركوعِهِ، هل هما أقصرُ منَ القيامِ الثاني منَ الأول وركوعِهِ، أَو يكونانِ سواءً، قيلَ: وسببُ هذا الخلافِ فهمُ معنَى قولِهِ: \"وهوَ دونَ القيامِ الأولِ\"، هل المرادُ بهِ الأولُ منَ الثانيةِ، أو يرجعُ إلى الجميعِ، فيكونُ كلُّ قيامٍ دون الذي قبلَهُ.\nوفي قولِه: \"فخطبَ الناسَ\" دليلٌ على شرعيّةِ الخطبةِ بعدَ صلاةِ الكسوفِ، وإلى استحبابِها ذهبَ الشافعي، [وكثيرٌ من] (^١) أئمةِ الحديثِ. وعنِ الحنفيةِ: لا خطبةَ في الكسوفِ، لأنَّها لمْ تنقَلْ. وتُعُقِّبَ بالأحاديثِ المصرّحةِ بالخطبةِ، والقولُ بأنَّ الذي فعلَه - ﷺ - لم يقصدْ بهِ الخطبةَ، بل قصدَ الردَّ على مَنِ اعتقدَ أن الكسوفَ بسببِ موتِ أحدٍ [متعقَّبٌ] (^٢) بأنَّ روايةَ البخاريّ (^٣): \"فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ\"، وفي روايةٍ (^٤): \"وشهدَ أنهُ عَبْدُهُ ورسولُهُ\"، وفي روايةٍ للبخاريِّ (^٥): \"أنهُ ذكرَ أحوالَ الجنةِ والنارِ وغيرَ ذلكَ\"، وهذه مقاصدُ الخطبة.\n[وفي لفظِ مسلمٍ] (^٦) من حديثٍ فاطمةَ عن أسماءَ \"قالتْ: فخطبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - الناسَ، فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ ثمَّ قالَ: أمّا بعدُ، ما مِنْ شيءٍ لم أكنْ رأيتُه إلَّا قد رأيتهُ في مقامي هذا حتَّى الجنةَ والنارَ، وإنهُ قد أُوحيَ إليَّ أنكم تُفْتَنونَ في القبور، قريبًا أو مثلَ فتنةِ المسيحِ الدجّالِ، لا أدري أيَّ ذلك قالَ، قالتْ أسماء: فيؤتى أحدُكم فيقالُ: ما عِلْمُكَ بهذا الرجلِ، فأمّا المؤمنُ أو الموقنُ، لا أدري أيَّ ذلكَ [قالَ] (^٧)، قالتْ أسماءُ: فيقولُ هوَ محمدٌ رسولُ اللَّهِ، جاءَنا بالبيّناتِ والهدَى، فأجبْنَا وأطعْنا ثلاثَ مراتٍ، ثمَّ يقالُ: نَمْ قدْ كنَّا نعلمُ\n_________\n(^١) في (ب): \"وأ كثر\".\n(^٢) في (ب): \"تعقب\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٤٣ رقم ١٩٥٣) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، وهو حديث ضعيف وقد تقدم.\n(^٤) أخرجها أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٦).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٥٤٠ رقم ١٠٥٢) من حديث ابن عباس.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٢٤ رقم ١١/ ٩٠٥).\nوفي (ب): \"ولفظهما في مسلم\".\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"3","page":211},{"text":"أنَّكَ تؤمنُ بهِ فنَمْ صالحًا\"، وفي مسلمٍ (^١) روايةٌ أُخرى في الخطبةِ بألفاظٍ فيها زيادةٌ.\n(وفي روايةٍ لمسلمٍ) [أي] (^٢) عن ابن عباسٍ (صلَّى) أي: النبيُّ - ﷺ - (حينَ كسفتِ الشمس ثماني ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ (في أربعِ سجدات) في ركعتينِ لأنَّ كلَّ ركعةٍ لها سجدتانِ، والمرادُ أنهُ ركعَ في كلّ ركعةٍ أربعَ ركوعاتٍ فيحصلُ في الركعتينِ ثماني ركوعاتٍ، وإلى هذهِ الصفةِ ذهبتْ طائفةٌ.\n٥/ ٤٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ (^٣) - ﵁ - مِثْلُ ذلِكَ. [صحيح]\n(وعن عليٍّ ﵇) أي: وأخرجَ مسلم [عنه] (٢) (مثل ذلك) أي: مثل روايةٍ ابن عباسٍ.\n٦/ ٤٧٥ - وَلَهُ (^٤) عَنْ جَابِرٍ: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. [صحيح]\n(ولهُ) أي: لمسلمٍ (عن جابرٍ) بن عبدِ اللَّهِ (صلَّى) أي: النَّبيُّ - ﷺ - (ستَّ ركعاتٍ بأربعِ سجداتٍ) أي: صلَّى ركعتينِ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ وسجدتانِ.\n٧/ ٤٧٦ - وَلأَبِي دَاوُدَ (^٥)، عَنْ أُبَيّ بْنِ كَعْب - ﵁ -: صَلَّى، فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذلِكَ. [ضعيف]\n(ولأبي داودَ عن أُبيِّ بن كعبٍ - ﵁ -: صلَّى) أي: النبيُّ - ﷺ - (فركعَ خمسَ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ في كلّ ركعةٍ، (وسجدَ سجدتينِ، وفعلَ في الثانيةَ مثلَ ذلكَ) ركعَ خمسَ ركوعاتٍ، وسجدَ سجدتين. إذا عرفتَ هذه الأحاديثَ فقد يحصلُ من مجموعِها أنَّ صلاةَ الكسوفِ ركعتانِ اتفاقًا إنَّما اختُلِفَ في كمّيةِ الركوعاتِ في كلِّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦١٩ رقم ٣/ ٩٠١) من حديث عائشة.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيح مسلم\" (١٨/ ٩٠٨).\n(^٤) أي: لمسلم في \"صحيحه\" (١٠/ ٩٠٤). قلت: وأخرجه أبو داود (١١٧٨)، والنسائي (٣/ ١٣٦).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٦٩٩ رقم ١١٨٢) قال المنذري: \"في إسناده أبو جعفر الرازي، وفيه مقال. واختلف فيه قول ابن معين وابن المديني، واسمه: عيسى بن عبد الله بن ماهان\" اهـ.\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"3","page":212},{"text":"ركعةٍ فحصلَ منْ مجموعِ الرواياتِ التي ساقَها المصنفُ أربعُ صورٍ:\nالأولى: ركعتان في كلّ ركعة ركوعانِ، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، ومالكٌ، والليثُ، وأحمدُ وغيرهم. وعليها دلَّ حديثُ عائشةَ، وجابرٍ، وابنِ عباسٍ، وابن عمرَ. قالَ ابنُ عبد البرِّ (^١): هوَ أصحُّ ما في الباب وباقي الرواياتِ معلَّلةٌ ضعيفةٌ.\nالثانيةُ: ركعتانِ أيضًا في كلّ ركعةٍ أربعُ ركوعاتٍ، وهي التي أفادتها روايةُ مسلمٍ عن ابن عباسٍ وعليٍّ ﵇.\nوالثالثة: ركعتان أيضًا في كل ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ، وعليها دلَّ حديثُ جابرٍ.\nوالرابعةُ: ركعتانِ أيضًا يركعُ في كلّ واحدةٍ خمسَ ركوعاتٍ. ولما اختلَفتِ الرواياتُ اختلفَ العلماءُ؛ فالجمهورُ أخذُوا بالأُولى لما عرفتَ من كلامِ ابن عبد البرِّ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^٢): إنهُ أخذَ بكلّ نوعٍ بعضُ الصحابةِ، وقالَ جماعةٌ منَ المحقّقينَ: إنهُ مخيَّر بينَ الأنواعِ فأيَّها فعلَ فقد أحسنَ، وهو مبنيٌّ على أنهُ تعدّدَ الكسوفُ، وأنهُ فعلَ هذا تارةً وهذا أُخْرَى، ولكنَّ التحقيقَ أن كلَّ الرواياتِ حكايةٌ عن واقعةٍ واحدةٍ هيَ صلاتهُ - ﷺ - يومَ وفاةِ إبراهيمَ، ولهذا عوَّلَ الآخرونَ على إعلالِ الأحاديثِ التي حكتِ الصورَ الثلاثَ.\nقالَ ابن القيِّم (^٣) ﵀: كبارُ الأئمةِ لا يصحّحونَ التعدّدَ لذلكَ؛ كالإمامِ أحمدَ، والبخاريِّ، والشافعيِّ، ويرَوهُ غلطًا. وذهبتِ الحنفيةُ إلى أنَّها تُصَلَّى ركعتينِ كسائرِ النوافلِ.\n٨/ ٤٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: مَا هَبَّتِ الرَّيحُ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا\"، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (^٤)، وَالطَّبَرَانِى (^٥). [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"التمهيد\" (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦).\n(^٢) (٦/ ١٩٩).\n(^٣) في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٥٣).\n(^٤) في \"المسند\" (ص ٨١) أخبرني من لا أتَّهم، عن العلاء بن راشد عن عكرمة عنه به، قلت: فيه إبراهيم بن أبي يحيى وهو ضعيف جدًّا، والعلاء بن راشد وهو مجهول.\n(^٥) في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٢١٣ رقم ١١٥٣٣) من طريق الحسين بن قيس عن عكرمة عنه =","vol":"3","page":213},{"text":"(وعن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: ما هبَتْ ريحٌ قطُّ إلَّا جثَا) بالجيم والمثلثةِ (النبيُّ - ﷺ - عدى ركبتَيْهِ) أي: بركَ عليهما، وهي قعدةُ المخافة لا يفعلُها في الأغلبِ إلَّا الخائِفُ (وقالَ: اللَّهمَّ اجعلْها رحمةً ولا تجعلْها عذابًا. رواهُ الشافعيُّ والطبرانيُّ).\nالريحُ: اسمُ جنسٍ صادقٌ على ما يأتي بالرحمة، [وما يأتي] (^١) بالعذابِ. وقد وردَ في حديثٍ أبي هريرةَ (^٢) مرفوعًا: \"الريحُ من روحِ اللَّهِ تأتي بالرحمةِ وبالعذابِ فلا تسبُّوها\". وقد وردَ في تمامِ حديثٍ ابن عباسٍ: \"اللَّهمّ اجعلْها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\"، وهو يدلُّ أن المفردَ يختصُّ بالعذاب والجمعَ بالرحمةِ. قالَ ابنُ عباس في كتابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ (^٣)، و﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (^٤)، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (^٥)، ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^٦)، رواهُ الشافعيُّ و[البيهقيُّ] (^٧) في الدعوات [الكبير] (^٨)، وهو بيانٌ أنَّها جاءتْ مجموعةَ في الرحمةِ ومفردةً في العذابِ، فاستشكلَ ما في الحديثِ من طلبِ أنْ تكون رحمة، وأجيبَ بأنَّ المرادَ لا تهلكْنَا بهذهِ الريح؛ لأنَّهم لو هلكُوا بهذهِ الريحِ لم تهبَّ [بعدها] (^٩) عليهمْ ريحٌ أُخْرَى، فتكونُ ريحًا لا رياحًا.\n٩/ ٤٧٨ - وَعَنْهُ - ﵁ -: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الآياتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١٠). [ضعيف]\n_________\n= به، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٦) وقال: رواه الطبراني وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك وقد وثّقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح، والخلاصة: فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^١) في (ب): \"ويأتي\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٠٦)، والشافعي في \"المسند\" (ص ٨١ - ٨٢)، وأحمد في \"المسند\" (١٤/ ٥٢ رقم ٧٦١٩ - شاكر)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٢٩١ - ٣٩٢)، وهو حديث صحيح. وانظر: \"تخريج الكلم الطيب\" للألباني رقم (١٥٣).\n(^٣) سورة القمر: الآية ١٩.\n(^٤) سورة الذاريات: الآية ٤١.\n(^٥) سورة الحجر: الآية ٢٢.\n(^٦) سورة الروم: الآية ٤٦.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"الكبرى\".\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٣). =","vol":"3","page":214},{"text":"وَذَكَرَ الشَّافِعِي (^١) عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِب - ﵁ - مِثْلهُ دُونَ آخِرِهِ. [ضعيف]\n(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (صلَّى في زلزلةٍ ستَّ ركعاتٍ) أي: ركوعاتٍ (أربعَ سَجَداتٍ) أي: صلَّى ركعتينِ في كلِّ ركعةٍ ثلاثُ ركوعاتٍ (وقال: هكذا صلاةُ الآيات. رواهُ البيهقيُّ، وذكرَ الشافعيُّ عن عليٍّ مثلَه دونَ آخرهِ)، وهو قولُه: \"هكذَا صلاةُ الآياتِ\". أخرجهُ البيهقيُّ (^٢) من طريقِ عبدِ اللَّهِ بن الحارثِ [عنه] (^٣) أنهُ كانَ ذلكَ في زلزلةٍ في البصرةِ، ورواهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) من هذا الوجهِ مختصرًا: \"أن أبنَ عباسٍ صلَّى بهمْ في زلزلةٍ أربعَ سجداتِ ركعَ فيها ستًّا\".\nوظاهرُ اللفظِ أنهُ صلَّى بهمْ جماعةً. وإلى هذا ذهبَ القاسمُ منَ الآلِ. [وقالَ] (^٥): يصلِّي للأفزاعِ مثلَ صلاةِ الكسوفِ، وإنْ شاءَ ركعتينِ، ووافقهُ على ذلكَ أحمدَ بنُ حنبلٍ، ولكنْ قالَ: كصلاةِ الكسوفِ.\nقلتُ: لكنَّ في كتبِ الحنابلةِ أنهُ يصلِّي الكسوفَ ركعتينِ إذا شاءَ، وذهبَ الشافعيُّ وغيرهُ إلى أنهُ لا يسنُّ التجميعُ، وأمّا صلاةُ المنفردِ فحسنٌ، قالَ: لأنهُ لم يُرْوَ أنهُ - ﷺ - أمرَ بالتجميعِ إلَّا في الكسوفينِ.\n_________\n= قلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ١٠٢ رقم ٤٩٣٢).\n(^١) في \"الأم\" (٧/ ١٧٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٣)، و\"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٥٧ رقم ٧١٦٢).\nوقال الشافعي: لو ثبت هذا الحديث عندنا عن علي لقلنا به، وهم يثبتونه ولا يأخذون به.\nوالخلاصة: أن حديث ابن عباس ضعيف، وكذلك حديث علي، والله أعلم.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٣).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"المصنف\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٥) في (أ): \"وقالوا\".","vol":"3","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-575>[الباب السادس عشر] بابُ صلاةِ الاستسقاءِ</span>\nأي: طلب [سقايةِ] (^١) اللَّهِ تعالى عندَ حدوثِ الجَدْبِ، أخرجَ ابنُ ماجَهْ (^٢) من حديثٍ ابن عمرَ \"أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"لمْ ينقِصْ قومٌ المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذُوا بالسنينَ، وشدّةِ المؤنةِ، وجورِ السلطانِ عليهم، ولم يمنعُوا زكاةَ أموالهم إلّا مُنِعُوا القطرَ منَ السماءِ\".\n_________\n(^١) في (ب): \"استقاية\".\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٣٣٢ رقم ٤٠١٩).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٢٤٦): \"رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ في كتاب \"المستدرك\" في آخر كتاب الفتن مطولًا - (٤/ ٥٤٥) - من طريق عطاء بن أبي رباح. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، هذا حديث صالح العمل به، وقد اختلف في ابن أبي مالك وأبيه، فأمّا الولد فاسمه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الدمشقي فوثقه أبو زرعة الدمشقي وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن صالحٍ، وضعَّفه أحمد وابن معين والنسائي والدارقطني.\nوأمّا أبوه فهو قاضي دمشق وكان من أثقة التابعين وثّقه ابن معين وأبو زرعة الرازي وابن حبان والدارقطني والبرقاني، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثهما لين، يعني: خالد وأبوه\" اهـ. قال الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ١٦٨): الأب لا بأس به وإنما العلّة من ابنه. وقال الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ١٦٨) عقب قول الحاكم، \"وصحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي:\n\"بل هو حسن الإسناد، فإن ابن غيلان هذا قد ضعَّفه بعضهم لكن وثقه الجهور.\nوقال الحافظ في \"التقريب\": \"صدوق فقيه، رمي بالقدر\".\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n- السنين: جمعة سَنَة، أي: جدب وقحط.","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-576>حكم صلاة الاستسقاء وصفتها والخطبة لها</span>\n١/ ٤٧٩ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ التّرْمِذِيُّ (^٢)، وَأَبُو عَوَانَةَ (^٣)، وَابْنُ حِبَّان (^٤). [حسن]\n(عن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: خرجَ النبيُّ - ﷺ -) أي: من المدينةِ (متواضعًا متبذّلًا) بالمثناةِ الفوقيةِ [فموحَّدة] (^٥)، فذالٍ معجمةٍ، أي: أنهُ لابسٌ ثيابَ البذلةِ، والمرادُ تركُ الزينةِ وحسنِ الهيئةِ تواضعًا إظهارًا للحاجةِ (متخشّعًا)، الخشوعُ في الصوتِ والبصرِ كالخضوعِ في البدنِ، (مترسَلًا) منَ [الترسيل] (^٦) في المشي وهو التأنّي وعدم العجلةِ، (متضرّعًا) لفظُ أبي داودَ: \"متبذّلًا متواضعًا متضرّعًا\"، والتضرُّعُ: التذلُّلُ والمبالغةُ في السؤالِ والرَّغبةِ كما في النهاية (^٧)، (فصلَّى ركعتينِ كما يصلِّي في العيدِ لم يخطبْ خطبتَكم هذهِ)، [تمامه من] (^٨) لفظِ أبي داودَ (^٩): \"ولكنْ لم يزلْ في الدعاءِ والتضرُّعِ والتكبيرِ، ثمَّ صلَّى ركعتينِ كما يصلّي في العيدِ\"، فأفادَ لفظُه أن الصلاةَ كانتْ بعدَ الدعاءِ، واللفظُ الذي أتَى بهِ المصنفُ غيرُ صريح في ذلكَ\n_________\n(^١) وهم أحمد (١/ ٣٣٠) و(١/ ٢٦٩)، وأبو داود (١١٦٥)، والترمذي (٥٥٨ و٥٥٩)، والنسائي (١/ ١٥٦) و(٣/ ١٥٦) و(٣/ ١٦٣)، وابن ماجه (١٢٦٦).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة رقم (١٤٠٥) و(١٤٠٨) و(١٤١٩)، والدارقطني (٢/ ٦٨) و(٢/ ٦٧ - ٦٨)، والحاكم (١/ ٣٢٦ - ٣٢٧) و(١/ ٣٢٦)، والبيهقي (٣/ ٣٤٤)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (٥/ ١٦٦ رقم ٧١٧٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٤٠٢ رقم ١٠٨١٨) و(١٠٨١٩) من طرق.\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٤٤٥).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٩٥ رقم ٧١٣).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٧/ ١١٢ رقم ٢٨٦٢).\nوخلاصة: الأمر أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"الترسل\".\n(^٧) (٣/ ٨٥).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) رقم (١١٦٥) وقد تقدم.","vol":"3","page":217},{"text":"(رواهُ الخمسة، وصحَّحه الترمذيُّ وأبو عوانةَ، وابن حبّانَ)، وأخرجهُ الحاكمُ (^١)، والبيهقيُّ (^٢)، والدارقطنيُّ (^٣).\nوالحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الصلاةِ للاستسقاءِ، وإليهِ ذهبَ الآلُ، وقالَ أبو حنيفةَ\" لا يصلَّى للاستسقاءِ وإنَّما شرعَ الدعاءُ فقط، ثمَّ اختلفَ القائلونَ بشرعيةِ الصلاةِ، فقالَ جماعة: إنَّها كصلاةِ العيدِ في تكبيرها وقراءتِها، وهوَ المنصوصُ للشافعي عملًا بظاهرِ لفظِ ابن عباسٍ. وقال آخرونَ: بل يصلّي ركعتينِ لا صفةَ لهما زائدةٌ على ذلكَ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ. ويُرْوَى عن عليٍّ ﵇، وبهِ قالَ مالكٌ مستدلّينَ بما أخرجهُ البخاريُّ (^٤) من حديثٍ عبَّادِ بن تميمٍ: \"أنهُ - ﷺ - صلَّى بهم ركعتينِ\"، وكما يفيدُه حديثُ عائشةَ الآتي قريبًا (^٥)، وتأوّلُوا حديثَ ابن عباسٍ بأنَّ المرادَ التشبيهُ في العددِ لا في الصفةِ، ويبعدُه أنهُ قد أخرجَ الدارقطنيُّ (^٦) من حديثٍ ابن عباسٍ: \"أنهُ يكبّرُ فيها سبعًا وخمسًا كالعيدينِ، ويقرأُ بسبِّح، وهلْ أتاكَ\"، وإنْ كانَ في إسنادهِ مقالٌ؛ فإنهُ يؤيّدُهُ حديثُ البابِ.\nوأمّا أبو حنيفةَ فاستدلَّ بما أخرجهُ أبو داودَ (^٧)، والترمذيُّ (^٨): \"أنهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) (١/ ٣٢٦) و(١/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وقد تقدَّم.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٤)، وقد تقدَّم.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٦٨) و(٢/ ٦٧ - ٦٨)، وقد تقدَّم.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥١٤ رقم ١٠٢٤ و١٠٢٥ و١٠٢٦).\n(^٥) رقم (٢/ ٤٨٠).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٦٦ رقم ٤). وقال الآبادي في \"التعليق المغني\": \"الحديث أخرجه البيهقي والحاكم في \"المستدرك\" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي تصحيحه نظر، لأن محمد بن عبد العزيز هذا، قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائيُّ: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال ابن القطان: أبوه عبد العزيز مجهول الحال، فاعتلّ الحديث بهما.\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٦٩٠ رقم ١١٦٨) من حديث عمير مولى بني آبي اللحم.\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٤٤٣ رقم ٥٥٧) من حديث آبي اللحم. قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٣) بسند صحيح، وصحَّحه الحاكم (١/ ٣٢٧) ووافقه الذهبي والنسائي (٣/ ١٥٩).\nقال أبو عيسى: كذا قال قتيبة في هذا الحديث \"عن آبي اللحم\" ولا نعرف له عن النبيّ - ﷺ - إلَّا هذا الحديث الواحد. وعمير مولى آبي اللحم قد روى عن النبيّ - ﷺ - أحاديث وله صحبة. وصحَّح الألباني الحديث في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي.","vol":"3","page":218},{"text":"استسْقَى عندَ أحجارِ الزيتِ (^١) بالدعاءِ\"، وأخرجَ أبو عوانةَ في صحيحهِ (^٢): \"أنهُ شكا إليهِ - ﷺ - قومٌ القحطَ فقالَ: اجْثُوا على الركبِ وقولُوا: يا ربُّ يا ربُّ\"، وأجيبَ عنهُ بأنهُ قد ثبتَ صلاةُ ركعتينِ، وثبتَ تركُها في بعضِ الأحيانِ لبيانِ الجوازِ. وقد عدَّ في الهدي النبويّ (^٣) أنواعَ استسقائِهِ - ﷺ -.\nفالأولُ: خروجُهُ - ﷺ - إلى المصلَّى وصلاتُهُ وخطبتُهُ.\nوالثاني: يومُ الجمعةِ على المنبرِ أثناءَ الخطبةِ.\nالثالثُ: استسقاؤُه على منبرِ المدينةِ، استسقَى مجرّدًا في غيرِ يومِ الجمعةِ،\nولمْ يُحفظْ عنهُ فيهِ صلاةٌ.\nالرابعُ: أنهُ استسقَى وهو جالسٌ في المسجدِ، فرفعَ يديهِ ودعا اللَّهَ ﷿.\nالخامسُ: أنهُ استسقَى عندَ أحجارِ الزيتِ قريبًا منَ الزوراءِ، وهي خارجُ بابِ المسجدِ.\nالسادسُ: أنهُ استسقَى في بعضِ غزواتهِ لما سبقهُ المشركونَ إلى الماءِ، وأغيثَ - ﷺ - في كلِّ مرةٍ استسقَى فيها.\nواختُلِفَ في الخطبةِ في الاستسقاءِ، فذهبَ الهادي إلى أنهُ لا يخطبُ فيهِ لقولِ ابن عباسٍ: \"لم يخطبْ\"، إلَّا أنهُ لا يَخْفَى أنهُ ينفي الخطبةَ المشابهةَ لخطبتِهم، وذكرَ ما قالهُ - ﷺ -. وقد زادَ في روايةٍ أبي داودَ (^٤): \"أنهُ - ﷺ - رقَى المنبرَ\". والظاهرُ أنهُ لا يرقاهُ إلَّا للخطبةِ، وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يُخطَبُ فيها كالجمعةِ لحديثِ عائشةَ الآتي (^٥)، وحديثِ ابن عباسٍ (^٦)، ثمَّ اختلفُوا: هلْ\n_________\n(^١) أحجار الزيت موضع في المدينة من الحرَّة، سميت بذلك لسواد أحجارها، كأنها طُليت بالزيت.\n(^٢) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٩٤ - ٩٥).\n(^٣) لابن القيم (١/ ٤٥٦ - ٤٥٨).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٦٨٨ رقم ١١٦٥) وقد تقدم.\n(^٥) رقم (٢/ ٤٨٠).\n(^٦) تقدم رقم (١/ ٤٧٩) إلا أن له ألفاظًا مختلفة، فيها ما هو صريح بالخطبة، وفيها ما فيه الدعاء فقط مع إنكار الخطبة.","vol":"3","page":219},{"text":"يُخْطَبُ قبلَ الصلاةِ أو بعدَها، فذهبَ الناصرُ وجماعةٌ إلى الأولِ، وذهبَ الشافعيُّ وآخرونَ إلى الثاني، مستدلّينَ بحديثِ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (^١)، وابنِ ماجَهْ (^٢)، وأبي عوانةَ (^٣)، والبيهقيِّ (^٤): \"أنهُ - ﷺ - خرجَ للاستسقاءِ فصلَّى ركعتينِ، ثمَّ خطبَ\".\nواستدلَّ الأوَّلونَ بحديثِ ابن عباسٍ، وقد قدَّمْنَا لفظَهُ. وجُمِعَ بينَ الحديثينِ بأنَّ الذي بدأ بهِ هوَ الدعاءُ، فعبّرَ بعضُ الرواة عن الدعاءِ بالخطبةِ، واقتصرَ على ذلكَ، ولم يروِ الخطبةَ بعدَها، والراوي لتقديمِ الصلاةِ على الخطبةِ اقتصرَ على ذلكَ ولم يروِ الدعاءَ قبلَها. وهذا جمعٌ بينَ الروايتينِ. وأمّا ما يدعُو بهِ فيتحرَّى ما وردَ عنهُ - ﷺ - من ذلكَ، وقد أبانَ الألفاظَ التي دعا بِها - ﷺ - بقولهِ.\n٢/ ٤٨٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قُحُوطَ المَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ العَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَّهَ إِلَّا اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٣٦٢).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٠٣ رقم ١٢٦٨).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٩٨).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٧).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤١٦ رقم ٤٤٢/ ١٢٦٨): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات … \". وقال البيهقي: \"تفرَّد به النعمان بن راشد فقال في الخلافيات: رواته ثقات\" كما في \"التلخيص\" (٢/ ٩٨ رقم ٧٢٠).\nوقال أبو بكر بن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٣٣٨ رقم ١٤٢٢): \"في القلب من النعمان بن راشد، فإن في حديثه عن الزهري تخليط كثير … \" اهـ.\nوقال الشيخ المحدث الألباني في تعليقه على صحيح ابن خزيمة (٢/ ٣٣٣ رقم ١٤٠٩): \"إسناده ضعيف، النعمان بن راشد صدوق سيء الحفظ كما قال الحافظ في \"التقريب\" … \" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"3","page":220},{"text":"الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَينَا الْغَيثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ عَلَينَا قُوَّةً وَبَلاغًا إِلَى حِينَ\"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [حسن]\n(وعن عائشةَ قالتْ: شكا الناسُ إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - قُحُوطَ المطرِ) هوَ مصدرٌ كالقحطِ، (فأمرَ بمنبرٍ فوضِعَ لهُ في المصلَّى، ووعدَ الناسَ يومًا يخرجونَ فيهِ) عَيَّنَهُ لهم، (فخرجَ حينَ بدا حاجبُ الشمسِ، فقعدَ على المنبرِ) قالَ ابنُ القيم (^٢): إنْ صحَّ، إلَّا ففي القلبِ منهُ شيءٌ، (فكبّرَ وحمدَ اللَّهَ ثمَّ قال: إنَّكم شكوتم جَدْبَ دياركم فقدْ أمركمُ اللَّهُ أنْ تدعوهُ) قالَ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٣)، (ووعدَكم أنْ يستجيبَ لكم) كما في الآية الأُولى، وفي قولهِ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٤).\n(ثمَّ قالَ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الرَّحمن الرحيمِ) فيهِ دليلٌ على عدمِ افتتاحِ الخطبةِ بالبسملةِ، بلْ بالحمدُ [للَّهِ] (^٥)، ولم تأتِ روايةٌ عنهُ - ﷺ - أنهُ افتتحَ الخطبةَ بغيرِ التحميدِ، (ملكِ يومِ الدينِ، لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ يفعلُ ما يريدُ، اللَّهمَّ أنتَ اللَّهُ، لا إلهَ إِلَّا أنتَ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٦٩٢ رقم ١١٧٣).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣٢٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٤٩).\nوالطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٢٥)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ١٠٩ رقم ٢٨٦٠) من طريق خالد بن نزار حدثني القاسم بن مبرور عن يونس بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به، وإسناده حسن.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، مع أن خالد بن نزار وشيخه القاسم لم يخرج لهما الشيخان شيئًا.\nوقال أبو داود: \"هذا حديث غريب إسناده جيد، أهل المدينة يقرأونا ملك يوم الدين\"، وإن هذا الحديث حجة لهم\".\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٢) في \"زاد المعاد\" (١/ ٤٥٧).\n(^٣) سورة غافر: الآية ٦٠.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٦.\n(^٥) في (ب): \"له\".","vol":"3","page":221},{"text":"أنتَ الغنيُّ، ونحنُ الفقراءُ، أنزلْ علينا الغَيْثَ واجعلْ ما أنزلتَ [علينا] (^١) قوةً وبلاغًا إلى حينَ. ثمَّ رفعَ يديهِ فلم يزلْ) في سننِ أبي داودَ: \"في الرفعِ\" (حتَّى [رُئي] (^٢) بياضُ إبطيهِ، ثمَّ حوَّلَ إلى الناسِ ظهرَهُ)، فاستقبلَ القبلةَ، (وقلبَ) في سنن أبي داودَ: وحوَّل (رداءَه وهوَ رافعٌ يديهِ، ثمَّ أقبلَ على الناسِ) توجَّهَ إليهم بعدَ تحويلِ ظهرهِ عنهم، (ونزلَ) أي: عن المنبرِ (فصلَّى ركعتينِ، فأنشأ اللَّهُ سحابة، فرعدتْ وبرقتْ، ثمَّ أمطرتْ) تمامُهُ [منْ] (^٣) سننِ أبي داودَ: بإذنِ اللَّهِ، فلمْ يأتِ بابَ مسجدهِ حتَّى سالتِ السيولُ، فلمَّا رأى سرعتهم إلى الكنِّ ضحكَ حتَّى بدتْ نواجذُه وقالَ: \"أشهدُ أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأني عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ\".\n(رواهُ أبو داودَ، وقالَ: غريبٌ وإسنادُهُ جيدٌ) هو من تمامِ قول أبي داودَ، ثمَّ قال أبو داودَ: \"أهلُ المدينةِ يقرأونَ: ملِكِ يومِ الدينِ، وإنَّ هذا الحديثَ حجةٌ لهم\".\nوفي قولهِ: \"وعدَ الناسَ\" ما يدلُّ على أنهُ يحسنُ تقديمُ تبيينِ اليومِ للناسِ ليتأهّبُوا ويتخلَّصُوا منَ المظالمِ ونحوِها، ويقدِّمُوا التوبةَ، وهذهِ الأمورُ واجبةٌ مطلقًا إلَّا أنهُ معَ حصولِ الشدةِ وطلبِ تفريجِها من اللَّهِ تعالى يتضيّقُ ذلكَ. وقد وردَ في الإسرائيلياتِ (^٤): \"إنَّ اللَّهَ حَرَم قومًا [من بني إسرائيل] (^٥) السُّقْيا بعدَ خروجِهم لأنهُ كان فيهمْ عاصٍ واحدٍ\"، ولفظُ الناسِ يعمُّ المسلمينَ وغيرهم، قيل: فيشرعُ إخراجُ أهلِ الذمَّةِ ويعتزلونَ المصلَّى.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"رأوا\".\n(^٣) في (ب): \"في\".\n(^٤) الإسرائيلية: هي كل قصة أو حادثة تروى عن مصدر إسرائيلي، والنسبة فيها إلى إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أبو الأسباط الاثني عشر …\nولفظ الإسرائيليات - وإن كان يدل بظاهره على القَصص الذي يروى أصلًا عن مصادر يهودية - يستعمله علماء التفسير والحديث، ويطلقونه على ما هو أوسع وأشمل من القصص اليهودية، فهو في اصطلاحهم يدلّ على كل ما تطرَّق إلى التفسير والحديث من أساطير قديمة منسوبة في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو نصراني أو غيرهما، … انظر: \"التعليقة\" رقم (١) (ص ٢٤ - ٢٥) من تحقيقنا لحديث: \"ما ذئبان جائعان\".\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"3","page":222},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على شرعيةِ رفعِ اليدينِ عندَ الدعاءِ، ولكنهُ يبالغُ في رفعهِما في الاستسقاءِ حتَّى يساوي بهما وجهَهُ، ولا يجاوزُ بهمَا رأسهُ. وقد ثبتَ رفعُ اليدينِ عندَ الدعاءِ في عدةِ أحاديثَ، وصنّفَ المنذريُّ في ذلك جزءًا، وقالَ النوويُّ (^١): قد جمعتُ فيها نحوًا من ثلاثينَ حديثًا منَ الصحيحينِ، أو أحدِهما، وذكرَها في أواخرِ بابِ صفةِ الصلاةِ من شرحِ المهذّبِ، وأمّا حديثُ أنسٍ (^٢) في نفي رفعِ اليدينِ في غيرِ الاستسقاءِ، فالمرادُ بهِ نفيُ المبالغةِ لا نفيُ أصلِ الرفعِ.\nوأمّا كيفيةُ قلبِ الرداءِ فيأتي عن البخاري (^٣) جعلُ اليمينِ على الشمالِ. وزادَ ابنُ ماجَهْ (^٤)، وابنُ خُزيمة (^٥): \"وجعل الشمال على اليمين\"، [وفي روايةٍ لأبي داودَ (^٦): \"جعلَ عطافَه الأيمنَ على عاتقهِ الأيسرِ، وعطافَه الأيسرَ على عاتقه الأيمن\"] (^٧)، وفي روايةٍ لأبي داودَ (^٨): \"أنهُ كانَ عليهِ خميصةٌ سوداءُ، فأرادَ أنْ يأخذَ بأسفلِها ويجعلَه أعلاها، فلمَّا ثقلتْ عليهِ قلبَها على عاتقهِ\". [ويشرعُ] (^٩) للناسِ أنْ يُحوِّلُوا معهُ لما أخرجهُ أحمدُ (^١٠) بلفظِ: \"وحوَّل الناسُ معهُ\". وقالَ الليثُ وأبو يوسفَ: إنهُ يختصُّ التحويلُ بالإمامِ، وقالَ بعضُهم: لا تحوّلُ النساءُ.\nوأمّا وقتُ التحويلِ فعندَ استقبالهِ القبلةَ، ولمسلمٍ (^١١): \"أنهُ لما أرادَ أن يدعوَ استقبلَ القبلةَ وحوّلَ رداءَه\"، ومثلهُ في البخاري (^١٢).\n_________\n(^١) في المجموع \"شرح المهذب\" (٤/ ٥٠٧ - ٥١١).\nقلت: وللسيوطي \"فضّ الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء\" تحقيق وتخريج: محمد شكور المياديني.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٣١) و(٣٥٦٥)، ومسلم (٨٩٥)، وأبو داود (١١٧٠) و(١١٧١)، والنسائي (٣/ ١٥٨) و(٣/ ٢٤٩)، وأحمد (٣/ ١٨١)، والدارمي (١/ ٣٦١)، والدارقطني (٢/ ٦٨ - ٦٩)، والبغوي في شرح السنة\" (٦/ ٤٠٤ رقم ١١٦٣) و(٦/ ٤٠٤ رقم ١١٦٤)، وابن خزيمة (٢/ ٣٣٤ رقم ١٤١٢) من طرق عن أنس.\n(^٣) رقم (٣/ ٤٧٩).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٠٣ رقم ١٢٦٧).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٣٤ رقم ١٤١٤).\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٦٨٨ رقم ١١٦٣).\n(^٧) زيادة من المطبوع ولم يوجد في (أ) ولا (ب).\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٦٨٨ رقم ١١٦٤).\n• الخميصة: كساء أسود مربَّع له علَمان في طرفيه من صوف وغيره.\n(^٩) في (ب): \"شرع\".\n(^١٠) في \"المسند\" (٤/ ٤١).\n(^١١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦١١ رقم ٣/ ٨٩٤).\n(^١٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٩٧ رقم ١٠١٢).","vol":"3","page":223},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على أن صلاةَ الاستسقاءِ ركعتانِ، وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ الهادي: أربعٌ بتسليمتينِ، ووجَّهَ قولَهُ بأنهُ - ﷺ - استسْقَى في الجمعة كما في قصةِ الأعرابي والجمعةِ بالخطبتينِ بمنزلةِ أربعِ ركعاتٍ، ولا يَخْفَى ما فيهِ. وقد ثبتَ من فعلهِ - ﷺ - الركعتانِ كما عرفتَ من هذا الحديثِ، والذي قبلَه، ولما ذهبتِ الحنفيةُ إلى أنهُ لا يشرعُ التحويلُ. وقد أفادهُ هذا الحديثُ الماضي، زادَ المصنفُ تقويةَ الاستدلالِ على ثبوتِ التحويلِ بقولهِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-577>تحويلُ الرداء في الاستسقاء والحكمة فيه</span>\n٣/ ٤٨١ - وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ في الصَّحِيحِ (^١) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَفِيهِ: فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. [صحيح]\n(وقصة التحويلِ في الصحيحِ) أي: صحيحِ البخاري (من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدِ) أي: المازني، وليسَ هوَ راوي الأذانِ كما وَهِمَ فيهِ بعضُ الحفاظِ، ولفظهُ في البخاري: \"فاستقبلَ القبلةَ وقلبَ رداءَه\"، (وفيهِ) أي: في حديثٍ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ (فتوجَّهَ) [أي: النبيُّ - ﷺ -] (^٢) (إلى القبلةِ يدعُو) في البخاري بعدَ: \"يدعُو\": \"وحوَّلَ رداءَه\"، وفي لفظٍ (^٣): \"قلبَ رداءَه\"، (ثمَّ صلَّى ركعتينِ جهرَ فيهما بالقراءةِ). قالَ البخاريُّ (^٤): قالَ سفيانُ: وأخبرني المسعوديُّ عن أبي بكرٍ، قالَ: \"جعلَ اليمينَ على الشمالِ\"، انتهَى. زادَ ابنُ خزيمةَ (^٥): \"والشمالَ على اليمينِ\". وقد اختُلِفَ في حكمةِ التحويلِ، فأشارَ المصنّفُ إليهِ بإيرادِ الحديثِ:\n٤/ ٤٨٢ - وَللدَّارَقُطْنِيِّ (^٦) مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ. [ضعيف]\nوهوَ قولُه: (وللدارقطنيِّ من مرسلِ أبي جعفرٍ الباقرِ) (^٧) هوَ محمدُ بنُ عليّ بن\n_________\n(^١) أي: \"صحيح البخاري\" (١٠٢٤).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أي: \"للبخاري\" (١٠١١ و١٠١٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٥١٥ رقم ١٠٢٧).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٣٣٤ رقم ١٤١٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٦٦ رقم ٢).\n(^٧) انظر ترجمته: في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٨٧)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٦٠)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٦)، و\"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٣٢٠).","vol":"3","page":224},{"text":"[الحسين] (^١) بن علي بن أبي طالبٍ، سمعَ أباهُ زينَ العابدينَ، وجابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، ورَوَى عنهُ ابنهُ جعفر الصادقُ وغيرُه. ولدَ سنةَ ستٍّ وخمسينَ، وماتَ [بالمدينةِ] (^٢) سنةَ سبعَ عشرةَ ومائةٍ، وهوَ ابنُ ثلاثٍ وستّينَ سنةً، ودفنَ بالبقيعِ في البقعةِ التي دفنَ فيها أبوهُ وعمُّ أبيهِ الحسنُ بنُ عليٍّ بن أبي طالبٍ، وسمّيَ الباقرَ لأنّهُ تبقَّرَ في العلمِ، أي: توسَّعَ فيه، انتهَى من جامعِ الأصولِ.\n(وحوَّلَ رداءَه ليتحوَّلَ القحطُ) وقالَ ابنُ العربي (^٣): هوَ أمارةٌ بينَه وبينَ ربِّهِ. قيلَ لهُ: حوّلْ رداءَك ليتحوّلَ حالكُ، وتُعُقِّبَ قولُه هذا [بأنهُ] (^٤) يحتاجُ إلى نقل، واعترضَ ابنُ العربي للقولِ بأنَّ التحويلَ للتفاؤلِ، قالَ: لأنَّ من شرطِ الفأل أنْ لا يقصدَ إليهِ، وقالَ المصنفُ (^٥): إنهُ وردَ في التفاؤلِ حديثٌ رجالُه ثقاتٌ، قالَ المصنّفُ في الفتحِ: إنهُ أخرجهُ الدارقطنيُّ (^٦)، والحاكمُ (^٧) من طريقِ جعفرِ بن محمدٍ عن أبيهِ، عن جابرٍ فوصلَه، لأنَّ محمدَ بنَ علي لقي جابرًا ورَوَى عنه إلَّا أنهُ قال: إنه رجَّح الدارقطني إرساله، ثم قال: وعلى كل حالٍ فهو أولى من القولِ بالظنِّ.\nوقولُه في الحديثِ الأولى: (جهرَ فيهما بالقراءة) في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: \"يجهرُ\". ونقلُ ابنُ بطالٍ إنهُ مجمعٌ عليهِ، أي: على الجهرِ في صلاةِ الاستسقاءِ، وأخذَ منهُ بعضُهم أنَّها لا تصلَّى إلَّا في النهارِ ولو كانتْ تصلَّى في الليلِ لأسرَّ فيها نهارًا ولجهرَ فيها ليلًا، وفي هذا الأخذِ بُعْدٌ لا يَخْفَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-578>استسقاء النبي - ﷺ - في خطبة الجمعة</span>\n٥/ ٤٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ ﷿ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا\"، فَذَكَرَ\n_________\n(^١) في (ب): \"الحسن\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٣٣).\n(^٤) في (أ): \"أنه\".\n(^٥) في \"الفتح\" (٢/ ٤٩٩).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٦٦ رقم ٢).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٣٢٦) وقال: صحيح الإسناد، وقال الذهبي: غريب عجيب صحيح.","vol":"3","page":225},{"text":"الْحَدِيثَ. وَفِيهِ الدُّعاءُ بِإِمْسَاكِها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-579>كتاب الصلاة</span>\n(وعن أنسٍ أن رجلًا دخلَ المسجدَ يومَ الجمعةِ، والنبيُّ - ﷺ - قائمٌ يخطبُ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السُّبُل، فادعُ اللَّهَ ﷿ يغيثُنا، فرفعَ يَدَيْهِ) زادَ البخاريُّ في روايةٍ: \"ورفعَ الناسُ أيديَهم\"، ثمَّ قالَ: (اللَّهمَّ أغِثْنَا)، وفي البخاري: أسْقِنَا، (اللَّهمّ أغِثْنا. فذكرَ الحديثَ، وفيهِ الدعاءُ بإمساكِها)، أي: السحابِ عن الأمطارِ (متفقٌ عليهِ).\nتمامُه [في] (^٢) مسلمٍ (^٣): \"قالَ أنسٌ: فلا واللَّهِ ما نرى في السماءِ من سحابٍ ولا قزعةٍ (^٤)، وما بينَنا وبينَ سلعٍ (^٥) من بيتٍ ولا دارٍ. قالَ: فطلعتْ من ورائهِ سحابةٌ مثلُ الترسِ، فلما توسَّطتِ السماءَ انتشرتْ ثمَّ أمطرتْ. قالَ: فلا واللَّهِ ما رأينا الشمسَ سبتًا، ثم دخلَ رجلٌ من ذلكَ البابِ في الجمعةِ المقبلةِ، ورسولُ اللَّهِ - ﷺ - قائمٌ يخطبُ، فاستقبلَهُ قائمًا فقال: يا رسولَ اللَّهِ هلكتِ الأموالُ وانقطعتِ السبلُ، فادعُ اللَّهَ يمسكُها عنَّا. قالَ: فرفعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يديهِ ثمَّ قالَ: \"اللَّهمَّ حوالَيْنا ولا علينا، اللَّهمَّ على الآكامِ، والظرابِ، وبطونِ الأوديةِ، ومنابتِ الشجرِ\". قالَ: فانقلعتِ وخرجنا نمشي في الشمس. قالَ شريكٌ: فسألتُ أنسَ بنَ مالكٍ أهوَ الرجلُ الأولُ؟ قالَ: لا أدري\"، انتهى.\nقالَ المصنفُ (^٦): لم أقفْ على تسميتهِ في حديثٍ أنسٍ. وهلاكُ الأموالِ يعمُّ المواشي والأطيانَ، وانقطاعُ السُّبلِ عبارةٌ عن عدمِ السفرِ لضعفِ الإبلِ بسببِ عدمِ المراعي والأقواتِ، أو لأنهُ لما نفدَ ما عندَ الناسِ مِنَ الطعامِ لم يجدُوا ما يحملونهُ إلى الأسواقِ.\n_________\n(^١) البخاري (١٠١٤)، ومسلم (٨/ ٨٩٧).\nقلت: وأخرجه البغوي (٤/ ٤١٢ رقم ١١٦٦)، وأبو داود (١١٧٤)، والنسائي (٣/ ١٥٤ رقم ١٥٠٤)، ومالك (١/ ١٩١ رقم ٣).\n(^٢) في (ب): \"من\".\n(^٣) رقم (٨/ ٨٩٧).\n(^٤) هي القطعة من السحاب، وجماعتها قزع، كقصبة وقصب. قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذلك في الخريف.\n(^٥) هو جبل بقرب المدينة.\n(^٦) في \"الفتح\" (٢/ ٥٠١).","vol":"3","page":226},{"text":"وقولُه: (يغيثُنا) يحتملُ فتحُ حرفِ المضارعةِ على أنهُ مِنْ غاثَ إمّا منَ الغيثِ أو الغوثِ، ويحتملُ ضمُّه على أنهُ مِنَ الإغاثةِ، ويرجحُ هذا قولُه: \"اللَّهمّ أغِثْنا\"، وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يدعَى إذا كثرَ المطرُ؛ وقد بوبَ لهُ البخاري (^١): (بابُ الدعاءِ إذا كثرَ المطرُ)، وذكرَ الحديثَ، وأخرجَ الشافعيُّ في مسندهِ (^٢) وهو مرسلٌ من حديثٍ المطلبِ بن حنطبٍ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يقولُ عندَ المطرِ: \"اللَّهمّ سُقْيا رحمةٍ، لا سُقْيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هدمٍ، ولا غرقٍ، اللَّهمّ على الظرابِ، ومنابتِ الشجرِ، اللَّهمَّ حوالَيْنا ولا علَيْنا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-580>التوسل بدعاء الأحياء مشروع</span>\n٦/ ٤٨٤ - وَعَنْهُ أَنَّ عمَر - ﷺ - كَانَ إِذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إِلَيْكَ بِنَبِيّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - أن عمرَ كانَ إذا قُحِطُوا) بضمِّ القافِ وكسرِ المهملةِ، أي: أصابَهم القحط (استسقَى بالعباس بن عبدِ المطلبِ، وقالَ) أي: عمرُ: (اللَّهمّ إنَّا كنَّا نستسقي إليك بنبيِّنا فتسقينَا، وإنّا نتوسّلُ إليكَ بعمِّ نبيِّنا، فاسْقِنَا فيُسْقَوْنَ. رواهُ البخاريُّ).\nوأمّا العباسُ - ﵁ - فإنهُ قالَ: \"اللَّهمّ إنهُ لم ينزلْ بلاءٌ من السماءِ إلَّا بذنبٍ، ولم ينكشفْ إلَّا بتوبةٍ. وقدْ توجَّهتْ بيَ القومُ إليكَ لمكاني من نبيّك، وهذهِ أيدينا إليكَ بالذنوبِ، ونواصينَا إليكَ بالتوبةِ، فاسقِنا الغيثَ. فأرختِ السماءُ مثلَ الجبالِ حتَّى أخصبتِ الأرضُ\"، أخرجهُ الزبيرُ بنُ بكارٍ في الأنسابِ (^٤)، وأخرج أيضًا (^٥) من حديثٍ ابن عمرَ أن عمرَ استسقَى بالعباسِ عامَ الرَّمادةِ وذكرَ الحديثَ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٥١٢ رقم الباب ١٤).\n(^٢) في \"بدائع المنن\" (١/ ١٩٨ رقم ٥٢٩)، وهو ضعيف.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٤٩٤ رقم ١٠١٠) ورقم (٣٧١).\n(^٤) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٥) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٢/ ٤٩٧).","vol":"3","page":227},{"text":"وذكرَ البارزيُّ أن عامَ الرَّمادةِ كانَ سنةَ ثماني عشرةَ، والرَّمادةُ بفتحِ الراءِ، وتخفيفِ الميمِ، سمِّيَ العامُ بها لما حصلَ من شدَّةِ الجدب فاغبرّتِ الأرضُ جدًّا من عدمِ المطرِ. وفي هذه القصةِ دليلٌ على [الاستسقاء] (^١) بأهلِ الخيرِ والصلاحِ وبيتِ النبوّةِ (^٢)، وفيهِ فضيلةُ العباسِ وتواضعُ عمرَ، ومعرفتهُ لحقّ أهلِ البيتِ صلَّى اللَّهُ عليهم.\n٧/ ٤٨٥ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: أَصَابَنَا - وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، وَقَالَ: \"إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدِ بِرَبِّهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعن أنسٍ [أيضًا] (^٤) قالَ: أصابَنا ونحنُ معَ النبيِّ - ﷺ - مطرٌ فحسرَ ثوبَهُ) أي: كشفَ بعضَه عن بدنهِ (حتَّى أصابهُ منَ المطرِ، وقالَ: إنهُ حديثُ عهدِ بربِّه. رواهُ مسلمٌ). وبوّبَ له البخاريُّ (^٥) فقالَ: بابُ مَنْ يُمطرُ حتَّى يتحادرَ عن لحيتهِ، وساقَ حديثَ أنسٍ بطولهِ. وقولُه: \"حديثُ عهد بربِّهِ\"، أي: بإيجادِ ربهِ إياه (^٦)، يعني أن المطرَ رحمةٌ وهي قريبةُ العهدِ بخلقِ اللَّهِ لها فيتبرّكُ بها، وهوَ دليلٌ على استحبابِ ذلكَ.\n٨/ ٤٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا\"، أَخْرَجَاهُ (^٧) [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"الاستشفاع\".\n(^٢) أي: في حال حياتهم، وأما بعد الموت فلا يتناوله الحديث، وقياس حال الموت على حال الحياة من قياس الشيء على ضدّه.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦١٥ رقم ١٣/ ٨٩٨).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٢٤ رقم ١١٧١)، وأبو داود في \"السنن\" (٥١٠٠)، والحاكم (٤/ ٢٨٥) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قلت: وهذا وهم منه ﵀.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٥١٩ رقم الباب ٢٤).\n(^٦) هذا تأويل يخالف مذهب السلف في مثل هذا.\n(^٧) البخاري (١٠٣٢)، وأخرجه مسلم بمعناه (٨٩٩). =","vol":"3","page":228},{"text":"(وعن عائشةَ - ﵂ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ إذا رأى المطرَ قالَ: \"اللَّهمَّ صيِّبًا نافعًا. أخرجاهُ) أي: الشيخانِ، وهذا خلافُ عادةِ المصنّفِ، فإنهُ يقولُ فيما أخرجاهُ: متفقٌ عليهِ، والصيِّبُ: مِنْ صابَ المطرُ: إذا وقعَ، ونافعًا: صفةٌ مقيدةٌ احترازًا عن الصيِّبِ الضارِّ.\n٩/ ٤٨٧ - وَعَنْ سَعْدٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَعَا فِي الاسْتِسْقَاءِ: \"اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رُذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ\"، رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ (^١). [ضعيف]\n(وعن سعدٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - دعا في الاستسقاء: \"اللَّهمّ جَلِّلْنا) بالجيمِ: مِنَ التجليلِ، والمرادُ تعميمُ الأرضِ (سحابًا كثيفًا) بفتحِ الكافِ، فمثلثةٍ، فمثناةٍ، تحتيةٍ ففاءٍ، أي: متكاثفًا متراكمًا (قصيفًا) بالقافِ المفتوحةِ فصادٍ مهملةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ، وهوَ ما كانَ رعدُه شديدَ الصوتِ وهوَ من أماراتِ قوةِ المطرِ (دَلوقًا) بفتحِ الدالِ المهملةِ، وضمِّ اللامِ، وسكونِ الواوِ، فقافٍ، يقالُ: خيلٌ دلوقٌ، أي: مندفعةٌ شديدةُ الدفعةِ، ويقالُ: دلقَ السيلُ على القوم: هجمَ، (ضحوكًا) بفتحِ أولهِ بزنةِ فعولٍ، أي: ذاتَ برقٍ (تمطرُنا مئة رُذاذًا) بضمِّ الراءِ، فذالٍ معجمةٍ، فأخرى مثلُها: هو ما كانَ مطرهُ دونَ الطشِّ، (قِطْقِطًا) بكسرِ القافينِ، وسكونِ الطاءِ الأُولى: قال أبو زيدٍ: القطقطُ أصغرُ المطرِ، ثمَّ الرذاذُ وهوَ فوقَ القطقطِ، ثمَّ الطشُّ وهو فوقَ الرذاذِ (سجلًا) مصدرُ سجلتُ الماءُ سجلًا إذا صببتُه صبًّا، وصفَ بهِ السحابُ مبالغةً في كثرةِ ما يصبُّ منها منَ الماءِ، حتَّى كأنَّها نفسُ المصدرِ (يا ذا الجلالِ والإكرام. رواة أبو عوانةَ في صحيحهِ).\n_________\n= قلت: وأخرجه النسائي (٣/ ١٦٤ رقم ١٥٢٣)، وابن ماجه (٣٨٩٠)، وأحمد (٦/ ٤١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٦١)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٣٠٤)، وأبو داود (٥٠٩٩).\n(^١) عزاه إليه الحافظ كما في \"التلخيص\" (٢/ ٩٩) وقال: \"وفيه ألفاظ غريبة كثيرة، أخرجه أبو عوانة بسند واهٍ\" اهـ. ثم ذكر الحافظ عدّة روايات في الباب ثم قال: \"فهذه الروايات عن عشرة من الصحابة غير ابن عمر، يعطي مجموعها أكثر ما في حديثه\" اهـ. والخلاصة: فالحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"3","page":229},{"text":"وهذانِ الوصفانِ نطقَ بهما القرآنُ، وفي التفسيرِ: أي: الاستغناءِ المطلقِ والفضلِ التامِّ. وقيلَ: الذي عندَهُ الإجلالُ والإكرامُ للمخلصينَ من عبادهِ، وهما من عظائمِ صفاتهِ تعالى، ولذا قالَ - ﷺ -: \"ألِظُّوا (^١) بياذا الجلالِ والإكرامِ\" (^٢)، ورُوِيَ أنهُ - ﷺ - مرُّ برجلٍ وهو يصلّي ويقولُ: يا ذا الجلالِ والإكرامِ، فقالَ: قدِ استجيبَ لكَ (^٣).\n١٠/ ٤٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"خَرَجَ سُلَيمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَيسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاكَ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٥). [ضعيف]\n_________\n(^١) إلزموا هذا الدعاء.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من طريق الرحيل بن معاوية عن الرقاشي عن أنس به. قال الترمذي: هذا حديث غريب. قلت: يزيد الرقاشى ضعيف.\nوأخرجه الترمذي (٣٥٢٥) من طريق المؤمل عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس به.\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب وليس بمحفوظ، وإنما يُروى هذا عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن النبيِّ - ﷺ -، وهذا أصح، ومؤمل غلط فيه فقال عن حماد عن حميد عن أنس ولا يُتابع فيه\" اهـ.\nوانظر: العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠ رقم ٢٠٠٣) و(٢/ ١٩٢ رقم ٢٠٦٩)، وله شاهد من حديث عامر بن ربيعة أخرجه أحمد (٤/ ١٧٧)، والحاكم (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٨٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وأورده الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٢٢٥) وعزاه للترمذي.\n(^٤) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٩٧ رقم ٧١٨)، وتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٣٨) بقوله: \"فهذا بظاهره يدل على أن الحديث مرفوع عند أحمد، وأنه في مسنده كما يشعر به إطلاق العزو إليه. وما أظن ذلك صوابًا، فلم يورده الهيثمي في \"المجمع\" ولا عزاه إليه السيوطي في \"الجامع الكبير\" وقد ذكره (١/ ٢٠/ ١) من رواية الحاكم وأبي الشيخ في \"العظمة\" والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة، فلعل الحديث في بعض كتب أحمد الأخرى … \" اهـ.\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، و\"الدارقطني\" (٢/ ٦٦ رقم ١) من حديث أبي هريرة. =","vol":"3","page":230},{"text":"(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: خرجَ سليمانُ يستسقي فرأى نملةً مستلقيةً على ظهرِها، رافعةً قوائمَها إلى السماءِ، تقولُ: اللَّهمَّ إنَّا خلقٌ من خلقكَ، ليسَ بنا غِنىً عن سقياكَ، فقالَ: ارجعُوا فقدْ سقيتمْ بدعوةِ غيرِكم. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ)، فيهِ دلالةٌ على أن الاستسقاءَ شرعٌ قديمٌ، والخروجَ له كذلكَ، وفيهِ أنهُ يحسنُ إخراجُ البهائمِ في الاستسقاءِ، وأنَّ لها إدراكًا [فيما] (^١) يتعلقُ بمعرفةِ اللَّهِ، ومعرفةً بذكرهِ وتطلبُ الحاجاتِ منهُ، وفي ذلكَ قصصٌ يطولُ ذكرُها، وآيات من كتابِ اللَّهِ دالّة على ذلكَ، وتأويلُ المتأوّلينَ لها لا ملجأ لهُ.\n١١/ ٤٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - استسقَى فأشارَ بظهرِ [كفَّيْهِ] (^٣) إلى السماءِ. أخرجهُ مسلمٌ).\nفيه دلالةٌ أنهُ إذا أريدَ بالدعاءِ رَفْعُ البلاءِ فإنهُ يرفعُ يديهِ ويجعلُ ظهرَ كفيهِ إلى السماءِ، وإذا دعا بسؤالِ شيءٍ وتحصيلهِ جعلَ بطنَ كفّيهِ إلى السماءِ.\nوقد وردَ صريحًا في حديثٍ خلادِ بن السائبِ عن أبيهِ (^٤): \"أن النبيَّ - ﷺ -\n_________\n= وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nوفيه محمد بن عون وأبوه لم يجد الألباني ترجمة لهما وقال: الغالب في مثلهما الجهالة. نعم قد روى الحديث من غير طريقهما أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٣٧٣)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٦٥)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٧/ ٢٩٧/ ١) بسند ضعيف، وله علتان.\n(الأولى): سلامة بن رَوح، قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٤٣ رقم ٦٢٢): صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمّه عقيل بن خالد، وإنما يحدث من كتبه.\n(الثانية): محمد بن عُزَيْز قال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٩١ رقم ٥٢٨) \"فيه ضعف، وقد تكلّموا في صحة سماعه من عمه سلامة\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦١٢ رقم ٦/ ٨٩٦).\n(^٣) في (ب): \"كفِّه\".\n(^٤) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٥٦) من حديث خلاد بن السائب.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٦٨) وقال: رواه أحمد مرسلًا وإسناده حسن.","vol":"3","page":231},{"text":"كانَ إذا سألَ جعلَ بطنَ كفيهِ إلى السماءِ، وإذا استعاذَ جعلَ ظهرَهما إليها\"، وإنْ كان قد وردَ من حديثٍ ابن عباسٍ (^١): \"سَلُوا اللَّهَ ببطونِ أكفِّكم ولا تسألوهُ بظهرِها\"، وإنْ كانَ ضعيفًا، فالجمعُ بينَهما أن حديثَ ابن عباسٍ يختصُّ بما إذا كانَ السؤالُ بحصولِ شيءٍ لا لدفعِ بلاءٍ.\nوقد فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ (^٢)، أن الرَّغَبَ بالبطونِ والرَّهَبَ بالظهورِ.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (١٤٨٥) وقال: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا. قلت: لأن فيه راويًا مجهولًا وهو الذي رواه عن محمد بن كعب القرظي.\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٠.","vol":"3","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-581>[الباب السابع عشر] بابُ اللباسِ أي ما يحلُّ منهُ وما يحرمُ</span>\n١/ ٤٩٠ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالْحَرِيرَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (^٢). [صحيح]\n(وعن أبي عامرٍ الأشعريِّ) قالَ في الأطرافِ (^٣): اختُلِفَ في اسمهِ، فقيلَ: عبدُ اللَّهِ بنُ هانئٍ، وقيلَ: عبدُ اللَّهِ بنُ وهب، وقيلَ: عبيدُ بنُ وهبٍ، وبقي إلى خلافةِ عبدِ الملكِ بن مروانِ، سكنَ الشامَ، وليسَ بعمِّ أبي موسى الأشعريِّ، ذلكَ قتلَ أيامَ حنينٍ في حياةِ النبيِّ - ﷺ - واسمُه عبيدُ بنُ سليمٍ.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ليكُونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلونَ الحِرَ) بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، والمرادُ بهِ استحلالُ الزَّنى، وبالخاءِ والزاي المعجمتينِ (والحريرَ. رَوَاة أَبو دَاوُدَ، وأَصْلُهُ في البخاريِّ)، وأخرجهُ البخاريُّ تعليقًا.\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ لباسِ الحريرِ؛ لأنَّ قوله: يستحلُّونَ بمعنى: يجعلُونَ الحرامَ حلالًا، ويأتي الحديثُ [الثاني] (^٤) وفيهِ التصريحُ بذلكَ. وفي\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٣١٩ رقم ٤٠٣٩).\n(^٢) وأخرجه البخاري تعليقًا (٥٥٩٠) وهو حديث صحيح، وانظر ما قاله الشيخ شعيب في \"الإحسان\" (١٥/ ١٥٤ - ١٥٥ رقم ٦٧٥٤).\n(^٣) (٩/ ٢٢٩).\n(^٤) رقم (٢/ ٤٩١)، وما بين الحاصرتين زيادة من (ب).","vol":"3","page":233},{"text":"الحديثِ دليلٌ أن استحلالَ المحرَّمِ لا يخرجُ فاعلَه [منْ] (^١) مسمَّى الأمةِ، كذا قيل.\nقلت: ولا يَخْفَى ضعفُ هذا القولِ؛ فإنَّ مَنْ استحلَّ محرَّمًا، أي: اعتقدَ حلَّهُ فإنهُ قد كذَّبَ الرسولَ - ﷺ - الذي أخبرَ أنهُ حرامٌ، فقولُه بحلِّه ردٌّ لكلامهِ وتكذيبٌ، وتكذيبُه كفرٌ فلا بدَّ من تأويلِ الحديثِ بأنهُ أرادَ أنهُ منَ الأمةِ قبلَ الاستحلالِ، فإذا استحلَّ خرجَ عن مسمَّى الأمةِ، ولا يصحُّ أنْ يرادَ بالأمةِ هنا أمةُ الدعوةِ لأنَّهم مستحلّونَ لكلِّ ما حرَّمهُ لا لهذا بخصوصهِ.\nوقدِ اختُلِفَ في ضبطِ [هذه اللفظة] (^٢) في الحديثِ، فظاهرُ إيرادِ المصنفِ [لهُ] (^٣) في اللباسِ أنهُ يختارُ أنَّها بالخاءِ المعجمةِ، والزاي، وهوَ الذي نصَّ عليهِ الحميديُّ، وابنُ الأثير (^٤) في هذا الحديثِ، وهوَ ضربٌ من ثيابِ الابريسمِ معروفٌ، وضبَطَهُ أبو موسى بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، قالَ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ: والمشهورُ في هذا الحديثِ على اختلافِ طرقهِ هوَ الأولُ، وإذا كانَ هوَ المرادَ من الحديثِ فهوَ الخالصُ منَ الحريرِ، وعطفُ الحريرِ عليهِ من عطفِ العامِّ على الخاصِّ، لأنَّ الخزَّ ضربٌ منَ الحريرِ، وقد يطلقُ الخزُّ على ثيابِ تُنْسَجُ منَ الحريرِ والصوفِ، ولكنهُ غيرُ مرادٍ هنا لما عرفَ منْ أن هذا النوعَ حلالٌ، وعليهِ يحملُ ما أخرجهُ أبو داودَ (^٥) عن عبدِ اللَّهِ بن سعدٍ الدشتكي (^٦)، عن أبيهِ سعدٍ قالَ: \"رأيتُ ببخارى رجلًا على بغلةٍ بيضاءَ، عليهِ عمامةُ خزٍّ سوداءُ، قالَ: كسانيها رسولُ اللَّهِ - ﷺ -\"، وأخرجهُ [الترمذي] (^٧)، والنسائي (^٨)، وذكرهُ البخاريُّ (^٩)، ويأتي [من] (^١٠) حديث عمرَ (^١١) بيانُ ما يحلُّ من غيرِ الخالصِ.\n_________\n(^١) في (أ): \"عن\".\n(^٢) في (أ): \"هذا اللفظ\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"النهاية\" (٢/ ٢٨).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٣١٨ رقم ٤٠٣٨).\n(^٦) الدَّشْتكي: بفتح الدال وسكون الشين - ودشتك: قرية بالري، ودشتك أيضًا: محلة بأسترآباد، ودشتك أيضًا: قرية من قرى أصبهان.\n(^٧) في \"السنن\" (٥/ ٤٢٥ رقم ٣٣٢١) وما بين الحاصرتين زيادة من (أ).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٤٧٦ رقم ٩٦٣٨/ ١) بسند ضعيف.\nوانظر كلام المنذري في \"المختصر\" (٦/ ٢٧ - ٢٨).\n(^٩) في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٦٧ رقم ١٩٨٣). وقال عبد الرحمن: نراه ابن خازم السلمي.\n(^١٠) في (أ): \"في\".\n(^١١) رقم (٣/ ٤٩٢).","vol":"3","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-582>تحريم الجلوس على الحرير</span>\n٢/ ٤٩١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - \"أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ\" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n[وعن حذيفةَ - ﵁ - قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ نشربَ في آنيةِ الذهب والفضةِ، وإنْ نأكلَ فيها) تقدمَ الحديثُ عن حذيفةَ بلفظِ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا تشربُوا في آنيةِ الذهبِ والفضةِ\" الحديثَ. فقولُه هنا: \"نَهَى\" إخبارٌ عن ذلكَ اللفظِ الذي تقدمَ، وتقدمَ الكلامُ فيهِ، (وعن لبسِ الحريرِ والديباجِ، وأنْ نجلسَ عليهِ. رواهُ البخاري) أي: وَنَهَى عن لُبْسِ الحريرِ، والنهيُ ظاهرٌ في التحريمِ، وإلى تحريمِ لبسِ الحريرِ ذهبَ الجماهيرُ منَ الأمةِ على الرجالِ دونَ النساءِ، وحكَى القاضي عياضٌ عن قومٍ إباحتَه، ونسبَ في البحرِ (^٢) إباحته إلى ابن عليةَ وقالَ: إنهُ انعقدَ الإجماعُ بعدَه على التحريمِ ولكنْ قال المصنفُ في الفتحِ: قد ثبتَ لبسُ الحريرِ عن جماعةٍ مِنَ الصحابةِ وغيرهم. قالَ أبو داودَ (^٣): لبسهُ عشرونَ منَ الصحابةِ وأكثرُ، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ عن جمعٍ منهمْ (^٤).\n[وقدْ] (^٥) أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٦) من طريقِ عمارٍ بن أبي عمارٍ قالَ: \"أتتْ مروانَ بنَ الحكمِ مطارفُ خزٍّ فكسَاها أصحابَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -\"، قالَ: والأصحُّ في تفسيرِ الخزِّ أنهُ ثياب سُدَاها من حريرٍ ولُحْمَتُهَا من غيرِهِ، وقيلَ: تنسجُ مخلوطةً من حريرٍ وصوفٍ أو نحوهِ، وقيلَ: أصلُهُ اسمُ دابةٍ يقالُ لها: الخزُّ، فسمِّيَ الثوبُ المُتَّخَذُ مِنْ [وبره] (^٧) خزًا [لنعومته] (^٨)، ثمَّ أطلقَ على ما خلطَ بحريرٍ كنعومةِ الحريرِ، إذا عرفتَ هذا فقد يحتملُ أن الذي لبسهُ الصحابةُ في روايةٍ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٠/ ٢٩١ رقم ٥٨٣٧).\n(^٢) (٤/ ٣٥٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٣١٩).\n(^٤) \"المصنف\" (٨/ ١٥١ - ١٥٦ رقم ٤٦٧٥ - ٤٦٩٤).\n(^٥) في (أ): \"وقال\".\n(^٦) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" كما في \"المصنف\" (٨/ ١٥٧ رقم التعليقة ١).\n(^٧) في (أ): \"وبرها\".\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"3","page":235},{"text":"أبي داودَ كانَ منَ الخزِّ، وإنْ كانَ ظاهرُ عبارتهِ [يأبى] (^١) ذلكَ.\nوأما القزُّ بالقاف بدلَ الخاءِ [المعجمةِ] (^٢)، فقالَ الرافعيُّ: إنهُ عندَ الأئمةِ منَ الحريرِ فحرَّموهُ على الرجالِ أيضًا، والقولُ بحلِّهِ [وحلِّ] (^٣) الحريرِ للنساءِ قولُ الجماهيرِ إلَّا ابنُ الزبيرِ، فإنهُ أخرجَ مسلمٌ (^٤) عنهُ \"أنهُ خطبَ فقالَ: لا تُلْبِسُوا نساءَكم الحريرَ، فإني سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تلبسُوا الحريرَ\"، فأخذَ بالعمومِ إلَّا أنهُ انعقدَ الإجماعُ على حلِّ الحريرِ للنساءِ، [فأمَّا] (^٥) الصبيانُ منَ الذكورِ فيحرمُ عليهم أيضًا عندَ الأكثر لعمومِ قولهِ - ﷺ -: \"حرامٌ على ذكورِ أمّتي\" (^٦)، وقالَ محمدُ بنُ الحسنِ: يجوزُ لباسُهم، وقالَ أصحابُ الشافعيِّ: يجوزُ لباسُهم الحلي والحريرَ في يومِ العيدِ، لأنهُ لا تكليفَ عليهمْ، ولهمْ في غيرِ يومِ العيدِ ثلاثةُ أوجهٍ، أصحُّها جوازُهُ.\nوأمّا الديباجُ، فهوَ ما غلظَ من ثيابِ الحريرِ، وعَطْفُهُ عليهِ من عطفِ الخاصِّ على العامِّ.\nوأمّا الجلوسُ على الحريرِ، فقد أفادَ الحديثُ النهيَ عنهُ إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في الفتحِ (^٧): إنهُ قد أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ حديثَ حذيفةَ من غيرِ وجهٍ، وليسَ فيهِ هذهِ الزيادةُ وهي قولُه: \"وأنْ نجلسَ عليهِ\"، قالَ: وهي حجةٌ قويةٌ لمنْ قالَ بمنعِ الجلوسِ على الحريرِ، وهوَ قولُ الجمهورِ خلافًا لابنِ الماجشونِ، والكوفيينَ، وبعضِ الشافعيةِ.\n_________\n(^١) في (أ): \"تأبى\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"أي بحل\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤١ رقم ١١/ ٢٠٦٩).\n(^٥) في (أ): \"وأما\".\n(^٦) أخرجه أحمد (١/ ١١٥)، وأبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٨/ ١٦٠ رقم ٥١٤٥)، وابن ماجه (٣٥٩٥)، وابن حبان في \"الموارد\" رقم (١٤٦٥) من حديث علي.\nورجال إسناده ثقات غير أبي أفلح الهمداني، وثّقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول.\nلكن للحديث شاهد من حديث أبي موسى، وشاهد آخر من حديث ابن عباس، وشاهد ثالث من حديث ابن عمر، انظر: تخريجها في \"غاية المرام\" للألباني (رقم ٧٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح بشواهده، والله أعلم.\n(^٧) (١٠/ ٢٩٢).","vol":"3","page":236},{"text":"وقالَ بعضُ الحنفيةِ: في الدليلِ على عدمِ تحريمِ الجلوسِ على الحرير، أن قولَهُ: \"نَهَى\" لَيْسَ صريحًا في التحريمِ، وقالَ بعضُهم: إنهُ يحتملُ أنْ يكونَ المنعُ وردَ عن مجموعِ اللبسِ والجلوسِ لا الجلوسِ وحدَه، قلتُ: ولا يخفَى تكلّفُ هذا القائلِ، والإخراجِ عن الظاهرِ بلا حاجةٍ، وقالَ بعضُ الحنفيةِ (^١): يدارُ الجوازُ والتحريمُ على اللبسِ لصحةِ الأخبارِ فيهِ، والجلوسُ ليسَ بلبسٍ، واحتجَّ الجمهورُ على أنهُ يُسمَّى الجلوسُ لبسًا بحديثِ أنسٍ [في الصحيحينِ] (^٢): \"فقصتُ إلى حصيرٍ لنَا قد أسودَّ منْ طولِ ما لُبِسَ\"، ولأنَّ لبسَ كلَّ شيءٍ بحسبِهِ.\nوأمّا افتراشُ النساءِ للحريرِ، فالأصلُ جوازُه، وقد أحلَّ لهنَّ لبسُهُ ومنهُ الافتراشُ، ومَنْ قالَ بمنعهِنَّ عن افتراشِهِ فلا حجّةَ لَهُ. واختلفَ في علّةِ تحريمِ الحريرِ على قولينِ:\nالأولُ: الخُيلاءُ.\nوالثاني: كونُه لباسَ رفاهيةٍ وزينةٍ تليقُ بالنساءِ دونَ شهامةِ الرجالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-583>مقدار ما يباح من الحرير</span>\n٣/ ٤٩٢ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ أَرْبَع. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٤). [صحيح]\n(وعن عمرَ - ﵁ - قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن لبسِ الحريرِ إلَّا موضعَ إصبعينِ، أو ثلاثٍ أو أربعٍ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). قالَ المصنفُ: \"أوْ\" هنا للتخييرِ والتنويعِ.\nوقد أخرجَ الحديثَ ابنُ أبي شيبةَ (^٥) من هذا الوجهِ، بلفظِ: \"إنَّ الحريرَ لا\n_________\n(^١) انظر: \"ملتقى الأبحر\" لإبراهيم بن محمد الحلبي (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣). وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٢٧): يشكل على المذهب - أي الحنفية - حديث حذيفة\" اهـ.\n(^٢) البخاري (رقم ٣٧٣ - البغا)، ومسلم رقم (٦٥٨)، وما بين الحاصرتين زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (١٢/ ٢٠٦٩)، وأبو داود (٤٠٤٢)، والترمذي (١٧٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٣٥٩٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤٣ رقم ١٥/ ٢٠٦٩).\n(^٥) في \"المصنف\" (٨/ ١٦٩ رقم ٤٧٣٣).","vol":"3","page":237},{"text":"يصلُحُ إِلَّا هكَذَا أوْ هَكَذَا\"، يعني: أُصبعينِ أو [ثلاثًا، أو أربعًا] (^١)، ومَنْ قالَ: المرادُ أنْ يكونَ في كل كمِّ أصبعانٍ فإنهُ يردُّهُ روايةُ النسائيِّ (^٢): \"لم يرخصْ في الديباجِ إلَّا في موضعِ أربعِ أصابعَ\"، وهذا [أي] (^٣) الترخيصُ في الأربعِ الأصابعِ مذهبُ الجمهورِ، وعن مالكٍ في روايةٍ منَعُهُ وسواءٌ كانَ منسوجًا أو ملصقًا، ويقاسُ عليهِ الجلوسُ، وقدَّرتِ الهادويةُ الرخصةَ بثلاثِ أصابعَ، ولكنَّ هذا الحديثَ نصَّ في الأربعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-584>لبسُ الحرير لعذر</span>\n٤/ ٤٩٣ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ، فِي سَفَرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - رخَّصَ لعبدِ الرحمنِ بن عوفِ والزبيرِ في قميصِ الحريرِ في سفرِ من حكةٍ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ الكافِ، نوعٌ منَ الجربِ، وذكرَ الحكّةَ مثلًا لا قيدًا، أي: مِنْ أجلِ حكّةٍ، فمِنْ للتعليلِ، (كانتْ بهما. متفقٌ عليهِ)، وفي رواية (^٥) أنَّهما \"شكَوْا إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - القملَ، فرخَّصَ لهما في قميصِ الحريرِ في غزاةٍ لهما\".\nقالَ المصنفُ في الفتحِ (^٦): يمكنُ الجمعُ بأنَّ الحكّةَ حصلتْ من القملِ، فنسبتِ العلةُ تارةً إلى السببِ، وتارةً إلى سببِ السببِ. وقد اختلفَ العلماءُ في جوازِهِ للحكّةِ وغيرِها. فقالَ الطبريُّ: دلّتِ الرخصةُ في لبسهِ للحكّةِ على أن مَنْ قصدَ بلبسهِ دفعَ ما هو أعظمُ مِنْ أذَى الحكةِ، كدفعِ السلاحِ ونحوِ ذلكَ، فإنهُ يجوزُ، والقائلونَ بالجوازِ لا يخصُّونَهُ بالسفرِ، وقالَ البعضُ منَ الشافعيةِ: يختصُّ بهِ، وقالَ القرطبي: الحديثُ حجةٌ على مَنْ منع إلَّا أنْ يدَّعيَ الخصوصيةَ بالزبيرِ،\n_________\n(^١) في (أ): \"ثلاث أو أربع\"، وفي \"المصنف\": \"ثلاثة أو أربعة\".\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ٢٠٢).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) البخاري (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٥/ ٢٠٧٦). قلت: وأخرجه أبو داود (٤٠٥٦)، والترمذي (١٧٢٢)، وابن ماجه (٣٥٩٢)، والنسائي (٨/ ٢٠٢).\n(^٥) البخاري (٢٩٢٠).\n(^٦) (٦/ ١٠١).","vol":"3","page":238},{"text":"وعبد الرحمنِ، ولا تصحُّ تلكَ الدَّعوى، وقالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يجوزُ مطلقًا، وقالَ الشافعي بالجوازِ للضرورةِ، ووقعَ في كلام الشارحِ تبعًا للنوويّ أن الحكمةَ في لبسِ الحريرِ للحكةِ لما فيهِ مِنَ البرودةِ، وتعقَّبَ بأنَّ الحرير حادٌّ فالصوابُ أن الحكمةَ فيهِ بخاصيةٍ فيه تدفعُ ما تنشأُ عنهُ الحكّةُ منَ القملِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>جواز إهداء الحرير للرجال لغير اللبس</span>\n٥/ ٤٩٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - حلَّةً سِيَرَاءَ، فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعن عليٍّ ﵇ قالَ: كساني النبيُّ - ﷺ - حلةً سِيَرَاءَ) بكسرِ المهملةِ، ثم مثناةٍ تحتيةٍ، ثمَّ راءٍ مهملةٍ، ثمَّ ألفٍ ممدودةٍ. قالَ الخليلُ: ليسَ في الكلامِ فعلاءُ بكسرِ أوّله مع المدِّ سوى سِيَرَاءَ، وحولاء، وعنباءَ لغةٌ في العنبِ، [وضبطه] (^٢) حلةً بالتنوينِ على أن سيراءَ صفةٌ لها وبغيرهِ على الإضافةِ، وهوَ الأجودُ كما في شرحِ مسلمٍ (^٣).\n(فخرجتُ فيها فرأيتُ الغضبَ في وجههِ، فشققْتُهَا بينَ نسائي. متفقٌ عليهِ، وهذا لفظُ مسلمٍ)، قالَ أبو عبيدٍ (^٤): الحلةُ إزارٌ ورداءٌ، وقالَ ابنُ الإثيرِ (^٥): إذا كانَا من جنسٍ واحدٍ، قيلَ: هيَ بُرودٌ مضلّعةٌ بالقزِّ، وقيلَ: حريرٌ خالصٌ، وهوَ الأقربُ. وقوله: \"فرأيتُ الغضبَ في وجهِه\"، زاد مسلمٌ في روايةٍ (^٦) فقالَ: \"إني لم أبعثْها إليكَ لتلبسَها، إنَّما بعثتُها إليكَ لتشقِقها خُمُرًا بين نسائِكَ\"، ولذا شققتها خُمُرًا بين الفواطم.\n_________\n(^١) البخاري (٥٨٤٠)، ومسلم (١٩/ ٢٠٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤٠٤٣)، والنسائي (٨/ ١٩٧ رقم ٥٢٩٨).\n(^٢) في (أ): \"وضبطه\".\n(^٣) للنووي (١٤/ ٣٧).\n(^٤) و(^٥) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٩٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤٤ رقم ١٧/ ٢٠٧١).","vol":"3","page":239},{"text":"وقولهُ: فشققتها، أي: قطعتُها ففرَّقتها خُمُرًا، وهي بالخاءِ المعجمةِ مضمومةٍ، وضمّ الميمِ، جمعُ خِمارٍ بكسرِ أولهِ، والتخفيفِ، ما تغطّي بهِ المرأةُ رأسَها. والمرادُ بالفواطم: فاطمةُ بنتُ محمدٍ - ﷺ -، وفاطمةُ بنتُ أسدٍ أُمُّ عليٍّ ﵇، والثالثةُ قيل: هي فاطمةُ بنتُ حمزةَ، وذكرتْ لهنَّ رابعةٌ وهي فاطمةُ امرأةُ عقيلِ بن أبي طالب.\nوقد استدلَّ بالحديثِ على جوازِ تأخيرِ البيانِ عن وقتِ الخطابِ؛ لأنهُ - ﷺ - أرسلَها لعليٍّ ﵇، فبنَى على ظاهرِ الإرسالِ وانتفعَ بها في أشهرِ ما صنعتْ لهُ، وهوَ اللُّبسُ، فبيّنَ لهُ النبيُّ - ﷺ - أنهُ لم يبحْ لهُ لبسَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-586>جواز لبس الحرير للنساء</span>\n٦/ ٤٩٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"أُحِلَّ الذهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِنَاثِ أُمّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالنَّسَائِيُّ (^٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٣). [صحيح لشواهده]\n(وعن أبي موسى أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: أحلَّ الذهبُ والحريرُ) أي: لبسُهما (لإناثِ أُمتي، وحُرِّمَ) أي: لبسُهما، وفراشُ الحريرِ كما سلفَ (على [ذكورها] (^٤). رواهُ أحمدُ، والنسائين، [والترمذي] (^٥) وصحَّحهُ)، إلَّا أنهُ أخرجهُ الترمذيُّ من حديثٍ سعيدٍ بن أبي هندٍ (^٦)، عن أبي موسى، وأعلَّهُ أبو حاتمٍ (^٧) بأنهُ لم يلقَهُ، وكذا قالَ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣٩٢ - ٣٩٤، ٤٠٧).\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ١٦١ رقم ٥١٤٨).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٢١٧ رقم ١٧٢٠) وقال: حديث حسن صحيح.\nوقد أعلّ بالانقطاع بين سعيد بن أبي هند وأبي موسى كما بيَّنه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، يؤيّد ذلك رواية لأحمد عن سعيد عن رجل عن أبي موسى. ولمزيد من التخريج انظر: \"إرواء الغليل\" (١/ ٣٠٥ رقم ٢٧٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح بشواهده، الله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"ذكورهم\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) ثقة، أرسل عن أبي موسى. \"التقريب\" (١/ ٣٠٧ رقم ٢٧٣).\n(^٧) في \"المراسيل\" (ص ٧٥ رقم ٢٦٤) بقوله: لم يلق سعيد بن أبي هند أبا موسى الأشعري.","vol":"3","page":240},{"text":"ابنُ حبانَ في [صحيحهِ] (^١): سعيدُ بنُ أبي هندٍ عن أبي موسى معلولٌ لا يصحُّ، وأمّا ابنُ خزيمةَ فصحَّحَهُ.\nوقد رُوِيَ من ثماني طرقٍ غيرِ هذهِ الطريقِ عن ثمانيةٍ منَ الصحابةِ (^٢)، وكلُّها لا تخلُو عن مقالٍ، ولكنهُ يشدُّ بعضُها بعضًا.\nوفيهِ دليلٌ على تحريمِ لُبْسِ الرجالِ الذهبَ والحريرَ، وجوازِ لبسِهما للنساءِ، ولكنهُ قد قيلَ: إنَّ حلَّ الذهبِ للنساءِ منسوخٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-587>الظهور بالمظهر الحسن من السنة</span>\n٧/ ٤٩٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللَّهُ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيهِ\"، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٣). [حسن]\n(وعن عمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: إن الله يحبُّ إذا أنعمَ على عبدهِ نعمةً أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ عليه. رواهُ البيهقيُّ)، وأخرجَ النسائيُّ (^٤) من\n_________\n(^١) في \"الإحسان\" (١٢/ ٢٥٠).\n(^٢) انظر تخريج هذه الطريق في: \"نصب الراية\" (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، و\"الإرواء\" (١/ ٣٠٧ - ٣٠٩)، و\"الإحسان\" (١٢/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٧١). قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٤٣٨)، والطبراني، ورجال أحمد ثقات كما في \"المجمع\" (٥/ ١٣٢) وله شواهد: (الأول): من حديث أبي الأحوص عن أبيه، (الثاني): من حديث ابن عمر، (الثالث): من حديث أبي سعيد الخدري، (الرابع): من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\nالأول: أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٣)، وأبو داود (٤٠٦٣)، والنسائي (٨/ ١٩٦)، والترمذي (٢٠٠٦) وإسناده صحيح.\nالثاني: أخرجه الطبراني في \"الأوسط\"، وفيه موسى بن عيسى الدمشقي، قال الذهبي: مجهول، وبقية رجاله رجال الصحيح - كما في \"المجمع\" (٥/ ١٣٣).\nالثالث: أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٢/ ٣٢٥ رقم ٨١/ ١٠٥٥)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٣٢) وقال: \"رواه أبو يعلى، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف، وقد وُثق\".\nالرابع: أخرجه الترمذي (٥/ ١٢٣ رقم ٢٨١٩) وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصحَّحه الحاكم (٤/ ١٣٥) ووافقه الذهبي.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) لم أعثر عليه من حديث أبي الأحوص، فلينظر من أخرجه.","vol":"3","page":241},{"text":"حديثٍ أبي الأحوصِ، والترمذيُّ (^١)، والحاكمُ (^٢) من حديثٍ ابن عمرو: \"إنَّ اللَّهَ يحبُّ أنْ يَرَى أثرَ نعمتهِ على عبدهِ\"، وأخرجَ النسائيُّ (^٣) عن أبي الأحوصِ عن أبيهِ، وفيهِ: \"إذا آتاكَ اللَّهُ مالكٌ فليرَ أثرَ نعمتهِ عليكَ وكرامتَه\".\nفي هذهِ الأحاديثِ دلالةُ أن اللَّهَ تعالى يحبُّ من العبدِ إظهارَ نعمتهِ في مأكلهِ وملبسهِ، فإنهُ شكرٌ للنعمةِ فِعْلِيٌّ، ولأنهُ إذا رآهُ المحتاجُ في هيئةِ حسنةٍ قصدَهُ ليتصدّقَ عليهِ، وبذاذةُ الهيئةِ سؤالٌ وإظهارٌ للفقرِ بلسانِ الحالِ، ولذَا قيلَ: ولسانُ حالي بالشكايةِ أنطقُ. وقيلَ: وكفاكَ شاهدُ منظري عن مخبري.\n\n<span data-type='title' id=toc-588>نهي الرجال عن لبس القَسِّيِّ والمعصفر</span>\n٨/ ٤٩٧ - وَعَنْ عَلِي - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ لُبْسِ القَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [حسن]\n(وعن عليٍّ ﵇ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن لُبْسِ) بضمِّ اللامِ (القسِّيِّ) بفتحِ القافِ، وتشديدِ المهملةِ، بعدها ياءُ النسبةِ، وقيلَ؛ إنَّ المحدِّثينَ يكسرونَ القافَ، وأهلَ مصرَ يفتحونَها، وهي نسبةٌ إلى بلدٍ يقالُ لها: القسُّ، وقد فسَّرَ القسيَّ في الحديثِ بأنَّها ثيابٌ مضلَّعةٌ [أي: بالحرير] (^٥) يُوتَى بها من مصرَ والشام، هكذا في مسلمٍ، وفي البخاريِّ فيها حريرٌ أمثالُ الأترجِّ، (والمعصفرِ. رواهُ مسلمٌ) هوَ المصبوغُ بالعُصفرِ.\nفالنهيُ في الأول للتحريمِ إنْ كانَ حريرُه أكثرَ، وإلَّا فإنهُ للتنزيهِ والكراهةِ، وأمَّا في الثاني فالأصلُ في النهي أيضًا التحريمُ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ، وذهبَ جماهيرُ الصحابةِ والتابعينَ إلى جوازِ لُبْسِ المعصفرِ، وبهِ قالَ الفقهاءُ غيرَ أحمدَ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (رقم ٢٨١٩) وقد تقدَّم.\n(^٢) في \"المستدرك\" (٤/ ١٣٥) وقد تقدَّم.\n(^٣) في \"السنن\" (٨/ ١٩٦ رقم ٥٢٩٤) وقد تقدَّم.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤٨ رقم ٣١/ ٢٠٧٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤٠٤٤)، والترمذي (١٧٣٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"3","page":242},{"text":"وقيلَ: مكروهٌ تنزيهًا، قالُوا: لأنهُ لبسَ - ﷺ - حلّةً حمراءَ، وفي الصحيحينِ (^١) عن ابن عمرَ - ﵁ -: \"رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يصبغُ بالصفرةِ\"، وقد ردَّ ابنُ القيم [القولَ بأنها] (^٢) حلةٌ حمراءُ بحتًا. وقالَ: إنَّ الحلةَ الحمراءَ بردانِ يمانيانِ منسوجانِ بخطوطِ حمرِ معَ الأسودِ، وهي معروفةٌ بهذا الاسمِ باعتبارِ ما فيها منَ الخطوطِ، وأمّا الأحمرُ البحتُ فمنهيٌّ عنهُ أشدَّ النهي، ففي الصحيحينِ (^٣): \"أنهُ - ﷺ - نَهى عن المياثرِ الحمرِ\"، [ولكن الحديث] (^٤):\n٩/ ٤٩٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵁ - قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: \"أُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهذَا\"؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو قالَ: رأى عليَّ النبيُّ - ﷺ - ثوبينِ معصفرينِ، قالَ: أمُّك أمرتْكَ بهذا؟. رواهُ مسلمٌ)، دليل على تحريمِ المعصفرِ عاضد للنهي الأولِ، ويزيدُه قوةً في الدلالةِ تمامُ هذا الحدثِ عندَ مسلمٍ: \"قلتُ: أغسلُهما يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: بل احرقْهما\". وفي روايةٍ (^٦): \"إنَّ هذهِ مِنْ ثيابِ الكفارِ فلا تلبسْهما\". وأخرجهُ أبو داودَ (^٧)، والنسائيُّ (^٨).\nوفي قولهِ: \"أمُّكَ أمرتْكَ\" إعلامٌ بأنهُ من لباسِ النساءِ وزينتهنَّ وأخلاقهِنَّ. وفيهِ حجةٌ على العقوبةِ بإتلافِ المالِ وهوَ يعارضُ حديثُ عليٍّ ﵇ (^٩). وأمْرَهُ بأنْ يشقَّها بينَ نسائِه كما في روايةٍ قدَّمناها، وأمر ابن عمرو بتحريقها، فينظرُ في وجهِ الجمعِ، إلَّا أن في سننِ أبي داودَ (^١٠) عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو: \"أنهُ - ﷺ - رأى عليهِ ريطةً مضرَّجةً بالعصفرِ، فقالَ: ما هذهِ الريطةُ التي عليكَ؟ قالَ: فعرفتُ ما كرهَ\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (١٦٦)، ومسلم (٢٥/ ١١٨٧).\n(^٢) في (أ): \"أنها\".\n(^٣) البخاري (٥٨٤٩)، ومسلم (٣/ ٢٠٦٦) من حديث البراء بن عازب.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤٧ رقم ٢٨/ ٢٠٧٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤٧ رقم ٢٧/ ٢٠٧٧).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٣٣٥ رقم ٤٠٦٨).\n(^٨) في \"السنن\" (٨/ ٢٠٣ رقم ٥٣١٧).\n(^٩) تقدم رقم (٥/ ٤٩٤).\n(^١٠) في \"السنن\" (٤/ ٣٣٤ رقم ٤٠٦٦)، وهو حديث حسن.","vol":"3","page":243},{"text":"فأتيتُ أهلي، وهمْ يسجرونَ تنورًا لهم، فقذفتُها فيها ثمَّ أتيتُه منَ الغدِ فقالَ: يا عبدَ اللَّهِ ما فعلتِ الريطةُ فأخبرتُه، فقالَ: هلّا كسوتَها بعض أهلكَ، فإنهُ لا بأسَ بها للنساءِ\".\nفهذا يدلُّ أنهُ أحرقَها من غيرِ أمرٍ [من النبيِّ] (^١) - ﷺ -، فلوْ صحّتْ هذه الروايةُ لزالَ التعارضُ بينَه وبينَ حديثٍ عليٍّ ﵇، لكنهُ يبقى التعارضُ بينَ روايتي ابن عمرٍو. وقد يقالُ: إنهُ - ﷺ - أمرَ أولًا بإحراقِها ندبًا، ثمَّ لما أحرقَها قالَ لهُ - ﷺ -: \"لو كسوتَها بعضَ أهلكَ\"، إعلامًا لهُ بأنَّ هذا كانَ كافيًا عن إحراقِها لو فعلَه، وأنَّ الأمرَ للندبِ. وقالَ القاضي عياضٌ في شرحِ مسلمٍ (^٢): أمْرُهُ - ﷺ - بإحراقِها من بابِ التغليظِ أو العقوبةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-589>مقدار ما يجوز للرجال من الحرير</span>\n١٠/ ٤٩٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - ﵂ - أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ (^٤)، وَزَادَ: كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتُهَا، وكَانَ النَّبِي - ﷺ - يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ (^٥)؛ وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ. [صحيح]\n(وعن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ - ﵂ - أنَّها أخرجتْ جُبَّةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - مكفوفةَ) المكفوفُ منَ الحريرِ: ما اتّخذَ جيبُه من حريرٍ وكانَ لذيلهِ وأكمامهِ كفافٌ منهُ (الجيب، والكمينِ، والفرجينِ بالديباجِ) هو ما غلظَ منَ الحريرِ كما سلفَ، (رواهُ أبو داودَ. وأصلُه في مسلمٍ، وزادَ) أي: من روايةِ أسماءَ (كانتْ) أي: الجبّةُ (عندَ عائشةَ حتَّى قبضتْ) مغيَّرَ الصيغةِ، أي: ماتتْ (فقبضتْها، وكانَ النبيُّ - ﷺ - يلبسُها فنحنُ نغسلها للمرضي [يُسْتَشْفَى] (^٦) بها).\n_________\n(^١) في (أ): \"منه\".\n(^٢) للنووي (١٤/ ٥٥ - ٥٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٣٢٨ رقم ٤٠٥٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٤١ رقم ٢٠٦٩).\n(^٥) (ص ١٢٧ رقم ٣٤٨ م).\n(^٦) في (أ): \"نستشفى\".","vol":"3","page":244},{"text":"الحديثُ في مسلمٍ لهُ سببٌ وهوَ: \"أن أسماءَ أرسلتْ إلى ابن عمرَ أنهُ بلغَها أنهُ يحرمُ العلَمُ في الثوبِ، فأجابَ بأنهُ سمعَ عمرَ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"إنَّما يَلْبَسُ الحريرَ مَنْ لا خلاقَ لهُ\"، فخفتُ أن يكونَ العلَمُ منهُ، فأخرجتْ أسماءُ الجُبَّةَ\".\n(وزادَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ) في روايةٍ أسماءَ: (وكانَ يلبسُها للوفدِ والجمعةِ). قال في شرحِ مسلمٍ للنوويِّ (^١) على قولهِ مكفوفةٌ: ومعنَى المكفوفةِ، أنهُ جعلَ لهُ كُفةً بضمِّ الكافِ وهوَ ما يكفُّ بهِ جوانبُها، ويعطفُ عليها ويكونُ ذلكَ في الذيلِ، وفي الفرجينِ، وفي الكمّينِ، انتهى.\nوهوَ محمولٌ على أنهُ أربعُ أصابعَ، أو دونَها، أو فوقَها إذا لم يكنْ مصمَتًا جمعًا بينَ الأدلةِ. وفيهِ جوازُ مثلَ ذلكَ من الحريرِ، وجوازُ [لبس] (^٢) الجبةِ وما لهُ فرجانِ من غيرِ كراهةٍ، وفيهِ [استشفاءٌ] (^٣) بآثارِه - ﷺ -، وبما لامسَ جسدَه الشريفَ. كذا قيل، إلَّا أنه لا يخفَى أنه فعل (^٤) صحابية لا دليل فيه.\nوفي قولِها: \"كانَ يلبسُها للوفدِ والجمعةِ\"، دليلٌ على استحبابِ التجمّلِ بالزينة للوافدِ ونحوِه. وأمّا خياطةُ الثوبِ بالخيطِ الحريرِ ولبسهِ، وجعل خيطِ السبحةِ منَ الحريرِ وليقةِ الدواةِ، وكيسِ المصحفِ، وغشايةِ الكتبِ، فلا ينبغي القولُ بعدمِ جوازِه لعدمِ شمولِ النهيِ لهُ.\nوفي اللباسِ آدابٌ منها في العمامةِ تقصيرُ العذبةِ فلا تطولُ طولًا فاحشًا، وإرسالُها بينَ الكتفينِ، ويجوزُ تركُها بالأصالةِ، وفي القميصِ تقصيرُ الكمِّ، لحديثِ أبي داودَ (^٥) عن أسماءَ: \"كانَ كمُّ النبيّ - ﷺ - إلى الرسغِ\"، قالَ ابنُ عبدِ السلام: وإفراطُ توسعةِ الأكمامِ والثيابِ بدعةٌ وسرفٌ. وفي المئزرِ ومثلهُ القميصُ واللباسُ أن لا يسبلَه زيادةً على نصفِ الساقِ، ويحرمُ إن جاوزَ الكعبينِ.\n_________\n(^١) (١٤/ ٤٤).\n(^٢) في (أ): \"لبسه\".\n(^٣) في (أ): \"الاستشفاء\".\n(^٤) كذا في (أ) و(ب)، والصواب \"قَول\".\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٣١٢ رقم ٤٠٢٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٧٦٥) وقال: حديث حسن غريب. وحسَّنه الشيخ عبد القادر في تحقيق \"جامع الأصول\" (١٠/ ٦٣٤ رقم التعليقة ٤).","vol":"3","page":245},{"text":"[الكتاب الثالث] كتابُ الجنائِز\nالجنائزُ جمعُ جِنازة بفتحِ الجيم وكسرِها. في القاموسِ (^١): الجنازةُ الميِّتُ، وتفتحُ، أوْ بالكسرِ الميِّتُ، وبالفتحِ السريرُ أو عكسُه، أو بالكسرِ: السريرُ معَ الميتِ.\n١/ ٥٠٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَكثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: المَوْتِ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤).\n[صحيح بطرقه وشواهده]\n(عن أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أكثِروا ذكرَ هاذمِ اللذاتِ: الموتِ) بالكسرِ بدلٌ من هاذمٍ (رواهُ الترمذيُّ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، والحاكمُ (^٥)، وابنُ السكنِ، وابنُ طاهرٍ، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالإرسالِ (^٦). وفي البابِ عن عمر (^٧)، وعن أنسٍ (^٨)، وما تخلُو عن مقالٍ.\n_________\n(^١) \"المحيط\" (٦٥٠).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٥٥٣ رقم ٢٣٠٧)، وقال: حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٤ رقم ١٨٢٤).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٧/ ٢٥٩ رقم ٢٩٩٢).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٤٢٥٨)، والقضاعي في (مسند الشهاب) (٦٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، والخطيب في \"التاريخ\" (١/ ٣٨٤) و(٩/ ٤٧٠)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، من طرق عنه، وله شواهد من حديث أنس، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وزيد بن أسلم وأبي سعيد.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بطرقه وشواهده، والله أعلم.\n(^٥) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٢١).\n(^٦) ذكر ذلك الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٠١).\n(^٧) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٥٥) وفي سنده راوٍ لا يُدرى من هو.\n(^٨) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٥٢)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٧٢ - ٧٣) =","vol":"3","page":247},{"text":"قالَ المصنفُ (^١) نقلًا عن السُّهيلي: إنَّ الروايةَ في هاذمِ بالذالِ المعجمةِ معناهُ القاطعُ، وأما بالمهملةِ فمعناهُ المزيلُ للشيءِ، وليسَ مرادًا هنَا. قالَ المصنفُ: وفي هذا النفي نظرٌ لا يخفى.\nقلتُ: [يريد أنَّ] (^٢) المعنَى على الدالِ المهملةِ صحيحٌ؛ فإنَّ الموتَ يزيلُ اللذاتِ كما يقطعُها ولكنَّ العمدةَ الروايةُ. والحديثُ دليل على أنهُ لا ينبغي للإنسانِ أنْ يغفلَ عن ذكرِ أعظمِ المواعظِ وهوَ الموتُ.\nوقد ذكرَ في آخرِ الحديثِ فائدةً الذكرِ بقولهِ: فإنّكمْ لا تذكرونَه في كثير إلَّا قلَّلهُ، ولا قليلَ إلَّا كثَّرهُ. وفي روايةٍ للديلمي (^٣) عن أبي هريرةَ: \"أكثروا ذِكْرَ الموتِ، فما من عَبْدٍ أَكثر ذكرَهُ إِلا أحيى اللَّهُ قلبَه وهَوَّنَ عَلَيْهِ الموتَ\"، وفي لفظٍ لابنِ حبانَ (^٤)، والبيهقي في شعبِ الإيمانِ (^٥): \"أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذاتِ، فإنهُ ما ذكرهُ عبدٌ قطُّ في ضيقٍ إلَّا وَسَّعَهُ، ولا في سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَها\".\nوفي حديثٍ أنسٍ عندَ ابن لالٍ في مكارمِ الأخلاقِ (^٦): \"أكثروا ذكرَ الموتِ، فإنَّ ذلكَ تمحيصٌ للذنوبِ، وتزهيدٌ في الدنيا\". وعندَ البزارِ (^٧): \"أكثِرُوا هاذمَ اللذاتِ، فإنهُ ما ذكرهُ أحدٌ في ضيقٍ منَ العيشِ إلَّا وسَّعهُ عليهِ، ولا في سَعَةٍ إلَّا ضيَّقَها\". وعندَ ابن أبي الدنيا (^٨): \"أكثِرُوا من ذكرِ الموتِ، فإنهُ [يمحقُ] (^٩) الذنوبَ، ويزهدُ في الدنيا، فإنْ ذكرتُموهُ عندَ الغِنَى هدمَهُ، وإنْ ذكرتُمُوهُ عندَ الفقرِ أرضاكم بعيشِكمْ\".\n_________\n= بسند صحيح، وصحَّحه الضياء المقدسي في \"المختارة\" (١/ ٥٢١).\n(^١) في \"التلخيص\" (٢/ ١٠١).\n(^٢) في (أ): \"إذ\".\n(^٣) ذكره الديلمي في \"الفردوس بمأثور الخطاب\" (١/ ٧٤ رقم ٢١٨).\n(^٤) في \"الإحسان\" (رقم ٢٩٩٣).\n(^٥) (٧/ ٣٥٤ رقم ١٠٥٦٠) من حديث أبي هريرة، وهو حديث حسن.\n(^٦) عزاه إليه الزبيدي كما في تخريج أحاديث الإحياء (٥/ ٣١٣٤) جمع الحداد.\n(^٧) كما في \"كشف الأستار\" (٤/ ٢٤٠ رقم ٣٦٢٣) من حديث أنس.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٠٨) وقال: رواه البزار، والطبرانى باختصار، وإسنادهما حسن.\n(^٨) عزاه إليه العراقي في \"تخريج أحاديث إحياء علوم الدين\" (٦/ ٢٤٧٥).\nوقال: رواه ابن أبي الدنيا في الموت بإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٩) في (أ): \"يمحو\".","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-591>عدم تمنّي الموت</span>\n٢/ ٥٠١ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَتَمَنَّيَن أَحَدُكمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيرًا لِي\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعن أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللُهِ - ﷺ -: لا يتمنين أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزلَ بهِ، فإنْ كان لا بدَّ) أي: لا فراقَ ولا محالةَ كما في القاموسِ (متمنّيًا فليقلْ) بدلًا عن لفظِ التمنّي الدعاءُ وتفويضُ ذلكَ إلى اللَّهِ: (اللَّهمّ أحيني ما كانتِ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني ما كانتِ الوفاةُ خيرًا لي. متفقٌ عليهِ).\nالحديثُ دليلٌ على النهي عن تمنِّي الموتِ للوقوعِ في بلاءٍ ومحنةٍ، أو خشيةَ ذلكَ من عدوٍّ، أو مرضٍ، أو فاقةٍ، أو نحوِها من مشاق الدنيا لما في ذلكَ منَ الجزعِ، وعدمِ الصبرِ على القضاءِ، وعدمِ الرضاءِ.\nوفي قولهِ: \"لضرٍّ نزلَ بهِ\"، ما يرشدُ إلى أنهُ إذا كانَ لغيرِ ذلكَ من خوفِ فتنةٍ في الدينِ، فإنهُ لا بأسَ به. [وقد] (^٢) دلَّ لهُ حديثُ الدعاءِ: \"إذا أردتَ بعبادكَ فتنةً فاقبضني إليكَ غيرَ مفتونٍ\" (^٣)، أوْ كانَ تمنّيًا للشهادةِ كما وقعَ ذلكَ لعبدِ اللَّهِ بن رواحةَ (^٤) وغيرهِ منَ السلفِ، وكما في قولِ مريمَ: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ (^٥)، فإنَّها\n_________\n(^١) البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (١٠/ ٢٦٨٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٠٨) و(٣١٠٩)، والترمذي (٩٧١)، والنسائي (٤/ ٣ رقم ١٨٢٠)، وابن ماجه (٤٢٦٥)، وأحمد (٣/ ١٠١، ١٠٤، ١٧١، ١٩٥، ٢٠٨، ٢٤٧، ٢٨١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٧٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) وهو جزء من حديث صحيح.\nأخرجه الترمذي (٣٢٣٥) من حديث معاذ بن جبل، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٣٢٣٣)، وأحمد (١/ ٣٦٨) من حديث ابن عباس.\nولمزيد من التوسع ارجع إلى \"ظلال الجنة\" للألباني (١/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٣٨٨).\n(^٤) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٤/ ٣١ - ٣٢).\n(^٥) سورة مريم: الآية ٢٣.","vol":"3","page":249},{"text":"إنَّما تمنَّتْ ذلكَ لمثلِ هذا الأمرِ المخوفِ من كفرِ مَنْ كفرَ، وشقاوةِ مَنْ شقيَ بسبَبِهَا.\nوفي قولهِ: \"فإنْ كانَ لا بدَّ متمنّيًا\"، يعني إذا ضاقَ صدرهُ، وفقدَ صبرَه عدلَ إلى هذا الدعاءِ، وإلَّا فالأَوْلى لهُ أنْ لا يفعلَ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-592>صفة النزع للمؤمن</span>\n٣/ ٥٠٢ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ\"، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n(وعن بريدةَ) هوَ ابنُ الحصيبِ (أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: المؤمنُ يموتُ بعَرقِ) بفتحِ العينِ المهملةِ والراءِ، (الجبينِ. رواهُ الثلاثةُ، وصحَّحة ابن حبانَ)، وأخرجهُ أحمدُ (^٣)، وابنُ ماجه (^٤)، وجماعةٌ، وأخرجه الطبرانيُّ (^٥) من حديثٍ ابن مسعودٍ، وفيهِ وجهانِ، أحدُهما: أنهُ عبارةٌ عمَّا يكابدهُ من شدَّةِ السياقِ [الذي] (^٦) يعرقُ دونَه جبينُه، أي: يشدَّدُ عليهِ تمحيصًا لبقيةِ ذنوبهِ، والثاني: أنهُ كنايةٌ عن كدِّ\n_________\n(^١) الترمذي (٩٨٢) وقال: هذا حديث حسن، والنسائي (٤/ ٦ رقم ١٨٢٩)، ولم يخرجه أبو داود.\n(^٢) في \"الإحسان\" (٧/ ٢٨١ رقم ٣٠١١) بسند صحيح على شرط البخاري، مُسَدَّد لم يرو له مسلم ومن فوقه على شرطهما، قاله الشيخ شعيب.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٤٥٢)، وأحمد (٥/ ٣٥٠)، والحاكم (١/ ٣٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وتعقبه الألباني في \"أحكام الجنائز\" (ص ٣٥) بقوله: \"وفيه نظر لا مجال لذكره هنا، لا سيما أن أحد إسنادي النسائي - (٤/ ٥ رقم ١٨٢٨) - صحيح على شرط البخاري\".\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧)، والطيالسي رقم (٨٠٨) من طريق مثنى بن سعيد به. وأورده البغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨) عنه.\nوالخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"المسند\" (٥/ ٣٥٠) وقد تقدم.\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٦٧ رقم ١٤٥٢) وقد تقدم.\n(^٥) في \"الكبير والأوسط\" كما في \"المجمع\" (٢/ ٣٢٥) وقال الهيثمي: ورجاله ثقات رجال الصحيح.\n(^٦) في (ب): \"التي\".","vol":"3","page":250},{"text":"المؤمنِ في طلبِ الحلالِ وتضييقهِ على نفسهِ بالصومِ والصلاةِ، حتَّى يلقَى اللَّهَ تعالى فيكونُ الجارُّ والمجرورُ في محلِّ النصبِ على الحالِ.\nوالمعنَى على الأولِ أن حالَ الموتِ ونزوعَ الروحِ شديدٌ عليهِ، فهو صفةٌ لكيفيّةِ الموتِ وشدّتِه على المؤمنِ، والمعنَى على الثاني أنهُ يدركُه [الموتُ] (^١) في حالِ كونهِ على هذه الحالةِ الشديدةِ التي يعرقُ منها الجبينُ، فهو صفةٌ للحالِ التي يفاجئُه الموتُ عليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-593>الترغيب في تلقين المحتضَر لا إله إلا الله محمد رسول الله</span>\n٤/ ٥٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وأبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢) وَالأَرْبَعَةُ (^٣). [صحيح]\n(وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ قالا: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لقِّنُوا موتاكم) أي: الذينَ في سياقِ الموتِ، فهوَ مجازٌ (لا إلهَ إلَّا اللَّهُ. رواهُ مسلمٌ والأربعة)، وهذا لفظُ مسلمٍ. ورواهُ ابنُ حبانَ (^٤) بلفظهِ وزيادةِ: \"فمنْ كانَ آخرَ قولهِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ دخلَ الجنةَ يومًا من الدهرِ، وإنْ أصابَهُ ما أصابهُ قبل ذلكَ\". وقد غلطَ مَنْ نسبهُ إلى الشيخينِ، أو إلى البخاريِّ.\nورَوَى ابنُ أبي الدنيا (^٥) [عن حذيفةَ] (^٦) بلفظِ: \"لقِّنوا موتاكمْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ؛ فإنَّها تهدمُ ما قبلَها مِنَ الخطايا\"، وفي البابِ أحاديثُ صحيحةٌ.\nوقولُه: \"لقِّنُوا\" المرادُ: تذكيرُ الذي في سياقِ الموتِ هذا اللفظَ الجليلَ،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٦٣٢ رقم ٦/ ٩١١) من حديث أبي سعيد.\n• و(٢/ ٦٣١ رقم ٨/ ٩١٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) أبو داود (٣١١٧)، الترمذي (٩٧٦)، والنسائي (٤/ ٥)، وابن ماجه (١٤٤٥) من حديث أبي سعيد.\n• وابن ماجه (١٤٤٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) في \"الإحسان\" (٧/ ٢٧٢ رقم ٣٠٠٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) في \"المحتضَرين\" (١/ ٢).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"3","page":251},{"text":"وذلكَ ليقولَها فتكونَ آخرَ كلامهِ فيدخلَ الجنةَ كما سبقَ (^١)، فالأمرُ في الحديثِ بالتلقينِ عام لكلِّ مسلمٍ يحضرُ مَنْ هوَ في سياقِ الموتِ، وهوَ أمرُ ندبٍ، وكرهَ العلماءُ الإكثارَ عليهِ والموالاةَ لئلّا يضجرَ، ويضيقَ حالُه، ويشتدَّ كربُه فيكرهُ ذلكَ بقلبهِ، ويتكلّمُ بما لا يليقُ.\nقالُوا: [فإذا] (^٢) تكلَّمَ مرةً فيعادُ عليهِ العرضُ ليكونَ آخرَ كلامهِ، وكأنَّ المرادَ بقولِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، أي: وقولِ محمدٌ رسولُ الله، فإنَّها لا تُقْبَلُ إحداهُما إلَّا بالأُخرى، كما علمَ.\nوالمرادُ بموتاكمْ موتَى المسلمينَ. وأمّا موتَى غيرِهم فيعرضُ عليهمُ الإسلام [كما عرضهُ - ﷺ - على عمِّهِ عندَ السياقِ (^٣)، وعلى الذميِّ الذي كانَ يخدمه فعادَهُ وعرضَ عليهِ الإسلامَ (^٤) فأسلم] (^٥)، وكأنهُ خصَّ في الحديثِ موتَى أهلِ الإسلامِ، لأنَّهُم الذينَ يقبلونَ ذلكَ، ولأنَّ حضورَ أهلِ الإسلامِ عندَهم هوَ الأغلبُ بخلافٍ الكفارِ، فالغالبُ أنهُ لا يحضرُ [موتاهم] (^٦) إلَّا الكفارُ.\n(فائدةٌ): يحسنُ أنْ يذكَّرَ المريضُ بسعةِ رحمةِ اللَّهِ ولطفهِ وبرّهِ، فيحسنُ ظنَّهُ بربِّهِ لما أخرجهُ مسلمٌ (^٧) من حديثٍ جابرٍ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ قبلَ موتهِ: \"لا يموتنَّ أحدُكم إلَّا وهوَ يحسنُ الظنَّ باللَّهِ\". وفي الصحيحينِ (^٨) مرفوعًا من حديثٍ أبي هريرةَ قالَ: \"قالَ الله: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي\". ورَوَى ابنُ أبي الدُّنيا (^٩) عن إبراهيمَ، قالَ: \"كانُوا يستحبونَ أنْ يلقِّنوا العبدَ محاسنَ عملهِ عندَ موتهِ لكي يحسنَ ظنَّهُ بربِّهِ\".\n_________\n(^١) بشرط أن يكون خالصًا بها قلبه وعاملًا بمقتضاها من التوحيد كما دلَّت عليه النصوص.\n(^٢) في (ب): \"وإذا\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٦٧٥)، ومسلم (١/ ٥٤ رقم ٣٩/ ٢٤) عن المسيّب.\n(^٤) أخرجه البخاري (رقم ١٢٩٠ - البغا) من حديث أنس.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (أ): \"موتهم\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٢٠٥ رقم ٢٨٧٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧).\n(^٨) البجاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢/ ٢٦٧٥).\n(^٩) في كتاب \"المحتضَرين\" كما في \"التلخيص\" (٢/ ١٠٤).","vol":"3","page":252},{"text":"وقد قالَ بعضُ أئمةِ العلمِ: إنهُ يحسنُ جمعُ أربعينَ حديثًا في الرجاءِ تقرأُ على المريضِ فيشتدُّ حسنُ ظنِّه باللَّهِ، فإنهُ تعالى عندَ ظنِّ عبدهِ بهِ، وإذا امتزجَ خوفُ العبدِ برجائِهِ عندَ سياقِ الموتِ فهوَ محمودٌ، [أخرجَه] (^١) الترمذيُّ (^٢) بإسنادٍ جيدٍ من حديثٍ أنسٍ: \"أنهُ - ﷺ - دخلَ على شابٍّ وهوَ في الموتِ [فقيل] (^٣): كيفَ تجدُكَ؟ قال: أرجُو اللَّهَ وأخافَ ذنوبي. فقالَ - ﷺ -: لا يجتمعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ إلَّا أعطاهُ اللَّهُ ما يرجوهُ، وأمَّنَهُ مما يخافُ\".\n(فائدةٌ) أخرى: ينبغي أن يوجَّهَ مَنْ هوَ في السياق [إلى] (^٤) القبلةِ لما أخرجهُ الحاكمُ (^٥) وصحَّحهُ من حديثٍ أبي قتادةَ: \"أن النبيَّ - ﷺ - حينَ قدمَ المدينةَ سألَ عن البراءِ بن معرورٍ، قالُوا: توفّيَ وأوصَى [بثلثِ مالهِ] (^٦) لكَ يا رسولَ اللَّهِ، وأوصَى أنْ يوجهَ القبلةَ إذا احتُضرَ. فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أصابَ الفطرةَ، وقد رددتُ ثلثَه على ولدهِ، ثمَّ ذهبَ فصلَّى عليهِ\"، وقالَ: \"اللَّهُمَّ اغفرْ لهُ وأدخلْه جنّتكَ وقد فعلتَ\". وقال الحاكمُ (^٧): لا أعلمُ في توجيهِ المحتضَرِ للقبلةِ غيرَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-594>قراءة يس أو غيرها عند الميت لم يصح فيها حديث</span>\n٥/ ٥٠٤ - وَعَنْ مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"اقَرَأوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨)، وَالنَّسَائِيُّ (^٩)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١٠). [ضعيف]\n_________\n(^١) في (أ): \"أخرج\".\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣١١ رقم ٩٨٣) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه وابن ماجه (٤٢٦١).\nوهو حديث حسن، حسّنه الألباني في صحيح ابن ماجه.\n(^٣) في (أ): \"فقال\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤) وقال: هذا حديث صحيح، ووافقه الذهبي.\n(^٦) في النسخة (أ): \"بثلثه\".\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٣٥٤). قلت: وانظر: \"الروضة الندية\" لصدِّيق حسن خان بتحقيقنا (١/ ٤٠٠).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٤٨٩ رقم ٣١٢١).\n(^٩) في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٥٨١ رقم ١٠٧٤).\n(^١٠) في \"الموارد\" (رقم ٧٢٠).=","vol":"3","page":253},{"text":"(وعن معقلِ بن يسارٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: اقرأوا على موتاكُمْ) قالَ ابنُ حبانَ: أرادَ بهِ مَنْ حضرتْهُ المنيَّةُ لا أن الميتَ يقرأُ عليهِ (يسَ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ أحمدُ، وابنُ ماجَهْ من حديثٍ سليمانَ\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٨٣)، وأحمد (٥/ ٢٦ و٢٧)، والطيالسي (ص ١٢٦ رقم ٩٣١) كلهم من حديث معقل بن يسار. قال الحاكم: \"أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك؛ إذ الزيادة من الثقة مقبولة\"، ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٥١) وقال: \"ولكن للحديث علّة أخرى قادحة أفصح عنها الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٥٥٠ رقم ١٠٤٠٤) فقال في ترجمة أبي عثمان هذا: \"عن أبيه، عن أنس، لا يعرف. قال ابن المديني: لم يرو عنه غير سليمان التيمي. قلت: أما النهدي فثقة إمام\". قلت: وتمام كلام ابن المديني \"وهو مجهول\". وأما ابن حبان فذكره في \"الثقات\" (٧/ ٦٦٤) على قاعدته في تعديل المجهولين.\nثم إن الحديث له علة أخرى: وهي الاضطراب، فبعض الرواة يقول: \"وعن أبي عثمان عن أبيه عن معقل\"، وبعضهم: \"عن أبي عثمان عن معقل\"، لا يقول: \"عن أبيه\" وأبوه غير معروف أيضًا.\nفهذه ثلاث علل:\n١ - جهالة أبي عثمان.\n٢ - جهالة أبيه.\n٣ - الاضطراب.\nوقد أعلّه بذلك ابن القطان كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٠٤). وقال: \"ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن. وأمّا في مسند أحمد (٤/ ١٠٥) من طريق صفوان: حدثني المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتدّ سوقه، فقال: هل منكم من أحد يقرأ (يس)، قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني، فلما بلغ أربعين منها قبض، قال: فكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خفّف عنه بها. قال صفوان: \"وقرأها عيسى بن المعتمر عند ابن معبد\".\nقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٥٢): \"فهذا سند صحيح إلى غضيف بن الحارث ﵁، ورجاله ثقات غير المشيخة، فإنهم لم يسموا، فهم مجهولون، لكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم لا سيّما وهم من التابعين.\nوصفوان هو ابن عمرو وقد وصله ورفعه عنه بعض الضعفاء بلفظ: \"إذا قرئت … \" فضعيف مقطوع. وقد وصله بعض المتروكين والمتهمين بلفظ: \"ما من ميت يموت فيقرأ عنده (يس) إلّا هون الله عليه\". رواه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ١٨٨) عن مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء مرفوعًا به.\nومروان هذا قال أحمد والنسائي: \"ليس بثقة\"، وقال الساجي وأبو عروبة الحراني: \"يضع الحديث\". \"الميزان\" (٤/ ٩٠)، و\"المجروحين\" (٣/ ١٣) ومن طريقه الديلمي إلّا أنه قال: \"عن أبي الدرداء وأبي ذرّ قالا: قال رسول الله - ﷺ - \" كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٠٤).","vol":"3","page":254},{"text":"التيميِّ عن أبي عثمانَ، وليسَ بالنهدي عن أبيهِ عن معقلِ بن يسارٍ، ولم يقلِ النسائيُّ وابنُ ماجَهْ عن أبيهِ، وأعلَّهُ ابنُ القطانِ بالاضطرابِ والوقفِ، وبجهالةِ حالِ أبي عثمانَ وأبيهِ، ونُقِلَ عن الدارقطنيِّ أنهُ قالَ: هذا حديثٌ مضطربُ الإسنادِ، مجهولُ المتنِ، ولا يصحُّ.\nوقالَ أحمدُ في مسندهِ (^١): حدثنا صفوانُ قالَ: كانتِ المشيخةُ يقولونَ: إذا قرئتْ يس عندَ الموتِ خففَ بها عنهُ، وأسندَه صاحبُ الفردوس [الديلمي] (^٢) عن أبي الدرداءِ وأبي ذرٍّ: قالَا: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ما من ميِّتٍ يموتُ فَيُقْرَأُ عندَه يسَ إلَّا هوَّنَ اللَّهُ عليهِ\"، وهذانِ يؤيّدانِ ما قالهُ ابنُ حبانَ من أن المرادَ به المحتضَرُ، وهما أصرحُ في ذلكَ مما استدلَّ به.\nوأخرجَ أبو الشيخِ في فضائلِ القرآن (^٣)، وأبو بكرٍ المِرَوزيّ في كتابِ الجنائزِ عن أبي الشعثاءِ صاحبِ ابن عباسٍ أنهُ يستحبُّ قراءةُ سورةِ الرعدِ (^٤)، وزادَ فإنَّ ذلكَ يخفّفُ عن الميتِ، وفيهِ أيضًا عن الشعبيِّ (^٥): كانت الأنصارُ يستحبونَ أنْ تقرأ عندَ الميتِ سورةُ البقرةِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-595>يندب تغميض بصر الميت</span>\n٦/ ٥٠٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ\"، فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: \"لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيرٍ، فَإِن المَلَاِئِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ،\n_________\n(^١) (٤/ ١٠٥).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٠٤).\n(^٤) وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٣٧) عن جابر بن زيد أنه كان يقرأ عند الميت سورة الرعد.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٣٦) عنه.\n(^٦) اعلم أن قراءة يس عند الميت لم يصح فيها حديث - \"أحكام الجنائز\" (ص ١١) - بل أنكر الإمام مالك ﵀ القراءة عند الميت بسورة يس والأنعام، وعلّل ذلك بأنه لم يكن من عمل الناس - \"المدخل\" لابن الحاج (٣/ ٢٤٠).","vol":"3","page":255},{"text":"وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ وَاخْلُفْهُ فِي عَقبِهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعن أمِّ سلمةَ قالتْ: دخلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على أبي سلمة، وقد شقَّ بَصَرَهُ) في شرحِ مسلمٍ أنهُ بفتحِ الشينِ، ورفعِ (بصرُهُ) وهوَ فاعلُ شقَّ، هكذا ضبطناهُ وهوَ المشهورُ، وضبطَ بعضُهم بصرَه بالنصبِ وهوَ صحيحٌ أيضًا\" فالشينُ مفتوحةٌ بلا خلافٍ (بصرَهُ فأغمضَهُ ثمَّ قالَ: إنَّ الروحَ إذا قُبضَ اتبعهُ البصرُ، فضجَّ ناسٌ من أهلهِ فقالَ: لا تدعُوا على أنفسِكم إلَّا بخيرٍ، فإنَّ الملائكةَ تؤمّنُ على ما تقولونَ) أي: من الدعاءِ (ثمَّ قالَ: اللَّهمّ اغفرْ لأبي سلمةَ، وارفعْ درجتَه في المهديينَ، وافسحْ لهُ في قبرهِ، ونوِّرْ لهُ فيهِ، واخلفْه في عَقِبهِ. رواهُ مسلمٌ).\nيقالُ: شقَّ الميتُ بصرَهُ إذا حضرَهُ الموتُ وصارَ ينظرُ إلى الشيءِ لا يرتدُّ عنهُ طرفهُ. وفي إغماضِه - ﷺ - طرفَهُ دليلٌ على استحبابِ ذلكَ. وقد أجمعَ عليهِ المسلمونَ؛ وقد علّلَ في الحديثِ ذلكَ بأنَّ البصرَ يتبعُ الروحَ. أي: ينظرُ أينَ يذهبُ.\nوالحديثُ من أدلّةِ مَنْ يقولُ: إنَّ الأرواحَ أجسامٌ لطيفةٌ متحلّلةٌ في البدنِ، وتذهبُ الحياةُ من الجسدِ بذهابِها، وليسَ عرضًا كما يقولُه آخرونَ. وفيهِ دليلٌ على أنهُ يدْعَى للميتِ عندَ موتهِ، ولأهلهِ، وعقبهِ، بأمورِ الآخرةِ والدنيا، وفيهِ دلالةٌ على أن الميتَ ينعَّمُ في قبرهِ أو يعذَّبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-596>تسجية الميِّت</span>\n٧/ ٥٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. متفقٌ عليهِ (^٢). [صحيح]\n(وعن عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حينَ توفيَ سجِّيَ ببُردٍ حِبَرَةٍ) بالحاءِ المهملةِ، فموحدةٍ، فراءٍ، فتاء تأنيثٍ بزنةِ عِنبَةٍ (متفقٌ عليهِ).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٣٤ رقم ٧/ ٩٢٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١١٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠ رقم ١٤٦٨)، الترمذي (٩٧٧).\n(^٢) البخاري (١٢٤١، ١٢٤٢)، ومسلم (٩٤٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٤٨).","vol":"3","page":256},{"text":"التسجيةُ بالمهملةِ والجيمِ: التغطيةُ، أي: غُطِّيَ، والبردُ يجوزُ إضافتهُ إلى الحِبرةِ ووصفُه بها، والحبرةُ ما كانَ لها أعلامٌ، وهي منْ أحبِّ اللباسِ إليهِ - ﷺ -، وهذهِ التغطيةُ قبلَ الغسل فيما يظهر. قال النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^١): إنهُ مجمعٌ عليها، وحكمتهُ صيانةُ الميتِ عن الانكشافِ وسترِ عورتهِ المتغيرةِ عن الأعينِ. قالُوا: وتكونُ التسجيةُ بعدَ نزعِ ثيابِهِ التي توفّيَ فيها لئلّا يتغيّرَ بدنُه بسبِبها.\n\n<span data-type='title' id=toc-597>تقبيل الميِّت</span>\n٨/ ٥٠٧ - وَعَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنها) أي: عائشةَ (أن أبا بكرٍ الصدِّيقَ قبَّلَ النبيَّ ﷺ بعدَ موتهِ. رواهُ البخاريُّ)، استُدلَّ بهِ على جوازِ تقبيلِ الميتِ بعدَ موتهِ، وعلى أنها تندبُ تسجيتُه، وهذهِ أفعالُ صحابةٍ بعدَ [وفاتهِ] (^٣) لا دليلَ فيها لانحصارِ الأدلةِ في الأربعةِ، نعمْ هذهِ الأفعالُ جائزةٌ على أصلِ الإباحةِ. وقد أخرجَ الترمذيُّ (^٤) من حديثِ عائشةَ: \"أن النبيَّ ﷺ قبَّلَ عثمانَ بن مظعونٍ، وهوَ ميتٌ وهو يبكي أو قالَ: وعيناهُ تهرقانِ\"، قال الترمذيُّ (^٥): حديثُ عائشةَ حسنٌ صحيحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-598>المبادره بقضاء دين الميِّت</span>\n٩/ ٥٠٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ\n_________\n(^١) (٧/ ١٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٣ رقم ١٢٤١، ١٢٤٢).\n(^٣) في (أ): \"موته\".\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٣١٤ رقم ٩٨٩) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٦٣)، والحاكم (١/ ٣٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٦١)، وابن ماجه (١٤٥٦)، وأحمد (٦/ ٤٣، ٥٥، ٢٠٦). قال الحاكم: هذا حديث متداول بين الأئمة، إلَّا أن الشيخين لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله. وكذا قال الذهبي، قلت: وعاصم هذا ضعيف، ولكن للحديث شواهد، فهو بها صحيح، والله أعلم.\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٣١٥).","vol":"3","page":257},{"text":"بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالتِّرْمِذِيّ (^٢) وحَسَّنَهُ. [صحيح]\n(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي ﷺ قالَ: نفسُ المؤمنِ معلَّقةٌ بدَينهِ حتى يُقضى عنهُ. رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ وحسَّنهُ). [و] (^٣) قد وردَ التشديدُ في الدَّينِ حتَّى تركَ - ﷺ - الصلاةَ على مَنْ ماتَ وعليهِ دينٌ حتَّى تحمَّلَه عنهُ بعضُ الصحابةِ (^٤). وأخبرَ - ﷺ - أنهُ يغفرُ للشهيدِ عندَ أولِ دفعةٍ من دمهِ كلُّ ذنب إلَّا الدَّينَ (^٥).\n[وهذا الحديثُ منَ الدلائلِ] (^٦) على أنهُ لا يزالُ الميتُ مشغولًا بدَيْنِهِ بعدَ موتهِ، ففيهِ حثٌّ على التخلّصِ عنهُ قبلَ الموتِ، وأنهُ أهمُّ الحقوقِ، وإذا كانَ هذا [في] (٣) الدَّيْنِ المأخوذِ برضَا [صاحبه] (^٧)، فكيفَ بما أُخِذَ غصْبًا ونَهْبًا وسلْبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-599>غسل الميت وتكفينه</span>\n١٠/ ٥٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: \"اغْسُلُوهُ بِمَاء وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٤٤٠ و٤٧٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣٨٩ رقم ١٠٧٨ ورقم ١٠٧٩) وقال: حديث (١٠٧٩) حسن، وهو أصح من حديث (١٠٧٨). قلت: بل حديث أبي هريرة صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٤١٣)، والشافعي في ترتيب المسند (٢/ ١٩٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٢٠٢ رقم ٢١٤٧) وقال: هذا حديث حسن. وصحّحه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٧٤)، والحاكم (٢/ ٥٨) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٣٩) وقال: رواه أبو داود باختصار ورواه أحمد والبزار بإسناد حسن، كلهم من حديث جابر.\n(^٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٦١)، ومسلم في \"صحيحه\" (١١٧/ ١٨٨٥)، والبغوي في شرح السنة\" (٨/ ٢٠٠ رقم ٢١٤٤).\n(^٦) في (أ): \"هذا دليل\".\n(^٧) في (أ): \"أربابه\".\n(^٨) البخاري (١٨٤٩). ومسلم (١٢٠٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٣٨)، والترمذي (٩٥١)، وابن ماجه (٣٠٨٤)، والنسائي (٥/ ١٩٥ - ١٩٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٣٢١ رقم ١٤٨٠) وغيرهم.","vol":"3","page":258},{"text":"(وعن ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ في الذي سقطَ عن راحلتهِ [فماتَ]) (^١) [و] (^٢) ذلك وهوَ واقفٌ بعرفةَ على راحلتهِ كما في البخاريِّ: (اغسلوهُ بماءٍ وسدرٍ، وكفِّنوهُ في ثوبيهِ. متفقٌ عليهِ). تمامُه: \"ولا تحنِّطُوهُ، ولا تخمِّرُوا رأسَهُ\"، وبعدَهُ في البخاريِّ: \"فإنهُ يبعثُ يومَ القيامةِ ملبّيًا\".\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ غسلِ الميتِ؛ قالَ النوويُّ (^٣): الإجماعُ على أن غسلَ الميتِ فرضُ كفايةٍ. قالَ المصنفُ بعدَ نقلهِ في الفتحِ: وهوَ ذهولٌ شديد؛ فإنَّ الخلافَ فيهِ مشهورٌ عندَ المالكيةِ حتَّى إنَّ القرطبيَّ رجَّحَ في شرحِ مسلمٍ أنهُ سنةٌ، ولكنَّ الجمهورَ على وجوبهِ. وقد ردَّ ابنُ العربي على مَنْ لمْ يقلْ بذلكَ. وقالَ: قد تواردَ القولُ والعملُ وغسلُ الطاهرِ المطهّرِ، فكيفَ بمنْ سواهُ، ويأتي كمّيةُ الغسلاتِ في حديثِ أمِّ عطيةَ قريبًا (^٤). وقولُه: \"بماءٍ وسدرٍ\"، ظاهرُه أنهُ يخلطُ السدرُ بالماءِ في كلِّ مرةٍ من مراتِ الغسلِ. قيلَ: وهوَ يُشعرُ بأنَّ غسل الميتِ للتنظيفِ لا للتطهيرِ؛ لأنَّ الماءَ المضافَ لا يُتَطَهَّرُ بهِ. قيلَ: وقدْ يقالُ: يحتملُ أن السدرَ لا يغيرُ وصفَ الماءِ فلا يصيرُ مضافًا، وذلكَ بأنْ يمعَكَ بالسدرِ، ثمَّ يغسلُ بالماءِ في كلِّ مرةٍ. وقالَ القرطبيُّ: يجعلُ السدرُ في ماءٍ ثمَّ يخضخضُ إلى أن تخرجَ رغوتُه، ويدلكَ بهِ جسدُ الميتِ، ثمَّ يصبَّ عليهِ الماءُ القُراحُ، هذهِ غسلَةٌ. وقيلَ: لا يطرحُ السدرُ في الماءِ، أي: لئلا يمازجَ الماءَ فيُغَيِّرَ وصفَ الماءِ المطلقِ.\nوتمسَّكَ بظاهرِ الحديثِ بعضُ المالكيةِ فقالَ: غسلُ الميتِ إنَّما هو للتنظيفِ، فيجزئُ الماءُ المضافُ كماءِ الوردِ ونحوِه. وقالُوا: إنَّما يكرهُ لأجلِ السرفِ. والمشهورُ عندَ الجمهور أنهُ غسلٌ تعبديٌّ يشترطُ فيهِ ما يشترطُ في الاغتسالاتِ الواجبةِ والمندوبةِ.\nوفي الحديثِ النهيُ عن تحنيطهِ، ولم يذكرْهُ المصنفُ كما عرفتَ. وتعليلُه بأنهُ يبعثُ ملبّيًا يدلُّ على أن علةَ النهي كونُه ماتَ محرِمًا، فإذا انتفتِ العلةُ انتفى النهيُ، وهو يدلّ على أن الحنوط للميت كان أمرًا متقرّرًا عندهم.\n_________\n(^١) كلمة (فمات) زائدة من في (أ).\n(^٢) في (أ): \"وكان\".\n(^٣) في \"المجموع\" (٥/ ١٢٨).\n(^٤) رقم (١٢/ ٥١١).","vol":"3","page":259},{"text":"وفيه أيضًا النهيُ عن تخميرهِ وتغطيةِ رأسهِ لأجلِ الإحرامِ، فمنْ ليسَ بمُحرم يحنَّطُ ويخمَّرُ رأسُه، والقولُ بأنهُ ينقطعُ حكمُ الإحرامِ بالموتِ كما تقولُه الحنفيةُ، وبعضُ المالكيةِ خلافُ الظاهرِ. وقد ذكرَ في الشرحِ خلافَهم وأدلَّتهم، وليستْ بناهضةٍ على مخالفةِ ظاهرِ الحديثِ، فلا حاجةَ إلى سردِها.\nوقولُه: \"وكفّنوهُ في ثوبينِ\"، يدلُّ على وجوب التكفينِ، وأنهُ لا يشترطُ فيهِ أنْ يكونَ وترًا، وقيلَ: يحتملُ أن الاقتصارَ عليهما لأنهُ ماتَ فيهما، وهوَ متلبّسٌ بتلك العبادةِ الفاضلةِ، ويحتملُ أنهُ لم يجدْ له غيرَهما، وأنهُ من رأسِ المالِ، لأنهُ - ﷺ - أمرَ بهِ ولم يستفصلْ هل عليهِ دينٌ مستغرقٌ أم لا. وورَدَ الثوبين في هذهِ الروايةِ مطلقينِ، وفي روايةٍ في البخاريِّ (^١): في ثوبيهِ، وللنسائي (^٢): في ثوبيهِ الَّذَينِ أحرمَ فيهما.\nقالَ المصنفُ (^٣): و[فيه] (^٤) استحبابُ تكفينِ الميتِ في ثيابِ إحرامهِ، وأنَّ إحرامَه باقٍ، وأنهُ لا يكفَّنُ في المخيطِ. وفي قولهِ: \"يبعثُ ملبِّيًا\"، ما يدلُّ [على أن من] (^٥) شرعَ في عملِ طاعةٍ ثمَّ حيلَ بينَه وبينَ تمامِها بالموتِ أنهُ يرجَى لهُ أن يكتبَهُ اللَّهُ في الآخرةِ منِ أهلِ ذلكَ العمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-600>كيفية غسل رسول اللَّهِ - ﷺ </span>-\n١١/ ٥١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، نُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ لَا؟ الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٧). [صحيح]\n(وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: لما أرادُوا غسلَ النبيِّ ﷺ قالوا: واللَّهِ ما ندري نجرِّدُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ٦٤ رقم ١٨٥١).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٣٩ رقم ١٩٠٤).\n(^٣) في \"الفتح\" (٣/ ١٣٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"لمن\".\n(^٦) في \"المسند\" (٦/ ٢٦٧) بسند صحيح.\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٥٠٢ رقم ١٣٤١).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٥٩/ ٣ - ٦٠)، والبيهقي (٣/ ٣٨٧)، وابن ماجه (١/ ٤٧٠ رقم ١٤٦٤)، والطياسي (١٥٣٠).\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصحَّحه في \"الأحكام\" (ص ٤٩).","vol":"3","page":260},{"text":"رسولَ اللَّهِ ﷺ كما نجرّد موتانا أم لا؟ الحديثَ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ)، وتمامُهُ عندَ أبي داودَ: \"فلمَّا اختلفُوا ألقَى اللَّهُ عليهمُ النومَ حتَّى ما مِنْهُم من أحدٍ إلَّا وذقنُهُ في صدرهِ، ثمَّ كلَّمَهم مكلِّمٌ من ناحيةِ البيتِ لا يدرونَ مَنْ هوَ: اغسلُوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عليهِ ثيابهُ، فغسلوهُ وعليهِ قميصهُ، يصبُّونَ الماءَ فوقَ القميصِ ويدلكونهُ بالقميصِ دونَ أيديهم\".\nوكانتْ عائشةُ تقولُ (^١): \"لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ إلَّا نساؤُه\"، وفي روايةٍ لابنِ حبانَ (^٢): \"وكانَ الذي أجلسَهُ في حجرِهِ عليٌّ بنُ أبي طالب ﵇\". ورَوَى الحاكمُ (^٣) قالَ: \"غسَّلَ النبيَّ ﷺ علي ﵇ وعلى يدِ عليّ خرقةٌ فغسلهُ، فأدخلَ يدَه تحتَ القميصِ فغسلَه، والقميصُ عليهِ\". ورَوى ذلكَ الشافعيُّ (^٤) عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ. وفي هذهِ القصةِ دلالةٌ على أنهُ - ﷺ - ليسَ كغيرهِ منَ الموتَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-601>كيفية غسل ابنته زينب</span>\n١٢/ ٥١١ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: \"اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكثَرَ مِنْ ذلِكَ إِن رَأَيْتُن ذلِكَ، بِمَاءٍ\n_________\n(^١) أخرج أحمد (٦/ ٢٦٧)، وأبو داود (٣١٤١)، والحاكم (٣/ ٥٩ - ٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٨٧)، وفي \"الدلائل\" (٧/ ٢٤٢)، وابن حبان (١٤/ ٥٩٥ رقم ٦٦٢٧)، وابن ماجه (١٤٦٤) من حديث عائشة.\nقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤٧٤ رقم ٥١٩/ ١٤٦٤): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا ورواه بالعنعنة في هذا الإسناد - أي إسناد ابن ماجه - فقد رواه ابن الجارود وابن حبان في صحيحه والحاكم في \"المستدرك\" من طريق ابن إسحاق مصرِّحًا بالتحديث فزالت تهمة تدليسه. ورواه الإمام الشافعي في مسنده من هذا الوجه. ورواه البيهقي من طريق الحاكم.\nورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق محمد بن إسحاق حدثنا يحيى بن عباد فذكره بزيادة طويلة كما بينته في زوائد المسانيد العشرة\" اهـ.\n(^٢) في \"الإحسان\" (١٤/ ٥٩٦ رقم ٦٦٢٨) بإسناد قوي، وانظر كلام الشيخ شعيب عليه.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٣/ ٥٩ - ٦٠).\n(^٤) في \"بدائع المنن\" (١/ ٢٠٩ رقم ٥٥٢).","vol":"3","page":261},{"text":"وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأخَيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيئًا مِنْ كَافُورٍ\"، فَلَّمَا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: \"أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَفِي رِوَايَةٍ (^٢): \"ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعَ الوضُوءِ مِنْهَا\"، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٣): \"فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا\". [صحيح]\n(وعن أمِّ عطيةَ) تقدمَ اسمُها، وفيهِ خلافٌ، وهي أنصاريةٌ (قالتْ: دخلَ علينا النبي ﷺ ونحنُ نغسلُ ابنتَه) لم تقعْ في شيءٍ من رواياتِ البخاريِّ مسمَّاةً، والمشهورُ أنها زينبُ زوجُ أبي العاصِ، كانتْ وفاتُها في أولِ سنةٍ ثمانٍ، ووقعَ في رواياتٍ أنَّها أمُّ كلثومٍ، ووقعَ في البخاريِّ (^٤) عن ابن سيرينَ: \"لا أدري أيَّ بناتهِ\".\n(فقالَ: اغسلنَها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثرَ من ذلكَ إنْ رأيتنَّ ذلكَ بماءٍ وسدرٍ، واجعلنَ في الأخيرةِ كافورًا أو شيئًا من كافورٍ)، هوَ شكٌّ من الراوي أيُّ اللفظينِ قَال، والأول محمولٌ على الثاني لأنهُ نكرةٌ في سياقِ الإثباتِ فيصدقُ بكلِّ شيءٍ منهُ، (فلمَّا فرغْنا آذنَّاهُ) في البخاري: \"أنهُ - ﷺ - قالَ لهنَ: فإذا فرغتُنَّ آذنَّني\"، ووقعَ [في] (^٥) روايةِ البخاري: \"فلما فرغْنَ\" عوضًا عن فرغْنا، (فألقى إلينا حقوهُ)، وفي لفظِ البخاري: \"فأعطانا حقوهُ\"، وهو بفتحِ المهملةِ، ويجوزُ كسرُها، وبعدَها قافٌ ساكنةٌ. والمرادُ هنا: الإزارُ، وأطلقَ على الإزارِ مجازًا؛ إذْ معناهُ الحقيقي: معقدُ الإزارِ، فهوَ من تسميةِ الحال باسمِ المحلِّ (فقالَ: أشعرْنَها إياهُ. متفقٌ عليهِ)، أي: اجعلْنَه شعارَها، أي: الثوبَ الذي يلي جسدَها.\n(وفي روايةٍ) أي: للشيخينِ عن أمِّ عطيةَ (ابدأنَ بميامِنها ومواضعِ الوضوءِ منها، وفي لفظٍ للبخاريِّ) أي: عن أمِّ عطيةَ (فضفرْنا شعرَها ثلاثةَ قرونٍ فألقيناهُ خلفَها). دلَّ الأمرُ في قولهِ: \"اغسلْنَها ثلاثًا\" على أنهُ يجبُ ذلكَ العددُ، والظاهرُ\n_________\n(^١) البخاري (١٢٥٣)، ومسلم (٣٨/ ٩٣٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٤٢)، والترمذي (٩٩٠)، والنسائي (٤/ ٣١)، وابن ماجه (١٤٥٨)، وأحمد (٥/ ٨٤).\n(^٢) البخاري (١٢٥٥)، ومسلم (٤٣/ ٩٣٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٤ رقم ١٢٦٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٣ رقم ١٢٦١).\n(^٥) كلمة \"في\" زيادة من (أ).","vol":"3","page":262},{"text":"الإجماعُ على إجزاءِ الواحدةِ، فالأمرُ بذلكَ محمولٌ على الندبِ، وأمّا أصلُ الغسلِ فقد علمَ وجوبُه من محلٍّ آخرَ، وقيلَ: تجبُ الثلاثُ. وقولُه: \"أو خمسًا\"، أو للتخييرِ [لا للترتيب] (^١) هوَ الظاهرُ، وقولُه: \"أو أكثرَ\"، قدْ فسِّرَ في روايةٍ: أو سبعًا بدلَ قوله: أوْ أكثرَ من ذلكَ، وبهِ قالَ أحمدُ وكرهَ الزيادةَ على سبعٍ.\nقالَ ابنُ عبد البرِّ (^٢): لا أعلمُ أحدًا قالَ بمجاوزةِ السبعِ، إلَّا أنهُ وقعَ عندَ أبي داودَ (^٣) أوْ سبعًا أو أكثرَ منْ ذلكَ، فظاهرُها شرعيةُ الزيادةِ على السبعِ.\nوتقدَّمَ الكلامُ في كيفيةِ غسلةِ السدرِ، قالُوا: والحكمةُ فيهِ أنهُ يليِّنُ جسدَ الميتِ. وأما غسلةُ الكافورِ، فظاهرُه أنهُ يجعلُ الكافورُ في الماءِ ولا يضرُّ الماءَ تغيرَهُ بهِ، والحكمةُ فيهِ أنهُ يطيبُ رائحةَ الموضعِ لأجلِ مَنْ حضرَ مِنَ الملائكةِ وغيرِهم، معَ أن فيهِ تجفيفًا وتبريدًا وقوةَ نفوذٍ وخاصيةً في تصليبِ جسدِ الميتِ، وصرفِ الهوامِّ عنهُ، ومنعِ ما يتحللُ منَ الفضلاتِ، ومنعُ إسراعِ الفسادِ إليهِ، وهوَ أقْوى الروائحِ الطيبةِ في ذلكَ؛ وهذا هوَ السرُّ في جعلهِ في الآخرةِ؛ إذْ لو كانَ في الأُولى مثلًا لأذهبهُ الماءُ. وفيهِ دلالةٌ على البداءةِ في الغسلِ بالميامنِ. والمرادُ بها ما يلي الجانبَ الأيمنَ. وقولهُ: \"ومواضعَ الوضوءِ منها\" ليسَ بينَ الأمرينِ تنافٍ لإمكانِ البداءةِ بمواضعِ الوضوءِ وبالميامنِ معًا. وقيلَ: المرادُ: ابدأنَ بميامِنها في الغسلاتِ التي لا وضوءَ فيها، ومواضعَ الوضوءِ منها في الغسلةِ المتصلةِ بالوضوءِ.\nوالحكمةُ في الأمرِ بالوضوءِ تجديد سمة المؤمنين في ظهور أثر الغُرَّة والتحجيل. وظاهر مواضع الوضوء دخولُ المضمضةِ والاستنشاقِ. [وقولُه] (^٤): \"ضفرْنا شعرَها\" استدلَّ بهِ على ضفرِ شعرِ الميتِ، وقالَ الحنفيةُ: يرسلُ شعرُ المرأةِ خلفَها وعلى وجهِهَا مفرَّقًا. قالَ القرطبيُّ: كأنَّ سببَ الخلافِ أن الذي فعلتْهُ أمُّ عطيةَ لم يكنْ عن أمرهِ - ﷺ -، ولكنهُ قالَ المصنفُ (^٥): إنهُ قد رَوَى سعيدُ بنُ منصورٍ ذلكَ بلفظِ: \"قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: اغسلنَها وترًا، واجعلنَ شعرَها ضفائرَ\".\n_________\n(^١) في (أ): \"و\".\n(^٢) في \"التمهيد\" (١/ ٣٧٣).\n(^٣) في \"السنن\" (رقم ٣١٤٢).\n(^٤) في (أ): \"قولها\".\n(^٥) في \"الفتح\" (٣/ ١٣٤).","vol":"3","page":263},{"text":"وفي صحيحِ ابن حبانَ (^١): \"اغسلنَها ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، واجعلْنَ لها ثلاثةَ قرونٍ\"، والقرنُ هنا المرادُ بهِ: الضفائرُ، وفي بعضِ ألفاظِ البخاري: \"ناصيتَها وقرنَيْها\"، ففي لفظِ ثلاثةِ قرونٍ تغليبٌ، والكلُّ حجةٌ على الحنفيةِ. والضفرُ يكونُ بعدَ نقضِ شعرِ الرأسٍ وغسلهِ وهوَ في البخاري صريحًا. وفيه دلالةٌ على إلقاءِ الشعرِ خلفَها.\nوذَهَلَ ابنُ دقيقِ العيدِ عن كونِ هذهِ الألفاظ في البخاري، فنسبَ القولَ بهِ إلى بعض الشافعيةِ، وأنهُ استندَ في ذلكَ إلى حديثٍ غريبٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-602>صفة كفنه ﷺ وما يلزم في الكفن</span>\n١٣/ ٥١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعن عائشة ﵂ قالتْ: كُفِّنَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في ثلاثةِ أثوابِ بيضِ سُحُوليةٍ) بضمِّ السينِ المهملةِ، والحاءِ المهملةِ، (من كُرْسُفٍ) بضمِّ الكافِ، وسكونِ الراءِ، وضمّ السِّين المهملةِ ففاءٍ، أي: قطن (ليس فيها) أي: الثلاثةِ (قميصٌ ولا عمامةٌ) بل إزارٌ ورداءٌ ولفافةٌ كما صرَّحَ بهِ في طبقاتِ ابن سعدٍ (^٣) عن الشعبيِّ، (متفقٌ عليهِ).\nفيهِ أن الأفضلَ التكفينُ في ثلاثةِ أثواب بيضٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يكنْ يختارُ لنبيهِ - ﷺ - إلَّا الأفضلَ.\nوقد رَوَى أهلُ السننِ (^٤) من حديثِ ابنٍ عباسٍ: \"البسُوا ثيابَ البياضِ فإنَّها\n_________\n(^١) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٠٤ - ٣٠٥ رقم ٣٠٣٣) بسند صحيح.\n(^٢) البخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٤٥/ ٩٤١).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٢٢٣ رقم ٥)، وأبو داود (٣١٥١)، والترمذي (٩٩٦)، والنسائي (٤/ ٣٥)، وابن ماجه (١٤٦٩) من حديث عائشة.\n(^٣) (٢/ ٢٨٣).\n(^٤) أبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤).\nوقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٣٥٦٦) ولم يخرجه النَّسَائِي.\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٤٢٨ رقم ٣٤٢٦) شاكر، والشافعي في \"ترتيب المسند\" =","vol":"3","page":264},{"text":"أطيبُ وأطهرُ، وكفِّنُوا فيها موتَاكمْ\"، وصحَّحهُ الترمذيُّ، والحاكم. وله شاهدٌ من حديثِ سمُرةَ (^١) أخرجوهُ، وإسنادُه صحيحٌ أيضًا، وأمّا ما تقدمَ في حديثِ عائشةَ: \"أنهُ ﷺ سجِّيَ ببردٍ حِبرةٍ\"، وهيَ بردٌ يمانيٌّ مخطّطُ غالي الثمنِ، فإنهُ لا يعارضُ ما هنا لأنهُ - ﷺ - لم يكفنْ في ذلكَ البردِ بل سجَّوْهُ بهِ ليتجفّفَ فيه، ثمَّ نزعُوهُ عنهُ، كما أخرجهُ مسلمٌ، على أن الظاهرَ أن التسجيةَ كانتْ قبلَ الغسلِ.\nقال الترمذيُّ (^٢): تكفينهُ في ثلاثةِ أثواب بيضٍ أصحُّ ما وردَ في كَفَنِهِ، وأمّا ما أخرجَهُ أحمدُ (^٣)، وابنُ أبي شيبةَ (^٤)، والبزارُ (^٥) من حديثِ عليٍّ ﵁: \"أنهُ - ﷺ - كُفِّنَ في سبعةِ أثوابٍ\" فهوَ من روايةِ عبدِ اللَّهِ بن محمدِ بن عقيل، وهو سيّءُ الحفظِ، يصلُحُ حديثُه في المتابعاتِ إلَّا إذا انفردَ [فلا يحسنُ] (^٦)، فكيف إذا خالفَ كما هنا، فلا يقبلُ.\nقالَ المصنفُ: وقد رَوَى الحاكمُ من حديثِ أيوبَ عن نافع، عن ابن عمرَ ما يعضدُ روايةَ ابن عقيلٍ، فإنْ ثبتَ جمعَ بينَه وبينَ حديثِ عائشة بأنها روتْ ما اطّلعتْ عليهِ وهوَ الثلاثةُ، وغيرُها رَوَى ما اطّلعَ عليهِ سيَّما إنْ صحَّتِ الروايةُ عن عليّ، فإنَّهُ كانَ المباشرُ للغسلِ.\nواعلمْ أنهُ يجبُ منَ الكفنِ ما يسترُ جميعَ جسدِ الميتِ، فإنْ قصرَ عن سترِ الجميعِ قُدِّمَ سترُ العورةِ فما زاد عليها سُتِرَ بهِ من جانبِ الرأسِ، وجُعلَ على\n_________\n= (١/ ٢٠٧ رقم ٥٧٣)، والبيهقي (٣/ ٢٤٥)، وصحَّحه ابن حبان في \"الموارد\" (رقم ١٣٣٩)، والحاكم (١/ ٣٥٤) ووافقه الذهبي.\n(^١) أخرجه النَّسَائِي (٤/ ٣٤)، والبيهقي (٣/ ٤٠٢، ٤٠٣)، وصححه الحاكم (١/ ٣٥٤، ٣٥٥)، وأقرّه الذهبي. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٣٥): إسناده صحيح.\nوانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٦٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣٢٢).\n(^٣) في \"الفتح الرباني\" (٧/ ١٧٦ رقم ١٣٣).\n(^٤) في \"كشف الأستار\" (١/ ٤٠١ رقم ٨٥٠) وقال: لا نعلم أحدًا تابع ابن عقيل على روايته هذه، تفرد به حماد عنه.\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٢٦٢).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٣): رواه أحمد وإسناده حسن، والبزار.\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"3","page":265},{"text":"الرِّجلينِ حشيشٌ، كما فعلَ النبيُّ ﷺ عمِّه حمزةَ ومصعبِ بن عميرٍ (^١)، فإنْ أُريدَ الزيادةُ على الواحدِ فالمندوبُ أنْ يكونَ وترًا، ويجوزُ الاقتصارُ على الاثنينِ كما مرَّ في حديثِ المُحرمِ الذي ماتَ. وقد عرفتَ من روايةِ الشعبيِّ كيفيّةَ الثلاثةِ، وأنَّها إزارٌ ورداءٌ ولفافةٌ. وقيلَ: مِئزرٌ ودرجانِ. وقيلَ: يكونُ منها قميصٌ غيرُ مخيطٍ، وإزارٌ يبلغُ من سرتهِ إلى ركبتهِ، ولفافةٌ يلفُّ بها من قرنهِ إلى قدمهِ.\nوتأوّلَ هذا القائلُ قولَ عائشةَ: \"ليسَ فيها قميصٌ ولا عمامةٌ\" بأنَّها أرادتْ نَفْيَ وجودِ الأمرينِ معًا لا القميصِ وحدَه، أو أن الثلاثةَ خارجةٌ عن القميصِ والعمامةِ، والمرادُ: أن الثلاثةَ مما عداهُما وإنْ كانا موجودينِ وهذا بعيدٌ جدًّا. قيلَ: والأَوْلَى أنْ يقالَ إنَّ التكفينَ بالقميصِ وعدمهِ سواءٌ يُستحبانِ، فإنّهُ - ﷺ - كفَّنَ عبدَ اللَّهِ بن أُبيٍّ في قميصهِ، أخرجهُ البخاريُّ (^٢). ولا يفعلُ - ﷺ - إلَّا ما هوَ الأحسنُ، وفيه أن قميصَ الميتِ مثلُ قميصِ الحيِّ مكفوفًا مزرُورًا، وقد استحبَّ هذا محمدُ بنُ سيرينَ كما ذكرهُ البيهقيُّ في الخلافياتِ. قالَ في الشرحِ: وفي هذا ردٌّ على مَنْ قالَ: إنهُ لا يشرعُ القميصُ إلَّا إذا كانت أطرافُه غيرَ مكفوفةٍ.\nقلتُ: وهذا يتوقفُ على أن كفَّ أطرافِ القميصِ كانَ عرفَ أهلِ ذلكَ العصر.\n\n<span data-type='title' id=toc-603>شرعية التكفين في القميص</span>\n١٤/ ٥١٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَي جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ قالَ: لما تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيٍّ جاءَ ابنُه) هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (رقم ١٢١٥ - البغا) عن عبد الرحمن بن عوف.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٨ رقم ١٢٦٩) من حديث ابن عمر.\nقلت: وأخرجه مسلم (٣/ ٢٧٧٤) وغيرهما.\n(^٣) البخاري (١٢٦٩)، ومسلم (٣/ ٢٧٧٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٣٠٩٨) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (١٩٠٠).","vol":"3","page":266},{"text":"عبدِ اللَّهِ (إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: أعطني قميصَك أكفِّنْهُ فيهِ، فأعطاهُ. متفقٌ عليهِ).\nهوَ دليلٌ على شرعيةِ التكفينِ في القميص كما سلفَ قريبًا، وظاهرُ هذهِ الروايةِ أنهُ طلبَ القميصَ منهُ - ﷺ - قبلَ التكفينِ، إلّا أنهُ قد عارضَها ما عندَ البخاريِّ (^١) من حديثِ جابرٍ: \"أنهُ - ﷺ - أتَى عبدَ اللَّهِ بن أبيِّ بعدَ ما دفنَ فأخرجَهُ فنفثَ فيهِ من ريقهِ، وألبسَه قميصَه\"؛ فإنهُ صريحٌ أنهُ كانَ الإعطاءُ والإلباسُ بعدَ الدفنِ.\nوحديثُ ابن عمرَ يخالفُه، وجُمِعَ بينَهما بأنَّ المرادَ مِنْ قولهِ في حديثِ ابن عمرَ فأعطاهُ أي: أنعمَ لهُ بذلكَ فأطلقَ على العدةِ اسمُ العطيةِ مجازًا لتحقّقِ وقوعِها، وكذا قولُه في حديثِ جابرٍ: \"بعدَ ما دفنَ\" أي: دُلِّيَ في حفرتهِ، أوْ أن المرادَ من حديثِ جابرٍ أن الواقعَ بعدَ إخراجهِ من حفرتهِ هوَ النفثُ، وأمّا القميصُ فقد كانَ أُلبسَ والجمعُ بينَهما لا يدلُّ على وقوعِهما معًا؛ لأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ ولا المعيَّةَ، فلعلَّهُ أرادَ أنْ يذكرَ ما وقعَ في الجملةِ من إكرامهِ - ﷺ - من غيرِ إرادةِ الترتيبِ، وقيلَ: إنّه - ﷺ - أعطاهُ أحدَ قميصَيْه أولًا، [ثم] (^٢) لما دفنَ أعطاهُ الثاني بسؤالِ ولدِهِ.\nوفي \"الإكليلِ\" للحاكمِ (^٣) ما يؤيّدُ ذلكَ، واعلمْ أنهُ إنَّما أعطيَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ اللَّهِ بن أُبيٍّ لأنهُ كانَ رجلًا صالحًا، ولأنه سألهُ ذلكَ وكانَ لا يردُّ سائلًا، وإلَّا فإنَّ أباهُ الذي ألبسَه قميصَهُ - ﷺ - وكفّنَ فيهِ من أعظم المنافقينَ، وماتَ على نفاقهِ، وأنزلَ اللَّهُ فيهِ: ﴿وَلَا تصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبدًا﴾ (^٤)، وقيلَ: إنَّما كساهُ - ﷺ - قميصَه لأنَّه [كان] (^٥) كسا العباسَ لما أسر ببدرٍ، فأرادَ - ﷺ - أن يكافئَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-604>يُسن التكفين في الثياب البيض</span>\n١٥/ ٥١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٨ رقم ١٢٧٠).\n(^٢) في (ب): \"و\".\n(^٣) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٣٩).\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٨٤.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) أحمد (٥/ ٣٤٢٨ رقم ٣٤٢٦ - شاكر)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤)،=","vol":"3","page":267},{"text":"(وعن ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبي ﷺ قالَ: البسُوا من ثيابِكمُ البياض، فإنَّها من خيرِ ثيابكم وكفِّنُوا فيها موتَاكم. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، وصحَّحهُ الترمذيُّ). تقدَّمَ (^١) حديثُ البخاري عن عائشةَ: \"أنهُ ﷺ كُفِّنَ في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ\".\nوظاهرُ الأمرِ أنهُ يجبُ التكفينُ في الثيابِ البيضِ، ويجبُ لبسُها إلَّا أنهُ صرفَ الأمرَ عنهُ في اللبسِ أنهُ قد ثبتَ عنهُ - ﷺ - أنهُ لبسَ غيرَ الأبيضِ، وأمَّا التكفينُ فالظاهرُ أنهُ لا صارفَ عنهُ إلَّا أنْ لا يوجدَ الأبيضُ كما وقعَ في تكفينِ شهداءِ أحدٍ، فإنهُ [ﷺ كَفَّنَ جماعةً في نمرةٍ واحدةٍ كما (^٢) يأتي] (^٣)؛ فإنهُ لا بأسَ بهِ للضرورةِ، وأمّا ما رواهُ ابنُ عديٍّ (^٤) من حديثِ ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - كُفِّنَ في قطيفةٍ حمراءَ\"، ففيهِ قيسُ بنُ الربيعِ وهوَ ضعيفٌ (^٥). [ولعلّهُ] (^٦) اشتبهَ عليهِ بحديثِ: \"أنهُ جعلَ في قبرهِ قطيفةً حمراءَ\" (^٧)، وكذلكَ ما قيلَ: إنهُ كُفِّنَ في بردٍ حبرةٍ. وتقدمَ الكلامُ أنهُ إنَّما سُجِّيَ بها (^٨) ثمَّ نزعتْ عنهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-605>أفضل الثياب في الكفن</span>\n١٦/ ٥١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلْيحْسِنْ كفَنَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٩). [صحيح]\n(وعن جابر ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: إذا كَفَّنَ أحدُكم أخاهُ فليُحسنْ كَفَنَهُ.\n_________\n= وابن ماجه (٣٥٦٦).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٠٧ رقم ٥٧٣)، والبيهقي (٣/ ٢٤٥)، وصحَّحه ابن حبان في \"الموارد\" (رقم ١٣٣٩)، والحاكم (١/ ٣٥٤) ووافقه الذهبي.\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) رقم (١٣/ ٥١٢).\n(^٢) رقم (١٧/ ٥١٦).\n(^٣) الزيادة من المطبوع وليس في (أ) أو (ب).\n(^٤) في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٦٨).\n(^٥) قال ابن عدي: لا بأس به.\n(^٦) في (ب): \"وكأنه\".\n(^٧) أخرجه مسلم (٩١/ ٩٦٧).\n(^٨) رقم (٧/ ٥٠٦).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥١ رقم ٩٤٣).","vol":"3","page":268},{"text":"رَوَاهُ مُسلمٌ)، ورواهُ الترمذيُّ (^١) أيضًا من حديثِ أبي قتادةَ وقالَ: حسنٌ غريبٌ، ثمَّ قالَ ابنُ المباركِ (^٢): قالَ سَلَّامُ بنُ أبي مُطِيعٍ قولُهُ: \"فليُحسن كفَنُه\"، قالَ: هوَ الضَّفَاءُ بالضادِ المعجمةِ والفاءِ، أي: الواسعُ الفائضُ، وفي الأمر بإحسانِ الكفنِ دلالةٌ على اختيارِ ما كان أحسنَ في الذاتِ، وفي صفةِ الثوبِ، وفي كيفيةِ وضعِ الثيابِ على الميّتِ.\nفأمّا حسنُ الذاتِ فينبغي أنْ يكونَ على وجهٍ لا يعدُّ منَ المغالاةِ كما سيأتي النهيُ [عنهُ] (^٣)، وأما صفةُ الثوب فقد بيَّنها حديثُ ابن عباسٍ الذي قبل هذا (^٤)، وأمّا كيفيةُ وضع الثيابِ على الميتِ، فقد بيِّنت فيما سلفَ. وقد وردتْ أحاديثُ في إحسانِ الكفنِ وذكرتْ فيها علّةُ ذلكَ.\nأخرجَ الديلميُّ (^٥) عن جابرٍ مرفوعًا: \"أحْسِنُوا كفنَ موتاكم، فإنَّهم يتباهونَ ويتزاورونَ بها في قبورِهم\"، وأخرجَ أيضًا (^٦) من حديثِ أمِّ سلمةَ: \"أحسنُوا الكفنَ ولا تؤذُوا موتاكم بعويلٍ، ولا بتزكيةٍ، ولا بتأخيرِ وصيةٍ، ولا بقطيعةٍ، وعجِّلُوا بقضاءِ دينهِ، واعدلُوا عن جيرانِ السوءِ، واعمقُوا إذا حفرتمْ ووسِّعُوا\".\nومنَ الإحسانِ إلى الميتِ ما أخرجَهُ أحمدُ (^٧) من حديثِ عائشةَ عنهُ - ﷺ -: \" [و] (^٨) مَنْ غَسَّلَ ميتًا فأدَّى فيهِ الأمانةَ ولم يفشِ عليهِ ما يكونُ منهُ عندَ ذلكَ خرجَ من ذنوبهِ كيومِ ولدتْهُ أُمُّهُ\". وقالَ - ﷺ -: \"لِيَلِهِ أقربُكم إنْ كانَ يعلمُ فإنْ لم [يكن] (٨) يعلمُ، فَمَنْ ترونَ عندَه حظًا من ورع وأمانةٍ\"، رواهُ أحمدُ (^٩). وأخرجَ الشيخان (^١٠) من حديثِ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ سترَ مسلمًا سترهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ\"، وأخرجَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ (^١١) من حديثِ أُبي بن كعبِ: \"أن آدمَ عليهِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٣٢٠ رقم ٩٩٥).\n(^٢) ذكره الترمذي في \"السنن\" (٣/ ٣٢١).\n(^٣) في (أ): \"عنها\".\n(^٤) رقم (١٥/ ٥١٤).\n(^٥) في \"الفردوس\" (١/ ٩٨ رقم ٣١٧) بدون سند. وانظر: \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٣٧٣ رقم ٣٢).\n(^٦) في \"الفردوس\" (١/ ٩٨ رقم ٣١٨) بدون سند.\n(^٧) في \"المسند\" (٦/ ١١٩ - ١٢٠) وفي إسناده جابر الجعفي ضعيف.\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في \"المسند\" (٦/ ١١٩ - ١٢٠) وفي إسناده جابر الجعفي ضعيف.\n(^١٠) البخاري (رقم ٢٣١٠ - البغا)، ومسلم (٢٥٨٠).\n(^١١) في \"الفتح الرباني\" (٧/ ١٥٤ رقم ١١٣). =","vol":"3","page":269},{"text":"السلامُ قبضتْهُ الملائكةُ وغسَّلوهُ، وكفَّنوهُ، وحنّطوهُ، وحفرُوا لهُ، وألحدُوهُ، وصلَّوا عليهِ، ودخلُوا قبرهُ، ووضعُوا عليهِ اللَّبِنَ، ثمَّ خرجُوا منَ القبرِ، ثمَّ حَثَوْا عليهِ الترابَ، ثمَّ قالُوا: يا بني آدمَ هذا سنَّتكُمْ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-606>دفنُ أكثرَ من واحدٍ في قبرٍ ومن يقدَّم؟</span>\n١٧/ ٥١٦ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: \"أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ \" فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: عن جابرٍ: (كانَ النبيُّ ﷺ يجمعُ بينَ الرجلينِ من قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ ثمَّ يقوله: (أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآنِ) فيقدِّمُهُ في اللَّحدِ). سمِّي لحدًا لأنهُ شِقٌّ يعملُ في جانبِ القبرِ، فيميلُ عن وسطهِ. والإلحادُ لغةً: الميلُ، (ولا يغسَّلوا ولا يصلَّ عليهمْ. رواهُ البخاريُّ)، دلَّ على أحكامٍ:\nالأول: أنه يجوزُ جمعُ الميِّتَينِ في ثوبٍ واحدٍ للضرورةِ، وهوَ أحدُ الاحتمالينِ.\nوالثاني: أن المرادَ يقطعهُ بينَهما، ويكفنُ كلَّ واحدٍ على حيالَهَ، إلى هذا ذهبَ الأكثرونَ. بل قيلَ: إنَّ الظاهرَ أنهُ ولم يقلْ بالاحتمالِ الأولِ أحدٌ؛ فإنَّ فيهِ التقاءَ بَشَرَتَي الميِّتَينِ. ولا يخْفَى أن قولَ جابرٍ [في تمامِ\n_________\n= قلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥) وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وهو من النوع الذي لا يوجد للتابعي إلّا الراوي الواحد، فمن عتيّ بن ضمرة السعدي ليس له راوٍ غير الحسن، وعندي أن الشيخين علّلاه بعلّة أخرى وهو أنه روي عن الحسن عن أبي بن كعب - دون ذكر عتيّ\" اهـ.\nوقال الذهبي: لم يخرجاه لأن عتيّ بن ضمرة لم يرو عنه غير الحسن وله علّة.\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٠٩ رقم ١٣٤٣) وأطرافه رقم (١٣٤٥) ورقم (١٣٤٦) ورقم (١٣٤٧) ورقم (١٣٤٨) ورقم ١٣٥٣ ورقم (٤٠٧٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٣٨)، والترمذي (١٠٣٦)، وابن ماجه (١٥١٥) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"3","page":270},{"text":"الحديثِ] (١): \"فكُفِّنَ أبي وعمي في نَمِرةٍ واحدةٍ\"، دليل على الاحتمالِ الأولِ. وأمّا الشارحُ ﵀ فقالَ: الظاهرُ الاحتمالُ الثاني؛ [فإنه أولى فإن في تقطيع الثياب بينهما، وتقديم ستر العورة، وأينما بلغ فيما زاد عليه] (^١) كما فعلَ في حمزةَ - ﵁ -.\nقلتُ: حديثُ جابرٍ أوضحُ في عدمِ تقطيعِ [الثياب] (^٢) بينَهما، فيكونُ أحدُ الجائزينِ، والتقطيعُ جائزٌ على الأصلِ.\nالحكم الثاني: أنهُ دلَّ على أنهُ يقدمُ الأكثرُ أخذًا للقرآنِ على غيرهِ لفضيلةِ القرآنِ، ويقاسُ عليهِ سائرُ جهاتِ الفضلِ إذا جُمِعُوا في اللَّحدِ.\nالحكمُ الثالثُ: [جواز] (^٣) جمعِ جماعةٍ في قبرٍ وكأنهُ للضرورةِ. وبوّبَ البخاريُّ بابُ (دفنِ الرجلينِ والثلاثةِ في قبرٍ) (^٤). وأوردَ فيهِ حديثَ جابرٍ هذا وإنْ كانت روايةُ جابرٍ في الرجلينِ، فقد وقعَ ذكرُ الثلاثةِ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (^٥): كانَ يدفنُ الرجلينِ والثلاثةَ في [القبر الواحد] (^٦). ورَوَى أصحابُ السننِ (^٧) عن هشامِ بن عامرٍ الأنصاريِّ: \"قالَ: جاءتِ الأنصارُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ فقالُوا: أصابَنا قرحٌ وجهدٌ، فقالَ: \"حفرُوا، وأوسعُوا، واجعلُوا الرجلينِ والثلاثةَ في قبرٍ\"، صحَّحهُ الترمذيُّ، ومثلُه المرأتانِ والثلاثُ.\nوأمّا دفنُ الرجلِ والمرأةِ في القبرِ الواحدِ فقد رَوَى عبدُ الرزاقِ (^٨) بإسنادٍ حسنِ عن واثلةَ بن الأسقعِ أنهُ كان يدفنُ الرجلُ والمرأةُ في القبرِ الواحدِ، فيقدّمُ الرجلُ وتجعلُ المرأةُ وراءَهُ، وكأنهُ [كانَ] (٣) يجعلُ بينَهما حائلًا من ترابٍ.\nالحكمُ الرابعُ: أنهُ لا يغسَّلُ الشهيدُ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. ولأهلِ المذهبِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"الثوب\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) الباب رقم (٧٣): (٣/ ٢١١).\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥ رقم ٦٣٧٩) عن جابر.\n(^٦) في (ب): \"قبر واحد\".\n(^٧) أبو داود (٣٢١٥)، الترمذي (١٧١٣)، والنسائي (٤/ ٨٠ - ٨١ رقم ٢٠١١)، وابن ماجه (١٥٦٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٩، ٢٠)، والبيهقي (٤/ ٣٤) وسندُهُ صحيح.\nوصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٩٤ - ١٩٥ رقم ٧٤٣).\n(^٨) في \"المصنف\" (٣/ ٤٧٤ رقم ٦٣٧٨) بسند حسن.","vol":"3","page":271},{"text":"تفاصيلُ في ذلك. ورُوِيَ عن سعيدٍ بن المسيبِ (^١)، والحسنِ (^٢)، وابنِ شُرَيْحٍ أنهُ يجبُ غسلُه، والحديثُ حجةٌ عليهمْ. وقد أخرجَ أحمدُ (^٣) من حديثِ جابرٍ أنهُ ﷺ قالَ في قتلى أُحُدٍ: \"لا تُغَسِّلُوهُمْ فإنَّ كلَّ جُرْحٍ أو كلَّ دمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يومَ القِيامةِ\"، فبيّنَ الحكمةَ في ذلكَ.\nالحكم الخامسُ: عدمُ الصلاةِ على الشهيدِ، وفي ذلكَ خلافٌ بينَ العلماءِ معروفٌ، فقالتْ طائفةٌ: يصلَّى عليهِ عملًا بعمومِ أدلةِ الصلاةِ على الميتِ، وبأنهُ [رُوي أنهُ] (^٤) - ﷺ - صلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ (^٥)، وكبَّرَ على [الحمزة] (^٦) سبعينَ تكبيرةً، وبأنهُ رَوَى البخاريُّ (^٧) عن عقبة بن عامرٍ: \"أنهُ ﷺ صلَّى على قَتْلَى أُحدٍ\"، وقالتْ طائفة: لا يصلَّى عليهِ عملًا بروايةِ جابرٍ هذهِ. قالَ الشافعيُّ: جاءتِ الأخبارُ كأنها عيانٌ من وجوهٍ متواترةٍ: \" [أن النبيَّ] (^٨) ﷺ لم يصلِّ على قَتْلَى أُحُدٍ\"، وما رُوِيَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٥٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٤٥ رقم ٦٦٥٠).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٥٣) من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب والحسن، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٥٤٥ رقم ٦٦٥٠).\n(^٣) في \"الفتح الرباني\" (٧/ ١٥٩ رقم ١١٩).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أخرج الحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) عن جابر وفيه: \"ثم جيء بحمزة فصلّى عليه، ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلّي عليهم ثم ترفع ويترك حمزة حتى صلّى على الشهداء كلهم … \" قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: أبو حماد هو المفضل بن صدقة، قال النَّسَائِي: متروك.\nقلت: وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٤٠٤ - ٢٤٠٥): \"وما أرى بحديثه بأسًا\".\nوفي الباب عن ابن مسعود أخرجه أحمد (١/ ٤٦٣).\nوعن ابن عباس أخرجه ابن ماجه (رقم ١٥١٣)، والدارقطني (٢/ ٤٧٤)، والحاكم (٣/ ١٩٨)، والبيهقي (٤/ ١٢) وغيرهم.\nوعن عبد الله بن الزبير أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥٠٣) بسند حسن، والخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٦) في (ب): \"حمزة\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٠٩ رقم ١٣٤٤) وأطرافه رقم (٣٥٩٦) ورقم (٤٠٤٢) ورقم (٤٠٨٥) ورقم ٦٤٢٦ ورقم ٦٥٩٠. قلت: وأخرجه مسلم (٢٢٩٦)، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائي (٤/ ٦١ - ٦٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم ٣٨٢٣) من طرق عنه.\n(^٨) في (أ): \"أنه\".","vol":"3","page":272},{"text":"أنهُ ﷺ صلَّى عليهمْ وكبَّرَ على حمزة - ﵁ - سبعينَ تكبيرةً لا يصحُّ، وقدْ كانَ ينبغي لمن عارضَ بذلكَ هذهِ الأحاديثَ الصحيحةَ أنْ يستحيَ على نفسهِ.\nوأمّا حديثُ عقبةَ بن عامرٍ فقد وقعَ في نفسِ الحديثِ أن ذلكَ كانَ بعدَ ثماني سنينَ، يعني والمخالفُ يقولُ: لا يُصَلَّى على القبرِ إذا طالتِ المدةُ، فلا يتمُّ لهُ الاستدلالُ، وكأنهُ - ﷺ - دعا لهمْ واستغفرَ لهمْ حينَ علمَ قربَ أجلهِ مودِّعًا بذلكَ، ولا يدلُّ على نسخِ الحكمِ الثابتِ، انتهَى.\nويؤيّدُ كونَه دعا [لهمُ] (^١) عدمُ الجمعيةِ بأصحابهِ؛ إذ لو كانتْ صلاةُ الجنازةِ لأشعرَ أصحابَه وصلَّاها جماعة كما فعلَ في صلاتهِ على النجاشيِّ، فإنَّ الجماعةَ أفضلُ قطعًا، وأهلُ أُحُدٍ أوْلى الناسِ بالأفضلِ، ولأنهُ لم يرد عنهُ أنهُ صلَّى على قبرٍ فُرادَى. وحديثُ عقبةَ أخرجهُ البخاريُّ بلفظِ: \"أنهُ - ﷺ - صلَّى على قَتْلَى أُحُدٍ بعد ثماني سنينَ\". زادَ ابنُ حبانَ (^٢): \"ولم يخرجْ من بيتهِ حتَّى قبضَهُ اللَّهُ تعالى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-607>النهي عن المغالاة في الكفن</span>\n١٨/ ٥١٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: \"لَا تَغَالُوا فِي الكفَنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣). [ضعيف]\n(وعن عليٍّ ﵇: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: لا تَغالُوا في الكفنِ، فإنهُ يُسْلَبُ سريعًا. رواهُ أبو داودَ) من روايةِ الشعبيِّ عن عليٍّ ﵇، وفي إسنادهِ عمرُو بنُ هشامٍ الجَنْبيِّ، بفتحِ الجيمِ، فنونٍ ساكنةٍ فموحدةٍ مُخْتَلَفٌ فيهِ، وفيهِ انقطاعٌ بينَ الشعبيِّ وعليٍّ؛ لأنهُ قالَ الدارقطنيُّ (^٤): إنهُ لم يسمعْ منهُ سوى حديثٍ واحدٍ، وفيهِ دلالةٌ على المنعِ منَ المغالاةِ في الكفنِ، وهي زيادةُ الثمنِ.\nوقولُهُ: \"فإنهُ يسلبُ سريعًا\"؛ كأنهُ إشارةٌ إلى أنهُ سريعُ البِلَى والذهابِ كما في حديثِ عائشةَ: أن أبا بكرٍ نظرَ إلى ثوبٍ عليه كان يمرَّضُ فيه، به ردعٌ من\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٧/ ٤٧٤ رقم ٣١٩٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٠٨ رقم ٣١٥٤) وفي سنده أبو مالك عمرو بن هاشم الجَنْبي وهو ليِّن الحديث. وضعَّف الألباني الحديث في ضعيف أبي داود.\n(^٤) وانظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص ١٥٩ - ١٦٠).","vol":"3","page":273},{"text":"زعفران، وقال: \"اغسلُوا ثوبي هذا، وزيدُوا عليهِ ثوبينِ، وكفّنوني فيها. قلتُ: إنَّ هذا خَلِقَ، قالَ: إنَّ الحيَّ أحقُّ بالجديدِ منَ الميتِ، إنَّما هوَ للمُهلةِ\"، ذكرهُ البخاريُّ مختصرًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-608>غسل أحد الزوجين الآخر</span>\n١٩/ ٥١٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: \"لَوْ مُتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُكِ\" الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعن عائشةَ ﵂ أن النبي ﷺ قالَ لها: لو متِّ قبلي لغسلتُكِ. الحديثَ، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَهْ، وصحَّحهُ ابن حبانَ). فيهِ دلالةٌ على أن للرجلِ أن يغسِّلَ زوجتَهُ وهو قولُ الجمهورِ. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يغسِّلُها بخلافِ العكسِ لارتفاعِ النكاحِ، ولا عدةَ عليهِ.\nوالحديثُ يردُّ قولَهُ هذا في الزوجينِ. وأمّا في الأجانبِ، فإنهُ أخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (^٥) من حديثِ أبي بكرٍ بن عياشٍ عن محمدِ بن أبي سهلٍ، عن مكحولٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"إذا ماتتِ المرأةُ معَ الرجالِ ليسَ فيهمُ امرأةٌ غيرُها، والرجلُ معَ النساءِ ليسَ معهنَّ رجلٌ غيرُهُ؛ فإنَّهما يُيَمَّمَانِ ويدفَنَانِ، وهما بمنزلةِ مَنْ لا يجدُ الماءَ\"، انتهى. محمدُ بنُ أبي سهلٍ هذا ذكرهُ ابنُ حبانَ في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٥٢ رقم ١٣٨٧).\n• قال أبو عُبيد: المُهلُ: الصديدُ والقيحُ، ورُوي بلا هاءٍ، وبالهاء صحيح فصيح، وبعضهم يكسِرُ الميم، فيقول للمِهلة.\n(^٢) في \"المسند\" (٦/ ٢٢٨).\n(^٣) في \"السنن\" (١/ ٤٧٠ رقم ١٤٦٥).\n(^٤) في \"الإحسان\" (١٤/ ٥٥١ رقم ٦٥٨٦).\nقلت: وأخرجه الدارمي (١/ ٣٧ - ٣٨)، والدارقطني (٢/ ٧٤ رقم ١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٩٦)، وفي \"الدلائل\" (٧/ ١٦٨، ١٦٨ - ١٦٩) وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو صدوق وقد صرّح بالتحديث في رواية البيهقي في \"الدلائل\"، فانتفت شبهة تدليسه، قلت: ولم ينفرد به فقد تابعه عليه صالح بن كيسان، وأصل الحديث في البخاري (١٠/ ١٢٣ رقم ٥٦٦٦).\n(^٥) (ص ٢٩٨ رقم ٤١٤) موضوع. وانظر: كلام الشيخ شعيب عليه.","vol":"3","page":274},{"text":"الثقاتِ (^١). وقالَ البخاريُّ (^٢): لا يتابعُ على حديثهِ.\nوعن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"لا تبرزْ فَخِذَكَ ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ ولا ميّتٍ\"، رواهُ أبو داودَ (^٣)، وابنُ ماجَهْ (^٤)، وفي إسناده اختلافٌ.\n٢٠/ ٥١٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ - ﵂ -: أَنَّ فَاطِمَةَ - ﵂ - أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِي - ﵁ -. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (^٥). [صحيح]\n(وعن أسماءَ بنت عُمَيْسٍ - ﵂ - أن فاطمةَ - ﵂ - أوصتْ أن يغسِّلَها عليٌّ ﵇. رواهُ الدارقطنيُّ). هذا يدلُّ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ. وأمّا غسلُ المرأةِ زوجَها فيستدلُّ لهُ بما أخرجهُ أبو داودَ (^٦) عن عائشةَ: \"أنَّها قالتْ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ غيرُ نسائهِ\"، وصحَّحهُ الحاكمُ وإنْ كان قولَ صحابيةٍ، وكذلكَ حديثُ فاطمةَ فهو يدلُّ على أنهُ كانَ أمرًا معروفًا في حياتهِ ﷺ، ويؤيُّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ (^٧): \"من أنَّ أبا بكرٍ أوصَى امرأتَه\n_________\n(^١) (٧/ ٤٠٨).\n(^٢) في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٠٩ رقم ٣٠٩).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٣٠٣ رقم ٤٠١٥).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٦٩ رقم ١٤٦٠).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٤/ ١٨٠ - ١٨١)، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ٢٧٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٤) بنحوه، والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٢٢٥)، والبيهقي في \"سننه\" (٢/ ٢٢٨) وسنده ضعيف جدًّا، وضعفه أبو حاتم وأبو داود وابن حجر وغيرهم. وانظر: \"التلخيص\" (١/ ٢٧٨ رقم ٤٣٨). والخلاصة: فالحديث ضعيف.\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٧٩ رقم ١٢) قال الشوكاني: \"سنده حسن، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء، فكان إجماعًا سكوتيًا … \"، وانظر: \"التعليق المغني\".\n(^٦) تقدم تخريجه في \"شرح الحديث\" (١١/ ٥١٠).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٩٧) بسند واهٍ جدًّا.\n• وأخرج مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٢٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (رقم ٦١٢٣) من حديث عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصدِّيق حين توفي، ثم خرجت، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا.\n• وأخرج عبد الرزاق (رقم ٦١١٧) عن ابن أبي مليكة أن امرأة أبي بكر غسلته حين توفي أوصى بذلك.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف. انظر: \"الإرواء\" (رقم ٦٩٦).","vol":"3","page":275},{"text":"أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أن تغسلَهُ، واستعانتْ بعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ لضعفِها عن ذلكَ، ولم ينكرْهُ أحدٌ\"، وهوَ قولُ الجمهورِ.\nوالخلافُ فيهِ لأحمدَ بن حنبل قالَ: لارتفاعِ النكاحِ كذا في الشرحِ، والذي في دليلِ المطالبِ من كتبِ الحنابلةِ ما لفظُهُ: وللرجلِ أنْ يغسلَ زوجتَهُ وأمتَهُ وبنتًا دونَ سبعٍ، وللمرأة غسلُ زوجِها وسيِّدِها وابنٍ دونَ سبعٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-609>الصلاة على المقتول في حدٍّ</span>\n٢١/ ٥٢٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا - قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعن بُريدةَ في قصةِ الغامدية) [بالغينِ المعجمة، وبعدَ الميمِ دالٌ مهملةٌ، نسبةً إلى غامدٍ. وتأتي قصتُها في الحدودِ (التي أمرَ النبيُّ - ﷺ - برجمِها] في الزنى قالَ: ثمَّ أمرَ بها فصلِّيَ عليها ودفنتْ. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دليلٌ على أنهُ يُصلَّى على مَنْ قُتِلَ بحدٍّ، وليسَ فيهِ أنهُ ﷺ الذي صلَّى عليها. وقد قالَ مالكٌ: إنهُ لا يصلِّي الإمامُ على مقتولٍ في حدٍّ؛ لأنَّ الفضلاء لا يصلُّونَ على الفسَّاقِ زجرًا لهمْ.\nقلتُ: كذا في الشرحِ، لكنْ قد قالَ - ﷺ - في الغامديةِ: \"إنَّها تابتْ توبةً لو قسمتْ بينَ أهلِ المدينةِ لوسعتْهم\"، أو نحوَ هذا اللفظِ. وللعلماءِ خلافٌ في الصلاةِ على الفسَّاقِ، وعلى مَنْ قُتِلَ في حدٍّ، وعلى المحاربِ، وعلى ولدِ الزنى. وقالَ ابنُ العربيّ: مذهبُ العلماءِ كافةُ الصلاةُ على كلِّ مسلمٍ، ومحدودٍ، ومرجومٍ، وقاتلِ نفسهِ، وولدِ الزنى. وقد وردَ في قاتلِ نفسهِ الحديثُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-610>الصلاة على قاتل نفسه</span>\n٢٢/ ٥٢١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٢٣) رقم (٢٣/ ١٦٩٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٧٢ رقم ٩٧٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٠٦٨)، والنسائي (٤/ ٦٦ رقم ١٩٦٤).","vol":"3","page":276},{"text":"(وعن جابرِ بن سمْرةَ قالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قَتَلَ نفسَه بمشاقصَ فلم يصلِّ عليهِ. رواهُ مسلمٌ). المشاقصُ جمعُ مشقصٍ، وهو نصلٌ عريضٌ.\nقالَ الخطابي: وتركُ الصلاةِ عليهِ معناهُ العقوبةُ لهُ [وردعٌ] (^١) لغيرهِ عن مثلِ فعلهِ، وقدِ اختلفَ الناسُ في هذا. وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لا يَرَى الصلاةَ على مَنْ قتلَ نفسَه، وكذلكَ قالَ الأوزاعيُّ. وقالَ أكثرُ الفقهاءِ: يصلَّى عليهِ، انتهَى. وقالُوا في هذا الحديثِ: إنهُ صلَّى عليهِ الصحابةُ، قالُوا: وهذا كما تركَ النبيُّ ﷺ الصلاةَ على مَنْ ماتَ وعليهِ دينٌ أولَ الأمرِ، وأمرَهمْ بالصلاةِ على صاحبهم (^٢). قلت: إنْ ثبتَ نقلُ أنهُ أمرَ - ﷺ - أصحابَهُ بالصلاةِ على [من قتل] (^٣) نفسهُ، تَمَّ هذا القولُ، وإلَّا فرأيُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ أوفقُ بالحديثِ، إلَّا أن في روايةٍ للنسائيِّ (^٤): \"أما أنا فلا أصلِّي عليهِ\"، فربما أخذَ منها أن غيرَه صلَّى عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-611>الصلاة على قبر الميت بعد دفنه</span>\n٢٣/ ٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَسأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: \"دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا\" فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، وَزَادَ مُسْلِمٌ (^٦)، ثُمَّ قَالَ: \"إِن هذِهِ الْقبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاِتي عَلَيهِمْ\". [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"وردعًا\".\n(^٢) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٣٧١)، ومسلم (١٤/ ١٦١٩). عن أبي هريرة ﵁: \"أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يُؤتى بالرجل المتوفى عليه الدَّين، فيسألُ هل تركَ لدَيْنِهِ فضلًا؟ فإنْ حُدِّثَ أنه تركَ وفاءً صلّى، وإلّا قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم. فلما فتحَ اللَّهُ عليه الفتوحَ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنْفُسِهم، فمن تُوفّيَ من المؤمنين فترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن تركَ مالًا فلوِرَثَتِهِ\".\n(^٣) في (ب): \"قاتل\".\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٦٦ رقم ١٩٦٤).\n(^٥) البخاري (١٣٣٧)، ومسلم (٩٥٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٠٣)، وابن ماجه (١٥٢٧)، وأحمد (٢/ ٣٥٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٤٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٩ رقم ٧١/ ٩٥٦).","vol":"3","page":277},{"text":"(وعن أبي هريرةَ - ﵁ - في قصةِ المرأةِ التي كانتْ تَقمُّ المسجدَ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ أي: تخرجُ القُمامةَ منهُ وهي الكُناسةُ، (فسألَ عنها النبيُّ ﷺ فقالُوا: ماتتْ، فقالَ: أفلا كنتمْ آذنتمونِي، فكأنَّهم صغَّرُوا أمرَها فقالَ: دلُّوني على قبرها) أي: بعدَ قولِهم في جوابِ سؤالهِ إنَّها ماتتْ (فدلُّوهُ [فصلَّى عليها] (^١). متفقٌ عليه، وزادَ مسلمٌ) أي: من روايةِ أبي هريرةَ (ثمَّ قالَ) أي: النبيُّ ﷺ (إنَّ هذهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن اللَّهَ ينوِّرُها [لهم] (^٢) بصلاتي عليهم). وهذه الزيادةُ لم يخرجْها البخاريُّ؛ لأنَّها مدرجةٌ من مراسيلِ ثابتٍ كما قالَ أحمدُ.\nهذا والمصنفُ جزمَ أن القصةَ كانتْ معَ امرأةٍ، وفي البخاريِّ: أن رجلًا أسودَ أو امرأة سوداءَ، بالشكِّ من ثابتٍ الراوي، لكنهُ صرَّح في روايةٍ أُخْرَى في البخاريِّ عن ثابتٍ قالَ: \"ولا أراهُ إلا امرأةً\". وبهِ جزمَ ابنُ خزيمةَ من طريقٍ أُخْرَى عن أبي هريرةَ فقالَ: \"امرأةٌ سوداءُ\". ورواهُ البيهقيُّ أيضًا بإسنادٍ حسنٍ، وسمَّاها أمَّ محجنٍ، وأفادَ أن الذي أجابهُ - ﷺ - عن سؤالهِ هوَ أبو بكرٍ، وفي البخاري عوضُ \"فسألَ عنها\"، فقالَ: (\"ما فعلَ ذلكَ الإنسانُ قالُوا: ماتَ يا رسولَ اللَّهِ\" الحديثَ.\nوالحديثُ دليلٌ على صحةِ الصلاةِ على الميتِ بعدَ دفنهِ مطلقًا، سواءٌ صُلِّيَ عليهِ قبلَ الدفنِ أمْ لا. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ. ويدلُّ لهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على البراءِ بن معرورٍ (^٣)؛ فإنهُ ماتَ والنبيُّ - ﷺ - بمكّةَ، فلمَّا قدمَ صلَّى على قبرهِ، وكانَ ذلكَ بعدَ شهرٍ من وفاتِهِ. ويدلُّ لَهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على الغلامِ الأنصاري الذي دُفِنَ ليلًا ولم يُشْعَرْ - ﷺ - بموتهِ. أخرجهُ البخاريُّ (^٤). ويدلُّ له أيضًا أحاديثُ وردتْ\n_________\n(^١) في (أ): \"فصلّى على قبرها\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤٩).\n• والبراء بن معرور بن صخر بن الخنساء بن سنان، السيد النقيب، أو بشْر الأنصاري الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة وأوَّل من بايع ليلة العقبة الأولى وكان فاضلًا، تقيًّا، فقيه النفس. مات في صفر قبل قدوم رسول الله - ﷺ - المدينة بشهر. \"أسد الغابة\" (١/ ٢٠٧)، و\"الإصابة\" (١/ ١٤٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٨٩ رقم ١٣٢١) من حديث ابن عباس.","vol":"3","page":278},{"text":"في البابِ عن تسعةٍ منَ الصحابةِ (^١)، أشارَ إليها في الشرحِ.\nوذهبَ أبو طالبٍ تحصيلًا لمذهبِ الهادي إلى أنهُ لا صلاةَ على القبرِ، واستدلَّ لهُ في البحرِ (^٢) بحديثٍ لا يَقْوى على معارضةِ أحاديثِ المثبتينَ [لما] (^٣) عرفتَ من صحَّتِها وكثرتِها. واختلفَ القائلونَ بالصلاةِ على القبرِ في المدةِ التي تشرعُ فيها الصلاةُ، فقيلَ: إلى شهرٍ بعدَ دفنهِ، وقيلَ: إلى أن يَبْلَى الميتُ؛ لأنهُ إذا بُلِيَ لم يبقَ ما يُصلّى عليهِ، وقيل: أبدًا؛ لأنَّ المرادَ منَ الصلاةِ عليهِ الدعاءُ وهوَ جائزٌ في كلِّ وقتٍ.\nقلتُ: هذا هوَ الحقُّ إذْ لا دليلَ على التحديدِ بمدةٍ. وأمّا القولُ بأنَّ الصلاةَ على القبرِ من خصائصهِ - ﷺ - فلا [تنهض] (^٤)؛ لأنَّ دعوى الخصوصيةِ خلافُ الأصلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-612>النهي عن النَّعْيِ كما في الجاهلية</span>\n٢٤/ ٥٢٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥)، وَالتِّرْمِذيُّ وَحَسَّنَهُ (^٦). [حسن]\n(وعن حذيفةَ - ﵁ - أن النبيَّ ﷺ كان يَنْهى عن النعي) في القاموس (^٧): نعاهُ لهُ نعيًا أو نعيانًا أخبرَهُ بموتهِ. (رواهُ أحمدُ والترمذيّ وحسَّنهُ). وكأنَ صيغةَ النهي [هي] (^٨) ما أخرجهُ الترمذيُّ (^٩) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ عنهُ ﷺ: \"إياكمُ والنعيَ؛ فإنَّ النعيَ منْ عملِ الجاهليةِ\"، فإنَّ صيغةَ التحذيرِ في معنَى النَّهي.\n_________\n(^١) وهم: ابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، ويزيد بن ثابت، وعامر بن ربيعة، وجابر، وبريدة، وأبو سعيد، وأبو أمامة بن سهل.\nانظر تخريجها في: \"الإرواء\" (٣/ ١٨٣ - ١٨٦) وفي كتابنا \"إرشاد الأمة\" جزء الصلاة.\n(^٢) \"الزخار\" (٢/ ١١٧).\n(^٣) في (أ): \"كما\".\n(^٤) في (ب): \"ينهض\".\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ٤٠٦).\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٣١٣ رقم ٩٨٦)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٤٧٤ رقم ١٤٧٦)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٧٤)، وأخرج المرفوع منه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\nوإسناده حسن كما قال الحافظ في \"الفتح\".\nوالخلاصة: فالحديث حسن، والله أعلم.\n(^٧) \"المحيط\" (ص ١٧٢٦).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) في \"السنن\" (٣/ ٣١٢ رقم ٩٨٤)، وقال: حديث حسن غريب.","vol":"3","page":279},{"text":"وأخرجَ (^١) حديثَ حذيفةَ. وفيه قصةٌ؛ فإنهُ ساقَ سندَه إلى حذيفةَ أنهُ قالَ لمنْ حضرَهُ: \"إذا متُّ فلا [يؤذنُ أحدٌ] (^٢)؛ فإني أخافُ أن يكون نعيًا؛ إني سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينْهى عن النعي\"، هذا لفظه ولمْ يحسِّنْهُ. ثمَّ فسَّرَ الترمذيُّ النعيَ بأنهُ عندَهمْ أنْ ينادى في الناسِ إنَّ فلانًا ماتَ ليشهدُوا جنازتَهُ. وقالَ بعض أهلِ العلمِ: لا بأسَ أنْ يُعْلِمَ الرجلُ قرابتَهُ وإخوانَهُ.\nوعنْ إبراهيمَ [النخعي] (^٣) أنهُ قالَ: لا بأسَ أنْ يُعلمَ الرجلُ قرابتَه، انتهَى.\nوقيلَ: المحرَّمُ ما كانتْ الجاهليةُ تفعلُه، كانُوا يرسلونَ مَنْ يُعلمُ بخبرِ موتِ الميتِ على أبوابِ الدورِ والأسواقِ.\nوفي النهايةِ (^٤): \"والمشهورُ في العربِ أنَّهم كانُوا إذا ماتَ فيهمْ شريفٌ أو قُتِلَ بعثُوا راكبًا إلى القبائلِ ينعاهُ إليهمْ يقولُ نعاءَ فلانًا، أو يا نَعَاءَ العربِ: أي: هلكَ فلانٌ أوْ هلكتِ العربُ بموتِ فلانِ\"، انتهَى.\nويقربُ عندي أنَّ هذا هوَ المنهيُّ عنهُ.\nقلتُ: ومنهُ النعيُ منْ أعلى المناراتِ كما [يعرفُ] (^٥) في هذهِ الأعصارِ في موتِ العظماءِ. قالَ ابنُ العربي (^٦): يؤخذُ منْ مجموعِ الأحاديثِ ثلاثُ حالاتٍ:\nالأُولى: إعلامُ الأهلِ والأصحابِ وأهلِ الصلاحِ، فهذهِ سنَّةٌ.\nالثانيةُ: دعْوى الجمجِ الكثيرِ للمفاخرةِ، فهذهِ تكرهُ.\n[الثالثةُ]: إعلامٌ بنوعٍ آخرَ كالنياحةِ ونحو ذلكَ، فهذَا يحرُمُ، انتهَى.\nوكأنهُ أخذَ سنيَّةَ [الأُولى] (^٧) منْ أنهُ لا بد منْ جماعةٍ يخاطبونَ بالغسلِ والصلاةِ والدفنِ، ويدلُّ لهُ قولُهُ - ﷺ -: \"ألا آذنتموني ونحوُهُ\"، ومنهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-613>الصلاة على الغائب</span>\n٢٥/ ٥٢٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَعَى\n_________\n(^١) أي: الترمذي رقم (٩٨٦) كما تقدم.\n(^٢) في (أ): \"توذن أحدًا\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) لابن الأثير (٥/ ٨٦).\n(^٥) في (ب): \"تعورف\".\n(^٦) في \"عارضة الأحوذي\" (٤/ ٢٠٦).\n(^٧) في (ب): \"الأول\".","vol":"3","page":280},{"text":"النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفّ بِهِمْ، وَكَبّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبي ﷺ نَعَى النجاشيَّ) بفضِ النونِ، وتخفيفِ الجيمِ، بعدَ الألفِ شينٌ معجمة، ثمَّ مثناةٌ تحتيةٌ مشددةٌ، وقيلَ: مخففة، لقبٌ لكلِّ منْ ملك الحبشةِ، واسمُه أصحمةُ (في اليومِ الذي ماتَ فيهِ، وخرجَ بهم إلى المصلَّى)، يحتملُ أنهُ مصلَّى العيدِ أوْ محلٌ اتُّخِذَ لصلاةِ الجنائزِ، (فصفَّ بهم وكبَّرَ أربعًا. متفقٌ عليهِ). فيهِ دلالةٌ على أن النعيَ اسمٌ للإعلامِ بالموتِ، وأنهُ لمجردِ الإعلام جائزٌ. وفيهِ دلالةٌ على شرعيةِ صلاةِ الجنازةِ على الغائبِ، وفيه أقوالٌ:\nالأولُ: تشرعُ مطلقًا، وبهِ قالَ الشافعيُّ (^٢)، وأحمدُ (^٣)، وغيرُهما. وقالَ ابنُ حزمٍ (^٤): لم يأتِ عنْ أحد منَ السلفِ خلافُه.\nوالثاني: منعهُ مطلقًا، وهوَ للهادويةِ، والحنفيةِ، ومالكٍ (^٥).\nوالثالثُ: يجوزُ في اليومِ الذي ماتَ فيهِ الميتُ أو ما قربَ منهُ إلا إذا طالتِ المدةُ.\nالرابعُ: يجوزُ ذلكَ إذا كانَ الميتُ في جهةِ القبلةِ، ووجهُ التفصيلِ في القولينِ معًا الجمودُ على قصة النجاشي.\nوقالَ: المانعُ مطلقًا أن صلاتَه - ﷺ - على النجاشي خاصةٌ بهِ. وقدْ [عرفت] (^٦) أن الأصلَ عدمُ الخصوصيةِ، واعتذرُوا بما قالَهُ أهلُ القولِ الخامسِ، وهوَ أنْ يصلَّى على الغائبِ إذا ماتَ بأرضٍ لا يصلَّى عليهِ فيها كالنجاشي؛ فإنهُ ماتَ بأرضٍ لمْ يسلمْ أهلُها، واختارَهُ ابنُ تيميةَ. ونقلهُ المصنفُ في فتح الباري (^٧) عن الخطابي، وأنهُ استحسنَهُ الروياني، ثمَّ قالَ: وهوَ محتملٌ إلا أنَّني لم أقفْ في شيء منَ الأخبارِ أنهُ لم يصلِّ عليهِ في بلدهِ أحدٌ. واستُدِلَّ بالحديثِ على كراهةِ الصلاةِ\n_________\n(^١) البخاري (١٣٣٣)، ومسلم (٦٢/ ٩٥١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٠٤)، والترمذي (١٠٢٢)، والنسائي (٤/ ٧٠ رقم ١٩٧٢)، وابن ماجه (١٥٣٤) وغيرهم.\n(^٢) \"المجموع\" (٥/ ٢٥٣).\n(^٣) \"المغني مع الشرح الكبير\" (٢/ ٣٨٦).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٥/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم المسألة ٥٨٠).\n(^٥) \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٥٠٤). و\"نيل الأوطار\" (٤/ ٤٩).\n(^٦) في (ب): \"عرفَ\".\n(^٧) (٣/ ١٨٨).","vol":"3","page":281},{"text":"على الجنازةِ في المسجدِ لخروجهِ - ﷺ -، والقولُ بالكراهيةِ للحنفيةِ، والمالكيةِ. وردَ بأنهُ لم يكنْ في الحديث نهيٌ عن الصلاةِ فيهِ، وبأنَّ الذي كرههُ القائلُ بالكراهةِ إنَّما هوَ إدخالُ الميتِ المسجدَ، وإنَّما خرجَ - ﷺ - تعظيمًا لشأنِ النجاشي، ولتكثرَ الجماعةُ الذينَ يصلُّونَ عليهِ. وفيهِ شرعيةُ الصفوفِ على الجنازةِ لأنهُ أخرجَ البخاريُّ (^١) في هذهِ القصةِ حديثَ جابرٍ، وأنهُ كانَ في الصفِّ الثاني، أوِ الثالثِ. وبوَّبَ لهُ البخاريُّ: (بابُ مَنْ صفَّ صفَّينِ أوْ ثلاثةً على الجنازةِ خلفَ الإمامِ) (^٢). وفي الحديثِ منْ أعلامِ النبوةِ إعلامُهم بموتهِ في اليومِ الذي توفي فيهِ معَ بُعْد ما بينَ المدينةِ والحبشةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-614>فضل كثرة المصلِّين على الميت</span>\n٢٦/ ٥٢٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيئًا، إِلَّا شَفعَهُمُ اللهُ فِيهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسِ سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: ما منْ رجلٍ مسلمٍ يموتُ، فيقومُ على جنازتهِ أربعونَ رجلًا، لا يشركونَ باللَّهِ شيئًا إلا شفَّعَهم اللَّهُ فيهِ. رواهُ مسلمٌ). في الحديثِ دليلٌ على فضيلةِ تكثيرِ الجماعةِ على الميتِ، وأنَّ شفاعةَ المؤمنِ نافعةٌ مقبولةٌ عندَهُ تعالَى. وفي روايةٍ (^٤): \"ما منْ مسلمٍ يصلّي عليهِ أمةٌ منَ المسلمينَ يبلغونَ كلُّهم مائةً يشفعونَ فيهِ إلا شُفِّعُوا فيهِ\"، وفي روايةٍ (^٥): \"ثلاثةُ صفوفٍ\"، رواهُ [أهل] (^٦) السننِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٨٦ رقم ١٣١٧).\n(^٢) (٣/ ١٨٦ رقم الباب ٥٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٥ رقم ٥٩/ ٩٤٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٧٠)، وابن ماجه (١٤٨٩).\n(^٤) مسلم في \"صحيحه\" (٥٨/ ٩٤٧) من حديث عائشة.\nوأخرجه الترمذي (١٠٢٩) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٤/ ٧٦ رقم ١٩٩٢).\n(^٥) أحمد (٤/ ٧٩)، وأبو داود رقم (٣١٦٦)، والترمذي (١٠٢٨)، وابن ماجه (١٤٩٠)، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم (١/ ٣٦٢) مع أن فيه عنعنة ابن إسحاق عند الجميع.\nقلت: وخلاصة القول أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٦) في (ب): \"أصحاب\".","vol":"3","page":282},{"text":"قالَ القاضي قيلَ: هذهِ الأحاديثُ خرجتْ أجوبةً لسائلينَ سألُوا عنْ ذلكَ، فأجابَ كلُّ واحدٍ عنْ سؤالِهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ - ﷺ - أخبرَ بقَبولِ شفاعةِ كلِّ واحدٍ منْ هذهِ الأعدادِ، ولا تنافيَ بينَهما؛ إذْ مفهومُ العددِ يطرحُ معَ وجودِ النصِّ، فجميعُ الأحاديثِ معمولٌ بها، وتقبلُ الشفاعةُ بأدنَاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>أين يقوم الإمام من الميت</span>\n٢٧/ ٥٢٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ قالَ: صليتُ وراءَ النبي ﷺ على امرأتي ماتتْ في نفاسِها فقامَ وسطَها. متفقُ عليهِ)، فيهِ دليل على مشروعيةِ القيامِ عندَ وسطِ المرأةِ إِذا صُلِّيَ عليْها، [وهذا] (^٢) مندوبٌ. وأما الواجبُ فإنَّما هوَ استقبالُ جزء منَ الميتِ رجُلًا [كان] (^٣) أو امرأةً. واختلفَ العلماءُ في حكمِ الاستقبالِ في حقِّ الرجلِ والمرأةِ، فقالَ أبو حنيفةَ: إنَّهما سواءٌ. وعندَ الهادويةِ إنهُ يستقبلُ الامامُ سرَّةَ الرجلِ وثديي المرأةِ لروايةِ أهلِ البيتِ ﵈ عنْ عليّ ﵇.\nوقالَ القاسمُ: صدرُ المرأةِ وبينَه وبينَ السرَّة منَ الرجلِ، إذْ قدْ رُوِيَ قيامُه - ﷺ - عندَ صدرِها، ولا بدَّ منْ مخالفةٍ بينَها وبينَ الرجلِ.\nوعنِ الشافعيِّ أنهُ يقفُ حذاءَ رأسِ الرجلِ وعندَ عجيزتِها (^٤) لما أخرجهُ أبو داودَ (^٥)، والترمذيُّ (^٦) منْ حديثِ أنسٍ: \"أنهُ صلَّى على رجل فقامَ عندَ رأسهِ،\n_________\n(^١) البخاري (١٣٣١ و١٣٣٢)، ومسلم (٨٧/ ٩٦٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٩)، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٤٩٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٥٤٤)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٣، ٣٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣١٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٣٥٩ رقم ١٤٩٧)، والطيالسي رقم (٩٠٢) وغيرهم.\n(^٢) في (أ): \"وهو\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٤٩١)، و\"المجموع\" (٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و\"نيل الأوطار\" (٤/ ٦٦).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ٣١٩٤).\n(^٦) في \"السنن\" (رقم ١٠٣٤).=","vol":"3","page":283},{"text":"وصلَّى على المرأةِ فقامَ عندَ عجيزتها. قالَ لهُ العلاءُ بنُ زيادٍ: هكذَا كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يفعلُ؟ قالَ: نعمْ\"، إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في الفتحِ (^١): إنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ حديثِ سمُرةَ [هذا] (^٢) إلى تضعيفِ حديثِ أنسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-616>صلاة الجنازة في المسجد</span>\n٢٨/ ٥٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْني بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ قالتْ: واللَّهِ لقدْ صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على ابني بيضاءَ)، هما سهلٌ وسهيلٌ، أبوهما وهبُ بنُ ربيعةَ، وأمُّهُما البيضاءُ، اسمُها دعدُ، والبيضاءُ صفةٌ لها (في المسجدِ. رواهُ مسلمٌ)، قالتهُ عائشةُ ردًّا على مَنْ أنكرَ عليها صلاتَها على سعدِ بن أبي وقاصٍ في المسجدِ فقالتْ: \"ما أسرعَ [ما نسيَ] (^٤) الناسُ، واللَّهِ لقدْ صلَّى\"، الحديثَ.\nوالحديثُ دليلٌ على ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ منْ عدمِ كراهيةِ صلاةِ الجنازةِ في المسجدِ. وذهبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ إلى أنَّها لا تصحُّ. وفي القدوري للحنفيةِ: ولا يصلَّى على ميتٍ في مسجدِ جماعةً، أو احتجا بما سلفَ منْ خروجهِ - ﷺ - إلى الفضاءِ للصلاةِ على النجاشي، وتقدمَ جوابُهُ، وبما أخرجهُ أبو داودَ (^٥): \"مَنْ صلَّى\n_________\n=قلت: وأخرجه ابن ماجه (١٤٩٤) والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٣)، والطيالسي رقم (٢١٤٩)، وأحمد (٣/ ١١٨) وإسناده صحيح.\nوصحَّحه الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٠٩).\n(^١) (٣/ ٢٠١).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦٩ رقم ١٠١/ ٩٧٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٩٠) بلفظ المصنف.\n• وأخرجه مسلم (٩٩/ ٩٧٣)، وأبو داود (٣١٨٩)، والترمذي (١٠٣٣)، والنسائي (٤/ ٦٨)، وابن ماجه (١٥١٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٩٢)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٥١) وغيرهم عنها بلفظ: \"أن عائشة أمرتْ أنْ يُمَرَّ بجنازة سعد بن أبي وقاص في المسجد فتصلّيَ عليه. فأنكرَ الناسُ ذلك عليها فقالت: ما أسرع ما نسيَ الناسُ! ما صلَّى رسول الله - ﷺ - على سُهيل بن البيضاء إلَّا في المسجد\".\n(^٤) في (ب): \"وما أنسى\".\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٥٣١ رقم ٣١٩١). =","vol":"3","page":284},{"text":"على جنازةٍ في المسجدِ فلا شيءَ لَهُ\". وأجيبَ بأنهُ نصَّ أحمدُ على ضعفهِ (^١) لأنهُ تفردَ بهِ صالحٌ مولى التوأمةِ وهوَ ضعيفٌ (^٢)، على أنهُ في النسخِ المشهورةِ منْ سننِ أبي داودَ [بلفظِ] (^٣): \"فلا شيءَ عليهِ\".\nوقدْ رُوِيَ أن عمرَ صلَّى على أبي بكرٍ في المسجدِ (^٤) وأنَّ صهيبًا صلَّى على عمرَ في المسجدِ (^٥)، وعندَ الهادويةِ يكرهُ إدخالُ الميتِ المسجدَ كراهةَ تنزيهٍ، وتأوَّلُوا همْ والحنفيةُ [والمالكية] (٣) حديثَ عائشةَ بأنَّ المرادَ أنهُ ﷺ صلَّى علَى ابنيْ البيضاءِ وجنازتُهما خارجَ المسجدِ وهوَ - ﷺ - داخلَ المسجدِ، ولا يخفى بعدُهُ، وأنهُ لا يطابقُ احتجاجَ عائشةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-617>عدد التكبير في صلاة الجنازة</span>\n٢٩/ ٥٢٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - ﵁ - يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦)، وَالأَرْبَعَةُ (^٧). [صحيح]\n_________\n= وأخرجه ابن ماجه (١٥١٧) بلفظ: \"فليس له شيء\".\nوحسنه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٢٣٥١) وتكلم عليه بتوسُّع، فانظره إذا شئت.\n(^١) في مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ص ١٤٢ رقم ٥٢٧).\n(^٢) قال عنه الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٦٣ رقم ٥٨): \"صدوق، اختلط بأخره، فقال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كابن أبي ذئب وابن جريج .. \".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) أخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٦٥٧٦) من حديث هشام بن عروة قال: رأى أبي الناس يخرجون من المسجد ليصلُّوا على جنازة، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ ما صلّي على أبي بكر إلَّا في المسجد\".\n(^٥) أخرج مالك (١/ ٢٣٠) وعنه عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٦٥٧٧) عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: صلِّي على عمر بن الخطاب في المسجد. وإسناده صحيح.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ٦٥٩ رقم ٧٢/ ٩٥٧).\n(^٧) وهم: أبو داود (٣١٩٧)، والترمذي (١٠٢٣)، والنسائي (٤/ ٧٢)، وابن ماجه (١٥٠٥).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ١٦٤ رقم ٨٧٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وأحمد (٤/ ٣٦٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٩٣)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٦) وغيرهم.","vol":"3","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى</span>\n(وعنْ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى) (^١) هو أبو عيْسى عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلَى، ولدَ لستِ سنينَ بقيتْ منْ خلافةِ عمرَ، سمعَ أباهُ وعليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵇ وجماعةً من الصحابةِ، ووفاتُه سنةَ اثنتينِ وثمانينَ، وفي سببِ وفاتهِ أقوالٌ، [قيلَ] (^٢): فُقِدَ، وقيلَ: قتلَ، وقيلَ: غرقَ في نهرِ البصرةِ.\n(قالَ: كانَ زيدُ بن أرقمٍ يكبِّرُ على جنائزنا أربعًا، وأنهُ كبَّرَ على جنازةٍ خمسًا، فسألتهُ فقالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يكبِّرُها. رواهُ مسلمٌ والأربعة).\nتقدَّمَ في حديثِ أبي هريرةَ (^٣) أنهُ - ﷺ - كبَّرَ في صلاتهِ على النجاشي أربعًا، ورُويتِ الأربعُ عن ابن مسعودٍ (^٤)، وأبي هريرةَ (^٥)، وعقبة بن عامرٍ (^٦)، والبراءِ بن عازبٍ (^٧)، وزيدِ بن ثابتٍ (^٨). وفي الصحيحينِ (^٩) عن ابن عباسٍ: \"صلَّى على قبرٍ فكبَّرَ. أربعًا\"، وأخرجَ ابنُ ماجهْ (^١٠) عنْ أبي هريرةَ: \"أن رسولَ الله ﷺ صلَّى على جنازةٍ فكبرَ أربعًا\". قالَ ابنُ أبي داودَ: ليسَ في البابِ أصحُّ منهُ.\nفذهبَ إلى أنَّها أربعٌ لا غيرُ جمهورٌ منَ السلفِ والخلفِ، منهْمُ الفقهاءُ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تاريخ البخاري\" (٥/ ٣٦٨ رقم ١١٦٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٠١ رقم ١٤٢٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٢٣٤ رقم ٥١٨)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢٠٦).\n(^٢) في (أ): \"فقيل\".\n(^٣) رقم (٢٥/ ٥٢٤).\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٨) معلقًا.\nقلت: وأخرج ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٢ رقم ث ٣١٤٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٠٣) وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٢٠٢) عنه \"أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر عليه خمسًا\".\n(^٥) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣١ رقم ث ٣١٤٤) عن عثمان بن موهب.\n(^٦) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٢ رقم ث ٣١٤٧) عنه.\n(^٧) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣١ رقم ث ٣١٤٣) عن مهاجر أبي الحسن.\nوابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٠١) عن مهاجر.\n(^٨) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٠ رقم ث ٣١٣٩) عن الشعبي.\nوعبد الرزاق (٣/ ٤٨٠ رقم ٦٣٩٦) عن الثوري.\n(^٩) البخاري (١٣١٩)، ومسلم (٦٨/ ٩٥٤).\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ٤٩٠ رقم ١٥٣٤).","vol":"3","page":286},{"text":"الأربعةُ (^١)، وروايةٌ عنْ زيدِ بن (^٢) عليٍّ ﵁. [وذهبَ أكثرُ] (^٣) الهادويةِ (^٤) إلى أنهُ يكبرُ خمسَ تكبيراتٍ، واحتجُّوا بما رُويَ أن عليًا ﵇ على فاطمةَ خمسًا، وأنَّ الحسنَ كبَّر على أبيهِ خمسًا، وعن ابن الحنفيةِ أنهُ كبرَ على ابن عباسٍ خمسًا، وتأوَّلُوا روايةَ الأربعِ بأن المرادَ بها ما عدا تكبيرةَ الافتتاحِ وهوَ بعيدٌ.\n٣٠/ ٥٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلٍ بن حُنَيْفٍ سِتًا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصَورٍ (^٥)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ ﵇ أنه كبَّرَ على سهلِ بن حُنَيْفٍ) بضمِّ المهملةِ، فنونٍ فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ (ستًا وقالَ: إنه بدريٌّ) أي: ممنْ شهدَ وقعةَ بدرٍ - ﷺ - (رواهُ سعيد بن منصورٍ، وأصلُه في البخاري) الذي في البخاري: \"أن عليًا كبَّرَ على سهلِ بن حنيفٍ\" زادَ البرقاني في مستخرجهِ: ستًا، كذَا ذكرهُ البخاريّ في تاريخهِ.\nوقدِ اختلفتِ الرواياتُ في [عدةِ] (^٧) تكبيراتِ الجنازةِ؛ فأخرجَ البيهقيُّ (^٨) عنْ سعيدِ بن المسيبِ: \"أن عمرَ قالَ: كلُّ ذلكَ قدْ كانَ، أربعًا، [وخمسًا] (^٩)، فاجتمعْنا على أربعٍ\" ورواهُ ابنُ المنذرِ (^١٠) منْ وجهٍ آخرَ عنْ سعيدٍ، ورواهُ البيهقيُّ أيضًا (^١١) عنْ أبي وائلٍ: \"قالَ: كانُوا يكبِّرونَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أربعًا، وخمسًا، وستًا، وسبعًا، فجمعَ عمرُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ فأخبرَ كلٌّ بما رأى فجمعَهم\n_________\n(^١) المجموع (٥/ ٢٣٠).\n(^٢) الروض النضير للسياغي (٢/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(^٣) في (أ): \"وذهبت\".\n(^٤) \"نيل الأوطار\" (٤/ ٥٨).\n(^٥) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٢٠).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٧/ ٣١٧ رقم ٤٠٠٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"المعرفة\" (٥/ ٢٩٦ رقم ٧٥٨٤)، وفي \"السنن\" (٤/ ٣٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٤٨٠ رقم ٦٣٩٩)، والطبراني في \"الكبير\" (كما في مجمع الزوائد) (٣/ ٣٤) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.\nوأخرجه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ١٢٦) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٧) في (أ): \"عدد\".\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٧) وفي \"المعرفة\" (٥/ ٢٩٧ رقم ٧٥٩٣).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٠ رقم ٣١٣٦).\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٧).","vol":"3","page":287},{"text":"عمرُ على أربعِ تكبيراتٍ\"، ورَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكار بإسنادهِ: \"كانَ النبيُّ ﷺ يكبرُ على الجنائزِ أربعًا، وخمسًا، وستًا، وسبعًا، وثمانيًا حتَّى جاءَ موت النجاشي، فخرجَ إلى المصلَّى وصفَّ الناسَ [وزاد] (^١): وكبَّرَ عليهِ أربعًا. [وثبت] (^٢) النبيُّ ﷺ على أربعِ حتَّى توفَّاهُ اللَّهُ\" (^٣)، فإنْ صحَّ هذَا فكأنَّ عمرَ وَمنْ معهُ لمْ يعرفُوا استقرارَ الأمرِ على الأربعِ حتَّى جمعَهم وتشاورُوا في ذلكَ.\n٣١/ ٥٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولى. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (^٤) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يكبِّرُ على جنائزِنَا أربعًا، ويقرأُ بفاتحةِ الكتابِ في التكبيرةِ الأُولى. رواهُ الشافعي بإسنادٍ ضعيفٍ). سقطَ هذَا الحديثُ منْ نسخةِ الشرحِ فلمْ يتكلمْ عليهِ الشارحُ ﵀. قال المصنفُ في الفتح (^٥): إنهُ أفادَ شيخُه في شرحِ الترمذي أن سندَهُ ضعيفٌ. وفي التلخيصِ (^٦) أنهُ رواهُ الشافعي عنْ إبراهيمَ بن محمدٍ، عنْ محمدٍ بن عبدِ اللَّهِ بن عقيلٍ، عنْ جابرٍ، انتهَى. وقدْ ضعَّفُوا ابن عقيلٍ.\nواعلمْ أنهُ اختلفَ العلماءُ في قراءةِ الفاتحةِ في صلاةِ الجنازةِ، فنقلَ ابنُ\n_________\n(^١) في (أ): \"وراءه\".\n(^٢) في (ب): \"ثم ثبت\".\n(^٣) حديث صلاة النبي - ﷺ - على النجاشي وتكبيره أربعًا متفق عليه، وقد تقدم رقم (٢٥/ ٥٢٤) من حديث أبي هريرة.\nأما ثبوته - ﷺ - على الأربع فضعيف.\nقال الألباني في \"الأحكام\" (ص ١١٤ - ١١٥): \"وقد استدلَّ المانعون من الزيادة على الربع بأمرين:\nالأول: الإجماع، وقد تقدم بيان خطأ ذلك. قلت: وانظر \"المحلَّى\" (٥/ ١٢٥ - ١٢٦).\nالثاني: ما جاء في بعض الأحاديث: \"كان آخر ما كبَّر رسول الله - ﷺ - على الجنازة أربعًا\"، والجواب: أنه حديث ضعيف، له طرق بعضها أشد ضعفًا من بعض فلا يصلح التمسك به لرد الثابت عنه - ﷺ - بالأسانيد الصحيحة المستفيضة … \" اهـ.\n(^٤) في \"بدائع المنن\" (١/ ٢١٤ - رقم ٥٦٦) وفيه ابن عقيل ضعيف.\n(^٥) (٣/ ٢٠٤).\n(^٦) (٢/ ١١٩ رقم ٧٦٥).","vol":"3","page":288},{"text":"المنذرِ (^١) عن ابن مسعودٍ (^٢)، والحسنِ بن عليٍّ، وابنِ الزبيرِ مشروعيتها، وبهِ قالَ الشافعيُّ (^٣)، وأحمدُ (^٤)، وإسحاقُ. ونقلَ عنْ أبي هريرةَ (^٥)، وابنِ (^٦) عمرَ [أنهُ] (^٧) ليسَ فيها قراءةٌ، وهوَ قولُ مالكٍ (^٨)، والكوفيينَ. واستدلَّ الأولونَ بما سلفَ، وهوَ وإنْ كانَ ضعيفًا فقدْ شهدَ لهُ قولُهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-619>قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة</span>\n٣٢/ ٥٣١ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٩). [صحيح]\n(وعنْ طلحةَ بن عبدِ اللَّهِ بن عوفٍ) أي: الخزاعي (قالَ: صلَّيتُ خلفَ ابن عباسٍ على جنازةٍ فقرأ فاتحةَ الكتابِ فقالَ: ليعلمُوا أنَّها سنةٌ. رواهُ البخاريّ)، وأخرجهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (^١٠)، والنسائيُّ (^١١) بلفظِ: \"فأخذتُ بيدهِ فسألتُه عنْ ذلكَ فقالَ: نعمْ يا ابنَ أخي إنهُ حقٌّ وسنةٌ\".\nوأخرجَ النسائيُّ (^١٢) أيضًا منْ طريقٍ أُخْرى بلفظِ: \" [فقرأ] (^١٣) بفاتحةِ الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنَّة وحق\".\n_________\n(^١) في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٩٧)، والبيهقي تعليقًا (٤/ ٣٩).\n(^٣) في \"الأم\" (١/ ٣٠٨).\n(^٤) في مسائل أحمد لأبي داود (ص ١٥٣).\n(^٥) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٩ رقم ٣١٦٩).\n(^٦) أخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٤٣٩) رقم (٣١٦٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٩٨).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في المدونة (١/ ١٧٤).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٠٣ رقم ١٣٣٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٩٨)، والترمذي (١٠٢٧).\n(^١٠) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٢٠٤).\n(^١١) في \"السنن\" (٤/ ٧٥ رقم ١٩٨٨)، وهو حديث صحيح.\n(^١٢) في \"السنن\" (٤/ ٧٤ رقم ١٩٨٧)، وهو حديث صحيح.\n(^١٣) في (ب): \"وقرأ\".","vol":"3","page":289},{"text":"وقدْ رَوَى الترمذيُّ (^١) عن ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - قرأ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ\"، ثمَّ قالَ: لا يصحُّ، والصحيحُ عن ابن عباسٍ قولُه: \"منَ السنَّةِ\". قالَ الحاكمُ: أجمعُوا علَى أن قولَ الصحابيِّ \"منَ السنَّةِ\" حديث مسندٌ. قالَ المصنفُ: كذَا نُقِلَ الإجماعُ معَ أن الخلافَ عندَ أهلِ الحديثِ، وعندَ الأصوليينَ شهيرٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوب قراءةِ الفاتحةِ في صلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّ المرادَ منَ السنةِ الطريقةُ المألوفةُ عنهُ - ﷺ -، لا أن المرادَ بها ما يقابلُ الفريضةُ؛ فإنهُ اصطلاحٌ عُرْفيٌّ، وزادَ الوجوبَ تأكيدًا قولُهُ (حقٌّ) أيْ: ثابتٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجهْ (^٢) منْ حديثِ أمِّ شريكٍ قالتْ: \"أمرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ\"، وفي إسنادهِ ضعفٌ يسيرٌ يجبرُهُ حديثُ ابن عباسٍ.\nوالأمرُ منْ أدلةِ الوجوبِ وإلى وجوبها ذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما منَ السلفِ والخلفِ. وذهبَ آخرونَ إلى عدم [شرعيتها] (^٣) لقولِ ابن مسعودٍ (^٤): \"لم يوقّتْ لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ قراءةً في صلاةِ الجنازةِ، بلْ قالَ: كبِّرْ إذا كبرَ الإمامُ، واخترْ منْ أطايبِ الكلامِ ما شئتَ\"، إلَّا أنهُ لمْ يعزُهُ [في الانتصار] (^٥) إلى كتابٍ حديثي لِتُعْرف صحتُه منْ عدمِها، على أنهُ نافٍ، وابنُ عباسٍ مثبتُ، وهوَ مقدَّم. وعنِ الهادي وجماعةٍ منَ الآلِ أن القراءةَ سنة عملًا بقولِ ابن عباسٍ سنةٌ. وقدْ عرفتَ المرادَ بها في لفظهِ.\nواستُدِلَّ للوجوبِ بأنَّهم اتفقُوا أنَّها صلاةٌ. وقد ثبتَ حديثُ: \"لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ\" (^٦)؛ فهيَ داخلةٌ تحتَ العمومِ، وإخراجُها منهُ يحتاجُ إلى دليلٍ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٣٤٥ رقم ١٠٢٦)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٧٩ رقم ١٤٩٦).\nقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٨٧ رقم ٥٣٢/ ١٤٩٦): \"هذا إسناد حسن، شهر والراوي عنه مختلف فيهما … \" اهـ.\nوضعَّف الألباني الحديث في ضعيف ابن ماجه.\n(^٣) في (ب): \"مشروعيتها\".\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٧) وذكره ابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ١٢٦).\nوقال: هذا إسناد في غاية الصحة لأن الشعبي أدرك علقمة وأخذ عنه وسمع منه.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أخرجه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٤/ ٣٩٤)، وأبو داود (٨٢٢)، والترمذي (٢٤٧)،=","vol":"3","page":290},{"text":"وأما موضعُ قراءةِ الفاتحةِ فإنهُ بعدَ التكبيرةِ الأُولى، ثمَّ يكبِّرُ فيصلِّي على النبي ﷺ، ثمَّ يكبِّرُ فيدعُو للميتِ. وكيفيةُ الدعاءِ قدْ [أفادَها قولُهُ] (^١):\n\n<span data-type='title' id=toc-620>يدعو للميت بعدَ التكبيرةِ الثانية</span>\n٣٣/ ٥٣٢ - وَعَنْ عَوْفٍ بن مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: \"اللَّهُمّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِن الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيتَ الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عوفِ بن مالكٍ قالَ: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةٍ فحفظت منْ دعائِه: \"اللهمَّ اغفرْ لهُ، وارحمْهُ، وعافِهِ، واعفُ عنهُ، وأكرمْ نُزُلَهُ، ووسِّعْ مدخلَه، واغسلْهُ بالماءِ والثلجِ والبردِ، ونقِّهِ منَ الخطايا كما نقيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدنسِ، وأبدلْهُ دارًا خيرًا منْ دارِه، وأهلًا خيرًا منْ أهلِه، وأدخلْهُ الجنةَ، وقهِ فتنةَ القبرِ، وعذابَ النارِ. رواهُ مسلمٌ) يحتملُ أنهُ - ﷺ - جهرَ بهِ فحفظَهُ، ويحتملُ أنهُ سألهُ ما قالهُ فذكرهُ لهُ فحفظهُ.\nوقدْ قالَ الفقهاءُ: يندبُ الإسرارُ، ومنْهم مَنْ قالَ: يخيَّرُ، ومنْهم مَنْ قالَ: يسرُّ في النهارِ، ويجهرُ في الليل. والدعاءُ للميتِ ينبغي الإخلاصُ فيهِ لهُ لقولهِ - ﷺ -: \"أخلصُوا لهُ الدعاءَ\" (^٣). وما ثبتَ عنهُ - ﷺ - أوْلَى. وأصحُّ\n_________\n= والنسائي (٢/ ١٣٧)، وابن ماجه (٨٣٧)، وأحمد (٥/ ٣١٤) وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت.\n(^١) في (أ): \"أفاده\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦٢ - ٦٦٣ رقم ٩٦٣).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٤/ ٧٣)، وابن ماجه (١٥٠٠)، وأحمد (٦/ ٢٣، ٢٨)، والترمذي مختصرًا (١٠٢٥) وقال: حسن صحيح. قال محمد - البخاري - أصح شيء في هذا الباب هذا الحديث.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٣١٩٩)، وابن ماجه (١٤٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤٠).\nوابن حبان في \"الإحسان\" رقم (٣٠٧٧) ورقم (٣٠٧٦) وسنده حسن. وحسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٧٩ رقم ٧٣٢).","vol":"3","page":291},{"text":"الأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ هذا الحديثُ، وكذلك قوله:\n٣٤/ ٥٣٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرنَا، وَكبِيرِنَا، وَذَكرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيتَهُ مِنَّا فَأَحْيهِ عَلى الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. اللَّهُمّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ يقولُ: (اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا، وميِّتِنا، وشاهدِنا) أي: حاضرنا (وغائِبنا، وصغيرنا) أي: ثبتهُ عندَ التكليفِ للأفعالِ الصالحةِ، وإلَّا فلا ذنبَ لهُ (وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، اللهمَّ مَنْ أحييتَهُ منا فأحيهِ على الإسلامِ، ومنْ توفيتَه منا فتوفَّهُ على الإيمانِ، اللهمَّ لا تحرمْنا أجرَهُ، ولا تضلَّنا بعدَه. رواهُ مسلمٌ والأربعةُ).\nوالأحاديثُ في الدعاءِ للميت كثيرةٌ، ففي سنن أبي داودَ (^٣) عنْ أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ دَعَا في الصلاةِ على الجنازة: \"اللهمَّ أنتَ ربُّها، وأنتَ خلقتَها، وأنتَ هديتَها للإسلام، وأنتَ قبضتَ روحَها، وأنتَ أعلمُ بسرِّها وعلانيتِها، جئْنا\n_________\n(^١) لم يخرجه مسلم؟!!\n(^٢) أبو داود (٣٢٠١)، والترمذي (١٠٢٤)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٥٨٤ رقم ١٠٨٠)، وابن ماجه (١٤٩٨) قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣٦٨)، والحاكم (١/ ٣٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤١)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ٣٣٩ رقم ٣٠٧٠)، وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٢٤) وقال: أعل بما لا يقدح …\nوالخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٣٨ رقم ٣٢٠٠).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم: ١٠٧٨)، والطبراني في \"الدعاء\" (رقم: ١١٨٥)، وأحمد (٢/ ٣٤٥، ٣٦٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" من طريقين (٤/ ٤٢)، وقال ابن حجر: هذا حديث حسن، - كما في \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ١٧٦).\nوقال الألباني في ضعيف أبي داود بأنه ضعيف الإسناد.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.","vol":"3","page":292},{"text":"شفعاءَ لهُ فاغفرْ لهُ ذنبهُ\". وابنِ ماجهْ (^١) منْ حديثِ واثلةَ بن الأسقعِ قالَ: \"صلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةِ رجلٍ منَ المسلمينَ فسمعتُهُ يقولُ: اللهمَّ إنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ في ذمَّتِكَ، وحَبْلِ جوارِكَ، قهِ فتنةَ القبرِ وعذابَ النارِ، وأنت أهلُ الوفاءِ والحمدِ، اللهمَّ فاغفرْ لهُ وارحمهُ؛ فإنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ\".\nواختلافُ الرواياتِ دالٌّ على أن الأمرَ متَّسِعٌ في ذلك ليس مقْصورًا على شيءٍ معينٍ. وقد اختار الهادوية أدعيةٍ أُخْرى، [واختار الشافعيُّ كذلك] (^٢)، والكلُّ مسطورٌ في الشرحِ.\nوأما قراءةُ سورةٍ مع الحمدِ فقدْ ثبت ذلك كما عرفتَ في روايةِ النسائيِّ، ولمْ يردْ فيها تعيين، وإنَّما الشأن في إخلاصِ الدعاءِ للميتِ؛ لأنهُ الذي شرعتْ له الصلاة والذي ورد به الحديث.\n٣٥/ ٥٣٤ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: \"إِذَا صَلَّيتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدعَاءَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [حسن]\nوهوَ قولُه: (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (أن النبيَّ ﷺ قال: إذا صليتمْ على الميتِ فأخلصُوا لهُ الدعاءَ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابنُ حبانَ)؛ لأنهمْ شفعاءُ، والشافعُ يبالغُ في طلبِها يريدُ قَبولَ شفاعتهِ فيهِ. وَرَوَى الطبراني (^٥): \"أن ابنَ عمرَ كانَ إذا رأى جنازةً قالَ: هذَا ما وعدَنَا اللَّهُ ورسولُه، وصدقَ اللَّهُ ورسولُه، اللهمَّ زدْنا\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٤٨٠ رقم ١٤٩٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٩١)، وأبو داود (٣٢٠٢)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ٣٤٣ رقم ٣٠٧٤).\nوفيه الوليد بن مسلم مدلس، ولكنه صرَّح بالتحديث عند أبي داود وابن ماجه وغيرهما فانتفت شبهة تدليسه.\nوالخلاصة: فالحديث صحيح إن شاء الله.\n(^٢) في (أ): \"وكذلك الشافعي\".\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٣٨) رقم (٣١٩٩).\n(^٤) في \"الإحسان\" (رقم ٣٠٧٦ رقم ٣٠٧٧) بسند حسن.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٤٩٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٤٠). وحسنه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٧٩ رقم ٧٣٢).\n(^٥) في \"الدعاء\" رقم (١١٦١) بسند ضعيف جدًّا.","vol":"3","page":293},{"text":"إيمانًا وتسليمًا\"، ثمَّ أسندَ عن النبيِّ ﷺ: \"أنهُ قالَ: مَنْ رَأى جنازةً فقالَ: اللَّهُ أكبرُ، صدقَ اللَّهُ ورسولُه، هذَا ما وعدَ اللَّهُ ورسولُه، اللهمَّ زدْنا إيمانًا وتسليمًا، تكتبُ لهُ عشرونَ حسنةً\".\n\n<span data-type='title' id=toc-621>الندب إلى الإسراع بالجنازة</span>\n٣٦/ ٥٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبي ﷺ قَالَ: \"أَسْرِعُوا بالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١) [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ ﷺ: قالَ أسرعُوا بالجنازةِ فإنْ تكُ) أي: الجنازةُ، والمرادُ بها الميتُ (صالحةً فخيرٌ)؛ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهوَ خيرٌ، ومثلُه شرٌّ الآتي (تقدمونَها إليهِ، وإنْ تكُ سِوى ذلكَ فشرٌّ تضعونَه عنْ رِقابِكمِ. متفقٌ عليهِ)، نقل ابنُ قدامةُ (^٢) أن الأمرَ بالإسراعِ للندب بلا خلافٍ بينَ العلماءِ، وسئلَ ابنُ حزمٍ (^٣) فقالَ بوجوبهِ، والمرادُ بهِ شدةُ المَشي، وعلى ذلكَ حملَهُ بعضُ السلفِ. وعندَ الشافعيِّ والجمهورِ المرادُ بالإسراعَ ما فوقَ سجيةِ المشي المعتادِ، ويكرهُ الإسراعُ الشديدُ.\nوالحاصلُ أنهُ يستحبُّ الإسراعُ بها لكنْ بحيثُ إنهُ لا ينتهي إلى شدةٍ يخافُ معَها حدوثُ مفسدةٍ بالميتِ، أو مشقةٍ على الحاملِ والمشيِّعِ.\nوقالَ القرطبيُّ (^٤): مقصودُ الحديثِ أن لا يتباطأَ بالميتِ عن الدفنِ، ولأن البطء ربما أدَّى إلى التباهي والاختيال؛ هذا بناء على أن المراد بقوله بالجنازةِ بحملها إلى قبرِها. وقيلَ: المرادُ الإسراعُ بتجهيزِها فهوَ أعمُّ منَ الأولِ.\nقال النوويُّ: وهذَا باطلٌ مردودٌ بقولهِ في الحديثِ: تضعونَهُ عنْ رقابِكم،\n_________\n(^١) البخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٢٤٣)، وأبو داود (٣١٨١)، والترمذي (١٠١٥)، والنسائي (٤/ ٤٢)، وابن ماجه (١٤٧٧).\n(^٢) في المغني (٢/ ٣٥٣).\n(^٣) في \"المحلّى\" (٥/ ١٥٤).\n(^٤) في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٤/ ٣٠٠ - ٣٠١).","vol":"3","page":294},{"text":"وتُعُقِّبَ بأنَّ الحملَ على الرقابِ قدْ يعبرُ بهِ عن المعاني كما تقولُ: حملَ فلانٌ على رقبتِه ديونًا، قالَ: ويؤيدُه أن الكلَّ لا يحملونَه. قالَ المصنفُ بعدَ نقلهِ في الفتحِ (^١): ويؤيدُه حديثُ ابن عمرَ: \"سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إذا ماتَ أحدُكم فلا تحبسُوهُ، وأسرعُوا به إلى قبرِه\". أخرجهُ الطبراني (^٢) بإسنادٍ حَسَنٍ.\nولأبي داودَ (^٣) مرفوعًا: \"لا ينبغي لجيفةِ مسلمٍ أنْ تبقى بينَ ظهراني أهلهِ\".\nوالحديثُ دليلٌ على المبادرةِ بتجهيزِ الميتِ ودفنِه، وهذا في غيرِ المفلوجِ ونحوهِ فإنهُ ينبغي التثبتُ في أمرهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-622>الترغيب في اتباع الجنازة والصلاة عليها</span>\n٣٧/ ٥٣٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتى يُصَلِّيَ عَلَيهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ\"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: \"مِثْلُ الْجَبَلَينِ الْعَظِيمَينِ\" مُتفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). وَلَمُسْلمِ (^٥): \"حَتى تُوضَعَ في اللَّحْدِ\". [صحيح]\n- وَللْبُخَارِيِّ أَيْضًا (^٦) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ: \"مَنْ تَبعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ معه حَتى يُصَلَّى عَلَيهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإنَّهُ يَرْجعُ بِقِيرَاطَينِ، كُلُّ قِيرَاطِ مِثْلُ أُحُدٍ\".\n(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ مَنْ شهدَ الجنازةَ حتى\n_________\n(^١) (٣/ ١٨٤).\n(^٢) في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٤٤) وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف.\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥١٠ رقم ٣١٥٩) بإسناد ضعيف. فيه عزرة أو عروة - شك بعض الرواة - ابن سعيد الأنصاري عن أبيه، وهما مجهولان كما في \"التقريب\" رقم (٤٥٦٢)، وسعيد بن عثمان البلوي مجهول أيضًا.\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٤) البخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٥٢/ ٩٤٥).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١/ ١٠٨ رقم ٤٧).","vol":"3","page":295},{"text":"يصلَّى عليْها فلهُ قيراطٌ، ومنْ شهدَها حتَّى تُدْفَنَ فلهُ قيراطانِ. وقيلَ:) صرَّحَ أبو عوانةَ بأنَّ القائلَ وما القيراطانِ هوَ أبو هريرةَ، (وما القيراطانِ؟ قالَ: مثلُ الجبلينِ العظيمينِ. متفقٌ عليهِ، ولمسلمٍ) أي: [منْ] (^١) حديثِ أبي هريرةَ: (حتَّى يوضعَ في اللَّحد. وللبخاري أيضًا منْ حديثِ أبي هريرةَ: منْ تبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكانَ معهُ حتَّى يصلَّى عليها ويُفْرَغَ منْ دفنِها؛ فإنهُ يرجعُ بقيراطينِ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أُحُدٍ)، فاتفقَا على صدرِ الحديثِ، ثمَّ انفردَ كلُّ واحدٍ منْهما بلفظٍ. وهذَا الحديثُ رواهُ اثنا عشرَ صحابيًا.\nقولُه: \"إيمانًا واحتسابًا\" قيدَ بهِ لأنهُ لا بدَّ منهُ؛ لأنَّ ترتُّبَ الثواب على العملِ يستدعي سبقَ النية فيخرجُ مَنْ فعلَ ذلكَ على سبيلِ المكافأةِ المجرَّدةِ، أو على سبيلِ المحاباة، ذكرهُ المصنفُ في الفتح (^٢). وقولُه: \"مثلُ أُحُدٍ\". ووقعَ في روايةِ النَّسَائِي (^٣): (فلهُ قيراطانِ منَ الأجرِ كلُّ واحدٍ منْهما أعظمُ منْ أُحُدٍ)، وفي روايةٍ لمسلمٍ (^٤): \"أصغرُهما مثلُ أُحُدٍ\"، وعندَ ابن عديٍّ (^٥) منْ روايةِ واثلةَ: \"كُتِبَ لهُ قيراطان منَ الأجرِ أخفُّهما في ميزانهِ يومَ القيامةِ أثقلُ منْ جبلِ أُحُدٍ\". والشهودُ: الحضورُ، وظاهرهُ الحضورُ معَها من ابتداءِ الخروجِ بها. وقدْ وردَ في لفظِ مسلمٍ (^٦): \"مَنْ خرجَ معَ جنازةٍ منْ بيتها، ثمَّ تبعَها حتَّى تدفنَ، كانَ لهُ قيراطانِ منَ الأجرِ، كل قيراطٍ مثل أُحُدٍ، ومن صلَّى عليها ثم رجع كان له قيراطٌ\". والروايات إذا رُدَّ بعضُها إلى بعضٍ تقضي بأنهُ لا يستحقُّ الأجرَ المذكورَ إلَّا مَنْ صلَّى عليْها ثمَّ تبعَها.\nوقالَ المصنفُ ﵀: الذي يظهرُ لي أنهُ يحصلُ الأجرُ لمنْ صلَّى وإنْ لم يتبعْ؛ لأنَّ ذلكَ وسيلةٌ إلى الصلاةِ، لكنْ يكونُ قيراطُ مَنْ صلَّى فقطْ دونَ قيراطِ مَنْ صلَّى وتَبعَ.\n_________\n(^١) في (أ): \"في\".\n(^٢) (٣/ ١٩٧).\n(^٣) (٤/ ٧٧ رقم ١٩٩٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٣ رقم ٥٣/ ٩٤٥).\n(^٥) في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٢٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٣ رقم ٥٦/ ٩٤٥).","vol":"3","page":296},{"text":"[وقد] (^١) أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٢) منْ حديثِ عروةَ عنْ زيدِ بن ثابتٍ: \"إذا صلَّيتَ على جنازةٍ فقدْ قضيتَ ما عليكَ\"، أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٣) بلفظِ: \"إذا صلَّيتُم\" وزادَ في آخرِه: - \"فخلُّوا بينَها وبينَ أهلِها\". ومعناهُ قدْ قضيتَ حقَّ الميتِ، وإن زدت الاتباعَ فلكَ زيادةُ أجرٍ. وعلَّقَ البخاريُّ (^٤) قولَ حميدِ بن هلالٍ: \"ما علمْنا على الجنازةِ إذنًا ولكنْ مَنْ صلَّى ورجعَ فلهُ قيراطٌ\".\nوأما حديثُ أبي هريرةَ: \"أميرانِ وليسا أميرينِ، الرجلُ يكونُ معَ الجنازةِ يصلِّي عليها فليسَ لهُ أنْ يرجعَ حتَّى يستأذنَ وليَّها\"، أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^٥)، فإنه حديثٌ منقطعٌ موقوفٌ. وقدْ رويتْ في معناهُ أحاديثُ مرفوعةٌ كلُّها ضعيفةٌ.\nولما كانَ وزنُ الأعمالِ في الآخرةِ ليسَ لنا طريقٌ إلى معرفةِ حقيقتهِ، ولا يعلمهُ إلَّا اللَّهُ، ولمْ يكنْ تعريفُنا لذلكَ إلا بتشبيههِ بما نعرفُه منْ أحوالِ المقاديرِ شُبِّهَ قدْرُ الأجرِ الحاصلِ منْ ذلكَ بالقيراطِ ليبرزَ لنا المعقولَ في صورةِ المحسوسِ. ولما كانَ القيراطُ حقيرَ القدرِ بالنسبةِ إلى ما نعرفُهُ في الدنيا نبَّهَ على معرفةِ قدْرِهِ بأنهُ كأُحُدٍ، الجبلُ المعروفُ بالمدينةِ.\nوقولُه: \"حتَّى تدفنُ\" ظاهرٌ في وقوعِ مطلقِ الدفن، وإنْ لم يفرغْ منهُ كلُّه. ولفظُ: \"حتَّى توضعَ في اللحدِ\" كذلكَ، وفي الروايةِ الأُخْرى لمسلمٍ (^٦): \"حتَّى يفرغَ منْ دفنِها\"؛ ففِيْها بيانٌ لما في غيرِها.\nوالحديثُ ترغيبٌ في حضورِ الميتِ والصلاةِ عليهِ ودفنهِ، وفيهِ دلالةٌ علَى عِظَمِ فضلِ اللَّهِ وتكريمهِ للميتِ، وإكرامهِ بجزيلِ الإثابةِ لمنْ أحسنَ إليه بعدَ موتهِ.\nتنبيهٌ في حملِ الجنازةِ: أخرجَ البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (^٧) بسنده إلى\n_________\n(^١) في (أ): \"و\".\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ١٩٣).\n(^٣) في \"المصنف\" (٣/ ٣١٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٩٢) الباب (٥٧).\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٥١٤ رقم ٦٥٢٣).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣).\n(^٧) (٤/ ١٩ - ٢٠).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٥١٢ رقم ٦٥١٧). وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٨٣)، والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ١٦٥ رقم ٧٨٤).","vol":"3","page":297},{"text":"عبدِ الله بن مسعودٍ: \"أنهُ قالَ: إذا تبعَ أحدُكم الجنازةَ فليأخذْ بجوانبِ السريرِ الأربعةِ، ثمَّ ليتطوعْ بعدُ، أوْ يذر، فإنهُ منَ السنةِ\". وأخرجَ بسندهِ (^١): \"أن عثمانَ بنَ عفانَ حملَ بينَ العمودينِ سريرَ أمِّه، فلمْ يفارقْهُ حتَّى وضعَهُ\"، وأخرجَ أيضًا (^٢): \"أن أبا هريرةَ - ﵁ - حملَ بينَ عموديْ سريرِ سعدِ بن أبي وقاصٍ\"، وأخرجَ (^٣) [أيضًا] (^٤): \"أن ابنَ الزبيرِ حملَ بينَ عموديْ سريرِ المسوّرِ بن مخرمةَ\"، وأخرجَ (^٥) منْ حديثِ يوسفَ بن ماهكٍ \"قالَ: شهدتُ جنازةَ رافع بن خُدَيْجٍ، وفيْها ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، فانطلقَ ابنُ عمرَ حتَّى أخذَ بمقدَّمِ السريرِ بينَ [القائمتين] (^٦) فوضعَهُ على كاهلهِ ثمَّ مشَى بها\"، انتهَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-623>أيهما أفضل المشي أمام الجنازة أم خلفها</span>\n٣٨/ ٥٣٧ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ -: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُمْ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٧) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٨)،\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠).\nقلت: وأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٣٧٦ رقم ٣٠٢٤)، والشافعي في \"المسند\" (ص ٣٥٧) وفي \"الأم\" (١/ ٣٠٧).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠).\nقلت: وأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٣٧٦ رقم ٣٠٢٥)، والشافعي في \"المسند\" (ص ٣٥٧)، وفي \"الأم\" (١/ ٣٠٧).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠).\nقلت: وأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٥/ ٣٧٦ رقم ٣٠٢٦) والشافعي في \"المسند\" (ص ٣٥٧) وفي \"الأم\" (١/ ٣٠٧).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٠ - ٢١).\nقلت: والشافعي في \"الأم\" (١/ ٣٠٧).\n(^٦) في (ب): \"القائمين\".\n(^٧) أحمد (٢/ ٨)، والترمذي (١٠٠٧)، وأبو داود (٣١٧٩)، والنسائي (٤/ ٥٦)، وابن ماجه (١٤٨٢) بإسناد صحيح.\n(^٨) في \"الإحسان\" (٧/ ٣١٧ رقم ٣٠٤٥).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٣٣٢ رقم ١٤٨٨)، والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ١٦٥ رقم ٧٨٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٧٧)، والطحاوي في =","vol":"3","page":298},{"text":"وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ (^١) وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-624>ترجمة سالم بن عبد الله</span>\n(وعنْ سالمٍ) (^٣) هو أبو عبدِ اللَّهِ، أو أبو عمر سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ بن الخطابِ أحدُ فقهاءِ المدينةِ، من ساداتِ التابعينَ وأعيانِ علمائِهم، رَوَى عنْ أبيهِ وغيرِه، ماتَ سنةَ ستٍ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ) هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ (أنه رَأى النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمرَ، وهمْ يمشونَ أمامَ الجنازةِ. رواهُ الخمسة، وصحَّحهُ ابن حبانَ، وأعلَّهُ النَّسَائِيُّ وطائفةٌ بالإرسال). اختُلِفَ في وصلِه وإرسالِه فقالَ: أحمدُ: إنَّما هوَ عن الزهريِّ مرسل، وحديثُ سالمٍ موقوفٌ على ابن عمرَ منْ فعلهِ.\n_________\n=\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٩)، والدارقطني (٢/ ٧٠ رقم ١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣).\n(^١) في \"السنن\" بقوله: هذا خطأ والصواب مرسل.\n(^٢) كابن المبارك، وأحمد ومحمد بن إسماعيل … انظر: \"التلخيص\" (٢/ ١١١ - ١١٢) و\"نصب الراية\" (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\nقلت: لم ينفرد ابن عيينة بوصله بل تابعه عليه زياد بن سعد، ومنصور، وبكر بن وائل.\nأخرج متابعتهم: أحمد (٢/ ٣٧)، والترمذي (١٠٠٨)، والنسائي (٤/ ٥٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣).\nوتابعه أيضًا ابن أخي ابن شهاب عند أحمد (٢/ ١٢٢).\nويونس عند الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٩).\nوعقيل عند أحمد (٢/ ١٤٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، وابن جريج عند الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢١٣ رقم ٥٩١)، وأحمد (٢/ ٣٧).\nويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وعباس بن الحسن الحراني. أخرج متابعتهم ابن عبد البر في \"التمهيد\".\nفهؤلاء أحد عشر حافظًا ثقة تابعوه على وصله، فلم يبق أدنى شك في صوابه وخطأ من وهَّمه، وإن كان معمر، وابن جريج، ويونس، وعقيل قد اختلف عليهم أيضًا فرُوي عنهم مرسلًا وموصولًا؛ لأنهم سمعوا من الزهري كذلك؛ لأنَّه كما هو معلوم عنه كان يوصل الحديث مرة ويرسله مرارًا اختصارًا واعتمادًا على معرفة أصله وإسناده.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٩٥)، ووفيات الأعيان (٢/ ٣٤٩)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢٥٦)، وشذرات الذهب (١/ ١٣٣).","vol":"3","page":299},{"text":"قال الترمذيُّ (^١): أهلُ الحديثِ يرونَ المرسلَ أصحَّ، وأخرجهُ ابن حبانَ في صحيحهِ (^٢) عن الزهريِّ، عنْ سالمِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ: \"كانَ يمشي بينَ يديْها، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ\".\nقال الزهريُّ: وكذلكَ السنةُ. وقدْ ذكرَ الدارقطنيُّ في العِلَلِ اختلافًا كثيرًا فيهِ عن الزهريِّ قال: والصحيحُ قول مَنْ قال عن الزهري عنْ سالم عنْ أبيهِ: \"أنهُ كانَ يمشي\"، قال: \"وقدْ مَشَى رسول اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ - ﵄ -[يعني] (^٣) بينَ يديْها\"، وهذَا مرسلٌ.\nوقال البيهقيُّ (^٤): إنَّ الموصول أرجحُ؛ لأنهُ منْ روايةِ ابن عيينةَ، وهوَ ثقةٌ حافظٌ، وعنْ علي بن المديني قالَ: قلتُ لابن عيينةَ: \"يا أبا محمدٍ، خالفكَ الناسُ في هذا الحديثِ، فقال: استيقنَ الزهريُّ حدثنيهِ مرارًا لستُ أحصيهِ يعيدُه ويُبْدِيهِ، سمعتُه منْ فيهِ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ\".\nقال المصنفُ (^٥): وهذَا لا ينفي الوهمَ لأنهُ ضبطَ أنهُ سمعهُ منهُ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ والأمرُ كذلكَ، إلَّا أن فيهِ إدراجًا، ولعلَّ الزهريَّ أدمَجه وحدَّثَ بهِ ابنُ عيينةَ، [وفصَّله لغيره] (^٦).\nوللاختلافِ في الحديثِ اختلفَ العلماءُ على [خمسة] (^٧) أقوالٍ:\nالأولُ: أن المشيَ أمامَ الجنازةِ أفضلُ لورودِه منْ فعلهِ - ﷺ -، وفعلِ الخلفاءِ. وذهبَ إليهِ الجمهور والشافعي.\nوالثاني: للهادويةِ والحنفيةِ أنَّ المشيَ خلفَها أفضلُ لما رواهُ ابنُ طاوسٍ عن\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٣٣٠).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٢٠ رقم ٣٠٤٨) بإسناد صحيح.\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣٧، ١٤٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٩ - ٤٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٢٨٦ رقم ١٣١٣٣ و١٣١٣٦) من طرق عن الزهري.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٤).\n(^٥) في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١١٢).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"3","page":300},{"text":"أبيهِ: \"ما مشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ حتَّى ماتَ إلا خلفَ الجنازةِ\" (^١)، ولما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٢) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ \"قالَ: المشيُ خلفَها أفضلُ منَ المشي أمامَها، كفضلِ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ\"، إسنادهُ حسنٌ، وهوَ موقوفٌ لهُ حكمُ الرفعِ. وحَكَى الأثرمُ أن أحمدَ تكلَّمَ في إسنادهِ.\nوالثالثُ: أنهُ يمشي بينَ يديْها، وخلفَها، وعنْ يمينِها، وعنْ شمالِها. علَّقَهُ البخاريُّ (^٣) عنْ أنسٍ، وأخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) موصولًا، وكذَا عبدُ الرزاقِ (^٥). وفيهِ التوسعةُ على المشيِّعينَ وهوَ يوافقُ سنةَ الإسراعِ بالجنازةِ، وأنَّهم لا يلزمونَ مكانًا واحدًا يمشونَ فيهِ لئلَّا يشقَّ عليْهم أو على بعضِهم.\nالقولُ الرابعُ: للثوريِّ أن الماشي يمشي حيثُ شاءَ، والراكبُ خلفَها، لما أخرجهُ أصحابُ السننِ (^٦)، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (^٧)، والحاكمُ (^٨) منْ حديثِ المغيرةِ مرفوعًا: \"الراكبُ خلفَ الجنازةِ والماشي حيثُ شاءَ منْها\".\nالقولُ الخامسُ: للنخعي إنْ كانَ معَ الجنازةِ نساءٌ مشيَ أمامَها وإلَّا فخلفَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-625>النهي عن اتباع النساء الجنازة</span>\n٣٩/ ٥٣٨ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - ﵂ - قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتّباعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٤٤٥ رقم ٦٢٦٢) وهذا سند صحيح على شرط الجماعة - كما في \"الجوهر النقي\" (٤/ ٢٥).\n(^٢) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ١٨٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ١٨٢ رقم الباب ٥١).\n(^٤) في \"المصنف\" (٣/ ٢٧٨).\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٤٤٥ رقم ٦٢٦١).\n(^٦) الترمذي (رقم ١٠٣١)، والنسائي (٤/ ٥٥) و(٤/ ٥٦)، وابن ماجه (١٤٨١)، وأبو داود (٣١٨٠)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٧) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٢٠ رقم ٣٠٤٩).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٣٥٥، ٣٦٣) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في \"الأحكام\" (ص ٧٣).\nوالخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٩) البخاري (١٢٧٨)، ومسلم (٩٣٨).=","vol":"3","page":301},{"text":"(وعنْ أمِّ عطيةَ قالتْ: نُهينا) مبني للمجهولِ (عن اتباعِ الجنازةِ ولمْ يُعْزَمْ علينَا. [متفق عليهِ]) (^١). جمهورُ أهلِ الأصولِ والمحدِّثينَ أن قولَ الصحابيِّ نُهينَا، أوْ أُمِرْنا بعدمِ ذكرِ الفاعلِ لهُ حكمُ المرفوعِ؛ إذِ الظاهرُ [منْ ذلكَ] (^٢) أنَّ الآمرَ والناهيَ هوَ النبيُّ ﷺ، وأمَّا هذَا الحديثُ فقدْ ثبتَ رفعُه، [وأنهُ] (^٣) أخرجهُ البخاريُّ في باب الحيضِ عنْ أمِّ عطيةَ بلفظ: \"نهانَا رسولُ اللهِ ﷺ الحديثَ\" إلَّا أنهُ مرسلٌ لأنَّ أَمَّ عطيةَ لم تسمعُه منهُ لما أخرجهُ الطبراني (^٤) عنْها \"قالتْ: لما دخلَ النبيُّ ﷺ المدينةَ جمعَ النساءَ في بيتٍ، ثمَّ بعثَ إلينا عمرُ فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعثني إليكنَّ لأبايعكنَّ على أنْ لا تسرقْنَ\" الحديثَ، وفيهِ: \"نهانا أنْ نخرج في جنازةٍ\".\nوقولُها: ولمْ يعزمْ علينَا ظاهرٌ في أن النهيَ للكراهةِ لا للتحريمِ، كأنَّها فهمتْهُ منْ قرينةٍ، وإلَّا فأصلُهُ التحريمُ وإلى أنهُ للكراهةِ ذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ، ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبة (^٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ: \"أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في جنازةٍ فرأى عمرُ امرأةً فصاحَ بها فقالَ: دعْها يا عمرُ\" الحديثَ، وأخرجهُ النَّسَائِيُّ (^٦)، وابنُ ماجه (^٧) منْ طريقٍ أُخْرى [ورجاله] (^٨) ثقاتٌ.\n_________\n=قلت: وأخرجه أبو داود (٣١٦٧)، وابن ماجه (١٥٧٧).\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"فإنه\".\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٤٥).\n(^٥) في \"المصنف\" (٣/ ٢٨٥).\n(^٦) في \"السنن\" (٤/ ١٩ رقم ١٨٥٩).\n(^٧) في \"السنن\" (١/ ٥٠٥ رقم ١٥٨٧).\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الموارد\" رقم (٧٤٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٨١)، وأحمد (٢/ ١١٠، ٢٧٣، ٣٣٣، ٤٠٨، ٤٤٤)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، والبيهقي (٤/ ٧٠). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nورمز السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٣/ ٥٢٩ - ٥٣٠ رقم ٤٢١٦ - مع الفيض) لصحَّته.\nوصحَّحه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٨/ ١٤٧).\nولكن الألباني ضعَّف الحديث في ضعيف الجامع (٣/ ١٥٥ رقم ٢٩٨٧).\nقلت: وهو الحق؛ لأن \"سلمة بن الأزرق\" لا يعرف كما قال الذهبي في \"المغني\" (١/ ٢٧٤).\n(^٨) في (ب): \"ورجالها\".","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-626>القيام للجنازة</span>\n٤٠/ ٥٣٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلا يَجْلِسْ حَتى تُوضَعَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي سعيدٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا رأيتُم الجنازةَ فقومُوا، فمنْ تبعَها فلا يجلسْ حتَّى توضعَ. متفقٌ عليهِ). الأمرُ ظاهرٌ في وجوب القيامِ للجنازةِ إذا مرتْ بالمكلفِ، وإنْ لمْ يقصدْ تشييعَها، وظاهرهُ [عمومُ] (^٢) كلِّ جنازةٍ منْ مؤمنٍ وغيرِه، ويؤيدُه أنهُ أخرجَ البخاريُّ (^٣) \"قيامَهُ - ﷺ - لجنازةِ يهوديٍّ مرَّتْ بهِ\"، وعلَّلَ ذلكَ بأنَّ الموتَ فزعٌ، وفي روايةٍ (^٤): \"أليستْ نفسًا\".\nوأخرجَ الحاكمُ (^٥): \"إنَّما قُمنَا للملائكةِ\"، وأخرجَ أحمدُ (^٦)، والحاكمُ (^٧)، [وابنُ (^٨) حبانَ] (٢)، إنَّما نقومُ إعظامًا للذي يقبضُ النفوسَ\"، ولفظُ ابن حبانَ: \"إعظامًا للَّهِ\"، ولا منافاةَ بينَ التعليلينِ.\nوقدْ عارضَ هذَا الأمرَ حديثُ عليٍّ ﵇ عندَ مسلمٍ (^٩): \"إنهُ - ﷺ - قامَ للجنازةِ ثمَّ قعدَ\"، والقولُ بأنهُ يحتملُ أن مرادَهُ قامَ ثمَّ قعدَ لما بعدتْ عنهُ يدفعُه أن عليًا أشارَ إلى قومٍ بأنْ يقعدُوا ثمَّ حدَّثَهم الحديثَ. ولما تعارضَ الحديثانِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ الشافعيُّ إلى أن حديثَ علي ناسخٌ للأمرِ بالقيامِ،\n_________\n(^١) البخاري (١٣١٠)، ومسلم (٩٥٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٧٣)، والترمذي (١٠٤٣)، والنسائي (٤/ ٤٤ رقم ١٩١٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ١٧٩ رقم ١٣١١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٧٩ - ١٨٠ رقم ١٣١٢).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٣٥٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(^٦) في \"المسند\" (٢/ ١٦٨).\n(^٧) في \"المستدرك (١/ ٣٥٧).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٢٤ - ٣٢٥ رقم ٣٠٥٣).\nوصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٢٧) ونسبه لأحمد والبزار - (٨٣٦) - والطبراني في \"الكبير\" ورجال أحمد ثقات.\n(^٩) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦١ رقم ٩٦٢).","vol":"3","page":303},{"text":"ورُدَّ بأنَّ حديثَ عليٍّ ليسَ نصًا في النسخِ، لاحتمالِ أن قعودَهُ - ﷺ - كانَ لبيانِ الجوازِ، ولذَا قالَ النوويُّ: المختارُ أنهُ مستحبٌّ، وأمَّا حديثُ عبادةَ بن الصامتِ: \"أنهُ كانَ - ﷺ - يقومُ للجنازةِ فمرَّ به حبرٌ منَ اليهودِ فقالَ: هكذا نفعلُ، فقالَ: اجلسُوا وخالفُوهم\"، أخرجهُ أحمدُ (^١)، وأصحابُ السننِ (^٢)، إلَّا النسائيَّ، وابنَ ماجهْ، والبزارَ، والبيهقيَّ؛ فإنهُ حديثٌ ضعيفٌ فيهِ بشرُ بنُ رافعٍ (^٣)، قالَ البزارُ: [تفرد] (^٤) به بشرٌ [بن رافع] (^٥)، وهوَ لينٌ الحديثَ.\nوقولُهُ: \"ومَنْ تبعَها فلا يجلسْ حتَّى تُوضعَ\"، أفاد النهيَ لمنْ شيَّعَها عن الجلوسِ حتَّى توضعَ، ويحتملُ أنَّ المرادَ [حتّى] (^٦) توضعَ في الأرضِ، أو توضعَ في اللَّحدِ. وقدْ رُوِيَ الحديثُ باللفظينِ إلَّا أنهُ رجحَ البخاريُّ وغيرُه روايةَ: \"توضعُ في الأرضِ\"، فذهبَ بعضُ السلفِ إلى وجوب القيامِ حتَّى توضعَ الجنازةُ لما يفيدُه النهيُ هنَا، ولما عندَ النَّسَائِي (^٧) منْ حديثِ أَبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ: \"ما رأينَا رسولَ اللَّهِ ﷺ شهدَ جنازة قطُّ، فجلسَ حتَّى توضعَ\".\nوقالَ الجمهورُ: إنهُ مستحبٌّ. وقدْ رَوَى البيهقيُّ (^٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ وغيره: \"أن القائمَ كالحاملِ في الأجرِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-627>إدخالُ الميتِ القبرَ من جهةِ رأسه أو رجليه</span>\n٤١/ ٥٤٠ - وَعَنْ أَبي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَدْخَلَ الْمَيِّتَ مِنْ\n_________\n(^١) لم أجده في المسند.\n(^٢) أبو داود (٣١٧٦)، والترمذي (١٠٢٠)، وابن ماجه (١٥٤٥).\nقلت: في سند الترمذي وابن ماجه بشر بن رافع، وهو ضعيف.\nوفي سند أبي داود عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية، عن أبيه. وهما ضعيفان.\n(^٣) قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٩٩ رقم ٥٤): \"بشر بن رافع الحارثي، أبو الأسباط النجراني، فقيه ضعيف الحديث\" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"انفرد\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٤٤ - ٤٥ رقم ١٩١٨) بإسناد حسن.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٧).","vol":"3","page":304},{"text":"قِبَلِ رِجْلَي الْقَبْرِ. وَقَال: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-628>ترجمة أبي إسحاق</span>\n(وعنْ أبي إسحاقَ) (^٢) هوَ السبيعيُّ بفتحِ السينِ المهملةِ، وكسرِ الباءِ الموحدةِ، والعينِ المهملةِ، الهمدانيِّ الكوفيِّ، رأى عليًا ﵇ وغيرَهُ منَ الصحابةِ، وهوَ تابعيٌّ مشهورٌ كثيرُ الروايةِ، ولدَ لسنتينِ منْ خلافةِ عثمانَ، وماتَ سنةَ تسعٍ وعشرينَ ومائةٍ، (أن عبدَ اللَّهِ بنَ يزيدَ) هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ الخطميِّ بالخاءِ المعجمةِ، الأوسيِّ، كوفيٌّ شهدَ الحديبيةَ وهوَ ابنُ سبعَ عشرةَ سنةً، وكانَ أميرًا على الكوفةِ، وشهدَ معَ عليٍّ ﵁ صِفِّينَ والجملَ، ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ (^٣).\n(أدخلَ الميتَ منْ قبلِ رجلي القبرِ) أي: منِ جهةِ المحلِّ الذي يوضعُ فيهِ رِجْلَا الميتِ فهوَ منْ إطلاقِ الحالِ على المحلِّ (وقالَ هذَا من السنةِ. أخرجهُ أبو داودَ). ورُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ قال: \"صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةِ رجلٍ منْ ولدِ عبدِ المطلبِ، فأمرَ بالسريرِ فوُضِعَ منْ قِبَلِ رجلي اللحدِ، ثمَّ أمرَ بهِ فسُلَّ سلًّا\". ذكرهُ الشارحُ ولمْ يخرجْهُ (^٤). وفي المسألةِ ثلاثةُ أقوال:\nالأولُ: ما ذُكِرَ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ، والشافعيُّ، وأحمدُ (^٥).\nوالثاني: يُسَلَّ منْ قِبَلِ رأسهِ لما رَوَى الشافعيُّ (^٦) عن الثقةِ مرفوعًا منْ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٥٤٥ رقم ٣٢١١).\nقال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وقد قال: \"هذا من السنة\" فصار كالمسند. وقد روِّينا هذا القول عن ابن عمر وأنس بن مالك … \" \"المختصر\" (٤/ ٣٣٦).\nوالخلاصة: فالحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٦/ ٣١٣، ٣١٥)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٤٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١١٤)، و\"تاريخ الفسوي\" (٢/ ٦٢١).\n(^٣) (٢/ ٣٩١ - بهامش الإصابة).\n(^٤) أخرجه الإمام زيد في \"المسند\" (٢/ ٥٠٣ - الروض النضير).\n(^٥) انظر: \"الروض النضير\" (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، و\"نيل الأوطار\" (٤/ ٨١)، و\"المجموع\" (٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، و\"المغني\" (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^٦) في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢١٥ رقم ٥٩٨).\nومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٤/ ٥٤)، وفي إسناده عمر بن عطاء بن وَرَاز الراوي عن عكرمة ضعَّفه يحيى، والنسائي [\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢١٣)].","vol":"3","page":305},{"text":"حديثِ ابن عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - سلَّ ميتًا منْ قِبَلِ رأسهِ\". وهذا أحدُ قوليْ الشافعيِّ.\nوالثالثُ: لأبي حنيفةَ أنهُ يُسَلَّ منْ قبلِ القبلةِ معترضًا إذْ هوَ أيسرُ.\nقلت: بلْ وردَ بهِ النصُّ كما يأتي في شرحِ حديثِ جابرٍ (^١) في النهي عن الدفنِ ليلًا. فإنهُ أخرجَ الترمذيُّ (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ما [هوَ نصُّ] (^٣) في إدخالِ الميتِ منْ قبلِ القبلةِ، ويأتي أنهُ حديثٌ حسنٌ؛ فيستفادُ منَ المجموعِ أنهُ فعلٌ مخيَّرٌ فيهِ.\nفائدةٌ: اختلفَ في تجليل القبرِ بالثوبِ عندَ مواراةِ الميتِ؛ فقيلَ: يُجَلَّلُ سواءٌ كانَ المدفونُ امرأة أو رجلًا لما أخرجهُ البيهقيُّ (^٤) [لا أحفظهُ] (^٥) إلَّا منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: \"جلَّلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - قبرَ سعدٍ بثوبِهِ\"، قالَ البيهقيُّ: لا أحفظُهُ إلَّا منْ حديثِ يحيى بن عقبةَ بن أبي العيزارِ، وهوَ ضعيفٌ. وقيلَ: يختصُّ بالنساءِ لما أخرجهُ البيهقيُّ (^٦) أيضًا منْ حديثِ أبي إسحاقَ: \"أنهُ حضرَ جنازةَ الحارِثِ الأعورِ، فأبى عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ أن يبسطُوا عليهِ ثوبًا وقالَ: إنهُ رجلٌ\".\nقالَ البيهقيُّ: وهذَا إسنادهُ صحيحٌ وإنْ كانَ موقوفًا.\nقلتُ: ويؤيدُه ما أخرجهُ البيهقيُّ (^٧) أيضًا عنْ رجلٍ منْ أهلِ الكوفةِ: \"أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ أتاهمْ يدفنونَ ميْتًا، وقدْ بُسطَ الثوبَ على قبرِه، فجذبَ الثوبَ منْ القبرِ، وقالَ: إنَّما يُصنعُ هذَا بالنساءِ\".\n_________\n(^١) رقم (٥٧/ ٥٥٦).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣٧٢ رقم ١٠٥٧) وقال: حديث حسن.\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٣٠٠) وأنكر عليه لأن مداره على الحجَّاج بن أرطأة، وهو مدلِّس، ولم يذكر سماعًا، والمنهال بن خليفة راويه عن الحجَّاج ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) في (أ): \"نصه\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٤) من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٤) وصحح إسناده.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٤) وهو في معنى المنقطع لجهالة الرجل من أهل الكوفة.","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-629>ما يقال عند دفن الميت</span>\n٤٢/ ٥٤١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ في الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِي (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤)، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بالْوَقْفِ (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمر - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: إذا وضعتمْ موتاكم في القبورِ فقولُوا: بسمِ اللهِ وعلى ملَّةِ رسولِ اللهِ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالوقْفِ)، ورجَّحَ النسائيُّ وقْفَهُ على ابن عمرَ أيضًا إلَّا أنهُ لهُ شواهدُ مرفوعةٌ ذكرَها في الشرحِ (^٦).\nوأخرجَ الحاكمُ (^٧)، والبيهقي (^٨) بسندٍ ضعيفٍ: \"أنَّها لما وُضِعَتْ أمّ كلثوم بنتُ النبيِّ - ﷺ - في القبرِ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، بسمِ اللَّهِ وفي سبيلِ اللَّهِ، وعلى ملَّةِ رسولِ اللَّهِ\"، وللشافعيِّ (^٩)\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٢٧، ٤٠، ٥٩، ٦٩، ١٢٧ - ١٢٨).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٥٤٦ رقم ٣٢١٣).\n(^٣) في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٥٨٦ رقم ١٠٨٨).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٧٦ رقم ٣١١٠).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (٥٤٨)، والحاكم (١/ ٣٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٥) من طرق عن همام. وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الترمذي (٣/ ٣٦٤ رقم ١٠٤٦)، وابن ماجه (١/ ٤٩٤ رقم ١٥٥٠) من طريق الحجاج. وابن ماجه أيضًا (١٥٥٠) من طريق ليث بن أبي سليم، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٥) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٢٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٥) موقوفًا على ابن عمر.\n(^٦) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢). و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٢٩ - ١٣٠).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٧٩). وقال الذهبي: \"لم يتكلم عليه - أي: الحاكم - وهو خبر واه لأن علي بن يزيد متروك\".\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٠٩) وقال: هذا إسناد ضعيف.\n(^٩) في \"الأم\" (١/ ٣١٧).","vol":"3","page":307},{"text":"دعاءٌ آخرُ استحسنهُ. فدلَّ كلامُه [على] (^١) أنهُ يختارُ الدافنُ منَ الدعاءِ للميتِ ما يراهُ، وأنهُ ليسَ فيهِ حدٌّ محدودٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-630>يمتنع عن إيذاء الميت بما يَتَأَذَّى به الحيُّ</span>\n٤٣/ ٥٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (^٣). [صحيح]\n- وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ (^٤) مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -: \"في الإِثْمِ\". [صحيح]\n(وعنْ عائشةُ - ﵂ - رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: كسرُ عظمِ الميتِ ككسرهِ حيًا. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ على شرطِ مسلمٍ، وزادَ ابنُ ماجهْ) أي: في الحديثِ [هذَا] (^٥)، وهوَ قولهُ: (منْ حديثِ أمِّ سلمةَ: في الأثمِ) بيانٌ للمثليةِ.\nفيهِ دلالةٌ على وجوبِ احترامِ الميتِ كما يُحتَرمُ الحيُّ، ولكنْ بزيادةِ: \"في الإثمِ\" [إثبات] (^٦) أنهُ يفارقُه منْ حيثُ إنهُ لا يجبُ الضمانُ، وهوَ يحتملُ أن الميتَ يتألمُ كما يتألمُ الحيُّ. وقدْ وردَ بهِ حديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-631>اللَّحد والشق في القبر</span>\n٤٤/ ٥٤٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: الْحَدُوا لي لَحْدًا، وَانْصِبُوا\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) قلت: الخير في الاتباع والشر في الابتداع.\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤ رقم ٣٢٠٧).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٥١٦ رقم ١٦١٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٤٨، ١٦٨، ٢٠٠، ٢٦٤)، والدارقطني (٣/ ١٨٨ رقم ٣١٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١٨٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٨) من طرق عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد عن عمرة به.\nوله طرق أخرى عند أحمد (٦/ ١٠٠، ١٠٥)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ١٠٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٥)، والدارقطني (٣/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم ٣١٤) وبها يصح، والله أعلم.\n(^٥) في (ب): \"الثالث والأربعون\".\n(^٦) في (ب): \"أنبأتْ\".","vol":"3","page":308},{"text":"عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ قالَ: الحَدُوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبنَ نصْبًا كما صُنِعَ برسولِ اللَّهِ - ﷺ -. رواهُ مسلمٌ). هذَا الكلامُ قالهُ سعدٌ لما قيلَ لهُ: ألا نتَّخذ لكَ شيئًا كأنهُ الصندوقُ منَ الخشبِ؟ فقالَ: [بل] (^٢) اصنعُوا فذكرهُ، واللحدُ بفتحِ اللامِ وضمِّها، هوَ الحفرُ تحتَ الجانبِ القبلي منَ القبرِ، وفيهِ دلالةٌ أنهُ لُحِدَ لهُ - ﷺ -. وقدْ أخرجهُ أحمدُ (^٣)، وابنُ ماجهْ (^٤) بإسنادٍ حسنٍ \"أنهُ كانَ بالمدينةِ رجلانِ، رجلٌ يَلْحَدُ، ورجلٌ يشقُّ، فبعثَ الصحابةُ في طلبهمَا فقالُوا: أيُّهما جاءَ عملَ عملَهُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، فجاءَ الذي يُلحدُ فلحدَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ومثلُهُ عن ابن عباسٍ عندَ أحمدَ (^٥)، والترمذيِّ (^٦): \"وأن الذي كان يشق هو أبو عبيدة، وأنَّ الذي كانَ يلحد هوَ أبو طلحةَ الأنصاريِّ\"، وفي إسنادهِ ضعفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنّ اللَّحدَ أفضل.\n٤٥/ ٥٤٤ - وَللْبَيْهَقيِّ (^٧) عَنْ جَابرٍ - ﵁ - نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [صحيح]\n(وللبيهقي) أي: رَوَى البيهقيُّ (عنْ جابرٍ نحوَهُ) أي: نحوَ حديثِ سعدٍ (وزادَ: ورُفِعَ قبرُهُ أعنِ [الأرضِ] (^٩) قدْرَ شبرٍ، وصحَّحهُ بنُ حبانَ).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦٥ رقم ٩٠/ ٩٦٦).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤/ ٨٠).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٩٩).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٤٩٦ رقم ١٥٥٧) من حديث أنس.\nوحسَّن الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٢٨) إسناده.\n(^٥) في \"المسند\" (رقم ٢٣٥٧ و٢٦٦١ - شاكر).\n(^٦) لم أجده في سنن الترمذي بل أخرجه ابن ماجه (١٦٢٨).\nوهو حديث ضعيف.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤١٠).\n(^٨) في \"الإحسان\" (١٤/ ٦٠٢ رقم ٦٦٣٥) بإسناد صحيح على شرط مسلم.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"3","page":309},{"text":"هذَا الحديثُ أخرجهُ البيهقيُّ، وابنُ حبانَ منْ حديثِ جعفرِ بن محمدٍ عنْ أبيهِ، عنْ جابرٍ. وفي البابِ منْ حديثِ القاسم بن محمدٍ قالَ: \"دخلتُ على عائشةَ فقلتُ: يا أماهُ اكشفي لي عنْ قبرِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وصاحبيْهِ، فكشفت لهُ عنْ ثلاثةِ قبورٍ، لا مشرفةً، ولا لاطئةً، مبطوحةً ببطحةِ العرَصَةِ الحمراءِ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^١)، والحاكمُ (^٢). وزادَ: \"ورأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - مقدَّمًا، وأبو بكرٍ رأسُهُ بينَ كتفي رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وعمرَ رأسُه عندَ رجلي رسولِ اللَّهِ - ﷺ - \".\nوأخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (^٣) عنْ صالحٍ بن أبي صالحٍ قالَ: \"رأيتُ قبرَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - شبرًا أو نحوَ شبرٍ\"، ويعارضُه ما أخرجهُ البخاريُّ (^٤) منْ حديثِ سفيانَ التَّمَّارِ: \"أنهُ رأى قبرَ النبيِّ - ﷺ - مسنَّمًا\" أي: مرتفعًا كهيئةِ السَّنَامِ. وجمَعَ بينَهما البيهقي، بأنهُ كانَ أوَّلًا مسطَّحًا، ثمَّ لما سقطَ الجدارُ في زمنِ الوليدِ بن عبدِ الملكِ أصلحَ، فجُعِلَ مسنَّمًا.\nفائدة: كانتْ وفاتُهُ - ﷺ - يوم الاثنينِ عندَما (^٥) زاغتِ الشمسُ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ منْ ربيع الأولِ، ودُفِنَ يومَ الثلاثاءِ كما في الموطأِ (^٦). وقالَ جماعةٌ: يومَ الأربعاءِ، وتولى غسلَهُ ودفنَهُ علي والعباسُ وأسامةُ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٥٤٩ رقم ٣٢٢٠).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٣٦٩) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني في \"الأحكام\" (ص ١٥٥) علة الحديث عمرو بن عثمان بن هاني، وهو مستور كما قال الحافظ في \"التقريب\" ولم يوثقه أحد البتة، فتصحيح الحاكم لحديثه من تساهله المعروف، ومتابعة الذهبي له من أوهامه الكثيرة التي لا تخفى على من تتبع كلامه في \"تلخيص المستدرك\" اهـ.\nقلت: وأخرج الحديث ابن حزم (٥/ ١٣٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣)، وانظر: كلام البيهقي ورد ابن التركماني عليه في \"الجوهر النقي\".\n(^٣) (ص ٣٠٣، رقم ٤٢١) وانظر: كلام الشيخ شعيب عليه.\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٣/ ٩٨ - ١٩٩).\n(^٥) في المخطوط (أن) والصواب ما أثبتناه.\n(^٦) (١/ ٢٣١ رقم ٢٧) بلاغًا. قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه من الوجوه، غير بلاغ مالك هذا. ولكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك.","vol":"3","page":310},{"text":"أخرجهُ أبو داودُ (^١) منْ حديثِ الشعبيِّ وزادَ: \"وحدَّثني مرحبٌ\" كذا في الشرحِ. والذي في التلخيصِ (^٢): \"مُرَحَّبٌ أو أبو مُرَحَّبٍ\" بالشكِّ، \"أنَّهمْ أدخلُوا معهم عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ\"، وفي روايةِ البيهقي (^٣) زيادةٌ معَ عليٍّ والعباسِ: \"الفضلُ بنُ العباسِ، وصالحٌ وهوَ شقرانُ\" ولم يذكرِ ابنُ عوفٍ. وفي روايةٍ لهُ، ولابنِ ماجهْ (^٤): \"عليٌّ والفضلُ وقثمُ وشقرانُ\"، وزادَ: \"وسوَّى لحده رجلٌ منَ الأنصارِ\". وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ مَنْ نَقَصَ فباعتبارِ ما رأَى أولَ الأمرِ، ومَنْ زَادَ أراد بهِ آخرَ الأمرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-632>النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها</span>\n٤٦/ ٥٤٥ - وَلمُسْلِمٍ (^٥) عَنْهُ - ﵁ -: نَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنى عَلَيْهِ. [صحيح]\n(ولمسلمٍ عنهُ) أي: عنْ جابرٍ (نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأنْ يُقْعَدَ عليهِ، وأنْ يبنَى عليهِ). الحديث دليلٌ على تحريمِ الثلاثةِ المذكورةِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وذهبَ الجمهورُ إلى أن النهيَ في البناءِ والتجصيص للتنزيه، [وعن] (^٦) القعودِ للتحريمِ، وهوَ جميعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، ولا يعرفُ ما الصارفُ عنْ حملِ الجميعِ على الحقيقةِ التي هي أصلُ النهي.\nوقدْ وردتِ الأحاديثُ في النهي عن البناءِ على القبورِ، والكتْبِ عليها،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥ رقم ٣٢٠٩ و٣٢٢٠) وهو مرسل صحيح، وله شاهد من حديث علي - ﵁ - عند الحاكم (١/ ٣٦٤)، وعند البيهقي (٤/ ٥٣)، وصحَّحَهُ الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٢) (٢/ ١٢٨ رقم ٧٨٤)، وانظر: \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ٤١٥).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٣).\n(^٤) في \"السنن\" (١/ ٥٢١)، وهو حديث ضعيف.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦٧ رقم ٩٤/ ٩٧٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٢٥ و٣٢٢٦)، والنسائي (٢٠٢٩)، والترمذي (١٠٥٢)، وابن ماجه (١٥٦٢).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"3","page":311},{"text":"والتسريب، وأنْ يزادَ فيها، وأنْ توطأَ. فأخرجَ أبو داودَ (^١)، والترمذيُّ (^٢)، والنسائي (^٣) منْ حديثِ ابن مسعود مرفوعًا: \"لعنَ اللَّهُ زائراتِ القبورِ، والمتَّخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ\"، وفي لفظٍ للنسائيِّ (^٤): \"نَهَى [عن] (^٥) أنْ يُبْنَى على القبرِ، أو يزادَ عليهِ، أو يجصَّصَ، أو يكتبَ عليهِ\".\nوأخرجَ البخاري (^٦) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في مرضهِ الذي لمْ يقمْ منهُ: \"لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنَّصارى] (^٧)، اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ\"، واتفقَا (^٨) على إخراجِ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: \"لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنصارى] (^٩) اتخذُوا قبورَ أنبيائِهمُ مساجدَ\".\nوأخرجَ الترمذيُّ (^١٠): \"أن عليًا - ﵇ - قالَ لأبي الهياجِ الأسدي: أبعثُكَ على ما بعثَني عليهِ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، أنْ لا أدعَ قبرًا مشرفًا إلا سوَّيتَه، ولا تمثالًا إلا طمستَه\"، قالَ الترمذي: حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ فكرهُوا أنْ يرفعَ القبرُ فوقَ الأرضِ.\nقالَ الشارحُ - ﵀ -: وهذهِ الأخبارُ المعبَّرُ فيها باللعنِ والتشبيه بالوثن بقولهِ:\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٥٥٨ رقم ٣٢٣٦).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٣٦ رقم ٣٢٠). وقال: حديث حسن.\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٩٤ رقم ٢٠٤٣). كلهم من حديث ابن عباس ولم أجده من حديث ابن مسعود، وهو حديث حسن بشواهده ما عدا لفظ: \"السرج\"، انظر: \"الإرواء\" (٣/ ٢١٣)، والضعيفة (رقم ٢٢٥) و\"الإحسان\" (٧/ ٤٥٢ رقم ٣١٧٩).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٨٦ رقم ٢٠٢٧) من حديث جابر، وهو حديث صحيح.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٤٠/ ٨ رقم ٤٤٤٣، ٤٤٤٤).\nقلت: وأخرجه مسلم (٥٣١)، والنسائي (٢/ ٤٠ رقم ٧٠٣).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أي: البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٢٧)، والنسائي (٤/ ٩٥ - ٩٦ رقم ٢٠٤٧).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) في \"السنن\" (٣/ ٣٦٦ رقم ١٠٤٩).\nقلت: وأخرجه مسلم (٩٣/ ٩٦٩)، وأبو داود (٣٢١٨)، والنسائي (٤/ ٨٨ رقم ٢٠٣١)، وأحمد (١/ ٨٩).","vol":"3","page":312},{"text":"\"لا تجعلُوا قبري وَثَنًا يُعْبَدُ منْ دونِ اللَّهِ\" (^١)، [يفيدُ] (^٢) التحريمَ للعمارةِ، والتزيينَ، والتجصيصَ، ووضعَ الصندوقِ المزخرفِ، ووضعَ الستائرِ على القبرِ، وعلى سمائهِ، والتمسُّحَ بجدارِ القبرِ، وأنَّ ذلكَ قدْ يفضي معَ بُعْدِ العهدِ، وفُشُوِّ الجهلِ إلى ما كانَ عليهِ الأممُ السابقةُ منْ عبادةِ الأوثانِ، فكانَ في المنعِ عنْ ذلكَ بالكليةِ قطعٌ لهذهِ الذريعةِ المفضيةِ إلى الفسادِ، وهوَ المناسبُ للحكمةِ المعتبرةِ في شرعِ الأحكامِ منْ جلبِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، سواءٌ كانتْ بأنفسِها أو باعتبارِ ما تفضي إليه، انتهَى. وهذا كلامٌ حسنٌ. وقدْ وفَّيْنَا المقامَ حقَّه في مسئلةٍ مستقلةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-633>هل الحثي على القبر الميت مشروع</span>\n٤٧/ ٥٤٦ - وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح.\n• أخرجه مالك (١/ ١٨٥ - ١٨٦) مع تنوير الحوالك، مرسلًا.\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١) من طريق عطاء بن يسار مرسلًا بسند صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١/ ٤٠٦ رقم ١٥٨٧) عن زيد بن أسلم مرسلًا.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٤٥) عن زيد بن أسلم مرسلًا بسند صحيح.\nوأخرجه أحمد موصولًا (٢/ ٢٤٦)، والحميدي (٢/ ٤٤٥ رقم ١٠٢٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٨٣) و(٧/ ٣١٧) عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ: \"اللهم لا تجعل قبري وثنًا، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\".\n• وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٥٧٧ رقم ٦٧٢٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٤٥)، عن ابن عجلان، عن سهل، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: ورأى رجلًا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله - ﷺ - يدعو له ويصلِّي عليه، فقال حسن للرجل: لا تفعل فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تتخذوا بيتي عيدًا .. \" وهو مرسل، وسهل ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢٤٩) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n• وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٧)، وأبو داود (٢/ ٥٣٤ رقم ٢٠٤٢) مرفوعًا: \"لا تتخذوا قبري عيدًا … \"، وهو حديث حسن. حسَّنه ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٣٢١ - ٣٢٣).\n• وله شاهد آخر أخرجه إسماعيل الجهضمي في \"فضل الصلاة على النبي - ﷺ - رقم (٢٠) بتحقيق الألباني، وأبو يعلى في \"المسند\" (١/ ٣٦١ رقم ٢٠٩/ ٤٦٩)، والحديث بهذه الطرق صحيح، والله أعلم.\n(^٢) في (أ): \"تفيد\".","vol":"3","page":313},{"text":"مَظْعُونٍ، وَأَتى الْقَبْرَ، فَحَثى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقطْنيُّ (^١) [ضعيف]\n(وعنْ عامرِ بن ربيعةَ أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى على عثمانَ بن مظعونِ، وأتَى القبرَ، فحثَى عليهِ ثلاثَ حثياتِ، وهوَ قائمٌ. رواة الدارقطنيُّ). [وأخرج] (^٢) البزارُ (^٣) وزادَ بعدَ قولهِ هوَ قائمٌ: \"عندَ رأسهِ\"، وزادَ أيضًا: \" [فأمرَ] (^٤) فرشَّ عليه الماءَ\". ورَوى أبو الشيخِ في مكارمِ الأخلاقِ (^٥) عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"مَنْ حثَى على مسلمٍ احتسابًا كُتِبَ لهُ بكلِّ ثراةٍ حسنةٌ\"، وإسنادهُ ضعيفٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (^٦) منْ حديثِ أبي هريرةَ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - حثَى منْ قِبَلِ الرأسِ ثلاثًا\"، إلَّا أنهُ قالَ أبو حاتمٍ (^٧): حديثٌ باطلٌ.\nورَوَى البيهقي (^٨) منْ طريقِ محمدِ بن زيادٍ عنْ أبي أمامةَ قالَ: \"توفيَ رجلٌ فلمْ تصبْ لهُ حسنةٌ إلا ثلاثَ حثياتٍ حثَاها على قبرٍ فغفرتْ له ذنوبُه\". ولكنَّ هذهِ [شهدَ] (^٩) بعضها لبعضٍ، وفيهِ دلالةٌ على مشروعيةِ الحثي على القبرِ ثلاثًا، وهوَ يكونُ باليدينِ معًا لثبوتهِ في حديثِ عامرٍ بن ربيعةَ؛ ففيهِ حثى بيديهِ، واستحبَّ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٧٦ رقم ١) وقال الآبادي في \"التعليق المغني\" فيه القاسم العمري وعاصم بن عبيد الله، وهما ضعيفان … \".\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) في (أ): \"وأخرجه\".\n(^٣) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٣١).\n(^٤) في (أ): \"وأمر\".\n(^٥) عزاه إليه \"صاحب الكنز\" (١٥/ ٦٠٧ رقم ٤٢٤١١).\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٥٤)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٩١٠ رقم ١٥٢١) من حديث أبي هريرة.\nقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يعرف إلا بالهيثم - بن زريق المالكي - ولا يتابع عليه.\nوالهيثم مجهول.\n(^٦) في \"السنن\" (١/ ٤٩٩ رقم ١٥٦٥) وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥١١ رقم ٥٦٠/ ١٥٦٥): هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات. وصحَّحَهُ الألباني في \"الإرواء\" رقم (٧٥١).\n(^٧) في \"العلل\" (١/ ١٦٩ رقم ٤٨٣). ولكن علمت صحته فيما تقدم آنفًا.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤١٠).\n(^٩) في (أ): \"يشهد\".","vol":"3","page":314},{"text":"أصحابُ الشافعي أنْ يقولَ عندَ ذلكَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآيةَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-634>استغفار الحي للميت وثبوت سؤال القبر</span>\n٤٨/ ٥٤٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْألُوا لَهُ التثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عثمانَ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا فرغَ منْ دفنِ الميتِ وقفَ عليهِ وقالَ: استغفرُوا لأَخِيْكم، واسألُوا لهُ التثبيتَ؛ فإنهُ الآنَ يُسألُ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه الحاكمُ). فيهِ دلالةٌ على انتفاعِ الميتِ باستغفارِ الحيِّ لهُ، وعليهِ وردَ قولُه تعالَى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (^٤)، وقولُه تعالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٥) ونحوِهما، وعلى أنهُ يُسْأَلُ في القبرِ. وقدْ وردتْ بهِ الأحاديثُ الصحيحةُ كما أخرجَ ذلكَ الشيخانِ.\nفمنْها: منْ حديثِ أنسٍ (^٦) أنهُ - ﷺ - قالَ: إنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبرهِ وتولى عنهُ أصحابُه، إنهُ ليسمعُ قَرْعَ نعالِهم\"، زادَ مسلمٌ (^٧): \"وإذا انصرَفُوا أتاهُ ملكانِ\"، زادَ ابنُ حبانَ (^٨)، والترمذيُّ (^٩) منْ حديثِ أبي هريرةَ: \"أزرقانِ أسودانِ، يقالُ\n_________\n(^١) سورة طه: الآية ٥٥.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٥٥٠ رقم ٣٢٢١).\n(^٣) في \"المستدرك\" ١/ ٣٧٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن\" (٤/ ٥٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤١٨)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٥٨٤) وصحَّحه الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٤٦٣٦) الطبعة الأولى.\n(^٤) سورة الحشر: الآية ١٠.\n(^٥) سورة محمد: الآية ١٩.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٣٣٨) و(١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤١٤ - ٤١٥ رقم ١٥٢٢)، والنسائي (٤/ ٩٧ رقم ٢٠٥٠)، وأحمد (٣/ ١٢٦، ٢٣٣) وغيرهم.\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٢٢٠٤ رقم ٧١/ ٢٨٧٠).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٧/ ٣٨٦ رقم ٣١١٧).\n(^٩) في \"السنن\" (٣/ ٣٨٣ رقم ١٠٧١). وقال: حديث حسن غريب.","vol":"3","page":315},{"text":"لأحدِهما المنكرُ، والآخرِ النكيرُ\"، زادَ الطبرانيُّ [في الأوسطِ] (^١): \"أعينُهما مثلُ قدورِ النحاسِ، وأنيابُهما مثلُ صياصي (^٢) البقرِ، وأصواتُهما مثلُ الرعدِ\"، زادَ عبدُ الرزاقِ (^٣): \"أو، (^٤) يحفرانِ بأنيابهما، ويطآنِ في أشعارِهما معَهما مرزبَّةٌ لو اجتمعَ عليها أهلُ منَى لم يقلُّوها\". وزادَ البخاريُّ منْ حديثِ البراءِ: \"فيعادُ روحهُ في جسدِه\".\nويستفادُ منْ مجموعِ الأحاديثِ أنَّهما يسألانهِ فيقولانِ [له] (^٥): \"ما كنتَ تعبدُ؟ فإنْ [كان] (٩) هداهُ اللَّهُ فيقولُ: كنتُ أعبدُ اللَّهَ. فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ لمحمدٍ؛ فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنه عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ - وفي روايةٍ: \"أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، فيقالُ لهُ: صدقْتَ فلا يُسْأَلُ عنْ شيء غيرَها، ثمَّ يقالُ لهُ: على اليقينِ كنتَ، وعليهِ متَّ، وعليهِ تبعثُ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى\". وفي لفظٍ: \"فينادِي منادٍ منَ السماءِ أنْ صدقَ عبدي، فافرشوهُ منَ الجنةِ، وافتحُوا لهُ بابًا إلى الجنةِ، وألبسوهُ منَ الجنةِ، قالَ: فيأتيهِ منْ رَوْحِها وطيْبها، ويفسحُ لهُ مدَّ بصرِه ويقالُ لهُ: انظرْ إلى مقعدِك منَ النارِ قدْ أبدلَكَ اللَّهُ مقعدًا منَ الجنةِ فيراهما جميعًا، فيقولُ: دعوني حتَّى أذهبَ أبشرُ أهلي، فيقالُ لهُ اسكتْ: ويفسحُ لهُ في قبرهِ سبعونَ ذراعًا، ويملأُ خضرًا إلى يومِ القيامةِ\"، وفي لفظٍ: \" [ويقالُ] (^٦) لهُ: نَمْ فينام نومة العروس لا يوقظهُ إلا أحب أهله.\nوأما الكافر والمنافق فيقول له الملكانِ: مَنْ ربُّكَ؟ فيقولُ: هاهْ (^٧) هاهْ لا أدري، ويقولانِ: ما دينُكَ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقولانِ: ما هذَا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكمْ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقالُ: لا دريتَ ولا تليتَ، أي: لا فهمتَ ولا تبعتَ مَنْ يفهمُ، ويُضْرَبُ بمطارقَ منْ حديدٍ ضربة لو ضُرِبَ بها جبل لصارَ ترابًا؛ فيصيحُ صيحة يسمعُها مَنْ يليهِ غيرَ الثقلينِ\".\n_________\n(^١) كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٥٣ - ٥٤) وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة قلت: وفيه كلام.\nوما بين الحاصرتين زيادة من (أ).\n(^٢) قرونها: واحدتها صيصة.\n(^٣) في \"المصنف\" (٣/ ٥٨٤ رقم ٦٧٤٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"فيقال\".\n(^٧) هاه هاه: إما أن تكون بمعنى التأوه والبكاء. وإما أن تكون بمعنى الإشارة إلى الشيطان.","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-635>هل القبر خاص بهذه الأمة؟</span>\nواعلمْ أنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ دالةٌ على اختصاصِ هذهِ الأمةِ بالسؤالِ في القبرِ دونَ الأممِ السالفةِ، قالَ العلماءُ: والسرُّ فيهِ أن الأممَ كانتْ تأتيهمُ الرسلُ فإنْ أطاعُوهم، فالمرادُ، وإنْ عصوهُمْ، اعتزلُوهم وعوجلُوا بالعذابِ، فلمَّا أرسلَ الله محمدًا - ﷺ - رحمة للعالمينَ أمسكَ عنْهمُ العذابَ وقبلَ الإسلامَ ممنْ أظهرهُ سواءٌ أخلصَ أم لا، وقيَّضَ [اللَّهُ] (^١) لهمْ مَنْ يسألُهم في القبورِ ليخرجَ اللَّهُ سرَّهم بالسؤال، وليميزَ اللَّهُ الخبيثَ منَ الطيبِ. وذهبَ ابنُ القيمِ إلى عمومِ المسئلةِ، وبسطَ المسئلةَ في كتابِ الروحِ (^٢).\n٤٩/ ٥٤٨ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ - ﵁ - أَحَدِ التَّابِعِينَ - قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ. أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ، قُلْ لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ، قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِيني الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّ مُحَمّدٌ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا (^٣). [ضعيف]\n- وَلِلطَّبَرَانيِّ (^٤) نَحْوُهُ مِنْ حَديثِ أَبي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-636>ترجمة ضمرة بن حبيب</span>\n(وعنْ ضَمْرةَ) (^٥) بفتحِ الضادِ المعجمةِ، وسكونِ الميمِ (ابن حبيب)، بالحاءِ المهملةِ، مفتوحة، فموحَّدةٌ، فمثناةٌ، فموحدةٌ (أحدِ التابعينَ) حمصيٌّ ثقةٌ، رَوَى عنْ شدادِ بن أوسٍ وغيرِه (قالَ: كانوا) ظاهرُه الصحابةُ الذينَ أدركَهمْ (يستحبونَ إذا شوِّيَ) بضمِّ السينِ المهملةِ، مغيَّرَ الصيغةِ منَ التسويةِ (على الميتِ قبرَهُ، وانصرفَ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (ص ١٠٢ - ١٠٤).\n(^٣) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٣٦)، وابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٥٢٣).\n(^٤) في \"الكبير\" (٨/ ٢٩٨ رقم ٧٩٧٩).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٢٤) و(٣/ ٤٥) وقال: في إسناده جماعة لم أعرفهم.\nوقال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٥٢٣): \"فهذا حديث لا يصح رفعه\".\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣ رقم ٨٠٢).","vol":"3","page":317},{"text":"الناسُ عنهُ أنْ يقالَ عندَ قبرِه: يا فلانُ، قلْ لا إلهَ إلا اللهُ ثلاثَ مراتٍ، يا فلانُ قلْ: ربيَ اللهُ، وديني الإسلام، ونبيَّ محمدٌ. رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ موقوفًا) على ضمرةَ بن حبيب، (وللطبراني نحوُهُ منْ حديثِ أبي أمامةَ مرفوعًا مطولًا).\nولفظُه عنْ أبي أمامةَ: \"إذا أنا متُّ فاصنعُوا بي كما أمرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ نصنعَ بموتانا؛ أمرَنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: إذَا ماتَ أحَد منْ إخوانِكم فسوَّيتمُ الترابَ على قبرهِ، فليقمْ أحدُكم على رأسِ قبرهِ ثمَّ ليقلْ: يا فلانُ ابنُ فلانةَ؛ فإنهُ يسمعُه ولا يجيبُ، ثمَّ يقولُ: يا فلانُ بنُ فلانةَ؛ فإنهُ يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة؛ فإنه يقول: أرشدْنا يرحمكَ اللَّهُ، ولكنْ لا تشعرونَ فليقلْ: اذكرْ ما كنتَ عليهِ في الدنيا منْ شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّكَ رضيتَ باللهِ ربًا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، وبالقرآنِ إمامًا، فإنَّ منكرًا ونكيرًا يأخذُ كلُّ واحدٍ منْهما بيدِ صاحبِه فيقولُ: انطلقْ بنَا ما يقعدُنا عندَ مَنْ قدْ لُقِّنَ حجَّتَهُ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، فإنْ لم يعرفْ أَمَّهُ قالَ: ينسبُهُ إلى أمهِ حواءَ يا فلانُ بنُ حواءَ\". قالَ المصنفُ (^١): إسنادُه صالحٌ، وقدْ قوَّاهُ أيضًا في الأحكامِ لهُ.\nقلت: قالَ الهيثميُّ (^٢) بعدَ سياقهِ ما لفظهُ: أخرجهُ الطبراني في الكبيرِ\"، وفي إسنادهِ [رجال] (^٣) لمْ أعرفْهم، وفي هامشهِ: فيهِ عاصمُ بنُ عبدِ اللهِ ضعيفٌ. ثمَّ قالَ: والراوي عنْ أبي أمامةَ سعيدٌ الأزديِّ بيضَ لهُ أبو حاتمٍ.\nقالَ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: هذَا الذي تصنعونهُ إذَا دفنَ الميتُ يقفُ الرجلُ ويقولُ: يا فلانُ ابنُ فلانةَ، قالَ: ما رأيتُ أحدًا يفعلُه إلَّا أهلَ الشامِ حينَ ماتَ أبو المغيرةِ يُرْوَى فيهِ عنْ أبي بكرٍ ابن أبي مريمَ عنْ أشياخِهم أنَّهم كانُوا يفعلونهُ. وقدْ ذهبَ إليهِ الشافعيةُ وقالَ في المنارِ (^٤): إنَّ حديثَ التلقينِ هذَا حديثٌ لا يشُكُّ أهلُ المعرفةِ بالحديثِ في وضْعِهِ، وأنهُ أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ\n_________\n(^١) في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٣٥ - ١٣٦).\n(^٢) في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٣٢٤) و(٣/ ٤٥).\n(^٣) في (ب): \"جماعة\".\n(^٤) (١/ ٢٧٨).","vol":"3","page":318},{"text":"عنْ ضمرة بن حبيبٍ، عنْ أشياخٍ لهُ منْ أهل حمصَ؛ [فالمسئلة] (^١) حمصيةٌ، وأما جعلُ اسألُوا لهُ التثبيتَ فإنهُ الآن يسئلُ (^٢): شاهدًا لهُ - فلا شهادةَ فيهِ، وكذلكَ أمرُ عمرِو بن العاصِ (^٣) بالوقوفِ عندَ قبرِه مقدارَ ما يُنْحَرُ جزورٌ ليستأنسَ بهمْ عندَ مراجعةِ رسلِ ربِّه لا شهادةَ فيهِ على التلقينِ. وابنُ القيمِ جزمَ في الهدي (^٤) بمثلِ كلامِ المنارِ.\nوأما في كتابِ الروحِ (^٥) فإنهُ جعلَ حديثَ التلقينِ منْ أدلةِ سماعِ الميتِ لكلامِ الأحياءِ، وجعلَ اتصالَ العملِ بحديثِ التلقينِ منْ غيرِ نكيرٍ كافيًا في العملِ بهِ ولمْ يحكمْ لهُ بالصحةِ، بلْ قالَ في كتابِ الروحِ: إنهُ حديثٌ ضعيفٌ. ويتحصَّلُ منْ كلامِ أئمةِ التحقيقِ أنهُ حديثٌ ضعيفٌ، والعملُ بهِ بدعةٌ، ولا يُغْتَرُّ بكثرةِ مَنْ يفعلُهُ.\n٥٠/ ٥٤٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦)، زَادَ الترْمِذِيُّ (^٧): \"فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ\". [صحيح]\n(وعنْ بريدةَ بن الحصيبِ الأسلميِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: كنتُ نهيتُكم عنْ\n_________\n(^١) في (أ): \"فهي مسألة\".\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٢٢١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٦)، وصحَّحَهُ الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٧٠) ووافقه الذهبي وهو كما قالا من حديث عثمان بن عفان.\nوقال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٢٩٢): إسناده جيد.\n(^٣) قال المقبلي في \"المنار\" (١/ ٢٧٨): \"وجعل ابن حجر من شواهده - أي: حديث التلقين - أيضًا: أمر عمرو بن العاص أصحابه أن يقفوا على قبره مقدار نحر جزور ليستأنس بهم عند مراجعة رسل ربِّه.\nوهذا الشاهد مختلٌّ من وجوه:\n(منها): أنه لا دلالة - به - على التلقين، و(منها): أنه لا حجَّةَ في قول عمرو، فإنه لم يسند إلى النبي - ﷺ - شيئًا، وإنما هو كغريق يتعلَّق بما لا ينجي.\n(^٤) (١/ ٥٢٣).\n(^٥) (ص ١٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٧٢ رقم ٩٧٧).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٣٧٠ رقم ١٠٥٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤/ ٨٩).","vol":"3","page":319},{"text":"زيارةِ القبورِ فزورُوها. رواه مسلم، [و] (^١) زادَ الترمذيُّ) أي: منْ حديثِ بريدةَ: (فإنَّها تذكرُ الآخرةَ).\n٥١/ ٥٥٠ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ (^٢) حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: \"وَتُزَهِّدُ في الدنْيَا\". [ضعيف]\n(زادَ ابنُ ماجه (٤) منْ حديثِ ابن مسعودٍ)، وهوَ الحديثُ [الخمسون] (^٣) السابقُ بلفظ ما مضَى وزادَ: (وتزهِّدُ في الدنيا). وفي الباب أحاديثُ عنْ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (^٤)، وعن ابن مسعودٍ عندَ ابن ماجه (^٥)، والحاكم (^٦)، وعنْ أبي سعيدٍ عند أحمدَ (^٧) والحاكمِ (^٨)، وعنْ عليٍّ - ﵇ - عندَ أحمدَ (^٩)، وعنْ عائشةَ عندَ ابن ماجهْ (^١٠). والكلُّ [دالٌّ] (^١١) على مشروعيةِ زيارةِ القبورِ وبيانِ الحكمةِ فيها،\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٥٠١ رقم ١٥٧١).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥١٣ رقم ٥٦٣/ ١٥٧١):\n\"هذا إسناد حسن، أيوب بن هانئ مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم … \" اهـ.\nوحكم الألباني على الحديث بالضعف في ضعيف ابن ماجه.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٧١ رقم ٩٧٦).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم ١٥٧١) وقد تقدم.\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٣٧٥) وسكت عليه الحاكم، وقال الذهبي: أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين.\n(^٧) في \"المسند\" (٣/ ٣٨، ٦٣، ٦٦).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ووافقهما الألباني في الأحكام (ص ١٧٩).\n(^٩) بل في \"زوائد المسند\" (٨/ ١٥٧ رقم ٣٢٨ - الفتح الرباني).\n(^١٠) في \"السنن\" (١/ ٥٠٠ رقم ١٥٧٠).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥١٣ رقم ٥٦٢/ ١٥٧٠):\n\"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، بسطام بن مسلم وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو داود وغيرهم، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم … \" اهـ.\nوحكم الألباني على الحديث بالصحة في صحيح ابن ماجه.\n(^١١) في (ب): \"دالة\".","vol":"3","page":320},{"text":"وأنَّها للاعتبارِ؛ [فإنهُ] (^١) في لفظِ حديثِ ابن مسعودٍ: \"فإنَّها عبرةٌ وذكرٌ للآخرةِ والتزهيدِ في الدنيا\"؛ فإذا خلتْ [منْ] (^٢) هذهِ لم تكنْ مرادة شرعًا، وحديثُ بريدةَ جمعَ فيهِ بينَ ذكرِ أنهُ - ﷺ - كانَ نَهَى أو، عنْ زيارتِها ثمَّ أذِنَ فيها أُخْرى.\nوفي قولهِ: فزورُوها، أمرٌ للرجالِ بالزيارةِ، وهوَ أمرُ ندبٍ اتفاقًا، ويتأكدُ في حقِّ الوالدينِ لآثارٍ في ذلكَ. وأما ما يقولُه الزائرُ عندَ وصولهِ المقابرَ [فهو] (^٣): (السلامُ عليكمْ ديارَ قومٍ مؤمنينَ، ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، [ثم] (^٤) يدعُو لهم بالمغفرة ونحوها).\nوسيأتي حديثُ مسلمٍ (^٥) في ذلكَ قريبًا، وأما قراءةُ القرآنِ ونحوها عندَ القبرِ فسيأتي الكلامُ فيها قريبًا (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-637>زيارة النساء المقابر</span>\n٥٢/ ٥٥١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ (^٧) ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [حسن]\n(وعنْ أبي هريرةَ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - لعنَ زائراتِ القبورِ. أخرجه الترمذيُّ وصحَّحهُ ابن حبانَ)، وقالَ الترمذيُّ بعدَ إخراجهِ: هذا حديثٌ حسنٌ. وفي البابِ عن ابن عباسٍ (^٩)، وحسانَ (^١٠).\n_________\n(^١) في (أ): \"فإنَّ\".\n(^٢) في (أ): \"عن\".\n(^٣) في (أ): \"فيقول\".\n(^٤) في (ب): \"و\".\n(^٥) رقم (٥٩/ ٥٥٦).\n(^٦) عند شرح الحديث رقم (٦٠/ ٥٥٩) من كتابنا هذا.\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٣٧١ رقم ١٠٥٦) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٨) في \"الإحسان\" (٧/ ٤٥٢ رقم ٣١٧٨) بإسناد حسن.\nقلت: وأخرجه الطيالسي رقم (٢٣٥٨)، وأحمد (٢/ ٣٣٧، ٣٥٦)، وابن ماجه (١٥٧٦)، والبيهقي (٤/ ٧٨) من طرق … وهو حديث حسن.\n(^٩) أخرجه النسائي (٤/ ٩٤ - ٩٥)، والترمذي (٣٢٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤١٦ رقم ٥١٠)، وابن ماجه (١٥٧٥)، والطيالسي (رقم ٢٧٣٣)، والبيهقي (٤/ ٧٨)، وأحمد (١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤، ٣٣٧)، وأبو داود (٣٢٣٦)، وحسنه الترمذي والبغوي لشواهده دون قوله: \"المتخذين عليها السرج\" وهو كما قالا.\n(^١٠) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٠٢ رقم ١٥٧٤)، والبيهقي (٤/ ٧٨)، وأحمد (٣/ ٤٤٢)، وابن =","vol":"3","page":321},{"text":"وقدْ قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إنَّ هذا كانَ قبلَ أنْ يرخِّصَ النبيُّ - ﷺ - في زيارةِ القبورِ، فلما رخَّصَ دخلَ في رخصتهِ الرجالُ والنساءُ. وقال بعضُهم: إنَّما كرهَ زيارةَ القبورِ للنساءِ لقلةِ صبرهنَّ، وكثرةِ جَزَعِهنَّ، ثمَّ ساقَ بسندهِ: أن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ تُوُفيَ ودُفِنَ في مكةَ وأتتْ عائشةُ قبرَه (^١) ثمَّ قالتْ:\nوكنَّا كنَدَمَانَيْ جَذِيمَةَ برهةً … منَ الدهرِ حتَّى قيلَ لنْ يتصدَّعا\nوعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا … أصابَ المنايا رهطُ كسرى وتُبَّعَا\nولما تفرَّقْنا كأني ومالِكًا … لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معَا\nانتهَى.\nويدلُّ لما قالُه بعضُ أهل العلم ما أخرجهُ مسلمٌ (^٢) عن عائشةَ \"قالتْ: كيفَ\n_________\n= أبي شيبة (٣/ ٣٤٥)، والحاكم (١/ ٣٧٤) وسكت عليه الحاكم والذهبي.\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥١٦ رقم ٥٦٥/ ١٥٧٤): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\" اهـ. وقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٢٣٣):\nقلت: ابن بهمان لم يرو عنه غير ابن خيثم هذا، ولذلك قال ابن المديني: \"لا نعرفه\"، وأما ابن حبان فذكره في \"الثقات\" على قاعدته، ووافقه العجلي. وقال الحافظ في \"التقريب\": \"مقبول\" يعني عند المتابعة، فالحديث صحيح لغيره\" اهـ.\n(^١) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه الحاكم (١/ ٣٧٦)، والبيهقي (٤/ ٧٨) عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت، قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس رسول الله - ﷺ - نهى عن زيارة القبور. قالت: نعم. كان نهى ثم أمر بزيارتها.\nسكت عليه الحاكم، وقال البيهقي: تفرَّد به بسطام بن مسلم البصري. قلت: وهو ثقة اتفاقًا. فالحديث صحيح، والله أعلم.\n• وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤)، والترمذي (١٠٥٥) عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بحُبْشِيٍّ. قال: فحُمِلَ إلى مكة فدفن فيها، فلما قدمت عائشة، أتت قبر عبد الرحمن بن أبيَ بكر فقالت: - الأبيات -.\nثم قالت: والله لو حَضْرْتُكَ ما دُفِنتَ إلا حيثُ مُتً، ولو شهدتُكَ ما زرتُكَ. وسكت عليه الترمذي.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٢٣٥): \"ولا أدري السبب، فإن رجاله كلهم ثفات رجال الشيخين، فهو على طريقته صحيح. ولولا أن ابن جريج مدلس وقد عنعنه، لحكمت عليه بالصحة والله أعلم\" اهـ.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٦٨ رقم ١٠٠/ ٩٧٣).","vol":"3","page":322},{"text":"أقولُ يا رسول اللَّهِ إذا زرتُ القبورَ؟ قال: قولي: السلامُ على أهلِ الديارِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ، يرحمُ اللَّهُ المتقدِّمينَ مِنَّا والمتأخِّرينَ، وإنا إن شاءَ اللَّهُ بكمْ لاحقونَ\"، وما أخرجَ الحاكمُ (^١) منْ حديثِ على بن الحسينِ: \"أن فاطمةَ - ﵍ - كانتْ تزورُ قبرَ عمِّها حمزةَ كلَّ جمعةٍ فتصلِّي وتبكي عندَهُ\".\nقلت: وهوَ حديثٌ مُرْسلٌ، فإنَّ عليَّ بنَ الحسينِ لمْ يدركْ فاطمةَ بنتَ محمدٍ - ﷺ -. وعمومُ ما أخرجهُ البيهقي في شعبِ الإيمانِ (^٢) مرسلًا: \"مَنْ زارَ قبرَ الوالدينِ أو أحدَهما في كلِّ جمعةٍ غُفِرَ لهُ وكُتِبَ بارًا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-638>ترحيم النياحة وجواز البكاء</span>\n٥٣/ ٥٥٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣). [ضعيف]\n(وعنْ أبي سعيدٍ - ﵁ - قالَ: لعنَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - النائحةَ والمستمعةَ. رواهُ أبو داودَ). النُّوْحُ [هو] (^٤) رفعُ الصوتِ بتعديد شمائل الميِّت [ومَحاسنِ] (^٥) أفعالهِ، والحديثُ دليلٌ على تحريم ذلكَ، وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ.\n٥٤/ ٥٥٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ لَا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٣٧٧) وقال: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات … وتعقبه الذهبي بقوله: هذا منكر جدًّا، وسليمان ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) (٦/ ٢٠١ رقم ٧٩٠١) عن محمد بن النعمان.\nقلت: محمد بن النعمان لم يدرك النبي - ﷺ -، فالحديث مرسل.\nوأخرجه عن محمد بن سيرين. قلت: أيضًا محمد بن سيرين لم يدرك النبي - ﷺ -، فالحديث مرسل.\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٤٩٣ - ٤٩٤ رقم ٣١٢٨) وفي إسناده: محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"ومعاظم\".\n(^٦) البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٢٧).","vol":"3","page":323},{"text":"(وعنْ أُمِّ عطيةَ قالتْ: أخذَ علينا رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ لا ننوحَ. متفقٌ عليهِ). كانَ أخذُه عليهنَّ ذلكَ وقتَ المبايعةِ على الإسلامِ، والحديثانِ دالَّانِ على تحريمِ النياحةِ، وتحريمِ استماعِها؛ إذْ لا يكونُ اللعنُ إلا على محرَّمٍ.\nوفي البابِ عن ابن مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ليسَ منا مَنْ ضربَ الخدودَ، وشقَّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهليةِ\" متفقٌ عليهِ (^١). وأخرجا (^٢) منْ حديث أبي موسى: أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"أنا بريءٌ ممنْ حلقَ وسلقَ وخرقَ\". وفي البابِ غيرُ ذلكَ.\nولا يعارضُ ذلكَ ما أخرجَ أحمدُ (^٣)، وابنُ ماجة (^٤)، وصحَّحهُ الحاكمُ (^٥) عن ابن عمرَ: \"أنهُ - ﷺ - مرَّ بنساءِ ابن عبدِ الأشهلِ يبكينَ هَلْكَاهُنَّ يومَ أُحُد، فقالَ: لكنَّ حمزةَ لا بواكيَ [له] (^٦)، فجاء نساءُ الأنصارِ يبكينَ حمزةَ. الحديثَ\"، فإنهُ منسوخ بما في آخرهِ بلفظِ: \"فلا تبكينَ على هالكٍ بعدَ اليومِ\". وهوَ يدلُّ على أنهُ عبَّرَ عن النياحةِ بالبكاءِ، فإنَّ البكاءَ غيرُ منْهى عنهُ كما يدلُّ بهِ ما أخرجهُ النسائيُّ (^٧) عنْ أبي هريرةَ قالَ: \"ماتَ ميتٌ منْ آلِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؛ فاجتمعَ النساءُ يبكينَ عليهِ، فقامَ عمرُ ينهاهنَّ ويطردُهنَّ، فقالَ لهُ - ﷺ -: دعْهنَّ يا عمرُ، فإنَّ العينَ تدمعُ، والقلبُ مصابٌ، والعهدُ قريبٌ\"، والميتُ هي زينبُ بنتُهُ - ﷺ - كما صرَّحَ بهِ\n_________\n(^١) البخاري (١٢٩٧)، ومسلم (١٦٥/ ١٠٣).\n(^٢) البخاري (١٢٩٦) معلقًا، ومسلم (١٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٣٠)، والنسائي (٤/ ٢٠).\n• السلق: رفع الصوت عند المصيبة.\n• الخرق: خرق الثوب عند المصيبة.\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٤٠، ٨٤، ٩٢).\n(^٤) في \"المسند\" (١٥٩١) بإسناد حسن.\n(^٥) في \"المستدرك\" (٣/ ١٩٤ - ١٩٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\n(^٦) زيادة من (أ): وهي في كتب الحديث أيضًا.\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ١٩) وفي سنده سلمة بن الأزرق وهو مجهول. قال ابن القطان: لا يعرف حاله ولا أعرف أحدًا من المصنفين في كتب الرجال ذكره. قال الحافظ في \"التهذيب\" (٤/ ١٢٤ رقم ٢٣٩): \"قال: أظن أنه والد سعيد بن سلمة رواي حديث القلَّتين والله أعلم.","vol":"3","page":324},{"text":"في حديثِ ابن عباسٍ أخرجهُ أحمدُ (^١)، وفيهِ أنهُ قالَ لهنَّ: \"إياكنَّ ونعيقَ الشيطانِ؛ فإنه مهْما كانَ منَ العينِ ومنَ القلبِ فمنَ اللَّهِ ومنَ الرحمةِ، وما كانَ مِنَ اليدِ واللسانِ فمنَ الشيطان\"؛ فإنهُ يدلُّ على جوازِ البكاءِ، وأنهُ إنَّما نَهَى عن الصوتِ. ومنهُ قولُهُ - ﷺ - (^٢): \"العينُ تدمعُ ويحزنُ القلبُ ولا نقولُ إلا ما يُرْضِي الربَّ\"، قالهُ في وفاةِ ولدهِ إبراهيمَ.\nوأخرجَ البخاريُّ (^٣) مِنْ حديثِ ابن عمرَ: \"إنَّ اللَّهَ لا يعذِّبُ بدمع العينِ، ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ يعذبُ بهذَا، وأشارَ إلى لسانهِ، أوْ يرحمُ\". وأمَا ما في حديثِ عائشةَ عندَ الشيخين (^٤) في قولهِ - ﷺ - لمنْ أمرهُ أنْ ينْهى النساءَ المجتمعاتِ للبكاءِ على جعفرِ بن أبي طالب: \"أحثُ في [وجْهِهِنَّ] (^٥) الترابَ\"، فيُحملُ على أنهُ كانَ بكاءً بتصويتِ النياحةِ، فأمرَ بالنهي عنهُ، ولو بِحَثْوِ الترابِ في أفواههنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-639>يعذَّب الميت بما نِيْحَ بِهِ عليه</span>\n٥٥/ ٥٥٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح].\n- وَلَهُمَا (^٧) نحوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.\n(وعنِ ابن عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: الميت يعذَّبُ في قبرهِ بما نيحَ عليهِ. متفقٌ عليهِ، ولهمَا) أي: الشيخينِ كما دلَّ لهُ متفقٌ عليهِ، فإنَّهما المرادُ بهِ نحوُهُ أي: نحوُ حديثِ ابن عمرَ، وهوَ (عن المغيرةِ بن شعبةَ).\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٢٣٨، ٣٣٥).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ٤٣١ - ٤٣٢ رقم ٣١٦٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٢) من حديث أبي هريرة، وهو حديث حسن.\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم ١٢٤٢ - البغا). قلت: وأخرجه مسلم (٩٢٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ١٢٣٧ - البغا)، ومسلم (٩٣٥).\n(^٥) في (أ): \"أفواههن\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣٧٥٩ - البغا)، ومسلم (٩٣١ و٩٣٢).\n(^٧) البخاري في \"صحيحه\" رقم (١٢٩١)، ومسلم (٩٣٣).","vol":"3","page":325},{"text":"الأحاديثُ في البابِ كثيرةٌ وفيها دلالةٌ على تعذيبِ الميتِ بسببِ النياحةِ عليهِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ لأنهُ تعذيبُه بفعلِ غيرِهِ، واختلفتِ الجواباتُ، فأنكرتْ عائشةُ (^١) ذلكَ على عمرَ وابنهِ عبدِ اللَّهِ، واحتجتْ بقولهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٢)، وكذلكَ أنكرهُ أبو هريرةَ، واستبعدَ القرطبي إنكارَ عائشةَ، وذكرَ أنهُ رواهُ عدةٌ منَ الصحابةِ فلا وجهَ لإنكارِها معَ إمكانِ تأويلهِ، ثمَّ جمعَ القرطبي بينَ حديثِ التعذيبِ والآيةِ بأنْ قالَ: حال البرزخِ يلحقُ بأحوالِ الدنيا، وقدْ جَرى التعذيبُ فيها بسبب ذنب الغيرِ كما يشيرُ إليه قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (^٣)، فلا يعارضُ حديثَ التعذيبِ آيةُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٤)، لأنَّ المرادَ بها الإخبارُ عنْ حالِ الآخرةِ، واستقواهُ الشارحُ. وذهبَ الأكثرونَ إلى تأويلهِ بوجوهٍ:\nالأولُ: للبخاريِّ أنهُ يعذَّبُ بذلكَ إذا كان سنتُهُ وطريقتُهُ. وقدْ أقرَّ أهلَه عليهِ في حياتهِ، فيعذَّبُ لذلكَ، وإنْ لمْ يكنْ طريقتُه فإنهُ لا يعذَّبُ، فالمرادُ علَى هذَا أنهُ يعذبُ ببعضِ بكاءِ أهلهِ، وحاصلُه أنهُ قدْ يعذَّبُ العبدُ بفعلِ غيرهِ إذا كانَ لهُ فيهِ سببٌ.\nالثاني: [أن] (^٥) المرادَ أنهُ يعذَّبُ إذا أَوْصَى بأنْ [يناح] (^٦) عليهِ، وهوَ تأويلُ الجمهورِ، قالُوا: وقدْ كانَ معروفًا عندَ القدماءِ كما قالَ طَرَفَةُ بنُ العبدِ (^٧):\nإذا متُّ فابكيني بما أنا أهلُهُ … وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا أمَّ مَعْبَدِ\nولا يلزمُ منْ وقوعِ النياحةِ منْ أهلِ الميتِ امتثالًا لهُ أنْ لا يعذَّبَ لوْ لم\n_________\n(^١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٣٧٥٩ - البغا)، ومسلم (٩٣١ و٩٣٢).\nوالحديث الذي أخرجه البخاري (١٢٢٦ - البغا)، ومسلم (٩٢٧ و٩٢٨ و٩٢٩).\n(^٢) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(^٣) سورة الأنفال: الآية ٢٥.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"يبكي\".\n(^٧) طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد، البكري الوائلي، أبو عمرو، شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. ولد في بادية البحرين، وتنقل في بقاع نجد … وكان هجاءً غير فاحش القول، تفيض الحكمة على لسانه في أكثر شعره. [الأعلام (٣/ ٢٢٥)].","vol":"3","page":326},{"text":"يمتثلُوا، بلْ يعذَّبُ [بمجرد] (^١) الإيصاءِ، فإن امتثلوهُ وناحُوا عذِّبَ على الأمرينِ: الإيصاءُ لأنهُ فعلُه، والنياحةُ لأنَّها بسببهِ.\nالثالثُ: أنهُ خاصٌّ بالكافرِ وأن المؤمنَ لا يعذَّبُ بذنبِ غيرهِ أصلًا، وفيهِ بُعْدٌ [كما] (^٢) لا يخْفَى؛ فإنَّ الكافرَ لا يُحْمَلُ عليهِ ذنبُ غيرهِ أيضًا لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٣).\nالرابعُ: أن معنَى التعذيبِ: توبيخُ الملائكةِ للميتِ بما يندبُه بهِ أهلُه، كما رَوَى أحمدُ (^٤) منْ حديثِ أبي موسى مرفوعًا: \"الميتُ يعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ إذا قالتِ النائحةُ: واعضدَاهُ، واناصراهُ، واكاسياهُ، جُلِدَ الميتُ. وقالَ: أنتَ عضدُها، أنتَ ناصرُها، أنتَ كاسيْها\".\nوأخرجَ معناهُ ابنُ ماجه (^٥)، والترمذي (^٦).\nالخامسُ: أن معنَى التعذيبِ تألمُّ الميتِ بما يقعُ منْ أهلهِ منَ النياحةِ وغيرِها، فإنهُ يرق لهم، وإلى هذا التأويلِ ذهبَ محمدُ بنُ جريرٍ وغيرُه، وقالَ القاضي عياضُ: هوَ أَوْلى الأقوالِ.\nواحتحوا بحديثٍ فيهِ: \"أنهُ - ﷺ - زجرَ امرأةً عن البكاءِ على ابنِها وقالَ: إنَّ أحدَكم إذا بكَى استعبرَ لهُ صويحبُه، [فيا عباد] (^٧) اللهِ لا تعذِّبُوا إخوانَكم\" (^٨).\n_________\n(^١) في (أ): \"على مجرد\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.\n(^٤) في \"المسند\" (٤/ ٤١٤).\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٥٠٨ رقم ١٥٩٤).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٥٢٦ رقم ٥٧٦/ ١٥٩٤): \"هذا إسناد حسن، يعقوب بن حميد مختلف فيه … \" اهـ.\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٣٢٦ رقم ١٠٠٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب.\nقلت: وهو حديث حسن.\n(^٧) في (ب): \"ياعباد\".\n(^٨) ذكره القرطبي في \"التذكرة\" (١/ ١٣٣ - ١٣٤) وقال: ذكره ابن أبي خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهما. وهو حديث معروف إسناده لا بأس به.\nوذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ١٥٥) وقال: \"حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم\" اهـ.","vol":"3","page":327},{"text":"واستدلَّ لهُ أيضًا أن أعمالَ العبادِ تعرضُ على موتاهمُ، وهوَ صحيحٌ. [وثمةَ] (^١) تأويلاتٌ أُخَرُ، وما ذكرناهُ أشفُّ ما في البابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-640>جواز البكاء على الميت</span>\n٥٦/ ٥٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ عِنْدَ الْقَبْرِ. فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ قالَ: شهدتُ بنتًا لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - تُدْفَنُ ورسولُ اللهِ - ﷺ - جالسٌ عندَ القبرِ فرأيتُ عينيهِ تدمعانِ. رواهُ البخارفيُّ). قدْ بيَّنَ الواقديُّ وغيرُه في روايتهِ أن البنتَ أمُّ كلثوم. وقدْ ردَّ البخاريُّ قول مَنْ قالَ: إنَّها رقيةُ بأنَّها ماتتْ ورسولُ اللَّهِ - ﷺ - في بدرٍ، فلم يشهدْ - ﷺ - دفنَها.\nوالحديثُ دليلٌ على جوازِ البكاءِ على الميتِ بعدَ موتهِ. وتقدَّمَ ما يدلُّ لهُ أيضًا إلَّا أنهُ عُورضَ بحديثِ: \"فإذا وَجَبَتْ فلا تبكيَنَّ باكيةٌ\" (^٣). وجُمعَ بينَهما بأنهُ\n_________\n(^١) في (ب): \"وثمَّ\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥١ رقم ١٢٨٥)، و(٣/ ٢٠٨ رقم ١٣٢٤).\n(^٣) وهو جزء من حديث جابر بن عتيك.\nأخرجه مالك (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والشافعي (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) - ترتيب المسند، وأحمد (٥/ ٤٤٦)، وأبو داود (٣١١١)، والنسائي (٤/ ١٣)، وفي الكبرى (٢/ ٤٠٣ - كما في \"تحفة الأشراف\") والحاكم (١/ ٣٥١ - ٣٥٢)، وصحَّحه ووافقه الذهبي. والبيهقي (٤/ ٦٩ - ٧٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ١٩١ رقم ١٧٧٩)، والبغوي في شرح السنة\" (٥/ ٤٣٣ رقم ١٥٣٢)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ٤٦١ رقم ٣١٨٩). وهو حديث صحيح.\nوفي الباب ما يشهد له.\n• عن أبي هريرة عند البخاري (٢٨٢٩) و(٥٨٣٣)، ومسلم (١٩١٤).\n• وعن أنس، عند البخاري (٥٧٣٢).\n• وعن عمر، عند الحاكم (٢/ ١٠٩).\n• وعن عائشة عند البخاري (٥٧٣٤).\n• وعن عبادة بن الصامت عند أحمد (٤/ ٢٠١) و(٥/ ٣٢٣)، والدارمي (٢/ ٢٠٨)، والطيالسي رقم (٥٨٢).\n• وعن عقبة بن عامر عند أحمد (٤/ ١٥٧). =","vol":"3","page":328},{"text":"محمولٌ على رفعِ الصوتِ، [أو أنهُ] (^١) مخصوصٌ بالنساءِ، لأنهُ قد يفضي بكاؤُهنَّ إلى النياحةِ، فيكونُ منْ بابِ سدِّ الذريعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-641>النهي عن دفن الميت ليلًا إلا لضرورة</span>\n٥٧/ ٥٥٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيلِ إلَّا أَنْ تُضْطَرُّوَا\". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَأَصْلُهُ في مُسْلِم (^٣)، لكِنْ قَالَ: زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتى يُصَلَّى عَلَيْهِ. [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: لا تدفنُوا موتَاكم بالليلِ إلَّا أن تُضْطَرُّوا. أخرجهُ ابنُ ماجهْ. وأصلُه في مسلمٍ، لكنْ قالَ: زَجَرَ) بالزاي والجيمِ والراءِ، عوضَ \"نهى\"، (أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلَّى عليه)، دلَّ على النهي عن الدفن للميتِ ليلًا إلا لضرورةٍ.\nوقدْ ذهبَ إلى هذا الحسنِ، ووردَ تعليلُ النَّهي عنْ ذلكَ بأنَّ ملائكةَ النهارِ أرأفُ منْ ملائكةِ الليلِ في حديثٍ قالَ الشارحُ: اللَّهُ أعلمُ بصحَّتهِ.\nوقولُهُ: \"وأصلُهُ في مسلمٍ\"، لفظُ الحديثِ الذي فيهِ: \"أنهُ - ﷺ - خطبَ يومًا فذكرَ رجلًا منْ أصحابهِ قبضَ وكفِّنَ في كفنٍ غيرِ طائلٍ، وقُبرَ ليلًا، وَزَجَرَ أنْ يُقْبَرَ الرجلُ بالليلِ حتَّى يصلَّى عليهِ إلَّا أنْ يُضْطَّرَّ الإنسانُ إلى ذلكَ\".\nوهوَ ظاهرٌ أنَّ النهيَ إنما هوَ حيثُ كانَ مظنةَ حصولِ التقصيرِ في حقِّ الميتِ بتركِ الصلاةِ أوْ عدمِ إحسانِ الكفنِ، فإذا كانَ يحصلُ [بتأخرِ] (^٤) الميتِ إلى النهارِ كثرةُ المصلينَ أو حضورُ مَنْ يُرْجَى دعاؤه حَسُنَ تأخرُهُ، وعلى هذا فيؤخرُ عن المسارعةِ بدفنه لذلكَ ولوْ في النهارِ، ودلَّ لذلكَ دفنُ عليٍّ - ﵇ - ﵍ - ليلًا، ودفنُ الصحابةِ لأبي بكرٍ ليلًا.\n_________\n= • وعن سلمان عند الطبراني (رقم ٦١١٥) و(٦١١٦).\n• وعن أبي مالك الأشعري عند أبي داود (٢٤٩٩)، والحاكم (٢/ ٧٨).\n(^١) في (أ): \"وأنه\".\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٤٨٧ رقم ١٥٢١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣١٤٨)، والنسائي (٤/ ٣٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٥١ رقم ٩٤٣).\n(^٤) في (أ): \"بتأخير\".","vol":"3","page":329},{"text":"وأخرجَ الترمذيُّ (^١) منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - دخلَ قبرًا ليلًا، فأُسرِجَ لهُ سراجٌ فأخذَ منْ قبلِ القبلةِ فقالَ: رحمكَ اللَّهُ إنْ كنتَ لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآنِ\" الحديثَ.\nقالَ: هوَ حديثٌ حَسَنٌ، قالَ: وقدْ رخَّصَ أكثرُ أهلِ العلمِ في الدفنَ ليلًا.\nوقالَ ابنُ حزمٍ (^٢): لا يدفنُ أحدٌ ليلًا إلا أن يضطرَّ إلى ذلكَ، قالَ: ومَنْ دُفِنَ ليلًا مِنْ أصحابِه - ﷺ - وأزواجهِ فإنهُ لضرورةٍ أوجبتْ ذلكَ منْ خوف زحامٍ أو خوفِ الحرِّ على مَنْ حضرَ، أو خوفِ تغيرٍ، أو غيرِ ذلكَ مما يبيحُ الدفنَ ليلًا. ولا يحلُّ لأحدٍ أنْ يظنَّ بهمْ - ﵃ - خلافَ ذلكَ، انتهَى.\nتنبيهٌ: تقدمَ في الأوقاتِ حديثُ عقبةَ بن عامرٍ (^٣): \"ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن نصليَ فيهنَّ، وأنْ نقبرَ فيهنَّ موتانا، حينَ تطلعُ الشمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتَّى تزولَ الشمسُ، وحينَ تضيفُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٣٧٢ رقم ١٠٥٧)، وقال: حديث حسن.\nقال النووي في المجموع (٥/ ٣٠٢): \"هو حديث ضعيف. فإن قيل قد قال فيه الترمذي حديث حسن. قلنا: لا يقبل قول الترمذي في هذا لأنه من رواية الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف عند المحدثين، ويحتمل أنه اعتضد عند الترمذي بغيره فصار حسنًا\" اهـ.\nوقال الألباني في \"أحكام الجنائز\" (ص ١٤٢): \"يعني أنه حسن لغيره، وهذا اصطلاح خاص للترمذي أنه إذا قال: \"حديث حسن\" فإنما يريد الحسن لغيره كما نص عليه هو في \"العلل\" المذكور في آخر كتابه، وقد جاء له شاهد - من حديث جابر بن عبد الله، أخرجه أبو داود (٣١٦٤)، والحاكم (١/ ٣٦٨)، والبيهقي (٤/ ٥٣)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وزاد عليهما النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٠٢): \"رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.\nقلت: والقائل الألباني: وكل ذلك خطأ، فإن مدار إسناده على محمد بن مسلم الطائفي، وهو وإن كان ثقة في نفسه، فقد كان ضعيفًا في حفظه، ولذلك لم يحتج الشيخان به، وإنما روى له البخاري تعليقًا، ومسلم استشهادًا. ومن العجائب أن الحاكم والذهبي على علم ببعض هذا، فقد ذكر المزي أن الطائفي هذا ليس له في مسلم إلا حديثًا واحدًا، قال الحافظ ابن حجر: وهو متابعة عنده، كما نص عليه الحاكم. وكذلك صرح الذهبي في ترجمته من \"الميزان\" أن مسلمًا روى له متابعة.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن لغيره، والله أعلم.\n(^٢) في \"المحلَّى\" (٥/ ١١٤ - ١١٥).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٣١) وقد تقدم رقم (١٤/ ١٥٣) من كتابنا هذا.","vol":"3","page":330},{"text":"الشمسُ للغروبِ حتَّى تغربَ\"، انتهَى. وكانَ يحسنُ ذكرُ المصنفِ لهُ هنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-642>إيناس أهل الميت بصنع الطعام</span>\n٥٨/ ٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ - ﵄ - قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ - حِينَ قُتِلَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ\"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^١). [حسن]\n(وعنِ عبدِ اللهِ بن جعفرٍ - ﵄ - قالَ: لما جاءَ نعيم جعفرٍ حينَ قُتِلَ، قالَ النبيُّ - ﷺ -: اصنعُوا لآل جعفرٍ طعامًا فقدْ أتاهم ما يشغلُهم. أخرجهُ الخمسة إلا النسائيَّ).\nفيهِ [دليلٌ] (^٢) على شرعيةِ إيناسِ أهلِ الميتِ بصنعِ الطعام لهمْ لما همْ فيهِ مِنَ الشغلِ بالموتِ، ولكنهُ أخرجَ أحمدُ منْ حديثِ جريرِ بن عبدِ اللهِ البجليِّ: \"كنَّا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ، وصنعةَ الطعامِ بعدَ دفنه منَ النياحةِ\" (^٣)، فيحملُ حديثُ جرير [بن عبد الله البجلي] (^٤) على أن المرادَ صنعةُ أهلِ الميتِ [الطعامَ] (^٥) لمنْ يدفنُ معهم ويحضرُ لديْهم كما هوَ عرفُ بعضِ [أهلِ] (^٦) الجهاتِ، وأما الإحسانُ إليهم بحملِ الطعامِ لهمْ فلا بأسَ بهِ، وهوَ الذي أفادهُ حديثُ جعفرٍ. ومما يحرمُ بعدَ الموتِ العقرُ عندَ القبرِ لورودِ النهي عنهُ؛ فإنهُ أخرجَ أحمدُ (^٧)، وأبو داود (^٨) من\n_________\n(^١) أبو داود (٣١٣٢)، والترمذي (٩٩٨) وقال حسن صحيح، وابن ماجه (١٦١٠)، وأحمد (١/ ٢٠٥).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢١٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤٦٠ رقم ١٥٥٢)، والحاكم (١/ ٣٧٢)، والدارقطني (٢/ ٧٨ رقم ١١) وصححه ابن السكن.\nوالخلاصة: هو حديث حسن.\n(^٢) في (ب): \"دلالة\".\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٠٤) بإسناد صحيح.\nوابن ماجه من طريقين: أحدهما على شرط البخاري. والثاني على شرط مسلم.\nوقول الصحابي كنا نعد كذا من كذا هو بمنزلة رواية إجماع الصحابة - ﵃ - أو تقرير النبي - ﷺ -، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حجة.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (ب): \"للطعام\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"المسند\" (٣/ ١٩٧).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٥٥٠ رقم ٣٢٢٢).","vol":"3","page":331},{"text":"حديث أنسٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: لا عقرَ في الإسلامِ\"، قالَ عبدُ الرزاقِ: كانُوا يعقرونَ عندَ القبرِ بقرة أو شاة.\nقالَ الخطابيُّ (^١): \"كانَ أهلُ الجاهليةِ يعقرونَ الإبلَ على قبرِ الرجلِ الجوادِ، يقولونَ: نجازيهِ على فعلهِ لأنهُ كانَ يعقرُها في حياتهِ فيطعمُها الأضيافَ، فنحنُ نعقرُها عندَ قبرِه حتَّى تأكلَها السباعُ والطيرُ، فيكونُ مُطعمًا بعدَ وفاتهِ كما كانَ يطعمُ في حياتهِ. ومنْهم مَنْ كانَ يذهبُ إلى أنهُ إذا عُقِرَتْ راحلتُه عندَ قبرهِ حُشِرَ في القيامةِ راكبًا، ومَنْ لم يعقرْ عندَه حُشِرَ راجلًا، وكانَ هذا على مذهبِ مَنْ يقولُ منهم بالبعثِ\"، فهذا فعلٌ جاهليٌّ محرَّمٌ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-643>ما يقول ويفعل في زيارة القبور</span>\n٥٩/ ٥٥٨ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولُوا: \"السّلَامُ على أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَسْالُ الله لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ\"، رَوَاهُ مُسْلِم (^٣). [صحيح]\n(وعنْ سليمانَ بن بريدةَ) (^٤) هوَ الأسلميُّ، رَوَى عنْ أبيهِ، وعمرانَ بن\n_________\n(^١) في \"معالم السنن\" (٣/ ٥٥١ - هامش السنن).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٥٧) كلهم من حديث أنس بإسناد صحيح على شرط الشيخين.\nوصحَّح الألباني الحديث في صحيح أبي داود.\n(^٢) قال النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٢٠): \"وأما الذبح والعقر عند القبر فمذموم لحديث أنس - المتقدِّم أعلاه - \" اهـ.\nقلت: وهذا إذا كان الذبح هناك لله تعالى، وأما إذا كان لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال فهو شرك صريح وأكله حرام وفسق .. \" اهـ.\nوانظر: \"الأحكام\" للألباني (ص ٢٠٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٧١ رقم ١٠٤/ ٩٧٥).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤/ ٩٤ رقم ٢٠٤٠)، وابن ماجه (١٥٤٧)، والبغوي في شرح السنة\" رقم (١٥٥٥)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٥٣ و٣٦٠).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٤) و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٠٢) و\"العبر\" =","vol":"3","page":332},{"text":"حصينٍ وجماعةٍ، ماتَ سنةَ خمسَ عشرةَ ومائةٍ (عنْ أبيهِ) أي: بريدةَ (قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يعلِّمُهم) أي: أصحابَهُ (إذا خرجُوا إلى المقابرِ) أي: أنْ يقولُوا: (السلامُ على أهلِ الديارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنا إنْ شاءَ اللَّهُ بكمْ لاحقونَ، أسألُ الله لنا ولكمْ العافيةَ. رواهُ مسلمٌ).\nوأخرجه أيضًا منْ حديثِ عائشةَ (^١) وفيهِ زيادةُ: \"ويرحمُ اللَّهُ المتقدِّمينَ منَّا والمتأخرينَ\". والحديثُ دليل على [مشروعية] (^٢) زيارةِ القبورِ، والسلامِ على مَنْ فيْهَا مِنَ الأمواتِ، وأنهُ بلفظِ السلامِ على الأحياءِ.\nقال الخطابي: فيهِ أن اسمَ الدارِ يقعُ على المقابرِ، وهوَ صحيحٌ؛ فإنَّ الدارَ في اللغةِ تقعُ على الرَّبعِ المسكونِ، وعلى الخرابِ غيرِ المأهولِ. والتقييدُ بالمشيئةِ للتبرُّكِ، وامتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (^٣)، وقيلَ: المشيئة عائدةٌ إلى تلكَ التربةِ بعينِها. وسؤالهُ العافيةَ دليلٌ على أنَّها مِنْ أهمِّ ما يطلبُ، وأشرفِ ما يسئلُ. والعافيةُ للميتِ بسلامتِه منَ العذابِ ومناقشةِ الحسابِ.\nومقصودُ زيارةِ القبورِ الدعاءُ لهمْ والإحسانُ إليهمْ، وتذكُّرُ الآخرةِ والزهدُ في الدنيا، وأما ما أحدثهُ العامةُ مِنْ خلافِ هذَا كدعائِهم الميتَ، والاستصراخِ بهِ، والاستغاثةِ بهِ، وسؤالِ اللَّهِ بحقِّهِ، وطلبِ الحاجاتِ إليهِ تعالى بهِ، فهذَا مِنَ البدعِ والجهالاتِ. وتقدمَ شيءٌ منْ هذَا.\n٦٠/ ٥٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: مَرّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: \"السّلامُ عَلَيكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بالأَثَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَقَالَ: حَسَنٌ. [ضعيف]\n_________\n= (١/ ٩٨) و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٥٣) و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٣١).\n(^١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٠٣/ ٩٧٤).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٥٤٦)، والنسائي (٤/ ٩٣ - ٩٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٥٥٦) وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٧١، ٧٦، ١١١، ١٨٠، ٢٢١).\n(^٢) في (ب): \"شرعية\".\n(^٣) سورة الكهف: الآيتان ٢٣، ٢٤.\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٣٦٩ رقم ١٠٥٣)، وقال: حديث حسن غريبٌ. =","vol":"3","page":333},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵁ - قالَ: مرَّ رسول اللهِ - ﷺ - بقبورِ المدينةِ، فأقبلَ عليهمْ بوجهه فقالَ: السلامُ عليكمْ يا أهلَ القبورِ، يغفرُ اللهُ لنا ولكمْ، أنتمْ سلفنا ونحنُ بالأثرِ. رواة الترمذيُّ وقالَ: حسنٌ)، فيهِ أنهُ يسلِّمُ عليهمْ إذا مر بالمقبرة، وإن لم يقصد الزيارة لهم، وفيه أنهم يعلمون بالمارِّ بهم وسلامه عليهم، وإلَّا كانَ إضاعة، وظاهرهُ في جمعةٍ وغيرِها.\nوفي الحديثينِ الأُوَلِ وهذا دليلٌ [على] (^١) أن الإنسانَ إذا دعا لأحدٍ، أو استغفَر له يبدأُ بالدعاءِ لنفسهِ والاستغفارِ لها، وعليهِ وردتِ الأدعيةُ القرآنيةُ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ (^٢)، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) وغيرُ ذلكَ.\nوفيهِ أن هذهِ الأدعيةَ ونحوَها نافعةٌ للميتِ بلا خلافٍ، وأما غيرُها منْ قراءةِ القرآنِ لهُ فالشافعيُّ يقولُ: لا يصلُ ذلكَ إليهِ. وذهبَ أحمدُ وجماعةٌ منَ العلماءِ إلى وصولِ ذلكَ إليهِ. وذهبَ جماعةٌ منْ أهلِ السنةِ والحنفيةُ إلى أن للإنسانِ أنْ يجعلَ ثوابَ عملهِ لغيرِه صلاةً كان، أو صومًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةَ قرآنٍ، أو ذكرًا، أو أيَّ أنواعِ القُرَبِ. وهذا هوَ القولُ الأرجحُ دليلًا (^٤)، وقدْ\n_________\n= وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان، قال النسائي في \"الضعفاء والمتروكين\" رقم (٥١٩): ليس بالقوي. وقال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٤٥): لا يحتج به.\nوقال ابن حبان: رديء الحفظ ينفرد عن أبيه بما لا أصل له، فربما رفع المرسل وأسند الموقوف - \"الميزان\" (٣/ ٣٦٧ رقم ٦٧٨٨).\nقلت: وهذا من روايته عن أبيه فلا يحتج به.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة الحشر: الآية ١٠.\n(^٣) سورة محمد: الآية ١٩.\n(^٤) قال علي بن أبي العز في \"شرح العقيدة الطحاوية\" (٢/ ٦٦٤ - ٦٧١): \"اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين:\nأحدهما: ما تسبَّب إليه الميتُ في حياته.\nوالثاني: دعاءُ المسلمين واستغفارُهُم له، والصدقة والحج، على نزاعٍ فيما يصل من ثواب الحج، فعن محمد بن الحسن - ﵀ -: أنه إنما يَصِلُ إلى الميت ثوابُ النفقة، والحجُّ للحاجِّ، وعند عامة العلماء: ثوابُ الحج للمحجوج عنه، وهو الصحيح.\nواختُلِفَ في العبادات البدنية، كالصوم، والصلاةِ، وقراءةِ القرآن، والذكر، فذهب أبو حنيفة، وأحمد، وجمهور السلف إلى وصولها، والمشهور من مذهب الشافعي، ومالك عدمُ وصولها. =","vol":"3","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وذهب بعضُ أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة، لا الدعاء، ولا غيره. وقولُهم مردودٌ بالكتاب والسنة، لكنهم استَدلوا بالمتشابه من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا مات ابن آدم، انقطعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أو ولدٍ صالح يدعُو له، أو علم ينتفعُ به من بعده\". [أخرجه مسلم (١٦٣١)، والترمذي (١٣٧٦)، وأبو داود (٣٢٨٠)، والنسائي (٦/ ٢٥١)، وأحمد (٢/ ٣٨٢)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (رقم: ٣٨) من حديث أبي هريرة.\nفأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة، وما لم يكن تسبَّب فيه في الحياة فهو منقطع عنه.\nواستدل المقتصرون على وصول العبادات التي تدخلها النيابة كالصدقة والحجَّ بأن النوع الذي لا تدخله النيابةُ بحال، كالإسلام والصلاة والصوم، وقراءة القرآن، يختص ثوابه بفاعله لا يتعدَّاه، كما أنه في الحياة لا يفعلُه أحدٌ عن أحد، ولا ينوبُ فيه عن فاعله غيرُه، وقد روى النسائي بسنده [في الكبرى (٤/ ٤٣/ ١)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ١٤١) موقوفًا على ابن عباس، وسنده صحيح، ولا يعرف في المرفوع] عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ، ولكن يُطعِمُ عنه مكان كُلِّ يومٍ مُدًّا من حنطةٍ\".\nوالدليلُ على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه: \"الكتابُ والسنة والإجماع والقياس الصحيح.\nأما الكتاب: فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]، فاثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء، وقد دل على انتفاع الميت بالدعاءِ إجماعُ الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة، والأدعية التي وردت بها السنة في صلاةِ الجنازة مستفيضة، وكذا الدعاءُ له بعد الدفن، ففي سنن أبي داود -[٣٢٢١، والبيهقي في \"السنن\" (٤/ ٥٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٥٢٣) وسنده قوي. حسّنه النووي في الأذكار، والحافظ في \"أماليه\"، والحاكم (١/ ٣٧٥) ووافقه الذهبي]- من حديث عثمان بن عفان - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا فَرَغَ من دفنِ الميت وقف عليه، فقال: \"استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنهُ الآن يُسأل\".\nوكذلك الدعاءُ لهم عند زيارة قبورهم، كما في صحيح مسلم -[٩٧٥، والنسائي (٤/ ٩٤، وابن ماجه (١٥٤٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٥٥٥)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٥٣، ٣٦٠)]- من حديث بُريدة بن الحصيب، قال: كان رسول الله - ﷺ - يُعَلِّمُهُم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: (السلامُ عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا =","vol":"3","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إن شاء اللهُ بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية\".\nوفي صحيحه أيضًا - (رقم: ٩٧٤) - عن عائشة - ﵂ -: سألت النبي - ﷺ - كيف تقول إذا استغفرت لأهل القبور، قال: \"قولي: السلام على أهل الديارِ من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللهُ المستقدمين منا والمستأخرين، وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون\".\nوأما وصولُ ثواب الصدقة، ففي الصحيحين -[البخاري (١٣٨٨) و(٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٥٠)، وابن ماجه (٢٧١٧)، ومالك في الموطأ (٢/ ٧٦٠)، والبغوي (رقم: - ١٦٩٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٦٢)، وأبو داود (٢٨٨١)، وفيه أن امرأة … والرجل المبهم هو (سعد بن عبادة) كما في الحديث الذي بعده. وانظر: \"الفتح\" (٥/ ٣٨٩)]- عن عائشة - ﵂ -: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَتْ نفسُهَا، ولم تُوصِ، وأظنُّها لو تكلَّمت تصدَّقت، أفلَها أجرٌ إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم\".\nوفي صحيح البخاري -[(٢٧٥٦، ٢٧٦٢، ٢٨٧٠]) - عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: أن سعد بن عُبادةَ توفيت أمُّهُ وهو غائبٌ عنها، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أشهدُكَ أن حائطي المِخْرَاف صدقة عنها.\nوأمثال ذلك كثيرٌ في السنة.\nوأما وصول ثواب الصوم، ففي \"الصحيحين\" -[البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)]- عن عائشة - ﵂ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من مات وعليه صيام صام عنه وليهُ\". وله نظائر في \"الصحيح\".\nولكن أبو حنيفة - ﵀ - قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه، لحديث ابن عباس المتقدم، والكلامُ على ذلك معروفٌ في كتب الفروع.\nوأما وصول ثواب الحج، ففي \"صحيح البخاري\" -[(١٨٥٢) و٦٦٩٩ و٧٣١٥]- عن ابن عباس - ﵄ -، أن امرأة من جُهَيْنَةَ جاءت إلى النبي - ﷺ - فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجِّي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَينٌ، أكنتِ قاضيته؟ اقضُوا الله، فاللهُ أحق بالوفاء\"، ونظائره أيضًا كثيرة.\nوأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يُسقِطُه من ذمةِ الميت، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته، وقد دلَّ على ذلك حديثُ أبي قتادة، حيث ضمن الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال النبي - ﷺ -: \"الآن بَرَّدْتَ عليه جلدتَهُ\" -[أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٠)، والطيالسي (رقم: ١٦٧٣)، والبيهقي (٦/ ٧٥)، والبزار (رقم: ١٣٣٤) من حديث جابر بن عبد الله وسنده حسن، وصحَّحه الحاكم (٢/ ٥٨) ووافقه الذهبي. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٣٩) ونسبه لأحمد والبزار وحسن إسناده].\nوكُلُّ ذلك جار على قواعد الشرع وهو محضُ القياس، فإن الثواب حقُّ العامل، فإذا وهبه =","vol":"3","page":336},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لأخيه المسلم، لم يُمنع من ذلك، كما لم يُمنع من هبة ماله له في حياته وإبرائه له منه بعد وفاته.\nوقد نبَّه الشارعُ بوصول ثواب الصوم على وصولِ ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية، يوضحُهُ: أن الصومَ كفُّ النفس عن المفطرات بالنية، وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عملٌ ونية؟\n• والجوابُ عما استدلوا به من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، قد أجاب العلماءُ بأجوبة أصحها جوابان:\nأحدهما: أن الإنسان بسعيه وحُسنِ عشرته اكتسب الأصدقاءَ وأولدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودَّد إلى الناس، فترحَّموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثوابَ الطاعات، فكان ذلك أثرَ سعيه، بل دخولُ المسلم مع جملةِ المسلمين في عَقْدِ الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه، في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيطُ مَنْ ورائهم.\nيُوضحه: أن الله تعالى جعل الإيمان سببًا لانتفاع صاحبه بدُعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يُوصلُ إليه ذلك.\nالثاني: - وهو أقوى منه - أن القرآن لم ينفِ انتفاعَ الرجلِ بسعي غيره، وإنما نفى مِلْكَه لغير سعيه، وبينَ الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملكُ إلا سعيه، وأما سعيُ غيره، فهو ملكٌ لساعيه فإن شاء أن يبذلُه لغيره وإن شاء أن يبقيَهُ لنفسه.\nوقوله سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٣٩]. آيتان محكمتان تقتضيان عدل الرب تعالى:\nفالأولى: تقتضي أنه لا يُعاقِبُ أحدًا بجرم غيره، ولا يؤاخِذُه بجريرة غيره، كما يفعلُه ملوكُ الدنيا.\nوالثانية: تقتضي أنه لا يُفلحُ إلا بعمله، ليقطعَ طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلَفِه ومشايخه، كما عليه أصحابُ الطمعِ الكاذب، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما يسعى.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]. على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبَةُ العبد بعمل غيره، فإنه تعالى قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾ [يس].\nوأما استدلالهم بقوله - ﷺ -: \"إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُهُ\" [أخرجه مسلم] (١٦٣١)، وأبو داود (٢٨٨٠)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١)، وأحمد (٢/ ٣٨٢)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (٣٨)، وابن الجارود (رقم: ٣٧٠) من حديث أبي هريرة فاستدلال ساقط، فإنه لم يقل انقطع انتفاعُه، وإنما أخبر عن انقطاع عمله، وأما عملُ غيره فهو =","vol":"3","page":337},{"text":"أخرجَ الدارقطني (^١): \"أن رجلًا سألَ النبيَّ - ﷺ - أنهُ كيفَ يبرُّ أبويهِ بعدَ موتِهما، فأجابهُ بأنهُ يصلِّي لهما معَ صلاتِه، ويصومُ لهما معَ [صيامهِ] \" (^٢).\nوأخرجَ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ معقلِ بن يسار عنهُ - ﷺ -: \"اقرأوا على موتاكم\n_________\n= لعامله، فإن وهبه له، وصل إليه ثوابُ عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدَّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفَّى به الدين … \" اهـ.\n[انظر: \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (٢٤/ ٣٠٦ - ٣١٣ و٣٢٤ و٣٦٦)، والروح لابن القيم (ص ١٥٩ - ١٩٣) فقد بسط القول في المسألة].\n(^١) لم أعثر عليه في سنن الدارقطني ولا في علله المطبوع، والله أعلم.\n(^٢) في (أ): \"صومه\".\n(^٣) في \"السنن\" (٣١٢١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٤٤٨)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٥٨١ رقم ١٠٧٤)، والحاكم (١/ ٥٦٥)، والبيهقي (٣/ ٣٨٣)، وأحمد (٥/ ٢٦ و٢٧)، وابن حبان في \"الموارد\" (رقم: ٧٢٠)، والطليالسي (ص ١٢٦ رقم ٩٣١) كلهم من حديث معقل بن يسار.\nقال الحاكم: \"أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبولة\". ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٥١) وقال: \"ولكن للحديث علة أخرى قادحة أفصح عنها الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٥٥٠ رقم ١٠٤٠٤) فقال في ترجمة أبي عثمان هذا: \"عن أبيه، عن أنس، لا يعرف. قال ابن المديني: لم يرو عنه غير سليمان التيمي. قلت: أما النهدي فثقة إمام\". قلت: وتمام كلام ابن المديني: \"وهو مجهول\". وأما ابن حبان فذكره في \"الثقات\" (٧/ ٦٦٤) على قاعدته في تعديل المجهولين.\nثم إن الحديث له علة أخرى. وهي الاضطراب. فبعض الرواة يقول: وعن أبي عثمان عن أبيه عن معقل\". وبعضهم: \"عن أبي عثمان عن معقل\" لا يقول \"عن أبيه\" وأبوه غير معروف أيضًا. فهذه ثلاث علل:\n١ - جهالة أبي عثمان.\n٢ - جهالة أبيه.\n٣ - الاضطراب.\nوقد أعله بذلك ابن القطان كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٠٤)، وقال: \"ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن. وأما في مسند أحمد (٤/ ١٠٥) من طريق صفوان: حدثني المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي حين اشتد سوقه، فقال: هل منكم من أحد يقرأ (يس)، قال: فقرأها صالح بن شريح السكوني، فلما بلغ أربعين منها قبض، قال: فكان المشيخة =","vol":"3","page":338},{"text":"سورةَ يسَ\"، وهوَ شاملٌ للميتِ بلْ هوَ الحقيقةُ فيهِ. وأخرجَ الشيخانِ (^١): \"أنهُ - ﷺ - كانَ يضحِّي عنْ نفسهِ بكبشٍ، وعنْ أمتهِ بكبشٍ\". وفيه إشارةٌ إلى أن الإنسانَ ينفعُه عملُ غيره. وقد بسَطنا الكلامَ في حواشي ضوءِ النهارِ بما يتضحُ منهُ قوةُ هذا المذهبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>النهي عن سبِّ الأموات</span>\n٦١/ ٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَسُبُّوا\n_________\n= يقولون: إذا قرئت عند الميت خفِّف عنه بها. قال صفوان: \"وقرأها عيسى بن المعتمر عند ابن معبد\".\nقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ١٥٢): \"فهذا سند صحيح إلى غضيف بن الحارث - ﵁ -، ورجاله ثقات غير المشيخة، فإنهم لم يسمَّوا، فهم مجهولون، لكن جهالتهم تنجبر بكثرتهم لا سيما وهم من التابعين، وصفوان هو ابن عمرو وقد وصله ورفعه عنه بعض الضعفاء بلفظ: \"إذا قرئت … \" فضعيف مقطوع. وقد وصله بعض المتروكين والمتَّهَمين بلفظ: \"ما من ميت يموت فيقرأ عنده (يس) إلَّا هَوّنَ الله عليه\".\nرواه أبو نعيم في \"أخبار أصفهان\" (١/ ١٨٨) عن مروان بن سالم عن صفوان بن عمرو عن شريح عن أبي الدرداء مرفوعًا به.\nومروان هذا قال أحمد والنسائي: \"ليس بثقة\"، وقال الساجي وأبو عروبة الحراني: \"يضع الحديث\" [الميزان (٤/ ٩٠) و\"المجروحين\" (٣/ ١٣)]، ومن طريقه رواه الديلمي إلا أنه قال: \"عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله - ﷺ - .... \" كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٥٢).\n(^١) أخرج البخاري رقم (٥٢٣٤ - البغا)، ومسلم (رقم: ١٩٦٦) من حديث أنس: أنْ رسول الله - ﷺ - انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين، فذبحهما بيده\". ولم أجده بلفظ المؤلف عند الشيخين بل أخرج البزار في \"الكشف\" (٢/ ٦٢ رقم ١٢٠٨) عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ضحَّى أشترى كبشين سمينين، أقرنين، أملحين، فإذا صلَّى وخطب أتِيَ بأحدهما وهو في مصلَّاه فذبحه، ثم قال: \"اللهم هذا عن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه وبقول: اللهم هذا عن محمد وأل محمد، فيطعمهما جميعا للمساكين ويأكل هو وأهله منهما. قال: فلبثنا سنين ليس أحد من بني هاشم بُضحِّي قد كفا الله برسول الله - ﷺ - الغُرم والمؤنة\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٢): وقال: \"رواه البزار وأحمد بنحوه، ورواه الطبراني في \"الكبير\" بنحوه، ولأبي رافع في \"الأوسط\" قال: ذبح رسول الله - ﷺ - كبشًا، ثم قال: هذا عني وعن أمتي. رواه في \"الكبير\" بنحوه، وإسناد أحمد والبزار حسن\".","vol":"3","page":339},{"text":"الأَمْوَاتَ، فَإنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١) [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لا تسبُّوا الأمواتَ فإنَّهم قدْ أفْضَوْا) أي: وصلُوا (إلى ما قدَّموا) من الأعمالِ (رواهُ البخاري). الحديثُ دليل على تحريم سبِّ الأمواتِ، وظاهرُه العمومُ للمسلمِ والكافرِ، وفي الشرحِ الظاهرُ أنهُ مخصَّصٌ بجوازِ سبِّ الكافرِ لما حكاهُ اللَّهُ منْ ذمِّ الكفارِ في كتابهِ العزيزِ كعادٍ وثمودَ وأشباهِهم.\nقلتُ: لكنَّ قولَه: قدْ أفْضَوْا إلى ما قدَّمُوا علةٌ عامةٌ للفريقين معناها أنهُ لا فائدةَ تحتَ سبِّهم والتفكُّهِ بأعراضِهم، وأما ذكرُه تعالى للأمم الخاليةِ بما كانُوا فيهِ منَ الضلالِ فليسَ المقصودُ ذمَّهم بل تحذيرًا للأمةِ منْ تلكَ الأفعالِ التي أفضتْ بفاعِلها إلى الوبالِ، وبيانِ محرَّمات ارتكبوهَا. وذكرُ الفاجرِ بخصالِ فجورِه لغرضٍ جائزٌ، وليسَ منَ السبِّ المنهيِّ عنهُ فلا تخصيصَ بالكفارِ.\nنَعَمْ الحديثُ مخصَّصٌ ببعضِ المؤمنينَ كما في الحديثِ: \"أنهُ مرَّ عليه - ﷺ - بجنازةٍ فأثنُوا عليها شَرًّا\" الحديثَ. وأقرَّهم - ﷺ - على ذلكَ بلْ قالَ: وجبتْ، أي: النارُ، ثمَّ قالَ: أنتمْ شهداءُ اللَّهِ\" (^٢).\nولا يُقالُ: إنَّ الذي أثْنَوا عليهِ شرًا ليس بمؤمن، لأنهُ قدْ أخرجَ الحاكمُ في ذَمِّهِ: بئسَ المرءُ كانَ، لقدْ كانَ فظًا غليظًا\"، والظاهرُ أنهُ مسلمٌ إذْ لو كانَ كافرًا لما تعرَّضُوا لذمِّهِ بغيرِ كُفْرِهِ. وقدْ أجابَ القرطبيُّ عنْ سبِّهم لهُ، وإقرارِهِ - ﷺ - لهمْ بأنهُ يحتملُ أنهُ كانَ مستظهِرًا بالشرِّ ليكونَ منْ بابِ لا غيبةَ لفاسقٍ، أوْ بأنهُ يحملُ النهيَ عنْ سبِّ الأمواتِ على ما بعدَ الدفنِ.\nقلتُ: وهوَ الذي يناسبُ التعليلَ بإفضائِهم إلى ما قدَّموا؛ فإنَّ الإفضاءَ الحقيقيَّ بعدَ الدفنِ.\n٦٢/ ٥٦١ - وَرَوى التِّرْمِذِيُّ (^٣) عَنِ الْمُغِيرَةِ - ﵁ - نَحْوَهُ، لكِنْ قَالَ: \"فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ\". [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٣٩٣) وطرفه رقم (٦٥١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٦٧)، ومسلم (٦٠/ ٩٤٩) من حديث أنس.\n(^٣) في \"السنن\" (١٩٨٢) وقال: وقد اختلف أصحابُ سفيان في هذا الحديث، فروى بعضهم =","vol":"3","page":340},{"text":"(وَرَوَى الترمذيُّ عن المغيرةِ نحوَه) أي: نحوَ حديثِ عائشةَ في النَّهيِ عنْ سبِّ الأمواتِ (لكنْ قالَ) عوضَ قولهِ: \"فإنَّهم قدْ أفضُوا إلى ما قدَّموا\"، (فتؤذُوا الأحياءَ) قالَ ابنُ رشدٍ (^١): إنَّ سبَّ الكافرِ [يحرمُ] (^٢) إذا تأذَّى به الحيُّ المسلمُ، ويحلُّ إذا لمْ تحصلْ بهِ الأذِيةُ.\nوأما المسلمُ فيحرمُ إلَّا إذا دعتْ إليهِ الضرورةُ، كأنْ تكونَ فيهِ مصلحةٌ للميتِ إذا أريدَ تخليصُه منْ مظلمةٍ وقعتْ منهُ فإنهُ يحسنُ، بلْ يجبُ إذا اقتضَى ذلكَ سبَّهُ، وهوَ نظيرُ ما استُثْنِيَ منْ جوازِ الغيبةِ لجماعة منَ الأحياءِ لأمورٍ.\nتنبيهٌ: من الأذيةِ للميتِ القعودُ على قبرهِ لِمَا أخرجَهُ أحمدُ (^٣).\nقال الحافظُ ابنُ حجرٍ بإسنادٍ صحيحٍ منْ حديثِ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريِّ: قالَ: رآني رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأنا متَّكئٌ على قبرٍ فقالَ: \"لا تؤذِ صاحبَ القبرِ\"، وأخرجَ مسلمٌ (^٤) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قال رسولُ الله - ﷺ -: \"لأَنْ يجلِسَ أحدُكم على جمرةٍ، فتحرقَ ثيابَهُ، فتخلُصَ إلى جلدهِ، خيرٌ لهُ من الجلوسِ عليهِ\"، وأخرجَ مسلمٌ (^٥) عنْ أبي مرثدٍ مرفوعًا: \"لا تجلسُوا على القبورِ، ولا تصلُّوا إليها\". والنهيُ ظاهر في التحريمِ.\nوقالَ المصنفُ في فتحِ الباري (^٦) نقلًا عن النوويّ: إنَّ الجمهورَ يقولونَ\n_________\n= مثل رواية الحفري، وروى بعضُهم عن سفيان عن زياد بن علاقة، قال: سمعتُ رجلًا يحدثُ عند المغيرةِ بن شعبة عن النبي - ﷺ - نحوه\".\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠ رقم ١٠١٣)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٧/ ٢٩٢ رقم ٣٠٢٢).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في صحيح الترمذي.\n(^١) في (أ) و(ب) ابن رشيد، والصواب ما أثبتناه.\n(^٢) في (أ): \"محرم\".\n(^٣) أورده صاحب \"كنز العمال\" (١٥/ ٧٦٠ رقم ٤٢٩٩٠) عن عمرو بن حزم، وعزاه لابن عساكر. وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥١٥) عنه أيضًا.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٩٦/ ٩٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٢٢٨)، والنسائي (٤/ ٩٥ رقم ٢٠٤٤)، وابن ماجه (١٥٦٦).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٩٧٢).\n(^٦) (٣/ ٢٢٤).","vol":"3","page":341},{"text":"بكراهةِ القعودِ عليهِ. وقالَ مالكٌ (^١): المرادُ بالقعودِ: الحدثُ، وهوَ تأويلٌ ضعيفٌ، أو باطلٌ، انتهَى.\nوبمثلِ قول مالكٌ قالَ أبو حنيفةَ (^٢)، كما في الفتحِ.\nقلتُ: والدليلُ يقتضي تحريمَ القعودِ عليهِ، والمرورِ فوقَه، لأنَّ قولَه: \"لا تؤذِ صاحبَ القبرِ\"، نهيٌ عنْ أذيةِ المقبورِ منَ المؤمنينَ، وأذيةُ المؤمنِ محرَّمة بنصِّ القرآنِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٣).\n\nتم بحمد الله المجلَّد الثالث من\n\"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام\"\nولله الحمد والمنَّة\nويليه المجد الرابع\nوأوله: [الكتاب الرابع]\nكتابُ الزكاة\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(^٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٥١٥).\n(^٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٨.","vol":"3","page":342},{"text":"[الكتاب الرابع] كتابُ الزكاةِ\nالزكاةُ لغةً مشتركةٌ بينَ النماءِ والطهارةِ، وتطلقُ على الصدقةِ الواجبةِ والمندوبةِ، والنفقةِ والعفوِ والحقِّ، وهي أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسةُ بإجماعِ الأمةِ، وبما عُلِمَ منْ ضرورةِ الدينِ. واختُلِفَ في أي سنةٍ فُرضَتْ، فقالَ الأكثرُ: إنَّها فُرضتْ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ قبلَ فرضِ رمضانَ. ويأتي بيانُ متَى فُرِضَ في<span data-type='title' id=toc-646> باب</span>هِ.\n<span data-type='title' id=toc-647>الإمام أو نائبه يتولَّى قبض الزكاة</span>\n١/ ٥٦٢ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: \"إنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١). [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ أن النبيَّ - ﷺ - بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فذكرَ الحديثَ وفيهِ: إنَّ اللَّهَ قدِ افترضَ عليهمْ صدقةً في أموالهم تُؤْخَذُ منْ أغنيائِهم فتردُّ في فقرائِهم. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). كانَ بعثهُ - ﷺ - لمعاذٍ إلى اليمنِ سنةِ عشرٍ قبل حجّ النبي - ﷺ - كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل كان آخر سنة تسع عندَ مُنْصَرَفِهِ - ﷺ - منْ غزوةِ تبوكٍ. وقيلَ: سنةَ ثمانٍ بعدَ الفتحِ، وبقي فيه إلى خلافةِ أبي بكرٍ.\nوالحديثُ في البخاريِّ ولفظهُ: \"عن ابن عباسٍ أنهُ - ﷺ - لَمَّا بعثَ معاذًا إلى\n_________\n(^١) البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (٢٩/ ١٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٥٨٤)، والترمذي (٦٢٥)، والنسائي (٥/ ٢ - ٤ رقم ٢٤٣٥)، وابن ماجه (١٧٨٣).","vol":"4","page":5},{"text":"اليمنِ قالَ لهُ: إنكَ تَقْدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ فليكنْ أولُ ما تدعوهم إليهِ عبادةَ اللَّهِ، فإذا عرفُوا اللَّهَ فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتِهم، فإذا فعلُوا فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمُ الزكاةَ في أموالِهم تُوخَذُ مِنْ أغنيائِهم وتُرَدُّ في فقرائِهم، فإذَا أطاعُوكَ فخذْ منهم وتَوَقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ\".\nواستُدِلَّ بقولِه: تؤخذُ منْ أموالِهم، أن الإمامَ هوَ الذي يتولَّى قبض الزكاةِ وصرفَها إما بنفسهِ أو بنائبهِ، فمنِ امتنعَ منْها أُخِذَتْ منْهُ قهرًا. وقدْ بيَّنَ - ﷺ - المرادَ منْ ذلكَ ببعثِه السعاةَ. واستُدلَّ بقوله: تردُّ على فقرائِهم، أنهُ يكفي إخراجُ الزكاةِ في صنفٍ واحدٍ، وقيلَ: يحتملُ أنهُ خصَّ الفقراءَ لكونِهم الغالبَ في ذلكَ، فلا دليلَ على ما ذُكِرَ. ولعلُه أريدَ بالفقيرِ مَنْ يحلُّ إليهِ الصرفُ فيدخلُ المسكينُ عندَ مَنْ يقولُ إنَّ المسكينَ أعلى حالًا منَ الفقيرِ، ومَنْ قالَ بالعكسِ فالأمرُ واضحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-648>كتاب أبي بكر إلى أنس في الزكاة</span>\n٢/ ٥٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتي فَرَضَهَا رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولُه: \"فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْس وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُون، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا.\nوَفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ","vol":"4","page":6},{"text":"شَاةٌ. فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفي الرِّقَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ\"، رَواهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أَنسٍ (^٢) أن أبا بكرٍ الصديقَ - ﵁ - كتبَ لهُ) لما وجَّههُ إلى البحرينِ عاملًا (هذهِ فريضة الصدقةِ) أي: نسخةُ فريضةِ الصدقةِ، حذفَ المضافُ للعلمِ بهِ، وفيهِ جوازُ إطلاقِ الصدقةِ على الزكاةِ خلافًا لمنْ منعَ ذلكَ. واعلمْ أنَّ في البخاري تصديرَ الكتابِ هذا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، (التي فرضَها رسولُ اللهِ - ﷺ - على المسلمينَ) فيهِ دلالةٌ على أن الحديثَ مرفوعٌ، والمرادُ بفرضِها قدرُها، لأنَّ وجوبَها ثابتٌ بنصق القرآنِ كما يدلُّ لهُ قولُه: (والتي أمرَ الله بها رسولَه) أي: أنَّهُ أمرَهُ تعالى بتقديرِ أنواعِها وأجناسِها، والقدرُ المخرجُ منْها كما بيَّنهُ التفصيلُ بقولهِ: (في كلِّ أربعٍ وعشرينَ منَ الإبلِ فما دونَها الغنمُ) هوَ مبتدأٌ مؤخرٌ، وخبرُه قولُهُ في كلِّ أربعٍ وعشرينَ إلى فما دونَها (في كلِّ خمسٍ شاةٌ)، [فيه] (^٣) تعيينُ إخراجِ الغنمِ في مثلِ ذلكَ، وهوَ قولُ مالك (^٤)، وأحمدُ (^٥). فلوْ أخرجَ بعيرًا لم\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٥٦٧)، والنسائي (٥/ ١٨ - ٢٣ رقم ٢٤٤٧).\n(^٢) في المخطوط (ابن عباس)، والصواب ما أثبتناه من الصحيح والسنن.\n(^٣) في (ب): \"فيهما\".\n(^٤) انظر: \"أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك\"، لأبي بكر بن حسن الكشناوي (١/ ٣٨٤).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (٢/ ٤٣٨).","vol":"4","page":7},{"text":"يجزِهِ، وقالَ الجمهورُ: يجزيهِ، قالُوا: لأنَّ الأصل أنْ تجبَ منْ جنس المالِ، وإنَّما عدلَ عنهُ رِفقًا بالمالكِ فإذا رجعَ باختيارهِ إلى الأصلِ أجزأهُ، فإنْ كانتْ قيمةُ البعيرِ الذي يخرجُه دونَ قيمةِ الأربعِ الشياهِ ففيهِ خلافٌ عندَ الشافعيةِ وغيرِهم.\nقالَ المصنفُ في الفتحِ (^١): والأقيسُ أنْ لا يجزئَ، ([فإذا] (^٢) بلغتْ) أي: الإبلُ (خمسًا وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنت مخاضٍ أنثَى) زادهُ تأكيدًا وإلَّا فقدْ عُلِمَتْ، والمخَاضُ بفتحِ الميم، وتخفيفِ المعجمةِ، آخرُه معجمةٌ، وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الأُولى ودخلَ في الثانيةِ إلى آخرِها، سمِّي بذلكَ ذَكَرًا كانَ أو أنثىَ لأنَّ أمَّهُ منَ المخاضِ أي: الحواملِ، لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ، والماخضُ الحاملُ التي دخلَ وقتُ حملِها وإنْ لمْ تحملْ، وضميرُ \"فيها\" للإبلِ التي بلغتْ خمسًا وعشرينَ، فإنَّها تجبُ فيها بنتُ مخاضٍ منْ حينَ تبلغُ عدَّتُها خمسًا وعشرينَ إلى أن تنتهيَ إلى خمسٍ وثلاثين، وبهذَا قالَ الجمهورُ، ورُوِيَ عن عليٍّ (^٣) - ﵇ - \"أنهُ يجبُ في الخمسِ والعشرينَ خمسُ شياهٍ\" لحديثٍ مرفوعٍ وردَ بذلكَ، وحديث موقوفٍ عنْ عليِّ - ﵇ -، ولكنَّ المرفوعَ ضعيفٌ والموقوفَ ليسَ بحجةٍ، فلذا لم يقلْ بهِ الجمهورُ، (فإنْ لم تكنْ) أي: توجدُ (فابن لبونٍ ذكرٍ) هوَ منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثانيةَ ودخلَ في الثالثةِ إلى تمامِها، سمِّيَ بذلكَ لأنَّ أمَّهُ ذاتُ لبنٍ ويقالُ: بنتُ اللبونِ للأنثى، وإنَّما زادَ قولَه: \"ذكرٍ\" معَ قولِه ابنُ لبونٍ للتأكيدِ كما عَرفْتَ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أنثَى، فإذَا بلغتْ ستًا وأربعينَ إلى ستينَ ففيها حِقَّةٌ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ القافِ وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثالثةَ ودخلَ في الرابعةِ إلى تمامِها ويقالُ: للذكرِ حِقٌّ، سُمِّيَتْ بذلكَ لاستحقاقِها أنْ يحملَ عليها، ويركبَها الفحلُ، ولذلكَ قالَ: (طَروقَة الجملِ) بفتح أولهِ، أي: [مطروقتهُ] (^٤)، فعولةٌ بمعنَى مفعولةٌ،\n_________\n(^١) (٣/ ٣١٩).\n(^٢) في (أ): \"فإن\"، وهو خلاف ما في الصحيح.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ١٢٢) وموسوعة فقه علي للقلعجي ص ٢٩٩ - ٣٠١.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٣١٩): \"أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفًا ومرفوعًا وإسناد المرفوع ضعيف\".\n(^٤) في (أ): \"مطروقة وهي\".","vol":"4","page":8},{"text":"والمرادُ منْ شأنُها أنْ تقبلَ ذلكَ وإنْ لم يطرقْها (فإذَا بلغتْ) [أي] (^١): الإبلُ (واحدةً وستينَ إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعةٌ) بفتح الجيمِ والذالِ المعجمةِ، وهي التي أتتْ عليها أربعُ سنينَ ودخلتْ في الخامسةِ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وسبعينَ إلى تسعينَ ففيها بنتا لبونٍ) تقدمَ بيانُه. (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (إحدى وتسعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ ففيها حقتانِ طروقتا الجملِ) تقدمَ بيانهُ. (فإذا زادتْ) أي: الإبلُ (على عشرينَ ومائةٍ) أي: واحدةً فصاعدًا كما هوَ قول الجمهورِ، ويدلُّ لهُ كتابُ عمرَ - ﵁ -: \"فإذا كانتْ إحدى وعشرينَ ومائةً ففيها ثلاثُ بناتٍ لبونٍ حتَّى تبلغَ تسعًا وعشرينَ ومائةً\". ومقتضاهُ أن ما زادَ على ذلكَ [فزكاته] (^٢) بالإبلِ، وإذا كانت بالإبلِ فلا تجبُ زكاتُها إلَّا إذا بلغتْ مائةً وثلاثينَ، فإنهُ يجبُ فيها بنتا لبونٍ وحقةٌ، فإذا بلغتْ مائةً وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ وحقتانِ. [وعند] (^٣) أبي حنيفةَ (^٤) إذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ رجعتْ إلى فريضةِ الغنمِ فيكونُ في كلِّ خمسٍ وعشرينَ ومائةٍ ثلاثُ بناتِ لبونٍ وشاةٌ.\nقلتُ: والحديثُ إنَّما ذكرَ فيهِ حكمُ كلِّ أربعينَ وخمسينَ، فمعَ بلوغِها إحدى وعشرينَ ومائةٍ يلزمُ ثلاثُ بناتٍ لبونٍ عنْ كلِّ أربعينَ بنتِ لبونٍ، ولمْ يبيِّنْ فيهِ الحكمَ في الخمسِ والعشرينَ ونحوِها، فيحتملُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، ويحتملُ أنها وقصٌ (^٥) حتَّى تبلغَ مائةً وثلاثينَ كما قدَّمناهُ، واللَّهُ أعلمُ.\n(ففي كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومنْ لم يكنْ معهُ إلَّا أربعٌ منَ الإبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) أي: أنْ يخرجَ [عنها] (^٦) نفلًا منهُ وإلَّا\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"فإنّ ذكاته\".\n(^٣) في (ب): \"وعن\".\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (٢/ ١٥١)، و\"الهداية\" (١/ ٩٨).\n(^٥) الوقص: فيه لغتان: فتح القاف وإسكانها، وهو مشتق من قولهم: \"رجل أوقص\" إذا كان قصير العنق.\nواصطلاحًا: يطلق لما بين الفريضتين في الصدقة. والشنق مثله. وبعض العلماء يجعل الوقص في البقر والغنم، والشنق: في الإبل خاصة.\nانظر: \"معجم مقاييس اللغة، المغرب، مختار الصِّحاح، والمصباح، مادة \"وقص\"، \"تهذيب الأسماء\" (٣/ ١٩٣).\n(^٦) في (ب): \"منها\".","vol":"4","page":9},{"text":"فلا واجبَ عليهِ، فهوَ استثناءٌ منقطعٌ ذُكِرَ لدفعِ توهُّمٍ نشأَ منْ قوله: فليسَ فيها صدقةٌ، أن المنفيَ مطلقُ الصدقةِ لاحتمالِ اللفظِ لهُ وإن كانَ غيرَ مقصودٍ.\nفهذهِ صدقةُ الإبلِ الواجبةِ فصِّلتْ في هذا الحديثِ الجليلِ. وظاهرُهُ وجوبُ أعيانِ ما ذكرَ إلَّا أنهُ سيأتي قريبًا أن مَنْ لمْ يجدِ العينَ الواجبةَ أجزأهُ غيرُها. وأما زكاةُ الغنمِ فقدْ بيَّنَها قولُه: (وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِها) بدلٌ منْ صدقةِ الغنمِ بإعادةِ العاملِ، وهوَ خبرٌ مقدَّمٌ، والسائمةُ منَ الغنمِ الراعيةُ غيرُ المعلوفةِ.\nواعلمْ أنهُ أفادَ مفهومُ السَّومِ أنهُ شرطٌ في وجوبِ زكاةِ الغنمِ، وقالَ بهِ الجمهورُ، وقالَ مالكٌ (^١) وربيعةُ: لا يشترطُ.\nوقالَ داودُ (^٢): يُشْتَرطُ في الغنمِ لهذا الحديثِ، قلْنا: وفي الإبلِ ما أخرجهُ أبو داودَ (^٣)، والنسائيُّ (^٤) منْ حديثِ بَهْزِ بن حكيمٍ بلفظِ: \"في كلِّ سائمةٍ إبلٌ\" وسيأتي (^٥).\nنعمْ البقرُ لم يأتِ فيها ذكرُ السَّومِ وإنما قاسُوها على الإبل والغنمِ، (إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ شاةٍ) بالجرِّ تمييزُ مائةِ، والشاةُ تعمُّ الذكرَ والأنثَى والضأنَ والمعزَ، (شاةٌ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه في صدقةِ الغنمِ، فإنَّ في الأربعينَ شاةً إلى عشرينَ ومائةِ، (فإذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيهَا شاتانِ، فإذا زادتْ على مائتين إلى ثلثمائةِ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذَا زادتْ على ثلثمائةِ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ)، ظاهرُه [أنَّها] (^٦) لا تجبُ الشاةُ الرابعةُ حتَّى تفيَ أربعمائةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ (^٧)، وفي روايةِ عنْ أحمد (^٨)، وبعضِ الكوفيينَ إذا زادتْ على ثلثمائةٍ واحدةٌ وجبتِ الأربعُ، (فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصة عنْ أربعينَ شاةٍ شاةً [واحدة] (^٩) فليسَ فيها صدقةٌ) واجبةٌ (إلا أنْ يشاءَ ربُّها) إخراجُ صدقةٍ نفلًا كما سلفَ، (ولا يُجْمَعُ) بالبناءِ للمفعولِ (بينَ متفرِّقٍ ولا يفرَّقُ)، مثلُه مشدَّدُ الراءِ (بينَ\n_________\n(^١) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" (ص ١٢٥).\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٦/ ٤٥).\n(^٣) في \"السنن\" (١٥٧٥).\n(^٤) في \"السنن\" (٥/ ١٥ - ١٧ رقم ٢٤٤٤)، وهو حديث حسن.\n(^٥) رقم (٦/ ٥٦٧) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (أ): \"أنه\".\n(^٧) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٩٥) بتحقيقنا.\n(^٨) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٤٦٣).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"4","page":10},{"text":"مجتمعٍ خشيةَ الصدقةِ) مفعولٌ لهُ. والجمعُ بينَ المفترقِ صورتُه أنْ يكونَ ثلاثةَ نفرٍ مثلًا ولكلِّ واحدٍ أربعونَ شاةً، وقدْ وجبَ على كلِّ واحدٍ منْهمُ الصدقةُ، فإذا وصلَ إليهمُ المصدقُ جمعُوها ليكونَ عليهمْ فيها شاةٌ واحدة فَنُهُوا عن ذلك. وصورة التفريق بين مجتمع أن الخليطين لكل منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ فيكونُ عليهما فيها ثلاثُ شياهٍ؛ فإذا وصلَ إليهما المصدقُ فرَّقا غنَمَهما فلمْ يكنْ على كلِّ واحدٍ منْهما سوى شاةٍ واحدةٍ فَنُهُوا عنْ ذلكَ.\nقالَ ابنُ الأثيرِ: هذا الذي سمعتُه في ذلكَ. وقالَ الخطابيُّ: قالَ الشافعيُّ: الخطابُ في هذا للمصدقِ ولربِّ المالِ، قالَ: والخشيةُ خشيتانِ: خشيةُ الساعي أنْ تقلَّ الصدقةُ، وخشيةُ ربّ المالِ أنْ يقلَّ مالُه، فأمرَ كلَّ واحدٍ منْهما أنْ لا يحدِثَ في المالِ شيئًا منَ الجمعِ والتفريقِ خشيةَ الصدقةِ، (وما كانَ منْ خليطينِ فإنَّهما يتراجعانِ بينَهما) والتراجعُ بينَ الخليطينِ أنْ يكونَ لأحدِهما مثلًا أربعونَ بقرةً، وللآخرَ ثلاثونَ بقرةً، ومالُهما مشتركٌ، فيأخذُ الساعي عن الأربعينَ مسنَّة، وعنِ الثلاثينَ تبيعًا، فيرجعُ باذلُ المسنَّةِ بثلاثةِ أسباعِها على خليطه، وباذلُ التبيعِ بأربعةِ أسباعهِ على خليطهِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منَ [السنينِ] (^١) واجبٌ على الشيوعِ كأنَّ المالَ ملكُ واحدٍ. وفي قولهِ: (بالسويةِ) دليلٌ على أن الساعي إذا ظلمَ أحدَهما فأخذَ منْه زيادةً على فرضِهِ، فإنهُ لا يرجعُ بها علَى شريكهِ، وإنَّما يغرمُ لهُ قيمةُ ما يخصُّهُ منَ الواجبِ دونَ [الزيادةِ، كذَا في الشرحِ. ولَو قيلَ مثلًا: إنهُ يدلُّ أنَّهما يتساويان في الحقّ والظلم لما بَعُدَ الحديثُ عنْ إفادةِ] (^٢) ذلكَ. (ولا يُخْرَجُ) مبنيٌّ للمجهولِ (في الصدقةِ هَرِمةٌ) بفتحِ الهاءِ، وكسرِ الراءِ، الكبيرةُ التي سقطتْ أسنانُها، (ولا ذاتُ عَوارٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وضمِّها، وقيلَ: بالفتحِ معيبةُ العينِ، وبالضمِّ [عوراءُ] (^٣) العينِ، ويدخلُ في ذلكَ المرضُ، والأَوْلى أنْ تكونَ مفتوحةً لتشملَ ذاتَ العيبِ فيدخلُ ما أفادَهُ حديث أبي داودَ: \"لا تُعْطَى الهرمةُ، ولا الدرنةُ، ولا المريضةُ، ولا [الشرَط] (^٤) اللَّئيمةُ ولكنْ منْ وسطِ أموالِكم؛ فإنَّ اللَّهَ لم يسألْكم خيرَهُ ولا أمَركم بشرِّه\"، انتهَى.\n_________\n(^١) في (أ): \"الشيئين\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"عور\".\n(^٤) في (أ) و(ب): \"الشرطاء\". وما أثبتناه من \"النهاية\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"4","page":11},{"text":"والدرنةُ الجرباءُ منَ الدرنِ الوسخِ، والشرطاءُ اللئيمةُ هي أرذلُ المال، وقيلَ: صغارُه [وشرارُه] (^١)، قالُه في النهايةِ (^٢). (ولا تيسٌ إلَّا أنْ يشاءَ المصدقُ)، اختُلفَ في ضبطهِ فالأكثرُ على أنهُ بالتشديد، وأصلُه المتصدِّقُ أدغمتِ التاءُ بعدَ قلْبِها صادًا والمرادُ بهِ المالكُ، والاستثناءُ راجعٌ إلى الآخرِ، وهوَ التيسُ، وذلكَ أنهُ إذا لم يكنْ معدًا للإنزاءِ فهوَ منَ الخيارِ، وللمالكِ أنْ يخرجَ الأفضلَ، ويحتملُ ردُّهُ إلى الجميعِ، ويفيدُ أن للمالكِ إخراجَ الهرمةِ وذاتِ العوارِ إذا كانتْ سمينةً قيمتُها أكثرُ منَ الوسطِ الواجبِ. وفي هذا خلافٌ بينَ المفرِّعينِ، وقيلَ: إنَّ ضبطَهُ بالتخفيفِ والمرادُ بهِ الساعي فيدلُّ على أن لهُ الاجتهادَ في نظرِ الأصلحِ للفقراءِ، وأنهُ كالْوَكيلِ فَتُقَيَّدُ مشيئتُه بالمصلحةِ فيعودُ الاستثناءُ إلى الجميعِ على هذَا، وهذَا إذا كانتِ الغنمُ مختلفةً، فلوْ كانتْ معيبةً كلُّها أو تيوسًا أجزأهُ إخراجُ واحدةٍ، وعنِ المالكيةِ يشتري شاةً مُجْزئَةً عملًا بظاهرِ الحديثِ، وهذهِ زكاةُ الغنمِ وتقدَّمتْ زكاةُ الإبلِ وتأتي زكاةُ البقرِ. وأما الفضةُ فقدْ أفادَ الواجبَ منْها قولُه: (وفي الرِقةِ) بكسرِ الراءِ وتخفيفِ القافِ، وهي الفضةُ الخالصةُ [في مائتي درهم] (^٣) (ربعُ العشرِ) أي يجبُ إخراجُ ربعِ عُشْرها زكاةً، ويأتي النصُّ على الذهبِ، (فإنْ لم تكنْ) أي: الفضةُ (إلا تسعينَ) دِرْهمًا (ومائةً فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) كما عرفتَ، وفي قولِه: تسعينَ ومائةً ما يوهمُ أنَّها إذا زادتْ على التسعينَ والمائةِ قبلَ بلوغِ المائتينِ أن فِيْها صدقةً وليسَ كذلكَ، بلْ إنَّما ذكرَهُ لأنهُ آخرُ عقدٍ قبلَ المائةِ، والحسابُ إذا جاوزَ الآحادَ كانَ تركيبهُ بالعقودِ كالعشراتِ والمئينَ والألوفِ فذكرَ التسعينَ لذلكَ ثمَّ ذكرَ حكمًا منْ أحكامِ زكاةِ الإبلِ قدْ أشرْنا إلى أنهُ يأتي بقولهِ: (ومَنْ بلغتْ عندَهُ منَ الإبلِ (^٤) صدقةُ الجذعةِ). وقدْ عرفتَ في صدرِ الحديثِ العدةَ التي تجبُ فيها الجذعةُ (وليستْ عندَهُ جذعة) أي: في ملكهِ، (وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تقبلُ منهُ) عوضًا عن الجذعةِ (ويجعلُ معَها) أي: توفيةً لها\n_________\n(^١) في (أ): \"وأشراره\". وما أثبتناه موافق (ب) ولما في \"النهاية\" (٢/ ٤٦٠).\n(^٢) في \"غريب الحديث\" لابن الأثير (٢/ ٤٦٠).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) لعل الفاعل ضمير يعود إلى صدقة المال، وصدقة في الحديث مفعول.","vol":"4","page":12},{"text":"(شاتينِ إن استيسرتَا لهُ أو عشرينَ دِرهمًا) إذا لم [يتيسر] (^١) لهُ الشاتان. وفي الحديثِ دليلٌ أن هذَا القدْرَ هوَ جبرُ التفاوتِ ما بينَ الجَذْعةِ والحقَّةِ. (ومَنْ بلغتْ عندَهُ صدقةُ الحِقَّةِ) التي عرفتَ قدْرَها (وليستْ عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجذعة فإنها تُقْبَل منهُ الجذعةُ) وإنْ كانتْ زائدةً على ما يلزمُه فلا يكلَّفُ تحصيلُ ما ليسَ عندَه (ويعطيهِ المصدقُ) مقابلَ ما زادَ عندَهُ (عشرينَ دِرْهَمًا أو شاتينِ) كما سلفَ في عكسه (رواهُ البخاريُّ). وقد اختُلِفَ في قدْر التفاوتِ في سائرِ الأسنانِ، فذهبَ الشافعيُّ إلى أن التفاوتَ بينَ كلِّ سنينَ كما ذُكِرَ [في الحديث] (^٢)، وذهبَ الهادويةُ إلى أن الواجبَ هوَ زيادةُ فضل القيمةِ منْ ربِّ المالِ أو ردَّ الفضلَ منَ المصدقِ، ويرجعُ في ذلكَ إلى التقويمِ قالُوا: بدليلِ أنهُ وردَ في روايةِ عشرةِ دراهمَ أو شاةٍ وَمَا [ذلكَ] (^٣) إلَّا أن التقويمَ يختلفُ باختلافِ الزمانِ والمكانِ فيجبُ الرجوعُ إلى التقويمِ. وقدْ أشارَ البخاريُّ إلى ذلكَ، فإنهُ أوردَ حديثَ أبي بكرٍ في بابِ أخْذِ العَرُوضِ منَ الزكاةِ وذكرَ في ذلكَ قولَ معاذٍ لأهلِ اليمنِ: \"ائتوني بعرضِ (^٤) ثيابِكم خميصٍ أو لبيسٍ في الصدقةِ مكانَ الشعيرِ والذرةِ أهونُ عليكم، وخيرٌ لأصحاب محمد - ﷺ - بالمدينةِ\"، ويأتي استيفاءُ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-649>زكاة البقر ونصابها</span>\n٣/ ٥٦٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مُعَافِريًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٥)، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَشَارَ إِلَى اخْتِلَافٍ في وَصْلِهِ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦) وَالْحَاكِمُ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"تتيسر\".\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في (أ): \"ذاك\".\n(^٤) كما في صحيح البخاري (٣/ ٣١١) باب ٣٣ مع الفتح.\n(^٥) أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠)، وأبو داود (١٥٧٨)، والترمذي (٦٢٣) والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦) و(٥/ ٢٦)، وابن ماجه (١٨٠٣).\n* قال الترمذي: \"هذا حديث حسن. وروى بعضُهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبي - ﷺ - بعثَ معاذًا إلى اليمن فأمره أن يأخذ. وهذا أصح\" اهـ.\n(^٦) في \"الإحسان\" (١١/ ٢٤٤ رقم ٤٨٨٦). رجاله ثقات رجال الشيخين غير يحيى بن عيسى فمن رجال مسلم، وهو صدوق يخطئ، وقد توبع عليه.\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٨)، ووافقه الذهبي. =","vol":"4","page":13},{"text":"(وعنْ معاذٍ بن جبلَ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - بعثَة إلى اليمنِ، فأمرة أنْ يأخذَ منْ كلِّ ثلاثينَ بقرةً تبيعًا أو تبيعةً). فيهِ أنهُ مخيَّرٌ بينَ الأمرينِ، والتبيعُ ذو الحولِ ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى، (ومنْ كلِّ أربعينَ مُسَّنةً)، وهي ذاتُ الحولينِ (ومنْ كلِّ حالمٍ دينارًا) أي: محتلِمٍ. وقدْ أخرجهُ بهذا اللفظِ أبو داودَ (^١). والمرادُ بهِ الجزيةُ ممنْ لم يُسلمْ، (أو عَدْلَهُ) بفتحِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الدالِ المهملةِ، (مُعافِريًا) نسبةً إلى معافرٍ [بزنة] (^٢) مساجدَ حيٌّ في اليمنِ إليهمْ تنسبُ الثيابُ المعافريةُ، يقالُ: ثوبٌ معافريٌّ (رواهُ الخمسةُ، واللفظُ لأحمدَ، وحسَّنهُ الترمذيُّ. وأشارَ إلى اختلافٍ في وصلهِ)، لفظُ الترمذيِّ بعدَ إخراجهِ (^٣): وَرَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فأمرَهُ أنْ يأخذَ\" قالَ: وهذا أصحُّ، أي: منْ روايتهِ عنْ مسروقٍ عن معاذٍ عن النبيِّ - ﷺ -، (وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وإنَّما رجَّحَ الترمذيُّ الروايةَ المرسلةَ، [لأنَّ رواية الاتصال اعتُرضتْ] (^٤) بأن مسروقًا لمْ يلقَ معاذًا، وأجيبَ عنهُ بأنَّ مسروقًا همدانيُّ النسبِ منْ وادعةَ يمانيُّ الدارِ. وقدْ كان في أيامِ معاذِ باليمنِ، فاللقاءُ ممكن بينَهما، فهوَ محكومٌ باتصالهِ على رأي الجمهورِ.\nقلت: وكانَ رأيُ الترمذيِّ رأيَ البخاريِّ أنهُ لا بدَّ منْ تحقُّق اللقاءِ.\n_________\n= قلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٦٨٤١) والطيالسي رقم (٥٦٧) والدارمي (١/ ٣٨٢) وابن الجارود رقم (٣٤٣) والدارقطني (٢/ ١٠٢) والبيهقي (٤/ ٩٨) و(٩/ ١٩٣) من طرق …\n• ثم للحديث شاهدٌ من حديث ابن مسعود، يرويه خصيف عن أبي عبيدة عنه، أن النبي - ﷺ - قال: \"في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي أربعين مسنة\"، أخرجه الترمذي (٣/ ١٩ رقم ٦٢٢) وابن ماجه (١/ ٥٧ رقم ١٨٠٤) وابن الجارود رقم (٣٤٤) والبيهقي (٤/ ٩٩) وأحمد (١/ ٤١١) وقال الترمذي: وأبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من عبد الله.\nقلت: وخصيف سيء الحفظ كثير الوهم.\nوالخلاصة: أن حديث معاذ صحيح بطرقه وهذا الشاهد، والله أعلم.\nانظر تخريجنا للحديث في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٩٢ - ٩٤).\n(^١) في \"السنن\" (١٥٧٦).\n(^٢) في (أ): \"زنة\".\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٢٠).\n(^٤) في (أ): \"لأنها اعترضت رواية الاتصال\".","vol":"4","page":14},{"text":"والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في البقر، وأنَّ نصابَها ما ذُكِرَ، وهوَ مُجْمَعٌ [عليهِ في] (^١) الأمرينِ. وقالَ ابنُ عبد البرِّ (^٢): لا خلافَ بينَ العلماءِ أن السنةَ في زكاةِ البقر على ما في حديثِ معاذٍ، وأنهُ النصابُ المجمعُ عليهِ.\nوفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يجبُ فيما دون الثلاثينَ شيءٌ، وفيهِ خلافٌ [عن الزهري] (^٣) فقالَ: يجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ قياسًا على الإبلِ. وأجابَ الجمهورُ بأنَّ النصابَ لا يثبتُ بالقياسِ وبأنهُ قدْ رُوِيَ: \"ليسَ فيما دونَ ثلاثينَ منَ البقر شيءٌ\" (^٤)، وهوَ وإنْ كانَ مجهولَ الإسنادِ فمفهومُ حديثِ معاذٍ يؤيدُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-650>تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم</span>\n٤/ ٥٦٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه - ﵄ - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - ﷺ -: \"تُؤخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ\" رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥). وَلأَبي دَاوُدَ (^٦) أيضًا: \"لَا تُؤخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهمْ\". [حسن لغيره]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: تُؤْخَذُ صدقاتُ المسلمينَ على مياهِهم. رواهُ أحمدُ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ (أيضًا: ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورِهم)، وعندَ النسائيِّ (^٧) وأبي داودَ (^٨) في لفظٍ منْ حديثِ عمرٍو أيضًا: \"لا جلَبَ، ولا جنَبَ، ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورهِم\"، أي: لا تجلبُ الماشيةُ إلى المصدقِ؛ بلْ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ\n_________\n(^١) في (أ): \"على\".\n(^٢) في \"التمهيد\" (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٣) في (ب): \"للزهري\".\n(^٤) فلينظر من أخرجه؟!\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ١٨٤ - ١٨٥). وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٠).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٨٠٦) من حديث ابن عمر قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"تُؤخذُ صدقات المسلمين على مياههم\".\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٥٥ رقم ٦٤٥/ ١٨٠٦): \"هذا إسناد ضعيف لضعف أسامة\".\nوانظر: \"الصحيحة للألباني\" رقم (١٧٧٩).\n(^٦) في \"السنن\" (١٥٩١) بإسناد حسن.\n(^٧) عزاه صاحب \"التحفة\" (٦/ ٣٣٣) لأبي داود فقط، ولم يعزه للنسائي.\n(^٨) في \"السنن\" (١٥٩١) بإسناد حسن.","vol":"4","page":15},{"text":"المالِ، ومعنى لا جنبَ [أنهُ] (^١) حيثُ يكونُ المصَدِّقُ بأقصَى مواضعِ أصحابِ الصدقةِ فتجنبُ إليه فنهيَ عنْ ذلكَ، وفيهِ تفسيرٌ آخرُ يخرجهُ عنْ هذا البابِ. والأحاديثُ دلَّتْ على أن المصَدِّقَ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ المالِ، فيأخذُ الصدقةَ. ولفظُ أحمدَ خاصٌّ بزكاةِ الماشيةِ، ولفظُ أبي داودَ عام لكلِّ صدقةٍ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٢) عن جابرٍ بن عُتَيْكٍ مرفوعًا: \"سيأتيكمْ رَكْبٌ مبغضونَ، فإذا أتوكُم فرحِّبُوا بهم، وخلوا بينَهم وبينَ ما يبتغونَ، فإنْ عدلُوا فلأنفسِهم، وإن ظلمُوا فعليها، وأرضُوهم؛ فإنَّ تمام زكاتِكم رضاهُم\". فهذا يدلُّ أنَّهم ينزلونَ بأهلِ الأموالِ، وأنَّهم يرضونَهم وإن ظلمُوهم. وعندَ أحمدَ (^٣) منْ حديثِ أنسٍ قال: \"أتى رجلٌ منْ بني تميمٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إذا أدَّيتُ الزكاةَ إلى رسولكَ فقدْ برئتُ منْها إلى اللَّهِ ورسولهِ؟ قالَ: نَعَمْ ولكَ أجرُها، وإثمها على مَنْ بدَّلها\"، وأخرجَ مسلمٌ (^٤) حديثَ جابرٍ مرفوعًا: \"أرضُوا مصدّقكم\"، في جوابِ ناس منَ الأعرابِ أَتَوْه - ﷺ - فقالُوا: إنَّ ناسًا من المصدِّقينَ يأتونَنَا فيظلمونَنَا\"، إلَّا أن في البخاري أن مَنْ سُئِلَ أكثرَ مما وَجَبَ عليهِ فلا يعطيهِ المصدقَ. وجُمِعَ بينهُ وبينَ هذهِ الأحاديثِ أن ذلكَ حيثُ يطلبُ الزيادةَ على الواجبِ منْ غيرِ تأويلٍ، وهذهِ الأحاديثُ حيثُ طلبَها متأولًا وإنْ رآهُ صاحبُ المالِ ظالمًا.\n٥/ ٥٦٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥)، وَلمُسْلِمٍ (^٦): \"لَيْسَ في الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ\". [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"وذلك\".\n(^٢) في \"السنن\" (١٥٨٦)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ١٣٦).\n(^٤) في صحيحه (٩٨٩) من حديث جرير بن عبد الله، وليس من حديث جابر.\nقلت: وأخرجه الترمذي (٦٤٧) والنسائي (٥/ ٣١ رقم ٢٤٦٠)، وأبو داود (١٥٨٩).\n(^٥) في صحيحه (١٤٦٣)، و(١٤٦٤)، ومسلم (٨ - ٩/ ٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٤ - ١٥٩٥)، والترمذي (٦٢٨)، والنسائى (٥/ ٣٥).\n(^٦) في صحيحه (١٠/ ٩٨٢).\nوأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢٢٨٩)، والبيهقي (٤/ ١٦٠).","vol":"4","page":16},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: ليسَ على المسلمِ في عبدِه ولا فرسه صدقةٌ. رواهُ البخاريُّ، ولمسلمٍ) أي: منْ روايةِ أبي هريرةَ: (ليسَ في العبدِ صدقةٌ إلَّا صدقةُ الفطرِ). الحديثُ نصَّ على أنهُ لا زكاةَ في العبيدِ ولا الخيلِ، وهوَ إجماعٌ فيما كانَ للخدمةِ والركوبِ، وأما الخيلُ المعدَّةُ للنتاجِ ففيها خلافٌ للحنفيةِ، وتفاصيلُ. واحتجُّوا بحديثِ: \"في كلِّ فرسٍ سائمةٍ دينارٌ أو عشرَةُ دراهمَ\" أخرجهُ الدارقطنيُّ (^١)، والبيهقيُّ (^٢)، وضعَّفاهُ. وأجيبَ بأنهُ لا يقاومُ حديثَ النفي الصحيحَ، واتفقتْ هذهِ الواقعةُ في زمنِ مروانَ فشاورَ الصحابةَ في ذلكَ، فرَوَى أبو هريرةَ الحديثَ: \"ليسَ على الرجلِ في عبدهِ ولا فرسهِ صدقةٌ\"، فقالَ مروانُ لزيدِ بن ثابتٍ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ؟ فقالَ أبو هريرةَ: عجبًا منْ مروانَ أحدِّثُهُ بحديثِ رسولِ الله - ﷺ - وهوَ يقولُ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ، فقالَ زيدٌ: صدقَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أرادَ بهِ الفرسَ الغازيَ، فأما تاجرٌ يطلبُ نسلَها ففيها الصدقةُ، فقالَ: كمْ؟ قالَ: \"في كلِّ فرسٍ دينارٌ أوْ عشرةُ دراهمَ\".\nوقالتِ الظاهريةُ (^٣): لا تجبُ الزكاةُ في الخيلِ ولو كانتْ للتجارةِ، وأجيبَ بأنَّ زكاةَ التجارةِ واجبةٌ بالإجماعِ كما نقلهُ ابنُ المنذرِ (^٤).\nقلتُ: كيفَ الإجماعُ وهذا خلافُ الظاهريةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-651>للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا</span>\n٦/ ٥٦٧ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"في كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: في أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ١٢٥ - ١٢٦ رقم ١) عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في الخيل السائمة في كل فرس دينار تؤدِّيه\"، تفرَّد به غورك عن جعفر وهو ضعيف جدًّا، ومن دونه ضعفاء.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٩)، ونقل كلام الدارقطني السابق.\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" (٥/ ٢٠٩ رقم المسألة ٦٤١).\n(^٤) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٥١ رقم ١١٤).","vol":"4","page":17},{"text":"عَزْمَةٌ مِن عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدِ مِنْهَا شَيْءٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤)، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ (^٥) الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ. [حسن]\n(وعنْ بَهْزِ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الهاءِ، وبالزاي (ابن حكيمٍ) بن معاويةَ بن حيدةَ بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، القشيري، بضمِّ القافِ، وفتحِ المعجمةِ. وبهزٌ تابعيٌّ مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ، فقال يحيى بنُ معينٍ (^٦) في هذهِ الترجمةِ إسنادٌ صحيحٌ إذا كانَ منْ دون بَهْزٍ ثقةٌ.\nوقالَ أبو حاتمٍ: هوَ شيخٌ يُكْتَبُ حديثُه، ولا يحتجُّ بهِ. وقالَ الشافعيُّ: ليسَ بحجةٍ.\nوقالَ الذهبيُّ: ما تركهُ عالمٌ قطُّ (^٧) (عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ) هوَ معاويةُ بنُ حيدةَ صحابيُّ (قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: في كلِّ سائمةِ إبلٍ في أربعينَ بنتُ لبونٍ) تقدمَ في حديثِ أنسٍ (^٨) أن بنتَ اللبونِ تجبُ منْ ستٍّ وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ، فهوَ يصدقُ على أنهُ يجبُ في الأربعينَ بنتُ لبونٍ، ومفهومُ العددِ هنَا مطرحُ زيادةٍ ونقصانٍ، لأنهُ عارضَهُ المنطوقُ الصريحُ، وهوَ حديثُ أنسٍ: (لا تفرقُ إبلٌ عنْ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢ - ٤).\n(^٢) في \"السنن\" (١٥٧٥).\n(^٣) في \"السنن\" (٥/ ١٥ - ١٦ رقم ٢٤٤٤).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٨)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٤/ ١٠٥)، والدارمي (١/ ٣٩٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٢)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٤١١ رقم ٩٨٤ - ٩٨٨) وعبد الرزاق (رقم: ٦٨٢٤)، وابن خزيمة (٤/ ١٨ رقم ٢٢٦٦)، وابن الجارود (رقم: ٣٤١) من طرق عنه.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٥) ذكره النووي في \"المجموع\" (٥/ ٣٣٢).\n(^٦) كما في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٦٠).\n(^٧) انظر: \"الميزان\" (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤ رقم ١٣٢٥).\nوقال ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٠١): \" .. ولم أر أحدًا تخلَّف في الرواية من الثقات ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه\" اهـ.\n(^٨) رقم الحديث: (٢/ ٥٦٣) من كتابنا هذا.","vol":"4","page":18},{"text":"حسابِها). معناهُ أن المالكَ لا يفرقُ ملكَهُ عنْ ملكِ غيرهِ حيثُ كانا خليطينِ كما تقدَّمَ، (مَنْ أعطاها مؤتجرًا بها) أي: قاصدًا للأجرِ بإعطائِها (فلهُ أجرُها، ومنْ منعَها فإنَّا آخذوها وشطرَ مالهِ عزمةٌ) يجوزُ رفعهُ على أنهُ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ونصبُه على المصدريةِ، وهوَ مصدرٌ مؤكدٌ لنفسهِ مثلُ: لهُ عليَّ ألفُ درهمٍ اعترافًا، والناصبُ لهُ فعلٌ يدلُّ عليهِ [جملة] (^١): فإنَّا آخذُوها، والعزمةُ الجدُّ في الأمرِ، يعني أن أخذَ ذلكَ بجدٍّ فيهِ لأنهُ واجبٌ مفروضٌ (منْ عزماتِ ربِّنا، لا يحلُّ لآلِ محمدٍ منْها شيءٌ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحه الحاكئم، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على ثبوتهِ) فإنهُ قالَ: هذا الحديثُ لا يثبتهُ أهلُ العلم بالحديثِ، لو ثبتَ لقُلْنا بهِ.\nوقالَ ابنُ حبانَ (^٢): كانَ - يعني بهزًا - يخطئُ كثيرًا، ولولا هذا الحديثُ لأدخلتهُ في الثقاتِ، وهوَ مَنْ أستخيرُ اللَّهَ فيهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يأخذُ الإمامُ الزكاةَ قَهْرًا ممَّنْ منعَها، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ عليهِ، وأن نيةَ الإمامِ كافيةٌ، وأنها تجزئُ مَنْ هي عليهِ وإنْ فاتهُ الأجرُ فقدْ سقطَ عنهُ الوجوبُ. وقولُه: وشطرَ مالِه هوَ عطفٌ على الضميرِ المنصوبِ في آخذوها، والمرادُ من الشطرِ البعضُ، وظاهرهُ أن ذلكَ عقوبةٌ بأخذِ جزءِ منَ المالِ على منعهِ إخراجِ الزكاةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ ذلكَ منسوخٌ أوْ لم يقمْ مدَّعي النسخِ دليلًا على النسخِ، بلْ دلَّ على عدمهِ أحاديثُ أُخَرُ ذكرَها في الشرحِ. وأما قولُ (^٣) المصنفِ: إنهُ لا دليلَ في حديثِ بهز على جوازِ العقوبةِ بالمالِ لأنَّ الروايةَ: \"وشُطّرَ مالهِ \" بضمِّ الشينِ، فعلٌ مبني للمجهولِ، أي: جعلَ ماله شطرينِ ويتخيرُ عليهِ المصدقُ ويأخذُ الصدقةَ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةً لمنعهِ الزكاةَ.\nقلتُ: وفي النهايةِ (^٤) ما لفظُه: قالَ الحربيُّ: غَلِطَ الرُّاوي في لفظِ الرّوايةِ إنَّما هيَ وشُطِّرَ مالهُ، أي: يُجْعَلُ مالهُ شَطْرَينِ إلى آخرِ ما ذكرهُ المصنفُ.\nوإلى مثلهِ جنحَ صاحبُ ضوءِ النهارِ (^٥) فيهِ وفي غيرهِ منْ رسائِله، وذكرْنا في\n_________\n(^١) في (أ): \"لفظ\".\n(^٢) في \"المجروحين\" (١/ ١٩٤).\n(^٣) جوابه قوله قلت إلخ …\n(^٤) لابن الأثير (١/ ٤٧٣).\n(^٥) للجلال (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"4","page":19},{"text":"حواشيهِ (^١) أنهُ على هذهِ الروايةِ أيضًا دالٌّ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ؛ إذ الأخذُ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةٌ بأخذِ زيادةٍ على الواجبِ؛ إذِ الواجبُ الوسطُ غيرُ الخيارِ، ثمَّ رأيتُ الشارحَ أشارَ إلى هذا الذي قلناهُ في حواشي ضوءِ النهارِ قبلَ الوقوفِ علَى كلامهِ، ثمَّ رأيتُ النوويَّ بعدَ مدةٍ طويلةٍ ذ كرَ ما ذكرناهُ بعينهِ ردًا على مَنْ قالَ إنهُ علَى تلكَ الروايةِ لا [دليل] (^٢) فيهِ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ، ولفظهُ: إذا تخيَّرَ المصدقُ وأخذَ مِنْ خيرِ الشطرينِ فقدْ أخذَ زيادةً على الواجبِ وهي عقوبةٌ بالمالِ، إلَّا أن حديثَ بهزٍ هذا لو صحَّ فلا يدلُّ إلَّا على هذهِ العقوبةِ بخصوصِها في مانعِ الزكاةِ لا غيرُ.\nوهذا الشطرُ المأخوذُ يكونُ زكاةً كلُّه أي: حكمهُ حكمُها أخذًا ومصرِفًا، ولا يلحقُ بالزكاةِ غيرُها في ذلكَ لأنهُ إلحاقٌ بالقياسِ ولا نصَّ على علتهِ، وغيرُ النصِّ منْ أدلةِ العلةِ لا يفيدُ ظنًا يعملُ بهِ سيَّما وقدْ تقرَّرتْ حرمةُ مالِ المسلمِ بالأدلةِ القطعيةِ كحرمةِ دمهِ، فلا يحلُّ أخذُ شيءٍ منهُ إلَّا بدليلٍ قاطع، ولا دليلَ بلْ هذا الواردُ في حديثِ بهزٍ آحادي لا يفيدُ إلَّا الظنَّ فكيفَ يُؤْخَذُ بهِ ويُقَدَّمُ على القطعي.\nولقدِ استرسلَ أهلُ الأمرِ في هذه الأعصارِ في أخذِ [الأموالِ في العقوبةِ] (^٣) استرسالًا ينكرهُ العقلُ والشرعُ، وصارتْ [تناطُ] (^٤) الولاياتُ بجهَّالٍ لا يعرفونَ مِنَ الشرعِ شيئًا، ولا مِنَ الدينِ أمرًا، فليسَ همُّهم إلَّا [أخذ] (^٥) المالِ منْ كلِّ مَنْ لهمْ عليهِ ولايةٌ يسمونَهُ أدبًا وتأديبًا، ويصرفونَهُ في حاجاتِهم وأقواتِهم، وكسبِ الأطيانِ، وعمارةِ المساكنِ في الأوطانِ، فإنا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. ومنْهم مَنْ يضيِّعُ حدَّ السرقةِ أو شربَ المسكرِ ويقبضُ عليهِ مالًا.\nومنهم مَنْ يجمعُ بينَهما فيقيمُ الحدَّ ويقبضُ المالَ، وكلُّ ذلكَ محرَّمٌ ضرورةً دينيةً، لكنهُ شابَ عليهِ الكبيرُ، وشبَّ عليهِ الصغيرُ، وتركَ العلماءُ النكيرَ، فزادَ الشرُّ في الأمرِ الخطيرِ.\nوقولُه: \" [لا تحلُّ] (^٦) لآلِ محمدٍ\" يأتي الكلامُ في هذا الحكمِ مستوفَى إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.\n_________\n(^١) وهي \"منحة الغفار\" للأمير الصنعاني (٢/ ٣٥٠ رقم التعليقة ٣ و٤).\n(^٢) في (أ): \"دلالة\".\n(^٣) في (أ): \"المال بالعقوبة\".\n(^٤) في (أ): \"نياط\".\n(^٥) في (ب): \"قبض\".\n(^٦) في (أ): \"لا يحل\".","vol":"4","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>نصاب الفضة والذهب</span>\n٧/ ٥٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَم - وَحَالَ عَلَيهَا الْحَوْلُ - فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمٍ، وَلَيسَ عَلَيْكَ شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ، وَلَيْسَ في مالٍ زَكاةٌ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ. [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ - ﵇ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: إذا كانتْ لكَ مائتا درهمٍ وحالَ عليها الحولُ ففيها خمسةُ دراهمَ) ربعُ عُشْرِها (وليسَ عليك شيءٌ) أي: في الذَّهبِ (حتَّى يكونَ لكَ عشرونَ دينارًا، وحالَ عليْها الحولُ ففيْها نصفُ دينارٍ، فما زادَ فبحسابِ ذلكَ، وليسَ في مالٍ زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ. رواهُ أبو داودَ، وهوَ حسنٌ، وقد اختُلِف في رفعهِ). أخرجَ الحديثَ أبو داودَ مرفوعًا منْ حديثِ الحارثِ الأعورِ إلَّا قولَه: \"فما زادَ فبحساب ذلكَ\"، قالَ: فلا أدري [أعليٌّ] (^٢) يقولُ فبحسابِ ذلكَ، أو يرفعُهُ إلى النبيِّ - ﷺ -، وإلَّا قولَه: \"ليسَ في المالِ زكاةٌ إلى آخرهِ\" انتهَى. فأفادَ كلامُ أبي داودَ أن في رفعهِ بجُملتِه اختلافًا ونبَّهَ المصنفُ في التلخيصِ (^٣) على أنهُ معلولٌ وبيَّنَ عِلَّتَهُ، ولكنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (^٤) الجملةَ [الأخرى] (^٥) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا [بلفظ] (^٦): \"لا زكاةَ في مالِ امرئٍ حتَّى يحولَ عليه الحولُ\"، وأخرجَ أيضًا (^٧) عنْ عائشةَ مرفوعًا: \"ليسَ في المالِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٥٧٣).\nوقال المنذري (٢/ ١٩١): \"وذكر أن شعبة وسفيان وغيرهما لم يرفعوه.\nوأخرج ابن ماجه (١٧٩٠) طرفًا منه، والحارث وعاصمٍ ليسا بحجة.\nقلت: وأخرج الترمذي (٦٢٠) والنسائي (٥/ ٣٧) طرفًا منه أيضًا. وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٢) في (أ): \"أعليًا\" والصواب ما أثبتناه من (ب).\n(^٣) (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٩٠ رقم ١)، وقال الدارقطني: \"رواه معتمر وغيره عن عبيد الله موقوفًا\".\n(^٥) في (أ): \"الآخرة\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٩٠ - ٩١ رقم ٣)، وفيه حارثة هو ابن أبي الرجال، وهو ضعيف.=","vol":"4","page":21},{"text":"زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ\"، ولهُ [طريقٌ] (^١) أُخْرى [عنهما] (^٢).\nوالحديثُ دليل على أن نصابَ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهوَ إجماعٌ (^٣)، وإنَّما الخلافُ في قدر الدرهمِ (^٤)؛ فإنَّ فيهِ خلافًا كثيرًا سَرَدَهُ في الشرحِ، ولم يأتِ بما يشفي وتسكنُ إليهِ النفسُ في قدْرِه. وفي شرحِ الدّميْرِي أن كلَّ درهمٍ ستةُ دوانيقَ، وكلَّ عشرةِ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، والمثقالُ لم يتغيرْ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، قالَ: وأجمعَ المسلمون على هذَا، وقرَّرَ في المنارِ (^٥) بعدَ بحثٍ طويلٍ أن نصابَ الفضةِ منَ القروشِ الموجودةِ على رأي الهادويةِ ثلاثةَ عشرَ قرشًا، وعلى رأي الشافعيةِ أربعةَ عشرَ، وعلى رأي الحنفيةِ عشرونَ، وتزيدُ قليلًا، وأنَّ نصابَ الذهبِ عندَ الهادويةِ خمسةَ عشرَ أحمرَ، وعشرونَ عندَ الحنفيةِ، ثمَّ قالَ: وهذا تقريبٌ. وفيهِ أن قدْرَ زكاةِ المائتي الدرهمِ ربعُ العشرِ وهوَ إجماعٌ.\nوقولُه: \"فما زادَ فبحسابِ ذلكَ\"، قدْ عرفتَ أن في رفعهِ خلافًا وعلى ثبوتهِ، فيدلُّ على أنهُ يجبُ في الزائدِ.\nوقالَ بذلكَ جماعةٌ منَ العلماءِ، ورُويَ عنْ عليٍّ (^٦)، وعنِ ابن عمرَ (^٧) أنَّهما قالا: ما زادَ على النصابِ منَ الذهبِ والفضةِ ففيهِ - أي: الزائدِ - ربعُ العشرِ في قليلهِ وكثيرهِ، وأنهُ لا وقْصَ فيهما، ولعلَّهم يحملونَ حديثَ جابرٍ الآتي (^٨) بلفظِ: \"وليسَ فيما دونَ خمسِ أواقي صدقةٌ\"، علَى مَا إذا انفردتْ عنْ نصابٍ منْهما لا إذا كانتْ مضافةً إلى نصابٍ منْهما. وهذَا الخلافُ في الذهبِ والفضةِ، وأما\n_________\n= قال ابن حبان في كتاب الضعفاء: كان ممَّن كثر وهمه وفحش خطؤه، تركه أحمد ويحيى. ومن طريق حارثة أخرجه ابن ماجه (١٧٩٢) بسند ضعيف.\n(^١) في (أ): \"طرق\".\n(^٢) أخرج الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٩٠ رقم ٢) و(٢/ ٩٢ رقم ٨ - ٩) عن ابن عمر.\nوأخرج الدارقطني في \"السنن\" أيضًا (٢/ ٩١ رقم ٤) و(٢/ ٩٢ رقم ٧) عن عائشة.\n(^٣) ذكره ابن المنذر في كتابه \"الإجماع\" (ص ٤٨ رقم ٩٧).\n(^٤) انظر كتابنا \"الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية\"، مبحث \"الدرهم\"، ومبحث \"الدينار\".\n(^٥) (١/ ٢٩٣).\n(^٦) انظر: موسوعة فقه علي ص ٢٩٧، والمحلَّى (٦/ ٦٩).\n(^٧) انظر: موسوعة فقه ابن عمر ص ٣٩٢.\n(^٨) برقم (١٣/ ٥٧٤) من كتابنا هذا.","vol":"4","page":22},{"text":"الحبوبُ فقالَ النوويُّ في شرح مسلمٍ (^١): أنَّهم أجمعُوا فيما زادَ على خمسةِ أوسُقٍ أنَّها تجبُ زكاتُه بحسابهِ، وأنهُ لا أوقاصَ فيها. انتهى.\nوحملُوا ما يأتي منْ حديثِ أبي سعيدٍ (^٢) بلفظِ: \"وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ منْ تمرٍ ولا حبٍّ صدقةٌ\"، على ما لمْ ينضمَّ إلى خمسةِ أوسقٍ، وهذا يقوي مذهبَ عليٍّ وابنِ عمرَ - ﵄ - الذي قدَّمناهُ في النقدينِ. وقولُه: \"وليسَ عليكَ شيءٌ حتَّى يكونُ لكَ عشرونَ دينارًا\"، فيهِ حكمُ نصابِ الذهبِ، وقدرُ زكاتهِ، وأنهُ عشرونَ دينارًا، وفيها نصفُ دينارٍ، وهوَ أيضًا ربعُ عُشْرها، وهوَ عامٌّ لكلِّ فضةٍ وذهبٍ مضروبَيْنِ أو غيرِ مضروبينِ. وفي حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ الدارقطنيٌّ (^٣) وفيهِ: \"ولا يحلُّ في الورقِ زكاةٌ حتَّى [تبلغ] (^٤) خمس أواقٍ\"، وأخرجَ أيضًا (^٥) منْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا: \"ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ منَ الورِقِ صدقةٌ\".\nوأمَّا الذهبُ ففيهِ هذا الحديثُ. ونقلَ المصنفُ عن الشافعي أنهُ قالَ: فرضَ رسولُ الله - ﷺ - الورِق صدقةً، فأخذَ المسلمونَ بعدَهُ في الذهبِ صدقةً إما بخبر لم يبلغْنا، وإما قياسًا.\nوقال ابنُ عبد البرِّ: لم يثبتْ عنِ النبيِّ - ﷺ - الذهب شيءٌ منْ جهةِ نقلِ الآحادِ الثقاتِ، وذكرَ هذا الحديثَ الذي أخرجهُ أبو داودَ وأخرجهُ الدارقطنيُّ.\nقلتُ: لكنَّ قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٦) الآيةَ، منبهٌ على أن في الذهب حقًّا لله.\nوأخرج البخاريُّ (^٧) وأبو داودَ (^٨)، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ\n_________\n(^١) (٧/ ٤٩).\n(^٢) برقم (١٤/ ٥٧٥) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٩٢ رقم ٤)، وسيأتي تخريجه بأنه متفق عليه.\n(^٤) في (ب): \"يبلغ\" وما أثبتناه من (أ) موافق لما عند الدارقطني.\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٩٣ رقم ٦).\n(^٦) سورة التوبة: الآية ٣٤.\n(^٧) في صحيحه (١٤٠٣) وأطرافه (رقم ٤٥٦٥ و٤٦٥٩ و٦٩٥٧).\n(^٨) في \"السنن\" (١٦٥٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (٩٨٧).","vol":"4","page":23},{"text":"مردويه (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"ما منْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي حقَّهُما إلا جُعِلَتْ لهُ يومَ القيامةِ صفائحُ وأُحمِيَ عليه\" الحديثَ. فحقُّها هوَ زكاتُها. وفي البابِ عدةُ أحاديثَ يشدُّ بعضُها بعضًا سردَها في الدرِّ المنثورِ (^٢).\nولا بدَّ في نصابٍ الذهبِ والفضةِ منْ أنْ يكونا خالصينِ منَ الغشِّ. وفي شرحِ الدَّميري على المنهاجِ (^٣): أنهُ إذا كانَ الغشُّ يماثلُ أجرةَ الضربِ والتخليصِ فَيُتَسامَحُ بهِ، وبهِ عملَ الناسُ علَى الإخراجِ منْها.\nودلَّ الحديثُ على أنهُ لا زكاةَ في المالِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهوَ قولُ الجماهيرِ، وفيهِ خلافٌ لجماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ، وبعضِ الآلِ، وداودَ فقالُوا: إنهُ لا يُشْتَرَطُ الحولُ لإطلاقِ حديثِ: \"في الرقةِ ربعُ العُشْرِ\" (^٤). وأجيبَ بأنهُ مقيدٌ بهذَا الحديثِ وما عضَّدَهُ منَ الشواهدِ، ومنْ شواهدِه أيضًا:\n\n<span data-type='title' id=toc-653>لا زكاة على المال إلا بعد حولان الحول عليه</span>\n٨/ ٥٦٩ - وَللتِّرْمِذِيِّ (^٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ\n_________\n(^١) عزاه إليهم السيوطي في \"الدُّرُّ المنثور\" (٤/ ١٧٩).\n(^٢) (٤/ ١٧٩ - ١٨٢).\n(^٣) قال حاجي خليفة في \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\" (٢/ ١٨٧٥): \" .. وممن شرحه - منهاج الطالبين للنووي - الشيخ كمال الدين محمد بن موسى الدميري الشافعي المتوفى سنة (٨٠٨ هـ) ثمان وثمانمائة في أربع مجلدات سمَّاه: النجم الوهَّاج. لخَّصه في شرح السبكي والإسنوي وغيرهما، وعظم الانتفاع به خصوصًا بما طرزه به من التتمات والخاتمات والنكت البديعة، وابتدأ من المساقاة بناء على قطعة شيخه الأسنوي، فانتهى في ربيع الآخر سنة (٧٨٦ هـ) ست وثمانين وسبعمائة. ثم استأنف (شرحًا ثانيًا) \"اهـ.\n(^٤) وهو جزء من حديث صحيح تقدم برقم (٢/ ٥٦٣) من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"السنن\" (٦٣١) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. عن ابن عمر به.\nقلّت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ٩٠ رقم ٢) والبيهقي (٤/ ١٠٤). ولفظ الدارقطني: \"ليس في مال المستفيد زكاة حتى يحول عليه الحول\". =","vol":"4","page":24},{"text":"عَلَيْهِ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [صحيح بشواهده]\n(وللترمذي [عن] (^١) ابن عمرَ: منِ استفادَ مالًا فلا زكاةَ عليهِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ) رواهُ مرفوعًا (والراجحُ وقْفُهُ)، إلَّا أنَّ لهُ حكمَ الرفعِ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ، وتؤيدُه آثارٌ صحيحةٌ عن الخلفاءِ الأربعةِ وغيرِهم، فإذَا حالَ عليهِ الحولُ فينبغي المبادرةُ بإخراجِها. فقدْ أخرجَ الشافعيُّ (^٢)، والبخاريُّ (^٣) في التاريخِ منْ\n_________\n= وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث، ضعَّفه أحمد وابن المديني وغيرهما، وهو كثير الغلط، [\"انظر: المجروحين\" (٢/ ٥٧) و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٣٣) و\"الميزان\" (٢/ ٥٦٤)].\n• ثم أخرجه الدارقطني (٢/ ٩٠ رقم ١) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر به. ثم قال: رواه معتمر وغيره عن عبيد الله موقوفًا.\nقلت: وإسماعيل بن عياش في غير الشاميين ضعيف.\n• وأخرجه الترمذي (٦٣٢) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. وقال الترمذي: هذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال الألباني في \"صحيح الترمذي\" (١/ ١٩٧): \"صحيح الإسناد موقوف، وهو في حكم المرفوع\".\nقلت: وفي الباب من حديث علي، وعائشة، وأنس، وأم سعد الأنصارية، وسراء بنت نبهان.\n• أما حديث علي فقد أخرجه أبو داود (١٥٧٣)، والبيهقي (٤/ ٩٥)، وهو حديث حسن.\n• وأما حديث عائشة فقد أخرجه ابن ماجه (١٧٩٢)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٣٧٣ رقم ١١٣١)، والدارقطني (٢/ ٩١ رقم ٣)، والبيهقي (٤/ ٩٥) وفيه حارثة بن أبي الرجال: ضعيف. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٥٦)، وأبو الرجال اسمه محمد بن عبد الرحمن المدني.\n• وأما حديث أنس فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٩١ رقم ٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٧٩) من جهة حسان بن سياه عن ثابت، عنه. وقد أعلَّه ابن عدي بحسَّان هذا، وقال: \"لا أعلم يرويه عن ثابت غيره\".\n• وأما حديث أم سعد الأنصارية فقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٧٩ - مجمع)، وقال الهيثمي: فيه عنبسة بن عبد الرحمن، وهو ضعيف.\n• وأما حديث سراء بنت نبهان فقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٧٨ - مجمع)، وقال الهيثمي: فيه أحمد بن الحارث الغساني، وهو ضعيف.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح بهذه الشواهد. وانظر: \"الإرواء\" رقم (٧٨٧).\n(^١) في (أ): \"من حديث\".\n(^٢) في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٢٠ رقم ٦٠٧).\n(^٣) في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٨٠ رقم الترجمة ٥٤٩).","vol":"4","page":25},{"text":"حديثِ عائشةَ مرفوعًا: \"ما خالطتِ الصدقةُ مالًا قطُّ إلا أهلكَتْهُ\"، وأخرجهُ الحميديُّ (^١) وزادَ: \"يكونُ قدْ وجبَ عليكَ في مالكَ صدقةٌ فلا تخرجُها فَيُهلِكَ الحرامُ الحلالَ\". قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقى (^٢): قدِ احتَجَّ بهِ مَنْ يرى تعلَّقَ الزكاةِ بالعينِ.\n٩/ ٥٧٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: لَيْسَ في الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالدَّارَقُطْنيُّ (^٤)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. [ضعيف]\n(وعنْ عليٍّ - ﵇ - قالَ: ليسَ في البقر العواملِ صدقةٌ. رواة أبو داودَ، والدارقطنيُّ، والراجحُ وقْفُهُ). قالَ المُصنِّفُ: قال البيهقي (^٥): رواه النفيليُّ عن زُهيْرِ بالشَّكِّ في وقفه ورفعه، إلَّا أنّه ذكره المصنفُ بلفظِ: \"ليسَ في البقرِ العواملِ شيءٌ\"، ورواهُ بلفظِ الكتاب منْ حديثِ ابن عباسٍ ونسبهُ للدارقطنيِّ (^٦)، وفيهِ متروكٌ. وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^٧) منْ حديثِ عليٍّ - ﵇ -. وأخرجهُ (^٨) منْ حديثِ جابرِ إلَّا أنهُ بلفظِ: \"ليسَ في البقرِ المثيرةِ صدقةٌ\"، وضعَّفَ البيهقيُّ إسنادَهُ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ في البقرِ العواملِ شيءٌ، وظاهرُه سواءٌ كانتْ سائمةً أو معلوفةً.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ١١٥ رقم ٢٣٧).\n(^٢) (٢/ ١٣٧ رقم ٢٠١٧) لابن تيمية الجد.\n(^٣) في \"السنن\" (١٥٧٢). وهو جزء من حديث طويل.\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٠٣ رقم ٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٤/ ١١٦).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١٦).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ١٠٣ رقم ٢).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٤٠ رقم ١٠٩٧٤)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٧٥) وقال: فيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس.\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢٩٤) وأعله بسوار بن مصعب، ونقل تضعيفه عن البخاري والنسائي وابن معين ووافقهم، وقال: عامة ما يرويه غير محفوظ.\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ١٠٣ رقم ٣).\nوقال الآبادي في \"التعليق المغني\" (أخرجه أبو داود مختصرًا، قال ابن القطان في كتابه: \"هذا سند صحيح، وكل من فيه ثقة معروف، ولا أعني رواية الحارث، وإنما أعني رواية عاصم\" اهـ.\n(^٨) الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٠٣ رقم ٥).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٤/ ١١٦)، وقال: في إسناده ضعف، والصحيح موقوف.","vol":"4","page":26},{"text":"وقدْ ثبتتْ شرطِيةُ السَّومِ في الغنمِ في البخاريِّ (^١)، وفي الإبلِ في حديثِ بَهْزٍ (^٢) عندَ أبي داودَ والنسائيِّ، قالَ الدميريُّ: وأُلْحِقَتِ البقرُ بهِمَا.\n١٠/ ٥٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - أَنَّ رَسولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتى تَأكُلُهُ الصَّدَقَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٤)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (^٥). [ضعيف]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ، عنْ جدِّه، عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ وَلِيَ يتيمًا لهُ مالٌ فليتجرْ لهُ، ولا يتركْهُ حتَّى تأكلَه الصدقةُ. رواهُ الترمذيُّ، والدارقطنيُّ، وإسنادُه ضعيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ المثنَّى بنَ الصباح في روايةِ الترمذيِّ، والمثنَّى ضعيفٌ، وروايةُ الدارقطنيِّ فيها مندلُ بنُ عليٍّ ضعيفٌ، والعزرميُّ متروكٌ، ولكنْ قالَ المصنفُ: (ولهُ) أي: لحديثِ عمرٍو (شاهدٌ مرسلٌ عندَ الشافعيِّ) هوَ قولُه - ﷺ -: \"ابتغُوا في أموالِ [اليتامى] (^٦)، لَا تأكلُها الزكاةُ\"، أخرجهُ منْ روايةِ ابن جُرَيْجٍ عنْ يونسَ بن ماهكٍ مرسلًا، وأكَّدَهُ الشافعيُّ لعمومِ الأحاديثِ الصحيحةِ في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٥٤) من حديث أنس.\n(^٢) تقدم برقم (٦/ ٥٦٧) في كتابنا هذا، وهو حديث حسن.\n(^٣) في \"السنن\" (٦٤١).\nقال الترمذي: وإنما روى هذا الحديث من هذا الوجه، وفي إسناده مقال. لأن المثنى بن الصَّبَّاح يُضَعَّفُ في الحديث.\nوروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمرَ بن الخطاب .. فذكر هذا الحديث.\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٠٩ - ١١٠ رقم ١).\nوذكر الأبادي في \"التعليق المغني\": \"وقال صاحب التنقيح - ﵀ -: قال منها: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: ليس بصحيح.\n(^٥) في ترتيب \"المسند\" (١/ ٢٢٤ رقم ٦١٤) عن يوسف بن ماهَكَ.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٤/ ١٠٧) وقال: وهذا مرسل إلا أن الشافعي - ﵀ - أكَّده بالاستدلال بالخبر الأول وبما روى عن الصحابة - ﵁ - في ذلك. وخلاصة القول: أن الحديث بكل طرقه ضعيف، والله أعلم.\n(^٦) في (ب): \"الأيتام\".","vol":"4","page":27},{"text":"إيجابِ الزكاةِ مطلقًا. وقدْ رُوِيَ مثلُ حديثِ عمرِو أيضًا عنْ أنسٍ (^١)، وعنِ ابن عمرَ موقوفًا (^٢)، وعنْ عليٍّ - ﵇ - فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (^٣) منْ حديثِ أبي رافعٍ قالَ: كانتْ لآلِ بني رافعٍ أموالٌ عندَ عليٍّ، فلمَّا دفعَها إليهمْ وجدُوها تنقصُ، فحسبُوها معَ الزكاةِ فوجدُوها تامةً، فأتَوْا عليًا فقالَ: كنتمُ ترونَ أنْ يكونَ عندي مالٌ لا أزكيهِ.\nوعنْ عائشةَ أخرجهُ مالكٌ في الموطأِ (^٤) أنَّها كانتْ تخرجُ زكاةَ أيتامٍ كانُوا في حجرها، ففي الكلِّ دلالةٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ الصبيِّ كالمكلفِ، ويجبُ على وليِّهِ الإخراجُ، وهو رأيُ الجمهورِ (^٥). ورُويَ عن ابن مسعودٍ (^٦) أنهُ يخرجهُ الصبيُّ بعدَ تكليفهِ، وذهبَ ابنُ عباسٍ (^٧) وجماعةٌ إلى أنهُ يلزمهُ إخراجُ العشرِ منْ مالهِ لعمومِ أدلتهِ لا غيرَهُ لحديثِ: \"رُفِعَ القلمُ\" (^٨).\nقلتُ: ولا يَخْفَى [أنهُ لا دِلالةَ فيهِ، و] (^٩) أن العمومَ في العشرِ حاصلٌ أيضًا في غيرِه كحديثِ: \"في الرقةِ ربعُ العشرِ\" (^١٠) ونحوِهِ.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط - كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٦٧)، وقال الهيثمي: وأخبرني سيدي وشيخي أن إسناده صحيح.\n(^٢) أخرجه الشافعي في ترتيب \"المسند\" (١/ ٢٢٥ رقم ٦١٨) موقوفًا، وإسناده صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١١٠ - ١١١ رقم ٥ و٦).\n(^٤) (١/ ٢٥١ رقم ١٤) بلاغًا.\n(^٥) انظر: \"المجموع للنووي\" (٥/ ٣٣١).\n(^٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٠٨)، قال الشافعي في مناظرة جرت بينه وبين مخالفه وجوابه عن هذا الأثر مع أنك تزعم أن هذا ليس بثابت عن ابن مسعود من وجهين (أحدهما): أنه منقطع وأن الذي رواه ليس بحافظ. قال الشيخ: - أي البيهقي - وجهة انقطاعه أن مجاهدًا لم يدرك ابن مسعود، وراويه الذي ليس بحافظ هو ليث بن أبي سليم، وقد ضعَّفه أهل العلم بالحديث.\n(^٧) أخرجه البيهقي (٤/ ١٠٨) وقال: انفرد بإسناده ابن لهيعة، وابن لهيعة لا يحتج به.\n(^٨) وهو حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (٦/ ١٠٠ - ١٠١)، وأبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦ رقم ٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١) وابن الجارود رقم (١٤٨) والدارمي (٢/ ١٧١) من حديث عائشة.\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) وهو جزء من حديث صحيح تقدم تخريجه برقم (٢/ ٥٦٣) من كتابنا هذا.","vol":"4","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-654>الدعاء لمخرج الزكاة</span>\n١١/ ٥٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: \"اللهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا أتاهُ قومٌ بصدقتِهم قالَ: اللهمَّ صلِّ عليهمْ. متفقٌ عليهِ). هذا منهُ - ﷺ - امتثالًا لقولهِ تَعَالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ - إلى قولهِ - وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (^٢)، فإنهُ أمرَهُ اللَّهُ بالصلاةِ عليهمْ ففعلَها بلفظِها حيثُ قالَ: \"اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي فلانٍ\". وقدْ وردَ أنهُ دعا لهمْ بالبركةِ كما أخرجهُ النسائيُّ (^٣) أنهُ قالَ في رجلٍ بعثَ بالزكاةِ: \"اللهمَّ باركْ فيه وفي [إبله] (^٤) \". وقالَ بعضُ الظاهريةِ بوجوبِ ذلكَ على الإمام، كأنهُ أخذهُ منَ الأمرِ في الآيةِ، وردّ بأنهُ لو وجبَ لعلَّمَهُ - ﷺ - السعاةَ [ولم ينقلْ] (^٥)، فالأمرُ محمولٌ في الآيةِ على أنهُ خاصٌ بهِ - ﷺ -؛ فإنهُ الذي صلاتهُ سكنٌ لهمْ.\nواستدلَّ بالحديثِ على جوازِ الصلاةِ على غيرِ الأنبياءِ، وأنهُ يدعو المصدِّقُ بهذا الدعاءِ لمن أَتَى بصدقتهِ، وكرهَهُ مالكٌ، وقالَ الخطابيُّ: أصلُ الصلاةِ الدعاءُ إلَّا أنهُ يختلِفُ بحسبِ المدعوِّ لهُ، فصلاةُ النبيِّ - ﷺ - على أمتهِ دعاءٌ لهم بالمغفرةِ، وصلاتُهم عليهِ دعاءٌ لهُ بزيادةِ القربةِ والزُّلْفَى، ولذلكَ كان لا يليقُ بغيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-655>تعجيل الزكاة قبل مجيء وقتها</span>\n١٢/ ٥٧٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَالْحَاكِمُ (^٧). [حسن]\n_________\n(^١) البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، وأبو داود (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣١ رقم ٢٤٥٩)، وابن ماجه (١٧٩٦).\n(^٢) سورة التوبة: الآية ١٠٣.\n(^٣) في \"السنن\" (٥/ ٣٠ رقم ٢٤٥٨) من حديث وائل بن حجر، بإسناد صحيح.\n(^٤) في (ب): \"أهله\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (٦٧٨).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٣/ ٣٣٢)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nقلت: الحجاج بن دينار، وحجية بن عدي، مختلف فيهما، وغاية حديثهما أن يكون حسنًا.=","vol":"4","page":29},{"text":"(وعنْ عليٍّ - ﵇ - أن العباسَ - ﵁ - سأل النبيَّ - ﷺ - تعجيلِ صدقتهِ قبلَ أنْ تحلَّ فرخَّصَ لهُ في ذلكَ. رواهُ الترمذيُّ والحاكمُ). قالَ الترمذيُّ (^١): وفي البابِ عن ابن عباسٍ قالَ: وقدْ اختلَفَ أهلُ العلمِ في تعجيلِ الزكاةِ قبلَ محلِّها، ورأى طائفةٌ مِنْ أهلِ العلمِ أن لا يعجلَها وبهِ يقولُ سفيانُ. وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: إنْ عجَّلَها قبلَ محلِّها أجزأتْ عنهُ انتهَى. وقدْ رَوَى الحديثَ أحمدُ، وأصحابُ السننِ، والبيهقيُّ (^٢) وقالَ: قال الشافعيُّ (^٣): \"رُوِيَ أنهُ - ﷺ - تسلَّفَ صدقةَ مالِ العباسِ قبلَ أنْ تحلَّ\"، ولا أدري أثبتَ أمْ لا؟ قالَ البيهقيُّ: عَنَى بذلكَ هذا الحديثَ، وهوَ معتضدٌ بحديثِ أبي البختري عنْ عليٍّ - ﵇ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّا كنَّا احتجْنا فأسلفَنَا العباسُ صدقةَ عامينِ\" رجالهُ ثقاتٌ، إلَّا أنهُ منقطعٌ.\nوقدْ وَرَدَ هذا منْ طُرقٍ بألفاظٍ مجموعُها يدلُّ على أنهُ - ﷺ - تقدَّمَ منَ العباسِ زكاةَ عامينِ. واختلفتِ الرواياتُ هلْ هو استلفَ ذلكَ أو تقدَّمهُ، ولعلَّهما واقعانِ معًا، وهوَ دليلٌ على جوازِ تعجيلِ الزكاةِ. وإليهِ ذهبَ الأكثرُ كما قالهُ الترمذيُّ وغيرُه، ولكنهُ مخصوصٌ جوازُه بالمالكِ، ولا يصحُّ منَ المتصرفِ بالوصايةِ والولايةِ.\nواستدلَّ مَنْ منعَ التعجيلَ مطلقًا بحديثِ: \"إنهُ لا زكاةَ حتَّى يحولَ الحولُ\" (^٤) كما دلَّتْ لهُ الأحاديثُ التي تقدَّمتْ، والجوابُ أنهُ لا وجوبَ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهذا لا ينفي جوازَ التعجيلِ، وبأنهُ كالصلاةِ قبلَ الوقتِ، وأجيبَ بأنهُ لا قياسَ معَ النصِّ.\n_________\n= قلت: وأخرج الحديث أبو داود (١٦٢٤)، وابن ماجه (١٧٩٥)، وأحمد (١/ ١٠٤)، والبيهقي (٤/ ١١١)، وأبو عبيد في الأموال (ص ٥٢٣ رقم ١٨٨٥)، والدارمي (١/ ٣٨٥)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٣٦٠) وابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٢٦) والدارقطني (٢/ ١٢٣ رقم ٣) كلهم من حديث علي - ﵁ -.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٢) تقدم العزو إليهم في التعليقة ما قبل السابقة.\n(^٣) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١١١).\n(^٤) وهو حديث صحيح بشواهده، وقد تقدم تخريجه برقم (٨/ ٥٦٩) من كتابنا هذا.","vol":"4","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-656>بيان مفاهيم الأعداد في الأنصباء</span>\n١٣/ ٥٧٤ - وَعَنْ جَابِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَة\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ عنْ رسولِ الله - ﷺ - قالَ: ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ) وقعَ في مسلمٍ أواقي بالياءِ، وفي غيرِه بحذفِها، وكلاهُما صحيحٌ؛ فإنهُ جمعُ أوقيَّةٍ، ويجوزُ في جمعِها الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ أهلُ اللغةِ. (منَ الورقِ) بفتحِ الواوِ وكسرِها، وكسرِ الراءِ، وإسكانِها، الفضةُ مطلقًا (صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسِ ذودٍ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ، وسكونِ الواوِ المهملةِ، [هي] (^٢) ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، (منَ الإبلِ) لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ: (صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ منَ التمرِ) بالمثلثةِ مفتوحةً والميمِ (^٣) (صدقةٌ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ صرَّحَ بمفاهيمِ الأعدادِ التي سلفتْ في بيانِ الأنصباءِ؛ إذْ قدْ عرفتَ أنهُ تقدمَ أن نصابَ الإبلِ خمسٌ ونصابُ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهي خمسُ أواقٍ، وأما نصابُ الطعامِ فلمْ يتقدمْ وإنما عُرِفَ [هنا] (^٤) بنفي الواجبِ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ أنهُ يجبُ في الخمسةِ بمفهومِ النفي، (ولهُ) أي: لمسلمٍ وهوَ:\n١٤/ ٥٧٥ - وَلَهُ (^٥) مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدِ - ﵁ -: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ\"، وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(منْ حديثِ أبي سعيد - ﵁ -: ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ (^٧) منْ تمرٍ) بالمثناةِ الفوقيةِ، (ولا حبٍّ صدقةٌ. وأصل حديثِ أبي سعيدٍ متفقٌ عليهِ). الحديثُ تصريحٌ أيضًا بما سلفَ منْ مفاهيمِ الأحاديثِ إلا التمرَ، فلم يتقدَّمْ فيهِ شيءٌ. والأوساقُ جمعُ وَسْقٍ بفتحِ الواوِ وكسرِها، والوسقُ ستونَ صاعًا، والصاعُ أربعةُ أمدادٍ، فالخمسةُ الأوساقِ ثلاثمائةِ صاعٍ، والمدُّ رطلٌ وثلثُ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩٨٠).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٣٦)، وابن خزيمة (٤/ ٣٤ - ٣٥ رقم ٢٢٩٨، ٢٢٩٩).\n(^٢) في (أ): \"هو\".\n(^٣) كذا في المخطوط (أ) و(ب) والصواب بالمثناة الفوقية.\n(^٤) في (ب): \"هذا\".\n(^٥) أي لمسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٩٧٩).\n(^٦) البخاري (١٤٤٧)، ومسلم (٩٧٩).\n(^٧) في المخطوط (أ) و(ب): \" خمسة أوساق\"، وما أثبتناه موافق لما في الصحيحين.","vol":"4","page":31},{"text":"قالَ الداووديُّ: معيارهُ الذي لا يختلفُ أربعُ حفناتٍ بكفَّيْ الرجلِ الذي ليسَ بعظيمِ الكفينِ ولا صغيرِهما. قالَ صاحبُ القاموسِ (^١) بعدَ حكايتهِ لهذا القولِ: وجربتُ ذلكَ فوجدتُه صحيحًا، انتهَى.\nوالحديثُ دليلٌ [على] (^٢) أنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغْ هذهِ المقاديرَ منَ الورِقِ والإبلِ والثمرِ والتمرِ لطفًا منَ اللَّهِ بعبادهِ وتخفيفًا، وهوَ اتفاقٌ في الأوَّلَينِ، وأما الثالثُ ففيهِ خلافٌ بسببِ ما عارضَهُ.\n١٥/ ٥٧٦ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"فِيمَا سَقَتِ السّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ\" رَوَاهُ الْبُخارِيُّ (^٣)، وَلأبِي دَاوُدَ (^٤): \"إِذَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ\". [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعنْ سالمٍ بن عبدِ اللَّهِ) بن عمرَ (عنْ أبيهِ) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، (عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: فيما سقتِ السماءُ) بمطرٍ أو ثلجٍ أو بَرَدٍ أو طلِّ، (والعيون) الأنهارُ الجاريةُ التي يُسْقَى منها بإساحةِ الماءِ منْ غيرِ اغترافٍ لهُ، (أو كان عَثَرِيًا) بفتحِ المهملةِ، وفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الراءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ. قالَ الخطابيُّ (^٥): هو الذي يشربُ بعروقهِ لأنهُ عثرَ على الماءِ، وذلكَ حيثُ كانَ الماءُ قريبًا منْ وجهِ الأرضِ، فيغرسُ عليهِ فيصلُ الماءُ إلى العروقِ منْ غيرِ سَقْيٍ، وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ، وما ذكرْنَاه أقربُها.\n(العشرُ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه فيما سقتْ [السماء] (٦)، أوْ أنهُ فاعلُ [فعل] (٦) محذوفٍ، أي: فيما ذكرَ يجبُ، (وفيما سقي بالنضحِ)، النَّضحُ بفتحِ النونِ، وسكونِ الضادِ [المعجمة] (^٦)، فحاءٍ مهملةٍ: السانِيةُ منَ الإبلِ والبقرِ\n_________\n(^١) المحيط (ص ٤٠٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤٨٣)، قلت: وأخرجه الترمذي (٢/ ٣٢ رقم ٦٤٠).\n(^٤) في \"السنن\" (١٥٩٦)، قلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٤١ رقم ٢٤٨٨).\n(^٥) في \"معالم السنن\" (٢/ ٢٥٢ - وهو بهامش سنن أبي داود).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"4","page":32},{"text":"وغيرِها منَ الرجالِ (نصفُ العشرِ. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ سالمٍ: (إذا كانَ بَعْلًا) عوضًا عنْ قولِه: عَثَرِيًا، وهوَ بفتحِ الموحدةِ، وضمِّ العينِ المهملةِ، كذا في الشرحِ، وفي القاموسِ (^١) أنهُ ساكنُ العينِ، وفسَّرَهُ بأنهُ كلُّ نخلٍ وشجرٍ وزرعٍ لا يُسْقَى، أو ما سقتْهُ السماءُ، وهوَ النخلُ الذي يشربُ بعروقِهِ (العشرُ، وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضحِ) دلَّ عطفُهُ عليهِ على التغايرِ، وأنَّ السواني المرادُ بها الدوابُّ، والنضحُ ما كانَ بغيرِها كنضحِ الرجالِ بالآلةِ، والمرادُ منَ الكلِّ ما كانَ سقيهُ بتعبٍ وعَنَاءٍ (نصفُ العشرِ).\nوهذَا الحديثُ دلَّ على التفرقةِ بينَ ما يُسقى بالسواني، وبينَ ما يُسقى [بماءِ السماءِ و] (^٢) الأنهارِ، وحكمتهُ واضحةٌ، وهوَ زيادةُ التعبِ والعناءِ فنقصَ بعضُ ما يجبُ رِفقًا منَ اللَّهِ تعالى بعبادهِ، ودلَّ علَى أنهُ يجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه الزكاةُ على ما ذُكِرَ، وهذا معارَضٌ بحديثِ جابرٍ، وحديثِ أبي سعيدٍ، واختلَفَ العلماءُ في الحكمِ في ذلكَ.\nفالجمهورُ أن حديثَ الأوساقِ مخصِّصٌ لحديثِ سالمٍ، وأنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغِ الخمسةَ الأوساقِ. وذهبَ جماعةٌ منهمْ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ لا يخصُّ بلْ يُعْمَلُ بعمومهِ، فيجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه، والحقُّ معَ أهلِ القولِ الأولِ لأنَّ حديثَ الأوساقِ حديثٌ صحيحٌ وردَ لبيانِ القدْر الذي تجبُ فيهِ الزكاةُ كما وردَ حديثُ مائتي الدرهمِ لبيانِ ذلكَ معَ ورودِ: \"في الرقةِ ربعُ العشرِ\" (٣)، ولم يقلْ أحدٌ: إنهُ يجبُ في قليلِ الفضةِ وكثيرِها الزكاةُ، وإنَّما الخلافُ هلْ يجبُ في القليلِ منْها إذا كانتْ قدْ بلغتِ النصابَ كما عرفتَ، وذلكَ لأنهُ لم يردْ حديثُ: \"في الرقةِ ربعُ العشرِ\" (^٣) إلَّا لبيانِ أنَّ هذا الجنسَ يَجبُ فيهِ [الزكاةُ] (^٤)، وأما [بيان] (^٥) ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ التبيينِ لهُ بمائتي درهم، فكذَا هنَا قولُهُ: \"فيما سقتِ السماءُ العشرُ\"، أي: في هذا الجنسِ يجبُ العشرُ، وأما بيانُ ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ الأوساقِ، وزادهُ إيضاحًا قولُه في الحديثِ [هذا و] (^٦): \"ليس فيما دونَ\n_________\n(^١) المحيط (ص ٥٦٠).\n(^٢) في (ب): \"بالسماء أو\".\n(^٣) وهو حديث ضعيف جدًّا، تقدَّم في \"شرح الحديث\" (٧/ ٥٦٨) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"العشر\".\n(^٥) في (ب): \"قَدْرُ\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"4","page":33},{"text":"خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ\"، كأنهُ ما وردَ إلا لدفعِ ما يُتَوَهَّمُ منْ عمومِ: \"فيما سقتِ السماءُ ربعُ العشرِ\"، كما وردَ ذلكَ في قولهِ: \"وليسَ فيما دونَ خمسةِ أواقي منَ الورِقِ صدقةٌ\"، ثمَّ إذا تعارضَ العامُّ والخاصُّ كان العملُ بالخاصِّ عندَ جهلِ التاريخِ كما هنا؛ فإنهُ أظهرُ الأقوالِ في الأصولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-657>أصناف الحبوب التي تجب فيها الزكاة</span>\n١٦/ ٥٧٧ - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشعَرِيِّ وَمُعَاذٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُمَا: \"لَا تَأخُذُوا في الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْرِ\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (^١)، وَالْحَاكِمُ (^٢). [حسن]\n(وعنْ أبي موسى الأشعريِّ ومعاذٍ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ لهما) حينَ بعثَهما إلى اليمنِ يعلِّمانِ الناسَ أمرَ دينِهم: (لا تأخذَا في الصدقةِ إلَّا منْ هذهِ الأصنافِ الأربعةِ: الشعيرِ، والحنطةِ، والزبيبِ، والتمرِ. رواهُ الطبرانيُّ، والحاكمُ)، والدارقطنيُّ (^٣).\nقالَ البيهقيُّ (^٤): رواتهُ ثقاتٌ وهوَ متَّصلٌ.\nورَوَى الطبرانيُّ (^٥) منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عنْ عمرَ: \"إنَّما سنَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - الزكاةَ في هذهِ الأربعةِ فذكرَها\". قالَ أبو زرعةَ (^٦): إنهُ مرسلٌ، [وساق في الباب أحاديث تفيد ما ذكر، ثم قال: - أي البيهقي - وهذه المراسيل طُرقها مختلفة وهي تؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى، ومعاذ،\n_________\n(^١) في \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٧٥)، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤٠١)، وقال: \"إسناد صحيح\" ووافقه الذهبي. وأقرَّه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٣٨٩) إلا أنه قال: قال الشيخ في \"الإمام\" وهذا غير صريح في الرفع.\nورجَّح الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٢٧٨) رفعه. وذكر له مرسل صحيح السند عن موسى بن طلحة قال: أمر رسول الله - ﷺ - معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والنخل والعنب\"، أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" رقم (١١٧٤) و(١١٧٥).\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٩٨ رقم ١٥).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٢٥).\n(^٥) وأخرجه الدارقطني (٢/ ٩٦ رقم ٧). وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٨٩) و\" التلخيص\" (٢/ ١٦٦).\n(^٦) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٦٦).","vol":"4","page":34},{"text":"ومعهما قول عمر، وعلي، وعائشة - ﵂ -: ليس في الخضروات زكاة] (^١).\nوالحديثُ دليلٌ على [أنهُ] (^٢) لا تجبُ الزكاة إلا في الأربعة المذكورةِ لا غيرُ، وإلى ذلكَ ذهبَ الحسنُ البصريُّ، والحسنُ بن صالحٍ، والثوريُّ، والشعبيُّ، وابنُ سيرينَ. ورُويَ عَنْ أحمدَ ولا يجبُ عندَهم في الذرةِ [ونحوها] (^٣). وأما حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه فذكرَ الأربعةَ وفيهِ زيادةُ الذرةِ. رواهُ الدارقطنيُّ (^٤) منْ دونِ ذكرِ الذرةِ، وابنُ ماجة (^٥) بذكرِها، فقدْ قالَ المصنفُ: إنهُ حديثٌ واه؛ قال: لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي الكوفي، وهو متروك، انتهى.\nوفي الباب مراسيلُ فيها ذكرُ الذرةِ، قالَ البيهقيُّ (^٦): إنهُ يقوي بعضُها بعضًا كذَا قالَ، [والظاهر] (^٧) أنَّها لا تقاومُ حديثَ الكتابِ وما فيهِ منَ الحصْرِ، وقدْ ألحقَ الشافعيُّ الذرةَ بالقياسِ على الأربعةِ المذكورةِ، بجامعِ الاقتياتِ في الاختيارِ، واحترزَ بالاختيارِ عما يُقْتَاتُ في المجاعاتِ، فإنَّها لا تجبُ فيهِ، فمنْ كانَ رأيهُ العملُ بالقياسِ لزمَهُ هذَا إنْ قامَ الدليلُ علَى أن العلةَ الاقتياتُ، ومَنْ لا يراهُ دليلًا لم يقلْ بهِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنَّها تجبُ في كلِّ ما أخرجتِ الأَرْضُ لعمومِ الأدلةِ نحوِ: \"فيما سقتِ السماءُ العُشرُ\" (^٨) إلا الحشيشَ والحطبَ لقولِه - ﷺ -: \"الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ\" (^٩)، وقاسُوا الحطبَ على الحشيشِ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"أنها\".\n(^٣) في (أ): \"ونحوه\".\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٩٤ رقم ١)، وقال الآبادي في \"التعليق المغني\": محمد بن عبيد الله العرزمي: ضعفه البخاري والنسائي وابن معين، والفلاس. وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٦٦) عنه: متروك.\n(^٥) في \"السنن\" (١/ ٥٨٠ رقم ١٨١٥) بإسناد واهٍ. والخلاصة: فهو حديث ضعيف جدًّا.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٢٩).\n(^٧) وفي (ب): \"والأظهر\".\n(^٨) تقدم تخريجه برقم (١٥/ ٥٧٦) من كتابنا هذا. وهو حديث صحيح.\n(^٩) أخرجه ابن ماجه (٢٤٧٢) وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ - \"الناس\" - بدل - \"المسلمون\" -.\nقال ابن حزم في \"المحلَّى\" (٩/ ٥٤): إن في رواته راويًا مجهولًا فلا تقوم به الحجة.\nقال: وهو أبو خِدَاش. وقال ابن حجر في \"التقريب\" (١/ ١٤٧): \"حبان بن زيد الشرعبي أبو خِدَاش ثقة فلا يضره جهالة ابن حزم، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ. وقال الحافظ أيضًا في \"بلوغ المرام\" (رقم: ٩/ ٨٧٠) بتحقيقنا: \"رواه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٦٤) - وأبو داود - (٣٤٧٧) - ورجاله ثقات\". =","vol":"4","page":35},{"text":"قالَ الشارحُ: والحديثُ - أي: حديثُ أبي موسى ومعاذٍ - وأردٌ على الجميعِ، والظاهرُ معَ مَنْ قالَ بهِ.\nقلتُ: لأنهُ حصْرٌ لا يقاومُه العمومُ ولا القياسُ، وبهِ يُعْرَفُ أنهُ لا يقاومُه حديثُ: \"خُذِ الحبَّ مِنَ الحبِّ\"، الحديثُ أخرجهُ أبو داودَ (^١)، لأنهُ عمومٌ فالأوضحُ دليلًا معَ الحاصرينَ للوجوبِ في الأربعةِ. وقالَ في المنارِ (^٢): إنَّ ما عدا الأربعةَ محلُّ [احتياطٍ] (^٣) أخذًا وتركًا، والذي يقوى أنهُ لا يؤخذُ منْ غيرِها.\nقلتُ: الأصلُ المقطوعُ بهِ حرمةُ مالِ المسلم ولا يخرجُ عنهُ إلا بدليلٍ قاطعٍ، وهذَا المذكورُ لا يرفعُ ذلكَ الأصلَ، وأيضًا فالأصلُ براءةُ الذمةِ، وهذانِ الأصلانِ لم يرفعْهما دليل يقاومُهما فليسَ محلَّ الاحتياطِ إلَّا تركُ الأخذِ منَ الذرةِ وغيرِها مما لم يأتِ بهِ إلَّا مجردُ العمومِ الذي قد ثبتَ تخصيصهُ.\n١٧/ ٥٧٨ - وَللدَّارَقُطْنيِّ (^٤)، عَنْ مُعَاذٍ - ﵁ - قَالَ: فَأَمّا الْقِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ\n_________\n= وتعقَّبه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨) وقال: \"لقد وهم الحافظ ابن حجر - ﵀ - فأورد الحديث في \"بلوغ المرام\" باللفظ الشاذ يعني \"الناس\" بدل \"المسلمون\"، من رواية أحمد وأبي داود ولا أصل له عندهما البتة، فتنبَّه اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بلفظ: \"المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار\".\nقلت: ويشهد له حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه (٢٤٧٣) مرفوعًا بلفظ: \"ثلاث لا يُمنعن: الماء والكلأ والنار وثمنها حرام\".\nوانظر: \"سؤال في حديث \"الناس شركاء في ثلاث\" وجوابه: لمحمد إسماعيل الأمير بتحقيقنا.\n(^١) في \"السنن\" (١٥٩٩).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٨١٤)، وهو حديث ضعيف.\n(^٢) وهو: \"المنار في المختار من جواهر البحر الزخار\"، حاشية العلامة صالح بن مهدي المقبلي على البحر الزخار (في مجلدين).\n(^٣) في (أ): \"الاحتياط\".\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٩٧ رقم ٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٤٠١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n\"قال صاحب التنقيح: وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث نظر، فإنه حديث ضعيف وإسحاق بن يحيى تركه أحمد والنسائي، وقال أبو زرعة: موسى بن طلحة بن عبيد الله عن عمر مرسل، ومعاذ توفي في خلافة عمر، فرواية موسى بن طلحة عنه أولى بالإرسال\" اهـ من \"التعليق المغني\".","vol":"4","page":36},{"text":"وَالرُّمَّانُ وَالْقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف]\n(وللدارقطنيِّ عنْ معاذٍ قالَ: فأما القثَّاءُ والبطيخُ والرمَّانُ والقصبُ) بالقافِ والصادِ المهملةِ، والضادِ المعجمةِ معًا (فقدْ عفَا عنهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -. وإسنادُه ضعيفٌ)، لأنَّ في إسنادِهِ محمدَ بنَ عبدِ اللَّهِ العزرمي، بفتح العينِ المهملةِ، وسكونِ الزاي، وفتحِ الراءِ، كذا في حواشي بلوغ المرامِ بخطِّ السيدِ محمدٍ بن إبراهيمَ بن المفضلِ - ﵀ -، والذي في الدارقطنيِّ (^١) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: \"سئلَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو عنْ نباتِ الأرضِ البقلِ والقثاءِ والخيارِ فقالَ: ليسَ في البقولِ زكاةٌ\"؛ فهذَا الذي منْ روايةِ محمدٍ بن عبدِ اللَّهِ العرزميِّ (^٢)، وأما روايةُ معاذٍ التي في الكتاب فقالَ المصنفُ في التلخيصِ (^٣): فيها ضعفٌ وانقطاعٌ إلَّا أن معناهُ قدْ أفادَه الحصَرُ في الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ الأولِ. وحديثُ: \"ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ\" أخرجهُ الدارقطنيُّ (^٤) مرفوعًا منْ طريقِ [موسَى] (^٥) بن طلحةَ، ومعاذٍ. وقول الترمذيِّ (^٦): لمْ يصحَّ رفعُه إنَّما هوَ مرسلٌ منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عن النبيِّ - ﷺ -، فموسَى بن طلحةَ تابعيٌّ عدْلٌ يلزمُ مَنْ يقبلُ المراسيلَ قبولَ ما أرسلَهُ. وقد ثبتَ عنْ عليٍّ (^٧) وعمرَ (^٨) موقوفًا ولهُ حكمُ الرفعِ، والخضرواتُ ما لا يُكَالُ ولا يُقْتَاتُ.\n١٨/ ٥٧٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ\"، رَوَاهُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٩٤ رقم ١).\n(^٢) متروك الحديث، قاله النسائي في \"الضعفاء\" رقم (٥٤٦)، واسمه محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمي\"، وانظر: \"المجروحين\" (٢/ ٢٤٦) و\"الجرح والتعديل\" (١/ ٨) و\"الميزان\" (٣/ ٦٣٥).\n(^٣) (٢/ ١٦٥).\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ٩٧ رقم ١٠)، وهو مرسل ضعيف.\n(^٥) في (ب): \"علي\" وهو خطأ.\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٣٠ - ٣١).\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ١٢٠ رقم ٧١٨٨).\n(^٨) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٢٩).","vol":"4","page":37},{"text":"الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ (^١)، وَصَحّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ (^٢)، وَالْحَاكِمُ (^٣). [ضعيف]\n(وعنِ سهلِ بن أبي حَثمةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ المثلثةِ (قالَ: أمرنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا خرصتُم فخذُوا ودعُوا الثلثَ) لأهلِ المالِ، (فإنْ لم تدَعُوا الثلثَ فدَعُوا الربعَ. [رواهُ] (^٤) الخمسة إلا ابنَ ماجه، وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وفي إسنادهِ مجهولُ الحالِ كما قالَ ابنُ القطانِ، لكنْ قالَ الحاكمُ: لهُ شاهدٌ متفقٌ على صحَّتهِ \"أن عمرَ أمرَ بهِ\"، كأنهُ يشيرُ إلى ما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^٥)، وابنُ أبي شيبةَ (^٦)، وأبو عبيدٍ (^٧): \"أن عمرَ كانَ يقولُ للخارصِ: دعْ لهم قَدْرَ ما يأكلونَ، وقَدْرَ ما يقعُ\". [وأخرجهُ] (^٨) ابنُ عبدِ البرِّ (^٩) عنْ جابرٍ مرفُوعًا: \"خَفِّفُوا في الخرْصِ، فإنَّ في المالِ العريةَ والوطيةَ والأكلةَ\". وقدِ اختُلِفَ في معنَى الحديثِ على قولينِ:\nأحدُهما: أن يتركَ الثلثُ أو الربعُ منَ العشرِ.\n_________\n(^١) أحمد (٣/ ٤٤٨)، وأبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي (٥/ ٤٢).\n(^٢) في \"الإحسان\" (٨/ ٧٥ رقم ٣٢٨٠).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٢).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ١٩٤)، وأبو عبيد في الأموال (ص ٤٣٤ رقم ١٤٤٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٩)، والبيهقي (٤/ ١٢٣)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٤٢ رقم ٢٣١٩، ٢٣٢٠) من طرق. وفي سنده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار. قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ١٧٢): \"وقد قال البزار: إنه تفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله، قال الحاكم: وله شاهد بإسناد متفق على صحته: أن عمر بن الخطاب أمر به\" اهـ.\nقلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"أخرجه\".\n(^٥) في \"المصنف\" (٤/ ١٢٩ رقم ٧٢٢١). وانظر: \"المحلَّى\" (٥/ ٢٦٠).\n(^٦) في \"المصنف\" (٣/ ١٩٤).\n(^٧) في \"الأموال\" (ص ٤٣٥ رقم ١٤٤٨).\n(^٨) في (أ): \"وأخرج\".\n(^٩) في \"الاستذكار\" (٩/ ٢٤٩ رقم ١٣١٦٦)، وأخرجه أيضًا الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٤١)، وقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٥٣): وفي إسناده ابن لهيعة - وهو ضعيف.\n• العرية: النخلة.\n• الأكلة: أهل المال يأكلون منه رطبًا.\n• الوطية: الزائرون.","vol":"4","page":38},{"text":"وثانيهما: أن يتركَ ذلكَ من نفسِ الثمرِ قبلَ أنْ يعشَّرَ.\nوقالَ الشافعيُّ: معناهُ أن يدعَ ثلثَ الزكاةِ أو ربعَها ليفرقَها هو بنفسهِ على أقاربهِ وجيرانهِ، وقيلَ: يدعُ لهُ ولأهلهِ قَدْرَ ما يأكلونَ ولا يخرصُ.\nقالَ في الشرحِ: والأَوْلى الرجوعُ إلى ما صرَّحتْ بهِ روايةُ جابرٍ، وهوَ التخفيفُ في الخرصِ ويتركُ منَ العشرِ قدرَ الربعِ أو الثلثِ.\nفإنَّ الأمورَ المذكورةَ قدْ لا تدركُ الحصادَ فلا تجبُ فيها الزكاةُ. قالَ ابنُ تيميةَ - ﵀ -: إنَّ الحديثَ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ ومحاسنِها، موافقٌ لقولهِ - ﷺ -: \"ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ\" (^١)، [لأنها] (^٢) قدْ جرتِ العادةُ أنهُ لا بدَّ لربِّ المالِ بعدَ كمالِ الصلاحِ أنْ يأكلَ هو وعيالُه ويطعِمُوا الناسَ ما لا يدَّخرُ ولا يبقى، فكانَ ما جَرَى العرفُ بإطعامهِ وأكلِه بمنزلةِ الخضرواتِ التي لا تُدَّخَرُ، [وضح] (^٣) ذلكَ بأنّ هذا العرفَ الجاريَ بمنزلةِ ما لا يمكنُ تركُه فإنه لا بدَّ للنفوسِ منَ الأكلِ منَ الثمارِ الرطبةِ، ولا بدَّ من الطعامِ بحيثُ يكونُ تركُ ذلكَ مُضِرًا بها وشاقًّا عليها، انتهَى.\n١٩/ ٥٨٠ - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٤)، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [ضعيف]\n(وعنْ عتَّابِ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ المثناةِ الفوقيةِ، آخرُه موحدةٌ (ابن أسيدٍ)\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وهو حديث ضعيف.\n(^٢) في (ب): \"لأنه\".\n(^٣) في (ب): \"يوضح\".\n(^٤) أبو داود (١٦٠٣)، والترمذي (٦٤٤)، والنسائي (٥/ ١٠٩ رقم ٢٦١٨)، وابن ماجه (١٨١٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٩)، والدارقطني (٢/ ١٣٤ رقم ٢٤) والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٤٣ رقم ٦٦١)، والبيهقي (٤/ ١٢٢)، وله عندهم ألفاظ.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nقلت: هذا الحديث منقطع؛ لأن عتابًا توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق - ﵁ -، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر .. انظر: \"المختصر\" لابن المنذر (٢/ ٢١١). والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":39},{"text":"بفتحِ الهمزةِ، وكسرِ السينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ (قالَ: أمرَ رسول اللَّهِ - ﷺ - أنْ يخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخذُ زكاتُه زبيبًا. رواهُ الخمسةُ وفيهِ انقطاعُ)، لأنه رواهُ سعيدُ بنُ المسيبِ عنْ عتابٍ (^١). وقدْ قالَ أبو داودَ (^٢): إنهُ لم يسمعْ منهُ. قالَ أبو حاتمٍ (^٣): الصحيحُ عنْ سعيد بن المسيبِ أن النبيَّ - ﷺ - أمرَ عتابًا (مرسلٌ)، قالَ النوويُّ (^٤): وهوَ إنْ كانَ مرسلًا فهوَ يعتضدُ بقولِ الأئمةِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ خرصِ التمرِ والعنبِ، لأنَّ قولَ الراوي: \"أمرَ\"، يفهمُ أنهُ أَتَى - ﷺ - بصيغةٍ تفيدُ الأمرَ والأصلُ فيهِ الوجوبُ، وبالوجوبِ قالَ الشافعيُّ (^٥) - ﵀ -، وقالتِ الهادويةُ: أنهُ مندوبٌ. وقالَ أبو حنيفةَ (^٦): إنهُ محرَّمٌ لأنهُ رجمٌ بالغيبِ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ عملٌ بالظنِّ وردَ بهِ أمرُ الشارعِ، ويكفي فيهِ خارصٌ واحدٌ عَدْلٌ لأنَّ الفاسقَ لا يَقْبَلُ خبرَه، عارفٌ؛ لأنَّ الجاهلَ بالشيءِ ليسَ منْ أهلِ الاجتهادِ فيهِ لأنهُ - ﷺ - كانَ يبعثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ (^٧) وحدَه يخرصُ على أهلِ خيبرَ، ولأنهُ كالحاكمِ يجتهدُ ويعملُ، فإنْ أصابتِ الثمرةَ جائحةٌ بعدَ الخرصِ فقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعَ مَنْ يحفَظُ عنهُ العلمُ أن المخروصَ إذا أصابتْهُ جائحةٌ قبلَ الجذاذِ فلا ضمانَ. وفائدةُ الخرصِ أمنُ الخيانةِ منْ ربِّ المالِ، ولذلكَ يجبُ عليهِ البيِّنةُ في دعْوى النقصِ بعدَ الخرصِ، وضبطُ حقِّ الفقراءِ على المالكِ،\n_________\n(^١) في المخطوط (أ): يوجد كلمة زائدة هي: \"وقد قالوا\"، فلذا حذفتها.\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٥٨).\n(^٣) في \"العلل\" (١/ ٢١٣).\n(^٤) في \"المجموع\" (٥/ ٤٥١).\n(^٥) انظر: \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (١/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، وفيه أن الخرص سنة وقد قيل إنه واجب.\n(^٦) انظر: \"اللباب في الجمع بين السنة والكتاب\" لعلي بن زكريا المنبجي (١/ ٣٩٤ - ٣٩٦).\n(^٧) وهو حديث حسن.\n• أخرجه أحمد (٢/ ٢٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٨) من حديث ابن عمر.\n• وأخرجه أبو داود (٣/ ٦٩٧ رقم ٣٤١٠)، وابن ماجه (١٨٢٠) من حديث ابن عباس.\n• وأخرجه أبو داود (٣٤١٣ و٣٤١٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٨ - ٣٩)، والدارقطني (٢/ ١٣٣)، والبيهقي (٤/ ١٢٣)، وأحمد (٣/ ٣٦٧)، من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"4","page":40},{"text":"ومطالبةُ المصدقِ بقدرِ ما خرصَه (^١)، وانتفاعُ المالكِ بالأكلِ ونحوِه.\nوأعلمْ أن النصَّ وردَ بخرصِ النخلِ والعنبِ، قيلَ: ويقاسُ عليهِ غيرُه مما يمكنُ ضبطهُ وإحاطةُ النظرِ بهِ، وقيلَ: يقتصرُ على محلِّ النصِّ وهوَ الأقربُ لعدمِ النصِ على العلةِ، وعندَ الهادويةِ والشافعيةِ أنهُ لا خرصَ في الزرعِ لتعذرِ ضبطهِ لاستتارهِ بالقشرِ، وإذا ادَّعَى المخروصُ عليهِ النقصَ بسببٍ يمكنُ إقامةُ البينةِ عليهِ وجبَ إقامتُها وإلَّا صُدِّقَ بيمينهِ. وصفةُ الخرصِ أنْ يطوفَ بالشجرةِ ويرى جميعَ ثمرتِها ويقولَ خَرْصُها كذا وكذا رطبًا، ويجيءُ كذَا وكذَا يابسًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-658>دليل وجوب الزكاة في حلي النساء</span>\n٢٠/ ٥٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه - ﵄ -: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبيَّ - ﷺ - وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: \"أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هذَا؟ \"، قَالَتْ: لَا، قَالَ: \"أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ \" فَأَلْقَتْهُمَا، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٢)، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَصَحّحَهُ\n_________\n(^١) قال القاضي أبو بكر بن العربي في \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٤١ - ١٤٢): \"ليس في الخرص حديث يصح إلا واحد وهو المتفق عليه، وهو ما رويناه في حديقة المرأة، قال: ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود، وهذه المسألة عسرة جدًّا لأن النبي - ﷺ - ثبت عنه خرص النخل، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان كثيرًا في حياته وفي بلاده، ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود، لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم. قال: ولما لم يصح حديث سهل، ولا حديث ابن المسيب، بقي الحال وقفًا، فلأن خرص على الناس لحق الفقراء، لقد يجب أن يخرص عليهم جميع ما فيه الزكاة\" اهـ.\n(^٢) أبو داود (١٥٦٣)، والترمذي (٦٣٧)، والنسائي (٥/ ٣٨)، والبيهقي (٤/ ١٤٠).\nقال الترمذي: وهذا حديث قد رواه المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، نحو هذا والمثنى بن الصباح، وابنُ لهيعةَ يُضعفان في الحديث.\nولا يصح في هذا الباب عن النبي - ﷺ - شيءٌ.\nوأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا، وذكر أن المرسل أولى بالصواب.\nوقال ابن المنذر: طريق أبي داود لا مقال فيها.\nوقال ابن القطان بعد تصحيحه لحديث أبي داود: وإنما ضعَّف الترمذي هذا الحديث لأن عنده فيه ضعيفين: ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح. =","vol":"4","page":41},{"text":"الْحَاكِمُ (^١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة. [حسن]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن امرأةً) هي أسماءُ بنتُ يزيدَ بن السكنِ (أتتِ النبيَّ - ﷺ - ومعَها ابنةٌ لها، وفي يدِ ابنتِها مَسَكَتَانِ) بفتحِ الميمِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، الواحدةُ مَسَكةٌ، وهي الإسورةُ والخلاخيلُ (منْ ذهبٍ، فقالَ لهَا: أتعطينَ زكاةَ [هذه] (^٢)؟ قالتْ: لا، قالَ: أيسُّركِ أنْ يسِّورَكِ الله بهمَا يومَ القيامةِ سوارينِ منْ نارٍ؟ فألقتْهما. رواهُ الثلاثة وإسنادُهُ قويٌّ)، ورواهُ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ حسينٍ المعلمِ، وهوَ ثقةٌ. فقولُ الترمذي (^٤) إنهُ [لا يعرفُ] (^٥) إلَّا منْ طريقِ ابن لهيعةَ غيرُ صحيحٍ. (وصحَّحه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ). وحديثُ عائشةَ أخرجهُ الحاكمُ وغيرُه ولفظهُ: \"أنها دخلتْ على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فرأَى في يدِها فتخاتٍ منْ وَرِقٍ، فقالَ: \"ما هذَا يا عائشةُ؟ \"، فقالتْ: صغْتُهنَّ لأتزينَ لكَ بهنَّ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: أتؤدِّينَ زكاتَهنَّ؟ قالتْ: لا، قالَ: هنَّ حسبُكِ منَ النارِ\".\nقالَ الحاكمُ: إسنادُه على شرطِ الشيخينِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في الحليةِ، وظاهرهُ أنهُ لا نصابَ لها لأمرِهِ - ﷺ - بتزكيةِ هذهِ المذكورةِ، ولا تكونُ خمسَ أواقي في الأغلبِ، وفي المسألةِ أربعةُ أقوالٍ:\nالأولُ: وجوبُ الزكاةِ (^٦)، وهوَ مذهبُ الهادويةِ وجماعةٍ منَ السلفِ، وأحدُ أقوالِ الشافعي عملًا بهذهِ الأحاديثِ.\nوالثاني: لا تجبُ الزكاةُ في الحليةِ (^٧)، وهوَ مذهبُ مالكٍ، وأحمدَ،\n_________\n= كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٣٧٠).\nقلت: والخلاصة أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٩)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٢) في (أ): \"هذا\".\n(^٣) في \"السنن\" (١٥٦٣).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٣٠).\n(^٥) في (أ): \"لا أعرفه\".\n(^٦) انظر: \"المبسوط\" (٢/ ١٩٢) و\"الهداية\" (١/ ١٠٤) و\"اللباب\" (١/ ٣٨٤ - ٣٨٦).\nو\"الروض النضير\" (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥).\n(^٧) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" (ص ١١٨) و\"المجموع\" (٦/ ٣٢ - ٣٦)، و\"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٥).","vol":"4","page":42},{"text":"والشافعي في أحدِ أقوالهِ لآثارٍ وردتْ عن السلفِ قاضيةٍ بعدمِ وجوبها في الحليةِ، ولكنْ بعدَ صحةِ الحديثِ لا أثرَ للآثارِ.\nالثالثُ: أن زكاةَ الحليةِ عاريتُها، لما رَوَى الدارقطنيُّ عنْ أنسٍ (^١)، وأسماءَ بنت أبي بكرٍ (^٢).\nالرابعُ: أنَّها تجبُ فيها الزكاةُ مرةً واحدةً، رواهُ البيهقيُّ (^٣) عنْ أنسٍ، وأظهرُ الأقوال دليلًا وجوبُها لصحةِ الحديثِ وقوتهِ، وأمَّا نصابُها فعندَ الموجبينَ نصابُ النقدينِ، وظاهرُ حديثِها الإطلاقُ، وكأنَّهم قيَّدُوهُ بأحاديثَ النقدينِ، ويقويِّ الوجوبَ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-659>الزكاة في حلي النساء</span>\n٢١/ ٥٨٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵁ - أَنّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَال: \"إِذَا أَدَّيْتِ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، والدَّارَقُطْنيُّ (^٥)، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ (^٦). [حسىن]\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٠٩ رقم ٦)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٦/ ١٤٠).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٠٩ رقم ١٠)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٦/ ١٤٠).\n(^٣) في \"معرفة السنن والآثار\" (٦/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ٨٢٨٤).\n(^٤) في \"السنن\" (١٥٦٤) من طريق عتاب بن بشير، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به.\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٠٥ رقم ١) من طريق محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به.\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٠) من طريق محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عنها، به. وقال: حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٤٠) وقال: تفرد به ثابت بن عجلان، قال في \"تنقيح التحقيق\": وهذا لا يضر، فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري - انظر: \"رجال صحيح البخاري\" رقم ١٦١ - ووثقه ابن معين، وقال ابن القطان في \"كتابه \"روى عن القدماء سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وابن أبي مليكة، ورأى أنس بن مالك، قال النسائي فيه: ثقة، وقال أبو حاتم في \"الجرح\" (٢/ ٤٥٥): صالح الحديث، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج به، قول لم يقله غيره. اهـ.\nقال ابن الجوزي في \"التحقيق\": محمد بن مهاجر، قال ابن حبان - في \"المجروحين\" (٢/ ٣١٠ - ٣١١) -: يضع الحديث على الثقات، قال في \"التنقيح\": وهذا وهم قبيح، فإن =","vol":"4","page":43},{"text":"(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ - أنَّها كانتْ تلبسُ أوضاحًا)، في النهايةِ (^١): هي نوعٌ منَ الحليِّ يُعْمَلُ منَ الفضةِ سمِّيتْ بها لبياضِها، واحدُها وضْحٌ، انتهَى.\nوقولُه: (منْ ذهب) يدلُّ أنَّها تسمَّى إذا كانتْ منَ الذهبِ أوضاحًا، ([فقلتُ] (^٢) يا رسولَ اللَّهِ، أكنزٌ هوَ؟) أي: فيدخلُ تحتَ آيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ (^٣) الآيةَ؟ ([قال] (^٤): إذا أديتِ زكاتَه فليسَ بكنزٍ. رواهُ أبو داودَ، والدارقطنيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، فيهِ دليلٌ كما في الذي قبلَه على وجوبِ زكاةِ الحليةِ، وأنَّ كلَّ مالٍ أخرجَتْ زكاتُه فليسَ بكنرٍ فلا يشملُه الوعيدُ في الآيةِ.\n٢٢/ ٥٨٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأمُرُنَا: \"أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. [ضعيف]\n(وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ - ﵁ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يأمرُنا أنْ نخرجَ الصدقةَ\n_________\n= محمد بن مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان ثقة شامي، أخرج له مسلم في \"صحيحه\" - انظر: \"رجال صحيح مسلم\" رقم (١٥٢٤) - ووثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، ودحيم، وأبو داود وغيرهم. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" - (٧/ ٤١٣ - ٤١٤) - وقال: كان متقنًا، وأما محمد بن مهاجر الكذاب، فإنه متأخر في زمان ابن معين، وعتاب بن بشير وثقه ابن معين، وروى له البخاري متابعة. اهـ.\nقال الشيخ - ﵀ - في \"الإمام\": وقول العقيلي - في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ١٧٥ - ١٧٦) - في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديث تحامل منه، إذ لا يمس بهذا إلا من ليس معروفًا بالثقة، فأما من عرف بالثقة فانفراده لا يضره، وكذلك ما نقل عن الإمام أحمد - ﵁ - أنه سئل عنه، أكان ثقة؟ فسكت، إذ لا يدل السكوت على شيء، وقد يكون سكوته لكونه لم يعرف حاله، ومن عُرِفَ حجة على من لم يُعرف، أو لأنه لا يستحق اسم الثقة عنده، فيكون إما صدوقًا، أو صالحًا، أو لا بأس به، أو غير ذلك من مصطلحاتهم، ولما ذكره ابن عدي في كتابه لم يسمِّه بشيء، وقول عبد الحق أيضًا: لا يحتج به تحامل أيضًا، وكم من رجل قد قبل روايته ليسوا مثله. والله أعلم. اهـ. \"نصب الراية\" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢).\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) في غريب الحديث لابن الأثير (٥/ ١٩٦).\n(^٢) في (أ): \"فقالت\".\n(^٣) سورة التوبة: الآية ٣٤.\n(^٤) في (أ): \"فقال\".\n(^٥) في \"السنن\" (١٥٦٢) بإسناد ضعيف.\nوقد ضعَّف الحديث الألباني في ضعيف أبي داود.","vol":"4","page":44},{"text":"منَ الذي نعدُّه للبيعِ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه ليِّنٌ) لأنهُ منْ روايةِ سليمانَ بن سمرةَ وهوَ مجهولٌ، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^١)، والبزارُ (^٢)، منْ حديثهِ أيضًا. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ.\nواستُدِلَّ للوجوبِ أيضًا بقولهِ تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (^٣) الآيةَ.\nقالَ مجاهدٌ: نزلتْ في التجارةِ، وبما أخرجهُ الحاكمُ (^٤) أنهُ - ﷺ - قالَ: \"في الإبلِ صدقتُها، وفي البقرِ صدقتُها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقتُه\". والبزُّ بالباءِ الموحدةِ، والزاي المعجمةِ ما يبيعُه البزَّازونَ، كذا ضبطَهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ.\nقالَ ابنُ المنذرِ (^٥): الإجماعُ قائمٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ، وممنْ قالَ بوجوبِها الفقهاءُ السبعةُ (^٦). قالَ: لكنْ لا يكفرُ جاحدُها للاختلافِ فيْها.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨ رقم ٩). قال ابن حزم (٥/ ٢٣٤): رواته من جعفر بن سعد إلى سمرة مجهولون، وتبعه ابن القطان، فقال: ما من هؤلاء من يعرف حاله، وقد جهد المحدثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يروي به جملة أحاديث، قد ذكر البزار منها نحو المائة. وانظر: \"الميزان\" (١/ ٤٠٧).\n(^٢) (١/ ٤٢٠ رقم ٨٨٦) - \"كشف الأستار\". وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٦٩) وقال: رواه البزار وفي إسناده ضعف.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٨) من طريقين وقال: كلا الإسنادين صحيحان على شرط الشيخين.\nقلت: وأخرجه الدارقطني أيضًا من الطريقين (٢/ ١٠١ و١٠٢ رقم ٢٧ و٢٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٧٩).\n(^٥) في كتابه: \"الإجماع\" (ص ٥١ رقم ١١٤).\nقلت: أقرَّ ابن قدامة في \"المغني\" (٢/ ٦٢٣) ابن المنذر ثم قال: وحكي عن \"مالك\" و\"داود\" أنه لا زكاة فيها لأن النبي - ﷺ - قال: \"عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق\".\n(^٦) وهم:\n١ - سعيد بن المسيب.\n٢ - عروة بن الزبير.\n٣ - أبو بكر بن عبيد بن الحارث.\n٤ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.\n٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.\n٦ - سليمان بن يسار.\n٧ - خارجة بن زيد بن ثابت.","vol":"4","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-660>الرِّكاز الخمس</span>\n٢٣/ ٥٨٤ - وَعَن أَبي هرَيرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: وفي الرِّكازِ) بكسرِ الراءِ، آخِرَهُ زايٌ، المالُ المدفونُ يُؤْخَذُ منْ غيرِ أنْ يُطْلَبَ بكثيرِ عملٍ (الخُمُسُ. متفقٌ عليهِ). للعلماءِ في حقيقةِ الرِّكازِ قولانِ:\nالأولُ: أنهُ المالُ المدفونُ في الأرضِ منْ كنوزِ الجاهليةِ.\nالثاني: أنهُ المعادنُ.\nقالَ مالكٌ (^٢) بالأولِ، قالَ: وأمَّا المعادنُ فتُؤْخَذُ فيها الزكاةُ لأنَّها بمنزلةِ الزرعِ، ومثلَه قالَ الشافعيُّ (^٣)، وإلى الثاني ذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ (^٤)، ويدلُّ للأولِ قولُهُ - ﷺ -: \"العجماءُ جُبارٌ، والمعدنُ جُبارٌ، وفي الركازِ الخُمُسُ\" أخرجهُ البخاريُّ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ غيرُ المعدِنِ، وخصَّ الشافعيُّ المعدِنَ بالذهبِ والفضةِ لِمَا أخرجهُ البيهقيُّ (^٥): \"أنَّهم قالُوا: وما الركازُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذهبُ والفضةُ التي خُلِقَتْ في الأرضِ يومَ خُلِقَتْ\"، إلَّا أنهُ قيلَ: إنَّ هذا التفسيرَ روايةٌ ضعيفةٌ. واعتبرَ النصابَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ عملًا بحديثِ:\n_________\n(^١) البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (٣/ ١٣٣٤ رقم ١٧١٠).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٤٩) والترمذي (٦٤٢) وأبو داود (٣٠٨٥)، والنسائي (٥/ ٤٤ رقم ٢٤٩٥)، وابن ماجه (٢٥٠٩)، وابن الجارود رقم (٣٧٢)، والبيهقي (٤/ ١٥٥) وأحمد (٢/ ٢٢٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، والطيالسي (ص ٣٠٤ رقم ٢٣٠٥)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٤٨، رقم ٦٧١، ٦٧٢). وغيرهم.\n(^٢) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" (ص ١١٩ - ١٢٠).\n(^٣) انظر: \"مغني المحتاج\" (١/ ٣٩٤ - ٣٩٦).\n(^٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٢/ ٦٥ - ٦٨).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٢). وفي إسناده سعيد بن أبي سعيد المقبري الذي هو ثقة حجة، شاخ، ووقع في الهرم ولم يختلط. انظر: \"الميزان\" (٢/ ١٣٩ رقم ٣١٨٧)، فحديثه لا يقصر عن صلاحية التفسير، فليعلم.","vol":"4","page":46},{"text":"\"ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ\" (^١) في نصابِ الذهبِ والفضةِ، وإلى أنهُ يجبُ ربعُ العشرِ بحديثِ: \"وفي الرِّقَةِ ربعُ العشرِ\" (^٢) بخلافِ الركازِ فيجبُ فيهِ الخمُسُ، ولا يعتبرُ فيهِ النصابُ. ووجهُ الحكمةِ في التفرقةِ أن أَخْذَ الركازِ بسهولةٍ منْ غيرِ تعبٍ بخلافِ المستخرَجِ منَ المعدنِ فإنهُ لا بدَّ فيهِ منَ المشقةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يجبُ الخمسُ في المعدنِ والركازِ، وأنهُ لا تقديرَ لهما بالنصاب، بلْ يجبُ في القليلِ والكثيرِ. وإلى أنهُ يعمُّ كلَّ ما استُخرِجَ منَ البحرِ والَبرِّ منْ ظاهرِهِما أو باطِنهما فيشملُ الرصاصَ، والنحاسَ، والحديدَ، والنفطَ، والملحَ، والحطبَ، والحشيشَ. والمتيقنُ بالنصِّ الذهبُ والفضةُ، وما عداهما الأصلُ فيهِ عدمُ الوجوبِ حتَّى يقومَ الدليلُ. وقدْ كانتْ هذهِ الأشياءُ موجودةً في عصرِ النبوةِ ولا يعلمُ أنهُ أخذَ فيها خمسًا. ولم يردْ إلَّا حديثُ الركازِ وهوَ في الأظهرِ في الذهبِ والفضةِ، وآيةُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣) وهي في غنائمِ الحربِ.\n٢٤/ ٥٨٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ - في كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ في خَرِبَةٍ - \"إِنْ وَجَدْتَهُ في قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيرِ مَسْكُونَةِ فَفِيهِ وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ [رجل] (^٥) في خَرِبَةٍ: إنْ وجدتَه في قريةٍ مسكونةٍ فعرِّفْه، وإنْ وجدتَه في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ، وفي الركازِ الخمسُ. أخرجهُ ابنُ ماجهْ بإسنادٍ حَسَنٍ)، وفي قولهِ: ففيهِ وفي الركازِ الخمس بيانُ أنهُ قدْ صارَ مِلْكًا لواجدهِ، وأنهُ يجبُ عليهِ\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه برقم (١١/ ٥٧٤) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.\n(^٢) تقدَّم تخريجه أكثر من مرة.\n(^٣) سورة الأنفال: الآية ٤١.\n(^٤) وأخرجه أبو داود (١٧١٠)، وأبو عبيد في الأموال (ص ٣٠٨ رقم ٨٦٠)، وأحمد في المسند رقم (٦٦٨٣ و٦٩٣٦) شاكر، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٥) بسند حسن، وصحَّحه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٦)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وله شواهد صحيحة ومنها ما في \"الصحيحين\" رقم (٢٣/ ٥٨٢)، فالحديث حسن، والله أعلم.\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"4","page":47},{"text":"إخراجُ خُمُسِهِ، وهذا الذي وجده في قريةٍ لم يسمِّهِ الشارعُ رِكازًا؛ لأنهُ لم يستخرجْه منْ باطنِ الأرضِ، بلْ ظاهرُه أنهُ وُجِدَ في ظاهرِ القريةِ، وذهبَ الشافعيُّ ومَنْ تبعَهُ إلى أنهُ يشترطُ في الركازِ أمرانِ: كونُه جاهليًا، وكونُه في مواتٍ. فإنْ وُجِدَ في شارعٍ أو مسجدٍ فَلُقَطَةٌ؛ لأنَّ يدَ المسلمينَ عليهِ. وقدْ جُهِلَ مالكُه فيكونُ لقطةً وإنْ وجدَ في ملكِ شخصٍ فللشخصِ إنْ لم ينفِه عنْ ملكِه، فإنْ نفاهُ عنْ ملكهِ فلمنْ ملكَه عنهُ، وهكذا حتَّى ينتهيَ إلى المحيي للأرضِ، ووجهُ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ (^١) ما أخرجهُ هوَ عنْ عمرِو بن شعيبٍ بلفظِ: \"أن النبيَّ - ﷺ - قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ رجلٌ في خربةٍ جاهليةٍ: إنْ وجدَتَهُ في قريةٍ مسكونةٍ أو طريقٍ ميتاء فعرِّفْه، وإنْ وجدتَهُ في خربةٍ جاهليةٍ أو قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ وفي الركازِ الخُمُسُ\".\n٢٥/ ٥٨٦ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيّةِ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢). [ضعيف]\n(وعنْ بلالِ بن الحارثِ - ﵁ -) (^٣) هوَ المزنيُّ، وفدَ على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - سنةَ خمسٍ، وسكنَ المدينةَ، وكانَ أحدَ مَنْ يحملُ ألويةَ مُزينةَ يومَ الفتحِ، رَوَى عنهُ ابنهُ الحارثُ، ماتَ سنةَ ستينَ، ولهُ ثمانونَ سنة (أن رسولَ الله - ﷺ - أخذَ منَ المعادنِ القَبَلِيَّةِ) بفتحِ القافِ، وفتحِ الموحدةِ، وكسرِ اللامِ، وياءٍ مشددةٍ مفتوحةٍ، وهوَ موضعٌ بناحيةِ الفرعِ (الصدقةَ. رواهُ أبو داودَ) وفي الموطأِ (^٤) عنْ ربيعةَ عنْ غيرِ\n_________\n(^١) في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٤٨ رقم ٦٧٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٣٠٦١).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٤٨ رقم ٨)، وأبو عبيدة في \"الأموال\" (ص ٣٠٩ رقم ٨٦٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٢) وقال: قال الشافعي: ليس هذا مما يثبت أهل الحديث، ولو ثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي - ﷺ - إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي - ﷺ - فيه.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. ولمزيد من التخريج انظر: \"إرواء الغليل\" (٣/ ٣١١ - ٣١٣ رقم ٨٣٠).\n(^٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٤٤٠ رقم ٩٢٩).\n(^٤) (١/ ٢٤٨ رقم ٨).","vol":"4","page":48},{"text":"واحدٍ منْ علمائِهم: \"أنهُ - ﷺ - أقْطَعَ بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القبليةَ، وأخذَ منْها الزكاةَ دونَ الخمسِ\".\nقالَ الشافعيُّ (^١) بعدَ أنْ رَوَى حديثَ مالكٍ: ليسَ هذا مما يثبتُه أهلُ الحديثِ، ولمْ يكنْ فيهِ روايةٌ عن النبيِّ - ﷺ - إلَّا إقطاعَه.\nوأما الزكاةُ في المعادنِ دونَ الخمسِ فليستْ مروية عن النبي - ﷺ -.\nقالَ البيهقيُّ: هوَ كما قالَ الشافعيُّ في روايةِ مالكٍ، والحديثُ يدلُّ على وجوبِ الصدقةِ في المعادنِ، ويحتملُ أنهُ أرِيدَ بها الخمسُ. وقدْ ذهبَ إلى الأولِ أحمدُ، وإسحاقُ. وذهبَ غيرُهم إلى الثاني، وهوَ وجوبُ الخمسِ لقولهِ: وفي الركازِ الخمسُ، وإنْ كانَ فيهِ احتمالٌ كما سلفَ.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٢).","vol":"4","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-661>[الباب الأول] باب صدقةِ الفطرِ</span>\nأي: الإفطارُ، وأضيفتْ إليهِ لأنهُ سببُها كما يدلُّ لهُ ما في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: زكاةُ الفطرِ منْ رمضانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-662>وجوب صدقة الفطر</span>\n١/ ٥٨٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: فرضَ رسول اللَّهِ - ﷺ - زكاةَ الفطرِ صاعًا) نصبَ على التمييزِ، أو بدلٌ منْ زكاةٍ بيانٌ لها (منْ تمرٍ أو صاعًا منْ شعيرٍ، على العبدِ، والحرِّ، والذكرِ، والأنثَى، والصغيرِ، والكبيرِ منَ المسلمينَ، وأمرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ صدقةِ الفطرِ لقولهِ: فرضَ، فإنهُ بمعنى ألزمَ وأوجبَ.\nقالَ إسحاقُ: هي واجبةٌ بالإجماعِ، [وكأنهُ ما علمَ] (^٢) فيها الخلافُ\n_________\n(^١) البخاري (١٥٠٤)، ومسلم (١٢/ ٩٨٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٦١١)، والنسائي (٥/ ٤٨)، وابن ماجه (١٨٢٦)، والبيهقي (٤/ ١٥٩)، والدارمي (١/ ٣٩٢)، وأحمد (٢/ ١٣٧)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٥٠)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٨٤ رقم ٥٢)، وغيرهم.\n(^٢) زيادة من (ب).","vol":"4","page":50},{"text":"لداودَ (^١)، وبعضِ الشافعيةِ، فإنَّهم قائلونَ إنها سنةٌ، وتأوَّلُوا فرضَ بأنَّ المرادَ قدر، وردَّ هذا التأويلُ بأنهُ خلافُ الظاهرِ.\nوأما القولُ بأنَّها كانتْ فرضًا ثم نُسِخَتْ بالزكاةِ لحديثِ قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ (^٢): \"أمَرَنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بصدقةِ الفطرِ قبلَ أن تنزلَ الزكاةُ، فلمَّا نزلتِ الزكاةُ لم يأمرْنا ولم ينْهنا\"، فهوَ قولٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ الحديثَ فيهِ راوٍ مجهولٌ ولوَ سلِمَ صحتُه فليسَ فيهِ دليل على النسخ لأنَّ عدمَ أمرِه لهم بصدقةِ الفطرِ ثانيًا لا يشعرُ بأنَّها نسختْ، فإنهُ يكفي الأمرُ الأَولُ ولا يرفعُه عدمُ الأمرِ.\nوالحديثُ دليلٌ على عموم وجوبها علَى العبيدِ والأحرارِ، الذكورِ والإناثِ صغيرًا وكبيرًا غنيًا وفقيرًا. وقدْ أَخرجَ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن ثعلبةَ أو ثعلبةَ بن عبدِ اللَّهِ مرفوعًا: \"أدُّوا صاعًا منْ قمحٍ عنْ كلِّ إنسانٍ ذكرٍ أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حرٌّ أو مملوك. أما الغنيُّ فيزكيهِ اللَّهُ، وأمَّا الفقيرُ فيردُّ اللَّهُ عليهِ أكثرَ مما أعطَى\". قالَ المنذريُّ في مختصرِ السننِ (^٤): في إسنادهِ النعمانُ بنُ راشدٍ لا يُحْتَجُّ بحديثهِ، (نعمْ) العبدُ تلزمُ مولاهُ عندَ مَنْ يقولُ إنهُ لا يملكُ، ومَنْ يقولُ إنهُ يملكُ تَلزَمُه، وكذلك الزَّوْجَةُ يَلْزَمُ زَوْجَهَا، والخادِمُ\n_________\n(^١) انظر: \"الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي\" لعارف خليل محمد أبو عيد، ص ٥٥٩. \"وبداية المجتهد\" لابن رشد الحفيد - بتحقيقنا (٢/ ١٢٩).\nقلت: أما ابن حزم فقد نقل وجوبها على كل مسلم [المحلَّى ٦/ ١٦٤].\n(^٢) أخرجه النسائي (٥/ ٤٩ رقم ٢٥٠٧)، وابن ماجه (١٨٢٨)، والحاكم (١/ ٤١٠)، والبيهقي (٤/ ١٥٩). من طريق سلمة بن كُهيل عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار الهمداني، عن قيس بن سعد، به.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وصحَّحه الألباني في صحيح النسائي.\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٤٩ رقم ٢٥٠٦) من طريق الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد، به.\nقال النسائي: \"وسلمة بن كُهيل خالف الحكم في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كُهيل\". قلت: وكلا السندين رجاله ثقات معروفون.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٦٣ - ١٦٤).\n(^٤) (٢/ ٢٢٠).","vol":"4","page":51},{"text":"مَخْدومَهُ، والقريبُ مَنْ تلزمهُ نفقتُه لحديثِ: \"أدُّوا صدقةَ الفطرِ عمنْ تمونونَ\" أخرجهُ الدارقطنيُّ (^١)، والبيهقيُّ (^٢)، وإسنادُه ضعيفٌ، ولذلكَ وقعَ الخلافُ في المسألةِ كما هوَ مبسوطٌ في الشرحِ وغيرهِ. وأما الصغيرُ فتلزمُ في مالهِ إنْ كانَ لهُ مالٌ كما تلزمُه الزكاةُ في مالِه. وإنْ لم يكنْ لهُ مالٌ لزمتْ منفقه كما يقُولُ الجمهورُ.\nوقيلَ: تلزمُ الأبَ مطلقًا، وقيلَ: لا تجبُ على الصغيرِ أصلًا لأنَّها شُرعَتْ طُهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمساكينِ كما يأتي. وأجيبَ بأنهُ خرجَ علَى الأغلبِ فلا يقاومُه تصريحُ حديثِ ابن عمرَ بإيجابِها على الصغيرِ، وهوَ أيضًا دالٌ علَى أنهُ يجبُ صاعٌ (^٣) على كلِّ إنسانٍ منَ التمرِ والشعيرِ، ولا خلافَ في ذلكَ، وكذلكَ وردَ صاعٌ منْ زبيبٍ.\n_________\n(^١) و(^٢) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٤١ رقم ١٢) ومن طريقه البيهقي (٤/ ١٦١) من حديث ابن عمر قال: \"أمر رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون\".\nقال الدارقطني: رفعه القاسم وليس بقوي. والصواب موقوف.\n• وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٤١ رقم ١٣)، من طريق حفص بن غياث، قال: سمعت عدة منهم الضحاك بن عثمان عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يعطي صدقة الفطر عن جميع أهله، صغيرهم وكبيرهم عمن يعول، وعن رقيقه وعن رقيق نسائه.\n• وأخرج الشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٥١ رقم ٦٧٦) من طريق إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد عن أبيه: \"أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر عن الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون\"، وأخرجه البيهقي من طريقه (٤/ ١٦١).\n• وأخرجه البيهقي (٤/ ١٦١) من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي - ﵁ -، به. وهو منقطع.\n• وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٤٠ رقم ١١)، من طريق إسماعيل بن همام، حدثني علي بن موسى الرضى عن أبيه عن جده عن آبائه: \"أن النبي - ﷺ - فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير والذكر والأنثى ممن تمونون\".\nقال الآبادي في \"التعليق المغني\": \"هذا حديث مرسل، فإن جدَّ علي بن موسى هو جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وجعفر لم يدرك الصحابة، وقد أخرج له الشيخان، وقال ابن حبان في الثقات: يحتج بحديثه ما لم يكن من رواية أولاده عنه، فإنه في حديث ولده مناكير كثيرة\" اهـ.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) الصاع = ٤ أمداد، والمد = ٥٤٤ غ من القمح. =","vol":"4","page":52},{"text":"وقولُه في الحديثِ: (منَ المسلمينَ)، لأئمةِ الحديثِ كلامٌ طويلٌ في هذهِ الزيادةِ، لأنهُ لم يتفقْ عليْها الرواةُ لهذَا الحديثِ إلَّا أنَّها على كلِّ تقديرٍ زيادةٌ منْ عدْلٍ فتقبلُ، ويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في وجوبِ صدقةِ الفطرِ، وأنَّها لا تجبُ على الكافرِ عنْ نفسهِ وهذَا متفقٌ عليهِ. وهلْ يخرجُها المسلمُ عنْ عبدهِ الكافرِ؟ فقالَ الجمهورُ: لا، وقالتِ الحنفيةُ وغيرُهم: تجبُ، مستدلينَ بحديثِ: \"ليسَ على المسلم في عبدِه صدقةٌ إلَّا صدقةَ الفطرِ\" (^١)، وأجيبَ بأنَّ حديثَ البابِ خاصٌّ يقضِي على العامِّ، فعمومُ قولهِ: عبدَه مخصَّصٌ بقولِه منَ المسلمينَ، وأما قولُ الطحاوي: إنَّ منَ المسلمينَ صفةٌ للمخرجينَ لا للمخرَج عنْهم فإنهُ يأباهُ ظاهرُ الحديثِ، فإنَّ فيهِ العبدَ، وكذَا الصغيرَ، وهمْ ممنْ يخرجُ عنْهم، فدلَّ على أن صفةَ الإسلامِ لا تختصُّ بالمخرجينَ، يؤيدُه حديثُ مسلمٍ (^٢) بلفظِ: \"على كلِّ نفسٍ منَ المسلمينَ حرٍّ أو عبدٍ\"، وقولُه: \"وأمرَ بها أن تؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ\" (^٣) يدلُّ علَى أن المبادرةَ بها، هي المأمورُ بها، فلو أخَّرها عن الصلاةِ أَثِمَ، وخرجتْ عنْ كونِها صدقةَ فطرٍ وصارتْ صدقةً منَ الصدقاتِ، ويؤكدُ ذلكَ قولُه:\n٢/ ٥٨٨ - وَلابْنِ عَدِيٍّ (^٤)، وَالدَّارَقُطْنِيِّ (^٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: \"أَغْنُوهُمْ عَن الطَّوَافِ في هذَا الْيَوْمِ\". [ضعيف]\n(ولابنِ عديٍّ والدارقطنيِّ) أي: منْ حديثِ ابن عمرَ (بإسنادٍ ضعيفٍ) لأنَّ فيهِ\n_________\n= فالصاع =٥٤٤ × ٤ = ٢١٧٦ غ.\nوانظر كتابنا: \"الإيضاحات العصرية في المقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية\" مبحث: الصاع.\n(^١) أخرجه مسلم (١٠/ ٩٨٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٦/ ٩٨٤) من حديث ابن عمر.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٩٨٦) من حديث ابن عمر.\n(^٤) لم أجده في \"الكامل\" لابن عدي وخاصة في ترجمة الواقدي.\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٥٢ رقم ٦٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٥)، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٣١ من حديث ابن عمر.\nوأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٤٨) من حديث عائشة وأبي سعيد، وهو حديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":53},{"text":"محمدَ بنَ عمرَ الواقدي (^١)، (أغنُوهم) أي: الفقراءَ (عن الطوافِ) في الأزقةِ والأسواقِ لطلب المعاشِ (في هذا اليومِ) أي: يومِ العيدِ، وإغناؤُهم يكونُ بإعطائِهم صدقتَه أَولَ اليومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-663>مقدار ما يخرج من صدقة الفطر من كل نوع</span>\n٣/ ٥٨٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَنِ النَّبيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح].\nوَفي رِوَايَةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. قَالَ أبُو سَعِيدٍ: أَمّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nوَلأَبي دَاوُدَ: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا (^٢).\n(وَعنْ أبي سعيدٍ - ﵁ - قالَ: كنَّا نعطِيْها) أي: صدقةَ الفطرِ، (في زمانِ النبيِّ - ﷺ - صاعًا منْ طعامٍ، أو صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ شعيرٍ، أوْ صاعًا منْ زبيبٍ، متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ) للبخاري: (أو صاعًا منْ أَقِطٍ) بفتحِ الهمزةِ، وهوَ لبنٌ مجففٌ يابسٌ مستحجرٌ يُطبخُ، كما في النهايةِ (^٣)، ولا خلافَ فيما ذكرَ أنهُ يجبُ\n_________\n(^١) قال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٤٧): \"وهذه الأحاديث التي أمليتها للواقدي والتي لم أذكرها كلها غير محفوظة، ومن يروي عن الواقدي من الثقات فتلك الأحاديث غير محفوظة عنهم إلا من رواية الواقدي والبلاء منه، ومتون أخبار الواقدي غير محفوظة وهو بيِّن الضَّعف\" اهـ.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٥٠٥ - ١٥٠٦) و(١٥٠٨) و(١٥١٠)، ومسلم (٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩ رقم ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢١/ ٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)، و(١٦١٧)، و(١٦١٨)، والترمذي (٦٧٣)، والنسائي (٥/ ٥١ رقم ٢٥١١ و٢٥١٢ و٢٥١٣)، وابن ماجه (١٨٢٩)، وابن الجارود رقم (٣٥٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٤١ - ٤٢)، والدارقطني (٢/ ١٤٦ رقم ٣١)، والحاكم (١/ ٤١١)، والبيهقي (٤/ ١٦٥)، والدارمي (١/ ٣٩٢)، وأحمد (٣/ ٢٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٧٢ - ١٧٣)، ومالك (١/ ٢٨٤ رقم ٥٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٧٣ - ٧٤ - ٧٥) من طرق عن عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري.\n(^٣) لابن الأثير (١/ ٥٧).","vol":"4","page":54},{"text":"فيهِ صاعٌ، وإنَّما الخلافُ في الحِنْطَةِ؛ فإنه أَخْرجَ ابنُ خزيمةَ عنْ سفيانَ، عن ابن عمرَ أنهُ لما كانَ معاويةُ عدلَ الناسُ نصفَ صَاعٍ بُرٍّ بصاعِ شعير، وذلكَ أنهُ لم يأتِ نصٌّ في الحنطةِ أنهُ يخرجُ فيها صاعٌ، والقولُ بأنَّ أبا سعيدٍ أرادَ بالطعامِ الحنطةَ في حديثهِ هذا غيرُ صحيحٍ كما حققَهُ المصنفُ في فتحِ الباري (^١)، قالَ ابنُ المنذرِ (^٢): لا نعلمُ في القَمحِ خبرًا ثانيًا يعتمدُ عليه عن النَّبيِّ - ﷺ -، ولمْ يكنِ البُرُّ في المدينةِ ذلكَ الوقتَ إلَّا الشيءَ اليسيرَ منهُ، فلمَّا كثرُ في زمنِ الصحابةِ رأوْا أن نصفَ صاعٍ منهُ يقومُ مقامَ صاعٍ منْ شعيرٍ، وهمْ الأئمةُ فغيرُ جائزٍ أنْ يعدلَ عنْ قولِهم إلَّا إلى قَوْلِ مثلِهم، ولا يخْفَى أنهُ قدْ خالفَ أبو سعيدٍ كما يفيدُه قولُه: قال الراوي: (قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه) أي: الصاعَ (كما كنتُ أخرجُ في [زمان] (^٣) رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. ولأبي داودَ) عنْ أبي سعيدٍ: (لا أخرِجُ أبدًا إلا صاعًا) أي: منْ أي قوتٍ. أخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٤)، والحاكمُ (^٥): \"قالَ أبو سعيدٍ؛ وقدْ ذكرَ عنده صدقةُ رمضانَ فقال: لا أخرجُ إلّا ما كنتُ أخرِجُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ حنطةٍ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ، أو صاعًا منْ أَقِطٍ، فقالَ لهُ رجلٌ منَ القومِ: أو مُدَّينِ منْ قمحٍ، قالَ: لا تلكَ فعلُ معاويةُ لا أقبلُها ولا أعملُ بها\"، لكنهُ قالَ ابنُ خزيمةَ (^٦): ذِكْرُ الحنطةِ في خبرِ أبي سعيدِ غيرُ محفوظٍ، ولا أدري ممَّن الوهمُ، وقالَ النوويُّ (^٧): تمسَّكَ بقولِ معاويةَ مَنْ قالَ بالمدَّينِ منَ الحنطةِ وفيهِ نظرٌ، لأنهُ فعلُ صحابيٍّ. وقدْ خالفَه فيهِ أبو سعيدٍ وغيرُه منَ الصحابةِ ممنْ هوَ أطولُ صحبةً منهُ، وأعلمُ بحالِ النبيِّ - ﷺ -؛ وقدْ صرَّحَ معاويةُ بأنهُ رأيٌ رآهُ لا أنهُ سمعهُ منَ النبيِّ - ﷺ - كما أخرجَهُ البيهقيُّ في السننِ (^٨) منْ حديثِ أبي سعيدٍ: \"أنهُ قَدِمَ معاويةُ حاجًا أوْ معتمرًا، فكلَّمَ الناسَ على المنبرِ، فكانَ فيما كلَّمَ بهِ الناسَ أنهُ قالَ: إني أرى مدَّينِ منْ سمراءِ الشامِ تعدلُ صاعًا منْ\n_________\n(^١) (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٣٧٤).\n(^٣) في (أ): \"زمن\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم ٢٤١٩) بإسناد حسن. لكن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ كما قاله ابن خزيمة.\n(^٥) في \"المستدرك (١/ ٤١١).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٤/ ٩٠).\n(^٧) في شرحه لصحيح مسلم\" (٧/ ٦١).\n(^٨) (٤/ ١٦٥).","vol":"4","page":55},{"text":"تمرٍ، فأخذَ بذلكَ الناسُ فقالَ أبو سعيدٍ: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه\"، الحديثُ المذكورُ في الكتابِ. فهذَا صريحٌ أنهُ رأيٌ من معاويةَ. قالَ البيهقيُّ (^١) بعدَ إيرادِ أحاديثَ في البابِ ما لفظهُ: وقدْ وردتْ أخبارٌ عن النبيِّ - ﷺ - في صاعٍ منْ بُرِّ، ووردتْ أخبارٌ في نصفِ صاعٍ، ولا يصحُّ شيءٌ منْ ذلكَ. وقد بيَّنتُ علةَ كلِّ واحدٍ منْها في الخلافياتِ انتَهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-664>الصدقات تكفِّر السيئات</span>\n٤/ ٥٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ \"طُهْرَةً لِلصَّائِم مِنَ الَّلغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَة لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [حسن].\n(وعنِ ابن عباس - ﵄ - قالَ: فرضَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - زكاةَ الفطرِ طهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ) الواقعِ منهُ في صومهِ (وطعمةً للمساكينِ، فمنْ أداها قبلَ الصلاةِ) [أي: صلاةِ العيدِ] (^٥) (فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أداها بعدَ الصلاةِ فهيَ صدقةٌ منَ الصدقاتِ. رواهُ أبو داودَ وابن ماجه، وصحَّحهُ الحاكمُ). فيهِ دليلٌ على وجوبها لقولهِ: فَرضَ، كما سلفَ. ودليلٌ على أنَّ الصدقاتِ تكفِّرُ السيئاتِ. ودليلٌ على أَنَّ وقتَ إخراجِها قبلَ صلاةِ العيدِ، وأنَّ وجوبها مؤقتٌ، فقيلَ: تجبُ [منْ] (^٦)\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٠).\n(^٢) في \"السنن\" (١٦٠٩).\n(^٣) في \"السنن\" (١٨٢٧).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٩).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٣٨ رقم ١)، والبيهقي (٤/ ١٦٣)، قال الدارقطني: ليس فيهم مجروح.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذري في \"الترغيب\" والحافظ هنا. وفي ذلك نظر، لأن من دون عكرمة لم يخرج لهم البخاري شيئًا، وهم صدوقون سوى مروان فثقة، فالسند حسن. وقد حسَّنه النووي في \"المجموع\" (٦/ ١٢٦)، والألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٣٣٢ رقم ٨٤٣).\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"4","page":56},{"text":"فجرِ أولِ شوالَ لقوله: \"أغنُوهم عن الطوافِ في هذا اليومِ\" (^١)، وقيلَ: تجبُ منْ غروبِ آخرِ يومٍ منْ رمضانَ لقولهِ: \"طهرةً للصائمِ\"، وقيلَ: تجبُ بمضيِّ الوقتينِ عملًا بالدليلينِ.\nوفي جوازِ تقديْمِها أقوالٌ: منْهم مَنْ ألحقَها بالزكاةِ فقالَ: يجوزُ تقديمُها ولو إلى عامينِ، ومنْهم مَنْ قالَ: يجوزُ في رمضانَ لا قبلَهُ، لأِنَّ لها سببينِ: الصومُ والإفطارُ، فلا تتقدمُهُمَا كالنصابِ والحولِ. وقيلَ: لا تُقَدَّمُ علَى وقتِ وجوبِها إلَّا ما يغتفرُ كاليومِ واليومينِ. وأدلةُ الأقوالِ كما تَرَى.\nوفي قولهِ: \"طُعْمَةً للمساكينِ\" دليلٌ على اختصاصِهم بها، وإليه ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ وذهبَ آخرونَ إلى أنَّها كالزكاةِ تُصْرَفُ في الثمانيةِ الأصنافِ واستقواهُ المهديُّ لعمومِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (^٢). والتنصيصُ على بعض الأصناف لا يلزم منه التخصيص، فإنه قد وقع ذلك في الزكاة، ولم يقل أحد بتخصيص مصرفِها، ففي حديثِ معاذٍ: \"أُمْرِتُ أَنْ آخذَها منْ أغنيائِكم وأردَّها في فقرائِكم\" (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) وهو حديث ضعيف، تقدَّم تخريجه برقم (٢/ ٥٨٨) من كتابنا هذا.\n(^٢) سورة التوبة، الآية: ٦٠ وتتمتها: ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾.\n(^٣) ذكره القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٣/ ٣٣٧) بدون سند بهذا اللفظ.\nوأخرج البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١/ ٥٠ رقم ٢٩/ ١٩)، وأبو داود (١٥٨٤)، والنسائي (٢/ ٥)، والترمذي (٦٢٥)، وابن ماجه (١٨٧٣)، وأحمد (١/ ٢٣٣)، من حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - معاذًا إلى اليمن فقال: \"ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله … فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُرد على فقرائهم\".","vol":"4","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-665>[الباب الثاني] بابُ صدقةِ التطوعِ أي النفلِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-666>فضل صدقة التطوع</span>\n١/ ٥٩١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"سَبْعَة يُظِلُّهُم اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح].\n(عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: سبعةٌ يظلُّهمْ اللَّهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه - فذكرَ الحديثَ) في تعدادِ السبعةِ، وهمْ: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأَ في عبادةِ ربِّهِ - ﷿ -، ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، ورجلانِ تحابَّا في الله اجتمعَا على ذلكَ وافترقَا عليهِ، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقالَ إني أخافُ اللَّهَ، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ، (وفيهِ: ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفْاها حتَّى لا تعلمَ شمائه ما تنفق يمينُه. متفقٌ عليه). قيلَ: المُرادُ بالظِّلِّ الحِمَايةُ والكَنَفُ كمَا يُقالُ: أنا في ظِلِّ فُلانٍ، وَقِيلَ: المرادُ ظلُّ عرشهِ؛ ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٢) منْ حديثِ سلمانَ: \"سبعةٌ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّ عرشهِ\"، وبهِ جزمَ القرطبيُّ. وقولُه: (أخْفَى) بلفظِ الفعلِ الماضي حالٌ بتقديرِ قدْ،\n_________\n(^١) البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (٢/ ٧١٥ رقم (١٠٣١).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢٣٩١)، والنسائي (٨/ ٢٢٢) وأحمد (٢/ ٤٣٩).\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٢/ ١٤٤)، وحسَّن إسناده.","vol":"4","page":58},{"text":"وقولُه: (حتَّى لا تعلمَ شمالُه) مبالغةٌ في الإخفاءِ، وتبعيدُ الصدقةِ عنْ مظانِّ الرياءِ، ويحتملُ أنهُ على حذف مضافٍ، أي: [من] (^١) عنْ شمالهِ. وفيهِ دليلٌ على فضلِ إخفاءِ الصدقةِ على إبدائِها إلَّا أنْ يعلمَ أنَّ في إظهارِها ترغيبًا للناسِ في الاقتداءِ، وأنهُ يحرسُ سرَّهُ عن داعيةِ الرياءِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (^٢) الآية. والصدقةُ في الحديثِ عامةٌ للواجبةِ والنافلةِ، فلا يُظَنُّ أنَّها خاصةٌ بالنافلةِ حيثُ جعلَهُ المصنفُ في بابِها.\nواعلمْ أنهُ لا مفهومَ يعملُ بهِ في قولهِ: ورجلٌ تصدَّقَ؛ فإنَّ المرأةَ كذلكَ إلَّا في الإمامةِ، ولا مفهومَ أيضًا للعددِ، فقدْ وردتْ خصالٌ أُخْرى تقتضي الظلَّ وأبلغَها المصنفُ في الفتحِ (^٣) إلى ثمانٍ وعشرينَ خصلةً، وزادَ عليها الحافظُ السيوطيُّ حتَّى أبلْغَها إلى سبعينَ، وأفردَها بالتأليفِ، ثمَّ لخَّصَها في كراسةٍ سمَّاها: \"بزوغُ الهلالِ في الخصالِ المقتضيةِ للظلالِ\" (^٤).\n٢/ ٥٩٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كُل امْرِئٍ في ظلِّ صَدَقَتِهِ حَتى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٥) وَالْحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٧١.\n(^٣) (٢/ ١٤٤) وله رسالة سمَّاها: \"معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال\".\n(^٤) وهي رسالة للسيوطي تتبَّع فيها الأحاديث الواردة في الخصال الموجبة لظل العرش فبلغ سبعين خصلة واستوعب شواهدها، ثم لخَّص مرة بعد أخرى واقتصر فيه على متن الحديث. \"كشف الظنون\" (١/ ٢٤٣).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٨/ ١٠٤ رقم ٣٣١٠) بإسناد صحيح.\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٤١٦)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٨١)، وابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٦٤٥)، وأحمد (٤/ ١٤٧ - ١٤٨)، وابن خزيمة (٤/ ٩٤ رقم ٢٤٣١)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ٣٠٠ رقم ٣٣/ ١٧٦٦)، و\"شرح السنة\" للبغوي (١/ ١٣٦)، والبيهقي (٤/ ١٧٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ رقم ٧٧١).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١١٠) وقال: \"رواه كله أحمد، وروى أبو يعلى والطبراني بعضه، ورجال أحمد ثقات\".\nوقال الشيخ حسين سليم أسد: نقول: رواه أبو يعلى كله ولم يقتصر على بعضه كما قال الهيثمي.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":59},{"text":"(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتهِ) أي: يومَ القيامةِ أعمُّ منْ صدقتهِ الواجبةِ والنافلةِ (حتَّى يفْصَلَ بينَ الناسِ. رواهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ). فيهِ حثٌّ على الصدقةِ، وأمَّا كونُه في ظلِّها فيحتملُ الحقيقةَ، وأنَّها تأتي أعيانُ الصدقةِ فتدفعُ عنهُ حرَّ الشمسِ، أو المرادُ في كنفِها وحمايتِها.\nومنْ فوائدِ صدقةِ النفلِ أنَّها تكونُ توفيةً لصدقةِ الفرضِ إنْ وجدتْ في الآخرةِ ناقصةً، كما أخرجهُ الحاكمُ في الكُنَى (^١) منْ حديثِ ابن عمرَ وفيهِ: \"وانظرُوا في زكاةِ عبدي فإنْ كانَ ضيَّعَ منْها شيئًا فانظُروا هلْ تجدونَ لعبدي نافلةً [منْ صدقةٍ لتُتِمُّوا] (^٢) بها ما نقصَ منَ الزكاةِ\"، فيؤخذُ ذلكَ على فرائضِ اللَّهِ، وذلكَ برحمةِ اللَّهِ وعدلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-667>الحث على أنواع البر</span>\n٣/ ٥٩٣ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"أَيُّمَا مُسْلِمِ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَفي إِسْنَادِهِ لِينٌ. [ضعيف]\n(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: أيُّما مسلم كَسَا مسلمًا ثوبًا على عريٍ كساهُ اللَّهُ منْ خضْرِ الجنةِ) أي: منْ ثيابِها الخضرِ، (وأيُّما مسلمٍ أطعمَ\n_________\n(^١) وهو كتاب \"الكنى والألقاب\" لأبي عبد الله الحاكم. انظر: \"الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة\"، لمحمد بن جعفر الكتاني (ص ١٢٠).\n(^٢) في (أ): \"تنمون\".\n(^٣) في \"السنن\" (١٦٨٢) بسند ضعيف.\nوقال المنذري في \"مختصر السنن\" (٢/ ٢٥٦): \"في إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدَّالاني. وقد أثنى عليه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد\".\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢٤٤٩). وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب. وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوف، وهو أصح عندنا وأشبه\". وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٤).\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":60},{"text":"مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على جوعٍ أطعمة اللَّهُ منْ ثمارِ الجنةِ، وأيُّما مسلمٍ سقَى مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على ظمأٍ سقاة اللَّهُ منَ الرحيقِ)، هوَ الخالصُ منَ الشرابِ الذي لا غِشَّ فيهِ، (المختومِ) الذي تختمُ أوانيهِ، وهوَ عبارةٌ عنْ نفاستِها، (رواهُ أبو داودَ وفى إسنادهِ لينٌ). لم يبينِ الشارحُ - ﵀ - وجَهُه، وفي مختصرِ السننِ للمنذري (^١): في إسنادهِ أبو خالدٍ يزيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المعروفُ بالدالاني، وقد أثنى عليهِ غيرُ واحدٍ، وتكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ. وفي الحديثِ الحثُّ على أنواعِ البرِّ وإعطائِها مَنْ هُوَ مفتقرٌ إليْها، وكونُ الجزاءِ عليها منْ جنسِ الفعلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-668>خير الصدقة عن ظهر غنى</span>\n٤/ ٥٩٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، وَالَّلفظ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنْ حكيمِ بن حزامٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: اليدِ العليا خيرٌ منَ اليدِ السّفْلَى، وابدأ بمنْ تعولُ، وخيرُ الصدقةِ عنْ ظهرِ غنَىً، ومَنْ يستعففْ يعفه اللَّهُ، ومَنْ يستغنِ يغنهِ اللَّهُ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ). أكثرُ التفاسيرِ، وعليهِ الأكثرُ أن اليدَ العليا يدُ المعطِي، والسفلَى يدُ السائلِ، وقيلَ: يدُ المتعفِّفِ ولو بعدَ أنْ يمدَّ إليهِ المعطي وعلُوُّها معنويٌّ، وقيلَ: يدُ الآخذِ [لغيرِ] (^٣) سؤالٍ، وقيلَ: العليا المعطِيةُ والسفلَى المانِعةُ. وقالَ قومٌ منَ المتصوفةِ: اليدُ الآخذةُ أفضلُ منَ المعطيةِ مطلقًا، قالَ ابنُ قتيبةَ: ما أَرى هؤلاءِ إلَّا قَوْمًا استطابُوا السؤالَ، فهمْ يحتجونَ للدناءةِ، ونِعْمَ ما قالَ. وقدْ وردَ التفسيرُ النبويُّ بأنَّ اليدَ العليا التي تعطي ولا تأخذُ. أخرجهُ إسحاق\n_________\n(^١) (٢/ ٢٥٦).\n(^٢) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (٢/ ٧١٧ رقم ١٠٣٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٦٩ رقم ٢٥٤٣)، وأحمد (٣/ ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤)، والدارمي (١/ ٣٨٩)، والبيهقي (٤/ ١٨٠) من طرق ..\n• وقد ورد الحديث من حديث أبي هريرة، وأبي أمامة، وجابر بن عبد الله، وطارق المحاربي وابن عمر. انظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الزكاة.\n(^٣) في (ب): \"بغير\".","vol":"4","page":61},{"text":"في مسندِه (^١) عنْ حكيمِ بن حزامٍ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ ما اليدُ العليا؟ فذكرهُ.\nوفي الحديث دليلٌ على البداءةِ بنفسهِ وعيالهِ؛ [لأنه] (^٢) الأهمُّ [فالأهم] (^٣)، وفيه أنَّ أفضلَ الصدقةِ ما بقيَ بعدَ إخراجِها صاحبُها مستغنيًا؛ إذْ معنَى أفضلُ الصدقةِ ما أبقى المتصدقُ منْ مالهِ ما يستظهرُ بهِ على حوائجهِ ومصالحهِ؛ لأنَّ المتصدقَ بجميعِ مالهِ يندمُ غالبًا، ويحبُّ إذا احتاجَ أنهُ لم يتصدقْ، ولفظُ الظهرِ كما قالَ الخطابي: [أنه] (^٤) يوردُ في مثلِ هذَا اتساعًا في الكلامِ، وقيلَ غير ذلكَ. واختلفَ العلماءُ في صدقةِ الرجلِ بجميعِ مالهِ، فقالَ القاضي عياضٌ (^٥) - ﵀ -: إنهُ جوَّزهُ العلماءُ وأئمةُ الأمصارِ، قال الطبرانيُّ (^٦): ومعَ جوازهِ فالمستحب أنْ لا يفعلَه، وأنْ يقتصرَ على الثُّلُثِ. والأَوْلى أنْ يقالَ: مَنْ تصدَّقَ بمالهِ كلِّه، وكانَ صبورًا على الفاقةِ، ولا عيالَ لهُ أو لهَ عيالٌ يصبرونَ فلا كلامَ في حسْنِ ذلكَ. ويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٧) الآيةَ، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (^٨)، ومنْ لمْ يكنْ بهذهِ المثابةِ كُرِهَ لهُ ذلكَ.\nوقولُه: (ومنْ يستعففْ) أي: عن المسألةِ يعينه اللَّهُ على العفةِ، (ومَنْ يستغنِ) بما عندَهُ ولو قلَّ (يغنهِ اللَّهُ) بإلْقَاءِ القناعةِ في قلبهِ والقُنوعِ بما عندَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-669>أفضل الصدقة جهد المقل</span>\n٥/ ٥٩٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعْولُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (^١٠)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١١) وَالْحَاكِمُ (^١٢). [صحيح]\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٢٩٨).\n(^٢) في (ب): \"لأنهم\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) ذكره النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٧/ ١٢٥).\n(^٦) في \"شرح مسلم\" (٧/ ١٢٥): (الطبري) وليس الطبراني.\n(^٧) سورة الحشر: الآية ٩.\n(^٨) سورة الإنسان: الآية ٨.\n(^٩) في \"المسند\" (٢/ ٣٥٨).\n(^١٠) في \"السنن\" (١٦٧٧).\n(^١١) في \"الإحسان\" (٨/ ١٣٤ رقم ٣٣٤٦).\n(^١٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤١٤)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، مع أن يحيى بن =","vol":"4","page":62},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: جهدُ المقلِّ، وابدأ بمنْ تعولُ. أخرجه أحمد، وأبو داودَ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وابنُ حبانَ).\nالجهدُ: بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الهاءِ، الوسعُ والطاقةُ، وبالفتحِ المشقةُ، وقيلَ: المبالغةُ والغايةُ، وقيلَ: هما لغتانِ بمعنًى، قالَ في النهايةِ (^١): أيْ: قَدْرُ ما يحتملُه القليلُ منَ المالِ وهَذَا بمعنَى حديثِ: \"سبقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ، رجلٌ لهُ درهمانِ أخذَ أحدَهما فتصدَّقَ بهِ، ورجلٌ لهُ مالٌ كثيرٌ فأخذَ منْ عرضهِ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بها\"، أخرجهُ النسائيُّ (^٢) منْ حديثِ أبي ذرٍّ، وأخرجهُ ابنُ حبانَ (^٣) والحاكمُ (^٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ.\nووجهُ الجمْع بينَ هذا الحديثِ والذي قبلَه ما [قالهَ] (^٥) البيهقيُّ ولفظُه: والجمعُ بينَ قولهِ - ﷺ -: \"خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرِ غنىً\"، [و] (^٦) قولهُ: \"أفضلُ الصدقةِ جهدُ المقلِّ\" أنهُ يختلفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ في الصبرِ على الفاقة والشدةِ والاكتفاءِ بأقلِّ الكفايةِ، وساقَ أحاديثَ تدلُّ على ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-670>بيان الأولوية في التصدق</span>\n٦/ ٥٩٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَصَدَّقُوا\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: \"تَصَدَّقْ عَلَى نَفْسِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ،\n_________\n= جعدة الراوي عن أبي هريرة لم يخرج له مسلم.\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة (٤/ ٩٩ رقم ٢٤٤٤)، والبيهقي (١/ ٤٨٠)، وإسناده صحيح.\nوللحديث شواهد كما تقدم قريبًا.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) لابن الأثير (١/ ٣٢٠).\n(^٢) لم أجده من حديث أبي ذر عند النسائي، انظر: \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٣٤٦)، و(١٠/ ٢٩٧).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ١٣٥ رقم ٣٣٤٧).\n(^٤) في \"السنن\" (٥/ ٥٩ رقم ٢٥٢٧ و٢٥٢٨).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة (٤/ ٩٩ رقم ٢٤٤٣)، والحاكم (١/ ٤١٦)، والبيهقي (٤/ ١٨١ - ١٨٢)، من طرق.\nوهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٥) في (أ): \"قال\".\n(^٦) في (أ): \"يبين\".","vol":"4","page":63},{"text":"قَالَ: \"تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"تَصَدّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ\"، قَالَ: عِنْدي آخَرُ، قَالَ: \"أنتَ أَبْصَرُ بِهِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣)، وَالْحَاكِمُ (^٤). [حسن].\n(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ - ﵁ - (قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: تصدَّقُوا، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، عندي دينارٌ، قالَ: تصدقْ بهِ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على ولدِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على خادمِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: أنتَ أبصرُ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والحاكم)، ولمْ يذكْر في هذا الحديثِ الزوجةَ. وقدْ وردتْ في صحيحِ مسلمٍ مقدمةً على الولدِ، وفيهِ أن النفقةَ على النفسِ صدقةٌ، وأنهُ يبدأُ بها، ثمَّ على الزوجةِ، ثمَّ على الولدِ، ثمَّ على العبدِ إنْ كانَ، أوْ مطلقِ مَنْ يخدمهُ، ثمَّ حيثُ [شاء] (^٥). ويأتي في النفقاتِ تحقيقُ النفقةِ على مَنْ تجبُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-671>تصدق المرأة من بيت زوجها جائز</span>\n٧/ ٥٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِذَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضِ شَيئًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح].\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٦٩١).\n(^٢) في \"السنن\" (٥/ ٦٢ رقم ٢٥٣٥).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ١٢٦ رقم ٣٣٣٧).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٤١٥) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٦٣ - ٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٥١ و٤٧١)، والبيهقي (٧/ ٤٦٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ١٩٢ رقم ١٦٨٥) و(٦/ ١٩٤ رقم ١٦٨٦).\nوالخلاصة: فهو حديث حسن، والله أعلم.\n(^٥) في (أ): \"يشاء\".\n(^٦) البخاري (١٤٤١)، ومسلم (٢/ ٧١٠ رقم ١٠٢٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٦٨٥)، والترمذي (٦٧١ و٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٦٥ رقم ٢٥٣٩)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٨/ ١٤٥ رقم ٣٣٥٨)، والبيهقي (٤/ ١٩٢)، =","vol":"4","page":64},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا أنفقتِ المرأةُ منْ طعامِ بيتِها غيرَ مفْسِدَةٍ)، كأنَّ المرادَ غيرُ مسرفةٍ في الإنفاقِ، (كانَ لها أجرُها بما أنفقتْ، ولزوجِها [أجرهُ] (^١) بما اكتسبَ، وللخازن مثل ذلكَ، لا ينقُصُ بعضُهم من أجرِ بعضٍ شيئًا. متفق عليه).\nفيهِ دليلٌ على جوازِ تصدُّقِ المرأةِ منْ بيتِ زوجِها، والمرادُ إنفاقُها منَ الطعامِ الذي لها فيهِ تصرُّفٌ بصنعته للزوجِ ومنْ يتعلقُ بهِ، بشرطِ أنْ يكونَ ذلكَ بغيرِ إضرارٍ، وأنْ لا يخلَّ بنفقتِهم، قالَ ابنُ العربيِّ (^٢) - ﵀ -: قد اختلفَ السلفُ في ذلكَ، فمنهم مَنْ أجازهُ في الشيءِ اليسيرِ الذي لا يُؤْبَهُ لهُ ولا يظهرُ بهِ النقصانُ، ومنْهم مَنْ حملَه على ما إذَا أَذِنَ الزوجُ ولو بطريقِ الإجمالِ - وهوَ اختيارُ البخاريِّ - ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ الترمذيُّ (^٣) عنْ أبي أمامةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا تنفقِ المرأةُ منْ بيتِ زوجِها إلَّا بإذنِه\"، قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ولا الطعامَ؟ قالَ: \"ذلكَ أفضلُ أموالنِا\"، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه ما أخرجهُ البخاريُّ (^٤) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: \"إذا أنفقتِ المرأةُ منْ كَسْبِ زوجِها من غيرِ أَمْرِهِ فلَها نصفُ أجرهِ\". ولعلَّه يقالُ في الجمْع بينَهما إنَّ إنفاقَها معَ إذنهِ تستحقُّ بهِ الأجرَ كاملًا، ومعَ عدم الإذنِ نصفُ الأجرِ، وإنَّ النَّهيَ عنْ إنفاقِها من غيرِ إذنِه إذا عرفتْ منهُ [القسا] (^٥) أوَ البخلَ فلا يحلُّ لها الإنفاقُ إلَّا بإذنهِ بخلافِ ما إذا عرفتْ منهُ خلافَ ذلكَ؛ جازَ لها الإنفاقُ عن غيرِ إذنهِ ولها نصفُ أجرهِ، ومنْهم مَنْ قالَ: المرادُ بنفقةِ المرأةِ والعبدِ والخادمِ النفقةُ على عيالِ صاحبِ المالِ في مصالحهِ، وهوَ بعيدٌ منْ لفظِ الحديثِ. ومنْهم مَنْ فرَّقَ بينَ المرأةِ والخازن فقالَ: المرأةُ لها حقٌّ في مالِ الزوجِ، والتصرفُ في بيتهِ، فجازَ لها أنْ تتصدقَ بخلافِ الخازن؛ فليسَ لهُ تصرُّفٌ في مالِ مولاهُ فيشتَرطُ الإذنُ فيهِ. ويُرَدُّ عليه أن المرأةَ ليسَ لها التصرفُ إلَّا\n_________\n= والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٦٩٢) و(١٦٩٣)، وعبد الرزاق رقم (٧٢٧٥) و(١٦٦١٩)، وأحمد (٦/ ٤٤ و٩٩) من طرق.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ١٧٧).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٧ رقم ٦٧٠)، وقال الترمذي: حديث حسن، وهو كما قال.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٢٩٥).\n(^٤) رقم (١٩٦٠ - البغا).\n(^٥) في (ب): \"الفقر\".","vol":"4","page":65},{"text":"في القدْرِ الذي تستحقُّهُ، وإذا تصدقتْ منهُ اختصَّتْ بأجْرِهِ، ثمَّ ظاهرهُ أنَّهم سواءٌ في الأجرِ. ويحتملُ أن المرادَ بالمثلِ حصولُ الأجرِ في الجملةِ وإنْ كانَ أجرُ المكتسبِ أوفرَ، إلا أنَّ في حديث أبي هريرةَ: \"ولها نصفُ أجرِهِ\"، فهوَ يشعرُ بالمساواةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-672>بيان أن الصدقة على الأقرب أفضل</span>\n٨/ ٥٩٨ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ - ﵁ - قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُود أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١) [صحيح].\n(وعنْ أبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - قالَ: جاءتْ زينبُ امرأةُ ابن مسعودٍ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنكَ أمْرتَ اليومَ بالصدقةِ، وكانَ عندي حُلِيٌّ لي فأردت أنْ أتصدَّقَ بهِ، فزعمَ ابن مسعودٍ أنهُ [هو] (^٢) وولده أحقُّ مَنْ أتصدَّق بهِ عليهمْ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"صدقَ ابن مسعودٍ، زوجُك وولدُك أحقُّ مَنْ تصدَّقتِ بهِ عليْهم. رواهُ البخاريُّ)، فيهِ دلالةٌ على أن الصدقةَ على مَنْ كانَ أقربَ منَ المتصدقِ أفضلُ وأَوْلَى.\nوالحديثُ ظاهرٌ في صدقةِ الواجبِ، ويحتملُ أن المرادَ بها التطوعُ، والأولُ أوضحُ، ويؤيدهُ ما أخرجهُ البخاريُّ (^٣): \"عن زينبَ امرأةِ ابن مسعودٍ أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُجْزِي عنَّا أنْ نجعلَ الصدقةَ في زوجٍ فقيرٍ وأبناء (^٤) أخ أيتام في حجورِنا؟ فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لكِ أجرُ الصدقةِ وأجرُ الصلةِ\"، وأخرجهُ أَيضًا مسلمٌ (^٥)، وهوَ أوضحُ في صدقةِ الواجبِ لقولِها: أيُجزي، ولقولهِ: صدقةٌ وصلةٌ؛ إذِ الصدقةُ عندَ الإطلاقِ [تتبادرُ] (^٦) في الواجبةِ، بهذا جزمَ المازري (^٧)، وهوَ دليلٌ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٦٢).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤٦٦).\n(^٤) في المخطوط (أ): \"وابن\" والأصوب \"وأبناء\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٦٩٤ رقم ١٠٠٠).\n(^٦) في (أ): \"تبادر\".\n(^٧) في \"المعلم\" (٢/ ١٥ - ١٦).","vol":"4","page":66},{"text":"علَى جواز صرْفِ زكاةِ المرأةِ في زوجِها وهوَ قولُ الجمهورِ (^١)، وفيهِ خلافٌ لأبي حنيفةَ (^٢)، ولا دليل يقاوِمُ النصَّ المذكورَ. ومَنِ استدلَّ لهُ بأنَّها تعودُ إليها بالنفقةِ فكأنَّها ما خرجتْ عنْها فقدْ أوردَ عليهِ أنهُ يلزمُه منعُ صرفِها صدقةُ التطوعِ في زوجِها معَ أنَّها يجوزُ صرفُها فيهِ اتفاقًا. وأما الزوجُ فاتفقُوا على أنهُ لا يجوزُ لهُ صرفُ واجبةٍ في زوجتهِ، قالُوا: لأنَّ نفقتَها واجبةٌ عليهِ فتستغني بها عن الزكاةِ، قالَه المصنفُ في الفتحِ (^٣)، وعندي في هذا الأخيرِ تَوَقُّفٌ؛ لأنَّ غِنَى المرأةِ بوجوبِ النفقةِ على زوجِها لا يصيِّرُها غنيةً، الغِنَى الذي يمنعُ منْ حلِّ الزكاةِ لها.\nوفي قولهِ: (وولدُهُ) ما يدلُّ على إجزائِها في الولدِ إلَّا أنهُ ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماعَ (^٤) على عدمِ جوازِ صرفِها إلى الولدِ، وحملُوا الحديثَ على أنهُ في غيرِ الواجبةِ، وأن الصرفَ إلى الزوجِ وهوَ المنفقُ على الأولادِ، أوْ أن الأولادَ للزوجِ ولمْ يكونُوا منها كما يُشْعِرُ بهِ ما وقعَ في روايةٍ أُخْرى: \"على زوجِها وأيتامٍ في حجرِها\"، ولعلَّهم أولادَ زوجِها سُمُّوا أيتامًا باعتبارِ اليُتْمِ منَ الأمِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-673>النهي عن المسألة</span>\n٩/ ٥٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتى يَأتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥) [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: لا يزال الرجلُ) والمرأةُ (يسألُ الناسَ) أموالَهم (حتَّى يأتيَ يومَ القيامةِ وليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ)،\n_________\n(^١) قال الصاحبان - محمد بن الحسن الشيباني، وأبو يوسف - والشافعية والمالكية على الصحيح: يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها.\n[بدائع الصناع (٢/ ٤٠)، واللباب (١/ ٤٠٣ - ٤٠٥)، والمنتقى للباجي (٢/ ١٥٦)، وفتح الباري (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠).\n(^٢) قال أبو حنيفة والحنابلة على الراجح: لا يجوز دفع الزوجة إلى زوجها زكاتها.\nالشرح الكبير (٢/ ٧١٣ - وهو بذيل المغني)، واللباب (١/ ٤٠٣ - ٤٠٥).\n(^٣) (٣/ ٣٣٠).\n(^٤) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٥١ رقم ١١٨).\n(^٥) البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (٢/ ٧٢٠ رقم ١٠٤).","vol":"4","page":67},{"text":"بضمِّ الميمِ، وسكونِ الزاي، فعينٍ مهملةٍ، (لحم. متفقٌ عليه).\nالحديثُ دليلٌ على قبْحِ كثرةِ السؤالِ، وأنَّ كلَّ مسألةٍ تُذْهِبُ منْ وجهِه قطعةَ لحمٍ حتَّى لا يبقَى فيهِ شيءٌ، لقولهِ: لا يزالُ، ولفظُ الناسِ عامٌّ مخصوصٌ بالسلطانِ كما يأتي. والحديثُ مُطْلَقٌ في قُبْحِ السؤالِ مطلقًا، وقيدَهُ البخاريُّ بمَنْ يسألُ تكثُّرًا كما يأتي، يعني: مَنْ سألَ وهوَ غنيٌّ فإنهُ ترجمَ لهُ: ببابِ (^١) مَنْ سأَلَ تكثُّرًا لا مَنْ سألَ لحاجةٍ؛ فإنهُ يباحُ لهُ ذلكَ، ويأتي قريبًا بيانُ الغنَى الذي يمنعُ منَ السؤالِ، قالَ الخطابي: معنَى قولهِ: \"وليسَ في وجههِ مزعةُ لحمٍ\"، يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ يأتي ساقطًا لا قدرَ لهُ ولا جاهَ، أو يعذبُ في [وجهه] (^٢) حتَّى يسقطَ لحمُه عُقُوبَةً لهُ في موضعِ الجنايةِ؛ لكونهِ أذلَّ وجهَه بالسؤالِ، وأنهُ يُبْعَثُ ووجههُ عَظْمٌ ليكونَ ذلكَ شعارَهُ الذي يُعْرَفُ بهِ. ويؤيدُ الأولَ ما أخرجهُ الطبرانيُّ (^٣)، والبزارُ (^٤) منْ حديثِ مسعودِ بن عمروٍ: \"لا يزالُ العبدُ يسألُ وهوَ غنيٌّ حتَّى يَخْلَقَ وجههُ، فلا يكونُ لهُ عندَ اللهِ وَجْهٌ\"، وفيهِ أقوالُ أُخَرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-674>[النهي عن كثرة المسألة]</span>\n١٠/ ٦٠٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ يسألِ الناسَ أموالَهم تكثرًا، فإنَّما يسألُ جَمْرًا، فليستقلَّ أو لِيستكثرْ. رواهُ مسلمٌ). قالَ ابنُ العربيِّ ﵀: إنَّ قولَهُ: \"فإنَّما يسألُ جَمْرًا\" معناهُ: أنهُ يعاقبُ بالنارِ، ويحتملُ أنْ يكونَ حقيقةً أي: أنهُ يصيرُ ما يأخذُه جَمْرًا يُكْوَى بهِ كما في مانعِ الزكاةِ، وقولهُ: \"فليستقلَّ\" أمرٌ للتهكمِ، ومثلُهُ ما عطفَ عليهِ، أو للتهديدِ منْ بابِ (اعملُوا ما شئْتُم)، وهوَ مُشْعِرٌ بتحريمٍ السؤالِ للاستكثار.\n_________\n(^١) برقم (٥٢) (٣٣٨).\n(^٢) في (أ): \"جهنم\".\n(^٣) في الكبير - كما في \"المجمع\" (٣/ ٩٦).\n(^٤) في \"الكشف\" (١/ ٤٣٤ رقم ٩١٩).\nوقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في \"الكبير\"، وفيه محمد بن أبي ليلى وفيه كلام.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢/ ٧٢٠ رقم ١٠٤١).","vol":"4","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-675>[الترغيب في الأكل من عمل اليد]</span>\n١١/ ٦٠١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأَتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ الزبيرِ بن العوَّامِ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: لأَنْ يأخذَ أحدُكم حبلَه، فيأتي بحزمةٍ من الحطبِ على ظهرهِ، فيبيعَها، فيكفَّ الله بها) أي: بقيمتها (وجهَهُ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يسألَ [الناس] (^٢) أعطَوْهُ أو منعُوهُ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ الذي قبلَه عليهِ منْ قبحِ السؤالِ معَ الحاجةِ، وزادَ بالحثِّ على [الاكتسابِ] (^٣)، ولو أدخلَ على نفسهِ المشقةَ؛ وذلكَ لما يدخلُ السائلُ على نفسهِ منْ ذلِّ السؤالِ وذلةِ الردِّ إنْ لمْ يعطِهِ المسؤولُ؛ ولما يدخلُ على المسؤولِ منَ الضّيقِ في مالهِ إنْ أعطَى كلَّ مَنْ يسألُ. وللشافعيةِ وجهانِ في سؤالِ مَنْ لهُ قدرةٌ على التكسبِ، أصحُّهما أنهُ حرام لظاهرِ الأحاديثِ، والثاني أنهُ مكروهٌ بثلاثةِ شروط: [أنهُ] (^٤) لا يذلُّ نفسَه، ولا يلحُّ في السؤالِ، ولا يؤذي المسؤولَ، فإنْ فقدَ أحدها فهوَ حرامٌ بالاتفاقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-676>[المسألة كدٌّ يكَدُّ بها الرجل وجهه]</span>\n١٢/ ٦٠٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكَدُّ بِهَا الرّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ في أَمْرٍ لَا بُدّ مِنْهُ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ سمُرةَ بن جندب - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: المسألةُ كدٌّ يَكَدُّ بها الرجل وجهَهُ، إلَّا أن يسألَ الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ. رواة الترمذيُّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٧١).\n(^٢) لم تكن في المخطوط (أ).\n(^٣) في (أ): \"الكسب\".\n(^٤) في (أ): \"أن\".\n(^٥) في \"السنن\" (٦٨١) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٦٣٩)، والنسائي (٥/ ١٠٠)، وهو حديث صحيح.","vol":"4","page":69},{"text":"وصحَّحهُ)، أي: سؤالُ الرجلِ أموالَ الناسِ كدٌّ بفتح الكاف، أي: خدْشٌ، وهوَ الأثرُ. وفي روايةٍ كُدوحٌ بضمِّ الكافِ، [وإن سأله] (^١) منَ السلطانِ فإنهُ لا مذمَّةَ فيهِ؛ لأنهُ إنَّما يسألُ مما هوَ حقٌّ لهُ في بيتِ المالِ، ولا منَّةَ للسلطانِ على السائلِ؛ لأنهُ وكيلٌ، فهوَ كسؤالِ الإنسانِ وكيله أنْ يعطيهُ منْ حقِّه الذي لديهِ، وظاهرهُ أنهُ وإنْ سألَ السلطانَ تكثُّرًا فإنهُ لا بأسَ (^٢) فيهِ، لأنهُ جعلهُ قسيمًا للأمرِ الذي لا بدَّ منهُ.\nوقدْ فسَّرَ الأمرَ الذي لا بدَّ منهُ حديثُ قبيصةَ، وفيهِ: \"لا يحلُّ السؤالُ إلَّا لثلاثةٍ: ذي فقرٍ مدقعٍ، أو دمٍ موجعٍ، أو غُرْمٍ مفظعٍ\" (^٣) الحديثَ.\nوقولُه: (أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ) أي: لا يتمُّ لهُ حصولُه مع ضرورتِهِ إلَّا بالسؤال.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"وأما سؤاله\".\n(^٢) هذا يخالف ما قرَّره في \"منحة الغفار حاشية ضوء النهار\": أنه ليس له السؤال إلا ليبلغ به ما جوز له فيه، ثم يكون ممن سأل إلحافًا. فراجع ذلك من خط العلامة محمد بن عبد الملك الأنسي ﵀. (من المخطوط أ).\n(^٣) أخرج هذا اللفظ أحمد (٣/ ١١٤، ١٢٧) وأبو داود رقم (١٦٤١) من حديث أنس، أما حديث قبيصة فقد أخرجه مسلم (٢/ ٧٢٢ رقم ١٠٩/ ١٠٤٤)، والبغوي في شرح السنة\" (٦/ ١٢٤ رقم ١٦٢٦)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٥/ ٨٩ رقم ٢٥٨٠) و(٥/ ٩٦ رقم ٢٥٩١)، والبيهقي (٥/ ٢١، ٢٣)، وأحمد (٣/ ٤٧٧) و(٥/ ٦٠) من طرق.\nوسيأتي برقم (٣/ ٦٠٥) من كتابنا هذا.","vol":"4","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-677>[الباب الثالث] بابُ قسمةِ الصدقاتِ أي قسمةُ اللهِ للصدقاتِ بينَ مصارِفها</span>\n<span data-type='title' id=toc-678>[حدُّ الغني الذي يمتنع به أخذ الصدقة]</span>\n١/ ٦٠٣ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لغَنيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيهَا، أَوْ رَجُلٍ اشتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَو غَازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مسْكِينٍ تُصُدِّقَ علَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنيٍّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأبُو دَاوُدَ (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤)، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (^٥). [صحيح].\n(عنْ أبي سعيدِ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلَّا\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٥٦).\n(^٢) في \"السنن\" (١٦٣٦).\n(^٣) في \"السنن\" (١٨٤١).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٠٩ رقم ٧١٥١)، وابن الجارود رقم (٣٦٥) والدارقطني (٢/ ١٢١ رقم ٣ و٤)، والبيهقي (٧/ ١٥) وابن خزيمة (٤/ ٧١ رقم ٢٣٧٤)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٩٦ - ٩٧) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عنه.\n(^٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٦٨ رقم ٢٩)، ومن طريقه أبو داود (١٦٣٥)، والحاكم (١/ ٤٠٨)، والبيهقي (٧/ ١٥)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٩٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٨٩ رقم ١٦٠٤) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي - ﷺ - مرسلًا. وخلاصة القول: أن الحديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" رقم (٨٧٠).","vol":"4","page":71},{"text":"لخمسةٍ: لعاملٍ عليْها، أو رجلٍ اشتراها بمالهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ اللهِ، أو مسكينٍ تصُدِّقَ عليهِ منها، فأهدَى منْها لغنيٍّ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، وصحَّحهُ الحاكمُ، وأُعِلَّ بالإرسالِ). ظاهرهُ إعلالُ ما أخرجهُ المذكورونَ جميعًا. وفي الشرحِ أنَّ التي أُعِلَّتْ بالإرسالِ روايةُ الحاكمِ التي حكم بِصِحَّتِها. وقولُه: لغني، قد اختلفتِ الأقوالُ في حدِّ الغنَى الذي يحرُمُ بهِ قبضُ الصدقةِ على أقوالٍ، وليسَ عليها ما تسكنُ له النفسُ منَ الاستدلالِ؛ لأنَّ المبحثَ ليسَ لغويًا حتى يُرْجَعَ فيهِ إلى تفسيرِ لغةٍ؛ ولأنهُ في اللغةِ أمرٌ نسبيٌّ لا يتعينُ في قدرٍ. وقد وردتْ أحاديثُ معينةٌ لقدرِ الغنَى الذي يحرمُ بهِ السؤالُ كحديثِ أبي سعيدٍ عندَ النسائيِّ (^١): \"مَنْ سألَ ولهُ أوقيةٌ فقدْ ألحفَ\"، وعندَ أبي داودَ (^٢): \"مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أوقيةٌ أَوْ عَدْلُها فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا\"، وَأخرَجَ أيْضًا (^٣): \"مَنْ سألَ ولهُ ما يغنيهِ [فإنما] (^٤) يستكثرُ منَ النارِ. قالُوا: وما يُغنيه؟ قالَ: قدرُ ما يعشِّيهِ ويغدِّيهِ\" صحّحهُ ابنُ حبانَ (^٥)، فهذَا قدرُ الغنَى الذي يحرمُ معهُ السؤالُ. وأما الغِنَى الذي يحرُمُ معهُ قبضُ الزكاةِ فالظاهرُ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الزكاةُ؛ وهوَ مَنْ يملكُ مائتي درهمٍ، لقولِه - ﷺ -: \"أُمرِتُ أنْ آخذَها منْ أغنيائكم، وأردَّها في فقرائِكم\" (^٦)، فقابلَ بين الغَنِيِّ، وأفادَ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الصدقةُ، وبَيَّنَ الفقيرَ وأخبرَ أنهُ مَنْ تردُ فيهِ الصدقةُ، هذا أقربُ ما يقالُ فيه، وقدْ بيَّنَاهُ في رسالةِ: \"جوابِ سؤالٍ\" (^٧).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٥/ ٩٨ رقم ٢٥٩٥).\n(^٢) في \"السنن\" (١٦٢٨)، وهو حديث حسن.\n(^٣) في \"السنن\" (١٦٢٩) عن أبي كبشة السلولي، حدثنا سهل بن الحنظلية قال: قدم على رسول الله - ﷺ - عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألا، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا، فأما الأقرع فأخذ كتابه، فلفَّه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه وأتى النبي - ﷺ - مكانه، فقال: يا محمد، أتراني حاملًا إلى قومي كتابًا لا أدري ما فيه .... الحديث.\n(^٤) في (أ): \"فإنه\".\n(^٥) في \"الإحسان\" (٨/ ١٨٧ رقم ٣٣٩٤). وهو حديث صحيح.\n(^٦) تقدم تخريجه في شرحِ الحديث رقم (٤/ ٥٩٠) من كتابنا هذا.\n(^٧) وهي: \"جواب سؤال في أخذ الأجرة على الصلاة والأذان\". مجموع (٧)، من الصفحة (١٩٣ - ١٩٦). مخطوط.","vol":"4","page":72},{"text":"وأفادَ حديثُ البابِ حلَّها للعاملِ عليها وإنْ كانَ غنيًا؛ لأنهُ يأخذُ أجرَه على عملهِ لا لفقرِه، وكذلكَ من اشتراها بمالهِ فإنَّها قدْ وافقتْ مصرفَها، وصارتْ ملكًا لهُ، فإذَا باعَها فقدْ باعِ ما ليس بَزكاةِ حينَ البيعِ، بلْ ما هوُ مِلْكٌ لَهُ، وكذلكَ الغارمُ [تحل له] (^١) وإنْ كان غنيًا، وكذلكَ الغازي يحلُّ لهُ أنْ يتجهَّزَ منَ الزكاةِ وإنْ كان غنيًا، لأنهُ ساعٍ في سبيلِ اللَّهِ. قالَ الشارحُ ﵀: ويلحقُ بهِ مَنْ كانَ قائمًا بمصلحةٍ عامةٍ مِنْ مَصَالِحِ المُسلمينَ كَالقَضَاءِ، وَالإفِتْاءِ، وَالتَّدرِيسِ، وَإنْ كَان غَنيًّا، وَأَدخَلَ أبُو عُبَيْدٍ مَنْ كانَ في مصلحةٍ عامةٍ في العاملين، وأشارَ إليه البخاريُّ حيثُ قالَ: (بابُ رزقِ الحاكمِ والعاملينَ عليها)، وأرادَ بالرزقِ ما يرزقُهُ الإمامُ منْ بيتِ المالِ لمنَ يقومُ بمصالحِ المسلمينَ، كالقضاءِ، والفُتيا، والتدريس، فلهُ الأخذُ منَ الزكاةِ فيما يقومُ به مدةَ القيامِ بالمصلحةِ، وإنْ كان غنيًا. قالَ الطبريُّ: إنهُ ذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ أخذ القاضي الأجرةَ على الحكمِ؛ لأنهُ يشغلُه الحكمُ عن القيام بمصالحهِ. غيرَ أن طائفةً مِنَ السلفِ كرِهُوا ذلكَ ولمْ يحرِّموهُ. وقالتْ طائفةٌ: أخْذ الرزقِ على القضاءِ إنْ كانتْ جهةُ الأخذِ مِنَ الحلالِ كانَ جائزًا إجماعًا، ومَنْ تركهُ فإنَّما تركهُ تورُّعًا، وأما إذا كانتْ هناكَ شبهةٌ فالأَوْلى التركُ. ويحرمُ إذا كانَ المالُ يُؤْخَذُ لبيتِ المالِ منْ غيرِ وجههِ. واختُلِفَ إذا كانَ الغالبُ حرامًا. وأما الأخذُ من المتحاكمينَ ففي جوازهِ خلافٌ، ومَنْ جوَّزَهُ فقدْ شرَطَ لهُ شرائطَ، ويأتي ذكرُ ذلكَ في بابِ القضاءِ، وإنما لمَّا تعرَّضَ لهُ الشارحُ ﵀ هنا تعرَّضْنا لهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-679>[تحريم الصدقة على الغني]</span>\n٢/ ٦٠٤ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ﵁، أَنْ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: \"إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنيٍّ، وَلَا لِقَوِيِّ مُكْتَسِبٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَقَوّاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَالنَّسَائِيُّ (^٤). [صحيح].\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٢٢٤).\n(^٣) في \"السنن\" (١٦٣٣).\n(^٤) في \"السنن (٥/ ٩٩ - ١٠٠ رقم ٢٥٩٨). =","vol":"4","page":73},{"text":"(وعنْ عبيدِ اللهِ بن عديِّ بن الخيارِ) (^١) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، فمثناةِ تحتيةٍ آخرهُ راءٌ، وعبيدُ اللهِ يقالُ: إنهُ وُلدَ عَلى عهدِ رسُولِ اللهِ - ﷺ -، يعدُّ في التابعينَ، رَوَى عنْ عمرَ وعثمانَ وغيرِهما، (أن رجلينِ حدَّثَاهُ أنَّهما أتيا رسولَ اللهِ - ﷺ - يسألانِه منَ الصدقةِ، فقلَّبَ النظرَ فيهما)، [فسَّرتْ] (^٢) ذلكَ الروايةُ الأُخرى، فرفعَ فينا النظرَ وخفَّضَه، (فرآهُما جلْدَيْنِ فقالَ: إنْ شئتُما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكْتَسِبٍ. رواهُ أحمدُ، وقوَّاهُ أبو داودَ والنسائيُّ)، قالَ أحمدُ بن حنبلٍ (^٣): ما أجودَهُ منْ حديثٍ، وقولُه: إن شئتُما، أي: أن أخْذَ الصدقةِ ذلّةٌ، فإنْ رضيتُما بها أعطيتُكما، أو أنَّها حرامٌ على الجَلْدِ، فإنْ شئتُما تناولُ الحرامِ أعطيتُكما، قالهُ توبيخًا وتغليظًا. والحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الصدقةِ على الغنيِّ، وهو تصريحٌ بمفهومِ الآيةِ، وإنِ اختُلِفَ في تحقيقِ الغنيِّ كما سلفَ، وعلى القويِّ المكتسبِ؛ لأن حرفتَه صيَّرتْهُ في حكم الغنيِّ، ومَنْ أجازَ له تأوَّلَ الحديثَ بما لا يقبلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-680>[تحريم المسألة إلا لثلاثة]</span>\n٣/ ٦٠٥ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَاليِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذِوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤)، وَأَبُو\n_________\n= قلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ١١٩ رقم ٧)، والبيهقي (٧/ ١٤) وغيرهم.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٠١): \"قال صاحب \"التنقيح\": حديث صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد - ﵁ -: ما أجوده من حديث، وهو أحسنها إسنادًا\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، كما قال صاحب \"التنقيح\"، والألباني في \"الإرواء\" (رقم ٨٧٦).\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٢ - ٣٣ رقم ٦٧).\n(^٢) في (أ): \"فسَّرَهُ\".\n(^٣) ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٤٠١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٠٩/ ١٠٤٤).","vol":"4","page":74},{"text":"دَاوُدَ (^١)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح].\n(وعنْ قبيصةَ) (^٤) بفتحِ القافِ، فموحدةٍ مكسورةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ فصادٍ مهملةٍ (ابن مخارقٍ) بضمِّ الميمِ، فخاءٍ معجمةٍ، فراءٍ مكسورةٍ بعدَ الألفِ فقافٍ (الهلاليِّ)، وفدَ علىَ النبيِّ - ﷺ -، عِدَادُهُ في أهلِ البصرةِ، رَوَى عنهُ ابنهُ فطنُ وغيرُه (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إن المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٍ) بالكسرِ بدلًا منْ ثلاثةٍ، ويصحُّ رفعهُ بتقديرِ أحدُهم (تحمَّلَ حَمَالة) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وهوَ المالُ يتحمَّلُه الإنسانُ عنْ غيرهِ، (فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَها، ثمَّ يمسكُ، ورجلٌ أصابتْه جائحةٌ) أي: آفةٌ (اجتاحتْ) أي أهلكتْ (مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ ما يقومُ بحاجتهِ، وسدِّ خلتهِ (منْ عيشٍ، ورجلٍ أصابْته فاقةٌ) أي: حاجةٌ (حتى يقومَ ثلاثةٌ منْ ذوي الحِجَى) بكسرِ المهملةِ، والجيمِ مقصورٌ العقلُ (منْ قومهِ)، لأنَّهم أخبرُ بحالهِ، يقولونَ أو قائلينَ: (لقدْ أصابتْ فلانًا فاقةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ (منْ عيشٍ، فما سواهنَّ منَ المسألةِ يا قبيصة سحتٌ) بضمِّ السينِ المهملةِ، (يأكلُها) أي: الصدقةَ أُنِّثَ؛ لأنهُ جعلَ السحتَ عبارةً عنْها، وإلا فالضميرُ لهُ، (سحتًا) السحتُ: الحرامُ الذي لا يحلُّ كسبهُ؛ لأنهُ يسحتُ البركةَ أي: يُذْهِبُها، (رواهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ دليلٌ على أنَّها تحرمُ المسألةُ إلا لثلاثةٍ:\nالأولُ: لمنْ تحمَّلَ حمالةً، وذلكَ أنْ يتحمَّلَ الإنسانُ عنْ غيرهِ دَيْنًا، أوْ ديةٌ، أوْ يصالحُ بمالٍ بينَ طائفتينِ؛ فإنَّها تحلُّ لهُ المسألةُ. وظاهرهُ وإنْ كانَ غنيًا،\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٦٤٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٦٥ رقم ٢٣٦٠).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ٨٥ - ٨٦ رقم ٣٢٩١).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (٢٠٠٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٣٧٠ رقم ٩٤٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٦٢٥)، وأحمد (٣/ ٤٧٧) و(٥/ ٦٠)، والحميدي رقم (٨١٩)، والدارمي (١/ ٣٩٦)، والنسائي (٥/ ٨٩) و(٥/ ٩٦، ٩٧)، والدارقطني (٢/ ١١٩ و١٢٠)، وابن الجارود رقم (٣٦٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧ - ١٨ و١٩) وابن أبي شيبة (٣/ ٢١٠ - ٢١١)، وأبو داود الطيالسي \"منحة المعبود\" رقم (٨٣٤)، وأبو عبيد في \"الأموال\" رقم (١٧٢١) و(١٧٢٢). من طرق ....\n(^٤) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣١٤ رقم ٦٣٤).","vol":"4","page":75},{"text":"فإنهُ لا يلزمهُ تسليمهُ منْ مالهِ، وهذَا هوَ أحدُ الخمسةِ الذينَ يحلُّ لهمْ أخذُ الصدقةِ وإنْ كانُوا أغنياءَ كما سلفَ في حديثِ أبي سعيدٍ (^١).\nوالثاني: مَنْ أصابَ مالَهُ آفةٌ سماويةٌ أو أرضيةٌ، كالبرَدِ والغرقِ ونحوِه، بحيثُ لمْ يبقَ لهُ ما يقومُ بعيشهِ؛ حلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يحصلَ لهُ ما يقومَ بحالهِ ويسدَّ خلَّتَهُ.\nوالثالث: مَنْ أصابته فاقةٌ، ولكنْ لا تحلُّ لهُ المسألةُ إلَّا بشرطٍ أنْ يشهدَ لهُ - منْ أهلِ بلدِه لأنَّهم أخبرُ بحالهِ - ثلاثةٌ منْ ذوي العقولِ، لا مَنْ غلبَ عليهِ الغباوةُ والتغفيلُ، وإلى كونِهم ثلاثةً ذهبتِ الشافعيةُ للنصِّ فقالُوا: لا يقبلَ في الإعسارِ أقلُّ منْ ثلاثةٍ. وذهبَ غيرُهم إلى كفايةِ الاثنينِ قياسًا على سائرِ الشهاداتِ، وحملُوا الحديثَ على الندبِ. ثمَّ هذا محمولٌ على مَنْ كانَ معروفًا بالغِنَى ثم افتقرَ، أمَّا إذا لمْ يكنْ كذلكَ فإنهُ يحلُّ لهُ السؤالُ، وإنْ لمْ يشهدُوا لهُ بالفاقةِ يقبلُ قولُه. وقد ذهبَ إلى تحريمِ السؤالِ ابنُ أبي ليلَى، وأنَّها تسقطُ بهِ العدالةُ. والظاهرُ منَ الأحاديثِ تحريمُ السؤالِ إلَّا للثلاثةِ المذكورينَ، أو أنْ يكونَ المسؤولُ السلطانَ كما سلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-681>[الصدقة لا تحل للنبي - ﷺ - ولا لآله]</span>\n٤/ ٦٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ\".\nوَفي رِوَايَةِ: \"وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمّد\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ المطلبِ بن ربيعةَ بن الحارث)، بن عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، سكنَ المدينةَ ثمَّ تحولَ عنْها إلى دمشقَ، وماتَ بها سنةَ اثنتينِ وستينَ، وكانَ قدْ أَتَى إلى\n_________\n(^١) رقم (١/ ٦٠٣) من كتابنا هذا.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٦٧، ١٦٨/ ١٠٧٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ٣٨٦ رقم ٢٩٨٥)، والنسائي (٥/ ١٠٥ - ١٠٦ رقم ٢٦٠٩)، وأبو عبيد (رقم: ٨٤٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٧)، والبيهقي (٧/ ٣١)، وأحمد (٤/ ١٦٦) عن المطلب بن ربيعة بن الحارث.","vol":"4","page":76},{"text":"رسولِ اللهِ - ﷺ - يطلبُ منهُ أنْ يجعلَهُ عاملًا على بعضِ الزكاةِ، فقالَ لهُ رسول اللهِ - ﷺ - الحديثَ، وفيهِ قصةٌ، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هو أوساخُ الناس). هوَ بيانٌ لعلةِ التحريمِ، (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عنْ عبدِ المطلبِ: (فإنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ. رواه مسلمٌ)؛ فأفادَ أن لفظَ لا تنبغي أرادَ بهِ لا تحلُّ فيفيدُ التحريمَ أيضًا. وليْسَ لعبدِ المطلبِ المذكورِ في الكتبِ الستةِ غيرُ هذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الزكاةِ على محمدٍ - ﷺ - وعلَى آلهِ، فأمَّا عليه - ﷺ - فإنهُ إجماعٌ، وكذا ادَّعَى الإجماعَ على حرمتِها على آله أبو طالبٍ، وابنُ قدامةَ (^١). ونقلَ [جوازٌ] (^٢) عنْ أبي حنيفةَ (^٣). وقيلَ: إنْ مُنِعُوا خمسَ الخمسِ، والتحريمُ هوَ الذي دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ، ومَنْ قالَ بخلافِها قالَ متأوِّلًا لها ولا حاجةَ للتأَويل، وإنما يجبُ التأويلُ إذا قامَ على الحاجةِ إليهِ دليلٌ، والتعليلُ بأنَّها أوساخُ الناسِ قاضٍ بتحريمِ الصدقةِ الواجبةِ عليهم لا النافلةِ؛ لأنَّها هي التي يطهرُ بها مَنْ يخرجُها كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (^٤)، إلَّا أن الآيةَ نزلتْ في صدقةِ النفلِ كما هوَ معروفٌ في كتبِ التفسيرِ. وقدْ ذهبَ طائفةٌ إلى تحريمِ صدقةِ النفل أيضًا على الآلِ، واختْرنَاهُ في حواشي ضوء النهارِ (^٥) لعمومِ الأدلةِ، وفيهِ أنهُ - ﷺ - كرَّمَ آلَهُ عنْ أنْ يكونُوا محلًّا للغُسالةِ، وشرَّفَهم عنها، وهذهِ هي العلةُ المنصوصةُ. وقدْ وردَ التعليلُ عندَ\n_________\n(^١) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٧٢ - ١٧٣)، و\"الشرح الكبير\" وهو بذيل المغني (٢/ ٧٠٩).\n(^٢) في (ب): \"الجواز\".\n(^٣) \"نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي ونقله بعض المالكية عن الأبهري. قال في \"الفتح\": وهو وجه لبعض الشافعية، وحكى فيه أيضًا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم، وحكاه في البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والإمامية. وحكاه في الشفاء عن ابني الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ: وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، جواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع … \" اهـ، \"نيل الأوطار\" (٤/ ١٧٢).\nوانظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ٤٧٤ - ٤٧٥)، و\"المحلَّى\" رقم المسألة (١٦٤٣).\n(^٤) سورة التوبة: الآية ١٠٣.\n(^٥) للجلال (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤ رقم الحاشية \"٢\").","vol":"4","page":77},{"text":"أبي نعيمٍ مرفوعًا: بأنَّ لهمْ في خمسِ الخمسِ ما يكفيهم ويغنيْهم، فهما علَّتانِ منصوصتانِ، ولا يلزمُ في منعهم الخُمُسَ أنْ تحلَّ لهم؛ فإنَّ مَنْ مَنَعَ الإنسانَ عن مالهِ وحقِّه لا يكونُ منعُه له محلِّلًا مَا حُرِّمَ عليه. وقدْ بسَطْنا القولَ في رسالةٍ مستقلةٍ (^١). وفي المرادِ بالآلِ خلافٌ، والأقربُ ما فسَّرَهم بهِ الراوي وهوَ زيدُ بنُ أرقمَ بأنَّهم: آلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عقيلٍ، انتهَى.\nقلتُ: ويريدُ وآلُ الحارثِ بن عبدِ المطلبِ لهذا الحديثِ، فهوَ تفسيرُ الراوي، وهوَ مقدَّمٌ على تفسيرِ غيرهِ، فالرجوعُ إليه [من تفسير] (^٢) آل محمدٍ هُنَا هوَ الظاهرُ؛ لأنَّ لفظَ الآلِ مشتركٌ، وتفسيرُ راويهِ دليلٌ على المرادِ منْ معانيهِ، فهؤلاءِ الذينَ فسَّرهم بهِ زيدُ بنُ أرقمَ وهوَ في صحيحِ مسلمٍ (^٣). وأمَّا تفسيرُهم هنا ببني هاشمٍ اللازمُ منهُ دخولُ مَنْ أسلمَ منْ أولادِ أبي لهبٍ ونحوِهم، فهوَ تفسيرٌ بخلاف تفسير الراوي، وكذلكَ يدخلُ في تحريمِ الزكاةِ عليهمْ بنُو المطلبِ بن عبدِ منافٍ كما يدخلونَ معَهم في قسمةِ الخمسِ كما يفيدُهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-682>[من هم آل النبي - ﷺ - الذين لا تحل لهم الصدقة؟]</span>\n٥/ ٦٠٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَني الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّما بَنُو الْمُطَّلِبِ وبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ\"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ (^٤). [صحيح].\nوهوَ قَولهُ: (وعَنْ جبيرِ) بضمِّ الجيمِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الياءِ التحتيةِ (ابن مطعمٍ) بضمِّ الميمِ، وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العين المهملةِ، ابن نوفلِ بن عبدِ منافٍ القرشيِّ، أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ،\n_________\n(^١) وهو بعنوان: \"حل العقال عما في رسالة الزكاة للجلال من إشكال\" بتحقيقنا.\n(^٢) في (ب): \"في تفسير\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣١٤٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣١٤٠)، وطرفاه رقم (٣٥٠٢) و(٤٢٢٩)، وأحمد (٤/ ٨١، ٨٣، ٨٥)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (رقم: ٨٤٣)، وأبو داود (٢٩٧٨)، والنسائي (٧/ ١٣٠ رقم ٤١٣٦)، وابن ماجه رقم (٢٨٨١)، والبيهقي (٦/ ٣٤١) وغيرهم.","vol":"4","page":78},{"text":"وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ عفانَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقلْنا: يا رسول اللهِ، أعطيتَ بني المطَّلبِ منْ خُمسِ خبيرَ وتركْتَنَا ونحنْ وهمْ بمنزلةِ واحدةٍ؟ فقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّما بنُو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ) المرادُ ببني هاشم: آلُ جعفر، وآل عليٍّ، وآلُ عقيل، وآلُ العباسِ، وآلُ الحارثِ، ولمْ يُدخِلْ آلَ أبي لهبٍ في ذلكَ؛ لأنهُ لم يسلمْ في عصرِهِ - ﷺ - منهم أحدٌ، وقيلَ: بلْ أسلمْ منْهم [عتبةُ] (^١) ومعتبٌ ابنا أبي لهب، وثبتَا معهُ - ﷺ - في حنين (شيءٌ واحدٌ. رواهُ البخاريُّ).\nالحديثُ دليلٌ على أن بني المطَّلبِ يشاركونَ [بني هاشم] (^٢) في سهمٍ ذوي القُربى، وتحريمِ الزكاةِ أيضًا دونَ مَنْ عداهُم وإنْ كانُوا في النسبِ سواءً، وعلَّلَهُ - ﷺ - باستمرارهم على المُوَالَاةِ كما في لفظٍ آخرَ تعليلُه: \"بأنَّهم لم يفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ\"، [وصاروا] (^٣) كالشيءِ الواحدِ في الأحكامِ، وهوَ دليلٌ واضحٌ في ذلكَ، وذَهَبَ إليهِ الشافعيُّ (^٤)، وخالفَهُ الجمهورُ (^٥) وقالُوا: إنهُ - ﷺ - أعطاهُم على جهةِ التفضلِ لا الاستحقاقِ، وهوَ خلافُ الظاهر، بلْ قولُه شيءٌ واحدٌ دليلٌ أنهَّم [مشتركون] (^٦) في استحقاقِ الخمسِ وتحريمِ الزكاةِ.\n(واعلمْ) أن بني المطلبِ همْ أولادُ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وجبيرِ بن مطعمٍ منْ أولادِ نوفلِ بن عبدِ منافٍ، وعثمانُ منْ أولادِ عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، فبنُو المطلبِ، وبنُو عبدِ شمسٍ، وبنُو نوفلِ أولادُ عمٍّ في درجةٍ واحدةً؛ فلذا قال عُثمانُ وجُبير بنُ مُطعِمٍ للنبيِّ - ﷺ - إِنَّهم وبنو المطَّلب بمنزِلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أبناءُ عمٍّ.\n(واعلم) أنه كان لعبد مناف أربعة أولاد: هاشم، والمطَّلب، ونوفل، وعبد شمس، ولهاشم من الأولادِ عبد المطّلب، وصيفي، وأبو صيفي، وأسد، ولعبد المطَّلبِ من الأولاد عبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، والحارث، وعبد العُزَّى، ومحل، ومقوم، والفيداق، وضرار، وزبير.\n_________\n(^١) في (أ): عقبة وهو خطأ.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"فصاروا\".\n(^٤) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٢٢٦ - ٢٢٨).\n(^٥) انظر: \"الفقه وأدلته\" للزحيلي (٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤).\n(^٦) في (ب): \"يشاركون\".","vol":"4","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-683>[حكم موالي آل محمد حكمهم في تحريم الصدقة]</span>\n٦/ ٦٠٨ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَني مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبي رَافِعٍ: اصْحَبْني، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتى آتيَ النَّبيَّ - ﷺ -، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: \"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفسِهِمْ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالثَّلَاثَةُ (^٢)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي رافعٍ) هو أبو رافعٍ مولَى رسولِ اللهِ - ﷺ - قيلَ: اسمُه إبراهيمَ، وقيلَ: هرمزُ، وقيلَ: كان للعباسِ فوهبَهُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -، قلما أسْلمَ العباسُ بشَّرَ أبو رافعٍ رسولَ اللهِ - ﷺ - بإسلامهِ فأعتقه. ماتَ في خلافةِ عليٍّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (^٥).\n(أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ رجلًا على الصدقةِ) أي: على قبضِها (منْ بني مخزومٍ) اسمُه الأرقمُ (فقالَ لأبي رافعٍ: اصحبني فإنكَ تصيبُ منْها، فقالَ: حتَّى آتيَ النبيَّ - ﷺ -، فأتاة فسألَهُ فقالَ: مولى القوم مِنْ أنفسِهم، وإنَّها لا تحلُّ لنا الصدقةُ. رواهُ أحمدُ، والثلاثةُ، وابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ).\nالحديثُ دليلٌ على أنَّ حكمَ موالي آلِ محمدٍ - ﷺ - حكمْهم في تحريمِ الصدقةِ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ في التمهيدِ (^٦): إنهُ لا خلافَ بينَ المسلمينَ في عدمِ حلِّ الصدقةِ للنبي - ﷺ -، ولبني هاشمٍ، ولمواليهِمْ انتهَى. وذهبتْ جماعةٌ إلى عدم تحريمِها عليهمْ لعدمِ المشاركةِ في النسبِ، ولأنهُ ليسَ لهم في الخُمُسِ سَهْمٌ، وأَجيبَ بأنَّ النصَّ لا تُقدَّمُ عليهِ هذهِ العللُ؛ فهي مردودةٌ فإنَّها ترفعُ النصَّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٧):\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٨ - ٩).\n(^٢) أبو داود (١٦٥٠)، والنسائي (٥/ ١٠٧ رقم ٢٦١٢)، والترمذي (٦٥٧) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ٥٧ رقم ٢٣٤٤).\n(^٤) في \"الإحسان\" (٨/ ٨٨ رقم ٣٢٩٣).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"المسند\" (رقم: ٩٧٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢١٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨)، والحاكم (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٧/ ٣٢)، والبغوي (رقم ١٦٠٧).\nوهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"الاستيعاب\" (٤/ ٦٨ - بهامش الإصابة).\n(^٦) و(^٧) (٣/ ٩١).","vol":"4","page":80},{"text":"هذَا خلافُ الثابتِ منَ النصِّ، ثمَّ هذَا نصٌّ على تحريمِ العمالةِ على الموالي، وبالأَوْلى على آلِ محمدٍ - ﷺ -؛ لأنهُ أرادَ الرجلَ الذي عرضَ على أبي رافعٍ أنْ يولِّيَهُ بعضَ عَمَلِهِ الذي ولَّاهُ النبيُّ - ﷺ - فينالُ عمالةً لا أن أرادَ أنهُ يعطيَهُ من أجرتِهِ فإنهُ جائزٌ لأبي رافعٍ أخذُهُ؛ إذْ هوَ داخلٌ تحتَ الخمسِ الذينَ تحلُّ لهم، لأنهُ قدْ ملكَ ذلكَ الرجلُ أجرتَه فيعطيه منْ ملكهِ، فهوَ حلالٌ لأبي رافعٍ، فهوَ نظيرُ قولِه فيما سلفَ: ورجلٌ تصدَّقَ عليهِ منْها فأُهدِي منْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-684>[ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس فخذه]</span>\n٧/ ٦٠٩ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - أَنْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِني، فَيَقُولُ: \"خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح].\n(وعنْ سالمِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ عنْ أبيهِ أن رَسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يعطي عمر العطاءَ فيقولُ: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فيقولُ: خذْهُ فتموَّلْه أو تصدَّقْ بهِ، وما جاءكَ منْ هذا المالِ وأنت غيرُ مشرفٍ) بالشين المعجمة، والراء والفاء من الإشراف؛ وهو التعرُّض للشيء، والحرص عليه، (ولا سائلِ فخذْه، [وما لا] (^٢) فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ) أي: لا تعلِّقْها بطلبهِ (رواهُ مسلمٌ).\nالحديثُ أفادَ أن العاملَ ينبغي لهُ أنْ يأخذَ العمالةَ ولا يردَّها؛ فإنَّ الحديثَ في العمالةِ كما صرَّحَ بهِ في روايةِ مسلمٍ. والأكثرُ على أن الأمرَ في قولهِ: فخذْهُ، للندبِ، وقيلَ: للوجوبِ، قيلَ: وهو مندوبٌ في كلِّ عطيةٍ يُعطاها الإنسانُ، فإنهُ يندبُ لهُ قبولُها بالشرطينِ المذكورينِ في الحديثِ. هذَا إذَا كانَ المالُ الذي يعطيهِ منهُ حلالًا، وأما عطيةُ السلطانِ الجائر وغيرهِ ممنْ مالُه حلالٌ وحرامٌ فقالَ ابنُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٠٤٥).\nقلت: وأخرجه البخاري (١٤٧٣)، والنسائي (٥/ ١٠٥ رقم ٢٦٠٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ١٢٨ رقم ١٦٢٩)، وابن خزيمة (٤/ ٦٧ رقم ٢٣٦٦) وغيرهم.\n(^٢) في (أ) و(إلا)، وما أثبتناه من (ب) لموافقتها ما في مسلم ومخطوط بلوغ المرام.","vol":"4","page":81},{"text":"المنذرِ: إنَّ أخْذَها جائزٌ مرخَّصٌ فيهِ. قالَ: وحجةُ ذلكَ أنه تعالى قالَ في اليهودِ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (^١). وقدْ رهنَ - ﷺ - درعَه منْ يهوديٍّ معَ علمهِ بذلكَ، وكذَا أخْذُ الجزيةِ منْهم معَ علمِه بذلكَ. وإنَّ كثيرًا منْ أموالِهم منْ ثمنِ الخنزيرِ والمعاملاتِ [الباطلة] (^٢) انتهَى.\nوفي الجامعِ الكافي: إنَّ عطيةَ السلطانِ الجائرِ لا تردُّ، لأنه إن علمَ أن ذلكَ عين مالِ المسلمِ وجبَ قبولُه وتسليمهُ إلى مالكهِ، وإن كانَ ملتَبسًا فهوَ مظلمةٌ يصرفُها على مستحقِّها، وإنْ كانَ ذلكَ عينُ ماله الجائرِ ففيهِ تقليلٌ لباطلهِ، وأخذُ ما يستعينُ بإنفاقهِ على معصيتهِ، وهوَ كلامٌ حسنٌ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ، إلَّا أنهُ يشترطُ في ذلكَ أنْ يأمنَ القابضُ على نفسه منْ محبةِ المحسنِ الذي جُبلتِ النفوسُ على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها، وأنْ لا يوهِمَ الغيرَ أن السلطانَ على الحقِّ حيثُ قبضَ ما أعطاهُ.\nوقدْ بسطْنا في حواشي ضوءِ النهارِ في كتابِ البيعِ (^٣) ما هوَ أوسعُ منْ هذَا.\n* * *\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٤٢.\n(^٢) ليست في المخطوطة (أ) وهي زيادة لتمام المعنى.\n(^٣) (٣/ ١١٣٣ - ١١٣٤).","vol":"4","page":82},{"text":"[الكتاب الخامس] كتابُ الصيَام\nهو لغةً: الإمساكُ، فيعمُّ الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها، وقال أبو عبيد (^١): كل ممسِك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم، وفي الشرعِ: إمساك مخصوصٌ، وهوَ الإمساكُ عن الأكلِ والشربِ والجماعِ، وغيرِها مما وردَ بهِ الشرعُ في النهارِ على الوجهِ المشروعِ، ويتبعُ ذلكَ الإمساكُ عن اللغوِ والرفثِ وغيرِهما منَ الكلامِ المحرَّمِ والمكروهِ، لورودِ الأحاديثِ بالنهي عنْها في الصوم زيادة على غيرِه، في وقتٍ مخصوصٍ، بشروطٍ مخصوصةٍ تفصِّلُها الأحاديثُ الآتية. وكانَ مبدأُ فرضهِ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-687>[النهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين]</span>\n١/ ٦١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوْم وَلَا يَوْمَينِ، إِلَّا رَجُلْ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح].\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تقدَّموا رمضانَ) فيهِ دليلٌ على إطلاقِ هذا اللفظِ على شهرِ رمضانَ. وحديثُ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (^٣) وغيرِه\n_________\n(^١) في \"غريب الحديث\" (١/ ٣٢٥ - ٣٢٦، ٣٢٧).\n(^٢) البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٣٣٥)، والترمذي (٦٨٤)، والنسائي (٤/ ١٤٩)، وابن ماجه (١٦٥٠).\n(^٣) وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٠١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥١٧)، والذهبي في \"الميزان\" =","vol":"4","page":83},{"text":"مرفُوعًا: \"لا تقولُوا جاءَ رمضانُ، فإنَّ رمضانَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولُوا: جاءَ شهرُ رمضانَ\"، حديث ضعيفٌ لا يقاوِمُ ما ثبتَ في الصحيحِ، (بصومِ يومٍ ولا يومينِ، إلا رجلٌ) كذا في نسخِ بلوغِ المرامِ، ولفظهُ في البخاريِّ: \"إلَّا أنْ يكونَ رجلٌ\"، قالَ المصنفُ: \"يكونُ\" تامةٌ أي يوجدُ رجلٌ، ولفظُ مسلمٍ: \"إلَّا رجلًا\" بالنصب، قلتُ: وهوَ قياسُ العربيةِ لأنهُ استثناءٌ متصلٌ من مذكورٍ، (كانَ يصومُ صومًا فليصمُه).\nالحديثُ دليلٌ على تحريمِ صومِ يومٍ أو يومينِ قبلَ دخول رمضانَ. قالَ الترمذيُّ (^١) بعدَ روايةِ الحديثِ: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ: كرهُوا أن يتعجَّلَ الرجلُ الصيامَ قبلَ دخولِ رمضانَ لِمَعْنى رمضانَ. انتهى.\nوقولُه: لمعنى رمضانَ، تقييدٌ للنَّهي بأنهُ مشروطٌ بكونِ الصومِ احتياطًا، لا لْو كانَ صومًا مطلقًا كالنفلِ المطلقِ وللنذر ونحوِه.\nقلتُ: ولا يخْفَى أن بعدَ هذا التقييدِ يلزمُ منهُ جوازُ تقام رمضانَ بأيِّ صومٍ كانَ، وهوَ خلافُ الظاهر من النهي، فإنهُ عامٌّ لم يستثنِ منهُ إلا صوم منِ اعتادَ صومَ أيامٍ معلومةٍ ووافقَ آخرَ يومٍ منْ شعبانَ، ولو أرادَ - ﷺ - الصومَ المقيدَ بما ذكرَ لقالَ إلا متنفِّلًا أو نحوَ هذا اللفظِ. وإنَّما نَهَى عنْ تقدُّم رمضانَ لأنَّ الشارعَ قدْ علَّق الدخولَ في صومِ رمضانَ برؤيةِ هِلالِهِ، فالمتقدِّمُ عليهِ مخالفٌ للنصِّ أمرًا ونهيًا. وفيهِ إبطالٌ لما يفعلُه الباطنيةُ من تقدُّم الصومِ بيومٍ أو يومين قبلَ رُؤيةِ هلالِ رمضانَ، وزعْمُهم أن اللامَ في قولهِ: صومُوا لرؤيتهِ، في معنى مستقبلينَ لها، وذلكَ لأنَّ الحديثَ يفيدُ أن اللامَ لا يصحُّ حملُها على هذا المعنى وإنْ وردتْ لهُ في مواضعَ. وذهبَ بعضُ العلماء إلى أن النَّهيَ عن الصومِ منْ بعدِ النصفِ الأَولِ منْ يومِ سادسَ عشرَ منْ شعبانَ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا\"، أخرجهُ أصحابُ السننِ (^٢) وغيرُهم، وقيلَ: إنهُ يكرهُ بعدَ الانتصافِ\n_________\n= (٤/ ٢٤٧). وقال النووي في \"المجموع\" (٦/ ٢٤٨): \"هذا حديث ضعيف، ضعَّفه البيهقي وغيره، والضعف فيه بيِّن، فإن من رواته: \"نجيح السندي\" وهو ضعيف سيء الحفظ\" اهـ.\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٦٩).\n(^٢) أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١).\nوهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.","vol":"4","page":84},{"text":"ويحرمُ قبلَ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ. وقالَ آخرونَ: يجوزُ منْ بعدِ انتصافهِ، ويحرمُ قبلَه بيومٍ أو يومينِ. أما جوازُ الأولِ فلأنهُ الأصلُ وحديثُ أبي هريرةَ ضعيفٌ. قالَ أحمدُ وابنُ معينٍ: إنهُ منكرٌ. وأما تحريمُ الثاني فلحديثِ الكتابِ وهوَ قولٌ حَسَنٌ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-688>[من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - ﷺ </span>-]\n٢/ ٦١١ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - ﵁ - قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ -. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (^٢)، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤) وَابْنُ حِبَّانَ (^٥). [صحيح].\n(وعنْ عمَّارِ بن ياسرٍ - ﵁ - قالَ: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ) مغيرُ الصيغةِ مسندٌ إلى (فيهِ، فقدْ عَصَى أبا القاسمِ. ذكرهُ البخاريُّ تعليقًا ووصلَه) إلى عمارِ (الخمسة)، وزادَ المصنفُ في الفتحِ (^٦) [الحاكم] (^٧)، وأنهمْ وصلوهُ منْ طريقِ عمروِ بن قيسِ عنْ أبي إسحاقَ، ولفظهُ عندَهم: \"كنا عندَ عمارِ بن ياسرٍ فأُتيَ بشاةٍ مَصْليةٍ فقالَ: كلُوا فتنحَّى بعضُ القومِ فقالَ: إني صائمٌ، فقالَ عمَّارٌ: مَنْ صامَ … \"، (وصحَّحهُ\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٩٩ - ٤٣٥) و\"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٦ - ٩).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ١١٩ رقم الباب ١١).\n(^٣) أبو داود (٢٣٣٤)، وابن ماجه (١٦٤٥)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤/ ١٥٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٩١٤).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٣٥٨٥).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٥٧)، والحاكم (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤)، والبيهقي (٤/ ٢٠٨)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧٢)، وعبد الرزاق رقم (٧٣١٨)، وأبو يعلى (٣/ ٢٠٨ رقم ٤٣/ ١٦٤٤) من طرق.\nويشهد له حديث أبي هريرة، وطلق، وحذيفة، وابن عباس، وآثار علي، وابن عمر، وعمر، وابن مسعود.\nانظر: \"سنن البيهقي\" (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، والدارقطنى (٢/ ١٥٧، ١٥٨، ١٦٠، ١٦١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٧١ - ٧٣) - و\"إرشاد الأمة\"، جزء الصوم.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٦) (٤/ ١٢٠).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"4","page":85},{"text":"ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هو مسندٌ عندَهم لا يختلفونَ في ذلكَ انتهَى. وهو موقوفٌ لفظًا، مرفوعٌ حكمًا، ومعناهُ مستفادٌ منْ أحاديثِ النَّهي عن استقبالِ رمضانَ بصومٍ، وأحاديثُ الأمر بالصومِ لرؤيتهِ. واعلمْ أنَّ يومَ الشكِّ هوَ يومُ الثلاثينَ منْ شعبانَ إذا لم يُرَ الهلالُ في ليلةٍ بغيمٍ ساترٍ أو نحوِه، فيجوزُ كونُه منْ رمضانَ، وكونُه من شَعبانَ، والحديثُ وما في معناهُ يدلُّ على تحريمِ صومهِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (^١). واختلفَ الصحابةُ في ذلكَ، منْهم مَنْ قالَ بجوازِ صومهِ، ومِنْهمُ مَنْ منعَ منهُ وعدَّه عصيانًا لأبي القاسمٍ والأدلةُ معَ المحرِّمينَ (^٢). وأما ما أخرجه الشافعيُّ (^٣) عنْ فاطمةَ بنتِ الحسينِ أن عليًا - ﵁ - قال: \"لأَنْ أصومَ يومًا منْ شعبانَ أحبُّ إليَّ منْ أنْ أُفطِرَ يومًا مِنْ رمضانَ\"؛ فهوَ أثرٌ منقطعٌ على أنهُ ليسَ في يومِ شكٍّ مجردٍ، بلْ بعدَ أنْ شهدَ عندهُ رجلٌ على رؤيةِ الهلالِ فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ، وقالَ: لأنْ أصومَ إلخ، ومما هو نصٌّ في البابِ حديثُ ابن عباسٍ: \"فإنْ حَالَ بينَكم وبينَه سحابٌ فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ، ولَا تستقبلُوا الشهرَ استقبالًا\"، أخرجهُ أحمدُ (^٤)، وأصحابُ السننِ (^٥)، وابنُ خزيمةَ (^٦)، وأبو يَعْلى (^٧). وأخرجهُ الطيالسيُّ (^٨) بلفظِ: \"ولا تستقبلُوا رمضانَ بيومٍ منْ شعبانَ\"، وأخرجه الدارقطنيُّ (^٩)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (^١٠). ولأبي داودَ (^١١) منْ حديثِ\n_________\n(^١) انظر: \"مغني المحتاج\" (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤).\n(^٢) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٥٧٩ - ٥٨٢).\n(^٣) في \"بدائع المتن\" (١/ ٢٥١ رقم ٦٦٦)، وهو أثر ضعيف.\n(^٤) في \"المسند\" (١/ ٢٢٦) و(١/ ٣٢٧، ٣٤٤، ٣٧١).\n(^٥) النسائي (٤/ ١٣٦) و(٤/ ١٥٣ - ١٥٤)، وأخرجه الترمذي (٦٨٨)، وأبو داود (٢٣٢٧)، وابن ماجه (١٦٥٥) بنحوه.\n(^٦) في \"صحيحه\" (رقم: ١٩١٢).\n(^٧) في \"مسنده\" (٤/ ٢٤٣ رقم ٢٨/ ٢٣٥٥).\n(^٨) في \"مسنده\" (رقم: ٢٦٧١).\n(^٩) في \"السنن\" (٢/ ١٦٢).\n(^١٠) في \"صحيحه\" (رقم ١٩١٢).\nقلت: وأخرجه مسلم (١٠٨٨)، والدَّارمي (٢/ ٢)، وابن حبان (رقم ٨٧٣ - موارد)، والحاكم (١/ ٤٢٥) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. والبيهقي (٤/ ٢٤٧) و(٤/ ٢٠٦) وغيرهم من طرق عن ابن عباس. وهو حديث صحيح.\n(^١١) في \"السنن\" (٢٣٢٥).\nقلت: وأخرجه ابن حبان (رقم ٨٦٩ - موارد)، والحاكم (١/ ٤٢٣)، والبيهقي (٤/ ٢٠٦)، =","vol":"4","page":86},{"text":"عائشةَ: \"كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يتحفَّظُ منْ شعبانَ ما لا يتحفَّظُ منْ غيرِه، يصومُ لرؤيةِ هلال رمضانَ، فإنْ غُمَّ عليهِ عدَّ ثلاثينَ يومًا، ثمَّ صامَ\". وأخرج أبو داودَ (^١) منْ حديثِ حذيفةَ مرفوعًا: \"لا تقدَّموا الشهرَ حتَّى تَرَوُا الْهلالَ أو تُكملُوا العدَّةَ، ثم صومُوا حتَّى تَرَوُا الهلالَ أو تُكملوا العدةَ\". وفي البابِ أحاديثُ واسعةٌ دالةٌ على تَحْرِيمِ صومِ يومِ الشكِّ، منْ ذلكَ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-689>[يجب الصوم والفطر برؤية الهلال]</span>\n٣/ ٦١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتَمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٣): \"فَإنْ أُغْميَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاِثينَ\".\nوللبخاريِّ (^٤): \"فأكملُوا العدَّةَ ثلاثينَ\".\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: إذا رأيتموهُ) أي: الهلالَ (فصومُوا، وإذا رأيتُموه فافطروا، فإنْ غُمَّ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ الميم أي: حالَ بينكم وبينَه غيم (عليكمْ فاقدُرُوا له. متفقٌ عليهِ).\n_________\n= وأحمد (٦/ ١٤٩). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: وفيه نظر لأن ابن صالح، وابن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم فقط.\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح.\n(^١) في \"السنن\" (٢٣٢٦).\nقلت: وأخرجه ابن حبان (رقم ٨٧٥ - موارد)، والنسائي (٤/ ١٣٥)، وابن خزيمة (رقم ١٩١١)، والبزار (رقم: ٩٦٩ - كشف)، والبيهقي (٤/ ٢٠٨) من طرق. وهو حديث صحيح.\n(^٢) البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (٨/ ١٠٨٠).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (١/ ١٨٢ رقم ٨٦٦ - منحة المعبود) وأحمد (٢/ ١٤٥) والنسائي (٤/ ١٣٤)، وابن ماجه (١٦٥٤)، والبيهقي (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ١٠٨٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٩٠٧).","vol":"4","page":87},{"text":"الحديثُ دليلٌ علَى وجوبِ صومِ رمضانَ لرؤيةِ هلالهِ وإفطار [هـ] (^١) أولَ يومٍ منْ شوَّالٍ لرؤيةِ هلالهِ، وظاهرهُ اشتراطُ رؤيةِ الجميعِ لهُ من المخاطبينَ، لكنْ قامَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ ذلكَ، بلِ المرادُ ما يثبتُ بهِ الحكمُ الشرعيُّ من إخبارِ الواحدِ العدْلِ أو الاثنينِ على الخلاف في ذلكَ، فمعنَى إذا رأيتموهُ إذا وُجِدَتْ فيما بينَكم الرؤيةَ، فيدلُّ [هذا] (^٢) على أن رؤيةَ بلدٍ رؤيةٌ لجميعِ أهلِ البلادِ فيلزمُ الحكمُ. وقيلَ: لا يعتبرُ لأنَّ قولَه إذا رأيتموه خطابٌ لأناسٍ مخصوصينَ بهِ. وفي المسألةِ أقوالٌ ليسَ على أحدِها دليلٌ ناهضٌ، والأقربُ لزومُ أهل بلدٍ الرؤيةَ وما يتصلُ بها من الجهاتِ التي على سَمْتِها.\nوفي قولهِ: (لرؤيته) دليلٌ على أن الواحدَ إذا انفردَ برؤيةِ الهلالِ لزمهُ الصومُ والإفطارُ وهوَ قولُ أئمةِ الآلِ (^٣)، وأئمةِ المذاهبِ الأربعةِ (^٤) في الصومِ. واختلفُوا في الإفطارِ فقالَ الشافعيُّ: يفطرُ ويخفيهِ، وقالَ الأكثرُ: يستمرُ صائمًا احتياطًا كذَا قالهُ في الشرحِ، ولكنهُ تقدمَ لهُ في أولِ بابِ صلاةِ العيدينِ أنهُ لم يقلْ بأنهُ يتركُ يقينَ نفسهِ ويتابعُ حكمَ الناس إِلا محمدَ بنَ الحسنِ الشيباني، وأنَّ الجمهورَ يقولونَ: أنهُ يتعيَّنُ عليهِ حكمُ نفسهِ فيما يتيقنُه فناقض هنا ما سلفَ. وسببُ الخلافِ قولُ ابن عباسٍ لكريبٍ إنهُ لا يعتدُّ برؤيةِ الهلالِ وهوَ بالشامِ بلْ يوافقُ أهلَ المدينةِ فيصومُ الحادي والثلاثينَ باعتبارِ رؤيةِ الشام لأنهُ يومُ الثلاثينَ عندَ أهلِ المدينةِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: إنَّ ذلكَ منَ السنَّةِ. وتقدَّمَ الحديثُ وليسَ بنصٍّ فيما احتجُّوا بهِ لاحتمالهِ كما تقدَّمَ، فالحقُّ أنهُ يعملُ بيقينِ نفسهِ صومًا وإفطارًا،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"هنا\".\n(^٣) انظر: \"الروض النضير\" (٣/ ٨٥).\n(^٤) انظر: \"اللباب شرح الكتاب\" لعبد الغني الميداني.\nو\"الكتاب\": للقدوري. مطبعة صبيح بالقاهرة (١/ ١٦٤).\n\"ومراقي الفلاح شرح نور الإيضاح\" للشرنبلالي. المطبعة العلمية بمصر (ص ١٠٨) وما بعدها.\nو\"القوانين الفقهية\" لابن جزي (ص ١١٥ وما بعدها).\nو\"الشرح الصغير\" للدردير بحاشية الصاوي دار المعارف بمصر (١/ ٦٨٢ وما بعدها). و\"الشرح الكبير\" للدردير بحاشية الدسوقي مطبعة البابي الحلبي (١/ ٥٠٩ وما بعدها).\nو\"المهذب\" (١/ ١٧٩)، و\"مغني المحتاج\" (١/ ٤٢٠ - ٤٢٢).\nو\"المغني\" لابن قدامة، ط ٣، بدار المنار بالقاهرة (٣/ ١٥٦ - ١٦٣).","vol":"4","page":88},{"text":"ويحسنُ التكتمُ بها صونًا للعبادِ عنْ إثمِهم بإساءةِ الظنِّ بهِ.\n(ولمسلمٍ) أي: عن ابن عمرَ (فإنْ أغميَ عليكمْ فاقدُرُوا له ثلاثينَ. وللبخاريِّ) أي: عن ابن عمرَ (فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ)، قولُه: فاقُدُروا لهُ هوَ أمرٌ همزتُه همزةُ وصلٍ، وتكسرُ الدالُ وتضمُّ. وقيلَ: الضمُّ خطأٌ. وفسَّرَ المرادَ بهِ [بقوله] (^١): فاقُدُروا له ثلاثينَ، [قوله: فأكملوا] (^٢) العدةَ ثلاثينَ، والمعنى أفطِرُوْا يومَ الثلاثينَ، واحْسِبُوا تمامَ الشّهرِ، وهذا أحسنُ تفاسيرِهِ، وفيهِ تفاسيرُ أُخَرُ نقلَها الشارحُ خارجةً عنْ ظاهرِ المرادِ منَ الحديثِ. قالَ ابنُ بطالٍ: في الحديثِ دفعٌ لمراعاةِ المنجِّمينَ، وإنَّما المعوَّلُ عليهِ رؤيةُ الأهلةِ وقدْ نُهِينَا عن التكلفِ. وقدْ قالَ الباجي في الردِّ على مَن قال: يجوزُ للحاسبِ والمُنَجِّمِ وغيرِهما الصومُ والإفطارُ اعتمادًا على النجومِ: إنَّ إجماعَ السلفِ حجةٌ عليهمْ. وقالَ ابنُ بُريرةَ: هوَ مذهبٌ باطلٌ قدْ نهتِ الشريعةُ في الخوضِ في علمِ النجومِ، لأنَّها حدسٌ وتخمينٌ ليسَ فيها قطعٌ. قالَ الشارحُ: قلتُ: والجوابُ الواضحُ عليهمْ ما أخرجهُ البخاريُّ عن ابن عمرَ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"إنَّا أمةٌ أميَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسبُ، الشهرُ هكَذَا وهكَذَا، يعني تسعًا وعشرينَ مرةً، وثلاثينَ مرة\".\n٤/ ٦١٣ - وَلَهُ (^٣) في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ: \"فَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ\". [صحيح]\n(ولهُ) أي: البخاريّ (في حديثِ أبي هريرةَ: فأكملُوا عدةَ شعبانَ ثلاثينَ)، هوَ تصريحٌ بمفادِ الأمرِ بالصَّومِ لرؤيته، فإنْ غُمَّ فأكملُوا العدةَ، أي: عدةَ شعبانَ. وهذهِ الأحاديثُ نصوصٌ في أنهُ لا صومَ ولا إفطارَ إلا بالرؤيةِ للهلالِ، أو إكمالِ العدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-690>[دليل العمل بخبر الواحد في الصوم]</span>\n٥/ ٦١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قال: تَرَاءَى النّاسُ الهِلالَ، فأخْبَرْتُ النَّبيَّ - ﷺ - أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَصَحّحَهُ\n_________\n(^١) في (ب): \"قوله\".\n(^٢) في (ب): \"وأكملوا\".\n(^٣) في صحيح البخاري (١٩٠٩).\n(^٤) في \"السنن\" (٢٣٤٢).","vol":"4","page":89},{"text":"الْحَاكِمُ (^١) وَابْنُ حِبّانَ (^٢) [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵁ - قالَ: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ النبيَّ - ﷺ - أتي رأيتهُ فصامَ وأمرَ الناسَ بصيامهِ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ).\nالحريثُ دليلٌ على العملِ بخبرِ الواحدِ في الصومٍ دخولًا فيهِ، وهوَ مذهبُ طائفةٍ منْ أئمة العلم، ويشترطُ فيهِ العدالةُ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا بدُّ من الاثنينِ لأنَّها شَهَادَةٌ، واستدلُّوا بخبرِ رواهُ النسائيُّ (^٣) عنْ عبدِ الرحمنِ بن زيدِ بن الخطابِ أنهُ قالَ: \"جالستُ أَصْحَابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - وسألتُهم وحدَّثوني أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: صومُوا لرويتِه وأفطرُوا لرؤيتِه، فإنْ غمَّ عليكمْ فأكملُوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، إلَّا أنْ يشهدَ شاهدانِ\". [فيدل] (^٤) بمفهومهِ أنه لا يكفي الواحدُ. وأُجيبَ عنهُ بأنهُ مفهومٌ، والمنطوقُ الذي أفادُه حديث ابن عمر، وحديث الأعرابي الآتي أَقْوَى منهُ، ويدلُّ على قبولِ خبرِ الواحدِ فيقبلُ بخبر المرأةِ والعبدِ. وأما الخروجُ منهُ فالظاهرُ أن الصومَ والإفطار مستويانِ في كفايةِ خبر الواحدِ. وأما حديث ابن عباسٍ وابنِ عمرَ: \"أنهُ - ﷺ - أجازَ خبرَ واحدٍ على هلالِ رمضانَ، وكانَ لا يجيزُ شهادةَ الإفطار إلَّا بشهادةِ رجلينِ\" (^٥)، فإنهُ ضعَّفَه الدارقطنيُّ وقال: تفرَّدَ بهِ حفصُ بن عمرَ الأبلي وهوَ ضعيفٌ. ويدلُّ لقبولِ كبرِ الواحدِ في الصومِ دخولًا [فيه] (^٦) أيضًا قولُه:\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٤٢٣)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(^٢) في \"الإحسان\" (٨/ ٢٣١ رقم ٣٤٤٧).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٤)، والبيهقي (٤/ ٢١٢)، والدارقطني (٢/ ١٥٦) رقم (١) وقال: تفرَّد به مروان بن محمد، عن ابن وهب وهو ثقة فيه نظر، فقد تابعه هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب، عند الحاكم (١/ ٤٢٣)، والبيهقي (٤/ ٢١٢).\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ١٣٢ رقم ٢١١٦)، وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" رقم (٩٨٩).\n(^٤) في (ب): \"فدل\".\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٥٦ رقم ٣). قال صاحب التنقيح: حفص هذا: هو حفص بن عمر بن دينار الأيلي وهو ضعيف باتفاقهم، ولم يخرج له أحد من أصحاب السنن. وأما حفص بن عمر بن ميمون العدني المعروف بالفرخ، فروى له ابن ماجه ووثقه بعضهم، وليس هو هذا.\n(^٦) زيادة عن (أ).","vol":"4","page":90},{"text":"٦/ ٦١٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَنَّ أَعْرَابيًا جَاء إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَأَذِّن في النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يصُومُوا غَدًا\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢)، وَابْنُ حِبَّان (^٣)، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (^٤). [ضعيف].\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن أعرابيًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسل - فقال: إني رَأيْتُ الهلالَ، فقالَ: أتشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؟ قالَ: نعم، قالَ: أتشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؟ قالَ: نعم، قالَ: فَأَذِّنْ في الناسِ يا بلالُ أنْ يصومُوا غدًا. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، ورجَّحَ النسائيُّ إرسالَهُ). فيهِ دليل كالذي قبلَه على قبولِ خبرِ الواحدِ في الصومِ، ودلالة على أن الأصلَ في المسلمين العدالةُ، إذْ لم يطلبْ - ﷺ - منَ الأعرابيِّ إلَّا الشهادةَ. إلا أن الأمرَ في الهلالِ جارٍ مجرَى الإخبارِ لا الشهادةِ، وأنهُ يكفي في الإيمانِ الإقرارُ بالشهادتينِ، ولا يلزمُ التبرِّي منْ سائرِ الأديانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-691>[النية في الصوم وأول وقتها]</span>\n٧/ ٦١٦ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ\n_________\n(^١) أبو داود (٢٣٤٠)، والنسائي (٤/ ١٣٢ رقم ٢١١٣)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (رقم: ١٩٢٤) و(رقم: ١٩٢٣).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ٢٢٩ - ٢٣٠ رقم ٣٤٤٦).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٨)، وأبو يعلى (رقم ٢٥٢٩)، والدارمي (٢/ ٥)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٤٨٢) و(٤٨٣)، و(٤٨٤)، وابن الجارود رقم (٣٧٩) و(٣٨٥)، والحاكم (١/ ٤٢٤)، والبيهقي (٤/ ٢١١)، والدارقطني (٢/ ١٥٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٧٢٤) من طرق.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٢٣٤١) من طريق حماد، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧ - ٦٨) من طريق إسرائيل. وعبد الرزاق رقم (٧٣٤٢)، والنسائي (٤/ ١٣٢)، والطحاوي رقم (٤٨٥)، والدارقطني (٢/ ١٥٩) من طريق سفيان. ثلاثتهم عن سماك، عن عكرمة مرسلًا.\nوقال النسائي: إنه أولى بالصواب. وانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٤٤٣).\nوخلاصة القول: أن حديث ابن عباس ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":91},{"text":"الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ (^٣) إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحّحَهُ مَرْفوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤) وَابْنُ حِبَّانَ (^٥). [حسن].\nوَلِلدَّارَقُطْنيِّ (^٦): \"لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرضْهُ مِنَ الَّليْلِ\".\n(وعنْ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: منْ لم يبيِّتِ [الصيامَ] (^٧) قبلَ الفجرِ فلا صيامَ لهُ. رواهُ الخمسةُ، ومالَ الترمذيُّ والنسائيُّ إلى ترجيحِ وقْفِهِ) علَى حفصةَ، (وصحَّحهُ مرفوعًا ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ. وللدارقطنيِّ) أي: عنْ حفصةَ (لا صيامَ لمنْ لم يفرضْه منَ الليلِ) الحديثَ. اختلفَ الأئمةُ في رفْعه ووقْفه. وقالَ أبو محمدِ بن حزمٍ (^٨): الاختلافُ فيهِ يزيدُ الخبر قوةً لأنَّ مَنْ رواهُ مرفوعًا [فقد] (^٩) رواهُ موقوفًا. وقدْ أخرجهُ الطبرانيُّ (^١٠) منْ طريقٍ أُخْرى وقالَ: رجالُها ثقاتٌ.\n_________\n(^١) أحمد (٦/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦ رقم ٢٣٣١)، وابن ماجه (١٧٠٠).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ١٠٨).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ١٩٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ٢١٢ رقم (١٩٣٣).\n(^٥) في \"المجروحين\" (٢/ ٤٦).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ١٧٢ رقم ٢ - ٣).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٦ - ٧)، والبيهقي (٤/ ٢٠٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٥٤)، والخطيب في \"التاريخ\" (٣/ ٩٢ - ٩٣). وأورده السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٦/ ٢٢٢ - مع الفيض) ورمز إلى تحسينه. وأورده النووي في \"المجموع\" (٦/ ٢٨٩) وقال: \"الحديث حسن يحتج به اعتمادًا على رواية الثقات الرافعين والزيادة من الثقة مقبولة\".\nوهناك خلاف بين العلماء في رفع الحديث ووقفه، فذهب فريق إلى أنه مرفوع، وبه قال الحاكم، والدارقطني، وابن خزيمة وابن حزم وابن حبان.\nوذهب فريق إلى أنه موقوف ولا يصح رفعه، وبه قال البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد.\nانظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٥)، و\"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٨٨ رقم ٨٨١)، و\"فتح الباري\" (٤/ ١٤٢) و\"إرواء الغليل\" (٤/ ٢٥ رقم ٩١٤).\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٧) في (أ): \"الصوم\".\n(^٨) في \"المحلَّى\" (٦/ ١٦٢).\n(^٩) في (ب): \"قد\".\n(^١٠) في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ١٩٦ - ١٩٩ رقم ٣٣٧).","vol":"4","page":92},{"text":"وهوَ يدلُّ على أنهُ لا يصحُّ الصيامُ إلَّا بتبييت النيةِ، وهوَ أنْ ينويَ الصيامَ في أيِّ جزءٍ منَ الليلِ، وأولُ وَقتِها الغروبُ، وذلكَ لأنَّ الصومَ عملٌ، والأعمالُ بالنياتِ، وأجزاءُ النهارِ غيرُ منفصلةٍ منَ الليلِ بفاصلٍ يتحققُ، فَلَا يتحققُ إلَّا إذا كانتِ النيةُ واقعةً في جزءِ الليلِ، وتشترطُ النيةُ لكلِّ يومٍ على انفرادهِ، وهذا مشهورٌ منْ مذهبِ أحمدَ (^١)، ولهُ قولٌ: أَنَّهُ إِذَا نَوَى مِنْ أَوَّلِ الشّهرِ تُجزئُهُ، وَقَوَّى هَذَا القَولَ ابنُ عَقيلٍ بِأَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: \"لكلِّ امرئٍ ما نَوَى\" (^٢)، وهذَا قدْ نَوَى جميعَ الشهرِ، ولأنَّ رمضانَ بمنزلةِ العبادةِ الواحدةِ لأنَّ الفطرَ في لياليهِ عبادةٌ أيضًا يُستعانُ بها على صومِ نهارهِ، وأطالَ في الاستدلالِ على هذَا بما يدلُّ على قوَّتِهِ. والحديثُ عامٌّ للفرضِ، والنفلِ، والقضاءِ، والنذرِ مُعَيَّنًا، ومطلقًا. وفيهِ خلافٌ وتفاصيلُ.\nواستدلَّ مَنْ قالَ بعدم وجوبِ التبييتِ بحديثِ البخاريِّ (^٣): \"أنهُ - ﷺ - بعثَ رجلًا ينادي في الناسِ يومَ عاشوراءَ: إنَّ مَنْ أكلَ فليتمَّ أو فليصمْ، ومَنْ لمْ يأكلْ فلا يأكلْ\"، قالُوا: وقدْ كانَ واجبًا، ثمَّ نُسِخَ وجوبُه بصومِ رمضانَ، ونَسْخُ وجوبهِ لا يرفعُ سائرَ الأحكامِ فقيسَ عليهِ رمضانُ وما في حُكمهِ منَ النذَرِ المعيَّنِ والتطوعِ، فخصَّ عمومَ \"فلا صيامَ لهُ\" بالقياسِ، وبحديثِ عائشةَ الآتي، فإنهُ [دلَّ] (^٤) على أنهُ - ﷺ - كانَ يصومُ تطوعًا من غيرِ تبييتِ النيةِ. وأجيبَ بأنَّ صومَ عاشوراءَ غيرُ مساوٍ لصومِ رمضانَ حتَّى يقاسَ عليهِ، فإنهُ - ﷺ - ألزمَ الإمساكَ لمنْ قدْ أكلَ ولمنْ لم يأكلْ، فعلمَ أنهُ أمرٌ خاصٌ، ولأنهُ إنَّما أجزأَ عاشوراءَ [من غير] (^٥) تبييتِ لتعذرِه، فيقاسُ عليهِ ما سواهُ، كمنْ نامَ حتَّى أصبحَ على أنهُ لا يلزمُ منْ تمامِ الإمساكِ ووجوبهِ أنهُ صومٌ مُجْزِئٌ. وأما حديثُ عائشةَ وهوَ قوله:\n٨/ ٦١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ،\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٢٦، ٢٣).\n(^٢) وهو جزء من حديث صحيح.\nأخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٥٥ و١٩٠٧)، والترمذي (١٦٤٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والنسائي (١/ ٥٨)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥، ٤٣).\n(^٣) في \"صحيحه\" (رقم: ١٨٢٤ - البغا)، ومسلم (١١٣٥).\n(^٤) في (أ): \"دال\".\n(^٥) في (ب): \"بغير\".","vol":"4","page":93},{"text":"فَقَالَ: \"هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ\"؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: \"فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ\"، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: \"أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا\" فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح].\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: دخلَ عليَّ النبيُّ - ﷺ - ذاتَ يومٍ فقالَ: هلْ عندكمْ شيءٌ؟ قلْنا: لا، قالَ: فإني إذًا صائمٌ، ثمَّ أتانا يومًا آخرَ [فقلنا] (^٢): أُهدِيَ لنا حَيسٌ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فسينٍ مهملةٍ هوَ التمرَ معَ السمنِ والأقطِ (فقالَ: أرينيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فأكلَ. رواهُ مسلمٌ). فالجوابُ عنهُ أنهُ أعمُّ منْ أن يكونَ بيَّتَ الصومَ أوَّلًا، فيحملُ على التبييتِ لأنَّ المحتملَ يُردُّ إلى العامِّ ونحوهُ، على أن في بعضِ رواياتِ حديثِها: \"إني كنتُ أصبحتُ صائمًا\".\nوالحاصلُ أن الأصلَ عمومُ حديثِ التبييتِ، وعدمُ الفرقِ بينَ الفرضِ والنفلِ والقضاءِ والنذرِ، ولم يقمْ ما يرفعُ هذينِ الأصلينِ، فتعيَّنَ البقاءُ عليهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-692>[فضل تعجيل الفطر وتأخير السحور]</span>\n٩/ ٦١٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح].\n(وعنْ سهلِ بن سعدٍ - ﵁ -) (^٤) هو أبو العباسِ سهلُ بنُ سعدٍ بن مالكٍ، أنصاريٌّ، خزرجيٌّ. يقالُ: كانَ اسمهُ حَزَنًا فسمَّاهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - سهلًا، ماتَ النبيُّ - ﷺ - ولهُ خمسَ عشرةَ سنةً، وماتَ سهلٌ بالمدينةِ سنةَ إحدَى وتسعينَ، وقيلَ:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٧٠/ ١١٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٤٥٥)، والترمذي (٧٣٤)، والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) والدارقطني (٢/ ١٧٦ رقم ٢١)، والبيهقي (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥) من حديث عائشة، عنها بألفاظ.\n(^٢) في (ب): \"فقلتُ\".\n(^٣) البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (٤٨/ ١٠٩٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٦٩٩)، ومالك (١/ ٢٨٨ رقم ٦)، وأحمد (٥/ ٣٣١)، والدارمي (٢/ ٧)، وابن ماجه (١/ ٥٤١ رقم ١٦٩٧).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٣٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٩٨)، و\"أسد الغابة\" (٢/ ٤٧٢)، و\"الإصابة\" (٢/ ٨٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٩٩).","vol":"4","page":94},{"text":"ثمانٍ وثمانينَ، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ منَ الصحابةِ بالمدينةِ (أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ. متفقٌ عليهِ). زادَ أحمدُ (^١): \"وأَخَّرُوا السحورَ\"، زادَ أبو داودَ (^٢): \"لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يؤخِّرونَ الإفطارَ إلى اشتباكِ النجومِ\". قالَ في شرحِ المصابيحِ: ثمَّ صارَ في مِلتِنَا شعارًا لأهلِ البدعةِ وسمةً لهمْ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ تعجيلِ الإفطارِ إذا تحققَ غروبُ الشمسِ بالرؤيةِ، أو بإخبارِ مَنْ يجوزُ العملُ بقولهِ. وقدْ ذكرَ العلةَ وهيَ مخالفةُ اليهودِ والنَّصارى. قالَ المهلَّبُ: والحكمةُ في ذلكَ أنهُ لا يزادُ في النهارِ منَ الليلِ، ولأنهُ أرْفَقُ بالصائمِ، وأقوى [للعبادة] (^٣). قالَ الشافعيُّ ﵀: تعجيلُ الإفطارِ مستحبٌّ ولا يكرهُ تأخيرُه إلا لمنْ تعمَّدَهُ ورأى الفضلَ فيهِ.\nقلتُ: في إباحتهِ - ﷺ - الموَاصَلةُ إلى السَّحَرِ كما في حديثِ أبي سعيد (^٤) ما يدلُّ على أنهُ لا كراهةَ إذا كانَ ذلكَ سياسةً للنفسِ ودفعًا لشهوتِها، إلَّا أنَّ قولَه:\n١٠/ ٦١٩ - وَللترْمِذِيِّ (^٥) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"قَالَ اللهُ ﷿: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيّ أَعْجَلُهُمْ فِطرًا\". [حسن].\n(وللترمذيِّ منْ حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: قالَ اللهُ ﷿: أحبُّ عِبَادي إليَّ أعجلُهم فِطْرًا) دالٌّ على أن تعجيلَ الإفطارِ أحبُّ إلى اللهِ تعالى منْ تأخيرِه، وأنَّ أباحةَ المواصلةِ إلى السَّحَر لا تكونُ أفْضَلَ مِنْ تعْجِيلِ الإفْطارِ، أَوْ يُرادُ بِعبادِي الَّذينَ يُفطِرون وَلا يُواصِلونَ إلى السَّحَر. وأما رسولُ اللهِ - ﷺ - فإنهُ خارجٌ عنْ عمومِ هذا الحديثِ لتصريحهِ - ﷺ -[أنه] (^٦) ليسَ مثلَهم كما يأتي، [فهوَ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ١٧٢) من حديث أبي ذر.\n(^٢) في \"السنن\" (٢٣٥٣). قلت: وأخرجه ابن ماجه (١٦٩٨) كليهما من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح.\n(^٣) في (ب): \"له على العبادة\".\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٣٦١).\n(^٥) في \"السنن\" (٧٠٠) بإسناد ضعيف، ولكن له شواهد بمعناه يقوى بها.\nقلت: وأورده الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٩٨ رقم ٨٩٨) ولم يعقب عليه.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده.\n(^٦) في (ب): \"بأنه\".","vol":"4","page":95},{"text":"أحبُّ الصائمينَ إلى الله تعالى وإنْ لم يكنْ أعجلَهم فطرًا، لأنهُ قدْ أُذِنَ لهُ في الوصالِ، ولو أيامًا متصلةً كما يأتي] (^١).\n١١/ ٦٢٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢) [صحيح].\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: تسحَّروا فإنَّ في السحورِ) بفتحِ المهملةِ، اسمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بهِ، ورُوِيَ بالضمِّ على أنهُ مصدرٌ (بركةٌ. متفقٌ عليه). زادَ أحمدُ (^٣) منْ حديثِ أبي سعيد: \"فلا تَدَعُوهُ ولو أنْ يتجرَّعَ أحدُكم جُرْعَةً منْ ماء؛ فإنَّ الله وملائكتهَ يصلُّونَ على المتسحِّرينَ\". وظاهرُ الأمرِ وجوبُ التسحُّرِ، ولكنهُ صرفَه عنهُ إلى الندبِ ما ثبتَ منْ مواصلتهِ - ﷺ -، ومواصلةِ أصحابهِ، ويأتي الكلامُ في حكمِ الوصالِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ (^٤) الإجماعَ على أنَّ التسحُّرَ مندوبٌ. والبركةُ المشارُ إليها فيهِ اتِّبَاعُ السُنةِ ومخالفةُ أهلِ الكتابِ لحديثِ مسلمٍ (^٥)\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) البخاري في \"صحيحه\" (١٩٢٣)، ومسلم (٤٥/ ١٠٩٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٧٠٨)، والنسائي (٤/ ١٤١)، وابن ماجه (١٦٩٢)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم: ٣٨٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥) و(٦/ ٣٣٩)، وأحمد (٣/ ٩٩، ٢١٥، ٢٢٩، ٢٤٣، ٢٥٨، ٢٨١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٢٢٧ رقم ٧٥٩٨)، وابن خزيمة (٣/ ٢١٣ رقم ١٩٣٧)، والطيالسي (١/ ١٨٥ رقم ٨٨٢ - منحة المعبود)، والطبراني في \"الصغير\" (١/ ٥٨ رقم ٦٠ - الروض الداني)، والدولابي في \"الكُنى\" (١/ ١٢٠) وأبو يعلى في \"مسنده\" (٥/ ٢٣٥ رقم ٩٣/ ٢٨٤٨) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٢٥١ رقم ١٧٢٧)، والدارمي (٢/ ٦)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٣٩٥ رقم ٦٧٧)، والبزار (١/ ٤٦٤ رقم ٩٧٦ - كشف) من طرق كثيرة عنه.\nقلت: وقد ورد الحديث من حديث جابر، وأبي هريرة، وابن مسعود، وميسرة الفجر، وأبي سعيد الخدري، والمقدام بن معد يكرب، والعرباض بن سارية، وأبي أمامة، وأبي الدرداء، ورجل من الصحابة، ومرسلًا عن علي بن الحسين، وأبي سعيد الإسكندراني.\nانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصوم.\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٣٢).\n(^٤) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٥٢ رقم ١٢٣).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٤٦/ ١٠٩٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٣٤٣)، والترمذي (٧٠٩)، والنسائي (٤/ ١٤٦)، والبيهقي =","vol":"4","page":96},{"text":"مرفُوعًا: \"فَصْل ما بينَ صيامِنا وصيامِ أهلِ الكتابِ أَكْلَةُ السحور\"، والتقوِّي بها على العبادةِ، وزيادةِ النشاطِ والتسبُّبِ للصدقةِ علىَ مَنْ سألَ وقتَ السحرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-693>[فضل الإفطار على التمر أو الماء]</span>\n١٢/ ٦٢١ - وَعَنْ سَلمَانَ بْنَ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حُزَيْمَةَ (^٢) وَابْنُ حِبَّانَ (^٣) وَالْحَاكِمُ (^٤). [حسن لغيره].\n(وعنْ سلمان بن عامرٍ الضبيِّ - ﵁ -) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ: ليسَ [في] (^٥) الصحابةِ ضبيٌّ غيرَ سلمان بنَ عامرٍ المذكورِ (عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: إذا أفطرَ أحدُكم فليفطرْ على تمرٍ، فإنْ لم يجدْ فليفطرْ على ماءٍ فإنهُ طهورٌ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن خزيمةَ، وابن حبانَ، والحاكمُ). والحديثُ قدْ رُوِيَ منْ حديثِ عمرانَ بن حصينٍ (^٦)، وفيه ضعفٌ. ومن حديث أنسٍ (^٧) رواه الترمذي والحاكم،\n_________\n= (٤/ ٢٣٦)، والدارمي (٢/ ٦)، وأحمد (٤/ ٢٠٢) من حديث عمرو بن العاص.\n(^١) أحمد (٤/ ١٧، ١٨، و١٨ - ١٩ و٢١٤)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨) و(٦٩٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٢٥) كما في \"تحفة الأشراف\"، وابن ماجه (١٦٩٩).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢٠٦٧).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ٢٨١ رقم ٣٥١٥).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٤٣١ - ٤٣٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق رقم (٧٥٨٧)، والحميدي (رقم ٨٢٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٧ و١٠٧ - ١٠٨)، والدارمي (٢/ ٧)، والبيهقي (٤/ ٢٣٨ و٢٣٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٦٨٤) و(١٧٤٣) من طرق … وله شاهد من حديث أنس أخرجه أحمد (٣/ ١٦٤)، وأبو داود رقم (٢٣٥٦)، والترمذي رقم (٦٩٦)، والدارقطني (٢/ ١٨٥)، والحاكم (١/ ٤٣٢). وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الترمذى: حسن غريب. وقال الدارقطني: إسناده صحيح.\nوهو حديث حسن لغيره، والله أعلم.\nوقد ضعَّفه المحدث الألباني في \"الإرواء\" رقم (٩٢٢).\n(^٥) في (ب): \"من\".\n(^٦) أخرجه ابن عدي كما في \"التلخيص\" (٢/ ١٩٨) بإسناد ضعيف.\n(^٧) أخرجه أحمد (٣/ ١٦٤)، وأبو داود رقم (٢٣٥٦)، والترمذي رقم (٦٩٦)، والدارقطني =","vol":"4","page":97},{"text":"وصحَّحَهُ، ورواهُ أيضًا الترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم منْ حديثِ أنسٍ منْ فعلِهِ - ﷺ - قالَ: \"كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يفطرُ على رطباتٍ قبلَ أنْ يصلِّيَ، فإنْ لمْ يكنْ فَعَلَى تمراتٍ، فإنْ لمْ يكنْ حَسَا حَسَوَاتٍ منْ ماءٍ\". ووردَ في عددِ التمرِ أنَّها ثلاثٌ، وفي البابِ رواياتٌ في معنَى ما ذكرْنا. ودلَّ على أن الإفطارَ بما ذكرَ هوَ السنَّةُ. قالَ ابنُ القيِّم (^١): وهذَا منْ كمالِ شفقتهِ - ﷺ - على أمَّتِه ونُصْحِهم، فإنَّ إعطاءَ الطبيعةِ الشيءَ الحلْوَ معَ خلُوِّ المعدةِ أدْعَى إلى قبولِه وانتفاعِ القِوَى بهِ، لا سيَّما القوةُ الباصرةُ، فإنَّها تَقْوَى بهِ. وأما الماءُ فإنَّ الكبدَ يحصلُ لها بالصومِ نوعُ يَبَسٍ فإنْ رُطِّبتْ بالماءِ كَمُلَ انتفاعُها بالغذاءِ بعدَه، هذا معَ ما في التمرِ والماءِ منَ الخاصيَّةِ التي لها تأثيرٌ في صلاحِ القلب لا يعلمُها إلَّا أطباءُ القلوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-694>[حكم الوصال لغير رسول الله - ﷺ </span>-]\n١٣/ ٦٢٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: \"وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِني أَبِيتُ يُطعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني\"، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمّ يَوْمًا، ثُمّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ: \"لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ\" كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح].\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن الوصالِ)، هوَ تركُ الفطرِ بالنهارِ، وفي ليالي رمضانَ بالقصدِ، (فقالَ رجلٌ من المسلمينَ)، قَال المصنِّفُ: لم أقِفْ عَلى اسْمِهِ، (فإنك تواصلُ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: وأيُّكم مِثْلي؟ فإني أبيتُ يُطْعْمِني\n_________\n= (٢/ ١٨٥) والحاكم (١/ ٤٣٢) والبيهقي (٤/ ٢٣٩) عنه.\nوصحَّحه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقال الدارقطني: إسناده صحيح.\nوقال الترمذي: حسن غريب.\nقلت: وخلاصة القول أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) في زاد المعاد (٢/ ٥٠).\n(^٢) البخاري في \"صحيحه\" (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٠١).","vol":"4","page":98},{"text":"ربي ويُسقيني. فلما أَبَوْا أنْ ينتَهوا عن الوصالِ واصل بهمْ يومًا، ثمَّ يومًا، ثمَّ رأَوا الهلالَ فقالَ: لو تأخَّرَ الهلالُ لزدْتكم، كالمنكِّل لهم حينَ أَبَوْا أنْ ينتَهُوا. متفقٌ عليهِ).\nالحديثُ عندَ الشيخينِ منْ حديثِ أبي هريرةَ (^١)، وابنِ عمرَ (^٢)، وعائشة (^٣)، وأنسٍ (^٤)، وتفرَّدَ مسلمٌ (^٥) بإخراجه عنْ أبي سعيدٍ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الوصالِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وقدْ أُبيحَ الوصالُ إلى السُّحور لحديثِ أبي سعيدٍ (^٦): فأيُّكمْ أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحَرِ\"، وفي حديثِ أبي سعيدٍ هَذَا دليلٌ على أن إمساكَ بعضِ الليلِ مواصلةٌ. وهوَ يردُّ على مَنْ قالَ: إنَّ الليلَ ليسَ محلًّا للصومِ فلا [تنعقد] (^٧) بنيَّتهِ. وفي الحديث دلالةٌ على أن الوصالَ منْ خصائِصهِ - ﷺ -. وقدِ اختُلِفَ في حقِّ غيرهِ فقيلَ التحريمُ مطلقًا، وقيلَ: محرَّمٌ في حقِّ مَنْ يَشُقُّ عليهِ، ويباحُ لمنْ لا يشقُّ عليهِ. الأولُ رأيُ الأكثرِ للنهي وأصلُه التحريمُ. واستدلَّ مَنْ قالَ: إنهُ لا يحرمُ بأنهُ - ﷺ - واصلَ بهمْ، ولو كانَ النهيُ للتحريمِ لما أقرَّهم عليه، فهوَ قرينةٌ أنهُ للكراهةِ رحمة لهمْ وتخفيفًا عنْهم، ولأنهُ قد أخْرجَ أبو داودَ (^٨) عنْ رجلٍ مِنَ الصحابةِ: \"نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن الحجامةِ والمواصلةِ، [ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ] (^٩) \"، إسنادُه صحيحٌ. وإبقاءٌ متعلقٌ بقولهِ: نَهَى. ورَوَى البزار (^١٠)، والطبرانيّ (^١١) في الأوسط منْ حديثِ سمُرة:\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه آنفًا في حديث الباب.\n(^٢) البخاري (١٩٢٢)، ومسلم (١١٠٢).\nقلت: وأخرجه مالك في الموطأ (١/ ٣٠٠)، وأبو داود (٢٣٦٠)، وأحمد في \"المسند\" (٤٧٢١ - شاكر).\n(^٣) البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).\n(^٤) البخاري (١٩٦١)، ومسلم (١١٠٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٧٧٨).\n(^٥) لم يخرجه مسلم، بل أخرجه البخاري (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٣٦١).\n(^٦) تقدَّم تخريجه في \"شرح الحديث\" رقم (٩/ ٦١٨) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه.\n(^٧) في (ب): \"ينعقد\".\n(^٨) في \"السنن\" (٢٣٧٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٩) في النسخة (أ): \"إبقاءً ولم يحرمها على أصحابه\"، والتصويب من السنن.\n(^١٠) \"كشف الأستار\" (١/ ٤٨٢ رقم ١٠٢٤).\n(^١١) في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٥٨)، وضعَّف إسناده الهيثمي.","vol":"4","page":99},{"text":"\"نهى النبيّ - ﷺ - عن الوصالِ وليسَ بالعزيمةِ\". ويدلُّ أيضًا مواصلةُ الصحابةِ فَرَوَى ابنُ أبي شيبةَ (^١) بسندٍ صحيحٍ: \"أنَّ ابنَ الزبيرِ كانَ يواصلُ خمسةَ عشر يومًا\"، وذكرَ ذلكَ عنْ جماعةٍ غيرهِ، فلوْ فهمُوا التحريم لما فعلُوهَ. ويدلُّ للجوازِ أيضًا ما أخرجهُ ابنُ السكنِ (^٢) مرفوعًا: \"إنَّ الله لم يكتبِ الصيامَ بالليلِ فمنْ شاءَ فليتبعني ولا أجْرَ لهُ\"، قالُوا: والتعليلُ بأنهُ منْ فعلِ النَّصَارى لا يقتضي التحريم؛ فإنه قد علل تأخير الإفطار من فعل أهل الكتاب ولم يقتضِ التحريم. واعتذرَ الجمهورُ عنْ مواصلتهِ - ﷺ - بالصحابةِ بأنَّ ذلكَ كانَ تقريعًا لهم وتنكيلًا بهمْ، واحتُمِلَ جوازُ ذلكَ لأجلِ مصلحةِ النَّهْي في تأكيدِ زجرِهم، لأنهمْ إذا باشروهُ ظهرتْ لهم حكمةُ النَّهي، وكان ذلكَ أَدْعَى إلى قبولهِ لما يترتبُ عليهِ منْ المللِ في العبادةِ، والتقصيرِ فيما هوَ أهمُّ منهُ وأرجحُ منْ وظائفِ العباداتِ. والأقربُ منَ الأقوالِ هوَ التفصيلُ.\nوقولُه - ﷺ -: \"وأيُّكم مِثلي\" استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، أي: أيكمْ على صفتي ومنزلتي منْ ربِّي. واختُلِف في قولِه: \"يُطعِمُني ويُسْقِيني\"، فقيلَ: هوَ على حقيقتهِ كانَ يُطْعَمُ ويُسقَى منْ عندِ اللهِ، وتعقِّبَ بأنهُ لو كانَ كذلكَ لم يكنْ مواصلًا. وأجيبَ عنهُ بأنَّ ما كانَ منْ طعامِ الجنةِ على جهةِ التكريمِ، فإنهُ لا ينافي التَّكليفَ، ولا يكونُ لهُ حكمُ طعامِ الدنيا. وقالَ ابنُ القيم (^٣) ﵀: المرادُ ما يغذيه اللهُ منْ معارفِهِ وما يقيضهُ على قلبهِ منْ لذةِ مناجاتِه، وقُرَّةِ عينهِ بقربهِ، وتَنَعُّمِهِ بحبِّهِ، والشوقِ إليهِ، وتوابعُ ذلكَ منَ الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوبِ، وتنعيمُ الأرواحِ، وقرةُ العينِ، وبهجةُ النفوسِ. وللقلبِ والروحِ بها أعظمُ غذاءٍ وأجودُه وأنفعهُ. وقد يقوِّي هذا الغذاءُ حتَّى يغني عن غذاءِ الأجسامِ برهةً منَ الزمانِ كما قيل:\nلَها أحَادِيثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشَّرَابِ وتُلْهِيْهَا عَنِ الزَّادِ\nلَها بِوَجْهِكَ نُورٌ يُستضاءُ بهِ … وَمِنْ حَدِيثكَ في أعقْابِهَا حَادِي\nوَمَنْ لهُ أَدْنَى معرفةٍ وشوقٍ يعلمُ استغناءَ الجسمِ بغذاءِ القلبِ والروحِ عنْ كثيرٍ منَ الغذاءِ الحيوانيّ، ولا سيَّما المسرورُ الفرحانُ الظافرُ بمطلوبهِ الذي قرَّتْ\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (٣/ ٨٤) بسند صحيح.\n(^٢) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٠٢).\n(^٣) في \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢ - ٣٣).","vol":"4","page":100},{"text":"عينُه بمحبوبهِ، وتنعَّمَ بقربهِ، والرِّضَا عنهُ. وساقَ [في] (^١) هذا المعنَى، واختارَ هذا الوجهَ في الإطعام والإسقاءِ. وأما الوصالُ إلى السَّحرِ فقدْ أذِنَ - ﷺ - فيهِ كما في [صحيح] (^٢) البخاريِّ (^٣) [من حديث] (^٤) أبي سعيدٍ: \"أنهُ سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: لا تواصلُوا فأيُّكم أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحرِ\". وأما حديثُ عمرَ في الصحيحينِ (^٥) مرفوعًا: \"إذا أَقْبَلَ الليلُ منْ ههنا، وأدبرَ النهارُ منْ ههنَا، وغربتِ الشمسُ فقدْ أفطرَ الصائمُ\"؛ فإنهُ لا ينافي الوصالَ، لأنَّ المرادَ بأفطرَ دخلَ في وقتِ الإفطارِ لا أنهُ صارَ مُفْطِرًا حقيقةً كما قيلَ، لأنهُ لو صارَ مفطِرًا حقيقةً لما وردَ الحثُّ على تعجيلِ الإفطارِ ولا النَّهي عن الوصالِ ولا استقامَ الإِذْنُ بالوصالِ إلى السَّحرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-695>[تأكيد النهي عن المحرَّمات في الصيام]</span>\n١٤/ ٦٢٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَالَّلفْظُ لَهُ. [صحيح].\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"حديث\".\n(^٣) تقدم تخريجه في \"شرح حديث\" رقم (٩/ ٦١٨) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"عند\".\n(^٥) البخاري في \"صحيحه\" (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠)، وأبو داود (٢٣٥١)، والترمذي (٦٩٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ٣٤ - تحفة الأشراف)، وأبو يعلى (رقم: ٢٤٠)، وابن خزيمة (رقم: ٢٠٥٨)، وابن الجارود (رقم: ٣٩٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٧٣٥)، والبيهقي (٤/ ٢١٦ و٢٣٧ - ٢٣٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (رقم: ٧٥٩٥)، والحميدي (رقم: ٢٠)، وأحمد (١/ ٢٨، ٣٥، ٤٨، ٥٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ١١)، والدارمي (٢/ ٧) وغيرهم.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٩٠٣) و(٦٠٥٧).\n(^٧) في \"السنن\" (٢٣٦٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٧٠٧)، والنسائي (١٠/ ٣٠٨ - تحفة الأشراف)، وابن ماجه (١٦٨٩)، وابن خزيمة (١٩٩٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٧٤٦)، والبيهقي (٤/ ٢٧٠)، وأحمد (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣ و٥٠٥) من طرق.","vol":"4","page":101},{"text":"(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ: (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ لمْ يدعْ قولَ الزورِ) أي: الكذبَ، (والعملَ بهِ والجهلَ) أي: السَّفَهَ، (فليسَ للهِ حاجةٌ) أي: إرادةٌ (في أنْ يدعَ شرابَهُ وطعامَهُ. رواة البخاريُّ، وأبو داودَ، واللفظُ لهُ).\nالحديثُ دليلٌ على تحريمِ الكذبِ، والعملِ بهِ، وتحريمِ السفهِ على الصائمِ، وهما محرَّمانِ على غيرِ الصائم أيضًا، إلَّا أن التحريمَ في حقِّه آكدُ كتأكدِ تحريمِ الزِّنى منَ الشيخِ، والخُيلاءِ منَ الفقيرِ. والمرادُ منْ قولِه: \"فليسَ للهِ حاجةٌ\"، أي: إرادةُ بيانِ عظمِ ارتكابِ ما ذُكِرَ، وأنَّ صيامَه كَلَا صيامَ، ولا معنَى لاعتبارِ المفهومِ هنا فإنَّ الله تعالى لا يحتاجُ إلى أحدٍ هو الغنيُّ سبحانهُ، ذكرَهُ ابنُ بطَّالٍ. وقيلَ: هوَ كنايةٌ عنْ عدمِ القَبولِ كما يقولُ المغضبُ لمنْ ردَّ شيئًا عليهِ: لا [حاجة] (^١) لي في كذا، وقيلَ: إنَّ معناهُ أن ثوابَ الصيامِ لا يُقاومُ في حكمِ الموازنةِ ما يستحقُّ منَ العقابِ لما ذكرَ. هذَا وقدْ وردَ في الحديثِ الآخَرِ: \" [إن] (^٢) شاتَمَهُ أو سابَّهُ فليقلْ إني صائمٌ\" (^٣)، فلا تشتمْ مبتدئًا ولا مجاوِبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-696>[جواز القبلة والمباشرة للصائم]</span>\n١٥/ ٦٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم، وَزَادَ في رِوَايَةٍ (^٥): في رَمَضَانَ. [صحيح].\n_________\n(^١) في (أ): \"حيلة\".\n(^٢) في (ب): \"فإن\".\n(^٣) أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٣) من حديث أبي هريرة بسند صحيح على شرط مسلم.\nوأخرج البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١٦٣/ ١١٥١) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \" … فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤٌ صائم … \".\n(^٤) البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (٦٥/ ١١٠٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٣٨٢)، وابن ماجه (١٦٨٧)، وابن خزيمة رقم (١٩٩٨)، والبيهقي (٤/ ٢٣٠)، وأحمد (٦/ ٤٢، ٢١٦، ٢٣٠)، والترمذي (٧٢٩) كلهم من طريق الأسود عنها.\nوللحديث طرق كثيرة عنها، انظر تخريجها في: \"إرواء الغليل\" للمحدث الألباني (٤/ ٨٠ - ٨٥)، وكتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصوم.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٧١/ ١١٠٦).","vol":"4","page":102},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُقَبِّلُ وهُوَ صائمٌ، ويباشرُ) المباشرةُ الملامسةُ، وقدْ تردُ بمعنَى الوطْءِ في الفرجِ، وليسَ بمرادِ هنَا. (وهوَ صائمٌ، ولكنهُ أملكَكُمْ لإرْبِه) بكسرِ الهمزةِ، وسكونِ الراءِ، فموحدةٍ، وهو حاجةُ النفسِ ووطرِها، وقالَ المصنفُ في التلخيصِ (^١): معناهُ لعضوهِ. (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. وزادَ) أي: مسلمٌ (في روايةٍ: في رمضانَ).\nقالَ العلماءُ: معنَى الحديثِ أنهُ ينبغي لكمُ الاحترازُ من القُبْلةِ، ولا تتوهَّمُوا أنكم مثلُ رسولِ اللهِ - ﷺ - في استباحتِها، لأنهُ يملكُ نفسَه ويأمنُ منْ وقوعِ القبلةِ أنْ يتولَّدَ عنْها إنزالٌ، أو شهوةٌ، أو هيجانُ نفسٍ، أو نحوُ ذلكَ، وأنتمْ لا تأمنونَ ذلكَ؛ فطريقُكم كفُّ النفسِ عنْ ذلكَ. وأخرجَ النسائيُّ (^٢) منْ طريقِ الأسودِ: \"قلتُ لعائشةَ: أيباشرُ الصائمُ؟ قالتْ: لا، قلتُ: أليسَ رسولُ اللهِ - ﷺ - كانَ يباشرُ وهوَ صائمٌ؟ قالتْ: إنهُ كانَ أملكَكُم لإِربِه\". وظاهرُ هذَا الحديث أنَّها اعتقدتْ أن ذلك خَاصٌّ بهِ - ﷺ -. قالَ القرطبيُّ: وهوَ اجتهادٌ منْها، وقيلَ: الظاهرُ أنَّها تَرَى كراهةَ القبلة لغيره - ﷺ - كراهة تنزيه لا تحريم كما يدل له قولها أملككم لإربه. وفي كتاب الصيامِ لأبي يوسفَ القاضي منْ طريقِ حمادِ بن سلمةَ: \"سُئِلَتْ عائشةُ عن المباشرةِ للصائمِ فكرهتْها\". وظاهرُ حديثِ البابِ جوازُ القُبلةِ والمباشرةِ للصائمِ لدليلِ التأسِّي به - ﷺ -، ولأنَّها ذكرتْ عائشةُ الحديثَ جوابًا عمنْ سَأَلَ عن القبلةِ وهوَ صائمٌ، وجوابُها قاض بالإباحةِ مستدلةً بما كانَ يفعلُه - ﷺ -. وفي المسألةِ أقوالٌ:\nالأولُ: للمالكيةِ (^٣) أنهُ مكروهٌ مطلقًا.\nالثاني: أنهُ محرَّمٌ مستدلينَ بقولهِ تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٤)؛ فإنهُ مَنَعَ المباشرةَ في النهارِ، وأجيبَ بأنَّ المرادَ بها في الآيةِ الجماعُ، وقدْ بينَ ذلكَ فعلُه - ﷺ - كما أفادَهُ حديثُ البابِ. وقالَ قومٌ إنَّها تحرمُ القبلةُ، وقالُوا: إنَّ مَنْ قَبَّلَ بَطَلَ صومُه.\n_________\n(^١) (٢/ ١٩٥).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢١٠ رقم ٣١٠٩/ ٨).\n(^٣) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٥ رقم ١٣).\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"4","page":103},{"text":"الثالثُ: أنهُ مباحٌ، وبالغَ بعضُ الظاهريةِ (^١) فقالَ: إنهُ مستحبٌّ.\nالرابعُ: التفصيلُ، فقالُوا: يكرهُ للشابِّ، ويباحُ للشيخِ. ويُرْوَى عن ابن عباسٍ، ودليلُه ما أخرجَهُ أبو داودَ (^٢): \"أنهُ أتاهُ - ﷺ - رجلٌ فسأله عن المباشرةِ للصائمِ فرخَّصَ لهُ، وأتاهُ آخرٌ فسألهُ عنها فنهاهُ؛ فإذَا الذي رخَّصَ لهُ شيخٌ، والذي نهاهُ شابٌّ\".\nالخامسُ: أن مَنْ ملكَ نفسَه جازَ لهُ وإلَّا فلا، وهوَ مرويٌّ عن الشافعي، واستدلَّ لهُ بحديثِ عمرَ بن أبي سلمةَ لما سألَ النبيَّ - ﷺ - فأخبرتْه أمُّهُ أمُّ سلمةَ: \"أنهُ - ﷺ - يصنعُ ذلكَ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبكَ وما تأخرَ، فقالَ: إني أخشاكم للهِ\" (^٣). فدلَّ على أنهُ لا فرقَ بينَ الشابِّ والشيخِ، وإلَّا لبَّينَهُ - ﷺ - لعمرَ لا سيَّما وعمرُ كانَ في ابتداءِ تكليفهِ. وقدْ ظهرَ مما عرفتَ أَنَّ الإباحةَ أقوى الأقوالِ، ويدلُّ لذلكَ ما أخرجَهُ أحمدُ (^٤)، وأبو داودَ (^٥) منْ حديثِ عمرَ بن الخطابِ قالَ: هشِشتُ يومًا فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فأتيتُ النبيَّ - ﷺ -، فقلتُ: صنعتُ اليومَ أمرًا عظيمًا، فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنتَ صائمٌ؟ قلتُ: لا بأسَ بذلكَ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ففيمَ؟! \" انتَهى قولُه: هشِشْتُ بفتحِ الهاءِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ، بعدَها شينٌ\n_________\n(^١) انظر: \"المحلَّى\" (٦/ ٢٠٥ - ٢١٤)، فقد جمع فأوعى وناقش فأبلى.\n(^٢) في \"السنن\" (٢٣٨٧) من حديث أبي هريرة.\nوفي إسناده أبو العنبس، واسمه عبد الله بن صُهبان الأسدي، وهو ليِّن الحديث، كما قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٤٢٤ رقم ٣٨٩).\n(^٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٧٤/ ١١٠٨).\n(^٤) في \"الفتح الرباني\" (١٠/ ٥٢ رقم ١١٨)، وفي \"المسند\" (١/ ٢١).\n(^٥) في \"السنن\" (٢٣٨٥).\nقلت: وأخرجه البزار (١/ ٤٧٩ - كشف الأستار)، وقال عقبه: \"لا نعلمه عن عمر إلّا من هذا الوجه بهذا اللفظ، وقد روي عن عمر عن النبي - ﷺ - بخلاف هذا\" اهـ.\nوأخرجه الدارمي (٢/ ١٣)، والحاكم (١/ ٤٣١)، والبيهقي (٤/ ٢١٨) و(٤/ ٢٦١) وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٦٠ - ٦١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨/ ١٧ - تحفة الأشراف) من طرق.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":104},{"text":"معجمةٌ ساكنةٌ، معناهُ ارتحتُ وخففتُ. واختلفُوا أيضًا فيما إذا قبَّلَ أو نَظَرَ أو باشرَ فأنزلَ أو أمذَى، فعنِ الشافعيِّ وغيرِه: أنهُ يقضي إذا أنزلَ في غيرِ النظرِ، ولا قضاءَ في الإمذاءِ. وقالَ مالكٌ: يقضي في كلِّ ذلكَ ويُكَفِّرُ إلَّا في الإمذاءِ فيقضي فقطْ. وثمةَ خلافاتٌ أُخَرُ الأظهرُ أنهُ لا قضاءَ ولا كفارةَ إلا على مَنْ جامعَ وإلحاقُ غيرِ المجامِعِ بهِ بعيدٌ.\n(تنبيهٌ): قولُها: وهوَ صائمٌ لا يدلُّ أنهُ قبَّلَها وهي صائمةٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (^١) عنْ عائشةَ: \"كانَ يقبِّلُ بعضَ نسائهِ في الفريضةِ والتطوعِ\"، ثمَّ ساقَ بإسنادهِ: \"أن النبيَّ - ﷺ - كانَ لا يمسُّ وجْهَهَا وهي صائمةٌ\" (^٢). وقالَ: ليسَ بينَ الخبريْنِ تضادٌّ، لأنه كانَ يملكُ إربهُ، ونبَّهَ بفعلهِ ذلكَ على جوازِ هذا الفعلِ لمنْ هوَ بمثلِ حالهِ، وتركِ استِعمالِه إذا كانتِ المرأةُ صائمةً علمًا منهُ بما رُكِّبَ في النساءِ منَ الضعفِ عندَ الأشياءِ التي تردُ عليهنَّ، انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-697>[القول في الحجامة في الصيام]</span>\n١٦/ ٦٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح].\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - احتجمَ وهوَ محرِمٌ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ. رواهُ البخاريُّ) قيلَ: ظاهرهُ أنهُ وقعَ منهُ الأمرانِ المذكورانِ مفترقينِ، وأنهُ احتجمَ وهوَ صائمٌ، واحتجمَ وهوَ محرمٌ، ولكنهُ لم يقعْ ذلكَ في وقتٍ واحدٍ، لأنه لم\n_________\n(^١) في \"الإحسان\" (٨/ ٣١٤ رقم ٣٥٤٥).\nوأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١٢/ ٣٦٨)، و(١٢/ ٣٥١)، وأحمد (٦/ ٢٤١ - ٢٥٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٩١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٧٤٠٨) من طرق.\nوهو حديث صحيح.\n(^٢) أخرجه ابن حبان (٨/ ٣١٥ رقم ٣٥٤٦) وسنده قوي.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٩٣٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (٨٧/ ١٢٠٢)، والترمذي (٧٧٥، ٧٧٧)، وأبو داود (٢٣٧٣)، وابن ماجه (١٦٨٢).","vol":"4","page":105},{"text":"يكنْ صائمًا في إحرامهِ إذا أريدَ إحرامهُ وهوَ في حجَّةِ الوداعِ؛ إذْ ليسَ في رمضانَ، ولا كانَ محرمًا في سفرهِ في رمضانَ عامَ الفتحِ، ولا في شيءِ منْ عُمَرِهِ التي اعتمرَهَا، وإن احتملَ أنهُ صامَ نفلًا إلَّا أنهُ لم يعرفْ ذلكَ، وفي الحديثِ رواياتٌ.\nوقالَ أحمدُ: إنَّ أصحابَ ابن عباسٍ لا يذكرونَ صيامًا. وقالَ أبو حاتمٍ (^١): \"أخطأ فيهِ شريكٌ إنَّما هوَ احتجمَ وأعطَى الحجَّامَ أُجْرَتَهُ. وشريكٌ حدَّثَ بهِ مِنْ حفظِه، وقدْ ساءَ حفظهُ\". فَعَلَى هذا الثابتُ إنما هوَ الحاجةُ. والحديثُ يحتملُ أنهُ إخبارٌ عنْ كلِّ جملةٍ على حِدَةٍ، وأنَّ المرادَ احتجمَ وهوَ محرمٌ في وقتٍ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ في وقتٍ آخرَ، والقرينةُ على هذا معرفةُ أنهُ لم يتفقْ لهُ اجتماعُ الإحرامِ والصيامِ، وأما تغليطُ شريكٍ وانتقالُه إلى ذلكَ اللفظِ فَأَمْرٌ بعيدُ، والعمل على صحةِ روايتِه معَ تأويلِها أَوْلى.\nوقدِ اختُلِفَ فيمنِ احتجَم وهوَ صائمٌ، فذهبَ إلى أنها لا تفطِّر الصيَّام الأكثرون منَ الأئمةِ، وقالُوا: إنَّ هذا ناسخٌ لحديثِ شدَّادِ بن أَوْسٍ وهوَ:\n١٧/ ٦٢٦ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ في رَمَضَانَ فَقَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^٢)، وَصَحّحَهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤)، وَابْنُ حِبَّان (^٥). [صحيح].\n(وعنْ شدادِ بن أوسٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَتَى عَلَى رجلٍ بالبقيعِ وهوَ يحتجمُ في\n_________\n(^١) في \"العلل\" (١/ ٢٣٠ رقم ٦٦٨).\n(^٢) أحمد (٤/ ٢٤، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥)، وأبو داود (٢٣٦٨)، والنسائي (٤/ ١٤٤ - مع تحفة الأشراف)، وابن ماجه (١٦٨١).\n(^٣) قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد يقول: هو أصح ما روي فيه - كما في \"التلخيص\" (٢/ ١٩٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٢٦ رقم ١٩٦٣).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٨/ ٣٠٢ رقم ٣٥٣٣).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٤)، والطبراني في \"الكبير\" (رقم: ٧١٥١) و(٧١٥٢)، و(٧١٤٧)، و(٧١٤٩)، (٧١٥٠) و(٧١٥٣) و(٧١٥٤) و(٧١٨٤) و(٧١٨٨)، والبيهقي (٤/ ٢٦٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (رقم: ٧٥١٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٤٩ - ٥٠) من طرق.","vol":"4","page":106},{"text":"رمضانَ فقالَ: أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحهُ أحمدُ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ قدْ صحَّحهُ البخاريُّ (^١) وغيرُه، وأخرجهُ الأئمةُ عنْ ستةَ عشرَ منَ الصحابةِ (^٢). وقالَ الحافظ السيوطيُّ في الجامعِ الصغيرِ (^٣): إنَّه متواترٌ. وهوَ دليلٌ على أن الحجامةَ تفطِّرُ الصائمَ منْ حاجمٍ ومحجومٍ لهُ. وقدْ ذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ إلى ذلكَ منهم أحمدُ بنُ حنبل وأتباعُه لحديثِ شدادٍ هذا. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يفطرُ المحجومُ لهُ، وأما الحاجمُ فإنهُ لا يفطِرُ عملًا بالحديثِ هذا في الطرفِ الأولِ، ولا أدري ما الذي أوجبَ العملَ ببعضِه دونَ بعضٍ، وأما الجمهورُ القائلونَ: إنهُ لا يفطرُ حاجمٌ ولا محجومٌ له فأجابوا عنْ حديثِ شدادٍ هذا بأنهُ منسوخٌ (^٤)، لأن حديثَ ابن عباسٍ متأخِّرٌ، لأنهُ صحبَ النبيَّ - ﷺ - عامَ حجهِ وهوَ سنةَ عشرٍ، وشدادٌ صحبهُ عامَ الفتحِ، كذَا حُكِيَ عن الشافعيِّ (^٥) قالَ: وتوقِّي الحجامةِ احتياطًا أحبُّ إليَّ. ويؤيدُ النسخَ ما يأتي في حديثِ أنسٍ في قصةِ جعفرِ بن أبي طالبٍ. وقدْ أخرجَ الحازميُّ (^٦) منْ حديثِ أبي\n_________\n(^١) ذكره الترمذي في \"العلل الكبير\" (ص ١٢٢).\n(^٢) منهم: ١) رافع بن خديج. ٢) أبو موسى. ٣) معقل بن يسار. ٤): أسامة بن زيد ٥) بلال. ٦) علي. ٧) عائشة. ٨) أبو هريرة. ٩) أنس. ١٠) جابر. ١١) ابن عمر. ١٢) سعد بن أبي وقاص. ١٣) أبو يزيد الأنصاري. ١٤) ابن مسعود. ١٥) ثوبان. ١٦) شداد. انظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصيام.\n(^٣) رقم الحديث (١٣٠٩).\n(^٤) انظر: \"رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار\" للجعبري (ص ٣٥٦ - ٣٥٩).\n(^٥) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٥١)، و\"نصب الراية\" (٢/ ٤٧٩) و\"فتح الباري\" (٤/ ١٧٧).\n(^٦) في \"الاعتبار\" (ص ٣٥٥).\nقلت: وأخرجه الترمذي في \"العلل الكبير\" (رقم: ٢١٥)، والبزار (رقم ١٠١٢ - كشف الأستار) وقال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا إسحاق عن الثوري.\nوقال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد الخدري لا عن النبي - ﷺ -. أدرج في الخبر. وقال الترمذي: سألت محمدًا - البخاري - عن هذا الحديث فقال: حديث إسحاق الأزرق عن سفيان هو خطأ.\nقال أبو عيسى: وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا أصح. هكذا روى قتادة وغير واحد، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قوله.\nقلت: وانظر: \"كشف الأستار\" (١/ ٤٧٦ و٤٧٧).\nوصحيح ابن خزيمة (٣/ ٢٣١ رقم ١٩٦٧ و١٩٦٨ و١٩٦٩) و(٣/ ٢٤٧ رقم ٢٠٠٥).","vol":"4","page":107},{"text":"سعيدٍ مثلَه. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ (^١): إنَّ حديثَ: \"أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ\" ثابتٌ بلا ريبٍ لكنْ وجدْنا في حديثٍ: \"أنهُ - ﷺ - نَهَى عن الحجامةِ للصائمِ وعنِ المواصلةِ، ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ\" (^٢) إسنادُه صحيحٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٣) ما يؤيِّدُ حديثَ أبي سعيدٍ: \"أنهُ - ﷺ - رخَّصَ في الحجامةِ للصائمِ\" والرخصةُ إنما تكونُ بعدَ العزيمةِ فدلَّ على النسخِ سواءٌ كانَ حاجمًا أو محجومًا. وقيلَ: إنهُ يدلُّ على الكراهةِ، ويدلُّ لها حديثُ أنسٍ الآتي (^٤)، وقيلَ إنَّما قالهُ - ﷺ - في خاصٍّ وهوَ أنهُ مرَّ بهما، وهما يغتابانِ الناسَ، رواهُ الوحاظيُّ عنْ يزيدِ بن ربيعةَ، عنْ أبي الأشعثِ الصنعانيِّ أنهُ قالَ: \"إنَّما قالَ رسولَ اللهِ - ﷺ - أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له، لأنَّهما كانا يغتابانِ الناسَ\". وقالَ ابنُ خزيمةَ في هذا التأويلِ: إنهُ أعجوبةٌ، لأنَّ القائلَ بهِ لا يقولُ إنَّ الغيبةَ تفطِّرُ الصائمَ. وقالَ أحمدُ: ومنْ سَلِمَ مِنَ الغيبةِ؟ لو كانتِ الغيبةُ تفطِّرُ ما كانَ لنا صومٌ. وقدْ وجَّهَ الشافعيُّ (^٥) هذا القولَ، وحملَ الشافعيُّ الإفطارَ بالغيبةِ على سقوطِ أجرِ الصومِ مثلُ قولهِ - ﷺ - للمتكلِّمِ والخطيبُ يخطبُ: \"لا جمعةَ لهُ\" (^٦)، ولم يأمْره بالإعادةِ، فدلَّ على أنهُ أرادَ سقوطَ الأجرِ وحينئذٍ فلا وجْهَ لجعلهِ أعجوبةً كما قالَ ابنُ خزيمةَ. وقالَ البغويُّ: (^٧) المرادُ بإفطارِهما تعرُّضُهمَا للإفطارِ؛ أما الحاجمُ فلأنهُ لا يأمنُ من وصولِ شيءٍ منَ الدمِ إلى جوفهِ عندَ المصِّ، وأما المحجومُ [له] (^٨) فلأنهُ لا يأمنُ منْ ضعفِ قوَّتهِ بخروجِ الدم فَيَؤولُ إلى الإفطارِ. قالَ ابنُ تيمية ﵀ في ردِّ هذا التأويلِ: إنَّ قولَهُ - ﷺ -: \"أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ لهُ\" نصٌّ في حصول الفطرِ لهما، فلا يجوزُ أن يعتقدَ بقاءَ صَومِهما والنبيُّ - ﷺ - يخبرُ عنْهما بالفطرِ، لا سيَّما وقد\n_________\n(^١) في \"المحلَّى\" (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٢) تقدم تخريجه في شرح حديث رقم (١٣/ ٦٢٢) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"المصنف\" (٣/ ٥١ - ٥٣).\n(^٤) رقم (١٨/ ٦٢٧) من كتابنا هذا.\n(^٥) انظر: \"مغني المحتاج\" (١/ ٤٣٥).\n(^٦) أخرجه أحمد في \"الفتح الرباني\" (٦/ ٦٢ رقم ١٥٦٣)، وأبو داود في \"السنن\" (رقم ١٠٥١) من حديث علي وفي إسناده مجهول وهو مولى امرأة عطاء الخراساني.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٧) في \"شرح السنة\" (٦/ ٣٠٤).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"4","page":108},{"text":"أطلقَ هذا القولَ إطلاقًا منْ غيرِ أنْ يقرنَه بقرينةٍ تدلُّ على أن ظاهرهَ غيرُ مرادٍ، فلوْ جازَ أن يريدَ مقاربةَ الفطرِ دونَ حقيقته لكانَ ذلكَ تلبيسًا لا بيانًا للحكم، انتهَى.\nقلتُ: ولا ريبَ في أن هذا هوَ الذي دلَّ لهُ:\n١٨/ ٦٢٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبي طَالبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرّ بِهِ النبيُّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَفْطَرَ هَذَانِ\"، ثُمّ رَخَّصَ النَّبيُّ - ﷺ - بعْدُ في الْحِجَامَةِ لِلصّائمِ، وَكَانَ أَنسِّ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَواهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَقوّاهُ (^١). [صحيح].\n(وعنْ أنسِ بن مالكٍ - ﵁ - قالَ: أولُ ما كُرِهَتِ الحجامةُ للصائمِ أن جعفرَ بنَ أبي طالبٍ احتجمَ وهوَ صائمٌ، فمرَّ بهِ النبيُّ - ﷺ - فقالَ: أفطرَ هذانِ، ثمَّ رخَّصَ النبيُّ - ﷺ - بعدُ في الحجامةِ للصائمِ، وكانَ أنسٌ يحتجمُ وهوَ صائمٌ. رواهُ الدارقطنيُّ وقوَّاهُ)، قالَ: إنَّ رجاله ثقاتٌ، ولا تُعْلَمُ لهُ علةٌ. وتقدَّمَ أنهُ منْ أدلةِ النسخِ لحديثِ شدادٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-698>[الكحل في الصيام]</span>\n١٩/ ٦٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - اكْتَحَلَ في رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^٣). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ (^٤): لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. [ضعيف].\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ١٨٢ رقم ٧) وقال: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة.\nوأخرجه البيهقي (٤/ ٢٦٨) من طريق الدارقطني به.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٤/ ١٧٨) عقب الحديث: \"ورواته كلهم من رجال البخاري .. \".\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) في \"السنن\" (١٦٧٨).\n(^٣) قال الوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣ رقم ٦٠٨/ ١٦٧٨): \"هذا إسناد ضعيف لضعف الزبيدي واسمه: سعيد بن عبد الجبار، بيَّنه أبو بكر بن أبي داود.\nرواه الحاكم من طريق أحمد بن أبي الطيب عن بقية به.\nومن طريق الحاكم رواه البيهقي في \"سننه\" (٤/ ٢٦٢) وقال: \"سعيد الزبيدي من مجاهيل شيوخ بقية منفرد بما لا يتابع عليه\" اهـ.\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ١٠٥).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":109},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - اكتحلَ في رمضانَ وهوَ صائمٌ. رواهُ ابن ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ. قالَ الترمذيُّ: لا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ)، ثمَّ قالَ: واختلفَ أهلُ العلمِ في الكحلِ للصائمِ فكرهَهُ بعضُهم، وهوَ قولُ سفيانَ، وابنِ المباركِ، وأحمدَ، وإسحاقَ. ورخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في الكحل للصائمِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ انتهَى. وخالفَ ابنُ شبرمةَ وابنُ أبي ليلى فقالَا: إنهُ يفطرُ لقولهِ - ﷺ -: \"الفطرُ مما دخلَ وليسَ مما خرجَ\"، وإذا وَجَدَ طعمَهُ فقدْ دخلَ، وأجيبَ عنهُ بأنا لا نسلِّم كونَه داخلًا، لأنَّ العينَ ليستَ بمنفَذٍ وإنَّما يصلُ منَ المسامِ، فإنَّ الإنسانَ قدْ يدلكُ قدميْهِ بالحنظلِ فيجدُ طعمهُ في فيهِ لا يفطرُ. وحديثُ: \"الفطرُ مما دخلَ\" علَّقَهُ البخاريُّ (^١) عن ابن عباسٍ، ووصلَهُ عنهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٢). وأما ما أخرجهُ أبو داودَ (^٣) عنهُ - ﷺ - قالَ في الإثمدِ: \"ليتقهِ الصائمُ\" ققالَ أبو داودَ: قالَ لي يحيى بنُ معين: إنه حديث منكرٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-699>[من أكل أو شرب ناسيًا]</span>\n٢٠/ ٦٢٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤).\n- وَللْحَاكِمِ (^٥): \"مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ وَلَا كفَّارَةَ\"، وَهُوَ صَحِيحٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ١٧٣ رقم الباب ٣٢).\n(^٢) في \"المصنف\" (٣/ ٥١).\n(^٣) في \"السنن\" (٢٣٧٧)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١٧١/ ١١٥٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٤٢٥)، والدارمي (٢/ ١٣)، وأبو داود (٢٣٩٨)، والترمذي (٧٢١)، وابن ماجه (١٦٧٣)، وابن الجارود (ص ١٦١ رقم ٣٩٠).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٣٠).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٨ رقم ٢٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٢٣٩ رقم ١٩٩٠) وابن حبان (رقم ٩٠٦ - موارد): وقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/ ١٥٧): إسناده صحيح.","vol":"4","page":110},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ نسيَ وهوَ صائمٌ، فأكلَ أو شربَ فليتمَّ صومَه، فإنَّما أطعمهُ اللهُ وسقاهُ)، وفي روايةِ الترمذيِّ (^١): \"فإنَّما هو رزقٌ ساقهُ اللهُ إليهِ\" (متفقٌ عليه. وللحاكمِ) أي: [عن] (^٢) أبي هريرةَ: (مَنْ أفطرَ في رمضانُ ناسيًا فلا قضاءَ عليهِ ولا كفارةَ. وهوَ صحيحٌ)، وورود لفظِ: مَنْ أفطرَ يعمُّ الجماعَ، وإنَّما خصَّ الأكلَ والشربَ لكونِهما الغالبَ في النسيانِ كما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أكلَ أو شربَ أو جامعَ ناسيًا لصومهِ فإنهُ لا يفطرهُ ذلكَ لدلالةِ قولهِ: \"فليتمَّ صومَهُ\" على أنهُ صائمٌ حقيقةً، وهذَا قولُ الجمهور (^٣)، وزيدُ بنُ عليٍّ، والباقرُ، وأحمدُ بنُ عيسى، والإمامُ يحيى، والفريقينِ. وذهبَ غيرُهم إلى أنهُ يفطرُ، قالُوا: لأنَّ الإمساكَ عن المفطراتِ ركنُ الصومِ، فحكمهُ حكمُ مَنْ نسيَ ركنًا منَ الصلاةِ، فإنَّها تجبُ عليهِ الإعادةُ وإنْ كانَ ناسيًا. وتأَوَّلُوا قولَه: \"فليتمَّ صومَهُ\" بأنَّ المرادَ فليتمَّ إمساكَهُ عن المفطراتِ. وأجيبَ بأنَّ قولَهُ: \"فلا قضاء عليهِ ولا كفارةَ\" صريحٌ في صحَّةِ صومهِ وعدمِ قضائهِ لهُ.\nوقدْ أَخْرجَ الدارقطنيُّ إسقاطَ القضاءِ في روايةِ أبي رافعٍ (^٤)، وسعيدٍ المقبريِّ (^٥)، والوليدِ بن عبدِ الرحمنِ (^٦)، وعطاء بن يسارٍ (^٧)، كلُّهم عنْ أبي هريرةَ. وأفتَى بهِ جماعةٌ منَ الصحابةِ، منْهم عليٌّ - ﵁ - وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، كما قالُ ابنُ المنذرِ، وابنُ حزمٍ (^٨). وفي سقوطِ القضاءِ أحاديثُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ويتمُّ الاحتجاجُ بها. وأما القياسُ على الصلاةِ فهوَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ١٠٠): \" .. فإنما هو رزقٌ رزَقه اللهُ\".\nواللفظ المذكور عند الدارقطني (٢/ ١٧٨ رقم ٢٧).\n(^٢) في (ب): \"من\".\n(^٣) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧).\n(^٤) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٩ رقم ٣٠) وقال: نصر بن طريف أبو جزء ضعيف.\n(^٥) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٩ رقم ٣١) وقال: ياسين ضعيف الحديث، وعبد الله بن سعيد مثله.\n(^٦) و(^٧) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٧٩ رقم ٣٣) وقال: والحكم بن عبد الله هو ابن سعد الأيلي ضعيف الحديث.\n(^٨) في \"المحلَّى\" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢٦).","vol":"4","page":111},{"text":"قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ لأنهُ في مقابلةِ النصِّ، على أنهُ منازعٌ في الأصلِ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (^١) عنْ مولاةٍ لبعضِ الصحابياتِ: \"أنّها كانتْ عنِدَ النبيِّ - ﷺ - فأُتيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فأكلت منه، ثم تذكرتْ أنَّها كانتْ صائمةً فقالَ لها ذو اليدينِ: الآنَ بعدَ ما شبعتِ، فقالَ لها النبيُّ - ﷺ -: \"أتمِّي صومَك فإنَّما هوَ رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليكِ\"، ورَوَى عبدُ الرزاقِ (^٢): \"أن إنسانًا جاءَ إلى أبي هريرةَ، فقالَ لهُ: أصبحتُ صائمًا وطعمتُ، فقالَ: لا بأسَ، قالَ: ثمَّ دخلتُ على إنسانٍ فنسيتُ وطعمتُ وشربت، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت، قالَ أبو هريرة: أنتَ إنسانٌ لم تتعوَّد الصوم.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>[لا يفطر الصائم بالقيء الغالب بل يفطر باستجلابه]</span>\n٢١/ ٦٣٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٣)، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَقَوّاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٣٦٧) بسند ضعيف.\n(^٢) في \"المصنف\" (٤/ ١٧٤ رقم ٧٣٧٨) عن عمرو بن دينار.\n(^٣) أحمد (٢/ ٤٩٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠). وابن ماجه (١٦٧٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠/ ٣٥٤ - تحفة الأشراف).\n(^٤) أنكره أحمد، وقال في رواية: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو من حديثه. كما في \"التلخيص\" (٢/ ١٨٩).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٨٤ رقم ٢٠) وقال: رواته ثقات كلهم.\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٤)، وابن خزيمة رقم (١٩٦٠) و(١٩٦١)، والبيهقي (٤/ ٢١٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٧٥٥)، والحاكم (١/ ٤٢٦ - ٤٢٧) وصحَّحه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\nوقال أبو داود عقب حديث (٢٣٨٠): رواه أيضًا حفص بن غياث عن هشام مثله. وهذه الرواية وصلها ابن ماجه (١٦٧٦)، وابن خزيمة (رقم ١٩٦١)، والحاكم (١/ ٤٢٦)، والبيهقي (٤/ ٢١٩) من طرق عن حفص بن غياث عن هشام به.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":112},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ) بالذالِ المعجمةِ، والراءِ والعينِ المهملتينِ أي: سبقهُ وغَلَبَهُ في الخروجِ، (فَلَا قضاءَ عليهِ، ومَن استقاءَ) أي: طلبَ القيءَ باختيارهِ (فعليهِ القضاءُ. رواهُ الخمسةُ، وأعلَّهُ أحمدُ) بأنهُ غلطٌ، (وقوَّاهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ البخاريُّ: لا أراهُ محفوظًا. وقدْ رُوِيَ منْ غيرِ وجهٍ ولا يصحُّ إسنادُه، وأنكرهُ أحمدُ وقالَ: ليسَ مِنْ ذا بشيء. قالَ الخطابيُّ: يريدُ أنهُ غيرُ محفوظٍ وقالَ: يقالُ صحيحٌ على شرطِهِما.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يفطرُ بالقيءِ الغالبِ لقولهِ: فلا قضاءَ عليهِ؛ إذْ عدمُ القضاءِ فرعُ الصحةِ. وعلى أنهُ يفطرُ منْ طَلَبَ القيءَ واستجْلَبَهُ، وظاهرُهُ وإنْ لم يخرجْ لهُ قيءٌ لأمرهِ بالقضاءِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ الإجماعَ (^١) على أن تعمُّدَ القيءِ يفطِّرُ.\nقلتُ: ولكنهُ رُوِي عن ابن عباسٍ، ومالكٍ، وربيعةَ، والهادي (^٢) أن القيءَ لا يفطِّرُ مطلقًا إلَّا إذا رجعَ منهُ شيءُ فإنهُ يفظرُ، وحجَّتُهم ما أخرجهُ الترمذيُّ (^٣)، والبيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ (^٤): \"ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ: القيءُ، والحجامةُ، والاحتلامُ\". ويجابُ بحملهِ على مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ جمعًا بينَ الأدلةِ، وحَمْلًا للعامِّ على الخاصِّ على أن العامَّ غيرُ صحيحٍ، والخاصُّ أرجحُ منهُ سندًا، فالعملُ بهِ أَوْلَى وإنْ عارضَتْهُ البراءةُ الأصليةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-701>[المسافر له أن يصوم وله أن يفطر]</span>\n٢٢/ ٦٣١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ\n_________\n(^١) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٥٢ رقم ١٢٤)، وذكر المحقق في التعليقة رقم (٥): \"قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا\". \"معالم السنن\" (٣/ ٢٦١).\nوقال ابن قدامة: هذا قول عامة أهل العلم. \"المغني\" (٣/ ١١٧) اهـ.\n(^٢) انظر: \"نيل الأوطار\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) في \"السنن\" (٧١٩) وقال: حديث أبي سعيد حديث غير محفوظ.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٢٠).\nقلت: في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، انظر: \"التقريب\" (١/ ٤٨٠)، و\"الميزان\" (٢/ ٥٦٤) و\"المجروحين\" (٢/ ٥٧).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":113},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، في رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: \"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ\".\n- وفَي لَفْظٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ منْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ - ﵄ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - خرجَ عامَ الفتحِ إلى مكة في رمضانَ)، سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ. قالَ ابنُ إسحاقَ وغيرهُ: أنهُ خرجَ يومَ العاشرِ منهُ (فصامَ حتَّى بلغَ كراعَ الغميمِ)، بضمِّ الكافِ، فراءٍ آخرَهُ مهملةٌ. والغميمُ بمعجمةٍ مفتوحةٍ، وهوَ وادٍ أمامَ عَسَفَانَ (فصامَ الناسُ، ثمَّ دعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ فرفعهُ حتَّى نظرَ الناسُ إليهِ فشربَ) لِيُعْلِمَ الناسَ بإفطارهِ، (ثمَّ قيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قد صامَ فقالَ: أولئكَ العصاةُ، أولئك العصاة. وفي لفظٍ فقيلَ: إنَّ الناسَ قدْ شقَّ عليهمُ الصيامُ، وإنَّما ينتظرونَ فيما فعلتَ، فدعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ بعدَ العصرِ فشربَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المسافرُ لهُ أنْ يصومَ، ولهُ أن يفطرَ، وأنَّ له الإفطارَ وإنْ صامَ أكثرَ النهارِ، وخالفَ في الطرفِ الأولِ داودُ (^٢) والإماميةُ فقالُوا: لا يجزئُ المسافر الصومُ لقولِه تَعَالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٣)، ولقولهِ: \"أولئك العصاةُ\"، [ولقولهِ] (^٤): \"ليسَ منَ البرِّ الصيامُ في السفر\" (^٥)، وخالفَهمُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩٠، ٩١/ ١١١٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٧١٠)، والنسائي (٤/ ١٧٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٦٥)، والبيهقي (٤/ ٢٤١).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" (٦/ ٢٤٣ - ٢٥٩ رقم المسألة ٧٦٢).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(^٤) في (ب): \"وقوله\".\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥). والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ١٨٩ رقم ٩١٠)، وأحمد (٣/ ٢٩٩). والدارمي (٢/ ٩)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والنسائي (٤/ ١٧٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٥٩)، والبيهقي (٤/ ٢٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار\" (٢/ ٦٢) من حديث جابر.","vol":"4","page":114},{"text":"الجماهيرُ فقالُوا: يجزئُه صومُه لفعلِه - ﷺ -. والآيةُ لا دليلَ فيها على عدمِ الإجزاءِ. وقولُهُ: \"أولئكَ العصاةُ\" إنَّما هوَ لمخالفتهم لأمرهِ بالإفطارِ، وقدْ تعيَّنَ عليهمْ. وفيه أنهُ ليسَ في الحديثِ أنهُ أمرَهمْ وإنَّما يتمُّ على أنَّ فعلَه يقتضي الوجوبَ. وأما حديثُ: \"ليسَ منَ البرِّ\" فإنَّما قالهُ - ﷺ - فيمَنْ شقَّ عليهِ الصيامُ. نعمْ يتمُّ الاستدلالُ بتحريمِ الصومِ في السفرِ علَى مَنْ شقَّ عليهِ فإنهُ إنَّما أفطرَ - ﷺ - لقولِهم إنَّهم قدْ شقَّ عليهمْ الصيامُ فالذين صامُوا بعدَ ذلكَ وصفَهم بأنَّهمْ عصاةٌ.\nوأما جوازُ الإفطارِ وإنْ صامَ أكثرَ النَّهارِ، فذهبَ أيضًا إلى جوازهِ الجماهيرُ، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على صحةِ الحديثِ، وهذَا إذا نوى الصيامَ في السفرِ، وأما إذا دخلَ فيهِ وهوَ مقيمٌ ثمَّ سافرَ في أثناءِ يومِه فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ لهُ الإفطارُ، وأجازَهُ أحمدُ، وإسحاق، وغيرُهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ مسافرٌ (^١)، وأما الأفضلُ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنَّ الصومَ أفضلُ للمسافرِ (^٢) حيثُ لا مشقةَ عليهِ ولا ضررَ، فإنْ تضررَ فالفطرُ أفضلُ. وقالَ أحمدُ وإسحاقُ وآخرونَ: الفطرُ أفضلُ مطلقًا، واحتجُّوا بالأحاديثِ التي احتجَّ بها مَنْ قالَ: لا يجزئُ الصومُ، قالُوا: وتلكَ الأحاديثُ وإنْ دلَّتْ على المنعِ لكنَّ حديثَ حمزةَ بن عمرٍو الآتي (^٣)، وقولَهُ: \"مَنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جناحَ عليهِ\" أفادَ بنفيهِ الجناحَ أنهُ لا بأسَ بهِ لا أنهُ محرَّمٌ ولا أفضلُ، واحتجَّ مَنْ قَالَ: بأنَّ الصومَ الأفضلُ أنهُ كانَ غالبَ فعلهِ - ﷺ - في أسفارهِ. ولا يُخفَى أنهُ لا بدَّ مِنَ الدليلِ على الأكثريةِ. وتأوَّلُوا أحاديثَ المنعِ بأنهُ لمنْ شُقَّ عليهِ الصومُ. وقالَ آخرونَ: الصومُ والإفطارُ سواءٌ لتعادلِ الأحاديثِ في ذلكَ، وهوَ ظاهرُ حديثِ أنسٍ (^٤): \"سافرْنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - فلمْ يُعِبِ الصائمَ على المفطرِ، ولا المفطرَ على الصائمِ\"، وظاهرهُ التسويةُ.\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" بتحقيقنا (٢/ ١٦٥ - ١٧٥).\nوالفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي (٢/ ٦٤١ - ٦٤٤).\nو\"المجموع\" للنووي (٦/ ٢٦٠ - ٢٦٦).\n(^٢) و\"الروض النضير\" (٣/ ٣٤ - ٣٨).\n(^٣) رقم (٢٣/ ٦٣٢) من كتابنا هذا.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨).","vol":"4","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-702>[أيهما أفضل في السفر الفطر أم الصوم؟]</span>\n٢٣/ ٦٣٢ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني أَجِدُ فيَّ قُوّةً عَلَى الصِّيَامِ في السّفَرِ، فَهَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). وَأَصْلُهُ في الْمُتَّفقِ عَلَيْهِ (^٢) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ ابْنُ عَمْرٍو سَأَلَ. [صحيح]\n(وعنْ حمزةَ بن عمروِ الأسلميِّ) (^٣) هوَ أبو صالح أو أبو محمد، حمزةُ بالحاءِ المهملةِ وزاي معجمة يُعَدُّ في أهلِ الحجازِ، رَوَى عنهُ ابنُه محمدٌ وعائشةُ وغيرهما، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ ولهُ ثمانونَ سنةً (أنهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أجدُ فيَّ قوةً على الصيامِ في السفرِ فهلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقالَ رسول اللهِ - ﷺ -: هي رخصةٌ منَ اللهِ فمن أخذها فَحَسَنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومُ فلا جنَاحٌ عليه. رواة مسلمٌ، وأصلُه في المتفقِ منْ حديثِ عائشةَ أن حمزَة بن عمرٍو سأل)، وفي لفظِ مسلمٍ (^٤): \"إني رجلٌ أسردُ الصومَ أفأصومُ في السفرِ؟ قالَ: صُمْ إنْ شئتَ، وأفطرْ إنْ شئتَ\". ففي هذا اللفظِ دلالةٌ على أنّهما سواءٌ، وتقدمَ الكلامُ في ذلك. وقد استدلَّ بالحديثِ مَنْ يَرى أنهُ لا يكرهُ صومُ الدهرِ، وذلكَ أنهُ أخبرَ أنهُ يسردُ الصومَ فأقرَّهُ ولم ينكرْ عليه وهوَ في السفرِ ففي الحضَرِ بالأَوْلَى، وذلك إذا كان لا يضعُفُ بهِ عنْ واجبٍ، ولا يفوتُ بسببهِ عليه حقٌّ، وبشرطِ فطرهِ العيدينِ والتشريقِ، وأما إنكارهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١٢١).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٢٩٥ رقم ٢٤)، والطيالسي (١/ ١٨٩ رقم ٩٠٧ - منحة المعبود)، وأحمد (٣/ ٤٩٤)، والحاكم (١/ ٤٣٣)، والبيهقي (٤/ ٢٤٣)، والنسائي (٤/ ١٨٧)، وأبو داود (٢٤٠٢).\n(^٢) البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١١٢١).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٤٦)، والدارمي (٢/ ٨ - ٩)، والترمذي (٧١١)، والنسائي (٤/ ١٨٧)، وابن ماجه (١٦٦٢)، والبيهقي (٤/ ٢٤٣).\n(^٣) انظر: \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٥ رقم الترجمة ١٢٥٢).\nو\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٨ رقم الترجمة ٤٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٠٤/ ١١٢١).","vol":"4","page":116},{"text":"على ابن عمرٍ صومَ الدهرِ (^١) فلا يعارضُ هذا إلا أنه علمَ - ﷺ - أنهُ سيضعفُ عنهُ، وهكذا كان فإنهُ ضعُفَ آخرَ عمرِه، وكانَ يقولُ: يا ليتني قبلتُ رخصةَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وكان - ﷺ - يحبُّ العملَ الدائمَ وإنْ قلَّ ويحثُّهم عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-703>[حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام]</span>\n٢٤/ ٦٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ: \"أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^٢)، وَالْحَاكِمُ (^٣)، وَصَحَّحَاهُ. [صحيح بشواهده]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أنْ يفطرَ ويُطعِمَ عنْ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليهِ، رواهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ وصحَّحاهُ). اعلمْ أنهُ اختلفَ الناسُ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (^٤)؛ فالمشهور أنَّها منسوخةٌ، وأنهُ كانَ أولَ فرضِ الصيامِ أن مَنْ شاءَ أطعمَ مسكينًا وأفطرَ، ومنْ شاءَ صامَ، ثمَّ نسختْ بقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^٥)، وقيلَ بقولهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٦) وقالَ قومٌ: هي غيرُ منسوخةٍ، منْهم ابنُ عباسٍ كما هنا، ورُوِيَ عنهُ أنهُ كانَ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (٤) أي: يُكَلَّفُونَهُ ولا يطيقونه ويقولُ: ليستْ بمنسوخةٍ، هي للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الهرمةِ، وهذَا هوَ الذي أخرجَهُ عنهُ مَنْ ذكرهُ المصنفُ، وفي سننِ الدارقطنيِّ (^٧) عن ابن عباس - ﵁ -: \"وعلى الذينَ يطيقونَهُ فديةٌ طعامُ مسكينٍ واحدٍ فمنْ تطوَّعَ خيرًا، قال: زادَ مسكينًا آخرَ فهو خيرٌ لهُ، قالَ: وليستْ منسوخةً إلا أنهُ رُخّصَ للشيخِ الكبيرِ الذي لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٩٧)، ومسلم (١٨٦/ ١١٥٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٠٥ رقم ٦) وقال: هذا إسناد صحيح.\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٠) وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(^٧) (٢/ ٢٠٥ رقم ٣ ورقم ٧): قال بعد رقم ٣: إسناد صحيح ثابت، وقال بعد رقم ٧: وهذا صحيح.","vol":"4","page":117},{"text":"يستطيعُ الصيامُ\". إسنادُه صحيحْ ثابتٌ، وفيهِ (^١) أيضًا: \"لا يُرَخَّصُ في هذا إلا للكبيرِ الذي لا يطيقُ الصيامَ أو مريضٍ لا يُشْفَى\"، قالَ: وهذا صحيحْ وعيَّنَ في روايةٍ (^٢) قدْرَ الإطعامِ وأنهُ نصفُ صالحٍ منْ حنطةٍ. وأخرجَ أيضًا (^٣): \"عن ابن عباسٍ، وابنِ عمرَ في الحاملِ والمرضعِ أنَّهما يفطرانِ ولا قضاءَ\"، وأخرجَ مثلَه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ (^٤)، وأنَّهما يطعمانِ كلَّ يومٍ مسكينًا. وأخرجَ (^٥): \"عنْ أنسِ بن مالكٍ أنهُ ضعفَ عامًا عن الصومِ، فصنعَ جفنةً منْ ثريدٍ، فدعا ثلاثينَ مسكينًا فأشبعَهم\". وفي المسألةِ خلافٌ بينَ السلفَ، فالجمهورُ (^٦) أَنَّ الإطعامَ لازمٌ في حقِّ مَنْ لم يطقِ الصيامَ لِكِبَرٍ منسوخٌ في غيرِهِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ: الإطعامُ منسوخٌ وليسَ على الكبيرِ إذا لم يطقِ الصيامَ إطعامٌ (^٧). وقالَ مالكٌ (^٨): يستحبُّ لهُ الإطعامُ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والأظهرُ ما قالَهُ ابنُ عباسٍ، والمرادُ بالشيخ العاجزُ عن الصومِ. ثمَّ الظاهرُ أن حديثَه موقوفٌ، ويحتملُ أن المرادَ رَخَّصَ النبيُّ - ﷺ - فَغَيَّرَ الصيغةَ للعلمِ بذلكَ؟ فإنَّ الترخيصَ إنَّما يكونُ توْقِيفًا، وفيه أنه يحتملُ أنهُ فهمهُ ابنُ عباسٍ منَ الآيةِ وهوَ الأقربُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-704>كفارة المجامع في رمضان</span>\n٢٥/ ٦٣٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: \"وَمَا أَهْلَكَكَ؟ \"، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرأَتي فِي رَمَضَانَ، فَقَال: \"هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ\n_________\n(^١) في \"سنن\" الدارقطني (٢/ ٢٠٥ رقم ٤) وقال: هذا الإسناد صحيح.\n(^٢) في \"سنن\" الدارقطني (٢/ ٢٠٧ رقم ١٢) وقال: صحيح.\n(^٣) في \"سنن\" الدارقطني (٢/ ٢٠٧ رقم ١١) وقال: صحيح وما بعده.\n(^٤) منهم ابن عمر (٢/ ٢٠٧ رقم ١٤) وقال: صحيح.\n(^٥) في \"سنن\" الدارقطني (٢/ ٢٠٧ رقم ١٦).\n(^٦) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٦٤٧).\n(^٧) انظر: \"بداية المجتهد\" بتحقيقنا (٢/ ١٧٧ - ١٧٨).\n(^٨) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" (ص ١٤٣).","vol":"4","page":118},{"text":"مِسكِينًا؟ \"، قَالَ: لَا، ثُمّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: (تَصَدَّق بِهذَا\"، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنا، فَضَحِكَ النَّبيُّ - ﷺ - حَتى بَدَتْ أَنْيَابَهُ، ثُمّ قَالَ: \"اذْهَبْ فَأَطْعِمهُ أَهْلَكَ\"، رَوَاهُ السَّبْعَةُ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: جاءَ رجلٌ) هوَ سلمةُ أو سلمانُ بنُ صخرٍ البياضي (^٢)، (إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: هلكْتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: وما أهلكَكَ؟ قالَ: وقعتُ على امرأتي في رمضانَ، قالَ: هلْ تجدُ ما تعتقُ رقبةً) بالنصبِ بدلٌ منْ ما (قالَ: لا، قالَ: فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرينِ متتابعينِ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ تجدُ ما تطعِمُ ستينَ مسكينًا) الجمهورُ أنَّ لكلِّ مسكينٍ مدًّا منْ طعامٍ ربعَ صاعٍ (قالَ: لا، ثمَّ جلسَ فَأُتيَ) بضمِّ الهمزةِ مغيرُ الصيغةِ (النبيُّ - ﷺ - بِعَرَقٍ) وهو المكيل الضخم بفتح العينِ المهملةِ والراءِ ثمَّ قافٍ (فيهِ تمرٌ). وردَ في روايةٍ (^٣) في غيرِ الصحيحينِ: فيهِ خمسةَ عشرَ صاعًا، وفي أُخْرَى (^٤) عشرونَ، (فقالَ: تصدَّقْ بهذَا، قال: أعلى أفقرَ منَّا فما بينَ لابَتَيها) تثنيةُ لابةٍ وهي الحرَّةُ، ويقالُ فيها لوبةُ ونوبةُ بالنونِ وهي غيرُ مهموزةٍ (أهل بيتٍ أحوجُ إليهِ منَّا فضحكَ النبيُّ - ﷺ - حتَّى بَدتْ انيابُهُ، ثمَّ قالَ: اذهبْ فأطعمْهُ أهْلَك. رواهُ السبعةُ، واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليل على وجوبِ الكفارةِ على مَنْ جامعَ في نهارِ رمضانَ عامدًا، وذكرَ النوويُّ أنهُ إجماعٌ معسرًا كانَ أو\n_________\n(^١) البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١)، ومالك (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، وأبو داود (٢٣٩٠)، والترمذي (٧٢٤)، وابن ماجه (١٦٧١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٢١٢ رقم ٣١١٧/ ٤)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٥٨ و٢٤١ و٢٨١)، والبيهقي (٤/ ٢٢١ و٢٢٢ و٢٢٤ و٢٢٦)، وابن الجارود رقم (٣٨٤)، والدارقطني (٢/ ١٩٥، ١٩١) وغيرهم. من طرق.\n(^٢) قال الخزرجي في \"الخلاصة\" (ص ١٤٨): \"سلمة بن صخر بن سليمان بن الصمة الأنصاري الخزرجي البياضي، الذي ظاهر من امرأته، روى عنه ابن المسيب، وسليمان بن يسار، قال البخاري: \"لم يسمع منه له عندهم حديث\".\n(^٣) عند الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ١٩٠ رقم ٤٩) وقال: هذا إسناد صحيح.\nوعند البيهقي (٤/ ٢٢٢ و٢٢٤ و٢٢٦).\n(^٤) انظر: \"موطأ مالك\" (١/ ٢٩٧).","vol":"4","page":119},{"text":"موسِرًا؛ فالمعسِرُ تثبتُ [الكفارة] (^١) في ذمتهِ على أحدِ قولينِ للشافعيةِ، ثانيْهمَا لا تستقرُّ في ذمتهِ لأنهُ - ﷺ - لم يبيِّنْ لهُ أنَّها باقيةٌ عليهِ. واختُلِفَ في الرقبةِ فإنَّها هنا مطلقةٌ، فالجمهورُ قَيَّدُوها بالمؤمنةِ حملًا للمطلقِ هنا عَلى المقيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ قَالُوا: لِأنّ كَلامَ اللَّهِ في حُكمِ الخِطابِ الوَاحِدِ فَيتَرتّبُ فِيه المُطْلَقُ عَلى المقيَّدِ. وقَالتِ الحنفيَّةُ: لَا يُحْمَلُ المُطْلَقُ على المقيدَ مطلقًا، فتجزئُ الرقبةُ الكافرةُ. وقيلَ: يفصَّلُ في ذلكَ، وهوَ أنهُ يقيدُ المطلقُ إذا اقتضَى القياسُ التقييدَ فيكونُ تقييدًا بالقياسِ كالتخصيصِ بالقياسِ، وهوَ مذهبُ الجمهورِ، والعلةُ الجامعةُ هنا هوَ أن جميعَ ذلكَ كفارةٌ عنْ ذنبٍ مكفرٍ للخطيئةِ، والمسألةُ مبسوطةٌ في الأصولِ. ثمَّ [إن] (^٢) الحديثُ ظاهرٌ في أن الكفارةَ مرتبةٌ على ما ذُكِرَ في الحديثِ، فلا يجزئُ العدولُ إلى الثاني معَ إمكانِ الأولِ، ولا إلى الثالثِ معَ إمكانِ الثاني لوقوعهِ مُرَتَّبًا في روايةِ الصحيحينِ. وَرَوَى الزُّهريُّ الترتيبَ عنْ ثلاثينَ نفسًا أوْ أكثرَ. ورواية التخييرِ مرجوحةٌ معَ ثبوتِ الترتيبِ في الصحيحينِ. ويؤيدُ روايةَ الترتيب أنهُ الواقعُ في كفارةِ الظهارِ، وهذهِ الكفارةُ شبيهةٌ بها. وقولُه: \"ستينَ مسكينًا\" ظاهر مفهومه أنهُ لا يجزئُ إلا إطعامُ هذَا العدد فلا يجزئُ أقلُّ منْ ذلكَ. وقالتِ الحنفيةُ: يجزئُ الصرفُ في واحدٍ، ففي القَدُورِيِّ منْ كتُبِهمْ فإنْ أطعمَ مسكينًا واحدًا ستينَ يومًا أجزأَه عندَنا، وإنْ أعطاهُ في يومٍ واحدٍ [لا يجزه] (^٣) إلَّا عنْ يومهِ. وقولُه: \"اذهبْ فأطعمْه أهلَكَ\"، فيهِ قولانِ للعلماءِ هما:\nأنَّ هذهِ كفارةٌ، ومنْ قاعدةِ الكفاراتِ أنْ لا تصرفَ في النفس لكنهُ - ﷺ - خصَّهُ بذلكَ، وردَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الخصوصيةِ.\nالثاني: أن الكفارةَ ساقطةٌ عنهُ لإعسارهِ، ويدلُّ له حديثُ عليٍّ - ﵇ -: \"كُلْهُ أنتَ وعيالُك فقدْ كفَّر الله عنكَ\" (^٤) إلَّا أنهُ حديثٌ ضعيفٌ، أو أنَّها باقيةٌ في ذمتهِ، والذي أعطاهُ - ﷺ - صدقةٌ عليهِ وعلى أهلهِ لما عَرفَهُ - ﷺ - منْ حاجتِهم. وقالتِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"لم يجزه\".\n(^٤) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٢٠٨ رقم ٢١) وفيه المنذر بن محمد ليس بقوي، وهذا إسناد علوي، وقال في \"التلخيص\": في إسناده من لا تعرف عدالته.","vol":"4","page":120},{"text":"الهادويةُ (^١) وجماعةٌ: إنَّ الكفارةَ غيرُ واجبةٍ أصلًا على موسرٍ ولا معسرٍ. قالُوا: لأنهُ أباحَ لهُ أنْ يأكلُ منْها ولوْ كانتْ واجبةً لما جازَ ذلكَ وهوَ استدلالٌ غيرُ ناهضٍ، لأنَّ المرادَ ظاهرٌ في الوجوبِ، وإباحةُ الأكل لا تدلُّ على أنَّها كفارةٌ بلْ فيها الاحتمالاتُ التي سلفتْ. واستدلَّ المهدي في البحرِ (^٢) كلى عدمِ وجوب الكفارةِ بأنهُ - ﷺ - قالَ للمُجامِعِ: \"استغفرِ اللَّهَ وثمْ يومًا مكانَهُ\" (^٣) ولم يذكرْها. وأَجيبَ عنهُ بأنها قد ثبتت روايةُ الأمرِ بها عندَ السبعةِ بهذَا الحديثِ المذكورِ هُنَا. واعلم أنهُ لم يأمْرهُ في هذهِ الروايةِ بقضاءِ اليومِ الذي جامعَ فيهِ إلَّا أنهُ وردَ في روايةٍ [أخرى] (^٤) أخرجَها أبو داودَ (^٥) عن أبي هريرةَ بلفظِ: \"كُلْهُ أنتَ وأهلُ بيتك وصمْ يومًا واستغفرِ الله\". وإلى وجوب القضاءِ ذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ لعمومِ قولهِ تعالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٦). (وفي) قولٍ للشافعيِّ: أنهُ لا قضاءَ لأنهُ - ﷺ - لمْ يأمرْهُ إلا بالكفارةِ لا غيرُ. (وأجيبَ) بأنهُ اتكلَ - ﷺ - على ما علمَ منَ الآيةِ. هذا حكمُ ما يجبُ على الرجلِ. وأما المرأةُ التي جامعَها فقد استدلَّ بهذَا الحديثِ أنهُ لا يلزمُ إلا كفارةٌ واحدةٌ، وأنَّها لا تجبُ على الزوجةِ، وهوَ الأصحُّ منْ قولي الشافعيِّ، وبهِ قال الأوزاعي. وذهبَ الجمهورُ (^٧) إلى وجوبِها على المرأةِ أيضًا قالُوا: وإنَّما لم يذكرْها النبيُّ - ﷺ - معَ الزوجِ لأنَّها لم تعترفْ واعترافُ الزوجِ لا يوجبُ عليْها الحكمَ، أو لاحتمالِ أن المرأةَ لم تكنْ صائمةً بأنْ تكونَ طاهرةً منَ الحيضِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، أوْ أن بيانَ الحكمِ في حقِّ الرجلِ يثبتُ الحكمَ في حقِّ المرأةِ أيضًا لما عُلِمَ منْ تعميمِ الأحكامِ، أوْ أنهُ عَرَفَ فقرَها كما ظهرَ منْ حالِ زوجِها.\n(واعلمْ) أن هذا حديثٌ جليلٌ كثيرُ الفوائدِ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (^٨): إنهُ قد اعتنَى بعضُ المتأخرينَ ممنْ أدركَ شيوخنَا بهذا الحديثِ فتكلَّمَ عليهِ في مجلدينِ جمعَ فيهما ألفَ فائدةٍ وفائدةٍ، انتهَى. وما ذكرْناهُ فيهِ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) (٢/ ٢٤٩).\n(^٣) أخرجه سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب كما في \"التلخيص\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن\" (٢٣٩٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) سورة البقرة: الآيتان ١٨٤، ١٨٥.\n(^٧) انظر: \"الروض النضير\" (٣/ ٧٦).\n(^٨) (٤/ ١٧٣).","vol":"4","page":121},{"text":"كفايةٌ لِمَا فيهِ منَ الأحكامِ وقدْ طوَّلَ الشارحُ فيهِ ناقلًا منْ فتحِ الباري.\n\n<span data-type='title' id=toc-705>من أصبح جنبًا في الصيام فلا شيء عليه</span>\n٢٦/ ٦٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيّ - ﷺ - كَانَ يُصْبحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَزَادَ مُسْلِمٌ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (^٢): وَلَا يَقْضِي. [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ وأمِّ سلمةَ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يصبحُ جُنُبًا منْ جماعٍ ثم يغتسلُ ويصومُ. متفقٌ عليهِ. وزادَ مسلمٌ في حديثِ أمِّ سَلَمة: ولا يقضي).\nفيهِ دليلٌ على صِحَّةِ صومِ مَنْ أصبحَ أي دَخَلَ في الصباحِ وهوَ جُنُبٌ منْ جماعٍ، والى هذا ذهبَ الجمهورُ (^٣). وقالَ النوويُّ: إنهُ إجماعٌ، وقدْ عارضَه ما أخرجَهُ أحمدُ (^٤)، وابنُ حِبَّانَ (^٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"إذا نُودِيَ\n_________\n(^١) البخاري (١٩٢٦)، ومسلم (٧٥/ ١١٠٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٣٨٨)، والترمذي (٧٧٩) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٧٧/ ١١٠٩).\n(^٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٢/ ٧٨ - ٧٩ رقم المسألة ٢٠٧٨).\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٣١٤).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٨/ ٢٦١ رقم ٣٤٨٥).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (رقم ٧٣٩٩)، وابن ماجه (١٧٠٢). وعلقه البخاري بإثر حديث رقم (١٩٢٦)، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ١٤٦): وصله أحمد وابن حبان في طريق معمر عن همام.\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٢٢ رقم ٦١٥/ ١٧٠٢).\nهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه النسائي في \"الكبرى\" عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة به …\nقال شيخنا أبو الفضل بن الحسين - ﵀ -: وهذا إما منسوخ كما رجَّحه الخطابي، أو مرجوح كما قاله الشافعي والبخاري بما في \"الصحيحين\" من حديث عائشة وأم سلمة: أن رسول الله - ﷺ - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم.\nولمسلم من حديث عائشة التصريح بأنه ليس من خصائصه، وعنده أن أبا هريرة رجع عن ذلك حين بلغه حديث عائشة وأم سلمة.\nانظر: \"شرح صحيح مسلم\" للأبي (٣/ ٢٣٨ - ٢٤٠).","vol":"4","page":122},{"text":"للصلاةِ صلاةِ الصبحِ وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومَهُ\". وأجابَ الجمهورُ: بأنهُ منسوخٌ وأنَّ أبا هريرةَ رجعَ عنهُ لمَّا رُوِيَ لهُ حديثُ عائشةَ وأمِّ سلمةَ وأفتَى بقولِهِمَا. ويدلُّ للنسخِ ما أخرجَهُ مسلمٌ (^١)، وابنُ حبانَ (^٢)، وابنُ خزيمةَ (^٣) عنْ عائِشةَ: \"أن رجلًا جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - يستفتيهِ وهي تسمعُ منْ وراءِ حجابٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، تدركُني الصلاةُ أي: صلاةُ الصبحِ وأنا جُنُبٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"وأنا يدركني الصبح وأنا جُنُبٌ فأصومُ\"، قالَ: لستَ مثلَنا يا رسول اللَّهِ، قدْ غفرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبِكَ وما تأَخَّر، فقالَ: \"واللَّهِ إني لأَرْجُو أنْ أكُونَ أخشاكم للَّهِ وأعلمَكم بما أتقي\". وقد ذهبَ إلى النسخِ ابنُ المنذرِ والخطابي وغيرُهما، وهذا الحديثُ يدفعُ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ ذلكَ كانَ خاصًّا بهِ - ﷺ -، وردَّ البخاريُّ حديثَ أبي هريرةَ: بأنَّ حديثَ عائشةَ أقوى سندًا (^٤) حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٥): إنهُ صحَّ وتواترَ، وأما حديثُ أبي هريرةَ فأكثرُ الرواياتِ أنهُ كانَ يفتي بهِ، وروايةُ الرفعِ أقلُّ، ومعَ التعارضِ يُرَجَّحُ لقوةِ الطريقِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-706>الصوم عن الغير</span>\n٢٧/ ٦٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح].\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: مَنْ ماتَ وعليهِ صومٌ صامَ عنهُ وليُّهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجزئُ الميتَ صيامُ وليِّهِ عنهُ إذا ماتَ وعليه صومٌ واجبٌ، والإخبارُ في معنَى الأمرِ، أي: [فليصمْ] (^٨) عنهُ وليُّه، والأصلُ فيهِ الوجوبُ إلَّا أنهُ قد ادَّعَى الإجماعَ على أنهُ للندبِ. والمرادُ منَ المولَى كلُّ قريبٍ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١١١٠).\n(^٢) في \"الإحسان\" رقم (٣٤٩٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٢٠١٤).\nقلت: وأخرجه النسائي في \"الصوم\" و\"التفسير\" كما في \"التحفة\" (١٢/ ٣٨١)، والبيهقي (٤/ ٢١٤).\n(^٤) في صحيح البخاري (٤/ ١٤٣) في آخر الحديث رقم (١٩٢٦).\n(^٥) في \"التمهيد\" (٢٢/ ٤٠).\n(^٦) انظر: \"التمهيد\" (١٧/ ٤١٨ - ٤٢٧).\n(^٧) البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١٥٣/ ١١٤٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٦٩)، وأبو داود (٢٤٠٠)، والبيهقي (٤/ ٢٥٥) من حديث محمد بن جعفر عن عروة عنها.\n(^٨) في (ب): \"ليصمْ\".","vol":"4","page":123},{"text":"وقيلَ: الوارثُ خاصةً، وقيلَ: عصبتهُ. وفي المسألةِ خلافٌ، فقالَ أصحابُ الحديثِ وأبو ثورٍ وجماعةٌ: إنهُ يجزئُ صومُ الوليِّ عن الميتِ لهذَا الحديثِ الصحيحِ (^١). وذهبت جماعةٌ منَ الآلِ ومالكٌ وأبو حنيفةَ أنه لا يصام عن الميتِ، وإنَّما الواجبُ الكفارةُ لما أخرجهُ الترمذيُّ (^٢) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: \"مَنْ ماتَ وعليهِ صيامٌ أُطْعِمَ عنهُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينٌ\"، إلَّا أنهُ قالَ بعدَ إخراجهِ: غريبٌ لا نعرفُه إلا من هذا الوجهِ، والصحيحُ أنهُ موقوفٌ على ابن عمرَ. قالُوا: ولأنهُ وردَ عن ابن عباسٍ وعائشةَ الفتيا بالإطعامِ، ولأنهُ الموافقُ لسائرِ العباداتِ، فإنهُ لا يقومُ بها مكلَّفٌ عنْ مكلَّفٍ، والحج مخصوصٌ. [والجواب] (^٣) بأنَّ الآثارَ المرويةَ [منْ فُتْيا] (^٤) عن عائشةَ وابنِ عباس - ﵃ - لا تُقاوِمُ الحديثَ الصحيحَ.\nوأما قيامُ مكلَّفٍ بعبادةٍ عنْ غيرهِ فقدْ ثبتَ في الحجِّ بالنصِّ الثابتِ فليثبت في الصومِ بهِ فلا عذرَ عن العملِ بهِ، واعتذارُ المالكيةِ عنهُ بعدمِ عملِ أهلِ المدينةِ بهِ مبنيٌّ على أن تركَهُمُ العملَ بالحديثِ حجةٌ وليسَ كذلكَ كما عرفَ في الأصولِ، وكذلكَ اعتذارُ الحنفيةِ بأنَّ الراويَ أفتَى بخلافِ ما رُوِيَ عذرٌ غيرُ مقبولٍ إذِ العبرةُ بما رَوَى لا بما رَأَى كما عُرِفَ فيها أيضًا. ثمَّ اختلَفَ القائلونَ بإجزاءِ الصيامِ عن الميتِ هلْ يختصُّ ذلكَ بالولي [أم لا] (^٥)؟ فقيلَ: لا يختصُّ بالوليِّ بلْ لو صامَ عنهُ الأجنبيُّ بأمرِهِ أجزأ كما في الحجِّ، وإنَّما ذُكِرَ الوليُّ في الحديثِ للغالبِ. وقيلَ: يصحُّ أنْ يستقلَّ بهِ الأجنبيُّ بغيرِ أمرٍ لأنهُ [قدْ] (^٦) شبَّههُ النبيُّ - ﷺ - بالدَّيْنِ حيثُ قالَ: \"فدينُ اللَّهِ أحقُّ أنْ يُقْضَى\"، فكما أن الدَّيْنَ لا يختصُّ بقضائهِ القريبُ فالصومُ مثلُه وللقريبِ أنْ يستنيبَ (^٧).\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" بتحقيقنا (٢/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٧١٨) وقال: حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.\nوالصحيح عن ابن عمر موقوف قولُه.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١٧٥٧)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في (ب): \"وأجيب\".\n(^٤) زيادة من: (أ).\n(^٥) في (ب): \"أولًا\".\n(^٦) زيادة من: (ب).\n(^٧) قال صاحب \"فتح العلام\": قلت: \"ظاهر الحديث اختصاص الولي بالصوم وكذا بالحج، ولم يرد دليل على الصيام والحج عن غير القريب بل دل حديث الباب وما ورد في معناه على أنه يصوم الولي عن الميت وكان يحج عنه القريب دون الأجنبي والغريب\" اهـ.","vol":"4","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-707>[الباب الأول] بابُ صومِ التطوعِ وما نُهِيَ عنْ صَوْمِه</span>\n<span data-type='title' id=toc-708>فضل صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الاثنين</span>\n١/ ٦٣٧ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: \"يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ\"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: \"يُكَفرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ\"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ: \"ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَى فِيهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(عنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ - ﵁ - أن رسولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عنْ صومِ يومِ عرفةَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ عاشوراءَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ الاثنينِ فقالَ: ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ أو بعثتُ فيهِ، وأنزلَ عليَّ فيهِ. رواهُ مسلمٌ). قدِ استُشكلَ تكفيرُ ما لا يقعْ وهو ذنب الآتية، وأجيبَ بأنَّ المرادَ: أنهُ يُوفق فيهِ لعدم الإتْيانِ بذَنْب، وسَمَّاهُ تَكفيرًا لمُناسبةِ المَاضيةِ، أوْ أَنَّهُ إِن أوْقعَ فِيهَا ذنبًا وُفِّقَ للإتيانِ بما يكفرهُ. وأما صومُ يومِ عاشوراءَ وهوَ العاشرُ منْ شهرِ المحرمِ عندَ الجماهيرِ فإنهُ قدْ كانَ واجبًا قبل فرضِ رمضانَ ثمَّ صارَ بعدَه مُسْتَحَبًّا. وأفادَ الحديثُ أن صومَ عرفةَ أفضلُ منْ صومِ يومِ عاشوراءَ، وعلَّلَ - ﷺ - شرعيةَ صومِ يومِ الاثنينِ بأنهُ ولد فيه أو بعث\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٩٦، ١٩٧/ ١١٦٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٤٢٥، ٢٤٢٦)، والترمذي (٧٦٧)، وابن ماجه (١٧٣٠)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٧٢)، والبيهقي (٤/ ٢٨٣)، وأحمد (٥/ ٢٩٧، ٣٠٨، ٣١١).","vol":"4","page":125},{"text":"فيه، وأنزل عليه فيه، وكأنه شك من الراوي. وقد اتفق أنه - ﷺ - وُلدَ فيهِ وبعثَ فيهِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ ينبغي تعظيمُ اليومِ الذي أحدثَ اللَّهُ فيهِ على عبدِهِ نعمةً بصومِه والتقربِ فيهِ. وقدْ وردَ في حديث أسامةَ (^١) تعليلُ صومِه - ﷺ - يومَ الاثنينِ والخميسِ: \"بأنهُ يومٌ تُعْرَضُ فيهِ الأعمالُ، وأنهُ يحبُ أنْ يعرضَ عملُه وهوَ صائمٌ\"، ولا منافاةَ بينَ التعليلينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-709>يستحب صوم ستة أيام من شوَّال</span>\n٢/ ٦٣٨ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح].\n(وعنْ أبي أيوبَ الأنصاريِّ - ﵁ - أن رسولَ الله - ﷺ - قالَ: مَنْ صَامَ رمضانَ ثمَّ أتبعهُ ستًا)، هكذَا وردَ مؤنثًا معَ أن مميزَهُ أيامٌ وهي مذكرٌ لأنَّ اسمَ العددِ إذا لم يذكَّرْ مميزُهُ جازَ فيهِ الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ النحاةُ (منْ شوَّالٍ كانَ كصيامِ الدهرِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على استحباب صومِ ستةِ أيامٍ منْ شوالِ، وهو مذهبُ جماعةٍ منَ الآلِ، وأحمدَ، والشافعيِّ (^٣). وقالَ مالكٌ: يكرهُ صومُها، قالَ: لأنهُ ما رأى أحدًا من أهلِ العلمِ يصومُها، ولئلَّا يُظَنَّ وجوبُها. (والجوابُ): أنهُ بعدَ ثبوتِ النصِّ بذلكَ لا حكمَ لهذِه التعليلاتِ، وما أحسنَ ما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (^٤):\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني (١/ ٢٢/ ١) كما في الإرواء (٤/ ١٠٥) وفيه موسى بن عبيدة، ضعيف.\nبل أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٨)، والترمذي (٧٤٧) من حديث أبي هريرة. وقال: حديث حسن غريب. وذكر الألباني في \"الإرواء\" رقم (٩٤٩) له شواهد تقوِّيه فبها يكون الحديث صحيحًا، والله أعلم.\n(^٢) في \"صحيحه\" (١١٦٤).\nقلت: (وأخرجه أبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، وابن ماجه (١٧١٦)، وأحمد (٥/ ٤١٧)، والدارمي (٢/ ٢١)، والبيهقي (٤/ ٢٩٢)، والطيالسي (١/ ١٩٧ رقم ٩٤٨) - منحة المعبود).\n(^٣) انظر: \"المجموع\" للنووي (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٤) في \"الاستذكار\" (١٠/ ٢٥٩ رقم ١٤٧٨٢) و(١٤٧٨٣).","vol":"4","page":126},{"text":"إنهُ لم يبلغْ مالكًا هذا الحديثُ يعني حديثُ مسلمٍ. واعلمْ أنَّ أجرَ صومِها يحصلُ لمنْ صامَها متفرِّقةً أو متواليةً، ومَنْ صامَها عقيبَ العيدِ أو في أثناءِ الشهرِ. وفي سننِ الترمذيِّ (^١) عن ابن المباركِ أنهُ اختارَ أنْ تكون ستةَ أيامٍ منْ أولِ شوالٍ. وقدْ رُوِيَ عن ابن المباركِ أنهُ قالَ: مَنْ صَامَ ستةَ أيامٍ منْ شوالٍ متفرقًا فهو جائزٌ.\nقلت: ولا دليلَ على كونِها منْ أولِ شوالٍ، إذْ مَنْ أَتَى بِها في شوالٍ في أي أيامهِ [فقد] (^٢) صدقَ عليهِ أنهُ أتبعَ رمضانَ ستًا من شوالٍ، وإنَّما شبَّهها بصيامِ الدهرِ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها؛ فرمضانُ بعشرةِ أشهرٍ وستٌ من شوالٍ بشهرينِ، وليسَ في الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ صيامِ الدهرِ، ويأتي بيانُه في آخرِ البابِ.\n(واعلمْ) أنهُ قالَ التقي السُّبكيُّ (^٣) إنهُ قدْ طعنَ في هذا الحديثِ مَنْ لا فَهْمَ لهُ مغترًّا بقولِ الترمذي: إنهُ حسنٌ، يريدُ في روايةِ سعدِ بن سعيدٍ الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ.\nقلت: ووجهُ الاغترارِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يصفْه بالصحةِ بلْ بالحسنِ وكأنهُ في نسخةٍ والذي رأيناهُ في سننِ الترمذي (^٤) بعدَ سياقِه للحديثِ ما لفظُهُ: قالَ أبو عِيسَى: حديثُ أبي أيوبَ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، ثمَّ قالَ: وسعدُ بنُ سعيدٍ هو أخو يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وقدْ تكلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في سعدِ بن سعيدٍ منْ قِبَلِ حفظِه، انتهَى.\nقلت: قالَ ابنُ دحيةَ [إنهُ] (^٥) قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (^٦): سعد بن سعيد ضعيفُ\n_________\n(^١) (٣/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) هو علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي (تقي الدين، أبو الحسن) عالم مشارك في الفقه والتفسير والأصلين والمنطق والقراءات، والحديث والخلاف والأدب والنحو واللغة والحكمة. ولد بسبك العبيد من أعمال المنوفية بمصر في صفر، سنة ٦٨٣ هـ، وتوفي سنة (٧٥٦ هـ).\n[معجم المؤلفين (٢/ ٤٦١ رقم الترجمة ٩٦٣٨)، و\"شذرات الذهب\" (٦/ ١٨٠ - ١٨١)، و\"النجوم الزاهرة\" (١٠/ ٣١٨ - ٣١٩).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٥) زيادة من: (ب).\n(^٦) في \"بحر الدم فيمن تكلم فيهم الإمام أحمد بمدح أو ذم\" (ص ١٦٨ رقم ٣٤٤).","vol":"4","page":127},{"text":"الحديثِ، وقال النَّسائيُّ (^١) ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم (^٢): لا يجوزُ الاشتغالُ بحديثِ سعدِ بن سعيدٍ، انتهَى. ثمَّ قالَ ابنُ السُّبكيِّ: وقدِ اعتنَى شيخُنا أبو محمدٍ الدمياطيِّ بجمعِ طُرُقِهِ فأسندَهُ عنْ بضعةٍ وعشرينَ رجلًا رَوَوْهُ عنْ سعدِ بن سعيدٍ، وأكثرُهم حفاظٌ ثقاتٌ، منْهم السفيانانِ. وتابع سعدًا على روايتِه أخوهُ يحيى وعبدُ ربِّهِ، وصفوانُ بنُ سُلَيْم، وغيرُهم، ورواهُ أيضًا عن النبيِّ - ﷺ - ثوبانُ (^٣)، وأبو هريرة (^٤)، وجابرُ (^٥)، وابنُ عباسٍ (^٦)، والبراءُ بنُ عازبٍ (^٧)، وعائشة (^٨)، ولفظُ ثوبانَ: \"مَنْ صامَ رمضانَ فشهرهُ بعشرةٍ، ومَنْ صامَ ستةَ أيامٍ بعدَ الفطرِ فذلكَ صيامُ السنةِ\"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-710>فضل الصيام في سبيل الله</span>\n٣/ ٦٣٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله إلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٩)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١٠). [صحيح]\n_________\n(^١) في كتاب \"الضعفاء والمتروكين\" رقم (٢٩٨).\n(^٢) كما في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٨٤ رقم ٣٧٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠)، والدارمي (٢/ ٢١)، وابن ماجه (١٧١٥)، والبيهقي (٤/ ٢٩٣) وغيرهم. وهو حديث صحيح، وانظر: \"الإرواء\" (٤/ ١٠٧) وقال: راجع الشواهد ..\n(^٤) ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٢٤٤ رقم ٧١٣) من جهة عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة به.\nونقل عن أبيه أنه قال: \"المصريون يروون هذا الحديث عن زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - \".\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبيهقي (٤/ ٢٩٢) وهو حديث صحيح لغيره.\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٦٤٢) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٨٤) وقال: وفيه يحيى بن سعيد المازني وهو متروك.\n(^٧) عزاه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٢١٤ رقم ٩٣٢) إلى الدارقطني ولم أجده في \"السنن\" وهو في \"العلل\" (٦/ ١٠٨).\n(^٨) فلينظر من أخرجه؟!\n(^٩) البخاري (رقم: ٢٦٨٥ - البغا)، ومسلم (١١٥٣).\n(^١٠) في \"صحيحه\" (١٦٧/ ١١٥٣).","vol":"4","page":128},{"text":"(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: ما مِنْ عَبدٍ يصومُ يومًا في سبيلِ اللَّهِ) هوَ إذا أُطْلِقَ يرادُ بهِ الجهادُ (إلا باعدَ الله بذلكَ اليومِ عنْ وجههِ النارَ سبعينَ خريفًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). فيهِ دلالةٌ على فضيلةِ الصومِ في الجهادِ ما لمْ يضعُفْ بسببهِ عنْ قتالِ عدوِّهِ، وكانَ فضيلةَ ذلكَ لأنه جمعَ بينَ جهادِ عدوهِ وجهادِ نفسهِ في طعامهِ وشرابهِ وشهوتهِ، وكنَّى بقولِه: باعدَ اللَّهُ بينَه وبينَ النارِ سبعينَ خريفًا عنْ سلامتهِ منْ عذابِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-711>فضل صوم شعبان</span>\n٤/ ٦٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَصُومُ حَتى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا في شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصومُ حتَّى نقولَ: لا يفطرُ ويفطرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - استكملَ صيام شهْر قطُّ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُهُ في شهرٍ أكثرَ منة صيامًا فَي شعبانَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمَّسَلمٍ). فيهِ دليلٌ على أن صومَه - ﷺ - لم يكنْ [مختصًا بشهرٍ] (^٣) دونَ شهرٍ، وأنهُ كانَ - ﷺ - يسردُ الصيامَ أحيانًا، ويسردُ الفطرَ أحيانًا، ولعلَّهُ كانَ يفعلُ ما يقتضيهِ الحالُ منْ تجردهِ عن [الأشغال] (^٤) فيتابعُ الصومَ، ومنْ عكسِ ذلكَ فيتابعُ الإفطارَ. ودليلٌ على أنهُ يخصُّ شعبانَ بالصوم أكثرَ منْ غيرِهِ. وقدْ نبَّهتْ عائشةُ على علةِ ذلكَ فأخرجَ الطبراني (^٥) عنْها: \"أنَّهُ - ﷺ - كانَ يصومُ ثلاثةَ أيامٍ في كلِّ شهرٍ فربَّما أخَّرَ ذلكَ فيجتمعُ عليه صومُ السنةِ فيصومُ شعبانَ\"، وفيهِ ابنُ أبي ليلى وهو ضعيفٌ (^٦).\n_________\n(^١) البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٧٥/ ١١٥٦).\n(^٣) في (أ): \"متحيِّنًا لشهر\".\n(^٤) في (أ): \"الاشتغال\".\n(^٥) في \"الأوسط\" كما في \"المجمع\" (٣/ ١٩٢).\n(^٦) قال الهيثمي (٣/ ١٩٢) ولكنه قال \"فيه كلام\" بدل \"ضعيف\".","vol":"4","page":129},{"text":"وقيلَ: كانَ يصومُ ذلكَ تعظيمًا لرمضانَ كما أخرجه الترمذيُّ (^١) منْ حديثِ أنسٍ وغيرِه: \"أنهُ سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أيُّ الصومِ أفضلُ؟ فقالَ: شعبانُ تعظيمًا لرمضانَ\"، قالَ الترمذيُّ: فيهِ صدقةُ بنُ موسى وهوَ عندَهم ليسَ بالقويِّ، وقيلَ: كانَ يصومهُ: \"لأنه شهرٌ يغفلُ عنهُ الناسُ بينَ رجبِ ورمضانَ\" كما أخرجهُ النسائيُّ (^٢)، وأبو داود (^٣)، وصحَّحهُ ابن خُزيمةَ (^٤) عنْ أسامةَ بن زيدٍ: \"قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ لمْ أرَكَ تصومُ في شهرِ من الشهورِ ما تصومُ في شعبانَ قالَ: ذلكَ شهرٌ يغفلُ الناسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ، وهوَ شهرٌ تُرْفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ فَأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ فيهِ عملي وأنا صائمٌ\".\nقلتُ: ويحتملُ أنهُ يصومُه لهذهِ الحِكَمِ كلِّها. وقدْ عُورِضَ حديثُ: \"إنَّ صومَ شعبانَ أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ\"، بما أخرجهُ مسلمٌ (^٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ صومُ المحرَّمِ\"، وأوردَ عليهِ أنهُ لوْ كانَ أفضلُ لحافظَ على الإكثارِ منْ صيامِه، وحديثُ عائشةَ يقتضي أنهُ كان أكثرُ صيامه شعبانَ، فأُجيبَ بأنَّ تفضيلَ صومِ المحرَّم بالنظرِ إلى الأشهرِ الحُرُمِ وفضلِ شعبانَ مطلقًا، وأما عدمُ إكثارهِ لصومِ المحرَّمِ فقالَ النوويُّ: إنه إنَّما علمَ ذلكَ آخرَ عمرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-712>فضل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر</span>\n٥/ ٦٤١ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٦٦٣)، وقال: هذا حديث غريب.\nوصدقةُ بن موسى ليس عندهم بذاك القوي.\nقلت: وهو حديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٢٠١ رقم ٢٣٥٧).\n(^٣) في \"السنن\" (٢٤٣٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (رقم ٢١١٩) من طرق.\nوهو حديث حسن. انظر: \"مختصر السنن\" (٣/ ٣٢٠)، و\"الإرواء\" (٤/ ١٠٢ - ١٠٤ رقم ٩٤٨).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١١٦٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٤)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والترمذي (٧٤٠)، وابن ماجه (١٧٤٢)، والنسائي (٣/ ٢٠٦ رقم ١٦١٣).","vol":"4","page":130},{"text":"\"أنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [حسن]\n(وعنْ أبي ذرٍّ - ﵁ - قالَ: أمرنَا رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ نصومَ منَ الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ) وَبيَّنَهَا بقولِه: (ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ. رواهُ النسائيُّ، والترمذيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). الحدِيثُ وَرَدَ منْ طُرُقٍ عَدِيدةٍ مِنْ حديثِ أبي هُريْرة بلفظ: \"فإن كنتَ صائمًا فَصُم الغرَّ، أي: البيض\". أخرجه أحمد (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن حبان (^٦). وفي بعضِ أَلفاظِهِ عندَ النسائيِّ: \"فإنْ كنتَ صائِمًا فَصُم البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ\". وأخرجَ أصحابُ السننِ (^٧) منْ حديثِ قتادةَ بن ملحانَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يأمرُنا أنْ نصومَ البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ، وقالَ: هيَ كهيئةِ الدهرِ\". وأخرجَ النسائي (^٨) منْ حديثِ جريرٍ مرفُوعًا: \"صيامُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ صيامُ الدهر أيامِ البيضِ\" الحديثَ، وإسنادُه صحيحٌ. [ووردَ] (^٩) أحاديثُ في صيامِ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ مُطْلَقَةً ومبينةً بغيرِ الثلاثةِ. وأخرجَ أصحابُ السننِ (^١٠)، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ (^١١) منْ حديثِ ابن مسعودٍ: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يصومُ عدةَ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ\". وأخرجَ مسلمٌ (^١٢)\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٧٦١) وقال: هذا حديث حسن.\n(^٣) (رقم: ٩٤٣ - موارد).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٩٤)، وأحمد (٥/ ١٥٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٨٠٠) وقال: حديث حسن، وهو كما قال. وانظر: \"الإرواء\" (٤/ ١٠٢).\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٣٣٦ و٣٤٦).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٢٢٢)، و(٧/ ١٩٦).\n(^٦) في \"الإحسان\" رقم (٣٦٥٠).\n(^٧) أبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥ رقم ٢٤٣٢)، وابن ماجه (١٧٠٧).\nقلت: وأخرجه مسلم (١١٦٢).\n(^٨) في \"السنن\" (٤/ ٢٢١ رقم ٢٤٢٠)، وهو حديث حسن.\n(^٩) في (ب): \"ووردتْ\".\n(^١٠) أبو داود (٢٤٥٠)، والترمذي (٧٤٢)، والنسائي (٤/ ٢٠٤ رقم ٢٣٦٨). وهو حديث حسن، والله أعلم.\n(^١١) في \"صحيحه\" (٣/ ٣٠٣ رقم ٢١٢٩) بإسناد حسن.\n(^١٢) في \"صحيحه\" (١٩٤/ ١١٦٠).","vol":"4","page":131},{"text":"منْ حديثِ عائشةَ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ ما يبالي في أيِّ الشهرِ صامَ\". وأما المبيَّنةُ بغيرِ الثلاثِ فهيَ ما أخرجهُ أبو داودَ (^١)، والنسائيُّ (^٢) من حديثِ حفصةَ: \"كانَ رسولُ اللَّهِ يصومُ في كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ: الاثنينِ، والخميسٍ، والاثنينِ منَ الجمعةِ الأخْرى\". ولا معارضةَ بينَ هذهِ الأحاديثِ؛ فإنَّها كلَّها دالةٌ على ندبيةِ صومِ كلِّ ما وردَ، وكل منَ الرواةِ حَكَى ما اطلعَ عليهِ إلا أن ما أمرَ بهِ وحثَّ عليهِ ووصَّى بهِ أوْلَى وأفضلُ، وأما فعلُه - ﷺ - فلعلَّهُ كانَ يَعْرِضُ لهُ ما يشغلُه عنْ مراعاةِ ذلكَ. وقدْ عيَّنَ الشارعُ أيامَ البيضِ. وللعلماءِ في تعيينِ الثلاثةِ الأيامِ التي يندبُ صومُها منْ كلِّ شهرٍ أقوالٌ عشرةٌ سردَها في الشرحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-713>الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم</span>\n٦/ ٦٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِلمَرأةِ أنْ تَصُومَ وَزَوْجُها شَاهِدٌ إِلَّا بِإذْنِهِ\"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ (^٤): \"غَيرَ رَمَضَانَ\". [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ الله - ﷺ - قالَ: لا يحلُّ للمرأةِ) أي: المزوجةِ بدليلِ قولِه: (أنْ تصومَ وزوجُها شاهدٌ) أي: حاضرٌ (إلَّا بإِذنهِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ، زادَ أبو داودَ: غيرَ رمضانَ). فيه دليلٌ أن الوفاءَ بحقِّ الزوج أقدم منَ التطوعِ بالصومِ، وأما رمضانُ فإنهُ يجبُ عليْها وإنْ كرهَ الزوجُ، ويُقاسُ عليهِ القضاءُ؛ فلو صامتِ النفلَ بغيرِ إذنهِ كانتْ فاعلةً [لمحرَّم] (^٥).\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢٤٥١).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٢٠٣ و٢٠٤).\nوهو حديث حسن.\n(^٣) البخاري (٥١٩٥)، ومسلم (٨٤/ ١٠٢٦).\n(^٤) في \"السنن\" (٢٤٥٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبيهقي (٤/ ١٩٢، ٣٠٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٦٩٤)، وعبد الرزاق (رقم ٧٨٨٦) وغيرهم.\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).","vol":"4","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-714>تحريم صوم العيدين</span>\n٧/ ٦٤٣ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهى عَنْ صِيامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ النَّحْرِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضيَ الله تعالى عنه - أن رسولَ الله - ﷺ - نَهَى عنْ صيام يومينِ: يومِ الفطرِ، ويومِ النحرِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليل على تحريمِ صومِ هذينِ اليومينِ، لأنَّ أصلَ النَّهي التحريمُ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ (^٢). فلو نذرَ صومَهُمَا لم ينعقدْ نذرُه في الأظهرِ لأنهُ نذرٌ بمعصيةٍ، وقيل: يصومُ مكانَهما عنْهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-715>النهي عن صوم أيام التشريق</span>\n٨/ ٦٤٤ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبِ وَذِكْرِ الله ﷿\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ نبيشةَ) (^٤) بضمِّ النونِ، وفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وشين معجمةٍ، يقالُ لهُ: نبيشةُ الخيرِ بنُ عمروٍ، وقيلَ: ابنُ عبدِ الله (الهذليِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: أيامُ التشريقِ) وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ، وقيلَ: يومانِ بعدَ النحرِ، (أيامُ أَكلٍ وشربٍ وذكرِ الله ﷿. رواهُ مسلمٌ)، وأخرجهُ مسلمٌ (^٥) أيضًا منْ حديثِ كعبِ بن مالكٍ، وابنُ حبانَ (^٦) منْ حديثِ أبي هريرةَ، والنسائيُّ (^٧)\n_________\n(^١) البخاري (١١٩٧)، ومسلم (١٤٠/ ٨٢٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٦).\n(^٢) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٤٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤٤/ ١١٤١)، قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٧٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٢٤٥).\n(^٤) انظر: \"أسد الغابة\" (٥/ ٣١٠ رقم الترجمة ٥١٩١).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٤٥/ ١١٤٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٦٠).\n(^٦) في \"الإحسان\" (٨/ ٣٦٧ رقم ٣٦٠٢) بإسناد حسن.\n(^٧) في \"السنن\" (٨/ ١٠٤) بإسناد صحيح.","vol":"4","page":133},{"text":"منْ حديثِ بشرٍ بن سحيمٍ، وأصحابُ السننِ (^١) منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ، والبزارُ (^٢) منْ حديثِ ابن عمرَ: \"أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ فلا يصومُها أحدٌ\"، وأخرجَ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ عمرَ في قصتِه: \"أنهُ - ﷺ - كان يأمرُهم بإفطارِها ويَنهاهُمْ عنْ صيامِها\"، أي: أيامِ التشريقِ. وأخرجَ الدارقطنيُّ (^٤) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن حذافةَ السَّهْمِيِّ: \"أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وبُعَالٍ\" البُعالُ: مواقعةُ النساءِ.\nوالحديثُ وما سقْناهُ في معناهُ دالٌ على النَّهي عنْ صومِ أيامِ التشريقِ، وإنَّما اختُلِفَ هلْ هوَ نَهْيُ تحريمٍ أو تنزيهٍ، فذهبَ إلى أنهُ للتحريمِ مُطْلقًا جماعةٌ منَ السلفِ وغيرُهم، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في المشهورِ (^٥)، وهؤلاءِ قالُوا: لا يصومُها المتمتِّعُ ولا غيرُه، وجعلُوه مخصِّصًا لقولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (^٦)، لأنَّ الآيةَ عامةٌ فيما قبلَ يومِ النحر وما بعدَه، والحديثُ خاصٌّ بأيام التشريقِ وإنْ كانَ فيهِ عمومٌ بالنظرِ إلى الحاج وغيرِه فَيُرَجَّحُ خصوصُها [لكونه] (^٧) مقصودًا بالدلالةِ على أنَّها ليستْ محلًّا للصومِ، وأنَّ ذاتَها باعتبارِ ما هيَ مؤهلةٌ لهُ كأنَّها منافيةٌ للصومِ. وذهبنِ الهادويةُ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ الفاقدُ للهدي لما يفيدُه سياقُ الآية، ولرواية ذلكَ عنْ عليٍّ - ﵇ - قالُوا: ولا يصومُها القارنُ والمحصِرُ إذا فقدَ الهديَ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ ومنْ تعذَّرَ عليهِ الهديُ، وهوَ المحصرُ والقارنُ لعمومِ الآيةِ ولما أفادَهُ:\n_________\n(^١) أبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٥/ ٢٥٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٥٢)، والدارمي (٢/ ٢٣)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٧١)، والبيهقي (٤/ ٢٩٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٩٧)، ولم أجده في \"كشف الأستار\".\n(^٣) أخرجه أبو داود (٢٤١٨) من حديث عمرو، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" (٢/ ١٨٧ رقم ٣٥).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٧٦) مرسلًا، ووصله أحمد (٣/ ٤٥١) بإسناد صحيح.\n(^٥) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٤٥).\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٧) في (أ): \"بكونه\".","vol":"4","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-716>صوم أيام التشريق جائز لمن لم يجد الهدي</span>\n٩/ ٦٤٥ - وعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ - ﵃ - قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِي (^١). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ وابنِ عمرَ - ﵄ - قالَا: لم يُرَخَّصْ) بصيغةِ المجهولِ، (في أيامِ التشريقِ أنْ يُصَمْنَ إلا لمنْ لم يجدِ الهدْيَ. رواهُ البخاريُّ)، فإنهُ أفادَ أن صومَ أيامِ التشريقِ جائزٌ رخصةً لمنْ لم يجدِ الهديَ سواء كانَ مُتَمَتِّعًا، أو قارِنًا، أو مُحصرًا، لإطلاقِ الحديثِ بناءً على أنَّ فاعلَ يرخصُ [النبي] (^٢) - ﷺ -، وأنهُ مرفوعٌ، وفي ذلكَ أقوالٌ ثلاثةٌ. ثالثُها أنهُ إن أضافَ ذلك إلى عهدهِ - ﷺ - كانَ حجةً وإلَّا فَلا. وقدْ وردَ التصريحُ بالفاعلِ في روايةِ للدارقطنيِّ (^٣) والطحاويِّ (^٤)، إلَّا أنَّها بإسناد ضعيفٍ، ولفظُها: \"رَخَصَ رسولُ الله - ﷺ - للمتمتِّع إذا لم يجدِ الهدْيَ أنْ يصومَ أيامَ التشريقِ\"، إلَّا أنهُ خصَّ المتمتعَ فلا يكونُ حجةً لأهلِ هذَا القولِ. وقدْ رَوَى [البخاري (^٥)] (^٦) منْ فعلِ عائشةَ، وأبي بكرٍ، وفُتيا لعليٍّ - ﵇ - وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ النهيَ للتنزيهِ، وأنهُ يجوزُ صومُها لكلِّ واحدٍ وهوَ قولٌ لا ينهضُ عليهِ دليلٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-717>النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم وليلتها بقيام</span>\n١٠/ ٦٤٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى - عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ بِقِيَامِ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمْعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٩٩٧، ١٩٩٨).\n(^٢) في (ب): \"رسول الله\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ١٨٦ رقم ٢٩)، وقال: يحيى بن سلام ليس بالقوي.\n(^٤) في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٤٣).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٩٩٦) عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي: \"كانت عائشة - ﵂ - تصومُ أيام منىً، وكان أبوه يصومها\".\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٢٤٣): \" .. ووقع في رواية كريمة: \"وكان أبوها\" وعلى هذا فالضمير لعائشة وفاعل يصومها هو أبو بكر الصديق\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"4","page":135},{"text":"بَيْنِ الأيَّامِ، إلَّا أنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يصُومُهُ أَحَدُكمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: لا تخصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ منْ بين الليالي، ولا تخصُّوا يومَ الجمعةِ بصيامٍ منْ بين الأيامِ، إلَّا أنْ يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليل على تحريمِ تخصيصِ ليلةِ الجمعةِ بالعبادةِ بصلاةٍ وتلاوةٍ غيرِ معتادَةٍ، إلا ما وردَ بهِ النصُّ على ذلكَ، كقراءةِ سورةِ الكهفِ (^٢)؛ فإنهُ وردَ تخصيصُ ليلةِ الجمعةِ بقراءَتِها، وسورٍ أُخَرَ (^٣) وردتْ بها أحاديثُ فيها مقالٌ. وقدْ دلَّ هذا بعمومهِ على عدم مشروعيةِ صلاةِ الرغائبِ (^٤) في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٨/ ١١٤٤) بهذا اللفظ.\nقلت: وأخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١٤٧/ ١١٤٤)، وأحمد (٢/ ٤٩٥)، والترمذي (٧٤٣)، وابن ماجه (١٧٢٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٧٨)، والبيهقي (٤/ ٣٠٢).\nعنه بلفظ: \"لا يصومُ أحدكم يومَ الجمعةِ إلا يومًا قبلَهُ أو بعدَه\"، وسيأتي برقم (١١/ ٦٤٧).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٤٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٦٨) عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - قال: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين\".\nقال الحاكم: صحيح الإسناد. وردَّه الذهبي بقوله: نعيم بن حماد: ذو مناكير.\nقلت: لكنه لم يتفرد به.\nانظر: \"الإرواء\" (٣/ ٩٣ - ٩٥ رقم ٦٢٦).\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) أخرج الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٤٨ رقم ١١٠٠٢) عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة - صلَّى عليه الله - وملائكته حتى تغيب الشمس\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٦٨) وقال: فيه طلحة بن زيد الرقي: وهو ضعيف وفيه قصور لأنه متروك، قاله الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٧٨).\nوالخلاصة: أن الحديث موضوع. انظر: \"الضعيفة\" (رقم: ٤١٥) وقد حكم عليه بالوضع.\n(^٤) ذكر الشوكاني في \"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة\" (ص ٦٧ رقم ١٠٦) \"حديث: رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، قيل: يا رسول الله، ما معنى قولك: رجب شهر الله؟ قال: لأنه مخصوص بالمغفرة، ثم ذكر حديثًا طويلًا، رغب في صومه، ثم قال: لا تغفلوا عن أول ليلة في رجب فإنها ليلة تسمِّيها الملائكة الرغائب، ثم قال: وما من أحد يصوم يوم الخميس أول خميس من رجب، ثم يصلِّي ما بين العشاء والعتمة - يعني ليلة الجمعة - اثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة؛ وإنا =","vol":"4","page":136},{"text":"أولِ ليلةِ جمعةٍ منْ رجبٍ، ولو ثبتَ حديثُها لكانَ مخصصًا لها منْ عمومِ النَّهْي، لكنَّ حديثَها تكلَّمَ العلماءُ فيهِ، وحكَموا بأنهُ موضوعٌ. ودلَّ علَى تحريمِ النفلِ بصومِ يومِها منفرِدًا. قالَ ابنُ المنذرِ: ثبتَ النَّهْيُ عنْ صومِ يوم الجمعةِ كما ثبتَ عنْ صوم يوم العيد، وقالَ أبو جعفرٍ الطبريِّ: يفرَّقُ بينَ العيدِ والجمعةِ بأنَّ الإجماعَ منعقدٌ علَى تحريمِ صومِ يوم العيدِ ولوْ صامَ قبلَه أو بعدَه. وذهبَ الجمهورُ (^١) إلى أن النَّهْيَ عن إفرادِ الجمعةِ بالصومِ للتنزيهِ مُستدِلينَ بحديثِ ابن مسعودٍ: \"كانَ رسولُ الله - ﷺ - يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وقلَّما كانَ يفطرُ يومَ الجمعةِ\"، أخرجهُ الترمذيُّ (^٢) وحسَّنهُ؛ فكان فعلُه - ﷺ - قرينةً على أن النَّهيَ ليسَ\n_________\n= أنزلناه في ليلة القدر ثلاثًا، وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة. فإذا فرغ من صلاته صلَّى علي سبعين مرة. ثم يقول: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله. ثم يسجد فيقول في سجوده: سُبُّوح قدُّوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه، فيقول: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأعظم، سبعين مرة. ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله حاجته، فإنها تقضى - إلخ.\nهو: موضوع، ورجاله مجهولون.\nوهذه هي صلاة الرغائب المشهورة.\nوقد اتفق الحفاظ على أنها موضوعة، وألَّفوا فيها مؤلفات، وغلَّطوا الخطيب في كلامه فيها. وأول من ردَّ عليه من المعاصرين له: ابن عبد السلام وليس كون هذه الصلاة موضوعة مما يخفى على مثل الخطيب، والله أعلم ما حمله على ذلك، وإنما أطال الحفاظ المقال في هذه الصلاة المكذوبة بسبب كلام الخطيب، وهي أقل من أن يشتغل بها ويتكلم عليها، فوضعها لا يمتري فيه من له أدنى إلمام بفن الحديث.\nقال الفيروزآبادي في \"المختصر\": إنها موضوعة بالاتفاق، وكذا قال المقدسي. ومما أوجب طول الكلام عليها، وقوعها في كتاب رزين بن معاوية العبدري، ولقد أدخل في كتابه الذي جمع فيه بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف. ولا يُدرى من أين جاء بها وذلك خيانة للمسلمين.\nوقد أخطأ ابن الأثير خطأ بيِّنًا بذكر ما زاده رزين في \"جامع الأصول\"، ولم ينبِّه على عدم صحته في نفسه إلا نادرًا. كقوله بعد ذكر هذه الصلاة ما لفظه: \"هذا الحديث مما وجدته في كتاب رزين، ولم أجده في واحد من الكتب الستة والحديث مطعون فيه\".\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٧٤٢) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: والصحيح وقفه على ابن مسعود، والله أعلم.","vol":"4","page":137},{"text":"للتحريمِ، وأجيبَ عنهُ بأنهُ يحتملُ أنهُ كانَ يصومُ يومًا قبلَهُ أو بعدَهُ، ومعَ الاحتمالِ لا يتمُّ الاستدلالُ. واختُلِفَ في وجهِ حكمةِ تحريمِ صومِه علَى أقوالٍ أظهرُها أنهُ يومُ عيدٍ كما رُوِيَ منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"يومُ الجمعةِ يومُ عيدِكم\" (^١)، وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ بإسنادٍ حَسَنٍ (^٢) عنْ عليٍّ - ﵇ - قال: \"مَنْ كان منْكم مُتَطَوِّعًا منَ الشهرِ فليصمْ يومَ الخميسِ ولا يصمْ يومَ الجمعةِ، فإنهُ يومُ طعامٍ وشرابٍ وذِكْرٍ\". وهذا أيضًا منْ أدلةِ تحريمِ صومِه ولا يلزمُ أنْ يكونَ كالعيدِ منْ كلِّ وجهٍ؛ فإنهُ تزولُ حرمةُ صومِه بصيامِ يومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه كما يفيدُه قولُه:\n١١/ ٦٤٧ - وَعَنْهُ أَيْضًا - ﵁ - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، إَلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي هُريرةَ - ﵁ - قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا يصومنَّ أحدُكُم يومَ الجمعةِ إلَّا أنْ يصومَ يومًا قبلَه أو يومًا بعدَه. متفقٌ عليه)؛ فإنهُ دالٌّ على زوالِ تحريمِ صومِه لحكمةٍ لا نعلمُها، فلوْ أفردَه بِالصَّومِ وجبَ فطرُهُ كما يفيدُه ما أخرجهُ أحمدُ (^٤)، والبخاريِّ (^٥)، وأبو داودَ (^٦) منْ حديثِ جويريةَ: \"أن النبيَّ - ﷺ - دخلَ عليها في يومِ جُمُعَةٍ وهي صائمةٌ فقالَ لها: \"أصمتِ أمسِ\"؟ قالتْ: لا، قالَ: \"تَصومينَ غدًا\"؟ قالتْ: لا، قالَ: \"فأفطري\"، والأصلُ في الأمر الوجوبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-718>النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان</span>\n١٢/ ٦٤٨ - وَعَنْهُ أَيْضًا - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٧)، وَاسْتَنْكَرَهُ أحْمَدُ. [صحيح]\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٥٣٢) بسند حسن.\n(^٢) في \"المصنف\" (٣/ ٤٤) بسند حسن.\n(^٣) البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١٤٧/ ١١٤٤) وقد تقدَّم تخريجه عند الحديث رقم (١٠/ ٦٤٦) من كتابنا هذا.\n(^٤) في \"الفتح الرباني\" (١٠/ ١٥٠ رقم ٢٠١).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٩٨٦).\n(^٦) في \"السنن\" (٢٤٢٢).\n(^٧) أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١).\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٨/ ٣٥٥ رقم ٣٥٨٩)، وعبد الرزاق في =","vol":"4","page":138},{"text":"(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ - ﵁ -: (أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا. رواهُ الخمسةُ، واستنكرَهُ أحمدُ) وصحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه (^١)، وإنَّما استنكرهُ أحمدُ لأنهُ منْ روايةِ العلاء بن عبدِ الرحمن.\nقلتُ: وهوَ منْ رجالِ مسلمٍ (^٢). قالَ المصنفُ في التقريبِ (^٣): إنهُ صدوقٌ وربَّما وَهِمَ، والحديثُ دليلٌ على [أنّ] (^٤) النَّهي عن الصومِ في شعبانَ بعدَ انتصافِه ولكنَّهُ مُقَيَّدٌ بحديثِ: \"إلَّا أن يوافقَ صوْمًا معتَادًا\" كما تقدَّمَ (^٥). واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبَ كثيرٌ منَ الشافعيةِ (^٦) إلى تحريمه لهذا النَّهْي، وقيلَ: إنهُ يكرهُ إلَّا قبلَ رمضانَ بيومِ أو يومينِ فإنهُ محرَّمٌ. وقيلَ: لا يكرهُ، وقيلَ: إنهُ مندوبٌ، وأنَّ الحديثَ مُؤَوَّلٌ بمنْ يُضْعِفُهُ الصومُ، وكأنَّهم استدلُّوا بحديثِ: \"أنَّهُ - ﷺ - كانَ يصلُ شعبانَ برمضانَ\" (^٧)، ولا يخْفى [أنه] (^٨) إذا تعارضَ القولَ والفعلُ كانَ القولُ مقدَّمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-719>النهي عن إفراد يوم السبت بصيام</span>\n١٣/ ٦٤٩ - وَعَنِ الصَّمّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ - ﵂ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا\n_________\n= \"المصنف\" رقم (٧٣٢٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢١) والدارمي (٢/ ١٧) والبيهقي (٤/ ٢٠٩) من طرق.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال أبو داود: وكان عبد الرحمن لا يُحدث به، قلت لأحمد: لِمَ؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي - ﷺ - كان يَصِلُ شعبان برمضان، وقال عن النبي - ﷺ - خِلافه.\nقال أبو داود: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجئ به غير العلاء عن أبيه.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم،\n(^١) ابن حبان في \"الإحسان\" (رقم: ٣٥٨٩)، والترمذي في \"السنن\" (٧٣٨) كما تقدم.\n(^٢) انظر: \"رجال صحيح مسلم\" لابن منجويه (٢/ ٦٣ رقم ١١٥٨).\n(^٣) (٢/ ٩٢ رقم ٨٢٦).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) رقم (١/ ٦١٠) من كتابنا هذا.\n(^٦) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٢/ ٥٨٣).\n(^٧) أخرجه أبو داود (٢٣٣٦)، والترمذي (٧٣٦)، والنسائي (٤/ ٢٠٠) وابن ماجه (١٦٤٨) وأحمد (٦/ ٣١١) من حديث أم سلمة عن النبي - ﷺ - أنه لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان يصله برمضان\". وهو حديث صحيح.\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"4","page":139},{"text":"تَصُومُوا يَوْمَ السّبْتِ، إلَّا فِيمَا افتُرِضَ عَلَيكُمْ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لَحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهَا\". رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^١)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أنَّهُ مُضْطرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ (^٢) [صحيح]\n(وعنِ الصمَّاءِ) بالصادِ المهملةِ (بنت بُسْر) بالموحدةِ مضمومةِ وسينٍ مهملةٍ، اسمُها بُهَيَّةُ بضمِّ الموحدةِ وفتحِ الهاءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتية. وقيلَ: اسمُها بُهيمةُ بزيادةِ ميمٍ، هيَ أختُ عبدِ اللهِ بن بسرٍ، رَوَى عَنْها أخُوها عبدُ الله (أن رَسولَ الله - ﷺ - قالَ: لا تصومُوا يومَ السبتِ إلا فيما افترضَ عليكمْ، فإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا لَحاءَ) بفتحِ اللام فحاءٍ مهملةٍ [فألفٍ] (^٣) ممدودةٍ (عنبٍ) بكسرِ المهملة، وفتحِ النونِ، [فموحدةٍ] (^٤)، الفاكهةُ المعروفةُ والمرادُ قشرُهُ (أو عودَ شجرٍ فليمضغْهَا) أيْ: يطعمُها للفطرِ بها (رواة الخمسةُ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ مضطربٌ. وقدْ أنكرهُ مالكٌ وقالَ أبو داودَ: هوَ منسوخٌ). أمَّا الاضطرابُ فلأنهُ رواهُ عبدُ الله بنُ بسرٍ عنْ\n_________\n(^١) أحمد (٦/ ٣٦٨)، وأبو داود (٢٤٢١). وقال: هذا الحديث منسوخ، والترمذي (٧٤٤) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (١٧٢٦)، والدارمي (٢/ ١٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٨٠)، وابن خزيمة رقم (٢١٦٢)، والحاكم (١/ ٤٣٥)، والبيهقي (٤/ ٣٠٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم: ١٨٠٦) من طرق.\n(^٢) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢١٦): \" .. وأعل أيضًا باضطراب، فقيل هكذا، وقيل: عن عبد الله بن بسر، وليس فيه عن أخته الصماء، وهذه رواية ابن حبان - (٨/ ٣٧٩ رقم ٣٦١٥ - الإحسان) - وليست بعلة قادحة، فإنه أيضًا صحابي، وقيل عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن الصماء عن عائشة، قال النسائي: هذا حديث مضطرب، قلت: ويحتمل أن يكون من عبد الله عن أبيه، وعن أخته، وعند أخته بواسطة، وهذه طريقة من صحَّحه، ورجح عبد الحق الرواية الأولى، وتبع في ذلك الدارقطني لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه، وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا، بل اختلف فيه أيضًا على الراوي عن عبد الله بن بسر أيضًا، وادَّعى أبو داود أن هذا منسوخ، ولا يتبين وجه النسخ فيه. قلت: يمكن أن يكون أخذه من كونه - ﷺ - كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر أمره قال: خالفوهم، فالنهي عن صوم يوم السبت، يوافق الحالة الأولى، وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ والله أعلم\" اهـ.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"4","page":140},{"text":"أختهِ الصماءِ، وقيلَ: عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسر، وليسَ فيهِ ذكرُ أختِه. قيلَ: وليستْ هذهِ بِعلَّةٍ قادحةٍ فإنهُ صحابي. وقيلَ: عنهُ عنْ أبيهِ بسرٍ، وقيلَ: عنه عن الصماءِ عنْ عائشةَ. قالَ النسائيُّ: هذا حديثٌ مضطَّرِبٌ.\nقالَ المصنفُ: يحتملُ أنْ يكونَ عندَ عبدِ اللَّهِ عنْ أبيهِ وعنْ أختِه، وعندَ أختهِ بواسطةٍ، وهذهِ طريقةٌ صحيحةٌ. وقدْ رجَّحَ عبدُ الحقِّ الطريقَ الأُولى، وتبعَ في ذلكَ الدارقطني لكنَّ هذا التلونِ في الحديثِ الواحدِ بإسنادِ الواحدِ معَ اتحادِ المُخْرِجِ يوهي الروايةَ، وينبنئُ بقلةِ الضبطِ إلَّا أنْ يكونَ منَ الحفاظِ المكثرينَ المعروفينَ بجمعِ طرقِ الحديثِ، فلا يكونُ ذلكَ دالًّا على قلةِ الضبطِ، وليسَ الأمرُ هنا كذلكَ، بلِ اختُلِفَ فيهِ على الراوي أيضًا عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسرِ. وأما إنكارُ مالكٍ لهُ فإنهُ قالَ أبو داودَ عنْ مالكٍ: إنهُ قالَ: هذا كذبٌ، وأما قولُ أبي داودَ: إنهُ منسوخٌ فلعلَّهُ أرادَ أن ناسخَه قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-720>إذا قُرن بيوم آخر جاز صوم السبت</span>\n١٤/ ٦٥٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ أكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأيَّامِ يَوْمُ السّبْتِ، وَيوْمُ الأحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: \"إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ للْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَهُمْ\". أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهذَا لَفْظُهُ (^٢). [حسن]\n(وعنْ أمِّ سَلمةَ - ﵂ - أن رسولَ الله - ﷺ - كان أكثرَ ما كانَ يصومُ منَ الأيامِ يومُ السبتِ، ويومُ الأحدِ وكانَ يقولُ: إنَّهما يوما عيدٍ للمشركينَ فأنا أريدُ أنْ أخالفَهم.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٤٦ رقم ٢٧٧٥/ ١) ورقم (٢٧٧٦/ ٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ٣١٨ رقم ٢١٦٧) بإسناد ضعيف.\nقلت: وأخرجه ابن حبان (٨/ ٣٨١ رقم ٣٦١٦)، وأحمد (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ ٢٣٨ رقم ٦١٦) و(٢٣/ ٤٠٢ رقم ٩٦٤)، والحاكم (١/ ٤٣٦) وعنه البيهقي (٤/ ٣٠٣) من طرق.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٩٨) وقال بعد أن نسبه للطبراني وحده: رجاله ثقات.\nوقال الحاكم: إسناده صحيح ووافقه الذهبي.\nوالخلاصة: فالحديث حسن، والله أعلم.","vol":"4","page":141},{"text":"أخرجهُ النسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وهذا لفظُه). فالنَّهْيُ عنْ صومِه كانَ أوَّلَ الأمرِ حيثُ كانَ - ﷺ - يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ، ثمَّ كانَ آخرَ أمرِه - ﷺ - مخالفتُهم، كما صرَّحَ بهِ الحديثُ نفسُه، وقيلَ: بلِ النّهْيُ كانَ عنْ إفرادِه بالصومِ إلَّا إذا صامَ ما قبلَه أو ما بعدَه. وأخرجَ الترمذيُّ (^١) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: \"كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - منَ الشهرِ السبتِ والأحدِ والاثنينِ، ومنَ الشهرِ الآخرِ الثلاثاءِ والأربعاءِ والخميس\". وحديثُ الكتاب [دلَّ] (^٢) على استحبابِ صومِ السبتِ والأحدِ مخالفةً لأهلِ الكتابِ، وظاهرهُ صومُ كلٍّ على الانفرادِ أو الاجتماعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-721>النهي عن صوم عرفة بعرفة</span>\n١٥/ ٦٥١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - نَهى عَنْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ (^٣)، وصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٤) وَالْحَاكِمُ (^٥)، واسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ (^٦). [ضعيف]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَهى عنْ صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والحاكمُ، واستنكرهُ العقيليُّ)، لأنَّ في\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٧٤٦) وقال: هذا حديث حسن. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه.\nوهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي.\n(^٢) في (ب): \"دالٌ\".\n(^٣) أحمد (٢/ ٣٠٤)، وأبو داود (٢٤٤٠)، وابن ماجه (١٧٣٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ١٥٥ رقم ٢٨٣٠/ ١) ورقم (٢٨٣١/ ٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٩٢ رقم ٢١٠١) بإسناد ضعيف.\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٣٤) وقال: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.\n(^٦) في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ٢٩٨).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٧٢) والبيهقي (٤/ ٢٨٤).\nقلت: إسناده ضعيف لجهالة العبدي واسمه مهدي بن حرب، قال ابن معين وأبو حاتم: لا أعرفه. وانظر الكلام عليه في الضعيفة للألباني (رقم: ٤٠٤).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.","vol":"4","page":142},{"text":"إسنادِه [مهديًا] (^١) الهجري ضعَّفَه العقيليُّ وقالَ: لا يتابعُ عليهِ، والراوي عنهُ مختلَفٌ فيهِ. قلتُ: في الخلاصةِ إنَّهُ قالَ ابن معينٍ: لا أعرفُه، وأما الحاكمُ فصحُّحَ حديثَه، وأقرَّهُ الذهبيُّ في مختصرِ المستدركِ ولم يعدَّهُ منَ الضعفاءِ في المغني، وأما الراوي عنهُ فإنهُ حوشبُ بنُ عبدلٍ. قالَ المصنفُ في التقريبِ (^٢): إنهُ ثقةٌ. والحديثُ ظاهرٌ في تحريمِ صومِ عرفةَ بعرفةَ، وإليه ذهبَ يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريِّ وقالَ: يجبُ إفطارُه على الحاجِّ، وقيلَ: لا بأسَ بهِ إذَا لمْ يَضْعُفْ عن الدعاء، نُقِلَ عن الشافعيِّ، واختارهُ الخطابي والجمهورُ على أنهُ يُسْتَحَبُّ إفطارُه (^٣). وأما هوَ - ﷺ - فقدْ صحَّ أنهُ كانَ يومَ عرفةَ بعرفةَ مفطِرًا في حجتِه، ولكنْ لا يدلُّ تركُه الصومَ على تحريِمِه. (نعمْ) يدلُّ أن الإفطارَ هوَ الأفضلُ لأنهُ - ﷺ - لا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، إلَّا أنهُ قدْ يَفْعَلُ المفضولَ لبيانِ الجوازِ فيكونُ في حقِّه أفضلَ لما فيهِ منَ التشريعِ والتبليغِ بالفعلِ، [و] (^٤) لكنَّ الأظهرَ التحريمُ لأنهُ أصلُ النَّهي.\n\n<span data-type='title' id=toc-722>يكره صوم الدهر</span>\n١٦/ ٦٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبدَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ عَبدِ الله بن عَمرو - ﵄ - قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: \"لا صامَ منْ صامَ الأبَدَ\" متفقٌ عليه) اخْتَلَفَ [العلماءِ] (^٦) في معناهُ، قالَ شارحُ المصابيحِ: فُسِّرَ هذا من وجهينِ: أحدُهما أنهُ على معنَى الدعاءِ عليهِ زجْرًا لهُ عنْ صنيعهِ، والآخرُ على سبيلِ الإخبار. والمعنَى أنهُ بمكابدةِ سَوْرَةِ الجوعِ، وحرِّ الظمأ لاعتياده الصومَ حتَّى خفَّ عليهِ ولم يفتقرْ إلى الصبرِ على الجهدِ الذي يتعلقُ به الثوابُ، فكانهُ لم يصمْ ولم تحصلْ لهُ فضيلةُ الصوم، ويؤيدُ أنهُ للإخبارِ قولُه:\n_________\n(^١) في (أ): مهدي.\n(^٢) (١/ ٢٠٧).\n(^٣) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) البخاري (١٩٧٧)، ومسلم (١٨٦/ ١١٥٩).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"4","page":143},{"text":"١٧/ ٦٥٣ - وَلمُسْلِمٍ (^١) مِنْ حَديثٍ أَبي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: \"لَا صَامَ وَلَا أَفطَرَ\". [صحيح]\n(ولمسلمٍ منْ حديثِ أبي قتادةَ - ﵁ -: لا صامَ ولا أفطر)، ويؤيدُه أيضًا حديثُ الترمذيِّ (^٢) عنهُ بلفظِ: \"لم يصمْ ولم يفطرْ\". قالَ ابنُ العربي (^٣): إنْ كان دعاءٌ فيا ويحَ مَنْ دعا عليهِ النبيُّ - ﷺ -، وإنْ كانَ معناهُ الخبرُ فيا ويحَ من أخبرَ عنهُ النبيُّ - ﷺ - أنهُ لمْ يصمْ، وإذا لم يصمْ شرعًا فكيفَ يُكْتَبُ لهُ ثوابٌ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في صيامِ الأبدِ فقالَ بتحريمِهِ طائفةٌ وهوَ اختيارُ ابن خزيمةَ لهذا الحديثِ وما في معناهُ، وذهبت طائفةٌ إلى جوازِه وهوَ اختيارُ ابن المنذرِ، وتأوَّلُوا أحاديثَ النَّهي عنْ صيامِ الدهرِ أن المرادَ مَنْ صامهُ مَعَ الأيامِ المنهيِّ عنْها منَ العيدينِ وأيامِ التشريقِ وهو تأويلٌ مردودٌ بنهيهِ - ﷺ - لابن عمرو عنْ صوم الدهرِ، وتعليلِه بأنَّ لنفسِه عليهِ حقًّا، ولأهلِه حقًّا، ولضيفهِ حقًّا، ولقولِه: \"أما أَنا فأصومُ وأفطرُ فمنْ رغبَ عن سُنَّتِي فليسَ منّي\" (^٤)؛ فالتحريم هوَ الأوجَهُ دليلًا. ومِنْ أدلة التحريم ما أخرجَهُ أحمدُ (^٥)، والنسائيُّ (^٦) وابنُ خزيمةَ (^٧)، وابن حبان (^٨) منْ حديثِ أبي\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٩٦/ ١١٦٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٤٢٥)، والترمذي (٧٦٧) والنسائي (٤/ ٢٠٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٣٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nوابن خزيمة (رقم: ٢١٥٠).\nوابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٧٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٧٨٦٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٧٦٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"عارضة الأحوذي\" (٣/ ٢٩٩).\n(^٤) وهو جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (٤/ ١٢٩ - الآفاق الجديدة) عن أنس.\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ٤١٤).\n(^٦) لم أعثر عليه في \"الصغرى\" ولا في \"الكبرى\"، والله أعلم.\n(^٧) في \"صحيحه\" (رقم ٢١٥٤) و(٢١٥٥) بإسناد صحيح.\nقلت: وأخرجه البزار في \"الكشف\" (رقم: ١٠٤٠)، والطيالسي في \"المسند\" (رقم: ٥١٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٧٨)، والبيهقي (٤/ ٣٠٠)، وعبد الرزاق (رقم: ٧٨٦٦).\n(^٨) في \"الإحسان\" (٨/ ٣٤٩ رقم ٣٥٨٤).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":144},{"text":"مُوسى مرفوعًا: \"مَنْ صَامَ الدهرَ ضُيِّقَتْ عليهِ جهنمُ وعقدَ بيدِه\".\nقالَ الجمهورُ: يستحبُّ صومُ الدهرِ لمنْ لا يضعِفُه عنْ حقِّ، وتأولُوا أحاديثَ النَّهي بتأويلِ غيرِ راجحٍ، واستدلُوا بأنهُ - ﷺ - شبَّهَ صومَ ستٍّ منْ شوالِ معَ رمضانَ، وشبَّهَ ثلاثةَ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ بصومِ الدهرِ، فلولا أن صائمه يستحقُّ الثوابَ لما شبَّهَ بهِ.\nوأجيبَ بأنَّ ذلكَ على تقديرِ مشروعيتهِ، فإنَّها تغني عنهُ كما أغنتِ الخمسُ الصلواتِ عن الخمسينَ الصلاةِ التي قدْ كانتْ فرضتْ [على] (^١) أنّهُ لو صلَّاها أحدٌ لوجوبِها لم يستحقَّ ثوابًا بلْ يستحقُّ العقابَ، نعمْ أخرجَ ابنُ السني (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"مَنْ صامَ الدهرَ فقدْ وهبَ نفسَه منَ اللَّهِ ﷿\"، إلا أنَّا لا ندري ما صحَّتُه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"مع\".\n(^٢) لم أعثر عليه في \"عمل اليوم والليلة\" لابن السنِّي.\nبل ذكره علي المتقي الهندي في \"كنز العمال\" (٨/ ٥٥٩ رقم ٢٤١٦١) وعزاه لأبي الشيخ.","vol":"4","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-723>[الباب الثاني] بابُ الاعتكافِ وقيامُ رمضانَ</span>\nالاعتكافُ لغةً: لزومُ الشيءِ وحبسُ النفسِ عليهِ، وشرْعًا: المقامُ في المسجدِ منْ شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ. (وقيامُ رمضانَ) أي: قيامُ لياليهِ مصلِّيًا أو تاليًا. قالَ النوويُّ (^١): قيامُ رمضانَ يحصلُ بصلاةِ التراويحِ، وهوَ إشارةٌ إلى أنهُ لا يشترطُ استغراقُ كلِّ الليلة بصلاةِ النافلةِ فيهِ، ويأتي ما في كلامِ النوويِّ.\n١/ ٦٥٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة - ﵁ - أن رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَامَ رَمَضَانِ إيِمانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرة - ﵃ - أن رسولَ الله - ﷺ - قالَ: مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا)، أي: تصديقًا بوعدِ الله للثوابِ، (واحتسابًا) منصوبٌ على أنهُ مفعولٌ لأجلِه كالذي عطفَ عليهِ، أي: طلبًا لوجهِ اللهِ وثوابِهِ، والاحتسابُ منَ الحسبِ كالاعتدادِ منَ العددِ، وإنما قيلَ: لمن ينوي بعملهِ وجهَ اللَّهِ احتسبَه، لأنهُ لهُ حينئذٍ أنْ يعتدَّ عملَه فجُعِلَ في حالِ مباشرةِ الفعلِ كأنهُ معتدٌّ بِهِ، قالَه في النهايةِ. (غفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه. متفقٌ عليهِ).\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٤/ ٣٢).\n(^٢) البخاري (٢٠٠٩)، ومسلم (١٧٣/ ٧٥٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٣٧١)، والنسائي (٤/ ١٥٦)، والترمذي (٨٠٨)، وابن ماجه (١٣٢٦)، وأحمد (٢/ ٢٨١، ٢٨٩، ٤٠٨، ٤٢٣) وغيرهم.","vol":"4","page":146},{"text":"يحتملُ أنهُ يريدُ قيامَ جميعِ لياليهِ، وأنَّ منْ قامَ بعضَها لا يحصلُ لهُ ما ذكرهُ منَ المغفرةِ وهوَ الظاهرُ، وإطلاقُ الذنبِ شامل للكبائرِ والصغائرِ. وقالَ النوويُّ (^١): المعروف أنهُ يختصُّ بالصغائرِ، وبهِ جزمَ إمامُ الحرمينِ، ونسبَهُ عياضٌ لأهلِ السنةِ، وهوَ مبنيٌّ على أنَّها لا تغفرُ الكبائرُ إلَّا بالتوبةِ، وقدْ زادَ النسائيُّ (^٢) في روايته: \"ما تقدَّمَ وما تأخرَ\". وقدْ أخرجَها أحمدُ (^٣)، وأخرجتْ منْ طريقِ مالكٍ. وتقدَّمَ معنَى مغفرةِ الذنبِ المتأخرِ. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ قيامِ رمضان، [والظاهر] (^٤) أنهُ يحصلُ بصلاة الوترِ إحدَى عشْرةَ ركعةً كما كانَ - ﷺ - يفعلُه في رمضانَ وغيرِه كما سلفَ في حديثِ عائشةَ (^٥)، وأما التراويحُ على ما اعتِيدَ الآنَ فلمْ تقعْ في عصرِه - ﷺ -، إنَّما كانَ ابتدَعَها عمرُ في خلافتِه (^٦)، وأمرَ\n_________\n(^١) في \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٤٠).\n(^٢) في \"الكبرى\" - كما في \"تحفة الأشراف\" (١١/ ٢٦ - ٢٧) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٥٢٩) لكن ليس عنده: \"وما تأخر\"، فلعلَّ هذا راجع لاختلاف نسخ المسند.\nولمزيد البحث في المسألة انظر: \"معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدَّمَة والمؤخَّرة\" للحافظ ابن حجر. تحقيق وتعليق: جاسم الفهيد الدوسري (ص ٥٦ - ٦٧).\n(^٤) في (ب): \"والذي يظهر\".\n(^٥) رقم الحديث (٢٠/ ٣٥٢) من كتابنا هذا.\n(^٦) اعلم أن صلاة القيام مشروعة بنص حديث رسول الله - ﷺ - فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمةٍ. فيقول: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه\"، فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك؛ ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر على ذلك\". أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ١١٣ - ١١٤)، والبخاري (٤/ ٢٥٠ - مع الفتح)، ومسلم (١٧٤).\n• كما أن صلاة القيام جماعة مشروعة بنص حديث رسول الله - ﷺ -.\nفعن عائشة - ﵂ - أخبرت، أن رسول الله - ﷺ -: خرج ليلةً من جوف الليل فصلَّى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلَّى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدَّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة. فخرج رسول الله - ﷺ - فصلَّى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة، عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهَّد ثم قال: \"أما بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها\".\nفتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك. أخرجه البخاري (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ - مع الفتح)، ومسلم (١٧٨). =","vol":"4","page":147},{"text":"أُبَيًا أنْ يجمعَ الناس، واختُلِفَ في القَدْر الذي كانَ يصلِّي بِهِ أُبيٌّ، فقيلَ: كانَ يصلِّي بِهِمْ إحدَى عشْرَةَ ركعةً، ورُوِيَ إحدَى وعشرونَ، ورُوِيَ عشرونَ [ركعةً] (^١)، وقيلَ: ثلاثٌ وعشرونَ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. وقد قدَّمنا تحقيقَ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-724>في العشر الأواخر من رمضان يستحب الاجتهاد في العمل</span>\n٢/ ٦٥٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إذَا دَخَلَ العَشْرُ - أي: الْعَشْرُ الأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعَنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسول الله - ﷺ - إذا دخلَ العشرُ، أي: العشرُ الأخيرةُ منْ رمضانَ). هذا التفسيرُ مُدْرَجٌ منْ كلامِ الراوي، (شدَّ مئزَرَهُ) أي: اعتزلَ النساءَ، (وأحيا ليلَه وأيقظَ أهلَه. متفق عليه)، وقيلَ في تفسيرِ شدِّ المئزر: إنهُ كنايةٌ عن التشميرِ للعِبادةِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ المعنَى أنهُ شدِّ مئزَره: جَمَعَهُ حقيقة فلمْ يحله، واعتزلَ النساءَ وشمَّر للعبادةِ، إلَّا أنهُ يبعدُه ما رُوِيَ عنْ عليٍّ - ﵁ - بلفظٍ: \"فشدَّ مئزرَه واعتزلَ النساءَ\"؛ فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ، وإيقاعُ الإحياءِ على الليلِ مجازٌ عقليٌّ لكونِه زمانًا للإحياءِ نفسِه، والمرادُ به السهرُ. وقولُه: \"أيقظَ أهلَهُ\" أي: للصلاةِ والعبادةِ، وإنَّما خصَّ بذلكَ - ﷺ - آخرَ رمضانَ لقربِ\n_________\n= • قلت: لقد اتضح من الحديثين السابقين أن صلاة القيام في رمضان مشروعة وصلاتها جماعة مشروعة، وإنَّما ترك النبي - ﷺ - الحضور في الليلة الرابعة، مخافة أن تفرض على المسلمين، فلما انقطع الوحي بموت رسول الله - ﷺ - أُمن ما خاف منه الرسول - ﷺ -، لأنّ العلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فبقيت السنة للجماعة لزوال العارض، فجاء عمر - ﵁ - أمر بصلاتها جماعة، إحياءً للسنة التي شرعها رسول الله - ﷺ -. وبهذا تعلم أنَّ مفهوم البدعة لا ينطبق على فعل عمر - ﵁ -.\nويقول ابن تيمية - ﵀ -: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية، لا تسمية شرعية. انظر كتاب: \"اقتضاء الصراط المستقيم\" لابن تيمية ص ٢٧٥ - ٢٧٧.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٣٧٦)، والنسائي (٣/ ٢١٧ رقم ١٦٣٩)، وابن ماجه (١٧٦٨)، والبيهقي (٤/ ٣١٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ٣٨٩).","vol":"4","page":148},{"text":"خروجِ وقتِ العبادةِ فيجتهدُ فيهِ لأنهُ خاتمةُ العملِ، والأعمالُ بخواتيمِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-725>مشروعية الاعتكاف</span>\n٣/ ٦٥٦ - وعَنْهَا - ﵂ -، أن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ﷿، ثُمّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْها) أي: عائشةَ - ﵂ -: (أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ منْ رمضانَ حتَّى تَوفَّاهُ اللَّهُ ﷿، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه منْ بعدِه. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على أن الاعتكافَ سُنَّةٌ واظبَ عليْها رسولُ اللهِ - ﷺ - وأزواجُهُ منْ بَعْدِهِ. قالَ أبو داودَ عنْ أحمدَ: لا أعلمُ عنْ أحدٍ منَ العلماءِ خلافًا أن الاعتكافَ مسنونٌ. وأمَّا المقصودُ منهُ فهوَ جَمْعُ القلبِ على اللهِ تعالى بالخلوةِ معَ خُلْوِّ المعدةِ، والإقبالُ عليهِ تعالى، والتنعمُ بذكرهِ، والإعراضُ عما عداهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-726>لا يخرج المعتكف من المسجد</span>\n٤/ ٦٥٧ - وعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْها) أي عائشةَ - ﵂ -: (قَالتْ: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا أرادَ أنْ يعتكفَ صلَّى الفجرَ، ثمَّ دخلَ معتكَفَهُ. متفق عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنَّ أولَ وقتِ الاعتكافِ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ظاهرٌ في ذلكَ. وقدْ خالفَ فيهِ مَنْ قَالَ: إنهُ يدخلُ المسجدَ قبلَ طلوعِ الفجرِ إذا كانَ معتكفًا نهارًا، وقبلَ [الغروب] (^٣) إذا كانَ معتكِفًا ليلًا، وأُوِّلَ الحديثُ بأنهُ كانَ يطلعُ الفجرُ وهوَ - ﷺ - في المسجدِ ومنْ بعدِ صلاتِه الفجرَ يخلُو بنفسِه في المحلِّ الذي أعدَّه لاعتكافِه.\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (٥/ ١١٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٤٦٢)، والترمذي (٧٩٠) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (٦/ ١١٧٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٤٦٤)، والترمذي (٧٩١)، وابن ماجه (١٧٧١) وغيرهم.\n(^٣) في (ب): \"غروبِ الشمسِ\".","vol":"4","page":149},{"text":"قلتُ: ولا يخْفَى بعدُهُ؛ فإنَّها كانتَ عادتُه - ﷺ - أن لا يخرجُ منْ منزلِه إلَّا عندَ الإقامة للصلاة.\n\n<span data-type='title' id=toc-727>الأعمال التي لا تبطل الاعتكاف</span>\n٥/ ٦٥٨ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعَنْها) أي: عائشة (- ﵂ - قالتْ: إنْ كانَ رسولُ الله - ﷺ - ليُدخِلُ على رَأْسَهُ وهوَ في المسجدِ، فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا. متفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ). في الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وأنَّ خُروجَ بعضِ بدنِه لا يضرُّ، وفيهِ أنهُ يشرعُ للمعتكفِ النظافةُ والغسلُ والحَلْقُ والتزيُّنُ، وعلى أنَّ العملَ اليسيرَ [و] (^٢) الأفعالَ الخاصةَ بالإنسانِ يجوزُ فعلُها وهوَ في المسجدِ، وعلى جوازِ استخدامِ الرجلِ زوجته، وقولها: \"إلَّا لحاجةٍ\" يدلُّ علَى أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ إلَّا للأمرِ الضروريِّ. والحاجةُ فسَّرها الزهريُّ بالبول والغائطِ، وقد اتُّفق على استثنائِهِمَا، واختُلِفَ في غيرِهِما منَ الحاجاتِ كالأكلِ والشربِ، وألحقَ بالبولِ والغائطِ جوازُ الخروجِ للفصدِ والحجامةِ ونحوِهما.\n٦/ ٦٥٩ - وَعَنْها قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَلَا بَأسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. [إسناده حسن]\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٦/ ٢٩٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٨٠٤)، والنسائي (١/ ١٩٣).\n(^٢) في (ب): \"من\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢٤٧٣).\nوقال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: \"قالت السنة\"، قال أبو داود: جعله قول عائشة. وحسَّن الألباني إسناده.","vol":"4","page":150},{"text":"(وعَنْها) أيْ: عائشةَ (- ﵂ -: قَالَتْ: السنة علَى المعتكفِ أنْ لا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ امرأةً، ولا يباشرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلَّا لِمَا لا بدَّ لَهُ منهُ) مما سلفَ ونحوِه (ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ جامعٍ. رواهُ أبو داوُدَ، ولا بأسَ برجالِه، إلَّا أن الراجحَ وقْفُ آخِرِهِ) من قولِها: \"ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ\". [و] (^١) قالَ المصنفُ (^٢): جزمَ الدارقطنيُّ أنَّ القدْرَ الذي منْ حديثِ عائشةَ قولُها: \"لا يخرجُ إلا لحاجةٍ\"، وما عداهُ ممنْ دونَها، انتَهَى منْ فتحِ الباري. وهنَا قالَ: إنَّ آخِرَهُ موقوفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ لشيءٍ مما عيَّنَتْهُ هذهِ الروايةُ، وأنهُ أيضًا لا يخرجُ لشهودِ الجمعةِ، وأنهُ إن فعلَ أي ذلكَ بطلَ اعتكافُهُ. وفي المسْألةِ خلافٌ كثير ولكنَ الدليل قائمٌ على ما ذكرناهُ. وأما اشتراطُ الصوم ففيهِ خلافٌ أيضًا، وهذا الحديثُ الموقوفُ دالٌّ على اشتراطِهِ، وفيهِ أحاديثُ منْها في نفي شرطِيَّتِهِ، ومنْها في إثباتها، والكلُّ لا ينتهض حجةً، إلَّا أن الاعتكافَ عُرفَ منْ فعلِهِ - ﷺ - ولمْ يعتكفْ إلَّا صائمًا. واعتكافُه في العشْرِ الأوَلِ منْ شوالٍ (^٣) الظاهرُ أنهُ صامَها. [ولا] (^٤) يعتكفْ إلَّا منْ ثاني شوالٍ، لأنَّ يومَ العيدِ يومُ شغلِه بالصلاةِ والخطبةِ والخروجِ إلى الجبانةِ، إلَّا أنهُ لا يقومُ بمجردِ الفعْلِ حجةٌ على الشرطيةِ. وأنها اشتراطُ المسجدِ فالأكثرُ على شرطيتِه إلَّا عنْ بعض العلماءِ، والمرادَ منْ كونِه جامعًا أنْ تقامَ فيهِ الصلواتُ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ وأبو حنيفةَ. وقالَ الجمهورُ: يجوزُ في كلِّ مسجدٍ إلا لمنْ تلزمُه الجمعةُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٣).\n(^٣) أخرج البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (٦/ ١١٧٢) عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يعتكفُ في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبحَ ثم يدخلُه.\nفاستأذنت حفصةُ عائشةَ أن تضرب خِباء فأذنت لها فضربت خباء. فلما رأتهُ زينب بنتُ جحش ضربت خباءً آخرَ، فلما أصبحَ النبيُّ - ﷺ - رأى الأخبية فقال: ما هذا؟ فأخبرَ، فقال النبيُّ - ﷺ -: آلْبِرَّ تُرَونَ بهنَّ؟ فترك الاعتكافَ ذلك الشهرَ.\nثم اعتكفَ عشرًا من شوّالٍ\".\nوقال صاحب \"الروضة الندية\" (١/ ٥٧٣) بتحقيقنا عقب هذا الحديث: \"ولم ينقل عنه أنه صامها، بل روي عنه أنه اعتكف العشر الأول من شوال، ولا يخفى أن يوم الفطر من جملتها، وليس بيوم صوم، فالحق عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف لما تقدم … \".\n(^٤) في (ب): \"ولم\".","vol":"4","page":151},{"text":"فاسْتَحَبَّ لهُ الشافعيُّ الجامعَ، وفيهِ مثلُ ما في الصومِ من أنهُ - ﷺ - لم يعتكفْ إلَّا في مسجدهِ، وهوَ مسجدٌ جامعٌ (^١). ومنَ الأحاديثِ الدالةِ على عدمِ شرطيةِ الصيامِ قولُه:\n٧/ ٦٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵂ - أن النبيّ - ﷺ - قالَ: \"لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلا أنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢)، والْحَاكِمُ (^٣)، وَالرَّاجِحُ وَقْفَهُ أَيْضًا. [موقوف]\n(وعنِ ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قالَ: لَيْس على المعتكفِ صيامٌ إلَّا أن يجعلَه على نفسه. رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكمُ، والراجحُ وقْفُه أيضًا) علَى ابن عباسٍ. قالَ البيهقيُّ (^٤): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورفْعُهُ وهْمٌ وللاجتهادِ في هذا مسرحٌ، فلا يقومُ دليلٌ على عدمِ الشرطيةِ. وأمّا قولُه: \"إلَّا أنْ يجعلَه على نفسِه\"، فالمرادُ أنْ يَنْذرَ بالصومِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-728>وقت ليلة القدر</span>\n٨/ ٦٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أن رِجالًا مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في الْمَنَامِ، في السَّبْعِ الأوَاخِر، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أُرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السّبْعِ الأوَاخِرِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعَنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ - ﷺ -)، قال المصنفُ: لم أقفْ على تسميةِ أحدٍ منْ هؤلاءِ، وقولِه: (أُرُوا) بضمِّ الهمزةِ على البناءِ للمجهولِ (ليلةَ القدرِ في المنامِ) أي: قيلَ لهمْ: في المنامِ هي (في السبعِ الأواخِرِ، فقالَ رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أُرَى) بضمِّ الهمزةِ أي: أظنُّ (رؤياكمْ قد تواطأتْ) أي: توافقتْ لفظًا\n_________\n(^١) انظر: \"المجموع\" (٦/ ٤٨٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ١٩٩ رقم ٣).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٤٣٩)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣١٩).\n(^٥) البخاري (٢٠١٥)، ومسلم (٢٠٥/ ١١٦٥).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٢١ رقم ١٤).","vol":"4","page":152},{"text":"ومعنًى، (في السبعِ الأواخر، فمنْ كانَ متحرِّيْها فليتحرَّها في السبع الأواخِر. متفقٌ عليهِ). وأخرجَ مسلمٌ (^١) منْ حديثِ ابن عمرَ [مرفوعًا] (^٢): \"التمسُوها في العشرِ الأواخِرِ، فإنْ ضَعُفَ أحدٌ أوْ عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السبعِ البواقي\". وأخرجَ أحمدُ (^٣): \"رأَى رجلٌ أن ليلةَ القدرِ ليلةُ سبع وعشرينَ أو كذا، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"التَمسُوها في العشرِ البواقي في الوترِ منْها\"، ورَوَى أحمدُ (^٤) منْ حديثِ عليٍّ مرفُوعًا: \"إنْ غُلِبْتُمْ فلا تُغْلَبُوا على السبعِ البواقي\"، وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ العشْرَ للاحتياط منْها، وكذلكَ السبعُ، والتسعُ، لأنَّ ذلكَ هو [لمظنة] (^٥)، وهوَ أقصَى ما يُظَنُّ فيهِ الإدراكُ. وفي الحديثِ دليلٌ على عِظَمِ شأنِ الرؤيا، وجوازِ الاستنادِ إليها في الأمورِ الوجوديةِ بشرطِ أنْ لا تخالفَ القواعدَ الشرعيةَ.\n٩/ ٦٦٢ - وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبي سُفْيَانَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: \"لَيلَةُ سَبْعِ وَعِشْرِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتُهَا في فَتْحِ الْبَارِي (^٧). [صحيح]\n(وعنْ معاويةَ بن أبي سفيانَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ في ليلةِ القدرِ: ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. رواهُ أبو داودَ) مرفُوعًا: (والراجحُ وقْفه) على معاويةَ ولهُ حكمُ الرفعِ. (وقد اختُلِفَ في تعيينِها على أربعينَ قولًا، أوردتها في فتحِ الباري)، ولا حاجةَ إلى سردِها لأنَّ منْها ما ليسَ في تعيِينها، كالقولِ بأنَّها رُفِعَتْ، والقولُ بإنكارِها منْ أصلِها؛ فإنَّ هذهِ عدَّها المصنفُ منَ الأربعينَ. [وفيها] (^٨) أقوالٌ أُخَرُ لا دليلَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢٠٩/ ١١٦٥) مرفوعًا.\n(^٢) في (أ): \"موقوفًا\"، والأصح ما أثبتناه من (ب).\n(^٣) في \"المسند\" (٥/ ٤٠).\n(^٤) في \"الفتح الرباني\" (١٠/ ٢٧٠ رقم ٣٢٥) بسند لا بأس به.\nوهو من زوائد عبد الله ابن الإمام أحمد.\n(^٥) في (ب): \"المظنة\".\n(^٦) في \"السنن\" (١٣٨٦) وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.\n(^٧) (٤/ ٢٦٢ - ٢٦٧).\nوانظر: \"نيل الأوطار\" للشوكاني (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٥)، فقد بسطها فيه فكانت سبعة وأربعين قولًا.\n(^٨) في (أ): \"ومنها\".","vol":"4","page":153},{"text":"عليْها. وأظهرُ الأقوالِ أنَّها في السبع الأواخِرِ. وقالَ المُصنفُ في فتحِ الباري (^١) بعدَ سردِه الأقوالَ: وأرجحُها كلُّها أنَّها في وترِ العشرِ الأواخرِ، وأنَّها تنتقلُ كما يفهمُ منْ حديثِ هذا البابِ، وأرجَاها أوتارُ الوترِ عندَ الشافعيةِ إحدَى وعشرينِ، وثلاثٌ وعشرين على ما في حديثي أبي سعيدٍ (^٢)، وعبدِ اللهِ بن أُنَيْسٍ (^٣)، وأرجَاها عندَ الجمهورِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-729>ماذا يقول من وافق ليلة القدر</span>\n١٠/ ٦٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: \"قولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبي دَاوُدَ (^٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليليةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها قالَ: قولي اللَّهمَّ إنكَ عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني. رواهُ الخمسةُ غيرُ أبي داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، والحاكم). قيلَ (^٦): علامتُها أن المطَّلِعَ عليها يَرَى كلَّ شيءٍ ساجدًا، وقيلَ: يَرَى الأنوارَ في كلِّ مكانٍ ساطعةً حتَّى في المواضعَ المظلمةِ، وقيلَ: يسمعُ سلامًا أو خِطابًا منَ الملائكةِ، وقيلَ: علامتُها استجابةُ دعاءِ مَنْ وقعتْ لهُ. وقالَ الطبريُّ: ذلكَ غيرُ لازمٍ فإنَّها قدْ تحصلُ ولا يُرَى شيءٌ\n_________\n(^١) (٤/ ٢٦٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠١٦)، ومسلم (٢١٣/ ١١٦٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٨/ ١١٦٨).\n(^٤) أخرجه أحمد (٦/ ١٧١، ١٨٢، ٢٠٨، ٢٥٨)، والترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في \"اليوم والليلة\" (رقم: ٨٧٢)، وابن ماجه (٣٨٥٠) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٥٣٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن السني في \"اليوم والليلة\" (رقم: ٧٦٧).\nوهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٦) قلت: غفر الله للأمير الصنعاني فقد وافق العامة في مثل ذلك، ومثل هذا لا يقال إلا بالدليل. وانظر كتاب: \"شرح الصدر بذكر ليلة القدر\" للعراقي بتحقيقنا ص ٤٤ - ٤٦: فصل في علامات ليلة القدر.","vol":"4","page":154},{"text":"ولا يُسْمَعُ. واختلفَ العلماءُ هلْ يقعُ الثوابُ المرتَّبُ لمنِ اتفقَ أنُ وافقَها ولم يظهرْ له شيءٌ، أو يتوقفُ ذلكَ على كشفِها؟ ذهبَ إلى الأولِ الطبري وابنُ العربيِّ وآخرونَ، وإلى الثاني ذهبَ الأكثرونَ، ويدلُّ لهُ ما وقعَ عن مسلم (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: \"مَنْ يقُمْ ليلةَ القدرِ فيوافقها\". قال النوويُّ (^٢): أي يعلمُ أنَّها ليلةُ القدرِ، ويحتملُ أن المراد يوافقُها في نفسِ الأمرِ وإنْ لم يعلمْ هوَ ذلكَ، ورجَّحَ هذَا المصنفُ. قالَ: ولا أنكرُ حصولَ الثوابِ الجزيلِ لمنْ قامَ ابتغاء ليلةِ القدرِ وإنْ لم [يوافقها] (^٣)، وإنَّما الكلامُ في حصولِ الثوابِ المعيَّنِ الموعودِ به، وهوَ مغفرةُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-730>يحرم شدُّ الرحال لزيارة الصالحين لقصد التبرك</span>\n١١/ ٦٦٤ - وعَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لا تُشَدُّ) بضمِّ الدالِ المهملةِ، على أنهُ نفيٌ، ويُرْوَى بسكونِها على أنهُ نهْيٌ، (الرِّحال) جمعُ رَحْلٍ، وهوَ للبعيرِ كالسَّرْجِ للفرسِ، وشدُّهُ هنا كنايةٌ عن السفرِ لأنهُ لازمَه غالبًا، (إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرام) أي: المحرَّمِ، (ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى. متفقٌ عليه). اعلمْ أن إدخالَ هذا الحديثِ في بابِ الاعتكافِ لأنهُ قدْ قيلَ: أنه لا يصحُّ الاعتكافُ إلَّا في الثلاثةِ المساجدِ (^٥)، ثمَّ المرادُ بالنفي النهيُ مجازًا كأنهُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٧٦/ ٧٦٠).\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٤٦).\n(^٣) في (ب): \"يوفَقْ لها\".\n(^٤) البخاري (١١٩٧) و(١٩٩٥)، ومسلم (٤١٥/ ٨٢٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٣٤ و٥١، و٥٢ و٧١ و٧٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٧٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم ٤٥٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٥٧٨).\n(^٥) وقد ورد ما يدل على ذلك كحديث: \"لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة\"، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٩١) عن إبراهيم قال: جاء حذيفة إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قومك عكوف بين دارك ودار الأشعري - يعني المسجد - قال: عبد الله - يعني=","vol":"4","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن مسعود - ولعلهم أصابوا وأخطأت. فقال حذيفة: أما علمت أنه لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول الله - ﷺ -. وما أبالي اعتكف فيه أو في سوقكم هذه\".\nقلت: ولا وجود لما ذكر الشوكاني عند أبي شيبة. والله أعلم.\nوأخرج الحديث البيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣١٦)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٠) والذّهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٨١)، كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله، عكوفًا بين دارك، ودار أبي موسى، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاث\"، فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا\".\nوقال الحافظ الذهبي بعد روايته للحديث: صحيح غريب عال.\n• أما من حيث مشروطية المسجد للاعتكاف. قال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٤/ ٢٧٢): \"واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوتِ أفضل، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة\".\nقلت: وأخرج عبد الرزاق في المصنف\" (٣/ ٣٤٩ رقم ٨٠١٨): عن عطاء قال: لا جوار إلا في مسجد الجامع، ثم قال: \"لا جوار إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة\".\n- وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٨٠١٩) عن عطاء بسند صحيح قال: \"لا جوار إلا في مسجد مكة، ومسجد المدينة … \"، والجوار: أي الاعتكاف.\n- وأخرج بن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣/ ٩١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٤٦ رقم ٨٠٠٨) بسند صحيح عن ابن المسيِّب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي\".\n- مسجد نبي: يعني المساجد الثلاث.\n- وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٤٨ رقم ٨٠١٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٩٣) عن الزهري قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة يجمع فيه\".\n- وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٤٦ رقم ٨٠٠٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٩١) عن علي بن أبي طالب قال: \"لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة\".\nوالخلاصة: أن القول الراجح هو قول حذيفة، لأن معه سنة مروية صحيحة، والجمهور ليس =","vol":"4","page":156},{"text":"قالَ: لا يستقيمُ شرْعًا أنْ يقصدَ بالزيارةَ إلَّا هذهِ البقاعَ لاختصاصِها بما اختصَّتْ بهِ منَ المزية التي شرَّفَها اللَّهُ تعالى بِها. والمرادُ منَ المسجدِ الحرامِ هوَ الحرمُ كلُّه لما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ (^١) منْ طريقِ عطاءٍ: \"أنهُ قيلَ لهُ: هذَا الفضلُ في المسجدِ الحرامِ وحدَه أمْ في الحرمِ؟ قالَ: بلْ في الحرمِ كلِّهِ\"، ولأنهُ لما أرادَ - ﷺ - التعيينَ للمسجدِ قالَ: \"مسجدي هذَا\"، والمسجدُ الأقْصَى بيتُ المقدسِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنهُ لم يكنْ وراءَهُ مسجدٌ كما قالُ الزمخشريُّ (^٢). والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ المساجدِ هذهِ، ودلَّ بمفهومِ الحصْرِ أنهُ يحرمُ شدُّ الرحالِ لقصدِ غيرِ الثلاثةِ، كزيارةِ الصالحينَ أحياءً وأمواتًا لقصدِ التقرُّبِ، وقصد المواضعِ الفاضلةِ لقصدِ التبرُّكِ بها والصلاةِ فيها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشيخُ أبو محمدٍ الجوينيُّ، وبهِ قالَ القاضي عياضٌ وطائفةٌ، ويدلُّ عليه ما رواهُ أصحابُ السننِ (^٣) منْ إنكارِ أبي بصرةَ الغفاريِّ على أبي هريرةَ خروجَهُ إلى الطورِ، وقالَ: لو أدركتُكَ قبلَ أنْ تخرجَ ما خرجتُ. واستدلَّ بهذا الحديثِ ووافقَهُ أبو هريرةَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن ذلكَ غيرُ محرَّمٍ، واستدلُّوا بما لا ينهضُ، وتأولُوا حديث الباب بتآويلَ بعيدةٍ، ولا ينبغي التأويلُ إلَّا بعدَ أنْ ينهضَ على خلافِ ما أَوَّلُوهُ الدليلُ (^٤).\nوقدْ دلَّ الحديثُ على فضلِ المساجدِ الثلاثةِ، وأنَّ أفضلَها المسجدُ الحرامُ لأنَّ التقديمَ ذكرًا يدلُّ على مزيةِ المقدَّمِ، ثمَّ مسجدُ المدينةِ، ثمَّ المسجدُ الأقْصَى.\nوقدْ دلَّ لِهذَا أيضًا ما أخرجهُ البزَّارُ (^٥) وحسَّنه منْ حديثِ أبي الدرداء\n_________\n= معهم إلا عموم الآية: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهو مُحْصصٌ بحديث حذيفة الصحيح. والله أعلم.\n(^١) لم أجده في \"مسند الطيالسي\".\n(^٢) في \"الكشاف\" (٢/ ٣٥١).\n(^٣) لم أجده عند أصحاب \"السنن\".\nبل أخرجه الطيالسي في \"منحة الغفار\" (٢/ ٢٠٣ رقم ٢٧٢٢)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٢/ ٥٥ رقم ٥٨٢) بإسناد ضعيف. وأخرجه كذلك (٢/ ٥٦ رقم ٥٨٤) بإسناد صحيح على شرطهما. والخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) قال صاحب \"فتح العلام\" ولم يتفطن أكثر الناس للفرق بين مسألة الزيادة ومسألة السفر لها فصرفوا حديث الباب عن منطوقه الواضح بلا دليل يدعو إليه\" اهـ.\n(^٥) في \"الكشف\" رقم (٤٢٢). وأخرجه الطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (٢/ ٦٩ رقم ٦٠٩) بسند ضعيف، لضعف سعيد بن بشير. =","vol":"4","page":157},{"text":"مرفُوعًا: \"الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةً، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسِمِائةِ صلاة\"، وفي معناهُ أحاديثُ أُخَرُ.\nثمَّ اختلفَ هل الصلاةُ في هذه المساجدِ تعمُّ الفرضَ والنَّفلَ أو تخصُّ الأولَ؟ قال الطحاويُّ وغيرُهُ: تخصُّ بالفروضِ لقولِه - ﷺ -: \"أفضلُ صلاة المرءِ في بيتِهِ إلَّا المكتوبةَ\" (^١).\nولا يخْفى أنّ لفظَ الصلاةِ المعروفَ بلامِ الجنسِ عامٌّ فيشملَ النافلةَ، إلا أنْ يُقَالَ: لفظَ الصلاةِ إذا أُطْلِقَ لا يتبادرُ منهُ إلَّا الفريضةُ فلا يشملُها.\n* * *\n_________\n= وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٧) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام. والخلاصة: فهو حديث حسن.\nانظر: \"إرواء الغليل\" (رقم: ١١٣٠).\n(^١) تقدَّم تخريجه.","vol":"4","page":158},{"text":"[الكتاب السادس] كتابُ الحَجِّ\nالحجُّ بفتحِ الحاءِ المهمله وكسرِها لغتانِ، وهوَ ركنٌ منْ أركانِ الإسلامِ الخمسةِ بالاتفاقِ، وأولُ فرضِه سنةَ ستٍّ عندَ الجمهورِ، واختارَ ابنُ القيمِ في الهدي (^١) أنهُ فُرِضَ سنةَ تسعٍ أو عشرٍ، وفيهِ خلافٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-732>[الباب الأول] باب فضلهِ وبيان مَنْ فرِضَ عليهِ</span>\n<span data-type='title' id=toc-733>فضل العمرة وتكرارها</span>\n١/ ٦٦٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"العُمرَةُ إلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢) [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عنه أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: العُمرة إلى العُمرةِ كفارةٌ لما بينَهما، والحجُّ المبرورُ)، قيلَ: هوَ الذي لا يخالطُه شيءٌ منَ الإثمِ، ورجَّحهُ النوويُّ (^٣). وقيلَ: المقبولُ، وقيل: هوَ الذي تظهرُ ثمرتُه على صاحبِه بأنْ يكونَ\n_________\n(^١) في \"زاد المعاد\" (٢/ ١٠١).\n(^٢) البخاري (١٧٧٣)، ومسلم (٤٣٧/ ١٣٤٩).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٩٣٣) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٥/ ١١٥ رقم ٢٦٢٩)، وابن خزيمة (٤/ ١٣١ رقم ٢٥١٣) وغيرهم.\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١١٨ - ١١٩).","vol":"4","page":159},{"text":"حالُه بعدَه خَيْرًا منْ حالِه قبلَه. وأخرجَ أحمدُ (^١)، والحاكمُ (^٢) منْ حديثِ جابرٍ: \"قيلَ يا رسولَ اللهِ، ما برُّ الحجِّ؟ قالَ: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السَّلامِ\" وفي إسنادِه ضعفٌ، ولو ثبتَ لتعيَّنَ بهِ التفسير، (ليسَ لهُ جزاءٌ إلا الجنة. متفقٌ عليه).\nالعمرةُ لغةً الزيارةُ، وقيلَ: القصدُ. وفي الشرعِ: إحرامٌ، وسعيٌ، وطوافٌ، وحَلْقٌ، أو تقصيرٌ، سميتْ بذلكَ لأِنَّهُ يزارُ بها البيتُ، ويقصدُ. وفي قولِه: \"العمرةُ إلى العمرةِ\" دليلٌ على تكرارِ العمرةِ، وأنهُ لا كراهةَ في ذلكَ، ولا تحديدَ بوقتٍ.\nوقالتِ المالكيةُ (^٣): يكرهُ في السنةِ أكثرُ منْ عمرةٍ واحدةٍ، واستدلُّوا لهُ بأنهُ - ﷺ - لمْ يفعلْها إلَّا منْ سنةٍ إلى سنةٍ، وأفعالُه - ﷺ - تُحْمَلُ عندَهم على الوجوبِ أو الندبِ. وأجيبَ عنه بأنهُ عُلِمَ منْ أحوالِهِ - ﷺ - أنهُ كانَ يتركُ الشيءَ وهوَ يستحبُّ فعله ليرفعَ المشقةَ عن الأمةِ، وقد ندبَ إلى ذلكَ بالقولِ. وظاهرُ الحديثِ عمومُ الأوقاتِ في شرعيَّتِها، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. وقيلَ: إلا للمتلبس بالحجِّ، وقيل: إلَّا أيامُ التشريقِ، وقيلَ: ويومُ عرفةَ، وقيلَ: إلَّا أشهرُ الحجِّ لغيرِ المتمتعِ والقارنِ، والأظهرُ أنَّها مشروعةٌ مطلقًا، وفعلُه - ﷺ - لها في أشهرِ الحجِّ يردُّ قولَ مَنْ قالَ بِكَراهَتِها فيها، فإنّه - ﷺ - يَعْتَمِرْ عُمُرهُ الأربَعِ إِلّا في أشهُرِ الحجِّ كما هوَ معلومٌ، وإنْ كانتِ العمرةُ الرابعةُ في حجِّهِ، فإنهُ - ﷺ - حجَّ قارنًا كما تظاهرتْ عليهِ الأدلةُ، وإليه ذهبَ من الأئمةِ الأجلَّةُ.\n٢/ ٦٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، عَلَيهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٥)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٣٢٥ و٣٣٤).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤٨٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه لأنهما لم يحتجَّا بأيوب بن سويد، لكنه حديث له شواهد كثيرة. وقال الذهبي: صحيح.\n(^٣) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزيّ (ص ١٦١).\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ١٦٥).\n(^٥) في \"السنن\" (٢٩٠١)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) في \"صحيح البخاري\" (١٧٦٢) من حديث عائشة.","vol":"4","page":160},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، على النساءِ جهادٌ) هوَ إخبارٌ يُرَادُ بهِ الاستفهامُ (قالَ: نعمْ عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه) كأنَّها قالتْ: ما هوَ؟ فقالَ: (الحجُّ والعمرة) أُطْلِقَ عليهما لفظُ الجهادِ مجازًا، شبَّههُمَا بالجهادِ، وأطلقَه عليهما بجامعِ المشقةِ. وقولُه: \"لا قتالَ فِيه\" إيضاحٌ للمرادِ، وبذكرِه خرجَ عنْ كونِه استعارةً، والجوابُ منَ الأسلوبِ الحكيمِ (رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجهْ، واللفظُ لهُ)، أي: لابنِ ماجهْ، (وإسنادُهُ صحيحٌ، وأصلُه في الصحيحِ) أي: في صحيحِ البخاريِّ. وأفادتْ عبارتُه أنهُ إذا أُطْلِقَ الصحيحُ فالمرادُ بهِ البخاريُّ، أوْ أرادَ بذلكَ ما أخرجهُ البخاريُّ (^١) منْ حديثِ عائشةَ بنتِ طلحةَ عنْ عائشةَ أمِّ المؤمنينَ: \"أنَّها قالتْ: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ أفلا نجاهدُ؟ قالَ: لا، لكنْ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ\". وأفادَ تقييدَ إطلاقِ روايةِ أحمد للحجِّ، وأفادَ أن العمرةَ والحجَّ يقوم مقامَ الجهادِ في حقِّ النساءِ، وأفادَ أيضًا بظاهرِه أن العمرةَ واجبةٌ إلَّا أن الحديثَ الآتي يخالفه وهوَ:\n\n<span data-type='title' id=toc-734>حكم العمرة وأقوال العلماء في ذلك</span>\n٣/ ٦٦٧ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: أَتى النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: \"لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيرٌ لَكَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [ضعيف]\n(وعَنْ جابر - ﵁ - قالَ: أتَى النبيَّ - ﷺ - أعرابيٌّ) بفتحِ الهمزةِ، نسبةً إلى الأعراب، وهمْ سكانُ الباديةِ الذينَ يطلبونَ مساقطَ الغيثِ والكلأ، سواءً كانُوا منَ العربِ أَو منْ مواليهِمْ. والعربيُّ مَنْ كانَ نسبُه إلى العربِ ثابتًا، وجمعه أعرابٌ، ويجمعُ الأعرابيُّ على الأعرابِ والأعاربِ (فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أخبرني عن العمرةِ؟) أي: عنْ حكمِها كما أفادُه (أواجبةٌ هي؟ قال: لا) أي: لا تجبُ، وهوَ منَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (رقم ١٤٤٨ - البغا).\n(^٢) في \"الفتح الرباني\" (١١/ ٥٨ رقم ٥٠).\n(^٣) في \"السنن\" (٩٣١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: إسناده ضعيف، لضعف الحجاج بن أرطأة. انظر: \"المجروحين\" (١/ ٢٢٥) والميزان (١/ ٤٥٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٥٤).","vol":"4","page":161},{"text":"الاكتفاءِ، (وأنْ تعتمرَ خيرٌ لكَ) أي: مِنْ تركَها، والأخيَريةُ في الأجرِ تدلُّ على ندبِها، وأنَّها غيرُ مستويةِ الطرفينِ حتَّى تكونَ منَ المباحِ، والإتيانُ بهذهِ الجملةِ لدفعِ ما يُتَوَّهَمُ أنَّها إذا لم تجبْ تردَّدتْ بينَ الإباحةِ والندبِ بلْ كانَ ظاهرًا في الإباحة، لأنَّها الأصلُ فأبانَ ندبَها (رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ) مرفُوعًا، (والراجح وَقْفُهُ) على جابرٍ، فإنهُ الذي سألَهُ الأعرابيُّ وأجابَ عنهُ، وهوَ مما للاجتهادِ فيهِ مسرحٌ (وأخرجه ابن عديٍّ (^١) منْ وجهٍ آخرَ)، وذلكَ أنهُ رواهُ منْ طريقِ أبي عصمةَ (^٢)، عن ابن المنكدرِ، عنْ جابرٍ. وأبو عصمةَ كذَّبوهُ، (ضعيفٌ)؛ لأنَّ في إسنادِه أبا عصمة، وفي إسناده [عندَ] أحمدَ، والترمذيِّ أيضًا الحجاج بنُ أرطاةَ (^٣) وهو ضعيفٌ.\nوقدْ رَوَى ابنُ عديٍّ (^٤)، والبيهقيِّ (^٥) منْ حديثِ عطاءٍ عنْ جابرٍ: \"الحجٌّ والعمرةُ فريضتانِ\" سيأتي بما فيه (^٦). والقولُ بأنَّ حديثَ جابرٍ المذكورَ صحَّحَهُ التِّرمذيُّ مردودٌ بما في الإمامِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يزدْ على قولِه حَسَنٌ في جميعِ الرواياتِ عنهُ، وأفرطَ ابنُ حزمٍ (^٧) فقالَ: إنهُ مكذوبٌ باطلٌ. وفي البابِ أحاديثُ لا تقومُ بها حجةٌ. ونقلَ الترمذيُّ (^٨) عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: ليسَ في العمرةِ شيءٌ ثابتٌ، إنَّها تطوُّعٌ، وفي إيجابِها أحاديثُ لا تقومُ بها الحجةُ كحديثِ عائشةَ الماضي وكالحديثِ:\n_________\n(^١) في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٠٧) وإسناده ضعيف جدًّا.\n(^٢) قال عنه أحمد: لم يكن بذاك في الحديث، وكان شديدًا على الجهمية. وقال مسلم وغيره: متروك الحديث، وقال الحاكم: وضع أبو عصمة حديث فضائل القرآن الطويل.\nوقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.\n[الميزان (٤/ ٢٧٩ رقم ٩١٤٣)، و\"الكامل\" لابن عدي (٧/ ٢٥٠٥ - ٢٥٠٨)].\n(^٣) تقدَّم الكلام عليه قريبًا.\n(^٤) في \"الكامل\" (٤/ ١٤٦٨) وقال: وهذه الأحاديث، عن ابن لهيعة، عن عطاء غير محفوظة.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥٠).\n(^٦) وهو الحديث الآتي برقم (٤/ ٦٦٨) من كتابنا هذا.\n(^٧) في كتابه \"المحلَّى\" (٧/ ٣٧).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٢٧١).","vol":"4","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-735>حجة من قال بوجوب العمرة</span>\n٤/ ٦٦٨ - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ (^١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ. عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: \"الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ\". [ضعيف]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - مرفوعًا: الحجُّ والعمرةُ فريضتانِ)، ولو ثبتَ لكانَ ناهضًا على إيجابِ العمرةِ، إلَّا أن المصنفَ هنا لم يذكرْ مَنْ أخرجَهُ، ولا ما قيلَ فيهِ، والذي في التلخيصِ (^٢) أنهُ أخرجَهُ ابن عديٍّ والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء، عنْ جابرٍ، وابنِ لهيعةَ ضعيفٌ، وقالَ ابنُ عديٍّ: هوَ غيرُ محفوظٍ عنْ عطاء. وأخرجهُ أيضًا الدارقطنيُّ (^٣) منْ حديث زيدِ بن ثابت من طريق ابن سيرين موقوفًا بزيادةِ: \"ولا يضرُّكَ بأيِّهما بدأتَ\"، وفي إحدَى طريقَيْهِ ضعفٌ، وانقطاعٌ في الأُخْرى، ورواهُ البيهقي (^٤) عن زيد بن ثابت منْ طريقِ ابن سيرينَ موقوفًا، وإسنادُه أصحُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٥). ولما اختلفتِ الأدلةُ في إيجابِ العمرةِ وعدمِهِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ سَلَفًا وخَلَفًا؛ فذهبَ ابنُ عمرَ إلى وجوبِها، رواهُ عنهُ البخاريُّ تعليقًا (^٦)، ومثله ابنُ خزيمةَ (^٧)، والدارقطنيُّ (^٨)، وعُلِّقَ أيضًا (^٩) عن ابن عباسٍ أنَّها واجبة لقرينتها في كتابِ اللهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^١٠)، ووصلهُ عنهُ الشافعي (^١١)\n_________\n(^١) في \"الكامل\" (٤/ ١٤٦٨) وقد تقدَّم آنفًا. وانظر: \"نصب الراية\" (٣/ ١٤٨).\n(^٢) (٢/ ٢٢٥).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥ رقم ٢١٧ و٢١٨)، وفي إسناد (٢١٧) إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. ورقم (٢١٨) منقطع.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٥١).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٧١) وقال الحاكم: والصحيح عن زيد بن ثابت قوله. وقال الذهبي: الصحيح موقوف.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ٥٩٧ رقم الباب ١).\n(^٧) في \"صحيحه\" (٤/ ٣٥٦ رقم ٣٠٦٦)، وأشار الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٥٩٧) إلى رواية ابن خزيمة.\n(^٨) في \"السنن\" (٢/ ٢٨٥ رقم ٢١٩).\n(^٩) أي: البخاري في \"صحيحه\" (٣/ ٥٩٧) رقم الباب ١).\n(^١٠) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^١١) في الأم (٢/ ١٤٤ - ١٤٥).","vol":"4","page":163},{"text":"وغيرُه، وصرَّحَ البخاريُّ (^١) بالوجوبِ، وبوَّبَ عليه بقولهِ: \"بابُ وجوبِ العمرةِ وفضْلِها\"، وساقَ خبرَ ابن عمرَ وابنِ عباس. واستدلَّ غيرُه للوجوب بحديثِ: \"حُجَّ عنْ أبيكَ واعْتَمِرْ\" (^٢)، وهوَ حديثٌ صحيح. قالَ الشافعيُّ: لَا أعلمُ في إيجابِ العمرةِ أجودَ منهُ. وإلى الإيجابِ ذهبت الحنفيةُ لِمَا ذُكِرَ منَ الأدلةِ، وأمّا الاستدلالُ بقولهِ تعالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣)، فقد أُجِيبَ عنهُ بأنهُ لا يفيدُ إلَّا وجوبَ الإتمامِ، وهُو متفقٌ على وجوبِهِ بعدَ الإحرام بالعمرةِ ولو تَطَوُّعًا. وذهبت الشافعيةُ (^٤) إلى أنَّ العمرةَ فرضٌ في الأظهرِ. والأدلةُ لا تنتهض عندَ التحقيقِ على الإيجابِ الذي الأصلُ عدمُهُ.\n٥/ ٦٦٩ - وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السّبيلُ؟ قَالَ: \"الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ\"، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (^٥)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦)، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ. [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ٥٩٧ الباب رقم ١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٠، ١١، ١٢)، وأبو داود رقم (١٨١٠)، والترمذي (٩٣٠) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. والنسائي (٥/ ١١١) و(٥/ ١١٧)، وابن ماجه (٢٩٠٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٨١) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي. والبيهقي في \"السنن\" (٤/ ٣٢٩).\nوهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٤) انظر كتاب \"الأم\" (٢/ ١٤٤) وما بعدها.\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢١٦ رقم ٥). وفيه بُهلول بن عُبيد الكندي الكوفي أبو عبيد عن سلمة بن كُهيل وجماعة، وعنه الحسن بن قزعة والربيع بن سليمان الجيزي وغيرهما، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب. وقال أبو زرعة: ليس بشيء، وقال ابن حبان: يسرق الحديث. [الميزان: ١/ ٣٥٥ رقم (١٣٢٩)].\n(^٦) (١/ ٤٤١ - ٤٤٢) و(١/ ٤٤٢).\nوقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدًا على روايته، عن قتادة.\nثم ساق الحاكم من طريق أبي قتادة الحراني عن حماد بن سلمة عن قتادة به ثم قال: \"هذا صحيح على شرط مسلم\"، ووافقه الذهبي في كل ذلك. وخالفه البيهقي - وهو تلميذه - فقال (٤/ ٢٣٠) بعد أن علقه من طريق سعيد بن أبي عروبة به: ولا أراه إلا وهمًا، فقد أخبرنا … \".\nثم ساق إسناده إلى جعفر بن عون: أنبأ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: فذكره مرفوعًا مرسلًا، وقال: =","vol":"4","page":164},{"text":"- وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيل) الذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالَى في الآيةِ؟ (قالَ: الزَّادُ والراحلةُ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). قلتُ: والبيهقيُّ (^٢) أيضًا منْ طريقِ سعيدِ بن أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ -، (والراجحُ إرسالُه)، لأنهُ قالَ البيهقيُّ: الصوابُ عنْ قتادةَ عن الحسنِ مرسلًا. قالَ المصنفُ (^٣): يعني الذي أخرجهُ الدارقطني وسندُه صحيحٌ إلى الحسنِ، ولا أرَى الموصولَ إلَّا وهْمًا. (وأخرجهُ الترمذيُّ منْ حدِيثِ ابن عمرَ أيضًا)، أي: كما أخرجهُ غيرُه منْ حديثِ أنسٍ، (وفي إسناده ضعفٌ)، وإن قالَ الترمذيُّ: إنهُ حسنٌ، وذلكَ أن فيهِ راويًا [متروكًا. والحديثِ] (^٤) وله طُرُقٌ عنْ عليٍّ (^٥)، وعنْ ابن عباسٍ (^٦)، وعنِ ابن مسعودٍ (^٧)، وعنْ عائشةَ (^٨)، وعنْ غيرِهم منْ طُرُقٍ كلُّها ضعيفةٌ. قالَ عبدُ الحقِّ: طرقُهُ كُلُّها ضعيفةٌ. وقالَ ابنُ المنذرِ: لا يثبتُ الحديثُ في ذلكَ مسندًا، والصحيحُ روايةُ الحسنِ المرسلةِ. وقدْ ذهبَ إلى هذا التفسيرِ أكثرُ الأمةِ، فالزادُ شرطٌ مطلقًا، والراحلةُ لمن دارُهُ على مسافةٍ.\n_________\n= \"هذا هو المحفوظ عن قتادة عن الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وكذلك رواه يونس بن عبيد عن الحسن\" اهـ.\n(^١) في \"السنن\" (٨١٣) وقال: حديث حسن. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي قد تكلَّم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه\".\nوقال ابن حجر عنه في \"التقريب\" (١/ ١٤٦ رقم ٣٠٣): متروك الحديث.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٨٩٦)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٨٤ رقم ٧٤٤)، والدارقطني (٢/ ٢١٧ رقم ٢٥٥)، والبيهقي (٤/ ٢٣٠).\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٣٠).\n(^٣) في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢١).\n(^٤) في \"النسخة\" (ب): \"متروك الحديث\".\n(^٥) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٨ رقم ١٧) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٢٨٩٧) بسند ضعيف.\n(^٧) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٦ رقم ٥) بسند ضعيف جدًّا. وقد تقدَّم الكلام عليه قريبًا.\n(^٨) أخرجه الدارقطني (٢/ ٢١٧ رقم ٨)، والبيهقي (٤/ ٣٣٠) بسند ضعيف.\nوخلاصة القول: أن الأحاديث في هذا الباب ضعيفة غير منجبرة. انظر: \"الإرواء\" للمحدِّث الألباني (رقم ٩٨٨).","vol":"4","page":165},{"text":"وقالَ ابنُ تيميةَ في شرحِ العمدةِ بعدَ سردِه لما وَرَدَ في ذلكَ: فهذهِ الأحاديثُ مسندَةٌ منْ طرقٍ حِسَانٍ، ومرسلةٌ وموقوفةٌ تدلُّ على أن مناطَ الوجوبِ الزادُ والراحلةُ معَ علمِ النبيِّ - ﷺ - أن كثيرًا منَ الناس يقدرونَ على المشي، وأيضًا فإنَّ الله تعالى قال في الحجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^١)، إمَّا أنْ يعني القدرةَ المعتبرَةَ في جميعِ العباداتِ وهو مطلقُ المُكْنةِ، أوْ قَدْرًا زائدًا على ذلكَ، فإنْ كانَ المعتبرُ هوَ الأولُ لم يحتجْ إلى هذا التقييدِ كما لم يحتجْ إليه في آيةِ الصومِ والصلاةِ، فَعُلِمَ أن المعتبرَ قدرٌ زائدٌ في ذلك، وليسَ هوَ إلَّا المالُ. وأيضًا فإن الحجَّ عبادةٌ تفتقر إلى مسافةٍ فافتقرَ وجوبُها إلى ملكِ الزادِ والراحلةِ كالجهادِ، ودليلُ الأصلِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (^٢) [إلى قوله] (^٣): ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (^٤) الآية انتهَى. وذهبَ ابنُ الزبيرِ وجماعةٌ منَ التابعينَ إلى أن الاستطاعةَ هي الصحةُ لا غيرُ، لقولِه تعالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٥) فإنهُ فسَّرَ الزادَ بالتقْوى. وأُجيبَ بأنهُ غيرُ مرادٍ منَ الآيةِ كما يدلُّ له سببُ نزولها. وحديثُ البابِ يدلُّ أنَّهُ أريدَ بالزادِ الحقيقةُ وهوَ وإن ضَعُفَتْ طُرُقُهُ فكثْرتُها تشدُّ ضعفَه، والمرادُ به كفايةٌ فاضلةٌ عنْ كفايةِ [مَنْ يعولُ] (^٦) حتَّى يعودَ لقولِه - ﷺ -: \"كَفَى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يعولُ\"، أخرجهُ أبو داودَ (^٧). ويجزئُ الحجُّ وإنْ كانَ المالُ حرامًا ويأثمُ عندَ الأكثرِ. وقالَ أحمدُ: لا يجزئُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-736>حجُّ الصبي</span>\n٦/ ٦٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أن النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: \"مَنِ القَوْمُ؟ \"، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقالَ: \"رَسُولُ الله\"، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٩١.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٩٢.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٩٧.\n(^٦) في النسخة (أ): \"العول\".\n(^٧) في \"السنن\" (١٦٩٢) وهو حديث حسن.\n(^٨) في \"صحيحه\" (١٣٣٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٧٣٦)، والنسائي (٥/ ١٢٠)، والبيهقي (٥/ ١٥٥)، ومالك=","vol":"4","page":166},{"text":"(وعَنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - لَقِيَ) [ركبًا بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب] (^١). قالَ عياضٌ: يحتملُ أنهُ لقيَهُم ليلًا فلم يعرفوهُ - ﷺ -، ويحتملُ أنهُ نهارًا ولكنَّهم لم يروهُ قبلَ ذلكَ (ركبًا بالرَّوحاءِ)، براءٍ مهملةٍ بعدَ الواوِ حاءٌ مهملةٌ بزنةِ حمراءَ، محلٌّ قربَ المدينةِ (فقالَ: مَنِ القومُ؟ فقالُوا) المسلمونَ، فقالُوا: (مَنْ أنتَ؟ فقالَ: رسولُ اللَّهِ، فرفعتْ إليهِ امرأةٌ صبيًا فقالتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قالَ: نعم ولكِ أجرٌ) بسببِ حملِها [له] (١)، وحجِّها به، أو بسببِ سؤالِها عنْ ذلكَ الحكمِ، أو بسببِ الأمرينِ (أخرجهُ مسلمٌ).\nوالحديثُ دليلٌ أنهُ يصحُّ حجٌّ الصبيِّ وينعقدُ سواءٌ كانَ مميزًا أمْ لا، حيثُ فَعَلَ وليَّهُ عنهُ ما يفعلُ الحاجُّ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ ولكنَهُ لا يجزِيهِ عنْ حجَّةِ الإسلامِ لحديثِ ابن عباسٍ: \"أيُّما غلامٍ حجَّ بهِ أهلُه ثمَّ بلغَ فعليهِ حجةٌ أخرَى\" أخرجهُ الخطيبُ (^٢)، والضياءُ المقدسيُّ منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵁ - وفيه زيادةٌ [أخرى] (١) قالَ القاضي: أجمعُوا [على] (^٣) أنهُ لا يجزئُه إذا بلغَ عنْ فريضةِ الإسلامِ إلَّا فرقةٌ شذَّتْ فقالتْ: يجزئه لقولِه: \"نعمْ\" فإنَّ ظاهرَه أنهُ حجٌّ، والحجُّ إذا أُطْلِقَ يتبادرُ منهُ ما يُسْقِطُ الواجبَ، ولكنَّ العلماءَ ذهبُوا إلى خلافِ ذلكِ.\nقالَ النوويُّ (^٤): والوليُّ الذي يُحرِمُ عن الصبيِّ إذَا كانَ غيرَ مميِّزٍ هوَ وليُّ مالِهِ وهوَ أبوهُ [أو جدُّهُ أو الوصيُّ، أي: المنصوبُ] (^٥) منْ جهةِ الحاكمِ. وأما الأمُّ فلا يصحُّ إحرامُها عنهُ إلا أنْ تكونَ وصيةً عنهُ أو منصوبةً منْ جهةِ الحاكمِ. وقيلَ: يصح إحرامُها وإحرامُ العصبةِ وإنْ لم يكنْ لهم ولايةُ المالِ. وصفةُ إحرامِ الوليِّ عنهُ أنْ يقولَ بقلبِه: جعلْتُه مُحرمًا.\n_________\n= (١/ ٤٢٢ رقم ٢٤٤)، وأحمد (١/ ٢١٩، ٢٤٤، ٢٨٨، ٣٤٣، ٣٤٤).\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢٠٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٨١)، والبيهقي (٤/ ٣٢٥) من حديث ابن عباس. وهو حديث صحيح بشواهده.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٠٠).\n(^٥) في النسخة (أ): \"وجده والوصي والمنصوب\".","vol":"4","page":167},{"text":"<span data-type='title' id=toc-737>الحج عن الغير وما قيل فيه</span>\n٧/ ٦٧١ - وعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ. وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَر. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخِارِي (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (- ﵄ - قالَ كانَ الفضلُ بنُ [عباسٍ] (^٢) رديفَ رسولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في حجةِ الوداعِ، وكانَ ذلكَ في منَى (فجاءتِ امرأةٌ منْ خَثْعَمَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً فمثلثةٍ ساكنةٍ، فعينٍ مهملةٍ، قبيلةٌ معروفةٌ (فجعلَ الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليهِ، وجعلَ النبيُّ - ﷺ - يصرفُ وجهَ الفضلِ إلى الشقِّ الآخر، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادهِ في الحجِّ أدركتْ أبي) حالَ كونِه (شيخًا) منتصبٌ على الحالِ، وقولُه: (كبيرًا) يصحُّ صفةً، ولا ينافي اشتراطُ كونِ الحالِ نكرةً إذْ لا يخرجهُ ذلكَ عنْها، (لا يثبُتُ) صفةٌ ثانيةٌ (على الراحلةِ) يصحُّ صفة أيضًا، ويحتمل الحالَ ووقعَ في بعضِ ألفاظِهِ: \"وإنْ شددتُه خشيتُ عليه\"، (أفأحجُّ) نيابةً (عنهُ؟ قالَ: نعمْ) أي: حُجِّي عنهُ، (وذلكَ) أي: جميعُ ما ذُكِرَ (في حجةِ الوداعِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). في الحديث رواياتٌ أُخَرُ، ففي بعضِها أن السائلَ رجلٌ وأنهُ سألَ\" [أن] (^٣) يحجَّ عنْ أمِّهِ\" فيجوزُ تعدُّدُ [القصة] (^٤).\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ [يجوز] (^٥) الحجُّ عن المكلَّفِ إذا كانَ مأيوسًا منهُ القدرةَ على الحجِّ بنفسهِ مثلُ الشيخوخةِ، فإنهُ مأيوسٌ زوالُها، وأما إذا كانَ\n_________\n(^١) البخاري (١٥١٣) و(١٨٥٤) و(١٨٥٥) و(٤٣٩٩) و(٦٢٢٨)، ومسلم (١٣٣٤) و(١٣٣٥).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٣٥٩ رقم ٩٧)، والترمذي (٩٢٨)، وأبو داود (١٨٠٩)، والنسائي (٥/ ١١٧ رقم ٢٦٣٥) و(٥/ ١١٨ رقم ٢٦٤١) وابن ماجه (٢٩٠٩).\n(^٢) في النسخة (أ): \"العباس\".\n(^٣) في النسخة (ب): \"هل\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"القضية\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"يجزء\".","vol":"4","page":168},{"text":"عدمُ القدرةِ لأجلِ مرضٍ أو جنونٍ يُرْجَى برؤُهما فلا يصحُّ. وظاهرُ الحديثِ معَ الزيادةِ (^١) أنه لا بدَّ في صحةِ التحجيجِ عنهُ منَ الأمرينِ: عدمُ ثباتِه على الراحلةِ، والخشيةُ منَ الضررِ عليهِ من شدِّه، فمنْ لا يضرُّهُ الشدُّ كالذي يقدرُ علَى المحفةِ لا يجزئُه حجُّ الغيرِ [عنه] (^٢)، إلَّا أنهُ ادَّعى في البحرِ (^٣) الإجماعَ على أن الصحةَ وهي التي يستمسكُ معَها قاعدًا شرطٌ بالإجماع، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ وإلَّا فالدليلُ معَ مَنْ ذكرنا، قيلَ: ويؤخذُ منَ الحديثِ أَنَّه إذا تبرعَ أحدٌ بالحجِّ عنْ غيرِه لزمَه الحجُّ عنْ ذلكَ الغيرِ، وإنْ كانَ لا يجبُ عليهِ الحجُّ، ووجهُه أن المرأةَ لم تبيِّنْ أن أباها مستطيعٌ بالزادِ والراحلةِ، ولم يستفصلْ - ﷺ - عنْ ذلك، وَرُدَّ هذا بأنهُ ليسَ في الحديثِ إلا الإجزاءُ لا الوجوبُ، فلم يتعرَّضْ لهُ، وبأنهُ يجوزُ أنَّها قدْ عرفتْ وجوبَ الحجِّ على أبيْها كما يدلُّ لهُ قولُها: \"إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادِه في الحجِّ\"، فإنَّها عبادة دالةٌ على علمِها بشرطِ دليلِ الوجوبِ وهوَ الاستطاعةُ.\nواتفقَ القائلونَ بإجزاءِ الحجِّ عنْ فريضةِ الغيرِ بأنهُ لا يجزئُ إلَّا عنْ موت أو عدمِ قدرةٍ منْ عجز ونحوِه بخلافِ النفلِ فإنَّهُ ذهبَ أحمدُ (^٤) وأبو حنيفةَ (^٥) إلى جوازِ النيابةِ عن الغيرِ فيهِ مطلقًا للتوسيعِ في النفلِ. وذهبَ بعضُهم إلى أن الحجَّ عن فرضِ الغيرِ لا يجزئُ أحدًا، وأنَّ هذا الحكمَ يختصُّ بصاحبةِ هذه [القضية] (^٦) وإنْ كانَ الاختصاصُ خلافَ الأصلِ إلا أنهُ استدلَّ بزيادةٍ رويتْ في الحديثِ بلفظ: \"حُجِّي عنهُ وليسَ لأحدٍ بعدك\"، وَرُدَّ بأنَّ هذه الزيادةَ رويتْ بإسنادٍ ضعيفٍ. وعنْ بعضِهم أنهُ يختصُّ بالولدِ وأجيبَ [عنهُ] (^٧) بأنَّ القياسَ عليهِ دليلٌ شرعيٌّ. وقد نبَّهَ - ﷺ - على العلةِ بقولهِ في الحديث: \"فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ بالقضاءِ\" كما يأتي، فجعله دَيْنًا، والدينُ يصحُّ أنْ يقضيهِ غيرُ الولدِ بالاتفاقِ، وما يأتي منْ حديثِ شُبْرُمَة (^٨).\n_________\n(^١) أي قوله وإن شدتته إلخ.\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) للإمام المهدي (٢/ ٣٩٥).\n(^٤) \"المغني مع الشرح الكبير\" (٣/ ١٨١).\n(^٥) \"المبسوط\" للسرخسي (٤/ ١٥١).\n(^٦) في النسخة (ب): \"القصة\".\n(^٧) زيادة من النسخة (ب).\n(^٨) قال صاحب \"فتح العلَّام شرع بلوغ المرام\": \"قلت: ظاهر حديث الباب أن الحج نيابة تصح من قريب لقريب ولدًا كان أو غيره، فإن الروايات الواردة في ذلك كلها في الأقارب، ولم يرد دليل واحد على أن الأجانب تصح عنهم النيابة في الحج، وأما أن الدين =","vol":"4","page":169},{"text":"٨/ ٦٧٢ - وَعَنْهُ - ﵄ - أن امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتى مَاتَتْ، أَفَأحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقضُوا الله فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِي (^١) [صحيح]\n(وعنهُ) أيْ: عن ابن عباسٍ (أن امرأةً) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على اسمِها ولا اسمِ أمِّها (منْ جُهَيْنةَ) بضمِّ الجيمِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ فنونٌ، اسمُ قبيلةٍ (جاءتْ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالتْ: إنَّ أمي نذرتْ أنْ تحجَّ ولم تحجَّ حتَّى ماتَتْ، أَفأحُجُّ عنْها؟ قالَ: نعم حجِّي عنْها، أرأيتِ لو كَانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضيَتَهُ؟ اقضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحقُّ بالوفاءِ. رواهُ البخاريُّ).\nالحديثُ دليلٌ على أنَّ الناذرَ بالحجِّ إذا ماتَ ولم يحجَّ أجزأَه أنْ يحجَّ عنهُ ولدُه [وقريبُه] (^٢)، ويجزئهُ عنهُ وإنْ لم يكنْ قدْ حجَّ عنْ نفسِه لأنهُ - ﷺ - لم يسأَلْها حجَّتْ عنْ نفسِها أمْ لا، ولأنهُ - ﷺ - شبَّههُ بالدَّيْنِ، وهوَ يجوزُ أنْ يقضيَ الرجلُ دَيْنَ غيرِه قبلَ دينِه، وردَّ بأنهُ سيأتي في حديثِ شبرمه (^٣) ما يدلُّ على عدمِ إجزاءِ حجِّ مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسه. وأما مَسألةُ الدِّيْنِ فإنهُ لا يجوزُ لهُ أن يصرفَ مالَه إلى دينِ غيرِه وهوَ مطالبٌ بدينِ نفسِه.\nوفي الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ القياسِ، وضربِ المثل ليكونَ أوقعَ في نفسِ السامعِ، وتشبيهُ المجهولِ حكمهُ بمعلوم (^٤)، فإنهُ دلَّ أن قضاءَ الدَّيْنِ عن الميتِ كانَ معلومًا عندَهم متقرَّرًا ولهذا حسنَ الإلحاقُ بهِ.\nودلَّ على وجوب التحجيجِ عن الميتِ سواءٌ أَوْصَى أمْ لم يوصِ، لأنَّ الديْنَ يجبُ قضاؤُه مطلقًا، وكذا سائرُ الحقوقِ الماليةِ منْ كفارةٍ ونحوِها. وإلى هذا ذهبَ ابنُ عباسٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، والشافعيُّ، ويجبُ إخراجُ الأجرةِ\n_________\n= يصح قضاؤه عن الغير فهذا عام وأخبار النيابة خاصة ولا تَعارض بينهما، فكل منهما معمول به في محله\" اهـ.\n(^١) في \"صحيحه\" (٦٦٩٩).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ١١٦).\n(^٢) زيادة من النسخة \"ب\".\n(^٣) رقم (١١/ ٦٧٥) من كتابنا هذا.\n(^٤) في النسخة (ب): \"بالمعلوم\".","vol":"4","page":170},{"text":"منْ رأسِ المالِ عندَهم، وظاهرُه أنهُ يُقَدَّمُ على دَيْنِ الآدميِّ، وهوَ أحدُ أقوالِ الشافعيُّ، ولا يعارضُ ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (^١) [الآية] (^٢)، لأنَّ ذلك عامٌّ (^٣) خصَّهُ هذا الحديثُ، أوْ لأنَّ ذلكَ في حقِّ الكافرِ. وقيل: اللامُ في الآيةِ بمعنَى على، أي ليسَ عليه، مثلُ: \"ولهمُ اللعنةُ\"، أي: عليهمْ. وقدْ بسطنا القولَ في هذا في حواشي ضوءِ النهارِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-738>حج الصبي والعبد</span>\n٩/ ٦٧٣ - وَعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى\". رَوَاهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^٥) وَالْبَيْهَقِيُّ (^٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) سورة النجم: الآية ٣٩.\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) خير من ذلك أن ولد الرجل من كسبه كما ورد في بعض الآثار، وعليه فالآية عامة وحج الولد عن أبيه متناول لها. والآية عند التأمل ليست من العام الذي خصَّصه الحديث لأن فيها حصرًا، والحديث ناقض لذلك الحصر فالعمل به إبطال للحصر.\nوإذا صح للشارح أن يتأول اللام بمعنى على أو يجعل الآية في حق الكافر وهو خلاف الظاهر، فماذا يرى في آيات أخرى كآية: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾، وآية: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾؟!\n(^٤) (٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥) و(٢/ ٦٦٦ - ٦٦٧).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢٠).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٥).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٣٥٣ رقم ٢٧٥٢) وقال: لم يَرْوِ هذا الحديث عن شعبة مرفوعًا إلا يزيدُ، تفرَّدَ به محمدُ بنُ المِنْهال.\nوأخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٢٠٩). وقال: لم يرفعه إلا يزيد بن زريع عن شعبة، وهو غريب.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٨١) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: وصحَّحه ابن دقيق العيد في \"الإلمام\" بعدما أورده (رقم: ٦٣٥).\nوأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ٣٤٩ رقم ٣٠٥٠) بإسناد صحيح.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، انظر: \"إرواء الغليل\" للألباني (٩٨٦).\nو\"التلخيص\" لابن حجر (٢/ ٢٢٠).","vol":"4","page":171},{"text":"(وعنهُ) أي: [عن] (^١) ابن عباسٍ - ﵄ - (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أيُّمَا صبيٍّ حجَّ ثمَّ بلغَ الحِنْثَ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ النونِ، فمثلثةٍ، أي: الإثمَ، أي بلغَ أنْ يُكْتَبَ عليهِ حنثُه، (فعليهِ أن يحجَّ حجةً أخْرى، وأيُّمَا عبدٍ حجَّ ثمَّ أُعتِقَ فعليهِ [أنْ يحجَّ] (١) حجةً أُخْرى. رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ اختُلِفَ في رَفْعِهِ، والمحفوظُ أنهُ موقوفٌ). قالَ ابنُ خزيمةَ (^٢): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ، وللمحدثينَ كلامٌ كثيرٌ في رفْعِهِ ووقْفِهِ. ورَوَى محمدُ بنُ كعب القرظيّ [مرفوعًا] (^٣) قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إني أريدُ أنْ أجددَ في صدورِ المؤمنينَ، أيُّما صبيٍّ حجَّ بهِ أهلُه فماتَ [أجزأتْ، فإنْ أدركَ] (^٤) فعليهِ الحجُّ\"، ومثلُه قالَ في العبدِ، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، وأبو داودَ في مراسيلِه (^٥)، واحتجَّ بهِ أحمدُ.\nورَوَى الشافعيُّ حديثَ ابن عباسٍ. قال ابنُ تيميةَ: والمرسلُ إذا عملَ بِهِ الصحابةُ حجةٌ اتفاقًا، قالَ: وهذا مجمعٌ عليهِ، ولأنهُ منْ أهلِ العباداتِ فيصحُّ منهُ الحجُّ ولا يجزئهُ لأنه فعلَه قبلَ أنْ يخاطبَ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-739>تحريم الخلوة بالأجنبية وسفرها من غير محرم</span>\n١٠/ ٦٧٤ - وعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَخْطُبُ يَقُولُ: \"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ\"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإني اكْتُتِبْتُ في غزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: \"انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٦). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (- ﵄ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يخطبُ يقولُ: \"لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ) أي: أجنبيةٍ لقولِه: (إلَّا ومعَها ذو محرمٍ، ولا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي محرمٍ، فقامَ رجلٌ) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على تسميتِهِ، (فقالَ: يا\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ٣٤٩).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) في النسخة (ب): \"أجزأه فإن أدركه\".\n(^٥) (رقم: ١٣٤) بسند ضعيف لجهالة الشيخ الراوي عن محمد بن كعب، انظر: \"التلخيص\" (٢/ ٢٢١).\n(^٦) البخاري (٣٠٠٦)، ومسلم (١٣٤١).","vol":"4","page":172},{"text":"رسولُ اللهِ، إنَّ امرأتي خرجتْ حاجَّةً، وإني اكتتبتُ في غزوةِ كذَا وكذَا، فقال: انطلقْ فحجَّ معَ امرأتكَ. متفقٌ عليه، واللفظُ لمسلمٍ).\nدلَّ الحديثُ على تحريمِ الخلوةِ بالأجنبيةِ وهوَ إجماعٌ. وقدْ وردَ في حديثٍ: \"فإن ثالثَهما الشيطانُ\" (^١)، وهلْ يقومُ غيرُ المحرمِ مقامَه في هذا بأنْ يكونَ معَهما مَنْ يزيلُ معنَى الخلوةِ؟ الظاهرُ أنهُ يقومُ لأنَّ المعنَى المناسبَ للنَّهْي إنَّما هو خشيةُ أن يوقعَ الشيطانُ بينَهما الفتنةَ. وقالَ القفَّالُ: لا بدَّ منَ المحرِمِ عملًا بلفظِ الحديثِ. ودلَّ أيضًا على تحريمِ سفرِ المرأةِ منْ غيرِ محرِمٍ، وهوَ مطلقٌ في قليلِ السفرِ وكثيرهِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ مقيدةٌ لهذا الإطلاقِ إلَّا أنَّها اختلفتْ ألفاظُها (^٢)، ففي لفظٍ: \"لا تسافرُ المرأةُ مسيرةَ ليلةٍ إلا معَ ذي محرمٍ\"،\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه الترمذي (٢١٦٥) عن ابن عمر.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(^٢) • أخرج البخاري (١٠٨٧)، و(١٠٨٦)، ومسلم (٤١٣/ ١٣٣٨) و(٢/ ٩٧٥)، وأبو داود (١٧٢٧)، عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم\"، وفي رواية: \"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم\".\nوفي رواية لمسلم (٤١٤/ ١٣٣٨): \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليالي إلا ومعها ذو محرم\".\n• وأخرج البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (٤٢١/ ١٣٣٩)، وأبو داود (١٧٢٤)، والترمذي (١١٧٠) وقال: حديث حسن صحيح.\nومالك (٢/ ٩٧٩ رقم ٣٧).\nعن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة\".\nوفي رواية أخرجها مسلم (٤١٩/ ١٣٣٩)، وأبو داود (١٧٢٣): \"لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها\"، وفي رواية أخرجها أبو داود (١٧٢٥): \"بريدًا\".\nوفي رواية أخرجها مسلم (٤٢٠/ ١٣٣٩)، وابن ماجه (٢٨٩٩): \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم\".\nوفي رواية أخرجها مسلم (٤٢٢/ ١٣٣٩): \"لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم منها\".\n• وأخرج البخاري (١٨٦٤) و(١٩٩٥) و(١١٩٧)، ومسلم (٤١٥/ ٨٢٧) و(٤١٦/ ٨٢٧).\nعن قزعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري، وقد غزا مع النبي - ﷺ - ثنتي عشرة غزوة، قال: أربع سمعتهنَّ من رسول الله - أو قال: يحدثهنَّ عن النبي - ﷺ - فأعجبنَّني وَانقْنَنِي: \"أن لا تسافِرَ امرأةٌ مسيرة يومين ليس معها زوجها، أو ذو محرم … \" الحديث =","vol":"4","page":173},{"text":"وفي آخرَ: \"فوقَ ثلاثٍ\"، وفي آخَرَ: \"مسيرةَ يومينِ\"، وفي آخرَ: \"ثلاثةَ أميالٍ\"، وفي لفظٍ: \"بريدَ\"، وفي آخرَ: \"ثلاثةَ أيامٍ\".\n[ثم] (^١) قال النوويُّ (^٢): ليسَ المرادُ من التحديدِ ظَاهِرُهُ، بل كلُّ مَا يُسمَّى سَفَرًا، فالمرأةُ مَنهيَّةٌ عنهُ إلَّا بالمَحرَمِ، وإنّما وَقَعَ التحديدُ عنْ أمرٍ واقعٍ فلا يعملُ بمفهومِه. وللعلماءِ تفصيلٌ في ذلكَ قالُوا: [فيجوز] (^٣) سفرُ المرأةِ وحدَها في الهجرةِ منْ دارِ الحربِ، والمخافةِ على نفسِها، ولقضاءِ الدَّيْنِ، وردِّ الوديعةِ، والرجوعِ منَ النشوزِ، وهذا مجمعٌ عليه. واختلفُوا في سفرِ الحجِّ الواجبِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجوزُ للشابة إلَّا معَ مَحْرَمٍ، ونقلَ [الكرابيسي] (^٤) قولًا عن الشافعيِّ أنَّها تسافرُ وحدَها إذا كانَ الطريقُ آمَنًا، ولم ينهضْ دليلُه على ذلكَ. قالَ ابنُ دقيق العيد: إنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٥) عمومٌ شاملٌ للرجالِ والنساءِ، وقولُه: \"لا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ\" (^٦) عمومٌ لكلِّ أنواعِ السفرِ، فتعارضَ العمومان. [وأجيبَ] (^٧) بأنَّ أحاديثَ: لا تسافرُ المرأةُ للحجِّ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ، مخصِّصٌ لعمومِ الآيةِ، ثمَّ الحديثُ عامٌّ للشابةِ والعجوزِ.\nوقالَ جماعةٌ من الأئمةِ: يجوزُ للعجوزِ السفرُ منْ غيرِ مَحرمٍ، وكأنَّهم نَظَرُوا إلى المعنَى، فخصَّصُوا بهِ العمومَ، وقيلَ: لا يُخَصَّصُ بل العجوزُ كالشابةِ. وهلْ تقومُ النساءُ الثقاتُ مقامَ المَحْرَمِ للمرأةِ؟ فأجازَهُ البعضُ مستدلًّا بأفعالِ الصحابةِ، ولا [تنهضُ] (^٨) حجةٌ على ذلكَ لأنهُ ليسَ بإجماعٍ، وقيلَ: يجوزُ لها السفرُ إذا\n_________\n= وفي رواية أخرجها مسلم (٤١٧/ ٨٢٧): \"لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا مع ذي محرم\".\nوفي رواية أخرجها مسلم (٢/ ٩٧٦): \" … أكثرَ مِن ثلاثٍ إلا مع ذي محرم\".\n• وأخرج مسلم (٤٢٣/ ١٣٤٠) و(٢/ ٩٧٧)، والترمذي (١١٦٩) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود (١٧٢٦)، وابن ماجه (٢٨٩٨) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها، أو ابنها، أو زوجها، أو أخوها، أو ذو محرم منها\".\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٠٣).\n(^٣) في النسخة (ب): \"يجوز\".\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٦) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٧) في النسخة (ب): \"ويجاب\".\n(^٨) في النسخة (أ): \"ينهض\".","vol":"4","page":174},{"text":"كانتْ ذات حشمٍ، والأدلةُ لا تدلُّ على ذلكَ. وأما أمرُه - ﷺ - لهُ بالخروجِ معَ امرأتِهِ، فإنهُ أخذَ منهُ أحمدُ (^١) أنهُ يجبُ خروجَ الزوجِ مع زوجتِهِ إلى الحجِّ إذا لم يكنْ معَهَا غيرُه، وغيرُ أحمدَ قالَ: لا يجبُ عليه، وحَمَلَ الأمرَ على الندبِ، قالَ: وإنْ كانَ لا يحملُ على النّدب إلا لقرينةٍ عليهِ، فالقرينةُ عليهِ ما علمَ منْ قواعدِ الدينِ أنهُ لا يجبُ على أحدٍ بذلُ منافعَ نفسِه لتحصيلِ غيرِه ما يجبُ عليهِ، وأخذَ منَ الحديثِ أنهُ ليسَ للرجلِ منعُ امرأتِه منْ حجِّ الفريضةِ لأنها عبادةٌ قدْ وجبتْ عليها، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ، سواءٌ قلْنا إنهُ على الفورِ أو التراخي؛ أما الأولُ فظاهرٌ، قيلَ: وعلى الثاني أيضًا، فإنَّ لها أنْ تسارعَ إلى براءةِ ذمتها كما أن لها أن تصلي أولَ الوقتِ وليسَ له منعُها.\nوأما ما أخرجه الدارقطنيُّ (^٢) من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا في امرأةٍ لها زوجٌ ولها مالٌ ولا يؤذنُ لها في الحجِّ: \"ليسَ لها أن تنطلقَ إلَّا بإذنِ زوجِها\"؛ فإنهُ محمولٌ على حجِّ التطوعِ جمْعًا بينَ الحديثينِ على أنهُ: \"ليسَ في حديثِ الكتابِ ما يدلُّ أنها خرجتْ منْ دونِ إذنَ زوجها. وقال ابنُ تيميةَ: إنهُ يصحُّ الحجُّ منَ المرأةِ بغيرِ محرمٍ ومنْ غيرِ المستطيعِ.\nوحاصلُه أن مَنْ لم يجبْ عليهِ لعدمِ الاستطاعةِ مثلُ المريضِ، والفقيرِ، والمعضوبِ، والمقطوعِ طريقُه، والمرأةُ بغيرِ مَحْرَمٍ، [وغيرُ] (^٣) ذلكَ، إذا تكلَّفُوا شهودَ المشاهِد أجزأَهم الحجُّ. ثمَّ منْهم مَنْ هوَ محسنٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ ماشيًا، ومنهم من هو مسيءٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ بالمسأَلةِ، والمرأةُ تحجُّ بغيرِ محرمٍ وإنما أجزأهم لأنَّ الأهليةَ تامةً، والمعصيةُ إنْ وقعتْ فهيَ في الطريقِ لا في نفسِ المقصودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-740>يبدأ أولًا بالحجِّ عن نفسه</span>\n١١/ ٦٧٥ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: \"مَنْ شُبْرُمَةُ؟ \" قَالَ: أخٌ لي، أوْ قَرِيبٌ لِي، فَقَالَ: \"حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ \"،\n_________\n(^١) انظر: \"المغني مع الشرح الكبير\" (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٢٣ رقم ٣١) وفيه العباس بن محمد بن مجاشع، لا يعرف حاله.\n(^٣) في النسخة (أ): \"ونحو\".","vol":"4","page":175},{"text":"قَالَ: لَا، قَالَ: \"حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُم حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣)، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ. [صحيح]\n(وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (- ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - سمعَ رجلًا يقولُ: لبيكَ عنْ شُبرمةَ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ، فموحدةٍ ساكنةٍ (قالَ: مَنْ شُبْرمةُ؟ قال: أخٌ [لي] (^٤)، أو قريبٌ لي) شكٌّ منَ الرأوي، (فقالَ: حججتَ عنْ نفسكَ؟ قالَ: لا، قالَ: حجَّ عنْ نفسِكَ، ثمَّ حُجَّ عنْ شبرمَةَ. رواهُ أبو داود، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ ابن حبانَ، والراجحُ عند أحمدَ وَقْفهُ). وقالَ البيهقيُّ (^٥): إسنادُهُ صحيحَ، وليسَ في هذا البابِ أصحُّ منهُ. وقالَ أحمدُ بن حنبلٍ (^٦): رفْعُه خطأٌ. وقالَ ابنُ المنذِر: لا يثبتُ رَفْعُه. وقالَ الدارقطنيُّ: المرسلُ أصحُّ. قالَ المصنفُ (^٧): وهوَ كما قالَ لكنهُ يُقَوِّي المرفوعَ لأنهُ منْ غيرِ رجالِه. وقالَ ابنُ تيميةَ: إن أحمدَ حكمَ في روايةِ ابنِهِ صالحٍ عنهُ أنهُ مرفوعٌ، فيكونُ قد اطلعَ على ثقة مَنْ رَفَعَهُ، قالَ: وقدْ رَفَعَهُ جماعةٌ على أنهُ وإنْ كانَ موقوفًا فليسَ لابنِ عباسٍ فيهِ مخالِفٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يصحُّ أن يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه، فإذا أحرمَ عنْ غيرِه فإنهُ ينعقدُ إحرامُه عنْ نفسِه، لأنهُ - ﷺ - أمَره أنْ يجعلَه عنْ نفسِه بعدَ أنْ لبَّى عنْ شبرمةَ، فدلَّ على أنَّها لم تنعقِد النيةُ عنْ غيرِه، وإلا لوجب عليه\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٨١١).\n(^٢) في \"السنن\" (٢٩٠٣).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٨/ ٢٩٩ رقم ٣٩٨٨).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢/ ٢٧٠) و(٢/ ٢٧١) و(٢/ ٢٦٧ و٢٦٨ و٢٦٩)، والبيهقي (٤/ ٣٣٦) و(٥/ ١٧٩ - ١٨٠) و(٤/ ٣٣٧)، وأبو يعلى في \"المسند\" رقم (٢٤٤٠)، وابن الجارود (رقم: ٤٩٩) وابن خزيمة رقم (٣٠٣٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٢ رقم ١٢٤١٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٨٥٦)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٣٨٩ رقم ١٠٠٠ و١٠٠١) وغيرهم من طرق …\nوقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ١٥٥): \"عن ابن القطان في كتابه أنه قال: وحديث شبرمة علَّله بعضهم بأنه قد روي موقوفًا، والذي أسنده ثقة، فلا يضره …\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣٦).\n(^٦) ذكره عنه ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٢٣).\n(^٧) في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٢٣).","vol":"4","page":176},{"text":"المضيُّ فيهِ، وأن الإحرامَ ينعقدُ معَ الصحةِ والفسادِ، وينعقدُ مطلقًا مجهولًا معلَّقًا، فجازَ أنْ يقعَ عنْ غيرِه ويكونُ عنْ نفسه، وهذَا لأنَّ إحرامه عن الغيرِ باطلٌ لأجلِ النَّهْيِ، والنَّهْيُ يقتضي الفسادَ. وبطلانُ صفةِ الإحرامِ لا توجبُ بطلانَ أصلِه، وهذا قولُ أكثرِ الأمةِ إنهُ لا يصحُّ أنْ يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه مطلقًا، مستطيعًا كانَ أو لا، لأنَّ تركَ الاستفصالِ والتفريقَ في حكايةِ الأحوالِ دالٌ على العمومِ، ولأنَّ الحجَّ واجبٌ في أولِ سنةٍ منْ سِنِيِّ الإمكانِ، فإذا أمكَنَهُ فعلُه عنْ نفسِه لم يجزْ أنْ يفعلَه عنْ غيرِه، لأنَّ الأولَ فرضٌ، والثاني نفلٌ، كمنْ عليهِ دينٌ وهو مطالبٌ بهِ ومعهُ دارهمُ بقدرِه لم يكنْ لهُ أنْ يصرفها إلا إلى دينِه، وكذلكَ كلُّ ما احتاجَ أنْ [يصرفها] (^١) إلى واجب عنهُ فلا يصرفُه إلى غيرِه، إلَّا أن هذَا إنَّما يتمُّ في المستطيعِ، ولذَا قيلَ: إنَّما يُؤْمَرُ بأنْ يبدأَ بالحجِّ عنْ نفسِه إذا كانَ واجبًا عليهِ وغيرُ المستطيعِ لم يجبْ عليهِ، فجازَ أنْ يحجَّ عنْ غيرِهِ، ولكنَّ العملَ بظاهرِ عمومِ الحديثِ أَوْلَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-741>يجب الحج مرة واحدة في العمر</span>\n١٢/ ٦٧٦ - وَعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمْ الْحَجَّ\"، فَقَامَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذيِّ (^٢). [صحيح]\n_________\n(^١) في النسخة (ب): (يصرفه).\n(^٢) أبو داود (١٧٢١)، والنسائي (٥/ ١١١)، وابن ماجه (٢٨٨٦)، وأحمد رقم (٢٦٦٣ و٢٧٤١ و٢٩٧١ و٢٩٩٨ - شاكر).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٤٤١ و٤٧٠)، والدارمي (٢/ ٢٩) من طرق.\nقال الحاكم: إسناده صحيح، وأبو سنان هو الدؤلي. قلت: واسمه: يزيد بن أمية. وهو ثقة، ومنهم من عدَّه في الصحابة.\nوله في الدارمي (٢/ ٢٩)، وأحمد (١/ ٢٩٢ و٣٠١ و٣٢٣ و٣٢٥) متابع من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس باختصار. وهو إسناد لا بأس به في المتابعات.\nوللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وعلي بن أبي طالب. انظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الحج.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":177},{"text":"- وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ (^١) مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ.\n(وعنه) أي: ابن عباس - ﵄ - (قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: إنَّ الله كَتَبَ عليكمُ الحجَّ، [فقام] (^٢) الأقرعُ بنُ حابس فقالَ: أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ، قالَ: لو قُلْتُها لوجبتْ، الحجُّ مرةً فما زادَ فهوَ تطوعٌ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وأصلُه في مسلم من حديثِ أبي هريرَةَ)، وفي روايةٍ زيادةٌ بعدَ قولِه لوجبتْ: \"ولو وجبتْ لم تقومُوا بِها، ولوْ لم تقومُوا بها لعُذِّبْتُمْ\".\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ الحجُّ إلَّا مرةً واحدةً في العمرِ علَى كلِّ مكلَّفٍ مستطيعٍ. وقدْ أُخِذَ منْ قولِه - ﷺ -: لو قلتُ نعمْ لوجبتْ، أنهُ يجوزُ أنْ يفوِّضَ اللهُ إلى الرسولِ - ﷺ - شرحَ الأحكامِ. ومحلُّ المسألةِ الأصولُ، وفيها خلافٌ بينَ العلماءِ، وقد أشارَ إليها الشارحُ ﵀.\n* * *\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤١٢/ ١٣٣٧).\n(^٢) في النسخة (أ): \"فقال\".","vol":"4","page":178},{"text":"<span data-type='title' id=toc-742>[الباب الثاني] بابُ المواقيتِ</span>\nالمواقيتُ: جمعُ ميقاتٍ، والميقات ما حُدّ ووقِّتَ للعبادةِ منْ زمانٍ ومكانٍ، والتوقيتُ: التحديدُ، ولهذَا يذكرُ في هذا البابِ ما حدَّدَهُ الشارعُ للإحرامِ منَ الأماكنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-743>مواقيت الحج</span>\n١/ ٦٧٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أن النَّبيَّ - ﷺ - وَقتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، ولأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أَتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عَنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفةِ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وبعدَ اللامِ مثناةٌ تحتيةٌ، وفاءٌ، تصغيرُ حلفةٍ، والحلفةُ واحدةُ الحلفاءِ نبتٌ في الماءِ، وهي مكانٌ معروفٌ بينَه وبينَ مكةَ عشرُ مراحلَ (^٢)، وهيَ منَ المدينةِ على فرسخٍ، وبها المسجدُ الذي أحرمَ منهُ - ﷺ -، والبئرُ التي تُسمَّى الآنَ بئرُ عليٍّ، وهيَ أبعدُ المواقيتِ إلى مكةَ، (ولأهلِ الشام الجُحفَة) بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ، ففاءٍ، سمِّيتْ بذلكَ لأن السيلَ اجتحفَ أهلَها إلى الجبلِ الذي هنالكَ، وهي من مكةَ على ثلاثِ مراحلَ (^٣)، وتسمَّى مهيعةَ، كانتْ قريةً قديمةً،\n_________\n(^١) البخاري (١٥٢٤) و(١٥٢٦) و(١٥٢٩) و(١٥٣٠) و(١٨٤٥)، ومسلم (١١، ١٢/ ١١٨١).\n(^٢) وهي تساوي (٤٥٠ كم).\n(^٣) وهي تساوي (١٨٧ كم)، أما رابغ تبعد عن مكة (٢٠٤ كم).","vol":"4","page":179},{"text":"وهي الآن خرابٌ، ولذا يحرمونَ الآنَ منْ رابغٍ قبلَها بمرحلةٍ لوجودِ الماءِ بها للاغتسال، (ولأهلِ نجدٍ قَرْنَ المنازلِ) بفتحِ القافِ، وسكونِ الراءِ، ويقالُ له قرنَ الثعالب، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ (^١)، (ولأهلِ اليمنِ يلملمَ) بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ (^٢)، (هنَّ) أَي: المواقيتُ (لهنَّ) أي: للبلدانِ المذكورةِ، والمرادُ لأهلِها. ووقعَ في بعضِ الرواياتِ: هنَّ لهم، وفي روايةٍ للبخاريِّ (^٣): هنَّ لأهلهنَّ، (ولمنْ أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ ممنْ أرادَ الحجَّ أو العمرةَ، ولمنْ كانَ دونَ ذلك) المذكورِ منَ المواقيتِ، (فمنْ حيثُ أنشأ، حتَّى أهلُ مكةَ) يحرمون (منْ مكةَ) بحجٍّ أوْ عمرةٍ (متفقٌ عليهِ).\nفهذه المواقيتُ التي عيَّنَها - ﷺ - لمنْ ذكرَه منْ أهلِ الآفاقِ، وهي أيضًا مواقيتُ لمنْ أَتَى عليها وإنْ لم يكنْ منْ أهل تلكَ الآفاقِ المعينة، فإنهُ يَلزَمُهُ الإحرامُ منْها إذا أَتَى عليْها قاصدًا لإتيانِ مكةَ لأحدِ النّسكينِ، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا وردَ الشاميُّ مثلًا إلى ذي الحليفة، فإنهُ يجبُ عليهِ الإحرامُ منْها ولا يتركُه حتى يصلَ الجحفةَ، فإن أخَّرَ أساءَ ولزمَهُ دمٌ هذا عندَ الجمهورِ. وقالتِ المالكيةُ (^٤): إنهُ يجوزُ لهُ التأخيرُ إلى ميقاتِهِ وإنْ كانَ الأفضلُ لهُ خلافَه. [قالوا] (^٥): والحديثُ محتملٌ؛ فإنَّ قولَه: \"هُنَّ لهنَّ\" ظاهرُه العمومُ لمنْ كانَ منْ أهلِ تلكَ الأقطارِ سواءٌ وردَ على ميقاتِه أو وردَ على ميقاتٍ آخَرَ، فإنَّ لَهُ العدولَ إلى ميقاتِهِ كما لو وردَ الشاميُّ على ذي الحليفةِ، فإنهُ لا يلزمُه الإحرامُ منْها بلْ يُحْرِمُ منَ الجحفةِ، وعمومُ قولِه: \"ولمن أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ\"، [فإنه] (٥) يدلُّ على أنهُ يتعينُ على الشاميِّ في مثالِنا أنْ يحرِمَ منْ ذي الحليفةِ لأنهُ منْ غيرِ أهلِهنَّ [إنما يتعين على من كان من أهل المواقيت] (٥). قالَ ابنُ دقيق العيدِ: قولُه: \"ولأهل الشامِ\n_________\n(^١) وهي تساوي (٩٤ كم).\n(^٢) وهي تساوي (٥٤ كم).\nوأما ميقات أهل العراق ذات عرق يبعد عن مكة (٩٤ كم).\nانظر كتابنا: \"الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٥٣٠).\n(^٤) انظر: \"أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه إمام الأئمة مالك\"، لأبي بكر بن حسن الكشتاوي (١/ ٤٥٠ - ٤٥٣).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":180},{"text":"الجحفة\" يشملُ مَنْ مرَّ منْ أهلِ الشامِ بذي الحليفةِ ومَنْ لم يمرَّ. وقولُه: \"ولمنْ أتَى عليهنَّ منْ غيرِ أهلهِنَّ\" يشملُ الشاميِّ إذا مرَّ بذي الحليفةِ وغيرَه، فههُنا عمومانِ قدْ تعارضَا، انتهَى ملخصًا. قال المصنفُ: ويحصلُ الانفكاكُ بأنَّ قولَه هنَّ لهنَّ مفسرٌ لقولِه مثلًا: وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ، وأنَّ المرادَ بأهلِ المدينةِ ساكنُوها ومَنْ سلكَ طريقَ مِيقاتِهِمْ فمرَّ على ميقاتِهم، انتهَى.\nقلتُ: وإنْ صحَّ ما رُوِيَ منْ حديثِ عروةَ: \"أنَّهُ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ومَنْ مَرَّ بهمْ ذا الحليفةَ\" تبيَّن أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطةِ جوانبِ الحرمِ فكلُّ مَنْ مرَّ بجانب منْ جوانب الحرم لزمَه تعظيمُ حرمتِه وإن كانَ بعضُ جوانِبه أبعدَ من بعضٍ، ودلَّ قولُه: \"ومنْ كانَ دونَ ذلكَ فمِنْ حيثُ أنشأ\" على أن مَنْ كانَ بينَ الميقاتِ ومكةَ فميقاتُه حيثُ أنشأ الإحرامَ إما منْ أهلِه ووطنِه أو منْ غيرِه. وقولُه: \"حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ\" دلَّ على أن أهلَ مكة يحرمونَ من مكةَ وأنها ميقاتُهم سواءٌ كانَ من أهلِها أو منَ المجاورينَ [أو] (^١) الواردينَ إليها أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ، وفي قولِه: \"ممن أراد الحجَّ أو العمرةَ\" ما يدلُّ أنهُ لا يلزمُ الإحرام إلا مَنْ أراد دخولَ مكةَ لأحد النُّسكين، [فمن] (^٢) لم يردْ ذلكَ جازَ له دخولُها منْ غيرِ إحرامٍ، وقدْ دخلَ ابنُ عمر [بغيرِ] (^٣) إحرامٍ، ولأنهُ قد ثبتَ بالاتفاقِ أن الحجَّ والعمرةَ عندَ مَنْ أوجَبَها إنمَّا تجب مرةً واحدةً، فلو أوجَبْنا على كلٍّ مَنْ دخَلَها أنْ يحجَّ أو يعتمرَ [لوجبَتْ] (^٤) أكثرَ منْ مرةٍ، ومَنْ قَالَ: إنهُ لا يجوزُ مجاوزةَ الميقاتِ إلا بالإحرامِ إلَّا لمن استُثني منْ أهلِ الحاجاتِ كالحاطبينَ فإنَّ لهُ في ذلكَ آثارًا عن السلفِ، ولا تقومُ بها حجةٌ، فمنْ دخلَ مريدًا مكةَ لا ينوي نُسُكًا منْ حجٍّ ولا عمرةٍ وجاوزَ ميقاته [بغير] (٣) إحرامٍ، فإنْ بدَا له إرادةُ أحدِ النُّسُكَيْنِ أحرمَ منْ حيثُ أرادَ، ولا [يلزم] (^٥) أنْ يعودَ إلى ميقاتِه. واعلمْ أن قولَه: (حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ) يدلُّ أن ميقاتَ عمرةِ أهلِ مكة مكة كحجِّهم، وكذلك القارنُ منْهم ميقاتُه مكةُ، ولكنْ قالَ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"و\".\n(^٢) في النسخة (ب): \"فلو\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"من غير\".\n(^٤) في النسخة (أ): \"لوجب\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"ولا يلزمه\".","vol":"4","page":181},{"text":"المحبُّ الطبريُّ: إنهُ لا يعلمُ أحدًا جعلَ مكةَ ميقاتًا للعمرةِ. وجوابُه أنهُ - ﷺ - جعلَها ميقاتًا لها بهذَا الحديثِ، وأما ما رُويَ عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: \"يا أهلَ مكةَ مَنْ أرادَ منكمُ العمرةَ فليجعلْ بينَه وبينها بطنَ مُحَسِّرٍ\" (^١)، وقالَ أيضًا: \"مَنْ أرادَ مِنْ أهلِ مكةَ أنْ يعتمرَ خرجَ إلى التنعيمِ ويجاوزُ الحرمَ\" (^٢) فآثارٌ موقوفةٌ لا تقاومُ المرفوعَ، وأمَّا ما ثبتَ منْ أمرِه - ﷺ - لعائشةَ بالخروجِ إلى التنعيمِ (^٣) لتحرمَ بعمرةٍ فلمْ يردْ إلا تطييب قلبها بدخولِها إلى مكةَ معتمرةً كصواحباتها، لأنَّها أحرمتْ بالعمرةِ معهُ ثمَّ حاضتْ، فدخلتْ مكة، ولم تطفْ بالبيتِ كما طُفْنَ كما يدلُّ لهُ قولُها قلتُ: يا رسولَ اللهِ، يصدرُ الناسُ بِنُسُكَيْنِ، وأصدرُ بنسكٍ واحدٍ قال: انتظري فاخرجي إلى التنعيمِ فأهلِّي منهُ - الحديثَ.\nفإنهُ محتملٌ أنَّها إنَّما أرادتْ أن تشابهَ الداخلينَ منَ الحلِّ إلى مكة بالعمرةِ، ولا يدلُّ أنَّها لا تصحُّ العمرةُ إلَّا مِنَ الحلِّ لمنْ صارَ في مكةَ ومعَ الاحتمالِ لا يقاومُ حديثَ الكتابِ. وقدْ قالَ طاوسُ: لا أدري الذينَ يعتمرونَ منَ التنعيمِ يؤجرونَ أو يُعذَّبونَ، قيلَ لهُ: فلِمَ يعذبونَ؟ قالَ: لأنهُ يدعُ البيتَ والطوافَ، ويخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويجيءُ أربعةَ أميالٍ قدْ طافَ مِائتيْ طوافِ وكلَّما طافَ كان أعظمَ أجرًا منْ أنْ يمشي في غيرِ [مَمْشَى] (^٤)، إلَّا أن كلامهُ في تفضيلِ الطوافِ على العُمرةِ، قال أحمدُ (^٥): العُمرة بمكَّة مِنَ النّاسِ من يَخْتَارُهَا عَلَى الطوافِ ومنْهم منْ يختارُ المقامَ بمكةَ والطوافَ، وعندَ أصحابِ أحمدَ أن المكيَّ إذا أحرمَ للعمرةِ منْ مكةَ كانتْ عمرةً صحيحةً. قالُوا: ويلزمهُ دمٌ لما تركَ من الإحرامِ مِنَ الميقاتِ.\nقلتُ: ويأتيكَ أن إلزامَهُ الدمَ لا دليلَ عليه.\n٢/ ٦٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن النَّبيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنّسَائِيُّ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٨٧) نحوه.\n(^٢) فلينظر من أخرجه؟!\n(^٣) أخرجه البخاري (١٧٨٤)، ومسلم (١٢١١).\n(^٤) في النسخة (أ): \"شيء\".\n(^٥) انظر: \"المغني مع الشرح الكبير\" (٣/ ٢١٦).\n(^٦) في \"السنن\" (١٧٣٩).\n(^٧) في \"السنن\" (٥/ ١٢٥). =","vol":"4","page":182},{"text":"- وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (^١) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ -، إلَّا أن رَاوِيهُ شكَّ في رَفْعِهِ. [صحيح]\n- وَفِي صَحْيحِ الْبُخَارِيِّ (^٢) أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. [موقوف]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ) بكَسْرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، بعدَها قافٌ، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ، وسمِّي بذلكَ لأنَّ فيهِ عِرْقًا، وهوَ الجبلُ الصغيرُ. (رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وأصلُه عندَ مسلمٍ منْ حديثِ جابرٍ، إلَّا أن راويهِ شكَّ في رفْعِهِ)، لأنَّ في صحيحِ مسلمٍ عنْ أبي الزبيرِ أنهُ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ سُئِلَ عن المهلِّ فقالَ: سمعتُ \"أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ - ﷺ -\"، فلمْ يجزمْ برفعِهِ. (وفي صحيح البخاريِّ أن عمرَ هوَ الذي وقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ)، وذلك [أنَّها] (^٣) لما فتحتِ البصرةُ والكوفةُ أي: أرضُهما، وإلَّا فإنَّ الذي مصَّرَهما المسلمونَ طلبوا من عمرَ [أن] (^٤) يعين لهم ميقاتًا فعيَّنَ لهم ذاتَ عرقٍ، وأجمعَ عليهِ المسلمونَ. قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقَى (^٥): والنصُّ بتوقيتِ ذاتِ عرقٍ ليسَ في القوةِ كغيرهِ، فإنْ ثبتَ فليسَ ببدعٍ وقوعُ اجتهادِ عمرَ على وفقهِ فإنهُ كانَ مُوَفَّقًا للصوابِ. وكأنَّ عمرَ لم يبلغْه الحديثُ فاجتهدَ بما وافقَ النصَّ. هذا وقد انعقدَ الإجماعُ على ذلكَ. وقدْ رُوِيَ رَفْعَهُ بلا شكٍّ منْ حديثِ أبي الزبيرِ عنْ جابرِ عندَ ابن ماجَهْ (^٦)، ورواهُ أحمدُ (^٧) مرفوعًا عنْ جابرٍ بن عبدِ اللهِ وابنِ\n_________\n= قلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١١٨)، والدارقطني (٢/ ٢٣٦ رقم ٥) والبيهقي (٥/ ٢٨).\nوصحَّحه ابن حزم في \"المحلَّى\" المسألة (٨٢٢) وقال: \"رجاله ثقات مشاهير\".\nوصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٩٩٩).\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ٧ - الآفاق).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٣٣)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٢٩٠ رقم ٧٥٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١١٨، ١١٩)، والدارقطني (٢/ ٢٣٧ رقم ٧)، والبيهقي (٥/ ٢٧).\nوهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٩٩٨).\n(^٢) (١٥٣١).\n(^٣) في النسخة (أ): \"أنه\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"أنه\".\n(^٥) (٢/ ٢١٩) أعانني الله على إتمام خدمته (على مخطوطتين).\n(^٦) و(^٧) في \"السنن\" (رقم: ٢٩١٥). =","vol":"4","page":183},{"text":"عمر (^١)، وفي إسنادِه الحجاجُ بنُ أرطاةَ. ورواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، والدارقطنيُّ، وغيرُهم منْ حديثِ عائشةَ (^٢): \"أنهُ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عرقٍ، بإسنادٍ جيدٍ، ورواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أيضًا عنْها. وقدْ ثبتَ مرسلًا أيضًا عنْ مكحولٍ وعطاءٍ. قالَ ابنُ تيميةَ: وهذِهِ الأحاديثُ المرفوعةُ الجيادُ الحسانُ يجبُ العملُ بمثلِها مع تعددِها ومجيئها مسندةً ومرسلةً منْ وجوهِ شتَّى. وأمَّا:\n٣/ ٦٧٩ - وَعِنْدَ أحْمَدَ (^٣)، وَأَبِي دَاوُدَ (^٤)، وَالتِّرْمِذِيِّ (^٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ الْعَقِيقَ. [ضعيف].\n(وعندَ أحمدَ، وأبي داودَ، والترمذيِّ عن ابن عباسٍ أن النبيَّ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ المشرقِ العقيقَ)، فإنهُ وإنْ قالَ فيهِ الترمذيُّ: إنَّهُ حسنٌ فإنَّ مدارَه على يزيدِ بن أبي زيادٍ (^٦)، وقدْ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٧): أجمعَ أهلُ العلمِ على أن إحرامَ العراقي منْ ذاتِ عرقٍ إحرامٌ منَ الميقاتِ.\nهذا والعقيقُ يُعَدُّ مِنْ ذاتِ عرقٍ. وقدْ قيلَ: إنْ كانَ لحديثِ ابن عباسٍ هذَا أصلٌ فيكونُ منسوخًا لأنَّ توقيتَ ذاتِ عرقٍ كانَ في حجةِ الوداعِ حينَ أكملَ اللهُ\n_________\n= قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ١١ رقم ١٠٢٧/ ٢٩١٥): \"هذا إسناد ضعيف: إبراهيم بن يزيد الخوزي قال فيه أحمد والنسائي وعلي بن الجنيد: متروك الحديث.\nوقال الدارقطني: منكر الحديث … \". ولكن تابعه ابن لهيعة عند أحمد (٣/ ٣٣٦).\nوروى هذا الحديث عن ابن لهيعة ابن وهب، أخرجه البيهقي (٥/ ٢٧) بسند صحيح فصحَّ الحديث من هذا الطريق، والله أعلم.\n(^١) أخرجه أحمد (١١/ ١١٠ رقم ٧٤ - الفتح الرباني) وفي سنده الحجاج وهو ضعيف.\n(^٢) تقدَّم تخريجه في حديث الباب.\n(^٣) في \"المسند\" رقم (٣٢٠٥ - شاكر).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٧٤٠).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٨٣٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٥/ ٢٨)، وفي \"المعرفة\" (٧/ ٩٥ رقم ٩٤١١)، وهو حديث ضعيف.\n(^٦) أحد علماء الكوفة المشاهير على سوء حفظه. قال يحيى: ليس بالقوي، وقال أيضًا: لا يحتج به. وقال أحمد: ليس بذاك.\n[المجروحين (٣/ ٩٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢٦٥)، و\"الميزان\" (٤/ ٤٢٣)].\n(^٧) انظر: \"الاستذكار\" (١١/ ٧٩ رقم ١٥٤٨٥).","vol":"4","page":184},{"text":"دينَه كما يدلُّ له ما رواه الحارثُ بنُ عمرٍو السهميِّ قالَ: \"أتيتُ النبيَّ - ﷺ - وهُو بمنَى أو عرفاتٍ، وقدْ أطافَ بِه الناسُ، قالَ فتجيءُ الأعرابُ فإذَا رأَوْا وجهَه قالُوا: هذا وجهٌ مباركٌ. قال: ووقَّتَ ذاتَ عرقٍ لأهلِ العراقِ\"، رواهُ أبو داود (^١)، والدارقطنيُّ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٧٤٢).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ رقم ٦) فيه زارة بن كريم لم يوثقه إلا ابن حبان. وهو حديث حسن، وقد حسَّنه الألباني.","vol":"4","page":185},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>[الباب الثالث] بابُ وجوهِ الإحرامِ [وصفتِه]</span> (^١)\nالوجوهُ جمعُ وجهٍ، والمرادُ بها الأنواعُ التي يتعلقُ بها الإحرامُ وهوَ الحجُّ، [أو] (^٢) العمرةُ، أو مجموعُهما، (وصفتُه) كيفيتُه التي يكونُ بها فاعلُها محرِمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-745>الإحرام بأنواع الحج الثلاثة</span>\n١/ ٦٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعٍ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ، وَأهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالْحَجِّ، فَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عند قُدُومِهِ، وَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: خرجنا) أي: منَ المدينةِ، وكانَ خروجُه - ﷺ - يومَ السبتِ [لست] (^٤) بَقَيْنَ منْ ذي القعدةِ بعدَ صلاتِه الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وبعدَ أنْ خطبَهم خطبةً علَّمَهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننه، (مَعَ رسولِ اللهِ - ﷺ - عامَ حجَّةِ الوداعِ)، وكانَ ذلكَ سنةَ عشرةٍ منَ الهجرةِ، سمِّيتْ بذلكَ لأنهُ - ﷺ - ودَّعَ الناسَ فيها ولم يحجَّ بعدَ هجرتِه غيرَها؛ (فمنَّا منْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا منْ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ) فكانَ قارنًا، (ومِنَّا منْ أهلَّ بحجِّ) فكانَ مفرِدًا، (وأهلَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - بالحجِّ، فأمَّا منْ أهلَّ\n_________\n(^١) زيادة من النسخة \"ب\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"و\".\n(^٣) البخاري (٣١٩)، ومسلم (١١٢/ ١٢١١).\n(^٤) في النسخة (ب): \"لخمس\".","vol":"4","page":186},{"text":"بعمرةٍ فحلَّ عندَ قدومِه) مكةَ بعدَ إتيانِه ببقيةِ أعمالِ العمرةِ، (وأما مَنْ أهلَّ بحجٍّ أو جَمَعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ فلمْ يحلُّوا حتَّى كانَ يومُ النحرِ. متفقٌ عليه).\nالإهلالُ: رفعُ الصوتِ. قالَ العلماءُ: هوَ هنا رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ عندَ الدخولِ في الإحرامِ، ودلَّ حديثُها [على] (^١) أنهُ وقعَ منْ مجموعِ الركبِ الذينَ صحبوهُ في حجِّهِ هذه الأنواعُ، وقدْ رويتْ عنْها رواياتٌ تخالفُ هذا وجمعَ بينَها بما ذكرنَاه. وقدِ اختلَفَتِ الرواياتُ في إحرامِ عائشةَ، بماذا كانَ لاختلافِ الرواياتِ أيضًا، ودلَّ حديثُها على أنهُ وقعَ منْ ذلكَ الركبِ الإحرامُ بأنواعٍ الحجِّ الثلاثةِ؛ فالمحرمُ بالحجِّ هوَ منْ حجَّ الإفراد، والمحرمُ بالعمرةِ هو منْ حجَّ التمتعَ، والمحرمُ بهما هوَ القارنُ. ودلَّ حديثُها على أن منْ أهلَّ بالحجِّ مفردًا لهُ عن العمرةِ لم يحلَّ إلا يومَ النحرِ، وهذَا يخالفُ ما ثَبَتَ منَ الأحاديثِ عنْ أربعةَ عشرَ صحابيًا في الصحيحينِ (^٢) وغيرِهما: أنهُ - ﷺ - أمرَ مَنْ لم يكنْ مَعَهُ هَدْيٌ أنْ يفسخَ حجَّهُ إلى العمرة. قيلَ فيتأولُ حديثُ عائشةَ على تقييدِه بمنْ كانَ معهُ هديٌ وأحرمَ بحجٍّ مفرِدًا، فإنهُ كمنْ ساقَ الهديَ وأحرمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا.\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) • البخاري (١٦٩٣ - البغا)، ومسلم (١٢١٦) من حديث جابر بن عبد الله.\n• البخاري (١٥٦٤ - عبد الباقي)، ومسلم (١٢٤٠ و١٢٤١)، وأبو داود (١٧٨٧) و(١٧٩٢)، والنسائي (٥/ ١٨٠، ١٨١، ٢٠١، ٢٠٢)، وأحمد في \"المسند\" (١/ ٢٥٢) من حديث ابن عباس.\n• أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٨) بإسناد صحيح عن ابن عمر.\n• أبو داود (١٨٠١)، والدارمي (٢/ ٥١) بسند حسن عن الربيع بن سَبْرَةَ عن أبيه.\n• البخاري (١٥٦١ - عبد الباقي)، ومسلم (١٢١١) من حديث عائشة.\n• مسلم (١٢٣٦) من حديث أسماء بنت أبي بكر.\n• مسلم (١٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n• أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٨٦)، وابن ماجه (٢٩٨٢) بسند حسن من حديث البراء بن عازب.\n• البخاري (١٥٦٥ - عبد الباقي) من حديث أبي موسى الأشعري.\n• أبو داود (١٧٩٧)، والنسائي (٥/ ١٤٤) بسند حسن عن البراء بن عازب، أن عليًا - ﵁ - لما قدم على رسول الله - ﷺ - من اليمن، أدرك فاطمة وقد ليست ثيابًا صبيغًا، ونضحتِ البيت بنضُوحٍ، فقال: ما بالكِ؟ فقالت: إن رسول الله - ﷺ - أمرَ أصحابه فحَلُّوا\".\n• البخاري (٧٢٣٠) وفيه عن سراقة.","vol":"4","page":187},{"text":"وقدِ اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الفسخِ للحجِّ إلى العمرةِ، هَلْ هَوَ خاصٌّ بالذينَ حجُّوا معهُ - ﷺ -، أوْ لا، وقدْ بسطَ ذلكَ ابنُ القيمِ في زادِ المعادِ (^١)، وأفردْناهُ برسالةٍ ولا يحتملُ هنا نقلَ الخلافِ والإطالة.\nواختلفَ العلماءُ أيضًا فيما أحرمَ بهِ - ﷺ -، والأكثرُ أنهُ أحرمَ بحجٍّ وعمرةٍ وكان قارِنًا، وحديثُ عائشةَ هذا دلَّ أنهُ - ﷺ - أحرمَ بالحجِّ مفردًا لكنَّ الأدلةَ الدالةَ على أنهُ حجَّ قارِنًا، واسعةٌ جدًّا، واختلفُوا أيضًا في الأفضلِ منْ أنواعِ الحجِّ، والأدلةُ تدلُّ على أن أفضلَها القرانُ وقدِ استوفَى أدلةَ ذلكَ ابن القيِّمِ.\n* * *\n_________\n(^١) (٢/ ١٧٨ - ٢٢٣).","vol":"4","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-746>[الباب الرابع] باب الإحرام وما يتعلَّق به</span>\nالإحرامُ: الدخولُ في أحدِ النسكينِ والتشاغلُ بأعمالهِ بالنيةِ.\n١/ ٦٨١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قالَ: مَا أهَل رَسُولُ الله - ﷺ - إلَّا مِنْ عِنْد الْمَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عَنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: ما أهلَ رسول اللَّهِ - ﷺ - إلَّا منْ عندِ المسجدِ)، أي: مسجدِ ذي الحليفةِ (متفقٌ عليه). هذَا قالهُ ابنُ عمرَ ردًّا على مَنْ قالَ: إنهُ - ﷺ - أحرمَ منَ البيداءِ؛ فإنهُ قالَ: \"بيداؤُكم هذهِ التي تكذبونَ على رسولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ أهلَّ منْها ما أهلَّ\" الحديثَ (^٢). وفي روايةٍ: \"أنهُ أهلَّ من عندِ الشجرةِ حينَ قامَ بهِ بعيرُه\" (^٣)، والشجرةُ كانتْ عندَ المسجدِ. وعندَ مسلمٍ (^٤): \"أنهُ - ﷺ - ركعَ ركعتينِ بذي الحليفةِ، ثمَّ إذا استوتْ بهِ الناقةُ قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحليفةِ أهلَّ\".\nوقَدْ جَمَعَ بَينَ حَديثِ الإهلالِ بالبيداءِ، والإِهْلالِ بذي الحليفةِ بأنهُ - ﷺ - أهلَّ منْهما، وكلُّ من رَوَى أنهُ أهلَّ بكذا فهو راوٍ لما سمعَه منْ إهلالِه. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٥)، والحاكمُ ٤ (^٦) منْ حديثِ أبنِ عباسٍ: \"أنهُ - ﷺ - لما صلَّى في مسجدِ ذي\n_________\n(^١) البخاري (١٥٤١)، ومسلم (١١٨٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٧٧١)، والترمذي (٨١٨)، والنسائي (٥/ ١٦٢ - ١٦٣ - ١٦٤) وابن ماجه (٢٩١٦)، ومالك (١/ ٣٣٦ رقم ٣٠).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣/ ١١٨٦).\n(^٣) أخرجه مسلم (٢٤/ ١١٨٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣٠/ ١١٨٨).\n(^٥) في \"السنن\". (١٧٧٠).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٤٥١) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وفي إسناده خُصيف بن عبد الرحمن الحرَّاني وهو ضعيف. وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق وقد تقدَّم الكلام عليه. المختصر للمنذري (٢/ ٢٩٨). ومع ذلك فقد صحَّحه أحمد شاكر في =","vol":"4","page":189},{"text":"الحليفةِ ركعتينِ أهلَّ بالحجِّ حينَ فرغَ منْهما\"، فسمعَ قومٌ فحفظُوه، فلما استقرتْ بهِ راحلتُه أهلَّ وأَدْركَ ذلكَ منهُ قومٌ لم يشهدُوا في المرةِ الأُولى فسمعُوه حينَ ذاكَ فقالُوا: إنَّما أهلَّ حينَ استقلَّتْ بهِ راحلتُه، ثمَّ مضَى فلما عَلَا شرفَ البيداءَ أهلَّ وأدركَ ذلكَ قومٌ لم يشهدُوه فَنَقَلَ كما سمعَ الحديثَ. ودلَّ الحديثُ على أن الأفضلَ أنْ يحرمَ منَ الميقاتِ لا قبلَهُ، فإنْ أحرمَ قبلَه فقالَ ابنُ المنذرِ (^١): أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أحرمَ قبلَ الميقاتِ أنهُ محرمٌ. وهلْ يكرهُ؟ فقيلَ: نعمْ لأنَّ قولَ الصحابةِ وقَّتَ رسولُ الله - ﷺ - لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ يقضِي بالإهلالِ منْ هذِه المواقيتِ، ويقضي بنفي النقصِ والزيادةِ، فإنْ لم تكنِ الزيادةُ محرَّمةً فلا أقلَّ منْ أنْ يكونَ تركُها أفضلَ، ولولا ما قيلَ منَ الإجماعِ بجوازِ ذلكَ لقلْنا بتحريمِه لأدلةِ التوقيتِ، ولأنَّ الزيادةَ على المقدراتِ منَ المشروعاتِ كأعدادِ الصلاةِ، ورمي الجمارِ، لا تشرعُ كالنقصِ منْها وإنَّما لم يجزمْ بتحريمِ ذلكَ لما ذكرْنا منَ الإجماعِ، ولأنهُ رُوِيَ عن عدةٍ منَ الصحابةِ تقديمُ الإحرامِ على الميقاتِ، فأحرمَ ابنُ عمرَ منْ بيتِ المقدسِ (^٢)، وأحرمَ أنسٌ منَ العقيقِ (^٣)، وأحرمَ ابنُ عباسٍ من\n_________\n= شرح الحديث (١٨٣١) من المسند. وضعَّفه المحدث الألباني في ضعيف أبي داود. وهو الأقرب للصواب، والله أعلم.\n(^١) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٥٤ رقم ١٣٧).\nقلت: قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ٣٨٣): \"وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على الجواز، وفيه نظر فقد نقل عن إسحاق وداود وغيرهما عدم الجواز وهو ظاهر جواب ابن عمر، ويؤيده القياس على الميقات الزماني، فقد أجمعوا على أنه لا يجوز التقدم عليه، وفرق الجمهور بين الزماني والمكاني فلم يجيزوا التقدم على الزماني وأجازوا في المكاني.\nوذهب طائفة كالحنفية وبعض الشافعية إلى ترجيح التقدم، وقال مالك: يكره\" اهـ.\n(^٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٣١ رقم ٢٦) وفي الموطأ برواية محمد بن الحسن: ١٣٣، الأثر (٣٨٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٠)، وفي \"المعرفة\" (٧/ ١٠٣ رقم ٩٤٤٢).\n• الثقة عنده. قيل: نافع.\n(^٣) أخرج الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٢١٦ - مجمع) عن أنس أن رسول الله - ﷺ - وقَّت لأهل المدائن العقيق. وقال الهيثمي: وفيه: أبو ظلال، هلال بن يزيد وثقه ابن حبان، وضعفه جمهور الأئمة، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nقلت: انظر ترجمة هلال هذا في \"الضعفاء\" للعقيلي (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦) و\"الميزان\" (٤/ ٣١٦).\n• وذكر البيهقي في \"المعرفة\" (٧/ ٩٦ رقم ٩٤١٧) عن أنس بن مالك أنه كان يحرم من العقيق.","vol":"4","page":190},{"text":"الشامِ (^١)، وأهلَّ عمرانُ بنُ حصينٍ من البصرةِ (^٢)، وأهلَّ ابنُ مسعودٍ منَ القادسيةِ (^٣).\nووردَ في تفسيرِ الآية: \"أنَّ الحجَّ والعمرةَ تمامُهما أنْ تحرمَ بهما من دويرةِ أهلكَ\" عنْ عليٍّ (^٤)، وابن مسعودٍ (^٥) - ﵄ -، وإنْ كانَ قدْ تُؤُوِّلَ بأنَّ مرادَهما أنْ ينشئَ لهما سفرًا من أهله، فقد ورد أثر عن علي - ﵇ - بلفظ: تمام العمرة أن ينشئ لها من بلاده، أي: أن ينشئ لها سفرًا مفردًا منْ بلدهِ كما أنشأ - ﷺ - لعمرةِ الحديبيةِ والقضاءِ سفَرًا منْ بلدِه، ويدلُّ لهذَا التأويلِ أنَّ عليًا لم يفعلْ ذلكَ، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ الراشدينَ، ولم يحرمُوا بحجٍّ ولا عمرةٍ إلا من الميقاتِ بلْ لم يفعلْهُ - ﷺ -، فكيفَ يكونُ ذلك تمامَ الحجِّ [والعمرة] (^٦) ولم يفعلْهُ - ﷺ -، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ، ولا جماهيرُ الصحابةِ.\nنعمْ الإحرامُ منْ بيتِ المقدسِ بخصوصهِ وردَ فيهِ حديثُ أمِّ سلمةَ: \"سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ مَنْ أهلَّ منَ المسجدِ الأقصَى بعمرةٍ أو حجةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ\"، رواهُ أحمدُ (^٧). وفي لفظٍ: \"مَنْ أحْرمَ منْ بيتِ المقدسِ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه\"، رواهُ أبو داودَ (^٨). ولفظُه: \"مَنْ أَهْل بحجَّةٍ أوْ عمرةٍ مِنَ المسجِدِ الأقْصى إِلى المسِجِدِ الحَرامِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وَمَا تأخَّرَ، أوْ وَجَبَتْ لَهُ الجنَةُ\" شكٌّ منَ الرَّاوي، ورَواهُ ابنُ مَاجَه (^٩) بلفظ: \"مَنْ أهلَّ بعمرةٍ منْ بيتِ المقدسِ كانتْ كفارةً لما قبلَها منَ الذنوبِ\" فيكونُ هذَا مخصوصًا ببيتِ المقدسِ فيكونُ الإحرامُ خاصةً أفضلَ منَ الإحرامُ منَ المواقيتِ، ويدلُّ لهُ إحرامُ ابن عمرَ منهُ، ولم يفعلْ ذلكَ منَ المدينةِ على أن منْهم من ضعَّف الحديثَ، ومنْهم مَنْ تأوَّله بأنَّ المرادَ ينشئُ لهما السفرَ منْ هنالكَ.\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١١/ ٨٢).\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١١/ ٨٢).\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١١/ ٨٢).\n(^٤) أخرجه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٧/ ٧٥). وأبو يوسف في \"الآثار\" (رقم: ٤٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤١) وفي \"المعرفة\" (٧/ ١٠٣ رقم ٩٤٤٣).\n(^٥) أخرجه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٧/ ٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤١).\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).\n(^٧) في \"المسند\" (١١/ ١١١ رقم ٧٧ - الفتح الرباني) بسند لا بأس به.\n(^٨) في \"السنن\" (١٧٤١)، وهو حديث ضعيف.\n(^٩) في \"السنن\" (٣٠٠٢)، وهو حديث ضعيف.\nوانظر: \"الضعيفة\" للألباني رقم (٢١١).","vol":"4","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-747>رفع الصوت بالتلبية</span>\n٢/ ٦٨٢ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ\"، رواهُ الخَمْسَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ (^٢). [حسن]\n(وعنْ خلَّادِ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وتشديدِ اللامِ، آخرُه دالٌ مهملةٌ (ابن السائبِ) بالسينِ المهملةِ (عَنْ أبيهِ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: أتاني جبريلُ، فأمرني أن آمرَ أصحابي أنْ يرفعُوا أصواتَهم بالإهلالِ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ).\nوأخرجَ ابنُ ماجهْ (^٣): \"أنَّ رسول اللهِ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: \"العجُّ والثجُّ\"، وفي روايةٍ (^٤) عن السائبِ عنهُ - ﷺ -: \"أتاني جبريلُ فقالَ: كنْ عجَّاجًا ثجَّاجًا\". والعجُّ رفعُ الصوتِ، والثجُّ نحرُ البُدنِ. كلُّ ذلكَ دالٌّ على استحباب رفعِ الصوتِ بالتلبيةِ وإنْ كانَ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٥): أن أصحابَ رسولِ اللهِ - ﷺ - كانُوا يرفعونَ أصواتَهم بالتلبيةِ حتَّى تبحَّ أصواتُهم، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ (^٦). وعنْ مالكٌ لا يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ إلَّا عندَ المسجدِ الحرأمِ ومسجدِ منَى (^٧).\n_________\n(^١) أبو داود (١٨١٤)، والترمذي (٨٢٩)، والنسائي (٥/ ١٦٢)، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وأحمد (٤/ ٥٥).\nقلت: وأخرجه الحميدي (رقم ٨٥٣)، وابن خزيمة رقم (٢٦٢٥) و(٢٦٢٧)، وابن الجارود رقم (٤٣٣)، والبيهقي (٥/ ٤٢)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٦٦٢٧) و(٦٦٢٨) و(٦٦٢٦) و(٦٦٢٩)، والدارمي (٢/ ٣٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (رقم ١٨٦٧)، والدارقطني (٢/ ٢٣٨) وغيرهم من طرق …\n(^٢) في \"الإحسان\" (٩/ ١١١ رقم ٣٨٠٢).\n(^٣) في \"السنن\" (٢٩٢٤) من حديث أبي بكر الصديق.\nقلت: وأخرجه الترمذي (٨٢٧)، والدارمي (٢/ ٣١). من طرق .. وهو حديث صحيح.\nانظر: \"الصحيحة\" رقم (١٥٠٠).\n(^٤) أخرجها أحمد في \"المسند\" (١١/ ١٨٠ رقم ١٥٠ - الفتح الرباني) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٢٤) وقال: رواه أحمد وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس.\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٤٥٨) من طريق المطلب بن عبد الله بسند صحيح.\nولم أجده في \"المصنف\"، والله أعلم.\n(^٦) انظر: \"شرح السنة\" للبغوي (٧/ ٥٣ - ٥٤)، و\"المعرفة\" للبيهقي (٧/ ١٢٩).\n(^٧) انظر: \"الاستذكار\" (١١/ ١١٩ رقم ١٥٦٦٨).","vol":"4","page":192},{"text":"<span data-type='title' id=toc-748>الاغتسال والتطيب للإحرام</span>\n٣/ ٦٨٣ - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - تَجَرَّدَ لإهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (^١). [صح].\n(وعَنْ زيدِ بن ثابتٍ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - تجرَّدَ لإهلاله واغتسلَ. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنة)، وغرَّبَهُ وضعَّفَهُ العقيليُّ (^٢)، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^٣)، والبيهقيُّ (^٤)، والطبرانيُّ (^٥). رواهُ الحاكمُ (^٦)، والبيهقيُّ (^٧) منْ طريقِ يعقوبَ بن عطاءٍ عنْ أبيهِ عن ابن عباسٍ: \"اغتسل رسولُ اللهِ - ﷺ - ثمَّ لبِسَ ثِيَابَهُ فلما أَتَى ذا الحليفةِ صلَّى ركعتينِ ثمَّ قعدَ على بعيرهِ، فلما استوى بهِ على البيداءِ أحرمَ بالحجِّ\"، ويعقوبُ بنُ عطاءِ بن أبي رباحٍ ضعيفٌ (^٨).\nوعن ابن عمرَ - ﵄ - (^٩) قالَ: مِنَ السنةِ أنْ يغتسلَ إذا أرادَ الإحرامَ، وإذا أرادَ دخولَ مكةَ. ويستحبُّ التطيبُ قبلَ الإحرامِ لحديثِ عائشةَ: كنتُ أطيِّبُ النبيَّ - ﷺ - بأطيبِ ما أجدُ\"، وفي رواية: \"كنتُ أطيبُ رسولَ اللهِ - ﷺ - بأطيبِ ما [أقدرُ] (^١٠) عليهِ قبلَ أن يحرمَ ثم يحرمُ\"، متفقٌ عليهِ (^١١). ويأتي الكلامُ في ذلكَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٨٣٠) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: في سنده عبد الله بن يعقوب وهو مجهول الحال، وبقية رجاله ثقات.\nوقد صحَّحه الألباني في صحيح الترمذي.\n(^٢) في \"الضعفاء الكبير\" (٤/ ١٣٨) بمحمد بن موسى بن مسكين أبو غَزِيَّة القاضي.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١ رقم ٢٣) وفيه أبو غزية.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٢ - ٣٣).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٧) وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٣).\n(^٨) انظر: \"الميزان\" (٤/ ٤٥٣ رقم الترجمة ٩٨٢١).\n(^٩) أخرجه البيهقي (٥/ ٣٣)، والحاكم (١/ ٤٤٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قلت: والإسناد فيه سهل بن يوسف لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، \"التقريب\" (١/ ٣٣٧). فالحديث على شرط البخاري.\n(^١٠) في النسخة (أ): \"يقدر\".\n(^١١) البخاري (٥٩٢٨)، ومسلم (٣٦، ٣٧/ ١١٨٩).","vol":"4","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-749>ما يلبسه المحرم</span>\n٤/ ٦٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ. قَالَ: \"لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّينِ وَلْقْطَعهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عما يلبسُ المحرِمُ منَ الثيابِ [قال] (^٢): لا يلبسُ القميصَ، ولا العمائمَ، ولا [السراويلَ] (^٣)، ولا البرانسَ، ولا الخفافَ إلا أحدٌ لا يجدُ نعلينِ) أي لا يجدُهما [يباعان] (٤)، أو يجدُهما [يباعان] (^٤) ولكنْ ليس معهُ ثمنٌ [فائضٌ] (^٥) عنْ حوائجِه الأصليةِ كما في سائرِ الأبدالِ، (فلْيلبسِ الخفينِ ولْيقْطعْهما أسفلَ من الكعبينِ، ولا تلبسُوا شيئًا من الثيابِ مسَّه الزعفرانُ، ولا الوَرْسُ) بفتحِ الواو، وسكونِ الراء، آخرهُ سينٌ مهملةٌ (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). وأخرجَ الشيخانِ (^٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يخطبُ بعرفاتٍ: منْ لم يجدْ إزارًا فليلبسْ سراويلَ، ومَنْ لم يجدْ نعلينِ فليلبسْ خُفينِ\"، ومثلُه عندَ أحمدَ. والظاهرُ أنهُ ناسخٌ لحديثِ ابن عمرَ بقطعِ الخفينِ لأنهُ قالَ بعرفاتٍ في وقتِ الحاجةِ، وحديثُ ابن عمرَ كانَ في المدينةِ قالَه ابنُ تيميةَ في المنتقَى (^٧). واتفقُوا على أن المرادَ بالتحريمِ هنا على الرجلِ ولا تلحقُ بهِ المرأةُ في ذلكَ. واعلمْ أنهُ تحصلُ منَ الأدلةِ أنهُ يحرمُ على المحرم الحلق لرأسه، ولبسُ\n_________\n(^١) البخاري (١٥٤٢)، ومسلم (١١٧٧)، وأبو داود (١٨٢٤)، والترمذي (٨٣٣)، والنسائي (٥/ ١٣١ - ١٣٢)، وابن ماجه (٢٩٢٩)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ رقم ٨).\n(^٢) في النسخة (أ): \"فقال\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"ولا السراويلات\".\n(^٤) في النسخة (أ): \"يباع\".\n(^٥) في النسخة (أ): \"فاضل\".\n(^٦) البخاري (١٨٤٣)، ومسلم (٤/ ١١٧٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٢٩)، والترمذي (٨٣٤)، والنسائي (٥/ ١٣٢ - ١٣٣)، وابن ماجه (٢٩٣١)، وأحمد (١/ ٢٧٩).\n(^٧) (٢/ ٢٤١) أعاننا الله على إتمامه.","vol":"4","page":194},{"text":"القميصِ، والعمامةِ، والبرانسِ، والسراويلِ، وثوبٍ مسَّهُ وَرْسٌ أوْ زعفرانُ، ولبسُ الخفينِ إلا لعدم غيرِهما فيشقُّهما ويلبسُهما، وَالطيبُ، والوطءُ. والمرادُ منَ القميصِ كلُّ ما أَحاطَ بالبدنِ مما كانَ عنْ تفصيلٍ وتقطيعٍ، وبالعمامةِ ما أحاطَ بالرأسِ فيلحق بها غيرُها مما يغطي الرأسَ. قال الخطابي: ذكر البرانس والعمامة معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتادِ كالعمامة، ولا بالنادِر كالبرانسِ، وهوَ كلُّ ثوبٍ رأسهُ منهُ ملتزِقًا بهِ منْ جبةٍ أو درَّاعةٍ أو غيرِهما.\nوأعلمْ أنَّ المصنفَ - ﵀ - لم يأتِ بالحديثِ فيما يحرُمُ على المرأةِ المحرِمَةِ، والذي يحرمُ عليها في الأحاديثِ الانتقابُ، أي: لبسُ النقابِ كما يحرمُ لبسُ الرجلِ القميصَ والخفينِ، فيحرمُ عليها النقابُ، ومثلُه البرقعُ، وهوَ الذي فُصِّلَ على قدرِ سَتْرِ الوجهِ لأنهُ الذي وردَ به النصُّ، كما وَرَدَ بالنهي عن القميصِ للرجلِ معَ جوازِ سترِ الرجلِ لبدنِه بغيرِه اتفاقًا فكذلكِ المرأةُ المحرمةُ تسترُ وجْهَهَا بغيرِ ما ذكرَ كالخمارِ والثوبِ، ومنْ قالَ إنَّ وجْهَهَا كرأسِ الرجلِ المحرمِ لا يُغَطَّى شيءٌ فلا دليلَ معهُ. ويحرمُ عليها لبسُ القفازينِ، ولبسُ ما يمسه ورسٌ أو زعفرانُ منَ الثيابِ، ويباحُ لها ما أحبَّتْ منْ غير ذلكَ من حليةٍ وغيرها.\nوأما الصيدُ، والطيب، وحلقُ الرأسِ، فالظاهرُ أنهنَّ كالرجلِ في ذلكَ، واللَّهُ أعلمُ. وأما الانغماسُ في الماءِ، ومباشرة المحملِ بالرأسِ، وسترُ الرأسِ باليدِ، وكذَا وضعُهُ على المخدةِ عندَ النومِ [فإنه لا يضرُّ] (^١)، لأنهُ لا يسمَّى لابسًا. والخفافُ جمعُ خفٍّ وهو ما يكونُ إلى نصفِ الساقِ، ومثلُه في الحكمِ الجوربُ، وهوَ ما يكونُ إلى فوقِ الركبةِ. وقدْ أُبيحَ لمنْ لم يجدِ النعلينِ بشرطِ القطعِ، إلا أنكَ قد سمعتَ [ما قاله] (^٢) في المنتقَى منْ نسخِ القطعِ، وقدْ رجَّحهُ في الشرحِ بعدَ إطالةِ الكلامِ بذكرِ الخلافِ في المَسْألةِ، ثمَّ الحقُّ أنهُ لا فديةَ على لابسِ الخفينِ لعدمِ النعلين. وخالفتِ الحنفيةُ فقالُوا: تجبُ الفديةُ.\nودلَّ الحديثُ على تحريمِ لبسِ ما مسَّهُ الزعفرانُ والورسُ. واختُلِفَ في العلةِ التي لأجلِها النهي هلْ هي الزينةُ أو الرائحةُ؟ فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"فلا يضر\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"ما قال\".","vol":"4","page":195},{"text":"الرائحةُ؛ فلو صارَ الثوبُ بحيثُ إذا أصابهُ الماءُ لم يظهرْ لهُ رائحةٌ جازَ الإحرامُ فيهِ. وقد وردَ في روايةٍ: \"إلا أنْ يكونَ غسيلًا\"، وإن كانَ فيها مقالٌ. ولبسُ المعصفرِ والمورَّسِ محرَّمٌ على الرجالِ في حالِ الحلِّ كما في الإحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-750>تطيُّب رسول الله - ﷺ - لإحرامه ولحله</span>\n٥/ ٦٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كنتُ أطيِّبُ رسولَ اللهِ - ﷺ - لإحرامِه قبلَ أنْ يحرِمَ، ولحلِّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على استحبابِ التطيبِ عندَ إرادةِ فعلِ الإحرامِ، وجوازِ استدامتِه بعدَ الإحرامِ، وأنهُ لا يضرُّ بقاءَ لونِه وريحِه، وإنما يحرمُ ابتداؤهُ في حالِ الإحرامِ. وإلى هذا ذهبَ جماهيرُ الأئمةِ منَ الصحابةِ والتابعينَ (^٢) وذهبَ جماعةٌ منْهم إلى خلافهِ، وتكلَّفوا لهذِهِ الروايةِ ونحوِها بما لا يتمُّ بهِ مدعاهُمْ فإنَّهم قالُوا: \"إنهُ - ﷺ - تطيَّبَ ثمَّ اغتسلَ بعدَه فذهبَ الطيبُ\". قالَ النووي - ﵀ - في شرح مسلمٍ (^٣) بعدَ ذكرِه: الصوابُ ما قالهُ الجمهورُ من أنهُ يستحبُّ الطيبُ للإحرامِ لقولِها: \"لإحرامِه\". ومنْهم مَنْ زعمَ أن ذلكَ خاصٌّ بهِ - ﷺ -، ولا يتمُّ ثبوتُ الخصوصيةِ إلا بدليلٍ عليْها، بلِ الدليلُ قائمٌ على خلافِها، وهوَ ما ثبتَ منْ حديثِ عائشةَ: \"كُنَّا ننضحُ وجوهَنا [بالمسك المطيب] (^٤) قبلَ أنْ نحرمَ، فنعرقَ [ويسيل] (^٥) على وجوهِنا، ونحنُ مع رسولِ اللهِ - ﷺ - فلا يَنْهانا\" رواهُ أبو داودَ (^٦)، وأحمدُ بلفظِ: \"كُنَّا نخرجُ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - إلى مكةَ فننضحُ جباهَنا بالمسكِ المطيبِ عندَ الإحرامِ، فإذا عرقتْ إحدانَا سالَ على وجهِهَا فيراهُ النبيُّ - ﷺ - فلا ينْهانا\".\n_________\n(^١) البخاري (١٥٣٩)، ومسلم (١١٨٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٧٤٥)، والترمذي (٩١٧)، والنسائي (٥/ ١٣٧ رقم ٢٦٨٥)، ومالك؛ ١/ ٣٢٨ رقم ١٧).\n(^٢) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧) بتحقيقنا.\n(^٣) (٨/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٤) في النسخة (أ): \"بالطيب المسك\".\n(^٥) في النسخة (أ): \"فيسيل\".\n(^٦) في \"السنن\" (١٨٣٠) بسند حسن.","vol":"4","page":196},{"text":"ولا يقالُ هذا خاصٌ بالنساءِ لأنَّ الرجالَ والنساءَ في الطيب سواءٌ بالإجماعِ؛ فالطيبُ يحرمُ بعدَ الإحرامِ لا قبلَه وإن دامَ حالُه فإنهُ كالنكاحِ لأنهُ منْ دواعِيهِ، والنكاحُ إنَّما يمنعُ المحرِم منِ ابتدائِه لا منِ استدامتهِ فكذلك الطيبُ، ولأنَّ الطيبَ منَ النظافةِ منْ حيثُ إنهُ يقصدُ بهِ دفعُ الرائحةِ الكريهةِ كما يقصدُ بالنظافةِ إزالةَ ما يجمعُه الشعرُ والظفرُ منَ الوسخِ، ولذَا استُحِبَّ أنْ يأخذَ قبلَ الإحرامِ منْ شعرِه وأظفارِه لكونِه ممنوعًا منهُ بعدَ الإحرامِ وإنْ بقيَ أثرُه بعدَه.\nوأما حديثُ مسلمٍ (^١) في الرجلِ الذي جاء يسألُ النبيَّ - ﷺ - كيفَ يصنعُ في عمرتِه، وكانَ الرجلُ قدْ أحرمَ وهوَ متضمِّخٌ بالطيبِ \"فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما تَرَى في رجلٍ أحرمَ بعمرةٍ في جبةٍ بعدَما تضمَّخَ بطيب؟ فقالَ - ﷺ -: \"أما الطيبُ الذي بكَ فاغسلْه ثلاثَ مراتٍ\" الحديث. فقدْ أُجِيبَ عنهُ بأنَّ هذَا السؤالَ والجوابَ كانا بالجعرَّانةِ في ذي القعدةِ سنةَ ثمانٍ، وقدْ حجَّ - ﷺ - سنةَ عشرٍ، واستدامَ الطيبُ، وإنَّما يؤخذُ بالآخرِ [فالآخر] (^٢) منْ أمرِ رسولِ اللهِ - ﷺ - لأنه يكونُ ناسخًا للأول.\nوقولُها: \"لحلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ\"، المرادُ بحلِّه الإحلالُ الذي يحلُّ بهِ كلُّ محظورٍ وهوَ طوافُ الزيارةِ، وقدْ كانَ حلُّ بعضِ الإحلالِ وهوَ بالرمي الذي يحلُّ بهِ الطيبُ وغيرُه ولا يمنعُ بعدَه إلا منْ النساءِ. وظاهرُ هذا أنهُ قدْ كانَ فعلَ الحلقَ والرميَ وبقيَ الطوافُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-751>تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة</span>\n٦/ ٦٨٦ - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ - أن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٨/ ١١٨٠).\nقلت: وأخرجه البخاري (٤٩٨٥)، وأبو داود (١٨١٩)، والترمذي (٨٣٦)، والنسائي (٥/ ١٤٢، ١٤٣)، والبيهقي (٥/ ٥٦).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤١/ ١٤٠٩).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٣٤٨ رقم ٧٠)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٣١٦ رقم ٨٢١)، وأحمد (١/ ٦٩)، والدارمي (٢/ ١٤١)، والطيالسي (١/ ٢١٣ رقم ١٠٣٠ - منحة =","vol":"4","page":197},{"text":"(وعنْ عثمانَ - ﵁ - أن رسولَ الله - ﷺ - قالَ: لا يَنكحُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، أي: لا يَنْكِحُ هو لنفسِه، (المحرمُ ولا يُنكِحُ) بضمِّ حرفِ المضارعةِ لا يعقدُ لغيرِه، (ولا يخطبُ) لهُ ولا لغيرِه (رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ العقْدِ علَى المحرِم لنفسِه ولغيرِه، وتحريمِ الخطبةِ كذلكَ. والقولُ بأنهُ - ﷺ - تزوجَ ميمونَة بنتَ الحارثِ وهوَ محرمٌ لروايةِ ابن عباسٍ (^١) لذلكَ مردودٌ بأنَّ روايةَ أبي رافعٍ (^٢): \"أنّهُ تزوَّجَها - ﷺ - وهوَ حلالٌ\" أرجحُ، لأنهُ كانَ السفيرَ بينَهما، أي: بينَ النبيِّ - ﷺ - وبينَ\n_________\n= المعبود)، وأبو داود (١٨٤١)، والترمذي (٨٤٠)، والنسائي (٥/ ١٩٢)، وابن ماجه (١٩٦٦)، وابن الجارود (٤٤٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٦٨)، والدارقطني (٢/ ٢٦٧ رقم ١٤١)، والبيهقي (٥/ ٦٥) وغيرهم.\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (٤٧/ ١٤١٠)، وأبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٢)، والنسائي (٥/ ١٩١)، وابن ماجه (١٩٦٥)، وابن الجارود رقم (٤٤٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٦٣ رقم ٧٣)، وأحمد (١/ ٢٦٦)، والطيالسي (١/ ٢١٣ رقم ١٠٣١ - منحة المعبود).\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٣)، والدارمي (٢/ ٣٨)، والترمذي (٨٤١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٧٠)، والدارقطني (٣/ ٢٦٢ رقم ٦٧، ٦٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٦٤)، والبيهقي (٥/ ٦٦) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع. قال: \"تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة وهو حلال، وبني بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول بينهما\".\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد عن مطر الوراق عن ربيعة.\nوروى مالك بن أنس (١/ ٣٤٨ رقم ٦٩) عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال. رواه مالك مرسلًا.\nقال: ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا\" اهـ.\nقلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف.\n• ويغني عنه رواية يزيد بن الأصم.\nأخرجه مسلم (٤٨/ ١٤١١)، وأبو داود (١٨٤٣)، والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤)، وابن الجارود رقم (٤٤٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٦١ رقم ٦٣، ٦٤، ٦٥، ٦٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣١٥، ٣١٦) والبيهقي (٥/ ٦٦)، والدارمي (٢/ ٣٨)، وأحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٥)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٣١٨ رقم ٨٣٠) وغيرهم عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث، أن رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.","vol":"4","page":198},{"text":"ميمونةَ، ولأنها روايةُ أكثرِ الصحابةِ. قالَ القاضي عياض - ﵀ -: لم يُرْوَ أنهُ تزوَّجَها محرِمًا إلا ابنُ عباسٍ وحدَه، حتَّى قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ: ذَهَلَ ابنُ عباسٍ وإنْ كانتْ خالتُه، ما تزوَّجَها رسولُ اللهِ - ﷺ - إلا بعدَ ما حلَّ. ذكرُه البخاريُّ (^١). ثمَّ ظاهرُ النَّهْي في الثلاثةِ التحريمُ إلا أنهُ قيلَ: إنَّ النَّهيَ في الخطبةِ للتنزيهِ، وإنهُ إجماعٌ، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ، ولا أظنُّ صحتَه، وإلَّا فالظاهرُ هوَ التحريمُ. ثمَّ رأيتُ بعدَ هذا نقلًا عن ابن عقيلٍ الحنبلي أنَّها تحرمُ الخطبةُ أيضًا.\nقال ابنُ تيمية: لأنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عن الجميع نَهْيًا واحدًا، ولم يفصِّلْ. وموجبُ النَّهْي التحريمُ وليسَ ما يعارضُ ذلكَ من أثر أَو نظرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-752>حلُّ صيد الحلال للمُحرمين</span>\n٧/ ٦٨٧ - وعَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ - في قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - \"هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيه بِشَيْءِ؟ \"، قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ - ﵁ - في قصةِ صيدِه الحمارَ الوحشيَّ وهوَ غيرُ محرمٍ)، وكانَ ذلكَ عامَ الحديبيةِ. (قالَ: فقالَ النبيُّ - ﷺ - لأصحابِهِ وكانُوا محرمينَ: \"هَلْ منْكم أحدٌ أمرهُ أو أشارَ [إليهِ بشيءٍ] (^٣)؟ فَقالُوا: لا، قالَ: فكلُوا ما بقيَ منْ لحمِه. متفقٌ عليهِ). قد استُشكِلَ عدمُ إحرامِ أبي قتادةَ وقدْ جاوزَ الميقاتَ، وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ منها أنهُ قدْ كان بعثَه - ﷺ - هوَ وأصحابُه لكشفِ عدوٍّ لهم [بالساحلِ] (^٤).\n_________\n(^١) وأخرج أبو داود (١٨٤٥) عن سعيد بن المسيب قال: وَهِمَ ابن عباس في تزويج ميمونة وهو محرم.\nوقال الألباني في صحيح أبي داود: \"صحيح مقطوع\".\n(^٢) البخاري (٢٩١٤)، ومسلم (٥٨/ ١١٩٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٥٢)، والترمذي (٨٤٧)، والنسائي (٥/ ١٨٢)، وابن ماجه (٣٠٩٣)، وأحمد (٥/ ١٨٢)، ومالك (١/ ٣٥٠ رقم ٧٦) وغيرهم.\n(^٣) في النسخة (أ): \"إلى شيء\".\n(^٤) في النسخة (أ): \"في الساحل\".","vol":"4","page":199},{"text":"ومنْها: أنهُ لم يخرجْ معَ النبيِّ - ﷺ - بلْ بعثَه أهلُ المدينةِ. ومنْها: أنَّها لم تكنِ المواقيتُ قدْ وقِّتَتْ في ذلكَ الوقت. والحديثُ دليلٌ على جوازِ أكلِ المحرِمِ لصيدِ البر، والمرادُ [به إنْ صاده] (^١) غيرُ محرِمٍ ولمْ يكنُ منهُ إعانةٌ على قتلِهِ بشيءٍ وهوَ رأيُ الجماهيرِ (^٢)، والحديثُ نصٌّ فيهِ. وقيلَ: لا يحلُّ أكلُه وإنْ لم يكنْ منهُ إعانةٌ عليه. ويُرْوَى هذَا عنْ عليٍّ - ﵇ - وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وهوَ مذهبُ الهادوية (^٣) عملًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٤) بناءً علَى أنَّهُ أُريدِ بالصيدِ المصيدُ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ المرادَ في الآيةِ الاصطيادُ، ولفظُ الصيدِ وإنْ كانَ مترددًا بيَّنَ المعنيينِ لكنْ بينَ حديثِ أبي قتادةَ المرادَ، وزادَه بيانًا حديثُ جابرِ بن عبدِ اللهِ عنهُ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"صيدُ البرِّ لكمْ حلالٌ ما لم تصيدُوهُ أو يُصَدْ لكم\"، أخرجهُ أصحابُ السُّنَنِ (^٥)، وابنُ خزيمةَ (^٦)، وابنُ حِبَّانَ (^٧)، والحاكمُ (^٨)،\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"إذا اصطاده\".\n(^٢) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٣/ ٢٤٨ - ٢٥٣).\n(^٣) انظر: \"الروض النضير\" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٣).\n(^٤) سورة المائدة الآية: ٩٦.\n(^٥) أبو داود (١٨٥١)، والترمذي (٨٤٦) والنسائي (٥/ ١٨٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٤/ ١٨٠ رقم ٢٦٤١).\n(^٧) (رقم ٩٨٠ - موارد).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٤٥٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقرَّه الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم (٤٣٧) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧١) والدارقطني (٢/ ٢٩٠ رقم ٢٤٣)، والبيهقي (٥/ ١٩٠)، وأحمد (٣/ ٣٦٢) والشافعي في \"ترتيب المسند\" (١/ ٣٢٢ رقم ٨٣٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٩/ ٦٢) وفي \"الاستذكار\" (١١/ ٢٧٧ رقم ١٦٣٤٠)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٧/ ٤٢٩ رقم ١٠٥٧٩).\nمن طرق عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن المطلب، عن جابر.\nقلت: وفي إسناده المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب المخزومي، وهو صدوق كثير التدليس والإرسال.\nوقال الترمذي: \"حديث جابر حديث مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر\".\nوقال النسائي: \"عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك\".\nوأعلَّه المارديني في \"الجوهر النقي\" (٥/ ١٩١) بأربع علل …\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"4","page":200},{"text":"إلا أن في بعضِ رُوَاتِهِ مقالًا بيَّنَه المصنفُ في التلخيصِ (^١). وعلى تقدير أن المرادَ في الآيةِ الحيوانُ الذي يُصَادُ فقدْ ثبتَ تحريمُ الاصطيادِ منْ آياتٍ أُخَرَ، ومنْ أحاديثَ، ووقعَ البيانُ بحديثِ جابرٍ فإنهُ نصٌّ في المراد. والحديثُ فيه زيادةٌ وهي قولُه (^٢) - ﷺ - (^٣): \"هلْ معكمْ منْ لحمِه شيءٌ\"؟ وفي روايةٍ: \"هلْ مَعكم منهُ شيءٌ؟ \"، قالُوا: مَعَنَا رجْلُهُ [رواه مسلم] (^٤)، فأخذَها رسولُ اللهِ - ﷺ -[فأكلها] (^٥)، إلا أنهُ لم [يتفق] (^٦) الشيخان [على إخراج] (^٧) هذهِ الزيادةَ، واستدلَّ المانعُ لأكلِ المحرِمِ الصيدَ مطلقًا بقولِه:\n\n<span data-type='title' id=toc-753>لا يحلُّ لحم الصيد للمُحرم</span>\n٨/ ٦٨٨ - وعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ - ﵁ - أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشيًا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ، أوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: \"إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n(وعنِ الصعب) (^٩) بفتحِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحَّدةٍ (ابن جَثَّامةَ) بفتحِ الجيم، وتشديدِ المثلثةِ، الليثيِّ (أنهُ أَهْدَى لرسولِ الله - ﷺ - حمارًا وحشيًا)، وفي روايةٍ: حمارُ وحشٍ يقطرُ دمًا، وفي أُخْرى: لحمُ حمارِ وحشٍ، وفي أُخْرى: عُجْزُ حمارِ وحشٍ، وفي روايةٍ: عَضُدًا منْ لحمِ صيدٍ. كلُها في مسلمٍ (^١٠)، (وهو بالأبواءِ) بالموحدة [ممدودة] (^١١)، (أو بِوَدَّانِ) بفتحِ الواوِ وتشديدِ الدالِ المهملةِ، وكانَ ذلكَ في حجةِ الوداعِ، (فردَّه عليهِ وقالَ: إنا لم نردَّهُ) بفتح\n_________\n(^١) (٢/ ٢٧٦).\n(^٢) في النسخة (أ) هنا زيادة \"أنه\".\n(^٣) في النسخة (أ) هنا زيادة \"قال\".\n(^٤) زيادة من النسخة (أ). والحديث أخرجه مسلم (٦٣/ ١١٩٦).\n(^٥) في النسخة (أ): \"وأكلها\".\n(^٦) في النسخة (ب): \"يخرج\".\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).\n(^٨) البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (٥٠/ ١١٩٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٨٤٩)، والنسائي (٥/ ١٨٤)، وابن ماجه (٣٠٩٠)، والبيهقي (٥/ ١٩١)، وأحمد (٤/ ٣٧، ٣٨).\n(^٩) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٢٠ رقم ٢٥٠١).\n(^١٠) في \"صحيحه\" (٥٤/ ١١٩٤ و٥٥/ ١١٩٥) من حديث ابن عباس.\n(^١١) في النسخة (أ): \"ممدودًا\".","vol":"4","page":201},{"text":"الدالِ، رواهُ المحدِّثونَ، وأنكرهُ المحققونَ من أهلِ العربيةِ، وقالُوا: صوابُه ضمُّها لأنهُ القاعدةُ في تحريكِ [الساكن] (^١) إذا كانَ بَعدهُ ضميرُ المذكرِ الغائبِ على الأصحِّ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^٢): في \"ردّهِ\" ونحوِه للمذكرِ ثلاثةُ أوجهٍ أوضحُها الضمُّ، والثاني الكسرُ وهوَ ضعيفٌ، والثالثُ الفتحُ وهو أضعفُ منهُ، بخلافِ ما إذا اتصلَ بهِ ضميرُ المؤنثِ نحوَ ردَّها؛ فإنهُ بالفتحِ (عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ) بضمِّ الحاءِ والراءِ أي مُحرمونَ (متفقٌ عليْهِ) (^٣).\nدلَّ على أنهُ لا يحلُ لحمُ الصيدِ للمحرمِ مطلقًا، لأنهُ - ﷺ - علَّلَ ردَّه بكونه\nمحرمًا، ولم يستفصلْ هلْ صاده لأجله - ﷺ - أوْ لا؛ فدلَّ على التحريمِ مطلقًا.\nوأجابَ مَنْ جوَّزَه بأنهُ محمولٌ على أنهُ صِيْدَ لأجلِهِ - ﷺ - فيكونُ جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي قتادة الماضي (^٤). والجمعُ بينَ الأحاديثِ إذا أمكنَ أوْلَى منِ اطراحِ بعضِها. وقدْ دلَّ لهذا بأن في حديثِ أبي قتادةَ الماضي عندَ أحمدَ (^٥)، وابنِ ماجه (^٦) بإسنادٍ جيدٍ: \"إنَّما صدْتُهُ لهُ، وأنهُ أمرَ أصحابَهُ يأكلونَ ولم يأكلْ منهُ حينَ أخبرْتُه أني اصْطَدْتُهُ لهُ\". قالَ أبو بكرٍ النيسابوريُّ: قولُه اصطدتُه لكَ، وأنهُ لم [يأكل منهُ] (^٧) لا أعلمُ أحدًا قالهُ في هذا الحديثِ غيرَ معمرٍ.\nقلتُ: معمرٌ ثقةٌ لا يضرُّ تفردُه ويشهدُ للزيادةِ حديثُ جابرٍ (^٨) الذي قدَّمناهُ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي قبولُ الهديةِ، وإبانةُ المانعِ من قبولِها إذا ردَّها.\nواعلمْ أنَّ ألفاظَ الرواياتِ اختلفَتْ فقالَ الشافعيُّ (^٩): إنْ كانَ الصَّعبُ أهدَى النبيَّ - ﷺ - الحمارَ حيًّا فليسَ للمحرِمِ ذبحُ حمارٍ وحشي، وإنْ كانَ أَهْدَى لحمَ حمارٍ فيحتملُ أنهُ - ﷺ - قدْ فَهِمَ أنهُ صاده لأجلِه، وأما روايةُ: \"أنه - ﷺ - أكلَ منه\" التي أخرجَها البيهقيُّ (^١٠)\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"الساكنين\".\n(^٢) (٨/ ١٠٤).\n(^٣) هنا زيادة من النسخة (أ): \"وقال\".\n(^٤) برقم (٧/ ٦٨٧) من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ١٨٢).\n(^٦) في \"السنن\" (٣٠٩٣).\n(^٧) في النسخة (أ): \"يأكله\".\n(^٨) وهو حديث ضعيف تقدَّم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٧/ ٦٨٧) من كتابنا هذا.\n(^٩) ذكره البيهقي في \"المعرفة\" (٧/ ٤٣٠ رقم ١٠٥٨٥).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٩٣) وقال: هذا إسناد صحيح. وقد تعقَّبه ابن التركماني في =","vol":"4","page":202},{"text":"فقدْ ضعَّفَها ابنُ القيمِ (^١)، ثمَّ إنهُ استقْوى منَ الرواياتِ روايةَ لحمِ حمارٍ، قالَ: لأنَّها لا تنافي روايةَ مَنْ رَوَى حمارًا، لأنه قدْ يسمَّى الجزءُ باسمِ الكلِّ وهوَ شائعٌ في اللغةِ، ولأنَّ أكثرَ الرواياتِ اتفقتْ أنهُ بعضٌ منْ أبعاضِ الحمارِ، وإنما وقعَ الاختلافُ في ذلكَ البعضِ، ولا تناقضَ بينَها؛ فإنهُ يحتملُ أنْ يكونَ المهدَى منَ الشقِّ الذي فيهِ العجُزُ الذي فيه [رجْلُهُ] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-754>قتل الفواسق الخمس في الحرم</span>\n٩/ ٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعَنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"خمسٌ منَ الدوابِّ كلُّهن فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحرمِ: الغرابُ والحِدأةُ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وفتحٍ الدالِ بعدَها همزهٌ [بوزن عنبة] (^٤)، (والعقربُ) يُقالُ على الذكرِ والأنثَى، وقدْ يقالُ عقربةُ، (والفأرةُ)\n_________\n= \"الجوهر النقي\" فقال: هذا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري. ويحيى بن سليمان ذكر الذهبي في \"الميزان\"، و\"الكاشف\" عن النسائي أنه ليس بثقة. وقال ابن حبان: ربما أغرب.\nوقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيء الحفظ يخطئ خطأ كبيرًا. وكذبه مالك في حديثين. فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده، لمخالفته للحديث الصحيح.\n(^١) في \"زاد المعاد\" (٢/ ١٦٤) وقال: أما حديث يحيى بن سعيد، عن جعفر، فغلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وقد اتفق الرواةُ أنه لم يأكل منه، إلا هذه الرواية الشاذة المنكرة.\n(^٢) في النسخة (أ): \"رجل\".\n(^٣) البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٨٣٧)، والنسائي (٥/ ١٨٨)، وابن ماجه (٣٠٨٧)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ٢١٤ رقم ١٥٢١)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٩٧، ٩٨)، والدارمي (٢/ ٣٦، ٣٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٦٦)، والبيهقي (٥/ ٢٠٩) من رواية جماعة عنها بألفاظ.\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":203},{"text":"بهمزةٍ ساكنةٍ، ويجوزُ تخفيفُها ألفًا، (والكلبُ العقورُ. متفقٌ عليهِ)، وفي روايةٍ في البخاريِّ (^١) زيادةُ ذكرِ الحيةِ فكانتْ ستًا. وقد أخرجَها بلفظِ ستٍ أبو عوانةَ، وسردَ الخمسَ معَ الحيةِ. ووقع [عند] (^٢) أبي داود (^٣) زيادةُ السَّبُعُ العادي فكانتْ سبعًا، ووقعَ عندَ ابن خزيمةَ (^٤)، وابنِ المنذرِ زيادةُ الذئب والنمرِ فكانتْ تسعًا، إلَّا أنهُ نُقِلَ عن الذهليِّ أنهُ ذكرَهما في تفسير الكلب العقورِ. ووقعَ ذكرُ الذئبِ في حديثٍ مرسلٍ (^٥) رجالُه ثقاتٌ: وأخرجَ أحمدُ (^٦) مرفوعًا الأمرَ للمحرمِ بقتلِ الذئبِ، وفيهِ راو ضعيفٌ. وقدْ دلَّتْ هذه [الروايات] (^٧) أن مفهومَ العددِ غيرُ مرادٍ منْ قولِهِ خمسٌ. والدوابُّ بتشديدِ الباءِ جمعُ دابةٍ وهوَ ما دبَّ منَ الحيوانِ، وظاهرهُ أنهُ يسمَّى الطائرُ دابةً وهوَ يطابقُ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٨)، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (^٩). وقيل: يخرجَ الطائرُ منْ لفظِ الدابةِ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (^١٠) ولا حجة [فيه] (^١١)، لأنهُ يحتملُ أنهُ عطفٌ خاصٌّ على عامٍّ. هذَا وقد اختصَّ في العرفِ لفظُ [الدابة] (^١٢) بذواتِ الأربعِ القوائم. وتسميتُها فواسق لأنَّ الفسقَ لغة\n_________\n(^١) لم أجدها في صحيح البخاري بل وجدتها في صحيح مسلم (٦٧/ ١١٩٨) من حديث عائشة وأخرجه مسلم أيضًا (٧٥/ ١١٩٩) من حديث ابن عمر.\n(^٢) في النسخة (أ): \"في رواية\".\n(^٣) في \"السنن\" (١٨٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري. وفي سنده يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي وهو ضعيف، كبر فتغيَّر فصار يتلقَّن، وباقي رجاله ثقات.\nوقال الألباني: ضعيف. وقوله: \"يرمي الغراب ولا يقتله\" منكر. انظر: \"الإرواء\" (رقم ١٠٣٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٤/ ١٩٠ رقم ٢٦٦٦).\n(^٥) أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" رقم (١٣٧) وعبد الرزاق رقم (٨٣٨٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٥)، والبيهقي (٥/ ٢١٠) من طرق عن عبد الرحمن بن حرملة أنه سمع ابن المسيب يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"خمس يقتلهن المحرم: العقرب، والحية، والغراب، والكلب، والذئب\". ورجاله ثقات.\n(^٦) في \"المسند\" (١١/ ٢٧٢ رقم ٧٠٢ - الفتح الرباني) من حديث ابن عمر.\nوفي سنده الحجاج بن أرطاة ضعيف.\n(^٧) في النسخة (ب): \"الزيادات\".\n(^٨) سورة هود: الآية ٦.\n(^٩) سورة العنكبوت: الآية ٦٠.\n(^١٠) سورة الأنعام: الآية ٣٨.\n(^١١) زيادة من النسخة (أ).\n(^١٢) في النسخة (أ): \"الدواب\".","vol":"4","page":204},{"text":"الخروجُ، ومنهُ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (^١)، أي: خرجَ، ويسمَّى العاصي فاسقًا لخروجِه عنْ طاعةِ ربِّهِ، ووصفتِ المذكورةُ بذلكَ لخروجِها عنْ حكمِ غيرِها منَ الحيواناتِ في تحريمِ [قتل المحرم لها] (^٢)، وقيلَ: لخروجِها عن غيرها من الحيواناتِ في حلِّ أكلهِ لقولِه تعالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٣)، فسمِّي ما لا يُؤكَلُ فسقًا. قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (^٤)، وقيلَ: لخروجِها عن حكمِ غيرِها بالإيذاءِ والإفسادِ وعدمِ الانتفاع (^٥)، فهذِه ثلاثُ عللٍ استخرجَها العلماءُ في حلِّ قتلِ هذهِ الخمسِ. ثمَّ اختلفَ أهل الفتوى فمنْ قالَ بالأولِ ألحقَ بالخمسِ كلَّ ما جازَ قتلَهُ [للحلال في الحرم] (^٦). ومنْ قالَ بالثاني ألحقَ كلَّ ما لا يؤكلُ إلَّا ما نُهِيَ عنْ قتلِه. وهذا قدْ يجامع الأولَ. ومَنْ قالَ بالثالثِ [خَصَّ] (^٧) الإلحاقَ بما يحصلُ منهُ الإفسادُ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري.\nقلتُ: ولا يخفى أنَّ هذهِ العللَ لا دليلَ عليْها فيبعدُ الإلحاقُ لغيرِ المنصوصِ بهَا، والأحوطُ عدمُ الإلحاقِ، وبهِ قالتِ الحنفيةُ إلَّا أنَّهم ألحقُوا الحيةَ لثبوتِ الخبرِ، والذئبَ لمشاركتِه للكلبِ في الكلبيةِ، وألحقُوا بذلكَ من ابتدأَ بالعدوانِ والأذى منْ غيرِها. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٨): والتعديةُ بمعنَى الأذى إلى كلِّ مؤذٍ قويٍّ [بالإضافة] (^٩) إلى تصرفِ أهلِ القياسِ فإنهُ ظاهرٌ منْ جهةِ الإيماءِ بالتعليلِ بالفِسقِ وهوَ الخروجُ عن الحدِّ، انتهَى.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنه قدِ اختُلِفَ في تفسيرِ فِسْقِها على ثلاثةِ أقوالٍ كما عرفتَ فلا يتمُّ تعيينُ واحدٍ منْها علةً بالإيماءِ، فلا يتمُّ الإلحاقُ بهِ، وإذا جازَ قتلُهنَّ للمحرم جازَ للحلالِ بالأَوْلَى وقدْ وردَ بلفظِ: \"يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحَرَمِ\" عندَ مسلم (^١٠)، وفي لفظٍ: \"ليسَ على المحرمِ في قتلهنَّ جُناحٌ\" (^١١)؛ فدلَّ أنهُ يقتلُها\n_________\n(^١) سورة الكهف: الآية ٥٠.\n(^٢) في النسخة (أ): \"قتله\".\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ١٢١.\n(^٥) هذا أظهر الوجوه وأولاها، وما عداه تكلُّف.\n(^٦) في النسخة (أ): \"للحلال وفي الحل\".\n(^٧) في النسخة (أ): \"يخص\".\n(^٨) في كتابه: \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" (٣/ ٣٣).\n(^٩) في النسخة (ب): \"بالنظر\".\n(^١٠) في \"صحيحه\" (٦٦/ ١١٩٨) من حديث عائشة.\n(^١١) أخرجه ابن خزيمة (٤/ ١٩٠ رقم ٢٦٦٦) من حديث أبي هريرة. والبخاري رقم (١٨٢٦)، =","vol":"4","page":205},{"text":"المحرِمُ في الحرمِ وفي الحلِّ بالأَوْلَى. وقولُه: \"يُقْتَلْنَ\" إخبارٌ بحلِّ قتلها.\nوقدْ وردَ بلفظِ الأمرِ، وبلفظِ نفي الجناحِ، ونفي الحرجِ على قاتِلهنَّ؛ فدلَّ على حملِ الأمرِ علَى الإباحةِ. وأطلقَ في هذهِ الروايةِ لفظَ الغرابِ، [وقيَّدَ] (^١) عندَ مسلمٍ (^٢) منْ حديثِ عائشةَ بالأبقعِ، وهوَ الذي في ظهرِه أو بطْنِه بياضٌ، فذهبَ بعضُ أئمةِ الحديثِ إلى تقييدِ المطلقِ بهذَا، وهيَ القاعدةُ في حملِ المطلقِ على المقيَّدِ. والقدحُ في هذه الزيادةِ بالشذوذِ، وتدليسِ الراوي مدفوعٌ بأنهُ صرَّحَ الراوي بالسماعِ فلا تدليسَ، وبأنَّها زيادةٌ منْ عدلٍ ثقةٍ حافظٍ فلا شذوذ.\nقالَ المصنفُ: قدِ اتفقَ العلماءُ على إخراجِ الغرابِ الصغيرِ الذي يأكلُ الحبَّ ويقالُ له غرابُ الزرع [ويقال له الزارع، وأفتوا] (^٣) بجوازِ أكلِه، فبقيَ ما عداهُ من الغربانِ ملحقًا بالأبقعِ. والمرادُ بالكلبِ هوَ المعروفُ، وتقييدُه بالعقورِ يدلُّ على أنهُ لا يقتلُ غيرُ العقورِ. ونقلَ عنْ أبي هريرةَ تفسيرُ الكلبِ العقورِ بالأسدِ، وعنْ زيدِ بن أسلم [تفسيرُه] (^٤) بالحيةِ، وعنْ سفيانَ أنهُ الذئبُ خاصةً. وقالَ مالكٌ - ﵀ -: كلَّ ما عقرَ الناسَ وأخافَهم وعدَا عليْهم مثلُ الأسدِ والنمرِ والفهدِ والذئبِ هوَ الكلبُ العقورُ، ونُقِلَ عنْ سفيانَ وهو قولُ الجمهورِ، واستدلَّ لذلكَ بقولِه - ﷺ -: \"اللهمَّ سلِّطْ عليه كلْبًا منْ كلابِك\" فقتلَه الأسدُ، وهو حديثٌ حسنٌ أخرجهُ الحاكم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-755>جواز الحجامة للمحرم</span>\n١٠/ ٦٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أن النَّبِيَّ - ﷺ - احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n= ومسلم (١١٩٩) من حديث ابن عمر.\n(^١) في النسخة (أ): \"وقيده\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٦٧/ ١١٩٨).\n(^٣) في النسخة (ب): \"وقد احتجوا\".\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٣٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: صحيح.\n(^٦) البخاري (١٨٣٥)، ومسلم (١٢٠٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٣٥)، والترمذي (٨٣٩)، والنسائي (٥/ ١٩٣)، وابن ماجه (٣٠٨١)، والدارمي (٢/ ٣٧)، وأحمد (١/ ٩٠).","vol":"4","page":206},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - احتجمَ وهوَ مُحرِمٌ)؛ وذلكَ في حجةِ الوداعِ بمحلٍّ يقالُ لهُ لُحَى، جَبَلٌ بينَ مكةَ والمدينةِ (متفقٌ عليه). دلَّ على جوازِ الحجامةِ للمُحرمِ، وهوَ إجماعٌ في الرأسِ وغيرِه إذا كانَ لحاجةٍ، فإنْ قطع منَ الشعرِ شيئًا كانَ عليهِ فديةُ الحلقِ، وإنْ لم يقطع فلا فديةَ عليهِ.\nوإنْ كانتِ الحجامةُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنْ كانتْ في الرأسِ حَرُمَتْ إنْ قُطِعَ معَها شعرٌ لحرمةِ قطعِ الشعرِ، وإنْ كانتْ في موضعٍ لا شعْرَ فيهِ فهيَ جائزةٌ عندَ الجمهورِ ولا فديةَ، وكرهَهَا قومٌ. وقيلَ: تجبُ فيها الفديةُ. وقدْ نبَّهَ الحديثُ على قاعدة شرعيةٍ، وهيَ أنَّ محرماتِ الإحرامِ منَ الحلقِ وقتلِ الصيدِ ونحوهما تباحُ للحاجةِ وعليه الفديةُ، فمنِ احتاجَ إلى حلقِ رأسِه، أو لبسِ قميصِه مثلًا لحرٍّ، أو بردٍ، أُبيحَ لهُ ذلكَ ولزمْته الفديةُ، وعليهِ دلَّ قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (^١) الآية. [وقد] (^٢) بيَّنَ قَدْرَ الفديةِ الحديثُ:\n١١/ ٦٩١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ - قَالَ: حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالْقُمَّلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: \"مَا كنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أتجِدُ شَاةً؟ \" قُلْتُ: لَا، قَالَ: \"فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\nوهو قولُه: (وعنْ كعبِ بن عجرةَ) (^٤) بضمِّ [المهملة] (^٥)، وسكون الجيمِ، وبالراءِ، وكعبٌ صحابيٌّ جليلٌ حليفُ الأنصاري، نزلَ الكوفَةَ، وماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وخمسينَ. (قالَ: حُمِلْتُ) مغيرُ الصيغةِ (إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - والقملُ يتناثرُ على وجهي فقالَ: ما كنتُ أْرَى) بضمِّ الهمزةِ، أي أظنُّ (الوجعَ بلغَ بكَ ما أرَى) بفتحِ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٢) في النسخة (ب): \"و\".\n(^٣) البخاري (١٨١٦)، ومسلم (٨٥/ ١٢٠١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٥٦)، والترمذي (٩٥٣)، والنسائي (٥/ ١٩٤ - ١٩٥)، ومالك (١/ ٤١٧ رقم ٢٣٨).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تاريخ البخاري\" (٧/ ٢٢٠)، و\"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٦٠)، و\"أسد الغابة\" (٤/ ٢٤١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٣٩٠)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٥٨)، و\"الإصابة\" (٣/ ٢٩٧ رقم ٧٤١٩).\n(^٥) في النسخة (أ): \"العين\".","vol":"4","page":207},{"text":"الهمزةِ منَ الرؤيةِ، (أتجدُ شاةً؟، قلتُ: لا، قال: فصُم ثلاثةَ أيام أو أطعمْ ستةَ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. متفقٌ عليه). وفي روايةٍ للبخاريِّ (^١): مرَّ بي رسولُ اللهِ - ﷺ - بالحديبيةِ، ورأسي يتهافتُ قملًا فقالَ: \"أتؤذيكَ هوامُّك؟ \"، قلتُ: نعمْ، قالَ: \"احلق رأسَكَ - الحديثَ\". وفيهِ فقالَ: نزلتْ فيَّ هذهِ الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (^٢) الآية.\nوقد رُوِيَ الحديثُ بألفاظٍ عديدةٍ، وظاهرُه أنهُ يجبُ تقديمُ النُّسُكِ على النوعينِ الآخرينِ إذا وجدَ، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ وسائرُ رواياتِ الحديثِ أنهُ مخيَّرٌ في الثلاثِ جميعًا، ولذَا قالَ البخاريُّ (^٣) في أولِ بابِ الكفاراتِ: \"خَيَّرَ النبي - ﷺ - كعبًا في الفديةِ\"، وأخرجَ أبو داودَ (^٤) منْ طريقِ الشعبيِّ عن ابن أبي ليلَى، عنْ كعبِ بن عجرةَ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"إن شئتَ فأنسكْ نسيكةً، وإن شئتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وإنْ شئتَ فأطعمْ - الحديثَ\". والظاهرُ أن التخييرَ إجماعٌ. وقولُه: نصفُ صاعٍ، أخذَ جماهيرَ العلماءِ بظاهرِه إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ والثوريِّ أنهُ نصفُ صاعٍ منْ حنطةٍ، أو صاعٍ منْ غيرِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-756>حُرمة مكة</span>\n١٢/ ٦٩٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينَ، وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كانَ قَبْلِي، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدِ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتهَا إلا لِمُنْشِدٍ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ\"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: \"إلا الإذْخِرَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٨١٥).\n(^٢) سورة البقرة: الآية (١٩٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٦/ ٢٤٦٧/ ٨٧ كتاب كفارات الأيمان) ترقيم: البغا.\n(^٤) في \"السنن\" (١٨٥٧).\n(^٥) البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم (٤٤٧/ ١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧).","vol":"4","page":208},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: لما فتحَ اللهُ على رسولِه - ﷺ -) [أراد بهِ فتحَ مكةَ وأطلقه لأنهُ المعروفُ] (^١)، (قامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - في الناسِ) أي: خاطِبًا، وكانَ قيامُه ثانيَ الفتح، (فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ حبسَ عنْ مكةَ الفيلَ)، تعريفًا لهم بالمنَّةِ التي مَنَّ اللهُ تعالى بها عليْهم، وهي قصةٌ معروفةٌ مذكورةٌ في القرآنِ، (وسلَّط عليها رسوله والمؤمنينَ) ففتحُوها عُنوةً، (وإنَّها لم تحلَّ لأحدٍ كانَ قبلي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ)؛ هي ساعةَ دخولِه إيَّاها، (وإنَّها لا تحلُّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ) بالبناءِ للمجهولِ (صيدُها)، أي: لا يزعجُه أحدٌ، ولا ينحِّيهِ عنْ موضعهِ، (ولا يُخْتَلَى) بالخاءِ المعجمةِ مبنيٌّ للمجهولِ أيضًا (شوكُها)، أي: لا يُؤْخَذُ [ويُقْطَعُ] (^٢)، (ولا [تحلُّ ساقطتُها]) (^٣) أي: لقطتُها، وهوَ بهذَا اللفظِ في روايةٍ، (إلا لمنشدٍ) أي: معرِّف [بها] (^٤)، يقالُ لهُ: منشدٌ، [ولطالبها] (^٥): ناشدٌ، (ومَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ)؛ إما أخذُ الديةِ، أو قتلُ القاتلِ. ([فقال] (^٦) العباسُ: إلا الإذخرَ يا رسولَ اللهِ) بكسرِ الهمزةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ، فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، نَبْتٌ معروفٌ طيبُ الرائحةِ، (فإنا نَجعلُه في قبورِنا وبيوتِنا، فقال: إلا الإذخرَ. متفقٌ عليه). فيه دليلٌ على أن فتحَ مكةَ عنوةً لقولِه: \"لم تحلّ\".\n[وقوله: \"سلَّطَ عليها\"، وقوله (^٧): \"ولا تحلُّ\"، وعلى ذلكَ الجماهيرُ. وذهبَ الشافعيُّ - ﵀ - إلى أنَّها فتحتْ صلحًا [مستدلًّا بأنه] (^٨) - ﷺ - لم يقسمْها على الغانمينَ كما قسمَ خيبرَ، وأجيبَ [عنهُ] (^٩) بأنهُ - ﷺ - مَنَّ على أهلِ مكةَ، وجعلَهمُ الطلقاءَ، وصانَهم عن القتلِ والسبي للنساءِ والذرية، واغتنام الأموالِ، إفضالًا منهُ على قرابتِه وعشيرتِه. وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يحلُّ لأحدٍ القتال بعدَه - ﷺ - بمكةَ.\nقالَ الماورديُّ (^١٠): منْ خصائصِ الحرمِ أنهُ لا يُحَاربُ أهلُه وإنْ بَغَوْا على أهلِ العدلِ. وقالتْ طائفةٌ بجوازِه، وفي المسْألةِ خلافٌ. وتحريمُ القتالِ فيها هوَ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"أي فتح مكة\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"ولا يقطع\".\n(^٣) في النسخة (أ): \"يحل ساقطها\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"لها\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"وطالبها\".\n(^٦) في النسخة (أ): \"قال\".\n(^٧) زيادة من النسخة (ب).\n(^٨) في النسخة (ب): \"لأنه\".\n(^٩) زيادة من النسخة (ب).\n(^١٠) ذكره ابن دقيق في \"إحكام الأحكام\" (٣/ ٢٥).","vol":"4","page":209},{"text":"الظاهرُ. قالَ القرطبيُّ: ظاهرُ الحديثِ يقتضي تخصيصُه - ﷺ - بالقتالِ لاعتذارِه عنْ ذلكَ الذي أُبِيحَ لَهُ، معَ أنَّ أهلَ مكةَ كانُوا إذْ ذاكَ مستحقينَ للقتال، لصدِّهم عن المسجدِ الحرامِ، وإخراج أهلهِ منهُ، وكفرِهم. وقالَ بهِ غيرُ واحدٍ منْ أهلِ العلمِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^١): يَتأكدُ القولُ بالتحريمِ بأنَّ الحديثَ دلَّ على أن المأذونَ فيهِ للنبيِّ - ﷺ - لم يُؤذَنْ فيهِ لغيرِه، ويؤيدُه قولُه - ﷺ -: \"فإنْ ترخصَ أحدٌ لِقِتَالِ رسولِ اللهِ - ﷺ - فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لرسولِهِ ولم يأذنْ لكمْ\" (^٢)، فدلَّ أن حلَّ القتالِ فيها مِنْ خصائِصه - ﷺ -. ودلَّ على تحريمِ تنفيرِ صيدِها، وبالأَوْلَى تحريمُ قتلِه، وعلى تحريمِ قطع شوكِها، ويفيدُ تحريمُ قطعِ مَا لَا يؤذي بالأَولَى. ومنَ العجبِ أنهُ ذهبَ الشافعيُّ (^٣) إلى جوازِ قطعِ الشوكِ منْ فروعِ الشجرِ كما نقلَه عنهُ أبو ثورٍ، وأجازَهُ جماعةٌ غيرُه، ومنْهمُ الهادويةُ (^٤)، وعلَّلُوا ذلكَ بأنهُ يؤذي فأشبهَ الفواسقَ.\nقلتُ: وهذا منْ تقديمِ القياسِ على النصِّ، وهوَ باطلٌ، على أنكَ عرفتَ أنهُ لم يتم دليلٌ [على] (^٥) أن علةَ قتلِ الفواسقِ هوَ الأذيةُ. واتفقَ العلماءُ على تحريمِ قطعِ أشجارِها التي لم ينبتْها الآدميونَ في العادةِ، وعلى تحريمِ قطعِ خَلَاها، وهوَ الرطبُ منَ الكلأ، فإذا يبسَ فهوَ الحشيشُ. واختلفُوا فيما ينبتُه الآدميونَ، فقالَ القرطبيُّ: الجمهورُ على الجوازِ. وأفادَ أنَّها لا تحلُ لُقَطَتُها إلا لمنْ يعرِّفُ بها أبدًا ولا يتملَّكُها، وهوَ خاصٌّ بلقطةِ مكةَ، وأما غيرُها فيجوزُ أنْ يلتقطَها بنيةِ التملُّكِ بعدَ التعريفِ بها سنةً، ويأتي ذكرُ الخلافِ في المَسْألةِ في بابِ اللقطة (^٦) [إنْ شاءَ اللهُ تعالَى] (^٧). وفي قولِه: \"ومنْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ (^٨) دليلٌ على أن الخيارَ للوليِّ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ في بابِ الجناياتِ (^٩).\n_________\n(^١) في \"إحكام الأحكام\" (٣/ ٢٦).\n(^٢) وهو جزء من حديث أبي شريح العدوي. أخرجه البخاري (رقم: ١٠٤ - البغا)، ومسلم (١٣٥٤).\n(^٣) انظر: \"المجموع للنووي\" (٧/ ٤٤٨).\n(^٤) انظر: \"التاج المذهب\" (١/ ٢٨٥).\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) رقم الباب (١٩) من كتاب البيوع (٧).\n(^٧) زيادة من النسخة (ب).\n(^٨) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (٢٤٣٤ - عبد الباقي)، ومسلم (١٣٥٥).\n(^٩) بل هو كتاب الجنايات رقم (١١).","vol":"4","page":210},{"text":"وقولُه: \"نجعلُه في قبورِنا\"، أي: نسدُّ بِه خللَ الحجارةِ التي تُجْعَلُ على اللَّحدِ، وفي البيوتِ كذلكَ يجعلُ فيما بينَ الخشبِ على السقوفِ. وكلامُ العباسِ يحتملُ أنهُ شفاعةٌ إليه - ﷺ -، ويحتملُ أنهُ اجتهادٌ منهُ لما عُلِمَ منْ أن العمومَ غالبهُ التخصيصُ، كأنهُ يقولُ هذا مما تدعُو إليه الحاجةُ، وقدْ عهدَ منَ الشرعيةِ عدمُ الحرجِ فقرَّرَ - ﷺ - كلامَه. واستثناؤُه إما بوحيٍ أو اجتهادٍ منهُ - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-757>يحرم من المدينة ما يحرم من مكة</span>\n١٣/ ٦٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ بن عَاصِمٍ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إنْ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وإنِّي دَعَوْتُ في صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لأهْلِ مَكَّة\"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعن عبدِ اللهِ بن زيدِ بن عاصمٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ)، وفي روايةٍ: \"إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مكةَ\". ولا منافاةَ، فالمرادُ أن اللَّهَ حكمَ بحرمتِها، وإبراهيمُ أظهرَ هذا الحكمَ على العبادِ، (ودَعَا لأهلِها) حيثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (^٢)، وغيرُها من الآيات، (وإني حرمتُ المدينةَ) هي عَلَمٌ بالغلبةِ لمدينتهِ - ﷺ - التي هاجرَ إليها فلا يتبادرُ عندَ إطلاقِ لفظِها إلَّا هيَ، (كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ، وإني دعوتُ في صاعِها ومُدِّها) أي: فيما يُكالُ بهما لأنَّهما مكيالانِ معروفانِ (بمثلِ ما دعا إبراهيمُ لأهلِ مكة. متفقٌ عليهِ).\nالمرادُ [من تحريم] (^٣) مكةَ تأمينُ أهلِها منْ أنْ يقاتَلُوا، وتحريمِ منْ [يدخلها] (^٤) لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^٥)، وتحريمِ صيدِها، وقطعِ شجرِها، وعضدِ شوكِها. والمرادُ منْ تحريمِ المدينةِ تحريمُ صيدِها وقطعُ شجرِها ولا يحدثُ فيها حدثٌ. وفي تحديدِ حرمِ المدينةِ خلافٌ وردَ تحديدُه بألفاظٍ كثيرةٍ، ورجَّحتْ روايةُ: \"ما بَيْنَ لابَتَيْهَا\" (^٦) لتواردِ الرواةِ عليها.\n_________\n(^١) البخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٢٦.\n(^٣) في النسخة (أ): \"بتحريم\".\n(^٤) في النسخة (أ): \"دخلها\".\n(^٥) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢). من حديث أبي هريرة.","vol":"4","page":211},{"text":"١٤/ ٦٩٤ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِب - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ - ﷺ - قالَ: قالَ النبيُّ - ﷺ -: المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيرٍ) بالعينِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فراءٍ، جبلٌ بالمدينةِ (إلي ثورٍ. رواهُ مسلمٌ). ثورٌ بالمثلثةِ، وسكونِ الواوِ، وآخرُه راءٌ. في القاموسِ (^٢): إنهُ جبلٌ بالمدينةِ.\nقالَ: وفيهِ الحديثُ الصحيحُ، وذكرَ هذا الحديث ثمَّ قالَ: وأمَّا قولُ أبي عبيدِ القاسمِ بن سلامِ وغيرِه منَ الأكابرِ الأعلامِ: إنَّ هذَا تصحيفٌ والصوابُ إلى أُحُدٍ لأنَّ ثورًا إنَّما هوَ بمكةَ فغير جيدٍ، لما أخبرني الشجاعُ الثعلبيُّ الشيخُ الزاهدُ عن الحافظ أبي محمدِ بن (^٣) عبدِ السلامِ البصريِّ أن حذاءَ أُحُدِ جانحًا إلى ورائِه جبلًا صغيرًا يقالُ لهُ ثورٌ، وتكررَ سؤالي عنهُ طوائفَ منَ العربِ العارفينَ بتلكَ الأرض، فكلٌّ أخبرني أن اسمَه ثورٌ، ولما كُتِبَ إلى الشيخ عفيفِ الدينِ المطري عنْ والدِه الحافظِ الثقةِ قالَ: إنَّ خلفَ أُحُدٍ عنْ شمالِه جبلًا صغيرًا مدوَّرًا يسمَّى ثورًا يعرفُه أهلُ المدينةِ خلَفٌ عنْ سلفِ، انتهَى.\nوهوَ لا ينافي حديثَ: \"ما بينَ لابَتيْها\" (^٤)، لأنَّهما حرَّتانِ يكتنفانِها كما في القاموس. وعيرٌ وثورٌ مكتنفانِ المدينةِ، [فحديثُ عيرٍ وثورٍ يفسرُ اللَّابتينِ] (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٣٧٠).\nقلت: وأخرجه البخاري (١٨٧٠). والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ٣٠٧ رقم ٢٠٠٩)، وأبو داود (٢٠٣٤)، والترمذي (٢١٢٧).\n(^٢) المحيط (ص ٤٥٩).\n(^٣) الذي في \"وفاء الوفاء\": أبي محمد عفيف الدين عبد السلام بن مرزوع البصري. (من حاشية المطبوع).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٨٧٣)، ومسلم (١٣٧٢)، من حديث أبي هريرة.\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"4","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-758>[الباب الخامس] بابُ صفةِ الحجِّ ودخولِ مكةَ</span>\nأراد بهِ بيانَ المناسكِ والإتيانَ بها مرتبةً، وكيفيةَ وقوعِها، وذكرَ حديثَ جابرٍ وهوَ وافٍ بجميعِ ذلكَ.\n١/ ٦٩٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حجَّ فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتى إذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ: \"اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي\"، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: \"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ\"، حَتى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، \"أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ\"، فَرَقَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: \"لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ\"، ثُمّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هذَا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى إلى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -.\nوَفِيهِ: فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتى طَلَعَتِ","vol":"4","page":213},{"text":"الشَّمْسُ، فَأجَازَ حَتَّى أتَى عَرَفَةَ. فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَالتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاء إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتى إنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السكِينَةَ، السكِينَةَ\"، كلَّمَا أَتى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ودَعَا، وَكَبَّرَ، وَهَلَّلَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حتى أَتى الْجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مِسْلِمٌ مُطَوَّلًا (^١). [صحيح].\n(عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ - ﵄ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - حجَّ)؛ عبَّرَ بالماضي لأنهُ رَوَى ذلكَ بعدَ تقضي الحجِّ حينَ سألهُ عنهُ محمدُ بنُ عليّ بن الحسينِ - ﵃ - كما في صحيحِ مسلمٍ، (فخرجْنا معهُ) أي: منَ المدينةِ، (حتَّى [إذا] (^٢) أتيْنا ذا الحليفة\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٧/ ١٢١٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٠٥). والنسائي (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، وابن ماجه (٣٠٧٤)، والترمذي رقم (٨٦٢) وغيرهم بلفظ: \"نبدأ\" بالنون.\n(^٢) زيادة من النسخة: (ب).","vol":"4","page":214},{"text":"فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ) بصيغةِ التصغيرِ، امرأةُ أبي بكرٍ، يعني محمد بن أبي بكر، (فقالَ) أي النبيُّ - ﷺ -: (اغتسلي واستثفري) بسينٍ مهملةٍ، فمثناةٍ فوقيةٍ [فمثلثةٍ فراءٍ] (^١) هوَ شدُّ المرأةِ على وسطِها شيئًا، ثم تأخذُ خرقةً عريضةً تجعلُها في محلِّ الدم، وتشدُّ طرفيْها منَ ورائِها ومن قُدَّامِها إلى ذلكَ الذي شدَّته في وسطِها. وقولُه: (بثوب) بيانُ لما تستثفرُ بهِ، (وأحرمي) فيهِ أنهُ لا يمنعُ النفاسُ صحةَ عقدِ الإحرامِ (وصلَّى رسول اللهِ - ﷺ -[في المسجدِ)، مسجد ذي الحليفة] (^٢) أي: صلاةَ الفجرِ، كذا ذكرهُ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^٣). والذي في الهدي النبوي (^٤) أنَّها صلاةُ الظهر وهوَ الأوْلى لأنهُ - ﷺ - صلَّى خمسَ صلواتٍ بذي الحليفةِ الخامسةُ هي الظهرُ (^٥)، وسافرَ بعدَها [في المسجد] (^٦)، (ثمَّ ركبَ القصواءَ) بفتحِ القافِ فصادٍ مهملةٍ فواوٍ فألفٍ ممدودةٍ - وقيلَ: بضمِّ القافِ مقصورٌ وخُطِّئ مَن قالَه - لَقَبٌ لناقتِه - ﷺ -، (حتَّى إذا استوتْ بهِ علي البيداءِ) اسم محلٍّ (أَهَلَّ) رفَعَ صوتَه (بالتوحيدِ) أي إفرادِ التلبيةِ للَّهِ وحدَه بقولِه: (لبيكَ اللَّهمَّ لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ). وكانت الجاهليةُ تزيدُ في التلبيةِ: إلَّا شريكًا هوَ لكَ تملكُه وما ملكَ، (إنَّ الحمدَ) بفتحِ الهمزةِ وكسرِها والمعنَى واحدٌ وهوَ التعليلُ (والنعمة لك والملك، لا شريك لك) [وأهلَّ الناس بهذا اللفظ الذي يهلُّون به فلم يرد عليهم رسول الله - ﷺ - شيئًا منهم، ولزم رسول الله - ﷺ - تلبيته] (^٧)، (حتَّى إذا أتيْنا البيتَ استلمَ الركنَ) أي مسحهُ بيدِه، [والمراد] (^٨) بهِ الحجرَ الأسودَ وأطلقَ الركنَ عليهِ لأنهُ قدْ غلبَ على اليماني، (فرملَ) أي: في طوافِه بالبيتِ أي أسرعَ في [مشيِه] (^٩) مهرولًا [فيما عدا الركنين اليمانيين فقط، فإنه مشى فيما بينهما كما يأتي حديث ابن عباس قريبًا] (^١٠)،\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"ثم راء\".\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) (٨/ ٩٣).\n(^٤) لابن القيم (٩/ ١٥٢).\n(^٥) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الذي أخرجه النسائي (٥/ ١٢٧)، ورجاله ثقات من حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - صلَّى الظهر بالبيداء ثم ركبَ وصعدَ جبل البيداء فأهلَّ بالحج والعمرة حين صلَّى الظهر.\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) زيادة من النسخة (أ).\n(^٨) في النسخة (ب): \"وأراد\".\n(^٩) في النسخة (أ): \"مشيته\".\n(^١٠) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":215},{"text":"(ثلاثًا) أي مراتٍ (ومشى أربعًا، ثمَّ أتَى مقامَ إبراهيمَ فصلَّى) ركعتي الطواف (ثم رجعَ إلى الركن فاستلمهُ، ثمَّ خرجَ من البابِ) أي: بابِ الحرمِ (إلي الصَّفَا فلمَّا دَنَا) [أي] (^١) قربَ (منَ الصَّفا قرأَ: إن الصفَا والمروةَ منْ شعائِرِ اللهِ، أبدأُ) في الأخذِ في السعي (بما بَدأ اللَّه به، فرقَى) بفتحِ القافِ (الصفَا حتَّى رأى البيتَ فاستقبلَ القبلةَ فوحَّدَ اللَّهَ وكبَّرَهُ) وبيَّنَ ذلكَ بقولِه: (وقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا اللهُ، أنجزَ وعدَه) بإظهارِه تعالى للدِّينِ، (ونَصرَ عبدهُ) يريدُ بهِ نفسَه - ﷺ -، (وهزمَ الأحزابَ) في يومِ الخندقِ (وحدَه) أي: منْ غيرِ قتالِ من الآدميينَ، ولا سببَ لانهزامِهم كما أشارَ إليه قولُه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (^٢)، أو المرادُ كلُّ من تحزَّبَ لحربِه - ﷺ - فإنهُ هزمَهم، (ثم دعا بينَ ذلكَ - قال مثل هذا - ثلاثَ مراتٍ). دلَّ أنهُ كررَ الذكرَ المذكورَ ثلاثًا، (ثمَّ نزلَ) منَ الصَّفا منتهيًا (إلي المروةِ حتَّى انصبتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى) قالَ عياضُ: فيهِ إسقاطُ لفظةٍ لا بدَّ منها وهيَ حتَّى انصبتْ قدماهُ فرملَ في بطنِ الوادي، فسقطَ [لفظ] (^٣) رملَ، قالَ: وقدْ ثبتَتْ هذهِ اللفظةُ في روايةِ لمسلمٍ، وكذا ذكرَها الحميديُّ في الجمْعِ بينَ الصحيحينِ، (حتَّى إذا صعدَ) منْ بطنِ الوادي (مشَى إلى المروةِ ففعلَ على المروةِ كما فعلَ على الصَّفَا) منْ استقبالِه القبلةَ إلى آخر ما ذكرَ (فذكرَ) أي جابرٌ (الحديثَ) بتمامِه واقتصرَ المصنفُ على محلِّ الحاجةِ. (وفيه) أي في الحديث: (فلمَّا كانَ يومُ الترويةِ) بفتح المثناةِ الفوقية، فراءِ وهوَ الثامنُ منْ شهرِ ذي الحجة، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهم [كانوا] (^٤) يتروونَ فيهِ إذا لم يكنْ بعرفةَ ماءٌ، (توجَّهوا إلي منَى وركبَ - ﷺ - فصلَّى بها الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاءَ، والفجرَ، ثمَّ مكثَ) بفتحِ الكافِ، ثم مثلثةٍ، لبثَ (قليلًا) أي بعدَ [صلاة الفجرِ] (^٥) (حتَّى طلعتِ الشمسُ، فأجازَ) أي: جاوزَ المزدلفةَ ولم يقفْ بها، (حتى أتى عرفةَ) أي: قَرُبَ منْها لا أنهُ دخلَها بدليلِ (فوجدَ القبةَ) خيمةً صغيرةً (قد ضُربت له بِنَمِرةَ)؛ بفتح النون، وكسر الميم، فراءٍ فتاءِ تأنيث؛ محلٌّ معروفٌ (فنزلَ بها)، فإنَّ نمرةَ ليستْ منْ عرفاتٍ،\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٩.\n(^٣) في النسخة (أ): \"لفظة\".\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في النسخة (أ): \"الصلاة\".","vol":"4","page":216},{"text":"(حتى إذا زالت الشمسُ أمرَ بالقصواءِ فرحِّلتْ لة) مغيَّرُ صيغةٍ مخففُ الحاءِ المهملةِ أي: وضعَ عليها رحلَها، (فأتى بطنَ الوادي) وادي عرفةَ (فخطبَ الناسَ، ثمَّ أذَّنَ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ) جمعًا منْ غيرِ أذانٍ (ولمْ يصلِّ بينَهما شيئًا، ثمَّ ركبَ حتَّى أتى الموقفَ، فجعلَ بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ، وجعلَ حبلَ)؛ فيهِ ضبطانِ بالجيم والحاءِ المهملةِ والموحدةِ، إما مفتوحةً أو ساكنةً (المشاةِ) وبها ذكرهُ في النهايةِ (^١)، وفسَّرهُ بطريقِهم الذي يسلكونَه في الرمل. وقيلَ أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرملِ (بين يديهِ، واستقبلَ القبلةَ فلم يزلْ واقفًا حتَّى غربتِ الشمسُ وذهبتِ الصفرةُ [قليلًا] (^٢)، حتى غابَ القرصُ). قال في شرحِ مسلمٍ (^٣): هكذَا في جميعِ النسخ، [وكذا] (^٤) نقله القاضي [عنْ] (^٥) جميعِ النسخِ قالَ: قيلَ: صوابُه حينَ غابَ القرصُ قالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ قولُه: حتَّى غابَ القرصُ بيانًا لقولِه غربتِ الشمسُ، وذهبتِ الصفرةُ فإنَّ هذهِ قدْ تطلقُ مجازًا على مغيبِ معظمِ القرصِ فأزالَ ذلكَ الاحتمالَ بقولِه: حتَّى غابَ القُرصُ (ودفعَ، وقد شنقَ) بتخفيفِ النونِ، ضمَّ وضيَّق (للقصواءِ الزمامَ، حتَّى إنَّ رأسَها ليصيبُ مَورِكَ) [بفتح] (^٦) الميمِ، وكسرِ الراءِ، (رحلِه) بالحاءِ المهملةِ الموضعُ الذي يُثني الراكبُ رجله عليه قدامَ وسط الرحْلِ إذا ملَّ منَ الركوبِ، (ويقولُ بيدِه اليمني) أي: يشيرُ بها قائلًا: (يا أيُّها الناسُ السَّكينةَ السَّكينةَ) بالنصب، أي الزمُوا، (وكلما أتى حبلًا) بالمهملةِ وسكونِ الموحدةِ منْ حبالِ الرملِ، وحبلُ الرملِ ما طالَ منه وضخم (أرخَى لها قليلًا حتَّى تصعدَ) بفتحِ المثناةِ وضمِّها، يقالُ صَعِدَ وأصعدَ، (إذا أَتَى المزدلفة فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ ولم يسبِّحْ) أي لم يصلِّ (بينهما شيئًا) أي نافلةً: (ثم اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ فصلَّى الفجرَ حين تبينَ لهُ الصبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى المشعرَ الحرامَ)، وهوَ جبلٌ معروفٌ في المزدلفةِ يقالُ لهُ: قُزَحٌ بضمِّ القافِ، وفتحِ الزايِ، وحاءٍ مهملةٍ، (فاستقبلَ القبلةَ [ودعا] (^٧)، وكبَّرَ، وهلَّلَ، فلم يزلْ\n_________\n(^١) (١/ ٣٣٣).\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) (٨/ ١٨٦).\n(^٤) في النسخة (أ): \"هكذا\".\n(^٥) في النسخة (ب): \"من\".\n(^٦) في النسخة (أ): \"بتخفيف\".\n(^٧) في النسخة (ب): \"فدعا\".","vol":"4","page":217},{"text":"واقفًا حتَّى أسفرَ) أي: الفجرُ (جِدًا) بِكسرِ الجيمِ إسفارًا بليغًا، (فدفَع قبلَ أن تطلعَ الشمسُ حتَّى أتَى بطنَ مُحَسِّرِ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ المهملة، وكسرِ السينِ المشددةِ المهملةِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ فيلَ أصحابِ الفيلِ حَسِرَ [هنالك] (^١)، أي كلَّ وأعيا (فحرَّكَ قليلًا) أي: حرَّك لدابتهِ لتسرعَ في المشي، وذلك مقدارَ مسافة رميةِ حجرٍ، (ثمَّ سلكَ الطريقَ الوسطَى) وهي غيرُ الطريقِ التي ذهبَ فيها إلى عرفاتٍ (التي تخرجُ على الجمرةِ الكُبْرَى)، وهي جمرةُ العقبةِ (حتَّى أَتَى الجمرةَ التي عندَ الشجرةِ)، وهيَ حدٌّ لِمِنَى [وليستْ] (^٢) منْها، والجمرةُ اسمٌ لمجتَمَع الحصَى، سُمِّيَتْ بذلكَ لاجتماعِ الناسِ. يقالُ أجمرَ بنو فلانٍ إذا اجتمعُوا، (فرماها بسبعِ حصياتٍ يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منْها، كلُّ حصاة مثلُ حَصَى الخذفِ)، وقدْرُه مثلُ حبة الباقلاء (رَمَي منْ بطنِ الوادي) بيانٌ لمحلِّ الرَّمي، (ثمَّ انصرفَ إلى المنحرِ فنحرَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فأفاضَ إلى البيتِ فصلَّى بمكةَ الظهرَ)، فيهِ حذفٌ أي: فأفاضَ إلى البيتِ فطافَ بهِ طوافَ الإفاضةِ، ثمَّ صلَّى الظهرَ. وهذَا يعارضُه حديثُ ابن عمرَ: \"أنهُ - ﷺ - صلَّى الظهرَ يومَ النحرِ بمنَى\" (^٣). وجُمِعَ بينَهما بأنهُ - ﷺ - صلَّى بمكةَ ثمَّ أعادهُ بأصحابِه جماعةً بِمِنَى لينالُوا فضلَ الجماعةِ خلْفَهُ (^٤). (رواهُ مسلمٌ مطوَّلًا)، وفيهِ زياداتٌ حَذَفَها المصنفُ، واقتصرَ على محلِّ الحاجةِ هُنَا.\n(واعلمْ) أن هذَا حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ على جُمَلٍ منَ الفوائدِ، ونفائسَ منْ مهمَّاتِ القواعدِ. قال [القاضي] (^٥) عياضُ: قدْ تكلَّمَ الناس على ما فيهِ منَ الفقهِ وأكثَرُوا، وصَنَّفَ فيهِ أبو بكرِ بن المنذرِ جُزءًا كبيرًا أخرجَ فيهِ منَ الفقهِ مائةً ونيفًا وخمسينَ نوعًا قالَ: ولو تقصَّى لزيد على هذَا العددِ [أو قريبٍ] (^٦) منهُ.\nقلتُ: وليعلمَ أن الأصلَ في كلِّ ما ثبتَ أنهُ فَعَلَهُ - ﷺ - في حجِّهِ الوجوبُ لأمرينِ: أحدُهما أن أفعاله - ﷺ - في الحجِّ بيانٌ للحجِّ الذي أمرَ الله بهِ مجملًا في\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"فيه\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"وليس\".\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٠٨)، وأبو داود (١٩٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٤).\n(^٤) وانظر كلام ابن القيم في كتابه \"زاد المعاد\" (٢/ ٢٨٠ - ٢٨٣)، فقد ذكر من رجح قول جابر، وكذلك أورد ذكر من رجح قول ابن عمر، فقد أجاد وأفاد.\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) في التسخة (أ): \"قريبًا\" وهو خطأ.","vol":"4","page":218},{"text":"القرآن، والأفعالُ في بيانِ الوجوبِ محمولةٌ على الوجوب. والثاني قولُه - ﷺ -: \"خُذُوا عني مناسكَكُم\" (^١)؛ فمنِ ادَّعى عدمَ وجوبِ شيءٍ من أفعالِهِ في الحجِّ فعليهِ الدليلُ. ولنذكرْ ما يحتملُه المختصرُ منْ فوائدِهِ ودلائِله:\nففيهِ دلالةٌ على أنَّ غسلَ الإحرامِ سنةٌ للنفساءِ والحائضِ ولغيرِهما بالأَوْلى، وعلى استثفارِ الحائضِ والنفساءِ، وعلى صحَّةِ إحرامِهما، وأنْ يكونَ الإحرامُ عَقيبَ صلاةِ فرضٍ أو نَفْلٍ فإنهُ قدْ قيلَ: إنَّ الركعتينِ اللتين أهلَّ بعدَهما فريضةُ الفجرِ، وقدَّمنا لك أن الأصح أنهما ركعتا الظهر لأنه صلَّاها قصرًا ثم أهل. وأنهُ يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ الاقتصارُ على تلبيةِ النبيِّ - ﷺ -، فلو زادَ فلا بأسَ فقدْ زادَ عمرَ - ﵁ -: \"لبيكَ ذَا النعماءِ والفضلِ الحسنِ، لبيكَ مرهوبًا منكَ ومرغوبًا إليكَ\". وابنُ عمرَ - ﵄ -: \"لبيكَ وسعديكَ، والخيرُ بيدكَ، والرغباءُ إليكَ والعملُ\"، وأنسٌ - ﵁ -: \"لبيكَ حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورقًّا\"، وأنهُ ينبغي للحاجِّ القدومُ أولًا مكةَ ليطوفَ طوافَ القدومِ، وأنهُ يستلمُ الركنَ قبلَ طوافِه، فيرمل في الثلاثةِ الأشواطِ الأُوَلِ، والرملُ إسراعُ المشي معَ تقاربِ الخُطا وهوَ الخَبَبُ، وهذا الرمل يفعله فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين كما قدَّمناه، ثمَّ يمشي أربعًا على عادتِه. وأنهُ يأتي بعدَ تمامِ طوافِه مقامَ إبراهيمَ ويتلُو: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٢)، ثمَّ يجعلُ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ ويصلِّي ركعتينِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ ينبغي لكلِّ طائفٍ إذا طافَ بالبيتِ أنْ يصلِّيَ خلفَ المقامِ ركعتي الطوافِ، واختلفُوا هلْ هما واجبتانِ أمْ لا؟ فقيلَ بالوجوبِ، وقيلَ: إنْ كان الطوافُ واجبًا وجبتا وإلَّا فسنَّةٌ، وهلْ يجبانِ خلْفَ مقامِ إبراهيمَ حتْمًا أو يُجزئانِ في غيرِه؟ فقيلَ: يجبانِ خلْفَهُ، وقيلَ: يُنْدَبانِ خلفَه ولو صلَّاهُما في الحِجْرِ، أوْ في المسجِد الحرامِ، أوْ في أيِّ محلٍّ من مكة جازَ وفاتتهُ الفضيلةُ. ووردَ في القراءةِ فيهما في الأُولى بعدَ الفاتحةِ الكافرونَ، والثانيةِ بعدَها الصمدُ، رواهُ مسلمٌ (^٣). ودلَّ على أنهُ يشرعُ لهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣١٠/ ١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٢٣)، وأحمد (٣/ ٣١٨)، والبيهقي (٥/ ١٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٢٦) من حديث جابر بألفاظ متقاربة.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٢٥.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤٧/ ١٢١٨).","vol":"4","page":219},{"text":"الاستلامُ عندَ الخروجِ منَ المسجدِ كما فعلَه عندَ الدخولِ واتفقُوا أنَّ الاستلامَ سنةٌ، وأنهُ يسعى بعدَ الطوافِ ويبدأُ بالصَّفا (^١) ويرقَى إلى أعلاهُ، ويقفُ عليهِ مستقبلَ القبلةِ، ويذكرُ اللَّهَ تعالى بهذا الذكرِ، ويدعُو ثلاثَ مراتٍ. وفي الموطأِ (^٢): \"حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سَعَى\". وقدْ قدَّمْنا لكَ أن في روايةٍ مسلمٍ سقطًا، فدلَّتْ روايةُ الموطإِ أنهُ يرملُ في بطنِ الوادي، وهوَ الذي يقالُ لهُ بينَ الميلينِ، وهوَ مشروعٌ في كلِّ مرةٍ منَ السبعةِ الأشواطِ لا في الثلاثةِ الأُولِ كما في طوافِ القدومِ بالبيتِ. وأنهُ يرقَى أيضًا على المروةِ كما رَقَى على الصَّفَا، وَيذْكرُ ويدْعُو وبتمام ذلكَ تتمُّ عمرتُه؛ فإنْ حَلَقَ أو قصَّرَ صارَ حلالًا، وهكذا فعلَ الصحابةُ الذينَ أمرَهُمْ - ﷺ - بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأما مَنْ كانَ قارنًا فإنه لا يحلقُ ولا يقصرُ ويبقَى على إحرامِه. ثمَّ في يومِ الترويةِ وهوَ ثامنُ ذي الحجَّةِ يحرمُ مَنْ أرادَ الحجَّ ممّن حلَّ مِنْ عمرتِه ويطلعُ هوَ ومَنْ كانَ قارِنًا إلى منىً كما قال جابرٌ: \"فلمَّا كانَ يومُ التروبةِ توجَّهُوا إلى منَىً\" (^٣)، أي: توجَّهَ مَنْ كانَ باقيًا علَى إحرامِه لتمامِ حجِّهِ، ومَنْ كانَ قدْ صارَ حلالًا أحرمَ وتوجَّهَ إلى مِنَى، وتوجَّهَ إليها - ﷺ - راكبًا فنزلَ بها وصلَّى الصلواتِ الخمسِ. وفيهِ أن الركوبَ أفضلُ منَ المشي في تلكَ المواطنِ، وفي الطريقِ أيضًا، وفيهِ خلافٌ. ودليلُ الأفضليةِ فعلُه - ﷺ -. وأنَّ السنةَ أنْ يصلِّيَ بمنَى الصلواتِ الخمسَ، وأن يبيتَ بها هذهِ الليلةَ وهي ليلةُ التاسعِ منْ ذي الحجَّةِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يخرجُوا يومَ عرفةَ منْ مِنَى إلَّا بعدَ طلوعِ الشمسِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يدخلُوا عرفاتٍ إلَّا بعدَ زوالِ الشمسِ، وأنْ يصلُّوا صلاة الظهرِ والعصرِ [جمعًا] (^٤) بعرفاتٍ؛ فإنهُ - ﷺ - نزلَ بِنَمِرَةَ وليستْ منْ عرفاتٍ، ولمْ يدخلْ إلى الموقفِ إلَّا بعدَ الصلاتينِ، وأنْ لا يصلِّيَ بينَهما شيئًا، وأنَّ السنةَ أنْ يخطب الإمامُ الناسَ قبلَ صلاةِ العصرينِ، وهذهِ\n_________\n(^١) يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم (٨٤/ ١٧٨٠) من حديث أبي هريرة. وفيه: \" .. فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيث، ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو\".\n(^٢) (١/ ٣٧٤)، والنسائي (٥/ ٢٤٣) بإسناد صحيح من حديث جابر.\n(^٣) وهو جزء من حديث جابر الطويل (١٤٧/ ١٢١٨).\n(^٤) في النسخة (ب): \"جميعًا\".","vol":"4","page":220},{"text":"إحدى الأربعِ الخطبِ المسنونة [في الحج] (^١). والثانيةُ يومُ السابعِ منْ ذي الحجةِ يخطبُ عندَ الكعبةَ بعدَ صلاةِ الظهرِ، والثالثةُ يومُ النحرِ، والرابعة يومُ النفرِ الأولِ، وهوَ اليومُ الثاني من أيامِ التشريق [ويأتي الكلام عليها] (^٢). وفي قولِه: \"ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى الموقفَ إلى آخرِه\" سننٌ وآدابٌ منْها:\nأنهُ يجعلُ الذهابَ إلى الموقفِ عندَ فراغِه منَ الصلاتينِ.\nومنها: أن الوقوفَ راكبًا أفضلُ.\nومنها: أنْ يقفَ عندَ الصخراتِ، وهي صخراتٌ متفرشاتٌ في أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ الجبلُ الذي بوسطِ أرضِ عرفاتٍ.\nومنها: استقبالُ القبلةِ في الوقوفِ.\nومنها: أنهُ يبقَى في الموقفِ حتى تغيبَ الشمسُ، ويكونَ في وقوفِه داعيًا فإنهُ - ﷺ - وقفَ على راحلتِه راكبًا يدعُو الله ﷿، وكانَ في دعائِه رافعًا يديْهِ إلى صدْرِه، وأخبرَهم أن خيرَ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفةَ، وذكرَ منْ دعائِه في الموقفِ: \"اللَّهمَّ لكَ الحمدُ [كالذي] (^٣) نقولُ وخيرًا مما نقولُ، اللَّهمَّ لكَ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي وإليكَ مآبي، ولكَ تراثي، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، ووسواسِ الصدرِ، وشتاتِ الأمرِ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منْ شرِّ ما تجيءُ بهِ الريحُ\"، ذكرهُ الترمذيُّ (^٤).\nومنها: أنْ يدفعَ بعدَ تحقق [غروب الشمس] (^٥) بالسكينةِ، ويأمرَ الناسَ بها إنْ كان مُطاعًا، ويضمَّ زمامَ مركوبِه لئلا يسرعَ في المشي، إلَّا إذا أَتَى حبلًا منْ حبالِ الرمالِ أرخَاه قليلًا ليخفَّ على مركوبِه صعودُه، فإذا أَتَى المزدلفةَ نزل بها، وصلَّى المغربَ والعشاءَ جمْعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، وهذا الجمعُ متفقٌ عليهِ، وإنَّما اختلف العلماء في سببهِ فقيلَ: لأنهُ نُسُكٌ، وقيلَ: [لأجلِ أنَّهم\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (أ).\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) في النسخة (أ): \"مثل الذي\".\n(^٤) في \"السنن\" (٣٥٢٠) وقال: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.\nوهو حديث ضعيف. انظر: \"الضعيفة\" للألباني (رقم ٢٩١٨).\n(^٥) في النسخة (أ): \"غروبها\".","vol":"4","page":221},{"text":"مسافرون] (^١)، وأنهُ لا يصلِّي بينَهما شيئًا. وقولُه: \"ثمَّ اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ\" فيه سننٌ نبويةٌ: المبيتُ بمزدلفةَ وهوَ مجمعٌ على أنهُ نُسُكٌ، [وإنما] (^٢) اختلفَوا هلْ [هوَ] (^٣) واجبٌ أو سنةٌ، والأصلُ فيما فعلَه - ﷺ - في [حجته] (^٤) الوجوبُ كما عرفتَ، وأنَّ السنةَ أن يصلِّيَ الصبحَ [بالمزدلفةِ] (^٥)، ثمَّ يدفعُ منْها بعدَ ذلكَ فيأتي المشعرَ الحرامَ فيقفُ بهِ ويدعُو، والوقوفُ عندَه منَ المناسكِ، ثمَّ يدفعُ منهُ عندَ إسفارِ الفجرِ إسفارًا بليغًا، فيأتي بطنَ محسِّرٍ فيسرعُ السيرَ فيهِ لأنهُ محلُّ غضبِ اللَّهِ فيهِ على أصحابِ الفيلِ، فلا ينبغي الأناةُ فيهِ ولا البقاءُ بهِ، فإذا أَتَى الجمرةَ وهي جمرةُ العقبةِ نَزَلَ ببطنِ الوادي ورماها بسبعِ حصياتٍ، كلُّ حصاةٍ كحبةِ الباقلَّا يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ. ثمَّ ينصرفُ بعدَ ذلكَ إلى المنحرِ، فينحرُ إنْ كان عنده بُدْنٌ يريدُ نحرَها، وأما هوَ - ﷺ - فإنهُ نحرَ بيدِه الشريفةِ ثلاثًا وستينَ بُدْنةً، وكانَ معهُ مائةُ بدنةٍ فأمرَ عليًا - ﵁ - بنحرِ باقيْها ثمَّ ركبَ إلى مكةَ فطافَ طوافَ الإفاضةِ، وهوَ الذي يُقَالُ لهُ طوافُ الزيارةِ، ومنْ بعدِه يحلُّ لهُ كلُّ ما حَرُمَ بالإحرامِ حتَّى وطءُ النساءِ، وأما إذا رَمَى جمرةَ العقبةِ، ولم يطفْ هذَا الطوافَ فإنهُ يحلُّ لهُ ما عدَا النساءَ.\nفَهذهِ الجملُ منَ السننِ والآدابِ التي أفادَها هذا الحديثُ الجليلُ منْ أفعالِه - ﷺ - تبينُ كيفيةَ أعمالِ الحجِّ، وفي كثيرٍ مما دلّ عليهِ هذَا الحديثُ [الجليل] (^٦) مما سقْناه خلافٌ بينَ العلماءِ كثيرٌ في وجوبِهِ أو عدمِ وجوبِهِ، وفي لزومِ الدمِ بتركِهِ وعدمِ لزومِه، وفي صحةِ الحجِّ إنْ تركَ [منها] (^٧) شيئًا أو عدم صحتِه، وقدْ طوَّلَ بذكرِ ذلكَ في الشرحِ واقتصرْنا على ما أفادهُ الحديثُ، فالآتي بما اشتملَ عليهِ هوَ الممتثلُ لقولهِ - ﷺ -. \"خُذُوا عني مناسككُم\"، والمقتدي به في أفعالهِ وأقوالِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-759>يستحب الدعاء عند الانتهاء من كل تلبية</span>\n٢/ ٦٩٦ - وَعنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"لأنهم يسافرون\".\n(^٢) في النسخة (ب): \"إنما\".\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) في النسخة (أ): \"حجة\".\n(^٥) في النسخة (أ): \"في مزدلفة\".\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) في النسخة (ب): \"منه\".","vol":"4","page":222},{"text":"تَلْبِيَتِهِ في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ الله رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ.\nرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (^١)، [ضعيف]\n(وعنْ خزيمةَ بن ثابتٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا فرغَ منْ تلبيتِه في حجٍّ أو عمرةٍ سألَ اللَّهَ رضوانَه والجنةَ، واستعاذ برحمتِه منَ النارِ. رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ ضعيف). سقطَ هذا الحديثُ منْ نسخةِ الشارحِ التي وقفْنا عليها فلمْ يتكلَّمْ عليهِ؛ ووجْهُ ضعفِه أن فيهِ صالحَ بنَ محمدٍ بن أبي زائدةَ أبا واقدٍ الليثيِّ ضعَّفوه (^٢). والحديثُ دليلٌ على استحبابِ الدعاءِ بعدَ الفراغِ منْ كلِّ تلبيةٍ يلبِّيها المحرمُ في أي حينٍ بهذا الدعاءِ ونحوِه، ويحتملُ أن المراد بالفراغِ منْها انتهاءُ وقتِ مشروعِيَّتها، وهوَ عندَ رمي جمرةِ العقبةِ، والأولُ أوضحُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-760>مِنى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف</span>\n٣/ ٦٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ\"، رَوَاهُ مُسلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعَنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: نحرتُ ههنا ومنَىً كلُّها منحرٌ فانحرُوا في رحالِكم)، جمعُ رحلٍ وهوَ المنزلُ، (ووقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ)، وحدُّ عرفةَ ما خرجَ عنْ وادي عرفةَ إلى الجبالِ المقابلةِ مما يلي بساتينَ بني عامرٍ، (ووقفتُ ههُنا وجَمْعٌ كلُّها موقفٌ. رواهُ مسلمٌ). أفادَ - ﷺ - أنهُ لا يتعينُ على أحدٍ نحرُه\n_________\n(^١) في \"بدائع المنن\" (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣ رقم ٩٣٨).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٣٨ رقم ١١)، والبيهقي (٥/ ٤٦) والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ٥٢ رقم ١٨٦٦).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٢٤) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه صالح بن محمد بن زائدة وثقه أحمد وضعَّفه خلق. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) قال البخاري: منكر الحديث. انظر ترجمته في: \"الميزان\" (٢/ ٢٩٩ رقم ٣٨٢٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤٩/ ١٢١٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٣٦ و١٩٣٧)، وابن ماجه (٣٠٤٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ١٥٠ رقم ١٩٢٦).","vol":"4","page":223},{"text":"حيثُ نحرَ، ولا وقوفُه بعرفةَ ولا جَمْعٍ حيثُ وقفَ، بلْ ذلكَ موسعٌ عليهمْ حيثُ نحرُوا في أيِّ بقعةٍ منْ بقاع مِنَى، فإنهُ يجزئُ عنْهم، وفي أيِّ بقعةٍ منْ بقاعِ عرفةَ أو جمعٍ وقفُوا أجزأَ، [وهذهِ زياداتٌ] (^١) في بيانِ التخفيفِ عليهمْ، وقدْ كانَ - ﷺ - أفادَهُ تقريرُه لمنْ حجَّ معهُ ممنْ لم يقفْ في موقفِه ولم ينحرْ في منحرِه؛ إذْ مِنَ المعلومِ أنهُ حجَّ معهُ أممٌ لا تُحصَى ولا يتسعُ لها مكانُ وقوفِه ونحرِه. هذَا والدمُ الذي محلُّه منىً هوَ دمُ القرانِ، والتمتعِ، والإحصارِ، والإفسادِ، والتطوعِ بالهدي، وأما الذي يلزمُ المعتمرَ فمحلُّه مكةُ، وأما سائرُ الدماءِ اللازمةِ منَ الجزاءاتِ فمحلُّها الحرمُ المحرمُ. وفي ذلكَ خلافٌ معروفٌ.\n٤/ ٦٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - لما جاءَ إلى مكةَ دخلَها منْ أعلاهَا وخرجَ من أسفلِها. متفقٌ عليهِ). هذا إخبارٌ عنْ دخولِه - ﷺ - عامَ الفتحِ؛ فإنهُ دخلَها منْ محلِّ يقالُ لهُ كَداءُ بفتحِ الكافِ والمدِّ غيرُ منصرفٍ، وهي الثنيَّةُ التي ينزلُ منها إلى المعلاةِ، مقبرةُ أهلِ مكةَ، وكانتْ صعبةَ المرتقَى فسهَّلها معاويةُ، ثمَّ عبدُ الملكِ، ثمَّ المهديُّ. ثمَّ سُهِّلَتْ كلُّها في زمنِ سلطانِ مصرَ المؤيدِ في حدودِ عشرينَ وثمانمائةٍ، وأسفلُ مكةَ هيَ الثنيةُ السفلَى يقالُ لها كُدَا، بضمِّ الكافِ والقصرِ عندَ بابِ الشبيكةِ ويقولُ أهلُ مكةَ: افتحْ وادخلْ وضمَّ [واخرجْ] (^٣)، ووجْهُ دخولِهِ - ﷺ - منَ الثنيةِ العليا ما رُوِيَ: \"أنهُ قالَ أبو سفيانَ: لا أسلمُ حتّى أرى الخيلَ تطلعُ من كَداءَ فقالَ له العباسُ: ما هذا؟ قالَ: شيءٌ طلعَ بقلبي، وإنَّ اللَّهَ لا يطلعُ الخيلَ منْ هنالكَ أبدًا. قالَ العباسُ: فذكَّرتُ أبا سفيانَ بذلكَ لما دخلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - منْها\". [وهو] (^٤) عندَ البيهقيِّ منْ حديثٍ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"كيفَ قالَ حسانُ \"؟ فأنشدَه شعرًا:\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"وهذا زيادة\".\n(^٢) البخاري (١٥٧٧)، ومسلم (١٢٥٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٦٨ و١٨٦٩)، والترمذي (٨٥٣).\n(^٣) في النسخة (أ): \"وأخرجه\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"و\".","vol":"4","page":224},{"text":"عدمتُ بنيتي إنْ لم تروها … تثيرُ النقعَ مطلعُها كداءُ (^١)\nفتبسَّمَ - ﷺ - قالَ: [ادخلُوها] (^٢) منْ حيثُ قالَ حسانُ. واختُلِفَ في استحبابِ الدخولِ منْ حيثُ دخلَ - ﷺ -، والخروجِ منْ حيثُ خرجَ، فقيلَ: يستحبُّ وأنهُ يعدلُ إليهِ منْ لمْ يكنْ طريقُه عليهِ. وقالَ البعضُ: إنَّما فعلَهُ - ﷺ - لأنهُ كانَ على طريقهِ فلا يستحبُّ لمنْ لم يكنْ كذلكَ (^٣). قالَ ابنُ تيميةَ - ﵀ -: يشبهُ أنْ يكونَ ذلكَ - واللَّهُ أعلمُ - أن الثنيةَ العليا التي تشرفُ على الأبطحِ والمقابرِ إذا دَخَلَ منْها الإنسانُ فإنهُ يأتي منْ وجهةِ البلدِ والكعبةِ، ويستقبلُها استقبالًا منْ غيرِ انحرافٍ بِخِلافِ الذي يدخلُ منَ الناحيةِ السفلَى؛ [فإنه يدخل من دبر البلد والكعبة، وإنما خرج من الثنية] (^٤)، لأنهُ يستدبرُ البلدَ والكعبةَ، [فاستحبَّ] (^٥) أن يكونَ ما يليهِ منْها مؤخرًا لئلا يستدبرَ وجْهَهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-761>الاغتسال لدخول مكة</span>\n٥/ ٦٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أنَّهُ كَانَ لَا يَقْدُمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوَى حَتى يُصْبحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أنهُ كانَ لا يقدمُ مكةَ إلَّا باتَ) ليلة قدومِه (بذي طُوىً). في القاموسِ مثلثةُ الطاءِ، وينونُ، موضعٌ قريبٌ منْ مكةَ، (حتَّى يصبحَ ويغتسلَ، ويُذْكَرُ ذلكَ عن النبيِّ - ﷺ -) أي: أنهُ فعلهُ (متفقٌ عليهِ). فيه استجابُ ذلكَ، وأنهُ\n_________\n(^١) وفي شرح ديوان حسان\" (ص ٥٧).\n\"عَدِمْنا خَيْلَنَا إنْ لم تَرَوْهَا … تُثيرُ النَّقْعَ موعِدُها كَدَاءُ\"\n• النقع: الغبار.\n• عدمنا خيلنا: هو كقولك لا حملتني رجلي إن لم تسر إليك، ولا نفعني مالي إن لم أنفقه عليك. وهو من البديع أن يلف المتكلم على شيء بما يكون فيه فخر له وتعظيم لشأنه، أو تنويه بغيره وتعظيم له، أو دعاء على نفسه أو هجاء لغيره.\n(^٢) في النسخة (أ): \"اخطوها\".\n(^٣) في النسخة (ب): هنا \"و\".\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في النسخة (أ): \"واستحب\".\n(^٦) البخاري (١٥٧٣)، ومسلم (٢٢٧/ ١٢٥٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٦٥)، والنسائي (٥/ ١٩٩)، ومالك (١/ ٣٢٤ رقم ٦).","vol":"4","page":225},{"text":"يدخلُ مكةَ نهارًا، وهوَ قولُ الأكثرِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ وغيرِهم: الليلُ والنهارُ سواءٌ، والنبيُّ - ﷺ - دخلَ مكةَ في عمرةِ الجعرَّانةِ ليلًا. وفيه دلالة على استحباب الغسلِ لدخولِ مكةَ.\n٦/ ٧٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا (^١)، وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا (^٢). [ضعيف]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أنهُ كانَ يقبِّلُ الحجرَ الأسودَ ويسجدُ عليهِ. رواهُ الحاكمُ مرفوعًا، والبيهقيُّ موقوفًا)، وحسَّنَهُ أحمدُ. وقدْ رواهُ الأزرقيُّ بسندِهِ (^٣) إلى محمدِ بن عبادِ بن جعفر قالَ: \"رأيتُ ابنَ عباسٍ - ﵁ - جاءَ يومَ الترويةِ وعليهِ حُلَّةٌ مرجِّلًا رأسَهُ، فقبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ، ثمَّ قبّلهُ وسجدَ عليهِ ثلاثًا\"، ورواهُ أبو يعلى (^٤) بسندِه منْ حديثٍ أبي داودَ الطيالسي عنْ جعفرِ بن عثمانَ المخزومي \"قالَ: رأيتُ محمدَ بنَ عبادِ بن جعفرٍ قبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ\"، وقالَ: \"رأيتُ خالي ابنَ عباسٍ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ\"، وقالَ: \"رأيتُ عمرَ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ\"، وقالَ: \"رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يفعلُها). وحديثُ عمرَ في صحيح مسلمٍ (^٥): \"أنهُ قبَّلَ الحجرَ والتزمَهُ وقال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - بكَ حفيًّا\" يؤيدُ هذا، ففيهِ شرعيةُ تقبيلِ الحجرِ والسجودِ عليهِ.\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٤٥٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال الذهبي: هذا صحيح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٧٤) من حديث جعفر بن عبد الله الحميدي. وقال العقيلي في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ١٨٣ رقم ٢٢٨) عنه: \"مكي في حديثه وهم اضطراب\". ثم أورد العقيلي الحديث وتكلَّم عليه فانظره إن شئت. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.\nقلت: الذي اتفق عليه هو تقبيل الحجر الأسود فقط، أما السجود على الحجر فلا دليل عليه.\n(^٣) في \"أخبار مكة\" (١/ ٣٢٩).\n(^٤) في \"المسند\" (١/ ١٩٢ رقم ٨٠/ ٢١٩) بإسناد منقطع. محمد بن عباد بن جعفر لم يدرك عمر، وابنه جعفر بن محمد بن عباد المخزومي، وثقه أبو داود، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عيينة: لم يكن صاحب حديث [الميزان: ١/ ٤١٤ رقم ١٥١٨].\nوأخرجه البزار (٢/ ٢٣ رقم ١١١٤) وقال: لا نعلمه عن عمر إلا بهذا الإسناد. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٤١) وقال: رواه أبو يعلى بإسنادين وفي أحدهما جعفر بن محمد المخزومي وهو ثقة وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار من الطريق الجيد. قلت: وفي إسناد البزار جعفر بن محمد أيضًا.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢٥٢/ ١٢٧١).\n• حفيًا: أي معتنيًا. وجمعه أحفياء.","vol":"4","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-762>أمر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يرمُلوا ثلاثة أشواط في الطواف</span>\n٧/ ٧٠١ - وعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: \"أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: أمرهمُ النبيُّ - ﷺ -) أي: أصحابَه الذينَ قدِمُوا معهُ مكةَ في عمرة [القضاءِ] (^٢) (أنْ يرمُلُوا)، بضمِّ الميمِ (ثلاثةَ أشواطٍ)، أي يهرولونَ فيها في الطوافِ، (ويمشُوا أربعًا ما بينَ الركنينِ. متفقٌ عليهِ).\n٨/ ٧٠٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأوَّلَ خَبَّ ثَلاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا (^٣). [صحيح]\nوَفي رِوَايَة (^٤): رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إِذا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أوَّلَ مَا يَقْدُمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَاف بِالْبَيْتِ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ: أنهُ كانَ إذا طَافَ بالبيتِ الطوافَ الأولَ خبَّ ثلاثًا ومَشَى أربعًا، وفي روايةٍ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - إذا طافَ في الحجِّ أو العمرةِ أولَ ما يقدُمُ، فإنه [يسعَى] (^٥) ثلاثةَ أطوافٍ بالبيتِ، ويمشي أربعةً. متفقٌ عليهِما). وأصلُ ذلكَ ووجهُ حكمتِهِ ما رواهُ ابنُ عباسٍ قالَ: \"قدمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأصحابُه مكةَ فقالَ المشركونَ: إنَّهُ يقدمُ عليكمْ وفدٌ قدْ وهنتْهم حُمَّى يثربَ، فأمرَ - ﷺ - أصحابَه أنْ يرمُلُوا الأشواطَ الثلاثةَ، وأنْ يمشُوا ما بينَ الركنينِ، ولمْ يمنعْه أنْ يرمُلُوا\n_________\n(^١) البخاري (١٦٠٢)، ومسلم (١٢٦٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٨٦)، والنسائي (٥/ ٢٣٠)، والترمذي (٨٦٣)، وأحمد (١/ ٢٩٠، ٣٠٦، ٣٧٣).\n(^٢) في النسخة (أ): \"القضية\".\n(^٣) أخرجه البخاري (١٦٤٤)، ومسلم (١٢٦١)، والنسائي ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، ومالك (١/ ٣٦٥ رقم ١٠٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦١٦)، ومسلم (٢٣١/ ١٢٦١)، وأبو داود (١٨٩٣)، والنسائي (٣/ ٢٢٩ رقم ٢٩٤١).\n(^٥) في النسخة (أ): \"يطوف\".","vol":"4","page":227},{"text":"الأشواطَ كلَّها إلَّا الإبقاءَ عليهمْ\"، أخرجهُ الشيخانِ (^١). وفي لفظِ مسلمٍ (^٢): \"أن المشركينَ جلسُوا مما يلي الحجرَ، وأنَّهم حينَ رأَوْهم يرمُلونَ قالُوا: هؤلاءِ الذينَ زعمتم أنَّ الحمَّى وهنَتهم، إنَّهم لأجلدُ منْ كذَا وكذَا\"، وفي لفظٍ لغيرِه (^٣): \"إنْ همْ إلَّا كالغِزلانِ\"؛ فكانَ هذا أصلَ الرملِ، وسببُهُ إغاظةُ المشركينَ وردُّ قولِهم، وكانَ هذَا في عمرةِ [القضاءِ] (^٤)، ثمَّ صارَ سنَّةً ففعلَه في حجةِ الوداعِ معَ زوالِ سببهِ، وإسلامِ منْ في مكةَ، وإنَّما لم يرمُلُوا بَينَ الرّكْنيْنِ لأنَّ المشركينَ كَانوا مِنْ ناحِيَةِ الحَجرِ عندَ قُعَيْقِعَانَ (^٥) فَلم يَكُونُوا يَرَوْنَ مِنْ بينَ الركنينِ. وفيهِ دليل على أنهُ لا بأسَ بقصدِ إغاظةِ الأعداءِ بالعبادةِ، وأنهُ لا ينافي إخلاصَ العملِ بل هُوَ إضافةُ طاعةٍ إلى طاعةٍ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (^٦).\n٩/ ٧٠٣ - وَعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: لمْ أرَ رسولَ الله - ﷺ - يستلمُ منَ البيتِ غيرَ الركنينِ اليمانيينِ. رواهُ مسلمٌ). اعلمْ أن للبيتِ أربعةَ أركانٍ: الركنُ الأسودُ، ثمَّ اليماني، ويقالُ لهما: اليمانيانِ، بتخفيفِ الياءِ، وقدْ تُشَدَّدُ، وإنَّما قيلَ لهما اليمانيانِ تغليبًا، كالأبوينِ، والقمرينِ، والركنانِ الآخرانِ يقالُ لهما: الشاميانِ، وفي الركنِ الأسودِ فضيلتانِ: أحدهما كونُه على قواعدِ إبراهيمَ - ﵇ -، والثانيةُ [كونُه في] (^٨) الحجر.\nوأما اليماني ففيه فضيلة كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميانِ فليس\n_________\n(^١) البخاري (١٥٢٥ - البغا)، ومسلم (١٢٦٤).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢٤٠/ ١٢٦٦).\n(^٣) وهي لأبي داود في سننه (١٨٨٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في النسخة (أ): \"القضية\".\n(^٥) جبل مشهور بمكة.\n(^٦) سورة التوبة: الآية ١٢٠.\n(^٧) • أخرجه مسلم رقم (٢٤٧/ ١٢٦٩)، والبخاري رقم (١٦٠٨)، والترمذي رقم (٨٥٨) من حديث ابن عباس كما في مخطوطات سبل السلام.\n• وأخرجه مسلم رقم (٢٤٢/ ١٢٦٧)، والبخاري رقم (١٦٠٩)، وأبو داود رقم (١٨٧٤)، وابن ماجه رقم (٢٩٤٦) من حديث ابن عمر كما يفيد كلام ابن حجر في البلوغ.\n(^٨) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":228},{"text":"فيهما شيءٌ منْ هاتينِ الفضيلتينِ، فلهذا خُصَّ الأسودُ بِسُنَّتَيْ التقبيلِ والاستلامِ للفضيلتينِ، وأما اليماني فيستلمُه مَنْ يَطوفُ ولا يقبِّلُه، لأنَّ فيهِ فضيلةً واحدةً. واتفقتِ الأمة على استحبابِ استلامِ الركنينِ اليمانيينِ، واتفقَ الجماهيرُ على أنهُ لا يمسحُ الطائفُ الركنينِ الآخرينِ. قالَ القاضي: [وكانَ فيهِ] (^١) - أي في استلامِ الركنينِ [الآخرين] (^٢) - خلافٌ لبعضِ [الصحابة] (^٣) والتابعينَ، وانقرضَ الخلافُ وأجمعُوا على أنَّهما لا يُسْتَلَمَانِ، وعليهِ حديثُ البابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-763>تقبيل الحجر سنَّة واتباع</span>\n١٠/ ٧٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: إِني أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَني رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - أنهُ قبَّلَ الحجرَ وقالَ: إني أعلمُ أنكَ حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقبِّلكَ ما قبَّلتكَ. متفقٌ عليه). وأخرجَ مسلمٌ (^٥) منْ حديثٍ سويدِ بن غفلةَ قالَ: رأيتُ عمرَ قبَّلَ الحجرَ والتزمَه وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - بكَ حفيًا\". وأخرجَ البخاريُّ (^٦) أن رجلًا سألَ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ فقالَ: \"رأيتُ رسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يستلمُه ويقبِّلُه. قالَ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ فقالَ: دعْ أرأيتَ باليمن، رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يستَلِمُهُ ويقبِّلهُ\". ورَوَى الأزرقيُّ (^٧) [من] (^٨) حديثَ عمرَ بزيادةِ: وأنهُ قالَ لهُ عليٌّ - ﵇ -: بلى يا أميرَ المؤمنينَ هوَ يضرُّ وينفعُ، قالَ: وأينَ ذلكَ؟ قالَ:\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"كون فيه\".\n(^٢) زيادة من النسخة (ب).\n(^٣) في النسخة (أ) (أصحابنا)، والصواب ما أثبتناه من النسخة (ب).\n(^٤) البخاري (١٥٩٧)، ومسلم (٢٥١/ ١٢٧٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٧٣)، والترمذي (٨٦٠)، والنسائي (٥/ ٢٢٧)، وابن ماجه (٢٩٤٣)، ومالك في الموطأ (١/ ٣٦٧ رقم ١١٥)، والدارمي (٢/ ٥٢، ٥٣)، وأحمد (١/ ٢١، ٢٦، ٣٤، ٣٥، ٣٩، ٤٦، ٥١، ٥٣، ٥٤).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٢٥٢/ ١٢٧١).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٦١١).\n(^٧) في \"أخبار مكة وما جاء فيها من آثار\" (١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، وفيه أبو هارون العبدي، قال الحافظ ابن حجر: ضعيف جدًّا. وقال الجوزجاني: كذاب مفتر. انظر: \"أحوال الرجال\" للجوزجاني رقم (١٤٢). و\"التقريب\" (٢/ ٤٩)، و\"الميزان\" (٣/ ١٧٣).\n(^٨) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":229},{"text":"في كتاب اللَّهِ، قالَ: وأينَ ذلكَ منْ كتاب اللَّهِ ﷿؟ قال: قالَ اللَّهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (^١) قالَ: فلمَّا خلقَ اللَّهُ آدمَ مسحَ ظهرَه فأخرجَ ذريَّتَه منْ صلْبه، فقرَّرَهم أنهُ الربُّ وهمُ العبيدُ، ثمَّ كتبَ ميثاقَهم في رَقٍّ، وكانَ لهذا الحجرِ عينانِ ولسانٌ فقالَ لهُ: افتحْ فاكَ فألقمَه ذلكَ الرقَّ، وجعلَه في هذَا الموضعِ وقالَ: [تشهدُ] (^٢) لمنْ وافاكَ بالإيمان يومَ القيامةِ. قالَ الراوي: فقال عمرُ: أعوذُ باللَّهِ أنْ أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم يا أبا الحسنِ\". قالَ الطبريُّ: إنَّما قالَ ذلكَ عمرُ لأنَّ الناسَ كانُوا حديثي عهدٍ بعبادةِ الأصنامِ فخشيَ عمرُ [أن يفهمُوا] (^٣) أن تقبيل الحجرِ منْ بابِ تعظيمِ بعضِ الأحجارِ كما كانتِ العربُ تفعلُ في الجاهليةِ، فأراد عمرُ أن يعلمَّ الناسَ أن استلامُه اتباعٌ لفعلِ رسول اللَّهِ - ﷺ -، لا لأنَّ الحجرَ ينفعُ ويضرُّ [لذاته] (^٤) كما كانت الجاهليةُ تعتقدُه في الأوثان.\n\n<span data-type='title' id=toc-764>استلام الحجر بآلة إذا تعذر باليد وتقبيلها</span>\n١١/ ٧٠٥ - وَعَنْ أَبي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويَقُبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي الطفيلِ قالَ: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يطوفُ بالبيتِ ويستلمُ الركنَ بمحجن)، هي عَصَا محنيةَ الرأسِ (معهُ، ويقبِّلُ المحجنَ. رواهُ مسلمٌ)، وأخرجَ الترمذيُّ (^٦) وغيرُه، وحسَّنَهُ منْ حديثٍ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يأتي هذا الحجرُ يومَ القيامةِ لهُ عينانِ يبصرُ بِهِما، ولسانٌ ينطقُ بهِ يشهدُ لمنِ استلمهَ بحقٍّ\". ورَوَى الأزرقيُّ (^٧) بإسناد صحيحٍ [منْ] (^٨) حديثٍ ابن عباسٍ \"قالَ: إنَّ هذَا\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.\n(^٢) في النسخة (أ): \"أشهد\".\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) في النسخة (ب): \"بذاته\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٢٧٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٧٩)، وابن ماجه (٢٩٤٩).\n(^٦) في \"السنن\" (٩٦١) وقال: هذا حديث حسن.\n(^٧) للأزرقي كتاب \"أخبار مكة وما جاء فيها من آثار\" محشو بكثير من الأخبار الملفَّقة والخرافات الموضوعة، فتنبَّه.\n(^٨) في النسخة (أ): \"عن\".","vol":"4","page":230},{"text":"الركنَ يمينُ اللَّهِ ﷿ في الأرضِ يصافحُ بهِ عبادَه مصافحةَ الرجلِ أخاهُ\" (^١)، وأخرجَ أحمدُ (^٢) عنهُ: \"الركنُ يمينُ اللَّهِ في الأرضِ يصافحُ بها خلْقَه، والذي نفسُ ابن عباسٍ بيدِه ما منِ امرئٍ مسلمٍ يسأل الله تعالى عنده شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاهُ\"، وحديثُ أبي الطفيلِ دالٌّ أنهُ يجزي عن استلامِه باليدِ استلامُه بآلةٍ ويقبِّلُ الآلةَ كالمحجنِ والعصَا، وكذلكَ إذا استلمهُ بيدهِ قبَّلَ يدَه، فقدْ رَوَى الشافعيُّ (^٣): \"أنهُ قالَ ابنُ جريجٍ لعطاءٍ: هلْ رأيتَ أحدًا منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ - ﷺ - إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم؟ قالَ: \"نعمْ رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الَلَّهِ، وابنَ عمرَ، وأبا سعيدٍ، وأبا هريرةَ إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم\"، فإنْ لمْ يكنِ استلامُه لأجلِ الزحمةِ قامَ حيالَه ورفعَ يدَه وكبَّرَ لما رُوِيَ: \"أنهُ - ﷺ - قالَ: يا عمرُ إنكَ رجلٌ قويٌّ، لا تزاحمْ على الحجرِ، فتؤذي الضعفاءِ إنْ وجَدْتَ خلْوةً فاستلمْه وإلا فاستقبلْه وكبِّرْ وهلِّلْ\" رواهُ أحمدُ (^٤)، والأزرقيُّ (^٥). وإذا أشارَ بيدِه فلا يقبِّلْها لأنهُ لا يقبِّلُ إلَّا الحجرَ أو ما مسَّ الحجرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-765>الاضطباع في الطواف</span>\n١٢/ ٧٠٦ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيّةَ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُضْطَبعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦). [حسن]\n(وعنْ يعْلَى بن أميةَ - ﵁ - قالَ: طافَ النبيُّ - ﷺ - مُضْطَبِعًا ببردٍ أخضرَ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ). الاضطباعُ افتعالٌ منَ الضبعِ وهوَ العضوُ، ويسمَّى التأبطَ لأنهُ يُجْعَلُ وسطَ الرداءِ تحتَ الإبِط ويبدي ضبعَه الأيمنَ، وقيلَ:\n_________\n(^١) أخرجه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (١/ ٣٢٣).\n(^٢) وأخرجه الأزرقي (١/ ٣٢٦).\n(^٣) في \"بدائع المنن\" (١/ ٣٥٤ رقم ١٠٣٥).\n(^٤) في \"المسند\" (٨/ ٢١) بسند ضعيف.\n(^٥) في \"أخبار مكة\" (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(^٦) أبو داود (١٨٨٣)، والترمذي (٨٥٩) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٢٩٥٤)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٤).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ١٢٤)، والدارمي (٢/ ٤٣)، والبيهقي (٥/ ٧٩)، وهو حديث حسن.","vol":"4","page":231},{"text":"يبدي ضُبُعَيْهِ. وفي النهايةِ هوَ أنْ يأخذَ الإزارَ أو البردَ ويجعلَه تحتَ إبطهِ الأيمنِ، ويلقي طرفيهِ على كتفيهِ الأيسر منْ جهتيْ صدرهِ وظهرهِ. وأخرجَ أبو داودَ (^١) عن ابن عباسٍ: \"اضطبعَ فكبَّرَ، واستلمَ [فكبر] (^٢)، ثمَّ رملَ ثلاثةَ أطواف. كانُوا إذا بلغُوا الركنَ اليماني، وتغيَّبُوا منْ قريشِ مَشَوْا ثم يطلعونَ عليهم يرمُلون، تقولُ قريشٌ: كأنَّهم الغزلانُ\". قالَ ابنُ عباسٍ - ﵁ -: فكانتْ سُنَّةً. وأولُ ما اضطَّبَعُوا في عمرةِ القضاءِ، ليستعينُوا بذلكَ على الرملِ ليرَى المشركونَ قُوُّتَهم، ثمَّ صارَ سُنَّةً، ويضطبعُ في الأشواطِ السبعةِ فإذا قضَى طوافَه سوَّى ثيابَه، ولم يَضْطَبعْ في ركعتي الطوافِ، وقيلَ: في الثلاثةِ الأُولى [ألا غير] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-766>من كبَّر مكان التلبية فلا بأس عليه</span>\n١٣/ ٧٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: كانَ يهلُّ منَّا المهِلُّ فلا ينكرُ عليهِ، ويكبِّرُ منا المكبِّرُ فلا ينكرُ عليهِ. متفقٌ عليهِ). تقدَّم أن الإهلالَ رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، وأولُ وقتِه منْ حينِ الإحرامِ إلى الشروعِ في الإحلالِ، وهو في الحجِّ إلى أنْ يأخذَ في رمي جمرةِ العقبةِ، وفي العمرة إلى الطواف. ودلَّ الحديث على [أن] (^٥) من كبَّر مكان التلبية فلا نكير عليه بل هوَ سنةٌ لأنهُ يريدُ أنسٌ أنَّهم كانُوا يفعلونَ ذلكَ ورسولُ الله - ﷺ - فيهم، فيقرُّ كلًّا عَلَى ما قالَه، إلَّا أن الحديثَ وردَ في صفةِ غُدُوِّهِم منْ منىً إلى عَرفَاتٍ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ قالَ يقطعُ التلبيةَ بعدَ صبحِ يومِ عرفةَ.\n١٤/ ٧٠٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: بَعَثَني النَّبيُّ - ﷺ - في الثَّقَلِ، أوْ قَالَ في الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْع بِلَيْل. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٨٨٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في النسخة (ب): \"وكبر\".\n(^٣) في النسخة (ب): \"غير\".\n(^٤) البخاري (١٦٥٩)، ومسلم (١٢٨٥).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٢٥٠).\n(^٥) في النسخة (ب): \"أنه\".\n(^٦) البخاري (١٦٧٧)، ومسلم (١٢٩٣). =","vol":"4","page":232},{"text":"(وعن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: بعثني النبيُّ - ﷺ - في الثَّقَلِ) بفتحِ المثلثةِ، وفتحِ القافِ، وهوَ متاعُ المسافرِ كما في النهايةِ (^١)، (أوْ قالَ: في الضعفةِ) شكٌّ منَ الراوي (منْ جَمْع) بفتحِ الجيمِ، وسكونِ الميمِ، علمُ المزدلفةِ؛ سمِّيتْ بهِ لأنَّ آدمَ وحواءَ لما أُهِبطَا اجتمعا بها كما في النهايةِ (^٢)، (بليلٍ). [و] (^٣) قد علمَ أن منَ السنةِ أنهُ لا بدَّ منَ المبيتِ بِجَمْعٍ، وأنهُ لا يفيضُ منْ بَاتَ بها إلَّا بعدَ صلاةِ الفجرِ بها ثم يقفُ في المشعرِ الحرامِ، ولا يدفعُ منهُ إلَّا بعدَ إسفارِ الفجرِ جِدًا، ويدفعُ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ كانتِ الجاهليةُ لا يفيضونَ منْ جَمْع حتَّى تطلعَ الشمسُ ويقولونَ: أشرق ثبيرُ كيما نغيرُ؛ فخالفَهم - ﷺ -. إلَّا أن حديثَ ابن عباسٍ هذا ونحوَه دلَّ على الرخصةِ للضَّعَفَةِ في عدمِ استكمالِ المبيتِ. والنساءُ كالضعفةِ أيضًا لحديثِ أسماء بنتِ أبي بكرٍ (^٤) - ﵄ -: \"أَنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أذِنَ للظُّعُنِ بضمِّ الظاءِ والعينِ المهملةِ، وسكونِها، جمعُ ظعينةٍ وهي المرأةُ في الهودجِ ثمَّ أُطْلِقَ على المرأة [بلا هودج] (^٥)، وعلى الهودجِ بلا امرأةٍ كما في النهاية (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-767>جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر لعذر</span>\n١٥/ ٧٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: اسْتَأَذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ الله - ﷺ - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبْطَةً - تَعْني ثَقِيلَةً - فَأَذِنَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله - ﷺ - ليلةَ المزدلفةِ أنْ تدمْعَ قبلَه، وكانتْ ثَبْطةً) بفتحِ المثلثةِ، وسكونِ الموحدةِ، فسَّرها قولُه: (تعني ثقيلةً\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (١٩٣٩)، والترمذي (٨٩٢)، والنسائي (٥/ ٢٦١ رقم ٣٠٣٤)، وابن ماجه (٣٠٢٥).\n(^١) (١/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(^٢) (١/ ٢٩٦). قلت: ليس في ذلك خبر يثبت. والظاهر أنها سمِّيت بذلك لجميع صلاتي المغرب والعشاء فيها.\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٦٧٩)، ومسلم (١٢٩١).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) (١٥٧/ ٣).\n(^٧) البخاري (١٦٨٠)، ومسلم (١٢٩٠)، قلت: والنسائي (٥/ ٢٦٢).","vol":"4","page":233},{"text":"فَأَذِنَ لها. متفقٌ عليهما) على حديثٍ ابن عباسٍ وعائشةَ. وفيه دليلٌ على جوازِ الدفعِ منْ مزدلفةَ قبلَ الفجرِ ولكنْ للعذرِ كما أفادَه قولُه: \"وكانتْ ثبطةً\".\nوجمهورُ العلماءِ أنهُ يجبُ المبيتُ بمزدلفةَ ويلزمُ منْ تركه دمٌ. وذهب آخرونَ إلى أنهُ سنةٌ إن تركَه فاتتْهُ الفضيلةُ ولا إثمَ عليهِ ولا دمَ، ويبيتُ أكثرَ الليلِ وقيلَ ساعةً منَ النصفِ الثاني، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. والذي فعلَه - ﷺ - المبيتُ بها إلى أنْ صلَّى الفجرَ، وقدْ قالَ: \"خذُوا عني مناسِكَكُم\" (^١).\n١٦/ ٧١٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (^٢)، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [صحيح]\n(وعن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا ترمُوا الجمرةَ حتَّى تطلعَ الشمسُ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وفيهِ انقطاعٌ). وذلكَ لأنَّ فيهِ الحسنَ العرنيَّ، بَجَلِيٌّ كوفيٌّ ثقةٌ، احتجَّ بهِ مسلمٌ، واستشهدَ بهِ البخاريُّ، غيرَ أن حديثَه عن ابن عباسٍ منقطعٌ. قالَ أحمدُ: الحسنُ العُرَنِيُّ لم يسمعْ منِ ابن عباسٍ (^٣). وفيهِ دليلٌ على أن وقتَ رمي جمرةِ العقبةِ منْ بعدِ طلوعِ الشمس، وإنْ كانَ الرامي ممنْ أبيحَ لهُ التقدمُ إلى منَى، وأُذِنَ لهُ في عدمِ المبيتِ بمزدلفةَ. وفي المسْأَلةِ أربعةُ أقوالٍ:\nالأولُ: جوازُ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ، قالهُ أحمدُ والشافعيّ.\n_________\n(^١) تقدَّم تخريجه مرارًا.\n(^٢) أخرجه النسائيُّ (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٠٢٥)، وأحمد (١/ ٢٣٤، ٣١١)، وأبو داود (١٩٤٠).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٩٤٣)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٩/ ١٢٢ رقم ٣٥٠١)، وأبو عبيد في \"غريب الحديث\" (١/ ١٢٨ - ١٢٩)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (١٢٦٩٩) و(١٢٧٠١)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٩/ ١٨١ رقم ٣٨٦٩) وغيرهم من طرق. وهو بهذه الطرق صحيح كما قال ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٦١٧).\n(^٣) الحسن العرني وهو الحسن بن عبد الله، لم يلق ابن عباس بل لم يُدركه، وهو يرسل عنه، صرح بذلك أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم.\nانظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص ٤٦ رقم ١٥٥ و١٥٦)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" للإمام أحمد (١/ ١٤٣ - ١٤٤ رقم ٣١).","vol":"4","page":234},{"text":"الثاني: لا يجوزُ إلَّا بعدَ الفجرِ مطلقًا، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ.\nالثالثُ: لا جوزُ للقادرِ إلَّا بعدَ طلوعِ الفجرِ ولمنْ له عذرٌ بعدَ نصفِ الليلِ، وهوَ قولُ الهادويةِ.\nوالرابعُ: للثوريِّ والنخعيِّ أنهُ منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهذَا أقْوى الأقوالِ دليلًا وأرجحُها قيلًا.\n١٧/ ٧١١ - وعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبيُّ - ﷺ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَت الْجَمَرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ. [ضعيف]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: أرسلَ النبيُّ - ﷺ - بأمِّ سلمةَ ليلةَ النحرِ، فرمتِ الجمرةَ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مضتْ فأفاضتْ. رواهُ أبو داودَ وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ).\nالحديثُ دليلٌ على جوازِ الرمي قبلَ الفجرِ، لأنَّ الظاهرَ أنهُ لا يخْفى عليه - ﷺ - ذلكَ فقرَّرَهُ، وقدْ عارضَه حديثُ ابن عباسٍ، وجُمِعَ بينَهما [بأنهُ لا يجوزُ] (^٢) الرميُ قبلَ الفجرِ لمنْ لهُ عذْرٌ، وكانَ ابنُ عباسٍ لا عذرَ لهُ، وهذَا قولُ الهادويةِ فإنّهم يقولونَ: لا يجوزُ الرميُ للقادرِ إلَّا بعدَ الفجرِ، ويجوزُ لغيرِه منْ بعدِ نصفِ الليلِ، إلَّا أنَّهم أجازُوا للقادرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ ذهبَ الشافعيُّ إلى جوازِ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ. وقالَ آخرونَ: إنهُ [لا رَمْيَ إلَّا] (^٣) منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهوَ الذي يدلُّ لهُ فعلُه - ﷺ -. وقولُه في حديثِ ابن عباسٍ المتقدمِ قريبًا (^٤)، وهوَ وإنْ كانَ فيهِ انقطاعٌ فقدْ عضَّدَه فعلُه معَ قولِه: \"خُذُوا عني\" (^٥) الحديثَ. وقدْ تقدَّمتْ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٩٤٢).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٢٧٢)، ولم يسم المرأة. وهو حديث ضعيف.\n(^٢) في النسخة (أ): \"بجواز\".\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) برقم (١٦/ ٧١٠) من كتابنا هذا، وهو حديث صحيح.\n(^٥) تقدَّم تخريجه مرارًا.","vol":"4","page":235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-768>الوقوف بالمزدلفة وقبلها الوقوف بعرفة</span>\n١٨/ ٧١٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ - فَوَقَفَ مَعَنَا حَتى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضى تَفَثَهُ\". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عروةَ بن مُضَرِّسِ) (^٤) بضمِّ الميمِ، وتشديدِ الراءِ [وكسرها] (^٥)، وبالضادِ المعجمةِ والسينِ المهملةِ، كوفيٌّ شهدَ حجَّةَ الوداعِ، وصدر حديثَه أنهُ قالَ: \"أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - بالموقفِ يعني جَمْعًا فقلتُ: جئتُ يا رسولَ اللَّهِ منْ جبلِ طيِّء فأكلَّتْ مطيتي، وأتعبتُ نفسي، [وفي لفظ: فرسي] (^٦). واللَّهِ ما تركتُ منْ جبلٍ إلَّا وقفتُ عليهِ، فهلْ لي منْ حجٍّ؟ \" ثم ذكرَ الحديثَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: منْ شهدَ صلاتَنا - يعني صلاةَ الفجرِ - هذه يعني بالمزدلفة فوقفَ معنا)، [يعني] (^٧) في مزدلفةَ (حتَّى ندفعَ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ ليلًا أو نهارًا، فقدْ تمَّ حجُّه وقضَى تفثَه. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَة الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ). فيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يتمُّ الحجُّ إلَّا بشهودِ صلاةِ الفجرِ بمزدلفةَ، والوقوفِ بها حتَّى يدفعَ\n_________\n(^١) أبو داود (١٩٥٠)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي (٥/ ٢٦٣)، وابن ماجه (٣٠١٦)، وأحمد (٤/ ٢٦١، ٢٦٢).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٣٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٥٦ رقم ٢٨٢١) و(٤/ ٢٥٥ رقم ٢٨٢٠).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ٢٠٨)، والبيهقي (٥/ ١٧٣)، والحميدي رقم (٩٠٠) و(٩٠١)، وابن الجارود رقم (٤٦٧) والدارمي (٢/ ٥٩)، والدارقطني (٢/ ٢٣٩)، والحاكم (١/ ٤٦٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٣٨٢) (٣٨٦) و(٣٨٧) و(٣٨٨) و(٣٨٩) و(٣٩٠) و(٣٩١) و(٣٩٢) و(٣٩٣) وغيرهم من طرق ..\nوقال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ٢٥٦): وصحَّح هذا الحديث الدارقطني والحاكم والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما. قلت: وصحَّحه المحدث الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٠٦٦).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٣ - ٣٤ رقم ٣٦٥٤).\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).\n(^٧) في النسخة (ب): \"أي\".","vol":"4","page":236},{"text":"الإمامُ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ في ليلٍ أو نهارٍ. ودلَّ على إجزاءِ الوقوفِ بعرفةَ في نهارِ يومِ عرفةَ إذا كان منْ بعدِ الزوالِ، أو في ليلةِ الأضْحى، وأنهُ إذا فعلَ ذلكَ فقدْ قَضَى تفَثَه، وهوَ قضاءُ المناسكِ. وقيلَ: إذهابُ الشعرِ. ومفهومُ الشرطِ أن مَنْ لم يفعلُ ذلكَ لم يتمَّ حجُّه، فأما الوقوفُ بعرفةَ [فإنُه] (^١) مُجْمَعٌ عليهِ، وأما بمزدلفةَ فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يتمُّ الحجُّ وإنْ فاتَ وقوفه بالمزدلفة وصلاته الفجر بها، ويلزمُ فيهِ دمٌ. وذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ إلى أنهُ ركنٌ كعرفةَ، وهذا المفهومُ [دليلُه، ويدلُّ له] (^٢) روايةُ النسائي: \"ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ له\"، وقولُه تعالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (^٣)، وفعلُه - ﷺ -، وقولُه: \"خذُوا عني مناسِكَكُم\" (^٤). وأجابَ الجمهورُ بأنَّ المرادَ منْ حديثٍ عروةَ منْ فعلِ جميعِ ما ذكرَ فقدْ تمَّ حجَّةُ، وأَتَى بالكاملِ منَ الحجِّ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ أحمدُ (^٥)، وأهلُ السننِ (^٦)، وابنُ حِبَّانَ (^٧)، والحاكمُ (^٨)، والدارقطنيُّ (^٩)، والبيهقيُّ (^١٠)،: \"أنهُ أتاهُ - ﷺ - وهوَ واقفٌ بعرفاتٍ ناسٌ منْ أهلِ نجدٍ فقالُوا: كيفَ الحجُّ؟ فقالَ: \"الحجُّ عرفة، منْ جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ منْ ليلةِ جَمْعٍ فقدْ تمَّ حجُّه\"، وفي روايةٍ لأبي داودُ (^١١): \"منْ أدركَ عرفةَ قبلَ أن يطلعَ الفجرُ فقدْ أدركَ الحجَّ\"، ومنْ روايةٍ الدارقطني (^١٢): \"الحجُّ عرفةُ، الحجُّ عرفةُ\". قالُوا: هذا صريحٌ في المرادِ، وأجابُوا عنْ زيادةِ: \"ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ لهُ\"\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"فهو\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"دليل له ويؤيده\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٩٨.\n(^٤) تقدم تخريجه مرارًا.\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠).\n(^٦) أبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وابن ماجه (٣٠١٥).\n(^٧) في \"الموارد\" رقم (١٠٠٩).\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٤٦٣).\n(^٩) في \"السنن\" (٢/ ٢٤٠).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٧٣، ١١٦، ١٥٢، ١٧٣).\nقلت: وأخرجه البغوي رقم (٢٠٠١)، وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٢٠٩ - ٢١٠)، والدارمي (٢/ ٥٩)، والطيالسي رقم (١٣٠٩) و(١٣١٠) وغيرهم. وهو حديث صحيح.\n(^١١) في السنن (١/ ٤٨٦ - ٤٨٧ رقم ١٩٤٩)، وهو حديث صحيح.\n(^١٢) في \"السنن\" (٢/ ٢٤٠ - ٢٤١ رقم ١٩).","vol":"4","page":237},{"text":"باحتمالِها التأويل، أي: فلا حجَّ كاملُ الفضيلةِ، وبأنَّها روايةٌ أنكرَها أبو جعفرٍ العقيلي، وألفَ في إنكارِها جُزءًا، [وعن] (^١) الآيةِ أنَّها لا تدلُّ إلَّا على الأمرِ بالذكرِ عندَ المشعرِ [الحرام، ولا تدل] (^٢) على أنهُ ركنٌ، وبأنهُ فعلَه - ﷺ - بيانًا للواجبِ المستكملِ الفضيلةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-769>وقت الإفاضة من مزدلفة</span>\n١٩/ ٧١٣ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - قالَ: إن المشركينَ كانُوا لا يفيضونَ) أي: منْ مزدلفةَ (حتَّى تطلعَ الشمسُ، ويقولونَ أشرقْ) بفتحِ الهمزةِ، فعلُ أمرٍ منَ الإشراقِ، أي: ادخلْ في الشروقِ، (ثبيرُ) بفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الموحدة، فمثناةٍ تحتية فراءٍ، جبلٌ معروفٌ على يسار الذاهبِ إلى منَى، وهوَ أعظمُ جبالِ مكةَ، (وأنَّ النبيَّ - ﷺ - خالفَهم فأفاضَ قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ. رواهُ البخاريُّ). وفي روايةٍ بزيادةٍ: \"كيما نُغِيرُ\" أخرجَها الإسماعيليُّ، وابنُ ماجهْ (^٤)، وهوَ منَ الإغارةِ الإسراعُ في عدْوِ الفرسِ. وفيهِ أنهُ يشرعُ الدفعُ، وهوَ الإفاضةُ قبلَ شروقِ الشمسِ. وتقدَّم حديثُ جابرٍ (^٥): \"حتَّى أسفرَ جدًّا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-770>استمرار التلبية حتى رمي الجمرة</span>\n٢٠/ ٧١٤ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - ﵃ - قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمىَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"وعلى\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"لا\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٦٨٤).\n(^٤) في \"السنن\" (٣٠٢٢).\n(^٥) الطويل برقم (١/ ٦٩٥) من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٦٨٦، ١٦٨٧).\nقلت: وأخرجه مسلم (١٢٨١)، وأبو داود (١٨١٥)، والترمذي (٩١٨)، والنسائي (٥/ ٢٦٨).","vol":"4","page":238},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ وأسامةَ بن زيدٍ - ﵃ - قَالَا: لم يزلْ رسول الله - ﷺ - يلبِّي حتَّى رَمَىَ جمرةَ العقبةِ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على مشروعيةِ الاستمرارِ في التلبيةِ إلى يومِ النحرِ حتَّى يرمي الجمرةَ. وهلْ يقطعُه عندَ الرمي بأولِ حصاةٍ أو معَ فراغه منْها؟ ذهبَ الجمهورُ إلى الأولِ، وأحمدُ إلى الثاني، ودلَّ لهُ ما رواهُ النسائيُّ (^١): \"فلمْ يزلْ يلبي حتَّى رمَى الجمرةَ، فلما رجَع قطعَ التّلْبِيةَ\"، وما رواهُ أيضًا ابنُ خزيمةَ (^٢) وقالَ: حديثٌ صحيحٌ منْ حديث ابن عباسٍ - ﵁ - عن الفَضلِ أنّه قال: \"أفضْتُ مَعَ رسولِ الله - ﷺ - منْ عرفاتٍ فلم يزلْ يلبي حتَّى رمَى جمرةَ العقبةِ، ويكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ قطعَ التلبيةَ معَ آخرِ حصاةٍ\"، وهوَ يبينُ المرادَ منْ قولِه: \"حتَّى رَمَى جمرةَ العقبةِ\" أي: أتمَّ رميَها. وللعلماءِ خلافٌ متَى يقطعُ التلبيةَ، وهذه الأحاديثُ قد بيَّنتْ وقتَ تركِه - ﷺ - لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها</span>\n٢١/ ٧١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ورَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ - ﵁ - أنهُ جعلَ البيتَ على يسارهِ) عندَ رميهِ جمرةَ العقبةِ، (ومنىً عنْ يمينِه، ورمَى الجمرةَ بسبعِ حصياتٍ، وقالَ: هذا مقامُ الذي أُنزلتْ عليهِ سورةُ البقرةِ. متفقٌ عليهِ). قامَ الإجماعُ على أن هذه الكيفيةَ ليستْ [بواجبة] (^٤)، وإنَّما هي مستحبَّةٌ، وهذَا قاله ابنُ مسعودٍ ردًا على مَنْ يرميْها منْ فوقِها، واتفقُوا أن سائرَ الجمارِ تُرْمَى من فوقِها، وخصَّ سورةَ البقرةِ بالذكرِ لأنَّ غالبَ أعمالِ الحجِّ مذكورةٌ فيها، أوْ لأنَّها اشتملتْ على أكثرِ أمورِ الدياناتِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٥/ ٢٦٨ رقم ٣٠٥٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٨٢ رقم ٢٨٨٧) بسند صحيح.\n(^٣) البخاري (١٧٤٨)، ومسلم (٣٠٧/ ١٢٩٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٧٤)، والترمذي (٩٠١)، والنسائي (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(^٤) في النسخة (أ): \"واجبة\".","vol":"4","page":239},{"text":"والمعاملاتِ، وفيهِ جوازُ أنْ يقالَ سورةُ البقرةِ خلافًا لمنْ قال يكرهُ ولا دليلَ لهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-772>وقت رمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس</span>\n٢٢/ ٧١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: رَمَى رَسُولُ الله - ﷺ - الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: رَمَى رسول اللَّهِ - ﷺ - الجمرةَ يومَ النحرِ ضُحَى، وأما بعدَ ذلكَ فإذا زالتِ الشمسُ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ على وقتِ رمي جمرةِ العقبةِ، والحديثُ دليلٌ على أن وقتَ رمي الثلاثة الجمارِ منْ بعدِ زوالِ الشمسِ وهوَ قولُ جماهيرِ العلماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-773>هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها والدعاء عندها</span>\n٢٣/ ٧١٧ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي الْوُسْطى، ثُمَّ يَأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أنهُ كان يرمي الجمرةَ الدُّنيا)، بضمِّ الدالِ وبكسرِها، أي: [الدانية] (^٣) إلى مسجد الخيفِ، وهي أولُ الجمراتِ التي تُرْمَى ثاني [يوم] (^٤) النحرِ (بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ على أثرِ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدمُ ثمَّ يسْهلُ) بضمِّ حرفِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣١٤/ ١٢٩٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٧١)، والترمذي (٨٩٤)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٥٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٧٥١).\nقلت: وأخرجه النسائي (٥/ ٢٧٦).\n(^٣) في النسخة (أ): \"الدنية\".\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":240},{"text":"المضارعةِ، وسكون المهملةِ، أي: [يقصدُ] (^١) السهلَ منَ الأرض، (فيقومُ فيستقبلُ القبلةَ [ثمّ يدعوُ] (^٢) ويرفعُ يدِيْه [ويقومُ طويلًا] (^٣)، ثمَّ يرمي الوسطى، ثمَّ يأخذُ ذاتَ الشمالِ) أي: يمشي إلى جهةِ شمالِه ليقفَ داعيًا في مقامٍ لا يصيبُه الرميُ، (فيُسهلُ ويقومُ مستقبلَ القبلةِ ثمَّ يدعو ويرفعُ يديهِ ويقومُ طويلًا، ثمَ يرمي جمرةَ ذاتِ العقبةِ منْ بطنِ الوادي ولا يقفُ عندَها، ثمَّ ينصرفُ فيقولُ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يفعلُه. رواهُ البخاريُّ). فيهِ ما قدْ دلَّتْ عليهِ الأدلةُ الماضيةُ منَ الرمي بسبعِ حصياتٍ لكلِّ جمرةٍ والتكبيرُ عندَ كلِّ حصاةٍ. وفيه زيادةُ أنه يستقبلُ القبلةَ بعدَ الرمي للجمرتين ويقومُ طويلًا يدعو اللَّهَ تعالى. وقد فسَّرَ مقدارَ القيامِ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) بإسنادٍ صحيح: \"أن ابنَ عمرَ كانَ يقومُ عندَ الجمرتينِ بمقدارِ ما يقرأُ سورةَ البقرةِ، وأنهُ يرفع يديْهِ عندَ الدعاءِ\"، قالَ ابنُ قدامةَ: ولا نعلمُ في ذلكَ خلافًا إلَّا ما يُرْوَى عنْ مالكٍ: لا أنهُ لا يرفعُ يديْهِ عند الدعاءِ\". وحديثُ ابن عمرَ دليل لخلافِ ما قالَ مالكٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-774>الحلق أفضل من التقصير</span>\n٢٤/ ٧١٨ - وَعَنْهُ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"اللَّهُمّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقينَ\"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ في الثَّالِثَةِ: \"وَالْمُقَصِّرِينَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: اللهمَّ ارحمِ المحلِّقينَ) أي: الذينَ حلقُوا رؤوسَهم في حجٍّ أو عمرةٍ عندَ الإحلالِ [منْها] (^٦)، (قالُوا) يعني السَّامعينَ منَ الصحابةِ. قالَ المصنفُ في الفتحِ (^٧): إنهُ لم يقفْ في شيءٍ منَ الطرقِ على [اسم] (^٨) الذي تولَّى السؤالَ بعدَ البحثِ الشديدِ عنهُ، (والمقصِّرينَ)\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"يطلب\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"فيقوم طويلًا فيدعو\".\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٥٨٤) وقال: إسناد صحيح.\n(^٥) البخاري (١٧٢٧)، ومسلم (١٣٠١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٧٩)، والترمذي (٩١٣)، ومالك في الموطأ (١/ ٣٩٥ رقم ١٨٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٧/ ٢٠٢ رقم ١٩٦١).\n(^٦) في \"النسخة\" (أ): \"منهما\".\n(^٧) (٣/ ٥٦٢).\n(^٨) زيادة من النسخة (أ): وهي غير موجودة في \"فتح الباري\".","vol":"4","page":241},{"text":"هوَ منْ عطفِ التلقينِ كما في قولهِ تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ (^١) على أحدِ الوجهينِ في الآيةِ كأنهُ قيلَ: وارحمِ المقصِّرينَ (يا رسولَ اللَّهِ، قالَ في الثالثةِ: والمقصرينَ. متفقٌ عليهِ). وظاهرهُ أنهُ دعا للمحلِّقينَ مرتينِ، وعطفَ المقصِّرينَ في الثالثةِ، وفي رواياتٍ أنهُ دعا للمحلِّقينَ ثلاثًا ثمَّ عطفَ المقصِّرينَ، ثمَّ إنهُ اختُلِفَ في هذا الدعاءِ متى كانَ منهُ - ﷺ -، فقيلَ في عمرةِ الحديبيةِ وجزمَ بهِ إمامُ الحرمينِ، وقيلَ في حجَّةِ الوداعِ وقوَّاهُ النوويُّ (^٢)، وقالَ: هوَ الصحيحُ المشهورُ. وقالَ القاضي عياضُ: كان في الموضعينِ. قالَ النوويُّ: ولا يبعدُ ذلكَ، وبمثلِه قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٣). قالَ المصنفُ (^٤): وهذا هوَ المتعينُ لتضافرِ الرواياتِ بذلكَ.\nوالحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الحلقِ والتقصيرِ، وأنَّ الحلقَ أفضلُ. هذا ويجبُ في حلقِ الرأسِ استكمالُ حلْقه عندَ الهادوية (^٥)، ومالكِ (^٦)، وأحمدَ (^٧)، وقيلَ: هوَ الأفضلُ، ويجزئُ الأقلُّ فقيلَ الرُّبُعُ، وقيلَ النصفُ، وقيلَ أقلُّ ما يجبُ حلقُ ثلاثِ شعراتٍ، وقيلَ شعرةٌ واحدةٌ، والخلافُ في التقصير في التفضيل مثلُ هذا، وأما مقدارُه فيكونُ [مقداره قدر أنْمُلة] (^٨)، وقيلَ: إذا اقتصرَ على دونِها أجزأَ، وهذا كلُّه في حقِّ الرجالِ، ثمَّ هو [أيضًا] (^٩) أيْ: تفضيلُ الحلْقِ على التقصيرِ أيضًا في حقِّ الحاجِّ والمعتمرِ، وأما المتمتعُ فإنهُ - ﷺ - خيَّرهُ بينَ الحلقِ والتقصيرِ كما في روايةٍ البخاريِّ بلفظِ: \"ثمَّ يحلقُوا أو يقصِّروا\". وظاهرُ الحديثِ استواءُ الأمرينِ في حقِّ المتمتعِ، وفصَّلَ المصنفُ في الفتح فقالَ: إنْ كانَ [بحيثُ يطلعُ] (^١٠) شعْرُه فالأوْلى لهُ الحلقُ وإلَّا فالتقصيرُ، ليقعَ الحلقُ في الحجِّ وبيَّنَ وجْهَ التفصيلِ في الفتح. وأما النساءُ فالمشروعُ في حقِّهنَّ التقصيرُ إجماعًا. وأخرجَ أبو داوَدَ (^١١) منْ حديثٍ ابن عباسٍ: \"ليسَ على النساءِ حلقٌ، وإنَّما على النساءِ التقصيرُ\".\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٢٦.\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٥٠).\n(^٣) في كتابه: \"إحكام الأحكام\" (٣/ ٨٤).\n(^٤) في \"الفتح\" (٣/ ٥٦٤).\n(^٥) انظر: \"التاج المذهب\" (١/ ٢٩٩).\n(^٦) انظر: \"قوانين الأحكام\" (ص ١٥٣).\n(^٧) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤) تحقيق: التركي والحلو.\n(^٨) في النسخة (ب): \"مقدار أنملة\".\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في النسخة (أ): \"حيث. تطلع\".\n(^١١) في \"السنن\" (١٩٨٤) ورقم (١٩٨٥)، وهو حديث صحيح.","vol":"4","page":242},{"text":"وأخرجَ الترمذيُّ (^١) منْ حديثٍ عليٍّ - ﵇ -: \"نَهَى أنْ تحلقَ المرأةُ رأسَها\"، وهلْ يجزئُ لو حلقتْ؟ قالَ بعضُ الشافعيةِ: يجزئُ ويكرهُ لها ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>تقديم الحلق أو الرمي على النحر</span>\n٢٥/ ٧١٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَقَفَ في حَجّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: \"اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ\"، وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: \"ارْمِ وَلَا حَرَجَ\"؛ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: \"افْعَلْ وَلَا حَرَجَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - وقفَ في حجةِ الوداعِ) أي: يومَ النحرِ بعدَ الزوالِ، وهوَ على راحلتهِ يخطبُ عندَ الجمرةِ؛ (فجعلُوا يسألونُه فقالَ رجلٌ) قالَ المصنفُ (^٣) - ﵀ -: لم أقفْ على اسمِه بعدَ البحثِ الشديدِ: (لم أشعرْ) أي: لم أفطنْ ولم أعلمْ، (فحلقتُ قبلَ أن أذبحَ قالَ: اذبحْ) أي: الهديَ، والذبحُ ما يكونُ في الحلقِ (ولا حرجَ) [أي] (^٤) لا إثمَ، (وجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعرْ فنحرتُ)، النحرُ ما يكونُ في اللبةِ (قبلَ أنْ أرميَ) جمرةَ العقبةِ (قالَ: ارمِ ولا حرجَ، فما سُئِلَ يومئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قالَ افعلْ ولا حرجَ. متفق عليه). اعلمْ أنَّ الوظائفَ على الحاجِّ يومَ النحرِ أربعٌ: الرميُ لجمرةِ العقبةِ، ثمَّ نحرُ الهدي أو ذبحُه، ثمَّ الحلقُ أو التقصيرُ، ثمَّ طوافُ الإفَاضَةِ، هذا هوَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٩١٤) وقال: حديث علي فيه اضطراب. وروى هذا الحديثُ عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - نهى أن تحلق المرأة رأسها\". والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون على المرأة حلقًا، ويرون عليها التقصير.\nوالخلاصة: حديث علي ضعيف.\n(^٢) البخاري (١٧٣٦)، ومسلم (١٣٠٦).\nقلت: أخرجه أبو داود (٢٠١٤)، والترمذي (٩١٦)، وأحمد (٢/ ١٥٩)، وابن ماجه (٣٠٥٢)، ومالك (١/ ٤٢١ رقم ٢٤٢)، وابن الجارود رقم (٤٨٧).\n(^٣) في \"فتح الباري\" (٣/ ٥٧٠).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"4","page":243},{"text":"الترتيبُ المشروعُ فيها، وهكذَا فعلَ - ﷺ - في [حجتهِ] (^١)، ففي الصحيحينِ (^٢): \"أنهُ - ﷺ - أتى مِنَى، فأتَى الجمرةَ فرماها، ثمَّ أتَى منزلَه بمنَى فنحرَ وقالَ للحالقِ: خذْ\"، ولا نزاعَ في هذا للحاجِّ مطلقًا، ونازعَ بعضُ الفقهاءِ في القارنِ فقالَ: لا يحلقُ حتَّى يطوفَ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ تقديمُ بعضِ هذهِ الأشياءِ وتأخيرُها، وأنهُ لا ضيقَ ولا إثمَ على مَنْ قدَّمَ أو أخَّرَ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهبَ الشافعيُّ وجمهورُ السلفِ، وفقهاءُ أصحابِ الحديثِ، والعلماءُ إلى الجوازِ، وأنهُ لا يجبُ الدمُ على مَنْ فعلَ ذلكَ لقوله للسائلِ: \"ولا حرجَ\"، فإنهُ ظاهرٌ في نفي الإثمِ والفديةِ معًا، لأنَّ اسمَ الضيقِ [يشملُها] (^٣).\nقالَ الطبريُّ: لم يُسقِطِ النبيُّ - ﷺ - الحرجَ إلَّا وقدّ أجزأَ الفعلُ، إذْ لو لم يجزئْه لأمرَهُ بالإعادةِ، لأنَّ الجهلَ والنسيانَ لا يضعانِ عن المكلَّفِ الحكمَ الذي يلزمُه في الحجِّ كما لو تركَ الرميَ ونحوَه، فإنهُ لا يأثمُ بتركهِ ناسيًا أو جاهلًا، لكنْ يجبُ عليهِ الإعادةُ. وأما الفديةُ فالأظهرُ سقوطُها عن الناسي والجاهلِ، وعدمُ سقوطِها عن العالم، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٤): القولُ بسقوطِ الدمِ عن الجاهلِ والناسي دونَ العامدِ قويٌّ منْ جهةِ أن الدليلَ دلَّ على وجوبِ اتباعِ أفعالِ النبيِّ - ﷺ - في الحجِّ بقولهِ: \"خُذُوا عني مناسِكَكم\" (^٥). وهذه السؤالاتُ المرخصةُ بالتقديمِ لما وقعَ السؤالُ عنهُ إنَّما قرنتْ بقولِ السائلِ: \"لم أشعرْ\"؛ فيختصُّ الحكمُ بهذهِ الحالةِ، ويحملُ قولُه: \"لا حرجَ\" على نفي الإثمِ والدمِ معًا في الناسي والجاهلِ، ويبقى العامدُ على أصلِ وجوب اتباعِ الرسولِ - ﷺ - في الحجِّ. والقائلُ بالتفرقةِ بينَ العامدِ وغيْرهِ قدْ مشَىَ أيضًا على القاعدةِ في أن الحكمَ إذا رُتِّبَ على وصفٍ يمكنُ بأنْ يكونَ معتبرًا لم يجز اطِّراحُه، ولا شكَّ أن عدمَ الشعورِ وصفٌ مناسبٌ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"حجه\".\n(^٢) أخرجه مسلم (١٣٠٥)، وأبو داود (١٩٨١)، والترمذي (٩١٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) في النسخة (أ): \"يشملهما\".\n(^٤) في كتابه \"إحكام الأحكام\" (٣/ ٧٩).\n(^٥) تقدَّم تخريجه مرارًا.","vol":"4","page":244},{"text":"لعدمِ التكليفِ والمؤاخذةِ، والحُكمُ عُلِّقَ بهِ فلا يمكنُ اطِّراحُه بإلحاقِ العامدِ بِه، إذْ لا يساويهِ.\nقال: وأما التمسكُ بقولِ الراوي: \"فما سُئِلَ عنْ شيءٍ\" إلى آخرِه لإشعارهِ بأنَّ الترتيبَ مُطلقًا غيرُ مراعَى، فجوابُه أن [هذي الأخبارَ] (^١) منَ الراوي تتعلقُ بما وقعَ السؤالُ عنهُ وهوَ مطلقٌ بالنسبةِ إلى حالِ السائلِ، والمطلقُ لا يدلُّ على أحدِ الخاصينِ بعينه فلا تبقَى حجةٌ في حالِ العمدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-776>تقديم النحر على الحلق</span>\n٢٦/ ٧٢٠ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ المِسورِ) (^٣) بِكَسرِ الميمِ، وسكونِ المهملةِ، وفتحِ الواوِ، فراءٍ (ابن مخرمةَ - ﵁ -) بفتحِ الميمِ، وسكونِ الخاءِ المعجمةِ، وفتحِ الراءِ، زهريٌّ قرشيٌّ، ماتَ النبيُّ - ﷺ - وهوَ ابنُ ثماني سِنِين وسمعَ منهُ وحفظَ عنهُ، انتقلَ منَ المدينةِ بعدَ قتلِ عثمانَ إلى مكةَ، ولم يزلْ بها إلى أنْ حاصرَها عسكرُ يزيدَ، فقتلَه حجرٌ من حجارِ المنجنيقِ، وهوَ يصلِّي في أولِ سنةِ أربعٍ وستينَ، وكانَ من أهل الفضلِ والدينِ، (أنَّ رسولَ الله - ﷺ - لنحرَ قبلَ أنْ يحلقَ، وأمرَ أصحابَه بذلكَ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على تقديم النحرِ قبلَ الحلقِ. وتقدَّمَ قريبًا أن المشروعَ [تقديمُ الحلقِ قبلَ الذبحِ، فقيل:] (^٤) حديثُ المسورِ هذا إنَّما هو إخبارٌ عنْ فعلِه - ﷺ - في عمرْةِ الحديبيةِ حيثُ أُحصِرَ فتحلَّلَ - ﷺ - بالذبحِ. وقدْ بوَّبَ عليهِ البخاريُّ (بابُ النحرِ قبلَ الحلقِ في الحصر) (^٥)، وأشارَ البخاريُّ إلى أن هذَا الترتيبَ يختصُّ بالمحصرِ على جهةِ الوجوبِ؛ [فإنهُ] (^٦) أخرجَهُ بمعناهُ هذا، وقدْ أخرجَهُ بطولِه في كتابه\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"هذا الإخبار\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٨١١).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٥٨)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٤/ ٩٤) و\"العقد الثمين\" (٧/ ١٩٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٣٧).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) رقم الباب (٣)، (٤/ ١٠).\n(^٦) في النسخة (أ): \"وقد\".","vol":"4","page":245},{"text":"الشروطِ (^١)، وفيهِ: \"أنهُ قالَ لأصحابِه: قومُوا فانحرُوا ثم احلُقوا\"، وفيهِ قولُ أمِّ سلمةَ لهُ - ﷺ -: \"اخرجْ ثمَّ لا تكلِّمْ أحدًا منْهم كلمةً حتَّى تنحرَ بُدنَك، فخرجَ فنحرَ بُدنَه، ثمَّ دعا حالقَه فحلقَه\"، الحديثَ. وكانَ الأحسنُ تأخيرَ المصنفِ لهُ إلى بابِ الإحصار.\n\n<span data-type='title' id=toc-777>رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرَّم على المحرِم إلا النساء</span>\n٢٧/ ٧٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكلُّ شَيءٍ إِلَّا النِّسَاءَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وأَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا رمَيتمْ وحلقتمْ فقدْ حلَّ لكمُ الطِّيبُ وكلُّ شيءٍ إلَّا النساءَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وفي إسنادِه ضعفٌ)؛ لأنهُ منْ روايةِ الحجاجِ بن أرطاةَ (^٤)، ولهُ طرقٌ أُخَرُ مدارُها عليهِ، وهوَ يدلُّ على أنهُ بمجموعِ الأمرينِ رميُ جمرةِ العقبةِ والحلقُ يحلُّ كلُّ محرمٍ على المحرمِ إلَّا النساءَ، فلا يحلُّ وطؤُهنَّ إلَّا بعدَ طوافِ الإفاضةِ، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ على حلِّ الطيبِ وغيرِه إلا الوَطْءَ بعدَ الرمي وإنْ لمْ يحلقْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-778>على النساء التقصير وليس الحلق</span>\n٢٨/ ٧٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ\n_________\n(^١) رقم (٢٥٨١/ ٢٥٨٢) بترتيب البغا.\n(^٢) في \"المسند\" (١٢/ ١٨٦ - الفتح الرباني).\n(^٣) في \"السنن\" (١٩٧٨) وقال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهري ولم يسمع منه.\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٣٠٢ رقم ٢٩٣٧).\nوالحديث صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\". قلت: لعله صحَّحه بشاهد من حديث ابن عباس. وانظر. \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٦٠).\n(^٤) ضعيف تقدَّم الكلام عليه مرارًا.","vol":"4","page":246},{"text":"حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: ليسَ على النساءِ حلْقٌ وإنَّما يقصِّرْنَ. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنن). تقدَّمَ ذكرُ هذا الحكم في الشرحِ، وأنهُ ليسَ في حقِّهنَّ الحلقُ فإنْ حلقْنَ أجزأ.\n\n<span data-type='title' id=toc-779>المبيت بمنى ليالي النحر واجب إلَّا لعذر</span>\n٢٩/ ٧٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أنَّ الْعَبَّاسَ بنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأَذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ - ﵁ - استأذنَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يبيتَ بمكةَ ليالي مِنَى منْ أجلِ سقايتهِ)، وهي ماءُ زمزمَ؛ فإنَّهم كانُوا يغترفونَه بالليلِ، ويجعلونَه في الحياضِ سبيلًا، (فَأَذِنَ لهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجبُ المبيتُ بمنَى ليلةَ ثاني النحرِ، وثالثِهِ إلَّا منْ لَهُ عذرٌ، [ولهذا] (^٣) يُرَوى عنْ أحمدَ (^٤). والحنفيةُ قالتْ: إنهُ سنةٌ. قيلَ: إنهُ يختصُّ هذَا الحكمُ بالعباسِ دونَ غيرِه. وقيلَ: بلْ وبمنْ يحتاجُ إليهِ في سقايتهِ وهوَ الأظهرُ، لأنهُ لا يتمُّ له وحدَه إعدادُ الماءِ للشاربينَ، وهل يختصُّ بالماءِ أوْ يلحقُ بهِ ما في معناهُ منَ الأكلِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١٩٨٤، ١٩٨٥).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٦٤)، والدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٢٧١ رقم ١٦٥، ١٦٦) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٢٥٠ رقم ١٣٠١٨)، والبيهقي (٥/ ١٠٤). وصحَّحه أبو حاتم في \"العلل\" (٢/ ٢٨١ رقم ٨٣٤)، وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٦١ رقم ١٠٥٨): \" … وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في \"العلل\"، والبخاري في \"التاريخ\".\nوأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب\".\nوخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) البخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٩٥٩)، وابن ماجه (٣٠٦٥)، والدارمي (٢/ ٧٥)، وأحمد (٢/ ١٩، ٢٢، ٢٨، ٨٨).\n(^٣) في النسخة (ب): \"وهذا\".\n(^٤) انظر: \"المغني\" تحقيق: التركي، والحلو (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٦ رقم ٦٥٥).","vol":"4","page":247},{"text":"وغيرِه، وكذَا حفظُ مالِه، وعلاجُ مريضِه، وهذَا الإلحاقُ رأيُ الشافعيِّ ويدلُّ للإلحاق الحديثُ:\n٣٠/ ٧٢٤ - وَعَنْ عَاصِمِ بن عَدِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١)، وَصحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَابْنُ حِبّانَ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-780>ترجمة عاصم بن عدي</span>\nوهوَ قولُه: (وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ - ﵁ -) (^٤) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ أو عمرُ أو عمرُو حَليفُ بني عُبيدِ بن زيدٍ منْ بني عمرِو بن عوفٍ منَ الأنصارِ شهدَ بَدْرًا والمشاهدَ بعدَها، وقيل: لم يشهدْ بدرًا وإنَّما خرجَ إليها معَهُ - ﷺ - فردَّه إلى أهلِ مسجدِ الضرارِ لشيءٍ بلغَهُ عنْهم، وضربَ لهُ سهمَه وأجْرَهُ، فكانَ كمنْ شهدَها، ماتَ سنةَ خمسٍ وأربعينَ، وقيلَ: استُشْهِدَ يومَ اليمامةِ وقدْ بلغَ مائةً وعشرينَ سنةً، (أن النبيَّ - ﷺ - رخَّص لرعاءِ الابلِ في البيتوتةِ عنْ مِنَى يرمونَ يومَ النَّحرِ) جمرةَ العقبةِ، ثمَّ ينفرونَ ولا يبيتونَ بِمنَى، (ثُمَّ يَرْفونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، ليومينِ) أي: يرمونَ اليومَ الثالثَ لذلكَ اليومِ ولليومِ الذي فاتَهم الرميُ فيه، وهوَ اليومُ الثاني، (ثمَّ يرمونَ يومَ النفرِ) أي: اليومُ الرابعُ إنْ لم يتعجَّلُوا (رواهُ الخمسة، وصحَّحه، الترمذيُّ، وابنُ حبانَ)، فإنَّ فيه دليلًا على أنهُ يجوزُ [لأهل] (^٥) الأعذارِ عدمُ المبيتِ بمنَى، وأنهُ غيرُ خاصٍّ بالعباسِ، ولا بسقايتهِ، وأنهُ لو أحدثَ أحدٌ سقايةً جازَ له ما جازَ لأهلِ سقايةِ زمزمَ.\n_________\n(^١) أحمد (٥/ ٤٥٠)، وأبو داود (١٩٧٥)، والترمذي (٩٥٥)، والنسائي (٥/ ٢٧٣) وفي \"الكبرى\" كما في \"التحفة\" (٤/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٣٠٣٧).\nقلت: وأخرجه مالك (١/ ٤٠٨)، والدارمي (٢/ ٦١ - ٦٢)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٧٧)، تعليقًا وابن خزيمة رقم (٢٩٧٥) و(٢٩٧٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\"، رقم (٤٧٨)، والحاكم (١/ ٤٧٨)، والبيهقي (٥/ ١٥٠)، والبغوي رقم (١٩٧٠) وغيرهم.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٩٠).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٩/ ٢٠٠ رقم ٣٨٨٨) بإسناد صحيح.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ١١٤ رقم ٢٦٧٠).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"4","page":248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-781>خطبة يوم النحر من غير صلاه عيد</span>\n٣١/ ٧٢٥ - وَعَنْ أَبِي بَكرَةَ - ﵁ - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ. الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي بكرةَ - ﵁ - قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يومَ النحرِ [الحديث] (^٢) متفقٌ عليهِ). فيهِ شرعيةُ الخطبةِ يومَ النحرِ، وليستْ خطبةَ العيد، فإنهُ - ﷺ - لم يصلِّ العيدَ في [حجتهِ] (^٣)، ولا خطبَ خطبتَهُ. واعلمْ أن الخُطَبَ [المشروعة] (^٤) في الحجِّ ثلاثٌ عندَ المالكيةِ والحنفيةِ: الأولى سابعَ ذي الحجةِ، والثانيةُ يومَ عرفةَ، والثالثةُ ثاني [يوم] (^٥) النحرِ، وزادَ الشافعيُّ رابعةً هي يومِ النحرِ، وجعلَ الثالثةَ في ثالثِ النحرِ لا في [ثانية] (^٦).\nقالَ: لأنهُ أولُ النفرِ. وقالتِ المالكيةُ والحنفيةُ: إنَّ خطبةَ يومِ النحرِ لا تعدُّ خطبةً إنما هي وصايا عامةٌ لا أنَّها مشروعةٌ في الحجِّ، وردَّ عليهم بأنَّ الصحابةَ سمُّوها خطبةً، [ولأنها] (^٧) اشتملتْ على مقاصدِ الخطبةِ كما أفادهُ لفظُها وهو قولُه: \"أتدرونَ أيّ يومَ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ يومَ النحرِ؟ قلنا: بَلَى، قالَ: أيُّ شهرٍ هذَا؟ قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ [ذي] (^٨) الحجةِ؟ قلْنا: بلَى، قالَ: أيُّ بلدٍ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ البلدةَ الحرامَ؟ قلْنا: بَلَى، قالَ: فإنَّ دماءَكم وأموالكم حرامٌ عليكمْ كحرمةِ يومكِمْ هَذا، في شهرِكم هذَا، في بلدِكمْ هذَا، إلى يومِ تلقونَ ربَّكم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ قالُوا: نعمْ، قالَ: اللهمَّ اشهدْ فليبلغِ الشاهدُ الغائبَ، فربَّ مُبَلَّغ أَوْعَى منْ سامعٍ، فلا ترجعُوا بعدي كفارًا؛ يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ\"، أخرجَه البخاريُّ. فاشتملَ الحديثُ على تعظيمِ\n_________\n(^١) البخاري (١٧٤١)، ومسلم (٣١/ ١٦٧٩).\n(^٢) زيادة من النسخة (أ).\n(^٣) في النسخة (أ): \"حجه\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"المشروعات\".\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في النسخة (ب): \"الثانية\".\n(^٧) في النسخة (ب): \"وبأنها\".\n(^٨) في النسخة (أ): \"ذا\".","vol":"4","page":249},{"text":"البلدِ الحرامِ، ويومِ النحرِ، وشهرِ ذي الحجةِ، والنَّهي عن الدماءِ والأموالِ، والنَّهي عنْ رجوعِهم كفارًا، وعنْ [قتال] (^١) بعضهم بعضًا، والأمرِ بالإبلاغِ عنهُ. وهذهِ منْ مقاصدِ الخطبِ. ويدلُّ علَى شرعيةِ خُطبةِ ثاني يومِ النحرِ.\n٣٢/ ٧٢٦ - وَعَنْ سَرّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ - ﵂ - قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يوْمَ الرُّؤوسِ فقَالَ: \"أَلَيسَ هذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ \" الْحَدِيثَ. رَوًاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٢). [ضعيف]\n(وعنْ سرَّاءَ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ الراءِ ممدود (بنتِ نبهانَ) بفتحِ النونِ، وسكونِ الموحدةِ (قالتْ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يومَ الرؤوسِ فقالَ: أليسَ هذَا أوسطَ أيامِ التشريقِ؟ الحديثَ، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ). وهذهِ هي الخطبةُ الرابعةُ. ويومُ الرؤوسِ ثاني يومِ النحرِ بالاتفاقِ. وقولُه: \"أوسط أيام التشريقِ\" يحتملُ أفضلَها، ويحتملُ [أوسطها] (^٣) بينَ الطرفينِ. [وعليه ففيه] (^٤) دليلٌ [على] (^٥) أن يومَ النحرِ منْها، ولفظُ حديثٍ السَّرَاءِ قالتْ: \"سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: أتدرونَ أيَّ يومٍ هذَا؟ قالتْ: وهوَ اليومُ الذي يدعونَه يومَ الرؤوسِ، قالُوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قالَ: هذا أوسط أيام التشريق.\nقال: أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذَا المشعرُ الحرامُ، قالَ: إني لا أدري لعلي لا ألقاكمْ بعدَ عامي هذَا، ألا وإنَّ دماءَكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكمْ حرامٌ كحرمةِ بلدِكم هذا، [في عامكم هذا] (^٦) حتَّى تلقونَ ربَّكم فيسألُكم عنْ أعمالِكم، ألا فليبلِّغْ أدنَاكُم أقصاكُم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ فلما قدِمْنَا المدينةَ لم يلبثْ إلَّا قليلًا - ﷺ - حتَّى مَاتَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-782>يكفي القارن طواف وسعي واحد لحجِّه وعُمرته</span>\n٣٣/ ٧٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"طَوَافُكِ بِالبَيْتِ وَسَعْيُكِ\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"قتالهم\".\n(^٢) في \"السنن\" (١٩٥٣)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في النسخة (ب): \"الأوسط\".\n(^٤) في النسخة (ب): \"وفيه\".\n(^٥) زيادة من النسخة (ب).\n(^٦) زيادة من النسخة (أ).","vol":"4","page":250},{"text":"بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ لها: طوافُك بالبيتِ وبينَ الصفَا والمروةِ يكفيكِ لحجِّك وعمرتِكِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أن القارنَ يكفيهِ طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ للحجِّ والعمرةِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الصحابة، والشافعيُّ وغيرُه. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا بدَّ منْ طوافينِ وسعيين؛ فالأحاديثُ متواردةٌ علَى معنَى حديثٍ عائشةَ عن ابن عمرَ وجابرٍ وغيرِهما. واستدلَّ مَنْ قالَ بالطوافينِ بقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢)، ولا دليلَ في ذلك؛ فإنَّ التمامَ حاصلٌ وإنْ لم يطفْ إلَّا طوافًا واحدًا، وقد اكتفىَ - ﷺ - بطوافٍ وسعي واحدٍ، وكانَ قارنًا كما هوَ الحقُّ، واستدلُّوا أيضًا بحديثٍ رواهُ زيادُ بنُ مالكٍ، قالَ في الميزانِ (^٣): \"زيادُ بنُ مالكٍ، عن ابن مسعودٍ: ليسَ بحجةٍ، وقالَ البخاريُّ: لا يُعْرَفُ لهُ سماعٌ منْ عبدِ اللَّهِ، وعنهُ رَوَى حديثَ: \"القارنُ يطوفُ طوافَينِ ويسعى سَعْيَيْنِ\". واعلمْ أن عائشةَ كانتْ قدْ أهلَّتْ بعمرةٍ ولكنَّها حاضتْ فقالَ لها رسولُ الله - ﷺ -: \"ارفضي عمرتَك\"، قالَ النوويُّ: معنَى رفضِها إيَّاها رفضُ العملِ فيها، وإتمامُ أعمالِها التي هي الطوافُ والسعيُ، وتقصيرُ شعرِ الرأسِ؛ فأمرَها - ﷺ - بالإعراضِ عنْ أفعالِ العمرةِ، وأنْ تحرِمَ بالحجِّ فتصيرُ قارنةً، وتقفُ بعرفاتٍ، وتفعلُ المناسكَ كلَّها إلَّا الطوافَ فتؤخرُّه حتَّى تطهرَ. ومنْ أدلةِ أنَّها صارتْ قارنةً قولُه - ﷺ -[لها] (^٤): \"طوافُكِ بالبيتِ\" الحديثَ؛ فإنهُ صريحٌ أنَّها كانتْ متلبسةً بحجٍّ وعمرةٍ، ويتعيَّنُ تأويلُ قولِه - ﷺ -: \"ارفضي عمرتَكِ\" بما ذكرهُ النوويُّ، فليسَ معنَى [ارفضي] (^٥)\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٣٣/ ١٢١٢) عنها بلفظ: \"يُجزئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بالصَفَا والمروةِ، عن حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ\"، وهو حديث صحيح.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٧٣)، وأبو داود (١٨٩٧) بسند حسن. والشافعي في \"بدائع المنن\" (١/ ٣٦٣ رقم ١٠٥٧)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ٩٩) كلهم بلفظ: \"طوفكِ بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك\".\nوانظر: \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢/ ٢٩٤ رقم ٨٨٠).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٣) أي: \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٢/ ٩٣ رقم ٢٩٦٠).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) في النسخة (أ): \"رفض\".","vol":"4","page":251},{"text":"العمرةَ الخروجَ منْها وإبطالُها بالكلية؛ فإنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يصحُّ الخروجَ منْهما بعدَ الإحرامِ بهما بنيةِ الخروجِ، وإنَّما يصحُّ بالتحلُّلِ منْهما بعدَ فراغِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-783>لَمْ يرمل السبع الذي أفاض فيه</span>\n٣٤/ ٧٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١) إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - لمْ يرملْ في السبعِ الذي أفاضَ فيهِ. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، [وصحَّحَهُ الحاكمُ] (^٣). فيهِ دليلٌ [على] (^٤) أنهُ لا يشرعُ الرملُ الذي سلفتْ مشروعيتُه في طوافِ القدومِ في طوافِ الزيارةِ وعليه الجمهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-784>هل النزول بالمحصَّب من النسك</span>\n٣٥/ ٧٢٩ - وَعنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - صلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ثمَّ رقدَ رقدةً بالمحصَّبِ)، بالمهملتين فموحَّدَةٍ بزنةِ مُكرم اسمِ مفعولٍ، الشعبُ الذي [مخرجُه] (^٦) إلى الأبطحِ، وهوَ خيفُ بني كنانةَ، (ثمَّ ركبَ إلى البيتِ فطافَ بهِ) أي طوافَ الوداعِ (رواهُ البخاريُّ)، وكانَ ذلكَ يومَ النفرِ الآخرِ، وهوَ ثالثُ أيامِ التشريقِ، فإنهُ - ﷺ - رَمَى الجمارَ يومَ النفرِ بعدَ الظهرِ، وأخَّرَ صلاةَ الظهرِ حتَّى وصلَ المحصبَ، ثمَّ صلَّى الصلواتِ فيهِ كما ذكرَ. واختلفَ السلفُ والخلفُ هلِ التحصيبُ سنةٌ أمْ لا؟ فقيلَ: سنَّةٌ، وقيلَ: لا، إنَّما هوَ منزلٌ نزلهُ النبيُّ - ﷺ -، وقدْ\n_________\n(^١) أبو داود (٢٠٠١)، وابن ماجه (٣٠٦٠).\nقلت: وأخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٣٠٥ رقم ٢٩٤٣) بسند صحيح.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤٧٥)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n(^٣) زيادة من النسخة (ب).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٧٦٤).\n(^٦) في النسخة (أ): \"يخرجه\".","vol":"4","page":252},{"text":"فعلَه الخلفاءُ بعدَه تأسيًا بهِ - ﷺ -. وذهبَ ابنُ عباسٍ إلى أنهُ ليسَ منَ المناسكِ المستحبَّة، [وإلى مثله] (^١) ذهبتْ عائشة كما دلَّ لهُ الحديثُ:\n٣٦/ ٧٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ - أي النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح].\nوهوَ قولُه: (وعنْ عائشةَ - ﵂ - أنَّها لم تكنْ تفعلُ ذلكَ أي النزولَ بالأبطحِ وتقولُ: إنَّما نزلهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لأنهُ كانَ منزلًا أسمحَ لخروجهِ. رواهُ مسلمٌ)، أي: أسهلُ لخروجهِ منْ مكة راجعًا إلى المدينةِ. قيلَ: والحكمةُ في نزولهِ فيهِ إظهارُ نعمةِ اللَّهِ [عليه] (^٣) باعتزازِ دينهِ، وإظهارِ كلمتِه، وظهورهِ على الدينِ كلِّه؛ فإنَّ هذَا المحلَّ هوَ الذي تقاسمتْ فيهِ قريشٌ على قطيعةِ بني هاشم، وكتبُوا صحيفةَ القطيعةِ في القصةِ المعروفةِ. وإذا كانتِ الحكمةُ هيَ هذهِ فهيَ نعمةٌ على الأمةِ أجمعينَ فينبغي نزولُه لمنْ حجَّ منَ الأمةِ إلى يومِ الدينِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-785>الأمر بطواف الوداع</span>\n٣٧/ ٧٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِض. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ (الناسُ) نائبُ الفاعلِ، (أن يكونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ إلَّا أنهُ خفِّفَ عن الحائضِ. متفقٌ عليهِ). الآمرُ للناسِ هوَ النبيُّ - ﷺ -، وكذلكَ المخففُ عن الحائضِ، وغيَّر الراوي الصيغةَ للعلمِ بالفاعلِ. وقدْ أخرجَه مسلمٌ (^٥) وأحمدُ (^٦) عن ابن عباسٍ بلفظِ: \"كانَ الناسُ ينصرفونَ منْ كلِّ وجْهةٍ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: لا ينصرفُ أَحدٌ حتَّى يكونَ آخرُ عهدِه بالبيتِ\"، وهوَ\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"وإليه\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣٤٠/ ١٣١١).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) البخاري (١٧٥٥)، ومسلم (١٣٢٨).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٣٧٩/ ١٣٢٧).\n(^٦) في \"المسند\" (١٢/ ٢٣٣ رقم ٤٣٩ - الفتح الرباني).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٠٠٢)، وابن ماجه (٣٠٧٠)، والدارمي (٢/ ٧٢).","vol":"4","page":253},{"text":"دليلٌ على وجوبِ طوافِ الوداعِ، وبهِ قالَ جماهيرُ السلفِ والخلفِ (^١). وخالفَ الناصرُ ومالكٌ وقَالَا: لوْ كانَ واجبًا لما خفَّفَ عن الحائضِ، وأجيبَ بأنَّ التَّخْفيفَ دليلُ الإيجابِ؛ إذْ لوْ لم يكنْ واجبًا لما أُطلِقَ عليهِ لفظ التخفيفِ، والتخفيفُ عنْها دليلٌ على أنهُ لا يجبُ عليها فلا تنتظرُ الطهرَ ولا يلزمُها دمٌ بتركهِ، لأنهُ ساقطُ عنْها منْ أصلِه. ووقتُ طوافِ الوداعِ منْ ثالثِ النحرِ؛ فإنهُ يجزئُ إجماعًا، وهلْ يجزئُ قبلَه والأظهرُ عدمُ إجزائِه لأنهُ آخرُ المناسكِ. واختلفُوا إذا أقامَ بعدَه هلْ يعيدُه أمْ لا؟ قيلَ: إذا بقيَ بعدَه لشراءِ زادٍ، وصلاةِ جماعةٍ لم يعده، وقيلَ يُعيْدَهُ إذا أقام لتمريضٍ ونحوِه. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يعيدُ ولو أقامَ شهرينِ. ثمَّ هل يُشْرَعُ في حقِّ المعتمر؟ قيلَ: لا يلزمُه لأنهُ لم يردْ إلَّا في الحجِّ. وقالَ الثوريُّ: يجبُ على المعتمرِ أيضًا وإلا لزمَه دمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-786>مضاعفة الثواب على الصلاة في المساجد الثلاث</span>\n٣٨/ ٧٣٢ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذَا أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ في مَسْجِدِي هذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعن ابن الزبيرِ - ﵄ -) هوَ عندَ الإطلاقِ يرادُ بهِ عبدَ اللَّهِ (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: صلاةٌ في مسجدي هذَا)؛ الإشارةُ تفيدُ أنهُ الموجودُ عندَ الخطابِ،\n_________\n(^١) انظر: \"المغني \" تحقيق: التركي، والحلو (٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧).\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ٤).\n(^٣) في \"الإحسان\" (٤/ ٤٩٩ رقم ١٦٢٠) بسند صحيح على شرط مسلم.\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٦١ - ٦٢ رقم ٥٩٧)، والبزار رقم (٤٢٥ - كشف)، والبيهقي (٥/ ٢٤٦)، وابن حزم (٧/ ٢٩٠) من طرق عن حماد بن زيد، عن حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح به.\nوأخرجه الطيالسي في \"المسند\" رقم (١٣٦٧) عن الربيع بن صبيح، عن عطاء بن أبي رباح به، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٤) وزاد نسبته إلى الطبراني.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"4","page":254},{"text":"فلا يدخلُ في الحكمِ ما زيدَ فيهِ (أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ)، وفي روايةٍ خيرٌ، وفي [أُخرى] (^١) تعدلُ ألفَ صلاةٍ (فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ صلاةٍ في مسجدي هذَا بمائةِ صلاةٍ)، وفي لفظٍ عندَ ابن ماجهْ، وابنِ زنجويْهَ، وابنِ عساكرَ منْ حديثٍ أنسٍ (^٢): \"صلاةٌ في مسجدي بخمسينَ ألفِ صلاةٍ\" وإسنادُه ضعيفٌ، وفي لفظِ عندَ أحمدَ منْ حديثٍ ابن عمرَ (^٣): \"وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ ماثةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ\". وفي لفظٍ عنْ جابرٍ (^٤): \"أفضلُ منْ ألفِ صلاةِ فيما سواهُ\"، أخرجَها أحمدُ وغيرُه (رواهُ أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). ورَوَى الطبرانيُّ عنْ أبي الدرداءِ (^٥) قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةِ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسمائةِ صلاةٍ). ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ منْ طريقِ البزارِ، [ثمَّ] (^٦) قالَ (^٧): هذَا إسنادٌ حسنٌ.\n_________\n(^١) في النسخة (أ): \"رواية\".\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٤١٣).\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (١/ ٤٥٦ رقم ٤٩٨/ ٤١٣): \"هذا إسناد ضعيف. أبو الخطاب الدمشقي لا يعرف حاله. ورزيق أبو عبد الله الألهاني فيه مقال، حكي عن أبي زرعة أنه قال: لا بأس به، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" وفي \"الضعفاء\"، وقال: ينفرد بالأشياء التي لا نشبه حديث الثقات، لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق\" اهـ.\nوأورده ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" بسند ابن ماجه وضعَّفه برزيق.\n[انظر: \"الثقات\" (٤/ ٢٣٩) و\"المجروحين\" (١/ ٣٠١)، و\"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣١٨)].\nقلت: وخلاصة القول أن حديث أنس ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٣٩٥)، والطيالسي في \"المسند\" (رقم (١٨٢٦)، وأحمد (٢/ ١٦، ٢٩، ٥٣، ٥٤، ٦٨، ١٠٢)، والدارمي (١/ ٣٣٠)، والبيهقي (٥/ ٢٤٦) وابن أبي شيبة (١/ ٣٧١) وغيرهم عنه بلفظ: \"صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\". ولم أجد هذا اللفظ المذكور في سبل السلام عنه.\n(^٤) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٦٢ رقم ٥٩٩)، وابن ماجه (١٤٠٦)، وأحمد (٣/ ٣٤٣ و٣٩٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٧) وقال الهيثمي: \"ورجاله ثقات وفي بعضهم كلام، وهو حديث حسن\" اهـ.\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).\n(^٧) هنا كلمة \"البزار\"، من النسخة (أ)، وهي فيما يبدو زائدة.","vol":"4","page":255},{"text":"قلتُ: فَعَلَى هذَا يُحملُ قولُه (^١) في حديثٍ ابن الزبيرِ بمائةِ صلاةٍ أي منْ صلاةِ مسجدي، فتكونُ مائةَ ألفِ صلاةٍ فيتوافقُ الحديثانِ. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ (^٢) - ﵀ -: رواهُ ابنُ الزبيرِ عنْ عمرَ بن الخطابِ بسندٍ كالشمسِ في الصحةِ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ، فصارَ كالإجماعِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعددُهم فيما اطلعتُ عليهِ خمسةَ عشرَ صحابيًا وسردَ أسماءَهم. وهذَا الحديثُ وما في معناهُ دالٌّ على أفضليةِ المسجدينِ على غيرِهما منْ مساجدِ الأرضِ، وعلى تفاضلِهما فيما بينَهما. وقدِ اختلفتْ أعدادُ المضاعفةِ كما عرفتَ، والأكثرُ دالٌّ على عدمِ اعتبارِ مفهوم الأقلِّ والحكمُ للأكثرِ، لأنهُ صَرِيحٌ [أي منطوق] (^٣)، وسبقتْ إشارةٌ إلى أن الأَفضليةَ في مسجدِه - ﷺ - خاصةٌ بالموجودِ في عصرهِ. قالَ النوويُّ: لقولهِ في مسجدي فالإضافةُ للعهدِ.\nقلتُ: ولقَولِهِ هذَا، ومثلُ ما قالَه النوويُّ منَ الاختصاصِ [نقله] (^٤) المصنفُ - ﵀ - عن ابن عقيل الحنبليِّ. وقالَ الآخرونَ: إنهُ لا اختصاصَ للموجدِ حالَ تكلُّمِه - ﷺ -، بلْ كلُّ ما زيدَ فيه داخلٌ في الفضيلة. [قالوا]: (^٥) وفائدة الإضافةِ الدلالةُ على اختصاصِه دونَ غيرِه منْ مساجدِ المدينةِ، لا أنَّها للاحترازِ عما [يزيدُ] (^٦) فيهِ.\nقلتُ: بلْ فائدةُ الإضافةِ الأمرانِ معًا. قالَ مَنْ عمَّمَ الفضيلةَ فيما زيدَ فيهِ: إنهُ يشهدُ لهذَا ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والديلميُّ في مسندِ الفردوسِ منْ حديثٍ أبي هريرةَ (^٧) مرفوعًا: \"لو مُدَّ هذَا المسجدُ إلى صنعاءَ لكانَ مسجدي\"، ورَوَى\n_________\n(^١) هنا جملة مفسرة من النسخة (أ): \"بل هو مصرح به فيه\".\n(^٢) في \"المحلى\" (٧/ ٢٩٠).\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).\n(^٤) في النسخة (ب): \"نقل\".\n(^٥) زيادة من النسخة (أ).\n(^٦) في النسخة (أ): \"يزاد\".\n(^٧) • أخرجه أبو زيد عمر بن شَبَّة النُّميرِي في كتاب: \"أخبار المدينة\":\nحدثنا محمد بن يحيى، عن سعد بن سعيد، عن أخيه عن أبيه عن أبي هريرة .. فذكره.\nكذا في \"الرد على الإخنائي\" (١٢٦). قلت وذكره الديلمي في \"الفردوس\" رقم (٥١٥٢).\nقلت: \"أي الألباني - وهذا سند ضعيف جدًّا، آفته أخو سعد بن سعيد، واسمه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك متهم بالكذب. وأخوه سعد لين الحديث. وقد =","vol":"4","page":256},{"text":"الديلميُّ مرفوعًا: \"هذا مسجدي وما زيدَ فهوَ منهُ\"، وفي سندِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ المقبريِّ، وهوَ واهٍ. وأخرجَ الديلميُّ أيضًا حديثًا آخرَ في معناهُ إلَّا أنهُ حديثٌ معضَلٌ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ [عن ابن عمرُ] (^١) قالَ: \"زادَ عمرُ في المسجدِ منْ شامِيِّهِ ثمَّ قالَ: لو زدْنا فيهِ حتَّى يبلغَ الجبانةَ [كانَ] (^٢) مسجدَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وفيهِ عبدُ العزيزِ بنُ عمران المدنيّ متروكٌ، (^٣) ولا يخفَى عدمُ نهوضِ هذهِ الآثارِ، إذِ المرفوعُ معضَلٌ وغيرُه كلامُ صحابيٍّ (^٤). ثمَّ هلْ تعمُّ هذهِ المضاعفةُ الفرضَ والنفلَ\n_________\n= أشار إلى تضعيف الحديث ابن النجار في \"تاريخ المدينة\" المسمَّى بـ \"الدرر الثمينة\" ص ٣٧٠ بقوله: \"روي عن أبي هريرة أنه قال .... \"، فذكره.\nوالظاهر أن أصل الحديث موقوف. رفعه هذا المتهم، فقد رواه عمر بن شبة من طريقين مرسلين عن عمر قال:\n\"لو مُدَّ مسجد النبي - ﷺ - إلى ذي الحليفة لكان منه\". هذا لفظه في الطريق الأولى. ولفظه في الطريق الأخرى: \"لو زدنا فيه حتى بلغ الجبانة كان مسجد رسول الله - ﷺ -، وجاءه الله بعامر\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.\n• وأخرج ابن النجار في \"تاريخ المدينة\" (٣٦٩) من طريق محمد بن الحسن بن زَبَالة: حدثني محمد بن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن مصعب بن ثابت عن مسلم بن خباب: أن النبي - ﷺ - قال يومًا وهو في مصلَّاه: \"لو زدنا في مسجدنا، وأشار بيده إلى القبلة\". فلما توفي - ﷺ - وولي عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (فذكره)، فأجلسوا رجلًا في موضع مصلَّى النبي - ﷺ -، ثم رفعوا يد الرجل وخفضوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا النبي - ﷺ - رفع يده ثم مدَّ. ووضعوا طرفه بيد الرجل ثم مدُّوه، فلم يزالوا يقدِّمونه ويؤخِّرونه حتى رأوا أن ذلك شبيه بما أشار رسول الله - ﷺ - من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار عمر في موضع عيدان المقصورة.\nقلت: - أي الألباني - وهذا سند واه جدًّا. ابن زبالة اتهموه بالكذب كما في \"التقريب\"، وقال ابن حبان (٢/ ٢٧١): \"كان ممن يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف جدًّا.\nانظر: \"الضعيفة\" للألباني (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٤ رقم ٩٧٣ و٩٧٤).\n(^١) في النسخة (أ): \"عن ابن أبي عمرة\".\n(^٢) في النسخة (أ): \"لكان\".\n(^٣) انظر: \"الميزان\" (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣ رقم ٥١١٩)، فقد قال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: متروك، وقال يحيى: ليس بثقة …\n(^٤) وهذه الآثار عن الصحابة لم تتوفر فيها شروط الصحة أو الحسن.","vol":"4","page":257},{"text":"أو تُخَصُّ بالأولِ؟ قالَ النوويُّ (^١) - ﵀ -: إنها تَعُمُّهُما وخالفَه الطحاويُّ والمالكيةُ مستدلينَ بحديثِ: \"أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ\" (^٢).\nوقالَ المصنفُ (^٣) - ﵀ -: يمكنُ بقاءُ حديثٍ: \"أفضلُ صلاةِ المرءِ\" على عمومهِ فتكونُ النافلةُ في بيتهِ في مكةَ أو المدينةِ تضاعفُ على صلاتِها في البيتِ بغيرِهما وكذَا في المسجدِ، وإنْ كانتْ في البيوتِ أفضلَ مطلقًا.\nقلتُ: ولا يخْفى أن الكلامَ في المضاعفةِ في المسجدِ لا في البُيُوتِ في المدينةِ ومكةَ، إذْ لم تردْ فيهمَا المضاعفةُ بلْ في مسجديْهِما. وقالَ الزركشيُّ [وغيرُه] (^٤): إنَّها تُضَاعفُ النافلةُ في مسجدِ المدينةِ ومكةَ، وصلاتُها في البيوتِ أفضل.\nقلتُ: يدلُّ لأفضليةِ النافلةِ في البيوتِ مطلقًا محافظتُه - ﷺ - عَلَى صلاةِ النافلةِ في بيتهِ، وما كانَ يخرجُ إلى مَسجدِه إلَّا لأداءِ الفرائضِ معَ قربِ بيتهِ منْ مسجدِه، ثمَّ هذا التضعيفُ لا يختصُّ بالصلاةِ، بلْ قالَ الغزاليُّ - ﵀ -: كلُّ عملٍ في المدينةِ بألفٍ.\nوأخرجَ البيهقيُّ (^٥) عنْ جابرٍ مرفوعًا: \"الصلاةُ في مسجدي هذَا أفضل منْ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرام، والجمعةُ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ جُمُعةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وشهرُ رمضانَ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ\"، وعن ابن عمرَ نحوه، وقريبٌ منهُ للطبراني في الكبيرِ عنْ بلالٍ بن الحارثِ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٦٤).\n(^٢) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (٦٩٨ - البغا)، ومسلم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت.\n(^٣) في \"فتح الباري\" (٣/ ٦٨).\n(^٤) زيادة من النسخة (ب).\n(^٥) عزاه إليه الزبيدي في \"إتحاف السادة المتَّقين\" (٤/ ٤٨٢).","vol":"4","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-787>[الباب السادس] باب الفوات والإحصار</span>\nالحصرُ: المنعُ، قالهُ أكثرُ أئمةِ اللغةِ، والإحصارُ: هوَ الذي يكونُ بالمرضِ والعجزِ والخوفِ ونحوِها؛ [فإذا] (^١) كانَ بالعدوِّ قيلَ لهُ الحصرُ، وقيلَ: هما بمعنَى واحدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-788>ماذا يصنع المحصَر</span>\n١/ ٧٣٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قدْ أُحصِرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فحلقَ وجامعَ نساءَه، ونحرَ هديَهُ حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا. رواه البخاريُّ)، اختلفَ العلماءُ بماذا يكونُ الإحصار، فقالَ الأكثرُ: يكونُ منْ كلِّ حابسٍ يحبسُ الحاجَّ منْ عدوٍّ ومرضٍ وغيرِ ذلكَ، حتَّى أفتَى ابنُ مسعودٍ رجلًا لُدِغَ بأنهُ محصرٌ، وإليهِ ذهبَ طوائفُ منَ العلماءِ، منْهم الهادويةُ، والحنفيةُ. وقالُوا: إنهُ يكونُ بالمرضِ، [والكسر] (^٣)، والخوفِ، وهذهِ منصوصٌ عليْها. ويقاسُ عليْها سائرُ الأعذارِ المانعةِ، ويدلُّ عليهِ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (^٤) الآيةَ، وإنْ كانَ سَبَبُ نزولها إحصارُ النبيِّ - ﷺ - بالعدوِّ فالعامُّ لا يقصرُ على سببهِ، وفيهِ ثلاثةُ أقوالٍ أُخَرُ.\nأحدُها: أنهُ خاصٌّ به - ﷺ -، وأنهُ لا حصرَ بعدَه.\n_________\n(^١) في النسخة (ب): \"إذا\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (١٨٠٩).\n(^٣) في النسخة (ب): \"والكبر\".\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٩٦.","vol":"4","page":259},{"text":"والثاني: أنهُ خاصٌّ بمثلِ ما اتفقَ لهُ - ﷺ - فلا يُلْحَقُ بهِ إلَّا مَنْ أحصرهُ عدوٌّ كافرٌ.\nالثالثُ: أن الإحصارَ لا يكونُ إلَّا بالعدوِّ كافرًا كان أو باغيًا، والقولُ المصدرُ هوَ أقْوى الأقوالِ، وليسَ في غيرِه منَ الأقوالِ إلَّا آثارٌ وفتاوى للصحابةِ. هذا وقدْ تقدَّمَ حديثُ البخاريِّ، وأنهُ - ﷺ - نحرَ قبلَ أنْ يحلقَ وذلكَ في قصةِ الحديبيةِ. قالُوا: وحديثُ ابن عباسٍ هذَا لا يقتضي الترتيبَ كما عرفتَ، ولم يقصدْه ابنُ عباسٍ إنَّما قصدَ وصْفَ ما وقعَ منْ غيرِ نظرٍ إلى ترتيبٍ. وقولُه: \"ونحرَ هديَه\" هوَ إخبارٌ بأنهُ كانَ معهُ - ﷺ - هديٌ نحرَهُ هنالكَ، ولا يدلُّ كلامُه على إيجابِه.\nوقدِ اختلفَ العلماءُ في وجوبِ الهدي على المحصرِ، فذهبَ الأكثرُ إلى وجوبِه، وخالفَ مالكٌ فقالَ: لا يجبُ والحقُّ معَه، فإنهُ لم يكنْ معَ كلِّ المحصرينَ هديٌ، وهذَا الهديُ الذي كانَ معهُ - ﷺ - ساقَه مني المدينةِ متنقلًا به، وهوَ الذي أراده اللَّهُ تعالى بقولِه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (^١) والآيةُ لا تدلُّ على الإيجابِ أعني قولَه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٢)، وحقَّقناهُ في منحةِ الغفارِ حاشيةِ ضوءِ النهارِ (^٣). وقولُه: \"حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا\"، قيلَ: إنهُ يدلُّ على إيجابِ القضاءِ على مَنْ أُحصِرَ، والمرادُ مَنْ أُحْصِرَ عن النفلِ، وأما مَنْ أُحصِرَ عنْ واجبِه منْ حجٍّ أوْ عمرةٍ فلا كلامَ أنهُ يجبُ عليهِ الإتيانُ بالواجبِ إنْ مُنِعَ منْ أدائهِ، والحقُّ أنهُ لا دلالةَ في كلامِ ابن عبّاسٍ على إيجابِ القضاءِ، فانَّ ظاهرَ ما فيه أنهُ أخبرَ أنهُ - ﷺ - اعتمرَ عامًا قابلًا ولا كلامَ أنهُ - ﷺ - اعتمرَ في عامِ القضاءِ، ولكنَّها عمرةٌ أُخْرى ليستْ قضاءً عنْ عمرةِ الحديبيةِ.\nأخرجَ مالكٌ بلاغًا (^٤): \"أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - حلَّ هوَ وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحرُوا الهدي، وحلقُوا رؤوسَهم، وحلُّوا منْ كلِّ شيءٍ قبلَ أنْ يطوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أنْ يصلَ إليهِ الهدْيُ\"، ثمَّ لم يعلمْ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أمرَ أحدًا منْ أصحابِه ولا ممنْ كانَ معهُ يقضُون شيئًا، ولا أنْ يعودُوا لشيءٍ، وقالَ الشافعيُّ: فحيثُ أُحْصِرَ ذَبَحَ وحلَّ ولا قضاءَ عليهِ منْ قِبَلِ أن الله تعالى لم يذكرْ قضاءً، ثمَّ قالَ:\n_________\n(^١) سورة الفتح: الآية ٢٥.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٣) (٢/ ٦٥٧) رقم التعليقة (٣).\n(^٤) في الموطأ (١/ ٣٦٠).","vol":"4","page":260},{"text":"لأنا علمْنا منْ تواطؤِ أحاديثِهم أنهُ كانَ معهُ - ﷺ - في عامِ الحديبيةِ رجالٌ معروفونَ، ثمَّ اعتمرُوا عمرةَ القضاء، فتخلَّفَ بعضُهم في المدينةِ منْ غيرِ ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ، ولو لزمَهمْ القضاءُ لأمرَهمْ بأنْ لا يتخلَّفُوا عنهُ، وقالَ: إنما سمِّيتْ عمرةَ القضاءِ والقضيةُ للمقاضاةِ التي وقعتْ بينَ النبيِّ - ﷺ - وبينَ قريشٍ، لا على أنهُ واجبٌ قضاءُ تلكَ العمرةِ. وقولُ ابن عباسٍ: \"ونحرَ هديَهُ\"، اختلفَ العلماءُ هلْ نحرَه يومَ الحديبيةِ في الحلِّ أو في الحرمِ؟ وظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (^١) أنَّهم نحروه في الحلِّ، وفي محلِّ نحرِ الهدي للمحصَرِ أقوالٌ:\nالأول: للجمهورِ، أنهُ يذبحُ هديهُ حيثُ يحلُّ في حلٍّ أو حَرَمٍ.\nالثاني: للهادوية والحنفيةِ، أنهُ لا ينحرهُ إلَّا في الحرمِ.\nالثالثِ: لابنِ عباسٍ وجماعةٍ، أنهُ إنْ كانَ يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرمِ وجبَ عليهِ، ولا يحلُّ حتَّى ينحرَ في محلِّه، وإنْ كانَ لا يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرم نحرَه في محلِّ إحصارِه. وقيلَ إنهُ نحرَه في طرفِ الحديبيةِ وهوَ منَ الحرمِ، والأولُ أَظهرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-789>الاشتراط في الحج</span>\n٢/ ٧٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَ النَّبيُّ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِني أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَن مَحَلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: دخلَ النبيُّ - ﷺ - على ضُباعةَ)، بضمِّ الضادِ المعجمةِ، ثمَّ موحَّدةٌ مخفَّفةٌ (بنتِ الزبير بن عبدِ المطلبِ) بن هاشمِ بن عبدِ منافٍ بنتِ عمِّ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، تزوَّجَها المقدادُ بنُ عمرو فولَدتْ لهُ عبدَ اللَّهِ وكريمةَ، رَوَى عنْها\n_________\n(^١) سورة الفتح: الآية ٢٥.\n(^٢) البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٤، ٢٠٢)، والنسائي (٥/ ٦٨، ١٦٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٤٢٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤ رقم ٨٣٣، ٨٣٤، ٨٣٥)، والبيهقي (٥/ ٢٢١)، والبغوي رقم (٢٠٠٠)، وابن خزيمة (٤/ ١٦٤)، وابن حبان (٩٧٣ - موارد)، والدارقطني (٢/ ٢١٩) وغيرهم من طرق …","vol":"4","page":261},{"text":"ابنُ عباسٍ، وعائشةُ وغيرُهما، قالهُ ابنُ الأثيرِ في الجامعِ الكبيرِ (فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أريدُ الحجَّ وأنا شاكيةٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: حُجِّي واشترطِي أن محلِّي حيثُ حبسْتَني. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أن المحرِمَ إذا اشترطَ في إحرامِه ثمَّ عرضَ لهُ المرضُ، فإنَّ لهُ أنْ يتحلَّلَ، وإليهِ ذهبَ طائفةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، ومنْ أئمةِ المذاهبِ أحمدُ وإسحاقُ، وهوَ الصحيحُ منْ مذهبِ الشافعيِّ، ومَنْ قالَ إنَّ عذرَ الإحصارِ يدخلُ فيهِ المرضُ قالَ: يصيرُ المريضُ محصرًا لهُ حكْمُه. وظاهرُ هذا الحديثِ أنهُ لا يصيرُ مُحْصَرًا بلْ يحلُّ حيثُ حصرَهُ المرضُ، ولا يلزمُه ما يلزمُ المحصرَ من هدي ولا غيرِه.\nوقالَ طائفةٌ منَ الفقهاءِ: إنَّهُ لا يصحُّ الاشتراطُ ولا حكمَ لهُ، قالُوا: وحديثُ ضباعةَ قصةُ عيني موقوفةٌ [مَرْجُوحَةٌ] (^١)، أو منسوخةٌ، أو أن الحديثَ ضعيفٌ، وكلُّ ذلكَ مردودٌ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الخصوصيةِ، وعدمُ النسخِ. والحديثُ ثابتٌ في الصحيحين، وسننِ أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيُّ، وسائرِ كتبِ الحديثِ (^٢) المعتمدةِ منْ طرقٍ متعددة، بأسانيدَ كثيرةٍ، عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ. ودلَّ مفهومُ الحديثِ أن مَنْ لم يشترطْ في إحرامهِ فليسَ لهُ التحلُّلُ، ويصيرُ مُحصَرًا لهُ حكمُ المحصرِ على ما هوَ الصوابَ على أن الإحصارَ يكونُ بغيرِ العدوِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-790>ماذا يعمل من قام به مانع من الاستمرار في الحج</span>\n٣/ ٧٣٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَل وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ\"، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من النسخة (ب).\n(^٢) تقدَّم آنفًا تخريجه: وفي الباب حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (١٢٠٨)، وأبو داود (١٧٧٦)، والترمذي (٩٤١)، والنسائي رقم (٢٧٦٥).\n(^٣) أبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠)، والنسائي (٥/ ١٩٨ - ١٩٩)، وابن ماجه (٣٠٧٧)، وأحمد (٣/ ٤٥٠). =","vol":"4","page":262},{"text":"(وعنْ عكرمةَ) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ عكرمةُ مولَى عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ أصلُه منَ البربرِ، سمع منِ ابن عباسٍ، وعائشةَ، وأبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ وغيرِهم، ونُسِبَ إليه أنهُ يَرَى رأَيَ الخوارج. وقدْ أطالَ المصنفُ في ترجمتهِ في مقدمةِ الفتحِ (^١)، وأطالَ الذهبيُّ فيهِ في الميزانِ (^٢)، والأكثرونَ على اطِّراحِه وعدمِ قَبولِه، (عن الحجاجِ بن عمرِو) بن أبي غَزِيَّةَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وكسرِ الزاي، وتشديدِ المثناةِ التحتية (الأنصاريِّ - ﵁ -) المازنيِّ نسبةً إلى جدِّهِ مازنِ بن النجارِ، قالَ البخاري (^٣): لهُ صحبةٌ رَوَى عنهُ حديثينِ هذَا أحدُهما، (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ كُسِرَ) مغير صيغةٍ (أو عَرِجَ) بفتحِ المهملةِ وكسرِ الراء وهوَ محرمٌ لقولِه: (فقدْ حلَّ وعليهِ الحجُّ منْ قابِلٍ) إذَا لم يكنْ قدْ أَتَى بالفريضةِ (قالَ عكرمةُ: فسألتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ - ﵄ - عن ذلكَ فقالا: صدقَ) في إخبارهِ عن النبيِّ - ﷺ - (رواهُ الخمسةُ، وحسَّنه الترمذيُّ). والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أحرمَ فأصابهُ مانعٌ منْ مرضٍ مثلُ ما ذكرَهُ أو غيرُه فانهُ بمجرَّدِ حصولِ ذلكَ المانعِ يصيرُ حلالًا، [وإن لم يشترط ولا يصير محصَرًا، والمراد بقوله: \"فقد حلَّ\"، أي: أبيح له ذلك، وصار حلالًا] (^٤)؛ فأفادتِ الثلاثةُ الأحاديثِ أن المحرمَ يخرجُ عنْ [إحرامه] (^٥) بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ، إما بالإحصارِ بأي مانعٍ كانَ، أو بالاشتراط، أو بحصولِ ما ذكرَ منْ حادثِ كسرٍ أو عَرَجٍ، وهذا فيمنْ أُحْصِرَ وفاتَه [الحجُّ] (^٦)، وأما\n_________\n= قلت: وأخرجه الدارمي (٦١)، والحاكم (١/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٢٢٤ رقم ٣٢١١).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\nقلت: في إسناده يحيى بن أبي كثير وهو ثقة لكنه يدلس ويرسل. ولكن للحديث شاهد، فهو به صحيح، والله أعلم.\n(^١) المسمَّاة: \"هدي الساري مقدمة فتح الباري\" (ص ٤٢٥ - ٤٣٠).\n(^٢) (٣/ ٩٣ - ٩٧ رقم ٥٧١٦).\nوانظر: \"التقريب\" (٢/ ٣٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٣٤ - ٢٤٢)، والكاشف (٢/ ٢٤١)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٩) و\"رجال صحيح البخاري\" (٢/ ٥٨٣ رقم ٩٢٢).\n(^٣) في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٧٠ رقم ٢٨٠٦).\n(^٤) زيادة من النسخة (أ).\n(^٥) في النسخة (ب): \"إحرامًا\".\n(^٦) زيادة من النسخة (ب).","vol":"4","page":263},{"text":"مَنْ فاتهُ الحجُّ لغيرِ إحصارٍ فإنهُ اختلفَ العلماءُ في حكمهِ؛ فذهبَ الهادويةُ وآخرونَ إلى أنهُ يتحلَّلُ بإحرامهِ الذي أحرمَهُ للحجِّ بعمرةٍ.\nوعنِ الأسودِ قالَ: \"سألتُ عمرَ عمَّنْ فاتهُ الحجُّ وقدْ أحرمَ بهِ فقالَ: يهلُّ بعمرةٍ وعليه الحجُّ منْ قابلٍ، ثم لقيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ فسألتُه فقالَ مثلَه\"، أخرجَهما البيهقيُّ (^١)، وقيلَ: يهلُّ بعمرةٍ ويستأنفُ لها إحرامًا آخر.\nوقالتِ الهادويةُ: ويجبُ عليهِ دمٌ لفواتِ الحجِّ. وقالتِ الشافعيةُ والحنفيةُ: لا يجبُ عليهِ؛ إذْ يُشْرَعُ لهُ التحلُّلُ وقد تحلَّلَ بعمرةٍ، والأظهرُ ما قالُوه لعدمِ الدليلِ على [الإيجابِ] (^٢) واللَّهُ أعلمُ.\nتمَّ الجزءُ الثاني ويليهِ إنْ شاء اللَّهُ الجزءُ الثالثُ وأولُه كتابُ البيوعِ.\n[قال في الأم ما لفظه قال في الأم حاكيًا عن الأم نجز النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام، قال مؤلِّفه قدس الله روحه في أعلى عِلِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين: وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الآخر سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة؟ وكان الفراغ من هذا النصف نهار الثلاثاء لعله ٢٠ شهر محرَّم الحرام سنة ١٣١٧] (^٣).\n[نجز تحريرًا النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. قال مؤلفه قدس الله روحه في أعلى علِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين. وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الأخرى سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة.\nوكان الفراغ من تحرير هذه النسخة العظيمة نفع الله بها في يوم السبت بعد العصر لعله خامس وعشرون من جمادى الآخرة ستة ١٢٠٩ بقلم الفقير إلى الله تعالى علي بن محسن أحمد المعافى عفا الله عنهم، وذلك بعناية القاضي الأجل\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٧٥).\n(^٢) في النسخة (أ): \"إيجاب الدم\".\n(^٣) زيادة من المخطوطة (أ).","vol":"4","page":264},{"text":"عن الهدى محمد أحمد قاطن غفر الله لنا ولهم جميعًا، كل ذلك بحمد الله وتوفيقه ومنِّه وعونه، فللَّه الحمد حمدًا كثيرًا مباركًا فيه وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله.\nورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. آمين] (^١).\n\nتمَّ بحمد الله المجلد الرابع من\n\"سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\"\nولله الحمد والمنَّة\nويليه المجلد الخامس\nوأوله [كتاب البيوع]\nالكتاب السابع\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من المخطوطة (ب).","vol":"4","page":265},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمدُ للَّهِ الذي أحلَّ لعبادِهِ البيعَ والشِّرا، وحرَّمَ عليهمُ المكاسبَ الخبيثةَ والرِّبا. والصلاةُ والسلامُ على مَنْ عرَّفَ الأمةَ الأحكامَ، وأبانَ لهم مناهجَ الحلالِ والحرامِ، وعلى آلهِ الذينَ شَرَوْا غُرَفَ دارِ السلامِ بطاعةِ مولاهُم في كلِّ مرامٍ.\n(وبعدُ)، فقدْ أعانَ اللَّهُ ولهُ الحمدُ بتمامِ الجزءِ الأولِ منْ شرحِ بلوغِ المرامِ، وها نحنُ آخِذونَ فِي شرحِ الجزءِ الثانِي ونسألُ مِنَ اللَّهِ الإعانةَ والتمامَ (^١)، قالَ المصنفُ رحمهُ اللَّهُ تعالَى:\n\n[الكتاب السابع] كتاب البيوع\nاعلمْ أنَّ الحكمةَ فِي شرعيةِ البيعِ كما قالهُ المصنفُ فِي فتح الباري (^٢) أن حاجةَ الإنسانِ تتعلَّقُ بما في يدِ صاحبهِ غالبًا، وصاحبُه قدْ لا يبذُلهُ، ففِي شرعيةِ البيعِ وسيلةٌ إلى بلوغِ الغرضِ منْ غيرِ حرجٍ، انتَهى. وإنَّما جمعُه دلالةً على اختلافِ أنواعِه، وهي ثمانيةٌ (^٣)، [ولفظةُ] (^٤) البيعِ والشراءِ يطلقُ كلٌّ منْهما على ما يُطْلَقُ عليهِ الآخرُ، فَهُمَا منَ الألفاظِ المشتركةِ بينَ المعانِي المتضادة. وحقيقةُ البيعِ لغةً تمليكُ مالٍ بمالٍ، وزادَ فيهِ الشرعُ قيدَ التراضي. وقيلَ: هوَ إيجابٌ وقَبولٌ في مالَينِ ليسَ فيهما معنَى التبرُّعِ، فتخرجُ المعطاةُ. وقيلَ: مبادلةُ مالٍ بمالٍ [لا] (^٥) على وجْهِ التبرع، فتدخلُ فيهِ المعاطاةُ.\n_________\n(^١) كما في المخطوط (ج).\n(^٢) [٤/ ٢٨٧].\n(^٣) بيع العين بالنقد كالثوب بالدراهم، وبيع المقايضة وهو بيع العين بالعين كالثوب بالعبد، وبيع النقد بالنقد وهو الصرف، وبيع الدين بالعين وهو السَّلَم، وبيع المساومة وهو الذي لا يلتفت فيه إلى الثمن السابق، وبيع المرابحة، وبيع التولية، وبيع المواضعة وهو ضد المرابحة حيث يضع من رأس المال شيئًا. اهـ بدر التمام ملخصًا. [من حاشية المطبوع].\n(^٤) في (أ): \"ولفظ\".\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"5","page":5},{"text":"والدليلُ على اشتراطِ الإيجابِ والقبولِ أنهُ تعالى قال: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (^١). وأخرجَ ابن حبانَ (^٢)، وابنُ ماجه (^٣) عنهُ - ﷺ -: \"إنَّما البيعُ عنْ تراضٍ\". ولما كانَ الرِّضَا أمرًا خفيًّا لا يُطَّلَعُ عليهِ وجبَ تعلُّقُ الحكمِ بسببٍ ظاهرٍ يدلُّ عليه، وهوَ الصيغةُ، ولا بدَّ أنْ يكونَ على صيغةِ الجزمِ [لفظُها] (^٤) لتتمَّ معرفةُ الرِّضا.\nوقد استُثني المحقَّرُ منْ ذلكَ لجري عادةِ المسلمينَ بالدخولِ فيه منْ غيرِ لفظٍ، وهذا عندَ الجماهيرِ منْ علماءِ الأمةِ، وذهبَت الشافعيةُ إلى أنهُ لا بدَّ منَ اللفظينِ كغيرهِ، وقدِ اختارَ النوويُّ (^٥) وأكثرُ المتأخرينَ منَ الشافعيةِ عدمَ اشتراطِ العقدِ في المحقَّرِ. والمحقَّرُ ما دونَ رُبْعِ المثقالِ، وقيلَ: التافهُ منَ البقولِ والرّطَبِ والخبزِ، وقيلَ: ما دونَ نصابِ السرقة. والأشبهُ اتباعُ العُرْفِ.\nثمَّ الحق أنه لم [يتمَّ] (^٦) دليلٌ على اشتراطِ الإيجابِ والقبولِ، بلْ حقيقةُ البيع المبادلةُ الصادرةُ عنْ تراضٍ كما أفادتِ الآيةُ والحديثُ. نعمْ الرِّضا أمرٌ خفيٌّ يناطُ بقرائنَ، منها: الإيجابُ والقبولُ، ولا ينحصرُ فيهما بلْ متَى انسلختِ النفسُ عن المبيعِ والثمنِ بأيِّ لفظٍ كانَ. وعلى هَذَا معاملاتُ الناس قديمًا وحديثًا إلَّا منْ عرفَ المذاهبَ وخافَ نقضَ الحاكمِ للبيعِ لاحظَ الإيجابَ والقبولَ.\n* * *\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(^٢) في الإحسان (١١/ ٣٤٠ رقم ٤٩٦٧).\n(^٣) ابن ماجه (٢١٨٥)، وقال البوصيري (٢/ ١٦٨) رقم (٧٦٨/ ٢١٨٥): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات .. اهـ\".\nوصحَّحه المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٢٥ رقم ١٢٨٣).\n(^٤) في (أ): \"لفظًا\".\n(^٥) في \"المجموع\" (٩/ ١٦٤).\n(^٦) في (أ): \"يقم\".","vol":"5","page":6},{"text":"<span data-type='title' id=toc-792>[الباب الأول] باب شروطه وما نهى عنه</span>\n[يعني بالشروطِ] (^١) شروطَ البيعِ. والشرطُ في عرفِ الفقهاءِ ما يلزمُ منْ عدمهِ عدمُ حكمٍ أو سببٍ، سواءٌ عُلِّقَ بكلمةِ شرطِ أَوْ لا، ولهُ في عرفِ النحاةِ معنًى آخر. وقدْ جعلُوا شروطَ البيع أنواعًا منْها في العاقدِ، وهوَ أنْ يكونَ عاقلًا مميِّزًا، ومنْها [أن يكون] (^٢) في الآلةِ وهوَ أنْ يكونَ بلفظِ الماضي، ومنْها في المحلِّ، وهوَ أنْ يكونَ مالًا متقوَّمًا وأن يكونَ مقدورَ التسليمِ، ومنها التراضِي، ومنْها شرطُ النفاذِ وهوَ الملكُ أو الولايةُ. وقولُه: (وما نهى عنه)، أي: منَ البيوعِ. وستأتِي الأحاديثُ في الذي نُهِي عنْ بيعهِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-793>أفضل الكسب</span>\n١/ ٧٣٦ - عَنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافعٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: \"عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعٍ مَبْرُورِ)، رَوَاهُ الْبَزَّارُ (^٤)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥). [صحيح بشواهده]\n_________\n(^١) في (ب): (أي).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) رقم (٤/ ٧٣٩) و(٩/ ٧٤٤) و(١١/ ٧٤٦) و(١٣/ ٧٤٨)، و(١٤/ ٧٤٩) و(١٥/ ٧٥٠) و(١٦/ ٧٥١) و(١٧/ ٧٥٢) و(١٩/ ٧٥٤) و(٢٠/ ٧٥٥) و(٢١/ ٧٥٦) و(٢٢/ ٧٥٧) و(٢٤/ ٧٥٩) و(٢٥/ ٧٦٠) و(٢٦/ ٧٦١) و(٢٩/ ٧٦٤)، (٤٠/ ٧٧٥) و(٤١/ ٧٧٧) و(٤٣/ ٧٧٨) كما في كتابنا هذا.\n(^٤) في (كشف الأستار) (٢/ ٨٣) رقم (١٢٥٧).\n(^٥) هذا سبق نظر من الحافظ - رحمه الله تعالى -، وإلا فالحاكم إنما صحَّح حديث البراء بن عازب - ﵁ -، انظر: (المستدرك) (٢/ ١٠). =","vol":"5","page":7},{"text":"(عنْ رفاعةَ بن رافعِ) (^١) - ﵁ - هوَ زُرْقِيٌّ أنصارِيُّ شهدَ بدرًا، وأبوهُ رافعُ أحدُ النقباءِ الإثنَى عشرَ، وكانَ أولَ منْ قدمَ المدينةَ بسورةِ يوسفَ، وشهدَ رفاعةُ المشاهدَ كلَّها، وشهدَ معَ عليٍّ - ﵁ - الجملَ وصفِّينَ، توفِّيَ أولَ زمنِ معاويةَ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ: أيُّ الكسبِ أطيبُ؟ قالَ: عملُ الرجلِ بيدهِ)، ومثلُه المرأةُ: (وكلُّ بيعٍ مبرورٍ)، وهوَ ما خلصَ عن اليمينِ الفاجرةِ [لتنفيق] (^٢) السلعةِ، وعنِ الغشِّ فِي المعاملةِ، (رواهُ البزارُ، وصحَّحه الحاكمُ)، ورواهُ المصنفُ في التلخيصِ عنْ رافعِ بن خديجٍ (^٣)، ومثلَه في المشكاةِ (^٤)، وعزاهُ لأحمدَ، وأخرجهُ السيوطيُّ في الجامعِ (^٥) عنْ رافعٍ أيضًا، ذكرهَ فِي مسندهِ. قيلَ: ويحتملُ أنهُ أُرِيدَ برفاعةَ رفاعةُ بنُ رافعٍ بن خديجٍ، فقدْ رواهُ الطبرانِيُّ (^٦) عنْ عبايةَ بن رافعٍ بن خديجٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ. وعبايةُ هو ابنُ رفاعةَ بن رافعِ بن خديجٍ فيكونُ سقطَ على\n_________\n= والحديث رواه رافع بن خديج، وابن عمر، والبراء، وعلي بن أبي طالب - ﵁ -:\n• أما حديث رافع:\nفقد رواه أحمد (٤/ ١٤١)، والطبراني (٤/ ٢٧٦) رقم (٤٤١١) وقال محقِّقه: صحيح لشواهده. اهـ. والحاكم (٢/ ١٠) وقال: (عن عباية بن رافع بن خديج عن أبيه) وصوَّب الحافظ في (التلخيص) (٣/ ٣) كونه عن جده، وقال: (قول الحاكم عن أبيه فيه تجوُّز) اهـ.\n• أما حديث ابن عمر:\nفقد رواه الطبراني في (الأوسط) (٣/ ٨٢)، وقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٣٩١) عن أبيه:\nهذا حديث باطل. اهـ وقال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ٣): (ورجاله لا بأس بهم). اهـ.\n• وأما حديث علي بن أبي طالب:\nفقد ذكره ابن أبي حاتم في (العلل) (١/ ٣٩٠) ثم قال عن أبيه: (هذا الحديث بهذا الإسناد باطل) اهـ.\n• وأما حديث البراء:\nفقد رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٦٩)، والحاكم (٢/ ١٠) وصحَّح إسناده، والبيهقي (٥/ ٢٦٣) ورجَّح أبو حاتم كما ذكر ابنه في (العلل) (٢/ ٤٤٣)، والبيهقي (٥/ ٢٦٣) والبخاري كما نقل عنه البيهقي (٥/ ٢٦٤) إرساله.\n(^١) انظر ترجمته في: (أسد الغابة) (٢/ ٢٢٥).\n(^٢) في (أ): (لينق).\n(^٣) انظر: (التلخيص) (٣/ ٣) كما تقدم.\n(^٤) انظر: (المشكاة) (٢/ ٨٤٧) رقم (٢٧٨٣).\n(^٥) انظر: (الجامع) (١/ ٧٣) رقم (١١٢٢).\n(^٦) في (المعجم الكبير) (٤/ ٢٧٦).","vol":"5","page":8},{"text":"المصنفِ [قولُه] (^١) عنْ أبيه. والحديثُ دليل على تقريرِ ما جُبِلَتْ عليهِ الطبائعُ منْ طلبِ المكاسبِ، وإنمَّا سُئِلَ - ﷺ - عنْ أطيبها أي أحلِّها وأبركِها. وتقديمُ عملِ اليدِ على البيعِ المبرورِ دالٌ على أنهُ الأفضلُ، ويدلُّ لهُ [أيضًا] (^٢) حديثُ البخاريِّ الآتي، ودلَّ على أطيبيةِ التجارةِ الموصوفةِ. وللعلماءِ خلافٌ في [أفضل] (^٣) المكاسبِ.\nقالَ الماورديُّ (^٤): أصولُ المكاسبِ الزراعةُ والتجارةُ والصنعةُ، قالَ: والأشبهُ بمذهبِ الشافعيِّ أن أطيبَهَا التجارةُ. قالَ: والأرجحُ عندي أن أطْيَبَها الزراعةُ، لأنهَا أَقربُ إلى التوكلِ، وتعقِّبَ بما أخرجَهُ البخاريُّ (^٥) مِنْ حديثِ المقدامِ مرفوعًا: (ما أكلَ أحدٌ طعامًا خيرًا منْ أنْ يأكلَ منْ عملِ يدهِ، وإنَّ نبيَّ اللَّهِ داودَ كانَ يأكلُ من عملِ يدهِ)، قال النوويُّ (^٦): والصواب أن أطيبَ المكاسبِ ما كانَ بعملِ اليدِ، وإنْ كانَ زراعةً فهوَ أطيبُ المكاسبِ لما يشتملُ عليهِ منْ كونهِ عملَ اليد، [ولما فيهِ منَ التوكلِ] (^٧)، ولما فيهِ من النفعِ العامِّ للآدمِيِّ وللدوابِّ [وللطير] (^٨).\nقالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ - ﵀ - (^٩): وفوقَ ذلكَ ما يكسبُ منْ أموالِ الكفارِ بالجهادِ وهوَ مكسبُ النبيِّ - ﷺ - وهوَ أشرفُ المكاسبِ لما فيهِ منْ إعلاءِ كلمةِ اللَّهِ تعالى وحده، انتَهى. قيلَ: وهوَ داخلٌ في كسبِ اليدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-794>حكم بيع المحرَّمات</span>\n٢/ ٧٣٧ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحَومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: (لا، هُوَ حَرَامٌ)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): (أطيب).\n(^٤) نقل ذلك عنه النووي في المجموع (٩/ ٥٩).\n(^٥) في (صحيحه) (٢٠٧٢)، والبيهقي (٦/ ١٢٧)، والبغوي (٨/ ٥) رقم (٢٠٢٦).\n(^٦) في (المجموع) (٩/ ٥٩) وفي نقل الصنعاني تصرف.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في (ب): (والطير).\n(^٩) في (فتح الباري) (٤/ ٣٠٤).","vol":"5","page":9},{"text":"عِنْدَ ذَلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِن اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ عامَ الفتحِ)، كانَ الفتحُ فِي رمضانَ سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ، (وهوَ بمكةَ: إنَّ اللَّهَ ورسولَه حَرَّمَ)، وقع في روايةِ الصحيحين هكَذا بإفرادِ الضمير، وفي بعض الطرق: إنَّ الله حرَّم، وفي روايةٍ في غيرهما: إنَّ اللَّهَ ورسولَه حرَّما. وتقدَّمَ وجْهُ الكلامِ على جمْعِ الضميرينِ في بابِ الآنيةِ (^٢)، (بيعَ الخمرِ والمَيتةِ) بفتحِ الميمِ ما زالتْ عنهُ الحياةُ لا بذكاةٍ شرعيةٍ، (والخنزيرِ والأصنامِ) قالَ الجوِهريُّ (^٣): هوَ الوثنُ، وقالَ غيرهُ: الوثنُ ما لَهُ جثةٌ، والصنمُ ما كانَ مصوَّرًا (فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ؛ فإنَّها تُطْلَى بها السفنُ، وتُدْهَنُ بها الجلودُ، ويستصبحُ بها الناس، [فقال] (^٤): لا، هوَ حرامٌ. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عندَ ذلك: قاتلَ الله اليهودَ إنَّ اللَّهَ لما حرَّمَ عليهم شحومَها جَمَلُوه) بفتح الجيمِ والميمِ، أي: أذابوهُ، (ثمَّ باعُوه [فأكلوا] (^٥) ثمنه. متفقٌ عليه).\nفي الحديثِ دليل على تحريمِ [بيع] (^٦) ما ذكرَ قبلُ. والعلةُ في تحريم بيعِ الثلاثةِ الأُوَلِ هيَ النجاسةُ، ولكنَّ الأدلةَ على نجاسةِ الخمرِ غيرُ ناهضةٍ، وكذا نجاسةُ الميتةِ والخنزيرِ، فمنْ جعلَ العلةَ النجاسةَ عدَّى الحكمَ [إلى] (^٧) تحريم بيعِ كلِّ نجسٍ. وقالَ جماعةٌ: يجوزُ بيعُ الأزبالِ النجسةِ، وقيلَ يجوزُ ذلكَ للمشتري دونَ البائعِ، لاحتياجِ المشتري دونَه، وهي علةٌ عليلةٌ، وهذا كلُّه عندَ مَنْ جعلَ العلةَ النجاسةَ. والأظهرُ أنهُ لا ينهضُ دليل على التعليلِ بذلكَ، بلِ العلةُ التحريم، ولذَا قالَ - ﷺ -: لما حُرِّمتْ عليهمْ الشحومُ فجعلَ العلةَ نفسَ التحريم ولمْ يذكرْ علةً. هذَا ولا يدخلُ في الميتةِ شعرُها وصوفُها وَوَبَرُها، لأنَّها لا تحلُّها الحياةُ،\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٣٦) وطرفاه: رقم (٤٢٩٦) ورقم (٤٦٣٢)، ومسلم (١٥٨١) قلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٤، ٣٢٦)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٣٠٩، ٣١٠)، وابن ماجه (٢١٦٧)، والبيهقي (٦/ ١٢)، وابن الجاردو في المنتقى رقم (٥٧٨).\n(^٢) في الجزء الأول باب الطهارة.\n(^٣) في الصحاح (٥/ ١٩٦٩).\n(^٤) في (ب): (قال).\n(^٥) في (أ): (وأكلوا).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): (على).","vol":"5","page":10},{"text":"[ولا] (^١) يصدقُ [عليها] (^٢) اسمُ الميتةِ. وقيلَ: إنَّ الشعورَ متنجسةٌ وتطهرُ بالغسلِ، وجوازُ بيعها مذهبُ الجمهورِ، وقيلَ إلا [من] (^٣) الثلاثةَ (^٤) التي هي نجسةُ الذاتِ. وأما علةُ تحريم (^٥) بيعِ الأصنامِ فقيلَ: [لأنها لا منفعةَ] (^٦) فيها مباحةٌ، وقيلَ إنْ كانتْ بحيثُ إذا كُسِرَتِ انتُفِعَ بأَكسارِها جازَ بيعُها، والأَوْلَى أنْ يُقَالَ لا يجوزُ بيعُها وهيَ أصنامٌ للنهي، ويجوزُ بيعُ كُسَرِها إذْ [هيَ] (^٧) ليستْ بأصنامٍ، ولا وجْهَ لمنعِ بيعِ [الأكسارِ] (^٨) أصلًا. ولما أطلقَ - ﷺ - تحريمَ بيعِ الميتةِ جوَّزَ السامعُ أنهُ قدْ يخصُّ منَ العامِّ بعضَ ما يصدقُ عليهِ فقالَ السائلُ: أرأيتَ شحومَ الميتةِ [بأنه] (^٩) ذكرَ لها ثلاثَ منافعَ أي: أخبرْني عن الشحومِ هلْ تُخَصُّ منَ التحريمِ لِنفعها أمْ لا؟ فأجابَ - ﷺ - أنهُ حرامٌ، فأبانَ لهُ أنها غيرُ خارجةٍ عن الحكم، والضمير [في قولهِ هوَ حرامٌ] (^١٠) يحتملُ أنهُ للبيعِ، أي بيعُ الشحوم حرامٌ، وهذا هوَ الأظهرُ، لأنَّ الكلامَ مسوقٌ لهُ، ولأنهُ قدْ أخْرَجَ الحديثَ أحمدُ (^١١) وفيهِ: فما تَرَى في بيعِ شحومِ الميتةِ - الحديثَ. ويُحْتَمَلُ أنهُ للانتفاعِ المدلولِ عليهِ بقولهِ: فإنَّهَا تُطْلَى بها السفنُ إلى آخرِهِ، وحملَه الأكثرُ عليهِ فقالُوا: لا يُنْتَفَعُ منَ الميتةِ بشيء إلَّا بجلدِها إذا دُبغَ لدليلهِ الذي مَضَى في أولِ (^١٢) الكتابِ؛ فهوَ يخصُّ هذا العمومَ، وهوَ مبنيٌّ على عَوْدِ الضميرِ إلى الانتفاعِ، ومَنْ قالَ: الضميرُ يعودُ إلي البيعِ استدلَّ بالإجماعِ على جوازِ إطعامِ الميتةِ الكلابَ ولو كانت كلابَ الصيدِ لمن ينتفع بها، وقد عرفتَ أن الأقربَ عَوْدُ الضميرِ إلى البيعِ، فيجوزُ الانتفاعُ بالنجسِ مطلقًا [وتحريم] (^١٣) بيعه لما عرفت، ويزيدُه قوةً قولُه في ذمِّ اليهودِ: إنَّهم جملُوا الشحمَ\n_________\n(^١) في (أ): (فلا).\n(^٢) في (أ): (عليه).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) يعني بالثلاثة: الكلب، والخنزير، والكافر [من حاشية المطبوع].\n(^٥) انظر: فتح الباري (٤/ ٤٢٦).\n(^٦) في (أ): (إنه لا نفع).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): (كسر الأصنام).\n(^٩) في (ب): (أنَّه).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) في (المسند) (٣/ ٣٢٦)، وقد تقدم تخريجه رقم (٢/ ٧٣٧) من كتابنا هذا.\n(^١٢) انظر: الأحاديث من (٣/ ١٦) إلى (٥/ ١٨) من كتابنا هذا.\n(^١٣) في (ب): (ويحرم).","vol":"5","page":11},{"text":"ثمَّ باعوهُ وأكلُوا ثمنَه، فإنهُ ظاهرٌ في توجُّهِ النهي إلى البيعِ الذي ترتَّبَ عليهِ أكلُ الثمنِ، وإذا كانَ التحريمُ للبيعِ جازَ الانتفاعُ بشحومِ الميتةِ، والأدهانِ المتنجسةِ في كلِّ شيءٍ غيرَ أكلِ الآدمي، ودهنِ بدنهِ، فيحرمانِ كحرمةِ أكلِ الميتةِ، والترطبِ بالنجاسةِ، وجازَ إطعامُ شحومِ الميتةِ الكلابَ، وإطعامُ العسلِ المتنجسِ النحلَ، [وإطعامهُ] (^١) الدوابَّ، وجوازُ جميعِ ذلكَ مذهبُ الشافعيِّ (^٢)، ونقلَه القاضي عياضُ عنْ مالكٍ وأكثرِ أصحابِه، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والليثِ.\nويؤيدُ جوازَ الانتفاعِ ما رواهُ الطحاوِيُّ (^٣) أنهُ - ﷺ - سُئل عنْ فأرةٍ وقعتْ في سمنٍ فقالَ: إنْ كانَ جامدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كانَ مائعًا فاستصبحُوا بهِ وانتفِعُوا بهِ. قالَ الطحاويُّ: إنَّ رجالَه ثقاتٌ، وَرُوِيَ ذلكَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ منْهم عليٌّ (^٤) - ﵁ - وابن عمرَ (^٥)، وأبو موسى (^٦)، وجماعةٌ منَ التابعين منهم القاسمُ بنُ محمدٍ وسالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وهذا هوَ الواضحُ دليلًا. وأما التفرقةُ بينَ الاستهلاكاتِ وغيرِها فلا دليلَ لها بلْ هوَ رأيٌ محضٌ، وأما المتنجسُ فإنْ كانَ يمكنُ تطهيرهُ فلا كلامَ في جوازِ بيعهِ، وإنْ [كانَ لا يمكنُ] (^٧) فيحرمُ بيعُه. [قالتْهُ] (^٨) الهادويةُ وابنُ حنبلٍ (^٩). وفي الحديثِ دليل على أنهُ إذا حَرُمَ بيعُ شيءٍ حَرُمَ ثمنُه، وأنَّ كلَّ حيلة يُتَوَصَّلُ بها إلى تحليلِ محرَّمٍ فهِيَ باطلةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-795>اختلاف المتبايعين</span>\n٣/ ٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: (إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ\n_________\n(^١) في (أ): (وإطعام).\n(^٢) انظر: المجموع (٩/ ٢٩).\n(^٣) انظر: الأحاديث من (٧/ ٧٤٢)، (٨/ ٧٤٣) من كتابنا هذا.\n(^٤) فلينظر من أخرجه.\n(^٥) انظر: مصنف عبد الرازق (١/ ٨٦) رقم (٢٨٦)، وابن أبي شيبة (٨/ ٩٣) رقم (٤٤٤٨) و(٤٤٤٩).\n(^٦) فينظر من أخرجه.\n(^٧) في (أ): (لم يكن).\n(^٨) في (أ): (قاله).\n(^٩) انظر: (المغني مع الشرح الكبير) (١١/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"5","page":12},{"text":"رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ). رَوَاهُ الخَمْسَة (^١)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: إذا اختلفَ المتبايعان)، وفي روايةِ: البيِّعانِ، (وليسَ بينَهما بيِّنةٌ فالقولُ ما يقولُ ربُّ السلعةِ، [أوْ] (^٣) يتتاركانِ)، وفي روايةٍ: يترادَّانِ، زادَ ابنُ ماجهْ (^٤) في روايتهِ: والمبيعُ قائمٌ بعينهِ. ولأحمدَ (^٥): والسلعةُ كما هيَ. وأمَّا روايةُ (^٦): والمبيعُ مُسْتَهْلَكٌ فهي مضعَّفةٌ (رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). وللعلماءِ كلامٌ كثيرٌ على (^٧) صحةِ الحديثِ.\nقال ابن عبد البر في (الاستذكار): إنَّهُ حديثٌ منقطع لا يكاد يتصل، وإن كان الفقهاءُ قد عَمِلوا بهِ، كُلٌّ على مذهبه الذي تأوله فيه، ثم ذكر طرقه، وأبان ما فيها من الانقطاع، وهوَ دليل على أنهُ إذا وقعَ [اختلافٌ] (^٨) بينَ البائعِ والمشتري في الثمنِ أو المبيعِ أوْ في شرطٍ منْ شروطِهمِا، فالقولُ قولُ البائعِ معَ يمينِه لما عُرِفَ منَ القواعدِ الشرعيةِ أن مَنْ كانَ القولُ قولَه فعليه اليَمينُ، وللعلماءِ في هذا الحكمِ الذي أفادهُ الحديثُ ثلاثةُ أقوال:\nالأولُ للهادي: أن القولَ قولُ البائعِ مطلقًا، وهوَ ظاهرُ حديث الباب.\nالثاني للفقهاءِ: أنَّهما يتحالفانِ ويترادَّان المبيعَ.\nوالثالث: فيه تفصيلٌ وفرْقٌ بينَ الاختلافِ في النوع، أو الجنسِ، أو الصفةِ، وبينَ غيرها، وهوَ تفصيل بلا دليلٍ مُسْتَوفَى في كتبِ الفروعِ، ونَقَلَهُ في الشرح، ويعني بالتحالفِ [أَنْ] (^٩) يحلفَ البائعُ ما بعتُ منكَ كذا، ويحلفُ المشتري ما\n_________\n(^١) في سنن أبي داود (٣٥١١)، والترمذي (١٢٧٠)، والنسائي (٤٦٤٨)، وابن ماجَهْ (٢١٨٦)، وأحمد (١/ ٤٦٦).\n(^٢) في (المستدرك) (٢/ ٤٥). قلت: وأخرجه الدارقطني في (السنن) (٣/ ٢٠) رقم (٦٣): (٧٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢، ٣٣٣) وصحَّحه الألباني في (صحيح أبي داود) (٢/ ٦٧١)، وفي (الإرواء) (٥/ ١٦٦) رقم (١٣٢٢).\n(^٣) زيادة من (ب، ج).\n(^٤) في (سننه) (٢١٨٦).\n(^٥) في (مسنده) (١/ ٤٦٦).\n(^٦) في (سنن الدارقطني) (٢/ ٢٠) رقم (٧٠، ٧١).\n(^٧) وصحَّحه أيضًا ابن السكن كما أشار إليه الحافظ في (التلخيص) (٣/ ٣١).\n(^٨) في (أ): (خلاف).\n(^٩) في (أ): (أنه).","vol":"5","page":13},{"text":"اشتريتُ منكَ كَذَا. وقيلَ غيرُ ذلكَ. والوجهُ في التحالفِ أن كلَّ واحدٍ مدَّعى عليه [فتجبُ] (^١) على كلِّ واحدٍ منْهما اليمينُ لنفي ما ادُّعيَ عليهِ، وهذَ مفهومٌ منْ قولهِ - ﷺ -: (البيِّنةُ على المدَّعِي واليمينُ على المُنْكِرِ) (^٢). والحاصلُ أَنَّ هَذا حديثٌ مطلقٌ مقيدٌ بأدلةِ بابِ الدعاوى، وسيأتي (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-796>النهي عن ثمن الكلبِ ومهر البَغي وحلوان الكاهن</span>\n٤/ ٧٣٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى: (عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَهَى عنْ ثمنِ الكلبِ، [ومهرِ البغيِّ]) (^٥) بفتح الموحدةِ، وكسرِ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ أُرْيدَ بها الزانيةُ، (وحُلوانِ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ (الكاهنِ. متفقٌ عليهِ). والأصلُ في النَّهي التحريمُ، والصحابيُّ قدْ أخْبرَ أنهُ - ﷺ - نَهَى أي أَتَى بعبارةٍ تفيدُ النَّهيَ وإنْ لم يذكرَها، وهوَ دالٌّ على تحريمِ ثلاثةِ أشياءٍ. الأولُ: تحريمُ ثمنِ الكلبِ بالنصِّ، ويدلُّ على تحريمِ بيعهِ باللُّزومِ، وهو عامٌّ لكلِّ كلبٍ منْ معلَّمٍ وغيرِه، وما يجوزُ اقتناؤُه، وما لا يجوزُ. وعنْ عطاءِ والنُّخعي: يجوزُ بيعُ كلبِ الصيدِ لحديثِ جابرٍ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ ثمنِ الكلبِ إلَّا كلبَ [الصَّيدِ] (^٦). أخرجهُ النسائيُّ (^٧) بِرجَالٍ ثقاتٍ، إلَّا أنهُ طعنَ في صحَّتهِ، فإنْ صحَّ [خَصَّصَ] (^٨) عمومَ\n_________\n(^١) في (ب): (فيجب).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي (١٠/ ٢٥٢)، وأصله في البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١/ ١٧١١)، وأبو داود (٣٦١٩)، والترمذي (١٣٤٢)، والنسائى (٥٤٢٥).\n(^٣) باب الدعاوى يأتي في كتاب الجنايات من كتابنا هذا.\n(^٤) في البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (٣٩/ ١٥٦٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجَهْ (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ١١٨، ١١٩، ١٢٠).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): (صيد).\n(^٧) في (سننه) (٤٦٦٨) وقال: هذا منكر اهـ. وصحَّحه الألباني في (صحيح سنن النسائي) (٣/ ٨٩٩).\n(^٨) في (أ): (خصَّ).","vol":"5","page":14},{"text":"النَّهي. والثاني: تحريمُ مهرِ البغيِّ، وهو ما تأخذهُ الزانيةُ في [مقابلِ] (^١) الزِّنى سمَّاهُ مهرًا مَجَازًا فهذا مالٌ حرامٌ. وللفقهاءِ تفاصيلُ في حكمهِ تعودُ إلى كيفيةِ أخْذِهِ، والذي اختارهُ ابنُ القيِّمِ (^٢) أنهُ في جميعِ كيفياتِه يجبُ التصدقُ بهِ ولا يُرَدُّ إلى الدافع، لأنهُ دفَعَه باختيارهِ في مقابل عِوضٍ لا يمكِّنُ صاحبَ العوضِ استرجاعَه، فهوَ كسْبٌ خبيثٌ يجبُ التصدقُ بهِ، ولا يعانُ صاحبُ المعصيةِ بحُصُولِ غرضِه ورجوعِ مالهِ. والثالثُ: حلوانُ الكاهنِ وهوَ مصدرُ حَلَوتُه حُلوانًا إذا أعطيتُه، وأصلهُ منَ الحلاوةِ شُبِّهَ بالشيءِ الحلوِ من حيثُ إنهُ يؤخذُ سهلًا بلا كُلْفةٍ. وأجمعَ العلماءُ على تحريمِ حلوانِ الكاهنِ. والكاهنُ الذي يدَّعي علمَ الغيبِ، ويخبرُ الناسَ عن الكوائنِ، وهوَ شاملٌ لكلِّ مَنْ يدَّعي ذلكَ منْ منجِّمٍ وضرَّابٍ [بالحصباءِ] (^٣)، ونحوِ ذلكَ، فكلُّ هؤلاءِ داخلٌ تحتَ حكمِ الحديثِ، ولا يحلُّ لهُ ما يعطاهُ، ولا يحلُّ لأحدٍ تصديقُه فيما [يتعاطاهُ] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-797>بيع الحيوان واستثناء ركوبه</span>\n٥/ ٧٤٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَى، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبيُّ - ﷺ - فدَعَا لي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: (بِعْنِيهِ بِأُوقيَّةٍ)، قُلْتُ: لَا، ثُمّ قَالَ: (بِعْنِيهِ) فَبِعْتُهُ بِأُوقيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَقَالَ: \"أَتُرَانِي مَاكسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - أنهُ كانَ على جَمَلٍ لهُ [قَدْ] (^٦) أَعيا أي كَلَّ عن السير (فأرادَ أن يُسَيبَهُ، قالَ: فلحقني رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فَدَعا لي، فضرَبه فسارَ سيرًا لمْ\n_________\n(^١) في (ب): (مقابلة).\n(^٢) في (زاد المعاد) (٥/ ٧٧٩).\n(^٣) في (أ): (بالحصا).\n(^٤) في (أ): (تعاطاه).\n(^٥) أخرجه البخاري في عدة مواضع من (صحيحه) منها (٢٤٠٦) و(٢٧١٨)، ومسلم (١٠٩/ ٧١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٠٥)، والنسائي (٤٦٣٧)، وأحمد (٣/ ٢٩٩).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"5","page":15},{"text":"يُرَ مثلَه. قال: بِعْنِيْهِ بأوقيةٍ، قُلتُ: لا، قالَ: بِعْنِيْهِ، فَبْعِتُةُ بأوقيةٍ واشترطتُ حُملانَهُ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، أي الحملَ عليهِ (إلى أهلي، فلما بلغتُ أتيتُه بالجملِ فنقدَني ثمنه ثمَّ رجعتُ فأرسَل في أثري فقالَ: أتُراني) بضمِّ [التاء الفوقانية] (^١) أي تظنُّني (ماكسْتُك) المماكسةُ [في المكالمةُ] (^٢) في النقص [من] (^٣) الثمن (لآخذَ جملَكَ، خذْ جملَكَ ودراهمَكَ فهوَ لكَ. متفقٌ عليهِ، وهذا السياقُ لمسلمٍ).\nفيه [دليل على] (^٤) أنهُ لا بأسَ بطلبِ البيع منَ الرجلِ لسلعتهِ، ولا [في المماكسةِ] (^٥)، وأنَّهُ يصحُّ البيعُ للدابةِ واستثناءِ ركوبِها، [ولكنْ] (^٦) عارضَه [حديثُ] (^٧) النهي عن بيع (^٨) الثُّنَيَّا وسيأتي، وعنْ بيعٍ وشرْطٍ (^٩)، ولمَّا تعارضَا اختلفَ العلماءُ [في ذلكَ] (^١٠) على أقوالٍ:\nالأول: لأحمدَ [على] (^١١) أنهُ يصحُّ ذلكَ، وحديثُ بيع الثُّنَيَّا فيه: (إلَّا أنْ يُعْلَمَ ذلكَ)، وهذا منهُ فقدْ عُلِمَتِ الثُّنَيَّا، فصحَّ البيعُ، وحديثُ النَّهي عنْ بيع وشرطٍ فيهِ مقالٌ معَ احتمالِ أنهُ أرادَ الشرطَ المجهولَ.\nوالثاني: [لمالكٍ] (^١٢) أنهُ يصحُ إذا كانتِ المسافةُ قريبةً وحدُّه [ثلاثةُ] (^١٣) أيامٍ، وحُمِلَ حديثُ جابرٍ على هذَا.\nالثالثُ: أنهُ لا يجوزُ مُطْلقًا، وحديثُ جابرٍ مُؤَوَّلٌ بأنهُ قصةُ عينٍ موقوفةٌ يتطرقُ إليها الاحتمالاتُ. قالُوا: ولأنهُ - ﷺ - أرادَ أنْ يُعْطِيَهُ الثمنَ ولم يُرِدْ حقيقةَ البيعِ، [قالُوا] (^١٤): ويحتملُ أنّ الشرطَ ليسَ في نفسِ العقدِ فلعلَّهُ كانَ سابقًا فلمْ\n_________\n(^١) في (ب): (المثناه الفوقية).\n(^٢) في (أ): (في الممالكة).\n(^٣) في (ب): (عن).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): (بالمماكسة).\n(^٦) في (أ): (ولكنه).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) انظر: تخريج الحديث رقم (٢٥/ ٧٦٠) من كتابنا هذا، والثُّنَيَّا هي أن يستثنى البيع شيء مجهول.\n(^٩) انظر تخريج الحديث رقم (٢٠/ ٧٥٥) من كتابنا هذا.\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) زيادة من (أ).\n(^١٢) في (أ): (عن مالك).\n(^١٣) في (ب): (بثلاثة).\n(^١٤) زيادة من (ب).","vol":"5","page":16},{"text":"يؤثِّرْ ثمَّ تَبَرَّعَ - ﷺ - بإركابِهِ. وأظهرُ الأقوالِ الأولُ وهوَ صحةُ مثلِ هذا الشرطِ، وكلُّ شرطٍ يصحُّ إفرادُه بالعقدِ كإيصالِ المبيعِ إلى المنزلِ، وخياطةِ الثوبِ، وسُكنى الدارِ. وقدْ رُوِيَ عنْ عثمانَ أنهُ باعَ دارًا واستَثْنى سُكْنَاهَا شهرًا. ذكرَهُ في الشِّفَا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-798>بيع مال المفلس</span>\n٦/ ٧٤١ - وَعَنْهُ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبيُّ - ﷺ - فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢) [صحيح]\n(وعنهُ) أي عنْ جابرٍ بن عبد اللَّهِ - ﵁ - (قال: أعتقَ رجلٌ منَّا) أي منَ الأنصارِ (عبدًا لهُ عنْ دُبُرٍ) (^٣)، بضمِّ الدَّالِ المهملةِ، وضمّ [الباء] (^٤) [أيضًا] (^٥)، (لمْ يكنْ لهُ مالٌ غيرهُ، فدعا بهِ النبيُّ - ﷺ - فباعَه. متفقٌ عليهِ). وأخرجَه أبو داودَ، والنسائيُّ أيضًا عن جابرٍ، وسمَّيَا فيهِ العبدَ والرجلَ، ولفظه (^٦): (عنْ جابرٍ أن رجلَا منَ الأنصارِ يُقَالُ لهُ أبو مذكورٍ أَعْتَقَ غلامًا [لهُ] (^٧) يقالُ لهُ أبو يعقوبَ عنْ دُبُرٍ، لمْ يكنْ لهُ مالٌ غيرهُ، فَدعَا بهِ النبيُّ - ﷺ - فقالَ: منْ يشتريْهِ فاشتراهُ نعيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن النحَّامِ بثمانمائةِ درهم، فدفعَها إليهِ)، زادَ الإسماعيليُّ (^٨): وعليهِ دَيْنٌ. وقدْ ترجَم لهُ البخاريُّ في بابِ الاستقراضِ (^٩) فقالَ: منْ باعَ مالَ المفلسِ وقَسَمَهُ بينَ الغرماءِ، أو أعطاهُ إياهُ حتَّى ينفقَه على نفسه، فأشارَ إلى علةِ بيعهِ، وهوَ الاحتياجُ إلى ثمنهِ. واستدلَّ بهِ بعضُهم على منْع المفلسِ منَ التصرفِ في مالهِ، وعلى أن للإِمامِ أنْ يبيعَ عنهُ وتأتي بقيةُ [أبحاثِه] (^١٠) في بابهِ (^١١) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالىَ.\n_________\n(^١) (شفاء الأوام) ص (٣٧٥) مخطوطة بحوزتنا والترقيم لنا.\n(^٢) في البخاري (٢٥٣٤)، ومسلم (٩٩٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٩٥٥) و(٣٩٥٧)، والنسائي (٢٥٤٦) وابن ماجه (٢٥١٣).\n(^٣) أي علَّق عتقه على موته.\n(^٤) في (ب): (الموحدة).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في سنن أبي داود (٣٩٥٧)، ولفظ النسائي (٢٥٤٦) بنحوه.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) ذكرها الحافظ في (الفتح) (٤/ ٤٢١).\n(^٩) في (صحيحه) (٥/ ٦٥).\n(^١٠) في (ب): (مباحثه).\n(^١١) باب القراض في كتابنا هذا من حديث (١/ ٨٥٣)، (٢/ ٨٥٤).","vol":"5","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-799>حكم الفأره تقع في السمن</span>\n٧/ ٧٤٢ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّ فَأرَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنْهَا فَقَالَ: (أَلقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١)، وَزَادَ أَحْمَدُ (^٢)، والنَّسَائِيُّ (^٣): في سَمْنٍ جَامِدٍ. [صحيح]\n(وعنْ ميمونةَ زوجِ النبيِّ - ﷺ -، أن فأرةً وقعتْ في سمنٍ، فماتتْ فيهِ، فَسُئِلَ النبيُّ - ﷺ - فقالَ: ألقُوها وما حولَها وكلُوه. رواهُ البخاريُّ. وزادَ أحمدُ، والنسائيُّ: في سمنٍ جامدٍ). دلَّ أمرهُ - ﷺ - بإلقاءِ ما حولَها وهو ما لامسته منَ السمنِ على نجاسةِ الميتةِ، لأنَّ المرادَ بما حولَها ما لاقاهَا. قال المصنفُ في فتح الباري (^٤): لم يأتِ في طريقٍ صحيحة تحديدُ ما يُلْقَى، لكنْ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٥) منْ مرسل عطاءٍ أنْ يكونَ قدرَ الكفِّ، وسندُه جيدٌ لولا إرسالهُ، انتهى.\nودلَّ مفهومُ قولهِ: (جامدٍ)، أنهُ لوْ كانَ مائعًا لَنَجُسَ كلُّهُ، لِعَدَم تَميُّزِ ما لاقاها مِمَّا لمْ يلاقِها، ودلَّ أيضًا على أنهُ لا ينتفعُ بالدُّهنِ المتنجسِ في شيءٍ منَ الانتفاعاتِ إلَّا أنهُ تقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، وأنهُ يباحُ الانتفاعُ بهِ في غيرِ الأكلِ ودهنِ الآدمي، فيحملُ هذا ويأتي منْ قولهِ: فلا تقْربُوهُ على الأكلِ والدهنِ للآدمي جَمْعًا بينَ مقتضَى الأدلةِ، نعمْ وأما مباشرةُ النجاسةِ فهوَ وإنْ كانَ غيرَ جائزٍ إلا لإِزالتِها عمَّا وجبَ أو ندبَ إزالتُها عنهُ فإنهُ لا خلافَ في جوازِه، لأنهُ لدفعِ مفسدتِها، وبقيَ الكلامُ في مباشرتِها لتسجيرِ التنُّورِ، وإصلاحِ الأرضِ بها، فقيلَ هو طلبُ مصلحتِها، وأنهُ يقاسُ جوازُ المباشرةِ لهُ على المباشرةِ لإزالةِ\n_________\n(^١) في صحيحه (٢٣٥)، وأطرافه (٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٤٩، ٥٥٤٠).\n(^٢) في (مسنده) (٦/ ٣٣٠).\n(^٣) في (سننه) (٤٢٥٩).\nقلت: وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٤١)، والترمذي (١٧٩٨)، وعبد الرزاق في مصنفه (١/ ٨٤) رقم (٢٧٩)، وابن أبي شيبة (٨/ ٩٢) رقم (٤٤٤٤)، وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٥٠٦) رقم (٧٠٧٨)، والدارمي (١/ ١٨٨)، وابن حبان (٤/ ٢٣٤) رقم (١٣٩٢) الإحسان والبيهقي (٩/ ٣٥٣).\n(^٤) (٩/ ٦٧٠).\n(^٥) كذا في (الفتح)، وهو في (مصنف عبد الرزاق) (١/ ٨٥) رقم (٢٨٢).","vol":"5","page":18},{"text":"مفسدتِها، والأقربُ أنها تدخلُ إزالةُ مفسدتِها تحتَ جلْبِ مصلحتِها، فتسجيرُ التنُّورِ بها يدخلُ فيهِ الأمران: إزالةَ مفسدة بقاءُ عينِها، وجلْبِ المصلحةِ لنفعِها في التسجيرِ، وحينئذٍ فجوازُ المباشرةِ للانتفاعِ لا إشكالَ فيهِ.\n٨/ ٧٤٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فلا تَقْرَبُوهُ)، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وَأَبُو حَاتِمٍ (^٤) بِالْوَهْمِ. [ضعيف]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا وقعتِ الفأرةُ في السمنِ، فإنْ كانَ جامِدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كانَ مائعًا فلا تقربُوهُ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وقدْ حَكَمَ عليهِ البخاريُّ، وأبو حاتمِ بالوَهم). وذلكَ لأنهُ قالَ الترمذيُّ (^٥): سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هوَ خطأٌ والصوابُ الزهريُّ عَنْ [عبد اللَّهِ] (^٦)، عن ابن عباسٍ - ﵄ - عنْ ميمونةَ فَرَأْيُ البخاريِّ أنَّهُ ثابتٌ عنْ ميمونةَ، فحكمَ بالوهْمِ على الطريقِ المرويةِ عنْ أبي هريرةَ، وجزمَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (^٧) بأنهُ ثابتٌ منَ الوجهينَ. واعلمْ أنَّ هذا الاختلافَ إنما هوَ لتصحيح اللفظِ الواردِ، وأما الحكمُ فهوَ ثابتٌ، وأنَّ طرحَها وما حولها والانتفاعَ بالباقِي لا يكونُ إلا في الجامدِ. [وهوَ] (^٨) ثابتٌ أيضًا في صحيح البخاريِّ (^٩) بلفظِ: خُذُوها وما حولَها، وكلُوا سَمْنَكم، ويُفْهَمُ منهُ\n_________\n(^١) في (مسنده) (٢/ ٢٣٣، ٢٦٥، ٤٩٠).\n(^٢) في (سننه) (٣٨٤٢).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق (١/ ٨٤) رقم (٢٧٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ٩٢) رقم (٤٤٤٥)، وابن حبان (٤/ ٢٣٧) رقم (١٣٩٣) - الإحسان)، والبيهقي (٩/ ٣٥٣).\n(^٣) قال الترمذي في سننه (٤/ ٢٥٧) إنه سمع محمد بن إسماعيل يقول عنه: هذا خطأ أخطأ فيه معمر اهـ.\n(^٤) في (العلل) (٢/ ١٢). وقال الألباني في ضعيف أبي داود: (شاذ).\n(^٥) في (سننه) (٤/ ٢٥٧).\n(^٦) كذا في المخطوط، وفي الترمذي: (عبيد الله)، وهو الصواب.\n(^٧) انظر: (الإحسان) (٤/ ٢٣٧).\n(^٨) في (أ): (وهكذا).\n(^٩) (٩/ ٦٦٨) رقم (٥٥٣٨).","vol":"5","page":19},{"text":"أنّ الذائبَ يُلْقَى جميعُه؛ إذِ العلةُ مباشرةُ الميتةِ، ولا اختصاصَ في الذائبِ بالمباشرةِ، وتميُّزِ البعض عن البعض. وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يقربُ السمنَ [المائع] (^١) ولو كانَ في غاية الكثرةِ. وتقدَّم (^٢) وَجْهُ الجمْعِ بينَه وبينَ حديثِ الطحاوي.\nفائدةٌ: تمكينُ المكلَّفِ لغير المكلَّفِ كالكلبِ والهرِّ منْ أكلِ الميتةِ ونحوها جائزٌ، وبهِ قالَ الإمامُ يحيى. وقوَّاهُ المهدي وقالَ: إذْ لم يُعهدْ عن السلَّفِ منعُها، انتَهى.\nقلتُ: بلْ واجبٌ إنْ لم يطعمْه غيرَها كما يدلُّ لهُ حديث (^٣): إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هِرَّةٍ، وعلَّلَه بأنَّها لم تُطْعِمْها ولم تتركْها تأكلُ مِنْ خَشاشِ الأرض، وفي خشاشِ الأرضِ ما هوَ محرَّمٌ على المكلَّفِ وغيرهِ. [فا] (^٤) لحديث دلَّ على أن أحدَ الأمرينِ إطعامُها أو تركُها تأكلُ منْ خشاشِ الأرضِ واجبٌ، وبسببِ تركِه عُذِّبَتِ المرأةُ، وخَشاشُ الأرضِ - بالخاءِ المعجمةِ المفتوحةِ، فشينٍ معجمةٍ، ثمَّ ألفٍ فشينٍ معجمةٍ - هوَ هوامُّ الأرضِ [وحشراتُها] (^٥) كما في النهايةِ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-800>النهي عن ثمن السنَّور والكلب</span>\n٩/ ٧٤٤ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَألْتُ جَابِرًا - ﵁ - عَنْ ثَمنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٧)، وَالنَّسَائِيُّ (^٨) وَزَادَ: إلَّا كَلبَ صَيْدٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في شرح الحديث رقم (٢/ ٧٣٧) من كتابنا هذا.\n(^٣) رواه البخاري (٣٣١٨) و(٣٤٨٢) و(٢٣٦٥) من حديث ابن عمر، ومسلم (١٣٥/ ٢٦١٩) و(٢٦١٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) في (أ). (و).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) (٢/ ٣٣) في المخطوط (وحرشاتها)، والصواب ما أثبتناه من النهاية.\n(^٧) في (صحيحه) (١٥٦٩).\n(^٨) في (سننه) (٤٦٦٨) وقال: هذا منكر. =","vol":"5","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-801>ترجمة أبي الزبير محمد بن مسلم</span>\n(وعنْ أبي الزبيرِ) هوَ أبو الزبيرِ (^١) محمدُ بنُ مسلمٍ المكيِّ تابعيٌّ، رَوَى عنْ جابر بن عبيد اللَّهِ كثيرًا (قالَ: سألتُ جابرًا عنْ ثمنِ السِّنَّوْرِ) بكسرِ المهملةِ، وتشديد النونِ، هوَ الهرُّ كما في القاموسِ (^٢)، (والكلبِ فقالَ: زجرَ النبيُّ - ﷺ - عنْ ذلكَ. رواهُ مسلم والنسائيُّ، وزادَ: إلَّا كلبَ صيدٍ). وأخرجَ مسلمٌ هذَا منْ حديثِ جابرٍ، ورافعِ (^٣) بن خُدَيْجٍ. وزادَ النسائيُّ في روايتهِ استثناءَ كلبِ الصيدِ، ثمَّ قالَ: هذا منكرٌ. قالَ المصنفُ في التلخيص (^٤): إنهُ وردَ الاستثناءُ منْ حديثِ جابرٍ، ورجالهُ ثقاتٌ، انتَهى. وروايةُ جابرٍ هذهِ رواها أحمدُ (^٥)، والنسائيُّ، وفيها استثناءُ الكلبِ المعلَّم، إلَّا أنهُ قالَ المناويُّ في (شرحِ الجامع الصغير) (^٦) متعقبًا لقولِ المصنفِ: إنَّ [رجاله] (^٧) ثقاتٌ، بأنهُ قالَ ابنُ الجوزي: (فيه الحسينُ بنُ أبي حفصة) (^٨). قال يحيى بن معين: ليسَ بشيء، وضعَّفه أحمدُ. وقالَ ابنُ حبِانَ: هذا الخبرُ بهذا اللفظِ باطلٌ لا أصلَ له. نعمْ الثابتُ جوازُ اقتناءِ الكلبِ للصيدِ منْ غيرِ نقصٍ منْ عملِ مَنِ اقتناهُ لقوله - ﷺ - (^٩): (من اقتنَى كلبًا إلا كلبَ صيدٍ نَقُصَ منْ أجرهِ كلَّ يومٍ قيراطانِ)، قيلَ: قيراطٌ منْ عملِ الليلِ، وقيراطٌ منْ عملِ النّهارِ.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٧٩)، والترمذي (١٢٧٩)، وابن ماجه (٢١٦١)، وأحمد (٣/ ٣١٧).\n(^١) انظر ترجمته في: (سير أعلام النبلاء) (٥/ ٣٨٠) و(طبقات ابن سعد) (٥/ ٤٨١) و(طبقات خليفة) (٢٨١) و(التاريخ الكبير) (١/ ٢٢١) و(تاريخ الفسوي) (٢/ ٢٢) و(الجرح والتعديل) (٨/ ٧٤) و(ميزان الاعتدال) (٤/ ٣٧) و(تذكرة الحفاظ) (١/ ١٢٦) و(العقد الثمين) (٢/ ٣٥٤).\n(^٢) ص (٥٢٦) وليس فيه بأنه الهر.\n(^٣) في (صحيحه) (٣/ ١١٩٩) رقم (١٥٦٨)، ومتنه يختلف عن متن حديث جابر.\n(^٤) (٣/ ٤).\n(^٥) في (المسند) (٣/ ٣١٧).\n(^٦) (فيض القدير) (٦/ ٣٠٩).\n(^٧) في (ب): (رجالها).\n(^٨) كذا في المخطوط، وفي (فيض القدير): (الحسين بن أبي جعفر)، وفي (المسند): (الحسن بن أبي جعفر) وهو الصواب. انظر: (الكامل) (٢/ ٧١٧)، و(التاريخ الكبير) (١/ ٢/ ٢٨٨)، و(ميزان الاعتدال) (١/ ٤٨٢)، و(التهذيب) (٢/ ٢٢٧)، و(التقريب) (١/ ١٦٤) وقال فيه: ضعيف الحديث مع عبادته وفضله اهـ.\n(^٩) أخرجه البخاري (٥٤٨٠: ٥٤٨٢)، ومسلم (١٥٧٤)، والنسائي (٤٢٨٤)، والترمذي (١٤٨٧)، وأحمد (٢/ ٨، ٤٧، ٦٠) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -.","vol":"5","page":21},{"text":"وقيلَ: منَ الفرضِ والنفلِ. هذا والنَّهيُّ عنْ ثمنِ الكلبِ متفقٌ عليهِ منْ حديثِ [ابن] (^١) مسعودٍ (^٢). وانفرد مسلمٌ (^٣) بروايةِ النَّهْي عنْ ثمنِ السِّنَّوْرِ، وأصلُ النَّهي التحريمُ. والجمهورُ على تحريم بيعِ الكلبِ مطلقًا. واختلفُوا في السنَّورِ، وقدْ ذهبَ إلى تحريم بيعِ السنَّور أبو هريرةَ، وطاوسُ، ومجاهدٌ. وذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ بيعهِ إذا كانَ له نفعٌ، وحملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الحديثِ. والقولُ بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ، مردودٌ بإخراج مسلمِ لهُ وغيرِه، والقولُ بأنهُ لم يروهِ عنْ الزبيرِ غيرُ حمادِ بن سلمةَ مردودٌ أيضًا بأَنهُ أخرجهُ مسلمٌ عنْ معقلِ بن عبدِ اللَّهِ عنْ أبِي الزبير؛ فهذانِ ثقتانِ رَوَيَا عنْ أبي الزبير، وهو ثقةٌ أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-802>شروط الولاء</span>\n١٠/ ٧٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ، فَأَعِينِينيِ. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: فَأبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِني قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ - ﷺ -، فأخبرت عائشةُ النبي - ﷺ - فَقَالَ: (خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ - ﵄ -، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): (أبي).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (٣٩/ ١٥٦٧)، وأبو داود (٣٤٨١)، والترمذي (١٢٧٦) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجه (٢١٥٩)، وأحمد (٤/ ١١٨، ١١٩، ١٢٠).\n(^٣) انظر تخريج الحديث (٩/ ٧٤٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) البخاري (٢٧٢٩)، ومسلم (١٥٠٤). =","vol":"5","page":22},{"text":"وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: (اشْتَريهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ).\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: جاءتني بريرةُ) بفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، وراءينِ بينهما مثناةٌ تحتيةٌ، مولاةٌ لعائشةَ (فقالتْ: [إني] (^١) كاتبتُ) منَ المكاتبةِ وهي العقدُ بينَ السيدِ وعبدِه (أهلي) همْ ناسٌ منَ الأنصارِ كما هو عندَ النسائيِّ، (على تسعِ أواقٍ في كلِّ عامٍ أوقيةٌ، فأعينيني) بصيغةِ الأمرِ للمؤنثِ منَ الإعانةِ، (فقلتُ: إنَّ أحبَّ أهلُكِ أنْ أعدّها لهمْ ويكون ولاؤكِ (^٢) لي فعلتُ، فذهبتْ بريرةُ إلى أهلِها فقالتْ لَهُمْ فأبَوا عليها فجاءتْ منْ عندهم ورسولُ الله - ﷺ - جالسٌ فقالتْ: إني قدْ عرضتُ ذلكَ عليهمْ فأَبَوا إلا أنْ يكونَ لهمُ الولاءُ، فسمعَ النبيُّ - ﷺ - فأخبرتْ عائشة النبيَّ - ﷺ - فقالَ: خُذِيها واشترطي لهم)، قالَ الشافعيُّ (^٣) والمزنيُّ: يعني اشترطي عليهمْ، فاللَّامُ بمعنَى عَلَى، (الولاء، فإنَّما الولاءُ لمنْ أعتقَ، ففعلتْ عائشةُ، ثمَّ قامَ النبيُّ - ﷺ - في الناسِ فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ، ثمَّ قال: أما بعدُ: فما بالُ رجالٍ يشترطونَ شروطًا ليستْ في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كانَ منْ شرطٍ ليسَ في كتابٍ اللَّهِ) أي في شرعهِ الذي كتبهُ على العبادِ، وحكمهُ أعمُّ منْ ثبوتِه بالقرآنِ أو السنةِ، (فهوَ باطلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شرطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحقُّ) بالاتباعِ منَ الشروطِ المخالفةِ لحكمِ اللَّهِ، (وشرطُ اللَّهِ أوثقُ، وإنَّما الولاءُ لمنْ أعتقَ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ. وعند مسلم قال: اشتريْها وأعتقِيْها واشترطي لهمُ الولاءَ).\nالحديثُ دليل على مشروعيةِ الكتابةِ، وهي عَقْدٌ بينَ السيّدِ وعبدِه على رقبتهِ، وهي مشتقةٌ منْ الكَتْبِ وهوَ الفرضُ والحكمُ كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٤)، وهي مندوبةٌ. وقالَ عطاءٌ (^٥) وداودُ: واجبةٌ إذا طلبَها العبدُ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٣٩٢٩، ٣٩٣٠)، والترمذي (١٢٥٦)، والنسائي (٤٦٤٢، ٤٦٤٣)، وابن ماجه (٢٥٢١).\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) المراد بالولاء هنا ولاء العتاقة، وهو ميراث يستحقه المرء بسبب عتق شخص في ملكه.\n(^٣) انظر: (السنن الكبرى) (١٠/ ٣٤٠) و(المعرفة) (١٤/ ٤٦٢).\n(^٤) سورة البقرة: الآية (١٨٣).\n(^٥) انظر: (صحيح البخاري مع الفتح) (٥/ ١٨٤)، (المحلَّى) لابن حزم (٩/ ٢٢٣).","vol":"5","page":23},{"text":"بقدرِ قيمتهِ لظاهرِ الأمرِ في ﴿فكَاتِبُوهُمْ﴾ (^١) وهوَ الأصلُ في الأمر.\nقلتُ: إلَّا أنهُ تعالى قيَّدَ الوجوبَ بقولهِ: ﴿فَكَاتِبُىوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١).\nنعمْ بعدَ علمِ الخير فيهمْ تجبُ الكتابةُ، وفي تفسير الخير [أربعةٍ] (^٢) أقوالٌ:\nالأولُ: للسلفِ، وحديث مرفوع ومرسل عند أبي داودَ (^٣) أنهُ قالَ - ﷺ -: (إنْ علمتمْ فيهمْ حرفةً، ولا ترسلُوهم كلًّا على الناس).\nالثاني: لابنِ عباسٍ قال: (خيرًا) المالُ.\nالثالثُ: عنهُ، أمانةٌ ووفاءٌ.\nالرابعُ: عنهُ، إنْ علمتَ أن مكاتِبكَ يقضيْكَ. وقولُها: في كلِّ عامٍ أوقيةٌ، [و] (^٤) في تقريرهِ - ﷺ - لذلكَ دليل على جوازِ التنجيمِ لا علَى تحتُّمهِ وشرطِيَّتِه كما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ والهادي وغيرُهما (^٥). قالُوا: التنجيمُ في الكتابةِ شرطٌ [فأقلها] (^٦) نجمانِ، واستدلُّوا برواياتٍ عن السَّلَفِ لا تنهضُ دليلًا. وذهبَ الجمهورُ، وأحمدُ، ومالكٌ على جوازِ عقدِ الكتابةِ على نجمٍ لقولهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (^٧) ولَمْ يفصلْ، وهوَ ظاهرٌ. والقولُ بأنه قيَّدَ إطلاقَها الآثارُ عنه السلفِ غيرُ صحيح؛ إذْ ليسَ بإجماعٍ، وتقييدُ الآياتِ بآراءِ العلماءِ باطلٌ. ودلَّ قولُه - ﷺ -: (خُذِيْها)، على جوازِ بيع المكاتبِ عندَ تعسُّر الإيفاءِ بمالِ [الكاتبة] (^٨)، وللعلماءِ في جواز بيع المكاتبِ ثلاثةُ أَقوالٍ:\nالأولُ: جوازُه، وهوَ مذهبُ أحمدَ، ومالكٍ، وحُجَّتُهم قولُه - ﷺ -: (المكاتبُ رقُّ ما بقيَ عليه درهمٌ). أخرجهُ أبو داود (^٩)، وابن ماجهْ (^١٠) من حديثِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه.\n_________\n(^١) سورة النور: الآية (٣٣).\n(^٢) في (ب): (ثلاثة) والصواب ما أثبتناه.\n(^٣) في (المراسيل) ص (١٦٩) رقم (١٨٥) من مرسل يحيى بن أبي كثير.\nقلت: وأخرجه البيهقي من طريقه (١٠/ ٣١٧)، وأخرجه أيضًا (١٠/ ٣١٨) موقوفًا على ابن عباس - ﵄ -.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في المخطوط: (و) في هذا الموضع قبل قالوا، ولا محل لها. انظر: (البحر الزخار).\n(^٦) في (ب): (أقله).\n(^٧) سورة النور: (الآية (٣٣).\n(^٨) في (ب): (الكتابة).\n(^٩) في السنن (٣٩٢٦).\n(^١٠) في السنن (٢٥١٩) بلفظ مختلف. وأخرجه أيضًا (٣٩٢٧)، وصحَّحه الألباني في (الإرواء) (٦/ ١١٩) رقم (١٦٧٤).","vol":"5","page":24},{"text":"والثاني: أنهُ يجوزُ بيعه برضاهُ إلى مَنْ يُعْتِقُهُ محتجِّينَ بظاهرِ حديثِ بريرةَ.\nوالقولُ الثالث: أنهُ لا يجوزُ بيعُه مطلقًا، وهوَ لأبي حنيفة وجماعةٍ، قالُوا: لأنهُ [قد] (^١) خرجَ عنْ مُلْكِ السيدِ، وتَأَوَّلُوا الحديثَ بأنْ قالُوا: إنَّ بريرةَ عجزتْ نفسَها وفسخُوا [العقد كما في شرح (^٢) مسلم عن الحنفية ومن معهم] (^٣)، والقولُ الأولُ أظهرُ، لأنَّ التقييدَ بالوأقع في قصةِ بريرةَ ليسَ فيهِ دليل على أنهُ شرطٌ، وإنَّما كانَ الواقعُ كذلكَ فَمِنْ أينَ أَنهُ شرطٌ.\nوأما القولُ بأنَّ بيَعه يوجبُ سقوطَ حقِّ اللَّهِ فجوابُه أنَّ حقَّ اللَّهِ تعالَى ما [قد] (^٤) ثبتَ فإنهُ لا يثبتُ إلا بالإيفاءِ، والفرضُ أنهُ عجزَ المكاتبُ عنهُ.\nوقولُه: (واشترطي لهمُ الولاءَ) إنْ جعلتَ اللامَ بمعنَى علَى منْ بابِ قولِه: ﴿وَإنْ أَسَأتُمْ فَلَهَا﴾ (^٥) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ﴾ (^٦) كما قالَهُ الشافعيُّ (^٧)، فلا إشكالَ إلا أنهُ قدْ ضُعِّفَ (^٨) بأنهُ لو كانَ كذلكَ لم ينكرْ عليهمْ اشتراطَ الولاءِ، ويجابُ عنهُ بأنَّ الذي أنكرهُ اشتراطُهم له أولَ الأمرِ. وقيلَ أرادَ بِذلكَ الزجرِ والتوبيخ لَهمْ لأنهُ كان - ﷺ - قدْ بيَّنَ لهمْ حكمَ الولاءِ، وأنَّ هذا الشرطَ لا يحلُّ فلما ظهرتْ منهمْ المخالفةُ قالَ لعائشةَ ذلك. ومعناهُ لا تبالي لأنَّ اشتراطهم مخالفٌ للحقِّ، فلا يكونُ ذلكَ للإباحةِ، بلِ المقصودُ الإهانةُ وعدمُ المبالاة بالاشتراطِ، [لأن] (^٩) وجودَه كعدمِه. وبعدَ معرفةِ هذهِ الوجوهِ والتأويلِ يزولُ الإشكال بأنهُ كيفَ وقعَ منهُ الإذنُ - ﷺ - لعائشةَ بالشرطِ لهمْ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ خِداعٌ وغَرَرٌ للبائعِ منْ حيثُ إنهُ يعتقد عندَ البيعِ أنهُ بقيَ [لهُ] (^١٠) بعضُ المنافِع، وانكشفَ الأمرُ على خلافِهِ، ولكنْ بعدَ تحقُّقِ وجوهِ التأويلِ يذهبُ الإشكالُ.\nوفي قولهِ: ([و] (^١١) إنَّما الولاءُ لِمَنْ أعتقَ) دليل على حصر الولاءِ فيمنْ أعتقَ لا يتعدَّاهُ إلى غيرِه.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) للنووي (١٠/ ١٣٩).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة الإسراء: الآية (٦).\n(^٦) سورة الإسراء: الآية (١٠٩).\n(^٧) انظر: (السنن الكبرى) (١٠/ ٣٤٠)، و(المعرفة) (١٤/ ٤٦٢).\n(^٨) انظر: (فتح الباري) (٥/ ١٩١).\n(^٩) في (ب): (وأنَّ).\n(^١٠) في (أ): (لهم).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"5","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-803>حكم بيع أمهات الأولاد وهبتهن</span>\n١١/ ٧٤٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ (^١)، وَالْبَيْهَقِيُّ (^٢)، وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. [موقوف]\n(وعن ابن عمر - ﵄ - قالَ: نَهَى عمرُ عنْ بيعِ أمَّهاتِ الأولادِ، فقالَ: لا تباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورَثُ، يستمتعُ بها ما بدا لهُ، فإذا ماتَ فهيَ حرَّةٌ. رواهُ مالكٌ والبيهقيُّ وقالَ: رفَعَهُ بعضُ الرواةِ فَوَهِمَ). وقال الدارقطنيِّ (^٣): الصَحيحُ وَقْفُهُ على عمرَ. ومِثْلَهُ قالَ عبدُ الحقِّ: قالَ صاحبُ الإلمامِ: المعروفُ فيهِ الوقفُ والذي رفعَهُ ثقةٌ (^٤). وفي البابِ آثارٌ عن الصحابةِ. وقدْ أَخرجَ الحاكمُ (^٥)، وابنُ عساكرَ، وابنُ المنذرِ عنْ بريدةَ قالَ: كنتُ جالسًا عندَ عمرَ إذْ سمعَ صائحةً، قالَ: يا يرفأُ (^٦) انظرْ ما هذا الصوتُ؟ فنظرَ ثمَّ جاءَ، فقالَ: جاريةٌ منْ قريشٍ تُباعُ أمُّها، فقالَ عمرُ: ادعُ لي المهاجرِينَ والأنصارَ، فلمْ يمكثْ ساعةً حتَّى امتلأتِ الدارُ والحجرةُ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: أما بعدُ فهلْ كانَ فيما جاءَ بهِ محمدٌ - ﷺ - القطيعةُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فإنَّها قد أصبحتْ فيكمْ فاشيةً، ثمَّ قرأَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوأ فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوأ أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (^٧)، ثمَّ قالَ: وأيُّ قطيعةٍ أقطعُ منْ أنْ تُباعَ أمُّ امرئٍ منْكم، وقد أوسعَ اللَّهُ لكم؟ قالُوا: فاصنَع ما بدا لكَ، فكتبَ إلى\n_________\n(^١) في (الموطأ) (٢/ ٧٧٦) رقم (٦).\n(^٢) في (سننه الكبرى) (١٠/ ٣٤٢).\nقلت: ورواهُ الدارقطني (٤/ ١٣٤) رقم (٣٣، ٣٥) موقوفًا على عمر - ﵁ -، ورواه مرفوعًا (٤/ ١٣٤، ١٣٥) رقم (٣٤، ٣٦)، قال البيهقي: (١٠/ ٣٤٣) هو وهم لا يحل ذكره، وقال الحافظ في (التلخيص): (٤/ ٢١٧) قال الدارقطني: الصحيح وقفه على ابن عمر عن عمر وكذا قال البيهقي وعبد الحق اهـ.\n(^٣) انظر التعليق السابق.\n(^٤) انظر: (التلخيص الحبير) (٤/ ٢١٧).\n(^٥) في (المستدرك) (٢/ ٤٥٨) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nقلت: ومن طريقه أخرجه البيهقي (١٠/ ٣٤٤).\n(^٦) اسم مولى عمر اهـ. من الحاشية.\n(^٧) سورة محمد: الآية (٢٢).","vol":"5","page":26},{"text":"الآفاقِ: أنْ لا تباعَ أمُّ حرٍّ فإنَّها قطيعةٌ [فإنه] (^١) لا يحلُّ. فهذَا ونحوهُ منَ الآثارِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن الأَمَةَ إذا ولدتْ منْ سيِّدِها حَرُمَ بيعُها، سواءٌ كانَ الولدُ باقيًا أوْ لا. وإِلى هذا ذهب أكثرُ الأمةِ وادَّعى الإجماعَ (^٢) على المنعٍ منْ [بيعهن] (^٣) جماعةٌ منَ المتأخرينَ، وأفردَ الحافظُ ابنُ كثير الكلامَ على هذه المسألةِ في جزءٍ مفردٍ قال: وتلخَّصَ لي عن الشافعيِّ فيها [أربعةُ] (^٤) أقوال [أو] (^٥) في المسألةِ منْ حيثُ هيَ ثمانيةُ أقوالٍ. وقدْ ذهبَ الناصرُ والإماميةُ (^٦)، وداودُ إلى جوازِ بيعهِا لما أفادهُ الحديثُ الآتي:\n١٢/ ٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ - ﷺ - حتيٌّ، لا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٨)، وَالدَّارَقُطْنيُّ (^٩)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^١٠) [صحيح]\n(وَعَنْ جَابِرِ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَاريَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ - ﷺ - حَيٌّ، لا يَرَى بذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاة النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحّحَهُ ابْن حِبّانَ)، وأخرجهُ أَحمدُ، والشافعي، والبيهقيُّ، وأبو داودَ، والحاكمُ، وزادَ في زمن أبي بكر، [وفيهِ] (^١١): فلمَّا كانَ عمرُ نَهانَا فانْتَهينَا، رواه الحاكمُ (^١٢) منْ حديِثِ أبي سعيدٍ،\n_________\n(^١) في (ب): (وإنَّه).\n(^٢) انظر: (مراتب الإجماع) (١٦٣).\n(^٣) في (ب): (بيعها).\n(^٤) في (أ): (ثلاثة).\n(^٥) في (ب): (و).\n(^٦) انظر: (البحر الزخار) (٤/ ٢٢٤).\n(^٧) في (الكبرى) في العتق - كما في (تحفة الأشراف) (٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤) رقم (٢٨٣٥)، وهو في (الكبرى) (٣/ ١٩٩) رقم (٥٠٣٩، ٥٠٤٠).\n(^٨) في (سننه) (٢٥١٧).\n(^٩) في (سننه) (٤/ ١٣٥) رقم (٣٧).\n(^١٠) في (صحيحه) (١٠/ ١٦٦) رقم (٤٣٢٤)، و(موارد الظمآن) (١/ ٥٢٣) رقم (١٢١٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٩٥٤)، وأحمد (٣/ ٣٢١)، وعبد الرزاق (٧/ ٢٨٨) رقم (١٣٢١١)، والحاكم (٢/ ١٨ - ١٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح اهـ. ووافقه الذهبي. وقال ابن حزم (٨/ ٢١٤): وأما حديث جابر فلا حجة فيه وإن كان غاية في صحة السند لأنه ليس فيه أن رسول الله - ﷺ - علم بذلك اهـ. وأخرجه البيهقي (١٠/ ٣٤٧)، والشافعي (٢/ ٤٧) رقم (٣٩٥٤) (بدائع المنن).\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) في (المستدرك) (٢/ ١٩) وصحَّحه.","vol":"5","page":27},{"text":"وإسنادُه ضعيفٌ. قال البيهقيُّ (^١): ليسَ في شيء منَ الطرقِ أنهُ - ﷺ - اطّلَعَ على ذلكَ وأقرَّهم عليه، ويرده روايةُ النسائي (^٢) التي فيها والنبيُّ - ﷺ - حيٌّ لا يَرَى بذلكَ بأسًا. واستدلَّ القائلونَ بجوازِ بيعِها أيضًا بأنهُ صحَّ عنْ عليٍّ - ﵇ -[الرجوع] (^٣) عنْ تحريمِ بيعهَا إلى جوازِه، فأخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٤) عنْ مُعمَّيرٍ، عنْ أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عنْ عبيدةَ السَّلمانيِّ المرادي، قالَ: سمعتُ عليًا - ﵇ - يقولُ: اجتمعَ رأي ورأْيُ عمرَ في أمهاتِ الأولادِ إنْ لا يُبَعْنَ، ثمَّ رأيتُ بعدَ ذلكَ أنْ يُبَعْنَ، الحديثُ. وهو معدودٌ في أصحِّ الأسانيدِ، وأجابَ في الشرحِ عنْ هذه الأدلةِ بأنهُ يحتملُ أن حديثَ جابرٍ كانَ في أولِ الأمرِ، وأنَّ [ما ذكرنا] (^٥) ناسخٌ، وأيضًا فإنهُ راجعٌ إلى التقريرِ وما ذُكِرَ قولٌ، وعندَ التعارضِ القولُ أرجحُ.\nقلتُ: ولا يخْفَى ضعفُ هذا الجوابِ، [لأنهُ لا] (^٦) نسخَ بالاحتمالَ، فللقائل بجوازِ بيعهِا أنْ يقلبَ الاستدلالَ ويقولُ: يُحْتَملُ -[على فرض أن الحديث مرفوع] (^٧) - أن حديثَ ابن عمرَ (^٨) كانَ [في] (^٩) أولَ الأمرِ ثمَّ نُسخ بحديثِ جابرٍ (وإن كان احتمالًا، بعيدًا] (^١٠)، ثمَّ قولُه: إنَّ حديثَ جابرٍ راجعٌ إلى التقريرِ، وحديثُ ابن عمرَ قولٌ، والقولُ أرجحُ عندَ التعارضِ، يقالُ عليهِ: القولُ لم يصحَّ رفعُه، بل صرَّحَ المصنفُ وغيرهُ أن رفْعَهُ وهْمٌ، وليسَ في منعِ بيعهِا إلَّا رأيُ عمرَ لا غيرُ، ومنْ شاورَهُ منَ الصحابةِ، وليسَ بإجماع فليسَ بحجةٍ على أنهُ لو كانَ في المسألةِ نصٌ لما احتاجَ عمرُ والصحابةُ إلى الرأي.\nوأما حديث ابن عباس (^١١) أنها لما ولدت مارية ابنه إبراهيم فقال - ﷺ -:\n_________\n(^١) في (السنن الكبرى) (١٠/ ٣٤٨) بتصرف.\n(^٢) في (السنن الكبرى) له (٣/ ١٩٩) رقم (٥٠٣٩)، وفي (الكبرى) للبيهقي (١٠/ ٣٤٨) أيضًا أنه كان حيًا - ﷺ -.\n(^٣) في (ب): (رجع).\n(^٤) في (المصنف) (٢/ ٢٩١) رقم (١٣٢٢٤)، قلت: رواه البيهقي في (الكبرى) (١٠/ ٣٤٣، ٣٤٨).\n(^٥) في (ب): (ما ذكر).\n(^٦) في (أ): (فإنه).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) يعني الحديث رقم (١١/ ٧٤٦) من كتابنا هذا.\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤١) رقم (٢٥١٦)، والدارقطني (٤/ ١٣١) رقم (٢١، ٢٢)، والبيهقي =","vol":"5","page":28},{"text":"أعتقها ولدها، فإنه قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (^١): أنه روي من أوجه ليس بالقوي، ولا يثبته أهل الحديث. قال: وكذلك حديث ابن عباس (^٢) - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: (أيُّما [أمة] (^٣) ولدت من سيدها فهي حرة إذا مات)، لا يصح لأنه انفرد به الحسين بن عبد الله بن عبيد اللَّهِ بن عباس، وهو ضعيف (^٤) متروك. انتهى. وأما أبو محمد بن حزم فقد صحَّح (^٥) الأول، وتعقب بما بسطناه في حواش ضوء النهار (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-804>حرمة بيع فضل الماء والملح والكلأ</span>\n١٣/ ٧٤٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٧)، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ (^٨): وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ. [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ [بن عبد اللَّهِ] (^٩) - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عنْ بيع فضلِ الماءِ: رواه مسلمٌ، وزادَ في روايةٍ: وعنْ بيعِ ضِرَابِ الجملِ)، وأخرجه أصحابُ\n_________\n= (١٠/ ٣٤٦)، وابن سعد في (الطبقات) (٨/ ٢١٥)، وهو حديث ضعيف ضعَّفه الألباني في (الإرواء) (٦/ ١٨٦) رقم (١٧٧٢).\n(^١) (٢٣/ ١٥٤) رقم (٣٣٩٠٤، ٣٣٩٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٨٤١) رقم (٢٥١٥)، وأحمد (١/ ٣١٧) والدارقطني (٤/ ١٣١) رقم (٢٠)، والحاكم (٢/ ١٩) وصحَّحه، وقال الذهبي: قلت حسين متروك. اهـ، والبيهقي (١٠/ ٣٤٦) وقال: حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي ضعَّفه أكثر أصحاب الحديث. ورواه الدارقطني (٤/ ١٣١) رقم (١٩)، والبيهقي (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧) وقال: وهو ضعيف اهـ بلفظ: (أم الولد حرة وإن كان سقطًا)، قال الحافظ في (التلخيص) (٤/ ٣١٧): والصحيح أنه من قول ابن عمر. اهـ، وصحَّح البيهقي (١٠/ ٣٤٧) كونه من حديث عمر.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٣) في (ب): (امرأة).\n(^٤) انظر: (ميزان الاعتدال) (١/ ٥٣٧)، و(التهذيب) (٢/ ٢٩٦)، و(التقريب) (١/ ١٧٦) رقم (٣٦٦).\n(^٥) في (المحلَّى) (٨/ ٢١٥) (٦) (٤/ ١٧٧١).\n(^٦) في (صحيحه) رقم (١٥٦٥).\n(^٧) في (صحيحه) أيضًا (٣٥/ ١٥٦٥).\n(^٨) قلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٤٧٧)، وأحمد (٣/ ٣٥٦).\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"5","page":29},{"text":"السننِ (^١) منْ حديثِ إياس بن عبدٍ، وصحَّحه الترمذيُّ، وقالَ أبو الفتحِ القشيريِّ: هوَ عَلَى شرطِهما، والحديثُ دليل على أنهُ لا يجوزُ بيعُ ما فَضُلَ منَ الماءِ عنْ كفايةِ صاحبهِ. قالَ العلماءُ: وصورةُ ذلكَ أنْ ينبعَ في أرضِ صاحبه ماءٌ فيسقي الأعلى، ثمَّ يفضلُ عنْ كفايتهِ فليسَ لهُ المنعُ، وكذَا إذا اتخذَ حفرةً في أرضٍ مملوكةٍ يُجْمَعُ فيها الماءُ، أو حفرَ بئرًا فيسقي منهُ، ويسقي أرضَه فليسَ لهُ منعُ ما فَضُلَ. وظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنهُ يجبُ عليهِ بذلُ ما فَضُلَ عنْ كفايتهِ لشربٍ، أو طَهُورٍ، أو سقي زرعٍ، وسواءٌ كانَ في أرضٍ مباحةً أو مملوكةٍ. وقدْ ذهبَ إلى هذا العموم ابنُ القيمٍ في الهدي (^٢)، وقالَ: إنهُ يجوزُ دخولُ الأرضِ المملوكةِ لأخْذِ الماءِ والكلأ لأنَّ لهُ حقًّا في ذلكَ ولا يمنعُه استعمالُ ملكِ الغيرِ، وقالَ: إنهُ نصَّ أحمدُ على جوازِ الرعي في أرضٍ غيرِ مباحةٍ للراعي، وإلى مثلهِ ذهبَ المنصورُ باللَّهِ، والإمامُ يحيى في الحطَبِ والحشيشِ (^٣). ثمَّ قالَ: إنهُ لا فائدةَ لإذنِ صاحبِ الأرضِ، لأنهُ ليسَ لهُ منعُه منَ الدخولِ بلْ يجبُ عليهِ تمكينُه، ويحرمُ عليهِ منعهُ فلا يتوقفُ دخولهُ علَى الإذنِ، وإنَّما يحتاجُ إلى الإذنِ في الدخولِ في الدار إذا كانَ فيها سَكَنٌ لوجوبِ الاستئذانِ، [وأما] (^٤) إذا لم يكنْ فيها سَكَنٌ فقدْ قالَ تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوأ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ﴾ (^٥). ومن احتفرَ بئْرًا أو نَهَرًا فهوَ أحقُّ بمائهِ، ولا يمنعُ الفضلةَ عنْ غيره سواءٌ قلْنا: إنَّ الماءَ حقٌّ للحافرِ لا ملكٌ كما هوَ قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، أو قلْنا هوَ ملْكٌ، فإنْ عَليه بذلَ الفضلةِ لغيرهِ لما أخرجَهُ أبو داودَ (^٦): (أنهُ [قال رجلٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعهُ؟ قالَ: الماءُ] (^٧)، قالَ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما\n_________\n(^١) أبو داود (٣٤٧٨)، والترمذي (١٢٧١) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٤٦٦٢)، وابن ماجه (٢٤٧٦)، وأحمد (٣/ ٤١٧)، (٤/ ١٣٨) وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٦٥٥) رقم (٢٩٦٩).\n(^٢) (زاد المعاد في هدي خير العباد) (٥/ ٨٠٤).\n(^٣) انظر: (البحر الزخار) (٣/ ٣٢٦).\n(^٤) في (أ): (فأمَّا).\n(^٥) سورة النور: الآية (٢٩).\n(^٦) في سننه (٣٤٧٦)، وضعَّفه الألباني في (ضعيف أبي داود) ص (٣٤٦) رقم (٧٥٢).\n(^٧) زيادة ليست في (أ) وهي في (السنن) وفي (ب).","vol":"5","page":30},{"text":"الشيءُ الذي لا يحلُّ منعهُ؟ قالَ: الملحُ). وأفادَ أن في حكمِ الماءِ الملحَ، وما [شاكله] (^١)، ومثلهُ الكلأُ، فمنْ سبقَ بدوابِّهِ إلى أرضٍ مباحةٍ فيها عُشْبٌ فهوَ أحقُّ برعْيِهِ ما دامتْ فيهِ دوابُّه، فإذا [خرجتْ] (^٢) منهُ فليسَ لهُ بيعهُ.\nهذا وأما [المحروز] (^٣) في الأسقيةِ والظروفِ فهوَ مُخصَّصٌ منْ ذلكَ بالقياسِ على الحَطَبِ فقدْ قالَ - ﷺ - (^٤): (لأَنْ يأخذَ أحدُكم حَبْلًا فيأخذَ حزمةً منْ حطب فيبيعَ ذلكَ فيكفَّ بها وجْهَهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يسألَ الناسَ أُعطِيَ أوْ مُنِعَ)، فيجوزُ بيعهُ ولا يجبُ بذْلُه إلَّا لمضْطَّرٍ، وكذلكَ بيعُ البئرِ والعينِ أنفسِهما فإنهُ جائزٌ. فقدْ قالَ - ﷺ - (^٥): (منْ يشتري بئرَ رومةَ يُوَسِّعُ بها على المسلمين فلهُ الجنةُ)، فاشتَراها عثمانُ والقصةُ معروفةٌ، [و] (^٦) قولُه: (وعنْ ضرابِ الجملِ)، أي ونَهَى عنْ أجرةِ ضرابِ الجملِ، وقدْ عبرَّ عنهُ بالعسبِ في الحديثِ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-805>النهي عن عسب الفحل</span>\n١٤/ ٧٤٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٧) [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ عَسْبِ الفحلِ) وهوَ بفتحِ العينِ المهملةِ، وسكونِ السينِ المهملةِ، فباءٍ موحَّدةٍ (رواهُ البخاريُّ)، وفيه وفيما قَبْلهُ دليل على تحريمِ استئجارِ الفحل للضرابِ، والأجرةُ حرامٌ. وذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ إلى أنهُ يجوزُ ذلكَ إلا أنهُ يستأجرُه للضرابِ مدةً معلومةً، أو تكونُ الضراباتُ معلومةً. قالُوا: لأَنَّ الحاجةَ تدعُو إليهِ وهيَ منفعةٌ مقصودةٌ، وحملُوا النَّهْي على التنزيهِ وهوَ خلافُ أصله.\n_________\n(^١) في (أ): (يشاكله).\n(^٢) في (أ): (خرج).\n(^٣) في (ب): (المُحرَّزُ).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٤٧١) وأطرافه (٢٠٧٥، ٢٣٧٣)، وأخرجه ابن ماجه (١٨٣٦).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣٧٠٣) وحسَّنه، والنسائي (٣٦٠٨)، والبيهقي (٦/ ١٦٨). وصحَّحه الألباني في (صحيح سنن النسائي) (٣/ ٧٦٦) رقم (٣٣٧٤).\n(^٦) في (أ): (تأتي).\n(^٧) في صحيحه (٢٢٨٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٢٩)، والترمذي (١٢٧٣)، والنسائي (٤٦٧١).","vol":"5","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-806>النهي عن بيع حبل الحبَلة</span>\n١٥/ ٧٥٠ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يبْتَاعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَالَّلفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٢). [صحيح]\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عنْ بيعِ حَبَل الحَبَلَةِ)، بفتحِ الحاءِ المهملةِ، والباءِ الموحدةِ فيهما (وكانَ بيعًا يبتاعُه أهلُ الجاهليةِ) وفسَّرهُ قولُه: (كانَ الرجل يبتاعُ الجَزوْرَ) بفتحِ الجيمِ، وضمِّ الزاي. أي: البعيرَ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى. وهوَ مؤنثٌ وإنْ أُطْلِقَ على مُذَكَّرٍ، تقولُ: هذه [جزور] (^٣) (إلى أنْ تُنتجَ) بضمِّ أولهِ وفتح ثالثه، [أي تَلِدُ] (^٤) (الناقةُ)، وهذا الفعلُ لم يأتِ في لغةِ العربِ إلا على بِنَاءٍ للمجهولِ، (ثمَّ تُنْتَجُ التي في بطنها)، وهذا التفسيرُ مدرجٌ في الحديثِ منْ كلامِ نافعِ. وقيلَ: منْ كلامِ ابن عمرَ (^٥) (متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ)، ووقعَ في روايةِ: حَمْلِ ولدِ النّاقةِ منْ دونِ اشتراطِ الإنتاجِ (^٦)، وفي روايةٍ: (أنْ تنتجَ الناقةُ ما في (^٧) بطنها) منْ دونِ أنْ يكونَ نتاجُها قدْ حملَ وأنتجَ، والحبلُ مصدرُ حَبَلَتْ تحبَلُ يسمَّى بهِ المحبولُ، والحبلةُ جمْعُ حابلِ مثلُ ظلَمةٍ في ظالمٍ، وكتَبةٍ في كاتبِ، ويقالُ: حابلٌ وحابلةٌ بالتاءِ. قالَ أبو عبيدٍ (^٨): لم يردِ الحَبَلُ في غيرِ الآدمياتِ إلَّا في هذا الحديثِ. وقالَ غيرهُ (^٩): بلْ ثبتَ في غيرهِ.\n_________\n(^١) البخاري (٢١٤٣) وأطرافه (٢٢٥٦، ٣٨٤٣)، ومسلم (١٥١٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٢٢٩)، وابن ماجه (٢١٩٧)، وأحمد (١/ ٥٦)، (٢/ ٥، ٦٣، ١٠٨)، والحميدي (٢/ ٣٠٣) رقم (٦٨٩)، والبغوي (٨/ ١٣٦) رقم (٢١٠٧)، ومالك (٢/ ٦٥٣) رقم (٦٢).\n(^٢) رقم (٢١٤٣) كما تقدم.\n(^٣) في (ب): (الجزور).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: تفصيل الحافظ لذلك في (الفتح) (٤/ ٣٥٧).\n(^٦) كما في رواية البخاري (٢٢٥٦).\n(^٧) في البخاري (٣٨٤٣).\n(^٨) مادة حبل في غريب الحديث لأبي عبيد في (١/ ٢٠٨)، وليس فيه ما ذكره الشارح وأفاده الحافظ في (الفتح) (٤/ ٣٥٧).\n(^٩) كصاحب المحكم كما ذكره الحافظ (٤/ ٣٥٧).","vol":"5","page":32},{"text":"والحديثُ دليل على تحريمِ هذا البيعِ. وإختلفَ العلماءُ في هذا المنْهِيِّ عنهُ لاختلافِ الرواياتِ هلْ [هوَ] (^١) منْ حيثُ يؤجلُ بثمنِ الجزورِ إلى أنْ يحصلَ [النتاجُ] (^٢) المذكورُ، أو إنهُ يبيعُ منهُ النتاجُ. ذهبَ (^٣) إلى الأولِ مالكٌ والشافعيُّ وجماعةٌ قالُوا: وعلةُ النَّهْي [هي] (^٤) جهالةُ الآجلِ، وذهبَ إلى [الثمن] (^٥) الثاني أحمدُ وإسحاقُ وجماعةٌ منْ أئمةِ اللغةِ، وبهِ جَزَم الترمذيُّ (٣). قالُوا: علةُ النَّهي [هوَ] (^٦) كونُه بيعٌ معدومٌ، ومجهولٌ، وغيرُ مقدورٍ على تسليمِه، وهوَ داخلٌ في بيعِ الغررِ؛ وقَدْ أشارَ إلى هذا البخاريُّ (^٧) حيثُ صَدَّرَ البابَ ببيعِ الغررِ، وأشار إلى التفسيرِ الأولِ ورجَّحهُ أيضًا في بابِ (^٨) السلمِ بكونهِ موافقًا للحديثِ، وإنْ كانَ كلامُ أهلِ اللغةِ موافقًا للثاني. نعمْ ويتحصَّلُ منَ الخلافِ أربعةُ أقوالِ، لأنهُ يُقَالُ: هلِ المرادُ البيعُ إلى أجل، وبيعُ الجنينِ، وعلى الأولِ هلِ المرادُ بالأجلِ ولادةُ الأمِّ أو ولادةُ ولدِها، وعلى الثاني هلِ المرادُ بيعُ الجنينِ الأولِ أو جنينُ [الثاني] (^٩) فصارتْ أربعةَ أقوالٍ.\n[هذا] (^١٠) وحُكي (^١١) عن ابن كيسانَ، [وعن] (^١٢) المبردِ أن المرادَ بالحبلةِ الكرمةُ، وأنهُ نُهِيَ عنْ بيعِ ثمرِ العنبِ قبلَ أن يصلحَ، فأصلُه على هذا بسكونِ الباءِ الموحدةِ، لكنَّ الرواياتِ بالتحريكِ، إلَّا أنهُ قدْ حُكِيَ في الحَبَلَةِ بمعنَى الكرْمَةِ فتحُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-807>النهي عن بيع الولاء وهبته</span>\n١٦/ ٧٥١ - وَعَنْهُ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١٣) [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة على المخطوط.\n(^٢) في (أ): (الثمن).\n(^٣) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٥٨)، وسنن الترمذي (٣/ ٥٣١).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): (هي).\n(^٧) (٤/ ٣٥٦) باب (٦١).\n(^٨) في (٤/ ٤٣٥) باب (٨).\n(^٩) في (ب): (الجنين).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٥٨) و(سنن الترمذي) (٣/ ٥٣١).\n(^١٢) زيادة من (أ).\n(^١٣) البخاري (٢٥٣٥) وطرفه رقم (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٩١٩)، والنسائي (٤٦٥٨، ٤٦٥٩)، وابن ما جه (٢٧٤٧، =","vol":"5","page":33},{"text":"(وعنهُ) أي ابن عمرَ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عنْ بيعِ الولاءِ) بفتحِ الواوِ، (وعنْ هِبَتِهِ. متفقٌ عليهِ). والولاءُ هوَ: ولاءُ العتقِ، أي: وهوَ إذا ماتَ المعتَقُ ورثَه معتقُه، كانتِ العربُ تهبهُ وتبيعهُ فَنُهِيَ عنهُ لأنَّ الولاءَ كالنَّسَبِ لا يزولُ بالإزالةِ. ذكرهُ في النَّهايةِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-808>النهي عن بيع الغرر</span>\n١٧/ ٧٥٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). اشتملَ الحديثُ (^٣) على النَّهْي عنْ صورتينِ منْ صورِ البيعِ.\nالأولى: بيعُ الحصاةِ، واختُلِفَ في تفسيرِ بيعِ الحصاةِ، قيلَ: هوَ أنْ يقولَ ارمِ بهذهِ الحصاةِ فعلَى أيِّ ثوب وقعتْ فهوَ لك بدرهم، وقيلَ: هوَ أنْ يبيعَه منْ أرضِه قدْرَ ما انتهتْ إليهِ رميةُ الحصاةِ. وقيلَ: هو أن يقبضَ على كفِّ من حصا ويقولُ: لي بعدد ما خرجَ في القبضةِ منَ الشيءِ المبيعِ، أو يبيعه سلعةَ ويقبضُ على كفٍّ من حصا ويقول: لي بكل حصاة درهمٌ، وقيلَ: أنْ يمسكَ أحدُهما حصاةً بيدهِ ويقولُ: أيَّ وقتٍ سقطتِ الحصاةُ فقدْ وجبَ البيعُ، وقيلَ: هوَ أنْ يعترضَ القطيعَ منَ الغنمِ فيأخذَ حصاةً ويقولُ: أيَّ شاةٍ أصابتْها فهيَ لكَ بكذَا. وكلُّ هذهِ متضمنةٌ للغررِ لما في الثمنِ [أ] (^٤) والمبيعِ منَ الجهالةِ، ولفظُ الغررِ يشملُها، وإنَّما أفردتْ لكونِها [كانتْ] (^٥) مما يبتاعُها الجاهليةُ فَنَهى - ﷺ - عنْها، وأضيفَ البيعُ إلى الحصاةِ للملابسةِ لاعتبارِ الحصاةِ فيه.\n_________\n= (٢٧٤٨)، وأحمد (٢/ ٩، ٧٩، ١٠٧)، والحميدي (٢/ ٢٨٥) رقم (٦٣٩).\n(^١) (٥/ ٢٢٧).\n(^٢) في (صحيحه) (٤/ ١٥١٣).\nوأخرجه أبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٢٣٠)، والنسائي (٤٥١٨)، وابن ماجه (٢١٩٤).\n(^٣) انظر شرح الحديث في: (شرح النووي) (١٠/ ١٥٦).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"5","page":34},{"text":"والثانيةُ: بيعُ الغَررِ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، والراءِ المتكررةِ، وهوَ بمعنَى مغرورٍ [به] (^١) اسمُ مفعولٍ، وإضافةُ المصدرِ إليهِ منْ إضافتهِ إلى المفعولِ، ويحتلُ غيرُ هذَا، ومعناهُ الخِدَاعُ الذي هوَ مَظَنَّةُ أنْ لا رِضَا بهِ عندَ تحققهِ،، فيكونُ منْ أكلِ المالِ بالباطلِ، ويتحققُ في صورِ إما بعدمِ القدرةِ على تسليمهِ كبيعِ العبدِ الآبقِ، والفرسِ النافرِ، أو بكونهِ معدومًا أو مجهولًا، أو لا يتمُّ ملكُ البائع لهُ كالسمكِ في الماءِ الكثيرِ، ونَحوِ ذلكَ منَ الصورِ. وقدْ يحتملُ بعضَ الغَرَرِ فيصحُّ معهُ البيعُ إذا دعتْ إليهِ الحاجةُ كالجهلِ بأساسِ الدارِ، وكبيعِ الجبَّةِ المحشوةِ، وإنْ لم يَرَ حشْوَها؛ فإنَّ ذلكَ مُجْمَعٌ عليهِ. وكَذَا على جوازِ إجارةِ الدارِ والدابةِ شهرًا معَ أنهُ قدْ يكونُ الشهرُ ثلاثينَ يومًا أو تسعةً وعشرينَ، وعلى دخولِ الحمَّامِ بالأجرةِ معَ اختلافِ الناسِ في استعمالِهم الماءَ، وقدرِ مُكْثِهِمْ، وعلى جوازِ الشربِ [من] (^٢) السِّقَاءِ بالعوضِ معَ الجهالةِ، وأجمعُوا على عدمِ صحةِ بيعِ الأجنةِ في البطونِ (^٣)، والطيرِ في الهواءِ (^٤)، واختلفُوا في صورٍ كثيرةٍ اشتملتْ عليها كتبُ الفروعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-809>منع التصرف في المبيع المكيل إلا بعد اكتياله</span>\n١٨/ ٧٥٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: (مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالَهُ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعنهُ) أي أبي هريرةَ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: منِ اشتَرى طعامًا فلا يبِعه حتَّى يكتالَه. رواهُ مسلمٌ). وقدْ وردَ في الطعامِ أنهُ لا يبيعهُ من اشتراهُ حتَّى يستوفيهِ منْ حديثِ جماعةٍ منَ الصحابةِ (^٦)، ووردَ في أعمِّ منَ الطعامِ حديثُ حكيمِ بن حزامٍ عندَ أحمدَ (^٧)، قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إني أشتري بُيُوعًا فما يحلُّ لي\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): (في).\n(^٣) انظر: (الإجماع) لابن المنذر ص (١١٤، ١١٥) رقم (٤٧٦، ٤٧٧).\n(^٤) انظر: (شرح النووي) (١٠/ ١٥٦).\n(^٥) في (صحيحه): (١٥٢٨).\n(^٦) منهم:\n١ - ابن عباس - ﵄ -، رواه البخاري (٢١٣٢)، ومسلم (١٥٢٥).\n٢ - جابر بن عبد الله - ﵁ -، رواه مسلم (١٥٢٩).\n٣ - عبد الله بن عمر - ﵄ -، رواه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).\n(^٧) في (المسند) (٣/ ٤٠٢).","vol":"5","page":35},{"text":"منْها وما يحرُم عليَّ؟ قالَ: (إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه). وأخرج الدارقطني (^١)، وأبو داود (^٢) من حديث زيد بن ثابتٍ: (أن النبيَّ - ﷺ - نَهَى أنْ تُباعَ السِّلعةُ حيثُ تُبْتَاعُ، حتَّى يحوزَها التجارُ إلى رحالِهِم)، وأخرجهُ السبعةُ (^٣) إلا الترمذيِّ (^٤) منْ حديثِ ابن عباسٍ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: (منِ ابتاعَ طعامًا فلا يبِعه حتَّى يستوفِيْهِ). قالَ ابنُ عباسٍ: ولا أحسبُ كلَّ شيءٍ إلا مثلَه، فدلَّتِ الأحاديثُ أنهُ لا يجوزُ بيعُ أيِّ سلعةٍ شُرِيَتْ إلَّا بعدَ قبضِ البائعِ لها واستيفائِها.\nوذهبَ (^٥) قومٌ إلى أنَّه يختصُّ هذا الحكمُ بالطعامِ لا غيرِه منَ المبيعاتِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يختصُّ ذلكَ بالمنقولِ دونَ غيرِه لحديثِ زيدِ بن ثابتٍ فإنهُ في السلعِ. والجوابُ أن ذكَرَ حكمِ الخاصِّ لا يخصُّ بهِ العامُّ، وحديثَ حكيم عامٌ، فالعملُ عليهِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وأنهُ لا يجوزُ البيعُ للمشتري قبلَ القبض مطْلقًا، وهوَ الذي دَلَّ لهُ حديثُ حكيم، واستنبطهُ ابنُ عباس.\nفائدةٌ: أخرجَ الدارقطنيُّ (^٦) منْ حديثِ جابرٍ: (نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ بيع الطعامِ حتَّى يجري فيهِ الصَّاعانِ، صاعُ البائعِ وصاعُ المشتري؛ ونحَوه للبزار (^٧)\n_________\n(^١) في (سننه) (٣/ ١٣) رقم (٣٦).\n(^٢) في (سننه) (٣٤٩٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٠) وصحَّحه، وهو حديث حسن لغيره.\n(^٣) البخاري (٢١٣٢) وطرفه (٢١٣٥)، ومسلم (١٥٢٥)، وأبو داود (٣٤٩٦، ٣٤٩٧)، والترمذي (١٢٩١)، والنسائي (٤٥٩٧: ٤٦٠٠)، وابن ماجه (٢٢٢٧)، وأحمد (١/ ٣٦٨).\n(^٤) بل والترمذي كما تقدم في التعليق السابق.\n(^٥) انظر: (شرح النووي) (١٠/ ١٦٩، ١٧٠).\n(^٦) في (سننه) (٣/ ٨) رقم (٢٤).\nقلت: ورواه ابن ماجه (٢٢٢٨)، والبيهقي (٥/ ٣١٦)، وهو حديث حسن.\n(^٧) (٢/ ٨٦) رقم (١٢٦٥) - كشف).\nقلت: وأخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) (٥/ ٣١٦)، وأورده الهيثمي في (المجمع) (٤/ ٩٨) وقال: (رواه البزار وفيه مسلم بن أبي مسلم الجرمي ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح) اهـ.\nقلت: ولقد ترجم لمسلم هذا ابنُ حبان في الثقات (٩/ ١٥٨) وقال: (سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى ربما أخطأ مات سنة أربعين ومائتين) اهـ. ونقل ابن حجر في (اللسان) (٦/ ٣٢) رقم (١٢٦) قول ابن=","vol":"5","page":36},{"text":"منْ حديثِ أبي هريرةَ بإسنادٍ حسَنَ، فدلَّ على أنهُ إذا اشترى الشيءَ مكايلة وقبضهُ ثمَّ باعَه لم يجزْ تسليمهُ بالكيلِ الأولِ، حتَّى يكيلَه على منِ اشتراهُ ثانيًا، وبذلكَ قالَ الجمهورُ، وقالَ عطاءٌ: يجوزُ بيعُه بالكيل الأولِ، [ولعله] (^١) لم يبلغْه الحديثُ، ولعلَّ عِلةَ الأمرِ بالكيلِ ثانيًا لِتَحقُّقِ ما يجوزُ من النقص بإعادةِ الكَيل لإذهابِ الخداعِ، وحديث الصاعين دليل على أنه لا يجوز بيعُ الجزافِ إلا أن في حديثِ ابن عمرَ أنَّهم كانُوا يبتاعونَ الطعامَ جُزَافًا، ولفظهُ: (كُنَّا نشتري الطعامَ منَ الركبانِ جُزَافًا، فنهانا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ نبيعه حتَّى ننقله)، أخرجه الجماعةُ (^٢) إلا الترمذيَّ. قالَ ابنُ قدامةَ (^٣): يجوزُ بيعُ الصبرةِ جُزافًا لا نعلمُ فيهِ خلافًا. وإذا ثبتَ جوازُ بيعِ الجزافِ حُمِلَ حديثُ الصاعينِ على أن المرادَ أنهُ إذا اشتَرى الطعامَ كيلًا وأريدَ بيعَه فلا بدَّ منْ إعادةِ كيلهِ للمشتري.\n\n<span data-type='title' id=toc-810>النهي عن بيعتين في بيعة</span>\n١٩/ ٧٥٤ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَالنَّسَائِيُّ (^٥)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَابْنُ حِبّانَ (^٧). [حسن]\n- وَلأبي دَاوُدَ (^٨): (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا، أَوِ الرِّبَا). [حسن]\n(وعنهُ) أي أبي هريرةَ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ بيعتينِ في بيعةٍ. رواهُ\n_________\n= حبان المتقدِّم وأضاف قول الأزدي عن مسلم هذا وهو: (حديث بأحاديث لا يتابع عليها …).\n(^١) في (ب): (وكأنه).\n(^٢) البخاري (٢١٦٦) و(٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٨)، والنسائي (٤٦٠٥): (٤٦٠٨)، وابن ماجه (٢٢٢٩).\n(^٣) في (المغني) (٤/ ٢٤٥) مسألة رقم (٢٩٦٨).\n(^٤) في (المسند) (٢/ ٤٣٢، ٤٧٥، ٥٠٣).\n(^٥) في (سننه) (٤٦٣٢).\n(^٦) في (سننه) (١٢٣١)، وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٧) في (صحيحه) (١١/ ٣٤٧) رقم (٤٩٧٣) الإحسان).\n(^٨) في (سننه) (٣٤٦١).\nقلت: وقد حسَّنه الألباني في (الإرواء) (٥/ ١٤٩، ١٥٠).","vol":"5","page":37},{"text":"أحمدُ، والنسائيُّ وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبانَ. ولأبي داودَ) منْ حديثِ أبي هريرةَ: (مَنْ باعَ بيعتينِ في بيعةٍ فلهُ أوكسُهُما أو الرِّبَا). قالَ الشافعيُّ (^١): لهُ تأويلانِ: أحدُهما: أنْ يقولَ بِعْتُكَ بألفينِ نسيئةً، وبألفٍ نَقْدًا، فأيُّهما شئتَ أخذْتَ بهِ، وهذا [بيعٌ] (^٢) فاسدٌ لأنهُ إيهامٌ وتعليقٌ. والثاني: أنْ يقولَ: بعتُكَ عبدي على أنْ تبيعَني فرسَك، [انتهى] (^٣). وعلةُ النَّهي على الأولِ عدمُ استقرارِ الثمنِ، ولزومُ الرِّبا عندَ مَنْ يمنعُ بيعَ الشيءِ بأكثرَ منْ سعرِ يومِه لأجل النَّسَاءِ، وعلى الثاني لتعليقِه بشرطٍ مستقَبلٍ يجوزُ وقوعُه، وعدمُ وقوعِه، فلم يستقرَّ الملكُ. وقولُه: (فلهُ أوكسهُما أو الرِّبا) يعني [أنهُّ] (^٤) إذا فعلَ ذلكَ فهوَ لا يخلُو عنْ أحدِ الأمرينِ: إما الأوكسُ الذي هوَ أخذُ الأقلِّ أوِ الرِّبا، وهذَا مما يؤيدُ التفسيرَ الأولَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-811>النهي عن سلف وبيع</span>\n٢٠/ ٧٥٥ - وَعَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ)، رَوَاهُ الْخمْسَةُ (^٥)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ (^٦). [حسن]\nوَأَخْرَجَهُ في عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبي حَنِيفَةَ عَنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ بَلَفْظِ: نَهى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَمِنْ هذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ (^٧) في الأَوْسَطِ. وَهُوَ غَرِيبٌ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: (فتح العزيز شرح الوجيز) (٨/ ١٩٤) بحاشية المجموع).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٤٦١١)، وابن ماجه (٢١٨٨)، وأحمد (٢/ ١٧٤، ١٧٩، ٢٠٥).\n(^٦) في (المستدرك) (٢/ ١٧).\nقلت: وأخرجه الطيالسي ص (٢٩٨) رقم (٢٢٥٧)، والدارمي (٢/ ٢٥٣)، وابن الجارود ص (٢٣٥) رقم (٦٥١)، والبيهقي (٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، (٥/ ٣٤٨) وهو حديث حسن. انظر: (الإرواء) (٥/ ١٤٧) و(الصحيحة) للألباني (٣/ ٢١٢) رقم (١٢١٢).\n(^٧) (٢/ ٣٣٣) رقم (١٥٧٧) من رواية ابن جريج عن عمرو.\n(^٨) قال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ١٢) رقم (١١٥٠): (ورويناه في الجزء الثالث من مشيخة=","vol":"5","page":38},{"text":"(وعنْ عمروِ بن شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضْمَنْ، ولا بيع ما ليسَ عندَك. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وخرَّجَهُ) أي الحاكمُ (في علومِ الحديثِ منْ روايةِ أبي حنيفةَ عنْ عمرو المذكورِ بلفظٍ: نَهَى عنْ بيعٍ وشرطٍ. ومنْ هذا الوجهِ) يعني الذي أخرجَه الحاكمُ (أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ وهوَ غريبٌ).\nوقدْ رواهُ جماعةٌ واستغربَهُ النوويُّ (^١). والحديثُ اشتملَ على أربعِ صورٍ نُهِيَ عن البيعِ على صفتِها.\nالأُولى: سَلَفٌ وَبَيْعٌ؛ وصورةُ ذلكَ حيثُ يريدُ الشخصُ أن يشتريَ سلعةً بأكثرَ منْ ثمَنها لأَجلِ النَّسَاءِ، وعندَهُ أن ذلكَ لا يجوزُ، فيحتالُ بأنْ يستقرضَ الثمنَ منَ البائعِ ليعجِّلَه إليه حيلةً.\nوالثانيةُ: شرطانِ في بيعٍ، اختُلِفَ في تفسيرهِما، فقيلَ: هو أنْ يقولَ بِعتُ هذا نقدًا، وبِكَذَا نسيئةً. وقيلَ: هوَ أنْ يشرطَ البائعُ على المشتري أنْ لا يبيعَ السلعةَ ولا يهَبها، وقيلَ: هوَ أنْ يقولُ: بعتُك هذهِ السلعةَ بكذَا على أن تبيعَني السلعةَ الفلانيةَ بِكذَا، ذكرة في الشرحِ نقلًا عن الغيثِ (^٢). وفي النهايةِ (^٣): (لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ، وهوَ مثلُ أنْ يقولَ: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ على أن تُسَلِّفَنِي ألفًا في متاعٍ، أو على أن تُقْرِضَني ألفًا، لأنهُ يقرضُه ليحابيهِ في الثمنٍ، فيدخل في حدِّ الجهالةِ، ولأنَ كلَّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ رِبا، ولأنَّ في العقدِ شرطًا ولا يصحُّ) اهـ.\nوقولُه: (ولا شرطانِ في بيعٍ)، فسَّرَهُ في النهايةِ (^٤) بأنهُ: (كقولكَ بِعتُكَ هذا الثوبَ نقدًا بدينارٍ، ونسيئةٍ بدينارينِ، وهوَ كالبيعتينِ في بيعة\") اهـ.\nوالثالثةُ: قولُه: ولا ربحَ ما لم يُضْمَنْ، قيلَ: معناهُ ما لم يُمَلَّكْ، وذلكَ هوَ الغصبُ، فإنهُ غيرُ ملكٍ للغاصبِ، فإذا باعهُ وربِحَ في ثمنهِ لم يحلَّ لهُ الربحُ.\n_________\n= بغداد للدمياطي ونقل فيه عن ابن أبي الفوارس أنه قال: غريب. اهـ.\n(^١) انظر: (التلخيص) (٣/ ١٢) رقم (١١٥٠).\n(^٢) (الغيث المدرار المفتح لكمائم الأزهار)، تأليف: الإمام المهدي أحمد بن يحيى المرتضى الحسني (٨٤٠) شرح على كتاب المؤلف: (الأزهار في فقه الأئمة الأطهار) في أربع مجلدات. اهـ من مؤلفاته الزيدية (٢/ ٢٩٧) رقم (٢٣٣٠).\n(^٣) (٢/ ٣٩٠).\n(^٤) (٢/ ٤٥٩).","vol":"5","page":39},{"text":"وقيلَ معناهُ ما لم يقبضْ، لأنَّ السلعةَ قبلَ قَبْضِها ليستْ في ضمانِ المشتري، إذا تلفتْ تلفتْ منْ مالِ البائعِ.\nوالرابعةُ: قولُه: (ولا بيع ما ليسَ عندَك)؛ قدْ فسَّرها حديثُ حكيمِ بن حزامٍ عندَ أبي داودَ (^١)، والنَّسَائيَّ (^٢) أنهُ قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، يأتيني الرجلُ فيريدُ منِّي [المبيع] (^٣) ليسَ عندي، فأبتاعُ لهُ منَ السوقِ، قالَ: (لا تبعْ ما ليسَ عندَك)؛ فدلَّ على أنهُ لا يحلُّ بيعُ الشيءِ قبلَ أن [يملك] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-812>النهي عن العربان</span>\n٢١/ ٧٥٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - قالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ)، روَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي (^٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. [ضعيف]\n(وعنهُ) أي عمروِ بن شعيبٍ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ بيعِ العُربانِ) بضمِّ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، وبالباءِ الموحدةِ، ويقالُ: أربانُ، ويقالَ: عربونٌ (رواهُ مالكٌ، قال: بلغني عنْ عمروِ بن شعيبٍ بهِ)، وأخرجَهُ أبو داودَ، وابنُ ماجهْ، وفيهِ راوٍ لمْ يُسَمَّ، وسُمِّي في روايةٍ (^٦) فإذا هوَ ضعيفٌ، ولهُ طُرُقٌ لا تخلُو عنْ\n_________\n(^١) في (سننه) (٣٥٠٣).\n(^٢) في (سننه) (٤٦١٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٢٣٢)، وابن ماجه (٢١٨٧)، وأحمد (٣/ ٤٠١، ٤٠٣) وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه الألباني في (الإرواء) (٥/ ١٣٢) رقم (١٢٩٢).\n(^٣) في (أ): (البيع).\n(^٤) في (ب): (يملكه).\n(^٥) في (الموطأ) رواية يحيى بن يحيى (٢/ ٦٠٩) رقم (١)، ورواية أبي مصعب الزهري (٢/ ٣٠٥) رقم (٢٤٧٠) وفي كليهما: (عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب …)، وكذا رواية إسحاق بن عيسى عند أحمد (٢/ ١٨٣)، والبلاغ إنما هو من رواية عبد الله بن مسلمة أخرجه أبو داود (٣/ ٧٦٨) رقم (٣٥٠٢)، وهشام بن عمار أخرجه ابن ماجه (٢١٩٢) وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢١٩٣).\nقلت: وهو حديث ضعيف ضعَّفه الألباني في ضعيف ابن ماجه ص (١٦٨) رقم (٤٧٥).\n(^٦) قال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ١٧) رقم (١١٧٣): (وسمى في رواية لابن ماجه ضعيفة: عبد الله بن عامر الأسلمي وقيل هو ابن لهيعة وهما ضعيفان) اهـ. وعبد الله بن عامر هذا إنما روى عنه أبو محمد حبيب كاتب مالك بن أنس ولم يرو عنه مالك بن أنس كما هي سائر الروايات، فالله أعلم. انظر سنن ابن ماجه (٢١٩٣). =","vol":"5","page":40},{"text":"مقالٍ، [فبيعُ] (^١) العربانِ فسَّرهُ مالكٌ قالَ (^٢): هوَ أن يشتريَ الرجلُ العبدَ، أو الأمةَ، أو يكتري، ثمّ يقول للذي اشترى منهُ أوِ اكْتَرَى: [أعطيك] (^٣) دينارًا أو دِرْهَمًا على أني إِنْ أخذتُ السلعةَ فهوَ منْ ثمنِها، وإلَّا فهوَ لكَ. واختلفَ الفقهاءُ في جوازِ هذَا البيعِ فأبطلَه مالكٌ (^٤)، والشافعيُّ (^٥) لهذَا النَّهْي، ولما فيهِ منَ الشرطِ الفاسدِ والغَرَرِ، ودخوِله في أكلِ المالِ بالباطلِ. ورُوِيَ (٥) عنْ عمرَ وابنهِ وأحمدَ جوازُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-813>النهي عن بيع المبيع قبل حيازته</span>\n٢٢/ ٧٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا في السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذرَاعِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى: (أَنْ تُبَاعَ السَّلَعُ حَيثُ تُبْتَاعُ، حتى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ). رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)، واللَّفْظُ لَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٨)، وَالْحَاكِمُ (^٩). [حسن لغيره]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: ابتعتُ زيتًا في السوقِ، فلمَّا استوْجَبْتُهُ لقيَني رجلٌ فأعطاني بهِ ربحًا حسنًا، فأردتُ أنْ اأضربَ على يدِ الرجلِ) يعني يعقدُ لهُ البيعَ، (فأخذَ رجلٌ منْ خلْفي بذراعي، فالتفتُ فإِذا هوَ زيدُ بنُ ثابتٍ [فقال] (^١٠): لا تبعْهُ حيثُ ابتعتَهُ\n_________\n= وانظر: (المجموع) (٩/ ٣٣٤) فقد بسط الكلام عليه بسطًا طيبًا.\n(^١) في (ب): (وبيع).\n(^٢) في (الموطأ) رواية يحيى (٢/ ٦٠٩) رقم (١).\n(^٣) في (ب): (أعطيتك).\n(^٤) في (الموطأ) رواية يحيى (٢/ ٦١٠).\n(^٥) انظر: (المجموع) (٩/ ٣٣٥)، و(المغني)، (٤/ ٣١٣).\n(^٦) في (المسند) (٥/ ١٩١).\n(^٧) في (سننه) (٣٤٩٩).\n(^٨) في (صحيحه) (١١/ ٣٦٠) رقم (٤٩٨٤) الإحسان).\n(^٩) في (المستدرك) (٢/ ٤٠).\nقلت: وهو حديث حسن لغيره كما تقدم معنا في أثناء شرح الحديث رقم (١٨/ ٧٥٣).\n(^١٠) في (ب): (قال).","vol":"5","page":41},{"text":"حتَّى تحوزَهُ إلى رحلِكَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى أنْ تباعَ السلعُ حيثُ تبتاعُ، حتَّى يحوزَها التجارُ إلى رحالهم. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ واللفظُ لهُ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ، والحاكمُ).\nالحديثُ دليلٌ على أنه لا يصحُّ من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزَه إلى رحلهِ، والظاهرُ أن المرادَ بهِ القبضُ، لكنهُ عبَّرَ عنهُ بما ذكرَ لما كانَ [الغالب] (^١) قبض المشتري الحيازةُ إلى المكانِ الذي [اختص] (^٢) بهِ، وأما نقلُه منْ مكانٍ إلى مكانٍ لا يختصُّ بهِ، فعندَ الجمهورِ (^٣) أن ذلكَ قَبْضٌ. وفَصَّلَ الشافعيُّ فقالَ: إنْ كانَ مما يُتَنَاوَلُ باليدِ كالدّراهمِ والثّوبِ فقبضَه نُقِلَ، (وما) يُنْقَلُ في العادةِ كالأخشابِ، والحبوبِ، والحيوانِ، فقبضه بالنقلِ إلى مكانٍ آخرَ، وما كانَ لا يُنْقَلُ كالعَقَارِ والثمرِ على الشجرِ فقبضُه بالتخلية.\nوقوله: (فلمَّا استوجبْتُهُ)، في روايةِ أبي داودَ (^٤): استوفَيْتُه. وظاهرُ اللفظِ أنهُ قبضَه، ولم يكنْ قد حازَه إلى رحلهِ، ويدلُّ له قولُه نَهَى أنْ تُبَاعَ السلعةُ حيثُ تبتاعُ حتَّى يحوزَها التُّجارُ إلى رِحالِهم.\n٢٣/ ٧٥٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّي أَبِيعُ الإِبلَ بِالْبِقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هذَا مِنْ هذِهِ، وَأُعْطِي هذهِ مِنْ هذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لَا بَأسَ أَنْ تَأَخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيءٌ)، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، (^٥) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦) [ضعيف]\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبتاع\n_________\n(^١) في (ب): (غالب).\n(^٢) في (ب): (يختص).\n(^٣) انظر: (المجموع) (٩/ ٢٧٠).\n(^٤) كذا في المخطوط وفي نسخ أبي داود التي بين أيدينا (استوجبته).\n(^٥) أبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٤٥٨٢)، وابن ماجه (٢٢٦٢) وأحمد (٢/ ٨٣، ١٣٩، ١٥٤).\n(^٦) في (المستدرك) (٢/ ٤٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر)، وأفصح ابن حزم في (المحلى) (٨/ ٥٠٣ و٥٠٤) عن علة الحديث بقوله: (سماك بن حرب ضعيف يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة). وانظر كلام الألباني في (الإرواء) (٥/ ١٧٣) رقم (١٣٢٦) وقد حكم عليه بالضعف.","vol":"5","page":42},{"text":"بالدنانيرِ وآخذ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهمِ وآخذ الدنانيرَ؛ [آخذ هذَا منْ هذَا وأعطي هذَا منْ هذا] (^١)، فقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: لا بأسَ أنْ تأخذَها بسعرِ يومِها ما لم تفترِقَا وبينَكما شيءٌ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَة الحاكمُ). هوَ دليل على أنهُ يجوزُ أن يُقْضَى عن الذهبِ الفضةُ، وعن الفضةِ الذهبُ، لأنَّ ابنَ عمرَ كان يبيع بالدنانيرِ فيلزمُ المشتري له في ذمته دنانير، وهي الثمن، ثم يقبضُ عنْها الدراهمَ وبالعكسِ. وبوَّبَ له أبو داودَ (^٢): بابُ اقتضاء الذهب عن الورِقِ ولفظهُ: كنتُ أبيعُ الإبل بالبقيع [فأبيعُ] (^٣) بالدنانير وآخذُ الدارهمَ، [وأبتع] (^٤) بالدراهمِ وآخذُ الدنانيرَ، وأنهُ سألَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: لا بأسَ أنْ تأخذَها بسعرِ يومِها ما لمْ تفتَرِقا وبينَكما شيءٌ.\nوفيهِ دليل على أن النَّقْدينِ جميعًا غيرُ حاضرينِ والحاضرُ أحدُهما فبيَّنَ - ﷺ - الحكمَ بأنَّهما إذا فَعَلا ذلكَ فحقُّهُ أن لا يفترقا إلا وقدْ قبضَ ما هوَ لازمٌ عوضَ ما في الذمَّةِ، فلا يجوزُ أن يقبضَ البعضَ منَ [الدراهم] (^٥)، ويبقَى البعضُ في ذمةِ مَنْ عليهِ الدنانيرُ عِوَضًا عنها ولا العكسُ، لأنَّ ذلكَ منْ بابِ الصرفِ، والشرطُ فيهِ أن لا يَفْتَرِقا وبينهما شيءٌ، وأما قولُه في روايةِ أبي داودَ (^٦): بسعرِ يومها، فالظاهرُ أنهُ غيرُ شرطٍ، وإنْ كانَ أمرًا أغلبيًا في الواقعِ، يدلُّ على ذلكَ قولُه: فإذا اختلفتِ الأصنافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم إذا كانَ يدًا بيدٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-814>النهي عن النجش في البيع</span>\n٢٤/ ٧٥٩ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن النَّجشِ) بفتحِ النون، وسكونِ الجيم، بعدَها شينٌ معجمةٌ (متفقٌ عليهِ). النَّجشُ لغةً (^٨): تنفيرُ الصيدِ\n_________\n(^١) كما في المخطوط (أ، ب، ج).\n(^٢) في (سننه) (١٤) وفيه (من) بدلًا من (عن).\n(^٣) في (أ): (فأبتع).\n(^٤) في (ب): (وأبيع).\n(^٥) في (ب): (الذهب).\n(^٦) في (سننه) (٣٣٥٤).\n(^٧) البخاري (٢١٤٢)، ومسلم (١٣/ ١٥١٦).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤٥٠٥)، وابن ماجه (٢١٧٣)، وأحمد (٢/ ٦٣، ١٠٨، ١٥٦).\n(^٨) انظر: (القاموس) ص (٧٨٣).","vol":"5","page":43},{"text":"واستثارتُه منْ مكانِه ليصادَ. وفي الشرعِ: الزيادةُ في ثمنِ السلعةِ المعروضةِ للبيعِ لا ليشتريَها بل ليغرَّ بذلكَ غيرَه، وسُمِّيَ الناجش في السلعةِ ناجشًا لأنهُ يثيرُ الرغبةَ فيها ويرفعُ ثمنَها. قالَ ابنُ بطَّالٍ (^١): أجمعَ العلماءُ على أن الناجِشَ عاصٍ بفعلِه، واختلفوا في البيعِ إذا وقعَ على ذلكَ، فقال طائفةٌ منْ أئمةِ الحديثِ: البيعُ فاسدٌ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ (^٢)، وهوَ المشهورُ في مذهبِ الحنابلةِ (^٣)، وروايةٌ عنْ مالكٍ، إلا أن الحنابلةَ يقولونَ بفسادِه إنْ كانَ مواطأةَ [منَ] (^٤) البائعِ أو منْهُ.\nوقالتِ المالكيةُ: يثبتُ لهُ الخيارُ وهوَ قولُ الهادويةِ (^٥) قياسًا على المصراةِ، والبيعُ صحيحٌ عندَهم. وعندَ الحنفيةِ قالُوا: لأنَّ النَّهْيَ عائدٌ إلى أمرٍ مفارقٍ للبيعِ وهوَ قَصْدُ الخداعِ فلم يقتضِ الفسادَ، وأما ما نُقِلَ (^٦) عن ابن عبدِ البرِ، وابنِ العربي، وابنِ حزمٍ أن التحريمَ إذا كانتِ الزيادةُ المذكورةُ فوقَ ثمنِ المثلِ فلوْ أنَّ رجلًا رأَى سلعةً تُبَاعُ بدونِ قيمتِها فزادَ فيها لتنتهيَ إلى قيمتِها لمْ يكنْ ناجشًا عاصيًا بلْ يُؤجَرُ على ذلكَ بنيتهِ، قالُوا: لأنَّ ذلكَ من النصيحةِ، فهوَ مردودٌ بأنَّ النصيحَة تحصلُ بغيرِ إيهامِ أنهُ يريدُ الشراءَ، وأما معَ هذا فهوَ خِداعٌ وغَرَرٌ. وأخرجَ البخاريُّ (^٧) منْ حديثِ ابن أبي أَوْفَى في سببِ نُزُولِ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^٨) إنَّه قالَ: أقامَ رجلٌ سلعتَه باللَّهِ لقدْ أُعطِيَ بها ما لم يعطَ، فنزلتْ. قالَ ابنُ أبي أَوْفَى: الناجشُ آكلُ ربا خائنٌ، فجعلَ ابنُ أبي أَوْفَى مَنْ أخبرَ بأكثرَ مما اشتَرى بهِ أنهُ ناجشٌ لمشاركتهِ لمنْ يزيدُ في السلعةِ، وهوَ لا يريدُ أن يشتريَها في [ضرر] (^٩) الغيرِ، فاشتركَا في الحكمِ لذلكَ، وحيثُ كانَ الناجشُ غيرَ البائعِ فقدْ يكونُ آكلَ ربًا إذا جَعلَ لهُ البائع جُعَلًا.\n_________\n(^١) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٥٥).\n(^٢) قال ابن حزم في (المحلَّى) (٨/ ٤٤٨) مسألة رقم (١٤٦٦): فلا يجوز أن يفسخ بيع صحَّ بفساد شيء غيره، ولم يأت نهي قط عن البيع الذي ينجش فيه الناجش، بل قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ اهـ. وما ذكره الشارح تابع فيه الحافظ في (الفتح) (٤/ ٣٥٥).\n(^٣) انظر: (المغني) (٤/ ٣٠٠) مسألة (٣٠٩٩).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) انظر: (ضوء النهار) (٣/ ١٢٦٢).\n(^٦) نقله الحافظ في (الفتح) (٤/ ٣٥٦).\n(^٧) في صحيحه (٢٠٨٨)، وطرفاه (٢٦٧٥، ٤٥٥١).\n(^٨) سورة آل عمران: الآية (٧٧).\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"5","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-815>النهي عن المحاقلة والمزابنة</span>\n٢٥/ ٧٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى: (عنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنَيَّا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ)، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١) إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح]\n([و] (^٢) عنْ جابرٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَهَى عن المحاقلةِ) مفاعلةٌ بالحاءِ المهملةِ والقافِ، (والمزابنةِ) بِزِنَتِها بالزاي، بعدَ الألفِ موحَّدةٌ فنونٌ، (والمخابرةِ) بِزِنَتِها بالخاءِ المعجمةِ [فألفٍ] (٢)، فموحدةٍ فراءٍ، (وعنِ الثُّنَيَّا) بالمثلثةِ مضمومةً فنونٌ مفتوحةٌ (^٣) فمثناةٌ تحتيةٌ بزنةِ ثُرَيَّا [الاستثناءُ] (^٤) (إلا أنْ تُعْلَمَ) عائدٌ إلى [الأخير] (^٥). (رواهُ الخمسةُ إلَّا ابنَ ماجه، وصحَّحهُ الترمذيُّ).\nاشتملَ الحديثُ على أربعِ صور نَهَى الشارعُ عنْها:\nالأُولى: المحاقلةُ، وفسَّرها (^٦) جابرٌ راوي الحديثِ بأنَّها بيعُ الرجلِ منَ الرجلِ الزرعَ بمائةِ فرْقٍ (^٧) منَ الحنطةِ، وفسَّرها (^٨) أبو عبيدٍ [بأنَّه] (^٩) بيعُ الطعامِ في سُنْبُلِهِ، وفسَّرها (^١٠) مالكٌ بأنْ تُكرى الأرضُ ببعضِ ما تُنْبِتُ، وهذهِ هي المخابرةُ ويبعدُ هذا التفسيرُ عطفُها عليها في هذهِ الروايةِ، وبأنَّ الصَّحابيَّ أعرفُ\n_________\n(^١) أبو داود (٣٤٠٤) و(٣٤٠٥)، والترمذي (١٢٩٠، ١٣١٣)، والنسائي (٣٨٧٩، ٣٨٨٠)، وابن ماجه (٢٢٦٦) وفيه النهي عن المحاقلة والمزابنة فقط، وأحمد (٣/ ٣٦٠).\nقلت: وأخرجه البخاري (٢٣٨١) وليس فيه الثنيا، وأخرجه مسلم (١٥٣٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) ضبطت بالساكنة في (القاموس) ص (١٦٢٧) و(النهاية) (١/ ٢٢٤) وكذا ضبطه محمد فؤاد عبد الباقي في (صحيح مسلم) (٣/ ١١٧٥).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): (الآخر).\n(^٦) أخرجه الشافعي في (المسند) (١/ ٣١١) رقم (٢٠٩) وفي (الأم) (٣/ ٦٣).\n(^٧) الفرق = ٨.٢٣٥ كيلو جرام، وانظر كتابنا: (الإيضاحات العصرية للمقاييس والمكاييل والأوزان الشرعية).\n(^٨) في غريب الحديث) له (١/ ٢٢٩، ٢٣٠).\n(^٩) في (ب): (بأنّها).\n(^١٠) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٤٠٤).","vol":"5","page":45},{"text":"بتفسيرِ ما رَوَى، وقدْ فسَّرها جابرٌ بما [عرفت] (^١) كما أخرجهُ عنهُ الشافعيُّ (^٢).\nوالثانيةُ: المزابنةُ مأخوذةٌ منَ الزَّبْنِ بفتحِ الزاي وسكونِ الموحدةِ، وهوَ الدفعُ الشديدُ، كأنَّ كلَّ واحدٍ منَ المتبايعينِ يدفعُ الآخرَ عنْ حقِّهِ، وفسَّرها ابنُ عمرَ كما رواهُ مالكٌ (^٣) ببيعِ التمرِ (^٤) أي رُطَبًا بالتمرِ [مكيلًا] (^٥)، وبيعُ العنبِ (^٦) بالزبيب كيلًا، وأخرجهُ عنهُ الشافعيُّ في الأمِّ (^٧) وقالَ: تفسيرُ المحاقلةِ والمزابنةِ في الأَحاديثِ يحتملُ أنْ [يكونَ] (^٨) عن النبيِّ - ﷺ - منصوصًا ويحتملُ أنهُ من رواية من رواهُ، والعِلَّةُ في النَّهْي عنْ ذلكَ هوَ الربِّا لعدمِ العلمِ بالتساوي.\nوالثالثةُ: المخابرةُ وهيَ منَ المزارعةِ، وهيَ المعاملةُ على الأرضِ ببعضِ ما يخرجُ منْها منَ الزرعِ، ويأتي الكلامُ عليْها في المزارعة (^٩).\nوالرابعةُ: الثُنَيَّا فإنه منهيٌّ عنها إلا أن تُعلمُ. صورةُ ذلكَ أن يبيعَ شيئًا ويُسْتَثْنَى بَعْضُهُ، ولكنَّهُ إذا كانَ ذلكَ البعضُ معلومًا صحَّتْ، نحوَ أنْ يبيعَ أشجارًا أو أعنابًا، ويستثني واحدةً معينةً، فإنَّ ذلكَ يصحُّ اتفاقًا. قالُوا: لو قالَ إلا بعضَها، فلا يصحُّ لأنَّ الاستثناءَ مجهولٌ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا عُلِمَ القدرُ الْمُسْتَثْنَى صحَّ مطلقًا، وقيلَ: لا يصحُّ أنْ يستثنى ما يزيدُ على الثلثِ. هذا والوجهُ في النَّهي عن الثُّنَيَّا هوَ الجهالةُ، وما كانَ معلومًا فقدِ انتفتِ العلةُ فخرجَ عنْ حُكْمِ النَّهْي، وقدْ نبَّهَ النصُّ على العلةِ بقولهِ: (إلَّا أنْ تُعْلَمَ).\n٢٦/ ٧٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١٠) [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): (عرف).\n(^٢) في (المسند) (١/ ٣١١) رقم (٢٠٩) كما تقدم.\n(^٣) في (الموطأ) (٢/ ٦٢٤) رقم (٢٣).\n(^٤) كذا في المخطوط، وفي (الموطأ) (الثمر) بالمثلثة.\n(^٥) كذا في المخطوط، وفي (الموطأ) (كيلًا)، وكذلك في (ب).\n(^٦) كذا في المخطوط، وفي (الموطأ) (الكرم).\n(^٧) (٣/ ٦٣).\n(^٨) في (ب): (تكون).\n(^٩) في شرح الحديث رقم (٢/ ٨٥٦) من كتابنا هذا.\n(^١٠) في (صحيحه) (٤/ ٤٠٤) رقم (٢٢٠٧).","vol":"5","page":46},{"text":"(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن المحاقلةِ، والمخاضرةِ) بالخاءِ والضادِ معجمتينِ، مفاعلةً منَ الخضرةِ (والملامسةِ والمنابذةِ) بالذالِ المعجمةِ (والمزابنةِ. رواهُ البخاريُّ). اشتملَ الحديثُ على خمسِ صورٍ منْ صورِ البيعِ منْهيٍّ عنْها، الأوُلى: المحاقلةُ وتقدَّمَ الكلامُ (^١) فيها، والثانيةُ: المخاضرةُ وهي بيعُ الثمارِ والحبوبِ قبلِ أنْ يبدوَ صلاحُها. وقدِ اختلَفَ العلماءُ فيما يصحُّ بيعُه منَ الثمارِ والزرعِ، فقالَ طائفةٌ: إذا كانَ قدْ بلغَ حدًا ينتفعُ بهِ ولوْ لم يكنْ قدْ أخذَ الثمرُ ألوانَه، واشتدَّ الحبُّ، صحَّ البيعُ بشرطِ القطعِ، وأما إذا شرطَ البقاءَ فلا يصحُّ اتفاقًا، لأنهُ شغلٌ لملكِ البائعِ، أو لأنهُ صفقتانِ في صفقةٍ، وهوَ إعارةٌ أو إجارةٌ وبيعٌ، وأمَّا إذا بلغَ حدَّ الصلاحِ فاشتدَّ الحبُّ [وبلغ] (^٢) الثمرُ ألوانه فبيعُه صحيحٌ وِفاقًا، إلا أنْ يشترِطَ المشتري بقاءَه، فقيلَ: لا يصحُّ البيعُ، وقيلَ: يصحُّ، وقيلَ: إنْ كانتِ المدةُ معلومةً صحَّ، وإنْ كانتْ غيرَ معلومةٍ لم يصحَّ، فلو كان قدْ صَلُحَ بعضٌ منهُ دونَ بعضٍ فبيعُه غيرُ صحيحٍ. وللحنفيةِ (^٣) تفاصيلُ ليسَ عليها دليل. والثالثةُ: الملامسةُ وبيَّنها ما أخرجهُ البخاريُّ (^٤) عن الزهريِّ (^٥) أنَّها لمسُ الرجلِ الثوبَ بيدهِ بالليلِ أو النهارِ، وأخرج النسائيُّ (^٦) منْ حديث أبي هريرةَ هي أنْ يقولَ الرجلُ للرجلِ أبيعُكَ ثوبي بثوبِكَ، ولا ينظرُ أحدٌ منْهما إلى ثوبِ الآخرِ، ولكنَّه يلمُسُه [لمسًا] (^٧). وأخرجَ أحمدُ (^٨) عنْ عبدِ الرزاقِ، عنْ معمرٍ: الملامسةُ\n_________\n(^١) في شرح الحديث (٢٥/ ٧٦٠) من كتابنا هذا.\n(^٢) في (ب): (وأخذ).\n(^٣) انظر حاشية: (رد المحتار) لابن عابدين) (٤/ ٥٥٥).\n(^٤) في صحيحه (٥٨٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري.\nقلت: وأخرج مسلم (١٥١٢).\n(^٥) الذي في الصحيح أنه من رواية الزهري قال: أخبرني عامر بن سعد أن أبا سعيد الخدري قال: نهى رسول اللَّهِ - ﷺ - عن الملامسة … الحديث وفي سياقه التفسير الذي نسبه الشارح للزهري. قال الحافظ (١/ ٤٧٧): (قلت: ظاهر سياق المصنف في رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع). اهـ.\n(^٦) في (سننه) (٤٥١٧).\n(^٧) في (ب): (لما).\n(^٨) في مسنده (١٥/ ٣٥) الفتح الربَّاني) وأوهم سياق الشارح - رحمه الله تعالى - أنه من كلام معمر وليس كذلك وإنما هو معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد =","vol":"5","page":47},{"text":"أنْ يلمَسَ الثوبَ بيدهِ، ولا يَنْشُرَهُ، ولا يقلِّبَهُ، إذا مسَّه وجبَ البيعُ. ومسلمٌ (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ [هي] (^٢) أنْ يلمسَ كلُّ واحدٍ منْهما ثوبَ صاحبِه منْ غيرِ تأمُّلٍ. والرابعةُ: المنابذةُ، فسَّرها ما أخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٣) منْ طريقِ سفيانَ عن الزهريِّ المنابذةُ: أن يقول: ألقِ إليَّ ما معك، وألقي إليْك مَا معي. والنسائيُّ (^٤) من حديثِ أبي هريرةَ أنْ يقولَ: أنبذُ ما معي وتنبذُ ما مَعكَ، ويشتري كلُّ واحدٍ منْهما منَ الآخرِ، ولا يدري كلُّ واحدٍ منْهما كمْ معَ الآخرِ. وأحمدُ (^٥) عنْ عبدِ الرزاقٍ عنْ معمرٍ (^٦): [المنابذةُ] (^٧) أنْ يقولَ: إذا نبذتَ هذا الثوبَ فقدْ وجبَ البيعُ. ومسلم (^٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ: المنابذةُ أنْ ينبذَ كلُّ واحدٍ منْهما ثوبَه إلى الآخرِ (^٩)، لمْ ينظره كلُّ واحدٍ منهما إلى ثوبِ صاحبِه، وعلمتَ منْ قولِه: (فقدْ وجبَ البيعُ) أنَّ بيعَ الملامسةِ والمنابذةِ جعلَ فيهِ نفسَ اللمسِ والنبذِ بيعًا بغير صيغتِه، وظاهرُ النَّهْي التحريمُ، وللفقهاءِ تفاصيلُ في هذا لا تليقُ بهذا المختصر.\nفائدةٌ: استدلَّ بقولِه لا ينظرُ إليهِ أنهُ لا يصحُّ بيعُ الغائبُ، وللعلماءِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأول: لا يصحُّ وهو قولُ الشافعيِّ (^١٠).\nوالثاني: يصحُّ ويثبتُ له الخيارُ إذا رآهُ وهوَ للهادويةِ (^١١)، والحنفيةِ (^١٢).\nوالثالثُ: إنْ وصَفَهُ صحَّ وإلا فَلا، وهوَ قولُ مالكٍ وأحمدَ (^١٣) وآخرينَ،\n_________\n= الخدري قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الملامسة … الحديث وفيه التفسير المذكور.\n(^١) في (صحيحه) (٢/ ١٥١٣).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (سننه) (٢١٧٠).\n(^٤) في (سننه) (٤٥١٧).\n(^٥) في (مسنده) (١٥/ ٣٥) الفتح الرباني).\n(^٦) عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (صحيحه) (٢/ ١٥١١).\n(^٩) كذا في المخطوط، وفي صحيح مسلم بزيادة واو.\n(^١٠) انظر: (معرفة السنن والآثار) (٨/ ٩) رقم (١٠٩٥١).\n(^١١) انظر: (البحر الزخار) (٣/ ٣٧٤).\n(^١٢) انظر: (بدائع الصنائع) (٥/ ٢٩٢).\n(^١٣) انظر: (الفقه على المذاهب الأربعة) (٢/ ٢١٦، ٢١٨)، وانظر: (حاشية معرفة السنن والآثار) (٨/ ٩).","vol":"5","page":48},{"text":"واستدلَّ بهِ على بُطْلانِ بيعِ الأعْمى، وفيهِ أيضًا ثلاثةُ أقوال: الأولُ: بطلانُه، وهوَ قولُ معظمِ الشافعيةِ (^١)، حتَّى مَنْ أجازَ منْهم بيعَ الغائبِ لكونِ الأعْمى لا يراهُ بعدَ ذلكَ.\nوالثاني: يصحُّ إنْ [وصفه] (^٢) له.\nوالثالثُ: يصح مطلقًا، وهوَ للهادويةِ والحنفيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-816>النهي عن تلقي الركبان وعن بيع حاضر لباد</span>\n٢٧/ ٧٦٢ - وَعَنْ طَاوسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵁ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (لا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)، قُلْتُ لابْنِ عَبّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: (وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لَبَادٍ؟)، قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنْ طاوسٍ عن ابن عباسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تَلَقُّوا الركبانَ، ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ. قلتُ لابنِ عباسٍ: ما قولُه: ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ؟ قالَ: لا يكونُ لهُ سمسارًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ).\nاشتملَ الحديثُ على النَّهي عنْ صورتينِ منْ صورِ البيعِ:\nالأُولى: النَّهْيُّ عنْ تَلَقِّي الركبانِ، أي الذينَ يجلبونَ إلى البلدِ أرزاقَ العبادِ للبيعِ، سواءٌ كانُوا رُكْبانًا، أو مشاةً جماعةً أو واحدًا، وإنما خرجَ الحديثُ على الأغلبِ في أن الجالبَ يكونُ عددًا، وأما ابتداءُ التلقي فيكونُ ابتداؤُه منْ خارجِ السوقِ الذي تباعُ فيهِ السِّلعةُ. وفي حديثِ ابن عمرَ (^٤): (كنَّا نتلقَّى الركبانَ فنشتري منْهمُ الطعامَ، فنهانا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن نبيعَه حتَّى يبلغَ بهِ سوقَ الطعامِ)، وفي لفظٍ آخرَ بيانُ أن التلقي لا يكونُ في السوقٍ. قالَ ابنُ عمرَ (^٥): كانُوا يبتاعونَ الطعامَ في أَعْلَى السوقِ، فيبيعونَه في مكانِه، فنهاهُمُ النبيُّ - ﷺ - أن يبيعُوه في مكانهِ حتَّى\n_________\n(^١) انظر: (الفقه على المذاهب الأربعة) (٢/ ٢١٥).\n(^٢) في (ب): (وصف).\n(^٣) البخاري (٢١٥٨) وطرفاه (٢١٦٣، ٢٢٧٤)، ومسلم (١٩/ ١٥٢١).\nقلت: ورواه أبو داود (٣٤٣٩)، والنسائي (٤٥٠٠)، وابن ماجه (٢١٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٦٦، ٢١٦٧)، ومسلم (١٥١٧)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي (٤٤٩٨، ٤٤٩٩)، وابن ماجه (٢١٧٩).\n(^٥) في البخاري (٢١٦٧).","vol":"5","page":49},{"text":"ينقلُوهُ. أخرجَهُ البخاريُّ. فدلَّ على أن القصدَ إلى أعلى السُّوقِ لا يكونُ تلقيًا، وأنَّ مُنْتَهى التلقي ما فوقَ السوقِ. وقالتِ الهادويةُ (^١) والشافعيةُ (^٢): إنهُ لا يكونُ التلقي إلَّا خارجَ البلدِ، وكأنَّهم نَظَروا إلى المعنى المناسبِ للمنعِ، وهوَ تغريرُ الجالبِ، فإنهُ إذا قَدِمَ إلى البلدِ أَمْكَنَه معرفةُ السعرِ، وطلبُ الحظِّ لنفسهِ، فإنْ لم يفعلْ ذلكَ فهوَ منْ تقصيرِه. واعتبرتِ المالكيةُ وأحمدُ وإسحاقُ (^٣) السوقَ مطلقًا عملًا بظاهرِ الحديثِ. والنَّهيُ ظاهرٌ في التحريمِ حيثُ كانَ قاصدًا [التلقي] (^٤)، عالمًا بالنَّهي عنهُ، وعنْ أبي حنيفةَ والأوزاعيِّ (^٥) أنهُ يجوزُ التلقي إذا لم يضرَّ بالناس، فإن ضرَّ كُرِهَ، فإنْ تلقَّاهُ [فاشترى] (^٦) صحَّ البيعُ عندَ الهادويةِ (^٧)، والشافعيةِ (^٨)، وثبتَ الخيارُ عندَ الشافعيِّ (^٩) للبائعِ لما أخرجَهُ أبو داودَ (^١٠)، والترمذيُّ (^١١)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةِ منْ حديث أبي هريرةَ بلفظ: (لا تَلَقُّوا الجَلَبَ فإنْ تلقَّاهُ إنسانٌ فاشتراهُ فصاحِبُه بالخيارِ إذا أَتَى السوقَ). ظاهرُ الحديثِ أن العلةَ في النَّهي نَفْعُ البائعِ، وإزالةُ الضررِ عنهُ، وقيلَ نَفْعُ أهلِ السوقِ لحديثِ (^١٢) ابن عمَر: لا تلقُّوا السِّلعَ حتَّى تهبطُوا بها السوقَ. واختلفَ العلماءُ هلِ البيعُ معهُ صحيحٌ أو فاسدٌ؟ فعندَ مَنْ ذكرناهُ (^١٣) قريبًا أنه صحيحٌ لأنَّ النَّهي لم يرجعْ إلى نفسِ العَقْدِ، ولا إلى وصفٍ ملازمٍ لهُ، فلا يقتضي النهيُ الفسادَ. [وذهبت] (^١٤)\n_________\n(^١) انظر: (الاعتصام بحبل الله المتين) (٤/ ٥١).\n(^٢) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧٥).\n(^٣) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧٥).\n(^٤) في (أ): (للتلقي).\n(^٥) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧٤).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) انظر: (الاعتصام بحبل الله المتين) (٤/ ٥١).\n(^٨) انظر: (سنن البيهقي الكبرى) (٥/ ٣٤٨).\n(^٩) انظر: (سنن البيهقي الكبرى) (٥/ ٣٤٨)، و(معرفة السنن والآثار) (٨/ ١٦٧).\n(^١٠) في (سننه) (٣٤٣٧).\n(^١١) في (سننه) (١٢٢١) وقال: هذا حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه مسلم (١٦، ١٧/ ١٥١٩)، وابن ماجه (٢١٧٨)، والبيهقي (٥/ ٣٤٨)، وأحمد (٢/ ٢٨٤، ٤٠٣)، والدارمي (٢/ ٢٥٥).\n(^١٢) سبق تخريجه قريبًا وأنه في الصحيحين.\n(^١٣) وهم: الهادوية والشافعية.\n(^١٤) في (أ): (وذهب).","vol":"5","page":50},{"text":"طائِفةٌ من العُلماءِ إلى أنّهُ فاسِدٌ لأنّ النّهيَ يقتضي الفسادَ مطلقًا وهوَ الأقربُ. وقدِ اشترطَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ لتحريمِ التلقِّي شرائطَ، فقيلَ (^١): يشترطُ في التحريم أنْ يكذبَ المتلقي في سعرِ البلدِ ويشتري منْهم بأقلَّ منْ ثمنِ المِثْلِ، وقيلَ (^٢): أنْ يخبرَهم بكثرةِ المؤنةِ عليهمْ في الدخولِ، وقيلَ (^٣): أنْ يخبرَهم بكسادِ ما معَهم ليغبنَهم، وهذهِ تقييداتٌ لم يدلَّ عليها دليلٌ، بلِ الحديثُ أطلقَ النهيَ، والأصلُ فيهِ التحريمُ مطلقًا. والصورةُ الثانيةُ: ما أفادهُ قولُه: ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ، وقدْ فسَّرهُ ابنُ عباسٍ بقولهِ: لا يكونُ لهُ سِمْسَارًا، بِسينَيْنِ مهملتينِ، وهوَ في الأصلِ القيِّمُ بالأمرِ، والحافظُ، ثمَّ اشتهرَ في متولِّي البيع والشراءِ لغيرهِ بالأجرةِ كذَا قيَّدَه البخاريُّ (^٤)، وجعلَ حديثَ ابن عباسٍ مُقَيَّدًا لما أطلقَ منَ الأحاديثِ، وأمَّا بغيرِ أجرةٍ فجعلَهُ منْ بابٍ النصيحةِ والمعاونةِ فأجازهُ. وظاهرُ أقوالِ العلماءِ أن النهي شاملٌ لما كانَ (بأجرةٍ، وما كانَ بغيرِ أجرةٍ. وفسَّر بعضُهم (^٥) صورةَ بيعِ الحاضرِ للبادي بأن يجيئَ البلدَ غريبٌ بسلعةٍ يريدُ بيعها بسعرِ الوقتِ في الحالِ، فيأتيهِ الحاضرُ فيقولُ ضعْه عندي لأبيعَه لكَ على التدريج بأعلَى منْ هذا السعرِ، ثمَّ منَ العلماءِ (^٦) مَنْ خصَّ هذا الحكمَ بالبادي وجعلَه قَيْدًا [مقيدًا] (^٧)، ومنهم مَنْ ألحقَ بهِ الحاضرَ إذا شاركهُ في عدمِ معرفة السعرِ. وقالَ (٦): ذِكْرُ البادي في الحديثِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فأما أهلُ القُرى [الذين] (^٨) [يعرفونَ الأسعارَ] (^٩) فليسُوا بداخلينَ في ذلكَ. ثمَّ منْهم (^١٠) مَنْ قيَّدَ ذلكَ بشرطِ العلمِ بالنَّهي، وأن يكونَ المتاعُ المجلوبُ مما تعمُّ بهِ الحاجةُ، وأنْ يعرضَ الحضريُّ ذلكَ على البدويِّ، فلو عرضَه البدويُّ على [الحضريُّ] (^١١) لم\n_________\n(^١) قاله إمام الحرمين كما في (الفتح) (٤/ ٣٧٥)\n(^٢) قاله المتولي كما في الفتح (٤/ ٣٧٥).\n(^٣) قاله أبو إسحاق الشيرازي كما في (الفتح) (٤/ ٣٧٥).\n(^٤) كذا قال الصنعاني - رحمه الله تعالى -، وإنما قال ذلك الحافظ (٤/ ٣٧١).\n(^٥) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧١).\n(^٦) وهو الإمام مالك - رحمه الله تعالى - كما في (الفتح) (٤/ ٣٧١).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): (العارفين بالأسعار).\n(^١٠) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧١).\n(^١١) في (أ): (الحاضر).","vol":"5","page":51},{"text":"[يمتنع] (^١)، وَكُلُّ هذهِ القيودِ لا يدلُّ عليها الحديثُ بلِ استنبطُوها منْ تعليلِهم للحديث بعِللٍ متصيَّدَة منَ الحُكْمِ، ثمَّ قدْ عرفتَ أن الأصلَ في النَّهي التحريمُ، وإليهِ هنَا [ذهبتْ] (^٢) طائفةٌ منَ العلماءِ (^٣). وقالَ آخرونَ: إنَّ الحديثَ منسوخٌ، وإنهُ جائزٌ مطلقًا كتوكيلهِ، ولحديثِ النصيحةِ. ودعْوى النسخِ غيرُ صحيحةٍ لافتقارها إلى معرفةِ التاريخِ لِيُعْرَفَ المتأخرُ، وحديثُ النصيحةِ مشروط فيه أنه (إذا استنصحَ أحدُكم أخاه فلينصحْ له) (^٤)؛ [فإنه] (^٥) [إذا] (^٦) استنصحَه نَصَحَهُ بالقولِ لا أنهُ يتولَّى لهُ البيعَ، وهذَا في حكم بيع الحاضرِ للبادي، وكذلكَ الحكمُ في الشراء لهُ فلا يشتري حاضرٌ لبادِ. وقدْ قال: البخاريُّ (^٧): بابُ لا يشتري حاضرٌ لبادٍ بالسمسرةِ، وقالَ ابنُ حبيبٍ (^٨) المالكيِّ: [إنَّ] (^٩) الشراءَ للبادي كالبيعِ لقولهِ - ﷺ - (^١٠): (لا يبعْ [أحدكم] (^١١) على بيعِ بعض)؛ فإنَّ معناهُ الشراءُ. وأخرجَ أبو عوانةَ في صحيحه (^١٢) عن ابن سيرينَ قالَ: لقيتُ أنسَ بنَ مالكٍ فقلتُ: [أيبيع] (^١٣) حاضرٌ لبادٍ، أما [نُهِيتُم] (^١٤) أنْ تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم. وأخرجه أبو داود (^١٥)، وعنِ ابن سيرين عن أنس بن مالك: كانَ يقالُ لا يبع\n_________\n(^١) في (ب): (يمنع).\n(^٢) في (أ): (ذهب).\n(^٣) وهم الجمهور كما نقل الحافظ (٤/ ٣٧١) عن ابن المنذر.\n(^٤) هو جزء من حديث رواه كل من:\n١ - أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا، أخرجه مسلم (٥/ ٢١٦٢) وأوله: (حق المسلم على المسلم ست …).\n٢ - أبي الزبير عن جابر - ﵁ - مرفوعًا، أخرجه البيهقي (٥/ ٣٤٧) وأوله: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض …)، وحسَّنه الحافظ في (التلخيص) (٣/ ١٥١).\n٣ - حكيم بن أبي زيد عن أبيه مرفوعًا، أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤١٨) وأوله: (دعوا الناس يصيب بعضهم من بعض …).\n(^٥) في (ب): (فإن).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (صحيحه) (٤/ ٣٧٢) باب رقم (٧٠).\n(^٨) انظر: (فتح الباري) (٤/ ٣٧٣).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) يأتي تخريجه برقم (٢٩/ ٧٦٤) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة.\n(^١١) في (ب): (بعضكم).\n(^١٢) في مسنده (٣/ ٢٧٤) رقم (٤٩٤٦).\n(^١٣) في (ب): (لا يبع).\n(^١٤) في (أ): (أنهيتكم).\n(^١٥) في (سننه) (٣/ ٧٢١) رقم (٣٤٤٠)، وهو حديث صحيح.","vol":"5","page":52},{"text":"حاضرٌ لبادٍ؛ وهي كلمةٌ جامعةٌ لا يبيعُ له شيئًا، ولا يبتاعُ له شيئًا. فإنْ قيلَ قدْ لُوحِظَ في النَّهْي عنْ تلقي الجلوبةِ عدمُ غَبْنِ البادي، ولوحظَ في النَّهي عن بيع الحاضرِ للبادي الرفقُ بأهلِ البلدِ، واعتُبرَ فيهِ غبنُ البادي، وهوَ [تناقض] (^١)، فالجوابُ أن الشارعَ يلاحظُ مصلحةَ الناسِ، ويقِّدمُ مصلحةَ الجماعةِ على الواحدِ، لا الواحدِ على [الجماعةِ] (^٢). ولما كانَ البادي إذا باعَ لنفسِه انتفعَ جميعُ أهلِ السوقِ واشتَرَوا رخيصًا فانتفعَ بهِ جميعُ [أهل] (^٣) البلدِ، [لاحظ] (^٤) الشاعُ نفعَ أهلِ البلدِ على نفعِ البادي، ولما كانَ في التلقي [إنما ينتفعُ المتلقي خاصةً وهوَ واحدٌ لم يكنْ في إباحةِ التلقي] (^٥) مصلحةٌ، لا سيِّما وقدْ تنضافُ إلى ذلكَ علةٌ ثانيةٌ وهي لحوقُ الضررِ بأهلِ السوقِ في انفرادِ المتلقي عنْهم في الرخصِ، وقطعِ المواردِ عليهمْ، وهمْ أكثرُ منَ المتلقي، [نظرَ] (^٦) الشارعُ لهم فلا تناقضَ بينَ المسألتينِ بلْ هما صحيحتانِ في الحكمةِ والمصلحةِ.\n٢٨/ ٧٦٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ -: (لا تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقَّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٧) [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تلقُّوا الجَلَبَ)، بفتحِ اللامِ، مصدرٌ بمعنَى المجلوبِ، (فمنْ تُلُقِّيَ [فاشتُرِيَ] (^٨) منهُ فإذا أَتَى سيِّدُهُ السوقَ فهوَ بالخيارِ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ (^٩)، وأنهُ دليل على ثبوتِ الخيارِ للبائعِ، وظاهرُه ولو شراهُ المتلقي بسعر السوقِ فإنَّ الخيارَ ثابتٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-817>النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه</span>\n٢٩/ ٧٦٤ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلا\n_________\n(^١) في (ب): (كالتناقض).\n(^٢) في (أ): (الواحد).\n(^٣) في (ب): (سكان).\n(^٤) في (ب): (فلاحظ).\n(^٥) ما بين القوسين في المطبوع دون المخطوط زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): (فنظر).\n(^٧) في (صحيحه) (١٦، ١٧/ ١٥١٩)، وقد سبق تخريجه أثناء شرح الحديث السابق ص (٥٠).\n(^٨) في (أ): (فاشتروا).\n(^٩) أثناء شرح الحديث السابق.","vol":"5","page":53},{"text":"تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إِنَائِهَا)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وَلِمُسْلِم (^٢): (لا يَسُم الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمٍ الْمُسْلِمِ). [صحيح]\n(وعنهُ) أي أبي هريرة (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، ولا تناجشُوا، ولا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ، ولا يخطبُ على خِطبةِ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، وأما في الجمعةِ وغيرِها فبضمِّها (أخِيهِ، ولا تسألُ المرأةُ طلاقَ أخْتِها لتَكْفَأَ مَا في إِنائِها) كَفأْتُ الإنَاءَ وكفئتُه: قَلبْتُهُ. (متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ: [لا يسومُ المسلمُ] (^٣) على سومِ المسلمِ). اشتملَ الحديثُ على مسائلَ مَنْهِيٍّ عنْها:\nالأُولى: نَهْيٌ عنْ بيعِ الحاضرِ للبادي وقدْ تقدَّمَ.\nالثانيةُ: ما يفيدُه قولُه: ولا تناجشُوا، وهوَ معطوفٌ في المعنَى على قولهِ: نَهَى، لأنَّ معناهُ لا يبِعْ حاضرٌ لبادٍ ولا تناجشُوا. وتقدَّم الكلامُ عليهِ قريبًا في حديث (^٤) ابن عمرَ: (نهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن النجشِ).\nالثالثةُ: قولُه: لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ. يُرْوَى برفع المضارعِ على أن لا نافيةٌ، وبجزمِهِ على أنَّها ناهيةٌ، [فإثباتِ] (^٥) الياءِ يُقوّي الأوّلَ، وعلى الثاني فبأنهُ عُومِلَ المجزومِ معاملةَ غيرِ المجزومِ فتُركتِ الياءُ، وفي روايةٍ بحذفها فلا إشكالَ، وصورةُ البيعِ على البيعِ أنْ يكونَ قدْ وقعَ البيعُ بالخيارِ، فيأتِي في مدةِ الخيارِ رجلٌ فيقولُ للمشتري: افسخْ هذا البيعَ وأنا أبيعُك مِثْلَه بأرخصَ [منه] (^٦)، أو أحسنَ منهُ، وكذا الشراءُ على الشراءِ هوَ أنْ يقولَ للبائعِ في مدةِ الخيارِ: افسخِ البيعَ وأنا أشتريهِ منكَ بأكثرَ منْ هذا الثمنِ، وصورةُ السومِ على السومِ أنْ يكونَ قد اتفقَ [صاحب] (^٧) السلعةِ والراغبُ فيها على البيعِ ولم يعقدْ، فيقولُ [آخَرُ] (^٨)\n_________\n(^١) البخاري (٢١٤٠)، وأطرافه (٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١)، ومسلم (١٥١٥) وأخرجه أبو داود (٣٤٤٣) وبجزء منه أخرجه الترمذي (١٢٢٢)، والنسائي (٤٥٠٢).\n(^٢) في (صحيحه) (٩/ ١٥١٥).\n(^٣) كما في المخطوط (أ، ب، ج).\n(^٤) انظر تخريجه والكلام عليه في رقم (٢٤/ ٧٥٩) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (ب): (وإثبات).\n(^٦) في (ب): (من ثمنه).\n(^٧) في (ب): (مالك).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"5","page":54},{"text":"للبائعِ: أنا أشتريهِ منكَ بأكثرَ بعدَ أنْ كانا قدِ اتفقَا على الثمنِ. وقَدْ أجمعَ العلماءُ (^١) على تحريمِ هذهِ الصورِ كلِّها، وأنَّ فاعلَها عاصٍ. وأما بيعُ المزايدةِ وهوَ البيعُ ممنْ يزيدُ فليسَ منَ المنْهيِّ عنهُ، وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (^٢): بابُ بيعِ المزايدةِ، ووردَ في ذلكَ صريحًا ما أخرجَهُ أحمدُ (^٣)، وأصحابُ السُّنَنِ (^٤)، واللفظُ للترمذيِّ (^٥) وقالَ حسنٌ عنْ أنسٍ: (أنهُ - ﷺ - باعَ حِلْسًا وقَدَحًا وقالَ: منْ يشتري هذا الحلسَ والقدحَ؟ فقالَ رجلٌ: آخذُهما بدرهمٍ، فقالَ: منْ يزيدُ على درهمٍ، فأعطاهُ رجلٌ درهمينِ فباعَهما منهُ). وقال ابنُ عبدِ البرِّ (^٦): إنهُ لا يحرمُ البيعُ ممنْ يزيدُ اتفاقًا. وقيلَ: إنهُ يُكْرَهُ. واستُدلَّ لقائلهِ بحديثِ عنْ سفيانِ بن وهبٍ (^٧) أنهُ قالَ: (سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عنْ بيعِ المزايدةِ)، لكنّهُ [منْ روايةِ] (^٨) ابن لهيعةَ وهوَ ضعيفٌ.\nالرابعةُ: قولهُ: ولا يخطبُ على خِطبةِ أخيهِ. زادَ مسلم (^٩): إلا أنْ يأذنَ [له] (^١٠).\n_________\n(^١) انظر: (موسوعة الإجماع) (١/ ١٨٦).\n(^٢) في (صحيحه) (٤/ ٣٥٤) باب رقم (٥٩).\n(^٣) في (مسنده) (٣/ ١١٤).\n(^٤) أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٤٥٠٨) مختصرًا، وابن ماجه (٢١٩٨) من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عن أنس بن مالك مرفوعًا وهو حديث ضعيف (الإرواء) رقم (١٢٨٩).\n(^٥) في (سننه) (٣/ ٥٢٢) وقال: لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان اهـ.\nقال الحافظ في (التلخيص) (٣/ ١٥) رقم (١١٦٥): وأعلَّه ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي ونقل عن البخاري أنه قال: لا يصح حديثه. اهـ.\n(^٦) انظر: (التمهيد) (١٨/ ١٩١).\n(^٧) أخرجه البزار (٢/ ٩٠) رقم (١٢٧٦) كشف الأستار) وحسن إسناده الهيثمي في (المجمع) (٤/ ٨٤)، وقال الحافظ في (الفتح (٤/ ٣٥٤): وكأن المصنف أشار بالترجمة (وهي: بيع المزايدة) إلى تضعيف ما أخرجه البزار … فذكره. ثم قال: وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.\n(^٨) في (أ): (عن).\n(^٩) في (صحيحه) (٨/ ١٤١٢) و(٥٠/ ١٤١٢) من حديث ابن عمر وسياق الشارح يوهم أنها من حديث أبي هريرة والله أعلم، وحديث ابن عمر متفق عليه يأتي برقم (٨/ ٩١٩) من كتابنا هذا.\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"5","page":55},{"text":"وفي روايةٍ: (حتَّى يأذن)، والنَّهْيُ يدلُّ على تحريمِ ذلكَ. وقدْ أجمعَ العلماءُ (^١) على [تحريم ذلك] (^٢) إذا كانَ قدْ صرَّحَ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يتركْ، فإنْ تزوجَ والحالُ هذهِ عَصَى اتفاقًا، وصحَّ عندَ الجمهورِ. وقالَ داودُ (^٣): يُفْسَخُ النكاحُ، ونعمَ ما قالَ، و[هو] (^٤) روايةٌ عنْ مالكٍ (٣)، وإنَّما اشتُرطَ التصريحُ بالإجابةِ، وإنْ كانَ النَّهيُ مطلقًا لحديثِ (^٥) فاطمةُ بنتِ قيسٍ فإنَّها قالتْ: خطبني أبو جهمٍ ومعاويةُ فلم ينكرْ رسولُ الله - ﷺ - خِطْبةَ بعضِهم على بعضٍ بلْ خطَبها معَ ذلكَ لأسامةَ، والقولَ بأنهُ يحتملُ أنهُ لم يعلمْ أحدُهما بخطبةِ الآخرِ، وأنهُ - ﷺ - أشارَ بأسامةَ لا أنهُ خطبَ خلافُ الظاهرِ. وقولُه: أخيهِ أي في الدينِ، ومفهومُه أنهُ لو كانَ غيرَ أخٍ كانْ يكونَ كافرًا فلا يحرُمُ، وهوَ حيثُ تكونُ المرأةُ كتابيةً، وكان يستجيزُ نكاحَها، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ. وقالَ غيرُه أيضًا: تَحْرُمُ على خطبةِ الكافرِ. والحديثُ خرجَ التقيدُ فيهِ مَخْرَجَ الغالبِ فلا اعتبارَ [بمفهومه] (^٦).\nالخامسةُ: قولُه: ولا تسألُ المرأةُ، يُرَوْى (^٧) مرفوعًا ومجزومًا، وعليهِ بكسرِ اللامِ لالتقاءِ الساكنينِ، والمرأدُ أن المرأةَ الأجنبيةَ لا تسألُ الرجلَ أنْ يطلِّقَ امرأتَه وينكحَها ويصيرَ ما هوَ لها منَ النفقةِ والعشرةِ لها، وعبَّرَ عنْ ذلكَ بالإكفاءِ لما في الصحفةِ من بابِ التمثيلِ، كأنَّ مَا ذكَرَ لما كان معدًا للزوجة فهو في حكمِ مَا قد جمعتهُ في الصحفةِ لتنتفعَ بهِ، فإذا ذهبَ عنْها فكأنَّما قدْ كفِئتِ الصحفةَ، وخرجَ ذلكَ عنْها فعبَّرَ عنْ ذلكَ المجموعِ المركبِ بالمركبِ [المذكورِ] (^٨) للشَّبَهِ بينَهما.\n_________\n(^١) انظر: (موسوعة الإجماع) (٢/ ١٠٦٣).\n(^٢) في (ب): (تحريمها).\n(^٣) انظر (فتح الباري) (٩/ ٢٠٠) وكتاب: (الإمام داود الظاهري وأثره في الفقه الإسلامي) ص (٦٤٤).\n(^٤) في (ب): (هي).\n(^٥) أخرجه مسلم في (صحيحه) (١٤٨٠)، وسيأتي تخريجه رقم (٢/ ٩٤٢) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (ب): (لمفهومه).\n(^٧) يضبط مرفوعًا: (ولا تسألُ المرأةُ)، ويضبط مجزومًا: (ولا تسألِ المرأةُ).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"5","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-818>[التفريق بين الوالدة وولدها]</span>\n٣٠/ ٧٦٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ فَرَّقَ بَين وَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١). وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣)، وَلكِنْ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ. [صحيح]\n(وعنْ أبي أيوبَ الأنصاريِّ - ﵁ - قالَ: سمعت رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: مَنْ فرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها فرَّقَ اللهُ بَينه وبينَ أحبَّتِه يومَ القيامةِ. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ والحاكمُ، لكنْ في إسنادهِ مقالٌ)، لأنَّ فيه [حييّ] (^٤) بنَ عبدِ اللهِ المعافريَّ مُخْتَلَفٌ فيهِ. (ولهٌ شاهدٌ) كأنهُ يريدُ بهِ حديثَ (^٥) عبادةَ بن الصامتِ: \"لا يفرَّقُ بينَ الأمِّ وولدِها، قيلَ: إلى متَى؟ قالَ: حتَّى يبلغَ الغلامُ، وتحيضَ الجاربةُ\"، أخرجهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ، وفي سندهِ عندَهما عبدُ اللهِ بنُ عمرو الواقفيُّ، وهوَ ضعيفٌ. ولا يخفَى أن هذَا الحديثَ والذي بعدَه كان يحسنُ [ضمُّهما] (^٦) إلى حديثِ (^٧) ابن عمرَ الذي تقدَّمَ في النَّهي عنْ بيعِ أمهاتِ الأولادِ، أو يؤخِّرهُ إلى هنا، وهذا\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٤١٣).\n(^٢) في \"سننه\" (١٢٨٣) لكن في النسخة التي بين أيدينا قال: هذا حديث حسن غريب.\nويؤيده ما ذكره المصنف في \"التلخيص\" (٣/ ١٥ رقم ١١٦٩) قال: والترمذي وحسنه.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٥).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٢٧)، والبيهقي (٩/ ١٢٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ١٨٢ رقم ٤٠٨٠)، والدارقطني ٣/ ٦٧ رقم ٢٥٦)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٢٨٠ رقم ٤٥٦) وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه حمدي السلفي في \"مسند الشهاب\".\n(^٤) انظر لترجمته: \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٦٢٣ رقم ٢٣٩٢) في (ب): \"حسين\".\n(^٥) أخرجه الدارقطني (٣/ ٦٨ رقم ٢٥٨)، والحاكم (٢/ ٥٥) وقال: حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله: \"موضوع وابن حسان كذاب\" اهـ.\nوقال الدارقطني: (٣/ ٦٨): \"عبد الله هذا هو الواقفي، وهو ضعيف الحديث، رماه علي بن المديني بالكذب ولم يروه عن سعيد غيره\" اهـ.\nووافق الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٦) الدارقطني بقوله السابق.\n(^٦) في (أ): \"ضمه\".\n(^٧) انظر الحديث رقم (١٢/ ٧٤٧) المتقدم من كتابنا هذا.","vol":"5","page":57},{"text":"الحديثُ ظاهرٌ في تحريمِ التفريقِ بينَ الوالدةِ وولدِها، وظاهِرُه عام في الملْكِ والجهاتِ إلَّا أنهُ لا يُعْلَمُ أنهُ ذهبَ أحدٌ إلى هذَا العمومِ فهوَ محمولٌ على التفريقِ في الملْكِ، وهوَ صريحٌ في حديثِ عليٍّ الآتي، وظاهرُه أيضًا تحريمُ التفريقِ ولوْ بعدَ البلوغِ، إلَّا أنهُ يُقَيَّدُ بحديثِ عبادةَ [بن الصامت] (^١). وفي الغيثِ (^٢) أنهُ خصَّه في الكبيرِ الإجماعُ كما في العتقِ، وكأنَّ مستندَ الإجماعِ حديثُ عبادةُ، ثمَّ الحديثُ نصٌّ في تحريمِ التفريق بينَ الوالدةِ وولدِها، وقِيْسَ عليهِ سائرُ الأرحامِ المحارِمُ بجامعِ الرحامةِ، وكذلكَ وردَ النصُّ في الإخوة وهو ما أفادهُ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-819>[التفريق بين الأقارب في البيع]</span>\n٣١/ ٧٦٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَبِيعَ غُلامَيْن أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُوِد (^٤)، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ (^٥)، والطَّبَرَانيُّ وابْنُ الْقَطَّانِ. [حسن بشواهده]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) \"الغيث المدرار\" تقدَّم تعريفه وتعريف مؤلفه أثناء شرح الحديث رقم (٢٠/ ٧٥٥) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"المسند\" (١٥/ ٥٤ رقم ١٨٦ - الفتح الرباني).\n(^٤) في \"المنتقى\" (٥٧٥) بإسناد صحيح بالمتابعة قاله أبو إسحاق الحويني في \"الغوث\".\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٤) ووافقه الذهبي، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٦٥ رقم ٢٤٩) من رواية الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي - ﵁ -، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٠٧): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" اهـ.\nورواه أيضًا من طريق أخرى عن علي - ﵁ - الترمذي (١٢٨٤) وحسنه، وابن ماجه (٢٢٤٩)، والدارقطني (٣/ ٦٦ رقم ٢٥٠) وهو من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحكم بن عتيبة عن ميمون بن أبي شبيب عن علي بنفس متن حديث الباب وخالف أبو خالد الدالاني فرواه بلفظ مغاير رواه أبو داود (٢٦٩٦)، والحاكم (٢/ ٥٥)، والدارقطني (٣/ ٦٦ رقم ٢٥١) قال أبو داود (٣/ ١٤٥): \"ميمون لم يدرك عليًا قتل بالجماجم\" اهـ فالصواب الرواية الأولى واللهُ أعلم.","vol":"5","page":58},{"text":"(وعنْ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇ قالَ: أمرنِي رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ أبيعَ غلامينِ أخوينِ، فبعتُهما، ففرَّقت بينَهما، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ - ﷺ - فقالَ: أدْرِكْهما فارتجعْهما، ولا تبعْهما إلا جميعًا. رواهُ أحمدُ، ورجالهُ ثقاتٌ، وقدْ صحَّحَه ابن خزيمةَ، وابن الجارودِ، وابن حبانَ، والحاكمُ، والطبرانيُّ، وابنْ القطانِ). وحَكَى ابنُ أبي حاتمٍ عن أبيه في العللِ (^١) أنهُ إنما سمعَه الحَكَم منْ ميمونِ بن أبي شبيبٍ، وهوَ يرويهِ عنْ عليٍّ - ﵁ - وميمونٌ لم يدركْ عليًا. والحديثُ دليلٌ على بُطْلانِ هذا البيعِ، ودلَّ على تحريمِ التفريقِ كما دلَّ عليه الحديثُ الأولُ، إلا أن الأوَّلَ دلَّ على التفريقِ بأيّ وجْهٍ من الوجوهِ، وهذا الحديثُ نصٌّ في تحريمهِ بالبيعِ، وألحقُوا بهِ تحريمَ التفريق بسائرِ الإنشاءاتِ كالهبةِ والنذرِ، وهوَ ما كانَ باختيارِ المفرِّقِ، وأما التفريقُ بالقسمةِ فليسَ باختيارهِ فإنَّ سببَ الملْكِ قَهْرِيٌ، وهو الميراثُ. وحديثُ عليٍّ - ﵁ - قدْ دلَّ على بطلانِ البيعِ ولكنهُ عارضَهُ الحديثُ الأولُ حديثُ أبي أيوبَ (^٢)؛ فإنهُ دلَّ على صحةِ الإخراجِ عن الملكِ بالبيعِ. نحوُهُ المستحقُّ للعقوبةِ، إذْ لو كانَ لا يصحُّ الإخراجُ عن المُلكِ لم يتحققِ التفريقُ فلا عقوبةَ، ولذا اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهبَ أبو حنيفةَ (^٣) إلى أنهُ ينعقدُ معَ العصيان قالُوا: والأمرُ بالارتجاعِ للغلامينِ يُحْتَمَلُ أنهُ بعقدٍ جديدٍ برضَا المشتري.\nفائدةٌ: في التفريق بينَ البهيمةِ وولدِها وجهانِ: لا يصحُّ لِنَهْيهِ - ﷺ - عنْ تعذيبِ البهائم، ويصحُّ قياسًا على الذبحِ، وهوَ الأَوْلَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-820>[حكم التسعير]</span>\n٣٢/ ٧٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلا السِّعْرُ في الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٤)\n_________\n(^١) (١/ ٣٨٦) رقم (١١٥٤).\n(^٢) الحديث السابق رقم (٣٠/ ٧٦٥).\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" (١٣/ ١٤٠).\n(^٤) أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦، ٢٨٦).","vol":"5","page":59},{"text":"إلَّا النَّسائِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: غلا السعرُ) الغلا [مقصور] (^٢) وهوَ ارتفاعُ السعرِ على معتادِه (في المدينةِ، على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال النّاسُ: يا رسولَ اللهِ، غلا السِّعرُ فسعِّرْ لنَا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ الله هوَ المسعِّرُ) يعني يفعلُ ذلكَ هوَ وحدَه بإرادتهِ، (القابضُ) أي المقتِّر (الباسطُ) الموسِّعُ، مأخوذٌ منْ قولهِ تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (^٣)، ([الرزاق] (^٤)، وإني لأرجُو أنْ ألقَى الله وليسَ أحدٌ منكمْ يطلبُني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ. رواة الخمسةُ إلا النسائيَّ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ ابنُ ماجه، والدارميُّ، والبزارُ، وأبو يَعْلَى (^٥) منْ حديثِ أنسٍ، وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ، وصحَّحهُ الترمذيُّ. والحديثُ دليل على أن التسعيرَ مظلمةٌ، وإذا كانَ مظلمةً فهوَ محرَّمٌ. وإلى هذَا ذهبَ أكثرُ العلماءِ. ورُوِيَ عنْ مالكٍ (^٦) أنهُ يجوزُ التسعيرُ ولو في القُوْتَينِ. والحديثُ دالٌ على تحريمِ التسعيرِ لكلِّ متاعٍ وإن كانَ سياقُه في خاصٍّ. وقالَ المهدي (^٧): إنهُ استحسنَ الأئمةُ المتأخرونَ تسعيرَ ما عدا القوتينِ كاللَّحمِ والسَّمنِ، ورعايةً لمصلحةِ الناسِ، ودفعِ الضررِ عنْهم، وقد استوفينا الكلام في هذهِ المسألةِ في منحة الغفارِ (^٨) وبسَطنا القولَ هناكَ بما لا مزيدَ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-821>[حكم الاحتكار وفيم يكون]</span>\n٣٣/ ٧٦٨ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ٣٠٧ رقم ٤٩٣٥ - الإحسان).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٢٤٩)، والبيهقي (٦/ ٢٩) وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٤): (وإسناده على شرط مسلم) اهـ. وصحَّحه الألباني في \"غاية المرام\" (ص ١٩٤ رقم ٣٢٣).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٤٥.\n(^٤) في (ب): \"الرازقُ\".\n(^٥) في \"مسنده\" (٥/ ١٦٠، ٢٤٥ رقم ٩/ ٢٧٧٤، ١٠٦/ ٢٨٦١)، (٦/ ٤٤٥ رقم ١٠٧٧/ ٣٨٣٢).\n(^٦) انظر: \"نيل الأوطار\" (٥/ ٢٢٠).\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣١٨، ٣١٩).\n(^٨) انظر: بحاشية \"ضوء النهار\" (٣/ ١٢٣٩ - ١٢٤٢) فقد أجاد وأفاد.\n(^٩) في \"صحيحه\" (١٢٩/ ١٦٠٥). =","vol":"5","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-822>[ترجمة معمر بن عبد الله]</span>\n(وعنْ معمرِ (^١) بن عبدِ اللهِ) هوَ بفتحِ الميمِ، وسكونِ العينِ [المهملة] (^٢)، وفتحِ الميم، ويقالُ [لهُ] (^٣) معمرُ بنُ أبي معمر، أسلمَ قديمًا، وهاجرَ إلى الحبشةِ، وتأَخرتْ هجرتُه إلى المدينهِ، ثمَّ هاجرَ إليها وسكنَ بها.\n(عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: لا يحتكرُ إلا خاطئٌ) بالهمز هوَ العاصي الآثمُ (رواهُ مسلمٌ). وفي الباب أحاديثُ دالةٌ على تحريمِ الاحتكارِ، وفي \"النهاية\" (^٤) على قولهِ - ﷺ -: منِ احتكَرَ طعاما قالَ: أي اشتراهُ وحبسهُ ليقلَّ [فيغلى] (^٥).\nوظاهرُ حديثِ مسلمٍ تحريمُ الاحتكارِ للطعامِ وغيرِه، إلَّا أنْ يدَّعيَ أنهُ لا يقالُ احتكرَ إلَّا في الطعامِ، وقدْ ذهبَ أبو يوسفَ إلى عمومهِ فقالَ: كلُّ ما أضرَّ بالناسِ حبْسهُ فهوَ احتكارٌ، وإنْ كانَ ذهبًا أو ثيابًا. وقيلَ: لا احتكارَ إلا في قوتِ الناسِ وقوتِ البهائمِ، وهوَ قولُ الهادويةِ (^٦) والشافعيةِ (^٧)، ولا يَخْفَى أن الأحاديثَ الواردةَ في منعِ الاحتكارِ وَرَدَتْ مطلقةً ومقيدة بالطعامِ، وما كانَ منَ الأحاديثِ على هذا الأسلوبِ فإنهُ عندَ الجمهورِ لا يقيدُ فيهِ المطلقُ بالمقيدِ لعدمِ التعارضِ بينَهما، بلِ يبقَى المطلقُ على إطلاقهِ، وهذا يقتضي أنهُ يُعْمَلُ بالمطلقِ في منعِ الاحتكارِ مُطْلقًا ولا يُقَيَّدُ بالقوتينِ إلَّا على رأي أبي ثورٍ، [فإنه يقيد عنده الطعام فقط، لأنه الذي ورد به النص المقيد لا غيره، فلا يحرم الاحتكار عنده إلا في الطعام] (٣). وقدْ ردَّهُ أئمةُ الأصولِ، وكأنَّ الجمهورَ خصُّوهُ بالقوتينِ نظرًا إلى الحكمةِ المناسبةِ للتحريمِ، وهي دفعُ الضَّررِ عنْ عامةِ الناسِ، والأغلبُ في دفعِ الضررِ عن\n_________\n= وأخرجه أبو داود (٣٤٤٧)، والترمذي (١٢٦٧)، وابن ماجه (٢١٥٤)، وأحمد (٦/ ٤٠٠)، والدارمي (٢/ ٢٤٨)، والبيهقي (٦/ ٣٠)، والحاكم (٢/ ١١).\n(^١) انظر ترجمته في: \"تجريد أسماء الصحابة\" للذهبي (٢/ ٨٩ رقم ١٠٠٠)، و\"أسد الغابة\" لابن الأثير (٥/ ٢٣٦ رقم ٥٠٤٠).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) (١/ ٤١٧).\n(^٥) كذا في المخطوط (أ)، وصوابه: \"فيغلو\"، كما في \"النهاية\" وفي (ب) أيضًا.\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣١٩).\n(^٧) انظر: \"ضوء النهار\" (٣/ ١٢٣٧) و\"شرح مسلم\" للإمام النووي (١١/ ٤٣).","vol":"5","page":61},{"text":"العامةِ إنَّما يكونُ في القوتينِ، فقيَّدوا الإطلاقَ بالحكمةِ المناسبةِ، أو أنَّهم قَيَّدُوه بمذهبِ الصحابيِّ الراوي. فقدْ أخرجَ مسلمٌ (^١) عنْ سعيد بن المسيبِ أنهُ كانَ يحتكرُ، فقيلَ لهُ: فإنكَ تحتكرُ، فقالَ: لأنَّ معمَّرًا راوي الحديثِ كانَ يحتكرُ. قال ابنُ عبدِ البرِّ (^٢): كانا يحتكران الزيتَ وهذا ظاهرٌ أن سعيدًا قيَّدَ الإطلاقَ بعملِ الراوي، وأما معمَّرٌ فلا يعلمُ بمَ قيَّدَه، ولعلَّهُ بالحكمةِ المناسبةِ التي قيَّدَ بها الجمهورُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-823>[التصرية في البيع وحكمها]</span>\n٣٤/ ٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والْغَنَمَ، فَمَن ابْتَاعَهَا بعدُ فَهُوَ بخَيرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٤): \"فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثلاثةَ أَيَّام\".\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ (^٥) عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ (^٦): \"وَرَدَّهَا مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام، لا سَمْرَاءَ\"، فَالَ الْبُخَارِيُّ (٦): وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ.\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: لا تُصَرَّوا) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ، وفتحِ الصادِ المهملةِ، منْ صَرَى يصري على الأصحِّ (الإبلَ والغنمَ، فمنِ ابتاعَها بعدُ فهوَ بخيرِ النظرينِ) الرأيينِ، (بعدَ أنْ يحلبَها إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا)\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٢٩/ ١٦٠٥).\n(^٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١١/ ٤٣).\n(^٣) البخاري (٢١٤٨)، ومسلم (١١/ ١٥١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٤٣)، والنسائي (٤٤٨٧، ٤٤٨٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٣٩٤، ٤١٠، ٤٦٥)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٨٣ رقم ٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣١٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢٤، ٢٥/ ١٥٢٤).\n(^٥) أي لمسلم في \"صحيحه\" (٢٥/ ١٥٢٤).\n(^٦) في \"صحيحه\" في آخر الحديث رقم (٢١٤٨)، وليس فيه \"لا سمراء\".\n• والسمراء: هي الحنطة الشامية كما قال الحافظ.","vol":"5","page":62},{"text":"عطفٌ على ضمير المفعولِ في ردِّها على تقديرِ ويعطي (منْ تمرٍ. متفقٌ عليهِ. ولمسلم)، أي عن أبي هريرة: (فهو بالخيار ثلاثة أيام. وفي رواية له علَّقها البخاري: وردَّ معها صاعًا منْ طعامٍ لا سمراءَ. قالَ البخاريُّ: والتمرُ أكثرُ).\nأصلُ التصريةِ: حَبْسُ الماءِ، يقالُ: صريتُ الماءَ إذا حبسْتُهُ. وقالَ الشافعي (^١): [هيَ] (^٢) ربطُ أخلافِ الناقةِ أو الشاةِ وتركُ حلبها حئى يجتمعَ لبنُها، فيكثرُ فيظنُّ المشتري أنَّ ذلكَ عادتُها، ولم يذكرْ في الحديثِ البقر، والحكمُ واحدٌ. [والحديثِ] (^٣) نَهَى عن التصريةِ للحيوانِ إذا أُريدَ بيعُه، لأنهُ قدْ وردَ تقييدُه في روايةِ النسائيِّ (^٤) بلفظ: \"لا تصرُوا الإبلَ والغنمَ للبيعِ\"، وفي روايةٍ (^٥) لهُ: \"إذا باعَ أحدُكم الشاةَ أو اللقحةَ فَلْيحْلِبْها، وهذا هوَ الراجحُ عندَ الجمهورِ، ويدلُّ عليهِ التعليلُ بالتدليسِ والغرر كذا قيلَ، إلَّا أني لم أرَ التعليلَ بهما منصوصًا. وأما التصريةُ لا للبيعِ بلْ ليجتمعَ الحليبُ لنفعِ المالكِ فهوَ وإنْ كانَ فيهِ إيذاءٌ للحيوانِ إلَّا أنهُ ليسَ فيهِ إضرارٌ فيجوزُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يثبتُ الخيارُ إلا بعدَ الحلبِ، ولو ظهرتِ التصريةُ بغيرِ حلْبٍ فالخيارُ ثابتٌ، وثبوتُ الخيارِ قاضٍ بصحةِ بيعِ المصرَّاةِ.\nوفي الحديث دليلٌ على أن الردَّ بالتصرية فوريٌّ، لأنَّ الفاءَ في قولهِ: فهوَ بخيرِ النظرين تدلُّ على التعقيبِ منْ غيرِ تراخٍ. وإليهِ ذهبَ بعضُ الشافعيةِ (^٦). وذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ على التراخي لقوله - ﷺ -: \"فلهُ الخيارُ ثلاثًا\". وأجيبَ منْ طرفِ (^٧) القائلِ بالفورِ أن ذلكَ محمولٌ على ما إذا لم يعلمْ أنَّها مصراةٌ إلا في الثالثِ، لأنَّ الغالبَ أنَّها لا تُعْلَمُ في أقلَّ منْ ذلكَ لجوازِ النقصانِ باختلافِ العلفِ ونحوهِ، ولأنَّ في روايةِ أحمدَ (^٨) والطحاويِّ (^٩): \"فهوَ بأحدِ النظرينِ بالخيارِ إلى أنْ يحوزَها [أو يردَّها] (^١٠) \". وأما ابتداءُ الثلاثِ ففيهِ خلافٌ، قيلَ:\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٢).\n(^٢) في (أ): \"هو\".\n(^٣) في (ب): \"لحديث\".\n(^٤) في \"السنن\" (٤٤٨٧).\n(^٥) في \"سنن النسائي\" (٤٤٨٦).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٢).\n(^٧) في المخطوط \"طريق\" وما أثبتناه في المطبوع وهو أولى.\n(^٨) في \"المسند\" (٢/ ٢٤٢) بلفظ: \"فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ردَّها … \".\n(^٩) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٧) بلفظ: \"فهو بخير النظرين بين أن يختارها وبين أن يردَّها … \".\n(^١٠) زيادة من (جـ).","vol":"5","page":63},{"text":"منْ بعدِ تَبَيُّنِ التصريةِ، وقيلَ: منْ عندِ العقدِ، وقيلَ: منَ التفرُّقِ (^١). ودلَّ الحديثُ أنهُ يردُّ عوضَ اللبنِ صاعًا منْ تمرٍ، وأما الروايةُ التي عَلَّقَهَا البخاريُّ (^٢) بذكرِ: \"صاعًا منْ طعامٍ\" فقدْ رجَّحَ البخاريُّ روايةَ التمرِ لكونهِ أكثر (^٣). وإذا ثبتَ أنهُ يردُّ المشتري صاعًا منْ تمرٍ ففي المسألةِ ثلاثةُ أقوال:\nالأولُ: للجمهور (^٤) منَ الصحابةِ والتابعينَ بإثباتِ الردِّ للمصراةِ، ردِّ [صاعٍ] (^٥) منْ تمرٍ، سواءٌ كانَ اللبنُ كثيرًا [أو] (^٦) قليلًا، والتمرُ قوتًا لأهلِ البلدِ أوْ لا.\nوالثاني: للهادويةِ (^٧)، فقالُوا: تُرَدُّ المصرَّاةُ، ولكنَّهم قالُوا بردِّ اللبنِ بعينهِ إنْ كانَ باقيًا، أو مثلِه إنْ كانَ تالفًا، أو قيمتِه يومَ الردِّ حيثُ لم يوجدِ المثلُ. قالُوا: وذلك [لأنه] (^٨) تقرَّرَ أن ضمانَ المتلفِ إنْ كانَ مِثْلِيًا فبالمثلِ، وإنْ كانَ قيْميًّا فبالقيمةِ، واللبنُ إنْ كانَ مثليًا ضمن بمثله وإن كان قيميًا قُوِّمَ بأحدِ النقدينِ وضُمِنَ بذلكَ، فكيفَ يضمنُ بالتمرِ أو الطعام؟ قالُوا: وأيضًا فإنهُ كانَ الواجبُ أنْ يختلفَ الضمانُ بقدرِ اللبنِ، ولا يُقَدَّرُ بصاعٍ أَقلَّ أَوْ أكثرَ. وأُجِيْبَ بأنَّ هذا القياسَ تضمَّنَ العمومَ في جميعِ المتلفاتِ، وهذا خاصٌّ وردَ بهِ النصُّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ.\nأما تقديرُ الصاعِ فإنهُ قدَّرَهُ الشارعُ لِيدفَعَ التشاجرَ لعدم الوقوفِ على حقيقةِ قدْرِ اللبنِ لجوازِ اختلاطِه بحادث بعدَ البيعِ، فَقَطَعَ الشارعُ النزاعَ وقدَّرهُ بحدٍّ لا يبعدُ رفعًا للخصومَةِ، وقدَّرَهُ بأقربِ شيءٍ إلى اللبنِ، فإنَّهما كانا قوتًا في ذلك الزمانِ، ولهذا الحكمِ نظائرُ في الشريعةِ وهوَ ضمانُ الجناياتِ (^٩) كالموضحةِ؛ فإنَّ أرشَها مقدَّرٌ معَ الاختلافِ في الكبرِ والصغرِ؛ والغرةِ في الجنينِ معَ اختلافهِ؛ والحكمةُ في ذلكَ كلِّه دفعُ التشاجر.\n_________\n(^١) في المخطوط: \"التصرف\" وما أثبتناه من المطبوع.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٣٦١ في آخر الحديث ٢١٤٨).\n(^٣) يعني أكثر الروايات بذكر التمر وأقلها بذكر الطعام أو بدون ذكر شيء.\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٤).\n(^٥) في (أ): \"وصاعًا\".\n(^٦) في المخطوط \"و\"، وما أثبتناه في المطبوع.\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٥٣).\n(^٨) في (أ): \"أنه\".\n(^٩) انظر: كتاب الجنايات من كتابنا هذا من الحديث رقم (١/ ١٠٨٧).","vol":"5","page":64},{"text":"والثالثُ: للحنفيةِ (^١)، فخالفُوا في أصلِ المسألةِ وقالُوا: لا يُرَدُّ [المبيع] (^٢) بعيبِ التَّصريةِ، فلا يجبُ ردُّ الصاعِ منَ التمرِ، واعتذَرُوا عن الحديثِ بأعذارٍ كثيرةٍ. بالقدحِ في الصحابيِّ (^٣) الراوي للحديثِ، وبأنهُ حديثٌ مُضْطَّرِبٌ (^٤)، وبأنهُ منسوخٌ (^٥)، وبأنهُ معارَضٌ بقولهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٦)، وكلُّها أعذارٌ مردودةٌ. وقالُوا: الحديثُ خالفَ قياسَ الأصولِ منْ جهاتٍ:\nالأولى: منْ حيثُ إنَّ اللبنَ التالفَ إنْ كانَ موجودًا عندَ العقدِ [فهو] (^٧) نقصُ\n_________\n(^١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩، ٢٠)، و\"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٤، ٣٦٥).\n(^٢) في (ب): \"البيع\".\n(^٣) وهو كلام أذى قائله به نفسه كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٦٤).\n(^٤) قال الحافظ (٤/ ٣٦٥): \"ومنهم من قال هو حديث مضطرب لذكر التمر فيه تارة والقمح أخرى واللبن أخرى، واعتباره بالصاع تارة وبالمثل تارة وبالإناء أخرى، والجواب أن الطرق الصحيحة لا اختلاف فيها. اهـ.\nوقال (٤/ ٣٦٤) - بعد أن ساق روايات -: \"فهذه الروايات تبين أن المراد بالطعام التمر ولما كان المتبادر إلى الذهن أن المراد بالطعام القمح نفاه بقوله: \"لا سمراء\". قال: لكن يعكِّر على هذه الجمع ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ: \"إن ردَّها ردَّها ومعها صاع من بُرٍّ لا سمراء\"، وهذا يقتضي أن المنفي في قوله لا سمراء حنطة مخصوصة وهي الحنطة الشامية فيكون المثبت قوله: \"من طعام\" أي من قمح، ويحتمل أن يكون راويه رواه بالمعنى الذي ظنه مساويًا وذلك أن المتبادر من الطعام البر فظن الراوي أنه البر فعبر به، وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر لأنه كان غالب قوت أهل المدينة، فهذا طريق الجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين في ذلك، لكن يعكر على هذا ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث الباب وفيه: \"فإن ردَّها ردَّ معها صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر\"، فإن ظاهره التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير الثمر، ويحتمل أن تكون \"أو\" شكًا من الراوي لا تخييرًا، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصح الاستدلال بشيء منها فيرجع إلى الروايات التي لم يختلف فيها وهي التمر فهي الراجحة كما أشار إليه البخاري.\n(^٥) انظر ما زعموا بأنه ناسخ والرد عليه في: \"الفتح\" (٤/ ٣٦٥)، و\"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٠، ٢١، ٢٢).\n(^٦) سورة النحل: الآية ١٢٦.\nوأجاب الحافظ على الاستدلال بهذه الآية: بأنه من ضمان المتلفات لا العقوبات، والمتلفات تضمن بالمثل وبغير المثل. اهـ من \"الفتح\" (٤/ ٣٦٥).\n(^٧) في (ب): \"فقدْ\".","vol":"5","page":65},{"text":"جزءٍ منَ المبيعِ فيمتنعُ الردُّ، وإنْ كانَ حادثًا عندَ المشتري فهوَ غيرُ مضمونٍ. وأُجِيْبَ أولًا: بأنَّ الحديث أصلٌ مُسْتَقِلٌ برأسهِ لا يقالُ إنهُ خالفَ قياسَ الأصولِ (^١).\nوثانيًا: بأنَّ النقصَ إنما يمنعُ الردَّ إذا لمْ يَكُنْ لاستعلامِ العيْبِ، وهُو هُنَا لاستعلامِ العيبِ فلا يُمنع.\nوالثانيةُ: منْ حيثُ إنهُ جعلَ الخيارَ فيهِ ثلاثًا معَ أن خيارَ العيبِ، وخيارَ المجلسِ، وخيارَ الرؤيةِ، لا يقدرُ شيءٌ منها بالثلاثِ. وأجيبَ بأنَّ المصرَّاةَ انفردتْ بالمدَّةِ المذكورة، لأنهُ لا يتبينُ حكمُ التصريةِ في الأغلبِ إلَا بها بخلافِ غيرِها.\nوالثالثةُ: [من حيث] (^٢) إنَّهُ يلزمُ ضمانُ الأعيانِ معَ بقائِها حيثُ كانَ اللبنُ موجودًا. وأُجِيبَ عنهُ بأنهُ غيرُ موجودٍ متميزٍ لأنهُ مختلطٌ باللبنِ الحادثِ فقدْ تعذَّرَ ردُّه بعينهِ بسببِ الاختلاطِ فيكونُ مثلَ ضمانِ العبدِ المغصوبِ الآبقِ.\nوالرابعةُ: إنَّهُ يلزمُ إثبات الرد بغير عيب، لأنه لو كان نقصانُ اللبن عيبًا لثبت به الرد من دون تصرية، ولا اشتراط لأنه لم يشترط الردَّ. وأجيبَ بأنه في حكم خيار الشرط منْ حيثُ المعنَى؛ فإنَّ المشتري لما رَأَى ضِرعَها مملوءًا فكأنَّ البائعَ شرطَ لهُ أنَّ ذلكَ عادةٌ لها، وقد ثبتَ لهذا نظائرُ مثلُ ما تقدَّمَ في تلقي الجلوبةِ. وإذا تقرَّرَ عندكَ ضعفُ القولينِ الآخريْنِ علمتَ أن الحقَّ (^٣) هوَ الأَوَّلُ، وعرفتَ أن الحديثَ أصلٌ (^٤) في النَّهي عن الغشِّ، وفي ثبوتِ الخيارِ لمنْ دلَّسَ عليهِ، وفي أنَّ التدليسَ لا يفسدُ أصلَ العقدِ، وفي تحريمِ التصريةِ للمبيعِ وثبوتِ الخيارِ بها. وقدْ أخرجَ أحمدُ (^٥)، وابنُ ماجهْ (^٦) منْ حديثِ ابن مسعودٍ مرفوعًا: \"بيعُ المحفلاتِ خِلابةٌ، ولا تحلُّ الخلابةُ، لمسلمٍ\"، وفي إسنادهِ ضعفٌ، ورواه ابنُ أبي شيبةَ\n_________\n(^١) الحديث أصل والقياس فرع، فكيف يرد الفرعُ الأصلَ؟\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٦٦، ٣٦٧).\n(^٤) كما قال ابن عبد البر، انظر: \"الفتح\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٤٣٣).\n(^٦) في \"سننه\" (٢٢٤١).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٥/ ٣١٧)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢١٦ رقم ٨٥٩).\nوضعَّفه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٦٧)، والألباني في \"ضعيف ابن ماجه\" (ص ١٧٢ رقم ٤٨٧/ ٢٢٤١).","vol":"5","page":66},{"text":"مرفوعًا (^١) بسندٍ صحيحٍ. والمحَفَّلاتُ: جَمْعُ مُحَفَّلة بالحاءِ المهملةِ والفاءِ، التي تَجْمعُ لبنها في [ضرعها] (^٢)، والخِلابةُ: بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وتخفيفِ اللامِ، بعدَها موحدةٌ، الخداعُ.\n٣٥/ ٧٧٠ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود - ﵁ - قَالَ: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وزَادَ الإِسْمَاعِيليُّ مِنْ تَمْرٍ (^٤). [صحيح]\n(وعن ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: من اشتَرى شاةً محفَّلةً فردَّها فليردَّ معهَا صاعًا. رواهُ البخاريُّ، وزادَ الإسماعيليُّ: منْ تمرِ)، لم يرفعْه المصنِّفُ بلْ وقَفَهُ على ابن مسعودٍ، لأنَّ البخاريَّ لمْ يرفعْه. وقدْ تقدَّم (^٥) الكلامُ على معناهُ مُسْتَوْفَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-824>[تحريم الغشِّ]</span>\n٣٦/ ٧٧١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﷺ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ منْ طَعَامٍ، فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بلَلًا فَقَالَ: \"مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ \"، قَالَ: أَصَابَتْهُ السمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \"أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - مرَّ علي صُبرةٍ)، الصُّبْرةُ: بضمِّ الصادِ المهملةِ، وسكونِ الموحدةِ، الكَوْمةُ المجموعةُ منَ الطعامِ، (فأدخل يدَه فيها فنالتْ أصابعُه بللًا، فقالَ: ما هذَا يا صاحبَ الطعامِ؟ قالَ: أصابتْه السماءُ يا رسولَ اللهِ، قالَ:\n_________\n(^١) كذا في المطبوع، وفي المخطوط \"موقوفًا\" وكلاهما صحيح، فإنه رواه مرفوعًا كما تقدم في التعليق السابق وموقوفًا (٦/ ٢١٤ رقم ٨٥٥)، وأخرجه أيضًا موقوفًا على عبد الله بن مسعود: البيهقي (٥/ ٣١٧)، وعبد الرزاق (٨/ ١٩٨ رقم (١٤٨٦٥) وصحَّح إسناده الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٦٧).\n(^٢) في (ب): \"ضروعها\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢١٤٩) وطرفه رقم (٢١٦٤).\n(^٤) وهي في البخاري أيضًا كما في النسخة التي بين أيدينا (٤/ ٣٦١ رقم ٢١٤٩).\n(^٥) في شرح الحديث السابق رقم (٣٤/ ٧٦٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٠٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٥٢)، والترمذي (٣/ ٦٠٦) رقم (١٣١٥)، وابن ماجه (٢٢٢٤)، وأحمد (٢/ ٢٤٢)، وأبو عوانة (١/ ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٣٢٠)، والحاكم (٢/ ٨).","vol":"5","page":67},{"text":"أَفَلا جعَلتَه فوقَ الطعامِ كي يراهُ الناسُ؟ مَنْ غشَّ فليسَ منِّي. رواه مسلمٌ).\nقالَ النووي (^١) ﵀: كَذَا في الأصولِ \"منِّي\" بياءِ المتكلمِ، وهوَ صحيحٌ، ومعناهُ ليسَ ممنِ اهتدَى بهديي واقْتدَى بعلمي وعملي، وحُسْنِ طريقتي. وكان سفيانُ بنُ عيينةَ يكرهُ تفسيرَ مثلِ هذا، [ونقولُ:] (^٢) نمسكُ عنْ تأويلِه ليكونَ أوقعَ في النفوسِ، وأبلغَ في الزَّجْرِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الغش، وهوَ مجمعٌ على تحريمهِ شرعًا، مذمومٌ فاعلُه عقلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-825>[بيع العنب لمن يتخذه خمرًا]</span>\n٣٧/ ٧٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن بُرَيْد عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَبَسَ الْعِنبَ أَيَّامَ الْقطَافِ حَتَّى يَبيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَقدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ\"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (^٣) في الأَوْسطِ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ (^٤). [باطل]\n\n<span data-type='title' id=toc-826>[ترجمة عبد الله بن بريدة]</span>\n(وعنْ عبد اللهِ بن بريدةَ) هو أبو سهل (^٥) عبدُ اللهِ بنُ بريدةَ بنَ الحصيبِ الأسلميِّ، قاضي مَرْوٍ، تابعيُّ ثقةٌ سمعَ أباهُ وغيرَهُ، (عنْ أبيهِ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: منْ حبَسَ العنبَ أيامَ القطافِ)، الأيامُ التي يُقْطَفُ فيها (حتَّى يبيعَه ممنْ يَتَّخذُهُ خمرًا فقدْ تقحَّم) بالقاف، ثم الحاء المهملة المشدَّدة، أي: رمى بنفسه على بصيرة، وثبتت (النارَ على بصيرة)، أي على علم بالسببِ الموجبِ لدخوله.\n_________\n(^١) في \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) في (أ): \"ويقول\".\n(^٣) رقم (٥٣٥٦)، وانظر: الضعيفة للألباني (٣/ ٤٢٩).\n(^٤) ذكره في \"المجمع\" (٤/ ٩٠) ثم قال: \"وفيه عبد الكريم بن عبد الكريم قال أبو حاتم: حديثه يدل على الكذب\" اهـ. وانظر: \"العلل\" (١/ ٣٨٩ رقم ١١٦٥) قال: (ولكن تدل روايتهم على الكذب) اهـ، يعني عبد الكريم والحسن بن مسلم. وقال الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٥٢٣ رقم ١٩٥١) في ترجمة الحسن هذا: أتى بخبر موضوع في الخمر، ثم ساقه من رواية ابن حبان. والخلاصة: أن الحديث باطل.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٥٠)، و\"التاريخ الكبير\" (٥/ ٥١)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٣)، \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٠٢)، \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ١٣٧)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٥١).","vol":"5","page":68},{"text":"(رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ بإسنادٍ حسنٍ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ في شُعَبِ الإيمانِ (^١) منْ حديثِ بريدةَ بزيادةِ: \"حتى يبيعه منْ يهودي، أو نصرانيٍ، أو ممَّنْ يعلمُ أَنّه يتخذَه خمرًا، فقد تقحَّم في النار على بصيرةٍ\". والحديثُ دليلٌ على تحريمِ بيعِ العنبِ ممنْ يتخذُه خمرًا [لوعيدِ] (^٢) البائعِ بالنارِ، وهوَ معَ القصدِ محرَّمٌ إجماعًا. وأما معَ عدمِ القصْدِ فقالَ الهادويةُ: يجوزُ البيعُ معَ الكراهيةَ، ويُؤَوَّلُ بأنّ ذلكَ معَ الشكِّ في جعْلِهِ خَمْرًا، وأما إذا علِمَهُ فهوَ محرَّمُ، ويقاسُ على ذلكَ ما كانَ يستعانُ بهِ في معصيةٍ، وأما ما لا يفعلُ إلَّا لمعصيةٍ كالمزاميرِ والطنابيرِ ونحوها فلا يجوزُ بيعُها ولا شراؤها إجماعًا (^٣)، وكذلكَ بيعُ السلاحِ (^٤) والكراعِ منَ الكفارِ والبغاةِ، إذا كانُوا يستعينونَ بها على حربِ المسلمينَ، فإنهُ لا يجوزُ إلا أنْ يباعَ بأفضلَ منهُ جازَ.\n٣٨/ ٧٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الْخرَاجُ بالضَّمَانِ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٥)، وضَعَّفَهُ الْبخَارِيُّ (^٦)، وأَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَصَحّحَهُ (^٨) التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ،\n_________\n(^١) (٥/ ١٧ رقم ٥٦١٨) بنفس الإسناد الذي تكلَّمنا عليه آنفًا.\n(^٢) في (ب): \"بوعيد\".\n(^٣) انظر: الإجماع على تحريم الآلات الموسيقية في \"موسوعة الإجماع\" (٢/ ٩٦٨).\n(^٤) انظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ١٧٩).\n(^٥) أبو داود (٣٥٠٨، ٣٥١٠)، والترمذي (١٢٨٥، ١٢٨٦)، والنسائي (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٢، ٢٢٤٣)، وأحمد (٦/ ٤٩، ٨٠، ١١٦، ١٦١، ٢٠٨، ٢٣٧).\n(^٦) قال الترمذي (٣/ ٥٨٣): \"استغرب محمد بن إسماعيل هذا الحديث من حديث عمر بن علي، قلت: تراه تدليسًا؟ قال: لا\" اهـ.\nقلت: ومداره ليس على عمر بن علي بل رواه غيره كما أخرجه الترمذي نفسه (١٢٨٥) فالقول بأن البخاري ضعفه ليس على إطلاقه.\n(^٧) قال في \"سننه\" (٣/ ٧٨٠): \"هذا إسناد ليس بذاك\" اهـ.\nقلت: في إسناده مسلم بن خالد الزنجي ضعَّفه الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ١٠٢)، لكنه قد توبع، تابعه خالد بن مهران وعمر بن علي المقدمي كما بينه محقق \"المنتقى\" (٢/ ١٩٩)، وتابع شيخهم - هشامَ بن عروة عن أبيه - مخلدُ بن خفاف كما أخرجه أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وغيرهم، ومخلد وثقه ابن حبان وابن وضاح، وقال البخاري: فيه نظر. انظر ترجمته في: \"الميزان\" (٤/ ٨٢)، و\"التهذيب\" (١٠/ ٦٧) فمثله يقبل حديثه في المتابعات.\n(^٨) قال في \"سننه\" (٣/ ٥٨٢): حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":69},{"text":"وَابْنُ الْجَارُودِ (^١) وابْنُ حِبَّانَ (^٢)، والْحَاكِمُ (^٣)، وابْنُ الْقَطَّانِ. [صحيح لغيره]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: الخراجُ بالضمانِ. رواهُ الخمسةُ، وضعَّفهُ البخاريُّ)؛ لأنَّ فيهِ مسلمَ بن خالدٍ الزنجيِّ ذاهبُ (^٤) الحديثِ. (وأبو داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ الجارودِ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ، وابنُ القطانِ). الحديثُ أخرجهُ الشافعيُّ، وأصحابُ السنن بطولهِ، وهوَ: \"أن رجلًا اشتَرى غلامًا في زمنِ رسول اللهِ - ﷺ -، وكانَ عندَه ما شاءَ اللهُ، ثمَّ ردَّه منْ عيبٍ وجدَه، فقضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - بردِّه بالعيبِ، فقالَ المقْضي عليهِ: قدِ استعملَه، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: الخراجُ بالضمانِ، والخراجُ هو الغلةُ والكراءُ، ومعناهُ أن المبيعَ إذا كانَ لهُ دخْلٌ وغلةٌ فإنَّ مالكَ الرقبةِ الذي هوَ ضامنٌ لها يملكُ خراجَها لضمانِ أصلِها، فإذا ابتاعَ رجلٌ أرضًا فاستعملَها، أو ماشيةً فنتجَها، أو دابةً فركبَها، أو عبدًا فاستخدَمَه، ثمَّ وجدَ بهِ عيبًا، فلهُ أن [يرده] (^٥) ولا شيء عليهِ فيما انتفعَ بهِ، لأنها لو تلفتْ ما بينَ مدةِ الفسخِ والعقدِ لكانتْ في ضمانِ المشتري، فوجبَ أنْ يكونَ الخراجُ لهُ. وقد اختلفَ العلماءُ في المسألةِ على [ثلاثةِ] (^٦) أقوالٍ:\nالأولُ: للشافعيِّ (^٧)، أن الخراجَ بالضمانِ على ما قرَّرْنَاه في معنَى الحديثِ،\n_________\n(^١) في \"المنتقى\" (٢/ ١٩٩ رقم ٦٢٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١/ ٤٨٣ رقم ١١٢٥، ١١٢٦ الموارد).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٥) ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٢١٣، ٢١٤)، والبيهقي (٥/ ٣٢١)، والطيالسي (ص ٢٠٦ رقم ١٤٦٤)، والشافعي (٢/ ١٤٣ رقم ٤٧٩ - ترتيب المسند)، والبغوي (٨/ ١٦٢ رقم ٢١١٨، ٢١١٩) وحسَّنه بالجملة، فالحديث صحيح لغيره.\n(^٤) اختلف في مسلم بن خالد الزنجي فممَّن وثقه ابن معين - وقال مرة: ضعيف - وابن عدي وابن حبان. وقال الأزرقي: كان فقيهًا عابدًا يصوم الدهر. وقال الحربي: كان فقيه أهل مكة، وممن ضعفه البخاري وأبو حاتم وأبو داود وابن المديني والساجي والذهبي، والأمر فيه كما قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق فقيه كثير الأوهام.\nانظر: \"الميزان\" (٤/ ١٠٢ رقم ٨٤٨٥)، و\"التهذيب\" (١٠/ ١١٥ رقم ٢٢٩)، و\"التقريب\" (٢/ ٢٤٥ رقم ١٠٧٩).\n(^٥) في (ب): \"يرد الرقبة\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) انظر: \"شرح السنة\" (٨/ ١٦٤).","vol":"5","page":70},{"text":"وما [وجدَ] (^١) منَ الفوائدِ الأصليةِ والفرعيةِ فهوَ للمشتري، ويردّ المبيعَ ما لمْ يَكُنْ ناقصًا عما أخذَه.\nالثاني: للهادويةِ (^٢)، أنهُ يُفَرَّقُ بينَ الفوائدِ الأصليةِ والفرعيةِ، فيستحقُ المشتري الفرعيةَ، وأما الأصليةُ فتصيرُ أمانةً في يدِه، [فإذا] (^٣) ردَّ المشتري المبيعَ بالحكمِ وجبَ الردُّ ويضمنُ [التالفُ] (^٤) وإنْ كانَ بالتراضي لم يردَّها.\nالثالثُ: للحنفيةِ (^٥): أنَّ المشتري يستحقُّ الفوائدَ الفرعيةَ كالكراءِ وأما الفوائدُ الأصليةُ كالثمرِ فإنْ كانتْ باقيةً ردَّها معَ الأصلِ، وإنْ كانتْ تالفةً امتنعَ الردُّ واستحقَّ الأَرْشَ.\nالرابعُ: لمالكٍ (^٦): أنهُ يُفَرَّقُ بينَ الفوائدِ الأصليةِ كالصوت والشعر، فيستحقه المشتري والولد برده مع أمه، وهذا ما لم تكنْ متصلةً بالمبيعِ وقتَ الردِّ، فإنْ كانتْ متصلةً وجبَ الردُّ لها إجماعًا، هذا ما قالَهُ المذكورونَ. والحديثُ ظاهرٌ فيما ذهبَ إليهِ الشافعي. وأما إذا وطئَ المشتري الأمةَ ثمَّ وجدَ فيها عيبًا، فقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالتِ الهادويةُ (^٧)، وأهلُ الرأي (^٨)، والثوريُّ، وإسحاقُ (^٩): يمتنعُ الردُّ لأنَّ الوطءَ جنايةٌ، لأنهُ لا يحلُّ وطءُ الأمةِ لأصلِ المشتري ولا لفصلِه، فقدْ عيَّبَها بذلكَ. قالُوا: وكذَا مقدماتُ الوطء يمتنعُ الردُّ بعدَها لذلكَ. قالُوا: ولكنَّهُ يرجعُ على البائعِ بأرشِ العيبِ. وقيلَ: يردُّها ويردُّ معها مهرُ مِثْلها. ومنهم مَنْ فرَّق بينَ الثيِّبِ والبكر. وقدِ استوفَى الخطابيُّ (^١٠) ذلكَ، ونقلَه الشارحُ، والكلُّ أقوالٌ عاريةٌ عن الاستدلالِ، ودعْوى أن الوطءَ جنايةٌ دعْوَى غيرُ صحيحةٍ، والتعليلُ بأنهُ حرَّمها بهِ على أصولهِ وفصوله فكانتْ جنايةً عليلٌ، فإنهُ لم ينحصرِ المشتري لها فيهما.\n_________\n(^١) في (أ): \"حدث\".\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) في (ب): \"فإنْ\".\n(^٤) في (ب): \"التلف\".\n(^٥) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٠٣).\n(^٦) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٤٩ وما بعدها) بتحقيقنا.\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٥٩).\n(^٨) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٣٠٤)، و\"شرح السنة\" (٨/ ١٦٤).\n(^٩) انظر: \"شرح السنة\" (٨/ ١٦٤).\n(^١٠) انظر: \"معالم السنن\" له بحاشية مختصر أبي داود للمنذري (٥/ ١٥٩).","vol":"5","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-827>[العقد الموقوف الذي لنفذ بالإجازة]</span>\n٣٩/ ٧٧٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَريَ بهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بالْبَركَةِ في بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١) إلَّا النَّسائيَّ. [صحيح]\nوَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢) في ضِمْن حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ (^٣) لَفْظَهُ.\nوَأَوْرَدَ التِّرْمذِيُّ (^٤) لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حكيمِ بْنِ حِزَامٍ.\n(وعنْ عروةَ البارقيِّ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - أعطاهُ دينارًا يشتري بهِ أضحيةً أوْ شاةً، فاشتَرى بهِ شاتينِ، فباعَ إحداهمُا بدينارٍ فأتاهُ بشاةٍ ودينارِ، فدَعا لهُ بالبركةِ في بيعهِ، فكانَ لو اشتَرَى ترابًا لربحَ فيهِ. رواة الخمسة إلا النسائيَّ، وقدْ أخرجَهُ البخاريُّ ضمنَ حديثٍ، ولم يَسُقْ لفظَه، وأوردَ لهُ الترمذيُّ شاهدًا منْ حديثِ حكيمِ بن حزامٍ). الحديثُ في إسنادهُ سعيدُ بنُ زيدٍ (^٥) أخُو حمَّادٍ مختلفٌ فيهِ. قالَ المنذريُّ، والنوويُّ: إسناده حسنٌ (^٦) صحيحٌ. وفيهِ كلامٌ كثيرٌ. وقالَ المصنفُ (^٧): \"الصوابُ أنهُ متصلٌ في إسنادهِ مُبْهَم\". وفي الحديثِ دلالةٌ على أن عروةَ شَرَى ما لمْ يوكَلْ\n_________\n(^١) أبو داود (٣٣٨٤)، والترمذي (١٢٥٨)، وابن ماجه (٢٤٠٢)، وأحمد (٤/ ٣٧٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣٦٤٢).\n(^٣) بل بلفظه، قلت: وأخرجه الشافعي (٢/ ١٠٤ البدائع)، والبغوي (٨/ ٢١٨ رقم ٢١٥٨)، والبيهقي (٦/ ١١٢).\n(^٤) في \"سننه\" (١٢٥٧) وقال: حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه وحبيب بن أبي ثابت لم يسمع عندي من حكيم بن حزام.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٨٦) وفي سنده مجهول، والبيهقي (٦/ ١١٢، ١١٣) مثله.\n(^٥) هذا ما علَّله به البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١١٢) وتابعه عليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٥).\nقلت: لم يتفرَّد به سعيد بن زيد وإنما تابعه هارون بن موسى المقرئ الأعور، أخرجه الترمذي (١٢٥٨) وهو من رجال الشيخين.\n(^٦) ذكره الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٥).\n(^٧) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٥).","vol":"5","page":72},{"text":"بشرائهِ، وباعَ كذلكَ، لأنهُ - ﷺ - أعطاهُ دينارًا لشراءِ أضحيةٍ فلو وقفَ على الأمرِ لشَرَى ببعضِ الدينارِ الأضحيةَ، وردَّ البعضَ. وهذا الذي فعله هو الذي تسمِّيهِ الفقهاءُ العقدَ الموقوفَ الذي ينفذُ بالإجازةِ. وقد وقعتْ هنا، وللعلماءِ فيه خمسةُ أقوالٍ:\nالأولُ: أنهُ يصحُّ العقد الموقوفُ، وذهبَ إلى هذا جماعةٌ منَ السلفِ والهادويةُ (^١)، عملًا بالحديثِ.\nالثاني: أنه لا يصحُّ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (^٢)، وقالَ: إنَّ الإجازةَ لا تصحِّحُه محتجًّا بحديثِ: \"لا تبعْ ما ليسَ عندَك\". أخرجهُ أبو داودَ (^٣)، والترمذيُّ (^٤)، والنسائيُّ (^٥)، وهوَ شامل للمعدومِ وملكِ الغيرِ، وتردَّدَ الشافعيُّ (^٦) في صحةِ حديثِ عروةَ، وعلَّقَ القولَ بهِ على صحتهِ.\nوالثالثُ: التفصيلُ لأبي حنيفة (^٧) [فقال] (^٨): يجوزُ البيعُ لا الشراءُ، وكأنهُ فرَّقَ بينهما بأنَّ البيعَ إخراجٌ عن مُلْكِ المالكِ، وللمالكِ حقٌّ في استبقاءِ مُلْكِهِ، فإذا أجازَ فقدْ أسقطَ حقَّه بخلافِ الشراءِ فإنهُ إثباتُ [ملكٍ] (^٩)، فلا بدَّ منْ تولِّي المالكِ لذلكَ.\nوالرابع: لمالكٍ (^١٠)، وهوَ عكسُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، وكأنهُ أرادَ الجمعَ بينَ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٢٩).\n(^٢) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ١١٣).\n(^٣) في \"سننه\" (٣٥٠٣).\n(^٤) في \"سننه\" (١٢٣٢، ١٢٣٣) وحسَّنه.\n(^٥) في \"سننه\" (٤٦١٣).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢١٨٧)، وأحمد (٣/ ٤٠١، ٤٠٣)، وابن الجارود (٢/ ١٨٢ رقم ٦٠٢)، والبيهقي (٥/ ٢٦٧، ٣١٧، ٣٣٩) من حديث حكيم بن حزام - ﵁ -، وهو حديث صحيح، وقد صحّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٣٢ رقم ١٢٩٢).\n(^٦) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ١١٣).\n(^٧) انظر: \"حاشية رد المحتار\" (٤/ ٥٠٥).\n(^٨) في (أ): \"وقال\".\n(^٩) في (أ): \"مالك\".\n(^١٠) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٠٨) بتحقيقنا، وقد ساوى فيه - عند مالك - بين البيع والشراء بثمن المثل بنقد البلد جوازًا، وأيضًا في عدم الجواز إن باع نسيئة أو بغير نقد البلد أو بغير ثمن المثل.","vol":"5","page":73},{"text":"الحديثينِ، حديثِ: \"لا تبعْ ما ليسَ عنَدك\"، وحديثِ عروةَ فَيُعْمَلُ بهِ ما لم يُعَارَضْ.\nوالخامس: أنهُ يصحُّ إذا وكِّلَ بشراءِ شيءٍ [فشرى] (^١) بعضَه وهوَ للجصَّاصِ، وإذا صحَّ حديثُ عروةَ فالعملُ بهِ هوَ الراجحُ، وفيهِ دليل على صحةِ بيعِ الأضحيةِ وإنْ تعينتْ بالشراءِ لإبدالِ المِثْلِ، ولا تطيبُ زيادةُ الثمنِ ولذا أمرهُ بالتصدقِ بها، وفي دعائهِ - ﷺ - لهُ بالبركةِ دليل على أن شكرَ الصنيعِ لمنْ فعلَ المعروفَ ومكافأتهُ مستحبةٌ ولوْ بالدعاءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-828>[بعض البيوع المنهي عنها]</span>\n٤٠/ ٧٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا في بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا في ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِراءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٢)، والْبَزارُ (^٣)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٤) بِإِسْنَادٍ ضَعِيف. [ضعيف]\n(وعنْ أبي سعيد الخدْريِّ - ﵁ - أن النبي - ﷺ - نَهَى عنْ شراءِ ما في بطونِ الأنعامِ حتَّى تضعَ، وعنْ بيعِ ما في ضِرعِها، وعنْ شراءِ العبدِ وهوَ آبقٌ، وعنْ شراءِ المغانمِ حتَّى تقسَمَ، وعنْ شراءِ الصدقاتِ حتَّى تُقْبَضَ، وعنْ ضربةِ الغائصِ. رواهُ ابنُ ماجهْ، والبزارُ، والدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٌ)، لأنهُ منْ حديثِ شهرِ بن حوشبٍ، وشهرٌ تكلَّمَ فيهِ جماعةٌ (^٥) كالنضرِ بن شميلٍ، والنسائيِّ، وابنِ عديٍّ، وغيرِهم.\n_________\n(^١) في (ب): \"فيشتري\".\n(^٢) في \"سننه\" (٢١٩٦).\n(^٣) عزاه إليه الزيلعي في \"تصب الراية\" (٤/ ١٤ - ١٥).\n(^٤) في \"سننه\" (٣/ ١٥ رقم ٤٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣٨) وقال: وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهى عنه في الحديث الثابت عن رسول الله - ﷺ -. اهـ. وأعله أبو حاتم في \"العلل\" لابنه (١/ ٣٧٣ رقم ١١٠٨، ١١٠٩) وضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٣٢ رقم ١٢٩٣) وهو كما قال.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"الميزان\" (٢/ ٢٨٣ رقم ٣٧٥٦)، و\"السير\" (٤/ ٣٧٢ رقم ١٥١) و\"طبقات ابن سعد\" (٧/ ٤٤٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ٣٨٢)، و\"التهذيب\" (٤/ ٣٢٤ =","vol":"5","page":74},{"text":"وقالَ البخاريُّ: شَهْرٌ حَسَنُ الحديثِ وقَوَّى أمرُه، ورُوِيَ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: ما أحسنَ حديثَه. والحديثُ اشتملَ على ستِّ صورٍ منْهيٍّ عنْها:\nالأولى: بيعٌ في بطونِ الحيوانِ، وهوَ (^١) مجمعٌ على تحريمهِ.\n[و] (^٢) الثانيةُ: اللبنُ في الضروعِ، وهوَ (^٣) مجمعٌ عليهِ أيضًا، وقدْ تقدَّمَ.\nالثالثةُ: العبدُ الآبقُ وذلكَ لتعذُّرِ تسليمهِ.\nوالرابعةُ: شراءُ المغانِم قَبْلَ القسمةَ، وذلكَ لعدمِ [الملكِ] (^٤).\nوالخامسةُ: شراءُ الصدقاتِ قبلَ القبضِ فإنهُ لا [يستقرُّ] (^٥) ملكُ المتصدقِ عليهِ إلَّا بعدَ القبضِ، إلا أنهُ استثنَى الفقهاءُ منْ ذلكَ بيعَ المصدقِ (^٦) للصدقةِ قبلَ القبضِ بعدَ التخليةِ، فإنهُ يصحُّ لأنَّهم جعلُوا التخليةَ كالقبضِ في حقِّهِ.\nالسادسةُ: ضربةُ الغائص، وهوَ أنْ يقولَ: أغوصُ في البحرِ غَوصةً بكذا، فما خرجَ فهوَ لكَ، والعلةُ في ذلك هوَ الغرَرُ.\n٤١/ ٧٧٦ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)، وَأَشَارَ إلَى أنَّ الصَّوَابَ وَقْفهُ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تشتَروا السَّمكَ في الماءِ فإنَّهُ غَرَرٌ. رواهُ أحمدُ وأشارَ إلى أن الصوابَ وقْفُهُ)، وهوَ دليلٌ على حرمةِ بيعِ السمكِ في الماءِ، وقدْ عَلَّلَهُ بأنهُ غَرَرٌ، وذلكَ لأنهُ تَخْفَى في الماءِ حقيقتُه، ويُرَى\n_________\n= رقم ٦٣٥)، و\"التقريب\" (١/ ٣٥٥ رقم ١١٢) وفيه قال: صدوق كثير الإرسال والأوهام.\n(^١) انظر: الإجماع لابن المنذر (ص ١١٤ رقم ٤٧٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" لابن حزم (٨/ ٣٩٤ مسألة رقم ١٤٢٥)، وأيضًا \"موسوعة الإجماع\" (١/ ١٧٦ رقم ٤٩).\n(^٤) في (أ): \"المالك\".\n(^٥) في (أ): \"تستقر\".\n(^٦) وهو عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها اهـ من حاشية المطبوع.\n(^٧) في \"المسند\" (١/ ٣٨٨).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٥/ ٣٤٠) ورجَّح وقفه، وكذا رجَّح الوقف كل من: الدارقطني والخطيب وابن الجوزي ووافقهم الحافظ. انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٧ رقم ١١٣٢) والخلاصة: أن الحديث مرسل.","vol":"5","page":75},{"text":"الصغيرُ كبيرًا وعكسُه، وظاهرُه النَّهيُ عنْ ذلكَ مطلقًا. وفصَّلَ (^١) الفقهاءُ في ذلكَ فقالُوا: إنْ كانَ في ماءٍ كثير لا يمكن أخذه إلَّا بتصيد، ويجوز عدم أخذه، فالبيعُ غير صحيح، وإن كان في ماء لا يفوتُ فيهِ ويُؤْخَذُ بتصيدٍ فالبيعُ صحيحٌ، ويثبتُ فيهِ الخيارُ بعدَ التسليمِ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى تصيُّدٍ فالبيعُ صحيحٌ ويثبتُ فيهِ خيارُ الرؤيةِ، وهذَا التفصيلُ يأخذُ منَ الأدلةِ، [والدليلَ] (^٢) المقتضي للإلحاقِ يخصِّصُ عمومُ النَّهْي.\n٤٢/ ٧٧٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتى تُطْعِمَ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهرٍ، وَلا لَبَنٌ في ضَرْع. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (^٣) في الأَوْسَطِ، وَالدَّارَقُطْنيُّ (^٤). [ضعيف]\nوَأَخْرَجهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل (^٥) لِعِكْرِمَةَ.\nوَأَخْرَجَهُ (^٦) أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بإِسْنَاد قَويٍّ، وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٧). [موقوف صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ تُبَاعَ ثمرةٌ حتَّى تُطْعِمَ)، بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ، وكسرِ العينِ المهملةِ، يبدُو صلاحُها، (ولا يُباعُ صوفٌ على\n_________\n(^١) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٤٠٠).\n(^٢) في (ب): \"والتعليل\".\n(^٣) وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٢): ورجاله ثقات: قلت: ورواه في \"الكبير\" (١١/ ٣٣٨ رقم ١١٩٣٥).\n(^٤) في \"سننه\" (٣/ ١٤ رقم ٤٠، ٤١، ٤٢)، وموقوفًا (٣/ ١٥ رقم ٤٣).\n(^٥) (ص ١٦٨ رقم ١٨٣).\n(^٦) يعني في المراسيل أيضًا، وهو فيه (ص ١٦٨ رقم ١٨٢)، وقال محقِّقه شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين.\n(^٧) يعني وقفه، وهو في سننه (٥/ ٣٤٠) بإسنادين الثاني منهما هو الذي رجَّح وقفه، أما الأول فقال فيه: تفرد برفعه عمر بن فروخ وليس بالقوي. وردَّه عليه ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" فقال: لم يتكلَّم فيه أحد بشيء من جرح فيما علمت غير البخاري، وذكره البخاري في تاريخه وسكت عنه ولم يتعرض ابن عدي إلى ضعفه بل وثقه ابن معين وأبو حاتم ورضيه أبو داود.\nقلت: وقال النووي (٩/ ٣٢٦): هذا الأثر عن ابن عباس صحيح اهـ.","vol":"5","page":76},{"text":"ظَهْر، ولا لَبَنٌ في ضرْعٍ. رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ، والدارقطني، ورجَّحه البيهقي (^١)، وأخرجَهُ أبو داودَ في المراسيلِ لعكرمةَ)، وهوَ الراجحُ. (وأخرجَه أيضًا موقوفًا علي ابن عباسٍ بإسنادٍ قويٍّ، ورجَّحهُ البيهقيُّ). اشتملَ الحديثُ على ثلاثِ مسائلَ:\nالأُوْلَى: [النَّهْيُ] (^٢) عنْ بيعِ الثمرةِ حتَّى يبدوَ صلاحُها ويطيبَ أكلُها، ويأتي (^٣) الكلامُ في ذلكَ.\nوالثانية: النَّهيُ عنْ بيعِ الصوفِ على الظهرِ، وفيهِ قولانِ للعلماءِ، الأولُ: أنهُ لا يصحُّ عملًا بالحديثِ، ولأنهُ يقعُ الاختلافُ في موضع القطعِ منَ الحيوانِ، فيقعُ الإضرارُ بهِ وهذا قولُ الهادويةِ (^٤)، والشافعيةِ (^٥)، وأبي حنيفةَ (^٦). والقولُ الثاني: أنهُ يصحُّ البيعُ لأنهُ مشاهدٌ يمكن تسليمهُ، فيصحُّ كما [يصح] (^٧) منَ المذبوحِ، وهذا قولُ مالكٍ ومَنْ وافَقَه قالوا: والحديثُ موقوفٌ على ابن عباسٍ، والقولُ الأولُ أظَهرُ. والحديثُ قد تعاضدَ فيهِ المرسلُ والموقوفُ. وقدْ صحَّ النَّهيُ عن الغررِ، والغررُ حاصلٌ فيهِ.\nوالثالثةُ: النَّهْيُ عنْ بيعِ اللبنِ في الضرعِ لما فيهِ منَ الغررِ. وذهبَ سعيدُ بنُ جبيرٍ إلى جوازِه، قالَ: لأنهُ - ﷺ - سمَّى الضرعَ خزانةً في قولهِ فيمنْ يحلبُ شاةَ أخيهِ بغيرِ إذْنِهِ: \"يعمدُ أحدُكم إلى خزانةِ أخيه [فيأخذ] (^٨) ما فيها\" (^٩)، وأجيبَ بأن تسميتَه خزانةٌ مجازٌ، ولَئِنْ سلم فَبَيْعُ ما في الخزانةِ بيعُ غررٍ ولا يدرى بكميتهِ وكيفيتِه.\n_________\n(^١) كذا في المخطوط وهي سبق نظر كما هو واضح.\n(^٢) ليست في المخطوط (أ) وسياق الكلام يقتضيها وهي في المطبوع والمخطوط (ب).\n(^٣) انظر: الحديث رقم (٣/ ٨٠٢، ٤/ ٨٠٣، ٥/ ٨٠٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٢١، ٣٢٢).\n(^٥) انظر: \"المجموع\" (٩/ ٣٢٧) في (ب) الشافعيُّ.\n(^٦) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٤٨).\n(^٧) في (ب): \"صحَّ\".\n(^٨) في (ب): \"ويأخذ\".\n(^٩) أخرجه البخاري (٢٤٣٥)، ومسلم (١٧٢٦)، وأبو داود (٢٦٢٣)، وابن ماجه (٢٣٠٢) من حديث عبد الله بن عمر. ولفظه: \"لا يحلبن أحد ماشية امرئٍ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه\".","vol":"5","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-829>[النهي عن بيع المضامين والملاقيح]</span>\n٤٣/ ٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ والْمَلاقِيحِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ (^١)، وَفي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف] (وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عنْ بيعِ المضامينِ) (^٢). المرادُ بها ما في بطونِ الإبلِ. (والملاقيحِ) هوَ ما في ظهورِ الجمالَ. (رواهُ البزارُ، وفي إسنادِه ضعفٌ)، لأنَّ في رواتِه صالحَ بنَ أبي الأخضر عن الزهريِّ، وهوَ ضعيفٌ ورواهُ مالكٌ (^٣) عن الزهريِّ، عنْ سعيدٍ مرسلًا. قالَ الدارقطنيُّ (^٤) في العلل:\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في \"كشف الأستار\" (٢/ ٨٧ رقم ١٢٦٧) قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا صالح ولم يكن بالحافظ. وأورده الهيثمي أيضًا في \"المجمع\" (٤/ ١٠٤) وقال: \"رواه البزار وفيه صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف\" اهـ، وعزاه ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ١٢ رقم ١١٤٦) لإسحاق بن راهويه وفيه صالح بن أبي الأخضر أيضًا، قلت: وله شواهد:\n١ - أخرجه البزار (٢/ ٨٧ رقم ١٢٦٨) \"كشف الأستار\"، والطبراني في \"الكبير\" كما ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٤) من حديث ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - نهى عن الملاقيح والمضامين وحبل الحبلة\"، قال البزار: لا نعلمه عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد. وقال الهيثمي: \"وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه جمهور الأئمة\".\nقلت: انظر ترجمته في: \"المجروحين\" (١/ ١٠٩)، \"والجرح والتعديل\" (٢/ ٨٣)، و\"الميزان\" (١/ ١٩)، و\"التقريب\" (١/ ٣١).\n٢ - أخرج مالك (٤/ ٦٥٢ رقم ٦٣) عن سعيد بن المسيب مرسلًا قال: \"لا ربا في الحيوان وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة .. \"، وفي الباب: عن عمران بن حصين وهو في البيوع لابن أبي عاصم كما في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٧ رقم ١١٣٢)، وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨/ ٢١ رقم ١٤١٣٨) وإسناده قوي قاله الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ١٢ رقم ١١٤٦) وخلاصة القول: أن الحديث مرسل.\n(^٢) وفي \"النهاية\" (٣/ ١٠٢): المضامين ما في أصلاب الفحول وهي جمع مضمون، يقال: ضمن الشيء بمعنى تضمنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا. والملاقيح: جمع ملقوح وهو ما في بطن الناقة، وفسَّرهما مالك في الموطأ بالعكس، وحكاه الأزهري عن مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب، وحكاه أيضًا عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: إذا كان في بطن الناقة حمل فهو ضامن ومضمان، وهن ضوامن ومضامين، والذي في بطنها ملقوح وملقوحة. اهـ.\n(^٣) في \"الموطأ\" (٢/ ٦٥٤ رقم ٦٣) وقد تقدم قريبًا.\n(^٤) انظر: \"التخليص الحبير\" (٣/ ١٢ رقم ١١٤٦).","vol":"5","page":78},{"text":"\"تابعهُ معمرٌ ووصلهُ عمرُ بنُ قيسٍ عن الزهريِّ. وقولُ مالكٍ هوَ الصحيحُ\". وفي البابِ عن ابن عمرَ أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (^١) بإسنادٍ قويٍّ. والحديثُ دليل على عدمِ صحَّةِ بيعِ المضامينِ والملاقيحِ. وقدْ تقدَّم وهو إجماعُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-830>[بيان فضل الإقالة]</span>\n٤٤/ ٧٧٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بيعته أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَابْنُ مَاجَه (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٥)، وَالحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ أقالَ مسلمًا بيعتَه أقالَ اللهُ عثْرَتَه. رواه أبو دوادَ، وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ)، وهوَ عندهُ بلفظِ: مَنْ أقالَ مسلمًا أقاله (^٧) اللهُ عثرته يومَ القيامةِ. قالَ أبو الفتحِ (^٨) القشيريِّ: هوَ على شرطِهما. وفي البابِ ما يشدُّه منَ الأحاديثَ الدالةِ على [فضيلة] (^٩) الإقالة، وحقيقتُها شرعًا: رفعُ العقدِ الواقع بينَ المتعاقديْنِ، وهيَ مشروعةٌ إجمالًا، ولا بدَّ منْ لفظٍ يدل [عليها] (^١٠)، وهوَ أقَلْتُ أو ما يفيدُ معناهُ عرفًا.\n_________\n(^١) في مصنفه (٨/ ٢١ رقم ١٤١٣٨) وقد تقدم قريبًا.\n(^٢) نقله ابن المنذر (ص ١١٥ رقم ٤٧٧).\n(^٣) في \"سننه\" (٣٤٦٠).\n(^٤) في \"سننه\" (٢١٩٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١١/ ٤١٥ رقم ٥٠٣٠).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٥) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. اهـ ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه عبد اللهِ في \"زوائد المسند\" (٢/ ٢٥٢)، والبيهقي (٦/ ٢٧) وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٢٤ رقم ١١٩٧): قال أبو الفتح القشيري: هو على شرطهما، وصحَّحه ابن حزم، اهـ. قلت: وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٨٢ رقم ١٣٣٤)، وفي الباب من حديث أبي شريح مرفوعًا ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١١٠) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات. اهـ.\n(^٧) كذا في المخطوط وفي \"المستدرك\": \"أقال\".\n(^٨) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٢٤ رقم ١١٩٧).\n(^٩) في (ب): \"فضل\".\n(^١٠) في (ب): \"عليهما\".","vol":"5","page":79},{"text":"وللإقالةِ شرائطُ ذُكِرَتْ في كتبِ الفروعِ لا دَليلَ عليها، وإنَّما دلَّ الحديثُ على أنَّها تكونُ بينَ المتبايعينِ لقولِه: بيعَته.\nوأما كونُ المُقالِ مسلمًا فليسَ بشرط، وإنما ذكرَه لكونهِ حكمًا أغلبيًا، وإلا فَثَوابُ الإقالةِ ثابتٌ في [إقالةِ] (^١) غيرِ المسلمِ، وقدْ وردَ بلفظِ: منْ أقالَ نادِمًا. أخرجهُ البزارُ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) نسبه الحافظ إليه في \"التلخيص\" (٣/ ٢٤ رقم ١١٩٧).","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>الباب الثاني باب الخيار</span>\nالخِيارُ: بكسرِ الخاءِ المعجمةِ اسمٌ منَ الاختيارِ أوِ التخيرِ، وهوَ طلبُ خيرِ الأمرينِ منْ إمضاءِ البيع أو فسخهِ، وهوَ أنواعٌ، ذكرَ المصنفُ في هذا البابِ: خيارَ المجلسِ، وخيارَ الشرط.\n\n<span data-type='title' id=toc-832>[خيار المجلس]</span>\n١/ ٧٨٠ - وَعَن ابْنِ عُمرَ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: قَالَ: \"إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١) وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٢). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: إذا تبايعَ الرجلانِ)، أي: أوقَعَا العَقْدَ بينَهما لا تساوما منْ غيرِ عَقْدٍ، (فكلُّ واحدٍ منْهما بالخيارِ ما لم يتفرَّقا)، وفي لفظٍ: يفْتَرِقا، والمرادُ بالأبدانِ، (وكانا جميعًا، أو يخَيِّرْ) منَ التخيير (أحدُهما الآخرَ)؛ فإن خيَّر أحدهما الآخر أي إذا اشترط أحدهما الخيار مدةً معلومةً فإن\n_________\n(^١) البخاري (٢١٠٧)، وأطرافه في (٢١٠٩، ٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦)، ومسلم (١٥٣١)، وأخرجه أبو داود (٣٤٥٤، ٣٤٥٥)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٨، ٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٨١)، وابن الجارود (٢/ ١٩١ رقم ٦١٧، ٦١٨)، والبيهقي (٥/ ٢٦٨، ٢٧٢) وغيرهم بألفاظ متعددة منها هذا.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٦٣ رقم ٤٤/ ١٥٣١).","vol":"5","page":81},{"text":"الخيار لا ينقضي بالتفرق، بلْ يبقَى حتَّى تمضي مدةُ الخيارِ التي شَرَطَهَا. وقيلَ المرادُ إذا اختارَ إمضاءَ البَيْعِ قبلَ التفرقِ لزمهُ البيعُ حينئذٍ وبطلَ اعتبارُ التفرقِ، ويدلُّ لهذا قولُه: (فإنْ خيَّر أحدُهما الآخرَ فتبايعَا على ذلك فقدْ وجبَ البيعُ) أي نفذَ وتمَّ، (وإنْ تفرَّقا) [أي] (^١) بالأبدانِ (بعدَ أنْ تبايعَا) أي عَقَدَا عقْدَ البيعِ، (ولم يتركْ واحدٌ منْهما البيعَ فقدْ وجبَ البيعُ. متفقٌ عليهِ، واللفظ لمسلمٍ).\nالحديثُ دليلٌ على ثبوتِ خيارِ المجلسِ للمتابعينِ، وأنهُ يمتدُّ إلى أنْ يحصلَ التفرق بالأبدانِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ثبوتِه على قولين:\n\n<span data-type='title' id=toc-833>[آراء الفقهاء في خيار المجلس]</span>\nالأولُ: ثبوتُه وهوَ لجماعةٍ منَ الصحابةِ (^٢)، منْهم عليٌّ ﵇ (^٣)، وابنُ عباسٍ (^٤)، وابنُ عمرَ وغيرهم.\nوإليهِ ذهبَ أكثرُ التابعينَ (^٥)، والشافعي (^٦)، وأحمدُ (^٧)، وإسحاقُ (^٨)، والإمامُ يحيى (^٩)، قالُوا: والتفرق الذي يَبْطُلُ بهِ الخيارُ ما يُسَمَّى عادةً تفرقًا؛ ففي المنزلِ الصغيرِ بخروج أحدهما، وفي الكبير بالتحوُّلِ منْ مجلسِه إلى آخرَ بخطوتينِ أو ثلاثٍ، ودلَّ على أنَّ هذا تفرُّق فعلُ (^١٠) ابن عمرَ المعروفُ؛ فإنْ قامَا [معًا] (^١١)\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٣٠): ولا يعرف لهما - أي لعبد الله بن عمر وأبي برزة الأسلمي - مخالف من الصحابة. اهـ. ونقل ابن حزم ذلك عن عمر والعباس وأبي هريرة وأبي برزة وابن عمر - ﵃ - أجمعين. انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٥٤).\n(^٣) و(^٤) قال النووي في \"المجموع\" (٩/ ١٨٤): وحكاه القاضي أبو الطيب عن علي بن أبي طالب وابن عباس. اهـ.\n(^٥) ولم يخالف أحد من التابعين في ذلك إلا إبراهيم النخعي. انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٥٥) وانظر: \"الفتح\" (٤/ ٣٣٠).\n(^٦) انظر: \"المجموع\" (٩/ ١٨٤).\n(^٧) و(^٨) انظر: \"المحلى\" (٨/ ٣٥٤) و\"المجموع\" (٩/ ١٨٤).\n(^٩) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٤٧).\n(^١٠) وهو أنه كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه. أخرجه البخاري (٤/ ٣٢٦ رقم ٢١٠٧).\n(^١١) في (أ): \"جميعًا\".","vol":"5","page":82},{"text":"وذَهَبا معًا فالخيارُ باقٍ، وهذَا المذهبُ دليلُه هذا الحديثُ المتفقُ عليهِ.\nالقولُ الثاني: للهادويةِ (^١)، والحنفيةِ (^٢)، ومالكٍ (^٣)، والإماميةِ (١)، أنهُ لا يَثْبُتُ خيارُ المجلسِ بلْ متى تفرَّقَ المتبايعانِ بالقولِ فلا خيارَ إلا ما شرطَ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (^٤)، وبقولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (^٥)، قالُوا: والإشهادُ إنْ وقعَ بعدَ التفرُّقِ لم يطابقِ الأمرَ، وإنْ وقعَ قبلَه لم يصادفْ محلَّه، وحديثُ: \"إذا اختلفَ البيِّعانِ فالقولُ قولُ البائعِ\" (^٦) ولم يفصَّلْ. وأجيبَ بأنَّ الآيةَ مطلقةٌ قُيِّدتْ بالحديثِ، وكخيارِ الشرطِ، وكذلكَ الحديثُ، وآيةُ الإشهادِ يُرَادُ [بهما] (^٧) عندَ العقدِ ولا ينافيهِ ثبوتُ خيارِ المجلسِ، كما لا ينافيهِ سائرُ الخياراتِ. قالُوا: والحديثُ منسوخٌ بحديثِ: \"المسلمونَ على شروطِهم\" (^٨). والخيارُ بعدَ لزومِ العقدِ يفيدُ الشرطَ. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ النسخِ، ولا يثبتُ بالاحتمال. قالُوا: ولأنهُ منْ روايةِ مالكٍ (^٩)، ولا يعملُ بهِ. وأجيبَ بأنّ مخالفةَ الراوي لا توجبُ عدمَ العملِ بروايتهِ، لأنَّ عملَه مبنيٌّ على اجتهادِه، وقدْ يظهرُ له ما هوَ أرجحُ عندَه مما رواهُ، وإن لم يكنْ أرجحَ في نفسِ الأمرِ، قالُوا: وحديثُ البابِ يحملُ على المتساومينِ فإنَّ استعمالَ البائعِ في المساومِ شائعٌ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ إطلاقٌ مجازيٌ، والأصلُ الحقيقةُ، وعُوِرضَ بأنهُ يلزمُ أيضًا حملُهُ على المجازي على القولِ الأولِ؛ فإنهُ على تقديرِ القولِ بأنَّ المرادَ التفرقُ (^١٠) بالأبدانِ هوَ بعدَ تمامِ الصيغةِ وقدْ مضَى، فهو مجاز في الماضي. وردَّت هذه المعارضة\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٤٦).\n(^٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٤/ ١٥).\n(^٣) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦٧١).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.\n(^٦) تقدم تخريجه برقم (٣/ ٧٣٨) من كتابنا هذا، وهو صحيح.\n(^٧) في (١): \"بها\".\n(^٨) انظر تخريجه برقم (١/ ٨٢٣) من كتابنا هذا، وهو صحيح لغيره.\n(^٩) في \"الموطأ\" (٢/ ٦٧١ رقم ٧٩).\n(^١٠) قال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٢٧): ونقل ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان. ثم قال: والحق حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعًا.","vol":"5","page":83},{"text":"بأن لا نسلم أنه مجاز في الماضي، بل هو حقيقة فيهِ كما ذهبَ إليه الجمهورُ بخلافِ المستقبلِ فمجازٌ اتفاقًا. قالُوا: المرادُ التفرقُ بالأقوالِ، والمرادُ بالتفرقِ فيها هو ما بينَ قولِ البائعِ: بعتُك بكذَا، أوْ قولِ المشتري: اشتريتُ. قالُوا: فالمشتري بالخيارِ في قولهِ: اشتريتُ أو تركَهُ، والبائعُ بالخيارِ إلى أنْ يُوجِبَ المشتري، ولا يخْفَى ركاكةُ هذا القولِ، أو بطلانُه؛ فإنهُ إلغاءٌ للحديثِ عن الفائدةِ؛ إذْ منَ المعلومِ يقينًا أن كلًّا منَ البائعِ والمشتري في هذهِ الصورةِ على الخيارِ؛ إذْ لا عقدَ بينَهما فالإخبارُ بهِ لاغٍ عن الإفادةِ، ويردُّه لفظُ الحديثِ كما لا يخْفَى، فالحق هوَ القولُ الأولُ، وأما معارضةُ حديثِ البابِ بالحديثِ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-834>[لا يحل ترك مجلس البيع خشية الاستقالة]</span>\n٢/ ٧٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"الْبَائِعُ وَالْمُبتَاعُ بالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ\"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^١) إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، (^٢) وابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (^٣). [حسن]\nوَفي روَايَة (^٤): \"حَتى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهمَا\".\nوهوَ قولُه: (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: البائعُ والمبتاعُ بالخيارِ [ما لم] (^٥) يتفرَّقَا، إلا أنْ تكونَ صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ لهُ أن يفارقَه خشيةَ أنْ يستقيلَه. رواهُ الخمسةُ إلا ابنَ ماجه، [ورواهُ] (^٦) الداقطنيُّ، وابن خزيمةَ، وابنُ الجارودِ. وفي روايةٍ: حتَّى يتفرَّقا [من] (^٧) مكانهما)، وبحديثِ أبي داودَ (^٨) عن\n_________\n(^١) أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧) وحسَّنه، والنسائي (٤٤٨٣)، وأحمد (٢/ ١٨٣).\n(^٢) في \"سننه\" (٣/ ٥٠ رقم ٢٠٧).\n(^٣) في \"المنتقى\" (٢/ ١٩٦ رقم ٦٢٠).\n(^٤) هي رواية الدارقطني والبيهقي. قلت: وأخرجه البيهقي (٥/ ٢٧١) وحسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٥٥ رقم ١٣١١).\n(^٥) في (ب): \"حتى\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"عن\".\n(^٨) ظن الشارح ﵀ أنهما حديثان، والحق أنهما حديث واحد، فإن عمرو بن شعيب راوي الحديث هو: عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبوه المذكور =","vol":"5","page":84},{"text":"ابن [عمرو] (^١) بلفظِ: \"البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقَا إلَّا أنْ تكونَ صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ لهُ أن يفارقَ صاحبَه خشيةَ أنْ يستقيلَه\". قالُوا: فقولُه أنْ يستقيلَه دالٌّ على نفوذِ البيعِ، فقدْ أُجِيْبَ عنهُ بأنَّ الحديثَ دليلُ خيارِ المجلسِ أيضًا لقولهِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا، وأما قولُه أنْ يستقيلَه فالمرادُ بهِ الفسخُ لأنّهُ لو أريدَ الاستقالةَ حقيقةَ لم يكنْ للمفارقةِ معنى، فتعيَّنَ حملُها على الفسخِ، وعلى ذلكَ حملَه الترمذيُّ (^٢) وغيرُه (^٣) منَ العلماءِ. [قالوا] (^٤): معناهُ لا يحلُّ له أنْ يفارقَه بعدَ البيعِ خشيةَ أنْ يختارَ فسخَ المبيعِ، فالمرادُ بالاستقالةِ فسخُ النادمِ، وحملُوا نفيَ الحِلِّ على الكراهةِ لأنهُ لا يليقُ بالمروءةِ وحسنِ معاشرةِ المسلمِ، لا أن اختيارَ الفسخِ حرامٌ. وأما ما رُوِيَ عن ابن عمرَ (^٥) أنهُ كانَ إذا بايعَ رجلًا فأرادَ أنْ يتمَّ بيعتَه قامَ يمشي هنيهةً فرجعَ إليه فإنهُ محمولٌ على أن ابنَ عمرَ لم يبلغْه النَّهيُ. وقالَ ابنُ حزمٍ (^٦): حَملُ حديثِ ابن عمروٍ هذا على التفرقِ بالأقوالِ تذهبُ معهُ فائدةُ الحديثِ، لأنهُ يلزمُ معهُ حلُّ التفرقِ سواءٌ خشيَ أنْ يستقيلَه أوْ لا، لأنَّ الإقالةَ تصِحُّ قبل التفرقِ وبعدَه. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٧): قدْ أكثرَ المالكيةُ والحنفيةُ منَ الكلامِ بردِّ الحديثِ بما يطولُ ذكرُه، وأكثرُه لا يحصلُ منهُ شيءٌ، وإذا ثبتَ لفظُ مكانِهما لم يبقَ للتأويلِ مجالٌ، وبطلَ بطلانًا ظاهرًا حملَه على تَفَرُّقِ الأقوالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-835>[خيار الغبن]</span>\n٣/ ٧٨٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ فَقَالَ: \"إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n_________\n= في الحديث هو شعيب، والمقصود بجده هو عبد اللهِ بن عمرو بن العاص.\n(^١) في (ب): \"عمر\".\n(^٢) انظر كلامه في \"سننه\" (٣/ ٥٥٠).\n(^٣) انظر: \"الفتح\" (٤/ ٣٣٢).\n(^٤) في (ب): \"فقالوا\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٢١٠٧)، وتخريج الحديث (١/ ٧٨٠) من كتابنا هذا.\n(^٦) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٦٠)، والفتح (٤/ ٣٣٢).\n(^٧) انظر: \"الفتح\" (٤/ ٣٣٢).\n(^٨) البخاري (٢١١٧)، ومسلم (١٥٣٣). =","vol":"5","page":85},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: ذكَرَ رجلٌ) هو حَبَّانُ (^١) بن منقذ بفتحِ الحاءِ المهملةِ، والباء الموحدةِ (للنَّبي - ﷺ - أنهُ يُخْدَعُ في البيوعِ فقالَ: إذا بايعتَ فقلْ: لا خِلابَة) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، وتخفيفِ اللامِ، [فموحدة] (^٢)، أي: لا خديعةَ (متفقٌ عليهِ).\nزادَ ابنُ إسحاقَ في روايةِ يونسَ (^٣) بنِ بكيرٍ، وعبدِ (^٤) الأَعْلَى عنهُ: \"ثمَّ أنتَ بالخيارِ في كلِّ سلعةٍ ابتعتَها ثلاثَ ليالٍ، فإنْ رضيتَ فأمسكْ، وإنْ سخطْتَ فارْدُدْ، فبقيَ ذلكَ الرجلُ حتَّى أدركَ زمانَ عثمانَ، وهوَ ابنُ مائةٍ وثلاثينَ سنةٍ، فكثُرَ الناسُ في زمانِ عثمانَ، فكانَ إذا اشترَى شيئًا فقيلَ لهُ إنكَ غُبنْتَ فيهِ رجعَ، فيشهدُ له رجلٌ منَ الصحابةِ أن النبيَّ - ﷺ - قدْ [جعله بالخيار] (^٥) ثلاثًا، [فتردُّ] (^٦) لهُ دراهِمُهُ\". والحديثُ دليلٌ على خيارِ الغبنِ في البيعِ والشراءِ إذا حصلَ الغَبنُ. واختلفَ فيهِ العلماءُ على قولينِ، الأولُ: ثبوتُ الخيارِ بالغبنِ، وهوَ قولُ أحمدَ (^٧)، ومالكٍ (^٨)، ولكنْ إذا كانَ الغبنُ فاحشًا لمنْ لا يعرفُ ثمنَ السلعةِ، وقَيَّدَهُ بعضُ المالكيةِ بأنْ يبلغَ الغبنُ ثلثَ القيمةِ، ولعلَّهم أخذُوا التقييدَ مما علمَ منْ أنه لا يكاد يسلمُ أحدٌ من مطلقِ الغبنِ في غالبِ الأحوالِ، ولأنَّ القليلَ يُتَسامَحُ بهِ في العادةِ، وأنهُ منْ رَضِيَ بالغبنِ بعدَ معرفتِه فإنَّ ذلكَ لا يُسَمَّى غَبْنًا، وإنما يكونُ [ذلك] (^٩) منْ باب التساهلِ في البيعِ الذي أثنَى رسول اللهِ - ﷺ - على (^١٠) فاعلِه، وأخبرَ أنَّ الله يحبُّ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٠٠)، والنسائي (٤٤٨٤)، ومالك (٢/ ٦٨٥ رقم ٩٨)، وأحمد (٥٠٣٦، ٥٤٠٥، ٥٢٧١، ٥٥١٥، ٥٥٦١، ٥٨٥٤ شاكر)، والطيالسي (ص ٢٥٦ رقم ١٨٨١)، والبيهقي (٥/ ٢٧٣)، والبغوي (٨/ ٤٦ رقم ٢٠٥٢)، وابن الجارود (٢/ ١٥٨ رقم ٥٦٧)، والحميدي (٢/ ٢٩٢ رقم ٦٦٢)، والدارقطني (٣/ ٥٤، ٥٥ رقم ٢١٧، ٢٢٠)، والحاكم (٢/ ٢٢).\n(^١) بيَّنته رواية ابن الجارود والدارقطني والبيهقي.\n(^٢) في (ب): \"بموحدة\".\n(^٣) أخرجها البيهقي (٥/ ٢٧٣).\n(^٤) أخرجها الدارقطني في (٣/ ٥٥ رقم ٢٢٠). وانظر: \"التعليق المغني\".\n(^٥) في (ب): \"جعل له الخيار\".\n(^٦) في (أ): \"فيرد\".\n(^٧) انظر: \"المغني\" (٤/ ٩٢).\n(^٨) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٤٠٠، ٤٠١) بتحقيقنا.\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في قوله - ﷺ -: \"إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء\". =","vol":"5","page":86},{"text":"الرجلَ سهلَ البيعِ سهلَ الشراءِ. [وذهبتِ] (^١) الجماهيرُ منَ العلماءِ إلى عدمِ ثبوتِ الخيارِ بالغبنِ لعمومِ أدلةِ البيعِ ونفوذِه منْ غيرِ تفرقةٍ بينَ الغبْنِ أو لا.\nقالُوا: وحديثُ البابِ إنَّما كانَ الخيارُ فيهِ لضعفِ عقلِ ذلكَ الرجلِ، إلَّا أنهُ ضَعْفٌ لم يَخْرج بهِ عنْ حدِّ التمييزِ، فتصرُّفُه كتصرُّفِ الصبيِّ المأذونِ لهُ يثبتُ له الخيارُ معَ الغبنِ.\nقلتُ: ويدلُّ لضعفِ عقلِه ما أخرجَه أحمدُ (^٢)، وأصحابُ (^٣) السننِ منْ حديثِ أنس بلفظِ: \"إنَّ رجلًا كانَ يبايعُ وكانَ في عقلهِ لما أي: إدراكِه \"ضعفٌ\"، ولأنهُ لقَّنَهُ - ﷺ - بقولهِ لا خلابةَ اشتراطُ عدمِ الخداعِ، فكانَ شراؤهُ وبيعُه مشرُوطًا بعدمِ الخداع، فيكون منْ بابِ خيارِ الشرطِ. قالَ ابنُ العربيِّ: إنَّ الخديعةَ في هذهِ القصةِ يحتملُ أن تكونَ في العيبِ، أوْ في الملكِ، أوْ في الثمنِ، أوْ في العينِ فلا يحتجُّ بها في الغبنِ بخصوصِه، وهي قصةٌ خاصةٌ لا عمومَ فيها.\nقلتُ: في روايةِ ابن إسحاقَ (^٤) أنهُ شَكَا إلى النبيِّ - ﷺ - ما يَلْقَى منَ الغبنِ،\nوهي تردُّ ما قالَه ابنُ العربيِّ. وقالَ بعضُهم: إنهُ إذا قال الرجلُ البائعُ أو المشتري: لا خلابةَ ثبتَ الخيارُ، وإنْ لم يكنْ فيهِ غبنٌ. وردّ بأنهُ مقيَّدٌ بما في الروايةِ أنه كانَ يغبنُ. وأثبتَ الهادويةُ (^٥) الخيارَ بالغبنِ في صورتينِ، الأولى: [فيمن] (^٦) تصرَّفَ عن الغيرِ. والثانيةُ: في الصبيِّ المميِّزِ، محتجِّينَ بهذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ لهم على الصورةِ الثانيةِ إذا ثبتَ أنهُ كانَ في عقلِه ضعفٌ دونَ الأُولى.\n* * *\n_________\n= قلت: أخرجه الترمذي (١٣١٩) وقال: غريب، والحاكم (٢/ ٥٦) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\nقلت: ووافقهما الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٥٩٨ رقم ٨٩٩).\n(^١) في (أ): \"وذهب\".\n(^٢) في \"المسند\" (٣/ ٢١٧).\n(^٣) أبو داود (٣٥٠١)، والترمذي (١٢٥٠) وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي (٤٤٨٥)، وابن ماجه (٢٣٥٤).\nوأخرجه: الدارقطني (٣/ ٥٥ رقم ٢١٨، ٢١٩)، وابن الجارود (٢/ ١٥٩ رقم ٥٦٨).\nوهو حديث صحيح وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٦٦٩).\n(^٤) تقدم أنها عند الدارقطني والبيهقي وهي أيضًا من رواية أحمد وابن الجارود والحاكم، وتقدَّم تخريج ذلك.\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٥٤).\n(^٦) في (ب): \"مَنْ\".","vol":"5","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-836>الباب الثالث باب الربا</span>\nالرِّبا [مكسور] (^١) الراءِ مقصور [ة] (^٢)، منْ رَبَا يربُو، ويقالُ: الرماءُ بالميمِ والمدِّ بمعناهُ، والرُّبيةُ بضمِّ الراء والتخفيفَ، وهوَ الزيادةُ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (^٣)، ويطلقُ الرِّبا على كلِّ بيعٍ محرَّمٍ، وقدْ أجمعتِ (^٤) الأمةُ على تحريمِ الرِّبا في الجملةٍ، وإنِ اختلفُوا في التفاصيلِ، والأحاديثُ في النَّهْي عنهُ وذمِّ فاعلِه ومَنْ أعانَهُ، كثيرةٌ جدًّا، ووردتْ بِلَعْنِهِ ومنْها:\n\n<span data-type='title' id=toc-837>[بيان من يأثم من الربا]</span>\n١/ ٧٨٣ - عَنْ جَابرٍ - ﵁ - قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: آكلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ\"، وَقَالَ: \"هُمْ سَوَاءٌ\"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (^٥). [صحيح]\nوللْبُخَاريِّ (^٦) نحوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي جُحَيْفَةَ. [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"بكسر\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) سورة الحج: الآية ٥.\n(^٤) انظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ٤٢٩).\n(^٥) في صحيحه (١٠٦/ ١٥٩٨).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٤)، والبيهقي (٥/ ٢٧٥)، والبغوي (٨/ ٥٤)، وابن الجارود (٢/ ٢١٥ رقم ٦٤٦).\n(^٦) في صحيحه (٢٠٨٦)، وأطرافه في (٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٣).\nوأخرجه: أحمد (٤/ ٣٠٨)، والبيهقي (٦/ ٩). وفي الباب من حديث عبد الله بن مسعود أخرجه مسلم (١٠٥/ ١٥٩٧)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذي (١٢٠٦)، وابن ماجه (٢٢٧٧).","vol":"5","page":88},{"text":"(عنْ جابرِ [بن عبد اللهِ] (^١) - ﵁ - قالَ: لعنَ رسولَ اللهِ - ﷺ - آكلَ الربا، وموكلَه، وكاتَبه، وشاهدْيهِ، وقالَ: همْ سواءٌ. رواهُ مسلمٌ. وللبخاريً نحوُهُ منْ حديثِ أبي جُحيفةَ)، أي دعا على المذكورينَ بالإبعادِ عن الرحمةِ، وهو دليل على إثمِ مَنْ ذُكِرَ، وتحريمِ ما تعاطَوْهُ، وخصَّ الأكلَ لأنهُ الأغلبُ في الانتفاعِ، وغيرُه مثلُه. والمرادُ منْ موكِلهِ الذي أَعْطَى الرِّبا لأنهُ ما تَحصَّلَ الرِّبا إلا منْه فكانَ داخلًا في الإثمِ. وإثمُ الكاتبِ والشاهدينِ لإعانتِهم على المحظور، وذلكَ إذا قَصَدا وعَرَفا بالرِّبا، ووردَ في روايةٍ (^٢): لعنُ الشاهدِ بالإفرادِ على إرادةِ الجنسِ. فإنْ قلتَ: حديثُ (^٣): \"اللهمَّ ما لعنْتُ منْ لعنةٍ فاجعلْها رحمةً\" أو نحوُهُ، وفي لفظٍ (^٤): \"ما لعنتُ من لعنة فعلَى مَنْ لعنتُ\"، يدلُّ على أنهُ لا يدلُّ اللعنُ منهُ - ﷺ - على التحريمِ، وأنهُ لم يردْ بهِ حقيقةَ الدعاءِ على مَنْ [وقع] (^٥) عليهِ اللعنَ.\nقلتُ: ذلكَ فيما إذا كانَ مَنْ أوقعَ عليهِ اللعنَ غيرَ فاعل لمحرَّمٍ معلومٍ، أوْ كانَ اللعنُ في حالِ غضبٍ منْهُ - ﷺ -.\n٢/ ٧٨٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الرِّبا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُون بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحِ الرّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٦) مُخْتَصَرًا، وَالْحَاكِمُ (^٧) بِتَمَامِهِ وَصَحّحَهُ. [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ)\n(^٢) بالشك تثنية أو إفرادًا، أخرجها البيهقي (٥/ ٢٧٥) من حديث ابن مسعود وبإثبات الإفراد أخرجها أبو داود (٣٣٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٣٦١)، ومسلم (٨٩/ ٢٦٠١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\nوفي الباب من حديث عائشة أخرجه مسلم (٨٨/ ٢٦٠٠)، ومن حديث جابر أخرجه مسلم أيضًا (٢٦٠٢)، ومن حديث أنس بن مالك أخرجه كذلك مسلم (٢٦٠٣).\n(^٤) لم أجد هذا اللفظ إلا من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا أخرجه أحمد (٥/ ١٩١).\n(^٥) في (ب): \"أوقع\".\n(^٦) في \"سننه\" (٢٢٧٥).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٧)، وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: وصحَّحه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (٢/ ٢٧ رقم ١٨٤٥/ ٢٢٧٥).\nوفي الباب من حديث أبي هريرة مرفوعًا أخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٦٤ رقم ٢٢٧٤)، وصحَّحه الألباني أيضًا (٢/ ٢٧ رقم ١٨٤٤/ ٢٢٧٤).","vol":"5","page":89},{"text":"(وعنْ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: الرِّبا ثلاثةٌ وسبعونَ بابًا أيسرُها) في الإثم (مثلُ أنْ ينكحَ الرجلُ أمَّه، وإنَّ أَرْبَى الرِّبا عِرْضُ الرجلِ المسلمِ، رواهُ ابنُ ماجهْ مختصرًا، والحاكمُ بتمامهِ وصحَّحَهُ). وفي معناهُ أحاديثُ، وقدْ فسَّر الرِّبا في عرضِ المسلم بقولهِ (^١): السبَّتانِ بالسبَّةِ، وفيهِ دليلٌ على أنهُ يطلقُ الربا على الفعلِ المحرَّمِ، وإنْ لم يكنْ منْ أبوابِ الربا المعروفةِ، وتشبيهُ أيسرِ الربا بإتيانِ الرجلِ أُمَّه لما فيه منِ استقباحِ ذلكَ عندَ العقلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-838>[النَّهي عن ربا الفضل]</span>\n٣/ ٧٨٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لا تبيعوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب الَّا مِثلًا بِمِثْلٍ، ولَا تُشفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض، وَلا تَبِيعوا الْوَرِقَ بِالْوَرِق إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي سعيدِ الخدريِّ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: لا تَبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ فشينٍ معجمةٍ (^٣) مكسورةٍ (^٤)، ففاءٍ [مشدَّدةٍ] (^٥)، أي لا تُفَضِّلُوا (بعضها على بعض، ولا تبيعُوا الورِقَ بالورِقِ إلَّا مِثْلًا بمثْلٍ، ولا تشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبيعُوا منْها غائبًا بناجزٍ) بالجيمِ والزاي، أي حاضرٍ (متفقٌ عليه). الحديثُ دليلٌ على تحريم بيعِ الذهبِ بالذهبِ، والفضةِ بالفضةِ متفاضلًا، سواءٌ كانَ غائبًا أو حاضرًا، لقولهِ: إلا مِثْلًا بمثْلٍ؛ فإنهُ استُثْنى منْ أعمِّ الأحوالِ، كأنهُ قالَ: لا تبيعُوا ذلكَ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا في حالِ كونهِ مِثْلًا بمثلٍ، أي متساويينِ قَدْرًا. وزادَه تأكيدًا بقولهِ: لا تُشِفُّوا، أي: لا\n_________\n(^١) في حديث أبي داود عن أبي هريرة: \"ومن الكبائر السبتان بالسبة\" [كما في حاشية المطبوع].\n(^٢) البخاري (٢١٧٧)، وأطرافه (٢١٧٦، ٢١٧٨)، ومسلم (٧٥/ ١٥٨٤)، والترمذي (١٢٤١)، والنسائي (٤٥٧٠، ٤٥٧١).\n(^٣) في المطبوع \"فشين معجمة مكسورة ففاء مشددة\"، وهو ما يوافق ضبط الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٨٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"5","page":90},{"text":"تفاضِلُوا وهوَ منَ الشِفِّ بكسرِ الشينِ، وهيَ الزيادةُ هُنَا. وإلى ما أفادَهُ الحديثُ ذهبتِ الجلَّةُ منَ العلماءِ، الصحابةِ (^١) والتابعينَ والعترةِ (^٢)، والفقهاءِ. فقالُوا: يحرمُ التفاضلُ فيما ذُكِرَ غائبًا كانَ أو حاضِرًا. وذهبَ ابنُ عباسٍ (^٣) وجماعةٌ منَ الصحابةِ إلى أنهُ لا يحرمُ الربا إلا في النسيئةِ، مستدلينَ بالحديثِ الصحيحِ (^٤): \"لا رِبَا إلا في النسيئةِ\". وأجابَ الجمهورُ (^٥) بأنَّ معناهُ لا رِبَا أشدُّ إلا في النسيئةَ، فالمرادُ نفيُ الكمالِ لا نفيُ الأصلِ، ولأنهُ مفهومٌ، وحديثُ أبي سعيدٍ منطوقٌ، ولا يقاومُ المفهومُ المنطوقَ؛ فإنهُ مطَّرِحٌ معَ المنطوقِ.\nوقدْ رَوَى (^٦) الحاكمُ أن ابنَ عباسٍ - ﵁ - رجع عنْ ذلكَ القولِ، أي بأنهُ لا رِبَا إلا في النسيئةِ واستغفَرَ الله عن القولِ بهِ. ولفظُ الذهبِ عامٌّ لجميعِ ما يُطْلَقُ عليهِ منْ مضروبٍ وغيرهِ، وكذلكَ لفظُ الورِقِ. وقولُه: لا تبيعُوا غائبًا منْها بناجزٍ، المرادُ بالغائبِ ما غابَ عنْ مجلسِ [البيع] (^٧) مؤجَّلًا كانَ أَوْ لا، والناجزُ الحاضرُ.\n_________\n(^١) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٤٦٨).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٣١).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٤٥) بتحقيقنا.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٧٨)، ومسلم (١٠١، ١٠٢، ١٠٣/ ١٥٩٦)، والنسائي (٤٥٨٠، ٤٥٨١)، وابن ماجه (٢٢٥٧)، وأحمد (٥/ ٢٠٠) وغيرهم من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد مرفوعًا.\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٢، ٤٣) وصحَّحه ووافقه الذهبي إلا أنه قال: قلت: حيان فيه ضعف وليس بالحجة اهـ، وهو حيان بن عبيد اللهِ العدوي. وأخرجه البيهقي (٥/ ٢٨٦)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (٧/ ٤١٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٨٣١) كلهم من نفس طريق حيان هذا، وقد قال عنه ابن عدي: وعامة ما يرويه إفرادات ينفرد بها. وذكر أن هذا منها، ونقل الذهبي في \"الميزان\" (٢٣٨٨) عن البخاري قال: ذكر الصلت منه الاختلاط اهـ. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٨٢): واختلف في رجوعه اهـ، أي ابن عباس عن مذهبه في الربا واستدل بهذا وهذا لا يثبت. لكن ثبت عنه - ﷺ - كراهيته لذلك بعد أن كان قد أجازه، أخرجه مسلم (١٠٠/ ١٥٩٤) والحمد لله.\nوالذي يبدو أنه رجع عن مذهبه بعد مراجعة أبي سعيد الخدري له فإنه قال: إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. رواه مسلم (٩٩/ ١٥٩٤)، وثبتت أيضًا المراجعة الشفوية له، رواها أيضًا مسلم (١٠١، ١٠٤/ ١٥٩٦).\n(^٧) في (أ): \"البائع\".","vol":"5","page":91},{"text":"<span data-type='title' id=toc-839>[أنواع الربويات]</span>\n٤/ ٧٨٦ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَد، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَد\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عبادةَ بن الصامتِ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ - الذهبُ بالذّهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ، مِثْلًا بِمِثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذَا اختلفتْ هذهِ الأصنافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم إذا كان يدًا بيدٍ. رواهُ مسلمٌ). لا يخْفَى ما أفادهُ منَ التأكيدِ بقولهِ: مِثْلًا بِمثلٍ، وسواءً بسواءٍ.\nوفيهِ دليلٌ على تحريمِ التفاضلِ فيما اتفقَا جِنْسًا منَ الستةِ المذكورةِ التي وقعَ عليها النصُّ، وإلى تحريمِ الرِّبا فيها ذهب الأمةُ (^٢) كافةً، واختلفُوا فيما عداها، فذهبَ الجمهورُ إلى ثبوتهِ فيما عَدَاها مما شارَكَها في العِلِّةِ، ولكنْ لَمَّا لمْ يجدُوا علةً منصوصةً اختلفُوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوى للناظرِ العارفِ أن الحقَّ ما ذهبتْ إليهِ الظاهريةُ (^٣) منْ أنهُ لا يجري الرِّبا إلَّا في الستةِ المنصوصِ عليها. وقدْ أفردْنا الكلامَ على ذلكَ [في] (^٤) رسالةٍ مستقلة [سمَّيناها] (^٥): \"القولُ المجتبى\" (^٦). واعلمْ أنهُ اتفقَ العلماءُ على جوازِ بيعِ رِبَوِيٍّ بربويٍّ لا يشارِكهُ في الجنسِ مؤجَّلًا ومتفاضِلًا، كبيعِ الذهبِ بالحنطةِ، والفضةِ بالشعيرِ وغيرِه منَ المكيلِ، واتفقُوا على أنهُ لا يجوزُ بيعُ الشيء بجنسهِ وأحدُهما مؤجلٌ. واتفقوا على أنه يجوز التفاضل إذا كان يدًا بيد كصاع من حنطة بصاعين من حنطةٍ.\n_________\n(^١) في صحيحه (٨٠/ ١٥٨٧).\nوأخرجه أبو داود (٣٣٤٩)، والترمذي (١٢٤٠) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٤٥٦٠، ٤٥٦١)، وابن ماجه (٢٢٥٤)، وأحمد (٥/ ٣١٤، ٣٢٠)، والدارمي (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩) وغيرهم.\n(^٢) وقد زعم ابن حزم الإجماع على ذلك، انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٤٦٨).\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٤٦٧).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"سميتها\".\n(^٦) \"القول المجتبى في تحقيق ما يحرم من الربا\"، وبحوزتي مخطوطة لها.","vol":"5","page":92},{"text":"٥/ ٧٨٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الذَّهَبُ بالذهبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْل. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زادَ أَو استَزَادَ فَهُوَ رِبًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزْنٍ) نُصِبَ على الحالِ، (مِثْلًا بمثْلٍ، والفضةُ بالفضةِ وزْنًا بوزنٍ، مِثْلًا بمثْلٍ، فمنْ زادَ أو استزادَ فهوَ رِبًا. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على تعيينِ التقديرِ بالوزْنِ لا بالخرْصِ والتخمينِ، بلْ لا بدَّ منَ التعيينِ الذي يحصلُ بالوزْنِ. وقولُه: فمنْ زادَ، أي: أعْطَى الزيادةَ، أو استزادَ، أي: طلبَ الزيادةَ، فقدْ أَرْبَى، أي: فَعَلَ الرِّبا المحرَّمَ، واشتركَ في إثْمِهِ الآخذُ والمعطي.\n٦/ ٧٨٨ - وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وأَبي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا\"؟ فَقَالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، والصّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لا تَفْعل، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا\". وَقَالَ في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). وَلِمُسْلِمٍ (^٣): \"وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ\". [صحيح]\n(وعنْ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ - ﵄ - أن رسولَ الله - ﷺ - استعملَ رجلًا) اسمهُ سوادُ (^٤) بفتحِ السينِ المهملةِ، وتخفيفِ الواوِ، ودالٍ مهملةٍ، ابنُ غزيةَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، والزاي، ومثناةٍ تحتيةٍ، بزنةِ عطيةَ، وهوَ منَ الأنصارِ، (على خيبرَ،\n_________\n(^١) في صحيحه (٨٤/ ١٥٨٨).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤٥٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٦٢).\n(^٢) البخاري (٢٢٠١، ٢٢٠٢) وأطرافه: (٢٣٠٢، ٢٣٠٣، ٤٢٤٤، ٤٢٤٥، ٤٢٤٦، ٤٢٤٧، ٧٣٥٠، ٧٣٥١)، ومسلم (٩٤، ٩٥/ ١٥٩٣).\nوأخرجه: النسائي (٤٥٥٣)، والدارقطني (٣/ ١٧ رقم ٥٤، ٥٧)، والبيهقي (٥/ ٢٨٥، ٢٩١).\n(^٣) في صحيحه (٩٤/ ١٥٩٣).\n(^٤) ترجم له ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٨٤ رقم ٢٣٣٢).","vol":"5","page":93},{"text":"فجاءهُ بتمرٍ جَنيبِ) بالجيمِ المفتوحةِ، والنونِ بزنةِ عظيمٍ، يأتي بيانُ معناهُ، (فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: كُلُّ تمرِ خيبرَ هكذَا؟ فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنا لنأخذُ الصاعَ منْ هذَا بالصاعينِ، والصاعين بالثلاثةِ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: لا تفعلْ، بعِ الجَمْعَ) بفتحِ الجيمِ، وسكونِ الميم، التمرُ الرديءُ، (بالدراهمِ، ثمَّ ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا. وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلكَ. متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ: وكذلكَ الميزانُ). الجنيبُ قيلَ: الطيبُ، وقيلَ: الصَّلْبُ، وقيلَ: الذي أُخْرِجَ منهُ حشفُهُ ورديئُهُ، وقيلَ: هوَ الذي لا يختلطُ بغيرِه. وقدْ فسَّر الجمعَ بما ذكرنَاه آنفًا، وفسَّر في روايةٍ لمسلمٍ (^١) بأنه الخلْطُ منَ التمرِ، ومعناهُ مجموعٌ منْ أنواعٍ مختلفةٍ. والحديثُ دليلٌ على أن بيعَ الجنسِ بجنسهِ يجبُ فيهِ التساوي سواءٌ اتَّفَقَا في الجودةِ والرداءةِ أو اختلفَا، وأنَّ الكلَّ جنسٌ واحدٌ. وقولُه: وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلكَ قالَ: فيما كانَ يوزَنَ إذا بيعَ بجنسهِ، مثلَ ما قالَ في المكيلِ [بأنه] (^٢) لا يباعُ متفاضلًا، وإذا أُرِيدَ مثلُ ذلكَ بيْع بالدراهمِ، وشَرَىَ ما يرادُ بها. والإجماعُ (^٣) قائم على أنهُ لا فرقَ بينَ المكيلِ والموزونِ في ذلكَ الحكْمِ. واحتجتِ الحنفيةُ (^٤) بهذا الحديثِ على أن ما كانَ في زمنهِ - ﷺ - مكيلًا لا يصحُّ أن يُبَاعَ ذلكَ بالوزْنِ متساويًا، بلْ لا بدَّ منِ اعتبارِ كيلِه وتساويهِ كيلًا، وكذلكَ الوزنُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٥): إنَّهم أجمعوا أن ما كانَ أصلهُ الوزنَ لا يصحُّ أن يباعَ بالكيلِ، بخلافِ ما كانَ أصلُه الكيلَ فإنَّ بعضَهم يجيزُ فيهِ الوزنَ، ويقولُ: إنَّ المماثلةَ تُدْرَكُ بالوزنِ في كلِّ شيءٍ، وغيرُهم يعتبرونَ الوزْنَ الكيلَ بعادةِ البلدِ، ولو خالفَ ما كانَ عليهِ في ذلكَ الوقتِ، فإنِ اختلفتِ العادةُ اعتُبِرَ بالأغلبِ، فإنِ استَوى الأمرانِ كانَ لهُ حكمُ المكيلِ إذا بيعَ بالكيلِ، وإنْ بيعَ بالوزنِ كانَ له حكمُ الموزونِ. واعلمْ أنهُ لم يذكرْ في هذهِ الروايةِ أنهُ - ﷺ - أمرَ بردِّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩٦/ ١٥٩٤) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٢) في (ب): \"إنه\".\n(^٣) انظر: \"إجماع ابن المنذر\" (ص ١١٨ رقم ٤٩٣).\n(^٤) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٩٣، ١٩٤).\n(^٥) هذا الكلام إنما هو للحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٤٠٠). وقد ساقه أثناء كلام لابن عبد البر، فوهم الشارح فنسبه لابن عبد البر، فليتنبَّه.","vol":"5","page":94},{"text":"[المبيع] (^١)، بلْ [الظاهر] (^٢) أنهُ قرَّره، وإنَّما أعلمَهُ بالحكمِ وعذَرَهُ للجهلِ بهِ، إلَّا أنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٣): إنَّ سكوتَ الراوي عنْ روايةِ فَسْخِ العقدِ وردِّهِ لا يدلُّ على عدمِ وقوعِهِ. وقدْ أُخْرِجَ منْ طريقٍ أُخْرى، وكأنهُ يشيرُ إلى ما أخرجَه منْ طريقِ أبي نضرة (^٤) عنْ أبي سعيدٍ (^٥) نحوَ هذهِ القصةِ (^٦) فقالَ: هذَا الرِّبا فَرُدَّهُ. قالَ (^٧): وبحتملُ تعددُ القصةِ، وأنَّ التي لم يقعْ فيها الردُّ كانتْ متقدمةً.\nوفي الحديثِ دلالةٌ على جوازِ الترفيهِ على النفسِ باختيارِ الأفضلِ.\n٧/ ٧٨٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٨). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ [بن عبد اللهِ] (^٩) - ﵁ - قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عنْ بيعِ الصُّبرةِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، الطعامِ المجتمعِ (من التمرِ لا يُعْلَمُ مكيلُها، بالكيلِ المسمَّى منَ التمرِ. رواهُ مسلمٌ). دلَّ الحديثُ على أنهُ لا بدَّ منَ التساوي بينَ الجنسينِ. وتقدَّمَ (^١٠) اشتراطهُ وهوَ وَجْهُ النَّهي.\n\n<span data-type='title' id=toc-840>[شرط المثلية في الربويات]</span>\n٨/ ٧٩٠ - وَعَنْ مَعْمَرٍ بن عَبْدِ اللهِ - ﵁ - عَنْهُ قَالَ: إِنِّي كُنتُ أَسْمَعُ\n_________\n(^١) في (ب): \"البيع\".\n(^٢) في (ب): \"ظاهرها\".\n(^٣) انظر: \"الفتح\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٤) في المخطوط (أ، ب) والمطبوع: \"بصرة\"، والصواب ما أثبتناه.\n(^٥) في المخطوط (أ، ب) والمطبوع: \"سعيد\" فقط، والصواب ما أثبتناه.\n(^٦) أخرجه مسلم (٩٧/ ١٥٩٤).\n(^٧) أي ابن عبد البر كما في \"الفتح\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٨) في صحيحه (٤٢/ ١٥٣٠).\nوأخرجه النسائي (٤٥٤٧).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في شرح الحديث الماضي.","vol":"5","page":95},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"الطَّعَامُ بِالطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَكَانَ طَعامَنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ معمرٍ بن عبدِ اللهِ - ﵁ - قالَ: إني كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: الطعامُ بالطعام مِثْلًا بمثلٍ، وكانَ طعامَنَا يومئذٍ الشعيرُ، رواهُ مسلمٌ). ظاهرُ لفظِ الطعامِ أنهُ يشملُ كلَّ مطعوم، ويدُّلُ على أنهُ لا يباعُ متفاضلًا وإن اختلفَ الجنسُ، والظاهرُ أنهُ لا يقولُ أحدٌ بالعمومِ، وإنَّما الخلافُ في البرِّ والشعيرِ كما سيأتي (^٢) عَنْ مالكٍ، ولكنَّ معمرًا خصَّ الطعامَ بالشعيرِ، وهذَا منَ التخصيص بالعادةِ الفعليةِ حيثُ لم يغلبِ الاسمُ. وقدْ ذهبَ إلى التخصيصِ بها الحنفيةُ (^٣)، والجمهورُ لا يخصِّصونَ بها إلا إذا اقتضتْ غلبةُ الاسمِ، وإلَّا حُمِلَ اللفظُ على العمومِ ولكنهُ مخصوصٌ بما تقدَّمَ منْ قولِه: فإذا اختلفتِ الأصناف فبيعُوا كيفَ شِئْتُمْ بعدَ عَدِّهِ للبُر والشعيرِ، فدلَّ على أنَّهما صنفان، وهوَ قولُ الجماهيرِ. وخالفَ في ذلكَ مالكٌ (^٤)، والليثُ، والأوزاعيُّ، فقالُوا: هما صنفٌ واحدٌ لا يجوزُ بيعُ أحدِهما بالآخرِ متفاضلًا، وسبقَهم إلى ذلكَ معمرُ بنُ عبدِ اللهِ راوي الحديثِ، فأخرجَ مسلمٌ (^٥) عنهُ أنهُ أرسلَ [غلامَه] (^٦) بصاعِ قمحٍ فقالَ: بِعْهُ ثمَّ اشترِ بهِ شعيرًا، فذهبَ الغلامُ فأخذَ صاعًا وزيادةَ بعضِ صاعٍ، فقالَ له معمرٌ: لم فعلتَ ذلكَ؟ انطلقْ فردَّه ولا تأخذ [ن] (^٧) إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، ثمَّ ساقَ هذَا الحديثَ المذكورَ، فقيلَ لهُ: فإنهُ ليسَ مثلَه، فقالَ: إني أَخَافُ أنْ يضارعَ. وظاهرُه أنهُ اجتهادٌ منهُ، ويردُّ عليهمْ ظاهرُ الحديثِ، ونصُّ حديثِ أبي داودَ (^٨)، والنسائيِّ (^٩) منْ حديثِ عُبادةَ بن الصامتِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا بأسَ ببيعِ البرِّ بالشعيرِ، والشعيرُ أكثرُ وهُما يدًا بيدٍ\".\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩٣/ ١٥٩٢).\nوأخرجه أحمد (٦/ ٤٠٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣)، والبيهقي (٥/ ٢٨٣).\n(^٢) في المخطوط: \"تقدم\"، والصواب ما أثبتناه من المطبوع.\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣).\n(^٤) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦٤٦).\n(^٥) في صحيحه (٩٣/ ١٥٩٢).\n(^٦) في (أ): \"غلامًا\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في \"سننه\" (٣٣٤٩).\n(^٩) في \"سننه\" (٤٥٦٣)، وأصله في صحيح مسلم (١٥٨٧).","vol":"5","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-841>[بيع ما فيه ذهب بذهب]</span>\n٩/ ٧٩١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ - ﵁ - قَالَ: اشتريتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. فَفَصَلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"لا تُبَاعُ حَتى تُفْصَلَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ فضالةَ بن عُبَيْدٍ - ﵁ - قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةٍ باثني عَشَرَ دينارًا فيها ذهبٌ وخرزٌ، ففصلْتُها (^٢) فوجدتُ فيها أكثرَ منِ اثني عَشَرَ دينارًا، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ - ﷺ - فقالَ: لا تباعُ حتَّى تُفْصَلَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ قدْ أخرجهُ الطَّبرانيُّ في (^٣) الكبيرِ بطرقٍ كثيرةٍ، بألفاظٍ متعدِّدةٍ، حتَّى قيلَ إنهُ مضَّطَربٌ، وأجابَ المصنفُ ﵀ (^٤) أن هذا الاختلافَ لا يوجبُ ضعْفًا بلِ النصُّ مَن الاستدلالِ محفوظٌ لا اختلافَ فيهِ، وهوَ النَّهيُ عنْ بيعِ ما لم يفصَّلْ، وأما جنسُها وقدرُ ثمنِها فلا يُتَعَلَّقُ بهِ في هذهِ الحالةِ ما يوجبُ الاضطِراب، وحينئذٍ فَيَنْبَغِي (^٥) التَّرْجِيْحُ بينَ رُوَاتِها، وإنْ كانَ الجميعُ ثقاتٍ، فَيُحْكَمُ بصحةِ روايةِ أحفظِهم وأضبطِهم، فتكونُ روايةُ الباقينَ بالنسبةِ إليهِ شاذةً، وهوَ كلامٌ حسنٌ يجابُ بهِ (^٦) فيما يشابهُ هذا، مثلَ حديثِ (^٧) جابرٍ، وقصةِ جَمَلِهِ، ومقدارِ ثمنِه. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجوزُ بَيْعُ ذهبٍ معَ غيرهِ بذهبٍ حتّى يُفْصَلَ [فيباع] (^٨) الذهبُ بوزِنه ذهبًا، ويباعَ الآخرُ بما زادَ، ومثلُه غيرُه منَ الربوياتِ فإنهُ - ﷺ - قال: \"لا تُبَاعُ حتَّى\n_________\n(^١) في صحيحه (١٥٩١).\nوأخرجه أبو داود (٣٣٥١، ٣٣٥٢)، والترمذي (١٢٥٥)، والنسائي (٤٥٧٣، ٤٥٧٤)، وأحمد (٦/ ٢١)، والبيهقي (٥/ ٢٩١، ٢٩٢)، وابن الجارود (٢/ ٢٢٨ رقم ٦٥٤)، والبغوي (٨/ ٦٦ رقم ٢٠٦١).\n(^٢) أي فصلت الذهب عن الخرز.\n(^٣) ذكر ذلك الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٩).\n(^٤) في \"التلخيص\" (٣/ ٩).\n(^٥) في المخطوط: \"فلا ينبغي\"، والصواب في المطبوعة و\"التلخيص\" كما أثبتناه.\n(^٦) في المخطوط: \"عنه\"، والصواب في المطبوعة و\"التلخيص\" كما أثبتناه.\n(^٧) سبق تخريجه برقم (٥/ ٧٤٠) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه.\n(^٨) في (ب): \"ويباع\".","vol":"5","page":97},{"text":"تفصلَ\"؛ فصرَّحَ بِبُطْلانِ العقْدِ، وأنهُ يجبُ التداركُ [له] (^١). وقد اختُلِفَ في هذا الحكمِ فذهبَ كثيرٌ منَ السلفِ (^٢)، وأحمدُ (^٣)، والشافعي (^٤)، وغيرُهم إلى العملِ بظاهرِ الحديثِ، وخالفَ في ذلكَ الهادويةُ (^٥)، والحنفيةُ (^٦)، وآخرونَ. وقالُوا بجوازِ ذلكَ بأكثرَ مما فيهِ منَ الذهبِ، ولا يجوزُ بمثلِه ولا بدونهِ، قالُوا: [وذلكَ] (^٧) لأنهُ حصلَ الذهبُ في مقابلةِ الذهبِ، والزائدُ منَ الذهبِ في مقابلةِ المصاحبِ لهُ فصحَّ العقدُ، قالوا: لأنهُ إذا احتملَ العقدُ وجْهَ صحةٍ وبطلانٍ حُمِلَ على الصِحَّةِ، قالُوا: وحديثُ القلادةِ الذهبُ فيها أكثرُ منِ اثْنَى عَشَرَ دينارًا، لأنها إحدَى الرواياتِ في مسلمٍ (^٨). وصحَّحَها أبو علي الغسانيُّ ولفظُها: قلادةٌ فيها اثنا عشرَ دينارًا، وهي أيضًا كروايةِ الأكثرِ في الحكمِ، وهوَ على التقديريْنِ لا يصحُّ لأنهُ لا بدَّ أنْ يكونَ المنفردُ أكثرَ منَ المصاحبِ، ليكونَ ما زادَ منَ المنفردِ في مقابلةِ المصاحبِ. وأجابَ المانعونَ بأنَّ الحديثَ فيهِ دلالةٌ على علةِ [المنع] (^٩)، وهيَ عدمُ الفصلِ حيثُ قالَ: لا تُبَاعُ حتَّى تُفْصَلَ. وظاهرُه الإطلاقُ في المساوي وغيرِه، فالحقُّ معَ القائلين بعدمِ الصحةِ، ولعلَّ وجْهَ حكمةِ النَّهي هوَ سدُّ الذريعةَ إلى وقوعِ التفاضلِ في الجنسِ الربويِّ، ولا يكونُ إلَّا بتمييزهِ بفصلٍ، واختيارِ المساواةِ بالكيلِ أو الوزْنِ، وعدمِ الكفايةِ بالظنِّ في التغليبِ. ولمالكٍ (^١٠) قولٌ ثالثٌ في المسْألةِ، وهوَ أنّهُ يجوزُ بيعُ السيفِ المحلَّى [بالذهبِ] (^١١) إذا كانَ الذهبُ في [البيع] (^١٢) تابعًا لغيرِه، وقدْرُه بأنْ يكونَ الثلثَ فما دونَه، وعُلِّلَ لقولِه بأنهُ إذا كانَ الجنسُ المقابلُ لجنسه الثلثَ فما [دون] (^١٣) فهوَ مغلوبٌ ومكثورٌ للجنسِ المخالفَ،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٥٦).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٤/ ١٦٨ مسألة رقم (٢٨٣٦).\n(^٤) انظر: \"شرح النووي\" (١١/ ١٨).\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٣٨، ٣٣٩).\n(^٦) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) ذكر ذلك النووي في \"شرح مسلم\" (١١/ ١٧)، والرواية التي بين أيدينا موافقة لرواية الباب.\n(^٩) في (ب): \"النَّهي\".\n(^١٠) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١١/ ١٨).\n(^١١) في (أ): \"بذهب\".\n(^١٢) في (أ): \"المبيع\".\n(^١٣) في (ب): \"دونه\".","vol":"5","page":98},{"text":"والأكثر ينزل في غالبِ الأحكام منزلةَ الكلِّ، فكأنَّهُ لم يبعْ ذلكَ الجنسَ بجنسهِ، ولا تخْفَى رِكَّتُه وضعْفُه. أضعفُ منهُ القولُ الرابعُ (^١)، [وهو] (^٢) جواز بيعِه بالذهبِ مطلقًا مِثْلًا [بمثْلٍ] (^٣)، أوْ أقلَّ أو أكثر، ولعلَّ قائلَهُ ما عرفَ حديثَ القِلادةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-842>[النهي عن بيع الحيوان بالحيوان]</span>\n١٠/ ٧٩٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ بالْحَيَوانِ نسيئةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (^٤)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَابْنُ الْجَارُودِ (^٦). [صحيح].\n(وعنْ سمُرةَ بن جُنْدَبٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَهَى عن بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ الجارودِ)، وأخرجهُ أحمدُ، وأبو يعلى، والضياءُ في المختارةِ؛ كلُّهم منْ حديثِ الحسنِ عنْ سمرةَ. وقدْ صحَّحَهُ الترمذيُّ، وقالَ غيرُه: رجالُه ثِقاتٌ إلا أن الحفَّاظَ رجَّحُوا إرسالَه لما في سماعِ (^٧) الحسنِ منْ سمُرةَ منَ النزاعِ، لكنْ رواهُ ابنُ حِبَّانَ (^٨)، والدارقطني (^٩) منْ حديثِ\n_________\n(^١) نسبه النووي (١١/ ١٨) لحماد بن أبي سليمان.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) أبو داود (٣٣٥٦)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي (٤٦٢٠)، وابن ماجه (٢٢٧٠)، وأحمد (٥/ ١٢، ١٩، ٢١، ٢٢).\n(^٥) في \"سننه\" (٣/ ٥٣٨) وقال: حسن صحيح.\n(^٦) في \"المنتقى\" (٢/ ١٨٧ رقم ٦١١).\nقلت: وأخرج حديث سمرة أيضًا: الدارمي (٢/ ٢٥٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٨٨)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢/ ٢٧ رقم ١٨٤١).\n(^٧) قال الترمذي في \"سننه\" (٣/ ٥٣٨، ٥٣٩): وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره، اهـ. وقال علاء الدين بن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٥/ ٢٨٨) بحاشية السنن الكبرى للبيهقي\": وفي \"الاستذكار\" قال الترمذي: قلت للبخاري في قولهم لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة قال: سمع منه أحاديث كثيرة وجعل روايته عنه سماعًا وصحَّحها. اهـ، ونقل أيضًا عن البيهقي: كان شعبة يثبت سماعه منه.\n(^٨) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٥١ رقم ٥٠٢٨ - الإحسان).\n(^٩) في \"سننه\" (٣/ ٧١ رقم ٢٦٧).\nوأخرجه الطحاوي (٤/ ٦٠)، والبيهقي (٥/ ٢٨٨، ٢٨٩)، وابن الجارود (٢/ ١٨٦ رقم =","vol":"5","page":99},{"text":"ابن عباسٍ، ورجالهُ ثِقَاتٌ أيضًا إلَّا أنهُ رجَّحَ البخاريُّ (^١)، وأحمدُ إرسالَهُ، وأخرجَهُ الترمذيُّ (^٢) عنْ جابرِ بإسنادٍ ليِّنٍ، وأخرجَهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في زوائد المسندِ (^٣) عنْ جابرِ بن سمرةَ، والطحاويُّ (^٤)، والطبرانيِّ (^٥) عن ابن عمرَ وهوَ يعضِّدُ بعضُه بعضًا. وفيهِ دليلٌ على عدمِ صحةِ بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه روايةُ أبي (^٦) رافع أنهُ - ﷺ - استَسْلَفَ بعيرًا بَكْرًا وقَضى رباعيًا، وسيأتي. فاختلفَ العلماءُ في الجمْع بينَه وبينَ حديثِ سمُرةَ، فقيلَ المرادُ بحديثِ سمرةَ أنْ يكونَ نسيئة منَ الطرفينِ معًا، فيكونُ منْ الكالئ بالكالئ، وهوَ لا يصحُّ، وبهذا فسَّرهُ الشافعيُّ (^٧) جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي رافعٍ.\nقلتُ: لا يخفى أن حديث أبي رافع في القرض وليس ببيع، والزيادة في القضاء تفضلًا منه - ﷺ -، فلا تعارض أصلًا، وذهبتِ الهادويةُ (^٨)، والحنفيةُ (^٩)، والحنابلةُ (^١٠)\n_________\n= ٦١٠) وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٨/ ٢٠ رقم ١٤١٣٣) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٥) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح.\nويشهد له حديث الباب وما سيأتي مما ساقه الشارح.\n(^١) ذكره البيهقي (٥/ ٢٨٩)، وأجاب عليه ابن التركماني في الحاشية. وقول أحمد بالإرسال ذكره صاحب \"المغني\" (٤/ ١٤٤).\n(^٢) في \"سننه\" (١٢٣٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ولفظة: \"الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئًا ولا بأس به يدًا بيد\".\nوأخرجه ابن ماجه (٢٢٧١)، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٢/ ١٠ رقم ٩٩٢).\n(^٣) (٥/ ٩٩) وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٢٥٢ رقم ٢٠٥٧)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٥) وقال: وفيه أبو عمرو المقري فإن كان هو الدوري فقد وثق والحديث صحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه، وإسناد الطبراني ضعيف.\n(^٤) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦٠).\n(^٥) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٥): رواه الطبراني في \"الكبير، وفيه محمد بن دينار وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين.\n(^٦) أخرجها مسلم، وستأتي برقم (٧/ ٨١٣) من كتابنا هذا.\n(^٧) نقل الخطابي معنى ذلك عنه في \"معالم السنن\" (٥/ ٢٩)، وعبارة الشارح هي للخطابي نفسه (٥/ ٢٧).\n(^٨) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٠٣).\n(^٩) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٦١).\n(^١٠) ليس هذا ما ذكره صاحب المغني بل نقل تصحيح مذهب الشافعي، ونقل عن أحمد قوله عن أحاديث الباب: ليس فيها حديث يعتمد عليه ويعجبني أن يتوقاه. انظر: \"المغني\"=","vol":"5","page":100},{"text":"إلى أنَّ هذا ناسخٌ لحديثِ أبي رافعٍ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ النسخَ لا يثبتُ إلا بدليلٍ، والجمعُ أَوْلَى منهُ، وقدْ أمكنَ بما قالَه الشافعيُّ. ويؤيدُه آثارٌ عن الصحابةِ أخرجَها البخاريُّ (^١)، قالَ: اشتَرى ابنُ عمرَ راحلةً بأربعةِ أبعرةٍ مضمونةٍ عليهِ، يوفيها صاحبُها بالرّبذةِ (^٢)، واشترى رافعُ بنُ خديجٍ بعيرًا ببعيرينِ، فأعطاهُ أحدَهما وقالَ: آتيكَ بالآخرِ غَدًا. وقالَ ابنُ المسيِّبِ: لا رِبَا في البعيرِ بالبعيرينَ، والشاةِ بالشاتينِ إلى أجلٍ.\nواعلمْ أن الهادويةَ (^٣) يعللونَ منعَ بيعِ الحيوانِ الموجودِ بالحيوانِ المفقودِ بأنَّ المبيعَ القيميَّ لا بدَّ أنْ يكونَ موجودًا وإن لم يكنْ حاضرًا مجلسَ العقدِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ مُتَمَيِّزًا عندَ البائعِ إما بإشارةٍ، أو لَقَبٍ، أوْ وصْفٍ، وأما منعهم (^٤) لقرض الحيوإن فيعلِّلونَهُ بعدمِ إمكانِ ضبطهِ. وحديثُ أبي رافع يزعمونَ نسخَه، ويأتي تحقيقُ الكلامِ في شرحِ الحديثِ الرابعِ عشر (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-843>[بيع العينة]</span>\n١١/ ٧٩٣ - وَعَن ابْن عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَركْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) مِنْ رِوَايةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلأَحْمَدَ (^٧) نحوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ (^٨). [صحيح بطرقه]\n_________\n= (٤/ ١٤٣، ١٤٤ مسألة ٢٨٠٥)، وقال عن السلم في الحيوان: وظاهر المذهب صحة السلَم فيه، نص عليه في رواية الأثرم.\nانظر له: \"المغني\" (٤/ ٣٤٠، ٣٤١ مسألة رقم ٣١٩٨)، والذي يبدو أن الشارح - رحمه الله تعالى - قد تابع في ذلك الخطابي في \"المعالم\" (٥/ ٢٩) والله أعلم.\n(^١) في \"تراجم صحيحة\" (٤/ ٤١٩ الباب رقم ١٠٨).\n(^٢) الربذة: موضع بين مكة والمدينة. اهـ من \"حاشية المطبوع\".\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٩٣).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٠٣، ٤٠٤).\n(^٥) وهو الحديث (١٤/ ٧٩٦) من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٧٤٠ رقم ٣٤٦٢).\n(^٧) في \"المسند\" (٧/ ٢٧ رقم ٤٨٢٥) شاكر.\n(^٨) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ١٩ رقم ١١٨١)، وتعقَّبه كما سيذكر الشارح.\nقلت: ورواه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٣٢ رقم ١٣٥٨٣)، والبيهقي (٥/ ٣١٦) وقد صحَّح الحديث الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١١) بمجموع طرقه.","vol":"5","page":101},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: إذا تبايعتُم بالعِينةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، (وأخذْتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزرعِ، وتركتُمُ الجهادَ، سلَّط اللهُ عليكم ذُلًّا) بضمِّ الذالِ المعجمةِ والكسرُ الاستهانةُ والضعفُ، (لا ينزعُه حتَّى ترجِعُوا إلى دينِكُم، رواهُ أبو داودَ منْ روايةِ نافعِ عنهُ، وفي إسنادِه مقالٌ)، لأنَّ في إسنادهِ أبا عبدَ الرحمنِ الخراسانيَّ، اسمُه إسحاقُ، عنْ عطاءٍ الخراسانيِّ. قالَ الذهبيُّ (^١) في \"الميزان\": هذَا منْ مناكيرهِ. (ولأحمدَ نحوُهُ منْ روايةِ عطاءٍ، ورجالُه ثقاتٌ، وصحَّحهُ ابنُ القطان).\nقالَ المصنفُ (^٢): وعندي أنَّ الحديثَ الذي صحَّحَهُ ابنُ القطانِ معلولٌ، لأنهُ لا يلزمُ منْ كونِ رجالهِ ثقاتٍ أنْ يكونَ صحيحًا، لأنَّ الأعمشَ مدلِّسٌ، ولم يذكرْ سماعَهُ منْ عطاءٍ، وعطاءٌ يحتمل أن يكون هو الخراساني فيكون من تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابنِ عمرَ، فيرجعُ إلى الحديثِ (^٣) الأولِ، وهوَ المشهورُ اهـ. والحديثُ لهُ طُرُقٌ [كثيرة] (^٤) عقدَ [لها] (^٥) البيهقيُّ (^٦) بابًا وبيَّنَ عِلَلَها.\nواعلمْ أن بيعَ العينةِ هوَ أن يبيعَ سلعةً بثمنِ معلومٍ إلى أجلٍ ثمَّ يشتريَها منَ المشتري بأقلَّ ليبقى الكئيرُ في ذِمَّتهِ، وسُمِّيَتْ عينةَ لحصولِ العينِ أي النقدِ فيها، ولأنهُ يعودُ إلى البائع عينُ مالهِ، وفيهِ دليل على تحريمِ هذا البيعِ. وذهبَ إليهِ مالكٌ (^٧)، وأحمدُ (^٨)، وبعضُ الشافعيةِ (^٩) عملًا بالحديثِ. قالُوا: ولما فيهِ منْ تفويتِ مقصدِ الشارعِ منَ المنعِ عن الرِّبا، وسدُّ الذرائعِ مقصودٌ. قالَ القرطبيُّ ﵀: لأنَّ بعضَ صورِ هذا البيعِ يُؤَدِّي إلى بيعهِ التمرِ بالتمر متفاضلًا ويكونُ الثمنُ لغوًا.\n_________\n(^١) ترجم الذهبي في \"الميزان\" (١/ ١٨٤) لأبي عبد الرحمن إسحاق، وهو ابن أسيد ولم يذكر ما نسبه الشارح إليه! وقال عنه الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٥٦): فيه ضعف.\n(^٢) في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٩ رقم ١١٨١).\n(^٣) عبارة التلخيص: فيرجع الحديث إلى الإسناد الأول وهو المشهور. اهـ، يعني أن الإسناد الذي صحَّحه ابن القطان هو: الأعمش عن عطاء عن ابن عمر، والإسناد الأول الذي يعنيه الحافظ هو: عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر.\n(^٤) في (ب): \"عديدة\".\n(^٥) في (ب): \"له\".\n(^٦) في \"سننه الكبرى\" (٥/ ٣١٦).\n(^٧) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦٤٢ باب رقم ١٩).\n(^٨) انظر: \"المغني\" (٤/ ٢٧٨).\n(^٩) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٥/ ٣١٦).","vol":"5","page":102},{"text":"وأما الشافعيُّ (^١) فَنُقِلَ عنهُ أنهُ قالَ بجوازِه أخذًا منْ قولهِ - ﷺ - في حديثِ (^٢) أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ الذي تقدَّمَ: \"بعِ الجمعَ بالدراهمِ، ثم ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا\"، قالَ: فإنهُ دالٌّ على جوازِ بيعِ العينةِ، فيصحُّ أنْ يشتريَ ذلكَ البائعُ له، ويعودَ له عينُ مالهِ لأنهُ لمَّا لمْ يفصلْ ذلك في مقامِ الاحتمالِ دلَّ على صحةِ البيعِ مطلقًا، سواءٌ كانَ منَ البائعِ أو غيرهِ، وذلكَ لأنَّ تركَ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يجري مَجْرَى العمومِ في المقالِ. وأيدَ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ بأنهُ قدْ قامَ الإجماعُ على جوازِ البيعِ منَ البائعِ بعدَ مدةٍ لا لأَجْلِ التوصُّلِ إلى عَوْدِه إليهِ بالزيادةِ. وقالتِ الهادويةُ (^٣): يجوزُ البيعُ منَ البائعِ إذا كانَ غيرَ حيلةِ، ولا فرْقَ بينَ التعجيلِ والتأجيلِ، وبأنَّ المعتبرَ في ذلكَ وجودُ الشرطِ في أصلِ العقدِ وعدمهِ، فإذا كانَ مشروطًا عندَ العقدِ أو قبلَه على عَوْد إلى البائعِ فالبيعُ فاسدٌ أو باطلٌ على الخلافِ، وإنْ كانَ مضْمَرًا غيرَ مشروط فهوَ صحيحٌ، ولعلَّهم يقولونَ: حديثُ العينةِ فيهِ مقالٌ فلا ينتهضُ دليلًا على التحريم. وقولُه: \"وأخذْتُمْ أذنابَ البقرِ\" كنايةٌ عن الاشتغالٍ عن الجهادِ بالحرْثِ، والرِّضَا بالزرعِ كنايةٌ عن كونهِ قدْ صارَ همَّهم ونهمتهم، وتسليطُ اللهِ كنايةٌ عنْ جعْلِهم أذلاء بالتسليطِ لما في ذلكَ منَ الغلبةِ والقهْرِ. وقولُه: حتَّى ترجعُوا إلى دينكِم، أي [ترجعوا] (^٤) إلى الاشتغالِ بأعمالِ الدِّين، وفي هذه العبارةِ زجر بالغٌ، وتقريعٌ شديدٌ حتَّى جعلَ ذلكَ بمنزلةِ الرِّدة، وفيه الحثُّ على الجهادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-844>[الهدية إلى الشافع من الربا]</span>\n١٢/ ٧٩٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَة - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ شَفَعَ لأَخَيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥)، وَأَبُوُ دَاوُدَ (^٦)، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. [حسن]\n_________\n(^١) انظر: \"رحمة الأمة في اختلاف الأئمة\" لأبي عبد اللهِ محمد بن عبد الرحمن الشافعي (ت ٧٨٠) في (ص ٢٨٧).\n(^٢) تقدم تخريجه برقم (٦/ ٧٨٨) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه.\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٤٣).\n(^٤) في (أ): \"ترجعون\".\n(^٥) في المسند (٥/ ٢٦١).\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٨١٠ رقم ٣٥٤١). =","vol":"5","page":103},{"text":"(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبوُ دَاوُدَ، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ)، فيهِ دليلٌ على تحريمِ الهديةِ في مقابلةِ الشفاعةِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ قاصدًا لذلكَ عندَ الشفاعةِ أو غيرَ قاصدٍ لها، وتسميتُه رِبا منْ بابِ الاستعارةِ للشَّبَهِ بينَهما، وذلكَ لأنَّ الربا هوَ الزيادةُ في المالِ منَ الغيرِ لا في مقابلةِ عِوَضٍ، وهذَا مثلُه. ولعلَّ المرادَ إذا كانتِ الشفاعةُ في واجبٍ كالشفاعةِ عندَ السلطانِ في إنقاذِ المظلومِ منْ يدِ الظالم، أوْ كانتْ في محظورٍ كالشفاعةِ عندَه في توليةِ ظالمٍ على الرعيةِ؛ فإنَّها في الأُوَلى واجبةٌ، فأخْذُ الهديةِ في مقابِلها محرَّمٌ، والثانية [في مقابلة] (^١) محظور [ة] (^٢) فَقَبْضُها محظورٌ. وأما إذا كانتِ الشفاعةُ في أمرِ مباحٍ فلعلَّه جائزٌ أخذُ الهديةِ، لأنَّها مكافأةٌ على إحسان غير واجبٍ، ويحتمل أنها تحرمُ لأنَّ الشفاعة شيء يسير لا تأخذ عليه مكافأة. وإنَّما قالَ \"المصنفُ ﵀: وفي إسنادِه مقالٌ، لأنهُ رواهُ القاسمُ عنْ أبي أمامةَ، وهوَ أبو عبدِ الرحمنِ مولاهُمُ الأمويُّ الشاميُّ فيهِ مقالٌ، قالُه المنذريُّ (^٣).\nقلت: في الميزانِ (^٤) إنَّه قالَ أحمدُ: رَوَى عنهُ علي بن زيدٍ (^٥) أعاجيبَ، وما أَرَاها إلَّا منْ قِبَلِ القاسمِ. وقالَ ابنُ حبانَ: كانَ [ممّن] يروي عنْ أصحابِ\n_________\n= وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٢٥١، ٢٨٤ رقم ٧٨٥٣، ٧٩٢٧) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٣٠٢٥).\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"اختصار سنن أبي داود\" له (٥/ ١٨٩).\n(^٤) \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٣/ ٣٧٣ رقم ٦٨١٧).\nوقال فيه العجلي: ثقة يكتب حديثه وليس بالقوي، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وقال الجوزجاني: كان خيِّرًا فاضلًا أدرك أربعين رجلًا من المهاجرين والأنصار، وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به وإنما ينكر عنه الضعفاء. وقال أبو إسحاق الحربي: كان من ثقات المسلمين.\nقلت: وهذا ممن يحسن حديثه. انظر: \"التهذيب\" (٨/ ٢٨٩ رقم ٥٨٣)، و\"التقريب\" (٢/ ١١٨).\n(^٥) كذا في المخطوط والمطبوع: \"علي بن زيد\"، ووقعت في موضع من \"التهذيب\" (٨/ ٢٩٠) \"يعلى بن زيد\"، وصوابه كما في \"الميزان، وموضع في \"التهذيب\" \"علي بن يزيد\"، وهو الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي وهو ضعيف، فالأمر كما قال أبو حاتم: وإنما ينكر عنه الضعفاء.","vol":"5","page":104},{"text":"رسولِ اللهِ - ﷺ - المُعضلاتِ، ثم قالَ: إنهُ وثقهُ ابنُ معينٍ. وقالَ الترمذيُّ: ثقةٌ، انتَهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-845>[لعن الراشي والمرتشي]</span>\n١٣/ ٧٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢) وَصَحَّحَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبو دَاودُ، وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَه)، ورواهُ أحمدُ في القضاءِ، وابنُ ماجه في الأحكامِ، والطبرانيُّ في الصغيرِ، وقالَ الهيثميُّ (^٣): رجالُه ثقاتٌ. وذكرَ المصنفُ ﵀ هذا الحديثَ في أبوابِ الرِّبا لأنهُ أفادَ لعنَ مَنْ ذكرَ لأَجْلِ أخذِ المالِ الذي يشبهُ الرِّبا، كذلكَ أخذُ الرِّبا. وقدْ تقدَّم لعنُ آخذِه أولَ البابِ (^٤). وحقيقةُ اللعنِ البعدُ عنْ مظانِّ الرحمةِ ومواطنِها. وقدْ ثبتَ (^٥) اللعنُ عنهُ - ﷺ - لأصنافٍ كثيرةٍ تزيدُ على\n_________\n(^١) في سننه (٤/ ٩ رقم ٣٥٨٠).\n(^٢) في \"سننه\" (٣/ ٦٢٣ رقم ١٣٣٧) وقال: حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٧٧٥ رقم ٢٣١٣)، وأحمد (٢/ ١٦٤، ١٩٠، ١٩٤، ٢١٢)، وابن حبان (٧/ ٢٦٥) رقم ٥٠٥٤ الإحسان)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ س: ٥٥٨)، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٨٣ رقم ٣٠٥٥).\n(^٣) في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٩٩) ولفظ الطبراني: \"الراشي والمرتشي في النار\".\n(^٤) رقم (١/ ٧٨٣) من كتابنا هذا.\n(^٥) من ذلك:\n١ - لعن أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، انظر: تخريجه رقم (١/ ٧٨٣) من كتابنا هذا وهو في صحيح مسلم.\n٢ - لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، انظر: تخريجه في الحديث رقم (١٠/ ٩٦٣) من كتابنا هذا، وهو في الصحيحين.\n٣ - لعن السارق يسرق البيضة فتقطع يده الحديث، وهو برقم (٤/ ١١٥٢) من كتابنا هذا وهو متفق عليه.\n٤ - لعن المحلِّل والمحلَّل له، وهو برقم (٢٧/ ٩٣٨) من كتابنا هذا.\n٥ - لعن زائرات القبور وهو برقم (٥٢/ ٥٥١) من كتابنا هذا.\n٦ - لعن في الخمر عشرة … الحديث، رواه الترمذي وابن ماجه وإسناده صحيح.\n٧ - لعن النائحة والمستمعة، وهو برقم (٥٣/ ٥٥٢) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":105},{"text":"العشرينَ، وفيهِ دلالةٌ على جوازِ لعنِ العُصاةِ منْ أهل القِبلةِ. وأما حديثُ: \"المؤمنُ ليسَ باللعَّانِ\" (^١) فالمرادُ بهِ لعنُ مَنْ لا يستحقُّ ممن لم يلعنْه اللهُ ولا رسولُه، أو ليسَ بالكثيرِ اللعنِ كما تفيدُه صيغةُ فعَّالٍ. والراشي هوَ الذي يبذُلُ المالَ للتوصلِ إلى الباطلِ، مأخوذٌ منَ الرِّشَاءِ، وهوَ الحَبْلُ الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلى الماءِ في البئرِ، فعلَى هذا بذلُ المالِ للتوصلِ إلى الحقِّ لا يكونُ رشوةً، والمرتشي آخذُ الرشوةِ، وهوَ الحاكمُ، واستحقَّا اللعنةَ جميعًا لتوصلِ الراشي بمالِه إلى الباطلِ، والمرتشي للحكم بغيرِ الحقِّ. وفي حديثِ ثوبانَ (^٢) زيادةٌ: الرائشُ، وهوَ الذي يمشي بينَهما.\n١٤/ ٧٩٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفَدَتِ الإِبلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأَخُذَ عَلَى قَلائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلى إبلِ الصَّدَقَةِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^٣)، وَالْبَيْهَقِيُّ (^٤)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [حسن]\n(وعنهُ) أي ابن عمرٍو (أن رسولَ اللهِ - ﷺ - أمرَه أن يجهِّزَ جيشًا فَنَفَدَتِ الإبلُ، فأمرَه أنْ يأخذَ على قلائصِ الصدقةِ. قال: فكنت آخذُ البعيرَ بالبعيرينِ إلى إبلِ الصدقةِ: رواهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثِقاتٌ). ذِكْرُ المصنفِ لهُ هنا لأنَّ الحديثَ\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (١٩٧٧) وقال: حسن غريب، وأحمد (١/ ٤٠٤) وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في الصحيحة (٣٢٠).\n(^٢) ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٩٨) وقال: أخرجه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" وفيه أبو الخطاب وهو مجهول.\nقلت: هو في \"المسند\" لأحمد (٥/ ٢٧٩)، وفي \"كشف الأستار\" (٢/ ١٢٤ رقم ١٣٥٣) ويشهد له حديث الباب إلا في زيادة \"الرائش\".\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٦ - ٥٧) وصحَّحه، وأقرَّه الذهبي.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٨٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٥٧)، وأحمد (٢/ ١٧١، ٢١٦)، والدارقطني (٣/ ٧٠ رقم ٢٦٣) وطعن في الحديث ابن القطان … كما في \"نصب الراية\" (٤/ ٤٧) للاضطراب الواقع فيه من ابن إسحاق وبجهالة بعض رواته، ولكن أخرجه البيهقي (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والدارقطني (٣/ ٦٩ رقم ٢٦١) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحَّحه من هذا الوجه البيهقي، فالحديث حسن، وقد حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٣٥٨).","vol":"5","page":106},{"text":"يدلُّ أنْ لا رِبا في [الحيوان] (^١)، وإلا فبابهُ القرضُ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ اقتراضِ الحيوانِ، وفيه أقوالٌ ثلاثةٌ:\nالأول: جوازُ ذلكَ وهوَ قولُ الشافعيِّ (^٢)، ومالكٍ (^٣)، وجماهيرَ علماء السلفِ والخلَفِ، عملًا بهذا الحديثِ، وبأنَّ الأصلَ جوازُ ذلكَ إلا جاريةً (^٤) لمنْ يملكُ وطْأها، فإنهُ لا يجوزُ. ويجوزُ لمنْ لا يملكُ وطأها كمحارِمِها، والمرأةُ.\nوالثاني: يجوزُ مطلقًا للجاريةِ وغيرِها، وهوَ لابنِ جريرٍ (^٥)، وداودَ.\nالثالثُ: للهادويةِ (^٦)، والحنفيةِ (^٧)، أنهُ لا يجوزُ قرضُ شيءٍ منَ الحيواناتِ، وهذَا الحديثُ يردُّ قولَهم. وتقدَّمَ (^٨) دعواهُم النّسخَ وعدمُ صِحَّتِهِ. واعْلمْ أنَّهُ قدْ وَقَعَ في الشّرح أن حديثَ ابنَ عَمْرٍو في قرضِ الحيوانِ كما ذكرْناهُ، وراجعْنا كُتُبَ الحديثِ فوجدْنا في سننِ البيهقي (^٩) ما لفظُهُ بعدَ سياقهِ بإسنادهِ قالَ عمروُ بنُ حريشٍ لعبدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاصِ: إنَّا بأرضٍ ليسَ فيها ذهبٌ ولا فضةٌ، [أفنبيع] (^١٠) البقرةَ بالبقرتينِ؟ والبعيرَ بالبعيرينِ؟ والشاةَ بالشاتين؟ فقالَ: \"أمرني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أجهزَ جيشًا - الحديثَ\" [المصدرُ] (^١١) في الكتابِ. وفي لفظٍ (^١٢): \"فأمرَه النبي ﷺ أنْ يبتاعَ ظَهْرًا إلى خروجِ المصدقِ\"، فسياقُ الأولِ واضحٌ أنهُ في البيعِ، ولفظُ الثاني صريحٌ في ذلكَ، وإذا عرفتَ هذا فحمْلُه على القرضِ خلافٌ ما دلَّ عليهِ، [وهو] (^١٣) بيع الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً. وقدْ عارضَه حديثُ النَّهْي عنْ بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً كما تقدَّمَ في الحديثِ (^١٤) العاشر،\n_________\n(^١) في (ب): \"الحيوانات\".\n(^٢) انظر: \"المعرفة\" (٨/ ١٩٢)، و\"التكملة الثانية للمجموع\" (١٣/ ١٦٩).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٨٥) بتحقيقنا.\n(^٤) انظر: \"المهذب\" و\"التكملة الثانية\" (١٣/ ١٦٩).\n(^٥) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٨٢ مسألة رقم ١٢٠١).\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٠٣).\n(^٧) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ٢٠٩).\n(^٨) أثناء شرح الحديث رقم (١٠/ ٧٩٢) من كتابنا هذا.\n(^٩) \"الكبرى\" (٥/ ٢٨٧).\n(^١٠) في (ب): \"أفأبيع\".\n(^١١) في (ب): \"المسطّر\".\n(^١٢) في \"السنن الكبرى\" أيضًا (٥/ ٢٨٨).\n(^١٣) في (ب): \"وهو في\".\n(^١٤) وهو الحديث رقم (١٠/ ٧٩٢) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":107},{"text":"وقد عرفت ما قيلَ فيه. والأقربُ منْ بابِ الترجيحِ أن حديثَ ابن عمروٍ [أرجحُ] (^١) منْ حيثُ الإسنادِ، فإنهُ قدْ قالَ الشافعي في حديثِ سمرةَ: إنهُ غيرُ ثابتٍ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ كما رواهُ عنهُ البيهقي (^٢). وقرضُ الحيوانِ بالحيوانِ قدْ صحَّ (^٣) عنهُ جوازُه أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-846>النهي عن بيع المزابنة</span>\n١٥/ ٧٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْر كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: نَهَى رسول اللَّهِ ﷺ عن المزابنةِ)، وفسَّرها بقولِه: (أنْ يبيعَ ثمرَ حائطهِ إنْ كانَ نَخْلًا بتمرٍ كيلًا، وإنْ كانَ كَرْمًا أن يبيعَه بزبيب كيلًا، وإنْ كانَ زرْعًا أن يبيعَه بكيلِ طعامٍ، نَهَى عنْ ذلكَ كلِّه. متفقٌ عليه). تقدَّم (^٥) الكلامُ على تفسيرِ المزابنةِ واشتقاقِها ووجهِ التَّسميةِ. وقولُه: ثمرٌ، بالمثلثةِ وفتحِ الميمِ، فشملَ الرطبَ وغيرَه. والمرادُ ما كانَ في أصلِه رُطَبًا منْ هذهِ الأمورِ المذكورةِ، وأرادَ بالكرمِ العِنبَ، وقد اختلفَ العلماءُ في تفسير المزابنةِ. وتقدَّم أن المعوَّلَ عليهِ في تفسيرِها ما فسَّرها بهِ الصحابيُّ لاحتمالِ أنهُ مرفوعٌ، وإلَّا فهوَ أعرفُ بمرادِ الرسولِ - ﷺ -. قالَ ابنُ عبدِ البر (^٦): لا مخالفَ لهمْ أن مثلَ هذا مزابنةٌ، وإنَّما اختلفُوا هلْ يلحقُ بذلكَ كلُّ ما لا يجوزُ بيعُه إلَّا مِثْلًا بِمْثلٍ؟ فالجمهورُ على الإلحاقِ في الحكمِ للمشاركةِ في العلَّةِ في ذلكَ، وهوَ عدمُ العلمِ بالتساوي معَ الاتفاقِ في الجنسِ والتقديرِ،\n_________\n(^١) في (أ): \"راجح\".\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٨٩).\n(^٣) من رواية أبي رافع، رواه مسلم، وسيأتي برقم (٧/ ٨١٣) من كتابنا هذا.\n(^٤) البخاري (٤/ ٣٨٤ رقم ٢١٨٥)، ومسلم (٣/ ١١٧١ رقم ١٥٤٢).\nوأخرجه: أبو داود (٣٣٦١)، والنسائي (٤٥٣٤)، وابن ماجه (٢٢٦٥)، وأحمد (٢/ ١٦، ٦٣، ٦٤، ١٠٨)، ومالك (٢/ ٦٢٤ رقم ٢٣)، والطحاوي (٤/ ٢٩).\n(^٥) أثناء شرح الحديث رقم (٢٥/ ٧٦٠) من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"التمهيد\" (٢/ ٣١٤).","vol":"5","page":108},{"text":"وأما تسميةُ ما أُلْحِقَ مزابنةً فهوَ إِلحاق في الاسمِ، فلا يصحّ إلا على [قول] (^١) مَنْ أثْبَتَ اللغةَ بالقياسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-847>النهي عن بيع الرطب بتمر</span>\n١٦/ ٧٩٨ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَن اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَقَالَ: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ \"، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي، وَالتّرْمِذِيُّ (^٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٤)، وَالْحاكِمُ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ - ﵁ - قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يسأل عن اشتراءِ الرُّطبِ بالتمرِ؟ فقالَ: أينقصُ الرطبُ إذا يَبِسَ؟ قالُوا: نعمْ، فَنَهَى عنْ ذلكَ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن المديني، والترمذيُّ، وابنُ حِبانَ، والحاكمُ). وإنَّما صحَّحه ابنُ المديني (^٦) وإنْ كان مالكٌ علَّقَهُ عنْ داودِ بن الحصين (^٧)؛ لأن مالكًا لقي شيخَه\n_________\n(^١) في (ب): \"رأي\".\n(^٢) أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥، ٤٥٤٦)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد (١/ ١٧٥).\n(^٣) في \"سننه\" (٣/ ٥٢٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١١/ ٣٧٢، ٣٧٨ رقم ٤٩٩٧، ٥٠٠٣).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨).\nقلت: وأخرجه مالك (٢/ ٦٢٤ رقم ٢٢)، والشافعي (٢/ ١٥٩ رقم ٥٥١ - ترتيب المسند) والطيالسي (ص ٢٩ رقم ٢١٤)، والطحاوي (٤/ ٦) والدارقطني (٣/ ٤٩ رقم ٢٠٤، ٢٠٥)، والبيهقي (٥/ ٢٩٤)، وابن الجارود (٢/ ٢٣٠ رقم ٦٥٧).\nقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنَّه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلا الصحيح خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة إياه في روايته عن عبد اللهِ بن يزيد، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش\" اهـ.\nقلت: أما زيد بن عياش فهو أبو عياش المدني، قيل فيه: مجهول، لكن وثقه ابن حبان والدارقطني، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٢٧٦): صدوق. فالحديث صحيح إن شاء الله.\n(^٦) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٩ رقم ١١٤٢).\n(^٧) في المطبوع: \"الحسين\"، والتصويب من المخطوط و\"التلخيص\".","vol":"5","page":109},{"text":"بعدَ ذلكَ. فحدَّثَ بهِ مرةً عنْ داودٍ، ثمَّ استقرَّ رأيهُ على التحديثِ بهِ عنْ شيخهِ. قالَ ابنُ المديني: إنَّ والدَهُ حدَّثَ بهِ عنْ مالكٍ بتعليقهِ عنْ داودِ، إلَّا أن سماعَ والدِه عنْ مالكٍ قديمٌ، ثمَّ حدَّثَ بهِ مالكٌ عنْ شيخهِ فصحَّ منْ طريقِ مالك، ومَنْ أعلَّهُ بجهالةِ أبي (^١) عياشٍ فقدْ ردَّ عليهِ بأنّ الدارقطنيَّ قالَ: إنهُ ثَبْتٌ ثقةٌ.\nوقالَ المنذريُّ (^٢): قدْ رَوَى عنهُ ثقاتٌ وقدِ اعتمدَهُ مالكٌ معَ شدةِ نَقْد. قالَ الحاكمُ: ولا أعلمُ أحدًا طَعَنَ فيهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على عدمِ جوازِ بيعِ الرطبِ بالتمرِ لعدمِ التساوي كما تقدَّم.\n\n<span data-type='title' id=toc-848>النهي عن بيع الكالئ بالكالئ</span>\n١٧/ ٧٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بالْكَالِئِ، يَعْنِي الدَّينَ بالدَّينِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ (^٣) بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن النبي ﷺ نَهَى عنْ بيعِ الكالئِ بالكالئِ، يعني الدَّينَ بالدَّينِ. رواة إسحاقُ، والبزاز بإسنادٍ ضعيف)، ورواهُ الحاكمُ والدارقطنيُّ منْ دونِ تفسير، لكنَّ في إسنادهِ موسى بنَ عبيدةَ الربذيَّ وهوَ ضعيفٌ (^٤). قالَ أحمدُ (^٥): لا تحلُّ الروايةُ عندي عنهُ، ولا أعرفُ هذا الحديثَ لغيره، وصحَّفَهُ الحاكمُ فقالَ\n_________\n(^١) انظر ترجمة أبي عياش زيد بن عياش في: \"التهذيب\" (٣/ ٣٦٥).\n(^٢) انظر: \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٣٤).\n(^٣) في \"كشف الأستار\" (٢/ ٩١ رقم ١٢٨٠).\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٨٠) مطولًا، وقال: قلت: في الصحيح طرف منه رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. اهـ، وليس في الصحيح متن حديث الباب، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٧٢ رقم ٢٧٠)، والحاكم (٢/ ٥٧) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وهو ليس كما قالا، والذي يبدو أنهما صحَّحاه على أن راويه هو موسى بن عقبة الحافظ الكبير وليس كذلك، وقد خطَّأ البيهقي والحاكم والدارقطني على ذلك، ورواه في \"سننه الكبرى\" (٥/ ٢٩٠) وقد ضعَّفه المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٢٠ رقم ١٣٨٢).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الكامل\" (٦/ ٢٣٣٣)، و\"التهذيب\" (١٠/ ٣١٨ رقم ٦٣٦) و\"التقريب\" (٢/ ٢٨٦).\n(^٥) روي ذلك عند ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٣٣).","vol":"5","page":110},{"text":"موسىَ بنُ عقبة (^١)، فصحَّحَهُ على شرطِ مسلم. وتعجَّبَ البيهقي منْ تصحيفهِ على الحاكمِ. قالَ أحمدُ (^٢): ليسَ في هذا حديثٌ يصحُّ، لكنَّ إجماعَ الناسِ [على] (^٣) أنهُ لا يجوزُ بيعُ دَيْنِ بِدَيْنٍ.\nوظاهرُ الحديثِ أن تفسيرَهُ بذلكَ مرفوعٌ.\nوالكالئُ منْ كلأَ الدَّينَ كلوءًا فهوَ كالئٌ إذا تأخَّرَ، وكلأتُهُ إذا أنسأتُه، وقدْ لا يهمزُ تخفيفًا. قالَ في \"النهاية\" (^٤): هوَ أنْ يشتريَ الرجلُ شيئًا إلى أجلٍ، فإِذَا حلَّ الأجلُ لم يجدْ ما يقضي بهِ، فيقولُ بعنيهِ إلى أجلٍ آخرَ [بأكثر] (^٥) بزيادة شيءِ، فيبيعهُ ولا يجري بينَهما تقابضٌ.\nوالحديثُ دلَّ على تحريمِ ذلكَ، وإذا وقعَ كانَ باطلًا.\n_________\n(^١) في المطبوع: \"عتبة\" وهو تصحيف التصحيف.\n(^٢) انظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ٣٩٩).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) انظر: \"النهاية\" (٤/ ١٩٤).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"5","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-849>[الباب الرابع] باب الرخصة في العرايا وبيع أصول الثمار</span>\n١/ ٨٠٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ في الْعَرَايَا: أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٢): رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. [صحيح]\n(عنْ زيدِ بن ثابتٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ رخَّصَ في العرايا أن تُباعَ بخرصِها كيلًا. متفقٌ عليه. ولمسلمٍ رخَّصَ في العريةِ يأخذها أهل البيتِ بخرصِها تمرًا، يأكلونَها رُطَبًا). الترخيصُ في الأصلِ التسهيلُ والتيسيرُ، وفي عُرفِ المتشرعةِ ما شرعَ من الأحكامِ لعذرٍ معَ بقاءِ دليلِ الإيجابِ والتحريمِ لولا ذلك العذرُ، وهذا دليل على أن حكمَ العرايا مُخرجٌ منْ بين المحرَّماتِ، مخصوصٌ بالحكمِ.\nوقدْ صرَّحَ باستِثنائهِ في حديثِ جابر عندَ البخاريِّ (^٣) بلفظ: \"نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ بيْعِ الثَّمرِ حتَّى يطيبَ، ولا يباعَ شيءٌ منه إلَّا بالدنانيرِ والدراهمِ إلَّا العرايا\"، وفي قولهِ: في العرايا مضافٌ محذوفٌ، أي: في بيعهِ ثمرِ\n_________\n(^١) البخاري (٢١٩٢)، ومسلم (٦٤/ ١٥٣٩).\nوأخرجه أبو داود (٣٣٦٢)، والترمذي (١٣٠٢)، والنسائي (٧/ ٢٦٧ رقم ٤٥٤٠)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦١٩ رقم ١٤)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٨/ ٩٩ رقم ١١٢٦٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٦١/ ١٥٣٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢١٨٩) بهذا اللفظ، وعند مسلم (١٥٣٦) وغيره بألفاظ أخرى.","vol":"5","page":112},{"text":"العرايا؛ لأنَّ العريةَ هي النخلةُ، وهَي في الأصلِ عطيةُ ثمرِ النخلِ دونَ الرقبةِ (^١)، كانتِ العربُ في الجدبِ يتطوعُ أهلُ النخلِ منْهم بذلكَ على منْ لا ثمرَ لهُ، كما كانُوا يتطوَّعونَ بمنيحةِ الشاةِ والإبلِ.\nقالَ مالكٌ (^٢): العريةُ أنْ يعري الرجلُ الرجلَ النخلةَ ثم يتأذَّى المعرِّي بدخولِ المعرَّى عليهِ، فرخَّص لهُ أنْ يشتريَها أي رطَبها منهُ بتمير أي يابسٍ. وقدْ وقعَ اتفاق الجمهورِ على جوازِ رخصةِ العرايا، وهوَ بيعُ الرطبِ على رؤوسِ النخلِ بقدْرِ كيلهِ منَ التمرِ خَرْصًا فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ (^٣) بشرطِ التقابضِ، وإنما قلْنا فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ لحديثِ أبي هريرةَ وهوَ:\n\n<span data-type='title' id=toc-850>الرُّخصة في بيع العرايا</span>\n٢/ ٨٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ رخَّصَ في بيعِ العَرَايا بخرصِها فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ، أوْ في خمسةِ أَوْسُقٍ. متفقٌ عليهِ)، وبيَّنَ مسلمٌ (^٥) أن الشكَّ فيهِ\n_________\n(^١) في المخطوط: \"الرقية\" بالمثناة التحتية والتصويب من المطبوع و\"الفتح\" (٤/ ٣٩٠).\n(^٢) انظر: \"المسوى شرح الموطأ\" (٢/ ١٥، ١٦)، وذكره البخاري في ترجمة باب رقم (٨٤) في (٤/ ٣٩٠).\n(^٣) الوسق = ٦٠ صاعًا كيلًا.\nوالصاع= ٤ أمداد.\nوالمُد = ٥٤٤ غرامًا من القمح.\nإذن يكون الصاع = ٢١٧٦ غرامًا.\nوالوسق = ١٣٠٥٦٠ غرامًا.\nأو = ١٣٠.٥٦ كيلو غرامًا.\nانظر: كتابنا \"الموازين والمكاييل العصرية\".\n(^٤) أخرجه البخاري (٢١٩٠) وطرفه في (٢٣٨٢)، ومسلم (١٥٤١).\nوأخرجه أبو داود (٣٣٦٤)، والترمذي (١٣٠١)، والنسائي (٤٥٤١)، ومالك (١٤)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٨/ ١٠٠ رقم ١١٢٧٢)، والشافعي في \"الأم\" (٣/ ٥٤).\n(^٥) الذي بيَّن ذلك إنما هو الإمام مالك راوي الحديث عن داود بن الحصين، انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦٢٠).","vol":"5","page":113},{"text":"منْ داودَ بن الحصينِ. وقدْ وقعَ الاتفاقُ بينَ الشافعي (^١)، ومالكٍ (^٢)، على صحتهِ فيما دونَ الخمسةِ، وامتناعُه فيما فوقَها، والخلافُ (^٣) بينَهما فيها، والأقربُ تحريمُه فيها لحديثِ (^٤) جابرٍ - ﵁ -: \"سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ حينَ أَذِنَ لأصحابِ العَرَايا أنْ يبيعُوها بخرصِها يقولُ: الوِسْقُ والوسقينِ والثلاثةُ والأربعةُ\"، أخرجهُ أحمدُ. وترجمَ (^٥) له ابنُ حبانَ: الاحتياطُ على أنْ لا يزيدَ على أربعةِ أوسقٍ.\nوأما اشتراطُ التقابضِ فَلأنَّ الترخيصَ إنَّما وقعَ في بيعِ ما ذُكِرَ معَ عدمِ تيقُّنِ التساوي فقطْ. وأما التقابضُ فلم يقعْ فيهِ ترخيصٌ فبقيَ على الأصلِ منِ اعتبارهِ، ويدلُّ لاشتراطِه ما أخرجهُ الشافعي (^٦) منْ حديثِ زيدِ بن ثابتٍ: \"أنهُ سمَّى رجالًا محتاجينَ منَ الأنصارِ، شَكَوْا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ (^٧)، ولا نَقْدَ في أيديهم يبتاعونَ بهِ رُطَبًا ويأكلونَ مَع الناسِ، وعندَهم فضولُ قوتِهم منَ التمرِ، فرخَّص لهم أنْ يبتاعُوا العَرَايا بِخَرْصِها من التمرِ\" (^٨). وفيهِ مأخذ لمنْ يشترطِ التقابضَ، وإلَّا لم يكنْ لِذكْرِ وجودِ التمرِ عندَهم وَجْهٌ. واعلمْ أنَّ الحديثَ وردَ في الرُّطَبِ بالتمرِ على رؤوسِ الشجرِ، وأما شراءُ الرطبِ بعدَ قطعهِ بالتمرِ فقالَ بجوازِهِ كثيرٌ منَ\n_________\n(^١) انظر: \"الأم\" (٣/ ٥٤) و\"المعرفة\" (٨/ ١٠٢).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٨٨).\n(^٣) أي أن المالكية يرون الجواز في الخمسة فما دونها، والشافعية يرون الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة.\n(^٤) أخرجه أحمد (١٥/ ٤٠ رقم ١٢٦ - الفتح الرباني)، والشافعي (٢/ ٧٩ بدائع المنن)، والطحاوي (٤/ ٣٠)، وابن حبان (١١/ ٣٨١ رقم ٥٠٠٨ - الإحسان)، والبيهقي (٥/ ٣١١). وقد نقل الحافظ تصحيح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في \"الفتح\" (٤/ ٣٨٩) ولم يتعقبهم.\n(^٥) ولفظ الترجمة (١١/ ٣٨١): ذكر الاستحباب للمرء أن يكون بيعه العرايا فيما دون خمسة أوسق ولا يجاوز به إلى أن يبلغ خمسة أوسق احتياطيًّا. وما ذكره الشارح إنما نقله عن الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٨٩).\n(^٦) أخرجه الشافعي في \"الأم\" (٣/ ٥٤) معلقًا قال: وقيل لمحمود بن لبيد أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي ﷺ إما زيد بن ثابت وإما غيره: ما عراياكم هذه؟ قال: فلان وفلان وسمَّى رجالًا محتاجين من الأنصار … الحديث.\nوأخرجه من طريقه البيهقي في \"المعرفة\" (٨/ ١٠٠ رقم ١١٢٧٣).\n(^٧) في الرواية: \"شكوا إلى رسول اللَّهِ ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد … \".\n(^٨) في الرواية: \"بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبًا\".","vol":"5","page":114},{"text":"الشافعيةِ (^١) إلحاقًا لهُ بما على رؤوسِ الشجرِ، بناءً على إلغاءِ وصْفِ كونهِ على رؤوسِ الشجرِ كما بوَّبَ بذلكَ البخاريُّ (^٢)؛ لأنَّ محلَّ الرخصةِ هوَ الرُّطَبُ نفسُه مطلقًا أعمُّ منْ كونهِ على رؤوسِ النخلِ، أو قد قطعَ فيشملُه النصُّ، [فلا] (^٣) يكونُ قياسًا، ولا منعَ إذْ قدْ تدعُو حكمةُ الترخيصِ إلى شراءِ الرطبِ الحاصلِ، فإنهُ قد تدعُو إليهِ الحاجةُ في الحالِ، وقدْ يكونُ معَ المشتري تمر فيأخذُه [منه] (^٤)، فيدفعُ بهِ قولُ ابن دقيقِ العيد: إنَّ ذلكَ لا يجوزُ وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ أحدَ المعاني في الرخصةِ أنْ يأكلَ الرطبَ على التدريجِ طَريًا، وهذَا [المقصودُ] (^٥) لا يحصلُ مما على وجْهِ الأرضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-851>النهي عن بيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه</span>\n٣/ ٨٠٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بيْعِ الثِّمَارِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٦). وَفي رِوَايَةٍ (^٧): وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ: حَتى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ قالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ بيْعِ الثِّمارِ حتَّى يَبْدُوَ صلاحُها، نَهَى البائعَ والمبتاعَ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ: كانَ إذا سُئِلَ عنْ صلاحِها قالَ: حتَّى تذهبَ عاهته)، وهيَ الآفةُ والعيْبُ. اختلفَ السلفُ في المراد ببدُوِّ الصلاحِ على ثلاثةِ أقوالٍ:\n_________\n(^١) انظر: \"الأم\" (٣/ ٥٤).\n(^٢) في صحيحه (٤/ ٣٨٧ باب رقم ٨٣)، قال: باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة.\n(^٣) في (ب): \"ولا\".\n(^٤) في (ب): \"به\".\n(^٥) في (ب): \"القصد\".\n(^٦) أخرجه البخاري (٢١٩٤)، ومسلم (٤٩/ ١٥٣٤).\nوأخرجه: أبو داود (٣٣٦٧)، والترمذي (١٢٢٦)، والنسائي (٤٥١٩)، وابن ماجه (٢٢١٤)، ومالك (٢/ ٦١٨ رقم ١٠).\n(^٧) خرَّجها مسلم (٣/ ١١٦٦).","vol":"5","page":115},{"text":"الأولُ: أنه يكفي بُدُوُّ الصلاحِ في جنسِ الثمارِ، بشرطِ أنْ يكونَ الصَّلاحُ متلاحقًا، وهوَ قولُ الليثِ، والمالكيةِ (^١).\nالثاني: أنه لا بدَّ أن يكون في جنسِ تلكَ الثمرةِ المبيعةِ، وهوَ قولٌ لأحمدَ (^٢).\nالثالثُ: أنهُ يعتبرُ الصلاحُ في تلكَ الشجرةِ المبيعةِ، وهوَ قولُ الشافعيةُ (^٣). ويُفْهَمُ منْ قولهِ يبدُو أنهُ لا يُشْتَرطُ تكاملُه فيكفي زُهُوُّ بعضِ الثمرةِ، وبعضِ الشجرةِ معَ حصولِ المعنَى المقصودِ، وهوَ الأمانُ منَ العاهةِ، وقدْ جرتْ حِكمةُ اللَّهِ أنْ لا تطيبَ الثمارُ دُفْعَة واحدة، لتطولَ مدةُ التفكُّهِ بها والانتفاعِ. والحديثُ دليلٌ على النَّهْي عنْ بيعِ الثمارِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها. والإجماعُ (^٤) قائمٌ على أنهُ لا يصحُّ بيعُ الثمارِ قبلَ خروجها لأنهُ بيعٌ معدومٌ، وكذَا بعدَ خروجِها قبلَ نفعه إلَّا أنهُ رَوَى المصنفُ ﵀ في الفتح (^٥) أن الحنفيةَ أجازُوا بيعَ الثمارِ قبلَ بدوِّ الصلاح، وبعدَه بشرطِ القطْعِ، وأبطلُوهُ بشرطِ البقاءِ قبلَه وبعدَه، وأما بعدَ صلاحِها ففيهِ تفاصيلُ، فإنْ كانَ بشرطِ القطْعِ صحَّ إجماعًا (^٦)، وإنْ كانَ بشرطِ البقاءِ كانَ بيعًا فاسدًا إنْ جُهِلَتِ المدةُ، فإنْ عُلِمَتْ صحَّ عندَ الهادوية (^٧) ولا غرَرَ، وقالَ المؤيدُ (^٨): لا يصحُّ للنَّهْي (^٩) عنْ بيعٍ وشرط، وإنْ أُطْلِقَ صحَّ\n_________\n(^١) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٦١٩).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) انظر: \"المعرفة\" (٨/ ٧٩).\n(^٤) انظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ١٩٨).\n(^٥) (٤/ ٣٩٤).\n(^٦) وانظر: \"موسوعة الإجماع\" (١/ ١٩٩).\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣١٥).\n(^٨) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣١٥).\n(^٩) أخرج ابن حزم في \"المحلَّى بالآثار\" (٧/ ٣٢٤، ٣٢٥)، والحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" (ص ١٢٨)، والطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٨٥ - \"مجمع الزوائد\") عن عبد الوارث بن سعيد قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ قال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألت فقال: البيع جائز والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز، فقلت: يا سبحان اللَّهِ! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفتم عليَّ في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ: \"نهى عن بيع وشرط\" البيع باطل والشرط باطل، ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: \"أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بريرة فأعتقها\" البيع جائز=","vol":"5","page":116},{"text":"عندَ الهادِوية وأبي حنيفةَ (^١)، إذ ما تردَّد بين صحَّة وفساد حمل على الصحَّةِ؛ إذْ هيَ الظاهرُ إلَّا أنْ يجري عُرْفٌ ببقائِه مدةً مجهولةً فسد، وأفادَ نَهْيُ البائعِ والمبتاعِ، أما البائعُ فَلِئَلَّا يأكلَ مالَ أخيهِ بالباطلِ، وأما المشتري فلئلَّا يضيعَ مالُه. والعاهةُ هي الآفةُ التي تصيبُ الثمارَ، وقدْ بيَّنَ ذلكَ حديثُ زيدِ بن ثابتٍ (^٢) قالَ: \"كانَ الناسُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يبتاعونَ الثمارَ فإذا جدَّ الناسُ وحضرَ تقاضِيْهمْ قالَ المبتاعُ: إنهُ أصابَ الثمرُ الدُّمانَ وهوَ فسادُ الطَّلْعِ وسوادُه مراض (^٣) قشامٍ عاهاتٌ يحتجونَ بها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لما كثرتْ عندَه الخصومةُ في ذلكَ: فأمَّا لا فلا تَبْتَاعُوا حتَّى يبدُوَ صلاحُ الثمرةِ، كالمشورةِ يشيرُ بها لكثرةِ خصوماتِهم\" انتَهى. وأَفْهَمَ قولُه كالمشورةِ أن النَّهْيَ للتنزيهِ لا للتحريمِ، كأنهُ فَهِمَه منَ السياقِ وإلَّا فأصْلُه التحريمُ، وكانَ زيدُ (^٤) لا يبيعُ ثمارَ أرضِه حتَّى تطلعَ الثُرَيَّا فيتبينُ الأصفرُ منَ الأحمر. وأخرجَ أبو داودَ (^٥) منْ حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: \"إذا طلعَ النَّجْمُ صباحًا رُفِعَتِ العاهةُ عن كلِّ بلدٍ\". والنجمُ الثُّريَّا، والمرادُ طلوعُها صباحًا، وهوَ في أولِ فصلِ الصيفِ، وذلكَ عندَ اشتدادِ الحرِّ [في] (^٦) بلادِ الحجازِ، وابتداءِ نُضْجِ الثمارِ وهوَ المعتبرُ حقيقةً، وطلوعُ الثريا علامةٌ.\n_________\n= والشرط باطل، ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: \"بعت من النبي ﷺ ناقة وشرط لي حملانها إلى المدينة\" البيع جائز والشرط جائز.\nقال الهيثمي: وفيه يحيى بن صالح الأيلي، قال الذهبي: روى عنه يحيى بن بكير مناكير.\nقلت: ولم أجد لغير الذهبي فيه كلامًا وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١) انظر: \"بدائع الصنائع\" (٥/ ١٧٣).\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا (٢١٩٣)، وأخرجه موصولًا: أبو داود (٣٣٧٢) والطحاوي (٤/ ٢٨)، والبيهقي (٥/ ٣٠١، ٣٠٢) وقد صحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (٢٨٨٣).\n(^٣) كذا في المخطوط والمطبوع، وفي رواية البخاري \" … إنه أصاب الثمر الدُّمان، أصابه مرض، أصابه قُشام - عاهات يحتجون بها - فقال: … \".\n(^٤) هذا من تتمة الرواية السابقة.\n(^٥) كذا عزاه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٩٥)، وهو في \"المسند\" (٢/ ٣٤١، ٣٨٨). وضعَّفه العلَّامة الألباني في الضعيفة (٣٩٧).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"5","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-852>النهي عن بيع الثمار حتى تُزهى</span>\n٤/ ٨٠٣ - وَعَنْ أَنَسٍ بن مَالِكٍ رَضيَ اللَّهُ تعالَى عَنْهُ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتى تُزْهَى، قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قالَ: \"تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَهَى عنْ بيعِ الثمارِ حتَّى تُزْهَى، قيلَ) في روايةِ النَّسائيِّ (^٢): قيلَ: يا رسولَ الله، فأفادَ أن التفسيرَ مرفوعٌ، (وما زَهْوُها) قيل بفتحِ الزاي (قالَ: تَحْمَارُّ وتَصْفَارُّ. متفقٌ عليهِ. واللفظٌ للبخاريِّ). يقالُ: أَزْهَى يَزْهَى إذا احمرَّ واصفرَّ، وَزَها النخلُ يزهُو إذا ظهرتْ ثمرتُه. وقيلَ هما بمعنَى الاحمرارِ والاصفرارِ، ومنْهم مَنْ أنكرَ يزهُو، ومنْهم مَنْ أنكرَ يزْهى، كذا في \"النهاية\" (^٣). قالَ الخطابيُّ (^٤) في هذه الروايةِ: هي الصوابُ، ولا يُقالُ في النخلِ يزهُو وإنَّما يُقَالُ [يزهى] (^٥) لا غيرُ. ومنهُم منْ قالَ زَهَا إذا طالَ واكتملَ، وأَزْهَى إذا احمرَّ واصفرَّ.\nقال الخطابي (^٦): قوله: تحمارُّ وتصفارُّ لم يُردْ بذلك اللَّونَ الخالِصَ من الحمرةِ والصفرةِ، إنَّما أرادَ حمرةً أو صفرةً بكمودةٍ، فلذلكَ قالَ: تحمارُّ وتصفارُّ. قالَ: ولو أرادَ اللونَ الخالصَ لقالَ: تحمرُّ وتصفرُّ. قالَ ابنُ التينِ (^٧): أرادَ بقولِه تحمارُّ وتصفارُّ ظهورَ أوائلِ الحمْرةِ والصفْرةِ قبلَ أن تنضجَ (^٨). قالَ: وإنما يقالُ تفعال في اللونِ المتغيرِ إذا كانَ يزولُ ذلكَ. وقيلَ: لا فرقَ، إلا أنهُ قدْ يقالُ في هذا المحلِّ المرادُ بهِ ما ذُكِرَ بقرينةِ الحديثِ الآتي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢١٩٧، ٢١٩٨)، ومسلم (١٥٥٥)، والنسائي (٤٥٢٦)، وابن ماجه (٢٢١٧).\n(^٢) في \"سننه\" (٤٥٢٦).\n(^٣) (٢/ ٣٢٣).\n(^٤) ذكره عنه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٩٨) وفيه: \" … فلا يقال في النخل تزهو إنما يقال تزهى لا غير … \" بالمثناة الفوقية في الموضعين.\n(^٥) في (ب): \"وتزهى\".\n(^٦) ذكره عنه أيضًا الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٩٧).\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٣٩٧).\n(^٨) في المطبوع: \"ينضج\"، وفي \"الفتح\": \"تشبع\".","vol":"5","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-853>النهي عن بيع العنبِ حتى يسودَّ</span>\n٥/ ٨٠٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَة (^١) إلَّا النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢)، وَالْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعنْ أنسٍ [بن مالك]) (^٤) قياسُ قاعدتِه: وعنهُ، (أن النبي ﷺ نَهَى عنْ بيعِ العنبِ حتى يسودَّ، وعنْ بيعِ الحبِّ حتى يشتدَّ. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والحاكمُ). والمرادُ باسودادِ العنبِ، واشتدادِ الحبِّ بدوُّ صلاحهِ. قالَ النوويُّ (^٥): فيهِ دليلٌ لمذهبِ الكوفيينَ، وأكثرُ العلماءِ في أنهُ يجوزُ بيعُ السنبلِ المشتدِّ، وأما مَذْهَبُنَا ففيهِ تفصيلٌ، فإنْ كانَ السنبلُ شعيرًا، أو ذُرَةً، أو مما في معناهُما، مما تُرَى حباتُه خارجةً صحَّ بيعُه، وإنْ كانَ حنطةً، أو نحوَها مما تُسْتَرُ حبَّاتُه بالقُشورِ التي تزول بالدِّياس (^٦) ففيهِ قولانِ للشافعيِّ: الجديدُ أنهُ لا يصحُّ وهوَ أصحُ قَوْلَيْهِ، والقديمُ أنهُ يصحُّ. وأما قبلَ الاشتدادِ فلا يصحُّ إلا بشَرْطِ القطْعِ كما ذكْرنا، فإذا باعَ الزَّرْعَ قبلَ الاشتدادِ معَ الأرضِ بلا شرطٍ صحَّ تِبْعًا للأرضِ، وكذَا الثمارُ قبلَ الصلاحِ إذا بِيعَ معَ الشجرِ جازَ بلا شرطٍ تبعًا، وهكذا حكمُ القولِ في الأرضِ لا يجُز بيعُها دونَ الزرعِ إلا بشرطِ القطع، وكذَا لا يصحُّ بيعُ البطيخ ونحوِه قبلَ بُدُوِّ صلاحهِ، وفروعُ المسألةِ كثيرةٌ.\n_________\n(^١) أبو داود (٣٣٨١)، والترمذي (١٢٢٨) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢٢١٧)، وأحمد (٣/ ٢٢١، ٢٥٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (١١/ ٣٦٩ رقم ٤٩٩٣).\n(^٣) في \"المستدرك (٢/ ١٩) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه الدارقطني (٣/ ٤٧ رقم ١٩٦)، والطحاوي (٤/ ٢٤)، والبيهقي (٥/ ٣٠١) وصحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٤٨ رقم ٢٨٨٢)، وصحَّحه أيضًا النووي في \"المجموع\" (٩/ ٣٠٥).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) انظر هذه المسألة في: \"روضة الطالبين\" (٣/ ٥٤٨: ٥٦٠)، و\"المجموع\" (٩/ ٣٠٥: ٣٠٩).\n(^٦) في القاموس (ص ٧٠٤) الدِّياس: الوطء بالرجل، والمِدْوَس: ما يداس به الطعام.","vol":"5","page":119},{"text":"وقدْ نَقَّحْتُ مقاصدَها في روضةِ الطالبينَ (^١)، وشرح المهذبِ (^٢)، وجمعت فيها جملةٌ مستكثرةٌ، وباللَّهِ التوفيقُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-854>ثمن ما أصابته جائحة من مال البائع</span>\n٦/ ٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟ \"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ لَهُ (^٤): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: لو بعتَ منْ أخيكَ ثَمَرًا فأصابتْه جائحةٌ)، هي الآفة تصيبُ الزرعَ، (فلا يحلُّ لكَ أنْ تأخذَ منهُ شيئًا، بِمَ تأخذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حقٍّ؟. رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ له أن النبيَّ ﷺ أمرَ بوضعِ الجوائح). الجائحةُ مشتقةٌ منَ الجَوْحِ وهوَ الاستئصالُ، ومنهُ حديثُ (^٥): \"إنَّ أبي يجتاحُ مالي\". وفي الحديثِ دليلٌ على أن الثمارَ التي على رءوسِ الشجرِ إذا باعهَا المالكُ، وأصابتْها جائحةٌ أنْ يكونَ تلفُها منْ مالِ البائعِ، وأنهُ لا يستحقُّ على المشتري في ذلكَ شيئًا. وظاهرُ الحديثِ فيما باعَهُ بَيْعًا غيرَ مَنْهيٍّ عنهُ، وأنهُ\n_________\n(^١) (٣/ ٥٤٨: ٥٦٠) واسمه: \"روضة الطالبين وعمدة المفتين\" للنووي رحمه الله تعالى.\n(^٢) \"المجموع\" (٩/ ٣٠٥: ٣٠٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤/ ١٥٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٧٠)، والنسائي (٤٥٢٧، ٤٥٢٨، ٤٥٢٩) وابن ماجه (٢٢١٩)، والدارمي (٢/ ٢٥٢)، والطحاوي (٤/ ٣٤)، والبيهقي (٥/ ٣٠٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٧/ ١٥٥٤).\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢)، وابن الجارود (٣/ ٢٥١ رقم ٩٩٥)، وأحمد (٢/ ٢١٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن والدي يجتاح مالي … الحديث.\nوإسناده حسن، انظر: \"الإرواء\" (٣/ ٣٢٥).\nوأخرج أيضًا ابن ماجه (٢٢٩١) من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رجلًا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي … الحديث وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٣٢٣).","vol":"5","page":120},{"text":"وقعَ البيعُ بعدَ بُدُوِّ الصلاحِ لأنهُ مَنْهِيٌّ، [عن] (^١) [بيعهِ] (^٢) قبلَ بُدُوِّهِ، ويحتملُ ورودُه أي حديثُ وضعِ الجوائحِ قبلَ النَّهْي، وبدلُّ لهُ ما وقعَ في حديثِ (^٣) زيدِ بن ثابتٍ أنهُ قالَ: \"قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، ونحنُ نبتاعُ الثمارَ قبلَ أنْ يبدوَ صلاحُها وسمعَ خصومةً فقالَ: ما هذا؟ فذكرَ الحديثَ، وأنهُ نَهَى عنْ بيعِها قبلَ [أنْ يبدوَ] (^٤) صلاحُها\"، إلا أنه أفاد معَ ذكرِ سببِ النَّهْي تاريخَ ذلكَ، فيكونُ حديثُ وضعِ الجوائحِ مُتَأَخِّرًا، فيحملُ حديثُ وضعِ الجوائحِ على البيعِ بعدَ بدوِّ الصلاحُ. وقدِ اختلفَ (^٥) العلماءُ في وضعِ الجوائحِ، فذهبَ الأقلُّ إلى أن الجائحةَ إذا أصابتِ الثمرَ جميعَه أنْ يوضعَ الثَّمنُ جميعُه، وأنَّ التلفَ منْ مالِ البائعِ عملًا بظاهرِ الحديثِ. وذهبَ الأكثرُ إلى أن التلفَ منْ مالِ المشتري، وأنهُ لا وضعَ لأجلِ الجائحةِ إلَّا ندْبًا، واحتجُّوا لهُ بحديثِ (^٦) أبي سعيدٍ: \"أنهُ - ﷺ - أمرَ النَّاسَ أنْ يتصدَّقُوا على الذي أصيبَ في ثمارهِ\" وسيأتي. قالُوا: ووجْهُ تلفهِ منْ مالِ المشتري أن التخليةَ في العقدِ الصحيح بمنزلةِ القبضِ، وقدْ سلَّمهُ البائعُ للمشتري بالتخليةِ فكأنهُ قبضَهُ. وأجيبَ عنهُ بَأنَّ قوله - ﷺ -: \"لا يحل لكَ أنْ تأخذَ منهُ شيئًا - الحديثَ\" دالٌ على التحريم، وأنهُ تلفٌ على البائعِ لقولِه: مالُ أخيكَ إذْ يدلُّ أنهُ لم يستحقَّ منهُ الثمنَ [فإنه] (^٧) مالُ أخيهِ لا مالُهُ.\nوحديثُ (^٨) التصدُّقِ محمولٌ على الاستحبابِ بقرينةِ قولِه: لا يحلُّ لكَ، وفائدةُ الأمرِ بالتصدقِ الإرشادُ إلى الوفاءِ بغرضين: جبرُ البائعِ، وتعريضُ المشتري لمكارمِ الأخلاقِ، كما يدلُّ لهُ قولُه في آخرِ الحديثِ (٨) لما طلبُوا الوفاءَ: \"ليسَ لكم إلا ذلكَ\". فلو كانَ لازِمًا لأمرَهم بالنظرةِ إلى ميسرَةٍ.\n_________\n(^١) في (أ): \"عنه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) سبق تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٣/ ٨٠٢) من كتابنا هذا، واللفظ الذي ساقه الشارح في سنن أبي داود.\n(^٤) في (ب): \"بدوّ\".\n(^٥) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٠/ ٢١٦، ٢١٧)، وانظر أيضًا: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٦٢) بتحقيقنا.\n(^٦) أخرجه مسلم، وسيأتي تخريجه برقم (٣/ ٨١٧) من كتابنا هذا.\n(^٧) في (ب): \"وإنه\".\n(^٨) يعني حديث أبي سعيد الآنف الذكر.","vol":"5","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-855>الثمر بعد التأبير للبايع</span>\n٧/ ٨٠٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: \"مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَها إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - عن النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: منِ ابتاعَ نخلًا) هوَ اسمُ جنسٍ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والجمعُ نخيل (بعدَ أنْ تُؤَبَّرَ). والتَّأبيرُ: التشقيقُ والتلقيحُ، وهوَ شقُّ طَلْعِ النخلةِ الأنثَى ليذَر فيها منْ طلعِ النخلةِ الذكرِ، (فثمرتُها للبائعِ الذي باعها إلَّا أنْ يشترطَ المبتاعُ. متفقٌ عليه).\nدلَّ الحديثُ على أنَّ الثمرةَ بعدَ التأبيرِ للبائعِ، وهذا منطوقُه ومفهومُه إنها قبلُه للمشترِي. وإلى هذا ذهب جمهورُ العلماءِ (^٢) عملًا بظاهرِ الحديثِ.\nوقال أَبو حنيفةَ (^٣): هي للبائعِ قبلَ التأبيرِ وبعدَه، فَعَمِلَ بالمنطوقِ ولم يعملْ بالمفهومِ بناءً على أصلهِ منْ عدمِ العملِ بمفهومِ المخالفةِ. وَرُدَّ عليهِ بأن الفوائدَ المستترةَ تخالفُ الظاهرةَ في البيعِ، فإنَّ وَلَدَ الأمةِ المنفصلَ لا يتبعُها، والحملُ يتبعُها.\nوفي قولِه: إلَّا أنْ يشترطَ المبتاعُ، دليلٌ على أنهُ إذا قالَ المشتري اشتريتُ الشجرة بثمرتِها كانتِ الثمرةُ لهُ.\nودلَّ الحديثُ على أن الشرطَ الذي لا ينافي مقتضى العقدِ لا يفسدُ البيعَ، فيخصُّ النَّهْيَ (^٤) عنْ بيعٍ وشرطٍ، وهذا النص في النخلِ، ويقاسُ عليهِ غيرُه منَ الأشجارِ.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (٨٠/ ١٥٤٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٣٤)، والنسائي (٤٦٣٥، ٤٦٣٦)، وابن ماجه (٢٢١٠)، وأحمد (٢/ ٦، ٦٣)، ومالك (٢/ ٦١٧ رقم ٩)، والبيهقي (٥/ ٢٩٧، ٢٩٨).\n(^٢) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٦٤، ٣٦٥) بتحقيقنا.\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١٣/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٤) انظر: تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٣/ ٨٠٢) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-856>[الباب الخامس] أبواب السلم والقرض والرهن</span>\n١/ ٨٠٧ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي ثَمَرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلِ مَعْلُومٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَلِلْبُخَارِيِّ (^٢): \"مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ\". [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وهمْ يسلفونَ في الثمارِ السنةَ والسنتينِ)، منصوبان [على نزع] (^٣) الخافض، أي: إلى السنةِ والسنتين، (فقالَ: مَنْ أسلفَ في تمرٍ)، يُروى بالمثناةِ، والمثلثةِ، فهوَ بها أعمُّ، (فَلْيُسْلِفْ في كيلٍ معلومٍ)، إذا كانَ مما يُكالُ، (وَوَزْنٍ معلومٍ) إذا كانَ مما يوزنُ (إلى أجلٍ معلومٍ. متفقٌ عليهِ. وللبخاريِّ: مَن أسلفَ في شيءٍ). السلفُ بفتحتينِ (^٤): هوَ السَّلَمُ وزنًا ومعنَى، قيلَ (^٥): وهوَ لغةُ أهلِ العراقِ، والسلفُ لغةُ أهلِ الحجازِ، وحقيقتُه\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٤٠، ٢٢٤١)، ومسلم (١٢٧/ ١٦٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٦٣)، والترمذي (١٣١١)، والنسائي (٤٦١٦)، وابن ماجه (٢٢٨٠)، والدارمي (٢/ ٢٦٠)، وابن الجارود (٢/ ١٨٩ رقم ٦١٤، ٦١٥)، والبيهقي (٦/ ١٨، ١٩)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٢٢٢، ٢٨٢، ٣٥٨)، والحميدي (١/ ٢٣٧ رقم ٥١٠)، والدارقطني (٣/ ٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ١٧٣)، والشافعي في \"الرسالة\" (ص ٣٣٧ - ٣٣٨) وفي \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٦١).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢٢٤٠).\n(^٣) في (ب): \"بنزع\".\n(^٤) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٣٩٦).\n(^٥) ذكره الماوردي، كما ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٤٢٨).","vol":"5","page":123},{"text":"شَرْعًا: بيعٌ موصوفٌ في الذمةِ ببدلٍ [ما] (^١)، يُعْطَى عاجلًا، وهوَ مشروعٌ إلَّا عند ابن المسيبِ (^٢). واتفقُوا على أنهُ يشترطُ فيهِ ما يُشْتَرَطُ في البيعِ، وعلى تسليمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، إلَّا أنهُ أجازَ (^٣) مالكٌ تأجيلَ الثمنِ يومًا أو يومينِ، ولا بدَّ منْ أنْ يقدر بأحدِ المقدارينِ كما في الحديثِ، فإنْ كانَ مما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ فقالَ المصنفُ ﵀ في فتحِ الباري (٤): فلا بدَّ فيهِ منْ عددٍ معلومٍ، رواهُ عن ابن بطالٍ، وادَّعَى عليهِ الإجماعَ، وقالَ المصنفُ (^٤): أو ذَرْعٍ معلومٍ، فإنَّ العددَ والذَّرْعَ يلحقانِ بالوزْنِ والكيلِ للجامعِ بينَهما، وهوَ ارتفاعُ الجهالةِ بالمقدارِ، واتفقُوا على اشتراطِ تعيينِ الكيلِ فيما يُسَلَّمُ فيهِ بالكيلِ كصاعِ الحجازِ، وقفيزِ العراقِ، وإردبِّ مصرَ. وإذا أُطْلِقَ انصرف إلى الأغلبِ في الجهةِ التي وقعَ فيها عَقدُ السلمِ، واتفقُوا (^٥) على أنهُ لا بدَّ منْ معرفةِ صفةِ الشيءِ المسلَّمِ فيهِ صِفةٌ عنْ غيرِه، ولم يتعرضْ لهُ في الحديثِ؛ لأنَّهم كانُوا يعلمونَ بهِ، وظاهرُ الحديثِ أن التأجيلَ شرطٌ في صحة السلَمِ، فإنْ كانَ حالً لم يصحَّ أو كانَ الأجلُ مجهولًا، وإلى هذا (^٦) ذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ شرطيةِ ذلكَ، وأنَّه يجوزُ السلمُ في الحالِ. والظاهرُ أنهُ لم يقعْ في عصر النبوةِ إلَّا في المؤجلِ، وإلحاقُ الحالِ بالمؤجلِ قياسٌ على ما خالفَ القياسَ [لأن السلم خالف القياس] (^٧)؛ إذْ هو بيعٌ معدومٌ وعَقدٌ غَرَرٌ. واختلفُوا (^٨) أيضًا في شرطيةِ المكانِ الذي يسلمُ فيهِ فأثبَتهُ جماعةٌ قياسًا على الكيلِ، والوزنِ، والتأجيلِ. وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ اشتراطهِ. وفصَّلتِ (^٩) الحنفيةُ فقالتْ: إنْ كانَ لحمْلِه مؤونةٌ فيشترطُ، وإلَّا فلا. وقالتِ الشافعيةُ (^١٠): إنْ عقدَ حيثُ لا يصلحُ للتسليمِ كالطريقِ فيشترطُ، وإلا فقولانِ. وكلُّ هذهِ التفاصيلِ مُسْتنَدُها العرفُ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٢٨).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٨٧) بتحقيقنا، وفيه: \"فأجاز مالك تأخير اليومين والثلاثة … \".\n(^٤) (٤/ ٤٣٠).\n(^٥) لفظ \"الفتح\": \"وأجمعوا … \".\n(^٦) انظر: تفصيل المسألة في \"بداية المجتهد\" (٣/ ٣٨٨) بتحقيقنا.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣١).\n(^٩) انظر: \"المبسوط\" (١٢/ ١٢٨).\n(^١٠) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣١، ٤٣٢).","vol":"5","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-857>صحة السلف في المعدوم حال العقد</span>\n٢/ ٨٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى، وعَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يَأْتِينَا أنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ - وَفي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ - إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-858>ترجمة عبد الرحمن بن أبزى</span>\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أَوْفَى، وعبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى) (^٢) بفتحِ الهمزةِ، وسكونِ الموحدةِ، وفتحِ الزاي، الخزاعيِّ. سكنَ الكوفةَ، واستعملهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵇ على خراسانَ، وأدركَ النبيَّ ﷺ وصلَّى خَلْفَهُ. (قالَ: كُنَّا نصيبُ المَغَانِمَ معَ رسول الله ﷺ، وكانَ يأتينا أنباطٌ (^٣) منْ أنباطِ الشامِ) همْ منَ العربِ دخلُوا في العجمِ والروم، فاختلطتْ أنسابهُم، وفسدتْ ألسنتُهم، سُمُّوا بذلكَ لكثرةِ معرفتِهم بإنباطِ الماءِ أي استخراجه، (فَنُسْلِفُهُم في الحنطةِ والشعيرِ والزبيبِ، وفي روايةٍ: والزيتِ إلي أجلٍ مُسَمَّى. قيلَ: أكانَ لهمْ زَرْعٌ؟ قالا: ما كُنَّا نسألهُم عنْ ذلك. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ السلفِ في المعدومِ حالَ العقدِ، إذْ لو كانَ منْ شرطِه وجودُ المسلَّمِ فيه لاستفصلُوهم. وقدْ قَالا: ما كنَّا نسألُهم. وتركُ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يُنْزلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ. وقدْ ذهبَ إلى هذا\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢٢٤٢، ٢٢٤٣)، وأطرافه في (٢٢٤٤، ٢٢٤٥، ٢٢٥٤، ٢٢٥٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٦٤)، وابن ماجه (٢٢٨٢)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٢٢٢، ٢٨٢، ٣٥٨)، (٤/ ٣٥٤)، والحاكم (٢/ ٤٥)، والبيهقي (٦/ ٢٠)، والطيالسي (رقم ٨١٥)، وابن الجارود (٢/ ١٩٠ رقم ٦١٦).\n(^٢) انظر ترجمته في:\n\"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٤٦٢)، و\"التاريخ الكبير\" (٥/ ٢٤٥)، و\"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٩١)، و\"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٠٩)، و\"الجمع بين الصحيحين\" (١/ ٢٨٢)، و\"العقد الثمين\" (٥/ ٣٤٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٦/ ١٢١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ٢٠١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٣١).","vol":"5","page":125},{"text":"الهادويةُ (^١)، والشافعيةُ (^٢)، ومالكٌ (^٣)، واشترطُوا إمكانَ وجودِه عندَ حلولِ الأجلِ، ولا يضرُّ انقطاعُه قبلَ [حضورِ] (^٤) الأجلِ لما عرفتَ منْ تركِ الاستفصالِ، كذا في الشرحِ.\nقلتُ: وهوَ استدلالٌ بفعلِ الصحابيِّ أوْ تركِه، ولا دليلَ على أنهُ - ﷺ - علمَ ذلكَ وأقرَّهُ، وأحسنُ منهُ في الاستدلالِ أنهُ - ﷺ - أقرَّ أهلَ المدينةِ (^٥) على السَّلمِ سنةَ وسنتينِ، والرطبُ ينقطعُ في ذلكَ، ويعارضُ ذلكَ حديثُ ابن عمرَ عندَ أبي داودَ (^٦): \"ولا تسلفُوا في النخلِ حتَّى يبدوَ صلاحُه\"؛ فإنْ صحَّ ذلكَ كانَ مقيِّدًا لتقريرِه لأهلِ المدينةِ على سلمِ السنةِ والسنتينِ، وأنهُ أمرَهم بأن لا يسلفُوا حتَّى يبدُوَ صلاحُ النخلِ، ويُقَوِّي ما ذهبَ إليهِ الناصر (^٧) وأبو حنيفةَ (^٨) منْ أنهُ يشترطُ في المسلَّم فيهِ أنْ يكونَ موجودًا منَ العقدِ إلى الحلولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-859>أعان الله من استدان وهو يريد الوفاء</span>\n٣/ ٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ - ﵁ - عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: \"مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ الناسِ يُريدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ تَعَالَى\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٣٩٧، ٤٠٣).\n(^٢) انظر: \"مغني المحتاج\" للشربيني على \"منهاج الطالبين\" للنووي (٢/ ١٠٦).\n(^٣) انظر: \"المنتقي شرح الموطأ\" للباجي (٤/ ٣٠٠).\n(^٤) في (ب): \"حلول\".\n(^٥) يعني في حديث ابن عباس المتقدم برقم (١/ ٨٠٧) من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"سننه\" (٣٤٦٧).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (ص ٢٦٢ رقم ١٩٤٠)، وأحمد (٢/ ١٤٤ - ١٤٥)، وابن ماجه (٢٢٨٤)، والبيهقي (٦/ ٢٤) وفي إسناده مجهول وهو حديث ضعيف وقد ضعَّفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (ص ٣٤٥ رقم ٧٥٠).\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٠٣).\n(^٨) انظر: \"المبسوط\" (١٢/ ١٢٥، ١٢٦).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٢٣٨٧).\nوأخرجه: ابن ماجه (٢٤١١)، وأحمد (٢/ ٣٦١، ٤١٧)، والبيهقي (٥/ ٣٥٤)، والبغوي (٢١٤٦)، وانظر الحديث (٢/ ٨٢٧) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":126},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أخذ [من] (^١) أموالِ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّى الله عنهُ، ومنْ أخذَها يريدُ إتلافَها أتْلَفَه اللَّهُ. رواه البخاريُّ). التعبيرُ بأخذِ أموالِ الناسِ يشملُ أخذَها بالاستدانةَ، وأخذَها لحفظِها. والمرادُ منْ إرادته التأدية [قضاها] (^٢) في الدنيا، وتأديةُ اللَّهِ عنه تشملُ تيسيرُه تعالى لقضائِها في الدنيا، بأنْ يسوقَ إلى المستدينِ ما يقضي دَينَه. وأداؤُها عَنْهُ في الآخرةِ بإرضائِه غريمَهُ بما شاءَ الله تعالى. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجه (^٣)، وابن حبَّانَ (^٤)، والحاكمُ (^٥) مرفوعًا: \"ما من مسلمٍ يدانُ دينًا يعلمُ اللَّهُ أنهُ يريدُ أداءَه، إلا أدَّاهُ اللَّهُ عنهُ في الدنيا والآخرةِ\". وقولُه: \"يريدُ إتلافُها\" الظاهرُ أنهُ مَنْ يأخذُها بالاستدانةِ مَثَلًا لا لحاجةٍ ولا لتجارةٍ، بلْ لا يريدُ إلا إتلافَ ما أخذه على صاحبهِ، ولا ينوي [قضاءَها] (^٦). وقولُه: \"أتلَفه اللَّهُ\"، الظاهرُ إتلافُ الشخصِ نفسَهُ في الدنيا بإهلاكهِ، وهوَ يشملُ ذلكَ، ويشملُ إتلافَ طيِّبِ عيشهِ، وتضييقِ أمورِه، وتعسُّرِ مطالبِه، ومحقِ بركتهِ، ويحتملُ إتلافُه في الآخرةِ بتعذيبِه، قالَ ابنُ بطالٍ (^٧): فيهِ الحثُّ على تركِ استئكالِ أموال الناسِ، والترغيبُ في حُسْنِ التأديةِ إليهم عندَ المداينةِ، وأنَّ الجزاءَ [قدْ يكونُ] (^٨) منْ جنس العمل. وأَخَذَ منهُ الداوديُّ (٧) أن مَنْ عليهِ دَيْنٌ فليسَ له أنْ يتصدَّقَ، ولا يعتقَ وفيهِ بعد. وفي الحديثِ الحثُّ على حسنِ النيةِ، والترهيبُ عنْ خلافهِ، وبيانُ أن مدارَ الأعمالِ عليها، وأن مَنِ استدانَ ناويًا الإيفاءَ أعانهُ اللَّهُ عليهِ. وقدْ كانَ عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ يرغَبُ في الدَّينِ [سئل] (^٩) عنْ ذلكَ فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"إنَّ اللَّهَ معَ الدائنِ حتَّى يقضي دينَه\"، رواهُ ابنُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"قضاؤها\".\n(^٣) في \"سننه\" (٢٤٠٨) من حديث أم المؤمنين ميمونة - ﵂ -.\n(^٤) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٢٠ رقم ٥٠٤١).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٣).\nوأخرجه النَّسَائِي (٤٦٨٦، ٤٦٨٧)، وأحمد (٦/ ٣٣٢) وقد صحّحه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (٢/ ٥١ رقم ١٩٥٢)، ويشهد له حديث الباب، وحديث عائشة الذي أخرجه الحاكم (٢/ ٢٢)، والبيهقي (٥/ ٣٥٤).\n(^٦) في (أ) \"قضاءَه\".\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٥٤).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"فيسأل\".","vol":"5","page":127},{"text":"ماجه (^١)، [والحاكم] (^٢)، وإسنادهُ حسنٌ. إلَّا أنهُ اختُلِفَ فيهِ على محمدِ بن عليٍّ. ورواهُ الحاكمُ (^٣) منْ حديثِ عائشةَ بلفظِ: \"ما منْ عبدٍ كانتْ له نيةٌ في وفاءِ دَيْنهِ إلَّا كانَ لهُ منَ اللَّهِ عونٌ\"، [فقالت] (^٤) يعني عائشةُ: فأنا ألتمسُ ذلكَ العونَ.\nإن قلتَ: [إنه] (^٥) قدْ ثبتَ حديثُ (^٦): \"إنهُ يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذنبٍ إلا الدَّيْنَ\"، وحديث (^٧): \"الآنَ بردتْ جلدتُه\"، قاله لمن أدَّى دَيْنًا عنْ ميتٍ ماتَ وعليهِ دَيْنٌ. قلتُ: يحتملُ [أنه معنى] (^٨) لا يُغْفَرُ للشهيدِ الدينُ، أنهُ باقٍ عليهِ حتَّى يوفيهِ اللَّهُ عنهُ يومَ القيامةِ، ولا يلزمُ منْ بقائه عليهِ أنْ يعاقَبَ [بِهِ] (^٩) في قبرهِ، ومعنَى قولهِ: بردتْ جلدتُه، خلَّصته منْ بقاءِ الدينِ عليهِ، ويحتملُ أن ذلكَ فيمَنِ استدانَ ولم ينوِ الوفاءَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-860>التأجيل إلى ميسرة صحيح</span>\n٤/ ٨١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسيئَةً إلَى مَيْسَرَةً؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحاكمُ (^١٠)، وَالْبَيْهَقِي (^١١)، ورجَالُهُ ثِقِاتٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٢٤٠٩).\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٢٣) وصحَّحه ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٥٤)، وصحّحه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (١٩٥٣).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٢) وصحّحه، وقال الذهبي: قلت ابن مجبر وهَّاه أبو زرعة، وقال النَّسَائِي: متروك لكن وثقه أحمد اهـ. وأخرجه البيهقي (٥/ ٣٢٤) ويشهد له حديث الباب وحديث ميمونة المتقدم آنفا، وحديث عبد الله بن جعفر، وقد ساق له الحاكم شاهدا من وجه آخر عن عائشة - ﵂ -.\n(^٤) في (ب): \"قالت\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أخرجه مسلم (١٨٨٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي الباب من حديث أبي قتادة وأبي هريرة وأنس وأبي أمامة - ﵃ -.\n(^٧) أخرجه بهذه الجملة أحمد (٣/ ٣٣٠)، وأصله في الصحيح (٤/ ٤٦٦ رقم ٢٢٨٩).\n(^٨) في (ب): \"أنه يعني\".\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) \"المستدرك\" (٢/ ٢٣، ٢٤) وصحَّحه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي.\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٥).\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٤٧)، قلت: وخلاصة القول أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"5","page":128},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قلت يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ فلانًا قدِمَ له بزٌّ منَ الشامِ فلوْ بعثتَ إليهِ فأخذتَ منه ثوبينِ نسيئةً إلى ميسرة، فبعثَ إليهِ فامتنعَ. أخرجهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثِقاتٌ). فيهِ دليلٌ على بيعِ النسيئةِ، وصحةِ التأجيلِ إلى ميسرةٍ، وفيهِ ما كانَ عليهِ - ﷺ - منْ حسنِ معاملةِ العبادِ، وعدمِ إكراهِهمِ على الشيءِ، وعدمِ الإلحاحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-861>الانتفاع بالمرهون في مقابلة نفقته</span>\n٥/ ٨١١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارَيُّ (^١). [صحيح]\nوهو منْ بابِ الرَّهْنِ، وهوَ لغةً: الاحتباسُ، منْ قولِهم: رَهنَ الشيءَ إذَا دامَ وثَبَتَ. ومنهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (^٢). وفي الشرعِ: جعلُ مالٍ وثيقة على دينٍ، ويطلقُ على العينِ المرهونةِ. (وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: الظَّهْرُ يرْكَبُ) بالبناءِ للمفعول، ومثلُه يُشْرَبُ (بنفقتِه إذا كانَ مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ) بفتح الدال المهملةِ، وتشديدِ الراءِ، وهوَ اللّبنُ تسميةً بالمصدرِ، قيلَ: هوَ منْ إضافةِ الشيءِ إلى نفسهِ، وقيلَ منْ إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ. (يشربُ بنفقتِه إذا كانَ مرهونًا، وعلى الذي يَرْكَبُ ويشرب النفقةُ. رواهُ البخاريُّ). فاعلُ يركبُ ويشربُ هوَ المرتهنُ بقرينةِ العوضِ، وهوَ الركوبُ، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ الراهنُ إلا أنهُ احتمال بعيدٌ لأنَّ النفقةَ لازمةٌ لهُ، فإنَّ المرهونَ ملْكُه، وقدْ جعلتْ في الحديثِ على الراكبِ والشاربِ، وهوَ غيرُ المالكِ؛ إذ النفقةُ لازمةٌ للمالكِ على كلِّ حالٍ. والحديثُ دليل على أنهُ يستحقُّ المرتهنُ الانتفاعَ بالرهنِ في مقابلةِ نفقتِه. وفي المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢٥١١، ٢٥١٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٢٦)، والترمذي (١٢٥٤)، وابن ماجه (٢٤٤٠)، والطحاوي (٤/ ٩٨)، والدارقطني (١٣٤)، والبيهقي (٦/ ٣٨).\n(^٢) سورة المدثر: الآية ٣٨.","vol":"5","page":129},{"text":"الأول: ذهبَ أحمدُ (^١)، وإسحاقُ إلى العمل بظاهرِ الحديثِ، وخصُّوا ذلكَ بالركوبِ والدرِّ، وقالوا: يُنْتَفَعُ بِهمَا بِقَدْرِ قيمةِ النفقةِ، ولا يقاس غيرُهما عليهِمَا.\nوالثاني: للجمهورِ (^٢) قالُوا: لا ينتفِعُ المرتهنُ بشيءٍ. قالُوا: والحديثُ خالفَ القياسَ منْ وجهينِ، [أولُهما]: (^٣) تجويزُ الركوبِ والشربِ لغيرِ المالكِ بغيرِ إذنهِ، وثانيهما: تضمينُه ذلكَ بالنفقةِ لا بالقيمة.\n[قال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا الحديثُ عندَ جمهورِ الفقهاءِ تردُّه أصولٌ مجتمعةٌ، وآثارٌ ثابتةٌ، لا يختلفُ في صِحَّتِها] (^٤)، ويدلُّ على نسخهِ حديثُ (^٥) ابن عمرَ: \"لا تُحْلَبُ ماشيةُ امرئٍ بغير إذنِه\"، أخرجهُ البخاريُّ في [باب] (^٦) المظالمِ (^٧).\nقلت: أما النسخُ فلا بدَّ [له] (^٨) منْ معرفةِ التاريخِ، على أنهُ لا يحملُ عليهِ إلا إذا تعذَّرَ الجمعُ، ولا تعذُّرَ هنا؛ إذْ يخصُّ عموم النَّهْي بالمرهونةِ، وأما مخالفةُ القياسِ فليستِ الأحكامُ الشرعيةُ مطردةً على نسقٍ واحدٍ، بلِ الأدلةُ تفرِّقُ بينَها [في] (^٩) الأحكامِ، والشارعُ حَكَمَ هنا بركوبِ المرهونِ، وشربِ لبنهِ، وجعلهِ قيمةً للنفقة. وقدْ حكمَ الشارعُ ببيع الحاكمِ عن المتمردِ بغير إذنهِ، وجعلِ صاعِ التمر عِوضًا عن اللبنِ وغيرِ ذلكَ. وقالَ الشافعيُّ (^١٠): المرادُ أنهُ لا يمنعُ الراهنُ منْ ظهرِها ودرِّها، فجعلَ الفاعلَ الراهنَ، وتعقِّبَ (^١١) بأنهُ وردَ بلفظِ المرتهن فتعينَ الفاعلُ.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (٤/ ٤٦٨ مسألة رقم ٣٣٧١).\n(^٢) انظر: \"الفتح\" (٥/ ١٤٤).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب): وهي في \"الفتح\" (٥/ ١٤٤).\n(^٥) تقدّم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٤٢/ ٧٧٧) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (أ): \"أبواب\".\n(^٧) تابع الشارح في ذلك الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٤٤)، وإنما هو في باب من أبواب كتاب اللقطة (٥/ ٨٨) وهو: [باب لا تحتلب ماشية أحد بغير إذنه].\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) انظر: \"الفتح\" (٥/ ١٤٤).\n(^١١) تعقبه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٩)، وروى الحديث من طريق هشيم بلفظ: \"إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقتها ويركب\".","vol":"5","page":130},{"text":"والقول الثالث: للأوزاعي (^١) والليثِ، أن المرادَ منَ الحديثَ أنهُ إذا امتنعَ الراهنُ منَ الإنفاقِ على المرهونِ، فيباحُ حينئذٍ للمرتهنِ الإنفاقُ على الحيوانِ حِفْظًا لحياتِه، وجُعِلَ لهُ في مقابلة نفقته الانتفاعُ بالركوبِ، أو شربِ اللبنِ، بشرطِ أنْ لا يزيدَ قدرُ ذلكَ أو قيمتُه على قدْر عَلَفِه، وقوَّى هذا القولَ في الشرحِ، ولا يخْفَى أنهُ تقييدٌ للحديثِ بما لم يقيِّدْه بهِ الشارعُ، وإنما قيَّدَه بالضابطِ المتصيَّدِ منَ الأدلةِ، وهوَ أنّ كلَّ عينِ لغيرهِ في يدِه بإذنِ الشرعِ فإنهُ ينفقُ عليها بنيةِ الرجوعِ على المالكِ، ولهُ أنْ يؤَجِّرها أو يتصرف في لبنِها في قيمة العلفِ، إلَّا أنهُ إذا كانَ في البلدِ حاكمٌ ولم يستأذنْه فلا رجوعَ له بما أنفقَ، وتلزمُه غرامةُ المنفعةِ واللبنٍ، فإنْ لم يكنْ في البلدِ حاكمٌ، أو كانَ الحيوانُ يتضررُ بمدةِ الرجوع إلى الحاكم، فلهُ أنْ ينفقَ ويرجعَ بما أنفقَ، إلا أنهُ قدْ يقالُ إنَّها قاعدةٌ عامةٌ فَتُخَصُّ بحديث الكتابِ.\n٦/ ٨١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذي رَهنَه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (^٢)، وَالْحَاكِمُ (^٣)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عنْدَ أَبي دَاوُدَ (^٤) وَغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ. [ضعيف]\n(وعنهُ) أي أبي هريرةَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: لا يَغْلَقُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، وغينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ولام مفتوحةٍ وقافٍ. يقالُ: غلقَ الرهن إذا خرجَ عنْ مُلْكِ الراهنِ واستَولَى عليهِ المرتهنُ بسببِ عجزْهِ عنْ أداء ما رهَنَه فيهِ، وكانَ هذا عادةَ العربِ فنهى عنه النبي ﷺ (الرهنُ منْ صاحبِه الذي رهَنَه. لهُ غُنْمُه)\n_________\n(^١) نسبه إليهما الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٤٤).\n(^٢) في السنن (٣/ ٣٢ رقم ١٢٦) وقال: هذا إسناد حسن متصل.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف فيه على أصحاب الزهري، ووافقه الذهبي.\n(^٤) في \"المراسيل\" (رقم ١٨٦، ١٨٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ٣٩، ٤٠)، وعبد الرزاق (رقم ١٥٠٣٣، ١٥٠٣٤)، ومالك (٢/ ٧٢٨ رقم ١٣)، والطحاوي (٤/ ١٠٠، ١٠٢)، والدارقطني (٣/ ٣٣) كلهم يروونه عن ابن شهاب عن ابن المسيب مرسلًا وهو المحفوظ كما قال البيهقي، وقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٣٠): وهذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل وإن كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعلُّونها. والخلاصة: أن الحديث مرسل ضعيف، والله أعلم.","vol":"5","page":131},{"text":"زيادتُه: (وعليهِ غُرْمُه) هلاكُه ونَفَقَتُه (رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكم، ورجاله ثقاتٌ إلا أن المحفوظَ عندَ أبي داودَ وغيرهِ إرسالُه). قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ (^١) - ﵁ -: اختُلفَ في قولِه: له غُنْمُه وعليهِ غُرْمُهُ، فقيلَ: هيَ مدرجةٌ منْ قولِ سعيدِ بن المسيِّبِ. قالَ: ورفَعَهَا ابنُ أبي ذِئْبٍ ومعمر وغيرُهما معَ كونِهم أرسلُوا الحديثَ على اختلاف على ابن أبي ذئبٍ، ووقَفَها غيرُهم. وقدْ رَوَى ابنُ وهْب (^٢) هذا الحديثَ [فجوَّدهُ] (^٣)، وبيَّنَ أن هذهِ اللفظةَ منْ قولِ ابن المسيِّبِ، وكذَا أبو داودَ في المراسيلِ قوَّى أنَّها منْ قولِه. ومعنَى لا يغلق لا يستحقُّه المرتهنُ إذا عجزَ صاحبُه عَنْ فَكِّهِ. والحديثُ قد وردَ لإبطالِ ما كانَ عليهِ الجاهليةُ من غلاق الرهنِ عندَ المرتهنِ، وبيانِ أن زيادتَهُ للمرتهنِ ونفقتُه عليهِ كما سلَفَ فيما قبلَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-862>الدليل على جواز قرض الحيوان</span>\n٧/ ٨١٣ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - اسْتَسلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبلٌ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِع أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَقَالَ: لا أجِدُ إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: \"أَعْطِهِ إيَّاهُ، فإنَّ خِيَارَ الناسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\nوهوَ منْ أحاديثِ بابِ القرضِ، والأحاديثُ في فضْلِه والحثُّ عليهِ كثيرةٌ. (وعنْ أبي رافعٍ - ﵁ - أن النَّبي ﷺ استلَفَ منْ رجلٍ بَكْرًا) بفتحِ الموحدةِ، وسكونِ الكافِ، الصغيرُ منَ الإبلِ، (فقدِمَتْ عليهِ إبلٌ من إبلِ الصدقةِ، فأمرَ أبا رافعٍ أنْ يقضي الرجلَ بكرهُ، فقالَ: لا أجدُ إلَّا خِيارًا) - وفي لفظ لمسلم من حديث أبي رافع\n_________\n(^١) انظر: \"التمهيد\" (٦/ ٤٢٦).\n(^٢) في المخطوط: \"ابن أبي ذئب\"، وما أثبتناه من المطبوع والتمهيد (٦/ ٤٢٦).\n(^٣) في المخطوط: \"فجرده\"، وما أثبتناه من المطبوع و\"التمهيد\" (٦/ ٤٢٦).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٢٢٤ رقم ١١٨/ ١٦٠٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٤٦)، والترمذي (١٣١٨)، والنسائي (٤٦١٧) وابن ماجه (٢٢٨٥)، ومالك (٢/ ٦٨٠ رقم ٨٩)، والطيالسي (ص ١٣٠ رقم ٩٧١)، والدارمي (٢/ ٢٥٤) وأحمد (٦/ ٣٩٠)، والبيهقي (٦/ ٢١) وغيرهم.","vol":"5","page":132},{"text":"أيضًا: فقال: لم أجد إلا خيارًا - (^١) (رَباعيًا)، [هوَ] (^٢) بفتحِ الراءِ الذي يدخلُ في السَّنةِ السابعةِ، ويلقي (^٣) رباعيتُه. (فقالَ: أعطهِ إياهُ؛ فإنَّ خيارَ الناسِ أحسنُهم قَضَاءً. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ (^٤) الكلامُ على الخلافِ في قرضِ الحيوانِ.\nوالحديثُ دليلٌ على جوازه، وأنَّه يستحب لمن عليه دينٌ من قرضٍ أو غيرهِ أنْ يردَّ أجودَ منَ الذي عليهِ، وأنَّ ذلكَ منْ مكارم الأخلاقِ المحمودةِ عُرْفًا وَشَرْعًا، ولا يدخلُ في القرضِ (^٥) الذي يجرُّ نفعًا؛ لأنهُ لم يكنْ مشروطًا منَ المقرضِ، وإنَّما ذلكَ تبرُّعٌ منَ المستقرضِ، وظاهرُه العمومُ للزيادةِ عددًا أو صفةً. وقال مالكٌ (^٦): الزيادةُ في العددِ لا تحِلُّ.\n٨/ ٨١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: \"كل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا\"، رَوَاهُ الْحَارِثُ (^٧) بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ. [ضعيف]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ عِنْدَ الْبَيْهَقِي (^٨). [ضعيف]\n- وآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (^٩). [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١٨/ ١٦٠٠) وهو نفس لفظ حديث الباب.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في المطبوع \"وتبقى\" وما أثبتناه من المخطوط (أوب)، وانظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١١/ ٣٧).\n(^٤) انظر: شرح الحديث (١٠/ ٧٩٢، ١٤/ ٧٩٦) من كتابنا هذا.\n(^٥) انظر: الحديث الآتي.\n(^٦) انظر: \"شرح النووي لمسلم\" (١١/ ٣٧).\n(^٧) في \"مسنده\" وعزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٣٤) وقال: وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك اهـ.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٥٠)، ولكنه موقوف عليه.\n(^٩) في \"صحيحه\" (٧/ ١٢٩ رقم ٣٨١٤).\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ١٣١) عند قوله: \"فإنه ربا\": يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربًا إذا شرطه، نعم الورع تركه\" اهـ. قلت: لم يصح عن النبي ﷺ حديث في هذا الباب، وانظر: \"جنة المرتاب بنقد المغني عن الحفظ والكتاب لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي\" تصنيف أبي إسحاق الحويني الأثري (٢/ ٤٠٣): وأحاديث زيادته - ﷺ - في الوفاء وحثه على ذلك كثيرة مستفيضة كما مرَّ، وفيها إقراره للدائن على أخذ الزيادة التي قدمها إليه المدين باختياره، وحض المدين على الزيادة في الوفاء.\nوستأتي آثار موقوفة تؤيد الحديث، والله أعلم.","vol":"5","page":133},{"text":"(وعنْ عليِّ [بن أبي طالب] (^١) - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ رِبًا. رواهُ الحارثُ بنُ أبي أسامةَ واسنادهُ ساقطٌ)، لأنَّ في إسناده سوار (^٢) بنُ مصعبٍ الهمداني المؤذنُ الأعْمى، وهوَ متروكٌ.\n(ولهُ شاهدٌ ضعيفٌ عنْ فضالةَ بن عبيدٍ عند البيهقيِّ) أخرجهُ البيهقي في المعرفةِ (^٣) بلفظِ: كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ وجْهٌ منْ وجوهِ الرِبا، (وآخرُ موقوفٌ عنْ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ عندَ البخاريِّ) لم أجده (^٤) في البخاريِّ في بابِ الاستقراضِ، ولا نَسَبَهُ المصنفُ في \"التلخيص\" إلى البخاريِّ، بلْ قالَ (^٥): إنهُ رواهُ البيهقيُّ في السُّننِ الكبير عن ابن مسعودٍ (^٦)، وأُبي بن كعب (^٧)، وعبدِ اللَّهِ بن سلامٍ (^٨)، وابنِ عباسٍ (^٩) موقوفًا عليهم، انتهى.\nفلوْ كانَ في البخاريِّ لما أهملَ نسبتَه إليهِ في \"التلخيصِ\".\nوالحديثُ بعدَ صحتهِ لا بدَّ من التوفيقِ بينَه وبينَ ما تقدَّم، وذلكَ بأنَّ هذا محمولٌ على أن المنفعةَ مشروطةٌ منَ المقترض، أوْ في حكمِ المشروطةِ، وأما لوْ كانتْ تبرُّعًا منَ المقترضِ فقدْ تقدَّم أنهُ يستحبُّ له أنْ يُعطِي خيْرًا مما أخذَ.\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٢٧١)، و\"الميزان\" (٢/ ٢٤٦)، و\"المجروحين\" (١/ ٣٥٦)، و\"المغني\" (١/ ٢٩٠)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٦٩).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٣٤)، وتقدم أنه في \"الكبرى\" (٥/ ٣٥٠) موقوف عليه.\n(^٤) بل هو في \"البخاري\" كما تقدم (٣٨١٤).\n(^٥) (٣/ ٣٤).\n(^٦) (٥/ ٣٥٥) موقوفًا.\n(^٧) (٥/ ٣٤٩) موقوفًا.\n(^٨) (٥/ ٣٤٩) موقوفًا.\n(^٩) (٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠) موقوفًا.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-863>[الباب السادس] باب التفليس والحَجْر</span>\nهوَ لغةً: مصدرُ فلستُه، نَسَبْتُه إلى الإفلاسِ الذي هوَ مصدرُ أفلسَ، أي: صارَ إلى حالةٍ لا يملكُ فيها فَلْسًا.\nوالحجْرُ هو لغةً مصدرُ حَجَرَ، أي: مَنَعَ وضيَّقَ. وشرْعًا قولُ الحاكمِ للمديونِ حجرتُ عليكَ التصرفَ في مالِكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-864>من وجد متاعه عند مفلسَ فهو أحق به</span>\n١/ ٨١٥ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n- ورَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَمَالِكٌ (^٣) مِنْ رِوَايَةِ أَبي بَكْر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مُرْسلًا بِلَفْظِ: \"أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩).\nوأخرجه أبو داود (٣٥١٩، ٣٥٢٢)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي (٤٦٧٦، ٤٦٧٧)، وابن ماجه (٢٣٥٨، ٢٣٥٩)، وأحمد (٢/ ٢٢٨، ٥٢٥)، ومالك (٢/ ٦٧٨ رقم ٨٨)، والبيهقي (٦/ ٤٤، ٤٥)، وابن حبان (١١/ ٤١٤، ٤١٥ رقم ٥٠٣٧، ٥٠٣٨).\n(^٢) في \"سننه\" (٣٥٢٠، ٣٥٢١)، وفي \"المراسيل\" (ص ١٦٣ رقم ١٧٣).\n(^٣) في \"الموطأ\" (٢/ ٦٧٨ رقم ٨٧).","vol":"5","page":135},{"text":"الْغُرَمَاءِ\"، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١)، وَضَعَّفَهُ تبَعًا لأَبي دَاوُدَ (^٢). [صحيح]\n- وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٤) مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلَدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - في صَاحِبٍ لنَا قَدْ أَفْلسَ، فَقَالَ: لأقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ أَفْلَسَ أَو مَاتَ فَوَجَدَ رَجلٌ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ\". وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥)، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَضَعَّفَ أيضًا هذِهِ الزيَادَةَ في ذِكْرِ الْمَوْتِ. [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-865>ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن</span>\n(عنْ أبي بكرٍ بن عبدِ الرحمنِ) (^٧) أي ابن الحارثِ بن هشامٍ المخزوميِّ، قاضي المدينةِ، تابعيٌّ سمعَ عائشةَ وأبا هريرةَ، رَوَى عنهُ الشعبيُّ والزُّهريُّ (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: منْ أدركَ مالَه بعينِه) لم يتغيرْ بصفةٍ منَ الصفاتِ ولا بزيادةٍ ولا نُقْصَانٍ، (عندَ رجلٍ قدْ أفْلسَ فَهوَ أحقُّ بهِ منْ غيرهِ، متفقٌ عليهِ. ورواهُ أبو داودَ، ومالكٌ منْ روايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ مرسلًا). وقدْ وَصَلَهُ أبو داودَ (^٨) منْ طريق أُخْرى فيها إسماعيلُ بنُ عياشٍ، إلا أنها منْ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤٧).\n(^٢) فقد قال في \"سننه\" (٣/ ٧٩٣): حديث مالك أصلح اهـ. وحديث مالك هو المرسل يعني أصلح من الموصول. والخلاصة: أن الحديث صحيح.\n(^٣) في \"سننه\" (٣٥٢٣).\n(^٤) في \"سننه\" (٢٣٦٠).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٠)، ووافقه الذهبي.\n(^٦) قال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٦/ ٤٧): قلت: في سنده أبو المعتمر ليس بمعروف، قال عبد الحق في أحكامه: قال أبو داود: من يأخذ بهذا؟ أبو المعتمر من هو؟ إنا لا نعرفه. اهـ.\nقلت: وقد سكت عنه في نسخة السنن التي بين أيدينا.\nوأبو المعتمر هو ابن عمرو قال عنه الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٥٧٥ رقم ١٠٦٢٠): مدني لا يعرف روى عنه ابن أبي ذئب. اهـ. وبرغم ذلك فقد حسّنه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٦٤).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٢٠٧)، و\"تاريخ البخاري\" (٩/ ٩) و\"الحلية\" (٢/ ١٨٧) و\"خلاصة تذهيب التهذيب\" (ص ٤٤٤)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤١٦)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٠٤).\n(^٨) يعني في \"سننه\" (٣٥٢٢).","vol":"5","page":136},{"text":"روايتهِ عن الشاميينَ، وروايتُه عنْهم صحيحةٌ (بلفظِ (^١): أيُّما رجلٍ باعَ متاعًا فأفلسَ الذي ابتاعَه، ولم يقبض الذي باعَه منْ ثمنهِ شيئًا، فَوَجَدَ متاعَه بعينهِ فهوَ أحقُّ بهِ، وإنْ ماتَ المشتري فصاحبُ المتاعِ أسوة الغرماءِ. ووصلَه البيهقيُّ، وضعَّفهُ تبْعًا لأبي داودَ). راجعْنا سننَ أبي داودَ فلمْ نجدْ فيها تضعيفًا للروايةِ هذهِ، بلْ قالَ في هذهِ الروايةِ بعدَ إخراجهِ لها منْ طريقِ مالكٍ: وحديثُ مالك أصحُّ، يريدُ أنهُ أصحُّ (^٢) منْ روايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ التي ساقَها أبو داودَ (^٣)، وفيها قال أَبو بكرٍ: \"قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن مَنْ تُوُفِّيَ وعندَه سلعةُ رجلٍ بعينِها لم يقبض منْ ثمنِها شيئًا، فصاحبُ السلعةِ أسوةُ الغرماءِ فيها\". ولم يتكلم الشارحُ ﵀ على هذا بشيءٍ، (وروى أبو داودَ، وابنُ ماجهْ منْ روايةِ عمرَ بن خَلَدة) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، واللام، ودالٍ مهملةٍ (قالَ: أتيْنا با هريرةَ في صاحبٍ لنا قدْ أفلسَ فقالَ: لأقضينَّ فيكم بقضاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، مَنْ أَفلسَ أو ماتَ، فوجدَ رجلٌ متاعَه بعينِه فهوَ أحقُّ بهِ. وصحَّحهُ الحاكمُ، وضعَّفَهُ أبو داودَ، وضعَّفَ أيضًا هذهِ الزيادةَ في ذكرِ الموتِ).\nسكتَ عليهِ الشارحُ، وقدْ راجعتُ سننَ أبي داودَ فلم أجدْ فيها تضعيفًا (^٤) لروايةِ عمرَ بن خلدةَ، بلْ قالَ البيهقيُّ (^٥) بعدَ روايته لحديث أبي بكرِ بن عبدِ الرحمنِ المرسلةِ التي ساقَ لفظَها المصنفُ هنا بلفظِ: أيمَّا رجلٍ إلى آخرهِ. إنهُ قالَ الشافعيُّ: روايةُ عمرَ بن خلدةَ (^٦) أَوْلَى منْ روايةِ أبي بكرٍ هذه. قالَ: لأنَّها موصولة جَمَعَ فيها النبيُّ ﷺ بينَ الموتِ والإفلاسِ. قالَ: وحديثُ ابن شهاب - يريدُ بهِ روايةَ أبي بكرٍ بن عبدِ الرحمنِ المذكورةَ - منقطعٌ، وساقَ في ذلكَ كلامًا كثيرًا يرجحُ بهِ روايةَ عمرَ بن خلدةَ، فلا أدري كيف كلام\n_________\n(^١) أي لفظ المرسل لا كما يوهم سياق الشارح أنه لفظ الموصول.\n(^٢) كذا في المخطوط والمطبوع وفي نسخة أبي داود التي بين أيدينا: \"أصلح\" بلام.\n(^٣) أي المرسلة التي ذكرناها آنفًا.\n(^٤) قدمنا نقل ابن التركماني عن عبد الحق في أحكامه عن أبي داود تعليل الحديث بابي المعتمر.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤٦، ٤٧).\n(^٦) قدَّمنا أن رواية عمر بن خلدة معلَّلة بأبي المعتمر.","vol":"5","page":137},{"text":"المصنف ﵀ هنا، وروايته عن أبي داود، وتضعيف رواية عمر بن خلدة فَلْيُنْظَرْ.\nهذا الحديثُ اشتملَ على مسائلَ:\nالأولى: أنهُ إذا وجدَ البائغ متاعَهُ عندَ مَنْ شراهُ منهُ، وقدْ أفلسَ، فإنهُ أحقُّ بمتاعِه منْ سائرِ الغرماءِ، فيأخذُه إذا كانَ لهُ غرماءُ، وعمومُ قولِه: منْ أدركَ مالَه، يعمُّ مَنْ كانَ لهُ مالٌ عندَ الآخرِ بقرضٍ أو بيعٍ، وإنْ كانَ قدْ وردتْ أحاديثُ مصرَّحة بلفظِ البيعِ، فقدْ أخرجَ ابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ (^١) وغيرُهما الحديثَ بلفظِ: \"إذا ابتاعَ الرجلُ سلعة ثمَّ أفلسَ وهي عندَه بعينها فهوَ أحقُّ بها منَ الغرماءِ\"، فقدْ عرفَ في الأصولِ أن الخاصَّ الموافقَ للعامِّ لا يخصِّصُ العامَّ (^٢) إلا عندَ أبي ثورٍ (^٣)، وقدْ زَّيفُوا ما ذهبَ إليهِ منْ ذلكَ، ولذلكَ ذهبَ الشافعيُّ (^٤) وآخرونَ إلى أن المقرضَ أَوْلى بمالهِ في القرضِ، كما أنهُ أَوْلَى بهِ في البيعِ، وذهبَ غيرُه إلى أنهُ يختصُّ ذلكَ بالبيعِ [لتصريحه] (^٥) بهِ في أحاديثِ البابِ، لكنْ قدْ عرفْتَ أن ذلكَ لا يخص عمومَ حديثِ البابِ.\nالمسألةُ الثانيةُ: أفادَ قولُه بعينِه أنهُ إذا وُجِدَ وقد تغيَّر بصفةٍ منَ الصفاتِ، أو بزيادةٍ، أو نقصانٍ، فإنهُ ليسَ صاحبُه أَوْلَى بهِ بلْ يكونُ أسوةَ الغرماءِ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبتِ الهادويةُ (^٦)، والشافعي (^٧) أنهُ إذا تغيرتْ صفتُه بعيبٍ فللبائعِ أخذُه، ولا أرْشَ لهُ، وإن تغيَّرَ بزيادةٍ كانَ للمشتري غرامةُ تلكَ الزيادةِ وهيَ ما أنفقَ عليهِ حتَّى حصلتْ، وكذلكَ الفوائدُ للمشتري، ولو كانتْ متصلةً لأنَّها إنَّا حدثَتْ في ملكِه، ويلزمُ له قيمةُ ما لا حدَّ لبقائهِ كالشجرةِ إذا غرسَها، وإبقاءِ مالَه حدٌّ بلا أُجرةٍ كالزرعِ، وكذلكَ إذا نقصتِ العين بأن هلك بعضها، فلهُ أخذُ الباقي بحصتهِ منَ الثمنِ. والحديثُ يتناولُه لأنَّ الباقي مبيعٌ بعينهِ.\nالمسألةُ الثالثةُ: دلَّ لفظُ حديث أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ المرسلُ أن البائعَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ٤١٤ رقم ٥٠٣٧).\n(^٢) لأنَّه لا تنافي بين العمل بالخاص وإجراء العام على عمومه.\n(^٣) انظر: \"الإحكام في أصول الأحكام\" للآمدي (٢/ ٣٥٩).\n(^٤) انظر: \"الأم\" (٣/ ٢٠٣).\n(^٥) في (ب): \"للتصريح\".\n(^٦) انظر: \"الاعتصام بحبل اللَّهِ المتين\" (٤/ ٥٠٧).\n(^٧) انظر: \"الأم\" (٣/ ٢٠٧ وما بعدها).","vol":"5","page":138},{"text":"إذا كانَ قدْ قبضَ بعضَ الثمنِ فليسَ له حقٌّ في استرجاعِ المبيعِ، بلْ يكونُ أسوةَ الغرماءِ، وبهذَا أخذَ جمهورُ العلماءِ. وعندَ الهادويةِ (^١)، وهوَ راجحُ قول الشافعيِّ (^٢) أنهُ لا يصيرُ المبيع بقبضِ بعض ثمنهِ أسوةَ الغرماءِ بلِ البائعُ أَوْلَى به، وكأنَّ الشافعيَّ ذهبَ إلى هذا لأنهُ لم يصحَّ له الحديثُ (^٣) المذكور، بلْ قالَ: إنهُ منقطعٌ، فمنْ قالَ بصحةِ الحديثِ وأنهُ موصولٌ قالَ بما قالهُ الجمهورُ، ومَنْ لا فلا. وفي وصْلِه وعدَمِه خِلافٌ منعهم مَنْ رجَّحَ إرسالَهُ، وهمْ أكثرُ الحفاظِ.\nالمسألةُ الرابعةُ: قولُه: \"فإنْ ماتَ المشتري فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ\"، فيه حذفٌ تقديرُه فمتاعُ صاحبِ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ، وهذَا [دل] (^٤) علَى التفرقةِ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وإلى التفرقةِ بينَهما ذهبَ مالكٌ (٥)، وأحمدُ (^٥) عملًا بهذهِ الروايةِ. قالُوا: ولأنَّ الميتَ بَرئَتْ ذِمَّتُه، وليسَ للغرماءِ محلٌّ يرجعونَ إليهِ فاسْتَوَوْا في ذلكَ، بخلافِ المفلسِ، وسواءٌ خَلَّفَ الميتُ وفاءً أوْ لا، وذهبتِ الهادويةُ (^٦) إلى أنهُ إذا خَلَّفَ وفاءَ فليسَ البائعُ أَوْلَى بمتاعه بلْ يسلَّمُ الورثةُ الثَّمنَ منَ [تركته] (^٧)، وحجَّتُهم أنهُ قدْ وردَ في حديثِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ زيادةُ لفظِ (^٨): \"إلا إنْ تركَ صاحبه وفاءً\"، لكنْ قالَ الشافعيُّ (^٩): يحتملُ أن الزيادةَ منْ [رأْي] أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ، وقرينةُ الاحتمالِ أنّ الذينَ وصلُوهُ عنهُ لم يذكرُوا\n_________\n(^١) انظر: \"الاعتصام بحبل اللَّهِ المتين\" (٤/ ٥٠٧).\n(^٢) انظر: الأم (٣/ ٢٠٩).\n(^٣) انظر: \"الأم\" (٣/ ٢١٩)، و\"المعرفة\" (٨/ ٢٤٩).\n(^٤) في (ب): \"دال\".\n(^٥) انظر: \"المغني\" (٤/ ٥٢٦) و\"فتح الباري\" (٥/ ٦٤).\n(^٦) انظر: \"الاعتصام بحبل اللَّهِ المتين\" (٤/ ٥٠٦).\n(^٧) في (ب): \"التركة\".\n(^٨) ذكر هذه الزيادة الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٦٤) ونسبها البيهقي في \"المعرفة\" (٨/ ٢٤٨) للطيالسي وهي في \"منحة المعبود\" (١/ ٢٧٥)، وليست من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن كما أوهم لفظ الشارح.\n(^٩) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٨/ ٢٥٠)، والزيادة التي عناها الشافعي هي: \"فإن مات المشتري فصاحب السلعة أسوة الغرماء\".","vol":"5","page":139},{"text":"قضيةَ الموتِ، وكذلكَ الذينَ رَوَوْهُ عنْ أبي هريرةَ. وذهبَ الشافعيُّ (^١) إلى أنهُ لا فرقَ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وأنَّ صَاحِبَ المتاعِ أَوْلَى بمتاعهِ [لعموم] (^٢): \"مَنْ أدركَ مالَه عندَ رجلٍ\"، الحديثُ المتفقُ عليهِ. قالَ: ولا فرقَ بينَ الموتِ والإفلاسِ، والتفرقةُ بينَهما بروايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمن، وقولُه فيها: فنْ ماتَ فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ، غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّ الحديثَ مرسلٌ لم يصحَّ وصلُه، فلا يُعْمَلْ بهِ بلْ في روايةِ عمرَ بن خلدةَ التسويةُ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وهوَ \"حديثٌ (^٣) حسنٌ يُحْتَجُّ بمثلِه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-866>مطل الغني ظلم</span>\n٢/ ٨١٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالنَّسَائِيُّ (^٥)، وَعَلَّقَهُ الْبُخارِيُّ (^٦)، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ (^٧). [حسن]\n(وعنْ عمرو بن الشريدِ - ﵁ -) بفتحِ الشينِ المعجمةِ، وكسرِ الراءِ، تابعيٌّ سمعَ ابنَ عباس [وغيرَه] (^٨)، (عنْ أبيهِ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ: ليُّ) بفتحِ اللامِ، ثمَّ مثناةٍ تحتيةٍ مشددةٍ، مصدرُ لوىَ يَلْوي أي مَطَلَ أضيفَ إلى فاعلِه، وهوَ (الواجدِ) بالجيمِ الغني، منَ الوُجْدِ بالضمِّ، أي: القدرةِ (يُحِلُّ) بضمِّ حرف المضارعَةِ (عرضَه وعقوبَتَهُ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وعلَّقهُ البخاري، وصحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ)،\n_________\n(^١) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٨/ ٢٤٨).\n(^٢) في (ب): \"عملًا بعمومِ\".\n(^٣) قال هذه الجملة الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٦٤) كما قدمنا النقل عنه.\n(^٤) في \"سننه\" (٣٦٢٨).\n(^٥) في \"سننه\" (٤٦٨٩، ٤٦٩٥).\n(^٦) بلفظ: \"ويذكر عن النبي ﷺ … \" في \"صحيحه\" (٥/ ٦٢ باب رقم ١٣).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٨٦ رقم ٥٠٨٩ \"الإحسان\").\nوأخرجه: ابن ماجه (٢/ ٨١١ رقم ٢٤٢٧)، وأحمد (٤/ ٢٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩)، والحاكم (٤/ ١٠٢)، وصحَّحه ووافقه الذهبي، والبيهقي (٦/ ٥١)، وحسَّنه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٦٢) وكذا الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٦٩١ رقم ٣٠٨٦).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"5","page":140},{"text":"وأخرجهُ أحمدُ، وابنُ ماجه، والبيهقيُّ، وفسَّرَ البخاريُّ (^١) حلَّ العِرضِ بما علَّقه عنْ سفيانَ قال: يقولُ مَطَلَني، وعُقوبته حَبْسُهُ، وهوَ دليلٌ لزيدِ (^٢) بن عليٍّ أنهُ يُحْبَسُ حتَّى يَقْضي دَيْنَهُ. وأجازَ الجمهورُ الحجْرَ وبيعَ الحاكم عنهُ مالَه، وهذا أيضًا داخلٌ تحتَ لفظِ عقوبتِه، لا سيَّما وتفسيرُها بالحبْسِ [غيرُ] (^٣)، مرفوعٍ. ودلَّ الحديثُ على تحريمُ مُطْلِ الواجدِ، ولِذا [أبيحتْ] (^٤) عقوبتُه، وإنَّما اختلفَ العلماءُ هل يبلغُ لَيّ الواجد الكبيرةَ فيفسُقُ، وتُرَدُّ شهادتُه بمطلِه مرةً واحدةً أمْ لا؟ فذهبتِ الهادويةُ (^٥) إلى أنهُ يفسُقُ بذلكَ، واختلفوا في قدْرِ ما يفسقُ بهِ، فقالَ الجمهورُ منْهم: إنَّهُ يفسقُ بمطلِ عشرةِ دراهمَ فما فوقَ قياسًا على نصابِ السرقةِ، وفي كلامِ الهادي ﵇ ما يقضي بأنهُ يفسقُ بدونِ ذلكَ، وكذلكَ ذهبتْ إلى هذَا المالكية (^٦) والشافعيةُ (^٧) إلا أنَّهم تردَّدُوا في اشتراطِ التكرارِ، ومُقْتَضَى مذهبِ الشافعي اشتراطُه، ثمَّ يدلُّ بمفهومِه على أنَّ مُطْلَ غيرِ الواجدِ وهوَ المعسِرُ لا يحلُّ عرضُه ولا عقوبتُه، والحكمُ كذلكَ عندَ الجماهيرِ، وهو الذي دلَّ له قولُه تعالى: ﴿فَنَظِرةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-867>الحجر على المدين</span>\n٣/ ٨١٧ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَأَفْلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"تَصَدَّقُوا عَلَيهِ\"، فتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلك وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: \"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ الَّا ذلِكَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) في ترجمة باب في \"صحيحه\" (٥/ ٦٢ باب ١٣)، وقد وصله البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٥١).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٩١).\n(^٣) في (ب): \"ليس\".\n(^٤) في (ب): \"أبيح\".\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٨٩).\n(^٦) انظر: \"المنتقى\" لأبي الوليد الباجي (٥/ ٦٦).\n(^٧) انظر: \"معالم السنن\" (٥/ ٢٣٧).\n(^٨) سورة البقرة: الآية ٢٨٥.\n(^٩) في \"صحيحه\" (١٨/ ١٥٥٦).\nوأخرجه أبو داود (٣٤٦٩)، والترمذي (٦٥٥)، والنسائي (٤٥٣٠)، وابن ماجه (٢٣٥٦)، والبيهقي (٦/ ٥٠).","vol":"5","page":141},{"text":"(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قال: أصيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكثُرَ دَيْنُهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ: تصدَّقُوا عليهِ، فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، ولم يبلغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِه، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لغرمائهِ: خذُوا ما وجدتُم، وليسَ لكمْ إلا ذلكَ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ (^١) في [الجمع بين] (^٢) هذا الحديثِ، وحديثِ جابرٍ (^٣). وقولُه: \" [فليس] (^٤) لكَ أنْ [تأخذَهُ] (^٥) \"، بأنَّ هذَا على جهةِ الاستحبابِ والحثِّ على جَبْرِ منْ حَدَثت عليه حادثة. ويدلُّ [له] (^٦) أيضًا قولُه: \"وليسَ لكَمْ إلَّا ذلكَ\" على أن الثمرةَ غيرُ مضمونةٍ، إذْ لو كانتْ مضمونةً لقالَ: وما بقيَ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ، ونحوَه، إذِ الدَّيْنُ لا يسقطُ بإعسارِ المَدِيْنِ، وإنَّما تتأخرُ عَنهُ المطالبةُ في الحالِ، ومتَى أيسرَ وجبَ عليهِ القضاءُ.\n٤/ ٨١٨ - وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ في دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيُّ (^٧)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٨) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩) مُرْسَلًا، وَرُجّحَ إِرْسَالَهُ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن كعب [بن مالكٍ] (^١٠) (اسمُه عبدُ الرحمنِ، سمَّاهُ عبدُ الرزاقِ (^١١) (عنْ أبيهِ أن النبِيَّ ﷺ حجَرَ على معاذٍ مالَه وباعَه في دَيْنٍ كانَ عليهِ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ. وأخرجَه أبو داودَ مرسلًا، ورُجِّحَ إرسَالَهُ) قالَ عبدُ الحقِّ (^١٢):\n_________\n(^١) انظر: شرح الحديث رقم (٦/ ٨٠٥) من كتابنا هذا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أخرجه مسلم، انظر: رقم (٦/ ٨٠٥) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (ب): \"فلا يحل\".\n(^٥) في (أ): \"تأخذ\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"سننه\" (٤/ ٢٣٠ رقم ٩٥).\n(^٨) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٨)، (٣/ ٢٧٣)، وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٩) في \"المراسيل\" (ص ١٦٢ رقم ١٧١، ١٧٢).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٤٨، ٥٠)، وعبد الرزاق (٨/ ٢٦٨ رقم ١٥١٧٧).\nوالحديث ضعيف وقد ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٦٠ رقم ١٤٣٥).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) في المصنف (٨/ ٢٦٨ رقم ١٥١٧٧)، وقال أبو داود في \"المراسيل\" (ص ١٦٢): سمَّاه ابن داود: عبد الرحمن اهـ. وهو محمد بن داود بن سليمان راوي الحديث عن عبد الرزاق.\n(^١٢) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٣٧).","vol":"5","page":142},{"text":"المرسلُ أصحُّ منَ المتصلِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ (^١) في الأحكامِ: هوَ حديثٌ ثابتٌ، كانَ ذلكَ في سنةِ تسعِ، وجعلَ لغرمائِه خمسةَ أسباعِ حقوقِهم، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، بعْه لنا، فقالَ: \"ليسَ لكم إليهِ سبيلٌ\" (^٢). وأخرجَهُ البيهقي منْ طريقِ الواقدي، وزادَ (^٣) أنّ النبيَّ ﷺ بعثَه بعدَ ذلكَ إلى اليمنِ ليجبرَه. والحديثُ دليلٌ على أن الحاكمَ يحجرُ على المدينِ التصرفَ في مالهِ، ويبيعُه عنهُ لقضاءِ غرمائِه، والقولُ بأنهُ حكايةُ فعلٍ غيرُ صحيحٍ، فإنَّ هذَا فعلٌ لا يتمُّ إلا بأقوالٍ تصدرُ عنهُ - ﷺ - يحجرُ بها تصرفَه، وألفاظ يبيعُ بها مالَه وألفاظ يقضي بها غرماءَه، وما كان بهذِه المثابةِ لا يقالُ إنهُ حكايةُ فعلٍ، إنَّما حكايةُ الفعلِ مثلُ حديثِ (^٤): \"خَلَعَ نعلَه فَخَلَعُوا نِعَالَهم\" كما لا يخْفَى. وظاهرُ الحديثِ أن مالَه كانَ مُسْتَغْرَقًا بالدَّيْنِ، فهلْ يلحقُ بهِ مَنْ لمْ يستغرقْ مالَه في الحجْرِ والبيعِ عنهُ كالواجدِ إذا مَطَلَ؟ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالَ جمهورُ الهادويةُ (^٥) والشافعيُّ (^٦): إنهُ يلحقُ بهِ فيحجرُ عليه، ويباعُ مالُه لأنهُ قدْ حَصَلَ المقتضي لذلكَ، وهوَ عدمُ المسارعةِ بقضاءِ الدَّينِ. وقالَ زيدُ (^٧) بنُ عليٍّ، والحنفيةُ (^٨): إنهُ لا يلحقُ بهِ فلا يحجرُ عليهِ، ولا\n_________\n(^١) كذا في المخطوط والمطبوع: \"ابن الصلاح\" وفي \"التلخيص\": \"ابن الطلَّاع\"، والذي يبدو أنه الصواب وهو محمد بن الفرج القرطبي المالكي مولى محمد بن يحيى بن الطَّلَّاع المعروف بالطلَّاعي، وله كتاب في أحكام النبي ﷺ، توفي سنة ٤٩٧، راجع: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ١٩٩ رقم ١٢١).\n(^٢) إلى هنا انتهى كلام ابن الطَّلاع كما في \"التلخيص\"، والرواية التي ساقها في \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٥٠) بدون ذكر السنة من طريق محمد بن عمر حدثني عيسى بن النعمان عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد الله قال: كان معاذ بن جبل من أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خلقًا و… إلى أن ذكره، ومحمد بن عمر هو الواقدي متروك مع سعة علمه كما قال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٩٤).\n(^٣) زاد هذه الزيادة عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٢٦٨ رقم ١٥١٧٧).\n(^٤) سبق تخريجه رقم (١٣/ ٢٠٥) من كتابنا هذا.\n(^٥) انظر: \"الاعتصام بحبل الله المتين\" (٤/ ٥٠٨).\n(^٦) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ١٣٧).\n(^٧) انظر: \"الاعتصام بحبل الله المتين\" (٤/ ٥١٠).\n(^٨) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٦).","vol":"5","page":143},{"text":"يباعُ عنهُ بلْ يجبُ حبسهُ حتَّى يقضي دينَه لحديثِ (^١): \"إنهُ لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبةٍ منْ نفسهِ\"، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (^٢). ومقْتَضَى الحجْر والبيعِ إخراجُ المالِ منْ غيرِ طيبةٍ منْ نفسه ولا رِضًا.\nوالجوابُ عنهُ بأنَّ الحديثَ والآيةَ عامَّانِ خُصِّصَا بحديثِ معاذٍ لا يتمُّ؛ لأنَّ حديثَ معاذٍ ليسَ إلا في المستغرِقِ مالَه بِدَينْهِ، والكلامُ في غيرهِ، وهوَ الواجدُ الماطلُ، فالأَوْلَى أنْ يُقَالَ إنهما خُصِّصَا بقياسِ الماطلِ الواجدِ على من [يستغرق] (^٣) دَيْنُه مالَه، إلا أنهُ لا يخْفَى عدمُ نهوضِ القياسِ. نعمْ في حديثِ (^٤): \"ليُّ الواجدِ يحلُّ عرضُه وعقوبتُه\" دليلٌ على أنهُ يُحْجَرُ عليهِ، ويباعُ عنهُ مالُه، فإنه داخلٌ تحتَ مفهومِ العقوبةِ، وتفسيرُها بالحبْسِ فقطْ مجردُ رأي مِنْ قائلِه. هذا وقدْ حكمَ عمرُ - ﵁ - في أسيفعِ جهينةَ كحكمِه - ﷺ - في معاذٍ، فأخرجَ مالًا في \"الموطأ\" (^٥) بسندٍ منقطعٍ، ورواهُ الدارقطني (^٦) في غرائبِ مالكٍ بإسنادٍ متصلٍ: \"أن رجلًا منْ جُهينةَ كانَ يشتري الرواحلَ، فيغالي فيها، فيسرعُ المسيرَ فيسبقُ الحاجَّ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢)، والدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩٢)، والبيهقي (٦/ ١٠٠) من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي حرة الرقاشي عن عمه مرفوعًا، وعلي فيه ضعيف.\nوأخرجه أيضًا أحمد (٣/ ٤٢٣)، والدارقطني (٣/ ٢٥، ٢٦، رقم ٨٩، ٩٠)، والبيهقي (٦/ ٩٧) من حديث عمرو بن يثربي مرفوعًا.\nوفي الباب من حديث أبي حميد الساعدي أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٥)، والبيهقي (٦/ ١٠٠)، وابن حبان (١٣/ ٣١٦ رقم ٥٩٧٨ \"الإحسان\"). ومن حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٥ رقم ٨٧) وضعَّفه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٦). ومن حديث ابن عمر بلفظ: \"لا يحلبنَّ أحد ماشية أحد بغير إذنه\"، وهو متفق عليه وتقدم أثناء شرح حديث رقم (٤٢/ ٧٧٧) من كتابنا هذا. ومن حديث أنس أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩١) وضعفه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٦). ومن حديث عبد اللهِ بن مسعود أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩٤)، وأخرجه البزار كما ذكر الحافظ في \"التلخيص\" وقال: حديث أبي حميد أصح ما في الباب. اهـ، يعني سوى حديث ابن عمر المتفق عليه.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٢٩.\n(^٣) في (ب): \"استغرق\".\n(^٤) تقدم تخريجه برقم (٢/ ٨١٦) من كتابنا هذا.\n(^٥) (٢/ ٧٧٠ رقم ٨).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٤٩) وإسناده ضعيف، ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٦٢ رقم ١٤٣٦).\n(^٦) انظر: \"التلخيص الحبير\" للحافظ ابن حجر (٣/ ٤١).","vol":"5","page":144},{"text":"فأفلسَ فَرُفِعَ أمرُه إلى عمرَ [بن الخطابِ] (^١) فقالَ: أما بعدُ: أيها الناسُ، فإنَّ الأسيفعَ أُسيْفعَ جهينةَ قدْ رَضيَ [من] (^٢) دينِه وأمانتِه أنْ يُقَالَ سبقَ الحاجَّ، وفيهِ: إلَّا أنهُ أدانَ (^٣) معرِضًا فأصبحَ وقدْ رِين (^٤) بهِ - أي أحاطَ بهِ الدَّيْنُ - فمنْ كانَ له عليهِ دينٌ فليأتِنا بالغداةِ فنقسمُ مالَهُ بينَ غرمائهِ، وإياكمْ والدين، فإنَّ أولَه همٌّ وآخرَه حربٌ\"، انتَهى. وأما قصةُ جابرٍ (^٥) معَ غرماءِ أبيهِ، وهي أنهُ لما قُتِلَ أبوهُ في أُحُدٍ وعليهِ دَيْنٌ فاشتدَّ الغرماءُ في حقوقِهم، قالَ: \"فأتيتُ النبيَّ ﷺ فسألَهم أنْ يقبلُوا ثمرَ حائطي، ويحلِّلُوا أبي فلمْ يعْطِهمُ النبي ﷺ حائطي، وقالَ: سنغدو عليكَ فَغَدا علينا حينَ أصبحَ فطافَ في النخلِ، ودَعَا في ثمرِها بالبركةِ فجذذْتها فقضيتُهم، وبقي لنا منْ ثمرها\". فإنَّ فيها دليلًا على أنّ انتظارَ الغلةِ والتمكنَ منْها لا يعدُّ مُطلًا. قيلَ ويؤخذُ [منه] (^٦) أن مَنْ كانَ له دخلٌ ينظرُ إلى دخْلهِ وإنْ طالتْ مدَّتُه، إذْ لا فرقَ بينَ المدةِ الطويلةِ والقصيرةِ في حقِّ الآدمي، ومَنْ لا دخلَ لهُ لا يُنْظَرُ، ويبيعُ الحاكمُ مالَه لأهلِ الدَّيْنِ. نعمْ وأما الحجْرُ على البالغِ لسفهٍ، وسوءِ تصرفٍ فقالَ به الشافعي (^٧)، ولمْ يقلْ بهِ زيدُ بنُ عليٍّ، ولا أبو حنيفةَ (^٨). وبوَّبَ لهُ البيهقيُّ في السننِ الكبرى (^٩) بابُ الحجْرِ على البالغينَ بالسَّفَهِ، وذكرَ فيه بسندِه (^١٠): \"أن عبدَ اللَّهِ بنَ جعفرَ اشتَرى أرضًا بستمائةِ ألفِ درهمٍ، فهمَّ عليٌّ وعثمانُ أن يحجُرا عليهِ، قالَ: فلقيتُ الزبيرَ فقالَ: ما اشترى أحدٌ بيعًا أرخصَ مما اشتريتَ. قالَ: فذكرَ [له] (^١١) عبدُ اللَّهِ الحجْرَ، قالَ: لو أن عندي مالًا\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في المخطوط: \"عن\"، والتصويب من \"الموطأ\" والمطبوع.\n(^٣) في المخطوط (أوب) والمطبوع و\"التلخيص\": \"أدان\"، وفي \"الموطأ\": \"دان\".\n(^٤) في المطبوع: \"دين\" بالدال، وفي المخطوط و\"الموطأ\" و\"التلخيص\": \"ران \" بالراء.\n(^٥) أخرجها البخاري (٢٣٩٥)، وأبو داود (٢٨٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٤٤)، وابن ماجه (٢٤٣٣)، وأحمد (٣/ ٣٩٨) وغيرهم بألفاظ متعددة.\n(^٦) في (ب): \"منها\".\n(^٧) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ١٨٠).\n(^٨) انظر: \"المبسوط\" (٢٤/ ١٥٩).\n(^٩) (٦/ ٦١).\n(^١٠) وأخرجه الشافعي (٢/ ٩٩ \"بدائع المنن\")، وعزاه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٣) لأبي عبيد في كتاب الأموال، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٧٣ رقم ١٤٤٩).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"5","page":145},{"text":"لشاركْتُكَ. قالَ: فإني أقرضُك نصفَ المالِ، قالَ: فإني شريكُكَ، فأتاهُما عليٌّ وعثمانُ وهما يتراوضانِ، قَالا: ما تراوضانِ؟ فذكَرا لهُ الحجْرَ على عبدِ اللَّهِ بن جعفر فقال: أتحجرانِ على رجلٍ أنا شريكهُ؟ قالا: لا لعمري، قالَ: فإني شريكُه\". وفي روايةٍ قالَ عثمانُ: \"كيفَ أحجرُ على رجلٍ في بيعٍ شريكُه فيهِ الزبيرُ\". قالَ الشافعي (^١): فَعَلي لا يطلبُ الحجْرَ إلا وهوَ يراهُ، والزبيرُ لو كانَ الحجرُ باطلًا لقالَ لا يحجرُ على بالغٍ، وكذلك عثمانُ، بلْ كلُّهم يعرفُ الحجْرَ ثمَّ ساقَ (^٢) حديثَ عائشةَ وإرادةُ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ الحجرَ عليها، وغيرُ ذلكَ منَ الأدلةِ منْ أفعالِ السلفِ، ويستدلُّ لهُ بالحديثِ (^٣) الصحيحِ، وهوَ النَّهيُ عنْ إضاعةِ المالِ؛ فإنَّ السَّفيهَ يضيعُه بسوءِ تصرُّفِهِ فيجبُ الإنكارُ عليهِ بحجرِه [عنهُ] (^٤). قالَ النوويُّ (^٥): والصغيرُ لا ينقطعُ عنهُ حكمُ اليتمِ بمجردِ علوِّ السنِّ، ولا بمجردِ البلوغِ، بلْ لا بدَّ أنْ يظهرَ منه الرشْدُ في دِيْنهِ ومالهِ. وقالَ أبو حنيفةَ (^٦): إذا بلغَ خمسًا وعشرينَ سنةً يجبُ تسليمُ مالِه إليهِ، وإنْ كانَ غيرَ ضابطِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-868>أمارات البلوغ</span>\n٥/ ٨١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ٦١).\n(^٢) يعني البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٦١، ٦٢)، وأخرجه البخاري (١٠/ ٤٩١ رقم ٦٠٧٣، ٧٠٧٥)، وأحمد (٤/ ٣٢٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٤٧٧) وأطرافه في (٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢)، ومسلم (٥٩٣) من حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا وفي الباب عن غيره.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ١٧٧، ١٧٨).\nوانظر: \"نهاية المحتاج\" (٤/ ٣٥٧) لشمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد الرَّملي المصري الأنصاري الشهير بالشافعي الصغير المتوفى سنة (١٠٠٤).\n(^٦) انظر: المبسوط (٢٤/ ١٦١).\n(^٧) البخاري (٤٠٩٧)، ومسلم (٩١/ ١٨٦٨).=","vol":"5","page":146},{"text":"وَفي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقيِّ (^١): فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: عُرِضْتُ على النبيِّ - ﷺ - يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عَشْرَةَ سنةً فلم يُجِزْنِي، وعُرِضْتُ عليهِ يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً فأجازنِي. متفقٌ عليهِ. وفي رواية للبيهقيِّ: فلمْ يجزني ولمْ يرني بلغتُ، وصحَّحَها ابنُ خزيمةُ). وجْهُ ذكرِ الحديثِ هُنا أن مَنْ لم يبلغْ خمس عَشْرَةَ سنةً لا تنفذُ تصرفاتُه منْ بيع وغيرهِ، ومعنَى قولِه: لم يجزني، لم يجعلْ لي حكمَ الرجالِ [المقاتلين] (^٢) في إيجابِ الجهادِ عليَّ وخروجي معهُ. وقولِه: فأجازني أي رآني فيمنَ يجبُ عليهِ الجهادُ، ويؤذنْ لهُ في الخروجِ إليهِ. وفيهِ دليلٌ على أن من استكملَ خمسَ عشْرَةَ سنةً صارَ مكلَّفًا بالغًا، لهُ أحكامُ الرجال وعليه، ومَنْ كانَ دونَها فلا. ويدلُّ لهُ قولُه فلمْ يرني بلغتُ، وناقشَ في الاستدلالِ بهِ بعض المتأخرينَ على البلوغ قائلًا إنَّ الإذنَ في الخروجِ للحروب يدورُ على الجَلادةِ والأهليةِ، فليسَ في ردِّهِ دليلٌ على أنهُ لأجل [عدم] (^٣) البلوغِ، وفهمُ ابن عمرَ ليسَ بحجةٍ.\nقلتُ: وهوَ احتمالٌ بعيدٌ والصحابيُّ أعرفُ بما رواهُ. وفيه دليلٌ على أن الخندقَ كانتْ سنةَ أربعٍ من الهجرة، والقولُ بأنها سنةَ خمسٍ يردُّه هذا الحديثُ [و] (^٤) لأنَّهم أجمعوا (^٥) أنَّ أُحُدًا كانتْ سنةَ ثلاثٍ.\n٦/ ٨٢٠ - وَعَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظيِّ ﷺ قَالَ: عُرضْنَا عَلَى النَّبيِّ - ﷺ - يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلي. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٦)،\n_________\n= وأخرجه: أبو داود (٢٩٥٧، ٤٤٠٦)، والترمذي (١٣٦١)، والنسائي (٣٤٣١)، وابن ماجه (٢٥٤٣)، وأحمد (٢/ ١٧)، والبيهقي (٦/ ٥٤، ٥٥)، (٨/ ٢٦٤)، (٣/ ٨٣).\n(^١) لم أجد هذا اللفظ في \"السنن الكبرى\" له، وإنما فيه (٦/ ٥٥): \"فلم يجزني في المقاتلة\"، وأيضًا فيه: \"فاستصغرني وردَّني مع الغلمان\".\n(^٢) في (أ): \"المتقاتلين\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٣٤٦).\n(^٦) أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والنسائي (٣٤٢٩، ٣٤٣٠)، والترمذي (١٥٨٤) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٥٤١).","vol":"5","page":147},{"text":"وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١)، وَالْحَاكِمُ (^٢)، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. [صحيح]\n(وعنْ عطيةَ القرظيِّ - ﵁ -) بضمِّ القاف، فراءٍ، نسبةً إلى بني قُرَيْظَةَ (قالَ: عُرِضْنا على النبي ﷺ يومَ قريظةَ، فكانَ مَنْ أنبتَ قُتِلَ، ومَنْ لا ينْبِتْ خلَّى سبيلَه، فكنتُ ممنْ لم يُنْبِتْ فخلَّى سبيلي. رواهُ الأربعة، وصحَّحَهُ ابن حبانَ، والحاكمُ، وقالَ: على شرط الشيخينِ)، وهوَ كما قالَ، إلا أنَّهما لم يُخْرِجَا لعطيةَ (^٣). والحديثُ دليلٌ على أنهُ يحصلُ بالإنباتِ البلوغُ فتجري على مَنْ أنْبَتَ أحكامُ المكلفينَ ولعلَّه إجماعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-869>تصرف المرأة في مالها</span>\n٧/ ٨٢١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\".\nوَفي لَفْظٍ: \"لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمرٌ في مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عصْمَتَهَا\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وأَصْحَابُ (^٥) السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n(عن عمروِ بنَ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا [تجوز] (^٧) لامرأةٍ عطيةٌ إلَّا بإذنِ زوجها. وفي لفظٍ: لا يجوز للمرأةِ أمرٌ في مالِها إذا ملكَ زوجُها عصمتَها. رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السننِ إلَّا الترمذيّ، وصحَّحهُ الحاكمُ). قالَ الخطابيُّ (^٨): حملَهُ الأكثرُ على حسنِ العشرةِ، واستطابةِ النفسِ، أو يحملُ على\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ١٠٣ رقم ٤٧٨٠ وما بعده \"الإحسان\").\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ١٢٣)، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه: أحمد (٤/ ٣٨٣)، (٥/ ٣١١)، والبيهقي (٦/ ٥٨) وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٨٣٣ رقم ٣٧٠٤).\n(^٣) كذا قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٢) وزاد: وماله إلا هذا الحديث الواحد.\n(^٤) في \"مسنده\" (٢/ ١٧٩، ١٨٤، ٢٠٢).\n(^٥) أبو داود (٣٥٤٦، ٣٥٤٧)، والنسائي (٢٥٤٠)، وابن ماجه (٢٣٨٨).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وقد حسَّنه المحدث الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" رقم (٨٢٥).\n(^٧) في (ب): \"يجوز\".\n(^٨) ذكره في \"معالم السنن\" (٥/ ١٩٤ - مع مختصر أبي داود).","vol":"5","page":148},{"text":"غيرِ الرشيدةِ. وقدْ ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ (^١) للنساءِ: \"تصدَّقْنَ\"؛ فجعلتِ المرأةُ تلقي القِرْط، والخاتمَ، وبلالٌ يتلقاهُ بردائِه، وهذه عطيةٌ بغيرِ إذْنِ الزوجِ. انتهى. وهذَا مذهبُ الجمهورِ مستدلينَ بمفهوماتَ الكتابِ والسنةِ، ولم يذهبْ إلى معنَى الحديثِ إلَّا طاوسُ (^٢) فقالَ: إنَّ المرأةَ محجورةٌ عنْ مالِها إذا كانتْ مزوجةً إلا فيما أَذِنَ لها فيهِ الزوجُ. وذَهَبَ (^٣) مالكٌ إلى أنْ تصرُّفَها منَ الثلثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-870>من تحل له المسألة</span>\n٨/ ٨٢٢ - وَعَنْ قَبيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأَحَدِ ثلاثة: رَجُل تَحَمّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يصِيبَها، ثُم يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُولَ ثَلاثةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ قبيصة) بفتحِ القافِ، فموحدةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ، فصاب مهملةٍ (ابن مخارقٍ) بضمِّ الميمِ، فخاءٍ معجمةٍ، فراءٍ مكسورةٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٍ تحمَّلَ حمالةً) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وتخفيفِ الميمِ، (فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يصيَبها، ثمَّ يمسك، ورجلٍ أصابتْه جائحةٌ اجتاحتْ مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَ قوامًا منْ عيشٍ، ورجلٍ أصابتْه فاقةٌ حتَّى يقومَ ثلاثةٌ منْ ذوي الحِجَا منْ قومِه قائلين: لقدْ [أصابت] (^٥) فلانًا فاقة فحلَّتْ لهُ المسألةُ. رواهُ مسلمٌ).\nقدْ تقدَّمَ بلفظهِ في بابِ قسمةِ الصدقاتِ، ولعلَّ إعادتَهُ هنا أن الرجلَ الذي تحمَّلَ حمالةً قدْ لزِمَهُ دَيْنٌ فلا يكونُ لهُ حكمُ المفلِسِ في الحجْرِ عليهِ، بلْ يُتْرَكُ حتَّى يسألَ الناسَ فيقضي دينَه، وهذا يستقيمُ على القواعدِ إذا لم يكنْ قدْ ضمنَ ذلكَ المالَ.\n_________\n(^١) صحَّ من رواية أبي سعيد الخدري أخرجه البخاري (٣٠٤) وأطرافه (١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨)، ومسلم (٨٠). ومن رواية عبد الله بن عمر - ﵄ - أخرجه مسلم (١/ ٨٦ رقم ٧٩).\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣١١).\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٠٩).\n(^٤) سبق تخريجه برقم (٣/ ٦٠٥) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (أ): \"أصاب\".","vol":"5","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-871>[الباب السابع] باب الصلح</span>\nقدْ قسَّمَ العُلَماءُ الصُّلْحَ أقسامًا، صُلحَ المسلمِ معَ الكافرِ، والصلحَ بينَ الزوجينِ، والصلحَ بينَ الفئةِ الباغيةِ والعادلةِ، والصلحَ بينَ المتقاضيينِ، والصلحَ في الجراحِ كالعفوِ على مالٍ، والصلحَ لقطعِ الخصومةِ إذا وقعتْ في الأملاكِ والحقوقِ، وهذا القسْمُ هوَ المرادُ هنا وهوَ الذي يذكرُه الفقهاءُ في بابِ الصلحِ.\n١/ ٨٢٣ - عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. والْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حلالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١) وصَحّحَهُ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، لأَنَّ رَاوِيهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. [صحيح لغيره]\n- وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. [صحيح لغيره]\n_________\n(^١) في \"سننه\" (١٣٥٢).\nوأخرجه: ابن ماجه (٢٣٥٣)، والحاكم (٤/ ١٠١)، والدارقطني (٣/ ٢٧ رقم ٩٨)، والبيهقي (٦/ ٧٩).\nقلت: فيه كثير بن عبد الله هذا مجمع على ضعفه، وقد قال ابن حجر في \"التقريب\" (٢/ ١٣٢ رقم ١٧): ضعيف، منهم من نسبه إلى الكذب\". وسكت الحاكم عليه، وقال الذهبي: واه. وله شواهد بيَّنتها في تحقيق \"بداية المجتهد\" (٤/ ٨٩، ٩٠). وقد قال المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٤٥ - ١٤٦): وجملة القول أن الحديث بمجموع هذه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره. اهـ.\n(^٢) في \"صحيحه\" (ص ٢٩١ رقم ١١٩٩ - الموارد). =","vol":"5","page":150},{"text":"(عنْ عَمْروِ بن عَوْفٍ المزنيِّ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الصُّلحُ جائزٌ بينَ المسلمينَ إلَّا صُلْحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا، والمسلمونَ)، وفي لفظ لأبي (^١) داودَ: والمؤمنونَ (^٢) (على شروطِهم، إلَّا شَرْطًا حرَّمَ حلالًا، أو أحلَّ حرامًا. رواهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ، وأنكرُوا عليهِ لأنهُ منْ روايةِ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن عوفٍ، وهوَ ضعيفٌ) كذَّبهُ الشافعيُّ، وتركَهُ أحمدُ. وفي الميزانِ (^٣) عن ابن حبانَ: لهُ عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ نسخةٌ موضوعةٌ. وقالَ الشافعي وأبو داودَ: هوَ ركنٌ منْ أركانِ الكذبِ، واعتذَر المصنِّفُ للترمذي بقوله: (وكأنهُ اعتبَرهُ بكثرةِ طُرُقِهِ. وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ منْ حديثِ أبي هريرةَ). فيهِ مسألتانِ:\nالأُولى: في أحكامِ الصُّلحِ: وهوَ أن وضْعَهُ مشروطٌ فيهِ المراضاةُ لقولِه جائزٌ أي أنهُ ليسَ بحكمٍ لازمٍ يقضي بهِ وإنْ لمْ يرضَ بهِ الخصمُ، وهوَ جائزٌ أيضًا بينَ غيرِ المسلمينِ منَ الكفارِ، فتعتبرُ أحكامُ الصُّلْحِ بينَهم، وإنَّما خَصَّ المسلمينِ بالذكرِ لأنَّهم المعْتَبَرُونَ في الخطابِ المنقادونَ لأحكامِ السنةِ والكتابِ، وظاهرُه عمومُ صِحةِ الصُّلْحِ سواءٌ كانَ قبلَ اتضاحِ الحقِّ للخصمِ أو بعدَهُ، ويدلُّ للأولِ قصةُ (^٤)\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٩٤)، وابن الجارود (رقم ٦٣٧ و٦٣٨)، والدارقطني (٣/ ٢٧ رقم ٩٦)، والحاكم (٢/ ٤٩)، والبيهقي (٦/ ٦٤، ٦٥)، وأحمد (٢/ ٣٦٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٨٨) كلهم من حديث كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين زاد بعضهم: \"إلا صلحًا حرم حلالًا وأحلَّ حرامًا\".\nقال الحاكم: \"رواة هذا الحديث مدنيون\"، فلم يصنع شيئًا!!\nولهذا قال الذهبي: \"لم يصحِّحه، وكثير ضعفه النَّسَائِي وقوَّاه غيره، وقال ابن حجر في \"التقريب\" (٢/ ١٣١ رقم ١١): \"صدوق يخطئ\".\nقلت: لم يتفرد به، وحديث الباب يشهد له.\n(^١) في (ب): \"أبي\".\n(^٢) كذا في المخطوط والمطبوع: \"والمؤمنون\"، وفي رواية أبي داود التي بين أيدينا (٣٥٩٤) \"والمسلمون\"، ولم أجد غيرها فيه والله أعلم. ثم وجدت الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٢٣ رقم ١١٩٥) قد نقل عن الرافعي: \"والمؤمنون … \" أبو داود، فالذي يبدو أن الشارح قد نقلها منه ولكن قال الحافظ في آخر تخريجه: (تنبيه) الذي وقع في جميع الروايات: المسلمون بدل: المؤمنون. اهـ.\n(^٣) \"ميزان الاعتدال\" للذهبي (٣/ ٤٠٦ رقم ٦٩٤٣)، وانظر: \"التهذيب\" (٨/ ٣٧٧ رقم ٧٥٣).\n(^٤) وهي كما كان يُحدِّث الزبير أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - =","vol":"5","page":151},{"text":"الزبيرِ والأنصاريِّ، فإنهُ - ﷺ - لم يكنْ قدْ أبانَ للزبيرِ ما يستحقه، وأمرَهُ أنْ يأخذَ بعضَ ما يستحقُهُ على جهة الإصلاحِ، فلمَّا لم يقبلِ الأنصاريُّ بالصلحِ وطلبَ مُرَّ الحقّ أبانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للزبيرِ قدْرَ ما يستحقه، كذا قاله الشارحُ. والثابتُ أن هذا ليسَ منَ الصُّلْحِ معَ الإنكارِ، بلْ منَ الصلحِ معَ سكوتِ المدَّعَى عليهِ، وهيَ مسألةٌ مسْتَقِلَّةٌ، وذلكَ لأنَّ الزبيرَ لم يكنْ عالمًا بالحقِّ الذي لهُ حتَّى يذعن بالصلحِ بلْ هذَا أولُ التشريعِ في قدْرِ السُّقْيا، والتحقيقُ أنهُ لا يكونُ الصلحُ إلَّا هكذَا، وأما بعدَ إبانةِ الحقِ للخصمِ فإنما يُطْلَبُ منْ صاحبِ الحق أن يتركَ لخصمِه بعضَ ما يستحقُّه. وإلى جوازِ الصلحِ على الإنكارِ ذهبَ مالكٌ (١)، وأحمدُ (^٢)، وأبو حنيفةَ (^٣). وخالفَ في ذلكَ الهادويةُ (^٤)، والشافعي (^٥) وقالُوا: لا يصحُّ [الصلحُ] (^٦) معَ الإنكارِ، ومعنَى عدمِ صحتهِ أنهُ لا يطيبُ مالُ الخصمِ معَ إنكارِ المصالحِ، وذلكَ حيثُ يدَّعي عليهِ آخَرُ عَيْنًا أو دَيْنًا فَيُصَالَحُ ببعضِ العينِ أو الدَّيْنِ معَ إنكارِ خَصْمِهِ، فإنَّ الباقي لا يطيبُ لهُ بلْ يجبُ عليهِ تسليمُه لقوله (^٧) - ﷺ -: \"لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبةٍ منْ نفسه\"، وقولُه تعالَى: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ (^٨). وأُجِيْبَ بأنَّها قدْ وقعتْ طِيبةُ النفسِ بالرِّضَا بالصلحِ، وعقدُ الصلحِ قدْ صارَ في حكمِ عقدِ المعاوضةِ، فيحلُّ لهُ ما بقيَ.\n_________\n= في شراج من الحرَّة كانا يستقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري، فلما أحفَظَ الأنصاريُّ رسولَ اللَّهِ ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم.\nأخرجه البخاري (٢٧٠٨) وأطرافه (٢٣٦٠، ٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٤٥٨٥)، ومسلم (١٢٩/ ٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧)، والترمذي (١٣٦٣)، والنسائي (٥٤٠٧)، وابن ماجه (٢٤٨٠). (١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٩٥). بتحقيقنا.\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٤/ ١٠).\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" (٢٠/ ١٣٤).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٩٦).\n(^٥) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ١٩٨).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) انظر تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٤/ ٨١٨) من كتابنا هذا.\n(^٨) سورة النساء: الآية ٢٩.","vol":"5","page":152},{"text":"قلتُ: الأَوْلَى أنْ يُقَالَ إنْ كانَ المدَّعي يعلمُ أن لهُ حقًّا عندَ خَصْمِهِ جازَ لهُ قَبْضُ ما صُولِحَ عليهِ، وإنْ كانَ خصمُه منكرًا، وإنْ كانَ يدعي باطلًا فإنهُ يحرمُ عليهِ الدَّعْوى وأخذُ ما صولحَ بهِ، والمدَّعَى عليهِ إنْ كانَ عندَه حقٌّ يعلمُه، وإنَّما ينكِرُ لغرضٍ وجبَ عليهِ تَسْلِيمُ ما صولحَ بهِ عليهِ، وإنْ كانَ يعلمُ أنهُ ليسَ عندَه حقٌّ جازَ لهُ إعطاءُ جُزْءٍ منْ مالهِ في دَفْعِ شجارِ غريم وأذيتِهِ، وحَرُمَ على المدَّعي أخذُه، وبهذَا تجتمعُ الأدلةُ فلا يقالُ الصلحُ على (^١) الإنكارِ لا يصحُّ، ولا أنه يصحُّ على الإطلاقِ بلْ يُفَصَّلُ فيهِ.\nالمسألةُ الثانيةُ: ما [أفاده] (^٢) قولُه: والمسلمونَ على شروطِهم - أي ثابتون عليها، واقفونَ عندَها. وفي تعديتِه بعَلَى ووصفهِم بالإسلامِ أوِ الإيمانِ دلالةٌ على عُلُوِّ مرتبتِهِمْ، وأنَّهم لا يُخِلُّونَ بشروطِهم، وفيهِ دلالةٌ على لزومٍ الشرطِ إذا شرطَهُ المسلمُ إلا ما استثناهُ في الحديثِ. وللمفرِّعينَ تفاصيلُ في الشروطِ، وتقاسيمُ منْها ما يصحُّ ويلزمُ حكْمُهُ، ومنها ما لا يصحُّ ولا يلزمُ، ومنها ما يصحُّ ويلزمُ منهُ فسادُ العقدِ، وهي هنالكَ مبسوطةٌ بعللٍ ومناسباتِ. وللبخاريِّ في كتابِ الشروطِ (^٣) تفاصيلُ كثيرةٌ معروفةٌ. وقولُه: \"إلَّا شرطًا حرَّمَ حلالًا\"، وذلكَ كاشتراطِ البائعِ أنْ لا يطأ الأمةَ، أو أحلَّ حرامًا مثلَ أنْ يشترطَ وطءَ الأمةِ التي حرَّمَ اللَّهُ [عليهِ] (^٤) وطْأَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>انتفاع الجارد بحائط جاره</span>\n٢/ ٨٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبةً فِي جِدَارِهِ\"، ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللَّهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في المخطوط \"عن\"، وما أثبتناه من المطبوع.\n(^٢) في (ب): \"أفادها\".\n(^٣) كتاب الشروط في \"صحيح البخاري\" (٥/ ٣١٢: ٣٥٤).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) البخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٣٦/ ١٦٠٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥)، ومالك =","vol":"5","page":153},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا يَمْنَعْ) يُرْوَى بالرفعِ على الخبرِ، والجزمِ على النَّهْي (جارٌ جارَه أنْ يغرزَ خشبة) بالإفرادِ، وفي لفظٍ: خشبَهُ بالجمعِ (في جدارِهِ، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: ما لي أراكم عنها معرضينَ؟ واللَّهِ لأرمينَّ بها بين أكنافكم) بالنون (^١) جمْعُ كَنِفٍ - بفتحها - وهو الجانب (متفقٌ عليه).\nوفي [رواية] (^٢) لأبي داود (^٣): فَنَكَسُوا رؤُوسَهم. ولأحمدَ (^٤): حينَ حدَّثهم بذلكَ طأطأوا رؤوسَهم. والمرادُ المخاطبونَ، وهذا قالَهُ أبو هريرةَ أيامَ إمارتِه على المدينةِ في زمنِ مروانَ، فإنهُ كانَ يستخلفُه فيها، فالمخاطبونَ ممنْ يجوزُ أنَّهم جاهلونَ بذلكَ وليْسُوا بصحابةٍ. وقد رَوَى أحمدُ (^٥)، وعبدُ الرزاقِ (^٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"لا ضررَ ولا ضِرارَ، وللرجلِ أنْ يضعَ خشبة في حائطِ جارِه\".\nالحديثُ دليلٌ أنهُ ليسَ للجارِ أنْ يمنعَ جارَهُ منْ وضْع خشبةٍ على جدارِه، وأنهُ إذا امتنعَ عنْ ذلكَ أجْبِرَ لأنهُ حق ثابتٌ لجارِهِ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ (^٧)، وإسحاقُ وغيرُهما من أصحاب الحديث عملًا بالحديثِ، وذهبَ إليهِ الشافعيُّ (^٨) وفي القديم، وقضَى بهِ عمرُ في أيامِ وُفُورِ الصحابةِ، وقالَ الشافعيُّ: إنَّ عمرَ لم يخالفْه أحدٌ منَ الصحابةِ: وهوَ فيما رواهُ مالكٌ (^٩) بسندٍ صحيح: أن الضحاكَ بنَ خليفةَ سألهُ محمدُ بنُ مسلمةَ أنْ يسوقَ خليجًا له فَيُجْرِيَهُ في أرضٍ لمحمدِ بن مَسْلَمَةَ فامتنعَ، فكلَّمهُ عمرُ في ذلكَ فأبَى فقالَ: واللَّهِ ليمرنَّ بهِ ولو على بَطْنِكَ.\n_________\n= (٢/ ٧٤٥ رقم ٣٢)، والبيهقي (٦/ ٦٨)، وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٢٧٤، ٤٤٧).\n(^١) في المطبوع \"بالتاء\" وما أثبتناه من المخطوط.\nقال الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١١١): قال ابن عبد البر: رويناه في \"الموطأ\" بالمثناة وبالنون اهـ.\n(^٢) في (ب): \"لفظ\".\n(^٣) في \"سننه\" (٣٦٣٤) ولكن فيه \"فنكسوا\" فقط.\n(^٤) لم أجد هذا اللفظ في المسند وهو في \"سنن البيهقي الكبرى\" (٦/ ٦٨).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٣١٣).\n(^٦) عزاه إليه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٤).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٣٠٢ رقم ١١٨٠٦)، وهو حديث صحيح لغيره، وانظر: \"الروضة الندية\" (٢/ ٣٠٢) بتحقيقنا.\n(^٧) انظر: \"المغني\" (٤/ ٣٧، ٣٨، رقم ٣٥٢٥).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١١٠، ١١١).\n(^٩) في \"الموطأ\" (٢/ ٧٤٦ رقم ٣٣)، وصحّحه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١١١).","vol":"5","page":154},{"text":"وهذَا نظيرُ قصةِ [حديث] (^١) أبي هريرةَ، وعمَّمَهُ عمرُ في كُلِّ ما يحتاجُ الجارُ إلى الانتفاعِ بهِ منْ دارِ جارهِ وأرضهِ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا يجوزُ أنْ يضعَ خشبةً إلَّا بإذنِ جارهِ، فإنْ لم يأذنْ له لم يجزْ. قالُوا: لأنَّ أدلةَ (^٢) \"لا يحلَّ مالُ امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ منْ نفسِه\" تَمْنَعُ هذَا الحكمَ فهوَ للتّنزِيهِ. وأجيبَ عنهُ بما [قاله] (^٣) البيهقيُّ (^٤): لم نجدْ في السننِ الصحيحةِ ما يعارِضُ هذا الحكمَ إلا عموماتٌ لا ينكرُ أن يخصَّها، وقد حملَه الراوي على ظاهرهِ منَ التحريمِ، وهوَ أعلمُ بالمرادِ بدليلِ قولِه: \"ما لي أراكم [عنها] (^٥) معرضين\"؛ فإنهُ استنكارٌ لإعراضِهم، دالٌّ على أن ذلكَ للتحريمِ. قالَ الخطابيُّ (^٦): معنَى قولِه: \"بينَ أكتافِكم\" إنْ لم تقبلُوا هذا الحكمَ وتعملُوا بهِ راضينَ لأجعلنَّها - أي الخشبةَ - على رقابِكم كارهينَ. قالَ: وأرادَ بذلكَ المبالغة.\nقلت: والذي يتبادرُ أنَّ المرادَ لأرمينَّها أي هذهِ السنة المأمورَ بها بينكم بلاغًا لِما تحمَّلْتُه منْها، وخروجًا عنْ كَتْمِها وإقامة الحجةِ عليكمْ بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-873>حرمة اغتصاب المال</span>\n٣/ ٨٢٥ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"لا يَحِلُّ لامْرِئٍ أنْ يَأخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٧)، وَالْحَاكِم (^٨) في صَحِيحَيْهِمَا. [صحيح]\n(وعنْ أبي حُمَيْدِ الساعديِّ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لا يحلُّ لامرئٍ أنْ يأخذَ\n_________\n(^١) انظر تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٤/ ٨١٨) من كتابنا هذا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"قال\".\n(^٤) نقله الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١١٠)، ولم نجده في السنن والمعرفة.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) لم أجد كلامه في \"معالم السنن\"، وهو في \"الفتح\" (٥/ ١١١).\n(^٧) في صحيحه (١/ ٤٩٨ رقم ١١٦٦ - \"الموارد\").\n(^٨) لم أجده في \"المستدرك\".\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١٠٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٣٤٠)، والحديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" (٥/ ٢٨٠).","vol":"5","page":155},{"text":"عَصَا أخيهِ بغيرِ [طيبةِ] (^١) نفسٍ منهُ. رواهُ الحاكمُ، وابن حبانَ في صحيحيْهما).\nوفي البابِ أحاديثُ كثيرةٌ [في معناهُ] (^٢)، وأخرجَ الشيخانِ (^٣) منْ حديثِ (^٤) عمرَ: \"لا يحلبنّ أَحدٌ ماشيةَ أحدٍ بغيرِ إذْنِهِ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٥)، والترمذيُّ (^٦)، والبيهقي (^٧) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن السائبِ بن يزيدَ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ بلفظِ: \"لا يأخذْ أحدُكم متاعَ أخيهِ لاعِبًا ولا جادًا\".\nوالأحاديثُ دالةٌ على تحريمِ مالِ المسلمِ إلا بطيبةٍ من نفسهِ وإنْ قلَّ، والإجماعُ واقعٌ على ذلك، وإيرادُ المصنفِ ﵀ لحديثِ أبي حميدٍ عقيبَ حديثِ أبي هريرةَ إشارةٌ إلى تأويلِ حديثِ أبي هريرةَ، وأنهُ محمولٌ على التنزيهِ كما هوَ قولُ الشافعي (^٨) في الجديدِ.\nويردُّ عليهِ أنهُ إنما يحتاجُ إلى التأويلِ إذا تعذَّرَ الجمع، وهوَ هنا ممكنٌ بالتخصيصِ؛ فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ خاصٌّ وتلكَ الأدلةُ عامة كما عرفتَ، وقدْ أُخْرِجَ منْ عمومِها أشياءُ كثيرةٌ كأخْذِ الزكاة كرْهًا، وكالشُّفْعَةِ، وإطعامِ المضطَّرِّ، ونفقةِ القريبِ المعسِرِ، والزوجةِ، وكثيرٍ منَ الحقوقِ الماليةِ التي لا يخرجُها المالكُ برضاه، فإنَّها تُوخذُ [منهُ] (^٩) كَرْهًا، وَغَرزُ الخشبةِ منْها على أنهُ مجردُ انتفاعٍ والعينُ باقيةٌ.\n* * *\n_________\n(^١) كما في المخطوط (أ، ب، ج).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) تقدَّم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٤٢/ ٧٧٧) من كتابنا هذا.\n(^٤) كذا في (أ) و(ب): \"عمر\"، والحديث من رواية عبد اللَّهِ بن عمر ﵄.\n(^٥) في سننه (٥/ ٢٧٣ رقم ٥٠٠٣).\n(^٦) في سننه (٤/ ٤٦٢ رقم ٢١٦٠)، وقال: حديث حسن غريب.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (١٥/ ١٤٠ رقم ١ \"الفتح الرباني\")، والحاكم (٣/ ٦٣٧) وحسَّن إسناده الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٢/ ٢٣١ رقم ١٧٥٤).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١١٠).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"5","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-874>[الباب الثامن] باب الحوالة والضمان</span>\nالحوالةُ بفتحِ الحاءِ وقدْ تُكْسَرُ، حقيقتُها عندَ الفقهاءِ: نَقْلُ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. واختلفُوا [فيها] (^١) هلْ هيَ بيعُ دينٍ بدينٍ رُخِّصَ فيهِ، وأُخرجَ منَ النَّهي عنْ بيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، أوْ هيَ استيفاءٌ؟ وقيلَ: هيَ عقدُ إرفاقٍ مستقل، ويشترطُ فيها لفظُها، ورضَا المحيلِ بلا خلافٍ، والمحالُ عندَ الأكثرِ، والمحالُ عليهِ عندَ البعضِ، وتماثلُ الصفاتِ، وأنْ تكونَ في شيء معلوم، ومنْهم مَنْ خصَّها بالنقدين دونَ الطعامِ، لأنهُ بيعُ طعامٍ قبلَ أنْ يُسْتَوْفَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-875>مطل الغني ظلم</span>\n١/ ٨٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيُتْبَعْ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). وفي رِوَايَةٍ لأحْمَد (^٣): \"وَمَنْ أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ\". [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: مطل الغنيِّ) إضافةُ المصدرِ إلى الفاعلِ، أي: مطلُ الغنيِّ غريمَه، وقيلَ: إلى المفعولِ، أي مطلُ الغريمِ [الغنيِّ] (^٤)\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (٣٣/ ١٥٦٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٤٥)، والترمذي (١٣٠٨)، والنسائى (٤٦٩١)، وابن ماجه (٢٤٠٣)، والدارمي (٢/ ٢٦١)، وأحمد (٢/ ٧١، ٣٨٠، ٤٦٣، ٢٤٥)، والشافعي في \"الأم\" (٣/ ٢٣٣)، ومالك (٢/ ٦٧٤ رقم ٨٤) وغيرهم.\n(^٣) في مسنده (٢/ ٤٦٣).\n(^٤) في (ب): \"للغنيِّ\".","vol":"5","page":157},{"text":"(ظلمٌ)، وبالأُولى [مطل] (^١) الفقيرَ، (وإذا أُتْبِعَ) بضمِّ الهمزةِ وسكونِ المثناةِ الفوقية، وكسرِ الموحدةِ (أحدُكم على مَلِيءٍ) بالهمزةِ مأخوذٌ من الملاء، يقالُ مَلُؤَ الرجلُ أي صارَ مليئًا، (فَلْيُتْبَعْ) بإسكانِ المثناةِ الفوقيةِ أيضًا، مبنيُّ للمجهولِ كالأولِ، أي إذا أُحْيلَ فليحتلْ (متفقٌ عليهِ). دلَّ الحديثُ على تحريمِ المطل منَ الغنيِّ، والمطلُ هوَ المدافعةُ، والمرادُ هنا تأخيرُ ما استحقَّ أداؤُه بغيرِ عُذْرٍ منْ قادرٍ على الأداءِ، والمعنَى على تقديرِ أنهُ منْ إضافةِ المصدرِ إلى الفاعلِ، [أي] (^٢): يحرمُ على الغنيِّ القادِرِ أنْ يمطلَ بالدَّيْنِ بعدَ استحقاقِهِ خلافِ العاجزِ، ومعناهُ على التقديرِ الثانِي أنهُ يجبُ وفاءُ الدَّيْنِ ولوْ كَانَ مستحقُّه غنيًا، فلا يكونُ غِناهُ سببًا لتأخيرِ حقِّهِ، وإذا كانَ ذلكَ في حقِّ الغنيِّ ففي حقِّ الفقيرِ أوْلَى. ودلَّ الأمرُ على وجوبِ قبولِ الإحالةِ، وحملَهُ الجمهورُ (^٣) على الاستحبابِ، ولا أدري ما الحاملُ علَى صرفِه عنْ ظاهِرِهِ، [وعليه حمل] (^٤) أهلُ الظاهرِ (^٥). وتقدَّم (^٦) البحثُ في أن المطلَ كبيرةٌ يفسقُ صاحبُه فلا نكرِّرُه، وإنما اختلفُوا هلْ يفسقُ قبلَ الطلبِ أو لا بدَّ منهُ، والذي يشعرُ به الحديثُ أنهُ لا بدَّ منَ الطلبِ، لأنَّ المُطلَ لا يكونُ إلا معَهُ، ويشملُ المطلُ كلَّ مَنْ لزمَهُ حقٌّ كالزوجِ لزوجتِهِ، والسيدِ في نفقةِ عبدِه، ودلَّ الحديثُ بمفهومِ المخالفةِ أن مُطْلَ العاجزِ عن الأداءِ لا يدخلُ في الظلمِ، ومَنْ لا يقولُ بالمفهومِ يقولُ لا يسمَّى العاجزُ ماطِلًا، والغنيُّ الغائبُ عنهُ مالُه كالمعدم، ويُؤْخَذُ منْ هذَا أن المعسِرَ لا يُطَالبُ حتَّى يوسِرَ. قال الشافعيُّ (^٧): لو جازتْ مؤاخذتُه لكانَ ظالمًا، والفَرْض أنهُ ليسَ بظالمٍ لعجزِه، ويؤخذُ منهُ أنهُ إذا تعذَّرَ على المحالِ عليهِ التسليمُ لفَقْرٍ لم يكنْ للمحتالِ الرجوعُ على المحيلِ، لأنهُ لو كانَ لهُ الرجوعُ لم يكنْ لاشتراطِ الغِنَى فائدةٌ، فلمَّا شرطَه الشارعُ علمَ أنهُ انتقلَ انتقالًا لا رجوعَ لهُ كما لو عُوِّضَ في دَيْنِه بِعوَضٍ ثمَّ\n_________\n(^١) في (أ): \"مطله\".\n(^٢) في (ب): \"أنَّه\".\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٦٥).\n(^٤) في (ب): \"وعليه حملُه\".\n(^٥) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ١٠٨ مسألة رقم ١٢٢٦).\n(^٦) أثناء شرح الحديث (٢/ ٨١٦) من كتابنا هذا.\n(^٧) انظر: \"الأم\" (٣/ ٢٣٣)، و\"المعرفة\" (٨/ ٢٨١).","vol":"5","page":158},{"text":"تَلِفَ العوضُ في يدِ صاحبِ الدَّيْنِ. وقالتِ الحنفيَّةُ (^١): يرجعُ عندَ التعذرِ وشبَّهوا الحوالةَ بالضمانِ، وأما إذا جهلَ الإفلاسَ حالَ الحوالةِ فلهُ الرجوعُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-876>ترك الصلاة على من مات وعليه دين</span>\n٢/ ٨٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: \"أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ \"، فَقُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمُا أَبُو قَتَادَةَ، فَأتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانَ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"حَقَّ الْغَرِيم، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَالنَّسَائِيُّ (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٥) وَالْحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: تُوفِّيَ رجلٌ منَّا فغسَّلْناهُ، وحنَّطْناهُ، وكفَّنَّاهُ، ثمَّ أَتَيْنَا بهِ رسولَ اللهِ - ﷺ - فقلْنا: [تصلِّي] (^٧) عليهِ، فَخَطَا خُطًى ثمَّ قالَ: عليهِ دينٌ؟ قلْنا: دينارانِ فانصرفَ) أي عن الصلاةِ عليهِ، (فتحمَّلهما أبو قتادةَ فَأتَيْنَاهُ فقالُ أبو قتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقالَ رسول اللهِ - ﷺ -: حقَّ الغريمِ) منصوبٌ على المصدرِ مؤكِّد لمضمونِ قولِه الدينارانِ عليَّ، أي حقَّ عليكَ الحقُّ، وثَبتَ عليكَ، وكنتَ غريمًا. (وبرئَ منْهما الميت. قالَ: نعمْ، فصلَّى عليهِ، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَه ابن حبَّانَ والحاكمُ)، وأخرجهُ البخاريُّ منْ حديثِ سلمةَ بن الأكوعِ، إلَّا أن في حديثِهِ ثلاثةَ دنانيرَ، وكذلكَ أخرجهُ أبو داودَ (^٨)، والطبرانيُّ (^٩). وجُمِعَ (^١٠)\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (٢٠/ ٥٣).\n(^٢) في مسنده (٣/ ٣٣٠).\n(^٣) في سننه (٣٣٤٣).\n(^٤) في سننه (١٩٦٢).\n(^٥) في صحيحه (٧/ ٣٣٤ رقم ٣٠٦٤ \"الإحسان\").\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٨).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٧٣، ٧٤)، وقد ثبت مثله من حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ -، أخرجه البخاري (٢٢٨٩)، إلا أنه قال: \"ثلاثة دنانير\" بدلًا من \"دينارين\"، وقد صحَّح حديث جابر الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٤٩) على شرط الشيخين.\n(^٧) في المخطوط \"يصلِّي\" بالتحتانية.\n(^٨) كما تقدم في تخريج حديث الباب وفيه \"ديناران\".\n(^٩) من حديث أسماء بن يزيد كما ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٤٦٧).\n(^١٠) انظر هذا الجمع في \"الفتح\" (٤/ ٤٦٨).","vol":"5","page":159},{"text":"بينَه وبينَ قولِه دينارانِ أن في حديثِ الكتابِ أنَّهما كانا دينارينِ وشطرًا فمنْ قالَ ثلاثةً جبرَ الكسرَ، ومَن قال ديناران ألقاهُ، أو كان الأصلُ ثلاثة فقضى قبلَ موتِه دينارًا فمن قال ثلاثةً اعتبرَ أصلَ الدَّيْنِ، ومنْ قال دينارانِ اعتبرَ الباقي. ويحتملُ أنَّهما قِصَّتانِ وإنْ كانَ بعيدًا. وفي روايةِ الحاكمِ (^١) أنهُ - ﷺ - جعلَ إذا لقيَ أبا قَتَادَةَ [يقولُ] (^٢): ما صنعتِ الديناران؟ حتَّى كانَ آخرَ ذلكَ أنْ قالَ: قضيْتُهما يا رسولَ اللهِ، قالَ: \"الآنَ بَرَدَتْ جلدتُه\". وَرَوَى الدارقطنيُّ (^٣) منْ حديثِ عليّ - ﵁ -: \"كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا أُتيَ بجنازةٍ لم يسألْ عنْ شيءِ منْ عملِ الرجلِ، ويسألُ عنْ دَيْنِهِ، فإنْ قيلَ: عليهِ دَيْنٌ كَفَّ، وإنْ قيلَ: ليسَ عليهِ دَيْنٌ صلَّى، فأُتِيَ بجنازةٍ فلمَّا قامَ ليكبِّرَ سألَ هلْ عليهِ دَيْنٌ؟ فقالُوا: دينارانَ، فعدلَ عنهُ، فقالَ عليٌّ: هما عليَّ يا رسول اللهِ، وهوَ بريٌّ منهما، فصلَّى عليهِ ثمَّ قالَ: جزاكَ اللهُ خيرًا، وفكَّ اللهُ رِهانَكَ - الحديثَ\". قال ابنُ بطالٍ (^٤): ذهبَ الجمهورُ إلى صحةِ هذهِ الكفالةِ عن الميتِ، ولا رجوعَ لهُ في مالِ الميتِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يصحُّ أن يحتملَ الواجبَ غيرُ مَنْ وجبَ عليهِ، وأنهُ ينفعُه ذلكَ، ويدلُّ على شدةِ أمر الدَّيْنِ فإنهُ - ﷺ - تركَ الصلاةَ عليهِ لأنَّها شفاعةٌ، وشفاعتُه - ﷺ - مقبولةٌ لا تُرَدُّ، والدَّيْنُ لا يسقطُ إلَّا بالتأديةِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ أنهُ لا يُكْتَفَى بالظاهرِ منَ اللفظِ بلْ لا بدَّ للحاكمِ في الإلزامِ بالحقِّ منْ تحققِ ألفاظِ العقودِ والإقراراتِ، وأنهُ إذا ادَّعى منْ عليهِ الحكومةُ أنهُ قصدَ باللفظِ معنَىً يحتملُه، وإنْ بَعُدَ الاحتمالُ لا يُحْكَمُ عليهِ بظاهرِ اللفظِ. وعطفُ: وبرئَ منْهما الميتُ على ذلكَ مما يؤيدُ هذا المعنَى المستنْبَطِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-877>قضاء الرسول - ﷺ - عمَّن مات وعليه دين</span>\n٣/ ٨٢٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُول - ﷺ - اللهِ - ﷺ - كانَ\n_________\n(^١) تقدم بيان أنها في \"المستدرك\" (٢/ ٥٨).\n(^٢) في (ب): \"قال\".\n(^٣) في سننه (٣/ ٤٦ رقم ١٩٤)، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ٧٣)، وقال: فيه عطاء بن عجلان ضعيف. اهـ.\n(^٤) انظر: \"الفتح\" (٤/ ٤٦٨).","vol":"5","page":160},{"text":"يُؤتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيسْأَلُ: \"هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاء؟ \" فَإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وإلَّا قَالَ: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\"، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: \"أَنا أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢): \"فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً\".\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يُؤْتَي بالرجلِ المتوفَّي عليهِ الدَّيْنُ، فيسالُ: هلْ تركَ لِدَيْنِهِ منْ قضاءٍ؟ فإنْ حُدِّثَ أنهُ تركَ وفاءً صلَّى عليهِ، وإلَّا قالَ: صلُّوا على صاحبِكم. فلمَّا فتحَ اللهُ عليهِ الفتوحَ قالَ: أنا أولَى بالمؤمنينَ منْ أنفسِهم، فمنْ تُوُفِّيَ وَعليهِ دَيْنٌ فَعَلي قَضاؤُه. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: فمنْ ماتَ ولم يتركْ وفاءً). إيرادُ المصنّفِ لهُ عقيبَ الذي قبلَه إشارةٌ إلى أنهُ - ﷺ - نسخَ ذلكَ الحكمَ لما فَتَحَ عليهِ - ﷺ -، واتسعَ الحالُ بِتحمُّلِهِ الدَّينَ عن الأمواتِ.\nوظاهر قولِه: \"فعليَّ قضاؤه\"، أنهُ يجبُ عليهِ القضاءُ، وهلْ هوَ منْ خالصِ مالِه، أوْ منْ مالِ المصالحِ؟ محتمِلٌ. قالَ ابنُ بطالٍ (^٣): وهكذَا يلزمُ المتولِّي لأمرِ المسلمينَ أن يفعلَه فيمنْ ماتَ وعليهِ دَيْنٌ، فإنْ لم يفعلْ فالإثمُ عليهِ. وقدْ ذكرَ الرافعيُّ (^٤) في آخرِ الحدِيثِ قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وعلى كلِّ إمامٍ بعدَك؟ قالَ: وعلى كلِّ إمامٍ بعدي. وقدْ وقعَ معناهُ في الطبرانيِّ الكبيرِ (٤) منْ حديثِ زاذانَ عنْ سلمانَ قالَ: \"أمَرَنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن نفدي سبايا المسلمينَ ونعطيَ سائِلَهم. ثمَّ قالَ: مَنْ تَركَ مالًا فلورثتِه، ومَنْ تركَ دَيْنًا فعليَّ وعلى الولاةِ منْ بعدي في بيتِ مالِ المسلمينَ\". وفيهِ راوٍ (^٥) متروكٌ ومتَّهمٌ.\n_________\n(^١) البخاري (٢٢٩٨)، وأطرافه (٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣)، ومسلم (١٦١٩)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي، (١٩٦٣)، وابن ماجه (٢٤١٥) وهو في سنن أبي داود مختصرًا (٢٩٥٥)، وأحمد (٢/ ٢٩٠، ٤٥٣).\n(^٢) في صحيحه (٥٣٧١) بزيادة \"من المؤمنين\".\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٧٨).\n(^٤) ذكر ذلك الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٨، ٤٩).\n(^٥) بيَّنه الحافظ في \"التلخيص\"، وهو: \"عبد الرحمن بن سعيد الأنصاري\".","vol":"5","page":161},{"text":"٤/ ٨٢٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا كفَالَةَ في حَدٍّ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (^١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا كَفالةَ في حدٍّ. رواة البيهقيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ). وقالَ: إنهُ منكرٌ. وهوَ دليل على أنهُ لا تصحُّ الكفالةُ في الحدِّ.\nقالَ ابنُ حزمٍ (^٢): لا تجوزُ الضمانةُ بالوجهِ أصلَا لا في مالٍ، ولا حدٍّ، ولا في شيءٍ منَ الأشياءِ، لأنهُ شَرْطٌ ليسَ في كتابِ اللهِ فهوَ باطلٌ. ومنْ طريقِ النظرِ أنْ يسألَ مَنْ قالَ بصحَّتهِ عمنْ [تكفَلَ] (^٣) بالوجْهِ فقطْ فغابَ المكفولُ عنهُ ماذا تصنعونَ بالضامنِ بوجْهِه، أتلزمونَهُ غرامةَ ما على المضمونِ؟ فهذَا جَوْرٌ وأَكلُ مالٍ بالباطلِ، لأنهُ لم يلتَزمْ قطُّ، أمْ تتركونَه؟ فقدْ أبطلتُم الضمانَ [بالوجْهِ] (^٤)، أمْ تكفلونَهُ طَلَبَهُ؟ فهذا تكليف الحرج، وما لا طاقةَ لهُ به، وما لم يكلِّفْهُ الله إياهُ قط.\nوأجازَ الكفالةَ بالوجهِ جماعةٌ منَ العلماءِ، واستدلُّوا بأنهُ - ﷺ - (^٥) كفلَ في تهمةٍ. قالَ: وهُو خَبرٌ باطلٌ لأنهُ من رواية إبراهيمَ بن خثيمٍ بن عراكٍ، وهوَ وأبوهُ في غايةِ الضعفِ، ولا تجوزُ الروايةُ عنْهما، ثمَّ ذكرَ آثارًا عنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وردَّها كلَّها بأنَّها لا حجةَ فيها، إذِ الحجةُ في كلامِ اللَّهِ ورسولِه لا [غيرِهِ] (^٦). وهذِ الآثارُ قدْ سردَها في الشرحِ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٧٧)، ثم قال: قال أبو أحمد (يعني ابن عدي): عمر بن أبي عمر الدمشقي منكر الحديث عن الثقات. اهـ، وقد ضعَّفه المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٤٧ رقم ١٤١٥).\n(^٢) في \"المحلَّى\" (٨/ ١١٩ مسألة رقم ١٢٣٦).\n(^٣) في المخطوط \"يكفل\" بالتحتانية، وما أثبتناه في المطبوع و\"المحلَّى\".\n(^٤) في المخطوط \"الكفالة\"، وما أثبتناه في المطبوع و\"المحلَّى\".\n(^٥) رواه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٨/ ١٢٠) والكلام الذي بعده فيه.\n(^٦) في (ب): \"غير\".","vol":"5","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-878>[الباب التاسع] باب الشركة والوكالة</span>\nالشركةُ بفتحِ أولهِ وكسرِ الراءِ، وبكسرِه معَ سكونِها، وهى بضمِّ الشينِ اسمٌ للشيءِ المشتركِ. والشركةُ الحالةُ التي تحدثُ بالاختيارِ بينَ اثنينِ فصاعدًا. وإنْ أُرِيدَ الشركةُ بين الورثةِ في المالِ حذفتْ بالاختيارِ. \"والوِكالةُ\" بفتحِ الواوِ وقدْ تكسرُ، مصدرُ وكَّلَ مشددًا بمعنَى التفويضِ والحفظِ، وتُخَفَّفُ فتكونُ بمعنَى التفويضِ، وهي شرعًا إقامةُ الشخص غيره مقامَ نفسِه مطلقًا أو مقيَّدًا.\n١/ ٨٣٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"قَالَ الله تَعَالَى: أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا\"، رَوَاهُ أَبُو داوُدَ (^١)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [ضعيف]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: قالَ اللهُ: أنا ثالثُ الشريكينِ ما لم يخنْ أحدُهمَا صاحبَه، فإذا خانَ خرجتُ منْ بينِهما. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، وأعلَّه ابنُ القطانِ (^٣) بالجهلِ بحالِ سعيدِ بن حيانَ. وقدْ رواهُ عنهُ ولدُهُ أبو حيانَ بنُ سعيدٍ لكنْ ذَكَرَهُ ابن حبانَ في الثقاتِ، وذكرَ أنهُ رَوَى عنهُ الحارثُ بنُ شريدٍ إلَّا أنهُ أعلَّهُ الدارقطنيُّ (^٤) بالإرسالِ فلمْ يذكرْ فيهِ أبا هريرةَ، وقالَ: إنهُ\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣٣٨٣).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٢) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\nأخرجه الدارقطني (٣/ ٣٥ رقم ١٣٩)، والبيهقي (٦/ ٧٨، ٧٩) وقد ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٨٨ رقم ١٤٦٨).\n(^٣) انظر ذلك وما بعد في: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٩ رقم ١٢٥٤).\n(^٤) قال في \"سننه\" بعد رواية الحديث: قال لوين (وهو محمد بن سليمان): لم يسنده إلا أبو =","vol":"5","page":163},{"text":"الصَّوابُ، ومعناهُ أن اللَّهَ معَهما أي في الحفظِ والرعايةِ والإمدادِ بمعونتِهما في مالِهما، وإنزالِ البركةِ في تجاريهما؛ فإذا حصلتِ الخيانةُ نُزعتِ البركةُ منْ مالِهما، وفيهِ حثٌّ على التَّشَارُكِ معَ عدمِ الخيانةِ وتحذيرٌ منهُ معَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-879>الشركة ثابتة قبل الإسلام</span>\n٢/ ٨٣١ - وَعَنْ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ - ﵁ - أنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: \"مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وابْنُ مَاجَهْ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ السائبِ المخزوميِّ - ﵁ - أنهُ كانَ شريكَ النبيِّ - ﷺ - قَبلَ البعثةِ، فجاءَ يومَ الفتحِ فقالَ: مرحَبًا بأخي وشريكي. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ).\nقال ابنُ عبدِ البرِّ: السَّائبُ (^٤) بنُ أبي السائبِ منَ المؤلفةِ قلوبهُم، وممنْ حَسُنَ إسلامُه، وكانَ منَ المعمَّرينَ، عاشَ إلى زمنِ معاوية، وكانَ شريكَ النبيِّ - ﷺ - في أولِ الإسلام في التجارةِ، فلمَّا كانَ يومَ الفتحِ قالَ: \"مرحبًا بأخي وشريكي، كانَ لا يماري، ولا يداري\". وصحَّحَهُ الحاكمُ. ولابنِ ماجهْ: كنتَ شريكي في الجاهليةِ: والحديثُ دليلٌ على أن الشّركةَ كانتْ ثابتةً قبلَ الإسلامِ، ثمَّ قرَّرَها الشارعُ على ما كانتْ [عليه] (^٥).\n٣/ ٨٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ. الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٦). [ضعيف]\n_________\n= همام وحده اهـ، وأبو همام هو الأهوازي محمد بن الزبرقان، قال عنه الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٦١): صدوق ربما وهم. اهـ.\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٢٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٥/ ١٧٠ رقم ٤٨٣٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٧٦٨ رقم ٢٢٨٧).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ٦١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجه\" (٢/ ٢٩ رقم ١٨٥٣).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٣١٥ رقم ١٩١١).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"سننه\" (٤٦٩٧). =","vol":"5","page":164},{"text":"(وعنْ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: اشتركت أنا وعمارٌ وسعدٌ فيما نصيبُ يومَ بدرٍ، الحديث). تمامُه: فجاءَ سعدٌ بأسيرينِ ولم أجئ أنا وعمارٌ بشيء (رواه النسائيُّ). فيهِ دليل على صحَّةِ الشِّركةِ في المكاسبِ، وتسمَّى شركةَ الأبدانِ، وحقيقتُها أنْ يوكِلَ كل صاحبَه أنْ يتقبَّلَ ويعملَ عنهُ في قدْر معلوم، ويعينانِ الصنعةَ. وقدْ ذهبَ إلى صحَّتِها الهادويةُ (^١)، وأبو حنيفةَ (^٢)، وذهبَ الشافعي (^٣) إلى عدمِ صِحَّتِها لبنائِها على الغَرَرِ، إذْ لا يقطعانِ بحصوله الربحِ لتجويزِ تَعَذُّرِ العملِ، وبقولِه قالَ أبو ثَوْرٍ (^٤) وابْنُ حَزْمٍ. وقال ابنُ حَزْمٍ: لا تجوزُ الشركةُ بالأبدانِ في شيء منَ الأشياءِ أَصْلًا فإنْ وقعتْ فهيَ باطلةٌ لا تلزمُ، ولكلّ واحدٍ منْهما ما كسبَ، فإنْ اقتسماهُ وجبَ أنْ يُقْضَى لهُ ما أخذهُ وإلا بدَّلَه لأنَّها شرطٌ ليسَ في كتابِ اللَّهِ فهوَ باطلٌ. وأما حديثُ ابن مسعودٍ فهوَ منْ روايةِ ولدِه أبي عبيدةَ بن عبدِ اللَّهِ، وهوُ خبرٌ مُنْقَطِعٌ لأنَّ أبا عبيدةَ لم يذكرْ عنْ أبيهِ شيئًا، فقدْ رويناهُ منْ طريقِ وكيعٍ، عنْ شعبةَ، عنْ عمرِو بن مُرَّةَ قالَ: قلتُ لأبي عبيدةَ: أتذكرُ منْ عبدِ اللَّهِ شيئًا؟ قالَ: لا ولوّ صحَّ لكانَ حجةً على مَنْ قالَ بِصحَّةِ هذهِ الشركةِ، لأنَّهم أولُ قائلٍ مَعَنَا ومعَ سائرِ المسلمينَ: إنَّ هذه شركةٌ لا تجوزُ، وإنهُ لا ينفردُ أحدٌ منْ أهلِ العسكرِ بما يصيبُ دونَ جميعِ أهلِ العسْكرِ إلَّا السلبَ للقاتلِ على الخلافِ، فإنْ فعلَ فهوَ غلولٌ منْ كبائرِ الذنوبِ، ولأنَّ هذهِ الشركةَ لو صحَّ حديثُها فقدْ أبطلَها اللَّهُ ﷿ وأنزلَ: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٥) الآية؛ فأبطلها اللَّهُ تعالى وقسَّمها هوَ بينَ المجاهدينَ، ثمَّ إنَّ الحنفيةَ (^٦) لا يجيزونَ الشركةَ في الاصطيادِ، ولا يجيزُها المالكيون (^٧) في العملِ في [مكانين] (^٨)، فهذهِ الشركةُ في الحديثِ لا تجوزُ عندَهم (^٩) اهـ.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٨٨)، وابن ماجه (٢٢٨٨)، والبيهقي (٦/ ٧٩)، وإسناده ضعيف للانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه، وقد سكت عليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٩)، وضعَّفه المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٩٥ رقم ١٤٧٤).\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٩٤).\n(^٢) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ١٥١)،\n(^٣) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ٢٧٩).\n(^٤) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ١٢٢: ١٢٤).\n(^٥) سورة الأنفال: الآية ١.\n(^٦) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ٢١٧، ٢١٨).\n(^٧) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٢) بتحقيقنا.\n(^٨) في (ب): \"المكانين\".\n(^٩) آخر كلام ابن حزم في \"المحلّى\".","vol":"5","page":165},{"text":"هذا وقدْ قَسَّمَ الفقهاءُ الشركةَ إلى أربعةِ (^١) أقسام، وأطالُوا فيها وفي فروعهِا في كتبِ الفروعِ فلا نطيلُ بها. قال ابنُ بطالٍ (^٢): أجمعُوا على أن الشركةَ الصحيحةَ أنْ يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ [مثل ما] (^٣) أخرجَ صاحبُه، ثمَّ يخلطَ ذلكَ حتَّى لا يتميزُ، ثمَّ يتصرَّفَا جميعًا إلا أن يقيمَ كل منهما الآخرَ مقامَ نفسِه، وهذِه تسمَّى شركةَ العنانِ، وتصحُّ إنْ أخرجَ أحدُهما أقلَّ منَ الآخرِ منَ المالِ، ويكونُ الربحُ والخسرانُ على قدرِ مالِ كلِّ [واحدٍ] (^٤) منْهما، وكذلكَ إذا اشتَرَيا سلعة بينَهما على السواءِ، أو ابتاعَ أحدُهما أكثرَ منَ الآخرِ منْهما فالحكمُ في ذلكَ أنْ يأخذَ كل منَ الربحِ والخسرانِ بمقدارِ ما أَعْطَى منَ الثمنَ، وبرهانُ ذلكَ أنهما إذا خَلَطَا المالينِ فقدْ صارتْ تلكَ الجملةُ [مشتركة] (^٥) بينَهما، فما ابتاعا بها فمشاع بينَهما، وإذا كانَ كذلكَ فثمنُه وربحُه وخسرانُه مشاعٌ بينَهما، [وكذلك] (^٦) السلعةُ التي اشتريَاها فإنَّها بدلٌ منَ الثمنِ.\n٤/ ٨٣٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"إذَا أَتَيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَصَحَّحَهُ. [ضعيف]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ - ﵁ - قالَ: أردتُ الخروجَ إلي خيبرَ، فأتيتُ النبيَّ - ﷺ - فقالَ: إذا أتيتَ وكيلي بخيبرَ فخذْ منهُ خمسةَ عشرَ وَسْقًا. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ). تمامُ الحديثِ: فإنِ ابتغَى منكَ آيةً فضعْ يدكَ على تُرْقُوَتِهِ. وفي الحديثِ دليل على شرعيةِ الوكالةِ. والإجماعُ (^٨) على ذلكَ، وتعلُّق الأحكامُ بالوكيلِ.\n_________\n(^١) وهي: شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه.\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٣٤).\n(^٣) في (ب): \"مثلما\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"مشاعة\".\n(^٦) في (ب): \"ومثلُه\".\n(^٧) في \"سننه\" (٣٦٣٢).\nوأخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٤ رقم ١)، وهو حديث ضعيف، وقد ضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (ص ٣٦٠ رقم ٧٨٤)، إلا أن الحافظ قد حسَّن إسناده في \"التلخيص\" (٣/ ٥١ رقم ١٢٥٩).\n(^٨) انظر: \"إجماع ابن المنذر\" (١٥٩).","vol":"5","page":166},{"text":"وتمامُ الحديثِ فيهِ دليلٌ على العملِ بالقرينةِ في مالِ الغيرِ، وأنهُ يُصدَّقُ بها الرسولُ لقبضِ العينِ. وقدْ ذهبَ إلى تصديقِ الرسولِ في القبضِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وقيَّدهُ المهدي في الغيثِ (^١): معَ غلبةِ ظن صِدْقِهِ. وعندَ الهادويةِ (^٢) أنهُ لا يجوزُ تصديقُ الرسولِ لأنهُ مالُ الغيرِ فلا يصحُّ التصديقُ فيهِ. وقيلَ عنْهم إلا أنْ يحصلَ الظنُّ بصدقِ الرسولِ جازَ الدفعُ إليهِ.\n٥/ ٨٣٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ رَضيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عروةَ البارقيِّ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - بعثَ معهُ بدينارٍ يشتري لهُ أضحية. الحديث رواهُ البخاريُّ في أثناءِ حديثٍ، وقدْ تقدَّمَ). أي في كتاب البيعِ، وتقدَّمَ الكلامُ (^٤) على ما فيهِ منَ الأحكامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-880>توكيل الإمام للعامل في قبض الصدقة</span>\n٦/ ٨٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، الْحَدِيثَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قالَ: بَعَثَ رسولُ الله - ﷺ - عمرَ على الصدقةِ، الحديثَ. متفقٌ عليهِ). تمامُه: \"فقيلَ منعَ ابنُ جميلٍ، وخالدُ بنُ الوليدِ، والعباسُ عمُّ رسول الله - ﷺ -، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ، وأما خالدُ فإنكمُ تظلمونَ خالدًا، قد احتبسَ أدراعَه وأضْمادَه في سبيلِ اللَّهِ، وأما العباسُ فهيَ عليَّ ومثلُها مَعَها\". والظاهرُ أنهُ بعثَ عمرَ لقبضِ الزكاةِ، وابنُ جميلِ من الأنصارِ كانَ منافقًا ثمَّ تابَ بعدَ ذلكَ.\n_________\n(^١) \"الغيث المدرار\".\n(^٢) لم أعثر عليه الآن عندهم.\n(^٣) برقم (٣٩/ ٧٧٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) أثناء شرح الحديث رقم (٣٩/ ٧٧٤).\n(^٥) البخاري (١٤٦٨)، ومسلم (١١/ ٩٨٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٦٢٣)، والنسائي (٢٤٦٤).","vol":"5","page":167},{"text":"قالَ المصنِّفُ (^١): وابنُ جميل لم أقفْ على اسمِه. وقولُه: \"ما ينقِم\" بكسرِ القافِ، ما ينكرُ \"إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ\"، وهوَ منْ بابِ تأكيدِ المدحِ بما يشبهُ الذمَّ، لأنهُ إذا لم يكنْ له عذرٌ إلا ما ذكرَ فلا عُذْرَ لهُ، وفيهِ التعريضُ بكفرانِ النعمة، والتقريعُ بسوءِ الصنيعِ. وقولُه: أعْتَادَهُ، جمعُ عَتَدٍ بفتحتينِ، وهوَ ما يُعِدُّهُ الرجلُ منَ السلاحِ والدوابِّ، وقيلَ: الخيلُ خاصة. وحملَ البخاريُّ معناهُ على أنهُ جَعَلَهَا زكاةَ مالهِ وصرفَها في سبيل اللَّهِ، وهوَ بناءٌ على أنهُ يجوزُ إخراجُ القيمةِ عن الزكاةِ. وقولُه: (فهي عليَّ ومثلُها معَها) يفيدُ أنهُ - ﷺ - تحمَّلَها عن العباسِ تَبَرُّعًا، وفيهِ صحةُ تبرعِ الغيرِ بالزكاةِ، ونظيرُه حديثُ (^٢) أبي قتادةَ في تبرعهِ بتَحَمُّلِ الدَّينِ عن الميتِ وهذا أقربُ الاحتمالاتِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ أُخَرَ تحتملُ احتمالاتٍ كثيرة بسطَها المصنفُ في الفتحِ (^٣)، [ونقلهُ] (^٤) الشارحُ.\nوأما حديثُ (^٥) أنهُ - ﷺ - كانَ [تقدَّم] (^٦) منهُ زكاةَ عامينِ فقدْ رُوِيَ منْ طرقٍ لم يَسْلَمْ شيءٌ منها منْ مقالٍ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على توكيلِ الإمام للعاملِ في قبض الزكاةِ، ولأجْلِ هذا ذكرهُ المصنفُ هنَا، وفيهِ أن بَعْثَ العمالِ لقبضِ الزكاةِ سُنَّةٌ نبويةٌ، وفيهِ أنهُ يذكِّرُ الغافلَ بما أنعمَ اللَّهُ عليهِ بإغنائِهِ بعدَ أنْ كانَ فقيرًا ليقومَ بحقِّ اللَّهِ. وفيه جوازُ ذِكْرِ مَنْ مَنَعَ الواجبَ في غيبتِه بما ينقصُه. وفيهِ تحملُ الإمامِ عنْ بعضِ المسلمينَ، والاعتذارُ عن البعضِ وحسنُ التأويلِ.\n_________\n(^١) في \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر تخريج الحديث رقم (٢/ ٨٢٧) من كتابنا هذا.\n(^٣) (٣/ ٣٣٣، ٣٣٤).\n(^٤) في (أ): \"وتبعهُ\".\n(^٥) أخرج البيهقي (٤/ ١١١) من حديث علي - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: \"إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين\". وأصله أخرجه أبو داود (١٦٢٤)، والترمذي (٦٧٨)، وابن ماجه (١٧٩٥)، وأحمد (١/ ١٤٠)، والحاكم (٣/ ٣٣٢)، وصحَّحَهُ، ووافقه الذهبي، وقد حسّنه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (١/ ٢٩٩ رقم ١٤٥٢)، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٣٤): وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق، والله أعلم. اهـ. وانظر الحديث رقم (١٠/ ٥٧٣) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (ب): \"قد تقدم\".","vol":"5","page":168},{"text":"<span data-type='title' id=toc-881>صحَّة التوكيل في نحر الهدي</span>\n٧/ ٨٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - نَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًا - ﵁ - أنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - نَحَرَ ثلاثًا وستينَ، وأَمَرَ عليًا - ﵁ - أنْ يذبحَ الباقي، الحديثَ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ الحجِّ، وفيه دلالةٌ على صحةِ التوكيلِ في نحرِ الهدْي، وهوَ إجماعٌ (^٢) إذا كانَ الذابحُ مُسْلِمًا، فإنْ كانَ كافِرًا كتابيًا صحَّ عندَ الشافعيِّ (^٣) بشرطِ أنْ ينويَ صاحبُ الهدْيَ عندَ دَفْعِهِ إليْهِ، أوْ عندَ ذَبْحِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-882>صحَّة التوكيل في إقامة الحدود</span>\n٨/ ٨٣٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ في قِصَّةِ الْعَسِيفِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: \"وَاغْدُ بَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا\" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - في قصةِ العسيفِ) بعينٍ وسينِ مهملتينِ، فمثناةٍ تحتيةٍ، ففاءٍ، الأجيرِ وَزْنًا ومعنًى، (قالَ النبيُّ - ﷺ -: أُعدُ يا اُنَيْسُ على امرأةِ هذَا فإنِ اعترفتْ فارجُمْها، الحديث. متفقٌ عليهِ)، وسيأتي في الحدودِ (^٥) مُسْتَوْفَى. وذُكِرَ هنا بناءً على أن المأمورَ وكيلٌ عن الإمامِ في إقامةِ الحدِّ، وبوَّبَ البخاريُّ (^٦) (بابُ الوكالةِ في الحدودِ)، وأوردَ هذا الحديثَ وغيرَه، وقالَ المصنفُ في \"الفتحِ\" (^٧): والإمامُ لمَّا لم يتولَّ إقامةَ الحدِّ بنفسهِ [وولَّى] (^٨) غيرَه كانَ ذلكَ بمنزلةِ توكيلِه للغيرِ.\n_________\n(^١) في صحيحه (١٤٧/ ١٢١٨) وهو قطعة من وصف جابر - ﵁ - لحجة النبي - ﷺ -، وقد تقدم في الحج برقم (١/ ٦٩٥)، (٣/ ٦٩٧) من كتابنا هذا.\n(^٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ١٨): وقد اتفقوا على جواز التوكيل فيها للقادر. اهـ.\n(^٣) انظر: \"روضة الطالبين\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٤) انظر تخريجه رقم (١/ ١١٣٠) من كتابنا هذا.\n(^٥) يعني برقم (١/ ١١٣٠) كما قدَّمنا.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٤/ ٤٩١ باب رقم ١٣).\n(^٧) (٤/ ٤٩٢).\n(^٨) في (ب): \"وولَّاه\".","vol":"5","page":169},{"text":"<span data-type='title' id=toc-883>[الباب العاشر] باب الإقرار</span>\nالإقرارُ [هو] (^١) لغةً: الإثباتُ، وفي الشرعِ: إخبارُ الإنسانِ بما عليهِ، وهوَ ضدُّ الجحودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-884>الدعوة لقول الحق</span>\n١/ ٨٣٨ - عنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: \"قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا\"، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح]\n(عَنْ أبي ذرٍّ - ﵁ - قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: قلِ الحقَّ ولوْ كانَ مرًّا. صحَّحه ابنُ حبانَ منْ حديثٍ طويلٍ) سَاقهُ الحافظُ المنذريُّ في \"الترغيب والترهيبِ\" (^٣)، وفيهِ وصايا نبويَّةٌ. ولفظُه: قالَ: \"أوصانِي خَلِيلي رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ أنظُرَ إلى مَنْ هُوَ أسفلَ مني، ولا أنظرَ إلى مَنْ هُوَ فوقي، وأنْ أحبَّ المساكينَ، وأنْ أدنوَ منْهم، وأنْ أصلَ رحمي وإن قطعوني وجَفَوْني، وأنْ أقولَ الحق ولوْ كانَ مُرًّا، وأن لا أخَافَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأنْ لا أسألَ أحدًا شيئًا، وأن [أستكثرَ] (^٤) منْ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، فإنَّها [كنز] (^٥) منْ كنوزِ الجنةِ\".\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ١٩٤ رقم ٤٤٩ \"الإحسان\"، وأخرجه أحمد (٥/ ١٥٩)، والبيهقي (١٠/ ٩١)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ١٥٦ رقم ١٦٤٨، ١٦٤٩)، وفي \"الصغير\" (٢/ ٤٨ رقم ٧٥٨)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٩٣): رجاله ثقات.\nوصحَّحه الشيخ شعيب في \"الإحسان\".\n(^٣) (٣/ ١٨٨ رقم ٢٤)، (٣/ ٥٣٠ رقم ٢٧).\n(^٤) في (أ): \"أكثر\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"5","page":170},{"text":"وقولُه: قلِ الحقَّ، [يشملُ] (^١) قولَه على نَفْسِهِ وعلى غَيْرِهِ، وهوَ مشتقٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٢)، ومنْ قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (^٣).\nوباعتبار شمولِه ذكرهُ المصنفُ ﵀ هنا تَبْعًا للرافعيِّ (^٤)، فإنهُ ذَكَرَهُ في بابِ الإقرارِ، وفيهِ دلالةٌ على اعتبارِ إقرارِ الإنسانِ على نفسِه في جميعِ الأمورِ، وهوَ أمرٌ عامٌ لجميعِ الأحكامِ، لأنَّ قولَ الحقّ على النفسِ هوَ الإخبارُ بما عليْها مما يلزمها التخلُّصُ منهُ بمالِ أو بَدَنٍ أو عَرَضٍ.\nوقولُه: \"ولوْ كان مُرًّا\" منْ باب التشبيهِ لأنَّ الحقَّ قدْ يصعُبُ إجراؤُه على النفسِ، كما يصعبُ عليها إساغةُ المرَّ لمرارتِه.\nويأتي في بابِ الحدودِ (^٥) والقِصَاصِ أحاديثُ في الإقرار.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"شمل\".\n(^٢) سورة النساء: الآية ١٣٥.\n(^٣) سورة النساء: الآية ١٧١.\n(^٤) في \"فتح العزيز شرح الوجيز\" له (١١/ ٨٩ بهامش المجموع)، ولكنه ذكره بلفظ: \"قولوا الحق ولو على أنفسكم\"، وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٥٢ رقم ١٢٦٥).\n(^٥) من الحديث رقم (١/ ١١٣٠)، إلى رقم (٥/ ١١٧٩) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":171},{"text":"<span data-type='title' id=toc-885>[الباب الحادي عشر] باب العارية</span>\nالعاريةُ بتشديدِ المثناءِ التحتيةِ وتخفيفها، ويقالُ: عارةٌ، وهي مأخوذةٌ منْ عارَ الفرسَ إذا ذهبَ، لأنَّ العاريةَ تذهبُ منْ يدِ المعيرِ أوْ [العار] (^١)، لأنهُ لا يستعيرُ أحدٌ إلَّا وبهِ عارٌ من حاجة. وهي في الشرع عبارةٌ عنْ إباحةِ المنافعِ منْ دونِ مُلْكِ العينِ.\n١/ ٨٣٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَلَى الْيَدِ مَما أخَذَتْ حَتَّى تُؤدِّيَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَالأرْبَعَةُ (^٣)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [ضعيف]\n(عنْ سمرةَ بن جندبٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: على اليدِ ما أخذتْ حتى تُؤَدِّيَهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحهُ الحاكمُ) بناءً منهُ على سماعِ الحسنِ منْ سمُرةَ، لأنَّ الحديثَ منْ روايةِ الحسنِ عنْ سمُرةَ.\nوللْحفَّاظِ في سماعِه منهُ ثلاثةُ مذاهبَ (^٥):\n_________\n(^١) في (ب): \"المعار\".\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ٨، ١٢، ١٣).\n(^٣) أبو داود (٣٥٦١)، والترمذي (١٢٦٦)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤١١ رقم ٣/ ٥٧٨٣)، وابن ماجه (٢٤٠٠).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧)، وقال: صحيح الإسناد على شرط البخاري. وتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٤٩) قائلًا: \"هو صحيح وعلى شرط البخاري لو أن الحسن صرَّح بالتحديث عن سمرة، فقد أخرج البخاري عنه به حديث العقيقة، أما وهو لم يصرح به، بل عنعنه وهو مذكور في المدلسين فليس الحديث إذن بصحيح الإسناد، وقد جرت عادة المحدثين إعلال هذا الإسناد بقولهم: والحسن مختلف في سماعه من سمُرة، وبهذا أعلَّه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٥٣) \"اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٥) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٣٤).","vol":"5","page":172},{"text":"الأولُ: أنهُ سمعَ منهُ مُطْلقًا، وهوَ مذهبُ علي بن المديني، والبخاريِّ، والترمذيِّ.\nوالثاني: لا مُطْلقًا، وهو مذهبُ يحيى (^١) بن سعيدٍ القطانِ، ويحيى بن معينٍ، وابنِ حبانَ.\nوالثالثُ: [أنه] (^٢) لم يسمعْ منهُ إلا حديثَ العقيقة، وهوَ مذهبُ النسائيِّ، واختارَهُ ابنُ عساكرَ، وادَّعَى عبدُ الحقِّ أنهُ الصحيحُ.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ ردِّ ما قبضَهُ المرءُ وهوَ مُلْكٌ لغيرِه، ولا يبرأُ إلا بمصيرِه إلى مالكِه أوْ مَنْ يقومُ مقامَهُ، لقولِه حتَّى تُؤَدِّيَهُ، ولا تتحققُ التأديةُ إلَّا بذلكَ. وهوَ عامٌ في الغصبِ، والوديعةِ، والعاريةِ. وذَكَرَهُ في بابِ العاريةِ لشمولِه لها، وربَّما يفهمُ منهُ أنَّها مضمونةٌ على المستعيرِ. وفي ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأولُ: أنها مضمونةٌ مطلقًا، وإليهِ ذهبَ (^٣) ابنُ عباسٍ، وزيدُ بنُ عليٍّ، وعطاءُ، وأحمدُ (^٤)، وإسحاقُ، والشافعيُّ (^٥)، لهذا الحديثَ، ولما يأتي مما يفيدُ معناهُ.\nوالثاني: للهادي (^٦) وآخرينَ معهُ أن العاريةَ لا يجبُ ضمانُها إلا إذا شرطَ مستدلينَ بحديثِ صفوانَ، ويأتي الكلامُ (^٧) عليهِ.\nوالثالثُ: للحسنِ وأبي حنيفةَ (^٨) وآخرينَ، أنها لا تضمنُ وإن ضمنتْ، لقولِه - ﷺ -: \"ليس على المستعيرِ غيرِ المُغلِّ، ولا على المستودعِ غيرِ المُغلِّ\n_________\n(^١) قال الحافظ في \"التهذيب\": وقال يحيى القطان وآخرون هي كتاب (يعني نسخة الحسن عن سمرة) وذلك لا يقتضي الانقطاع. بل ساق سندًا من مسند أحمد في النهي عن المثلة ثم قال عقبه: وهذا يقتضي سماعه منه لغير حديث العقيقة. وقال الذهبي في \"السير\" (٤/ ٥٦٧)، وقال يحيى القطان: أحاديثه عن سمُرة سمعنا أنها كتاب (وقال مرة: سمعنا أنها من كتاب معن القزاز)، قلت: (القائل الذهبي) قد صحَّ سماعه في حديث العقيقة وفي حديث النهي عن المثلة من سمُرة.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ١٧٠).\n(^٤) انظر: \"مسائل الإمام أحمد\" (ص ٣٠٨ رقم ١١٤٥)، رواية عبد اللهِ ابنه.\n(^٥) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ٤٣١).\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٢٧).\n(^٧) برقم (٤/ ٨٤٢) من كتابنا هذا.\n(^٨) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ١٣٤).","vol":"5","page":173},{"text":"ضمانٌ\" أخرجه الدارقطنيُّ (^١)، والبيهقيُّ (^٢) عن ابن عمرٍو (^٣)، وضعَّفَاهُ، وصحَّحَا وقْفَهُ علَى شُرَيْحٍ. وقولُه: المُغلُّ بضمِّ الميمِ فغينٍ معجمةٌ، قالَ في \"النهاية\" (^٤): أي إذا لم يَخُنْ في العاريةِ والوديعةِ فلا ضمانَ عليهِ منَ الإغلالِ، وهوَ الخيانةُ. وقيلَ: المغلُّ المستغلُّ، وأرادَ بهِ القابضَ لأنهُ بالقبضِ يكونُ مستغلًا، والأولُ أَوْلَى، انتهى.\nوحينئذ فلا تقومُ به حجةٌ، على أنهُ لا تقومُ بهِ الحجةُ ولوْ صحَّ رفَعُهُ لأنَّ المرادَ ليسَ عليهِ ذلك منْ حيثُ هو مستعيرٌ لأنهُ لوِ التزمَ الضمانَ لَلَزِمَهُ.\nوحديثُ الباب كثيرًا ما يستدلونَ منهُ بقولِه: \"على اليدِ ما أخذتْ حتَّى تؤدِّيه\" على التضمين، ولا دلالة فيه صريحة، فإنَّ اليدَ الأمينةَ أيضًا عليها ما أخذت حتى تؤدي، ولذلكَ قلْنا: وربَّما يُفْهَمُ، ولم يبقَ دليلٌ على تضمينَ العاريةِ إلَّا قولَه - ﷺ -: \"عاريةٌ مضمونةٌ\" في حديثِ (^٥) صفوانَ، فإنَّ وصْفَها بمضمونةٍ يحتملُ أنَّها صفةٌ موضحةٌ، وأنَّ المرادَ من شأْنِها الضمانُ فيدلُّ على ضمانِها مطلقًا، ويحتملُ أنها صفةٌ للتقييدِ وهوَ الأظهرُ لأنها تأسيسٌ، ولأنَّها كثيرةٌ، ثمَّ ظاهرهُ أن المرادَ عاريةٌ قدْ ضَمِنَّاها لكَ، وحينئذٍ يحتملُ أنهُ يلزمُ، ويحتملُ أنهُ غيرُ لازمٍ بلْ [هو] (^٦) كالوعدِ وهوَ بعيدٌ، فيتمُّ الدليلُ بالحديثِ للقائلِ إنها تضمنُ - وهو الأظهرُ - بالتضمينِ، إما بطلبِ صاحِبها لهُ أو بتبرُّعِ المستعيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-886>من ظفر بحقه أخذه من ظالمه</span>\n٢/ ٨٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣/ ٤١ رقم ١٦٨).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٩١) من طريق الدارقطني الذي يقول: عمرو وعبيدة ضعيفان، وإنما يروي عن شريح القاضي غير مرفوع. وحديث شريح موقوف عليه أخرجه الدارقطني (٣/ ٤١ رقم ١٧٠)، والبيهقي (٦/ ٩١) وقال: هذا هو المحفوظ. وأخرجه ابن حزم (٩/ ١٧٠).\n(^٣) في المخطوط والمطبوع: \"ابن عمر\"، والصواب \"ابن عمرو\" كما أثبتناه، فإنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والجد هو عبد اللهِ بن عمرو بن العاص كما تقدم.\n(^٤) لابن الأثير (٣/ ٣٨١).\n(^٥) يأتي برقم (٤/ ٤٨٢) من كتابنا هذا.\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"5","page":174},{"text":"\"أدِّ الأَمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ (^١)، وأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣)، واسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِي (^٤)، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ (^٥) مِنَ الحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﵁ -: أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائْتمنكَ، ولا تخنْ مَنْ خانكَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنَهُ وصحَّحَهُ الحاكمُ، واستَنْكَرَهُ أبو حاتمٍ الرازي، وأخرجَهُ جماعةٌ منَ الحفاظِ وهوَ شاملٌ للعاريةِ)، والوديعةِ، ونحوِهما، وأنهُ يجبُ أداءُ الأمانةِ كما أفادَهُ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٦). وقولُه: \"ولا تخنْ مَنْ خانكَ\" دليلٌ على أنهُ لا يُجَازَى بالإساءةِ مَنْ أساءَ. وحملَهُ الجمهورُ على أنهُ مُسْتَحَبٌّ لدلالةِ قولِه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٧)، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٨) على الجوازِ وهذِه هيَ المعروفةُ بمسألةِ الظفرِ وفيها أقوالٌ للعلماءِ. هذا القولُ الأولُ وهوَ الأشهرُ منْ أقوالِ الشافعيِّ (^٩)، وسواءٌ كانَ منْ جنسِ ما أُخِذَ عليه أو منْ غيره جِنْسِهِ.\nوالثاني: يجوزُ إذا كانَ منْ جنسِ ما أُخِذَ عليهِ لا منْ غيرِه، لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وقولِه: ﴿مِثْلُهَا﴾ وهو رأيُ الحنفيةِ (^١٠)، والمؤيَّد (^١١).\n_________\n(^١) في \"سننه\" (١٢٦٤) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٢) في \"سننه\" (٣٥٣٥).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٦).\n(^٤) انظر العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٧٥ رقم ١١١٤).\nوقال ابن الجوزي في \"العلل\" (٢/ ٥٩٣): وهذا الحديث من جميع طرقه لا يصح.\nوقال الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ٧٠٩) تعقيبًا على كلام ابن الجوزي: \"وهذا من مبالغاته، فالحديث من الطريق الأولى - أي حديث الباب - حسن، وهذه الشواهد والطرق ترقيه إلى درجة الصحة لاختلاف مخارجها ولخلوِّها من متهم، واللهُ أعلم\" اهـ.\n(^٥) انظر: \"الروضة الندية\" (٢/ ٣٠٩: ٣١١) بتحقيقنا.\n(^٦) سورة النساء: الآية ٥٨.\n(^٧) سورة الشورى: الآية ٤٠.\n(^٨) سورة النحل: الآية ١٢٦.\n(^٩) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٥/ ١٨٦ بحاشية مختصر سنن أبي داود).\n(^١٠) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ١٢٨).\n(^١١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٧٥).","vol":"5","page":175},{"text":"والثالث: لا يجوزُ ذلكَ إلا بحكم [الحاكم] (^١) لظاهرِ النَّهْي في الحديثِ، ولقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢). وأُجِيبَ بأنه ليسَ أكلًا بالباطلِ. والحديثُ يُحْمَلُ فيهِ النَّهْيُ على التنزيه.\nالرابعُ: لابنِ حزمٍ أنهُ يجبُ عليهِ أنْ يأخذَ بقدْرِ حقِّه سواءٌ كانَ منْ نوع ما هوَ لهُ أوْ من غيرِه، ويبيعُه ويستوفي حقَّه، فإن فَضَلَ على ما هوَ له ردَّهُ لهُ أو لورثتِه، وإن نقصَ بقيَ في ذمةِ مَنْ عليهِ الحقُّ، فإنْ لم يفعلْ ذلك فهو عاصٍ للهِ [تعالى] (^٣)، إلَّا أنْ يُحْلِلَهُ ويبرئَه فهوَ مأجورٌ، فإنْ كانَ الحقُّ الذي لهُ لا بينةَ له عليهِ وظَفَرَ بشيءٍ منْ مالِ مَنْ عندَهُ لهُ الحقُّ أَخَذَهُ، فإنْ طُولِبَ أنْكَرَ، فإن استُحلفَ حلفَ وهوَ مأجور في ذلكَ. قالَ: وهذَا هوَ قولُ الشافعيِّ (^٤)، وأبي سليمانَ (^٥)، وأصحابهما، وكذلكَ عندنَا كلُّ مَنْ ظَفَرَ لظالمٍ بمالٍ ففَرضَ عليهِ أخذَه وإنصافَ المظلومِ منْهُ، واستدلَّ بالآيتينِ وبقولِه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (^٦)، وبقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ (^٧)، وبقولِه تعالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (^٨)، وبقولِه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وبقولِه - ﷺ - (^٩) لهندٍ امرأةِ أبي سفيانَ: \"خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ\" لما ذكرتْ لهُ أن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وأنهُ لا [يعطيني] (^١٠) ما يكفيني وَبَنيَّ، فهلْ عليَّ منْ جُناحٍ أنْ آخُذَ منْ مالِه شيئًا؟ ولحديثِ البخاريِّ (^١١):\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٨٨.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سبق في القول الأول مذهب الشافعي في المشهور عنه.\n(^٥) انظر: \"معالم السنن\" له (٥/ ١٨٥، ١٨٦).\n(^٦) سورة الشورى: الآية ٤١.\n(^٧) سورة الشورى: الآية ٣٩.\n(^٨) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(^٩) انظر تخريجه برقم (١/ ١٠٦٩) من كتابنا هذا، وهو متفق عليه.\n(^١٠) في (أ): \"يعطي\".\n(^١١) في صحيحه (٦١٣٧).\nقلت: وأخرجه مسلم (١٧٢٧)، وأبو داود (٣٧٥٢)، والترمذي (١٥٨٩)، وابن ماجه (٣٦٧٦)، وأحمد (٤/ ١٤٩)، والبيهقي (٩/ ١٩٧)، من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - مرفوعًا.","vol":"5","page":176},{"text":"\"إنْ نزلتُم بقومٍ فأمَرُوا لكمْ بما ينبغي للضيفِ فاقبلُوا، فإن لم يفعلُوا فخذُوا منْهم حقَّ الضيفِ\". واستدلَّ بكونه إذا لم يفعلْ عاصيًا بقولِه تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١).\nقالَ: فمنْ ظفرَ بمثلِ ما ظُلِمَ فيهِ هوَ، أوْ مسلمٌ، أو ذِمِّيٌ فلم يزلْه عنْ يدِ الظالمِ، ويرَدُّ إلى المظلومِ حقَّه فهوَ أحدُ الظالِمينَ، ولم يعِنْ على البرِّ والتقْوى بلْ أعانَ على الإثم والعدوانِ، وكذلكَ أمرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - (^٢) منْ رأى مُنْكَرًا أنْ يغيِّرَهُ بيدِه إنِ استطاعَ فمنْ قَدَرَ على قطعِ الظلمِ وكفِّهِ وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه فلم يفعلْ فقدْ قَدَرَ على إنكارِ المنكرِ ولم يفعلْ، فقدْ عَصَى رسول اللهِ - ﷺ -. ثمَّ ذكرَ حديثَ أبي هريرةَ فقالَ: هو من روايةِ طَلْقِ (^٣) بن غنَّامٍ، عنْ شريكٍ (^٤)، وقيسِ (^٥) بن الربيعِ، وكلُّهم ضعيفٌ، قالَ: ولئنْ صَحَّ فلا حجةَ فيهِ، لأنهُ ليسَ انتصافُ المرءِ منْ حقِّهِ خيانةً بلْ هوَ حقٌّ واجبٌ، وإنكارُ مُنْكَرٍ. وإنَّما الخيانةُ أنْ تخون بالظلمِ الباطل مَنْ لا حقَّ لك عِنْدَهُ.\nقلتُ: ويؤيدُ ما ذهبَ إليه حديث (^٦): \"انصر أخاكَ ظالمًا أو مظْلومًا\"، فإنَّ الأمرَ ظاهرٌ في الإيجاب، ونصرُ الظالمِ بإخراجِه عن الظلمِ، وذلكَ بأخذِ ما في يدِه مما هو في يده لغيرِه ظلمًا.\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، والترمذي (٢١٧٢)، والنسائي (٨/ ١١١، ١١٢ رقم ٥٠٠٨، ٥٠٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٣)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا بلفظ: \"من رأى منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\".\n(^٣) قال الحافظ في \"التقريب\": (١/ ٣٨٠ رقم ٥٠): ثقة.\n(^٤) قال الحافظ (١/ ٣٥١): صدوق يخطئ كثيرًا، تغيَّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع.\n(^٥) قال الحافظ (٢/ ١٢٨): صدوق تغيَّر لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به.\nقلت: ومثل حديث هذان يقبل في المتابعات وقد توبعا، انظر: \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ٧٠٨، ٧٠٩ رقم ٤٢٣)، وتقدَّم تخريج الحديث في أول الباب.\n(^٦) أخرجه البخاري (٢٤٤٣)، وطرفاه (٢٤٤٤، ٦٩٥٢)، والترمذي (٢٢٥٥)، وأحمد (٣/ ٩٩، ٢٠١) من حديث أنس - ﵁ -، وفي الباب من حديث جابر وابن عمر - ﵄ -.","vol":"5","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-887>ضمانَ العارية</span>\n٣/ ٨٤١ - وعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاِثينَ دِرْعًا\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ، أوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: \"بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-888>ترجمة يعلى بن أمية</span>\n(وعنْ يَعْلَى بِنْ أميةَ) (^٥) ويقالُ مُنَيَّةُ بضمِّ الميم وفتحِ النونِ، وتشديدِ التحتيةِ، صحابيٌّ مشهورٌ. (قال: قالَ لي رسولُ اللهِ - ﷺ -: إذا أتتْكَ رُسُلي فأعطِهمْ ثلاثين دِرعًا، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أعاريةٌ مضمونةٌ أو عاريةٌ مؤداةٌ؟ قالَ: بلْ عاريةٌ مؤدَّاةٌ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ). المضمونةُ التي تضمنُ إنْ تلفتْ بالقيمةِ، والمؤداةُ التي تجبُ تأديتُها معَ بقاءِ عَيْنِها فانْ تلفتْ لم تُضْمَنْ بالقيمةِ. والحديثُ دليلٌ لمنْ ذهبَ إلى أنَّها لَا تُضْمَنُ العاريةُ إلا بالتضمينِ. [وقد] (^٦) تقدَّمَ أنهُ أوضحُ الأقوالِ.\n٤/ ٨٤٢ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أغَصْبٌ يَا مُحَمدُ؟ قَالَ: \"بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وأَحْمَدُ (^٨)، وَالنَّسَائِيُّ (^٩)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^١٠) [حسن]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٢٢).\n(^٢) في \"سننه\" (٣٥٦٦).\n(^٣) في \"سننه الكبرى\" (٣/ ٤٠٩ رقم ٥٧٧٦/ ١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (ص ٢٨٥ رقم ١١٧٣ - الموارد).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٩٣ رقم ١٥٩) وهو حديث حسن، انظر: \"الصحيحة\" للألباني (رقم ٦٣٠).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٤٥٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٨/ ٤١٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٠١)، و\"أسد الغابة\" (٥/ ٥٢٣)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٠٠ رقم ٢٠).\n(^٦) زيادة من (أ)\n(^٧) في \"سننه\" (٣٥٦٢).\n(^٨) في \"مسنده\" (٣/ ٤٠١)، (٦/ ٤٦٥).\n(^٩) في \"سننه الكبرى\" (٩/ ٤٠٣، ٤١٠ رقم ٥٧٧٨/ ٣) من مرسلات عطاء.\n(^١٠) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧). =","vol":"5","page":178},{"text":"- وَأَخْرَجَ (^١) لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-889>ترجمة صفوان بن أمية</span>\n(وعنْ صفوانَ (^٢) بن أمية) قرشيٌّ من أشرافِ قريشٍ، هربَ يومَ الفتحِ فاستؤمن لهُ فعادَ (^٣)، وحضرَ معَ النبيِّ - ﷺ - حُنَيْنًا، والطائفَ كافرًا، ثمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، (أن النبيَّ - ﷺ - استعارَ منهُ دروعًا يومَ حنينٍ فقالَ: أغصْبٌ يا محمدُ؟ [فقال] (^٤) بلْ عاريةٌ مضمونةٌ. رواة أبو داودَ، وأحمدُ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ. وأخرجَ لهُ شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباسِ) ولفظُه (^٥): \"بلْ عاريةٌ مؤدَّاةٌ\". وفي عددِ الدروعِ رواياتٌ فلأبي داودَ (^٦): وكانتْ ما بينَ الثلاثينَ إلى الأربعينَ، وللبيهقيِّ (^٧)\n_________\n= قلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٣٩ رقم ١٦١)، والبيهقي (٦/ ٨٩)، وللحديث شاهدان يرتقي بهما للحسن:\nالأول: من حديث جابر، أخرجه الحاكم (٣/ ٤٨، ٤٩)، وعنه البيهقي (٦/ ٨٩).\nالثاني: ما ذكره المصنف وهو الآتي.\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧) وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٨٨)، والدارقطني (٣/ ٣٨ رقم ١٥٧).\nقلت: وفي سنده: إسحاق بن عبد الواحد القرشي متروك الحديث، وقال الذهبي في \"الميزان\" (١/ ١٩٤ رقم ٧٧٣): \"واهٍ\".\nوهو حديث حسن بشواهده، والله أعلم. انظر: \"الصحيحة\" للألباني (٢/ ٢٠٨ رقم ٦٣١).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٤٤٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٠٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٢١)، و\"الإصابة\" (٥/ ١٤٥)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٥٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٥٦٢ رقم ١١٩).\n(^٣) في المخطوط: \"معاذ\"، والتصويب من المطبوع، وفي \"السير\" (٢/ ٥٦٥) نقلًا عن مغازي ابن عقبة: \"فر صفوان عامدًا للبحر وأقبل عمير بن وهب بن خلف إلى رسول اللهِ - ﷺ - فسأله أمانًا لصفوان، وقال: قد هرب وأخشى أن يهلك وإنك قد أمَّنت الأحمر والأسود. قال: أدرك ابن عمك فهر آمن\" اهـ.\n(^٤) في (ب): \"قال\".\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧).\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٨٢٣ رقم ٣٥٦٣).\n(^٧) في \"سننه الكبرى\" (٦/ ٨٩، ٩٠) وقال: وإن كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول، والله أعلم.","vol":"5","page":179},{"text":"في حديثٍ مُرْسَلٍ كانتْ ثمانينَ، وللحاكمِ (^١) منْ حديثِ جابرٍ كانتْ مائةَ درعٍ وما يُصْلِحُها، وزادَ (^٢) أحمدُ والنسائيُّ في روايةِ ابن عباسٍ فَضَاعَ بعضُها فعرضَ النبيُّ - ﷺ - أنْ يضْمَنَهَا لهُ فقالَ: أنا اليومَ يا رسولَ اللهِ أرغبُ في الإسلام.\nوقولُه: مضمونةٌ، تقدَّمَ (^٣) الكلامُ عليْها، وأنَّ أصْلَ الوصفِ التقييدُ، وأنهُ الأكثرُ، فهوَ دليل على ضمانِها بالتضمينِ كما أسلفْنا، لا أنهُ يَحْتَمِلُ ويكونُ مجملًا كما قيلَ، قالَهُ الشارحُ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٣/ ٤٨، ٤٩)، وهو أيضًا عند البيهقي (٦/ ٨٩).\n(^٢) هذه الزيادة في \"المسند\" (٣/ ٤٠١)، (٦/ ٤٦٥)، ولكن من رواية صفوان بن أمية لا كما أشار الشارح أنها من رواية ابن عباس، وكذلك هي في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٣/ ٤٠٩، ٤١٠ رقم ٥٧٧٨/ ٣)، وهي أيضًا ليست من رواية ابن عباس ولكنها من مرسلات عطاء، والله أعلم.\n(^٣) أثناء شرح الحديث السابق.","vol":"5","page":180},{"text":"<span data-type='title' id=toc-890>[الباب الثاني عشر] باب الغصب</span>\nهو صدر غصَبَهُ يغصِبُهُ: أخذه ظلمًا، كاغتصبت، كما في القاموس.\n\n<span data-type='title' id=toc-891>غصب الأرض وعقوبته</span>\n١/ ٨٤٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عنْ سعيدِ بن زيدٍ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ اقتطعَ شِبْرًا منَ الأرضِ) أي: مَنْ أخذهُ وهوَ أحدُ ألفاظِ الصحيحينِ (ظُلْمًا، طوَّقَهُ اللهُ إياهُ يومَ القيامةِ منْ سبْعِ أرضينَ. متفقٌ عليهِ). اختُلِفَ (^٢) في معنَى التطويقِ؛ فقيلَ معناهُ: أنه يُعاقَبُ بالخسْفِ إلى سبعِ أرضينَ فتكونُ كلُّ أرضٍ في تلكَ الحالةِ طَوْقًا في عنقِه، ويؤيدُه أن في حديثِ (^٣) ابن عُمَرَ خُسِفُ بهِ يومَ القيامةِ إلى سبع أرضينَ. وقيلَ: يكلفُ نقلَ ما ظلمَهُ منْها يومَ القيامةِ إلى المحشرِ، [وتكون] (^٤) كالطوقِ في عُنُقِهِ لا أنهُ طَوْقٌ حقيقةً، ويؤيدُه حديثُ: \"أيُّما رجلٍ ظلمَ شبرًا منَ الأرضِ كلَّفهُ اللهُ أن يحفرَه حتَّى يبلغَ آخرَ سبْعِ أرضينَ ثمَّ يطوقهُ حتَّى يُقْضَى بينَ الناسِ\" أخرجهُ الطبرانيُّ (^٥)،\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٥٢)، وطرفه في (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٩٥، ٢٩٦)، والبيهقي (٦/ ٩٨).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٠٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥/ ١٠٣ رقم ٢٤٥٤)، وطرفه في (٣١٩٦).\n(^٤) في (ب): \"ويكون\".\n(^٥) في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٢٧٠ رقم ٦٩٢).","vol":"5","page":181},{"text":"وابنُ حبانَ (^١) من حديثِ يعلى بن مرةَ مرفُوعًا.\nولأحمدَ (^٢)، والطبرانيِّ (^٣): \"مَنْ أخَذَ أرْضًا بغيرِ حقِّها كُلِّفَ أنْ يحملَ ترابَها إلى المحشرَ\"، وفيهِ قولانِ آخرانِ. والحديثُ دليلٌ على تحريم الظلمِ والغصْبِ، وشدةِ عقوبتهِ، وإمكانِ غَصْبِ الأرضِ، وأنهُ منَ الكبائرِ، وَأنَّ مَنْ مَلَكَ أرْضًا مَلَكَ أسْفَلَها إلى تخوم الأرضِ، ولهُ منعُ مَنْ أرادَ أن يحفرَ تحتَها (^٤) سِرْبًا أو بِئْرًا، وأنهُ مَنْ ملكَ ظاهرَ الأرضِ ملكَ باطِنَها بما فيهِ منْ حجارةٍ، أو أبنيةٍ، أوْ معادنَ، وأنَّ لهُ أنْ ينزلَ بالحفرِ ما شاءَ ما لم يضرَّ مَنْ يجاورُه، وأنَّ الأرضينَ السَّبعَ متراكمةٌ لم يفتقْ بعضُها منْ بعضٍ، لأنَّها لو فُتِقَتْ لاكْتُفِيَ في حقِّ هذا الغاصبِ بتطويقِ التي غصبَهَا لانفصَالِها عما تحتَها، وفيهِ دلالةٌ على أن الأرضَ تصيرُ مغصوبةً بالاستيلاءِ عليها. وهلْ تُضْمَنُ إذا تلفتْ بعدَ الغصْبِ، فيهِ خلافٌ، فقيلَ لا تضمنُ لأنهُ إنما يضمنُ ما أخذَ لقولِه (^٥) - ﷺ -: \"على اليدِ ما أخذتْ حتّى تُؤَدِّيَهُ\" قَالُوا: ولا يقاسُ ثبوتُ اليدِ على النقلِ في المنقُولِ لاختلافِهما في التصرُّفِ. وذهبَ الجمهورُ (^٦) إلى أنها تضمنُ بالغصْبِ قياسًا على المنقولِ المتّفقِ على أنَّهُ يضْمنُ بعدَ النَّقلِ بجامعِ الاستيلاءِ الحَاصلِ في نقلِ المنْقُولِ، وفي ثبوتِ اليدِ على غير المنقولِ، بل الحقُّ أن ثبوتَ اليدِ استيلاءٌ وإن لم ينقلْ. يقالُ: استولَى الملكُ على البلدِ، واستولَى زيدٌ على أرضِ عمرٍو. وقولُه: شبرًا، وكذَا ما فوقَهُ بالأَوْلَى، وما دونَه داخلٌ في التحريمِ، وإنَّما لم يذكرْ لأنهُ قدْ لا يقعُ إلا نادرًا. وقدْ وقعَ في بعضِ ألفاظِه عندَ البخاريِّ (^٧) شيئًا عوضًا عن شبرٍ فعمَّ. إلَّا أن\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٦٧، ٥٦٨ رقم ٥١٦٤).\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٧٣)، وصحَّحه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ٤٢٩ رقم ٢٤٠).\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ١٧٢، ١٧٣).\n(^٣) في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٢٦٩، ٢٧٠ رقم ٦٩٠، ٦٩١)، وهو نفس الحديث السابق.\n(^٤) في المخطوط \"سرابًا\"، والصواب ما أثبتناه وهو في المطبوع، وانظر: \"القاموس المحيط\" (ص ١٢٣).\n(^٥) تقدم تخريجه برقم (١/ ٨٣٩) من كتابنا هذا.\n(^٦) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٣٧، ١٣٨) بتحقيقنا.\n(^٧) في صحيحه (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد - ﵁ -. وكذا في \"صحيحه\" (٢٤٥٤) من حديث ابن عمر - ﵄ -.","vol":"5","page":182},{"text":"الفقهاءَ يقولونَ: إنهُ لا بُدَّ أنْ يكونَ المغصوبُ لهُ قيمةٌ، وألزموا أنهُ حينئذٍ يأكلُ الرجلُ صاعَ تمرٍ أو زبيبٍ علَى واحدةٍ واحدةٍ فلا يضمنُ، فيأكلُ عمرَهُ منَ المالِ الحرامِ ولا يضمنُ وإنْ أثِمَ، كأكلِه منَ الخبزِ واللحمِ على لقمةٍ لقمةٍ منْ غيرِ استيلاءٍ على الجميعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-892>من أتلف شيئًا ضمنه</span>\n٢/ ٨٤٤ - وعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: \"كُلُوا\"، وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُول، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإنَاءٌ بإنَاء\"، وَصَحَّحَهُ. [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ عندَ بعضِ نسائِه فأرسلتْ إحدَى أمهاتِ المؤمنينَ) سمَّاها ابنُ حزمٍ (^٣) زينبَ بنتَ جحشٍ (معَ خادِمٍ لها) قالَ: المصنفُ - ﵀ -: لم أقفْ على اسمِ الخادمِ (بقصعةٍ فيها طعامٌ، فضربتْ بيدِها فَكَسَرَتْ القصعةَ، فضمَّها، وجعلَ فيها الطعامَ وقالَ: كُلوا، ودفعَ القصعة الصحيحةَ للرسولِ، وحَبَسَ المكسورةَ. رواهُ البخاريُّ، والترمذيُّ، وسمَّى الضاربةَ عائشةَ. وزادَ: فقالَ النبيُّ - ﷺ -: طعامٌ بطعامٍ، وَإِنَاءٌ بإناءٍ، وصحَّحَهُ). واتفقتْ مثلُ هذِهِ القصةِ منْ عائشَةَ في صحفةِ أمِّ سلمةَ فيما أخرجَهُ النّسائيُّ (^٤) عنْ أمِّ سلمةَ: \"أنَّها أتتْ بطعامٍ في صحفةِ إلى النبيِّ - ﷺ - وأصحابِه، فجاءتْ عائشةُ متزرةً بكساءٍ، ومعَها فِهرٌ (^٥)،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٢٤٨١) وطرفه في (٥٢٢٥).\n(^٢) في سننه (١٣٥٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٦٧)، والنسائي (٣٩٥٥) وابن ماجه (٢٣٣٤)، وأحمد (٣/ ١٠٥).\n(^٣) في \"المحلَّى\" (٨/ ١٤١).\n(^٤) في \"سننه\" (٣٩٥٦)، وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٦٠).\n(^٥) قال في \"القاموس\" (ص ٥٨٩): الفِهر: بالكسر، الحجر قدر ما يدق به الجوز أو ما يملأ الكف. اهـ.","vol":"5","page":183},{"text":"ففلقتْ بهِ الصَّحْفَةَ - الحديثَ. وقدْ وقعَ مثلُها لحفصةَ (^١)، وأنَّ عائشة كسرتِ الإناءَ\". ووقعَ مثلُها لصفيةَ (^٢) معَ عائشةَ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن منِ استهلكَ على غيرِه شيئًا كانَ مضمونًا بمثلِه، وهوَ متفقٌ عليهِ في المِثْلِيِّ منَ الحبوبِ وغيرِها. وأما القيميِّ ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ. الأولُ للشافعيِّ (^٣) والكوفيينَ: أنهُ يجبُ فيهِ المثلُ حيوانًا كانَ أو غيرَهُ، ولا تجزئُ القيمةُ إلَّا عندَ عدمِه. والثاني للهادويةِ (^٤): أن القيميَّ يُضْمَنَ بقيمتِه. وقالَ مالكٌ (^٥) والحنفيةُ (^٦): أما ما يُكالُ أو يُوزَنُ فمثلُه وما عدَا ذلكَ منَ العُروضِ والحيواناتِ فالقيمةُ. واستدلَّ الشافعيُّ ومَنْ معَهُ بقولِ النبيّ - ﷺ -: \"إناءٌ بإناءٍ وطعامٌ بطعامٍ\"، وبما وقعَ في روايةِ ابن أبي حاتمٍ (^٧): \"منْ كسرَ شيئًا فهوَ له عليهِ مثلُه\". زادَ في روايةِ الدارقطنيِّ (^٨): فصارتْ قضيةً، أي مِنَ النَّبيِّ - ﷺ -، أي حُكمًا عامًا لكلِّ مَنْ وقعَ لهُ مثلُ ذلكَ، فاندفعَ قولُ مَنْ قالَ إنَّها قضيةُ عينٍ لا عمومَ فيها، ولو كانتْ كذلكَ لكانَ قولُه - ﷺ -: \"إناءٌ بإناءٍ وطعامٌ بطعامٍ\" كافيًا في الدَّلِيلِ على أن ذكرَه للطَّعام أوضح في التشريعِ العامِّ، لأنهُ لا غرامة هنا للطعامِ بلِ الغرامةُ\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٥٣ رقم ١٤)، من حديث عمران بن خالد الخزاعي عن ثابت عن أنس - ﵁ -. وفيه: \"قال عمران أكبر ظني أنه قال حفصة\"، قال أبو زرعة فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٦٦ رقم ١٤٠٠): هذا خطأ - (أي رواية عمران عن ثابت) - رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي المتوكل عن النبي - ﷺ - وهو الصحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي (٣٩٥٧)، وأحمد (٦/ ١٤٨، ٢٧٧)، وحسَّنه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٢٥).\n(^٣) انظر: \"روضة الطالبين\" (٤/ ٢٥٥).\n(^٤) قال في \"البحر الزخار\" (٥/ ٧٥): وفاسده (أي فاسد الضمان) أي يضمن بغير ما قد وجب كبقيمي قد تلف، ومعنى كبقيمي: الكاف للتشبيه، القيمي: أي ذو قيمة مادية أو ثمن معلوم. وانظر (٤/ ١٧٤).\n(^٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٣٨) بتحقيقنا.\n(^٦) ما نقله الشارح يوافق ما ذكر ابن حزم في \"المحلَّى\" (٨/ ١٤٠)، أما ابن رشد فقال في \"البداية\" (٤/ ١٣٨): \"واختلفوا في العروض فقال مالك: لا يقضي في العروض من الحيوان وغيره إلا بالقيمة يوم استهلك، وقال الشافعي وأبو حنيفة وداود: الواجب في ذلك مثل ولا تلزم القيمة إلَّا عند عدم المثل\" اهـ.\n(^٧) ذكره في \"العلل\" (١/ ٤٦٦ رقم ١٤٠٠).\n(^٨) في \"سننه\" (٤/ ١٥٣ رقم ١٤)، وتقدم آنفًا.","vol":"5","page":184},{"text":"للإناءِ. وأما الطعامُ فهوَ هديةٌ لهُ - ﷺ -، فإنْ عدمَ المثلُ فالمضمونُ لهُ مخيَّرٌ بينَ أنْ يمهلَهُ حتَّى يجدَ المِثْلَ، وبينَ أنْ يأخذَ القيمةَ. واستدلَّ في البحرِ (^١) وغيرِه لمنْ قالَ بوجوبِ القيمةِ بأنَّهُ - ﷺ - قَضَى (^٢) على مَنْ أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ أنْ يقوَّمَ عليهِ باقيهِ لشَريكِهِ. قالوا: فقضَى - ﷺ - بالقيمةِ، وأجيبَ بأنَّ المعتِقَ نصيبَه منْ عبدٍ بينَه وبين آخرِ لم يستهلك شيئًا، ولا غصبَ شيئًا، ولا تعدَّى أصلًا بلْ أعتقَ حِصَّتَهُ التي أباحَ اللهُ لهُ عِتْقَها، ثمَّ إنَّ المستهلكَ بزعمِ المستدلِّ هُنَا هوَ الشِّقْصُ منَ العبدِ، ومناظرةُ شقصٍ لشقصٍ [بعيد] (^٣)، فيكونُ النقدُ أقربَ وأبعدَ منَ الشجارِ، على أن التقويمَ لغةً يشملُ التقديرَ بالمثلِ أو بالقيمةِ، وإنما خُصَّ اصطلاحًا بالقيمةِ. وكلامُ الشارعِ يفسَّرُ باللغةِ لا بالاصْطلاحِ الحادثِ، واستدلَّ بإمسَاكِهِ - ﷺ - أكسارَ القصعةِ في بيتِ التي كَسَرتْ للهادويةِ (^٤) والحنفيةِ (^٥) القائلينَ بأنَّ العينَ المغصوبةَ إذا زالَ بفعلِ الغاصبِ اسمُها ومعظمُ نَفْعِهَا تصيرُ مُلْكًا للغاصبِ، قالَ ابنُ حزمٍ (^٦): إنهُ ليسَ في تعليمِ الظَلَمةِ أكلَ أموالِ الناسِ بالباطل أكثرُ من هذا، فيقالُ لكلِّ فاسقٍ إذا أردت أخْذَ قمح يتيمٍ أو غَيرِه، أوْ أكْلَ غنمه، واستحلالَ ثيابِه فاغصبها وقطعها ثيابًا على رغمِه، واذْبحْ غَنَمهُ واطبخْهَا، وخذِ الحنطةَ واطحنْها، وَكُلْ ذلكَ حلالًا طيبًا، وليسَ عليكَ إلا قيمةُ ما أخذْتَ، وهذا خلافُ القرآنِ في نَهْيِهِ تعالى (^٧) أنْ تُوكَلَ أموالُ الناسِ بالباطلِ، وخلافُ المتواترِ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - (^٨): \"إنَّ أموالكُمْ عليكمْ حرامٌ\"، واحتجَّ المخالفُ بقضيةِ القصْعةِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ فيها. واحتجُّوا (^٩) بخيرِ الشاةِ المعروفِ، وهوَ أن امرأةً دَعَتْهُ - ﷺ - إلى طعامٍ فأخبرتْه أنَّها أرادتِ ابتياعَ شاةٍ فلم تَجدْها، فأرسلتْ إلى جارةٍ لها أن\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٧٤، ١٧٥).\n(^٢) انظر تخريجه برقم (٥/ ١٣٤١) من كتابنا هذا وهو متفق عليه.\n(^٣) في (ب): \"تبعد\".\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٨١).\n(^٥) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ٨٧).\n(^٦) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ١٤٢).\n(^٧) قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الآية، البقرة: ١٨٨.\n(^٨) يأتي تخريجه برقم (٥/ ٨٤٧) من كتابنا هذا.\n(^٩) أخرجه أبو داود (٣٣٣٢)، وأحمد (٥/ ٢٩٣)، والبيهقي (٦/ ٩٧)، وقد صحَّحه الألباني (٢/ ٦٤١ رقم ٢٨٥٠).","vol":"5","page":185},{"text":"ابعثي لي الشاةَ التي لِزَوْجِكِ فَبَعَثَتْ بهَا إليْهَا، فأمرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بالشاةِ أنْ تُطعَمَ الأُسارى. قالوا: فهذا يدلُّ على أن حقَّ صاحبِ الشاةِ قدْ سقطَ عنْها إذا شُوِيَتْ، وأجيبَ بأنَّ الخبرَ لا يصحُّ فإنْ صحَّ فهوَ حجةٌ عليهم لأنهُ خلافُ قولهم؛ إذْ فيهِ أنهُ - ﷺ - لم يُبْقِ ذلكَ اللحمَ في مُلْكِ التي أخذتها بغيرِ إذنِ مالكِها، وهمْ يقولونَ إنهُ للغاصبِ، وقدْ تصدَّقَ بها - ﷺ - بغيرِ إذْنِها، وخبرُ شاةِ الأُسارى قدْ بحثْنا فيهِ في منحةِ الغفارِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-893>من غصب أرضًا فزرعها فله ما غرم</span>\n٣/ ٨٤٥ - وَعَنْ رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ\"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٢)، والأَرْبَعَةُ (^٣) إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. ويُقَالُ إنَّ البُخَارِيَّ (^٤) ضَعَّفَهُ. [صحيح بشواهده]\n(وعنْ رافعِ بن خَديجٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: منْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذْنِهِمْ، فليسَ لهُ من الزرعِ شيءٌ، ولهُ نَفَقَتُهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا النسائيَّ، وحسَّنَهُ الترمذيُّ. ويقالُ إنَّ البخاريَّ ضعَّفَه). وهذا القولُ عن البخاريِّ ذَكَرَهُ الخطابيُّ (^٥)، وخالفَهُ الترمذيُّ فَنَقَلَ عن البخاريِّ تحسينُه، إلَّا أنهُ قالَ أبو زرعَةَ\n_________\n(^١) حاشية للشارح على ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار (٣/ ١٧٤٧، ١٧٤٨).\n(^٢) في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٥)، (٤/ ١٤١).\n(^٣) أبو داود (٣٤٠٣)، والترمذي (١٣٦٦)، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (٢٤٦٦).\n(^٤) قال الترمذي (٣/ ٦٤٨): \"وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن\" اهـ.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١٣٦) وابن أبي شيبة (٧/ ٨٩) والطيالسي (١/ ٢٧٨ رقم ١٤٠١ - منحة المعبود)، والطحاوي (٤/ ١١٧، ١١٨) وذكره الديلمي في \"الفردوس\" (٣/ ٤٧٨ رقم ٥٤٨١)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (رقم: ٧٠٨)، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٥٠ رقم ١٥١٩) بشواهده.\n(^٥) في \"معالم السنن\" (٥/ ٦٤).","vol":"5","page":186},{"text":"وغيرُه (^١): لمْ يسمعِ ابنُ أبي رباحٍ منْ رافعٍ بن خُدَيجٍ. وقد اختلفَ فيهِ الحفَّاظُ اختلافًا كثيرًا، ولهُ شواهدُ تقويهِ، وهوَ دليلٌ على أن غاصِبَ الأرضِ إذا زَرَع الأرضَ لا يملكُ الزرعَ، وأنهُ لمالكِها، ولهُ ما غَرِمَ على الزرعِ منَ النفقةِ والبذْرِ. وهذا مذهبُ أحمدَ بن حنبلٍ (^٢)، وإسحاقَ، ومالكٍ (^٣)، وهوَ قولُ أكثرِ علماءِ المدينةِ، والقاسمِ بن إبراهيم، وإليهِ ذهبَ أبو محمد (^٤) ابنُ حزم، ويدلُّ لهُ حديثُ: \"ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ\" سيأتي (^٥)؛ إذِ المرادُ بهِ مَنْ غرسَ، أَو زَرَعَ، أو بَنَى، أوْ حَفَرَ في أرْضِ غيرِهِ بغيرِ حقٍّ ولا شُبهةٍ، وذهبَ الأكثر من الأمةِ إلى أنَّ الزرعَ لصاحب البذْرِ الغاصبِ، وعليهِ أجرةُ الأرضِ، واستدلُّوا بحديثِ (^٦): \"الزرعُ للزارعِ [ولو] (^٧) كانَ غاصِبًا\" إلَّا أنهُ لم يُخرجْهُ أحدٌ، قالَ في المنارِ: وقدْ بحثتُ عنهُ فلمْ أجدْهُ، والشارحُ نقلَه وبيضَ لمخرجِهِ، واستدلُّوا بحديثِ: \"ليسَ لعرقِ ظالمٍ حقٌّ\"، ويأتي (٥). وهوَ لأهلِ القولِ الأولِ أظهرُ في الاستدلالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-894>يخيَّر الزارع الغاصب بين إخراج فرسه أو أخذه نفقته عليه</span>\n٤/ ٨٤٦ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ - ﵄ - قَالَ: قالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا والأرضُ للآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ الله - ﷺ - بالأرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ وَقَالَ: \"لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٨)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [حسن]\n_________\n(^١) قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٧٦) عن الشافعي أنه قال: عطاء لم يدرك رافعًا ثم قال: قال أبي: بلى قد أدركه.\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٥/ ٣٩٤، ٣٩٥)، و\"سنن الترمذي\" (٣/ ٦٤٨).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٤٥: ١٤٨) بتحقيقنا.\n(^٤) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ١٤٤).\n(^٥) وهو الحديث الآتي برقم (٤/ ٨٤٦) من كتابنا هذا.\n(^٦) قال الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ١٢٤ رقم ٨٨): باطل لا أصل له. ثم ذكر أنه مخالف لحديثين هما: حديث الباب (٣/ ٨٤٥) والذي يليه (٤/ ٨٤٦) من كتابنا هذا.\n(^٧) في (ب): \"وإنْ\".\n(^٨) في \"سننه\" (٣٠٧٤). =","vol":"5","page":187},{"text":"- وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ (^١) مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بن زَيْدٍ، وَاخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ. [صحيح]\n(وعنْ عروةَ بن الزبيرِ - ﵁ - قالَ: قالَ رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -: إنَّ رجلينِ اختَصما إلى رسولِ الله - ﷺ - في أرضٍ غَرَسَ أحَدُهما فيها نخلًا، والأرضُ للآخَرِ، فقضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - بالأرضِ لصاحبها، وأمرَ صاحبَ النخلِ أن يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وقالَ: ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ) بالإضافةِ والتوصيفِ، وأنكرَ الخطابيُّ الإضافةَ (حقٌّ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه حسنٌ، وآخرُهُ عندَ أصحابِ السننِ منْ روايةِ عروةَ عنْ سعيدِ بن زيدٍ، واختُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسَالِهِ، وفي تعيينِ صحابيِّهِ)، فرواهُ أبو داود (^٢) منْ طريقٍ عن عروةَ مرسلًا، ومنْ طريقٍ أخرَى متصلًا (^٣) منْ روايةِ محمدِ بن إسحاقَ، [و] (^٤) قالَ: فقالَ رجلٌ منْ أصحاب النبيّ - ﷺ - وأكثرُ ظَنِّي أنهُ أبو سعيدٍ. وفي البابِ عن عائشةَ أخرجَهُ أبو داودَ الطيالسيُّ (^٥)، وعنْ سمرةَ عندَ أبي داودَ (^٦)، والبيهقيِّ (^٧)،\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (رقم ٧٠٧)، والدارقطني (٣/ ٣٥ رقم ١٤٤)، والبيهقي (٦/ ١٤٢)، وقد حسَّنه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٥/ ٣٥٥)، وله شواهد منها ما سيأتي.\n(^١) أبو داود (٣٠٧٣) وعنه البييهقي (٦/ ١٤٢)، والترمذي (١٣٧٨)، وقال: \"هذا حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا\".\nقلت: وأخرجه مالك (٢/ ٧٤٣ رقم ٢٦)، عن هشام به مرسلًا، وكذلك أخرجه أبو عبيد في \"الأموال\" (٧٠٤)، والبيهقي (٦/ ١٤٢)، من طرق أخرى عن هشام به.\nويشهد له ما تقدم وما سيأتي في الباب، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٥٤).\n(^٢) في \"سننه\" (٣٠٧٤).\n(^٣) في \"سننه\" أيضًا (٣/ ٤٥٥ رقم ٣٠٧٥).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في مسنده (ص ٢٠٣ رقم ١٤٤٠).\nقلت: وعنه البيهقي (٦/ ١٤٢)، والدارقطني (٤/ ٢١٧ رقم ٥٠)، عنها قالت: قال رسول اللهِ - ﷺ -: \"العباد عباد اللهِ، والبلاد بلاد اللهِ، فمن أحيا من موات الأرض شيئًا فهو له وليس لعرق ظالم حق\". وفي سنده زمعة وهو ابن صالح: ضعيف، وأخرج له مسلم مقرونًا بغيره، وقال ابن أبي حاتمٍ (١/ ٤٧٤) عن أبيه: \"هذا حديث منكر\"، وتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٥٤) قائلًا: \"لكن له شاهد من حديث فضالة بن عبيد مرفوعًا دون الجملة الأخيرة، قال الهيثمي (٤/ ١٥٧): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٤٥٦ رقم ٣٠٧٧).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٤٢). =","vol":"5","page":188},{"text":"وعنْ عبادةَ وعبدِ اللهِ (^١) بن عمرٍو عندَ الطبرانيِّ. واختلفُوا في تفسيرِ عِرْقِ ظالمٍ، فقيلَ: هوَ أنْ يغرسَ الرجلُ في أرضِ غيره فيستحقُّها بذلكَ. وقالَ مالكٌ (^٢): كلُّ (^٣) ما أُخِذ [واحتُفِرَ] (^٤) غُرِسَ بغيرِ حقٍّ، وقالَ ربيعةُ: العِرْقُ الظالمُ يكونُ ظاهرًا، ويكونُ باطنًا، فالباطنُ ما احتفرَ الرجلُ منَ الآبارِ، واستخرجَه منَ المعادِن، والظاهرُ ما بناهُ أو غرسَهُ، وقيلَ الظالمُ منْ غرس أو بنى أو زَرَعَ أو حَفَرَ في أرْضِ غيرِهِ بغيرِ حقٍّ ولا شُبْهَةٍ. وكلُّ ما ذُكِرَ منَ التفاسيرِ متقارِبٌ ودليلٌ على أن الزارعَ في أرضِ غيرِه ظالمٌ ولا حقَّ لهُ، بلْ يُخَيَّرُ بينَ إخراجِ ما غرسَهُ أو أخذ نفقتِه عليهِ جمْعًا بينَ الحديثينَ منْ غيرِ تفرقةٍ بينَ زرْعٍ وشجرٍ، والقولُ بأنهُ دليلٌ على أن الزَّرْع للغاصبِ حَمْلٌ لهُ على خلافِ ظاهرِه، وكيفَ يقولُ الشارعُ ليسَ لِعرْقِ ظالمٍ حقٌّ ويسمِّيهِ ظالمًا، وينفي عنهُ الحقَّ، ونقولُ بلِ الحقُّ لهُ.\n٥/ ٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْر بمِنًى: \"إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هذَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي بَكْرَةَ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ في خطبتِه يومَ النحرِ بمنَى: إنَّ دماءَكُمْ وأموالكم عليكمْ حرامٌ، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذَا، في بلدِكم هذا. متفقٌ عليه). وما دلَّ عليهِ واضحٌ وإجماعٌ، ولو بدأ بهِ المصنفُ في أولِ بابِ الغصْبِ لكانَ أليقَ أساسًا، وأحسنَ افتتاحًا.\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ١٠١٥) دون الشطر الثاني منه، وكذا الطيالسي (ص ١٢٢ رقم ٩٠٦)، وأحمد (٥/ ١٢، ٢١) وعلَّته عنعنة الحسن البصري.\n(^١) ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٥٨)، وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد وغيره. اهـ.\nوذكره أيضًا (٤/ ١٥٧) من حديث عمرو بن عوف مرفوعًا وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\"، وفيه كثير بن عبد اللهِ وهو ضعيف اهـ.\n(^٢) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٧٤٣).\n(^٣) في المخطوط: \"كلما\"، وما أثبتناه من المطبوع و\"الموطأ\".\n(^٤) في (ب): \"حفر\".\n(^٥) البخاري (٦٧)، وأطرافه في (١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧) ومسلم (١٦٧٩)، وأبو داود (١٩٤٨)، وأحمد (٥/ ٣٧، ٣٩، ٤٠).","vol":"5","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-895>[الباب الثالث عشر] باب الشفعة</span>\nالشُّفعةُ بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ الفاءِ. في اشتقاقِها ثلاثةُ أقوالِ: قيلَ منَ الشَّفع وهوَ الزوجُ، وقيلَ منَ الزيادةِ، وقيلَ منَ الإعانةِ. وهيَ شرْعًا: [انتقالُ] (^١) حِصَّةٍ إلى حِصَّةٍ [بسبب شرعيٍّ كانت] (^٢) انتقلتْ إلى أجنبيٍّ بمثْلِ العوضِ المسمَّى، وقالَ أكثرُ الفقهاءً: إنَّها واردةٌ على خلافِ القياسِ، لأنَّها تُؤْخَذُ كَرْهًا، ولأنَّ الأذيةَ لا تُدْفَعُ عنْ واحدٍ بضررِ آخرَ. وقيلَ: خالفتْ هذا القياسَ ووافقتْ قياساتٍ أخرَ يدفعُ فيها ضررَ الغيرِ بضررٍ آخرَ، ويؤخذُ حقُّهُ كَرْهًا، كبيعِ الحاكمِ عن المتمرِّدِ والمفلسِ ونحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-896>الشفعة في المنقول</span>\n١/ ٨٤٨ - عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"بالشُّفْعَةِ في كُلِّ مَا لَمْ يقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n- وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم (^٤): \"الشُّفْعَةُ في كُلِّ شِرْكٍ: في أَرْضٍ، أوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ - وَفِي لَفْظٍ (^٥): لا يَحِلُّ - أنْ يَبيعَ حَتى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ\". [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"ضم\".\n(^٢) زيادة من (جـ).\n(^٣) البخاري (٢٢٥٧)، ومسلم (١٦٠٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١٢٢٩ رقم ١٣٥).\n(^٥) في \"صحيحه\" أيضًا: (٣/ ١٢٢٩ رقم ١٣٤).","vol":"5","page":190},{"text":"وَفي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ (^١): قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفعَةِ في كُلِّ شَيءٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.\n[صحيح]\n(عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ - ﵁ - قالَ: قَضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - بالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، وتشديدِ الراءِ ففاءٍ، معناهُ بُيِّنَتْ مصارفُ (الطرقِ) وشوارعِها (فلا شُفْعَةَ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ. وفي روايةِ مسلمٍ) أي منْ حديثِ جابرٍ: (الشفعة في كلِّ شِرْكٍ) أي مشتركٍ (في أرضٍ أو رَبْعِ) بفتحِ الراءِ، وسكونِ الموحدةِ، الدارِ، ويطلقُ على الأرضِ (أو حائطٍ، لا يصلُحُ، وفي لفظٍ: لا يحلُّ أنْ يبيعَ) الخليطَ لدلالةِ السياقِ عليهِ (حتَّى يعرضَ على شَرِيكِهِ. وفي روايةِ الطحاويِّ) أي منْ حديثِ جابر ([فقضى] (^٢) النبيُّ - ﷺ - بالشّفْعَةِ في كلِّ شيءِ. ورجالُه ثِقَاتٌ). الألفاظُ في هذا الحديثِ قدْ تضافرتْ في الدلالةِ على ثبوتِ الشُّفْعَةِ للشريكِ في الدورِ، والعَقَارِ، والبساتينِ، وهذا مجمعٌ (^٣) عليهِ إذا كانَ مما يُقْسَمُ، وفيما لا يُقْسَمُ كالحمامِ الصغيرِ ونحوِه خلافٌ. وذهبَ الهادويةُ (^٤) - وفي البحرِ العترةُ (٤) - إلى صحة الشُّفْعَةِ في كل شيءٍ، ومثلُه في البحرِ (٤) عنْ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ويدلُّ لهُ حديث الطحاويِّ. ومثلُه عن ابن عباسٍ عندَ الترمذي (^٥) مرفوعًا: \"الشُّفعةُ في كلِّ شيءٍ\"، وإنْ قيلَ إنَّ رفْعَهُ خطأُ\n_________\n(^١) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٢)، وبلفظ آخر فيه (٤/ ١٢٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥١٣، ٣٥١٤)، والترمذي (١٣٧٠)، والنسائي (٤٦٤٦)، وابن ماجه (٢٤٩٢، ٢٤٩٩)، وأحمد (٣/ ٢٩٦، ٣٧٢)، والطيالسي (ص ٢٣٥ رقم ١٦٩١)، والدارمي (٢/ ٢٧٣، ٢٧٤)، وابن الجارود (٦٤٢، ٦٤٣)، والبيهقي (٦/ ١٠٢، ١٠٤)، والطبراني في \"الصغير\" (١/ ٣٧ رقم ٢٥) من أوجه وبالفاظ متعددة.\n(^٢) في (ب): \"قضي\".\n(^٣) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ١٢١ رقم ٥١٢).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٣).\n(^٥) في \"سننه\" (٤/ ٦٥٣ رقم ١٣٧١).\nقلت: وأخرج الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ١٢٥)، وا لدارقطني (٤/ ٢٢٢ رقم ٦٩)، والبيهقي (٦/ ١٠٩)، كلهم من طريق أبي حمزة السكري عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس به قال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي حمزة السكري وقد روى غير واحد عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي مليكة عن النبي - ﷺ - مرسلًا وهذا أصح\" اهـ. =","vol":"5","page":191},{"text":"فقدْ ثبتَ إرسالُه عن ابن عباسٍ، وهوَ شاهدٌ لرفْعِه على أن مرسلَ الصحابيِّ إذا صحَّتْ إليهِ الروايةُ حجةٌ، وعنِ المنصورِ (^١) أنهُ لا شفعةَ في المكيلِ والموزونِ، لأنهُ لا ضررَ فيهِ، [والجواب] (^٢) أن فيهِ ضَرَرًا هوَ إسقاط حقِّ الجوارِ، ولأنَّا لا نسلِّمُ أن العلةَ الضررُ، وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ ثبوتِها في المنقولِ مستدلينَ بقولِه: \"فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِفَتْ الطرقُ فلا شُفْعَةَ\"، فإنه دال على أنَّها لا تكونُ إلا في العقارِ، وتلحقُ بهِ الدارُ، لقولِه في حديثِ مسلم (^٣): \"أوْ رَبْعٍ\"، قالُوا: ولأنَّ الضرَّرَ في المنقولِ نادرٌ. وأجيبَ بأنَّ ذِكْرَ حُكْمِ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يَقْصِرُه عليهِ، قالُوا: ولأنهُ أخرجَ البزارُ (^٤) منْ حديثِ جابرٍ، والبيهقيِّ (^٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ الحصْرِ فيهمَا. الأولُ: \"ولا شفعةَ إلا في رَبْعٍ أو حائطٍ\"، ولفظُ الثاني: \"لا شفعةَ إلا في دارٍ أو عَقَارٍ\"، إلَّا أنهُ قالَ البيهقيُّ بعدَ سياقِهِ لَهُ: الإسنادُ ضعيفٌ.\nوأجيبَ بأنَّها لو ثبتتْ لكانتْ مفاهيمَ، ولا يقاومُ منطوقَ \"في كلِّ شيءٍ\"، ومنْهم مَنِ اسْتَثْنَى مِن المنقولِ الثيابَ فقالُوا: تصحُّ فيها الشفعةُ، ومنْهم من استثْنَى الحيوانَ [فقالُوا] (^٦): تصحُّ فيهِ الشفعةُ. وفي حديثِ مسلم دليل على أنهُ لا يحلُّ للشريكِ بيعُ حِصَّتِهِ حتَّى يعرضَ على شريكِهِ، وأنهُ محرَّمٌ عليهِ البيعُ قبلَ [عرْضِه] (^٧)، ومَنْ حملَهُ على الكراهةِ فهوَ حملٌ على خلافِ أصلِ النَّهْي بلا دليلٍ. واختلفَ العلماءُ هلْ للشريكِ الشفعةُ بعدَ أنْ يؤاذنه شريكُهُ ثمَّ باعَهُ منْ غَيْرهِ؟ فقيلَ: لهُ ذلكَ، ولا يمنعُ صحَّتَها بعد مؤاذنته، وهذَا قولُ الأكثرِ. وقال الثوريُّ، والحَكَمُ، وأبو عبيدٍ، وطائفةٌ من أهلِ الحديثِ: تَسْقُطُ شفعتُه بعدَ عرضِه\n_________\n= وقال الدارقطني: \"خالفه - يعني: أبا حمزة - شعبة وإسرائيل وعمرو بن أبي قيس وأبو بكر بن عياش، فرووه عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة مرسلًا وهو الصواب، ووهم أبو حمزة في إسناده\".\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف.\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٤).\n(^٢) في (ب): \"وأجيب\".\n(^٣) تقدَّم في تخريج أحاديث الباب.\n(^٤) عزاه إليه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ٥٥ رقم ١٢٧٤) وقال: بسند جيد.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٩).\n(^٦) في (ب): \"فقال\".\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"5","page":192},{"text":"عليهِ، وهوَ الأوفقُ بلفظِ الحديثِ، وهوَ الذي اخترناهُ في حاشيةِ (^١) ضوءِ النهارِ. وفي قولِه: أنْ يبيعَ، ما يشعرُ بأنَّها إنَّما تثبتُ فيما كان بعقدِ البيعِ وهذا مجمعٌ عليهِ، وفي غيرهِ خلاف.\nوقولُه: في كلِّ شيءٍ، يشملُ الشفعةَ في الإجارةِ، وقدْ منعَها الهادويةُ (^٢) وقالُوا: إنما تكونُ في عينٍ لا منفعةَ. وضعفَ قولهم لأنَّ المنفعةَ تُسَمَّى شيئًا وتكونُ مشتركةً فيشملها \"في كلِّ شركٍ\" أيضًا؛ إذْ لو لم تكنْ شيئًا ولا مشتركةً لما صحَّ التأجيرُ [فيها] (^٣)، ولا القسمةُ بالمهاباةِ ونحو ذلكَ، وهيَ بيعٌ مخصوصٌ فيشملُها [قوله] (^٤): \"لا يحلُّ لهُ أنْ يبيعَ\"، فالحقُّ ثبوتُ الشُّفْعَةِ فيها لشمولِ الدليلِ لها، ولوجودِ علةِ الشفعةِ فيها. وظاهرُ [قولِه] (٤): \"في كلِّ شركٍ\" أي مشتركٍ ثبوتُها للذمي على المسلِم إذا كانَ شريكًا له في الملْكِ، وفيهِ خلافٌ، والأظهرُ ثبوتُها للذمِّيِّ في غير جزيرةِ العربِ، لأنَّهم منهيُّونَ عن البقاءِ فيها (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-897>الشفعة للجار على جاره</span>\n٢/ ٨٤٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٦)، وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح لغيره]\n_________\n(^١) \"منحة الغفار\" (٣/ ١٤١٨).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٦).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في رواية مسلم في حديث الباب، وهي زيادة من المخطوط (أ).\n(^٥) في قوله - ﷺ -: \"لأُخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا\" أخرجه مسلم (١٧٦٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٨٥ رقم ٥١٨٢ - الإحسان).\nوأخرجه الطحاوي (٤/ ١٢٢)، من طريق سعيد عن قتادة عن أنس مرفوعًا.\nوأخرجه الطحاوي أيضًا (٤/ ١٢٣)، من طريق كل من سعيد وهمام وشعبة، كلهم عن قتادة عن أنس عن سمرة مرفوعًا فجعلوه من حديث سمرة.\nوأخرجه أيضًا من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعًا: أبو داود (٣٥١٧)، والترمذي (١٣٦٨)، وأحمد (٥/ ٨، ١٢)، وابن الجارود (٦٤٤)، والطحاوي (٤/ ١٢٣)، والبيهقي (٦/ ١٠٦)، والطيالسي (ص ١٢٢ رقم ٩٠٤).\nوهذا حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٧٢ رقم ٣٠٠٣).\nفيرتقي به حديث الباب إلى الصحة، والله أعلم.","vol":"5","page":193},{"text":"(وعنْ أنس بن مالكٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: جاز الدارِ أحق بالدارِ. رواهُ النسائيُ، وصحَّحَه ابن حِبَّانَ، ولهُ عِلَّةٌ)، وهيَ [أنه أخرجه] (^١) أئمةٌ منَ الحفَّاظِ عنْ قتادةَ عنْ أنسٍ، وآخرونَ أخرجُوه عن الحسنِ عنْ سمُرةَ [قالُوا] (^٢): وهذا هوَ المحفوظُ، وقيلَ: هما صحيحانِ جميعًا، قالهُ ابنُ القطانِ، وهوَ الأوْلَى، وهذا وإنْ كانَ فيهِ علةٌ فالحديثُ الآتي صحيحٌ.\n٣/ ٨٥٠ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ - ﵁ - قَالَ رَسُول اللَّهِ - ﷺ -: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وَفِيهِ قِصَّةٌ. [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعنْ أبي رافعٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: الجارُ أحقُّ بِصَقَبِه) بالصادِ المهملةِ مفتوحة، وفتحِ القافِ [القريب] (^٤) (أخرجه البخاريُّ وفيهِ قصةٌ). وهيَ أنهُ قالَ أبو رافعٍ للمسورِ بن مخرمةَ: ألا تأمرُ هذا - يشيرُ إلى سعدٍ - يشتريَ مني بَيْتيَّ اللذينِ في دارهِ، فقال لهُ سعدٌ: واللَّهِ لا أزيدُ على أربعمائةِ دينارٍ، إمَّا مقطعةً أو منجَّمةً، فقال أبو رافع: سبحانَ اللَّهِ لقدْ منعتُهما منْ خمسمائةٍ نَقْدًا فلولا أني سمعتُ رسول اللَّهِ - ﷺ - الجارُ أحقُّ بصقبِه ما بِعْتُكَ\". والحديثُ وإنْ كانَ ذَكَرَهُ أبو رافعٍ في البيعِ فهوَ يعمُّ الشُّفعةَ بالجوارِ. وقد اختلفَ العلماء في الشفعة بالجوار، فذهبَ إلى ثبوتِها الهادويةُ (^٥)، والحنفيةُ (^٦)، وآخرونَ، لهذهِ الأحاديثِ ولغيرِها، كحديثِ الشريدِ بن سويدٍ قالَ: قلتُ: يا رسول اللَّهِ، أرضٌ لي ليسَ لأحدِ فيها شركٌ ولا قسمٌ إلا الجوارَ قالَ: \"الجارُ أحقُّ بصقبهِ\". أخرجهُ ابنُ سعدٍ (^٧) عنْ\n_________\n(^١) في (أ): \"أنهم أخرجوه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ٤٣٧ رقم ٢٢٥٨)، وأطرافه في (٦٩٧٧، ٦٩٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥١٦)، والنسائي (٤٧٠٢)، وابن ماجه (٢٤٩٥)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٦٥ رقم ٥٧٤).\n(^٤) في (ب): \"القربُ\".\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٨، ٩).\n(^٦) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٤).\n(^٧) في \"الطبقات الكبرى\" له (٥/ ٥١٣).\nوقد أخرجه من طريق عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد كل من النسائي (٤٧٠٣)، وابن ماجه (٢٤٩٦)، وأحمد (٤/ ٣٨٨: ٣٩٠)، والطحاوي (٤/ ١٢٤)، وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٧٦، ٣٧٧).","vol":"5","page":194},{"text":"قتادةَ، عنْ عمْرِو بن شعيبٍ، عن الشريدِ. وحديثُ جابرٍ الآتي (^١)، وذهبَ عليٌّ، وعمرُ (^٢)، وعثمانُ، والشافعيُّ (^٣)، وأحمدُ (٢)، وإسحاقُ، وغيرُهم إلى أنهُ لا شُفْعَةَ بالجوارِ. قالُوا: والمرادُ بالجارِ في الأحاديثِ الشَّريكُ. قالُوا: ويدلُّ على أن المرادَ بهِ ذلكَ حديثُ أبي رافعٍ؛ فإنهُ سَمَّى الخليطَ جارًا، واستدلَّ بالحديثِ، وهوَ منْ أهلِ اللسانِ وأعرفُ بالمرادِ، والقولُ بأنهُ لا يُعْرَفُ في اللغةِ تسميةُ الشريكِ جارًا غيرُ صحيح، فإنَّ كلَّ شيءٍ قاربَ شيئًا فهوَ جارٌ. وأجيبَ بأنَّ أبا رافعِ كان غيرَ شريكٍ لسعدٍ بلْ جارٌ لهُ لأنهُ كانَ يملكُ بيتينِ في دارِ سعدٍ، لا أنهُ كانَ يملكُ شِقْصًا شائعًا من منزلِ سعدٍ. واستدلُّوا أيضًا بما سلفَ من أحاديثِ الشفعةِ للشريكِ وقوله. \"فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة\"، ونحوِه من الأحاديث التي فيها حَصْرُ الشفعةِ قبلَ القسمةِ، وأجيبَ عنْها بأنَّ غايةَ ما فيها إثباتُ الشفعةِ للشريكِ منْ غيرِ تَعَرُّضٍ للجارِ لا بمنطوقٍ ولا مفهومٍ. ومفهومُ الحصْرِ في قولِه (^٤): \"إنما جعلَ النبي - ﷺ - الشُّفْعَةَ - الحديثَ\"، إنَّما هوَ قبلَ القِسْمَةِ للمبيع بينَ المشتري والشريك، فمدلولُه أن القسمةَ تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ وهوَ صريحُ روايةِ (٤): وإنَّما جعلَ النبيُّ الشفعةَ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ\". فأحاديث إثباتِ الشفعةِ للخليطِ لا تُبْطِلُ ثبوتَها للجارِ بعدَ قيامِ الأدلةِ التي منْها ما سلفَ، ومنْها الحديثَ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-898>شفعة الجار وشروطها</span>\n٤/ ٨٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْجَارُ أَحَق بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وانْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا\"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥)، وَالأرْبَعَةُ (^٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) برقم (٤/ ٨٥١) من كتابنا هذا.\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٥/ ٤٦١ مسألة رقم ٤٠١٢).\n(^٣) انظر: \"اختلاف الحديث بحاشية الأم\" (٤/ ٥).\n(^٤) هي رواية من روايات حديث جابر المتقدم برقم (١/ ٨٤٨)، انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ١٠٢).\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٣٠٣).\n(^٦) أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه (٢٤٩٤).\nوهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٧٨ رقم ١٥٤٠).","vol":"5","page":195},{"text":"(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الجارُ أحقُّ بشفعة جارِه يَنْتَظِرُ بها وإنْ كانَ غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، ورجاله ثقاتٌ). أحسنَ المصنفُ بتوثيقِ رجالِه، وعدمِ إعلالِه، وإلا فإنَّهم قدْ تكلَّموا في هذِهِ الروايةِ (^١) بأنهُ انفردَ بزيادةِ قولِه: \"إذا كانَ طريقُهما واحدًا\"، عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمان [العرزميِّ] (^٢).\nقلت: وعبد الملكِ ثقة مأمون لا يضرُّ انفرادُه كما عُرِفَ في الأصولِ وعلومِ الحديثِ، والحديثُ منْ أدلةِ شُفْعَةِ الجارِ إلَّا أنهُ قيَّدهُ بقولِه: \"إذَا كانَ طريقُهما واحدًا\". وقدْ ذهبَ إلى اشتراطِ هذا بعضُ العلماءِ (^٣) قائلًا بأنَّها تثبتُ الشفعةُ للجارِ إذا اشتركَ في الطريقِ. قالَ في الشرحِ: ولا يبعدُ اعتبارُه. أما مِنْ حيثُ الدليلُ فللتصريحِ بهِ في حديثِ جابرٍ هذا. ومفهومُ الشرطِ أنهُ إذا كانَ مختلِفًا فلا شفعةَ، وأما منْ حيثُ التعليلُ فلأن شرعيةَ الشفعةِ لمناسبةِ دَفْعِ الضررِ، والضررُ بحسبِ الأغْلَبِ إنَّما يكونُ معَ شدَّةِ الاختلاطِ وشبكةِ الانتفاعِ، وذلكَ إنَّما هوَ معَ الشريكِ في الأصلِ أوْ في الطريقِ، ويندرُ الضررُ معَ عدمِ ذلكَ. وحديثُ جابرٍ المُقَيَّدُ بالشرطِ لا يحتملُ التأويلَ المذكورَ أوَّلًا، لأنهُ إذا كانَ المرادُ بالجارِ الشريكُ فلا فائدةَ لاشتراطِ كونِ الطريقِ واحدًا.\nقلت: ولا يَخْفَى أنهُ قدْ آلَ الكلامُ إلى الخليطِ لأنهُ معَ اتحادِ الطريقِ تكونُ الشفعةُ للخلطةِ فيها، وهذا هو الذي قرَّرْناهُ في \"منحةِ الغفار\" (^٤) حاشيةِ ضوءِ النهارِ. قالَ ابنُ القيمِ (^٥): وهوَ أعدلُ الأقوالِ، وهوَ اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمةَ. وحديثُ جابر هذا صريحٌ فيهِ فإنهُ أثبتَ الشفعةَ بالجوارِ معَ اتحادِ الطريقِ، ونفاها بهِ في حديثِه الآخَرِ معَ [اختلافهما] (^٦) حيثُ قالَ: \"فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شفعةَ\". فمفهومُ حديثِ جابرٍ هذَا هوَ بعينِه منطوقُ حديثِه المتقدِّمِ، فأحدُهما يُصَدِّقُ الآخرَ ويوافقُه، ولا يعارضُه ويناقضُه، وجابرُ رَوَى اللفظينِ فتوافقتِ السننُ وائتلفتْ بحمدِ اللَّهِ، انتهى بمعناهُ.\n_________\n(^١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣/ ٥٦٢).\n(^٢) في (ب): \"العزرمي\".\n(^٣) انظره في: \"المغني\" (٥/ ٤٦١) عن ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي وأبو حنيفة.\n(^٤) (٣/ ١٤٢٧، ١٤٢٨).\n(^٥) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ١٥٠).\n(^٦) في (ب): \"اختلافها\".","vol":"5","page":196},{"text":"وقولُه: ينتظرُ بها، دالٌّ أنها لا تَبْطُلُ شفعةُ الغائبِ وإنْ تَرَاخَى، وأنهُ لا يجبُ عليهِ السيرُ حينَ بلغه الشراءُ لأجلِها. وأما الحديثُ الآتي:\n٥/ ٨٥٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -: قالَ: \"الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١)، وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: \"وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ\"، وَإسْنَادُهُ ضعِيفٌ (^٢). [ضعيف جدًّا]\nوهوَ قولُه: (وعنِ ابن عمرَ - ﵁ - الشفعةُ كحلِّ عقالٍ. رواهُ ابن ماجهْ، والبزارُ. وزادَ: ولا شفعةَ لغائبٍ، وإسنادُه ضعيفٌ) فإنه لا تقومُ بهِ حجةٌ لِمَا ستعرفَهُ، ولفظُه منْ روايتِهِما: \"لا شفعةَ لغائب، ولا لصغيرِ، والشفعةُ كحلِّ عقالٍ\". وضعَّفَه البزارُ، وقالَ ابنُ حبانَ (٣): لَا أصلَ لهُ. وقالَ أبو زرعةَ (٣): منكرٌ. وقالَ البيهقيَّ (^٣)؛ ليسَ بثابتٍ. وفي معناهُ أحاديثُ كلُّها لا أصلَ لها.\nاختلفَ الفقهاءُ في ذلكَ، فعندَ الهادويةِ (^٤)، والشافعيةِ (^٥)، والحنابلة (^٦) أنَّها على الفورِ ولهم تقاديرُ في زمانِ [الفورية] (^٧) لا دليلَ على شيءٍ منها، ولا شكَّ أنهُ إذا كانَ وجْهُ شرعيَّتِها دفعَ الضررِ فإنّهُ يناسبُ الفوريةَ لأنهُ يقالُ: كيفَ يبالغُ في دفعِ ضررِ الشفيعِ، ويبالغُ في ضررِ المشتري ببقاءِ مشتراهُ مُعَلَّقًا، إلَّا أنهُ لا يكْفِي هذا القَدْرُ في إثباتِ حكمٍ، والأصلُ عدمُ اشتراطِ الفوريةِ، وإثباتُها يحتاجُ إلى دليلٍ، ولا دليلَ. وقدْ عَقَدَ البيهقيُّ بابًا في \"السنن الكبرى\" (^٨) لألفاظِ منكرةِ يذكرُها بعضُ الفقهاءِ، وعدَّ منْها الشفعةَ كحلِّ عقالٍ، ولا شفعةَ لصبيٍّ ولا لغائبٍ، والشفعةُ لا ترثُ ولا تُورثُ، والصبيُّ على شفعته حتَّى يُدْرِكَ، ولا شفعةَ لنصرانيٍّ، ولا لليهوديِّ ولا للنصرانيِّ شفعةٌ، فعدَّ منْها حديثَ الكتابِ.\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٢/ ٨٣٥ رقم ٢٥٠٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١٠٨)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٥٦ - ٥٧) وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن البيلماني قال عنه البخاري وأبو حاتم والنسائي: منكر الحديث، انظر: \"الكامل\" لابن عدي (٦/ ٢١٨٧ - ٢١٨٩)، و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٦١ رقم ٤٨٩)، فهو حديث ضعيف جدًّا كما قاله الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٧٩ رقم ١٥٤٢).\n(^٢) قال المصنف في \"التلخيص\" (٣/ ٥٦): وإسناده ضعيف جدًّا. اهـ.\n(^٣) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ٥٦)، و\"العلل\" لابن أبي حاتم (١/ ٤٧٩).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٣).\n(^٥) انظر: \"الأم\" (٤/ ٣).\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٥/ ٤٨٥).\n(^٧) في (ب): \"الفور\".\n(^٨) (٦/ ١٠٨).","vol":"5","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-899>[الباب الرابع عشر] باب القراض</span>\nالقِراضُ بكسرِ القافِ، وهوَ معاملةُ العاملِ بنصيب منَ الربحِ، وهذِه تسميتُه في لغةِ أهلِ الحجازِ، وتسمَّى مضاربةٌ مأخوذةٌ منَ الضربِ في الأرضِ، لما كانَ الربحُ يحصلُ في الغالبِ بالسفرِ، أو من الضربِ في المالِ وهوَ التصرفُ.\n١/ ٨٥٣ - عَنْ صُهَيْبٍ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"ثَلاثٌ فِيهن الْبَرَكةُ: الْبَيعُ إلَى أجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشعِيرِ لِلْبَيتِ لَا لِلْبَيعِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف جدًّا]\n(عنْ صهيبٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: ثلاثٌ فيهنَّ البَرَكَةُ: البيعُ إلى أجلٍ، والمقارضةُ، وخلطُ البُرِّ بالشَّعيرِ للبيتِ لَا لِلْبَيْعِ\"، رواهُ ابنُ ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وإنَّما كانتِ البركةُ في ثلاثةٍ لما في البيعِ إلى أجلٍ منَ المسامحةِ، والمساهلةِ، والإعانةِ للغريمِ بالتأجيلِ، وفي المقارضةِ لما في ذلكَ منَ انتفاعِ الناسِ بعضهم ببعضٍ، وخلطِ البرِّ بالشعيرِ قوتًا لا للبيعِ، لأنهُ قدْ يكونُ فيهِ غَرَرٌ وغِشٌّ.\n٢/ ٨٥٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - ﵁ - أنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٢/ ٧٦٨ رقم ٢٢٨٩).\nقلت: وهو حديث ضعيف جدًّا، قاله الألباني في \"ضعيف سنن ابن ماجه\" (رقم ٥٠٢)، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٢٤ رقم ٨١٠): \"هذا إسناد ضعيف، صالح بن صهيب مجهول، وعبد الرحمن بن داود حديثه غير محفوظ قاله العقيلي، ونصر بن القاسم قال البخاري: لا؛ حديثه موضوع، انتهى. وهذا المتن ذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" من طريق صالح بن صهيب به\" اهـ.\nوانظر: \"الموضوعات\" (٢/ ٢٤٩).","vol":"5","page":198},{"text":"أعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أنْ لا تَجْعَلَ مَالِي في كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ في بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ في بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِن ذلك فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^١)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n- وَقَالَ مَالِكٌ في المُوَطَّإِ (^٢)، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إنَّهُ عَمِلَ في مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أن الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ. [صحيح]\n(وعنْ حكيمِ بن حزامٍ - ﵁ - أنهُ كانَ يشترطُ على الرجلِ إذا أعطاهُ مالًا مقارضة أنْ لا تجعلَ مالي في كبدٍ رطبةٍ، ولا تحملَه في بحرٍ، ولا تنزلَ بهِ في بطنِ مسيلٍ، فإنْ فعلْتَ شيئًا منْ ذلكَ فقدْ ضَمِنْتَ مالي. رواهُ الدارقطني ورجالُه ثقاتٌ. وقالَ مالكٌ في الموطإِ عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أنهُ عَمِلَ في مالٍ لعثمانَ على أن الربحَ بينَهما، وهوَ موقوفٌ صحيحٌ). لا خلافَ (^٣) بينَ المسلمينَ في جوازِ القراضِ، وأنهُ مما كانَ في الجاهليةِ فأقرَّهُ الإسلامُ، وهوَ نوعٌ منَ الإجارةِ إلَّا أنهُ عُفِيَ فيها عنْ جهالةِ الأجرِ، وكأن الرُّخصةَ في ذلكَ [الموضع] (^٤) للرفقِ بالناسِ.\nولها أركانٌ وشروطٌ: فأركانُها العقدُ بالإيجابِ أو ما في حكمهِ، والقَبولُ أو ما في حكمِه، وهوَ الامتثالُ بينَ جائزي التصرفِ، إلَّا منْ مسلمٍ لكافرٍ على مالِ نقدٍ عندَ الجمهورِ.\nولها أحكامٌ مُجْمَعٌ (^٥) عليها، منْها: أن الجهالةَ مغتفرةٌ فيها، ومنْها أنهُ لا ضمانَ على العاملِ فيما تلفَ منْ رأسِ المالِ إذا لم يتعدَّ.\nواختلفُوا إذا كانَ دَيْنًا، فالجمهورُ (^٦) على مَنْعِهِ، قيلَ لتجويزِ إعسارِ العامل\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣/ ٦٣ رقم ٢٤٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١١١)، وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٥٨): سنده قوي اهـ. وقال الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٩٣): وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. اهـ.\n(^٢) (٢/ ٦٨٨ رقم ٢).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١١١)، وصحَّحَهُ الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٣) وقد نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر (ص ١٢٤ رقم ٥٣٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: كتاب \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ١٢٤، ١٢٥).\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٥/ ١٩٠ مسألة رقم ٣٧١٣).","vol":"5","page":199},{"text":"بالدَّيْنِ فيكونُ تأخيره عنهُ لأجلِ الربحِ، فيكونُ منَ الربا المنْهِيِّ عنهُ، وقيلَ [إنما] (^١) ما في الذمةِ لا يتحولُ عن الضمانةِ ويصيرُ أمانةً، وقيلَ: لأنَّ ما في الذمةِ ليسَ بحاضرٍ حقيقةً فلم يتعيَّنْ كونُه مالَ المضاربةِ، ومن شرطِ المضاربةِ أنْ تكونَ على مالٍ منْ صاحبِ المالِ، واتفقُوا أيضًا على أنهُ إذا اشترطَ أحدُهما منَ الربحِ لنفسِه شيئًا زائدًا معيَّنًا فإنهُ لا يجوزُ ويلغُو.\nودلَّ حديثُ حكيمٍ على أنهُ يجوزُ لمالكِ المالِ أن يحجرَ العاملَ عما شاءَ، فإنْ خالفَ ضمنَ إذا تلفَ المالُ، وإنْ سَلِمَ المالُ فالمضاربةُ باقيةٌ إذا كان يرجعُ إلى الحفظِ، أما إذا كان الاشتراطُ لا يرجعُ إلى الحفظِ بلْ كانَ يرجعُ إلى التجارةِ وذلكَ بأنْ ينهاهُ أنْ [لا] (^٢) يشتريَ نوعًا مُعَيَّنًا، ولا يبيعَ منْ فلانٍ، فإنهُ يصيرُ فضوليًا إذا خالف، فإنْ أجازَ المالكُ نفذَ البيعُ وإن لم يجزْ لم ينفذْ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"لأنَّ\".\n(^٢) زيادة من (ب).","vol":"5","page":200},{"text":"<span data-type='title' id=toc-900>[الباب الخامس عشر] باب المساقاة والإجارة</span>\n١/ ٨٥٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (^٢): فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا\"، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ - ﵁ -. [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٣): أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا. [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها من ثمرٍ أو زرعٍ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ لهما: فسأَلُوهُ أنْ يقرَّهم بها عَلَى أنْ يَكْفُوا عملَها ولهمْ نِصْفُ الثمرِ، فقالَ [لهم] (^٤) رسولُ الله - ﷺ -: نقِرُّكم بها على ذلكَ ما شِئْنَا فَقَرُّوا بها حتى أجلاهم عمرُ - ﵁ -. ولمسلمٍ: أن رسولَ اللهِ - ﷺ - دفعَ إلى يهودِ خيبرَ\n_________\n(^١) البخاري (٢٣٢٩)، (٢٣٣١)، ومسلم (١٥٥١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٤٠٩)، والترمذي (١٣٨٣)، والنسائي (٣٩٢٩، ٣٩٣٠)، وابن ماجه (٢٤٦٧)، وأحمد (٢/ ١٧، ٢٢، ٣٠، ٣٧، ١٤٩، ١٥٧) وغيرهم بالفاظ متعددة.\n(^٢) البخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٨٧ رقم ٥) إلا أن في آخره: \" … ولرسول اللهِ - ﷺ - شطر ثمرها\" بدلًا من قوله في المتن: \"ولهم شطر ثمرها\".\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"5","page":201},{"text":"نخلَ خيبرَ وأرضَها، على أنْ يعتملوها منْ أموالِهم، ولهمْ شطرُ ثمرِها). الحديثُ دليل على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ، وهوَ قولُ عليًّ (^١)، وأبي بكر، وعمرَ - ﵃ -، وأحمدَ (^٢)، وابنِ خزيمةَ، وسائرِ فقهاءِ المحدثينَ. وأنَّهما تجوزانِ مجتمعين، وتجوزُ كلُّ واحدةٍ منفردةً. والمُسْلمُونَ في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ مستمرونَ على العملِ بالمزارعةِ. وفي قولِهِ: ما شِئْنَا دليلٌ على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ وإنْ كانتِ المدةُ مجهولةً (^٣). وقالَ الجمهورُ: لا تجوزُ المساقاةُ والمزارعةُ إلَّا في مدةٍ معلومةٍ كالإجارةِ، وتأوَّلُوا قولَه: \"ما شِئْنا\" عَلَى مدةِ العهدِ، وأنَّ المرادَ نُمَكِّنُكُمْ منَ المقامِ في خيبرَ ما شِئنا، ثمَّ نخرجُكم إذا شِئْنَا، لأنهُ - ﷺ - عازِمًا على إخراجِ اليهودِ منْ جزيرةِ العربِ، وفيهِ نظرٌ. وأما المساقاةُ فإنَّ مدَّتَها معلومةٌ، لأنها إجارةٌ. وقدِ اتفقُوا على أنها لا تجوزُ إلا بأجل معلومٍ، وقالَ ابنُ القيمِ - ﵀ - في \"زادِ المعادِ\" (^٤): في قصةِ خيبرَ دليلٌ على جوازِ المساقاةِ والمزارعةِ بجزءٍ منَ الغلةِ منْ ثمرٍ أوْ زرعٍ، فإنهُ - ﷺ - عاملَ أهلَ خيبرَ على ذلكَ، واستمرَّ على ذلكَ إلى حينِ وفاتِه لمْ ينسخِ ألبتةَ، واستمرَّ عملُ خلفائِه الراشدينَ عليهِ، وليسَ هذا منْ بابِ المؤاجرةِ في شيءٍ، بلْ منْ بابِ المشاركةِ وهوَ نظيرُ المضاربةِ سواءٌ، فمنْ أباحَ المضاربةَ وحرَّمَ ذلكَ فقد فرَّق بينَ متماثلينِ، فإنَّه - ﷺ - دفعَ إليهم الأرضَ على أن يعملوها منْ أموالِهم، ولم يدفعْ إليهم البذْرَ ولا كانَ يحملُ إليهمُ البذرَ منَ المدينةَ قَطْعًا، فدلَّ على أن هديَهُ - ﷺ - عدمُ اشتراطِ كونِ البذرِ منْ ربِّ الأرضِ، وأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ منَ العاملِ، وهذا كانَ هَدْيُهُ - ﷺ -، وَهَدْيُ الخلفاءِ الراشدينَ منْ بعدِه، وكما أنهُ هوَ المنقولُ فهوَ الموافقُ للقياسِ، فإنَّ الأرضَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ، [والبذرُ يجري مَجْرَى سَقْي الماءِ، ولهذا يموتُ في الأرض فلا يرجعُ إلى صاحبهِ، ولوْ كانَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ] (^٥) لاشترطَ عودَه إلى صاحبهِ، وهذا يفسدُ المزارعةَ فعلمَ أن القياسَ الصحيحَ هوَ الموافقُ لِهَدْي\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٥/ ١٠ باب رقم ٨).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٥/ ٥٥٦ مسألة رقم ٤١٠٧)، (٥/ ٥٦٨).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٥/ ٥٦٨ مسألة رقم ٤١٢٤).\n(^٤) \"في هدي خير العباد\" (٣/ ٣٤٥، ٣٤٦).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"5","page":202},{"text":"رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وخلفائِه الراشدينَ، انتَهى. وقدْ أشارَ في كلامِه إلى ما [ذهبَ] (^١) إليهِ الحنفيةُ (^٢)، والهادويةُ (^٣) منْ أن المساقاةَ والمزارعةَ لا تصحُّ وهيَ فاسدةٌ. وتأوَّلُوا هذا الحديثَ بأنَّ خيبرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ فكانَ أهلُها عبيدًا لهُ - ﷺ -، فما أخذه فهوَ له، وما تركَه فهوَ له، وهوَ كلامٌ مردودٌ لا يحسنُ الاعتمادُ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-901>صحة كراء الأرض بأجرة معلومة</span>\n٢/ ٨٥٦ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ - ﵁ - قالَ: سَألْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كَرَاءِ الأرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هذَا ويَسْلَمُ هَذا، وَيسْلَمُ هَذَا وَيهْلِكُ هذَا، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مضمونٌ فَلَا بَاسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\nوَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ (^٥) عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"يذهب\".\n(^٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١١٧).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٦٤، ٦٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٨٣ رقم ١٥٤٧).\nوالجملة الأولى منه في البخاري (٢٣٤٧)، ولكن فيها: \"الدرهم والدينار\" بدلًا من \"الذهب والفضة\"، وبألفاظ مختلفة أخرجه أبو داود (٣٣٩٣)، والنسائي (٣٨٩٨: ٣٩٠٢)، وابن ماجه (٢٤٥٨).\n(^٥) ورد النهي عن كراء المزارع من حديث رافع بن خديج - ﵁ -. أخرجه البخاري (٢٣٤٦، ٢٣٤٧)، ومسلم (١١٥، ١١٦/ ١٥٤٧)، وأبو داود (٣٣٩٣)، والنسائي (٣٨٩٩: ٣٩٠٢)، وأحمد (٤/ ١٤٠، ١٤٢)، ومالك (٢/ ٧١١ رقم ١)، والدارقطني (٣/ ٣٦ رقم ١٤٦)، والبيهقي (٦/ ١٣١).\nوورد أيضًا من حديث جابر مرفوعًا: \"من كانت له أرض ليَزرعها، أو ليُزرعها، ولا يؤاجرها\"، أخرجه البخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (٨٨، ٨٩، ٩١، ٩٤، ٩٥، ٩٦، ٩٨/ ١٥٣٦)، والنسائي (٧/ ٣٦، ٣٧، ٣٨)، وابن ماجه (٢٤٥١، ٢٤٥٤)، والطحاوي (٤/ ١٠٧، ١٥٨)، والبيهقي (٦/ ١٢٨)، وأحمد (٣/ ٣٠٢، ٣٠٤، ٣١٢، ٣٥٤، ٣٩٢) من طرق عنه.","vol":"5","page":203},{"text":"(وعنْ حنظلةَ بن قيسٍ - ﵁ -) هوَ الزرقيُّ الأنصاريُّ، منْ ثقاتِ أهلِ المدينةِ (قالَ: سألتُ رافعَ بنَ خديجٍ عنْ كراءِ الأرضِ بالذهبِ والفِضةِ فقالَ: لا بأسَ بهِ، إنَّما كانَ الناس [يؤجرون] (^١) على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - على الماذِياناتِ) بذالٍ معجمةٍ مكسورةٍ، ثمَّ مثناةٍ تحتيةٍ، ثم ألفٍ، ثم نونٍ، ثم ألفٍ، ثم مثناةٍ فوقيةٍ، هي مسايلُ المياهِ، وقيلَ: ما ينبتُ حولَ السواقي، (وأقبالِ الجداولِ) بفتحِ الهمزةِ، فقافٍ، فموحدةٍ، أوائلُ الجداولِ ورؤوسها، والجدول النهر الصغير، (وأشياءَ منَ الزرعِ فيهلكُ هذا ويسلَم هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا، ولم يكنْ للناسِ كِرَاءٌ إلا هذا، فلذلك زَجَرَ عنهُ. فأما شيءٌ معلومٌ مضمون فلا بأسَ به. رواة مسلمٌ. وفيه بيانٌ لما أجْمِلَ في المتفقِ عليهِ منْ إطلاقِ النهي عنْ كِرَاءِ الأرضِ).\nالحديثُ دليلٌ على صحةِ كراءِ الأرضِ بأجرةٍ معلومةٍ منَ الذهبِ والفضةِ، ويقاسُ عليهما غيرُهما منْ سائرِ الأشياءِ المتقوَّمةِ، ويجوزُ بما يخرُج منها منْ ثلثٍ أو ربعٍ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ، وحديثُ ابن عمرَ (^٢) قالَ: \"قدْ علمتُ أن الأرض كانتْ تُكْرَى على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - بما على الأربعاءِ، وشيءٍ منَ التبنِ لا أدري [كم] (^٣) هوَ. أخرجه مسلمٌ (٢)، وأخرجَ أيضًا أن ابنَ عمر (^٤) كانَ يعطي أرضَه بالثلثِ والربعِ ثمَّ تَرَكَهُ\"، ويأتي (^٥) ما يعارضُه. وقولُه: على الأربعاءِ جمعُ ربيعٍ، وهي الساقيةُ الصغيرةُ، ومعناهُ هوَ وحديثُ الباب أنَّهم كانُوا يَدفَعون الأرضَ إلى مَنْ يَزرَعُها ببذرٍ منْ عندِه على أن يكونَ لمالكِ الأرضِ ما ينبتُ على\n_________\n(^١) في (ب): \"يؤاجرون\".\n(^٢) لم أجده في صحيح مسلم بهذا اللفظ وإنما فيه (١٠٩/ ١٥٤٧) أنه كان يكري مزارعه على عهد رسول اللهِ - ﷺ - وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافة معاوية وفيه أيضًا (١١٢/ ١٥٤٧): لقد كنت أعلم في عهد رسول الله - ﷺ - أن الأرض تكرى.\n(^٣) في (أ): \"لم\".\n(^٤) الذي في صحيح مسلم (١١٣/ ١٥٤٨) من حديث رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول اللهِ - ﷺ - فنكريها بالثلث والربع من الطعام المسمَّى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال: نهانا رسول اللهِ - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية اللهِ ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمَّى، وأمرَ ربَّ الأرض أن يَزرعها أو يُزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك.\n(^٥) أثناء شرح الحديث القادم.","vol":"5","page":204},{"text":"مسايلِ المياهِ، ورؤوسِ الجداولِ، أوْ هذهِ القطعةِ والباقي للعاملِ، فَنهُوا عنْ ذلكَ لما فيهِ مِنَ الغَرَرِ، فَرُبَّما هلكَ ذا دونَ ذاكَ.\n٣/ ٨٥٧ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - ﵁ - أن رَسُول الله - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) أَيْضًا. [صحيح]\n(وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن المزارعةِ، وأمرَ بالمؤاجرةِ، رواهُ مسلمٌ). وأخرجَ مسلمٌ (^٢) أيضًا أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كانَ يُكْري أرضَه حتى بَلَغَهُ أن رافعَ بنَ خديجٍ الأنصاريِّ كانَ يَنْهَى عنْ كراءِ المزارعِ، فلقيهُ عبدُ اللَّهِ فقال: يا ابنَ خديجٍ، ماذا تُحَدِّثُ عَنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في كِراءِ الأرضِ؟ قال رافعٌ لعبدِ اللَّهِ: سمعتُ عَمَّيَّ وكانا شهدا بدرًا يحدثانِ أهلَ الدارِ أن رسولِ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عنْ كِراءِ الأرضِ. فقالَ عبدُ اللَّهِ: لقدْ كنتُ أعلمُ في عهدِ رسول اللَّهِ - ﷺ - أن الأرْضَ تُكْرَى، ثم خَشِيَ عبدُ اللَّهِ أنْ يكونَ رسول اللَّهِ - ﷺ - أحدثَ في ذلكَ شيئًا لم يكنْ، فتركَ كراءَ الأرضِ. وفي النَّهْي عن المزارعةِ أحاديثُ (^٣) ثابتةٌ، وقدْ جُمِعَ بينَها وبينَ الأحاديثِ الدالةِ على جوازِها بوجوهٍ، أحسنُها أن النَّهْيَ كانَ في أولِ الأمرِ لحاجةِ الناسِ، وكونِ المهاجرينَ ليست لهمْ أرضٌ فأمرَ الأنصارَ بالتكرُّمِ بالمواساةِ، ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ مسلمٌ (^٤) منْ حديثِ جابرٍ قال: كانَ لرجالٍ منَ الأنصارِ فضولُ أرضٍ، وكانُوا يُكْرُونَها بالثلثِ والرُّبع، فقالَ النبي - ﷺ -: \"مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فليزْرعْها، أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أبَى فلْيَمْسكْها\". وهذا كما نُهُوا (^٥) عن ادِّخارِ لحومِ الأضحيةِ ليتصدقُوا بذلكَ، ثمَّ بعدَ توسُّعِ حالِ المسلمينَ زالَ الاحتياجُ فأبيحَ لهمُ المزارعةُ، وتصرُّفُ المالكِ في ملكِه بما شاءَ منْ إجارةٍ وغيرِها. ويدلُّ على ذلكَ ما وقعَ منَ المزارعةِ في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٨٣ رقم ١١٨، ١١٩/ ١٥٤٩).\nوبالنهي عن المزارعة فقط أخرجه أحمد (٤/ ٣٣).\n(^٢) في صحيحه (٣/ ١١٨٢ رقم ١١٢/ ١٥٤٧).\n(^٣) تقدم منها برقم (٢٥/ ٧٦٠) من كتابنا هذا.\n(^٤) في صحيحه (٣/ ١١٧٧ رقم ٩٦/ ١٥٣٦).\n(^٥) يأتي تخريجه في الأضاحي أثناء شرح الحديث رقم (٩/ ١٢٧٤).","vol":"5","page":205},{"text":"عَهْدِهِ - ﷺ - وعَهْدِ الخلفاءِ منْ بعدِه، ومنَ البعيدِ غَفْلَتُهم عنه النَّهْي، وتركِ إشاعةِ رافعٍ لهُ في هذهِ المدةِ، وذكرهُ في آخِرِ خلافةِ معاويةَ (^١). قالَ الخطابي (^٢): قدْ عَقَلَ المعنَى ابنُ عباسٍ (^٣) وأنهُ ليسَ المرادُ تحريمَ المزارعة بشطرِ ما تخرجُه الأرضُ، وإنَّما أُرِيْدَ بذلكَ أنْ يتمانحوا، وأنْ يرفقَ بعضُهم بعضًا، انتهى.\nوعن زيدِ (^٤) بن ثابتٍ: يغفرُ اللَّهُ لرافعٍ، أنَا واللَّهِ أعلمُ بالحديثِ منهُ: \"إنَّما أتاهُ رجلانِ منَ الأنصارِ قدِ اختلفَا، فقالَ: إنْ كانَ هذا شأنُكم فلا تُكْرُوا المزارعَ\"، كأن زيدًا يقولُ: إنَّ رافعًا اقتطعَ الحديثَ، فرَوَى النَّهْيَ غير راوٍ أوَّلَه فأخلَّ بالمقصودِ، وأما الاعتذارُ عنْ جهالةِ الأجرةِ فقدْ صحَّ في المرضعةِ (^٥) بالنفقةِ، والكسوةِ معَ الجهالةِ قدْرًا، ولأنه كالمعلومِ جملة، لأنَّ الغالبَ تَقَارُبُ حالِ الحاصلِ، وقدْ حُدَّ بجهةِ الكميةِ أعني النصفَ والثلثَ، وجاءَ النصُّ فقطعَ التكلُّفاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-902>جواز إعطاء الحجَّام أجرَهُ</span>\n٤/ ٨٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) كما في رواية مسلم (٣/ ١١٨٠ رقم ١٠٩)، أن ابن عمر بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث بالنهي عن رسول اللَّهِ - ﷺ -.\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (٥/ ٥٣ رقم ٣٢٤٨)، بحاشية اختصار أبي داود للمنذري.\n(^٣) يشير إلى حديث ابن عباس - ﵄ - الذي أخرجه البخاري (٢٣٣٠)، وأطرافه (٢٣٤٢، ٢٦٣٤)، قال: إن النبي - ﷺ - لم ينه عنه ولكن قال: أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا.\nوأخرجه مسلم (١٥٥٠)، وأبو داود (٣٣٨٩)، والترمذي (١٣٨٥)، والنسائي (٣٨٧٣)، وابن ماجه (٢٤٦٢)، وأحمد (١/ ٢٣٤، ٢٨١، ٣١٣) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١١٠)، والبيهقي (٦/ ١٣٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٣٩٠)، والنسائي (٣٩٢٧)، وابن ماجه (٢٤٦١)، وقد ضعَّفه المحدث الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (ص ٣٤٠ رقم ٧٣٦).\n(^٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ …﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣].\n(^٦) في \"صحيحه\" (٤/ ٣٢٤ رقم ٢١٠٣) وأطرافه (٢٢٧٨، ٢٢٧٩)، وأخرجه مسلم =","vol":"5","page":206},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ ﵁ قالَ: احتجمَ رسول اللَّهِ ﷺ، وأعْطَى الذي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، ولوْ كانَ حرامًا لم يعطه. رواهُ البخاريُّ)، وفي لفظٍ في البخاريِّ (^١): ولو عَلِمَ كراهيةً (^٢) لم يعطِه. وهذَا منْ قولِ ابن عباسٍ ﵁، كأنهُ يريدُ الردَّ على مَنْ زعمَ أنهُ لا يحلُّ إعطاءُ الحجَّام أُجْرَتَهُ، وأنهُ حرامٌ. وقدِ اختلَفَ العلماء في أُجْرَةِ الحجَّامِ، فذهبَ الجمهورُ (^٣) إلى أنهُ حلالٌ، واحتجُّوا بِهَذَا الحديثِ، وقالُوا: هوَ كَسْبٌ فيهِ [زيادة] (^٤) دناءةٌ، وليسَ بِمُحَرَّمٍ. وحملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وَمنْهم (^٥) من ادَّعَى النَّسخَ، وأنهُ كانَ حرامًا ثمَّ أُبِيحَ، وهوَ صحيحٌ إذا عُرِفَ التاريخُ، وذهبَ أحمدُ (^٦) وآخرونَ إلى أنهُ يُكْرَهُ لِلْحُرِّ الاحترافُ بالحجامةِ، ويحرمُ عليهِ الإنفاقُ [لنفسه] (^٧) منْ أجرته، ويجوزُ له الإنفاقُ على الرقيقِ، والدوابِّ، وحُجَّتُهمِ ما أخرجَهُ مالكٌ (^٨)، وأحمدُ (^٩)، وأصحابُ السُّنَنِ (^١٠) برجالٍ ثقاتٍ منْ حديثِ محيصةَ أنهُ سألَ رسول اللهِ ﷺ عنْ كسبِ الحجّامِ فنهاهُ، فذكرَ لهُ الحاجة فقال: اعلفْهُ نواضِحَكَ، وأباحوا للعبدِ مُطْلَقًا. وفيهِ جوازُ التَّداوي بإخراجِ الدَّمِ [وغيرِه] (^١١) وهوَ إجماعٌ.\n٥/ ٨٥٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - ﵁ - قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١٢). [صحيح]\n_________\n= (٣/ ١٢٠٥ رقم ٦٥، ٦٦/ ١٢٠٢)، وأبو داود (٣/ ٧٠٨ رقم ٣٤٢٣).\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ٤٥٨ رقم ٢٢٧٩).\n(^٢) في المخطوط \"كراهته\"، وما أثبتناه من المطبوع وصحيح البخاري.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٤٥٩).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) قال في \"الفتح\": \"وجنح إلى ذلك الطحاوي، والنسخ لا يثبت بالاحتمال\". اهـ.\n(^٦) انظر: \"مسائل عبد اللَّهِ بن أحمد لأبيه\" (ص ٣٠٥ رقم ١١٣٥: ١١٣٧).\n(^٧) في (ب): \"على نفسه\".\n(^٨) في \"الموطأ\" (٢/ ٩٧٤ رقم ٢٨).\n(^٩) في \"المسند\" (٥/ ٤٣٥، ٤٣٦).\n(^١٠) أبو داود (٣٤٢٢)، والترمذي (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢١٦٦)، والطحاوي (٤/ ١٣١)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وانظر: \"الصحيحة\" للألباني (رقم ١٤٠٠).\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٩٩ رقم ٤١/ ١٥٦٨) وفي أوله: \"ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث\"، وأخرجه أبو داود (٣٤٢١)، والترمذي (١٢٧٥)، وأحمد (٣/ ٤٦٤، ٤٦٥)،=","vol":"5","page":207},{"text":"(وعنْ رافعِ بن خُدَيْجٍ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ. رواهُ مسلمٌ). الخبيثُ ضدُّ الطَّيِّب، وهلْ يدلُّ على تحريمِه؟ الظاهرُ أنهُ لا يدلُّ له، فإنهُ تعالى قالَ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^١) فسمَّى رذالَ المالِ خبيثًا ولم يحرِّمْه. وأما حديثُ (^٢): من السُّحْتِ كَسْبُ الحجَّامِ\" فقدْ فسَّره هذا الحديثُ، وأنهُ أُرِيدَ بالسُّحتِ عدمُ الطِّيبِ. وأَيَّدَ ذلكَ إعطاؤهُ - ﷺ - الحجَّامَ أُجْرَتَهُ. قالَ ابنُ العربيِّ (^٣): يُجْمَعُ بينَه وبينَ إعطائِه - ﷺ - الحجَّامَ أُجْرَتَه بأنَّ محلَّ الجوازِ ما إذا كانتِ الأجرةُ على عملٍ، ومحلُّ الزَّجْرِ ما إذا كانت [الأجرةِ] (^٤) على عملٍ مجهولٍ.\nقلتُ: هذا بناءً على أن ما يأخذُه حرامٌ. وقالَ ابنُ الجوزي ﵀: إنَّما كُرِهَتْ لأنها منَ الأشياءِ التي تجبُ على المسلمِ للمسلمِ إعانتُه بهِ عندَ [الحاجة] (^٥)، فما كان ينبغي له أنْ يأخذَ على ذلكَ أَجْرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-903>شدة جُرم من ذكر في الحديث</span>\n٦/ ٨٦٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قَالَ اللهُ ﷿: ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلْ اسْتَأجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n_________\n= والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ١٢٩)، والبيهقي (٦/ ٦).\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٦٧.\n(^٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١/ ٣٣٩) وأحمد (٢/ ٢٩٩، ٣٣٢، ٣٤٧، ٤١٥، ٥٠٠)، والحازمي في \"الاعتبار\" (ص ١٧٦)، وابن حبان (ص ٢٧٣ رقم ١١١٨ - الموارد)، والبيهقي (٦/ ٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا.\nوقد صحَّحه الشيخ شعيب الأرنؤوط في \"الإحسان\" (١١/ ٣١٥ رقم ٤٩٤١).\n(^٣) نحوه في \"عارضة الأحوذي\" (٥/ ٢٧٧).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"الاحتياج\".\n(^٦) لم أجده في \"صحيح مسلم\"، وهو في \"صحيح البخاري\" (٢٢٧٠).\nوأخرجه ابن ماجه (٢٤٤٢)، وأحمد (٢/ ٣٥٨)، وابن الجارود (٢/ ١٦٧ رقم ٥٧٩)، والبيهقي (٦/ ١٢١).","vol":"5","page":208},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: قالَ اللَّهُ تعالَى: ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعْطَى بي ثمَّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثَمَنَهُ، ورجلٌ استأجَرَ أجيرًا فاستوفَى منهُ، ولم يعطِه أجْرَهُ. رواهُ مسلم).\nفيهِ دلالةٌ على شِدَّةِ جُرْمِ مَنْ ذُكِرَ، وأنهُ تعالى يخصمُهم يومَ القيامةِ نيابةً عمَّنْ ظلموهُ. وقولُه: أعْطَى بي، أي: حلفَ باسمي وعاهدَ، أوْ أعطى الأمانَ باسمي وبما شرعْتُهُ منْ ديني، وهو مجمع على تحريمِ الغدْرِ والنَّكثِ، وكذا بيعُ الحرِّ مجمعٌ (^١) على تحريمِهِ. وقولُ: استوفَى استكملَ منهُ العملَ ولم يعطِهِ الأجْرَةَ فهوَ أكْلٌ لمالِهِ بالباطلِ معَ تَعبهِ وكدِّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-904>جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن</span>\n٧/ ٨٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إن أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ\"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إن أحقَّ ما أخذْتُم عليهِ أجْرًا كتابُ اللهِ. أخرجَهُ البخاريُّ). وقدْ عارضَهُ ما أخرجَهُ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ ولفظُه: \"علَّمْتُ ناسًا منْ أهلِ الصُّفَّةِ الكتابَ والقرآنَ؛ فأهْدَى إليَّ رجلٌ منْهم قوسًا، فقلتُ: ليستْ بمالٍ وأرمي عليها في سبيل اللَّهِ، فأتيتُه فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، رجلٌ أَهْدَى إليَّ قَوْسًا ممنْ كنتُ أعلِّمُهُ الكتابَ والقرآن فليست لي بمالٍ فَأَرْمِي عليها في سبيلِ اللَّهِ، فقالَ: إنْ كنتَ تحبُّ أنْ تطوَّقَ طَوْقًا منْ نارٍ فاقبلْها\". فاختلفَ العلماءُ في العملِ بالحديثينِ، فذهبَ الجمهورُ منهم: مالكٌ (^٤)،\n_________\n(^١) قال ابن المنذر في \"الإجماع\" (ص ١١٤ رقم ٤٧١): وأجمعوا على أن بيع الحر باطل. اهـ.\n(^٢) في صحيحه (١٠/ ١٩٨ رقم ٥٧٣٧).\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٢٦٧ رقم ٢١٨٧)، والبيهقي (٦/ ١٢٤)، والدارقطني (٣/ ٦٥ رقم ٢٤٧، ٢٤٨).\n(^٣) في \"سننه\" (٣/ ٧٠١، ٧٠٢ رقم ٣٤١٦، ٣٤١٧).\nوأخرجه ابن ماجه (٢١٥٧)، وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٥٥ رقم ٢٩١٥).\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٤٢٧: ٤٢٩) بتحقيقنا.","vol":"5","page":209},{"text":"والشافعيُّ (^١)، إلى جوازِ أخذِ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ، سواءٌ كانَ المتعلمُ صغيرًا أو كبيرًا، ولو تعيَّنَ تعليمُه على المعلمِ عملًا بحديثِ ابن عباسٍ، ويؤيدُه ما يأتي في النكاحِ منْ جَعْلِهِ (^٢) - ﷺ - تعليمَ الرجلِ لامرأتِه القرآنَ مهرًا لها، قالُوا: وحديثُ عبادةَ لا يعارضُ حديثَ ابن عباسٍ؛ إذْ حديثُ ابن عباسٍ صحيحٌ، وحديثُ عبادةَ في رواته مغيرةُ بنُ زيادة مختلفٌ (^٣) فيه، واستنكرَ أحمدُ حديثَه. وفيه أيضًا الأسودُ بنُ ثعلبةَ فيهِ مقالٌ (^٤)، فلا يعارضُ الحديثَ الثابتَ. قالُوا: ولو صحَّ فإنهُ محمولٌ على أن عُبادةَ كانَ متبرّعًا بالإحسانِ وبالتعليمِ، غيرَ قاصدٍ لأخْذِ الأجرةِ، فحذَّرهُ - ﷺ - منْ إبطالِ أجْرهِ، وتوعَّده في أخْذِ الأجرةِ منْ أهلِ الصُّفَّةِ بخصوصِهم كراهةً ودناءةً؛ لأنهم ناسٌ فقراءُ كانُوا يعيشونَ بصدقةِ الناسِ، فَأَخْذُ المالِ منْهم مكروهٌ. وذهبَ الهادويةُ (^٥) والحنفيةُ (^٦) وغيرُهما إلى تحريمِ أَخْذِ الأجرةِ على تعليم القرآنِ، مستدلِّينَ بحديثِ عُبَادَةَ، وفيهِ ما عرفتَ قريبًا. نعمْ استطردَ البخاريُّ (^٧) ذِكْرَ أخذِ الأجرةِ على الرقيةِ في هذا البابِ، فأخرجَ حديثِ أبي سعيدِ في رقيةِ بعض الصحابةِ لبعضِ العربِ، وأنهُ لم يرقَهُ حتَّى شرطَ [عليهم] (^٨) قطيعًا منْ\n_________\n(^١) انظر: \"شرح السنة للبغوي\" (٨/ ٢٦٨).\n(^٢) انظر تخريجه في (٩/ ٩٢٠) من كتابنا هذا.\n(^٣) قال وكيع: ثقة، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال العجلي وابن عمار ويعقوب بن سفيان: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح صدوق ليس بذاك القوي، وقال ابن معين: ثقة ليس به بأس، وقال أحمد: مضطرب الحديث أحاديثه مناكير، وقال أبو زرعة: في حديثه اضطراب. انظر ترجمته في: \"التهذيب\" (١٠/ ٢٣١).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"التهذيب\" (١/ ٢٩٥)، وقال عنه في \"التقريب\" (١/ ٧٦): مجهول. اهـ\nوهذا الإسناد الذي علله الشارح متابع كما في سنن أبي داود (٣/ ٣٤١٧) فأمنَّا ضعف الراويين المذكورين.\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٤٨).\n(^٦) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٢٦: ١٢٩).\n(^٧) في صحيحه (٤/ ٤٥٣ رقم ٢٢٧٦)، وأطرافه (٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩).\nقلت: وأخرجه مسلم (٦٥/ ٢٢٠١)، وأبو داود (٣٩٠٠)، والترمذي (٢٠٦٤)، وابن ماجه (٢١٥٦)، وأحمد (٣/ ١٠، ٤٤)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ١٠٢٧)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٦٣٦).\n(^٨) في (ب): \"عليه\".","vol":"5","page":210},{"text":"[الغنم] (^١)، فتفلَ عليهِ، وقرأَ [عليهِ] (^٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فكأنما نشط من العقال، فانطلق يمشي وما به قلبةٌ، أي: علة، فأوفاهُ ما شرطَ، ولما ذَكَرُوا ذلكَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: قدْ أصبتُم، اقسمُوا واضربوا لي معكم سَهْمًا، وذِكْرُ البخاري لهذِه القصةُ في هذا الباب تأييد جواز الأجرة على تعليم القرآن وإنْ لم [يكن] (^٣) منَ الأجرةِ على التعليمِ، وإنَّما فيها دلالةٌ على جوازِ أَخْذِ العِوَضِ في مقابلةِ قراءةِ القرآن تعليمًا أو غيرِه، إذ لا فرقَ بينَ قراءتِه للتعليمِ وقراءتِه للطِبِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-905>إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه</span>\n٨/ ٨٦٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"اعْطُوا الأجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٤). [صحيح بشواهده]\n- وَفي الْبَابِ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عِنْدَ أَبِي يَعْلَى (^٥) وَالْبَيْهَقِيّ (^٦)، وَجَابرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيّ (^٧)، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ.\n(وعنِ بن عمرَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أعطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجِفَّ عرقُه. رواهُ ابن ماجهْ. وفي البابِ عنْ أبي هُرَيرةَ عندَ أبي يَعْلَى، والبيهقيِّ، وجابرٍ عندَ الطبراني، وكلُّها ضِعافٌ)؛ لأنَّ في حديثِ (^٨) ابن عمرَ شَرَقِيُّ بن قطامي، ومحمدَ بنَ\n_________\n(^١) في (ب): \"غنم\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"تكن\".\n(^٤) في سننه (٢/ ٨١٧ رقم ٢٤٤٣).\nوإسناده ضعيف جدًّا كما قال الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٢٠)، إلا أنه صحيح بشواهده الآتية.\n(^٥) في \"مسنده\" (١٢/ ٢٤ رقم ٨٤٢/ ٦٦٨٢).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٢١) بإسنادين الأول ضعيف والثاني صحيح ما بيَّنه الألباني في \"الإرواء\".\n(^٧) في \"المعجم الصغير\" (١/ ٤٣ رقم ٣٤)، وإسناده ضعيف إلَّا أنَّهُ صحيح بشواهد.\n(^٨) وهم الشارح ﵀ في هذا، وإنما شرقي وابن زياد في إسناد حديث جابر لا ابن عمر، وشرقي بن قطامي قال عنه الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٦٨): له نحو عشرة أحاديث فيها مناكير اهـ. وقال (٣/ ٥٥٢) عن محمد بن زياد: قال يحيى بن معين لا شيء.","vol":"5","page":211},{"text":"زيادٍ الراوي عنهُ، وكذَا في مسندِ أبي يَعْلَى، والبيهقيِّ، وتمامُه عندَ البيهقيَّ (^١): \"وأعْلَمَهُ أجْرَهُ وهوَ في عملِه\"، قالَ البيهقيُّ عقيبَ سياقِه بإسنادِه: وهذا ضعيفٌ بمرَّة.\n٩/ ٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"مَنِ اسْتَأجَرَ أجيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ\"، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (^٢)، وفيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقيُّ (^٣) مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. [ضعيف]\n(وعنْ أبي سعيد - ﵁ - أن النبيَّ ﷺ قالَ: منِ استأجرَ أجيرًا فليسمِّ لهُ أُجْرَتَهُ. رواهُ عبدُ الرزاقِ، وفيهِ انقطاعٌ، وَوَصَلَهُ البيهقيُّ منْ طريقِ أبي حنيفةِ).\nوقالَ البيهقيُّ: \"كَذَا رواهُ أبو حنيفةَ، وكَذَا في كتابي عنْ أبي هريرةَ. وقيلَ منْ وجْهٍ آخرَ ضعيفٌ عن ابن مسعود\".\nوالحديثِ دليلٌ على [ندبٍ] (^٤) تسميةِ أجرةِ الأجيرِ عَلَى عملِهِ لئلَّا تكونَ مجهولةً [فتؤدي] (^٥) إلى الشِّجارِ والخصامِ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٢٠).\n(^٢) في \"المصنف\" (٨/ ٢٣٥ رقم ١٥٠٢٤).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٢٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٥٩، ٦٨، ٧١)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٩٧): \"ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يسمع من أبي سعيد فيما أحسب\" اهـ. وأخرجه النَّسَائِي (٣٨٥٧)، بإسناد صحيح موقوف على أبي سعيد، وصحَّح وقفه أبو زرعة فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٣٧٦ رقم ١١١٨)، والخلاصة: أن الحديث ضعيف. وأخرجه أيضًا أبو داود في \"المراسيل\" (ص ١٦٧ رقم ١٨١).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"فيؤدي\".","vol":"5","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-906>[الباب السادس عشر] باب إحياء الموات</span>\nالمواتُ بفتحِ الميمِ والواوِ الخفيفةِ، الأرضُ التي لم تُعْمَرْ، شُبّهَتْ العمارةُ بالحياةِ وتعطيلُها بعدمِ الحياةِ، وإحياؤُها عِمَارَتُها. واعلمْ أن الإحياءَ وردَ عن الشارعِ مُطْلقًا، وما كانَ كذلكَ وجبَ الرجوعُ فيهِ إلى العُرْفِ؛ لأنهُ قدْ يبينُ مطلقاتِ الشارعِ كما في قبضِ المبيعاتِ، والحِرْزِ في السرقةِ مما يحكمُ بهِ العرفُ، والذي يحصلُ به الإحياءُ في العرفِ أحدُ خمسةِ أسباب: تَبْيِيضُ الأرضِ وتنقيتُها للزرعِ، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نَزَلَهُ إلَّا بمطَّلعٍ، هذا كلامُ الإمامِ يحيى (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-907>إحياء الأرضَ تملُّكٌ لها إذا لم يثبت فيها حق للغير</span>\n١/ ٨٦٤ - عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا\"، قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قالَ: منْ عمَّر أرضًا) بالفعلِ الماضِي، ووقعَ: أعمرَ، في روايةٍ (^٣) ماضيًا أيضًا من المزيد، والصحيحُ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٧٢، ٧٣).\n(^٢) في صحيحه (٥/ ١٨ رقم ٢٣٣٥).\nوأخرجه ابن الجارود (٣/ ٢٦٦ رقم ١٠١٤)، والبيهقي (٦/ ١٤١، ١٤٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٢٦٩ رقم ٢١٨٨).\n(^٣) في البخاري (٢٣٣٥).","vol":"5","page":213},{"text":"الأولُ (^١)، (ليستْ لأحدٍ فهوَ أحقُّ بها. قالَ عروةُ: وقَضَى بهِ عمرُ في خلافتِهِ. رواهُ البخاريُّ)، وهوَ دليلٌ على أن الإحياءَ تَمَلُّكٌ [إذا] (^٢) لم يكنْ قدْ ملكَها مسلمٌ، أو ذميٌّ، أو ثبتَ فيها حقٌّ للغيرِ. وظاهرُ الحديثِ أنه لا يُشْتَرَطَ في ذلكَ إذنُ الإمامِ وهوَ قولُ الجمهورِ (^٣)، وعنْ أبي حنيفةَ (^٤) أنهُ لا بدَّ منْ إذْنِهِ، ودليلُ الجمهورِ هذا الحديثُ والقياسُ على ماءِ البحرِ والنهرِ، وما صِيدَ منْ طيرٍ وحيوانٍ، فإنهم اتفقُوا على أنهُ لا يُشْتَرطُ فيهِ إذْنُ الإمامِ، وأما ما تقدَّمَ عَلَيْهِ يدٌ لغيرِ مُعَيَّنٍ ثم مات فإنه لا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام، وكذلك ما تعلَّق به حق لغيرِ معين كبطونِ الأوديةِ، فإنه لا يجوز إلا بإذنِ الإمام مما ليسَ فيهِ ضررٌ لمصلحةٍ عامةٍ، ذَكرَهُ بعضُ الهادويةِ (٥). قالَ المؤيدُ (^٥) وأبَو حنيفةَ (^٦): لا يجوزُ إحياؤُها بحالٍ من الأحوالِ لِجَرْيَهَا مَجْرَى الأملاكِ، لتعلقِ سيولِ المسلمينَ بها؛ إذْ هيَ مَجْرَى السيولِ. وقالَ الإمامُ المهدي (٥) - وهوَ قويٌّ -: فإنْ تحوَّلَ عنْها جَري الماءُ جازَ إحياؤُها بإذنِ الإمامِ، لانقطاعِ الحقِّ، وعدمِ تَعَيُّنِ أهلهِ، وليسَ للإمامِ الإذنُ معَ ذلكَ إلا لمصلحةٍ عامةٍ لا ضررَ فيها. ولا يجوزُ الإذنُ لكافرٍ بالإحياءِ لقولِه (^٧) - ﷺ -: \"عاديّ (^٨) الأرضِ للَّهِ ولرسولِه، ثمَّ هيَ لكمْ\"، والخطابُ للمسلمينَ. قولُه: \"وقَضَى بهِ عمرُ\"، قيلَ: هوَ مرسلٌ لأنَّ عروةَ (^٩) وُلدَ في آخِرِ خلافةِ عمرَ.\n٢/ ٨٦٥ - وَعَنْ سَعِيد بْنِ زيدٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ\"، رَوَاهُ الثَّلاثَةُ (^١٠)، وَحَسَّنَهُ التّرْمَذِيُّ، وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلًا، وَهُوَ كَمَا\n_________\n(^١) هذا ما ذهب إليه القاضي عياض ﵀ وخالفه غيره. انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠).\n(^٢) في (ب): \"إنْ\".\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٨).\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (٢٣/ ١٨١).\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٧٢).\n(^٦) انظر: \"المبسوط\" (٢٣/ ١٨٣).\n(^٧) أخرجه البيهقي (٦/ ١٤٣)، مرسلًا وموصولًا من حديث ابن عباس ﵄، وأخرجه الشافعي (٢/ ١١٢)، رقم (١٣٤٩) - بدائع المنن\" مرسلًا، والحديث ضعيف، ضعَّفه المحدث الألباني في \"الضعيفة\" (٥٥٣)، وفي الإرواء\" (٦/ ٣ رقم ١٥٤٩).\n(^٨) قال الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٦٢): وقوله عاديّ الأرض - بتشديد الياء المثناة - يعني القديم الذي من عهد عاد وهلمَّ جرًّا. اهـ.\n(^٩) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠)، ونسب الحافظ هذا القول لخليفة.\n(^١٠) تقدم تخريجه برقم (٤/ ٨٤٦) من كتابنا هذا، وأنَّه صحيح.","vol":"5","page":214},{"text":"قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّه، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ. [صحيح]\n(وعَنْ سعيدِ بن زيدٍ) تقدَّمتْ ترجمتُه في كتابِ الوضوءِ (عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أحْيا أرضًا مَيْتَةً فَهيَ لَهُ. رَوَاهُ الثلاثةُ، وحسَّنهُ الترمذيُّ وقالَ: رُوِيَ مرسلًا وهوَ كما قالَ واخُتلِفَ في صحابِيِّهِ) أي في راويهِ منَ الصحابةِ، (فقيلَ جابرٌ، وقيلَ عائشةٌ، وقيلَ عبدُ اللَّهِ بن عمر، والراجحُ) منَ الثلاثةِ الأقوالِ (الأولِ) وفيهِ أن رجلينِ اختصَما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، غرسَ أحدُهما نخلًا في أرضِ الآخرِ، فقضَى لصاحبِ الأرضِ بأرضِهِ، وأمرَ صحابَ النخلِ أنْ يخرجَ نَخْلَه منْها قالَ: فلقدْ رأيتُها، وإنَّها تُضْرَبُ أصولُها بالفؤوسِ، وإنَّها لنخلٌ عمٌّ حتَّى أُخْرِجَتْ منْها. وتقدَّمَ (^١) الكلامُ على فِقْهِهِ، وأنهُ (^٢): \"ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-908>لا حمى إلا لله ولرسوله</span>\n٣/ ٨٦٦ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أن الصَّعْبَ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ أخْبَرَهُ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا حِمَى إلَّا لله وَلِرَسُولِهِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن الصَّعْبَ) بفتحِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحَّدةٍ (ابنَ جَثَّامَة) بفتحِ الجيمِ، فمثلثةٍ مشددةٍ (أخبرَهُ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا حِمَى إلا للَّهِ ولرسولِه. رواهُ البخاريُّ)، الحِمَى يُقْصَرُ ويمدُّ، والقصْرُ أكثرْ، وهوَ المكانُ المحمي، وهوَ خلافُ المباحِ، ومعناهُ أنْ يمنعَ الإمامُ الرعْيَ في أرضٍ مخصوصةٍ لتختصَّ برَعْيها إبلُ الصدقةَ مَثَلًا، وكانَ (^٤) في الجاهليةِ أنه أرادَ الرئيسُ أنْ يمنعَ الناسَ منْ محلٍّ يريدُ اختصاصَهُ استَعوى كَلْبًا منْ مكانٍ عالٍ، فإلى حيثُ\n_________\n(^١) أثناء شرح الحديث الآنف الذكر.\n(^٢) هذه الجملة هي تتمة حديث الباب.\n(^٣) في صحيحه (٥/ ٤٤ رقم ٢٣٧٠) وطرفه في (٣٠١٣).\nوأخرجه أبو داود (٣٠٨٣، ٣٠٨٤)، وأحمد (٤/ ٣٧، ٧١، ٧٣). والشافعي (٢/ ١١٥ رقم ١٣٥٥ - بدائع المنن\"، والبيهقي (٦/ ١٤٦)، والبغوي في \"شرح السنة (٨/ ٢٧٢ رقم ٢١٩٠)، والبيهقي في \"المعرفة\" (٩/ ١٣ رقم ١٢١٨٩)، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٠٣ رقم ٣٢٤١).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٤).","vol":"5","page":215},{"text":"ينتَهي صوتُه حمَاهُ منْ كلِّ جانبٍ، فلا يرعاهُ غيرُه، وَيرْعَى هوَ مَعَ غيرِه، فأبطلَ الإسْلامُ ذلك، وأثبتَ الحِمَى للَّهِ ولرسولِهِ، قالَ الشافعيُّ (^١): يحتملُ الحديثُ شيئينِ، أحدُهما: ليسَ لأحدٍ أنْ يحميَ للمسلمينَ إلَّا ما حماهُ النبي ﷺ، والآخرُ معناهُ: إلَّا على مِثْلِ ما حماهُ عليهِ النبيُّ ﷺ، فعلَى الأوَّلِ ليسَ لأحد منَ الولاةِ بعدَه أنْ يحمِيَ، وعلى الثاني يختصُّ الحمَى بمنْ قامَ مقامَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهو الخليفة خاصةً. ورجَّحَ هذا الثاني بما ذكرهُ البخاريُّ (^٢) عن الزهريّ تعليقًا أن عمرَ حَمَى الشَّرفَ والربذةَ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٣) بإسنادٍ صحيحٍ عن نافع، عن ابن عمرَ [أن عمرَ] (^٤) حَمَى الرَّبْذَةَ لإبلِ الصدقةِ. وقدْ ألحقَ بعضُ الشافعيةِ (^٥) وُلاةَ الأقاليمِ في أنَّهم يحمونَ لكنْ بشرطِ أنْ لا يضرَّ بكافةِ المسلمينَ. واختُلِفَ هلْ للإمامِ أنْ يحمي لنفسِه أو لا يحمي إلا لما هوَ للمسلمينَ فقالَ المهدي (^٦): كانَ لَهُ - ﷺ - أنْ يحميَ لنفسِه، ولكنّهُ [لا] (^٧) يملكْ لنفسهِ ما يحمي لأجلِه. وقالَ الإمامُ يحيى (٦): والفريقانِ (^٨) لا يحمي إلا لخيلِ المسلمينَ، ولا يحمي لنفسِه ويحمي لإبلِ الصدقةِ، ولمنْ ضَعُفَ منَ المسلمينَ عن الانتجاعِ، لقوله - ﷺ -: لا حِمَى إلَّا للَّهِ. الحديثَ. ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ على الاختصاصِ، أما قصةُ عمرَ فإنَّها دالةٌ على الاختصاصِ، ولفظُها فيما أخرجَهُ أبو عبيدٍ (^٩)، وابنُ أبي شيبةَ (^١٠)، والبخاريُّ (^١١)، والبيهقيّ (^١٢) عنْ أسلمَ أن\n_________\n(^١) انظر: \"المعرفة\"، للبيهقي (٩/ ١٤ رقم ١٢١٩٤، ١٢١٩٥)، و\"الأم\" (٤/ ٤٨).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥/ ٤٤ بعد الحديث رقم ٢٣٧٠)، وأخرجه البيهقي (٦/ ١٤٦)، وفي \"المعرفة\" (٩/ ١٤ رقم ١٢١٩١).\n(^٣) في \"المصنف\" (٧/ ٣٠٤ رقم ٣٢٤٤)، وصحّحه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٤٥).\n(^٤) سقطت من المخطوطة والتصويب من المطبوعة والمصنف.\n(^٥) انظر: \"الأم\" للإمام الشافعي (٤/ ٤٨).\n(^٦) انظر: \"البحار الزخار\" (٤/ ٧٧).\n(^٧) في (ب): \"لم\".\n(^٨) قال صاحب حاشية المطبوعة (٣/ ٩٢٧): لعله يريد الزيدية والهادوية. اهـ. قلت: هذا مما نقله الشارح من \"البحر الزخار\" ورمزه فيه \"قين\"، والمقصود بهما: \"الحنفية والشافعية\" كما بيَّنه محشيّ \"البحر الزخار\" (١/ غ).\n(^٩) في كتاب \"الأموال\" (ص ٢٧٤ رقم ٧٤١).\n(^١٠) لم أجده في \"المصنف\".\n(^١١) في \"صحيحه\" (٦/ ١٧٥ رقم ٣٠٥٩).\n(^١٢) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٤٦، ١٤٧)، وفي \"المعرفة\" (٩/ ١٤، ١٥ رقم ١٢١٩٧)،=","vol":"5","page":216},{"text":"عمرَ بنَ الخطابِ استعملَ مولىَ لهُ يُسَمَّى هنيًا على الحِمَى فقال له يا هنيُّ، اضممْ جناحَك عن المسلمينَ، واتقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنّ دعوةَ المظلومِ مجابةٌ. وأدخلْ ربَّ الصريمةِ والغنيمةِ، وإياك ونعمَ ابنَ عوفٍ، ونعمَ ابن عفانَ، فإنهما إنْ تَهْلِكْ ماشيتُهما يرجعانِ إلى نخلٍ وزرعٍ، وإنَّ ربَّ الصريمةِ والغنيمةِ إنْ تهلكْ ماشيتُهما يأتيني ببنيهِ، يقول: يا أميرَ المؤمنينَ، أفتارِكُهم أنا لا أبا لك. فالكلأ والماءُ أيسرُ عليَّ منَ الذهبِ والورقِ، وأيمُ اللَّهِ إنَّهم يرونَ أني ظلمتُهم، وإنّها لَبِلادُهُمْ قاتلُوا عليها في الجاهليةِ، وأسلمُوا عليها في الإسلامِ، والذي نفسي بيدِه لولا المالُ الذي أحمل عليهِ في سبيلِ اللَّهِ ما حميتُ على الناسِ في بلادِهم، انتَهى. فهذا صريحٌ أنهُ لا يَحْمِي الإمامُ لنفسِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-909>لا ضرر ولا ضرار</span>\n٤/ ٨٦٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا، قَال: قَال رَسُول الله ﷺ: \"لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وابْنُ مَاجَهْ (^٢). [صحيح لغيره]\n- وَلَهُ (^٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ في \"الْمُوَطَّإِ\" (^٤) مُرْسَلٌ. [صحيح بشواهده]\n_________\n= وأخرجه البغوي (٨/ ٢٧٣، ٢٧٤ رقم ٢١٩١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ١٠٠٣ رقم ١).\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٣١٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٢/ ٧٨٤ رقم ٢٣٤١).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٣٠٢ رقم ١١٨٠٦)، والدارقطني (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٤)، وهو حديث صحيح لغيره، انظر: \"الإرواء\" (٣/ ٤٠٩)، و\"السلسلة الصحيحة\" (١/ ٤٤٥).\n(^٣) لم أجده في \"سنن ابن ماجه\" من حديث أبي سعيد، وإنما أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٥)، والحاكم (٢/ ٥٧) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي (٦/ ٦٩)، وإسناده ضعيف كما قال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٤١٠) و\"السلسلة\" (١/ ٤٤٤، ٤٤٥)، ولكنه صحيح بشواهده.\n(^٤) (٢/ ٧٤٥ رقم ٣١) من حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلًا.\nوفي الباب عن عبادة بن الصامت أخرجه ابن ماجه (٢٣٤٠)، والبيهقي (١٠/ ١٣٣)، ومن حديث ثعلبة بن مالك القرظي أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٨٦ رقم ١٣٨٧) وفات هذا الحديث الحافظ الهيثمي فلم يورده في \"المجمع\" (٤/ ١١٠) قاله الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ٤٤٨)، وأخرجه أيضا أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" (١/ ٣٤٤) ومن حديث أبي هريرة (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٦).","vol":"5","page":217},{"text":"(وعنْ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ: لا ضَرَرَ ولا ضِرَار. رواهُ أحمدُ، وابن ماجَهْ. ولهُ) أي ابن ماجهْ (منْ حديثِ أبي سعيدٍ مثلُه، وهوَ في \"الموطأ\" مرسلٌ)، وأخرجهُ ابنُ ماجهْ أيضًا، والبيهقيُّ منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ. وأخرجهُ مالكٌ عنْ عمرِو بن يحيى المازنيِّ، عنْ أبيهِ مرسلًا بزيادةِ: \"مَنْ ضارَّ ضارَّهُ اللَّهُ، ومنْ شاقَّ شاقَّ اللَّهُ عليهِ\"، وأخرجهُ بها الدارقطنيُّ، والحاكمُ، والبيهقي عنْ أبي سعيدٍ مرفُوعًا، وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ، وأحمدُ عن ابن عباسٍ أيضًا، وفيهِ زيادةُ (^١) \"وللرجلِ أنْ يضعَ خشبتَهُ في حائطِ جارهِ، والطريقُ الميتاءُ سبعةُ أذرعٍ. وقولُه: لا ضررَ، الضررُ ضدُّ النفعِ، يقالُ: ضرَّهُ يضرُّهُ ضرًا، وضَرارًا، وأضرَّ بهِ يضرُّ إضرارًا، ومعناهُ لا يضرُّ الرجلُ أخاه فينقصَه شيئًا منْ حقِّه، والضَّرارُ فعالٌ منَ الضُّرِّ، أي لا يجازي بإضرارِه بإدخالِ الضرِّ عليهِ، فالضرُّ بفتح الضاد وضمها أفاده القاموس (^٢) ابتداءُ الفعلِ، والضرارُ الجزاءُ عليهِ.\nقلت: يبعدُه جوازُ الانتصارِ لمنْ ظُلِمَ: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (^٣) الآيةَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٤)، وقيلَ الضر: ما تضرُّ بهِ صاحِبَكَ وتنتفعُ أنتَ بهِ، والضرُّ أنْ تضرَّ من غيرِ أنْ تنتفعَ. وقيلَ: هما بمعنَى، وتكرارُهما للتأكيدِ، وقدْ دلَّ الحديثُ على تحريمِ الضر؛ لأنهُ إذا نَفَى ذاتَه دلَّ على النَّهي عنهُ؛ لأنَّ النَّهْيَ لطلبِ الكفِّ عن الفعلِ، وهو يلزمُ منهُ عدمُ الفعلِ فاستعملَ اللازمَ في الملزومِ، وتحريمُ الضر معلومٌ عقلًا وشرْعًا إلا ما دلَّ الشَّرْعُ على إباحتِه رعايةً للمصلحةِ التي تربُو على المفسدةِ، وذلكَ مثلُ إقامةِ الحدودِ ونحوِها، وذلكَ معلومٌ في تفاصيلِ الشريعةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا تُسَمَّى الحدودُ منَ القتلِ والضَّربِ ونحوِه ضرًا منْ فاعِلها لغيرِه؛ لأنهُ إنَّما امتثلَ أمَر اللَّهِ لهُ بإقامتهِ الحدَّ على العاصي، فهوَ عقوبةٌ منَ اللَّهِ تعالى، لا أنهُ إنزالُ ضررٍ، ولهذا لا يُذَمُّ الفاعلُ لإقامةِ الحدِّ بلْ يُمْدَحُ على ذلكَ.\n٥/ ٨٦٨ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ\n_________\n(^١) انظر تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (٢/ ٨٢٤).\n(^٢) \"المحيط\" للفيروزآبادي (ص ٥٥٠).\n(^٣) سورة الشورى: الآية ٤١.\n(^٤) سورة الشورى: الآية ٤٠.","vol":"5","page":218},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (^٢). [صحيح بشواهده]\n(وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهيَ لهُ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ). وتقدَّم (^٣) أن مَنْ عَمَرَ أرْضًا ليستْ لأحدٍ فهيَ لهُ. وهذا الحديثُ بَيَّنَ نوعًا منْ أنواعِ العِمَارَةِ، ولا بدَّ منْ تقييدِ الأرضِ بأنهُ لا حقَّ فيها لأحد كما سَلَفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-910>حريم البئر</span>\n٦/ ٨٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أن النبيَّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٤) بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ. [حسن لغيره]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - أن النبي ﷺ قالَ: مَنْ حفرَ بِئْرًا فَلَهُ أربعونَ ذِرَاعًا عَطَنًا)، بفتحِ العينِ المهملةِ، وفتحِ الطاءِ المهملة. في القاموسِ (^٥): العطنُ محركةً وَطَنُ الإبلِ ومَبْرَكُها حولَ الحوضِ ماشيتِه. رواهُ ابن ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنَّ فيهِ إسماعيلَ (^٦) بنَ مسلمِ. وقدْ أخرجَهُ الطبرانيُّ (^٧) منْ حديثِ\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣/ ٤٥٦ رقم ٣٠٧٧).\n(^٢) في \"المنتقى\" (٣/ ٢٦٧ رقم ١٠١٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٢، ٢١)، والطبراني في \"الكبير\" (٧/ رقم ٦٨٦٣، ٦٨٦٤، ٦٨٦٥، ٦٨٦٦، ٦٨٦٧)، والبيهقي (٦/ ١٤٨)، وسنده ضعيف لعنعنة الحسن البصري، ولكن الحديث صحيح بشواهده، وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (رقم ١٥٥٤).\n(^٣) في الحديث رقم (١/ ٨٦٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) في \"سننه\" (٢/ ٨٣١ رقم ٢٤٨٦).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٢٧٣)، وهو حديث حسن لغيره كما قال الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ٤٤٩، ٤٥٠)، وشاهده من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"حريم البئر أربعون ذراعًا من حواليها كلها لأعطان الإبل والغنم\" أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٤).\n(^٥) (ص ١٥٦٩).\n(^٦) قال أحمد وغيره: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النَّسَائِي: متروك.\nانظر: \"الميزان\" (١/ ٢٤٨)، و\"التقريب\" (١/ ٧٤) و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٩٨).\n(^٧) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦٣).","vol":"5","page":219},{"text":"أشعثَ عن الحسنِ، وفي البابِ عنْ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (^١): \"حريمُ البئرِ البديء خمسةٌ وعشرونَ ذِراعًا، وحريمُ البئرِ العادي خمسونَ ذراعًا\"، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (^٢) منْ طريقِ سعيدِ بن المسيبِ عنهُ، وأعلَّها بالإرسالِ، وقالَ: منْ أسندَه فقدْ وهِمَ، وفي سندِهِ محمدُ (^٣) بنُ يوسفُ المقْرِي شيخُ شيخِ الدارقطنيِّ، وهوَ متَّهمٌ بالوضْعِ. ورواهُ البيهقيُّ منْ طريقِ يونسَ عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيبِ مرسلًا، وزادَ فيهِ: \"وحريمُ بئرِ الزرعِ ثلثمائة ذراعٍ منْ نواحيها كلِّها\"، وأخرجهُ الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ موصولًا، ومرسلًا، والموصولُ فيه عمرُ (^٤) بنُ قيسٍ ضعيفٌ. والحديثُ دليلُ على ثبوتِ الحريمِ للبئرِ. والمرادُ بالحريمِ ما يمنعُ منهُ المحيي والمحتفرُ لإضرارهِ. وفي \"النهاية\" سُمِّيَ بالحريمِ لأنهُ يحرِّمُ منعَ صاحبه منهُ، ولأنهُ يحرِّم على غيرهِ التصرفَ فيهِ. والحديثُ نصٌّ في حريمِ البئرِ. وظاهرُ حديثِ عبدِ اللَّهِ أن العلةَ في ذلكَ هو ما يحتاجُ إليهِ صاحبُ البئرِ عندَ سقْي إِبِلِهِ لاجتماعِها على الماءِ. وحديثُ أبي هريرةَ ﵁ على أن العلةَ في ذلكَ هوَ ما يحتاجُ إليهِ البئرُ لئلَّا تحصلَ المضرَّةُ عليها بقربِ الإحياءِ منْها، ولذلكَ اختلفَ الحالُ في البديء (^٥) والعاديِّ، والجمعُ بينَ الحديثينِ أنهُ ينظرُ ما يحتاجُ إليهِ إما لأجْلِ السَّقْي للماشيةِ، أو لأجْلِ البئرِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك، فذهبَ الهادي (^٦)، والشافعيُّ (^٧)،\n_________\n(^١) لم أجده بهذا اللفظ في \"المسند\"، وتقدم لفظه قريبًا.\n(^٢) في \"سننه\" (٤/ ٢٢٠ رقم ٦٣).\nوأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (ص ٢٩٠ رقم ٤٠٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٣٧٣ رقم ١٣٩٦)، والحاكم (٤/ ٩٧)، والبيهقي (٦/ ١٥٥) من مرسل سعيد بن المسيب ورجاله ثقات رجال الشيخين كما قال الشيخ شعيب في تحقيق \"المراسيل\".\n(^٣) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦٣): وهو متهم بالوضع وأطلق عليه ذلك الدارقطني وغيره اهـ. وفي \"سنن الدارقطني\": محمد بن يوسف بن موسى المقري، ولم أجد له ترجمة في \"الميزان\" إلا أن يكون هو محمد بن يوسف بن يعقوب، وقد اتهمه الخطيب والدارقطني بالوضع. انظره في: \"الميزان\" (٤/ ٧٢).\n(^٤) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٦٣).\n(^٥) قال في \"التلخيص\" (٣/ ٦٣): البديء بفتح الموحدة وكسر الدال بعدها مد وهمزة هي التي ابتدأتها أنت، والعادية: القديمة. اهـ.\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٠١).\n(^٧) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (٩/ ٣١).","vol":"5","page":220},{"text":"وأبو حنيفةَ (^١) إلى أن حَريمَ البئرِ الإسلامية أربعونَ، وذهبَ أحمدُ (^٢) بنُ حنبل إلى أن الحريمَ خمسةٌ وعشرونَ. وأما العيونُ فذهبَ الهادي (^٣) إلى أن حريمَ العينِ الكبرى الفوَّارةِ خمسمائةِ ذراعٍ منْ كلِّ جانبٍ استحسانًا. قيلَ: وكأنهُ نظرَ إلى أرضٍ رخْوةٍ تحتاجُ إلى ذلكَ القدْرِ، وأما الأرضُ الصُّلْبَةُ فدونَ ذلكَ، والدارُ المنفردةُ حريمُها فَنَاؤُها، وهوَ مقْدارُ طولِ جدارِ الدارِ. وقيلَ ما تصلُ إليهِ الحجارةُ إذا انهدمتْ. وإلى هذا ذهبَ زيدُ (^٤) بنُ عليّ وغيرُه. وحريمُ النَهْرِ قَدْرُ ما يلقَى عنه كسحُه، وقيلَ: مثلُ نِصْفِه منْ كل جانبٍ، وقيلَ: بلْ بقدرِ أرضِ النهرِ جميعًا. وحريمُ الأرضِ ما تحتاجُ إليهِ وقْتَ عملِها وإلقاءُ كسحِها، وكذا المسيلُ حريمُه مثلُ البئرِ على الخلافِ. وكلُّ هذهِ الأقوالِ قياسٌ على البئرِ بجامعِ الحاجةِ، وهذا في الأَرْضِ المباحةِ، وأما الأرضُ المملوكةُ فلا حريمَ في ذلكَ بلْ لكلّ أنْ يعمل في مُلْكِهِ ما يشاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-911>حكم الإقطاع</span>\n٧/ ٨٧٠ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أن النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ علقمةَ بن وائلٍ عنْ أبيهِ أن النبيَّ - ﷺ - أَقْطَعَهُ أَرْضًا بحضرموتَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذي، وصحَّحَه ابنُ حبَّانَ)، وصحَّحهُ أيضًا الترمذيُّ، والبيهقيُّ. ومعناهُ أنهُ خصَّهُ ببعضِ الأرضِ المواتِ فيختصُّ بهِ، ويصيرُ أَوْلَى بها بإحيائِه ممنْ لم\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (٢٣/ ١٦١).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٦/ ٢٠٠ مسألة رقم ٤٣٦١).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٠١).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٠١، ١٠٢).\n(^٥) في \"سننه\" (٣/ ٤٤٣ رقم ٣٠٥٨، ٣٠٥٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٦٦٥ رقم ١٣٨١) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٧) في \"صحيحه\" (١٦/ ١٨٢ رقم ٧٢٠٥ - الإحسان)، وليس فيه أن الأرض بحضرموت وفيه قصة له مع معاوية.\nوأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٩)، والبيهقي (٦/ ١٤٤) وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٥٩٢ رقم ٢٦٣١).","vol":"5","page":221},{"text":"يسبقْ إليها بالإحياءِ. واختصاصُ الإحياءِ بالمواتِ متفقٌ عليهِ في كلام الشافعيةِ (^١)، والهادويةِ (^٢)، وغيرِهم. وَحَكَى القاضي عياضٌ (^٣) أن الإقطاعَ تسويغُ الإمامِ منْ مالِ اللَّهِ شيئًا لمنْ يراهُ أهلًا لذلكَ. قالَ: وأكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الأرضِ، وهوَ أنْ يخرجَ منْها لمنْ يراهُ ما يجوزهُ إما بأنْ يملّكَه إياهُ فيعمر، وإما بأن يجعلَ لهُ غلته مدةً. قالَ: والثاني الذي يُسَمَّى في زمانِنا هذا إقطاعًا ولمْ أرَ أَحَدًا منْ أصحابِنَا ذَكَرَهُ، وتخريجُه على طريق فقهي مشكلٌ، والظاهرُ أنهُ يحصلُ للمقْطِع بذلك اختصاصٌ كاخْتصَاصِ المتحجِّر ولكنهُ لا يملكُ الرقبةَ بذلكَ انتَهى. وبهِ جزمَ المحِبُّ الطبريُّ، وادَّعى الأوزاعي الخلافَ في جوازِ تخصيصِ الإمام بعضَ الجندِ بغلةِ أرضٍ إذا كانَ مُسْتَحِقًا لذلكَ. قالَ ابنُ التينِ: إنما يُسَمَّى إقطاعًا إذا كانَ منْ أرضٍ أوْ عقارٍ وإنما يقطعُ منَ الفيءِ، ولا يقطعُ منْ حقِّ مسلمٍ ولا معاهدٍ.\nقالَ: وقدْ يكونُ الإقطاعُ تمليكًا وغيرَ تمليكٍ، وأما ما يقطعُ في أرضِ اليمنِ في هذهِ الأزمنةِ المتأخرةِ منْ إقطاعِ جماعةِ من أعيانِ الآلِ قُرًى منَ البلادِ العشريةِ، يأخذونَ زكاتَها وينفقونَها على أنفسِهم مع غِنَاهُم فهذا شيءٌ محرَّمٌ لم تأتِ بهِ الشريعةُ المحمديةُ، بل أتتْ بخلافِه وهوَ تحريمُ (^٤) الزكاةِ على آلِ محمدٍ، وتحريمُها (^٥) على الأغنياءِ منَ الأمةِ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعونَ.\n٨/ ٨٧١ - وعَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أن النَّبِيَّ ﷺ: أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ. فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ. فَقَالَ: \"أَعْطُوهُ حَيثُ بَلَغَ السَّوْطَ\". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (^٦). فيهِ ضَعْفٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"المعرفة\" (٩/ ٧).\n(^٢) انظر: \"البحار الزخار\" (٤/ ٧١).\n(^٣) انظر: \"مشارق الأنوار على صحاح الآثار\" له (٢/ ١٨٣).\n(^٤) انظر الحديث رقم (٤/ ٦٠٦)، من كتابنا هذا.\n(^٥) انظر الحديث رقم (٢١/ ٦٠٣)، ورقم (٢/ ٦٠٤)، من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٤٥٣ رقم ٣٠٧٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٥٦) وسنده ضعيف، ضعَّفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (ص ٣١٠) رقم ٦٧٣)، وله أصل في الصحيح (٦/ ٢٥٢ رقم ٣١٥١)، وطرفه في (٥٢٢٤) من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ.","vol":"5","page":222},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبيّ ﷺ أقطَعَ الزبيرَ حُضْرَ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الضادِ، فراءٍ (فرسِهِ) أي: ارتفاعُ فرسه في عَدْوِهِ (^١)، (فأجْرَى الفرسَ حتَّى قامَ، ثمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فقالَ: أعطوهُ حيثُ بلغَ السَّوْطَ. رواهُ أبو داودَ، وفيهِ ضَعْفٌ)، لأنَّ فيهِ العمريَّ المكبرَ وهوَ عبدُ اللَّهِ (^٢) بنُ عمرَ بن حفصٍ بن عاصمٍ بن عمرَ بن الخطاب، وفيهِ مقالٌ، وأخرجَهُ أحمدُ (^٣) منْ حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وفيهِ أن الإقطاعَ كانَ منْ أموالِ بني النَّضَيْرِ (^٤). قالَ في \"البحرِ\" (^٥): وللإمامِ إقطاعُ المواتِ لإقطاعِ النبيِّ ﷺ الزبيرَ حُضْرَ فرسِهِ، ولفِعْلِ أبي بكرٍ وعمرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-912>اشتراك الناس في الماء والنار والكلأ</span>\n٩/ ٨٧٢ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - ﵁ - قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْكَلأ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَرِجَالُهُ ثُقَاتٌ. [شاذ بلفظ الناس، وصحيح بلفظ المسلمون]\n_________\n(^١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص ٤٨١).\n(^٢) قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أحمد: صالح لا بأس به، وقال ابن عدي: هو في نفسه صدوق، وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن حفظ الأخبار وجودة الحفظ للآثار، فلما فحش خطؤه استحق الترك، وقال النَّسَائِي: ليس بالقوي، وقال ابن المديني: ضعيف. انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٤٦٥). وهو المكبر والمصغر أخوه عبيد اللهِ.\n(^٣) لم أجد في مسند الإمام أحمد من مسند أسماء بنت أبي بكر ﵂ إلا مثل ما قدمنا أنه في صحيح البخاري وهو في \"المسند\" (٦/ ٣٤٧).\n(^٤) لم أجد في أي من الروايات كون الإقطاع كان من أموال بني النضير إلا ما أخرجه البخاري معلقًا مرسلًا في (٣١٥١) قال: وقال أبو ضمرة عن هشام عن أبيه: \"أن النبي ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير\".\n(^٥) \"الزخار الجامع لمذاهب الأمصار\" (٤/ ٧٦).\n(^٦) في \"المسند\" (٥/ ٣٦٤).\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٧٥٠ رقم ٣٤٧٧).\nوهو في المسند والسنن بلفظ: \"المسلمون\"، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨): لقد وهم الحافظ ابن حجر رحمه اللهُ تعالى فأورد الحديث في \"بلوغ المرام\" باللفظ الشاذ: - يعني \"الناس\" بدل \"المسلمون\" - من رواية أحمد وأبي داود ولا أصل له عندهما البتة، فتنبَّه. اهـ.=","vol":"5","page":223},{"text":"(وعنْ رجلٍ منَ الصحابةِ، قالَ: غزوتُ معَ النبيِّ ﷺ فسمعتُه يقول: الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الكلأ) مهموزٌ ومقصورٌ، (والماءِ، والنارِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، ورجالُه ثِقاتٌ)، ورواه ابنُ ماجهْ من حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الكلأُ والماءُ والنارُ\" وإسنادُه صحيحٌ. وفي البابِ رواياتٌ كثيرةٌ لا تخلُو منْ مقالٍ، ولكنَّ الكُلَّ ينهضُ على الحُجِّيَّةِ، ويدلُّ للماءِ بخصوصِه أحاديثُ في مسلمٍ (^١) وغيرِه، والكلأُ النباتُ رَطْبًا كانَ أو يابِسًا، وأما الحشيشُ والهشيمُ فمختصٌّ باليابسِ، وأما الخلا: مقصورٌ غيرُ مهموزٍ فيختصُّ بالرطبِ ومثلُه العشبُ. والحديثُ دليلٌ على عدمِ اختصاصِ أحدٍ منَ الناسِ بأحدِ الثلاثةِ، وهوَ إجماعٌ في الكلأ في الأرضِ المباحةِ والجبالِ التي لم يحرزْها أحدٌ؛ فإنه لا يُمْنَعُ منْ أخذِ كَلَئِها أحدٌ إلا ما حماهُ الإمامُ كما سلفَ. وأما النابتُ في الأرضِ المملوكةِ والمتحجرةِ ففيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ، فعندَ الهادويةِ (^٢) وغيرهم أن ذلكَ مباحٌ أيضًا، وعمومُ الحديثِ دليلٌ لهم.\nوأما النارُ فاخْتُلِفَ في المرادِ بها فقيلَ أُرِيدُ بها الحطبُ الذي يحطبهُ الناسُ، وقيلَ أريدَ بها الاستِصْباحُ منْها والاستضاءةُ بضوئِها، وقيلَ الحجارةُ التي تُورَى فيها النارُ إذا كانتْ في مواتٍ، والأقربُ أنهُ أريدَ بها النارُ حقيقةً، فإنْ كانتْ منْ حَطبٍ مملوكٍ فقيلَ حكْمُها حكمُ أصله، وقيلَ يحتملُ أنهُ يأتِي فيها\n_________\n= قلت: وأخرجه بنفس اللفظ البيهقي (٦/ ١٥٠)، وباللفظ الشاذ أبو عبيد في كتاب \"الأموال\" (ص ٢٧١ رقم ٧٢٩)، تفرد بها يزيد بن هارون كما بينه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٧ - ٨) وصحَّح الحديث باللفظ الأول، وفي الباب عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: \"ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار\" أخرجه ابن ماجه (٢٤٧٣)، وقد صحَّح إسناده البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٥٥ رقم ٨٧٥)، وصحَّحه أيضًا الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦٥)، والألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨ - ٩) وفي الباب أيضًا من حديث ابن عمر - ﵄ - أخرجه الطبراني وزاد: \"والملح\"، كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦٥) وحسَّن إسناده. ومن حديث ابن عباس وبهيسة عن أبيها وعائشة وأنس وعبد اللَّهِ بن سرجس - ﵃ - وأسانيدها لا تخلو من مقال.\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١١٩٧ رقم ١٥٦٥) بلفظ: \"نهى رسول اللَّهِ ﷺ عن بيع فضل الماء\" قلت: وتقدم تخريجه برقم (١٣/ ٧٤٨) من كتابنا هذا.\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٧٥).","vol":"5","page":224},{"text":"الخلافُ الذي في الماءِ، وذلكَ لعمومِ الحاجةِ وتسامحِ الناسِ في ذلك.\nوأما الماءُ فقد تقدَّم الكلامُ فيهِ، وأنهُ يحرمُ منعُ المياهِ المجتمعةِ منَ الأمطارِ في أرضٍ مباحةٍ، وأنَّهُ ليس أحدٌ أحقَّ بها من أحدٍ، إلَّا لقربِ أرضِه منها، ولو كان في أرضٍ مملوكةٍ فكذلك، إلا أن صاحبَ الأرضِ المملوكةِ أحقُّ بهِ يسقيها ويسقي ماشيتَه، ويجبُ بَذْلُه لما فضلَ منْ ذلك، فلو كانَ في أرضِه أو دارِه عينٌ نابعةٌ أو بئرٌ احتفرَها، فإنهُ لا يملكُ الماءَ بلْ حقُّه فيهِ تقديمُه في الانتفاعِ على غيرِهِ، وللغيرِ دخولُ أرضهِ كما سلفَ.\nفإنْ قيلَ: فهلْ يجوزُ بيعُ العينِ والبئرِ نفسِهما؟ قيلَ: يجوزُ بيعُ العينِ والبئرِ لأنَّ النَّهْيَ واردٌ عنْ بيعِ فَضْلِ الماءِ لا البئرِ والعيونِ في قراراها، والمشتري لهما أحقُّ بمائِهِمَا بقدْرِ كفايتِهِ، وقدْ ثبتَ (^١) شراءُ عثمانَ لبئرِ رومةَ منَ اليهوديِّ بأمرِهِ - ﷺ - وسبَّلَها للمسلمينَ.\nفإنْ قيلَ: إذا كانَ الماءُ لا يُمْلَكُ فكيفَ تحجَّرَ اليهوديُّ البئرَ حتَّى باعَها منْ عثمانَ؟ قيلَ: هذا كانَ في أولِ الإسلامِ حينَ قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وقبلَ تَقَرُّرِ الأحكامِ على اليهوديِّ، والنبي - ﷺ - أبقاهم أولَ الأمرِ على ما كانُوا عليهِ وأقرهم على ما تحتَ أيديهمْ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (١٣/ ٧٤٨) من كتابنا هذا، وهو في صحيح البخاري.","vol":"5","page":225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-913>[الباب السابع عشر] باب الوقف</span>\nالوقْفُ هو لغةً الحبْسُ. يُقَالُ: وقَفْتُ كَذَا، أي حبسْتُه. وهوَ شَرْعًا: حَبْسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ بهِ معَ بقاءِ عَيْنِه بقطعِ التصرُّفِ في رقبتِه على مَصْرَفٍ مُبَاحٍ.\n١/ ٨٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عنهُ عملُه إلَّا منْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أوْ علمٍ ينْتَفَعُ بهِ، أوْ ولدٍ صالح يدعُو له. رواهُ مسلمٌ). ذكرهُ في بابِ الوقْفِ؛ لأنهُ فسَّر العلماءُ الصدقةَ الجاريةَ بالوقْفِ، وكانَ أولُ وقْفٍ في الإسلامِ وَقْفَ عمرَ - ﵁ - الآتي حديثُه كما أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٢) أنه قال المهاجرون: أولُ حَبْسٍ في الإسلامِ صدقةُ عمرَ.\nقالَ الترمذيُّ (^٣): لا نعلمُ بينَ الصحابةِ والمتقدِّمينَ منْ أهلِ الفقهِ خِلافًا في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٦٥ رقم ١٣/ ٢٦٨٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٨٠)، والترمذي (١٣٧٦) وقال: حديث حسن صحيح، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (رقم ٣٨)، وأحمد (٢/ ٣٧٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٩٥)، والبيهقي (٦/ ٢٧٨).\n(^٢) كذا في المخطوط والمطبوع وصوابه كما في \"الفتح\" (٥/ ٤٠٢)، عمر بن شبة. قال الحافظ: وروى عمر بن شبة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول اللهِ - ﷺ -، وفي إسناده الواقدي. اهـ، ويأتي تخريج الحديث وليس فيه هذه الزيادة.\n(^٣) في \"سننه\" (٣/ ٦٦٠).","vol":"5","page":226},{"text":"جوازِ وَقْفِ الأرضينَ، وأشارَ الشافعيُّ (^١) أنهُ مِنْ خصائصِ الإسلامِ لا يُعْلَمُ في الجاهليةِ، وألفاظُه: وقفْتُ وحَبَسْتُ وسَبَّلْت وأَبَّدْتُ؛ فهذهِ صرائحُ ألفاظهِ، وكنايتُه تصدَّقتُ. واختُلِفَ في حرَّمْتُ فقيلَ صريحٌ، وقيلَ غيرُ صريحٍ. وقولُه: أوْ علم يُنْتَفَعُ بهِ، المرادُ النفعُ الأخرويُّ، فيخرجُ ما لا نَفْعَ فيهِ كعلمِ النجومِ منْ حيثُ أحكامِ السعادة وضدِّها، ويدخلُ فيهِ مَنْ أَلَّفَ علمًا نافعًا أو نَشَرَهُ فبقيَ مَنْ يرويهِ عنهُ وينتفعُ بهِ، أو كَتَبَ علمًا نافعًا ولو بالأُجرةِ معَ النيةِ، أو وَقَفَ كُتُبًا. ولفظُ الولدِ شاملٌ للأنثى والذكرِ، وشرطُ صلاحهِ ليكونَ الدعاءُ مُجَابًا.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ ينقطعُ أَجْرُ كلِّ عملٍ بعدَ الموتِ إلا هذهِ الثلاثةَ فإنهُ يجري أَجْرُها بعدَ الموتِ ويتجدَّدُ ثوابُها.\nقالَ العلماءُ: لأنَّ ذلكَ مِنْ كَسْبِه، وفيهِ دليلٌ على أن دعاءَ الولدِ لأَبَوْيهِ بعدَ الموتِ يلحقُهما، وكذلكَ غيرُ الدعاءِ منَ الصدقةِ، وقضاءِ الدَّيْنِ، وغيرِهما. واعلمْ أنهُ قدْ زِيْدَ على هذهِ الثلاثةِ ما أخرَجهُ ابنُ ماجهْ (^٢) بلفظِ: \"إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ منْ عملهِ وحسناتهِ بعدَ موتِه عِلْمًا عقَمَهُ ونَشَرَهُ، وولدًا صالحًا تركَهُ، أو مُصْحَفًا ورَّثَه، أو مَسْجِدًا بناهُ، أو بَيْتًا لابنِ السبيلِ بناهُ، أو نَهَرًا أجراهُ، أو صدقةً أخرجَها منْ مالهِ في صحَّتهِ وحياتهِ تلحقُه مِنْ بعدِ موتِه\". ووردَ خصالٌ أخرى تبلغها عشرًا، ونَظَمَها الحافظُ السيوطي رحمهُ اللَّهُ تعالى قالَ:\nإذا ماتَ ابنُ آدمَ ليسَ يجري … عليهِ منْ فِعالٍ غيرُ عشرِ\nعلومٌ بثَّها ودعاءُ نَجْلٍ … وغرسُ النخلِ والصدقاتُ تجري\nوِراثةُ مصحفٍ ورباطُ ثَغْرٍ … وحَفْرُ البئرِ أو إجراءُ نَهْرِ\nوبيتٌ للغريبِ بناهُ يأوي … إليهِ أو بناءُ محلِّ ذِكْرِ\n\n<span data-type='title' id=toc-914>وقف العقار وعدم بيعه</span>\n٢/ ٨٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَر - ﵁ - أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣)، و\"الأم\" (٤/ ٥٤، ٥٥).\n(^٢) في \"سننه\" (١/ ٨٨ رقم ٢٤٢)، وحسنه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (١/ ٤٦ رقم ١٩٨)، وفي \"الإرواء\" (٦/ ٢٩).","vol":"5","page":227},{"text":"النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَا، قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَالَ: \"إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا\"، قَالَ: فتصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُورثُ، ولَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفَقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢): تَصَدَّقَ بِأَصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ.\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: أصابَ عمرُ أَرْضًا بخيبرَ) في روايةِ النسائيِّ، أنهُ كانَ لعمرَ مائةُ رأسٍ، فاشْتَرَى بها مائةَ سَهْمٍ منْ خيبرَ: (فأتَى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ هوَ أنفسُ عندي منهُ، فقالَ: إنْ شئتَ حبستَ أصْلَها وتصدَّقْتَ بها، قالَ: فتصدَّقَ بها عمرُ، أنهُ لا يباع أصلُها، ولا يُوْرَثُ، ولا يوهَبُ، فتصدَّقَ بها على الفقراءِ، وفي القُرْبَى) أي ذوي قرْبَى عمرُ (وفي الرِّقابِ، وفي سبيلِ اللَّهِ، وابنِ السبيلِ، والضَّيفِ، لا جناحَ على مَنْ وَلِيَهَا أنْ يأكلَ مِنْهَا بالمعروفِ، أو يطْعِمَ صَدِيْقًا غيرَ مُتَمَوِّلٍ مالًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: تَصَدَّقَ بأصْلِهِ لا يباعُ ولا يوهبُ، ولكنْ ينفقُ ثمرُه). أفادتْ روايةُ البخاريِّ أن كونَه لا يباعُ ولا يُوهَبُ منْ كلامهِ - ﷺ -، وأنَّ هذَا شأنُ الوقْفِ، وهوَ يَدْفَعُ قولَ أبي حنيفةِ (^٣) بجوازِ بَيْعِ الوقْفِ.\nقالَ أبو يوسفَ (^٤): إنهُ لو بلغَ أبا حنيفةَ هذا الحديثُ لقالَ بهِ ورجعَ عنْ بيعِ الوقْفِ.\nقالَ القرطبي (٤): ردُّ الوقْفِ مُخَالِفٌ للإجماعِ، فلا يُلْتَفَتُ إليهِ، وقولُه: \"أنه\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٣٧) وأطرافه في (٢٧٦٤، ٢٧٧٢)، ومسلم (١٦٣٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٧٨)، والترمذي (١٣٧٥) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٣٥٩٩)، وابن ماجه (٢٣٩٦)، وأحمد (٢/ ١٢ - ١٣، ٥٥، ١٢٥)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢٥٢ رقم ٩٧٨)، والبيهقي (٦/ ١٥٨ - ١٥٩) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٥)، والدارقطني (٤/ ١٨٦: ١٩١) من طرق.\n(^٢) في صحيحه (٥/ ٣٩٢ رقم ٢٧٦٤).\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٥).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠٣).","vol":"5","page":228},{"text":"يأكل منه مَنْ وَليَها بالمعروفِ\". قالَ القرطبي (^١): جرتِ العادةُ أن العاملَ يأكلُ منْ ثمرةِ الوقْفِ، حتَّى لو اشترطَ الواقفُ أنْ لا يأكلَ منهُ لاستُقْبحَ ذلكَ منهُ، والمرادُ بالمعروفِ القَدْرُ الذي جرتْ بهِ العادةُ، وقيلَ: القَدْرُ الذي يَدْفَعُ الشهوَة، وقيلَ: المرادُ أنْ يأخذَ منهُ بقَدْرِ عملهِ، قيل: والأَوَّلُ أَوْلَى.\nوقولُه: \"غيرَ متموِّلٍ\"، أي غيرَ مُتَّخِذٍ منه مالًا أي مُلْكًا، والمرادُ لا يتملَّكُ من رقَابها شيئًا، ولا يأخذُ منْ غِلَّتِها ما يشتري بَدَلَه مُلْكًا بلْ ليسَ لهُ إلا ما ينفقُه. وزادَ أحمدُ (^٢) في روايتِه أن عمرَ أَوْصَى بها إلى حفصةَ أمِّ المؤمنينَ، ثمَّ إلى الأكابرِ منْ آلِ عمرَ، ونحوُهُ عندَ الدارقطنيِّ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-915>وقف العروض</span>\n٣/ ٨٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: \"فَأَمَّا خالِدٌ فقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عمرَ على الصَّدَقَةِ، الحديثَ وفيهِ: وأما خالدٌ فقدِ احتَبَسَ أدراعَه وأَعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ. متفقٌ عليهِ). تقدَّمَ (^٥) تفسيرُ الأَعْتَادِ. والحديثُ دليلٌ على صحَّةِ وَقْفِ العينِ عن الزكاةِ، [و] (^٦) أنهُ يأخذُ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٤٠١).\n(^٢) لم أجد هذه الزيادة في \"المسند\"، والذي يبدو أن هذا العزو سبق بصر من الشارح ﵀ حيث ذكر في \"الفتح\" (٥/ ٤٠٢) أن هذه الزيادة زادها عمر بن شبة، وذكر معها زيادة أخرى زادها أحمد وهي في \"المسند\" (٢/ ١٢٥).\nقلت: والزيادة التي ذكرها الشارح أخرجها أيضًا البيهقي (٦/ ١٦١) وصححها الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٣٠).\n(^٣) في \"سننه\" (٤/ ١٨٩ رقم ٥).\n(^٤) البخاري (١٤٦٨) ومعلقًا (٣/ ٣١١)، (٦/ ٩٩)، ومسلم (١١/ ٩٨٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٦٢٣)، والنسائي (٢٤٦٤)، وأحمد (٢/ ٣٢٢) وتقدَّم برقم (٦/ ٨٣٥) من كتابنا هذا.\n(^٥) أثناء شرح الحديث رقم (٦/ ٨٣٥) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (ب): \"أو\".","vol":"5","page":229},{"text":"بزَكَاتِهِ آلاتٍ للحربِ للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، وعلى أنهُ يَصِحُّ وَقْفُ العَرُوضِ.\nوقالَ أبو حنيفةَ (^١): لا يصحُّ لأنَّ العَرُوضَ تُبَدَّلُ وتُغَيَّرُ، والوقْفُ موضوعٌ للتأبيد. والحديثُ حجَّةٌ عليهِ.\nودلَّ على صحَّةِ وَقْفِ الحيوان لأنَّها قدْ فُسِّرتِ الأعتادُ بالخيلِ، وعلى جوازِ صرفِ الزكاةِ إلى صِنْفٍ واحدٍ منَ الثمانيةِ.\nوتعقَّبَ ابنُ دقيقٍ (^٢) العيدِ جميعَ ما ذُكِرَ بأنَّ القصةَ محتملةٌ لما ذُكِر ولغيره، فلا ينهضُ الاستدلالُ بها على شيءٍ مما ذُكِرَ.\nقالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ تحبيسُ خالدٍ إرْصَادًا وعدمَ تَصَرُّفٍ، ولا يكونُ وَقْفًا.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (١٢/ ٢٧: ٢٩).\n(^٢) انظر: \"إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام\" له (٣/ ٣٠٣، ٣٠٤، مع حاشيتها العدة للصنعاني).","vol":"5","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-916>[الباب الثامن عشر] باب الهبة، والعُمْرَى، والرُّقْبَى</span>\nالهبةُ بكسرِ الهاءِ مصدرُ وهبتُ، وهيَ شرْعًا: تمليكُ عينٍ بعقدٍ على غيرِ عِوَضٍ معلومٍ في الحياةِ، ويطلقُ على الشيءِ الموهوبِ، ويُطْلَقُ على أعمَّ منْ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-917>تسوية الأولاد في الهبة</span>\n١/ ٨٧٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتهُ مِثْلَ هذَا؟ \"، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"فَارْجِعْهُ\"، وَفي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلى النَّبيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتي. فَقَالَ: \"أَفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ \"، قَالَ: لَا قَالَ: \"اتَّقُوا الله وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ\"، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٢) قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيرِي\"، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرِّ سَوَاءً؟ \" قَالَ: بَلَى، قَالَ: \"فَلا إِذَنْ\". [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري (٢٥٨٦)، ومسلم (١٦٢٣).\nقلت: وأخرجه مالك (٣٩)، وأحمد (٤/ ٢٦٨)، وأبو داود (٣٥٤٢)، والترمذي (١٣٦٧)، والنسائي رقم (٢٥٨) و(٢٥٩)، وابن ماجه (٢٣٧٥)، والطحاوي (٤/ ٨٥، ٨٦)، وابن حبان (١١/ ٤٩٨ رقم ٥٠٩٨، ٥٠٩٩، الإحسان)، والبيهقي (٦/ ١٧٦، ١٧٧).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٢٤٣ رقم ١٧/ ١٦٢٣).","vol":"5","page":231},{"text":"(عن النُّعمانِ بن بشيرٍ أن أباهُ أَتَى بهِ النبيَّ ﷺ فقَالَ: إني نَحَلْتُ ابني هذَا غُلامًا كانَ لي، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ: أكلَّ ولدِكَ نحلْتَه مثلَ هذَا؟ فقالَ لا، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ: فَأَرْجِعْهُ. وفي لفظٍ: فانطلقَ أبي إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ على صدقتي، فقالَ: أفعلتَ هذا بولدِك كلِّهم؟ قَال: \"قالَ: فاتَّقوا اللَّهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكم، فرجعَ أبي فردَّ تلكَ الصدقةَ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري، ثمَّ قالَ: أيسرُّكَ أنْ يكونُوا لكَ في البرِّ سواءً؟ قالَ: بلَى، قالَ: فلا إِذَنْ).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ المساواةِ بينَ الأولادِ في الهِبَةِ. وقدْ صرَّحَ بهِ البخاريُّ (^١) وهوَ قولُ أحمدَ (^٢)، وإسحاقَ، والثوريَّ (^٣) وآخرينَ، وأنَّها باطلةٌ معَ عدمِ المساواةِ، وهوَ الذي تفيدُه ألفاظُ الحديثِ منْ أمْرِهِ - ﷺ - بإرجاعِه، ومنْ قَوْلِه: اتقَّوا اللَّهِ، وقولِه: اعدِلُوا بينَ أولادِكم، وقولِه: فلا إذَنْ. وقولِه: لا أشهدُ على جَوْرٍ. واخْتُلِفَ في كيفيةِ التسويةِ، فقيلَ بأنْ تكونَ عطيةُ الذَّكَر والأُنثَى سواءً، وهوَ ظاهرُ قولِه في بعضِ ألفاظهِ عندَ النسائيّ (^٤): \"ألا سوَّيْتَ بينَهم\"، وعندَ ابن حِبَّانَ (^٥): \"سوُّوا بينَهم\"، ولحديثِ ابن عباسٍ: \"سوُّوا بينَ أولادِكم في العطيةِ، فلوْ كنتُ مفضِّلًا أحدًا لفضَّلْتُ النِّساءَ\"، أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ، والبيهقيُّ (^٦) بإسنادٍ حَسَنٍ. وقيلَ: بلِ التسويةُ أنْ يُجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حظِّ الأُنْثَيَيْنِ على حَسَبِ التوريثِ.\n_________\n(^١) في ترجمة باب في \"صحيحه\" (٥/ ٢١٠ باب رقم ١٢) قال: باب الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئًا لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخر مثله. اهـ.\n(^٢) انظر: \"المغني\" (٦/ ٢٩٨ مسألة رقم ٤٤٥٩).\n(^٣) اختلف النقل عن الثوري في هذه المسألة فالحافظ - وهو مصدر الشارح - قال في \"الفتح\" (٥/ ٢١٤) عنه إنها باطلة. وابن قدامة قال في \"المغني\" (٦/ ٢٩٨) عنه: إنها جائزة (يعني مع عدم المساواة)، وقد جمع بينهما صاحب \"موسوعة فقه سفيان\" (ص ٢٣٦) بالجواز مع الكراهة. قلت: لا يستقيم بطلان وجواز، فتأمل.\n(^٤) في \"سننه\" (٦/ ٢٦٢ رقم ٣٦٨٦) بلفظ \"سَوِّ بينهم\"، بسند صحيح.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٩٨ رقم ٥٠٩٨، ٥٠٩٩، الإحسان\" بلفظ: \"سوِّ بينهم\". وهو حديث صحيح.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٧٧) من طريق سعيد بن منصور.\nوعزاه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٧٣) للطبراني وقد اختلف كلام الحافظ على هذا الحديث، فبينما ضعَّفه في \"التلخيص\" قال في \"الفتح\" (٥/ ٢١٤): وإسناده حسن. اهـ، وقد ضعفه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٦٧).","vol":"5","page":232},{"text":"وذهبَ الجمهورُ (^١) إلى أنَّها لا تجبُ التسويةُ بلْ تُنْدَبُ، وأطالُوا في الاعتذارِ عن الحديثِ، وذكرَ في الشرحِ عَشْرَةَ أعذارٍ وكلُّها غيرُ ناهضةٍ، وقدْ كَتَبْنَا في ذلكَ رسالةً جوابَ سؤالٍ وأوضحْنا فيها قوةَ القولِ بوجوب التسويةِ، وأنَّ الهِبَةَ معَ عدمِها باطلةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-918>الرجوع عن الهبة</span>\n٢/ ٨٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ: \"الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يُعُودُ فِي قَيئِهِ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٣): \"لَيسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءُ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ في قَيئِهِ\". [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ العائذ في هِبَتِهِ كالكلبِ يقيءُ ثمَّ يعودُ في قَيْئِهِ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ للبخاريِّ: ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ، الذي يعودُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يرجع في قَيْئِه). فيهِ دلالةٌ على تحريمِ الرجوع في الهبةِ، وهوَ مذهبُ جماهيرِ العلماءِ (^٤). وبوَّبَ لهُ البخاريُّ (^٥). بابُ لا يحلُّ (^٦) لأَحَد أنْ يرجعَ في هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وقدِ اسْتَثْنَى الجمهورُ (٤) ما يأتي منَ الهبةِ للولدِ ونحوِه، وذهبتِ الهادويةُ (^٧)، وأبو حنيفةَ (^٨) إلى حِلِّ الرجوعِ في الهبةِ دونَ الصدقةِ، إلَّا الهبةَ لذي رَحِم. قالُوا: والحديثُ المرادُ بهِ التغليظُ في الكراهةِ.\n_________\n(^١) انظر: \"الفتح\" (٥/ ٢١٤).\n(^٢) البخاري (٢٥٨٩)، ومسلم (٥/ ١٦٢٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٣٨)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي (٣٦٩١)، وابن ماجه (٢٣٨٧)، والطيالسي (١/ ٢٨٠ رقم ١٤١٩ - منحة المعبود)، وأحمد (١/ ٢١٧)، والطحاوي (٤/ ٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٨٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ١٩٢ رقم ٢٨٨)، وعبد الرزاق (٩/ ١٠٩ رقم ١٦٥٣٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٥/ ٢٣٤ رقم ٢٦٢٢).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٥).\n(^٥) في \"صحيحه\" (٥/ ٢٣٤ باب رقم ٣٠).\n(^٦) في المخطوط: \"لا يجوز\"، والتصويب من المطبوع والبخاري.\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٣٩).\n(^٨) انظر: \"المبسوط\" (١٢/ ٤٩).","vol":"5","page":233},{"text":"قالَ الطحاويُّ (^١): قولُه العائدِ في قَيْئِهِ وإنِ اقْتَضَى التحريمَ لكنَّ الزيادةَ في الروايةِ الأُخْرَى، وهيَ قولُهُ: كَالْكَلْبِ، تدلُّ على عدمِ التحريمِ؛ لأنَّ الكَلْبَ غيرُ متعبَّدٍ، فالقيءُ ليسَ حرامًا عليهِ، والمرادُ التنزهُ عنْ فعل يُشْبِهُ فعلَ الكلبِ. وتُعُقِّبَ باستبعادِ التأويلِ، ومنافرةِ سياقِ [النص] (^٢) لهُ، وعرَّفَ الشرعُ في مثلِ هذهِ العبارةِ الزَّجْرَ الشدِيدَ كما وَرَدَ النَّهْيُ (^٣) في الصلاةِ عنْ إقعاءِ الكلبِ، ونقرة الغُرابِ، والتفاتِ الثعلبِ، ونحوِه. ولا يُفْهَمُ منَ المقامِ إلَّا التحريمُ. والتأويلُ البعيدُ لا يُلْتَفَتُ إليهِ، ويدلُّ للتحريم الحديثُ الآتي وهوَ:\n٣/ ٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَا: \"لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِم أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَالأَرْبَعَةُ (^٥)، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ (^٦)، وَالْحَاكِمُ (^٧). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ وابنِ عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا يحلُّ لرجلٍ مسلمٍ أنْ يُعطيَ العطيةَ ثمَّ يرجعَ فيها، إلَّا الوالدُ فيما يعطي ولدَهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ). فإنَّ قولَه: لا يحلُّ، الظاهرُ في التحريمِ، والقولُ بأنهُ مجازٌ عن الكراهةِ الشديدةِ صَرْفٌ لهُ عنْ ظاهرِهِ. وقولُه: إلَّا الوالدُ، دليلٌ على أنهُ يجوزُ للأبِ الرجوعُ فيما وَهَبَهُ لابنِهِ كبيرًا كانَ أو صغيرًا، وخصَّته\n_________\n(^١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٧٧، ٧٨).\n(^٢) في (ب): \"الحديث\".\n(^٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٢/ ١٢٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا وإسناده حسن حسَّنه الألباني في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٢٢ رقم ٥٥٦).\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٢٧، ٧٨).\n(^٥) أبو داود (٣٥٣٩)، والترمذي (٢١٣٢) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٣٧٠٣)، وابن ماجه (٢٣٧٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٧/ ٢٨٩ رقم ٥١٠١).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٦).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٧٩)، والدارقطني (٣/ ٤٢ - ٤٣ رقم ١٧٧)، والبيهقي (٦/ ١٨٠) وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٧٦ رقم ٣٠٢٣).","vol":"5","page":234},{"text":"الهادويةُ (^١) بالطفلِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الحديثِ. وفرَّقَ بعضُ العلماءِ فقالَ: يحلُّ الرجوعُ في الهبةِ دون الصدقةِ لأنَّ الصدقةَ يُرَادُ بها ثوابُ الآخرةِ، وهوَ فرقٌ غيرُ مؤثرٍ في الحكمِ، وحكمُ الأمِّ حكمُ الأبِ عندَ أكثرِ العلماءِ.\nنعمْ وخصَّ الهادي ما وَهَبَتْهُ الزوْجَةُ لزوجِهَا منْ صَدَاقِها بأنهُ ليسَ لها الرجوعُ في ذلكَ، ومثلُه رواهُ البخاريُّ (^٢) عن النخعيِّ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ تعليقًا.\nوقالَ الزُّهْرِيُّ: يُرَدُّ إليها إنْ كانَ خَدَعَها. وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٣) عن عمر بسندِ منقطع: \"إنَّ النساءَ يعطينَ رغبةً ورهبة، فأيُّما امرأةٍ أعطتْ زوجَها فشاءتْ أنْ ترجعَ رجعتْ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-919>الهدية والثواب عليها</span>\n٤/ ٨٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يقبلُ الهديةَ ويثيبُ عَلَيْها. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على أنَّ عادتَهُ - ﷺ - كانتْ جارية بقبولِ الهديةِ والمكافأةِ عليها، وفي رواية لابنِ أبي شيبةَ (^٥): \"ويثيبُ عليها ما هوَ خيرٌ منْها\". وقدِ استُدِلَّ بهِ على وجوبِ الإثابةِ على الهدية؛ إذْ كونُه عادةً لهُ - ﷺ - مستمرة يقتضي لزومَهُ، ولا يتمُّ الاستدلالُ على الوجوبِ؛ لأنهُ قدْ يقالُ إنَّما فَعَلَهُ - ﷺ - مستمرًا لما جُبِلَ عليهِ منْ مكارِمِ الأخلاقِ لا لوجوبِه. وقدْ ذهبتِ الهادويةُ (٦) إلى وجوب المكافأةِ بحسبِ العُرْفِ. قالُوا: لأنَّ الأصْلَ في الأعيانِ الأعواضُ. قالَ في \"البحر\" (٦): ويجبُ تعويضُها حسبَ العُرْفِ.\nوقالَ الإمام يحيى (^٦): المِثْلِي مثلُه، والقِيْمِي قيمتُه، ويجبُ الإيصاءُ بها.\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٣٩).\n(^٢) في ترجمة باب من \"صحيحه\" (٥/ ٢١٦ باب رقم ١٤).\n(^٣) في \"المصنف\" (٩/ ١١٥ رقم ١٦٥٦٢) وحكم عليه الحافظ بالانقطاع في \"الفتح\" (٥/ ٢١٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٥/ ٢١٠ رقم ٢٥٨٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٣٦)، والترمذي (١٩٥٣)، وأحمد (٦/ ٩٠)، والبيهقي (١٠/ ١٨٠).\n(^٥) في \"المصنف\" (٦/ ٥٥١ رقم ٢٠١٣) من مرسل هشام بن عروة.\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ١٣٥، ١٣٦).","vol":"5","page":235},{"text":"وقالَ الشافعيُّ (^١) في الجديدِ: الهبةُ للثوابِ باطلةٌ لا تنعقدُ لأنَّها بيعٌ بثمنٍ مجهولٍ، ولأنَّ موضعَ الهبةِ التبرعُ فلوْ أوجَبْنَاه لكانَ في معنَى المعاوضةِ. وقدْ فرَّقَ الشَّرْعُ والعُرْفُ بينَ البيعِ والهبةٍ، فما [استحق] (^٢) بالعوضِ أُطْلِقَ عليهِ لفظُ البيعِ بخلافِ الهبةِ. قيلَ: وكأنَّ مَنْ أَجَازَها للثوابِ جعَلَ العُرْفَ فيها بمنزلةِ الشَّرطِ، وهوَ ثوابُ مِثْلِها.\nوقالَ بعضُ المالكيةِ (^٣): يجبُ الثوابُ على الهبةِ إذا أَطْلَقَ الواهبُ، أوْ كانَ ممنْ يطلبُ مِثْلُه الثوابَ كالفقيرِ للغنيِّ، بخلافِ ما يَهَبُهُ الأَعْلَى لِلأَدْنَى؛ فإذَا لم يرضَ الواهبُ بالثوابِ، فقيلَ تلزمُ الهبةُ إذا أعطاهُ الموهوبُ لهُ القيمةُ، وقيلَ: لا تلزمُ إلَّا أنْ يُراضِيَهُ، والمشهورُ الأولُ عند مالكٍ (^٤) ﵀، ويردُّه الحديثُ الآتي وهوَ:\n٥/ ٨٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: \"رَضِيتَ؟ \"، قَالَ: لا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: \"رَضِيتَ؟ \"، قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: \"رَضِيتَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥)، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٦). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: وهبَ رجلٌ لرسول اللَّهِ - ﷺ - ناقةً فأثابَه عليها، فقالَ: رضيتَ؟ [فقال] (^٧): لا، فزادَهُ، فقَالَ: رضيتَ؟ قالَ: لا، فزادَهُ، فقالَ: رضيتَ؟ قالَ: نعم. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، ورواهُ الترمذيُّ (^٨)، وبيَّنَ أن العِوَضَ كانَ سِتَّ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢١٠).\n(^٢) في (ب): \"يستحق\".\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٦٥) بتحقيقنا.\n(^٤) انظر: \"الموطأ\" (٢/ ٧٥٤).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٢٩٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٤/ ٢٩٦ رقم ٦٣٨٤، الإحسان).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق (٩/ ١٠٥ رقم ١٦٥٢١) من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، وعزاه الهيثمي أيضًا في \"المجمع\" (٤/ ١٤٨) للبزار والطبراني في \"الكبير\" وقال: رجال أحمد رجال الصحيح. [صحيح]\nوقد صحَّحه الشيخ شعيب الأرناؤوط في \"الإحسان\".\n(^٧) في (ب): \"قال\".\n(^٨) في \"سننه\" (٥/ ٧٣٠ رقم ٣٩٤٥) ولكن من حديث أبي هريرة ﵁، وقد صحَّحه المحدِّث الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٣/ ٢٥٢ رقم ٣٠٩١).","vol":"5","page":236},{"text":"بَكَرَاتٍ. وفيهِ دليلٌ على اشتراطِ رِضَا الواهبِ، وأنهُ إنْ سُلِّمَ إليهِ قَدْرَ ما وهبَ، ولم يرضَ زِيدَ لهُ، وهوَ دليلٌ لأحدِ القولينِ الماضيينِ، وهوَ قولُ عمرَ (^١). قالُوا: فإذا اشترطَ فيهِ الرِّضَا فليسَ هناكَ بيعٌ انعقدَ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-920>الدليل على شرعية العُمرى والرُّقبى</span>\n٦/ ٨٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَلِمُسْلِم (^٣): \"أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًا وَمَيتًا وَلِعَقِبِهِ\". [صحيح]\nوَفِي لَفْظٍ (^٤): \"إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجعُ إِلَى صَاحِبِهَا\". [صحيح]\nوَلأَبِي دَاوُدَ (^٥)، وَالنَّسَائيِّ (^٦): \"لا تُرْقِبُوا، وَلا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ\". [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ: العُمْرَى) بضمّ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، وألفٍ مقصورةٍ (لمنْ وُهِبَتْ لهُ. متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ) أي: منْ حديثِ جابرٍ - ﵁ -: (أمسكُوا عليكمْ أموالكُم، ولا تُفْسِدُوها، فإنهُ مَنْ أعمرَ عُمْرَى فَهِيَ للذي أعمرَها حَيًّا وَميْتًا ولِعَقبهِ، وفي لفظٍ: إنَّما العُمْرَى التي أجازَها رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يقولَ: هيَ لكَ ولِعَقِبِكَ، وأما إذا قالَ: هيَ لكَ ما عِشْتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحِبها. ولأبي داودَ والنسائيِّ) أي: منْ حديثِ جابرٍ: (لا تُرقبوا، ولا تُعمِرُوا: فمنْ أرقبَ شيئًا أو\n_________\n(^١) رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ١٠٧ رقم: ١٦٥٢٧).\n(^٢) البخاري (٢٦٢٥)، ومسلم (٢٥/ ١٦٢٥).\nوأخرجه أبو داود (٣٥٥٠)، والنسائي (٣٧٥٠، ٣٧٥١).\n(^٣) في صحيحه (٣/ ١٢٤٦ رقم ٢٦/ ١٦٢٥).\n(^٤) لمسلم في صحيحه أيضًا (٢٣/ ١٦٢٥).\n(^٥) في \"سننه\" (٣/ ٨٢٠ رقم ٣٥٥٦).\n(^٦) في \"سننه\" (٦/ ٢٧٣ رقم ٣٧٣١).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ١٧٥)، وهو حديث صحيح.","vol":"5","page":237},{"text":"أُعمر شيئًا فهوَ لِوَرَثَتِهِ). الأصلُ (^١) في العُمْرَى والرُّقْبَى أنهُ كانَ في الجاهليةِ يُعْطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقولُ أَعْمرْتُك إيَّاها، أي: أَبَحْتَها لكَ مدةَ عُمُرِكَ، فقيلَ لها عُمْرَى لذلكَ، كما أنهُ قيلَ لها رُقْبَى لأنَّ كلًّا منْهما يرقبُ موتَ الآخرِ. وجاءتِ الشريعةُ بتقريرِ ذلكَ؛ ففي الحديثِ دلالةٌ على شَرْعيَّتِها، وأنَّها مُمْلَكَةٌ لمنْ وُهِبَتْ لهُ. وإليهِ ذهبَ العلماءُ (١) كافةً إلا روايةً عنْ داودَ (^٢) أنَّها لا تصحُّ، [واختلفوا] (^٣) إلى ما يتوجَّهُ التمليكُ؛ فالجمهورُ أنهُ يَتَوَجَّهُ إلى الرقبةِ كغيرِها منَ الهباتِ، وعندَ الشافعيِّ (^٤) ومالكٍ (^٥) إلى المنفعةِ دونَ الرقبةِ، وتكونُ على ثلاثةِ أقسامٍ: مؤبدةً إنْ قالَ أبدًا، ومُطْلَقَةً عندَ عدمِ التقييدِ، ومقيَّدَةً بأنْ يقولَ ما عشتَ، فإذا متَّ رجحتْ إليَّ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، [والصحيح] (^٦) أنَّها صحيحةٌ في جميعِ الأحوالِ، وأنَّ الموهوبَ لهُ يملكُها مُلْكًا تامًّا. يتصرفُ فيها بالبيع وغيرِه منَ التصرفاتِ، وذلكَ لتصريحِ الأحاديثِ بأنَّها لَمِنْ أعمرَها حيًا وميْتًا، وأما قولُه: \"فإذا قالَ هي لكَ ما عِشْتَ فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها\"، فلأنهُ بهذا القَيْدِ قدْ شرطَ أنْ تعودَ إلى الواهبِ بعدَ موتِه، فيكونُ لها حُكْمُ ما إذا صرَّحَ بذلكَ الشرطِ، وهيَ كما لوْ أعمرَهُ شَهرًا، أو سَنَةً، فإنَّها عاريةٌ إجماعًا (^٧).\nوقولُه: \"أمسكُوا عليكم أموالَكُم\"، وقولُه: \"لا ترقُبُوا\" محمولٌ على الكراهةِ والإرشادِ لهمْ إلى حِفْظِ أموالهِمِ؛ لأنَّهم كانُوا يعمرِونَ ويرقبونَ، ويرجعُ إليهم إذا ماتَ مَنْ أعمرُوْهُ وأرقَبُوهُ، فجاءَ الشرعُ بمراغمتِهم، وصحَّحَ العقدَ وأبطلَ الشرطَ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٨).\n(^٢) نقل ذلك عنه الماوردي كما بيَّنه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٢٣٨)، ثم قال: لكن ابن حزم قال بصحتها وهو شيخ الظاهرية. اهـ، انظر: \"المحلى\" (٩/ ١٦٤).\n(^٣) في (ب): \"اختُلف\".\n(^٤) هذا قول الشافعي في القديم كما بينه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٢٣٨).\n(^٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٦٦) بتحقيقنا.\n(^٦) في (ب): \"والأصح\".\n(^٧) قال ابن المنذر في كتاب \"الإجماع\" له (ص ١٣٧): كتاب العُمرى والرقبى لم يثبت فيها إجماع. اهـ، وقال الحافظ: في \"الفتح\" (٥/ ٢٤٦) نقلًا عن ابن بطال: ولم يختلف العلماء فيمن قال: كسوتك هذا الثوب مدة معينة أن له شرطه. اهـ.","vol":"5","page":238},{"text":"المضادَّ لذلكَ، فإنهُ أشبَه الرجوعَ في الهبةِ. وقدْ صحَّ (^١) النَّهْيُ عنهُ.\nوأخرجَ النَّسَائِي (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ يرفعُه: \"العُمْرَى لمنْ أُعْمِرَها، والرُّقْبَى لمن أُرْقِبَها، والعائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ\". وأما إذا صرَّحَ بالشرطِ كما في الحديثِ وقالَ: ما عشتَ؛ فإنَّها عاريةٌ مؤقتةٌ لا هبةٌ. ومرَّ حديثُ (^٣): \"العائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قيئهِ\"، ومثلُه الحديثُ الآتي وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-921>النهي عن شراء الهبة والهدية</span>\n٧/ ٨٨٢ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُه، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرِخَصٍ. فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: \"لا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ\" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - قالَ: حَمَلْتُ على فرسٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَهُ صاحبُهُ، فظننتُ أنهُ بائعهُ برِخَصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: لا تبتعْهُ وانْ أعطاكَه بدرهمٍ، [الحديثَ] (^٥). متفقٌ عليهِ)، تمامهُ: \"فإنَّ العائدَ في صدقتِه كالكلبِ يعودُ في قيئه\". وقولُه: فأضاعَهُ، أي قَصَّرَ في مؤنتهِ وحسنِ القيامِ به. وقولُه: لا تبتعه، أي لا تشتره، وفي لفظٍ: ولا تعدْ في صدقتِكَ، فسمَّى الشراءَ عَوْدًا في الصدقةِ، قيلَ لأنَّ العادةَ جرتْ بالمسامحةِ في ذلكَ منَ البائعِ للمشتري، فأُطْلِقَ على القدْرِ الذي يقعُ بهِ التسامحُ رُجُوعًا، ويحتملُ أنهُ مبالغةٌ وأنَّ عَوْدَهَا إليهِ بالقيمةِ كالرجوعِ، وظاهرُ النَّهْي التحريمُ، وذهبَ إليه قومٌ (٦).\nوقالَ الجمهورُ (^٦): إنهُ للتنزيهِ. وتقدَّمَ أن الرجوعَ في الهبةِ محرَّمٌ، وأنهُ الأقْوى دليلًا إلَّا ما استُثْنِي.\n_________\n(^١) انظر الحديث رقم (٣/ ٨٧٨) من كتابنا هذا.\n(^٢) في \"سننه\" (٦/ ٢٦٩ رقم ٣٧١٠)، وصحَّحه الألباني في \"صحيح النَّسَائِي\" (٢/ ٧٨٩ رقم ٣٤٧١).\n(^٣) برقم (٢/ ٨٧٧)، وهو متفق عليه.\n(^٤) البخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٠).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٨٢ رقم ٤٩)، والنسائي (٢٦١٥: ٢٦١٧)، وابن ماجه (٢٣٩٠، ٢٣٩٢).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧).","vol":"5","page":239},{"text":"قالَ الطبريُّ (^١): يُخَصُّ منْ عمومِ هذا الحديثِ مَنْ وَهَبَ بشرطِ الثوابِ، ومن كانَ الواهبُ الوالدُ لولدِه والهبةُ التي لم تُقْبَضْ، والتي ردَّها الميراثُ إلى الواهبِ لثبوتِ الأخبارِ باستثناءِ ذلكَ، ومما لا رجوعَ فيهِ مطلقًا الصدقةُ يرادُ بها ثوابُ الآخرةِ.\nقلتُ: هذا في الرجوعَ في الهبةِ، فأما شراؤُها وهوَ الذي فيهِ سِيَاقُ هذا الحديثِ، فالظاهرُ أن النَّهْيَ للتنزيهِ، وإنمَا التحريمُ الرُّجُوعُ فيْها، ويحتملُ أنهُ لا فَرْقَ بينَهما للنَّهْي وأصلُه التحريمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-922>الترغيب في الإهداء</span>\n٨/ ٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"تَهَادُوا تَحَابُّوا\"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ في الأَدَب الْمُفْرَدِ (^٢)، وَأَبُو يَعْلَى (^٣) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن]\n(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: تهادُوا تحابُّوا. رواه البخاريُّ في الأدب المفردِ، وأبو يَعْلَى بإسنادٍ حَسَنٍ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ وغيرُه، وفي كلِّ رُوَاتِه مقالٌ. والمصنِّفُ قدْ حسَّنَ (^٤) إسنادَهُ، وكأنهُ لشواهدِه الذي منْها الحديثُ:\n٩/ ٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"تَهَادُوا، فَإِنَّ الْهَدِيةَ تَسُلُّ السّخِيمَةَ\"، رَوَاهُ الْبَزارُ (^٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\nوإنْ كانَ ضعيفًا، وهوَ قولُه: (وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: تهادُوا: فإنَّ الهديةَ تَسُلُّ السخيمةَ) بالسين المهملةِ مفتوحةً، فخاءٌ معجمةٌ، فمثناةٌ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٣٧).\n(^٢) (ص ٢٠٨ رقم ٥٩٤).\n(^٣) في \"مسنده\" (١١/ ٩ رقم ٣٠٨/ ٦١٤٨).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ١٦٩)، والقضاعي (١/ ٣٨١ رقم ٦٥٧)، وحسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٤٤ رقم ١٦٠١)، وفي \"صحيح الأدب المفرد\" (ص ٢٢١ رقم ٤٦٢).\n(^٤) وحسَّنه أيضًا في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٧٠).\n(^٥) وعزاه إليه الهيثمي، في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٤٦) وإلى الطبراني في \"الصغير\" وقال: فيه عائذ بن شريح وهو ضعيف. اهـ، قلت: وقد تفرد به كما نقل الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٦٩) عن ابن طاهر، وضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٤٥).","vol":"5","page":240},{"text":"تحتيةٌ. في \"القاموس\" (^١): السَّخيمةُ والسّخيمةُ (^٢) بالضمِّ الحقدُ. (رواهُ البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنَّ في رُوَاتِه منْ ضُعِّفَ. ولهُ طُرُقٌ كُلّها لا تخلُو عنْ مقالٍ، وفي بعضِ ألفاظهِ: تُذْهِبُ وَحَرَ الصدرِ، بفتح الواوِ والحاءِ المهملةِ، وهوَ الحقدُ أيضًا. والأحاديثُ وإنْ لم تخلُ عنْ مقالٍ فإنَّ للهديةِ في القلوبِ موقعًا لا يخْفَى.\n١٠/ ٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ: يا نساءَ المسلماتِ)، قالَ القاضي (^٤): الأشهرُ نصبُ النساءِ على أنهُ منادَى مضافٌ إلى المسلماتِ، من إضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ، وقيلَ غيرُ هذَا. (لا تحقِرنَّ) بالحاءِ المهملةِ ساكنةٍ، وفتحِ القافِ وكسرها، (جارةٌ لجارتِها ولو فِرْسَنَ شاةٍ) بكسرِ الفاءِ، وسكونِ الراءِ، وكسرِ السينِ [المهملةِ] (^٥)، آخرَه نونٌ، وهوَ منَ البعيرِ بمنزلةِ الحافرِ منَ الدابةِ، وربَّما استُعِيرَ في الشاةِ (متفق عليهِ).\nفي الحديثِ حَذْفٌ تقديرُه: لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتِها هديةً ولو فِرْسنَ شاةٍ، والمرادُ منْ ذِكْرِه المبالغةُ في الحثِّ على هديةِ الجارةِ لجارتِها، لا حقيقةُ الفرسنِ؛ لأنهُ لم تجرِ العادةُ بإهدائِه. وظاهرُه النَّهْيُ لِلْمُهْدِي (اسمُ فاعلٍ) (^٦) عن استحقارِ ما يهديهِ بحيثُ يؤدي إلى تركِ الإهداءِ، ويُحتملُ أنّهُ للمُهْدَى إليهِ، والمرادُ [لا يحقِرنَّ مَا أُهدِيَ إليهِ] (^٧) ولو كان حقيرًا، ويُحْتَمَلُ إرادةُ الجميعِ، وفيهِ الحثُّ على التهادي سِيَّما بينَ الجيرانِ، ولو بالشيءِ الحقيرِ لما فيهِ منْ جلْبِ المحبةِ والتأنيسِ.\n_________\n(^١) (ص ١٤٤٦).\n(^٢) كذا في المخطوط والمطبوع، وفي \"القاموس\": \"السُّخمة\" بحذف التحتانية.\n(^٣) البخاري (٢٥٦٦) وطرفه في (٦٠١٧)، ومسلم (١٠٣٠).\nوأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١٦٤١)، وأحمد (٢/ ٣٠٧)، والبيهقي (٦/ ٦٠).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١٩٧).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) من الفعل الرباعي \"أهدى يُهدي\".\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"5","page":241},{"text":"١١/ ٨٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيهَا\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^١)، وَصَحّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ (^٢). [ضعيف]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - عن النبيِّ ﷺ قالَ: منْ وَهَبَ هبةً فهوَ أحقُّ بها ما لم يُثَبْ عليها. رواهُ الحاكمُ، وصحَّحَهُ، والمحفوظُ منْ روايةِ ابن عمرَ عنْ عمرَ قولُه)، قالَ المصنفُ ﵀: صحَّحَهُ الحاكمُ وابنُ حزمٍ (^٣).\nوفيهِ دليلٌ على جوازِ الرجوعِ في الهبةِ التي لم يُثَبْ عليها، وعدم جوازِ الرجوعِ في الهبةِ التي أثابَ عنها الواهبُ الموهوبَ له. وتقدَّمَ (^٤) الكلامُ في ذلكَ، وفي حُكْمِ الهبةِ للثوابِ والمكافأةِ.\nوما أحسنَ ما قيلَ في ذلكَ: إنَّ الفاعلَ لا يفعلُ إلَّا لِغَرَضٍ؛ فالهِبةُ للأَدْنَى كثيرًا ما تكونُ كالصدقةِ، وهيَ غَرَضٌ [مبهم] (^٥)، وللمساوي معاشرة لجلبِ المودةِ، وحُسْنِ العُشْرَةِ المروءة، وهيَ مِثْلُ عطيةِ الأدْنَى إلَّا أن في عَطِيَّةِ الأدنَى تَوَهُّمُ الصدقةِ، والعُرْفُ جارٍ بتخالُفِ الهدايا باعتبارِ حالِ المُهْدِي والمُهْدَى إليهِ؛\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلا أن نكل الحمل فيه على شيخنا. اهـ، وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي (٦/ ١٨٥ - ١٨١)، وضعفه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٥٦، ٥٧).\nوأخرجه موقوفًا على عمر - ﵁ - مالك (٢/ ٧٥٤ رقم ٤٢)، والبيهقي (٦/ ١٧١) وصحَّح وقفه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٧٣) قال: \"والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر قال البخاري: هذا أصح\". اهـ، وكذا صححه موقوفًا الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٥٥ رقم ١٦١٣).\n(^٢) أي موقوف عليه.\n(^٣) تابع الشارح في ذلك الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٧٣) والذي يبدو - واللَّهُ أعلم - أنه تابع - هو وابن التركماني والألباني - في ذلك الأشبيلي في الأحكام، والذي في \"المحلَّى\" (٩/ ١٣٢) أنه صحَّحه موقوفًا على عمر - ﵁ - ولم يتعرض للمرفوع بشيء مع أنه في معرض سرد أدلة المخالفين والرد عليها حتى إنه قال: إذ لا حجة في أحد دون رسول اللَّهِ ﷺ، فلو وقف عليه ولو بإسناد ضعيف لذكره، واللَّهُ أعلم.\n(^٤) أثناء شرح الحديث رقم (٤/ ٨٧٩) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (ب): \"مهم\".","vol":"5","page":242},{"text":"فإذا كانَ الغرضُ الطمعَ والتحصيلَ كما يهدي المتكسِّبُ لِلْمَلِكِ يُتْحِفُهُ بشيءٍ يرجُو فضلَه، فلو اقْتَصَرَ الملكُ على قَدْرِ قيمتِها لَذُمَّ، والذمُّ دليلُ الوجوبُ، بلْ إما أن يردَّها أو يُعْطِيَهُ خيرًا مِنْها، وإنْ كان غرضُ المهدي تحسين الاتصالِ بينهما والمخالقةِ الحسنةِ، وتصفيةِ ذاتِ البينِ، أجزأه منَ المكافأةِ أدنى شيءٍ قلَّ أو كَثُرَ، بلِ الأقلُّ أنسبُ لإشعارِه بأنْ ليس الغرضُ المعاوضةَ بل تكميلُ المودَّةِ، وأنهُ لا فرقَ بينَ ما تملكُه أنتَ وما أملكُه أنا.\n* * *","vol":"5","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-923>[الباب التاسع عشر] بابُ اللُّقَطَةِ</span>\nاللُّقَطَةُ بضمِّ اللام، وفتحِ القافِ، قيلَ: لا يجوزُ غيرُه. وقالَ الخليلُ (^١): القافُ ساكنةٌ لا غيرُ، وَأما بفتحِها فهوَ اللَّاقِطُ. قيل: وهذا هوَ القياسُ، إلا أنهُ أجمعَ أهل اللغةِ والحديثِ على الفتحِ، ولذا قيلَ لا يجوز غيرُه.\n١/ ٨٨٧ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مرَّ النَّبيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ في الطَّرِيقِ فَقَالَ: \"لَوْلا أَنِّي أَخافُ أَنْ تَكونَ مِنَ الصَّدقةِ لأَكَلْتهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(عنْ أنسٍ ﵁ قالَ: مرّ رسولُ ﷺ بتمرةٍ في الطريقٍ فقالَ: لَوْلَا أَنِّي أخافُ أن تكونَ منَ الصدقةِ لأكلْتُها. متفقُ عليهِ). دلَّ على جوازِ أَخْذِ الشيءِ الحقيرِ الذي يُتسامحُ بهِ، ولا يجبُ التعريفُ بهِ، وأنَّ الآخِذَ يملكُه بمجردِ الأخذِ لهُ. وظاهرُ الحديثِ أنهُ يجوزُ ذلكَ في الحقيرِ، وإنْ كانَ مالكُه معروفًا. وقيلَ: لا يجوزُ إلا إذا جهل، وأما إذا علِمَ فلا يجوز إلا بإذْنهِ، وإنْ كانَ يسيرًا. وقدْ أوردَ سؤال أنهُ - ﷺ - كيفَ تركها في الطريقِ معَ أن [للإمام] (^٣) حِفظَ المالِ الضائعِ، وحِفْظَ ما كانَ منَ الزكاةِ وصَرْفَهُ في [مصارفهِ] (^٤)، ويُجابُ عنهُ بأنهُ لا دليل أنهُ - ﷺ - لم يأخذْها لِلْحفْظِ، وإنما تركَ أكلَها تَوَرُّعًا، أوْ أنهُ تركَها عَمْدًا ليأخذَها منْ يمرُّ ممنْ تحلُّ لهُ الصدقةُ، ولا يجبُ على الإمامِ إلَّا حفظُ المالِ الذي يعلمُ طلبَ صاحبِه\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٧٨).\n(^٢) البخاري (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١).\nوأخرجه أبو داود (١٦٥١، ١٦٥٢)، والبيهقي (٦/ ١٩٥)، وعبد الرزاق (١٠/ ١٤٤ رقم ١٨٦٤٢).\n(^٣) في (ب): \"إلى الإمام\".\n(^٤) في (ب): \"مصرفه\".","vol":"5","page":244},{"text":"لهُ لا ما جرتِ العادةُ بالإعراضِ عنهُ لِحَقَارَتهِ. وفيهِ حثٌّ علَى التورُّعِ عنْ أكْلِ ما يجوزُ فيهِ أنهُ حرامٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-924>حكم الالتقاط</span>\n٢/ ٨٨٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: \"اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا\"، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟ قَالَ: \"هِيَ لَكَ أَوْ لأخَيكَ أَوْ لِلذئْبِ\"، قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ قَالَ: \"مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتى يَلْقَاهَا رَبُّها\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-925>ترجمة زيد بن خالد الجهني</span>\n(وعنْ زيدِ (^٢) بن خالدٍ الجُهَنِيِّ) هوَ أبو طلحةَ، أو أبو عبدِ الرحمنِ زيدِ بن خالدِ، نزلَ الكوفةَ وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وسبعينَ، وهوَ ابنُ خمسٍ وثمانينَ سنةً، ورَوَى عنهُ جماعةٌ (قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ) لم يقمْ برهانٌ على تعيينِ الرجلِ، (فسأَلَهُ عن اللُّقَطَةِ) أي: عنْ حُكْمِها شَرْعًا (قالَ: اعرِفْ عِفَاصَها) بكسرِ العينِ المهملةِ، ففاءٍ، وبعدَ الألفِ صادٌ مهملةٌ، وعاءَها، ووقعَ في روايةٍ (^٣) [أخرى] (^٤)\n_________\n(^١) البخاري (٢٤٢٩)، ومسلم (١/ ١٧٢٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٧٠٤)، والترمذي (١٣٧٢)، وابن ماجه (٢٥٠٤)، ومالك (٢/ ٧٥٧ رقم ٤٦)، والشافعي (٢/ ١٣٧ رقم ٤٥٣ ترتيب المسند)، وأحمد (٤/ ١١٥)، وابن الجارود (رقم ٦٦٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٣٤)، والبيهقي (٦/ ١٨٥، ١٨٩، ١٩٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٣٠٨ رقم ٢٢٠٧)، (٨/ ٣١٣ رقم ٢٢٠٨)، والدارقطني (٤/ ٢٣٥ رقم ١١٠)، وعبد الرزاق (١٠/ ١٣٠ رقم ١٨٦٠٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٢٥٠ - ٢٥٣ رقم ٥٢٤٩ - ٥٢٥٨) وغيرهم.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٨٤ رقم ١٨٣٢).\n(^٣) أخرجها البيهقي (٦/ ١٩٣) وعزاها الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٨١) لعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" من حديث أبي بن كعب - ﵁ -، والحديث في صحيحَي البخاري (٢٤٢٦)، ومسلم (١٧٢٣) بدون هذه اللفظة.\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"5","page":245},{"text":"خِرْقَتَها. (ووكاءَها) بِكسْرِ الواوِ ممْدودًا: ما يُرْبَطُ بهِ، (ثمَّ عَرِّفْها) بتشديدِ الراءِ (سنةً، فإنْ جاءَ صاحبُها، وإلَّا فَشَأنُكَ بها. قالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمَ؟)، الضالةُ تقالُ على الحيوانِ، وما ليسَ بحيوانٍ يقالُ لهُ لُقَطَةً، ([فقال] (^١): هيَ لكَ، أوْ لأخيكَ، أوْ للذئبِ. قالَ: فَضَالَّةُ الإبلِ؟ قالَ: ما لَكَ ولَهَا؟ معهَا سِقَاؤُهَا) أي جوفُها، وقيلَ: عُنُقُها، (وحِذَاؤُها) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، فذالٍ معجمةٍ، أي خُفُّها، (تردُ الماءَ، وتأكلُ الشجرَ، حتَّى يَلْقَاها ربُّها، متفقٌ عليهِ). اختلفَ العلماءُ في الالتقاطِ هلْ هوَ أفضلُ أم التَّرْكُ؟ فقالَ أبو حنيفةَ (^٢): الأفضلُ الالتقاطُ؛ لأنَّ منَ الواجبِ على المسلمِ حفظُ مالِ أخيهِ، ومثْلُه قالَ الشافعيُّ (^٣): وقالَ أحمد (^٤) ومالك (^٥): تَرْكُهُ أَفْضَلُ لحديثِ (^٦): \"ضَالَّةُ المؤمنِ\n_________\n(^١) في (ب): \"قال\".\n(^٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٤٠).\n(^٣) انظر: \"الأم\" (٤/ ٧٢).\n(^٤) انظر: \"المغني\" (٦/ ٣٤٦).\n(^٥) انظر \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٣) بتحقيقنا.\n(^٦) أخرجه أحمد (٥/ ٨٠)، والطيالسي (١/ ٢٧٩ رقم ١٤١٠ - منحة المعبود)، والدارمي (٢/ ٢٦٦)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٤/ ١٣٣)، والطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٩٥ رقم ٨٤٦)، والبيهقي (٦/ ١٩٠) من طريق أبي العلاء يزيد بن عبد اللَّهِ بن الشخير عن أبي مسلم الجذمي - جذيمة عبد القيس - عن الجارود بن المعلى العبدي عن النبي ﷺ قال: \"ضالة المسلم حرق النار\"، وكرَّره بعضهم ثلاثًا وزاد: \"فلا تقربنها\"، وهي رواية أحمد هكذا قال أيوب وقتادة والجريري عن أبي العلاء عن أبي مسلم، وهكذا قال خالد الحذاء أيضًا في رواية شعبة وعبد الوهاب عنه وخالفهما سفيان فقال: عن خالد الحذاء عن أبي العلاء يزيد بن عبد اللَّهِ بن الشخير عن أخيه مطرف بن عبد اللَّهِ عن الجارود.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٨٠)، والبيهقي (٦/ ١٩٠)، وابن ماجه (٢٥٠٢)، والبيهقي (٦/ ١٩١) من طريق حميد الطويل عن الحسن - وهو البصري - عن مطرف بن عبد الله بن الشخير فقال: عن أبيه عن النبي ﷺ.\nوتابعه قتادة عن مطرف به، أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٣٣) ولعل هذه الرواية عن مطرف عن أبيه أرجح من رواية مطرف عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود لاتفاق ثقتين عليها وهما الحسن وقتادة، بخلاف تلك فقد تفرد بها أبو العلاء كما رأيت، فإن كان كذلك فالإسناد صحيح.\nوأما طريق أبي مسلم فإنه ليس بالمشهور لكنه لم يتفرَّد به، فأخرجه الطبراني (٣/ ١٠٢/ ١ - ٢) من طريق أبي معشر البزاء نا المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد اللهِ بن بابي عن عبد اللَّهِ بن عمرو أن الجارود أبا المنذر أخبر به.\nقلت: فهذه متابعة قوية والسند جيد وهو على شرط مسلم، وصحَّحه من حديث الجارود الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٩٢). =","vol":"5","page":246},{"text":"حرقُ النَّارِ\"، ولمَا يخاف منَ التضمينِ والدَّينِ. وقالَ قومٌ: بلِ الالتقاطُ واجبٌ، وتأوَّلُوا الحديثَ [أنه] (^١) فيمنْ أرادَ أَخْذَها للانتفاعِ بِها منْ أوَّلِ الأمرِ، قبلَ تعريفِه بها، هذا وقدِ اشتملَ الحديثُ على ثلاثِ مسائلَ:\nالأولَى: في حُكْمِ اللُّقَطَةِ، وهيَ الضائعةُ التي ليستْ بحيوانٍ فإنَّ ذلكَ يقالُ لهُ ضالةٌ، فقدْ أمرَ - ﷺ - الملتقطَ يعرِّفَ وِعاءَها، وما تُشَدُّ بهِ. وظاهرُ الأمرِ وجوبُ التَّعَرُّفِ لما ذُكِرَ ووجوبُ التعريفِ، ويزيدُ الأخيرُ عليهِ دلالةً قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-926>تعريف اللقطة</span>\n٣/ ٨٨٩ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ آوَى ضَالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنهُ) أي زيدِ بن خالدٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: منْ آوَى ضالةً فهوَ ضالٌ ما لم يعرِّفْها. رواهُ مسلمٌ)، فَوَصَفَه [بالضال] (^٣) إذا لم يعرِّفْ بها. وقدِ اختُلِفَ في فائدةِ معرفتِها، فقيلَ: لِتُرَدَّ للواصفِ لها [فإنه] (^٤) يقبلُ قولَهُ بعدَ إخبارِه بصفَتِها، ويجبُ ردُّها إليهِ كما دلَّ لهُ ما هُنَا، وما في رواية البخاريِّ (^٥): \"فإنْ جاءَ أحدٌ يخبرُكَ بِها\"، وفي لفظٍ (^٦): \"بِعَدَدِها، ووعائِها، ووكائِها فأَعْطِها إياهُ\"، وإلى هذا ذهبَ أحمدَ (^٧)، ومالكٌ (^٨). واشترطَتِ المالكيةُ (^٩) زيادةَ صفةِ الدنانيرِ والعددِ.\n_________\n=وللحديث شاهد من حديث عصمة مرفوعًا به وزاد: \"ثلاث مرات\"، رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه أحمد بن راشد وهو ضعيف كذا في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٦٧).\nانظر: \"الصحيحة\" للمحدث الألباني (٢/ ١٨٥ - ١٨٧ رقم ٦٢٠).\n(^١) في (ب): \"بأنه\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٥١ رقم ١٢/ ١٧٢٥).\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٦٤) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وقد أخرجه مسلم كما ترى، وأخرجه أيضًا الطحاوي (٤/ ١٣٤)، والبيهقي (٦/ ١٩١).\n(^٣) في (ب): \"بالضلال\".\n(^٤) في (ب): \"أو أنه\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٥/ ٨٠ رقم ٢٤٢٧) من حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا، وتقدّم تخريجه في الحديث السابق.\n(^٦) في \"صحيح مسلم\" (٧/ ١٧٢٢) وغيره.\n(^٧) انظر: \"المغني\" (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤).\n(^٨) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٨) بتحقيقنا.\n(^٩) انظر أيضًا: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٩).","vol":"5","page":247},{"text":"قالُوا: لورودِ ذلكَ في بعضِ الرواياتِ، وقالُوا: لا يضرُّهُ الجهلُ بالعددِ إذا عرفَ العِفاصَ والوكَاءَ، فأما إذا عرفَ إحدى العلامتينِ المنصوصِ عليها منَ العفاصِ والوكاءِ، وجَهِلَ الأُخْرَى فقيلَ: لا شيءَ لهُ إلا بمعرفتِهِما جميعًا. وقيلَ: تُدْفَعُ إليه بعدَ الإنظارِ مدةً، ثمَّ اختُلِفَ هلْ تُدْفَعُ إليهِ بعدَ وَصْفِهِ [عفاصها] (^١) ووكائِها بغيرِ يمينٍ، أمْ لا بدَّ منَ اليمينِ؟ فقيلَ: تُدْفَعُ إليهِ بغيرِ يمينٍ لأنهُ ظاهرُ الأحاديثِ. وقيلَ: لا تُردُّ إليهِ إلَّا بالبيِّنةِ. وقالَ منْ أوْجَب البيِّنةَ: إنَّ فائدةَ أمرِ الملتقطِ بمعرفَتِها لِئَلَّا تَلْتَبِسُ بمالِه لا لأَجْلِ ردِّها لمنْ وصفَها؛ فإنَّها لا تُرَدُّ إليهِ إلا بالبيِّنةِ. قالُوا: وذلكَ لأنهُ مدَّع لا يُسَلَّمُ إليهِ ما ادَّعَاهُ إلَّا بالبينةِ، وهذَا أصلٌ مُقَرَّرٌ شَرْعًا لا يخرجُ عنهُ بمجردِ وصفِ المدَّعِي للعِفاصِ والوِكَاءِ.\nوأُجيْبَ بأنَّ ظاهرَ الأحاديثِ وجوبُ الردِّ بمجرَّدِ الوصْفِ؛ فإنهُ قالَ (^٢) - ﷺ -: \"فَأَعْطِها إيَّاهُ\". وفي حديثِ البابِ يقدر بعدَ قولِه: فإنْ جاءَ صاحِبُها فأعْطِهِ إيَّاهَا، وإنَّما حُذِفَ جوابُ الشرطِ للعلمِ بهِ. وحديثُ (^٣): \"البيِّنةُ على المدَّعي\"، ليستِ البيِّنةُ مقصورة على الشهادةِ، بل هيَ عامة لكل ما يَتَبَيَّنُ بهِ الحقُّ، ومنْها وصفُ العِفَاصِ والوِكَاءِ، على أنهُ قدْ قالَ منِ اشترطَ البينةَ إنَّها إذا ثبتتِ الزيادةُ وهي قولُه: فأعطِها إياهُ، كانَ العملُ عليها، والزيادةُ قدْ صحَّتْ كما حقَّقَهُ المصنفُ (^٤) - ﵀؛ فيجبُ العملُ بها، ويجبُ الردُّ بالوصفِ، وكما أوجبَ عيهم التعريفَ بها فقدْ حدَّ وقْتَه بسنةٍ فأوجبَ التعريفَ بها سنة، وأما ما بعدَها فقيلَ لا يجبُ التعريفُ بها بعدَ السنةِ، وقيلَ: يجبُ، والدليلُ معَ الأَوَّلِ، ودلَّ على أنهُ يعرِّفُ بها سنةً لا غيرُ، حقيرةً كانتْ أوْ عظيمةً، ثمَّ التعريفُ يكونُ في مظانِّ اجتماعِ الناسِ منَ الأسواقِ وأبوابِ المساجدِ والمجامعِ الحافلةِ، قولُه: \"وإلَّا فشأْنَكَ بها\"، نَصَبَ شَأْنَكَ على الإغراءِ، ويجوزُ رفْعُه على الابتداءِ وخبرُه بها، وهوَ تفويضٌ لهُ في حِفْظِها أو الانتفاعِ بها، واستُدِلَّ بهِ على جوازِ تصرُّفِ الملْتَقِطِ بها بأي تصرُّفِ، إما بِصَرْفِها\n_________\n(^١) في (ب): \"لعفاصها\".\n(^٢) في رواية في الصحيح (٥/ ٩١ رقم ٢٤٣٦): \"فأدها إليه\".\n(^٣) انظر تخريجه برقم (١/ ١٣٢٧) من كتابنا هذا.\n(^٤) في \"فتح الباري\" (٥/ ٧٨).","vol":"5","page":248},{"text":"في نَفْسِه غَنِّيًا كانَ أوْ فقيرًا، أو التصدُّقِ بها، إلَّا أنهُ قدْ وردَ منَ الأحاديثِ ما يقتضي بأنه لا يملكها، فعندَ مسلمٍ (^١): \"ثمَّ عرِّفْها سنة فإنْ لم يَجِئْ صاحِبُها كانتْ وديعةً عِندَكَ\"، وفي روايةٍ (^٢): \"ثمَّ عرِّفْها سنةً فإنْ لم تعرِّفْ فاسْتَنْفِقْها ولتكنْ وديعةً عِنْدَك، فإنْ جاءَ طَالِبُها يومًا منَ الدهرِ فأدِّها إليهِ\". ولذلكَ اختلفَ العلماءُ في حُكْمِها بعدَ السُّنَّة، [فقال] (^٣) في \"نهاية المجتهد\" (^٤): إنهُ اتفقَ فقهاءُ الأمصارِ: مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ أن لهُ تَمَلّكَها، ومثلُه عنْ عمرَ، وابنِه، وابنِ مسعودٍ، وقالَ أبو حنيفةَ (^٥): ليسَ لهُ إلا أنْ يتصدقَ بها، ومثلُه يُرْوَى عنْ عليّ، وابنِ عباسٍ، وجماعةٍ منَ التابعينَ، وكلُّهم متفقونَ على أنهُ إنْ أكَلَهَا ضمِنَها لصاحبِها إلَّا أهلَ الظاهرِ، فقالُوا: تحلُّ لهُ بعدَ السَّنةِ وتصيرُ مالًا منْ مالِه، ولا يضمنُها إنْ جاءَ صاحِبُها.\nقلتُ: ولا أدري ما يقولونَ في حديثِ مسلم (^٦) ونحوه الدالِّ على وجوبِ ضَمَانِها، وأقربُ الأقوالِ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ (^٧) ومَنْ معهُ؛ لأنهُ - ﷺ - أَذنَ في استنفاقِهِ لها ولمْ يأمرْهُ بالتصدُّقِ بها، ثمَّ أمرهُ بعدَ الإذْنِ في الاستنفاقِ أنْ يردَّها إلى صاحبِها إنْ جاءَ يومًا منَ الدَّهْرِ، وذلكَ تضمينٌ لها.\nالمسألةُ الثانيةُ: في ضالةِ الغَنَم فقدِ اتفقَ العلماءُ على أن لِوَاجِدِ الغَنَمِ في المكانِ القفْرِ البعيدِ منَ العُمرانِ أنْ يأكلَها لقولِهِ - ﷺ - (^٨): \"هيَ لكَ، أوْ لأخيكَ، أوْ للذئبِ\"؛ فإنَّ معناهُ أنَّها معرَّضَةٌ للهلاكِ، متردِّدةٌ بينَ أنْ تأخذَها، أوْ أخُوكَ، والمرادُ بهِ ما هوَ أعمُّ منْ صاحِبها، أوْ منْ ملتقِطٍ آخرَ، والمرادُ منَ الذئبِ جِنْسُ ما يأكلُ الشاةَ منَ السباعِ، وفيهِ حثٌّ على أخْذ إيَّاها. وهلْ يجبُ عليهِ ضمانُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٤٨ رقم ٤/ ١٧٢٢).\n(^٢) في \"صحيح مسلم\" أيضًا (٥/ ١٧٢٢).\n(^٣) في (ب): \"قال\".\n(^٤) بنحوه فيه (٤/ ١١٧ - ١١٨) بتحقيقنا.\n(^٥) عبارة \"البداية\" (٤/ ١١٧): \"وقال أبو حنيفة: ليس له أن يأكلها أو يتصدق بها\" اهـ.\n(^٦) يعني في قوله - ﷺ -: \"فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه\"، وهو فيه (٣/ ١٣٤٩ رقم ٥/ ١٧٢٢) وتقدم قريبًا.\n(^٧) انظر: \"الأم\" (٤/ ٧٢).\n(^٨) في حديث زيد بن خالد الجهني المتقدم برقم (٢/ ٨٨٨).","vol":"5","page":249},{"text":"قِيْمَتِها لصاحِبها أوْ لا؟ فقالَ الجمهورُ (^١): إنهُ يضمنُ قيمتَها والمشهورُ عنْ مالكٍ (^٢) أنهُ لا يضمنُ، واحتجَّ بالتسويةِ بينَ الملتقِطِ والذِّئب، والذّئبُ لا غرامةَ عليهِ، فكذلكَ المُلتَقِطُ. وأُجِيبَ بأنَّ اللَّامَ ليستْ للتّمليكِ لأنَّ الذئبَ لا يملكُ. وقدْ أجمعُوا (^٣) على أنهُ لو جاءَ صاحِبُها قبلَ أنْ يأكلَها الملتقِطُ فهيَ باقيةٌ على مُلْكِ صاحِبها.\nوالمسألةُ الثالثةُ: في ضالةِ الإبلِ، وقدْ حَكَمَ - ﷺ - بأنَّها لا تُلْتَقَطُ بلْ تُتْرَكُ تَرْعَى الشجرَ وتردُ المياهَ حتَّى يأتيَ صاحبُها. قالُوا: وقدْ نَبَّهَ - ﷺ - على أنَّها غنيةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى الحفظِ بما ركَّبَ اللَّهُ في طِبَاعِهَا منَ الجلادةِ علَى الْعَطَشِ، وتناولِ الماءِ بغيرِ تَعَبٍ لطولٍ عُنُقِها وقوتِّها على المشي، فلا تحتاجُ إلى الملتقِطِ بخلافِ الغنمِ. وقالتِ الحنفيةُ (^٤) وغيرُهم: الأَوْلى التقاطُها، قالَ العلماءُ: والحِكْمَةُ في النَّهْي عن التقاطِ الإبلِ أن بقاءَها حيثُ ضلَّتْ أقربُ إلى وُجْدَانِ مالِكِها لها منْ تَطَلُّبِهِ لها في رحالِ الناسِ.\n٤/ ٨٩٠ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ وَجَدَ لُقَطَة فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥)، والأَرْبَعَةُ (^٦)، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (^٧)، وَابْنُ حِبّانَ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٨٣) مفهومًا لا نصًا.\n(^٢) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١١٩ - ١٢٠) بتحقيقنا.\n(^٣) قال ابن المنذر في \"كتاب الإجماع\" (ص ١٣٠): كتاب اللقطة: \"لم يثبت فيها إجماع\" اهـ. وقد نقل الإجماع - الذي نقله الشارح - الحافظُ ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٨٣).\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ٩: ١١).\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ١٦١، ١٦٢).\n(^٦) أبو داود (١٧٠٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤١٨ رقم ١/ ٥٨٠٨)، وابن ماجه (٢٥٠٥).\n(^٧) في \"المنتقى\" (رقم ٦٧١).\n(^٨) في صحيحه (ص ٢٨٤ رقم ١١٦٩ - الموارد).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (١/ ٢٧٩ رقم ١٤٠٩ - المنحة)، والطحاوي في شرح المعاني\" (٤/ ١٣٦)، وفي \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٠٧، ٢٠٨)، والبيهقي (٦/ ١٨٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٣٥٨ - ٣٦٠ رقم ٩٨٦، ٩٨٧، ٩٨٩، ٩٩٠)، وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (١/ ٣٢١ رقم ١٥٠٣).","vol":"5","page":250},{"text":"<span data-type='title' id=toc-927>ترجمة عياض</span>\n(وعنْ عياضٍ) (^١) بكسرِ المهملةِ، آخرهُ ضاد معجمةٌ (ابن حمارٍ) بلفظِ الحيوانِ المعروفِ، صحابيٌّ معروفٌ (قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: منْ وَجَدَ لُقَطَةً فليُشْهِدْ ذويْ عَدْلٍ، وليحفظْ عِفَاصَها وَوِكَاءَها، ثمَّ لا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ، فإنْ جاءَ ربُّها فهوَ أحقُّ بها، إلا فهوَ مالُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ الجارودِ، وابن حِبَّانَ).\nتقدَّمَ الكلامُ (^٢) في اللقطةِ والعِفاصِ والوكاءِ، وأفادَ هذا الحديثُ زيادةَ وجوبِ الإشهادِ بعدلينِ على التقاطِها. وقدْ ذهبَ إلى هَذَا أبو حنيفةَ (^٣)، وهوَ أحدُ قَوْلَيّ الشافعيِّ (^٤) فقالُوا: يجبُ الإشهادُ على اللُّقَطَةِ، وعلَى أوْصَافِها. وذهبَ الهادي (^٥)، ومالكٌ (^٦)، وهوَ أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ (^٧) إلى أنهُ لا يجبُ، قالُوا: لِعَدَمِ ذِكْرِ الإشهادِ [على اللقطة] (^٨) في الأحاديثِ الصحيحةِ (^٩)، فَيُحْمَلُ هَذا على النَّدْبِ، وقالَ الأولون: هذِه الزيادةُ بعدَ صِحَّتِها يجبُ العملُ بها فيجبُ الإشهادُ، ولا ينافي ذلكَ عدمُ ذِكْرِهِ في غيرِه منَ الأحاديثِ، والحقُّ وجوبُ الإشهادِ، وفي قولِهِ: \"فهوَ مالُ اللَّهِ يؤتيهِ منْ يشاءُ\" دليلٌ للظاهريةِ (^١٠) في أنَّها تصيرُ مُلْكًا للملتقطِ ولا يَضْمَنُها، وقدْ يجابُ بأنَّ هذَا مقيَّدٌ بما سلفَ من إيجابِ الضمانِ. وأما قولُه - ﷺ -: يؤتيهِ منْ يشاءُ، فالمرادُ أنهُ يحلُّ انتفاعُه بها بعدَ مرورِ سنةِ التعريفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-928>النهي عن لقطة الحاج</span>\n٥/ ٨٩١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤/ ٣٢٢ رقم ٤١٤٤).\n(^٢) في شرح الحديث رقم (٢/ ٨٨٨) من كتابنا هذا.\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار (٤/ ١٣٦).\n(^٤) انظر: \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٩١).\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٤/ ٢٨٠).\n(^٦) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٢١) بتحقيقنا.\n(^٧) انظر: \"روضة الطالبين\" (٥/ ٣٩١) وهو الأصح كما قال النووي رحمه الله تعالى.\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) منها الأحاديث المتقدمة في هذا الباب.\n(^١٠) انظر \"المحلَّى\": (٨/ ٢٦٦: ٢٧٠).","vol":"5","page":251},{"text":"نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-929>ترجمة عبد الرحمن التيمي</span>\n(وعنْ عبدِ الرحمنِ (^٢) بن عثمانَ التيميِّ) هوَ قُرَشِيٌّ، وهوَ ابنُ أخي طلحةَ بن عبيدِ اللَّهِ صحابيٌّ، وقيلَ إنهُ أدركَ النبيَّ ﷺ وليستْ لهُ رؤيةٌ، وأسلمَ يومَ الحديبيةِ. وقيلَ يومَ الفتْحِ، وقُتِلَ معَ ابن الزبيرِ، (أن النبي ﷺ نَهَى عنْ لُقَطَةِ الحاجّ. رواهُ مسلمٌ)، أي عن التقاطِ الرجلِ ما ضاعَ للحاجّ، والمرادُ ما ضاعَ في مكةَ لما تقدَّمَ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ أنَّها: \"لا تحلُّ لُقَطَتُها إلا لِمُنْشِدٍ\". وتقدَّمَ أنهُ حملَ الجمهورُ على أنهُ نَهَى عن التقاطِها لِلتَّمَلُّكِ لا للتعريفِ بها فإنهُ يحلُّ، قالُوا: وإنَّما اختصتْ لقطةُ الحاجّ بذلكَ لإمكانِ إيصَالِها إلى أربابها؛ لأنَّها إنْ كانتْ لمكيٍّ فظاهرٌ، وإنْ كانتْ لآفاقيٍّ فلا يخلُو أفقٌ في الغالبِ منْ واردٍ منهُ إليها، فإذا عرَّفَها واجِدُها في كلِّ عامٍ سَهُلَ التوصُّلُ إلى معرفةِ صاحِبها قالهُ ابنُ بطَّالٍ (^٤).\nوقالَ جماعةٌ: هي كغيرهَا منَ البلادِ وإنَّما تَخْتَصُّ مكةُ بالمبالغةِ في التعريفِ، لأنَّ الحاجَّ يرجعُ إلى بلدِهِ وقدْ لا يعودُ فاحتاجَ الملتقِطُ إلى المبالغةِ في التعريفِ بها، والظاهرُ القولُ الأولُ، وأنَّ حديثَ النَّهي هذا مقيد بحديثِ أبي هريرةَ بأنهُ لا يحل التقاطُها إلَّا لِمُنْشِدٍ، فالذي اختصَّتْ بهِ لقطةُ مكةَ أنَّها لا تلتقطُ إلَّا للتعريفِ بها أبدًا فلا تجوزُ [للتمليك] (^٥)، ويحتملُ أن هذَا الحديثَ في لُقَطَةِ الحاجِّ مُطْلَقًا في مكةَ وغيرِها؛ لأنهُ هُنَا مطلقٌ، ولا دليلَ علَى تقييدِهِ بِكَوْنِها في مكةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-930>لقطة الذمي والمعاهد كلقطة المسلم</span>\n٦/ ٨٩٢ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٣٥١ رقم ١١/ ١٧٢٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٧١٩)، وأحمد (٣/ ٤٩٩)، والبيهقى (٦/ ١٩٩).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٧٢ رقم ٣٣٤٩).\n(^٣) برقم (١٢/ ٦٩٠) من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٨٨).\n(^٥) في (ب): \"للتملُّكِ\".","vol":"5","page":252},{"text":"\"أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١). [صحيح]\n(وعنِ المقدامِ بن معدِ يكربَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا لا يحلُّ ذو نابٍ منَ السِّبَاعِ، ولا الحمارُ الأهليُّ، ولا اللقطةُ منْ مالِ معاهِدٍ إلَّا أنْ يستغنيَ عنْها. رواهُ أبو داودَ). ويأتي (^٢) الكلامُ على تحريمِ ما ذُكِرَ في باب الأطعمةِ وذَكَرَ الحديثَ هُنَا لقولِهِ: \"ولا اللقطةُ منْ مالِ معاهدٍ\"؛ فدلَّ على أن اللقطةَ منْ مالهِ كاللقطةِ منْ مالِ المسلمِ، وهذَا محمولٌ على التقاطِها منْ محلِّ غالب أهلُه، أو كلُّهم ذميُّونَ، وإلَّا فاللقطةُ لا تُعْرَفُ منْ مالِ أيِّ إنسان عندَ التقاطِها. وقولُه: \"إلَّا أن يستغنيَ عنَها\" مُؤَوَّلٌ بالحقيرِ كما سلفَ في التمرةِ ونحوِها، أو بعدمِ معرفةِ صاحِبها بعدَ التعريفِ بها كما سلفَ أيضًا، وعبَّرَ عنهُ بالاستغناءِ لأنهُ سببُ عدمِ المعرفةِ في الأغلبِ، فإنهُ لو لم يستغنِ عنْها لبالغَ في طَلَبِها أو نحوِ ذلكَ.\nفائدةٌ: قالَ النوويُّ في \"شرح المهذَّب\" (^٣): اختلفَ العلماءُ فيمنْ مرَّ ببستانٍ أو زَرْعٍ أو ماشيةٍ، فقالَ الجمهورُ: لا يجوز أَن يَأْخُذَ منهُ شيئًا إلا في حالِ الضرورةِ، فيأخذُ ويغرَّمُ عندَ الشافعيِّ والجمهورِ، وقالَ بعضُ السلفِ: لا يلزمُه شيءٌ.\nوقالَ أحمدُ: إذا لمْ يكنْ للبستانِ حائطٌ جازَ لهُ الأكلُ منَ الفاكهةِ الرطبةِ في أصحِّ الروايتينِ، ولوْ لمْ يحتجْ إلى ذلكَ. وفي الأُخْرَى إذا احتاجَ ولا ضمانَ عليهِ في الحالينِ، وعلَّقَ الشافعيُّ (^٤) القولَ بذلك على صحةِ الحديثِ، قالَ البيهقيّ (^٥) يعني حديثَ ابن عمرَ مَرْفُوعًا: \"إذا مرَّ أحدُكم بحائطٍ فليأكلْ ولا يتخذْ خبنةً\" أخرجَهُ الترمذيُّ (^٦)، واستغرَبَهُ.\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣٨٠٤) وطرفه في (٤٦٠٤).\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٣٠، ١٣١)، وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٧٢٣ رقم ٣٢٢٩).\n(^٢) انظر الأحاديث (١/ ١٢٤٠): (٣/ ١٢٤٢) من كتابنا هذا.\n(^٣) \"المجموع\" (٩/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٤) انظر: \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٥٨).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" له (٩/ ٣٥٩).\n(^٦) في \"سننه\" (١٢٨٧).\nوأخرجه ابن ماجه (٢٣٠١)، وصحَّحه الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٢/ ٢٥ رقم ١٠٣٤).","vol":"5","page":253},{"text":"قالَ البيهقي (^١): لم يصحّ وجاءَ منْ أَوْجُهٍ أُخَرَ غيرِ قويةٍ.\nقالَ المصنفُ (^٢) ﵀: والحقُّ أن مجموعَها لا يَقْصُرُ عنْ درجةِ الصحيحِ، وقدِ احتجُّوا في كثيرٍ منَ الأحكامِ بما هوَ دونَها، وقدْ بيَّنتُ ذلكَ في كتابِ \"المنحةُ فيما علقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على الصَّحةِ\" اهـ.\nوفي المسألةِ خلافٌ وأقاويلُ كثيرةٌ، وقدْ نَقَلَها الشارحُ عن \"المهذبِ\"، ولم يتخلَّص البحثُ لتعارضِ الأحاديثِ في الإباحةِ والنَّهي، فلمْ تَقْوَ أحاديثُ الإباحةِ على نَقْلِ الأصلِ، وهوَ حرمةُ مالِ الآدميِّ، وأحاديثُ (^٣) النَّهْي أكَّدَتْ ذلكَ الأصلَ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى له\" (٩/ ٣٥٩).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٥/ ٩٠).\n(^٣) منها ما مر أثناء شرح الحديث رقم (٤/ ٨١٨): \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه\".","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-931>[الباب العشرون] باب الفرائض</span>\nالفرائض جَمْعُ فريضةٍ، وهيَ فعيلةٌ بمعنَى مفروضةٍ منَ الفرْضِ، وهوَ القطْعُ، وخُصَّتِ المواريثُ باسمِ الفرائضِ منْ قولِه تعالَى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (^١)، أي مقدرًا معلومًا. وقدْ وردتْ أحاديثُ (^٢) كثيرةٌ في الحثِّ على تَعَلُّمِ علمِ الفرائضِ، ووردَ أنهُ أولُ عِلْمٍ يُرْفَعُ (^٣).\n١/ ٨٩٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ\") (^٤). [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ألحقُوا الفرائضَ بِأَهْلِها)، والمرادُ بها الستُّ المنصوصُ عليها وعلى أهلِها في القرآنِ، (فما بقيَ فَهُوَ لأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ). اختُلِفَ في فائدةِ وَصْفِ الرجلِ بالذَّكرِ والأقربُ أنهُ تأكيدٌ. ونَقَلَ في\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٧.\n(^٢) (منها) ما أخرجه الترمذي (٤/ ٤١٣ رقم ٢٠٩١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"تعلَّموا القرآن والفرائض وعلِّموا الناس فإني مقبوض\"، قال الترمذي: هذا حديث فيه اضطراب. اهـ ومن طريق أخرى عنه مرفوعًا: \"تعلَّموا الفرائض وعلِّموها فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي\"، أخرجه ابن ماجه (٢٧١٩)، والحاكم (٤/ ٣٣٢) وسكت عنه وضعَّفه الذهبي، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦/ ٢٥٩) وهو حديث ضعيف، ضعَّفه المحدّث الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٠٣، ١٠٤) وقد ساق له شواهد كلها ضعيفة، واللهُ أعلم.\n(^٣) انظر الطريق الثانية لحديث أبي هريرة المتقدم في التعليق السابق.\n(^٤) البخاري (٦٧٣٢) وأطرافه في (٦٧٣٥، ٦٧٣٧، ٦٧٤٦)، ومسلم (٢، ٣/ ١٦١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٩٨)، وابن ماجه (٢٧٤٠)، وأحمد (١/ ٣١٣)، والدارمي (٢/ ٣٦٨)، والبيهقي (٦/ ٢٣٨) وغيرهم.","vol":"5","page":255},{"text":"الشرحِ كلامًا كثيرًا وفائدتُه قليلةٌ (متفقٌ عليهِ). والفرائضُ المنصوصةُ في القرآنِ (^١) ستٌّ:\n_________\n(^١) آيات المواريث ثلاث، جمعت أصول علم الفرائض وأركان أحكام المواريث وهي:\n١ - قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النساء: ١٢].\n٣ - وقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦].\nوهناك آيات كريمة وردت في شأن المواريث ولكنها مجملة تشير إلى حقوق الورثة بدون تفصيل وهي:\n١ - قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].\n٢ - وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾ [الأحزاب: ٦].\n٣ - وقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧].\nوهذه الآيات الكريمة مجملة جاء تفصيلها في الآيات السابقة التي حدَّد اللَّهُ فيها نصيب كل وارث، وهي عماد علم الميراث كما قد علمت.\n• وإليك أخي القارئ ما يستفاد من آيات المواريث:\nأولًا: أحكام البنين والبنات:\n١ - إذا خلف الميت ذكرًا واحدًا وأنثى واحدة فقط اقتسما المال بينهما للذكر سهمان وللأنثى سهم واحد.\n٢ - إذا كان الورثة جمعًا من الذكور والإناث فإنهم يرثون المال للذكر ضعف الأنثى.\n٣ - إذا وجد مع الأولاد أصحاب فروض كالزوجين أو الأبوين فإننا نعطي أصحاب =","vol":"5","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الفروض أوَّلًا، ثم ما تبقَّى نقسمه بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين.\n٤ - إذا ترك الميت ابنًا واحدًا فقط فإنه يأخذ كل المال ويؤخذ هذا من مجموع الآيتين: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ و﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فيلزم أن نصيب الابن إذا انفرد جميع المال.\n٥ - يقوم أولاد الابن مقام الأولاد إذا عدموا، لأن كلمة: \"أولادكم\" تتناول الأولاد الصلبيين وأولاد الابن مهما نزلوا بالإجماع.\nثانيًا: حكم الأبوين:\n١ - الأب والأم يأخذ كل واحد منهما السدس إذا كان للميت فرع وارث.\n٢ - إذا لم يكن مع الأبوين أحد من الأولاد، فإن الأم ترث ثلث المال والباقي وهو الثلثان يرثه الأب.\n٣ - إذا وجد مع الأبوين إخوة للميت (اثنان فأكثر)، فإن الأم ترث سدس المال والباقي خمسة أسداس للأب وليس للإخوة والأخوات شيء أصلًا لأن الأب يحجبهم.\nثالثًا: الدَّين مقدَّم على الوصية.\nرابعًا: حكم الزوج:\n١ - إذا ماتت الزوجة ولم تخلف فرعًا وارثًا فإن نصيب الزوج النصف.\n٢ - إذا ماتت الزوجة وقد خلفت فرعًا وارثًا فإن نصيب الزوج الربع.\nخامسًا: حكم الزوجة أو الزوجات:\n١ - إذا مات الزوج ولم يخلف فرعًا وارثًا فإن نصيب الزوجة أو الزوجات الربع.\n٢ - إذا مات الزوج وكان قد خلف فرعًا وارثًا فإن نصيب الزوجة أو الزوجات الثمن.\nسادسًا: حكم الأخوة أو الأخوات لأم:\n١ - إذا مات عن أخ لأم منفرد، أو أخت لأم منفردة، فإن الواحد منهما يأخذ السدس.\n٢ - إذا مات عن أكثر من ذلك (يعني أخوين لأم أو أختين لأم)، فيستحقون الثلث بالسوية.\nسابعًا: حكم الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب:\n١ - إذا مات وخلف أختًا شقيقة واحدة أو لأب ولم يكن له أصل ولا فرع، فللأخت الشقيقة أو لأب نصف التركة.\n٢ - إذا مات وخلف أختبن شقيقتين فأكثر أو لأب ولم يكن له أصل ولا فرع، فللشقيقتين أو لأب الثلثان من التركة.\n٣ - إذا مات وخلف إخوة وأخوات (أشقاء أو لأب)، فإن التركة يتقاسمها الإخوة والأخوات على أساس أن نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى.\n٤ - إذا ماتت الشقيقة - ولم يكن لها أصل ولا فرع - فإن الأخ الشقيق يأخذ جميع المال وإن كان هناك أكثر من أخ اقتسموا المال على عدد الرؤوس.\nوهكذا حكم الأخوة والأخوات لأب عند عدم وجود الإخوة الأشقاء أو الأخوات الشقيقات.","vol":"5","page":257},{"text":"النِّصْفُ، ونصفهُ، ونصفُ نِصْفِهِ، والثلثانِ، ونصفُهما، ونصفُ نِصْفِهمَا. والمرادُ منْ أهْلِها مَنْ يستحقُّها بنصِّ كتاب اللهِ، قالَ ابنُ بطَّالٍ (^١): المرادُ بِأوْلَى رجلٍ أن الرجالَ منَ العصبةِ بعدَ أهلِ الفَرائضِ إذا كانَ فيهمْ مَنْ هوَ أقربُ إلى الميْتِ استحقَّ دونَ مَنْ هوَ أبعدُ، فإنِ اسْتَووْا اشتركُوا ولم يقصدْ منْ يدلي بالآباءِ والأمهاتِ مَثَلًا لأنهُ ليسَ فيهمْ مَنْ هوَ أوْلَى [إلى الميت] (^٢) إذا اسْتَوَوْا في المنزلةِ. وقالَ غيرُه (^٣): المرادُ بهِ العمَّةُ معَ العمِّ، وبنتُ الأخ معَ ابن الأخِ، وبنتُ العمِّ معَ ابن العمِّ، وخَرَجَ منْ ذلكَ الأخُ والأختُ لأبوينِ، أَوْ لأب، فإنهم يرثونَ بنصِّ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٤) وأقربُ العصباتِ البنونَ، ثمَّ بَنُوْهُم وإنْ سَفلُوا، ثمَّ الأبُ، ثمَّ الجدُّ أبُو الأبِ وإنْ عَلَا، وتفاصيلُ العصباتِ وسائرِ أهلِ الفرائضِ مُسْتَوْفَى في كُتُبِ الفرائضِ. والحديثُ مبنيٌّ على وجودِ عَصَبةٍ منَ الرجالِ فإذا لم توجدْ عَصَبَةٌ منَ الرِّجالِ أعْطَى بقيةَ الميراثِ مَنْ لا فَرْضَ لهُ منَ النساءِ كما يأتي (^٥) في بنتٍ، وبنتِ ابنٍ، وأختٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-932>منع التوريث بين المسلم والكافر</span>\n٢/ ٨٩٤ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١١).\n(^٢) في (ب): \"من غيره\".\n(^٣) وهو ابن التين كما بينه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١١).\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٧٦.\n(^٥) في الحديث رقم (٣/ ٨٩٥) من كتابنا هذا.\n(^٦) البخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١/ ١٦١٤).\nقلت: وأخرجه أبو دا ود (٢٩٠٩)، والترمذي (٢١٠٧)، وابن ما جه (٢٧٢٩)، وابن الجارود (رقم ٩٥٤)، والدارقطني (٤/ ٦٩ رقم ٧)، والبيهقي (٦/ ٢١٧)، والدارمي (٢/ ٣٧٠)، وأحمد (٥/ ٢٠٠)، والطيالسي (١/ ٢٨٣ رقم ٤٣٥ - منحة المعبود)، ومالك (٢/ ٥١٩ رقم ١٠)، والحميدي (١/ ٢٤٨ رقم ٥٤١)، وسعيد بن منصور (١/ ٦٥)، وعبد الرزاق (٦/ ١٤ - ١٥ رقم ٩٨٥١، ٩٨٥٢)، وابن خزيمة (٤/ ٣٢٢ رقم ٢٩٨٥)، وابن حبان (٧/ ٦٠٩ رقم ٦٠٠١ - الإحسان)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٦٣ رقم=","vol":"5","page":258},{"text":"(وعنْ أسامةَ بن زيدٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: لا يرثُ المسلم الكافرَ، ولا يرثُ الكافر المسلمَ. متفقٌ عليهِ). المسلمُ في صدرِ الحديثِ فاعلٌ، والكافرُ مفعولٌ، وفي آخرِه بالعكسِ، وإلى ما أفادَهُ الحديثُ ذهبَ الجماهيرُ (^١)، ورُوِيَ خلافُه عنْ معاذٍ، ومعاويةَ، ومسروقٍ، وسعيدِ بن المسيبِ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وإسحاقَ. وذهبَ إليهِ الإماميةُ (^٢)، والناصرُ فقالوا: إنهُ يرثُ المسلمُ الكافرَ منْ غير عكسٍ، واحتجَّ معاذٌ بأنهُ سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: \"الإسلامُ يزيدُ ولا ينقصُ\"، أخرجَهُ أبو داودَ (^٣)، وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٤). وقدْ أخرجَ مسدِّدٌ (^٥) أنهُ اخْتَصَمَ إلى معاذٍ أخوان: مسلم ويهودي ماتَ أبوهما يهوديًا فحاز ابنه اليهودي ميراثه، فنازعه المسلمُ فورَّث معاذٌ المسلمَ.\nوأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٦) منْ طريقِ عبدِ اللَّهِ بنَ مَعْقِلٍ (^٧) قالَ: ما رأيتُ قضاءً أحسنَ منْ قضاءِ معاويةَ، نرثُ أهلَ الكتاب ولا يرثونا، كما يحلُّ لنا النكاحُ منْهم، ولا يحلُّ لهم مِنَّا. وأجابَ الجمهورُ (^٨) بأنَّ الحديثَ المتَّفَقَ عليهِ نصُّ في مَنْعِ التوريثِ، وحديثَ معاذٍ ليسَ فيهِ دلالةٌ على خصوصيةِ الميراثِ، وإنَّما فيهِ الإخبارُ بأنَّ دينَ الإسلامِ يَفضُلُ غيرَه منْ سائرِ الأديانِ، ولا يزالُ يزدادُ ولا ينقصُ.\n_________\n= ٣٩١)، (١/ ١٦٧ رقم ٤١٢)، وفي \"الأوسط\" (١/ ٣١٠ رقم ٥١٠)، والشافعي (٢/ ١٩٠ رقم ٦٧٦ - ترتيب المسند)، والحاكم (٢/ ٢٤٥)، وأبو نعيم في، الحلية، (٣/ ١٤٤ - ١٤٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٣٦٣)، (١١/ ١٥٤) وغيرهم.\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٠، ٥١).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٦٩).\n(^٣) في \"سننه\" (٢٩١٢، ٢٩١٣).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤٥)، ووافقه الذهبي على تصحيحه.\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، وابن أبي شيبة (١١/ ٣٧٤ رقم ١١٤٩٦)، والطيالسي (١/ ٢٨٣ رقم ١٤٣٦ - (المنحة)، وهو حديث ضعيف، ضعَّفه الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (ص ٢٨٧ رقم ٦٢٤، ٦٢٥).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٥٠).\n(^٦) في \"المصنف\" (١١/ ٣٧٤ رقم ١١٤٩٧).\n(^٧) في المخطوط والمطبوع: \"مُغَفَّل\"، والتصويب من \"المصنف\" و\"الفتح\" (١٢/ ٥٠).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٥٠).","vol":"5","page":259},{"text":"<span data-type='title' id=toc-933>ميراث البنت وبنت الابن والأخت</span>\n٣/ ٨٩٥ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضِيَ الله تَعَالَى عنْهُ في بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابن، وَأُخْتٍ، فَقَضَى النَّبيُّ - ﷺ -: \"للابْنَةِ النِّصْف، وَلابْنَةِ الابن السُّدْس - تكمِلَةَ الثُّلُثَينِ - وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْتِ\" رَوَاهُ الْبُّخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - في بنتٍ، وبنتِ ابنٍ، وأختٍ، فقضَى النبيُّ - ﷺ - للابنةِ النِّصْفُ، ولابنةِ الابنِ السدس، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وما بقيَ فللأختِ. رواهُ البخاريُّ).\nفيهِ دلالةٌ على أن الأختَ معَ البنتِ، وبنتِ الابن عُصْبَةٌ تُعْطَى بقي الميراثِ وهوَ مجمع (^٢) على أنَّ الأخواتِ معَ البناتِ عصبات، وقدْ كانَ (^٣) أفتَى أبو موسى بأنَّ لِلأختِ النصفَ ثمَّ أمر السائلَ أنْ يسألَ ابنَ مسعودٍ فقضَى ابنُ مسعودٍ بقضاء النبيِّ - ﷺ - فقالَ أبو موسى: لا تَسألُوني ما دامَ هذا الحبْرُ فيكمْ. ضبطَ أئمةُ اللغةِ الحبْرَ بكسرِ الحاءِ وفتحِها، ورواية المحدِّثينَ جميعًا لهُ بِفَتْحِها، قالَ أبو عُبَيْدٍ (^٤): هوَ العالمُ بتحبيرِ الكلامِ وتحسينِه، وقيلَ سُمِّيَ حَبْرًا لما يبقى منْ أثرِ علومهِ - زادَ الراغبُ (^٥) - في قلوب الناسِ وعنْ آثارِ أفعالِه الحسنةِ المُقتَدَى بِهَا.\n٤/ ٨٩٦ - وَعَنْ عَبْدُ الله بْنِ عَمْرٍو (^٦) - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَتوَارَث أَهْل مِلَّتَينِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)، والأَربَعَة (^٨)، إلَّا (^٩) التِّرمِذِيَّ، وَأَخْرَجَهُ\n_________\n(^١) في \"صحيح\" (٦٧٣٦) وطرفه في (٦٧٤٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٩٠)، والترمذي (٢٠٩٣)، وابن ماجه (٢٧٢١)، وأحمد (١/ ٣٨٩)، والبيهقي (٦/ ٢٣٠).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٨) فقد نقل عن ابن بطال قوله: ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وعن ابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الأشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك.\n(^٣) كما في حديث الباب كما رواه البخاري (٦٧٣٦).\n(^٤) انظر: \"غريب الحديث\" له (١/ ٨٦).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧).\n(^٦) في المطبوع: \"عمر\"، والصواب ما أثبتناه وهو الموافق لما في كتب الحديث.\n(^٧) في \"المسند\" (٢/ ١٧٨، ١٩٥).\n(^٨) أبو داود (٢٩١١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦٣٨٣، ٤/ ٦٣٨٤)، وابن ماجه (٢٧٣١).\n(^٩) في المطبوع: \"و\" وعطف الأربعة على الترمذي لا يفيد شيئًا، والحديث ليس في سنن =","vol":"5","page":260},{"text":"الْحَاكِمُ (^١) بِلَفْظِ أُسَامَةَ (^٢). وَرَوَى النَّسَائِي (^٣) حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ (^٤) [بإسناد حسن]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتَيْنِ.\nرواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وأخرجهُ الحاكمُ بلفظِ أسامةَ، ورَوَى النسائي حديثَ أسامةَ بهذا اللفظِ). والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا توارثَ بينَ أهلِ ملَّتَيْنِ مختلفتينِ بالكفرِ، أو بالإسلامِ والكفرِ، وذهبَ الجمهورُ (^٥) إلى أن المرادَ بالملَّتينِ الإسلامُ والكفرُ؛ فيكونُ كحديثِ: \"لا يرثُ المسلمُ الكافرَ\"، الحديثَ. قالُوا: وأما توارث مِلَلِ الكفر بعضهم منْ بعضٍ فإنهُ ثابتٌ، ولم يقلْ بعمومِ الحديثِ لِلْمِلَلِ كلِّها إلَّا الأوزاعيُّ (٥)؛ فإنهُ قالَ: لا يرثُ اليهوديُّ منَ النصرانيِّ ولا عَكْسُهُ، وكذلكَ سائرُ المللِ. [وظاهر] (^٦) الحديثِ معَ الأوزاعي، وهوَ مذهبُ الهادويةِ (^٧).\nوالحديثُ مخصِّصٌ للقرآنِ في قولهِ [تعالى] (^٨): ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٩)؛ فإنهُ عامٌّ [للأولاد] (^١٠) فيخصُّ [به] (^١١) الولدُ الكافرُ؛ فإنه لا يرثُ منْ أبيهِ المسلمِ، والقرآنُ يُخَصُّ بأخبارِ الآحادِ (^١٢) كما عُرِفَ في الأصولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-934>ميراث الجد والجدَّة</span>\n٥/ ٨٩٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي - ﷺ -\n_________\n= الترمذي فأثبتنا لفظة \"إلا\"، واللَّهُ أعلم.\n(^١) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤٥).\n(^٢) أي بلفظ حديث أسامة المتقدم برقم (٢/ ٨٩٤).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨٢ رقم ٦٣٨١/ ١، ٦٣٨٢/ ٢).\n(^٤) أي بلفظ حديث ابن عمرو - ﵄ -، وأخرج حديث ابن عمرو أيضًا ابن الجارود (٣/ ٢٣٢ رقم ٩٦٧)، والبغوي (٨/ ٣٦٤ رقم ٢٢٣٢)، والدارقطني (٤/ ٧٢ رقم ١٦)، والبيهقي (٦/ ٢١٨) وسنده حسن، حسَّنه المحدِّث الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٢١)، وصحَّح الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٥١) \"سند أبي داود\".\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٥١).\n(^٦) في (ب): \"والظاهر من\".\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٦٩).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) سورة النساء: الآية ١١.\n(^١٠) في (ب): \"في الأولاد\".\n(^١١) في (ب): \"منه\".\n(^١٢) انظر: \"إرشاد الفحول\" (ص ٢٦٧ وص ٢٦٩).","vol":"5","page":261},{"text":"فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا ليَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: \"لَكَ السُّدُسُ،، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: \"لَكَ سُدُسٌ آخَرُ\"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: \"إِن السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصرِيّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. [ضعيف]\n(وعنْ عِمْرَانَ بن الحصينِ - ﵁ - قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبي - ﷺ - فقالَ: إن ابنَ ابني ماتَ فما لي منْ ميراثِهِ؟ قالَ: لكَ السُّدُس، فلما ولَّى دعاهُ، فقالَ: لك سُدُسٌ آخر، فلما ولَّى دعاهٌ، فقالَ: إنَّ السُّدُس الآخرَ طعمةٌ. رواه أحمد، والأربعة، وصحَّحَه الترمذي، وهوَ منْ روايةِ الحسنِ البصري عنْ عمرانَ. وقيلَ: إنه لم يَسْمَعْ مِنْه).\nقالَ قتادةُ (^٣): لا أدري معَ أيِّ شيءٍ وَرِثَهُ، وقالَ: أقلُّ شيءٍ وُرِّثَ الجدُّ السدسُ (^٤)، وصورةُ هذهِ المسألةِ أنهُ تركَ الميتُ بنتينِ وهذَا السائلُ وهوَ الجدُّ، فللبنتينِ الثلثانِ، وبقيَ ثلثٌ، فدفَعَ النبيُّ - ﷺ - إلى السائلِ السُّدسَ بالفرضِ لأنهُ فرضُ الجدِّ هنا، ولم يدفعْ إليهِ السدسَ الآخرَ لِئَلّا يظنُّ أن فَرْضَه الثلثُ، وتَرَكَهُ حتَّى ولَّى أيْ ذهبَ فَدَعَاهُ وقال: لكَ سُدُسٌ آخرُ وهوَ بقيةُ التَّرِكَةِ، فلما ذهبَ دعاهُ فقالَ: إنَّ الآخِرَ - بكسرِ الخاءِ - طُعْمَةٌ أي زيادةٌ على الفريضةِ. والمرادُ منْ ذلكَ إعلامُه بأنهُ زائدٌ على الفرضِ الذي لهُ فله السدس فَرْضًا والباقي تَعْصِيْبًا.\n٦/ ٨٩٨ - وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائيُّ (^٦). وَصَحّحَهُ ابْنُ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٩١ - ٩٢ رقم ٧٧ (الفتح الرباني).\n(^٢) أبو داود (٢٨٩٦)، والترمذي (٢٠٩٩) وقال: حسن صحيح، والنسائي في \"الكبرى\" (٦٣٣٧/ ٥). وأخرجه الدارقطني (٤/ ٨٤ رقم ٥٢)، وابن أبي شيبة (١١/ ٢٩٠ رقم ١١٢٦٠)، والبيهقي (٦/ ٢٤٤)، وابن الجارود (٣/ ٢٢٤ رقم ٩٦١) وهو حديث ضعيف، ضعَّفه المحدِّث الألباني في \"ضعيف أبي داود\" (ص ٢٨٥ رقم ٦١٩).\n(^٣) قتادة هو راوي الحديث عن الحسن عن عمران، وانظر قوله في آخر رواية الحديث في \"سنن أبي داود\" (٢٨٩٦).\n(^٤) إلى هنا آخر كلام قتادة.\n(^٥) في \"سننه\" (٢٨٩٥).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٦٣٣٨/ ٦).","vol":"5","page":262},{"text":"خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ (^١) وَقَوّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن بُرَيْدَةَ - ﵁ - عنْ أبيهِ - ﵁) هوَ بريدةُ بنُ الحُصَيْبِ (أن النبي - ﷺ - جعلَ للجدَّةِ السدسَ إذا لم يكنْ دونَها أمٌّ. رواة أبو داود، والنسائي، وصحَّحَهُ ابن خزيمةَ، وابن الجارودِ، وقوَّاه ابن عَدِيٍّ). فيهِ عبيدُ اللَّهِ (^٢) العَتَكِيُّ مُختَلَفٌ (^٣) فيهِ، وثَّقَهُ أبو حاتم.\nوالحديثُ دليلٌ على أن ميراث الجدَّةِ السدسُ، سواءً كانتْ أمُّ أمٍّ، أوْ أمُّ أب، ويشتركُ فيهِ الجدَّتانِ فأكثرُ إذا استوينَ؛ فإنِ اختلفْنَ سقط الأبعد منَ الجهتينِ بالأقربِ، ولا يسقطهنَّ إلا الأمُّ وإلا الأبُ يُسقطُ مَنْ كانَ منْ جهَتِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-935>توريث الخال وذوي الأرحام</span>\n٧/ ٨٩٩ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْخَالُ وَارثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَالأَرْبَعَةُ (^٥) سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَصَحّحَهُ الحَاكِمُ (^٦)، وَابْنُ حِبَّانَ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المنتقى\" (٣/ ٢٢٤ رقم ٩٦٠).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٢٣٤) وهو حديث ضعيف، ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٢١ رقم ١٦٧٦).\n(^٢) في المخطوط والمطبوع: \"عبد اللهِ\"، والصواب ما أثبتنا موافقة لما في كتب الحديث.\n(^٣) وثقه ابن معين وابن عدي وقال البخاري: عنده مناكير، فأنكر عليه أبو حاتم وقال: هو صالح الحديث، وضعفه النسائي، وقال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالمقلوبات.\nانظر ترجمته في: \"الميزان\" (٣/ ١١ رقم ٥٣٧٣)، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٥٣٥ رقم ١٤٧٣): صدوق يخطئ.\n(^٤) في \"المسند\" (٤/ ١٣١، ١٣٣).\n(^٥) أبو داود (٣/ ٣٢٠، ٣٢١ رقم ٢٨٩٩: ٢٩٠١)، والنسائي في \"الكبرى\" (١/ ٦٣٥٤: ٦٣٥٧/ ٤)، وابن ماجه (٢٧٣٨).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤٤).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٠ رقم ١٢٢٥، ١٢٢٦ - الموارد).\nوأخرجه الطحاوي: (٤/ ٣٩٧، ٣٩٨)، والبيهقي (٦/ ٢١٥)، وابن الجارود (٣/ ٢٢٨ رقم ٩٦٥)، والدارقطني (٤/ ٨٥ رقم ٥٧) وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٣٨)، وانظر الحديث القادم.","vol":"5","page":263},{"text":"(وعنِ المقدامِ بن معدِ يكربَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: الخال وارث مَنْ لا وارثَ له. أخرجه أحمدُ، والأربعة سِوَى الترمذي، وحسَّنَة أبو زرعةَ الرازي، وصحَّحَه الحاكمُ وابنُ حِبَّانَ). فيهِ دليلٌ على توريثِ الخالِ عندَ عدمِ منْ يرثُ منَ العصبةِ، وذوي السِّهامِ. والخالُ منْ ذوي الأرحامِ. وقدْ اختلفَ العلماءُ في توريثِ ذوي الأرحامِ، فذهبتْ طائفةٌ كثيرةٌ منْ علماءِ الآلِ (^١) وغيرِهم إلى تَوْرِيثهمِ، فمنْ خلَّفَ عمَّتَه وخالتَهُ ولا وارثَ لهُ سِوَاهُما كانَ للعمَّةِ الثلثانِ والخالةِ الثلثُ، واستدلُّوا بِهَذَا الحديثِ، وبقولهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (^٢)، وخالفتْ طائفة منَ الأئمةِ (^٣) وقالُوا: لا يثبتُ لذوي الأرحامِ ميراثٌ لأنَّ الفرائضَ لا تَثْبُتُ إلَّا بكتابِ اللَّهِ، أو سنةٍ صحيحَةٍ، أو إجماعٍ، والكلُّ مفقود هنا.\nوأجابُوا عن حديثِ البابِ بأنهُ نصٌّ في الحالِ لا في غيرِه، والآيةُ مُجْمَلَةٌ ومسمّى أولي الأرحَامِ فيها غيرُ مسمّاهُ في عُرفِ الفقهاءِ. وقدْ وَرَدتْ أحَاديثُ [بأنهُ] (^٤): \"لا ميراثَ للعمَّةِ والخالةِ\" (^٥)، وإنْ كانَ فيها مقالٌ، لكنَّها مُعْتَضِدَةٌ بأنَّ الأصْلَ عدمُ الميراثِ حتَّى يقومَ الدليلُ الناهضُ مما ذَكَرْنَاهُ والقائلونَ بأنهُ لا ميراثَ لذوي الأرحامِ يقولونَ يكونُ مالُ مَنْ لا وارثَ لهُ لِبَيْتِ المالِ إذا كانَ مُنْتظِمًا، وهوَ إذا كانَ في يدِ إمامٍ عادلٍ يصرفُه في مصارفهِ، أوْ كانَ في البلدِ قاضٍ قائمٌ بشروطِ القضاءِ مأذونٌ لهُ في التَّصَرُّفِ في مالِ المصالحِ دُفِعَ إليهِ ليصرَفه فيها. وتفاصيلُ بقيةِ مواريثِ ذوي الأرحامِ على القولِ بهِ مستوفاةٌ في كُتُبِ هذا الفنِّ فلا نُطَوِّلُ بِها.\n٨/ ٩٠٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ - ﵁ - قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٥٢).\n(^٢) سورة الأنفال: الآية ٧٥.\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٨٦، ١٨٧) بتحقيقنا.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (ص ٢٦٣ رقم ٣٦١)، والبيهقي (٦/ ٢١٣)، والدارقطني (٤/ ٩٨ رقم ٩٥) من مرسل عطاء بن يسار.\nووصله الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤٣) من حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، وقال الذهبي عنه: فيه ضرار وهو مالك. اهـ، وقد ضعَّفه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٨١).","vol":"5","page":264},{"text":"وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالأَرْبَعَةُ (^٢) سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي أمامةَ بن سهلٍ - ﵁ - قالَ: كَتَبَ عمر إلى أبي عبيدة أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: الله ورسوله مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى له، والخال وارث مَنْ لا وارثَ له. رواهُ أحمد، والأربعة سِوَى أبي داود، وحسَّنة الترمذيُّ، وصحَّحَه ابن حِبَّانَ).\nالحديثُ يردُّ قولَ مَنْ قالَ إنَّ المرادَ بالخالِ في حديثِ المقدامِ السلطانُ، إذ لوْ كانَ كذلكَ لقالَ: وأنا وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ. وقدْ أخرجَ أبو داودُ (^٤) وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٥): \"أنا وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ أعقلُ عنهُ وأَرِثُه\". فالجمعُ بينَه وبينَ حديثِ المقدامِ وحديثِ أبي أمامةَ الدالَّيْنِ على ثبوتِ ميراثِ الخالِ حيث لا وارثَ له، أنهُ أرادَ بهِ أنهُ - ﷺ - وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ في جميعِ الجهاتِ منَ العصباتِ، وذوي السِّهام، والخالِ. والمرادُ منْ إِرْثهِ - ﷺ - أنهُ يصيرُ المالُ لمصالحِ المسلمينَ، وأنهُ لا يكون المالُ لبيتِ المالِ إلَّا عندَ عدمِ جميعِ مَنْ ذُكِرَ منَ الخالِ وغَيرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-936>ميراث المولود</span>\n٩/ ٩٠١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - عَنِ النَّبي - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَولُود وَرِثَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٢٨).\n(^٢) الترمذي (٢١٠٣) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٢٧٣٧).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٠ رقم ١٢٢٧ - الموارد).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (٣/ ٢٢٧ رقم ٩٦٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٩٧)، والدارقطني (٤/ ٨٤ رقم ٥٣)، والبيهقي (٦/ ٢١٤) وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٣٧ رقم ١٧٠٠) ويشهد له حديث الباب الماضي قبل هذا.\n(^٤) في \"سننه\" (٢٨٩٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٠ رقم ١٢٢٥) من حديث المقدام بن معدي كرب - ﵁ - مرفوعًا وهو الحديث السابق برقم (٧/ ٨٩٩) من كتابنا هذا.\n(^٦) ليس الحديث في سنن أبي داود من رواية جابر - ﵁ -، وإنما هو فيه (٣/ ٣٣٥ رقم ٢٩٢٠) من رواية أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديث صحيح بشواهده كما في \"الإرواء\" (٦/ ١٤٧ رقم ١٧٠٧).\n(^٧) في \"صحيحه\" (١٣/ ٣٩٢ رقم ٦٠٣٢ - الإحسان). =","vol":"5","page":265},{"text":"(وعنْ جابرٍ - ﵁ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: إذا استهلَّ المولود وَرِثَ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحَه ابن حِبَّانَ). والاستهلالُ رُوِيَ في تفسيرهِ حديثٌ مرفوعٌ ضعيفٌ: \"الاستهلالُ العُطَاسُ\"، أخرجَهُ البزارُ (^١).\nوقالَ ابنُ الأثيرِ (^٢): استهلَّ المولودُ إذا بَكَى عندَ وَلادَتِهِ. وهوَ كنايةٌ عنْ وِلَادَتِهِ حَيًّا وإنْ لمْ يستهلَّ، بلْ وُجِدَتْ منهُ أَمَارَةٌ تدلُّ على حياتِهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ إذا استهل السِّقْطُ ثبتَ لهُ حكمُ غيرِه في أنهُ يَرِثُ، ويُقَاسُ عليهِ سائرُ الأحكامِ منَ الغُسلِ والتكفينِ والصلاةِ عليهِ، ويلزمُ منْ قَتْلِه القَوَدُ أوِ الدِّيَةُ، واختلفُوا هلْ يكفي في الإخبارِ باستهلالِه عَدْلَةٌ أوْ لا بدَّ منْ عَدْلَتينِ، أوْ أربعٍ. الأولُ للهادويةِ (^٣)، والثاني للهادي (٣)، والثالثُ للشافعي (^٤)، وهذَا الخلافُ يجري في كلِّ ما يتعلقُ بعوراتِ النساءِ. وأفادَ مفهومُ الحديثِ أنهُ إذا لم يستهلَّ لا يُحْكَم له [بحياتِه] (^٥)، فلا يثبتُ لهُ شيءٌ منَ الأحكامِ التي ذَكَرْنَاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-937>ميراث القاتل</span>\n١٠/ ٩٠٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَيسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيءٌ\"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (^٧)، وَقَوّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ. وَأَعَلَّهُ النَّسَائِي، وَالصَّوَابُ وَقفُهُ عَلَى عَمْرٍو. [صحيح]\n_________\n= قلت: وأخرجه الترمذي (١٠٣٢)، وابن ماجه (٢٧٥٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨)، (٨/ ٩)، وهو حديث صحيح بشواهده كما في \"الإرواء\" (٦/ ١٤٨، ١٤٩).\n(^١) في المسند رقم (١٣٩٠ - كشف)، وعزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٢٥) من حديث ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا ثم قال: وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف. اهـ.\n(^٢) انظر: \"النهاية\" له (٥/ ٢٧١).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٢١).\n(^٤) انظر: \"روضة الطالبين\" (١١/ ٢٥٣، ٢٥٤).\n(^٥) في (ب): \"بحياة\".\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٧ رقم ٦٣٦٧/ ١).\n(^٧) في \"سننه\" (٤/ ٩٦، ٩٧ رقم ٨٧، ٨٨).\nوأخرجه أبو داود (٤٥٦٤)، والبيهقي (٦/ ٢٢٠) وهو حديث صحيح بشواهده، صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١١٧ رقم ١٦٧١).","vol":"5","page":266},{"text":"(وعنْ عمرِو بنَ شعَيْب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: ليسَ للقاتلِ منَ الميراثِ شيءٌ. رواة النسائيُّ، والدارقطنى، وقوَّاهُ ابن عبدِ البرِ، وأعلَّه النسائيُّ، والصَّواب وَقْفُهُ على عمرٍو). [وللحديث] (^١) شواهدُ كثيرةٌ لا تَقْصرُ عن العملِ بمجموعِها. وإلى ما أفادَهُ منْ عدمِ إرثِ القاتلِ عَمْدًا كانَ أو خطأً ذهبَ الشافعي (^٢)، وأبو حنيفةَ (^٣)، وأصحابهُ، وأكثرُ العلماءِ قالُوا: لا يرثُ من المال، ولا من الديةِ. وذهبتِ الهادويةُ (^٤)، ومالكٌ (^٥) إلى أنهُ إنْ كانَ القَتْلُ خطأً وَرِثَ منَ المالِ دونَ الديةِ، ولا يتمّ لهمْ دليلٌ ناهضٌ على هذهِ التفرقةِ، بلْ أخرجَ البيهقيُّ (^٦) عنْ خِلاسٍ (^٧) أن رجلًا رَمَى بحجرٍ فأصابَ أمَّهُ فماتتْ منْ ذلكَ، فأرادَ نصيبَه منْ ميراثِها فقالَ لهُ إخوتُه: لا حقَّ لكَ، فارتفعُوا إلى عليٍّ ﵇ فقالَ لهُ عليٌّ ﵇: حقُّكَ منْ ميراثِها الحجرُ، فأغرَمهُ الديةَ، ولم يعطِهِ منْ ميراثِها شيئًا.\nوأخرجَ أيضًا (^٨) عنْ جابرِ بن زيدٍ قالَ: \"أيُّما رجلٍ قتل رجلًا أوِ امرأةً عَمْدًا أو خطأً ممنْ يرثُ فلا ميراثَ لهُ مِنْهما، وأيُّما امرأةٍ قتلتْ رجلًا أوِ امرأةً عمدًا أو خطأً فلا ميراثَ لها منْهما\"، وإنْ كانَ القتلُ عمدًا فالقَوَدُ إلَّا أنْ يعفوَ أولياءُ المقتولِ، فإنْ عَفَوْا فلا ميراثَ لهُ منْ عَقْلِهِ، ولا منْ مالهِ، قَضَى بذلكَ عمرُ بنُ الخطابِ، وعليٌّ، وشريحٌ، وغيرُهم منْ قضاةِ المسلمينَ (^٩). اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-938>الولاء لا يورث</span>\n١١/ ٩٠٣ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) في (ب): \"والحديث\".\n(^٢) انظر: \"الأم\" (٤/ ٧٦)، و\"المعرفة\" (٩/ ١٠٣، ١٠٤).\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" (٣٠/ ٤٦، ٤٧).\n(^٤) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٦٧، ٣٦٨).\n(^٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٢٢٠) بتحقيقنا.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٠).\n(^٧) وهو ابن عمرو الهَجَري البصري، ثقة، كان على شرطة عليّ، انظر: \"التقريب\" (١/ ٢٣٠ رقم ١٨٢).\n(^٨) البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٠).\n(^٩) آخر النقل من \"السنن الكبرى\".","vol":"5","page":267},{"text":"يَقُولُ: \"مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوِ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِي (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (^٤). [حسن]\n(وعنْ عمرَ بن الخطابِ - ﵁ - قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: ما أحرزَ الوالد أوِ الولدُ فهوَ لعصبتهِ مَنْ كانَ. رواهُ أبو داودَ، والنسائي، وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ المديني، وابنُ عبدِ البَرِّ). المرادُ بإحرازِ الوالدِ أوِ الولدِ أن ما صارَ مُسْتَحِقًا لهما منَ الحقوقِ، فإنهُ يكونُ للعصبةِ ميراثًا. والحديثُ فيهِ قصةٌ، ولفظهُ في السُّنَنِ (^٥): \"أن رِئَابَ بنَ حذيفةَ تزوجَ امرأةً، فولدتْ لهُ ثلاثةَ غلمةٍ، فماتتْ أمُّهُم، فورثوها رباعَها، وولاءَ مَوَاليها، وكانَ عمرُو بنُ العاصِ عصبةَ بَنِيْها، فأخرجَهُمْ إلى الشامِ فماتُوا، فقدمَ عمرُو بنُ العاصِ وماتَ مولىً لها وتركَ مالًا فخاصَمَهُ إخوتُها إلى عمرَ بن الخطابِ فقالَ عمرُ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ما أحْرزَ - الحديثَ - قالَ: فكتَب لهُ كِتَابًا فيهِ شهادةُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، ورجلٍ آخرَ\". والحديثُ دليل على أن الولاء لا يُوَرَّثُ وفيهِ خلافٌ، وتظهرُ فائدةُ الخلافِ فيما إذا أعتقَ رجلٌ عبدًا ثمَّ ماتَ ذلكَ الرجلُ وتركَ أخوينِ أو ابْنَيْن ثم ماتَ أحدُ الابنين وتركَ ابنًا، أو أحدَ الأخوين وَترك ابنًا. فعلَى القولِ بالتوريثِ ميراثُه بينَ الابنِ وابنِ الابنِ، أوِ الأخِ وابنِ الأخِ، وعلى القَولِ بعدَمِه يكُونُ للابنِ وحدَهُ.\n١٢/ ٩٠٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^٦) مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ (^٧)، عَنْ مُحَمّدِ بن الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ،\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٢٩١٧).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٦٣٤٨).\n(^٣) في \"سننه\" (٢٧٣٢).\nوأخرجه أحمد (١/ ٢٧) وابن أبي شيبة (١١/ ٣٩١ رقم ١١٥٦٤)، والبيهقي (١٠/ ٣٠٤)، وهو حديث حسن، حسَّنه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٥٦٣ رقم ٢٥٣١).\n(^٤) ذكر ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (١٠/ ٣٠٤) قول ابن عبد البر عن هذا الحديث: صحيح حسن غريب.\n(^٥) في سنن أبي داود (٢٩١٧).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤١).\n(^٧) وقد أخرجه كما في ترتيب \"المسند\" (٢/ ٧٢ رقم ٢٣٧).","vol":"5","page":268},{"text":"وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١)، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِي (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: الولاءُ لحمةٌ كلحمةِ النَّسَبِ، لا يبَاع ولا يوهَبُ. رواه الحاكم منْ طريقِ الشافعيِّ، عنْ محمدِ بن الحسنِ، عنْ أبي يوسفَ. وصحَّحَه ابن حِبَّانَ، وأعلَّه البيهقيُّ). وللعلماءِ كلامٌ كثيرٌ في طُرُقِ الحديثِ وصحَّتِهِ وعدَمِها. وقدْ تقدَّمَ (^٣) في كتابِ البيعِ. ودلَّ على أن الولاء لا يُكْتَسَبُ ببيع ولا هِبَةٍ، ويقاسُ عليهمَا سائرُ التمليكاتِ منَ النَّذْرِ والوصيةِ، لأنهُ قدْ جعلَه كالنَّسَبِ، والنَّسَبُ لا ينتقلُ بِعِوضٍ ولا بغيرِ عِوَضٍ.\n١٣/ ٩٠٥ - وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٤)، وَالأَرْبَعَةُ (^٥) سِوَى أَبِي دَاودَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (^٦)، والْحَاكِمُ (^٧)، وَأُعِلّ بِالإرْسَالِ. [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-939>ترجمة أبي قلابة</span>\n(وعنْ أبي قِلَابَةَ) بِكسرِ القافِ، وتخفيفِ اللامِ، بعدَه ألفٌ مُوَحَّدَةٌ، تابعيٌّ (^٨)\n_________\n(^١) في صحيحه (٧/ ٢٢٠ رقم ٤٩٢٩).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩٢، ٢٩٣).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٣١)، وهو حديث صحيح، وقد صحَّحه المحدث الألباني في الإرواء (رقم ١٦٦٨) وتوسع في الكلام عليه فانظره إن شئت.\n(^٣) في الحديث رقم (١٦/ ٧٥١) من كتابنا هذا.\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ١٨٤).\n(^٥) الترمذي (٣٧٩١)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه من طريق قتادة عن أنس مرفوعًا برقم (٣٧٩٠) وقال: حسن غريب، ثم قال: والمشهور حديث أبي قلابة. اهـ.\nوالنسائي في \"الكبرى\" (٨٢٨٧/ ١)، وابن ماجه (١٥٤، ١٥٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٦/ ٧٤ رقم ٧١٣١)، (٧١٣٧، ٧٢٥٢).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٣/ ٤٢٢).\nوأخرجه البيهقي (٦/ ٢١٠)، وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٣/ ٢٢٧ رقم ٢٩٨١).\n(^٨) واسمه عبد الله بن زيد الجرمي، انظره في: \"التقريب\" (١/ ٤١٧ رقم ٣١٩).","vol":"5","page":269},{"text":"جليلٌ، (عنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أَفْرَضُكم زيدُ بنُ ثابتٍ. أخرجَهُ أحمدُ، والأربعةُ سِوَى أبي داودَ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابن حِبَّانَ، والحاكمُ، وأُعِلَّ بالإرسالِ) [لأن] (^١) أبا قِلابةَ لم يسمعْ (^٢) هذا الحديثَ منْ أنسٍ، وإنْ كانَ سماعُه لغيرِه منَ الأحاديثِ عنْ أنسٍ ثابتًا.\nوهذَا الذي ذُكِرَ قطعةٌ منَ الحديثِ، فإنهُ حديثٌ طويل (^٣) فيهِ ذِكْرُ سبعةٍ منَ الصحابةِ يختصُّ كل مِنْهم بخَصْلَةِ خيرٍ، فذكرَ المصنفُ منهُ ما لهُ تعلُّقٌ ببابِ الفرائضِ [لأنها] (^٤) شهادةٌ لزيدِ بن ثابتٍ بأنهُ أعلمُ المخاطَبِيْنِ من أصحابه بالمواريثِ، فَيُوخَذُ [منهُ] (^٥) أنهُ يُرْجَعُ إليهِ عندَ الاختلافِ.\nوقد اعتمدَه الشافعي (^٦) في الفرائضِ ورجَّحهُ على غيرِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب)، \"بأنَّ\".\n(^٢) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٧٩).\n(^٣) ولفظ الترمذي: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر اللهِ عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب اللهِ أُبَيُّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\n(^٤) في (ب): \"لأنه\".\n(^٥) في (أ) \"من\".\n(^٦) قال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\" (٦/ ٢١٠ بحاشية السنن الكبرى للبيهقي): ذكر الإمام تاج الدين الفزاري أن المشهور عند الفقهاء إن الشافعي لم يقلِّد زيدًا وإنما وافق رأيُه رأيَه، فإن المجتهد لا يقلِّد المجتهد. اهـ.","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-940>[الباب الحادي والعشرون] باب الوصايا</span>\nالوصَايا جَمْعُ وصيةٍ، كهدَايا وهديةٍ، وهي شَرْعًا: عهدٌ خاصٌّ يُضَافُ إلى ما بعدَ الموتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-941>حكم الوصية</span>\n١/ ٩٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إِلَّا وَوَصيّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - أنّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ يبيتُ ليلتينِ إلّا ووصيتُه مكتوبةٌ عندَهُ. متفقٌ عليهِ). كلمةُ ما بمعنَى ليسَ، وحقُّ اسمِها وخبرِها ما بعدَ إلَّا، والواوُ زائدةٌ في الخبرِ لوقوعِ الفصلِ بإلا.\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١/ ١٦٢٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٦٢)، والنسائى (٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والترمذي (٢١١٨)، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه (٢٧٠٢) ومالك (٢/ ٧٦١ رقم ١)، والشافعي (٢/ ١٢٩ رقم ١٣٨ (١) بدائع المنن) وأحمد (٢/ ١٠، ٥٠، ٥٧، ٨٠، ١١٣)، والدارمي (٢/ ٤٠٢)، والطيالسي (١٨٤١)، وابن الجارود (٩٤٦)، والبيهقي (٦/ ٢٧٢)، وابن حبان (٧/ ٦٠٦ رقم ٥٩٩٢ - الإحسان)، والحميدي (٢/ ٣٠٦ رقم ٦٩٧) والدارقطني (٤/ ١٥٠ رقم ٤)، والبغوي (٥/ ٢٧٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٥٢)، وأبو أمية الطرسوسي في \"مسند ابن عمر\" (رقم: ٥٦) من طريق نافع عن ابن عمر وتابعه سالم عن ابن عمر: أخرجه مسلم (٤/ ١٦٢٧)، والنسائي (٦/ ٢٣٩)، وأحمد (٢/ ٣ - ٤، ٣٤، ١٢٧)، وابن حبان (٧/ رقم ٥٩٩٣ - الإحسان).","vol":"5","page":271},{"text":"قالَ الشافعي (^١) ﵀: معناهُ ما الحزمُ والاحتياطُ للمسلمِ إلَّا أنْ تكونَ وصيَّتُه مكتوبةٌ عندَهُ إذَا كانَ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ، لأنهُ لا يدري متَى تأتيهِ مَنِيّتُهُ؛ فتحولُ بينَه وبينَ ما يريدُ منْ ذلكَ.\nوقالَ غيرهُ (^٢): الحقُّ لغةً الشيءُ الثابِتُ، ويُطْلَقُ شرْعًا على ما يثبتُ بهِ الحكمُ، والحكمُ الثابتُ أعمُّ منْ أنْ يكونَ واجِبًا أوْ مندُوبًا، ويطْلَقُ على المباحِ بقلةٍ (^٣)، فإنِ اقْتَرنَ بهِ \"على\" ونحوُه كانَ ظاهرًا في الوجوبِ، وإلَّا فهوَ على الاحتمالِ. وفي قولِهِ: \"يريدُ أنْ يوصي\" ما يدلُّ على أن الوصيةَ ليستْ بواجبةٍ، وإنَّما ذلكَ عندَ إرادتِهِ. وقدْ أجْمَعَ (^٤) المسلمونَ على الأمرِ بها، وإنَّما اختلفُوا هلْ هيَ واجبةٌ أمْ لا؟ فذهبَ الجماهيرُ إلى أنَّها مندوبةٌ، وذهبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (^٥) إلى وجُوبها، وحُكِيَ عن الشافعيِّ (^٦) في القديمِ وادعى ابنُ عبدِ البَرّ (^٧) الإجماعَ على عدمِ وُجُوبِها مُسْتدِلًّا منْ حيثُ المعنَى بأنهُ لو لم يوصِ لَقُسِمَ جميعُ مالهِ بينَ وَرَثَتِهِ بالإجماعِ، فلوْ كانتِ الوصية واجبةً لأَخْرَجَ منْ مالهِ سهمًا ينوبُ عن الوصيةِ، والأقربُ ما ذهبَ إليهِ الهادويةُ (^٨)، وأبو ثورٍ منْ وجوبها على مَنْ عليهِ حقٌّ شَرْعِيٌّ يَخْشَى أنْ يَضِيْعَ إنْ لم يوصِ بهِ، كوديعةٍ، ودَيْنٍ للَّهِ تعالَى، أوْ لآدَميٍّ. ومحلُّ الوجوبِ فيمنْ عليهِ حقٌّ ومعَهُ مالٌ، ولم يُمْكِنْهُ تخليصُه إلَّا إذا أَوْصَى بهِ، وما انتَفَى فيهِ واحدٌ منْ ذلكَ [فليسَ بواجبِ] (^٩)، وقولُه: \"ليلتينِ\" للتقريبِ لا للتحديدِ، وإلا فقدْ رُويَ (^١٠) ثلاثُ ليالٍ.\nوقالَ الطيبيُّ (^١١): في تخصيصِ الليلتينِ والثلاثِ تسامحٌ في إرادةِ المبالغةِ أي: لا ينبغي أنْ يبيتَ زمانًا وقدْ سامحْنَاهُ في الليلتينِ والثلاثِ، فلا ينبغي أنْ\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٨) وبنحوه في \"الأم\" (٤/ ٩٢).\n(^٢) القرطبي كما بينه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٥٨).\n(^٣) في المخطوط: \"فعله\"، وما أثبتناه من المطبوع و\"الفتح\".\n(^٤) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٩٠).\n(^٥) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٣١٢).\n(^٦) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (٩/ ١٨٥).\n(^٧) نسبه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٥٨).\n(^٨) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٠٣).\n(^٩) في (ب) \"فلا وجوب\".\n(^١٠) في \"صحيح مسلم\" (٤/ ١٦٢٧).\n(^١١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٨).","vol":"5","page":272},{"text":"يتجاوزَ ذلكَ. ورَوَى مسلمٌ (^١) عن ابن عمرَ راوي الحديثِ أنهُ قالَ: لمْ أبتْ ليلةً إلَّا ووصيَّتي مكتوبةٌ عندي، وأما ما أخرجَهُ ابنُ المنذرِ (^٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ نافعٍ أنهُ قيلَ لابنِ عمرَ في مرضِ موتهِ: ألا تُوصِي؟ [فقال:] أما مالي فاللهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ، فَيُجْمَعُ (^٣) بينَهُ وبينَ ما قَبْلَهَ بأنهُ كانَ يكتبُ وَصِيَّتَهُ، ويتعاهدُها وينجزُ ما كانَ يوصي بهِ حتَّى وَفَدَ عليهِ الموتُ، ولم يكنْ لهُ شيءٌ يوصي بهِ.\nوفي قولِهِ: \"أما مالي فاللَّهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ\"، ما يدلُّ لِهَذَا الجَمْعِ.\nواستدلَّ بقولِه: \"مكتوبةٌ عندَهُ\"، على جوازِ الاعتمادِ على الكتابةِ والخطِّ، وإنْ لم يقترنْ بشهادةٍ.\nوقالَ بعضُ أئمةِ الشافعيةِ (^٤): إنَّ ذلكَ خاصٌّ بالوصيةِ، وأنهُ يجوزُ الاعتمادُ على الخطِّ فيها منْ دونِ شهادةٍ لثُبُوتِ الخبرِ فيها، ولأنَّ الوصيةَ لما أمرَ الشارعُ - ﷺ - بها وهيَ تكونُ مما يلزمُ المؤمن منْ حقوقٍ ولوازمَ لا تزال تُجَدّدُ في الأوقاتِ، واستصحابُ الإشهادِ في كل لازِمٌ يريدُ أنْ يتخلَّصَ منهُ خشيةَ مفاجأةِ الأجلِ متعسِّرٌ بل متعذرٌ في بعضِ الأوقاتِ، فيلزمُ منهُ عَدَمُ وجوب الوصيةِ أوْ شرعيَّتُها بالكتابةِ منْ دون شهادةٍ؛ إذْ لا فائدةَ في ذلكَ. وقدْ ثبتَ الأمرُ المذكورُ في الحديثِ بها فدلَّ على قَبُولِهَا منْ غيرِ شهادةٍ.\nوقالَ الجماهيرُ (^٥): المرادُ مكتوبة بشروطها وهوَ الشهادةُ واستدلُوا بقولهِ تعالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (^٦)؛ فإنه دالٌّ على اعتبارِ الإشهادِ في الوصيةِ، وأَجِيْبَ بأنهُ لا يلزمُ منْ ذِكْرِ الإشهادِ في الآيةِ أنَّها لا تَصِحُّ الوصيةُ إلَّا بهِ، والتحقيقُ أن المُعْتَبَرَ معرفةُ الخطِّ فإذا عُرِفَ خطُّ الموصِي عُمِلَ بهِ، ومثلُه خَطُّ الحاكِم، وعليهِ عَمِلَ الناسُ قديمًا وحديثًا، وقدْ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يبعثُ الكتبَ (^٧) يدعُو فيها العبادَ إلى اللَّهِ تعالى وتقومُ عليهمُ الحجَّةُ بذلكَ، ولم يزلِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٤/ ١٦٢٧).\n(^٢) نسبه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٥٩) وصححه.\n(^٣) جمع بينهما الحافظ في \"الفتح\".\n(^٤) بيَّنه الحافظ في \"الفتح\" بأنه محمد بن نصر وهو المروزي.\n(^٥) انظر: \"الفتح\" (٥/ ٣٥٩).\n(^٦) سورة المائدة: الآية ١٠٦.\n(^٧) من ذلك ما أرسله إلى هرقل عظيم الروم، أخرجه البخاري (٧) وأطرافه في (٥١، ٢٦٨١، =","vol":"5","page":273},{"text":"الناسُ يكتبُ بعضهم إلى بعض في المهماتِ منَ الدّينياتِ والدُّنْيَوياتِ، ويعملونَ بها، وعليهِ العملُ بالوجادةِ (^١)، كلُّ ذلكَ منْ دونِ إشهادٍ. والحديثُ دليل على الإيصاءِ بشيءٍ يتعلَّقُ بالحقوقِ ونحوِها لقولِه: \"لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصِي فيه\". وأما كَتْبُ الشهادتينِ ونحوهِما مما جرتْ بهِ عادةُ الناسِ فلا يُعْرَفُ فيهِ حديثٌ مرفوعٌ وإنَّما أخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ موقُوفًا قالَ: كانُوا يكتبونَ في صدورِ وَصَاياهُم: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذَا ما أَوْصَى بهِ فلانُ بنُ فلانٍ أنهُ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ اللَّهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ، وأوْصَى مَنْ تَرَكَ منْ أهلِهِ أنْ يتَّقُوا اللَّهِ، ويصلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِم، ويطيعُوا اللَّهَ ورسولَه إنْ كانُوا مؤمنينَ، وأوصاهمُ بما أَوْصَى بهِ إبراهيمُ بنيهِ ويعقوبُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣)، وضميرُ كانُوا عائد إلى الصحابةِ إذِ المخبرُ صحابيٌّ. واختلفَ العلماءُ هلْ أَوْصَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أوْ لمْ يوصِ لاختلافِ الرواياتِ في ذلكَ؟ ففي البخاريِّ (^٤) عن ابن أبي أَوْفَى أنهُ لم يوصِ قالُوا: لأنهُ لم يتركْ بعده مالًا. وأمَّا الأرضُ فقدْ كانَ سَبَّلها، وأما السلاحُ والبغلةُ فقدْ كانَ أخبرَ أنَّها لا تُورَّثُ، كذا ذكرهُ النوويُّ (^٥). وفي \"المغازي\" (^٦) لابنِ إسحاقَ أنهُ - ﷺ - لم يوصِ\n_________\n= ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١)، ومسلم (١٧٧٣).\n(^١) الوجادة: هي أن يقف على أحاديث بخط راويها - لا يرويها الواجد - فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان، ويسوق الإسناد والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديمًا وحديثًا. انظر: \"تدريب الراوي شرح تقريب النواوي\" للسيوطي (٢/ ٦١).\n(^٢) في \"المصنف\" (٩/ ٥٣ رقم ١٦٣١٩).\nوأخرجه الدارمي (٢/ ٤٠٤)، والبيهقي (٦/ ٢٨٧) وإسناده صحيح، صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨٤ رقم ١٦٤٧).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٣٢.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢٧٤٠)، وأطرافه في (٤٤٦٠، ٥٠٢٢).\nوأخرجه مسلم (١٦٣٤)، والترمذي (٢١١٩)، والنسائي (٦/ ٢٤٠).\n(^٥) انظر: \"شرح مسلم\" (١١/ ٨٨).\n(^٦) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٦٢) قال: رواية يونس بن بكير عنه - أي عن ابن=","vol":"5","page":274},{"text":"عندَ موتهِ إلَّا بثلاثٍ لكلٍّ منَ الدارسينَ، والرهاويينَ، والأشعريينَ، بجادّ (^١) مائةِ وسْقٍ منْ خيبرَ، وأنْ لا يُتْرَكَ في جزيرةِ العربِ دِيْنَانِ، وأنْ يُنَفَّذَ بعثُ أسامةَ. وأخرجَ مسلمٌ (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵁ -: \"أوْصَى رسول اللَّهِ - ﷺ - بثلاثٍ: أجيزُوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أجيزُهم\"، الحديثَ.\nوفي حديثِ ابن أبي أَوْفَى أَوْصَى بكتاب اللَّهِ، وفي حديثِ أنسٍ عندَ النسائيِّ (^٣)، وأحمدَ (^٤)، وابنِ سعدٍ (^٥) كانتْ وَصِيّتهُ - ﷺ - حينَ حَضَرَهُ الموتُ الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكم. وقد ثبتتْ وصيتُه بالأنصارِ (^٦)، وبأهلِ بيتِه (^٧)، ولكِنَّها ليستْ عندَ الموتِ، ورُوِيَ غيرُ ذلكَ. وقدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - أرادَ في مرضِهِ أنْ يكتبَ كتابًا وهوَ وصيّتُه - ﷺ - للأمةِ إلا أنهُ حِيْلَ بينَه وبينَه كما [رواه] (^٨) البخاريُّ (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-942>الوصيَّة عند الموت بثلث المال</span>\n٢/ ٩٠٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا\n_________\n= إسحاق - حدثني صالح بن كيسان عن الزهري عن عبيد اللهِ بن عبد اللهِ بن عتبة قال: فذكره، وهذا إسناد مرسل عبيد اللهِ تابعي مشهور، انظر: \"التقريب\" (١/ ٥٣٥ رقم ١٤٦٩).\n(^١) الجاد - بالجيم وبالدال المهملة المشددة - بمعنى المجدود، أي النخل الذي يجد منه التمر. اهـ من حاشية المطبوع.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢٠/ ١٦٣٧).\nوهو أيضًا في \"صحيح البخاري\" (٤٤٣١).\n(^٣) في كتاب الوفاة (ص ٤٤ رقم ١٨، ١٩).\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ١١٧).\n(^٥) في \"الطبقات الكبرى\" له (٢/ ٢٥٣).\nوأخرجه ابن ماجه (٢٦٩٧)، وابن حبان (١/ ٥٥٢ رقم ١٢٢٠ - الموارد) وإسناده صحيح صحَّحه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٧/ ٢٣٧ رقم ٢١٧٨).\n(^٦) من ذلك ما رواه البخاري (٣٧٩٩)، وطرفه (٣٨٠١)، من حديث أنس ﵁ مرفوعًا: \"أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم\".\n(^٧) من ذلك ما رواه مسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم - ﵁ - مرفوعًا وفيه: \" … وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\".\n(^٨) في (ب): \"أخرجه\".\n(^٩) في \"صحيحه\" (٤٤٣١، ٤٤٣٢).\nوأخرجه أيضًا مسلم (١٦٣٧).","vol":"5","page":275},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدُّقُ بِثُلْثَي مَالِي؟ قَالَ: \"لَا\"، قُلْتُ: أَمَّا\"تَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: \"لا\"، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: \"الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ قالَ: قلت: يا رسولَ اللهِ، أنا ذو مالٍ) وقعَ في روايةٍ (^٢): (كثير)، (ولا يرثُني إلا ابنةٌ لي واحدةٌ، أفأتصدق بثُلثَيْ مالي؟ قالَ: لا، قلت: أفأتصدقُ بِشَطْرِ مالي؟ قالَ: لا، قلت؟ أفأتصدق بثلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُث، والثلث كثيرٌ إنكَ إنْ) يُرْوَى بفتحِ الهمزةِ وكسرِها، فالفتحُ على تقديرِ لامِ التعليلِ، والكسرُ على أنَّها شرطيةٌ، وجوابُه خيرٌ على تقديرِ فهوَ خيرٌ (تذرْ وَرَثَتَكَ أغنِياءَ خيرٌ [لكَ] (^٣) منْ أنْ تَذَرَهم عالةً)، جَمْعُ عائلٍ هوَ الفقيرُ، (يتكففونَ) يسألونَ (الناسَ) بِأَكُفِّهم (متفقٌ عليه). اخْتلِفَ متَى وقعَ هذا الحكمُ، فقيلَ: في حَجَّةِ الوداعِ بمكةَ، فإنهُ مرضَ سعدٌ فعادَهُ - ﷺ - فذكرَ ذلكَ، وهوَ صريحٌ في روايةِ الزُّهْرِيِّ (^٤). وقيلَ: في فتحِ مكةَ أخرجَهُ الترمذيُّ (^٥) عن ابن عُيَيْنَةَ، واتفقَ الحفاظُ (^٦) أنهُ وَهْمٌ، وأنَّ الأوَّلَ هوَ الصحيحُ. وقيلَ: وقعَ ذلكَ في المرتينِ مَعًا، وأُخِذَ من مفهومِ قولِه: كثيرٌ أنهُ لا يُوصَى منْ مالٍ قليلٍ. رُوِيَ (^٧) هذَا عنْ عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ. وقوله: \"لا يَرِثُنِي إلَّا ابنةٌ لي\"، أي لا يرثُني منَ الأولادِ، وإلَّا فإنَّ سعدًا كانَ منْ بني زُهرةَ،\n_________\n(^١) البخاري (١٢٩٥) ومسلم (٥/ ١٦٢٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٦٤)، والترمذي (٢١١٦)، والنسائي (٦/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وابن ماجه (٢٧٠٨)، والدارمي (٢/ ٤٠٧)، وأحمد (١/ ١٧٩)، والطيالسي (١/ ٢٨٢ رقم ١٤٣٣ - منحة المعبود)، ومالك (٢/ ٧٦٣ رقم ٤) وغيرهم بألفاظ متعددة.\n(^٢) في \"صحيح مسلم\" (٨/ ١٦٢٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) رواها البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (٥/ ١٦٢٨).\n(^٥) في \"سننه\" (٢١١٦).\n(^٦) قاله الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٦٣).\n(^٧) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٣١٢) وفيه:\n\"أن ابن عباس قال فيمن ترك ثمانمائة درهم قليل ليس فيها وصية، وأن عليًا نهى من لم يترك إلا من السبعمائة إلى التسعمائة عن الوصية، وأن عائشة أم المؤمنين قالت فيمن ترك أربعمائة دينار في هذا فضل من ولده\" اهـ. وانظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٥٧).","vol":"5","page":276},{"text":"وهمْ عُصْبَتُهُ، وكانَ هذا قبلَ أنْ يولدَ لهُ الذُّكُورُ، وإلَّا فإنهُ ذكرَ الواقديُّ (^١) أنهُ ولدَ لسعدٍ بعدَ ذلكَ أربعةُ بنينَ، وقيلَ أكثرُ منْ عَشَرَةٍ، ومنَ البناتِ اثْنَتَا عَشْرَةَ بِنْتًا، وقولُه: \"أفأتصدقُ\"، يحتملُ أنهُ استأذَنَهُ في تنجيزِ ذلكَ في الحالِ، أو [أنهُ] (^٢) أرادَ بعدَ الموتِ، إلَّا أنهُ في روايةٍ بلفظِ (^٣): أوصي، وهي نصٌّ في الثاني، فَيُحْمَلُ الأولُ عليهِ. وقولُه: \"بشطرِ مالي\" أرادَ بهِ النِّصْف، وقولُه: \"والثلثُ كثيرٌ\" يُروَى بالمثلثةِ، وبالموحدةِ على أنهُ شكٌّ منَ الراوي، وقعَ ذلكَ في البخاريِّ (^٤)، ومثلهُ وقعَ في النسائيِّ (^٥)، وأكثرُ الرواياتِ بالمثلثةِ، ووصفَ الثُّلُثَ بالكثرةِ بالنسبةِ إلى ما دونَه. وفي فائدةِ وصْفِه بذلكَ احتمالانِ:\nالأولُ: بيانُ الجوازِ بالثلث، وأنَّ الأوْلَى أن ينقص عنها ولا يزيد عليهِ، وهذا المتبادرُ وفَهِمَهُ ابنُ عباسٍ (^٦) - ﵁ - فقالَ: وددتُ أن الناسَ غضُّوا منَ الثلثِ إلى الرُّبُع في الوصيةِ.\nوالثاني: بيانُ أن التصدُّقَ بالثلثِ هوَ الأكملُ أي كثيرٌ أجْرُه، ويكونُ منَ الوصفِ بحالِ المتعلِّقِ. وفي الحديثِ دليلٌ علَى مَنْعِ الوصيةِ بأكثرَ منَ الثُّلثِ لمنْ لهُ وارثٌ، وعلى هذَا استقرَّ الإجماعُ (^٧). وإنَّما اختلفُوا هلْ يُسْتَحَبُّ الثُّلُثُ أوْ أقلُّ، فذهبَ ابنُ عباسٍ والشافعي (^٨)، وجماعةٌ إلى أن المسْتَحَبَّ ما دونَ الثُّلُثِ لقولِه: والثُّلُثُ كثيرٌ. قالَ قتادةُ (^٩): أَوْصَى أبو بكرٍ بالخُمسِ، وأَوْصَى عمرُ بالرُّبُعِ والخمسُ أحبُّ إليَّ، وذهبَ آخرونَ إلى أن المسْتَحَبَّ الثُّلُثُ لقولِه - ﷺ -: \"إنَّ اللَّهَ جعلَ لكمْ في الوصيةِ ثلثَ أموالِكم زيادة في حسناتِكم\"، وسيأتي (^١٠) قَرِيْبًا أنهُ\n_________\n(^١) كذا في المخطوط والمطبوع، وفي \"الفتح\" (٥/ ٣٦٦) أن الذي ذكر ذلك هو الفاكهي.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"الصحيح\": (٥/ ٣٦٣ رقم ٢٧٤٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢٧٤٤).\n(^٥) في \"سننه\" (٣٦٣١: ٣٦٣٤).\n(^٦) كما رواه عنه البخاري في \"صحيحه\" (٢٧٤٣)، ومسلم (١٦٢٩).\n(^٧) انظر: \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ٨٩ رقم ٣٣٦)، و\"فتح الباري\" (٥/ ٣٦٥).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٠).\n(^٩) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩/ ٦٦ رقم ١٦٣٦٣) وعن أبي بكر دون عمر أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٧٠) وإسناده ضعيف، فإن قتادة لم يلق أبا بكر. انظر: \"إرواء الغليل\" (٦/ ٨٥ رقم ١٦٤٩).\n(^١٠) برقم (٥/ ٩١٠) من كتابنا هذا.","vol":"5","page":277},{"text":"حديثٌ ضعيفٌ. والحديثُ ورد فيمن له وارثٌ، فأمّا منْ لا وارت له فذهبَ مالكٌ (^١) إلى أنه مِثلُ مَنْ لهُ وارثٌ لا تستحب لهُ الزيادةٌ على الثُّلُث، وأجازتِ الهادويةُ (^٢): والحنفيةُ (^٣) لهُ الوصية بالمالٍ كلِّه وهو قولٌ ابن مسعود (^٤). فلو أجاز الوارثُ الوصية صحّت بأكثرٌ من الثلثِ نُفِّذَتْ لإسقاطهم حقَّهِم وإلى هذا ذهب الجمهورٌ. وخالفت الظاهرية (^٥): والمزنيُّ وسيأتي (^٦) في حديث ابن عباسٍ - ﵁ -: \"إلّا أن يشاء الورثة\" وأنه حَسَنٌ يُعْمَلُ به. نعم فلو رجع الورثةٌ عن الإجازة فذهبَ جماعةٌ إلى أنه لا رجوعَ لهم في حياةٍ الموصي، ولا بعد وفاته. وقيل إِنْ رجِعُوا بعد وفاتِهِ فلا يصحُّ. لأنّ الحقَّ قد انقطع بالموت بخلاف حال الحياةِ، فإنهُ يتجددُ لهم الحق. وسبب الخلاف الاختلاف في المفهوم من قوله - ﷺ -: \"إنَّك إن تَذر\" إلى آخره هل يُفهم منه علّةُ المنع من الوصية بأكثر منَ الثُّلُث، وأنَّ السبب في ذلك رعايةُ حقِّ الوارث، وأنه إذا انتَفى ذلك الحكمُ بالمنع، أو أن العلَّة لا تعدي الحكم، أو يُجْعَلُ المسلمون بمنزلة [الوارث] (^٧) كما كما هو قول المؤيد (^٨)، وأحد قولي الشافعي (^٩). والأظهرٌ أنَّ العلةَ متعديةٌ وأنهُ ينتفي الحكمُ في حقِّ مَنْ ليس لهُ وارثٌ مُعَيّنٌ.\n٣/ ٩٠٨ - وَعَن عائِشةَ أن رجُلًا أتى النَّبيّ - ﷺ - فَقَال: يا رسُول الله، إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نفسُها وَلَم تُوصِ، وأَظُنُّها لو تَكلَّمَت تَصَدَّقت، أفلَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقت عنْها؟ قال: \"نعم\"، مُتَّفَقٌ عليه (^١٠). واللفظ لِمُسلمٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٨٧). بتحقيقنا.\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٠٤).\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" (٢٩/ ١٨).\n(^٤) انظر: \"المحلى\" (٩/ ٣١٨).\n(^٥) انظر: \"المحلى\" (٩/ ٣١٧).\n(^٦) في آخر الحديث رقم (٤/ ٩٠٩) من كتابنا هذا.\n(^٧) في (ب): \"الورثة\".\n(^٨) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٠٦).\n(^٩) انظر: \"الأم\" (٤/ ١١٠، ١١١) والحاشية مما نقل البلقيني عن اختلاف العراقيين.\n(^١٠) البخاري: (٢٧٦٠) ومسلم (١٠٠٤).\nوأخرجه النسائي (٣٦٤٩)، ومالك (٢/ ٧٦٠ رقم ٥٣)، والبيهقي (٦/ ٢٧٧)، وابن حبان (٨/ ١٤٠ رقم ٣٣٥٣ - الإحسان).","vol":"5","page":278},{"text":"(وعنْ عائشة - ﵂ - أنّ رجلًا) جاء مبينًا (^١) أنه سعد بن عبادة (أتَى النبي - ﷺ - فقالَ: يا رسول اللَّه، إنّ أمي افتُلِتَتْ) بِضمِّ المثناةٍ بعد الفاءٍ الساكنة، وكسر اللام (نفسها) أي أُخِذتْ فَلْتَةً (ولم توصِ، وأظنُّها لو تكلّمت تصدّقت، أفَلها أَجْرٌ إن تصدّقتُ عنها؟ قالَ: نعم. متفقٌ عليه، واللفظ لمسلم).\n[فيه] (^٢) دليلٌ أنَّ الصدقة منّ الولد تلحقُ الميت. ولا يعارضُه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (^٣) لثبوت حديث (^٤): \"إنّ أولادكم من كسْبكُم\" ونحوهُ، فولده منْ سَعْيه، وثبوتٍ (^٥): \"أوْ ولدٍ صالحٍ يدعو له\". وقَدَّمْنَا الكلام في ذلك (^٦) في آخر كتاب الجنائزٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-943>لا وصية لوارث</span>\n٤/ ٩٠٩ - وَعَنْ أبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه - ﷺ - يَقُولُ: \"إنَّ الله قَد أَعطَى كُلّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصِيَةَ لوَارث\" رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧). وَالأربَعَة (^٨) إِلَّا النّسَائِيَّ، وَحسّنَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ، وَقَوّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُود (^٩). [صحيح]\n_________\n(^١) من حديث ابن عباس - ﵄ - أخرجه البخاري (٢٧٥٦)، وطرفاه رقم (٢٧٦٢، ٢٧٧٠).\n(^٢) في (ب): \"في الحديث\".\n(^٣) سورة النجم، الآية ٣٩.\n(^٤) أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه: \"إن أولادكم من أطيب كسبكم\" وإسناده صحيح، صحّححه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٦٧٤ رقم ٣٠١٥) وله شاهد من حديث عائشة - ﵂ - أخرجه أبو داود (٣٥٢٨، ٣٥٢٩) وصحّحه الألباني أيضًا.\n(^٥) انظر تخريجه برقم (١/ ٨٧٣) من كتابنا هذا، وهو في صحيح مسلم.\n(^٦) أثناء شرح الحديث رقم (٦٠/ ٥٥٩) من كتابنا هذا.\n(^٧) في مسنده (٥/ ٢٦٧).\n(^٨) أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢٧١٣).\n(^٩) في \"المنتقى\" له (رقم ٩٤٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"المسند\" (ص ١٥٤ رقم ١١٢٧)، وسعيد بن منصور (١/ ١٢٥ رقم ٤٢٧)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤) والدولابي في \"الكنى\" (١/ ٦٤) وهو حديث صحيح، صحّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٥٥٤ رقم ١٤٤٥)؛ وفي الباب من حديث عمرو بن خارجة وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص =","vol":"5","page":279},{"text":"- وَرَواهُ الدَّرَقُطْنِيُّ (^١) من حديث ابْنِ عَبَّاس - ﵄ -، وَزَاد في آخرِهِ: \"إلَّا أَنْ يَشاءَ الوَرَثة\"، وإسْنادُهُ حَسَنٌ. [حسن]\n(وعنْ أبي أمامة الباهليِّ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنَّ الله قدْ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ. رواه أحمدُ، والأربعةُ إلَّا النسائيّ، وحسَّنَهُ أحمد، والترمذيُّ، وقوَّاه ابنُ خُزيْمة، وابنُ الجارود، ورواه الدارقطنيُّ من حديث ابن عباس، وزاد في آخره: إلَّا أن يشاء الورثة. وإسنادهُ حَسَنٌ).\nوفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذيِّ (^٢) والنسائيِّ (^٣)، وعن أنسٍ\nعندَ ابن ماجه (^٤)، وعنْ عمرو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدَّهِ عندَ الدارقطني (^٥)،\nوعن جابر عنده (^٦) أيضًا، وقال: الصواب إرساله. وعنْ عليٍّ عند ابن أبي شيبة (^٧)، ولا يخلو إسناد كلِّ واحدٍ منهما عنْ مقالٍ، لكنَّ مجموعها ينتهض على العمل به، بل جزم الشافعيُّ (^٨) في \"الأمِّ\" أن هذا المتْنَ متواترٌ؛ فإنه قال: إنه نَقْلُ كافةٍ عن كافةٍ، وهو أقْوى من نقلِ واحدٍ.\nقلتُ: الأقرب وجوبُ العمل به، لتعدُّدِ طرقهِ، ولما قاله الشافعيُّ، وإنْ نازع\n_________\n= وجابر وعبد الله بن عمرو وعلي ومعقل بن يسار وزيد بن أرقم مع البراء بن عازب ومجاهد مرسلًا.\nانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الوصايا، وانظر أيضًا: \"الإرواء\" (٦/ ٨٨).\n(^١) في السنن (٤/ ١٥٢ رقم ٩، ١١) بلفظ: \"لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة\" وبلفظ: \"لا يجوز لوارث وصية إلا أن يشاء الورثة\"، وحسَّنه المصنف أيضًا في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٩٢)، ووافقه عليه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٨٩).\n(^٢) في \"سننه\" (٢١٢١) وقال: حسن صحيح.\n(^٣) في \"سننه\" (٣٦٤١: ٣٦٤٣).\nقلت وهو صحيح في الشواهد، انظر: \"الإرواء\" (٦/ ٨٨، ٨٩).\n(^٤) في \"سننه\" (٢٧٤١)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٩٨ رقم ٩٣) وعزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٩٢)، و\"الفتح\" (٥/ ٣٧٢). وانظر: \"الإرواء\" (٦/ ٩١).\n(^٦) أي في \"سنن الدارقطني\" (٤/ ٩٧ رقم ٩٠).\n(^٧) في \"المصنف\" (١١/ ١٤٩ رقم ١٠٧٦٧).\n(^٨) في \"الأم\" (٤/ ١١٤).","vol":"5","page":280},{"text":"في تواترُه الفخرُ الرازيُّ (^١)، ولا يضرُّ ذلكَ بثبوتهِ، فإنهُ مُتلقَّى بالقَبول منَ الأمةِ كما عُرِفَ. وقدْ ترجمَ به البخاريُّ (^٢) فقال: بابُ لا وصيةَ لوارثٍ، وكأنهُ لم يثبتْ على شرطِه، فلمْ يُخَرِّجْهُ، ولكنهُ أخرجَ (^٣) بعدَهُ عنْ عطاءِ بن أبي رباح، عن ابن عباسٍ موقُوفًا في تفسيرِ الآيةِ (^٤)، ولهُ حكمُ المرفوعِ. والحديثُ دليلٌ على مَنْعِ الوصيةِ للوارثِ، وهوَ قولُ الجماهيرِ (^٥) منَ العلماء. وذهبَ الهادي (^٦) وجماعة إلى جوازِها مستدلينَ بقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (^٧) الآيةُ. قالُوا: ونَسْخُ الوجوبِ لا ينافي بقاءَ الجوازِ. قُلْنا: نعمْ لوْ لم يردْ هذا الحديثُ فإنهُ نافٍ لجوازِها؛ إذْ وجوبُها قد عُلِمَ نسخُه منْ آيةِ المواريثِ (^٨) كما قال ابنُ عباسٍ (^٩) - ﵁ - كانَ المال للولدِ، والوصيةُ للوالدينِ، فَنَسَخَ اللَّهُ سبحانَه منْ ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذكرِ مثلُ حظِّ الأنْثَيَيْنِ، وجعلَ للأبوينِ لكل واحدٍ منْهما السُّدُسَ، وجعلَ للمرأةِ الثُّمُنَ والرُّبُعَ، وللزوجِ الشَّطْرَ، والرُّبُع. وقولُه: \"إلَّا أن يشاء الورثة\" دلَّ على أنَّها تصحُّ وتُنَفَّذُ الوصيةُ للوارثِ إنْ أجازَها الورثةُ. وتقدَّم الكلامُ (^١٠) في إجازةِ الورثةِ ما زادَ على الثُلُثِ، هلْ ينفذُ بِها أو لا، وأنَّ الظاهريَةِ (^١١) ذهبتْ إلى أنهُ لا أثرَ لإجازتِهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ - ﷺ - لما نَهَى عن الوصيةِ للوارثِ قيَّدَها بقولِه: \"إلا أنْ يشاءَ الورثةُ\". وأطلقَ لما منعَ من الوصيةِ بالزائدِ علَى الثُّلُثِ وليسَ لنا تقييدُ ما أطْلَقَهُ، ومَنْ قَيَّدَ هنالك قال: إنهُ يُؤْخَذُ القيدُ منَ التعليلِ بقولهِ (^١٢): \"إنكَ إنْ تذرْ إلخ\"؛ فإنهُ دلَّ على أن المنْعَ منَ الزيادةِ على\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥/ ٣٧٢ باب رقم ٦).\n(^٣) برقم (٢٧٤٧)، وطرفاه في (٤٥٧٨، ٦٧٣٩).\n(^٤) يعني آية [البقرة: ١٨٠]: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾.\n(^٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٧٣، ١٧٤) بتحقيقنا.\n(^٦) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٠٨).\n(^٧) سورة البقرة: الآية ١٨٠.\n(^٨) قدمنا آيات المواريث في أول الفرائض عند الحديث رقم (١/ ٨٩٣) من كتابنا هذا.\n(^٩) تقدم قريبًا أن هذا الأثر في \"صحيح البخاري\" (٢٧٤٧).\n(^١٠) أثناء شرح الحديث رقم (٢/ ٩٠٧) من كتابنا هذا.\n(^١١) تقدم توجيه النظر إلى \"المحلَّى\" (٩/ ٣١٧).\n(^١٢) يعني في الحديث المتقدم برقم (٢/ ٩٠٧).","vol":"5","page":281},{"text":"الثُّلُثِ كانَ مراعاةً لحقِّ الورثةِ؛ فإنْ أجازُوا سقطَ حقُّهم ولا يخلُو عنْ قوةِ. هذَا في الوصيةِ للوارثِ. واختلفُوا إذا أقرَّ [للورثة] (^١) بشيءٍ منْ مالهِ فأجازَه الأوزاعيُّ (^٢) وجماعةٌ مطلقًا.\nوقالَ أحمدُ (^٣): لا يجوزُ إقرارُ المريضِ لوارثهِ مُطْلَقًا. واحتجَّ بأنهُ لا يؤمنُ بعدَ المنعِ منَ الوصيةِ لوارثه أنْ يجعلَها إقرارًا. واحتجَّ الأولُ بما يتضمنُ الجوابَ عنْ هذِه الحجةِ فقالَ: إنَّ التهمةَ في حقِّ المحتضَرِ بعيدةٌ، وبأنهُ وقعَ الاتفاقُ أنهُ لو أقرَّ بوارثِ صحَّ إقرارُه معَ أنهُ يقتضي الإقرارَ بالمالِ، وبأنَّ مدارَ الأحكامِ على الظاهرِ، فلا يُتْرَكُ إقرارُه للظنِّ المحتَمَلِ، فإنَّ أمْرَهُ إلى اللَّهِ.\nقلت: وهذَا القولُ أَقْوَى دليلًا. واسْتَثْنَى مالكٌ (^٤) ما إذا أقرَّ لِبِنْتِهِ ومَعها مَنْ يشارِكُها منْ غيرِ الولدِ كابنِ العمِّ.\nقالَ: لأنهُ متهم في أنهُ يزيدُ لابنَتِهٍ وينقصُ ابنَ العمِّ، [وكذا] (^٥) استَثْنَى ما إذا أقرَّ لزوجته المعروفِ بِمَحَبَّتِهِ لها، وميلِهِ إليها، وكانَ بينَه وبينَ ولدِهِ منْ غيرِها تباعدٌ [لا] سيما إذا كانَ لهُ مِنْها ولدٌ في تِلْكَ الحالِ.\nقلت: الأحسنُ ما قيلَ عنْ بعضِ المالكية واختارَهُ الروياني (٤) منَ الشافعيةِ أن مدارَ الأمرِ على التُّهْمَةِ وعدمِها، فإنْ فقدتْ جازَ، وإلَّا فَلَا، وهيَ تُعْرَفُ بقرائنِ الأحوالِ وغيرِها، وعنْ بعضِ الفقهاءِ أنهُ لا يصح إقرارهُ إلَّا للزوجةِ بمهْرِها.\n٥/ ٩١٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"إِن الله تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيادَةً في حَسَنَاتِكُمْ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٦). [حسن بشواهده]\n_________\n(^١) في (ب): \"المريض للوارث\".\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٦).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٦/ ٥٢٤ وما بعدها).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٢٧٦).\n(^٥) في (ب): \"وكذلك\".\n(^٦) في \"سننه\" (٤/ ١٥٠ رقم ٣).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٥٤ رقم ٩٤) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢١٢) وقال: \"وفيه عتبة بن حميد الضبي وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أحمد\"، وقال عنه الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ٤ رقم ١٣): صدوق له أوهام. اهـ، وهو حديث حسن بشواهده التي منها ما يأتي.","vol":"5","page":282},{"text":"- وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالْبَزَّارُ (^٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. [حسن بشواهده]\n- وَابْنُ مَاجَهُ (^٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. [ضعيف]\n(وعنْ معاذِ بن جَبَلٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنّ الله تصدَّقَ عليكمْ بِثُلُثِ أموالِكم عندَ وفاتِكم زيادةً في حَسَنَاتِكُمْ. رواهُ الدارقطنيُّ، وأخرجَهُ أحمدُ والبزَّارُ منْ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٤٤٠ - ٤٤١).\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ١٣٩ رقم ١٣٨ (٢) \"كشف الأستار\").\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\"، كما في \"مجمع الزوائد\"، (٤/ ٢١٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٠٤) وقال الهيثمي: \"وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط\".\nوقال البزار: \"وقد روي هذا الحديث من غير وجه، وأعلى من رواه أبو الدرداء ولا نعلم عن أبي الدرداء طريقًا غيره، وأبو بكر بن أبي مريم وضمرة معروفان وقد احتمل حديثهما\".\n(^٣) في سننه (٢٧٠٩).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٦٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\"، والبزار في مسنده كما في \"نصب الراية\" (٤/ ٤٠٠)، و\"التلخيص الحبير\" (٣/ ٩١ رقم ١٣٦٣) وفي سنده \"طلحة بن عمرو\" متروك كما في \"التقريب\" (١/ ٣٧٩ رقم ٣٧)، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٩٨ رقم ٩٦٢): \"هذا إسناد ضعيف … \"، وضعفه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٧٧)، ومن شواهده أيضًا:\n١ - حديث أبي بكر الصديق، أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢٧٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٩٤) وفيه: حفص بن عمر بن ميمون: متروك.\nقال العقيلي: \"وحفص بن عمر هذا يحدث عن شعبة ومسعر ومالك بن مغول والأئمة بالبواطيل\" اهـ.\nوقال ابن عدي: \"وحفص هذا عامة حديثه غير محفوظ وأخاف أن يكون ضعيفًا كما ذكره النسائي\" اهـ.\n٢ - حديث خالد بن عبيد السلمي، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (٤١٢٩) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢١٢) وقال: إسناده حسن وليس كما قال.\nوقال المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٧٩) بعد ما أورد طرق الحديث: \"وخلاصة القول: إن جميع طرق الحديث ضعيف شديد الضعف إلا الطريق الثانية (يعني حديث أبي الدرداء)، والثالثة (يعني حديث معاذ)، والخامسة (يعني خالد بن عبيد)، فإن ضعفها يسير، ولذلك فإني أرى أن الحديث بمجموع هذه الطرق الثلاث يرتقي إلى درجة الحسن، وسائر الطرق إن لم تزده قوة لم تضره، وقد أشار إلى هذا الحافظ فقد قال في \"بلوغ المرام\": … فذكر ما في المتن.","vol":"5","page":283},{"text":"حديثِ أبي الدرداءِ، وابن ماجهْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وكلُّها ضعيفةٌ. لكنْ قدْ يقوِّي بعضُها بعضًا)، وذلكَ لأنَّ في إسنادهِ إسماعيلَ (^١) بنَ عياشٍ وشيخَه عتبةَ (^٢) بنَ حُمَيْدٍ، وهما ضعيفانِ، وإنْ كانَ لهم في روايةِ إسماعيلَ تفصيلٌ معروفٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على شَرْعِيَّةِ الوصيةِ بالثُّلُثِ، وأنهُ لا يُمْنَعُ منهُ الميتُ، وظاهرُه الإطلاقُ في حقِّ مَنْ لهُ مالٌ كثيرٌ، ومَنْ قلَّ مالُه، وسواءٌ [كان] (^٣) لوارثٍ أو غيرِهِ، ولكنْ يُقَيِّدُهُ ما سَلَفَ منَ الأحاديثِ التي هي أصحُّ منهُ، فلا تُنَفَّذُ للوارثِ. وإليهِ ذهبَ الفقهاءُ (^٤) الأربعةُ، وغيرُهم، والمؤيدُ باللَّهِ رَوَى عنْ زيدِ (٥) بن عليٍّ. وذهبتِ الهادويةِ (^٥) إلى نفوذِها للوارثِ وادَّعى فيهِ إجماعَ أهلِ البيتِ، ولا يصحُّ هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-944>تقديم الدَّين على الوصية في الأداء</span>\nواعلمْ أن قولَه تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٦) يقتضي ظاهرها أنهُ يخرجُ الدَّيْنُ والوصيةُ منْ تَرِكَةِ الميِّتِ على سواءٍ، فتشاركُ الوصيةُ الدَّيْنَ إذا استُغْرِقَ المالُ. وقد اتفقَ العلماءُ (^٧) على أنهُ يقدَّمُ إخراجُ الدَّيْنِ على الوصيةِ لما أخرجَه أحمدُ (^٨)، والترمذيُّ (^٩) وغيرُهما منْ حديث عليٍّ - ﵁ - منْ روايةِ الحارِثِ\n_________\n(^١) قال عنه ابن معين: ليس به بأس في أهل الشام.\nوقال دحيم: هو في الشاميين غاية وخلط عن المدنيين.\nوقال البخاري: إذا حدَّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدَّث عن غيرهم ففيه نظر.\nوقال ابن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عياش، ولو ثبت على حديث أهل الشام، ولكنه خلط في حديثه عن أهل العراق.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٢٤١)، وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٧٣): صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلِّط في غيرهم. اهـ.\n(^٢) قال عنه أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي.\nانظر: \"ميزان الاعتدال\" ٣/ ٢٨ رقم ٥٤٧٠)، وقال في \"التقريب\" (٢/ ٤ رقم ١٣): بصري صدوق له أوهام. اهـ.\n(^٣) في (ب): \"كانت\".\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ١٧٣، ١٧٤) بتحقيقنا.\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ٣٠٨).\n(^٦) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٧، ٣٧٨).\n(^٨) في \"المسند\" (١/ ٧٩، ١٣١، ١٤٤).\n(^٩) في \"سننه\" (٢١٢٢) وطرفاه في (٢٠٩٤، ٢٠٩٥) ثم قال: والعمل على هذا عند عامة أهل=","vol":"5","page":284},{"text":"الأعْورِ عنهُ قالَ: \"قَضَى محمدٌ - ﷺ - أن الدَّيْنَ قَبْلَ الوصيةِ، وأنتمُ تقرأونَ الوصيةَ قبلَ الدَّيْنِ\". وعلَّقَهُ البخاري (^١)، وإسنادُهُ ضعيفٌ. لكنْ قالَ الترمذيُّ: العملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، وكأنَّ البخاريَّ اعتمدَ عليهِ لاعتضَادهِ بالاتفاقِ على مقتضاهُ. وقدْ أوردَ لهُ شواهد (^٢) ولم يختلف العلماءُ أن الدَّيْنَ يُقَدَّمُ على الوصيةِ. فإنْ قيلَ: فإذا كانَ الأمرُ هكَذَا فَلِمَ قُدِّمَتِ الوصيةُ على الدَّيْنِ في الآيةِ؟\nقُلْتُ: أجابَ السُّهَيْلي (^٣) بأنَّها لَمَّا كانتِ الوصيةُ تقعُ على وَجْهِ البرِّ والصلةِ، والدَّيْنُ يقعُ بِتَعَدّي الميتِ بحسبِ الأغلبِ، فبدأ بالوصيةِ لكَوْنِها أفضلَ، وأجابَ غيرُه (٣) بأنَّها إنَّما قُدِّمَتِ الوصيةُ لأنهُ شيءٌ يُوخَذُ بغيرِ عِوَضٍ، والدَّيْنُ يؤخذُ بِعِوضٍ، فكانَ إخراجُ الوصيةِ أشقَّ على الوارثِ منْ إخراجِ الدَّيْنِ، وكانَ أداؤُها مَظَنَّةَ التفريطِ بخلافِ الدَّيْنِ، فَقُدِّمَتِ الوصيةُ لذلكَ، ولأنَّها حظُّ الفقيرِ والمسكينِ غالبًا، والدَّيْنُ حظ الغريم يطلبُه بقوةٍ، ولهُ مقالٌ، ولأنَّ الوصيةَ ينشئُها الموصي منْ قِبَلْ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تحريضًا على العملَ بها، بخلافِ الدَّيْنِ فإنهُ مطلوبٌ منهُ ذَكرَ أو لم يذكرْ، ولأنَّ الوصيةَ ممكنةٌ منْ كلّ أحدٍ مطلوبة منه إما نَدْبًا، أوْ وُجُوبًا؛ فيشتركُ فيها جميعُ المخاطبينَ. وتقعُ بالمالِ وبالعملِ. وقلَّ منْ يخلُو عنْ ذلكَ بخلافِ الدَّيْنِ، وما يكثرُ وقوعُه أهم بأنْ يذكرَ أوَّلًا على ما يقلُّ وقُوعُهُ.\n* * *\n_________\n= العلم أنه يُبدأ بالدَّين قبل الوصية. اهـ.\nوأخرجه ابن ماجه (٢٧١٥)، وقد حسَّنه الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٢/ ٢١٢ رقم ١٠٧٣).\n(^١) في \"صحيحه\" (٥/ ٣٧٧ باب رقم ٩) قال: ويذكر أن النبي - ﷺ - قضى بالدَّين قبل الوصية. اهـ.\n(^٢) وهي:\n١ - قول اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].\n٢ - وقول النبي - ﷺ -: \"لا صدقة إلا عن ظهر غنى\".\n٣ - وقوله أيضًا: \"العبد راع في مال سيده\".\n٤ - وقول ابن عباس: \"لا يوصي العبد إلا بإذن أهله\".\n٥ - وقول النبي - ﷺ - في حديث حكيم بن حزام: \"اليد العليا خير من اليد السفلى\".\nوانظر وجه هذه الشواهد كما بينه الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ٣٧٧، ٣٧٩).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ٣٧٨).","vol":"5","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-945>[الباب الثاني والعشرون] باب الوديعة</span>\nالوديعةُ هي العينُ التي يضعُها مالِكُها أو نَائِبُهُ عندَ آخرَ ليحفَظها، وهي مندوبةٌ إذا وثقَ منْ نفسهِ بالأمانةِ لقولهِ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^١)، وقولِه - ﷺ -: \"اللَّهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ\"، أخرجَهُ مسلمٌ (^٢). وقدْ تكونُ واجبةً إذا لم يكنْ مَنْ يَصْلُحُ لها غيرُه وخافَ الهلاكَ عليْها إن لم يقبلْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-946>عدم ضمان الوديعة</span>\n١/ ٩١١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيسَ عَلَيهِ ضَمانٌ\" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَفي إِسنَادِهِ ضعفٌ. [حسن بطرقه]\nوَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ (^٤) في آخِرِ الزكَاةِ.\nوَبَابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ (^٥) يأتي عَقِبَ الجهادِ إِن شاءَ الله تعالى.\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣٨/ ٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا في حديث طويل، وأخرجه أبو داود (٤٩٤٦)، والترمذي (١٤٢٥).\n(^٣) في \"سننه\" (٢٤٠١).\nقلت: وقد أخرجه الدارقطني (٣/ ٤١ رقم ١٦٧)، والبيهقي (٦/ ٢٨٩) بلفظ: \"لا ضمان على مؤتمن \"ونحوه، وقد ضعف إسناده الألباني إلا أنه حسَّن الحديث بمجموع الطرق، انظر: \"الإرواء\" (٥/ ٣٨٥ رقم ١٥٤٧)، وانظره أثناء شرح الحديث رقم (١/ ٨٤٠) من كتابنا هذا.\n(^٤) من الحديث رقم (١/ ٦٠٣) إلى رقم (٧/ ٦٠٩).\n(^٥) انظر الحديث رقم (٣٢/ ١٢١١) وما بعده.","vol":"5","page":286},{"text":"(عنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبي - ﷺ - قالَ: مَنْ أودِعَ وديعةً فليسَ عليهِ ضمانٌ. أخرجَه ابن ماجهْ، وإسنادُهُ ضعيفٌ)، وذلكَ أن في رُوَاتِهِ المثنَّى بنَ الصباح، وهوَ متروكٌ. وأخرجَهُ الدارقطني (^١) بلفظِ: \"ليسَ على المستعيرِ غيرُ المغِلِّ ضمانٌ، ولا على المستودَعِ غيرِ المغلِّ ضمانٌ\"، وفي إسنادهِ [ضعيفانِ] (^٢).\nقالَ الدارقطني (١): وإنَّما يُرْوَى هذَا عنْ شريحٍ غيرَ مرفوعٍ، وفسَّرَ المغلَّ في روايةِ الدارقطنيِّ بالخائنِ، وقيلَ هوَ المستغِلُّ. وفي البابِ آثارُ عنْ أبي بكرٍ (^٣)، وعلي (^٤)، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ أن الوديعةَ أمانةٌ، وفي بعضِها مقالٌ. ويغني عنْ ذلكَ الإجماعُ (^٥)؛ فإنهُ وقعَ على أنهُ ليسَ على الوديعةِ ضمانٌ إلَّا ما يُرْوَى عن الحسنِ البصريِّ (^٦) أنهُ إذا [اشترطَ] (^٧) عليهِ الضمانَ فإنهُ يضمنُ. وقدْ [تُؤَوَّلُ] (^٨) بأنهُ معَ التفريطِ، والوديعةُ قدْ تكونُ باللفظِ كاستودعْتُكَ ونحوِه منَ الألفاظِ الدالةِ على الاستحفاظِ، وَيكْفي القَبُولُ لفظًا. وقدْ يكونان (^٩) بغيرِ لفظٍ كَأَنْ يَضَعَ في حانوتِه وهوَ حاضرٌ ولا يمنعْهُ منْ ذلكَ، أو في المسجدِ وهوَ غيرُ مُصَلٍّ. وأما إذا كانَ في الصلاةِ فلا لأنهُ لا يمكنُه إظهارُ الكراهةِ.\nوفي بابِ الوديعةِ تفاصيلُ في الفروعِ كثيرةٌ.\n(وباب قَسْمِ الصدقاتِ) بينَ الأصنافِ الثمانيةِ (تقدمَ في آخرِ الزكاةِ)، وهوَ أَلْيَقُ بالاتصالِ بهِ.\n_________\n(^١) في \"سننه\"، وتقدَّم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (١/ ٨٤٠) من كتابنا هذا.\n(^٢) في (ب): \"ضعف\".\n(^٣) انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٤٠٣ رقم ١٥٠٨)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٢٨٩).\n(^٤) انظر: \"السنن الكبرى للبيهقي\" (٦/ ٢٨٩).\n(^٥) انظر: \"إجماع ابن المنذر\" (ص ١٢٩، ١٣٠).\nوقد روى عن عمر أنه ضمن أنسًا في وديعة، أخرجه البيهقي (٢٨٩/ ٦، ٢٩٠) ثم قال: يحتمل أنه كان قد فرط فيها فضمنها إياه بالتفريط، واللهُ أعلم. اهـ.\n(^٦) انظر: \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٩٠).\n(^٧) في (ب): \"شرط\".\n(^٨) في (ب): \"يؤول\".\n(^٩) أي الإيداع والقبول. اهـ من حاشية المخطوط.","vol":"5","page":287},{"text":"(وبابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ، ويأتي عَقبَ الجهاد إنْ شاءَ اللهُ تعالى)، وهوَ أَوْلَى بأن يلِيَ الجهادَ لأنه عن توابعِهِ، وإنما ذكرَ المصنفُ هذَا لأنها جرتْ عادةُ كُتُبِ فروعِ الشافعيةِ على جَعْل هذينِ البابينِ قُبَيْلَ كتابِ النكاحِ، والمصنفُ خالَفهُم فألحَقَهُمَا بما هوَ أَلْيَقُ بِهِمَا.\n* * *\n\nتمَّ بحمد الله المجلَّد الخامس من\n\"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\"\nولله الحمد والمنة\nويليه المجلد السادس\nوأوله: [الكتاب الثامن]\nكتاب النكاح\n* * *","vol":"5","page":288},{"text":"[الكتاب الثامن] كتاب النكاح\n<span data-type='title' id=toc-948>[الباب الأول] أحكام النكاح</span>\nالنِّكَاحُ هو لغةً: الضمُّ والتداخلُ ويُسْتَعْمَلُ في الوطْءِ وفي العقْدِ، قيلَ: مجازٌ منْ إطلاقِ المسبِّبِ على السَّبَبِ، وقيلَ: إنهُ حقيقة فيهمَا وهوَ مرادُ مَنْ قالَ: إنهُ مشتركٌ فيهما، وكَثُرَ استعمالُه في العَقْدِ فقيلَ: إنهُ فيهِ حقيقةٌ شرعيةٌ ولم يردْ في الكتابِ (^١) العزيزِ إلا في العَقْدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-949>الترغيب في النكاح</span>\n١/ ٩١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم البَاءَةَ فَلْيَتَزَوّج، فَإنهُ أَغَضُّ للْبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّومِ، فَإنهُ لَهُ وِجَاءٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n_________\n(^١) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٠٣): أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فإن المراد به الحلم، والله أعلم. اهـ.\n(^٢) البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١) نحوه، والنسائي (٤/ ١٦٩)، و(٦/ ٥٦ - ٥٧) نحوه، وابن ماجه (١٨٤٥)، وأحمد (١/ ٣٧٨، ٤٤٧)، وابن حبان (٩/ ٣٣٥ رقم ٤٠٢٦ - الإحسان)، والبيهقي (٧/ ٧٧).","vol":"6","page":5},{"text":"(عن ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: يا معشرَ الشَّبابِ من استطاعَ مِنْكمُ الباءةَ) بالباءِ الموحدةِ والهمزةِ والمدِّ (فليتزوَّجْ، فإنهُ أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ، ومنْ لم يستطعْ فعليهِ بالصومِ فإنهُ لهُ وِجَاءٌ) بكسرِ الواوِ والجيمِ والمدِّ (متفقٌ عليهِ)، وقعَ الخطابُ منهُ - ﷺ - للشبابِ لأنَّهم مظنةُ الشهوةِ للنساءِ. [وقد] (^١) اختلفَ العلماءُ (^٢) في المرادِ بالباءةِ، والأصحُّ أن المرادَ بها الجماعُ. فتقديرهُ من [راد] (^٣) منكمُ الجماعَ لِقُدْرَتهِ على مُؤنَةِ النكاحِ فليتزوجْ، ومنْ لم يستطعِ الجماعَ لِعَجزِهِ عنْ مُؤْنَتِهِ فعليهِ بالصومِ ليدفعَ شهوتَهُ ويقطعَ شرَّ مائِهِ كما يقطعه الوِجاءُ. ووقعَ في روايةِ ابن حبانَ (^٤) مُدْرَجًا تفسيرُ الوجاءِ بأنهُ الإخصاءُ. وقيلَ الوِجاءُ: رضُّ الخصيتينِ، والإخصاءُ: سلُّهما. والمرادُ أن الصَّوْمَ كالوجاءِ والأمر بالتزوجِ يقتضي وجوبَهُ معَ القدْرةِ على تحصيلِ مؤنه، وإلى الوجوبِ ذهبَ داودُ (^٥) وهوَ روايةٌ عَنْ أحمدَ (^٦). وقالَ ابن حَزْمٍ (^٧): وفَرْضٌ على كلِّ قادرٍ على الوَطْءِ إنْ وجدَ أنْ يتزوجَ أو يتسرَّى فإنْ عجزَ عنْ ذلكَ فليكثرْ منَ الصومِ، وقالَ: إنهُ قولُ جماعةٍ منَ السلفِ. وذهبَ الجمهورُ (^٨) إلى أن الأمرَ للنَّدْب مستدلينَ بأنهُ تعالَى خَيَّرَ بينَ التزوجِ والتسرِّي بقولِه: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٩). والتسرّي لا يجبُ إجْمَاعًا (^١٠) فكذلك النكاحُ لأنهُ لا يخيَّر بين الواجب وغير الواجب، إلَّا أن دَعْوَى الإجماعِ غيرُ صحيحةٍ لخلافِ داودَ وابنِ حزمٍ. وذكرَ ابنُ دقيقِ (^١١) العيدِ أن منَ الفقهاءِ مَنْ قالَ بالوجوبِ على مَنْ خافَ الْعَنَتَ، وقَدَرَ على النكاحٍ، وتعذَّرَ التَّسَرِّي، وكَذَا حكاهُ القرطبيُّ (^١٢) فيجبُ على مَنْ لا يقدِرُ على تركِ الزّنى\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٨).\n(^٣) في (ب): \"استطاع\"\n(^٤) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٣٥ رقم ٤٠٢٦ - الإحسان).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٠)، و\"المغني\" (٧/ ٣٣٤).\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٧/ ٣٣٤).\n(^٧) \"المحلَّى\" (٩/ ٤٤٠).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٠).\n(^٩) سورة النساء: الآية ٣.\n(^١٠) عبارة \"الفتح\" (٥/ ١١٠). والتسرِّي لا يجب اتفاقًا. اهـ.\n(^١١) انظر: \"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ١٧١ - مع العدة)، و\"الفتح\"، (٥/ ١١٠ - ١١١).\n(^١٢) انظر: \"فتح الباري\" (٥/ ١١١).","vol":"6","page":6},{"text":"إلَّا بِهِ. ثمَّ ذكرَ مَنْ يحرُمُ عليهِ ويُكْرَهُ، ويُنْدَبُ لهُ ويُبَاحُ، فيحرمُ على منْ يخلُّ بالزوجةِ في الوطْءِ والإنفاقِ معَ قُدْرَته عليهِ وتوقانِهِ إليهِ، ويكرهُ في حقِّ مثلِ هذا حيثُ لا إضرارَ بالزوجةِ، والإباحةُ فيما إذا انتفتِ الدَّواعي والموانعُ، ويُنْدَبُ في حق كل مَنْ يُرْجَى منهُ النَّسْلُ ولوْ لم يكنْ لهُ في الوطءِ شهوةٌ لقولهِ - ﷺ - (^١): \"فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ\"، ولظواهرِ الحثِّ على النِّكَاحِ والأمرِ. وقولُهُ: \"فعليهِ بالصومِ\" إغراءٌ بلزومِ الصومِ، وضميرُ عليهِ يعودُ إلى \"منْ\" (^٢) فهُوَ مخاطبٌ في المعنَى، وإنَّما جُعِلَ الصومُ وجاءَ لأنهُ بتقليلِ الطعامِ والشرابِ يحصلُ للنفسِ انكسارٌ عن الشهوةِ ولسِرٍّ جعلَهُ اللهُ [تعالى] في الصومِ فلا ينفعُ تقليلُ الطعام وحدَه منْ دونِ صومٍ. واستدل بهِ الخطابي (^٣) على جوازِ التداوي لقطعِ الشهوةِ بالأدويةِ، وحكاهُ البغويُّ في \"شرح السُّنةِ\" (^٤). ولكنْ يحملُ على دواءٍ يُسَكّنُ الشهوةَ ولا يَقْطَعَها بالأصالةِ لأنهُ قدْ يَقْوَى على وُجْدَانِ مُؤَنِ النِكاحِ، بلْ قدْ وعدَ اللهُ منْ يستعفَ أنْ يُغْنِيَهُ اللهُ منْ فَضْلِهِ؛ لأنهُ جعلَ الإغْناءَ غايةَ الاستعفاف؛ ولأنَّهمُ اتفقُوا عَلَى مَنْعِ الجبِّ والإخْصَاءِ فيلحقُ بذلكَ ما في معناهُ. وفيهِ الحثُّ على تحصيلِ ما يُغَضُّ بهِ البصرُ ويُحْصَنُ الفرجُ، وفيهِ أنهُ لا يُتَكَلَّفُ للنكاحِ بغيرِ الممكنِ كالاستدانةِ. واستدل بهِ [القرافي] (^٥) على أن التشريكَ في العبادةِ لا يضرُّ بخلافِ الرياءِ، لكنَّهُ يقالُ (^٦) إنْ كانَ المُشَرَّكُ عبادةَ كالمشرَّكِ فيهِ فلا يضر فإنهُ يحصلُ بالصومِ تحصينُ الفرجِ وعضُّ البصرِ، وأما تشريكُ المباحِ كما لو دخلَ إلى الصلاةِ لتركِ خطابِ مَنْ يحلُّ خطابُه فهو محلُّ نظرِ يُحتَملُ القياسُ على ما ذُكِرَ ويحتملُ عدمُ صحةِ القياسِ. نعمْ إنْ دخلَ في الصلاةِ لتركِ الخوضِ في الباطلِ أو الغيبةِ وسماعِها كانَ مَقْصِدًا صحيحًا. واستدل بهِ بعضُ المالكيةِ (^٧) على تحريمِ الاستمناءِ لأنهُ لو كانَ مباحًا لأرشدَ إليهِ لأنهُ أسهلُ، وقدْ أباحَ الاستمناءَ بعضُ الحنابلةِ وبعضُ الحنفيةِ.\n_________\n(^١) يأتي تخريجه قريبًا برقم (٣/ ٩١٤).\n(^٢) في قوله - ﷺ -: \"من استطاع منكم … \".\n(^٣) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٣).\n(^٤) (٩/ ٦).\n(^٥) في المخطوط (أ - ب) والمطبوع \"العراقي\"، والصواب ما أثبتناه - كما في الفتح -، وانظر له كتاب: \"أنوار البروق في أنواء الفروق\" المشهور بالفروق للقرافي (٣/ ٢٣ الفرق رقم ١٢٢).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٢).\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٢).","vol":"6","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-950>القصد في العبادات والنهي عن الإضرار بالنفس</span>\n٢/ ٩١٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: \"لكِنِّي أَنا أُصلِّي وَأَنامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيسَ مِنِّي\"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنس بن مالكٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - حَمِدَ الله وأثْنَى عليهِ وقالَ: لكنِّي أنا أصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النِّساءَ، فمنْ رغبَ عنْ سُنَّتي فليسَ منِّي. متفقٌ عليه) هذا لفظ مسلم. وللحديثِ (^٢) سببٌ وهوَ أنهُ قالَ أنسٌ: جاءَ ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ - ﷺ - يسألونَ عنْ عبادتِه - ﷺ -، فلما أخْبِرُوا كأنَّهم تَقَالُّوها فقالُوا: وأينَ نحنُ منْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، قدْ غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّرَ، فقالَ أحدُهم: أما أنا فإني أصلِّي الليلَ أبدًا، وقالَ آخَرُ: وأنا أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقالَ آخرُ: وأنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ. فجاءَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إليهم فقالَ: \"أنتُم قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا، أَمَا واللَّهِ إني [أخشاكم] (^٣) للَّهِ وأتقاكُم له، لكنِّي [أنا] (^٤) أصلِّي - الحديث\". وهوَ دليلٌ على أن المشروعَ هوَ الاقتصادُ في العباداتِ دونَ الانهماكِ والإضرارِ بالنفسِ وهَجْرِ المألوفاتِ كلِّها، وأنَّ هذهِ الملَّةَ المحمديةَ مبنيةٌ شريعتُها على الاقتصادِ والتسهيلِ والتيسيرِ وعدمِ التعسيرِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٥). قالَ الطبريُّ (^٦): في الحديثِ الردُّ على مَنْ مَنَعَ استعمالَ الحلالِ منَ الطيباتِ مأكلًا ومَلْبَسًا. قالَ القاضي عياضُ (٦) ﵀: هذا مما اختلفَ فيهِ السلفُ فمنْهم مَنْ ذهبَ إلى ما قالهُ الطبريُّ، ومنْهم مَنْ عكسَ، واستدلَّ بقولهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (^٧)، قالَ: والحقُّ أن الآيةَ في الكفارِ.\nوقدْ أخذَ النبيُّ - ﷺ - بالأمرينِ، والأَوْلَى التوسطُ في الأمورِ وعدمُ الإفراطِ في ملازمةِ الطيباتِ فإنهُ يُؤَدِّي إلى الترفُّهِ والبطرِ ولا يأمنُ منَ الوقوعِ في الشُّبُهاتِ،\n_________\n(^١) البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).\nوأخرجه النسائي (٣٢١٧)، وأحمد (٣/ ٢٤١، ٢٥٩، ٢٨٥)، والبيهقي (٧/ ٧٧).\n(^٢) انظر رواية البخاري (٥٠٦٣).\n(^٣) في (ب): \"لأخشاكم\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٠٦).\n(^٧) سورة الأحقاف: الآية ٢٠.","vol":"6","page":8},{"text":"فإنَّ مَنِ اعتادَ ذلكَ قدْ لا يجدُهُ أحيانًا فلا يستطيعُ الصبرَ عنهُ فيقعُ في المحظورِ، كما أنَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ تناوُلِ ذلكَ أحيانًا قدْ يفضي بهِ إلى التنطُّعِ وهوَ التكلُّفُ المؤدِّي إلى الخروجِ عن السنةِ المنْهِيِّ عنهُ، ويردُّ عليهِ صريحُ قوله تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^١). كما أن الأخْذَ بالتشديدِ في العبادةِ يؤدي إلى المللِ القاطعِ لأصْلِها وملازمةِ الاقتصارِ علَى الفرائضِ مثلًا وتركُ النفلِ يُفْضِي إلى البطالةِ وعدمِ النشاطِ إلى العبادةِ وخيارُ الأمورِ أوساطها، وأرادَ - ﷺ - بقولهِ: \"فمنْ رغبَ عنْ سُنَّتِي\" عنْ طريقتي، \"فليسَ مِنِّي\" أي ليسَ منْ أهلِ الحنيفيةِ السهلةِ، بلِ الذي يتعيَّنُ عليهِ أنْ يفطرَ ليَقْوَى على الصومِ، وينامُ ليقْوَى على القيامِ، وينكحُ النساءِ ليُعِفَّ نظرَهُ وفَرْجَهُ. وقيلَ (^٢): إنْ أرادَ منْ خالفَ هَدْيَهُ - ﷺ - وطريقتَه أن الذي أَتَى بهِ منَ العبادةِ أَرْجَحُ مما كانَ عليهِ - ﷺ -، فمعنَى ليس مِنِّي أي ليسَ منْ أهلِ مِلَّتي لأنَّ اعتقادَ ذلكَ يؤدي إلى الكفرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-951>تنكح المرأة لأربع</span>\n٣/ ٩١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأمُرُنَا بِالْبَاءَةِ ويَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: \"تَزَوَّجُوا الولُودَ الْوَدُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنبيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ٣٢.\n(^٢) انظر: \"الفتح\" (٩/ ١٠٦).\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ١٥٨، ٢٤٥).\n(^٤) في \"صحيحه\" (ص ٣٠٢ رقم ١٢٢٨ - الموارد).\nقلت: وأخرجه سعيد بن منصور (١/ ١٣٩ رقم ٤٩٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٣٩٤ رقم ٤٤٢/ ٦٧٥)، والبيهقي (٧/ ٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢١٩)، وفي سنده: خلف بن خليفة: صدوق اختلط في الآخر كما في \"التقريب\" (١/ ٢٢٥ رقم ١٤٠)، إلا أن الحديث صحيح لغيره وقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٩٥ رقم ١٧٨٤). ويشهد له ما أخرجه أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي (٦/ ٦٥ - ٦٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٦٢)، من حديث معقل بن يسار قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني أصبت امرأة ذات حسب وجمال وإنها لا تلد أفأتزوجها؟ قال: \"لا\"، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: \"تزوَّجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم\"، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.","vol":"6","page":9},{"text":"- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيَّ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار. [صحيح لغيره]\n(وعنه) أي [عنْ] (^١) أنسٍ (قالَ: كانَ النبيُّ - ﷺ - يأمرُنا بالباءةِ وَيَنْهَى عن التبتلِ نَهْيًا شديدًا ويقولُ: تزوَّجُوا الولودَ الودود، فإنِّي مكاثرٌ بِكمُ الأنبياءَ يومَ القيامةِ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَه ابن حِبَّانَ. وله شاهدٌ عندَ أبي داودَ والنسائيَّ وابنِ حِبَّانَ أيضًا منْ حديثِ معقلِ بن يسار)، التبتلُ الانقطاعُ عن النساءِ وتركُ النكاحِ انقطاعًا إلى عبادةِ اللَّهِ تعالى. وأصلُ التبتلِ القْطعُ ومنهُ قيلَ لمريمَ ﵇ البتولُ، ولفاطمةَ - ﵂ - البتولُ، لانقطاعِهِمَا عنْ نساءِ [زمانيهما] (^٢) دِيْنًا وفَضْلًا ورغبةً في الآخرةِ.\nوالمرأةُ الولودُ كثيرةُ الولادةِ، ويعرفُ ذلكَ في البكرِ بحالِ [قَرَابَتِهَا] (^٣)، والودودُ المحبوبةُ بكثرةِ ما هيَ عليهِ منْ خصالِ الخيرِ وحُسْنِ الخُلُقِ والتحبُّب إلى زَوْجِها. والمكاثرةُ: المفاخرةُ، وفيهِ جوازُها في الدارِ الآخرةِ، ووجْهُ ذلكَ أنّ مَنْ أُمَّتُهُ أكثرُ فثوابُه أكثرُ لأنَّ لهُ مثلَ أجرِ مَنْ تَبِعَهُ.\n٤/ ٩١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبي - ﷺ - قَالَ: \"تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤) مَعَ بَقِيّةِ السّبْعَةِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: تُنْكَح المرأةُ لأربع) أي الذي يُرغِّبُ إلى نكاحِها ويدعُو إليه أحد أربع خصال: (لمالها وحَسَبِها وجمالِها ولِدِيْنِها، فاظفر بذاتِ الدِّينْ تَرِبَتْ يداكَ. متفقٌ عليهِ) بينَ الشيخينِ (معَ بقيةِ السَّبعةِ) الذينَ تقدَّمَ ذِكْرُهُم في خطبةِ الكتابِ. الحديثُ إخبارٌ بأن الذي يدعُو الرجالَ إلى التزوجِ أحدُ هذهِ الأربعِ، وآخرُها عندَهم ذاتُ الدينِ فَأَمَرَهُمْ - ﷺ - بأنَّهم إذا وجدُوا ذات الدِّيْنِ فلا يعدلون عنْها.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"زمانهما\".\n(^٣) في (أ): \"قرايبها\".\n(^٤) البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (٥٣/ ١٤٦٦).\n(^٥) أبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٣٢٣٠) وابن ماجه (١٨٥٨)، وأحمد (٢/ ٤٢٨)، وليس هو في سنن الترمذي، واللهُ أعلم.\nأخرجه: البيهقي (٧/ ٧٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٧ رقم ٢٢٤٠).","vol":"6","page":10},{"text":"وقدْ وردَ النَّهْيُ عنْ نِكَاحِ المرأةِ لغيرِ دِيْنِهَا، فأخرجَ ابنُ ماجَهْ، (^١) والبزَّارُ (^٢)، والبيهقي (^٣)، منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو مرفُوعًا: \"لا تَنْكِحُوا النسَاءَ لِحُسْنِهنَّ فلعلَّه يُرْدِيْهنَّ، ولا لِمالهنَّ فلعلَّه يُطْغِيهنَّ، وانكحوهنَّ للدِّينِ، ولأَمَةٌ سوداءُ خَرْقَاءُ ذاتُ دِيْنٍ أفضلُ\". ووردَ في صفةِ خيرِ النساءِ ما أخرجَهُ النسائيُّ (^٤) عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أنهُ قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النساءِ خيرٌ؟ قالَ: \"التي تسرُّه إنْ نظرَ، وتطيعُه إنْ أمرَ، ولا تخالفُه في نفسها ومالِها بما يَكْرَهُ\"، والحَسَبُ هوَ الفِعْلُ الجميلُ للرجلِ وآبائِه.\nوقدْ فُسِّرَ الحسبُ بالمالِ في الحديثِ الذي أخرجَهُ الترمذيُّ (^٥) وحسَّنَهُ منْ حديثِ سَمُرَةَ مرفُوعًا: \"الْحَسَبُ المالُ، والكرمُ التَّقْوَى\"، إلَّا أنهُ لا يُرَادُ [بالمال] (^٦) في حديثِ البابِ لِذِكْرِهِ له بِجَنْبِهِ، فالمرادُ فيهِ المعنَى الأولُ. ودلَّ الحديثُ على أن مصاحبةَ أهلِ الدِّينِ في كلِّ شيءٍ هي الأَوْلَى لأنَّ مُصَاحِبَهُم يستفيدُ منْ أخلاقهم وبركتِهمْ وطرائقهم ولا سيَّما الزوجةُ فَهِيَ أَوْلَى مَنْ يُعْتَبَرُ دِيْنُهُ؛ لأنَّهَا ضجيعتُه وأمُّ أولادِه وأَمِينَتُهُ على مالهِ ومنزلهِ وعلَى نفسِها. وقولُه: \"تَرِبَتْ يداكَ\"، أي التصقتْ بالترابِ منَ الفقرِ، وهذهِ الكلمةُ خارجةٌ مخرجَ ما يعتادُه الناسُ في المخاطباتِ لا أنهُ - ﷺ - قصدَ بها الدعاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-952>الدعاء للمتزوج بالبركة</span>\n٥/ ٩١٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِي - ﷺ - كَانَ إذَا رَفَّأ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّج قَالَ: \"بَارَك اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَينَكُمَا في خَيْرٍ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٧)\n_________\n(^١) في سننه (١٨٥٩).\n(^٢) في \"البحر الزخار\" المعروف \"بمسند البزار\" (٦/ ٤١٣ رقم ٢٤٣٨).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨٠). وإسناده ضعيف ضعَّفه الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٣/ ١٧٢ رقم ١٠٦٠).\n(^٤) في \"سننه\" (٣٢٣١). وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥١، ٤٣٢، ٤٣٨)، والحاكم (٢/ ١٦١)، وقد صححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٤/ ٤٥٣ رقم ١٨٣٨).\n(^٥) في \"سننه\" (٣٢٧١)، وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سلام بن أبي مطيع. وأخرجه ابن ماجه (٤٢١٩)، وأحمد (٥/ ١٠)، والبيهقي (٧/ ١٣٥ - ١٣٦) والحاكم (٢/ ١٦٣)، (٤/ ٣٢٥) وصحَّحه ووافقه الذهبي، وصحَّحه أيضًا لشواهده الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢٧٠ - ٢٧٢ رقم ١٨٧٠).\n(^٦) في (أ): \"بهِ المال\".\n(^٧) في \"مسنده\" (٢/ ٣٨١).","vol":"6","page":11},{"text":"وَالأَرْبَعَةُ (^١)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n(وعنهُ) أي أبي هريرةَ (أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا رفَّئ) بالراءِ وتشديدِ الفاءِ فألفٍ مقصورةٍ (إنسانًا إذا تزوجَ قالَ: \"باركَ اللَّه لكَ، وباركَ عليكَ، وجمعَ بينَكما في خيرٍ\". رواهُ أحمد والأربعة وصحَّحَه الترمذيُّ وابن خزيمةَ وابن حِبَّانَ). الرَّفاءُ الموافقةُ وحسنُ المعاشرةِ، وهوَ منْ رَفَأ الثوبَ، وقيلَ: منْ رفوت الرجلِ إذا سَكَّنْتَ ما بهِ منْ رَوْعِ. فالمرادُ إذا دَعَاء - ﷺ - للمتزوجِ بالموافقةِ بينَه وبينَ أهلِهِ وحسنِ العشْرةِ بينَهما قالَ ذلكَ. وقدْ أخرجَ بقيُّ بنُ مخلدِ (^٣) عنْ رجلٍ منْ بني تميمٍ قالَ: كُنَّا نقولُ في الجاهليةِ بالرَّفَاءِ والبنينَ، فعلَّمنا رسولُ الله - ﷺ - فقالَ قولُوا: - الحديثِ. وأخرجَ مسلمٌ (^٤) منْ حديثِ جابرٍ: \"أنهُ - ﷺ - قالَ لهُ: تزوجتَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: باركَ اللَّهُ لك\"، وزادَ الدارميُّ (^٥): \"وباركَ عليكَ\". وفيهِ أن الدعاءَ للمتزوجِ سنةٌ، وأما المتزوجُ فَيُسَنَّ لهُ أنْ يفعلَ ويدعوَ بما أفادَهُ حديثُ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبيِّ - ﷺ -: \"إذا أفادَ أحدُكم امرأةً أوْ خادمًا أو دابةً فليأخذْ بنَاصِيَتِها وليقلْ: اللهمَّ إني أسألك خيرَها وخيرَ ما جُبلَتْ عليهِ، وأعوذُ بكَ منْ شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليهِ\"، رواهُ أبو داودَ (^٦) والنسائي (^٧)، وابنُ ماجهْ (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-953>خطبة الحاجة</span>\n٦/ ٩١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) أبو داود (٢١٣٠)، والترمذي (١٠٩١)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٠٨٩/ ١)، وابن ماجه (١٩٠٥).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٥٩ رقم ٤٠٥٢ - الإحسان). وأخرجه البيهقي (٧/ ١٤٨)، والحاكم (٢/ ١٨٣)، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٤٠٠ رقم ١٨٦٦).\n(^٣) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٢٢) وفي \"التلخيص\" (٣/ ١٥٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٥٦/ ٧١٥).\n(^٥) في \"سننه\" (٢/ ١٤٦)، وليس فيه الزيادة ولا أصل الدعاء، وأخرجه البخاري (٥٣٦٧)، بغير الزيادة.\n(^٦) في \"سننه\" (٢١٦٠).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (١٠٠٩٣/ ١).\n(^٨) في \"سننه\" (١٩١٨).\nوهو حديث حسن، حسَّنه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (١٨٩٢).","vol":"6","page":12},{"text":"التَّشَهُّدَ في الْحَاجَةِ: \"إن الْحَمْدَ للهِ، نَحْمدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَستَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ، وأَشْهَدُ أَن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\"، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آياتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢) وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِي وَالْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: علَّمَنَا رسولُ اللهِ - ﷺ - التشهُّدَ في الحاجةِ) زادَ فيهِ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ في النكاحِ وغيرِه (إن الحمدَ للَّهِ نحمدُهُ ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّهِ منْ شرور أَنْفسنَا، مَنْ يهدِ اللَّه فلا فضِلَّ لهُ، ومَنْ يضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسوله، ويقرأُ ثلاثَ آياتٍ. رواهُ أحمد والأربعة، وحسَّنَة الترمذيُّ والحاكم). والآياتُ [الثلاث] (^٤): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى [قوله] (^٥) ﴿رَقِيبًا﴾ (^٦)، والثانيةُ [قوله تعالى] (^٧): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إلى آخرها (^٨)، والثالثة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قولهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ (^٩). كذَا\n_________\n(^١) في \"مسند\" (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، ٤٣٢).\n(^٢) أبو داود (٢١١٨)، والترمذي (١١٠٥)، والنسائي (٦/ ٨٩)، وابن ماجه (١٨٩٢).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٢ - ١٨٣).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٤٢)، وابن الجارود (رقم ٦٧٩)، والبيهقي (٧/ ١٤٦)، والطيالسي (ص ٤٥ رقم ٣٣٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٧٨)، زاد الطيالسي والبيهقي عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح وفي غيرها؟ قال: في كل حاجة. قال المحدث الألباني في كتابه \"خطبة الحاجة التي كان رسول اللهِ - ﷺ - يعلمها أصحابه\": وردت هذه الخطبة المباركة عن ستة من الصحابة وهم: عبد اللَّهِ بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد اللهِ بن عباس، وجابر بن عبد اللهِ، ونبيط بن شريط، وعائشة - ﵃ -، وعن تابعي واحد هو الزهري ﵀. ثم تكلم عليها على هذا النسق، وقال في الخاتمة: قد تبين لنا من مجموع الأحاديث المتقدمة أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب سواء كانت خطبة نكاح أو خطبة جمعة أو غيرها، فليست خاصة بالنكاح كما قد يظن، وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك كما تقدم، وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة ثم ذكر بعضًا منهم.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) سورة النساء: الآية ١.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) سورة آل عمران: الآية ١٠٢.\n(^٩) سورة الأحزاب: الآية ٧٠.","vol":"6","page":13},{"text":"في الشرحِ وفي الإرشادِ لابنِ كثيرٍ عدَّ الآياتِ في نفسِ الحديثِ إلَّا أنه جعل الأولى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية، والثانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآية، والثالثة كما هنا. وقولهُ: \"في الحاجةِ\" عامٌّ لكلِّ حاجةٍ ومنْها النِّكاحُ، وقدْ صَرَّحَ بهِ في روايةٍ كما ذَكَرْنَاهُ. وأخرجَ البيهقي (^١) أنهُ قالَ شعبةُ: قُلْتُ لأبي إسحاقَ: هذهِ في خُطبَةِ النِّكاحِ وغَيْرِها؟ قالَ: في كلّ حاجةٍ.\nوفيهِ دلالةٌ على سُنِّيَّةِ ذلكَ في النكاحِ وغيرهِ، وَيخْطُبُ بِها العاقدُ [لنفسه] (^٢) حالَ العقْدِ وهيَ منَ السُّنَنِ المهجورةِ. وذهبتِ الظاهريةُ (^٣) إلى أنَّها واجبةٌ ووافقَهم منَ الشافعيةِ أبو عَوَانَةَ فترجم في صحيحه: بابُ وجوبِ الخِطْبةِ عندَ الْعَقْدِ، ويأتي في شرح الحديثِ التاسعِ (^٤) ما يدلُّ على عَدَمِ الوجوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-954>جواز النظر إلى المخطوبة</span>\n٧/ ٩١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا خَطَبَ أَحَدُكمُ الْمَرْأَةَ، فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٧) [حسن]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (^٨) وَالنَّسَائيِّ (^٩) عَنِ الْمُغِيرَةِ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٤٦).\n(^٢) في (ب): \"نفسه\".\n(^٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢٠٢): وقد شرطه (أي كلام الخطبة) في النكاح بعض أهل الظاهر وهو شاذ. اهـ.\n(^٤) برقم (٩/ ٩٢٠)، من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٣٣٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٢٠٨٢).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٥)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٧/ ٨٤) وهو حديث حسن، حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢٠٠ رقم ١٧٩١).\n(^٨) في \"سننه\" (١٠٨٧) وقال: حديث حسن.\n(^٩) في \"سننه\" (٦/ ٦٩).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٦٠٠ رقم ١٨٦٦)، وأحمد (٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والدارمي (٢/ ١٣٤)، وابن حبان (ص ٣٠٣ رقم ١٢٣٦ - الموارد)، وهو حديث صحيح أشار إلى تصحيحه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ١٥٠ رقم ٩٦).","vol":"6","page":14},{"text":"- وَعنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (^١) وَابْنِ حِبَّانَ (^٢) مِنْ حَدِيث مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. [صحيح]\n- وَلمُسْلِمٍ (^٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: \"أَنظَرْتَ إِلَيهَا؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيهَا\". [صحيح]\n(وعن جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: إذا خطبَ أحدكم المرأةَ فإنِ استطاعَ أنْ ينظرَ منْهَا إلى ما يدعوه إلى نِكَاحِها فليفعلْ)، وتمامُهُ قالَ جابرٌ: فخطبتُ جاريةً فكنتُ أتخبَّأ لها حتَّى رأيتُ منْها ما دعاني إلى نِكَاحِهَا فتزوَّجْتُها (رواهُ أحمد وأبو داودَ ورجاله ثِقَاتٌ، وصحَّحَه الحاكم. وله شاهدٌ عندَ الترمذي والنسائيِّ عن المغيرةِ) ولفظُه أنهُ قالَ لهُ وقدْ خطبَ امرأةً: \"انظرْ إليها فإنهُ أحْرَى أنْ يُؤدَمَ بينَكما\".\n(وعندَ ابن ماجهْ وابنِ حبَّانَ منْ حديثِ محمدِ بن مسلمةَ. ولمسلم عنْ أبي هريرةَ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ لرجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً:) أي أرادَ ذلكَ (أَنَظَرتَ إليها؟ قالَ: لا، قالَ: اذهبْ فانظر إليها). دلَّتِ الأحاديثُ على أنهُ يُنْدَبُ للرجلِ تقديمُ النظرِ إلى مَنْ يريدُ نكَاحَها وهوَ قولُ جماهيرِ (^٤) العلماءِ. والتظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ لأنهُ يُسْتَدَلُّ بالوجْهِ على الجمالِ أو ضدِّه، والكفينِ على خصوبةِ البدنِ أو عدمِها. وقالَ الأوزاعيُّ (^٥): ينظرُ إلى مواضعِ اللحم، وقالَ داودُ (^٦): ينظرُ إلى جميعِ بَدَنِها. والحديثُ مُطْلَقٌ، فينظرُ إلى ما يحصل لهُ المقصودُ بالنظرِ إليهِ. ويدلُّ على فَهْمِ\n_________\n(^١) في \"سننه\" (١٨٦٤).\n(^٢) في \"صحيحه\" (ص ٣٠٣ رقم ١٢٣٥ - الموارد).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٩٣)، (٤/ ٢٢٥)، والحاكم (٣/ ٤٣٤)، والبيهقي (٧/ ٨٥)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في صحيح \"سنن ابن ماجه\" (١/ ٣١٣ رقم ١٥١٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٧٥/ ١٤٢٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (٦/ ٦٩ - ٧٠)، وأحمد (٢/ ٢٨٦، ٢٩٩)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٤)، والدارقطني (٣/ ٢٥٣ رقم ٣٤)، والبيهقي (٧/ ٨٤).\nوفي الباب من حديث أنس، وأبي حميد، - ﵄ -. انظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب السنة\" جزء النكاح.\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد (٣/ ١٠) بتحقيقنا، و\"المغني\" (٧/ ٤٥٣).\n(^٥) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٢): وقال الأوزاعي: يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة. اهـ.\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٧/ ٤٥٣ مسألة رقم ٥٣٢٧).","vol":"6","page":15},{"text":"الصحابةِ لذلكَ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ (^١) وسعيدُ (^٢) بنُ منصورٍ أن عمرَ كشفَ عنْ ساقِ أمِّ كلثوم بنتِ عليٍّ لما بعثَ بها عليٌّ إليهِ ليَنْظُرَها ولا يشترطُ رِضَا المرأةِ بذلكَ النظرِ بلْ لهُ أنْ يفعلَ ذلكَ على غَفْلَتِهَا كما فعلَهُ جابرٌ. قالَ أصحابُ الشافعيِّ (^٣): ينبغي أنْ يكونَ نظرهُ إليها قبلَ الخِطْبةِ حتَّى إنْ كَرِهَهَا تركَها منْ غيرِ إيذاءٍ بخلافهِ بعدَ الخِطْبةِ، وإذا لم يُمْكِنْهُ النظرَ إليها استُحِبَّ أنْ يبعثَ امرأةً يَثِقُ بها تنظرُ إليها وتخبرُهُ بصفاتها، فقدْ رُوِيَ عن أنسٍ أنهُ - ﵁ -: \"بعثَ أمَّ سليمٍ إلى امرأةٍ فقالَ: انظُري إلى عُرْقُوبها وشُمِّي معاطِفَها\"، أخرجَهُ أحمدَ (^٤) والطبراني (^٥) والحاكمُ (^٦) والبيهقيُّ (^٧) وفيهِ كلامٌ.\nوفي روايةٍ: \"شُمِّي عوارِضَها\" وهيَ الأسنانُ التي في عرضِ الفمِ وهيَ ما بينَ الثنايا والأضراس واحدها عارض، والمراد اختبار رائحةِ النكهة، وأما المعاطف فهي ناحِيَتَا العُنُقِ. ويثبتُ مِثْلُ هذَا الحكمِ للمرأةِ فإنَّها تنظرُ إلى خاطبِها فإنهُ يعجبُها منهُ مثل ما يعجبُه منْها كذَا قيلَ، ولمْ يردْ بهِ حديثٌ، والأصلُ تحريمُ نظرِ الأجنبيِّ والأجنبيةِ إلَّا بدليلٍ كالدليلِ على جوازِ نظرِ الرجلِ لمنْ يريدُ خِطْبَتَهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-955>النهي عن الخطبة على الخطبة</span>\n٨/ ٩١٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ - ﷺ -: \"لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (٦/ ١٦٣ رقم ١٠٣٥٢، ١٠٣٥٣).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ١٤٧ رقم ٥٢١).\n(^٣) انظر \"روضة الطالبين\" ٧/ ١٩: ٢١).\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٢٣١).\n(^٥) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٤٧ رقم ١٤٨٥).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٦) وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨٧). وتعقب البيهقي الحاكم بأن ذكر أنس فيه وهمٌ كما في \"التلخيص\" (٣/ ١٤٧). وأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" (ص ١٨٦ رقم ٢١٦)، بسند رجاله ثقات.\n(^٨) البخاري (٥١٤٢)، ومسلم (٤٩/ ١٤١٢). وأخرجه أبو داود (٢٠٨١)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٣٢٤٣)، وابن ماجه (١٨٦٨).","vol":"6","page":16},{"text":"(وعنْ ابن عمر - ﵄ - قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا يخطبُ أحدُكم على خطْبةِ أَخِيهِ) تقدَّم أنَّها بِكَسْرِ الخاءِ هنا (حتى يتركَ الخاطب قبلَه أوْ يأذنَ له. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاري). النَّهْيُ أَصْلُهُ التحريمُ إلَّا لدليلٍ يَصْرِفُهُ عنهُ. وادَّعَى النوويُّ (^١) الإجماعَ على أنهُ لهُ. وقالَ الخطابي (^٢): النَّهْيُ للتأديبِ وليسَ للتحريمِ، وظاهرُه أنهُ مَنْهِيٌّ عنهُ سواءٌ قد أجيبَ الخاطبُ أمْ لا، وقدَّمْنَا في البيعِ أنهُ لا يحرمُ إلا بعدَ الإجابةِ، والدليلُ حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ وتقدَّم (^٣). والإجماعُ على تحريمِه بعدَ الإجابةِ، والإجابةُ منَ المرأةِ المكلَّفةِ في الكُفْءِ، ومِنْ وليِّ الصغيرةِ، وأما غيرُ الكُفْءِ فلا بدَّ منْ إِذْنِ الوليِّ علَى القولِ بأنَّ لهُ المنعَ، وهذَا في الإجابةِ الصريحةِ، وأمَّا إذا كانتْ غيرَ صريحةٍ فالأصحُّ عدمُ التحريمِ، وكذلكَ إذا لم يحصلْ ردٌّ ولا إجابة. ونصَّ الشافعيُّ (^٤) أن سكوتَ البكْرِ رِضًا بالخاطبِ فهوَ إجابةٌ، وأما العقدُ معَ تحريمِ الخِطْبَةِ فقالَ الجمهورُ (٤): يصحُّ، وقالَ دَاودُ (٤): يفسخُ النكاحُ قبلَ الدخولِ وبعدَه.\nوقولُه: \"أوْ يأذنَ لهُ\"، دلَّ أنهُ يجوزُ لهُ الخِطْبَةُ بعدَ الإذْنِ وجوازُها للمأذونِ لهُ بالنصِّ ولغيرِه بالإلحاقِ، لأنَّ إذْنَهُ قدْ دلَّ على إضرابِه فتجوزُ خِطْبَتُها لكلّ مَنْ يريدُ نِكَاحِها، وتقدَّمَ (^٥) الكلامُ على قولِه أخيهِ، وأنهُ أفادَ التحريمَ على خِطْبَةِ المسلمِ لا علَى خِطبَةِ الكافرِ، وتقدَّمَ الخلافُ فيهِ.\nوأما إذا كانَ الخاطبُ فاسقًا فهل يجوزُ للعفيفِ الخِطْبةُ على خِطْبَتِهِ؟ قالَ الأميرُ الحسينُ في \"الشفاءِ\" (^٦): إنهُ يجوزُ الخطبةُ على خطبةِ الفاسقِ، ونُقِلَ عن ابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ ورجَّحَهُ ابنُ العربيِّ (^٧)، وهوَ قريبٌ فيما إذَا كانتِ المخطوبةُ عفيفةً فيكونُ الفاسقُ غيرَ كُفْءٍ لها، فتكونُ خِطْبَتُه كَلا خطبة، ولم يعتبرِ الجمهورُ (٧) بذلكَ إذا صدرتْ منها علامةُ القَبولِ.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٩).\n(^٢) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٢٤).\n(^٣) أثناء شرح الحديث رقم (٢٩/ ٧٦٤)، من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٠).\n(^٥) أثناء شرح الحديث رقم (٢٩/ ٧٦٤)، من كتابنا هذا.\n(^٦) \"شفاء الأوام المميز بين الحلال والحرام\" (ق ٢٩٠) مخطوط.\n(^٧) انظر: \"فتح البارى\": (٩/ ٢٠٠)، ولم أجده مع عارضة الأحوذي.","vol":"6","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-956>مشروعية المهر ولو خاتمًا من حديد</span>\n٩/ ٩٢٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ - ﵁ -، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصعَّدَ النظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمّ طَاطَأَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أنهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: \"فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؟ \"، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: \"اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُر هَلْ تَجِدُ شَيئًا؟ \" فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا واللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"انْظُرْ وَلَوْ خَاتمًا مِنْ حَدِيدٍ\" فَذَهَبَ، ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا واللَّهِ يا رسول الله، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءُ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَا تَصْنَعُ بِإزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنهُ شَيءٌ\" فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتى إذا طَالَ مَجْلسُهُ قَامَ. فَرَآه رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: \"مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ؟ \"، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَة كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: \"تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ (^٢): قَالَ لَهُ: \"انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآَنِ\". [صحيح]\n- وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي (^٣): \"أمْكَنَّاكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القْرْآنِ\". [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري (٥١٣٥)، ومسلم (٧٦/ ١٤٢٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢١١١)، والترمذي (١١١٤)، والنسائي (٦/ ١٢٣)، وابن ماجه (١٨٨٩)، ومالك (٢/ ٥٢٦ رقم ٨)، وأحمد (٥/ ٣٣٠، ٣٣٦)، والدارمي (٢/ ١٤٢)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧١٦)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٦)، والدارقطني (٣/ ٢٤٧ رقم ٢١)، والبيهقي (٧/ ٢٣٦) وله عندهم ألفاظ.\n(^٢) في \"صحيح مسلم\" (٧٧/ ١٤٢٥).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٤).","vol":"6","page":18},{"text":"- ولأبي دَاوُدَ (^١) عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"مَا تَحْفَظُ؟ \"، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: \"قُمْ فَعَلمْهَا عِشْرِينَ آيَةً\". [ضعيف]\n(وعنْ سهلِ بن سعدٍ الساعديِّ - ﵁ - قَالَ: جاءتِ امرأةٌ) قالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٢): لمْ أقفْ على اسمِها، (إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ جئت أهبُ لك نفسي) أي أمْرَ نفسي، لأنَّ الحرَّ لا تُملكُ رَقَبَتَهُ (فنظرَ إليها رسول اللَّهِ - ﷺ - فصعَّدَ النظرَ وصوَّبَهُ)، في \"النهاية\" (^٣): ومنهُ الحديثُ فصعَّدَ فيَّ النظرِ وصوَّبه، أي نظرَ إلى أعلاي وأسفَلي وتأمَّلني، وهوَ منْ أدلةِ جوازِ النظرِ إلى منْ يريدُ زواجَها. وقالَ المصنفُ (^٤): إنهُ تحرَّرَ عندَه أنهُ - ﷺ - كانَ لا يحرُمُ عليهِ النظرُ إلى المؤمناتِ الأجنبياتِ بخلافِ غيرِه، (ثم طأطأَ رسول اللَّهِ رأسَهُ، فلمَّا رأتِ المرأةُ أنهُ لم يقضِ فيها شيئًا جلستْ فقامَ رجلٌ منَ أصحابه) قالَ المصنفُ (^٥): لم أقفْ على اسمِه، (فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنْ لمْ يكنْ لكَ بِهَا حاجةٌ فزوِّجنِيها، فقالَ: فهلْ عندَكَ منْ شيءٍ؟ [فقال:] (^٦) لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: اذهبْ إلى أهلِكَ فانظر هلْ تجدُ شيئًا؟ فذهبَ ثمَّ رجعَ فقال: لا واللَّهِ ما وجدت شيئًا، فقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: انظرْ ولو خاتمًا) أي ولو نظرتَ خاتَمًا (منْ حديدٍ، فذهبَ ثمَّ رجعَ فقالَ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ولا خاتَمًا منْ حديدٍ) أي موجودٌ، فخاتمُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه (ولكنْ هذَا إزاري - قالَ:) سهلُ بنُ سعدٍ الراوي (ما له رداءُ (٢) فلها نِصْفُهُ، فقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: ما تصنعُ بإزارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَه) أي كلَّهُ (لم يكنْ عليها منهُ شيءٌ، وإن لَبِسَتْهُ) أي كلُّه (لم يكنْ عليكَ منه شيءٌ)، ولعلَّه بهذَا الجوابِ بيَّنَ لهُ أن قِسْمَةَ الإزار لا تنفعُهُ ولا تنتفع به المرأةَ (فجلسَ الرجل حتَّى إذا طالَ مجلِسُه قامَ، فرآه رسول اللَّهِ - ﷺ - موَلِّيًا فَدَعَا بهِ، فلمَّا جاءَ قالَ: ما معكَ منَ القرآنِ؟ قَالَ: معي سورة كَذَا وسورة كَذَا، عَدَّدَها، فقالَ: تقرؤهنَّ عنْ ظهرِ قَلْبِكَ؟ قالَ: نعمْ، قال: اذهبْ فقدْ ملَّكْتكَهَا بما معكَ منَ القرآنِ. متفقٌ عليهِ. واللفظُ لمسلمٍ.\nوفي روايةٍ له قالَ: انطلقْ فقدْ زوَّجْتُكَها فعلِّمها منَ القرآنِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ:\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢١١٢) ولكن فيه \" … أو التي تليها … \" وهو حديث ضعيف.\n(^٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٦).\n(^٣) (٣/ ٣٠).\n(^٤) في \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٠).\n(^٥) في \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٧).\n(^٦) في (أ): \"قال\".","vol":"6","page":19},{"text":"أمكَنَّاكَها بما معكَ منَ القرآنِ. ولأبي داودَ عنْ أبي هُريرةَ قَالَ) أي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: (ما تحفظُ؟، قالَ: سورةَ البقرةِ والتي تَليها، قالَ: قمْ فعلِّمْها عشرينَ آيةً).\nدلَّ الحديثُ على مسائلَ عديدةِ وقدْ تَتَبَّعَها ابنُ التِّينِ (^١) وقالَ: هذهِ إحدى وعشرونَ فائدةَ بوَّبَ (^٢) البخاريُّ على أكثرِها.\nقلت: ولنأتِ بأنْفَسِها وأوضَحِها.\nالأولى: جوازُ عرضِ المرأةِ نفسَها على رجلٍ منْ أهلِ الصَّلاحِ وجوازُ النظرِ منَ الرجلِ وإنْ لم يكنْ خاطِبًا لإرادةِ التزوُّج، يريدُ أنهُ ليسَ جوازُ النظرِ خاصًّا للخاطبِ بلْ يجوزُ لمنْ تخطبُهُ المرأةُ، فإنَّ نظرَهُ - ﷺ - إِلَيْهَا دليلُ أنهُ أرادَ زواجَها بعدَ عَرْضِها عليهِ نفسَها، وكأنَّها لم تعْجبْه فأعرض عنْها.\nوالثانيةُ: ولايةُ الإمامِ على المرأةِ التي لا قريبَ لها إذا أذنتْ، إلَّا أن في بعضِ ألفاظِ الحديثِ (^٣) أنَّها فوَّضَتْ أمرَها إليهِ، وذلكَ توكيلٌ، وأنهُ يعقدُ للمرأةِ منْ غيرِ سؤالِ عنْ وَلِيِّها هلْ هوَ موجود أوْ لا، حاضرٌ أوْ لا، ولا سؤَالُها هلْ هيَ في عِصْمَةِ رجلٍ أو عَدَمه. قالَ الخطابيُّ (^٤): وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ حَمْلًا على ظاهرِ الحالِ، وعندَ الهادويةِ أنَّها تحلفُ الغريبةُ احتياطًا.\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٦).\n(^٢) في هذه الأبواب:\n(أ) باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه (٩/ ٧٤ - باب/ ٢١ من كتاب فضائل القرآن).\n(ب) باب: القراءة عن ظهر قلب (٩/ ٧٨ - باب/٢٢ من كتاب فضائل القرآن).\n(ج) باب: تزويج المُعسر (٩/ ١٣١ - باب/ ١٤ من كتاب النكاح).\n(د) باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح (٩/ ١٧٤ باب/ ٣٢ من كتاب النكاح).\n(هـ) باب: النظر إلى المرأة قبل التزويج (٩/ ١٨٠ باب/ ٣٥ من كتاب النكاح).\n(و) باب: التزويج على القرآن وبغير صداق (٩/ ٢٠٥ باب/ ٥٠ من كتاب النكاح).\n(ز) باب: المهر بالعروض وخاتم من حديد (٩/ ٢١٦ باب/ ٥١ من كتاب النكاح).\n(^٣) ليس في ألفاظ حديث الباب ما يساعد الشارح إلا أنه - كما ذكر الحافظ في \"الفتح (٩/ ٢٠٧) - أخرج النسائي من حديث أبي هريرة قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \" … ولكن تملكيني أمرك، قالت: نعم. فنظر في وجوه القوم فدعا رجلًا فقال: إني أريد أن أزوجك هذا أن رضيت، قالت: ما رضيتَ لي فقد رضيت\"، وحديث أبي هريرة في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٥٥٠٦/ ١) إلا أنا لم نجد فيه ما ذكره الحافظ، واللهُ أعلم.\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٥).","vol":"6","page":20},{"text":"الثالثةُ: أنَّ الهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالقَبولِ.\nالرابعةُ: أنهُ لا بدَّ منَ الصَّدَاقِ في النِّكَاحِ وَيصِحُّ أنْ يكونَ شيئًا يَسِيرًا، فإنَّ قَوْلَهُ ولوْ خَاتَمًا منْ حديدٍ مبالغةٌ في تقليلِه، فيصحُّ بكل ما تراضَى عليهِ الزوجانِ أوْ مَنْ إليهِ ولايةُ العقدِ مما فيهِ منفعةٌ، وضابطُه أن كلَّ ما يصلحُ أنْ يكونَ قيمة وثمنًا لشيءٍ يصحُّ أنْ يكونَ مَهْرًا. ونقلَ القاضي عياضُ (^١) الإجماعَ على أنهُ لا يصحُّ أنْ يكونَ مما لا قيمةَ لهُ ولا يحلُّ بهِ النكاحُ. وقالَ ابنُ حزمِ (^٢) ررحمه الله: يصح بكل ما يُسَمَّى شيئًا ولو حبةً منْ شعيرٍ لقولِهِ - ﷺ -: \"هلْ تجدُ شيئًا\"؟ وأجيبَ بأنَّ قولَهُ - ﷺ - ولوْ خَاتَمًا منْ حديدٍ مبالغةٌ في التقليلِ ولهُ قيمةٌ، وبأنَّ قولَه في الحديثِ: منِ استطاعَ منكمُ الباءةَ ومنْ لم يستطعْ دلَّ على أنهُ شيءٌ لا يستطيعُه كل أحدٍ، وحبةُ الشعيرِ مستطاعةٌ لكلِّ أحدٍ، وكذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (^٣) وقولُه [تعالى]: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (^٤) دالٌّ على اعتبارِ الماليةِ في الصَّدَاقِ حتَّى قالَ بعضُهم: أقلُّهُ خمسونَ، وقيلَ أربعونَ، وقيلَ خمسةُ دراهم وإنْ كانتْ هذهِ التقاديرُ لا دليلَ على اعتبارِها بخصوصِهَا، والحقُّ أنهُ يَصِح بما يكونُ لهُ قيمةٌ وإنْ تحقَّرَتْ. والأحاديثُ والآياتُ يُحْتَمَلُ أنَّها خرجتْ مخرجَ الغالب، وأنهُ لا يقعُ الرِّضَا منَ الزوجةِ إلَّا بكونِهِ مالًا لهُ صورةٌ، ولا يطيقُ كلُّ أحدٍ تحصَيلَهُ.\nالخامسةُ: أنه ينبغي ذِكْرُ الصَّدَاقِ في العقدِ لأنهُ أقطعُ للنزاعِ وأنفعُ للمرأةِ، فلوْ عقدَ بغيرِ ذكرِ صداقٍ صحَّ العقدُ ووجبَ لها مهرُ المِثْلِ بالدخولِ، وأنهُ يُسْتَحَبُّ تعجيلُ المهرِ.\nوالسادسةُ: أنهُ يجوزُ الْحَلِفُ وإنْ لم تكنْ عليهِ اليمينُ، وأنهُ يجوزُ الحلفُ على ما يظنُّه الحالف لأنهُ - ﷺ - قالَ لهُ بعدَ يمِينه: \"اذهبْ إلى أهْلِكَ فانظرْ هلْ تجدُ شيئًا\"؟ فدلَّ أن يمينَهُ كانتْ على ظَنِّهِ، ولوْ كانتْ لا تكونُ إلَّا عَلَى علم لم يكنْ للأمرِ بذَهَابِه إلى أَهْلِهِ فائدةٌ.\nالسابعةُ: أنهُ لا يجوزُ للرَّجُلِ أنْ يُخْرِجَ منْ ملكِهِ ما لا بدَّ لهُ منهُ كالذي يسترُ عورتَه أو يسدَّ خلَّتَهُ منَ الطعامِ والشرابِ، لأنهُ - ﷺ - عَلَّلَ مَنْعَهُ عنْ قِسْمَةِ ثوبِه بقولِه: \"إنْ لَبِسَتْه لم يكنْ عليكَ منهُ شيءٌ\".\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١١).\n(^٢) في \"المحلى\" (٩/ ٤٩٤ مسألة رقم ١٨٤٧).\n(^٣) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٢٤.","vol":"6","page":21},{"text":"الثامنةُ: اختبارُ مدَّعي الإعسارِ، فإنهُ - ﷺ - لم يصدِّقْهُ في أوَّلِ دَعْوَاهُ الإعسارَ حتَّى ظَهرَ لهُ قرائنَ صِدْقِهِ، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا تسمعُ اليمينُ منْ مدَّعِي الإعسارِ حتَّى تظهرَ قرائنُ إعسارِهِ.\nالتاسعة: أنَّها لا تجبُ الخطبةُ للعقدِ لأنَّها لم تذكرْ في شيءٍ منْ طرقِ الحديثِ. وتقدَّمَ (^١) أنَّ الظاهريةَ تقولُ بِوُجُوبِها، وهذَا يردُّ قولَهم، وأنهُ يصحُّ أنْ يكونَ الصَّدَاقُ منفعةً كالتعليمِ فإنهُ منفعةٌ. ويُقَاسُ عليهِ غيرُه، ويدل عليهِ قصةُ موسى (^٢) معَ شعيبٍ. وقدْ ذهبَ إلى جوازِ كونِه منفعةً الهادويةُ (^٣)، وخالفتِ الحنفيةُ (^٤)، وتكلَّفُوا لتأويلِ الحديثِ وادعاء أن التزوبج بغيرِ مهرٍ منْ خواصِّه - ﷺ - وهوَ خلافُ الأصلِ.\nالعاشرةُ: قولُه: بما معكَ منَ القرآنِ، يحتملُ كما قالهُ القاضي (^٥) عياضُ وجهينِ أظهرُهما أن يعلِّمها ما معهُ منَ القرآنِ أوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا منهُ ويكونُ ذلكَ صَدَاقًا، وبؤيدُه قولُه في بعضِ طُرُقِهِ الصحيحةِ (^٦): فَعَلِّمْهَا منَ القرآنِ، وفي بعضِها تعيينُ عشرين آية، ويُحْتَمَلُ أن الباءَ للتعليلِ وأنهُ زَوَّجَهُ بها بغيرِ صَدَاقٍ إكرامًا لهُ لكونِه حافظًا لبعضٍ منَ القرآنِ، ويؤيِّدُ هذا الاحتمالَ قصةُ أمِّ سُلَيْم معَ أبي سُلَيْم وذلكَ \"أنهُ خَطَبَها فقالتْ: واللهِ ما مِثْلُكَ يُرَدُّ وَلَكِنَكَ كافرٌ وأنا مسلمة ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجَكَ، فإنْ تُسْلِمْ فذلكَ مهرُكَ لا أسألَك غيرَهُ، فأسْلَمَ فكانَ ذلكَ مهرَها\"، أخرجَهُ النسائي (^٧) وصحَّحَهُ عن ابن عباسٍ (^٨) وتَرْجَمَ لَهُ النسائي بابُ التَّزْوِيجِ على الإسلامِ.\n_________\n(^١) أثناء شرح الحديث رقم (٦/ ٩١٧) من كتابنا هذا.\n(^٢) في قوله تعالى في سورة القصص: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٩٩).\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ٨٠ - ٨١).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٢).\n(^٦) انظرها في حديث الباب.\n(^٧) في \"سننه\" (٦/ ١١٤ رقم ٣٣٤٠، ٣٣٤١).\nوهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في \"صحيح النسائي\" (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣ رقم ٣١٣٢، ٣١٣٣).\n(^٨) كذا في المخطوط والمطبوع \"ابن عباس\"، وصوابه كما في \"سنن النسائي\" و\"فتح الباري\" (٩/ ٢١٢): \"أنس\" ﵁.","vol":"6","page":22},{"text":"وترجمَ عَلَى حديثِ سهلٍ هذَا بقولِه بابُ التزويجِ عَلَى سورةِ البقرةِ (^١)، وهذا ترجيحٌ منهُ للاحتمالِ الثاني. والاحتمالُ الأولُ أظْهَرُ كما قالَهُ القاضي لثبوتِ روايةِ: فعلِّمْهَا منَ القرآنِ.\nالحادية عشْرة: أن النكاحَ ينعقدُ بلفظِ التمليكِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ (^٢) والحنفيةِ (^٣) ولا يخْفَى أنه قد اختلفتِ (^٤) الألفاظُ في الحديثِ فرُوِيَ بالتمليكِ وبالتزويجِ وبالإمكانِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٥): هذهِ لَفْظَةٌ واحدة في قصةٍ واحدةٍ اختلفتْ معَ اتحادِ مَخْرَجِ الحديثِ، والظاهرُ أن الواقعَ منَ النبيّ - ﷺ - لفظٌ واحدٌ فالمرجعُ في هذَا إلى الترجيحِ، وقدْ نُقِلَ عن الدَّارَقُطْنيّ (^٦) أن الصَّوابَ روايةُ مَن رَوَى قدْ زوَّجْتُكَها وأنَّهم أكثرُ وأحفظُ. وأطالَ المصنفُ ﵀ في \"الفتح\" (٦) الكلامَ على هذهِ الثلاثةِ الألفاظِ ثمَّ قالَ: فروايةُ التزويج والإنكاحِ أرجحُ، وأما قولُ ابن التينِ (٦) إنهُ اجتمعَ أهلُ الحديثِ على أن الصحيح روايةُ زوَّجْتُكَها وأنَّ روايةَ مَلَّكْتُكَهَا وهمٌ فيهِ، [فقالَ] (^٧) المصنفُ: إنَّ ذلكَ مبالغةٌ منهُ.\nوقالَ البغويُّ (^٨): الذي يظهرُ أنهُ كانَ بلفظِ التزويجِ على وِفْقِ قَوْلِ الخاطبِ زوِّجْنِيهَا إذْ هوَ الغالبُ في لفظِ العقودِ، إذْ قلَّمَا يختلفُ فيهِ لفظُ المتعاقدينِ، وقدْ ذهبتِ الهادويةُ (^٩) والحنفيةُ (^١٠) وهو المشهورُ عن المالكيةِ (^١١) إلى جوازِ العقدِ بكلِّ لفظ يفيدُ معناهُ إذا قُرِنَ بهِ الصداقُ أو قُصِدَ بهِ النكاحُ كالتمليكِ ونحوِه، ولا يصحُّ بلفظِ العاريةِ والإجارةِ والوصيةِ.\n_________\n(^١) كذا في المخطوط والمطبوع \"سورة البقرة\" وصوابه كما في \"سنن النَّسَائِي\" (٦/ ١١٣ باب ٦٢) باب: التزويج على سورة من القرآن. وهو الموافق لما في \"الفتح\".\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ١٨).\n(^٣) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ٥٩).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٤).\n(^٥) انظر: \"الأحكام شرح عمدة الأحكام\" (٤/ ٢١٦ - بحاشية العدة) و\"الفتح\" (٩/ ٢١٤).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٤).\n(^٧) في (ب): \"فقد قال\".\n(^٨) ذكره عنه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٢١٤ - ٢١٥) وذكر أنه في \"شرح السنة\": \"ولم أقف فيه\"، واللَّهُ أعلم.\n(^٩) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ١٨).\n(^١٠) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ٥٩: ٦٢).\n(^١١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٣) بتحقيقنا.","vol":"6","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-957>إعلان النكاح وضرب الدف فيه</span>\n١٠/ ٩٢١ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ - ﵃ - أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"أعْلِنُوا النِّكَاحَ\"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^١) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-958>ترجمة عامر بن الزبير</span>\n(وعنْ عامِرِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ) عامرٌ تابعي سمعَ أباهُ وغيرَه، ماتَ سنةَ (^٣) أربع وعشرينَ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أعْلِنُوا النكاحَ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَه الحاكمُ). وفي البابِ عنْ عائشةَ: \"أعْلِنُوا النكاحَ واضْرِبُوا عليهِ بالغِرْبَالِ\" أي الدفِّ، أخرجَهُ الترمذيُّ (^٤) وفي رُوَاتِهِ عِيْسَى بنُ ميمونٍ ضعيفٌ (^٥) كما قَالَهُ الترمذيُّ، وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٦)، والبيهقي (^٧) وفي إسناد خالدُ بنُ إلياس\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٥).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٣). وأخرجهُ البيهقي (٧/ ٢٨٨)، وابن حبان (١/ ٥٥٣ رقم ١٢٨٥ - الموارد) وهو حديث حسن حسَّنه الألباني في \"آداب الزفاف\" (ص ١٨٣ - ١٨٤) وله شاهد من حديث عائشة - ﵄ - ويأتي أثناء الشرح.\n(^٣) قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٨٨ رقم ٥٣): من الرابعة مات سنة إحدى وعشرين. اهـ\nيعني ومئة على حسب قاعدة الحافظ في \"التقريب\".\n(^٤) لم أجده بهذا اللفظ في \"سنن الترمذي\"، وهو فيه باللفظ الذي ساقه الشارح بعد هذا وفيه عيسى بن ميمون.\n(^٥) قال عبد الرحمن بن مهدي: استعديت عليه وقلت: ما هذه الأحاديث التي تروي عن القاسم عن عائشة؟ فقال: لا أعود. اهـ. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مرة: ضعيف ليس بشيء. وقال الفلاس: متروك، وقال ابن حبان: يروي أحاديث كلها موضوعة، واختلف فيه قول ابن معين، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وقال النَّسَائِي: ليس بثقة. انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وضعَّفه الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٠٢ رقم ٩٢٦).\n(^٦) في \"سننه\" (١/ ٦١١ رقم ١٨٩٥).\n(^٧) في \"سننه الكبرى\" (٧/ ٢٩٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي أيضًا (٧/ ٢٩٠) من طريق عيسى بن ميمون المتقدم، ومن طريق خالد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٦٥)، وخالد متروك كما في \"التقريب\" (١/ ٢١١ رقم ١١)، والحديث ضعيف، ضعَّفه الألباني في الضعيفة (رقم ٩٧٨)، وفي \"الإرواء\" (رقم ١٩٩٣).","vol":"6","page":24},{"text":"مُنْكَرُ الحديثِ قالَه أحمدُ. وأخرجَ الترمذيُّ (^١) أيضًا منْ حديثِ عائشةَ وقالَ حَسَنٌ غريبٌ: \"أعْلِنُوا هذا النكاحَ واجعلُوه في المساجدِ واضْرِبُوا عليهِ بالدفوفِ، ولْيُولِمْ أحدُكم ولو بشاةٍ، فإذا خطبَ أحدُكمْ امرأةً وقدْ خضَّبَ بالسوادِ فَلْيُعْلِمْها لا يغرُّها\".\nدلَّتِ الأحاديثُ على الأمرِ بإعلانِ النكاح والإعلانُ خِلافُ الإسْرارِ، وعلَى الأمرِ بضَرْبِ الغِرْبَال وفسَّرهُ بالدفِّ. والأحاديث فيهِ واسعةٌ وإنْ كانَ في كلٍّ منْها مقالٌ إِلَّا أنَّها يعضدُ (^٢) بعضُها بعضًا، ويدلُّ على شرعيةِ ضَرْبِ الدُّفِّ لأنهُ أبلغُ في الإعلانِ منْ عَدَمِهِ، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ ولعلَّه لا قائلَ بهِ فيكونُ مسنُونًا ولكنْ بشرطِ أنْ لا يصْحَبَهُ محرَّمٌ منَ التغني بصوتٍ رخيمٍ منِ امرأةٍ أجنبيةٍ بشعرٍ فيهِ مدحُ القدودِ والخدودِ، بلْ ينظرُ الأسلوبُ العربيُّ الذي كانَ في عصرِه - ﷺ - فهوَ المأمورُ بهِ، وأما ما أحْدَثَهُ الناسُ بعدَ ذلكَ فهوَ غيرُ المأمورِ بهِ، ولا كلامَ أنهُ في هذهِ الأعْصَارِ يَقْتِرنُ بمُحَرَّمَاتٍ كثيرةٍ فيحْرُمُ لذلكَ لا لِنَفْسِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-959>اشتراط الولي في النكاح</span>\n١١/ ٩٢٢ - وَعَنْ أبي بُرْدَةَ بن أَبي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلي\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣) وَالأرْبَعَةُ (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي وَالتِّرْمِذِيُّ (^٥)، وابْن حِبَّانَ (^٦). وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ. [صحيح بشواهده]\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٣/ ٣٩٨ رقم ١٠٨٩).\n(^٢) ويغني عنها ما أخرجه البخاري (٥١٤٧) من حديث الرُّبيِّع بنت معوذ قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بُنِيَ عليَّ فجلس على فراشي كمجلسكَ مني (تحدِّث الراوي عنها خالد بن ذكوان) فجعلت جوبريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين.\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٣٩٤، ٤١٣).\n(^٤) أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨١).\n(^٥) لم أقف على تصحيح الترمذي في النسخة التي بين أيدينا من السنن.\n(^٦) في \"صحيحه\" (ص ٣٠٤ رقم ١٢٤٣ - الموارد).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ١٧٠)، والدارمي (٢/ ١٣٧)، وابن الجارود (٧٠١: ٧٠٤)، والبيهقي (٧/ ١٠٧)، وأبو يعلى في مسنده (١٣/ ١٩٥ رقم ٧/ ٧٢٢٧)، وهو حديث صحيح=","vol":"6","page":25},{"text":"-[وَرَوى الإمَامُ أَحْمَدُ (^١) عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مَرْفُوعًا: \"لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْنِ] (^٢). [صحيح بشواهده]\n(وعنْ أبي بُردةَ بن أبي موسَى عنْ أَبيهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ. رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحَّحَه ابن المديني والترمذيُّ وابنِ حِبَّانَ وأَعلَّهُ بالإرسال). قالَ ابنُ كثيرٍ: قدْ أخرجَه أبو داودَ والترمذيُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهم منْ حديثِ إسرائيلَ وأبي عُوَانَة وشريكٍ القاضي وقيسِ بن الربيعِ ويونسَ بن أبي إسحاقَ وزهيرِ بن معاويةَ كلُّهم عنْ أبي إسحاقَ، كذلكَ قالَ الترمذيُّ (^٣). ورواهُ شُعْبةُ والثَّوْرِيُّ عنْ أبي إسحاقَ مرسلًا قالَ: والأولُ عندي أصحُّ، هكَذَا صحَّحَهُ عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي فيما حكاهُ ابنُ خزيمةَ عنْ أبي المثنَّى عنهُ.\nوقالَ عليُّ بنُ المديني (^٤): حديثُ إسرائيلَ في النكاح صحيحٌ، وكَذَا صحَّحَهُ البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ منَ الحفاظِ، قالَ: ورواهُ أبو يعلى الموصليِّ في مسندِه (^٥) عنْ جابرٍ مَرْفُوعًا، قالَ الحافظُ الضِّياءُ: بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثِقَاتٌ.\nقلتُ: ويأتي (^٦) حديثُ أبي هريرةَ: \"لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها\"، وحديثُ (^٧) عائشةَ: \"إن النكاحَ [بغير] (^٨) وليٍّ باطلٌ\". قالَ الحاكمُ (^٩): وقدْ\n_________\n= صحَّحه الألباني بمجموع شواهده كما في \"الإرواء\" (٦/ ٢٣٥ رقم ١٨٣٩).\n(^١) لم أجده في \"المسند\" ولا في \"أطراف المسند المعتلي بأطراف المسندَ الحنبلي\" للحافظ ابن حجر، وقد ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد اللَّهِ بن محرز وهو متروك. اهـ. وقد أخرجه البيهقي (٧/ ١٢٥)، وصحّحه الألباني لشواهده كما \"الإرواء\" (٦/ ٢٦١ رقم ١٨٦٠).\n(^٢) زيادة من المطبوع.\n(^٣) في \"سننه\" (٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(^٤) انظر: \"سنن البيهقي الكبرى\" (٧/ ١٠٨).\n(^٥) (٤/ ٧٢ رقم ٢٠٩٤) بلفظ: \"لا تنكح النساء إلا من الأكْفاء، ولا يزوِّجهم إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم\"، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والبيهقي (٧/ ١٣٣). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٨٥): وفيه مبشر بن عبيد وهو متروك. اهـ.\nوقال أيضًا (٤/ ٢٨٦): وعن جابر قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ: \"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل\"، رواه الطبراني في الأوسط من طريق محمد بن عبد الملك عن أبي الزبير، فإن كان هو الواسطي الكبير فهو ثقة، وإلا فلم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ.\n(^٦) برقم (١٥/ ٩٢٦) من كتابنا هذا.\n(^٧) وهو الحديث الآتي بعد هذا.\n(^٨) في (ب): \"من غير\".\n(^٩) في \"المستدرك\" (٢/ ١٧٢).","vol":"6","page":26},{"text":"صحَّتِ الروايةُ فيهِ عنْ أزواجِ النبيِّ - ﷺ - عائشةَ وأمِّ سلمةَ وزينبَ بنتِ جحشٍ، [قال] (^١): وفي البابِ عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ، ثمَّ سردَ ثلاثينَ صحابيًا (^٢). والحديثُ دلَّ على أنهُ لا يصحُّ النكاحُ إلا بوليٍّ لأنَّ الأصْلَ في النفي (^٣) نفيُ الصِّحَّةِ لا [نفي] (^٤) الكمالِ، والوليُّ هوَ الأقربُ إلى المرأةِ منْ عُصْبَتِهَا دونَ ذوي أرحامِها. [واختلفَ] (^٥) العلماءُ في اشتراطِ الوليِّ في النكاحِ، فالجمهورُ (^٦) على اشتراطِهِ، وأنَّها لا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها. وحُكِيَ عن ابن المنذرِ (٦) أنهُ لا يُعْرَفُ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ خلافُ ذلكَ وعليهِ دلَّتِ الأحاديثُ. وقالَ مالكٌ (^٧): يُشْتَرَطُ في حقِّ الشريفةِ لا الوضيعةِ، فَلَهَا أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها. وذهبتِ الحنفيةُ (^٨) إلى أنهُ لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا مُحْتَجِّينَ بالقياسِ على البيعِ فإنَّها تستقل ببيع لسِلْعَتهَا؛ وهوَ قياس فاسدُ (^٩)\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) الذي في المستدرك ثلاثة عشر صحابيًا فقط وهم: علي بن أبي طالب وعبد اللَّهِ بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد اللهِ بن عمر وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد اللهِ وأبو هريرة وعمران بن حصين وعبد اللهِ بن عمرو والمسور بن مخرمة وأنس بن مالك - ﵃ -. ثم قال: وأكثرها صحيحة.\n(^٣) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٨٤): في الاستدلال بهذه الصيغة [يعني لا نكاح إلا بولي] في منع النكاح بغير ولي نظر لأنها تحتاج إلى تقدير: فمن قدَّره نفي الصحة استقام له، ومن قدَّره نفي الكمالُ عُكِّرَ عليه فيحتاج إلى تأييد الاحتمال الأول بالأدلة المذكورة في الباب وما بعده. اهـ. يعني الباب رقم (٣٦) من كتاب النكاح.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ) \"واختلفت\".\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧).\n(^٧) في رواية ابن القاسم عنه كما بيَّن ذلك صاحب \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٠ - ٢١) بتحقيقنا، وفي رواية أشهب عنه أنه لا يكون نكاح إلا بولي وأنها شرط في الصحة.\n(^٨) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ١٠).\n(^٩) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٨٧): وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلًا ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤًا، واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس، لكن حديث معقل المذكور رفع هذا القياس. اهـ.\nوحديث معقل هو ما أخرجه البخاري (٥١٣٠)، عن الحسن قال: فلا تعضلوهن (يعني الآية رقم ٢٣٢ من سورة البقرة) قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال: زوَّجت أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك =","vol":"6","page":27},{"text":"الاعتبارِ إذْ هوَ قياسٌ معَ نصٍّ. ويأتي الكلامُ في ذلكَ مُسْتَوْفَى في شرحِ (^١) حديثِ أبي هريرةَ: \"لا تزوِّجُ المرأةُ المرأة - الحديثَ\". وقالتِ الظاهريةُ (^٢): يعتبرُ الوليُّ في حقِّ البكرِ لحديثِ: \"الثِّيبُ أَوْلَى بِنَفْسِها\" وسيأتي (^٣). ويأتي أن المرادَ منهُ اعتبارُ رِضَاها جمعًا بينَه وبينَ أحاديثِ اعتبارِ الوليِّ. وقالَ أبو ثورٍ (^٤): للمرأةِ أنْ تُنْكِحَ نفسَها بِإِذْنِ وليِّها لمفهومِ الحديثِ الآتي:\n١٢/ ٩٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطلٌ، فَإنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَليُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ\"، أخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٥) إلَّا النَّسَائِيَّ، وصَحّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبّانَ (^٦) وَالْحَاكِمُ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّمَا امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إِذْنِ وليِّها\n_________\n= وأكرمتك فطلَّقتها ثم جئت تخطبها؟ لا واللَّه لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول اللَّهِ، قال: فزوِّجها إياه. ويأتي أثناء شرح الحديث رقم (١٥/ ٩٢٦) من كتابنا هذا.\n(^١) وهو الحديث رقم (١٥/ ٩٢٦) من كتابنا هذا.\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٤٥٥، ٤٥٧).\n(^٣) برقم (١٤/ ٩٢٥) من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧)، وقال: وتعقِّب بأن إذن الولي لا يصح إلا لمن ينوب عنه والمرأة لا تنوب عنه في ذلك لأن الحق لها، ولو أذن لها في إنكاح نفسها صارت كمن أذن لها في البيع من نفسها ولا يصح. اهـ.\n(^٥) أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (ص ٣٠٥ رقم ١٢٤٧ - الموارد).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٨).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم ٧٠٠)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ٧)، والدارقطني (٣/ ٢٢١ رقم ١٠)، والبيهقي (٧/ ١٠٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٨٨)، والطيالسي (ص ٢٠٦ رقم ١٤٦٣)، وأحمد (٦/ ٤٧، ١٦٥)، والدارمي (٢/ ١٣٧)، والشافعي (٢/ ١١ - ترتيب المسند)، وعبد الرزاق (٦/ ١٩٥ رقم ١٠٤٧٢)، والحميدي (١/ ١١٢ رقم ٢٢٨)، وابن أبي شيبة (٤/ ١٢٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٤٣٩) وغيرهم وله شواهد من حديث جماعة من الصحابة، وهو حديث صحيح صححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٢٤٣ رقم ١٨٤٠) وقد بسط الكلام عليه البيهقي في السنن (٧/ ١٠٥، ١٠٧) والحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٥٦، ١٥٧).","vol":"6","page":28},{"text":"فنكاحُها باطلٌ، فإنْ دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ منْ فَرْجِها، فإنْ اشْتَجَرُوا فالسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها. أخرجَهُ الأربعةُ إلَّا النسائيَّ وصحَّحَهُ أبو عُوَانَةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ)، قالَ ابنُ كثيرٍ: وصحَّحَهُ يحيَى بنُ معينٍ وغيرُه منَ الحفَّاظِ. قالَ أبو ثورٍ [قولُه] (^١): \"بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها\" يُفْهَمُ منهُ أنهُ إذا أَذِنَ لها جازَ أنْ تعقدَ لِنَفْسِها، وأجيبَ (^٢) بأنهُ مفهومٌ لا يقْوى على معارضةِ المنطوقِ باشتراطِه. واعلمْ أنها طعنت الحنفيةُ (^٣) في هذا الحديثِ بأنهُ رواهُ سليمانُ بنُ موسى عن الزُّهْرِيِّ، وسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عنْهُ فلمْ يَعْرِفْهُ، والذي رَوَى هذا القَدْحَ هو إسماعيلُ بنُ عليةَ القاضي عن ابن جريج الراوي عنْ سليمانَ أنهُ سألَ الزُّهْرِيَّ عنهُ أي عن هذا الحديثِ فلم يعرفْه، وأُجِيْبَ (^٤) عنهُ بأنهُ لا يلزمُ منْ نسيانِ الزُّهْرِي لهُ أنْ يكونَ سليمانُ بنُ موسى وَهِمَ عليهِ لا سيَّما وقدْ أثْنَى الزُّهْرِيُّ على سليمانَ بن موسى. وقدْ طالَ كلامُ العلماءِ على هذا الحديثِ واستوفَاهُ البيهقيُّ في \"السُّننِ الكبرى\" (^٥)، وقدْ عاضَدَتْهُ أحاديثُ اعتبارِ الوليِّ وغيرُها مما يأتي (^٦) في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على اعتبارِ إذْنِ الوليّ في النكاحِ وهو بعقدِه لها أوْ عقدِ وكيلِهِ، وظاهرُه أن المرأةَ تستحقُّ المهْرَ بالدخولِ وإنْ كانَ النكاحُ باطلًا لقولِه - ﷺ -: \"فإنْ دخلَ بها فَلَهَا المهرُ بما اسْتَحَلَّ منْ فَرْجِهَا\"، وفيهِ دليل على أنهُ إذا اختلَّ ركنٌ منْ أركانِ النكاحِ فهوَ باطلٌ معَ العلمِ والجهلِ، وأنَّ النكاحَ يُسَمَّى باطلًا وصحيحًا ولا واسطةَ.\nوقد أثبتَ الواسطةَ الهادويةُ (^٧) وجعلُوها العقدَ الفاسدَ قالُوا: وهوَ ما خالفَ مذهبَ الزوجينِ أو أحدَهما جاهِلينَ ولم تكنِ المخالفةُ في أمرٍ مُجْمَع عليهِ وتُرَتَّبُ عليهِ أحكامٌ مبينةٌ في الفروعِ. والضمير في قولِه: \"فإنِ اشْتَجَرُوا\" عائدٌ إلى الأولياءِ الدالِّ عليهمْ ذِكْرُ الوليِّ والسياقُ، والمرادُ بالاشتجارِ مَنْعُ الأولياءِ منَ العقدِ عليها، وهذَا هوَ العضْلُ وبهِ تنتقلُ الولايةُ إلى السلطانِ إنْ عضلَ الأقربُ، وقيلَ بلْ تنتقلُ إلى الأبعدِ وانتقالُها إلى السلطانِ مبنيٌّ على مَنْعِ الأقربِ والأبعدِ وهوَ\n_________\n(^١) في (ب) فقولُه.\n(^٢) نقلنا رد الحافظ عليه أثناء شرح الحديث السابق.\n(^٣) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٨).\n(^٤) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٥٧).\n(^٥) (٧/ ١٠٥: ١٠٧).\n(^٦) برقم (١٥/ ٩٢٦) من كتابنا هذا.\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٩).","vol":"6","page":29},{"text":"مُحْتَمَلٌ، ودلَّ على أن السلطانَ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها لِعَدَمِهِ أو لِمَنْعِهِ، ومثْلُهُما غيبةُ الوليِّ. ويؤيدُ حديثَ البابِ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (^١) منْ حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا: \"لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ، والسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ\"، وإنْ كانَ فيهِ الحجاجُ بنُ أرطأةَ فقدْ أخرجَهُ سفيانُ في جامِعِهِ (^٢) ومنْ طريقِه الطبراني في \"الأوسط\" بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عباسٍ بلفظِ: \"لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ مرسل أو سلطانٍ\". ثمَّ المرادُ بالسلطانِ مَنْ إليهِ الأمرُ جائرًا كانَ أوْ عادلًا لعمومِ الأحاديثِ (^٣) القاضيةِ بالأمرِ لطاعةِ السلطانِ جائرًا أو عادلًا، وقيلَ: بلِ المرادُ بهِ العادلُ المتولِّي لمصالحِ العبادِ لا سلاطينُ الجَورِ فإنَّهم ليسُوا بأهل لذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-960>إذن البكر واستئمار الثيِّب</span>\n١٣/ ٩٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تُسْتَأمَرَ، ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتى تُسْتَأْذَنَ\"، قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: \"أنْ تَسْكُتَ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: لا تُنْكَحُ) مغيَّرُ الصيغةِ مجزومًا ومرفُوعًا ومثلُه الذي بعدَه (الأيِّمُ) التي فارقتْ زوجَها بطلاقٍ أو موتٍ (^٥) (حتى\n_________\n(^١) ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٨٦)، فقال: رواه الطبراني وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وبقية رجاله ثقات. اهـ. وذكره بقريب من لفظه ثم قال (٤/ ٢٨٥): رواه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه يعقوب غير مسمَّى فإن كان هو التوأم فقد وثقه ابن حبان وضعَّفه ابن معين، وإن كان غيره فلم أعرفه وبقية رجاله ثقات. اهـ.\n(^٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٩١) وحسَّن إسناده.\n(^٣) من ذلك ما أخرجه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"من أطاعني فقد أطاع اللَّهُ، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني\".\n(^٤) البخاري (٥١٣٦)، وطرفاه في (٦٩٦٨، ٦٩٧٠)، ومسلم (١٤١٩).\nوأخرجه أبو داود (٢٠٩٢)، والترمذي (١١٠٧)، والنسائي (٦/ ٨٥)، وابن ماجه (١٨٧١)، وأحمد (٢/ ٢٥٠، ٢٧٩، ٤٢٥، ٤٣٤، ٤٧٥)، والدارمي (٢/ ١٣٨)، والبيهقي (٧/ ١١٩)، وابن الجارود (٧٠٧)، والدارقطني (٣/ ٢٣٨) وغيرهم.\n(^٥) هذا المعنى هو ظاهر الحديث كما بيَّنه الحافظ (٩/ ١٩٢) لمقابلته بالبكر، ونقل عن=","vol":"6","page":30},{"text":"تُسْتَأْمَرَ) منَ الاسْتِئْمَارِ طلبُ الأمرِ (ولا تنكحُ البكرُ حتَّى تُسْتَأدنَ، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ وكيفَ إِذْنُها؟ قالَ: أنْ تسكتَ. متفقٌ عليهِ)، فيهِ أنهُ لا بدَّ منْ طلبِ الأمرِ منَ الثيبِ (وأمرُها) (^١)، فلا يعقدُ عليها حتَّى يَطْلُبَ الوليُّ الأمرَ منْها بالإذْنِ بالعقدْ. والمرادُ منْ ذلكَ اعتبارُ رِضَاها وهوَ معنَى أحقِّيّتِها بِنَفْسِها منْ وليِّها في الأحادِيثِ. وقولُه: \"والبكرُ\" أرادَ بها البكرُ البالغةُ، وعبَّرَ هنا بالاستئذانِ، وعبَّرَ في الثيب بالاستئمارِ إشارةً إلى الفرقِ بينَهما وأنهُ متأكَّدٌ مشاورةُ الثيبِ ويحتاجُ الولي إلى صَرِيحِ القَوْلِ بالإذْنِ منْها في العقدِ عليها، والإذنُ منَ البِكْرِ دائرٌ بينَ القولِ والسكوتِ، بخلافِ الأمرِ فإنهُ صريحٌ في القَوْلِ، وإنَّما اكْتُفِيَ منْها بالسكوتِ لأنَّها قدْ تَسْتَحِي منَ التَّصْرِيحِ. وقدْ وردَ في روايةٍ أن عائشةَ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ البكرَ تستحي، قالَ: \"رِضَاهَا صِمَاتُها\" أخرجَهُ الشيخانِ (^٢). ولكنْ قالَ ابنُ المنذرِ (^٣): يُسْتَحَبُّ أنْ يعلمَ أن سكوتَها رضًا. وقالَ سفيانُ (^٤): يُقَالُ لها ثلاثًا إنْ رضيتِ فاسكُتي وإنْ كرهتِ فانطقي، فأمَّا إذا لم تنطقْ ولكنَّها بَكَتْ عندَ ذلكَ فقيلَ لا يكونُ سكوتُها رِضًا معَ ذلكَ، وقيلَ لا أثرَ لبكائِها في المنعِ إلَّا أنْ يقترنَ بصياحٍ ونحوه، وقيلَ يعتبرُ الدمعُ هلْ هوَ حارٌّ فهوَ يدلُّ على المنعِ أو باردٌ فهوَ يدلّ على الرِّضَا، والأَوْلَى أنْ يُرْجَعَ إلى القرائِنِ فإنَّها لا تخفَى. وَالْحَديثُ عامٌّ للأولياءِ منَ الأبِ وغيرِه في أنهُ لا بدَّ منْ إذنِ البكرِ البالغةِ وإليهِ ذهبَ الهادويةُ (^٥) والحنفيةُ (^٦) وآخرونَ عملًا بعمومِ الحديثِ هُنَا وبالخاصِّ الذي أخرجَهُ مسلمٌ (^٧) بلفظِ: \"والبكرُ\n_________\n= عياض عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما أنه يطلق على كل من لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا، قال: وحكى الماوردي القولين لأهل اللغة.\n(^١) كما في المخطوط (أ) (ب) (ج) والأولى حذفها ليستقيم المعنى.\n(^٢) البخاري (٥١٣٧)، وطرفاه في (٦٩٤٦، ٦٩٧١)، ومسلم (١٤٢٠)، وأخرجه النَّسَائِي (٦/ ٨٥ - ٨٦)، وأحمد (٦/ ٤٥، ١٦٥، ٢٠٣)، وابن الجارود (٧٠٨)، والبيهقي (٧/ ١١٩) وغيرهم.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٢ - ١٩٣) وعبارته: \"قال ابن المنذر: يُستحب إعلام البكر أن سكوتها إذن\" اهـ.\n(^٤) كذا في المخطوط والمطبوع \"سفيان\"، أما الذي في \"الفتح\" (٩/ ١٩٣): \"ابن شعبان منهم\" أي من المالكية.\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٨).\n(^٦) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ٢).\n(^٧) في \"صحيحه\" (٦٨/ ١٤٢١) من حديث ابن عباس - ﵄ -، وهو رواية من روايات الحديث الآتي.","vol":"6","page":31},{"text":"يستأذنُها أبوها\"، ويأتي الخلافُ في ذلكَ واستيفاءُ الكلامِ عليهِ في شرحِ الحديثِ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-961>الثيب أحق بنفسها</span>\n١٤/ ٩٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ: قالَ: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذْنُهَا سُكُوتُهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\nوَفِي لَفْظٍ: \"لَيسَ لِلْوَليِّ مَعَ الثَّيبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) والنَّسَائيُّ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ ﷺ قَالَ: الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها منْ وليِّها والبكرُ تُسْتَأْمرُ وإذْنُهَا سُكُوتُها. رواهُ مسلمٌ، وفي لفظٍ) أي منْ روايةِ ابن عباسٍ: (ليسَ للوليِّ معَ الثيبِ أمرٌ، واليتيمة تُسْتَأْمرُ. رواهُ أبو داودَ والنسائي وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ). تقدَّمَ (^٥) الكلامُ على أن المرادَ بأحقِّيَّةِ الثيبِ بِنَفْسِهَا اعتبارُ رِضَاها كما تقدَّمَ (٥) عَلَى استئمارِ البكرِ، وقولُه: \"ليسَ للوليِّ معَ الثيّبِ أمرٌ\"، أي إنْ لم ترضَ (^٦) لما سلفَ منَ الدليلِ على اعتبارِ رِضَاهَا وعلى أن العقدَ إلى الولي، وأما قولُه: \"واليتيمةُ تُسْتَأْمَرُ\"، فاليتيمةُ في الشرعِ: الصغيرةُ التي لا أبَ لها، وهوَ دليل للنَّاصِرِ (^٧)\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤٢١).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٢٤١ - ٢٤٢، ٣٤٥)، وأبو داود (٢٠٩٨)، والترمذي (١١٠٨)، والنسائي (٨٤)، وابن ماجه (١٨٧٠)، والدارمي (٢/ ١٣٨)، والبيهقي (٧/ ١١٥)، وابن الجارود (٧٠٩)، وعبد الرزاق (٦/ ١٤٢ رقم ١٠٢٨٢، ١٠٢٨٣)، والطحاوي (٤/ ٣٦٦)، وسعيد بن منصور (١/ ١٥٥ رقم ٥٥٦)، والدارقطني (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والبغوي (٩/ ٣٠)، ومالك (٢/ ٥٢٤ رقم ٤)، والحميدي (١/ ٢٣٩ رقم ٥١٧)، والذهبي في \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٧٠٦) وغيرهم.\n(^٢) في \"سننه\" (٢١٠٠).\n(^٣) في \"سننه\" (٦/ ٨٤).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٦ رقم ١٢٤١ - الموارد).\n(^٥) في شرح الحديث السابق.\n(^٦) في المخطوط بالتحتانية وما أثبتناه من المطبوع.\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٩).","vol":"6","page":32},{"text":"والشافعيِّ (^١) في أنهُ لا يُزَوِّجُ الصغيرةَ إلَّا الأبُ؛ لأنهُ - ﷺ - قالَ: تستأمرُ اليتيمةُ ولا استئمارَ إلَّا بعدَ البلوغِ إذْ لا فائِدَةَ لاستئمارِ الصَّغيرةِ. وذهبتِ الهادوية (^٢) والحنفيةُ (^٣) إلى أنهُ يجوزُ أنْ يزوِّجَها الأولياءُ مُسْتَدِلّيْنَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (^٤) الآيةُ وما ذُكِرَ في سَبَبِ نزولها (^٥) في أنهُ يكونُ في حِجْرِ الولي يتيمةٌ ليسَ لهُ رغبةً في نِكَاحِهَا وإنَّما يَرْغَبُ في مالِها فيتزوَّجَها لِذَلِكَ فَنُهُوا، وليسَ بصريحٍ في أنْ ينكحَها صغيرةً لاحْتمالِ أنهُ يمنعُها الأزواجَ حتَّى تبلغَ ثمَّ يتزوَّجها قالُوا: ولها بعدَ البلوغِ الخيارُ قياسًا على الأَمَةِ فإنَّها تُخَيَّرُ إذا أعتقَت وهي مزوَّجة، والجامع حدوث ملك التصرفِ ولا يَخْفَى ضعفُ هذَا القولِ وما تفرع منهُ منْ جوازِ الفسْخِ وضعفِ القياسِ، ولهذَا قالَ أبو يوسفَ (^٦): لا خيارَ لها معَ قولِه بجوازِ تزويجِ غيرِ الأبِ لها كأنهُ لم يقلْ بالخيارِ لضعفِ القياسِ، فالأرجحُ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-962>اشتراط الولي</span>\n١٥/ ٩٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأةُ المرأةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَها\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٧) وَالدَّارَقُطْنِي (^٨) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ: لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأة نفسَها. رواهُ ابن ماجه والدارقطني ورجالُه ثقاتٌ). فيهِ دليلٌ على أن\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٩).\n(^٣) انظر: المبسوط (٤/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٣.\n(^٥) أخرجه البخاري (٥٠٩٢) وفيه أن عروة سأل عائشة - ﵂ -: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها فنهوا عن نكاحهن إلا أن يقسطوا في إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن … الحديث. وأخرجه مسلم (٤/ ٢٣١٣ رقم ٣٠١٨)، وأبو داود (٢/ ٥٥٥ رقم ٢٠٦٨).\n(^٦) انظر: \"المبسوط\" (٤/ ٢١٥).\n(^٧) في \"سننه\" (١٨٨٢).\n(^٨) في \"سننه\" (٣/ ٢٢٧ رقم ٢٥: ٢٧). وأخرجه البيهقي (٧/ ١١٠)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في \"إرواء الغليل\" (٦/ ٢٤٨ رقم ١٨٤١).","vol":"6","page":33},{"text":"المرأةَ ليسَ لها ولايةٌ في الإنكاحِ لنفسِها ولا لغيرِها، فلا عبارَة لها في النكاحِ إيجابًا ولا قبولًا فلا تُزَوِّجُ نفسَها بإِذنِ الوليِّ ولا غيرِه، ولا تُزَوِّجُ غيرَها بولايةٍ ولا بوكالةٍ، ولا تَقْبلُ النكاحَ بولايةٍ ولا وكالةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ (^١). وذهبَ أبو حنيفةَ (^٢) إلى تزويجِ البالغةِ العاقلةِ نفسَها وابنتَها الصغيرةَ وتتوكلُ عن الغيرِ لكنْ لو وضعتْ نفسَها عندَ غيرِ كُفْءٍ، فَلأوْليَائِها الاعتراضُ. وقالَ مالكٌ: تُزَوِّجُ الدنيَّةُ نفسَها دونَ الشريفةِ كما تقدَّمَ (^٣). واستدلَّ الجمهورُ بالحديثِ وبقولِه تعالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (^٤)، قَالَ الشافعيُّ (^٥) ﵀: هي أصرحُ آيةٍ في اعتبارِ الوليِّ وإلَّا لَمَا كانَ لَعَضلِهِ معنَى. وسببُ نُزُولها في معقلِ بن يسارٍ زوَّجَ أُخْتَه فطلَّقها زوجُها طلقةً رجعيةً وتركَها حتَّى انقضتْ عدَّتُها ورامَ رجعتَها فحلفَ أنْ لا يزوِّجَها، قالَ: ففيَّ نزلتْ هذهِ الآيةُ. رواهُ البخاريُّ (^٦)، زادَ أبو داودَ (^٧): فكفَّرتُ عنْ يميني وأنكحتُها إياهُ. فلوْ كانَ لها تزويجُ نفسِها لم يُعَاتَبْ أخاها على الامتناعِ ولكانَ نزولُ الآيةِ لبيانِ أنَّها تُزَوِّجُ نفسَها. وبسببِ نزولِ الآيةِ يُعْرَفُ ضعفُ قولِ الرازي (^٨) إنَّ الضميرَ للأزواجِ، وضعفُ قولِ صاحبِ \"نهاية المجتهدِ\" (^٩): إنهُ ليسَ في الآيةِ إلا نَهْيُهُمْ عن العضلِ ولا يُفْهَمُ منهُ اشتراطُ إِذْنِهِمْ في صحةِ العقدِ لا حقيقةً ولا مجازًا، بلْ قدْ يُفْهَمُ منهُ ضدُّ هذا وهوَ أن الأولياءَ ليسَ لهم سبيلٌ على مَنْ يلونَهم اهـ. ويُقَالُ عليهِ: قدْ فهمَ السلفُ شرطَ إِذْنِهِمْ في عصرِه - ﷺ - وبادرَ منْ نزلتْ فيهِ إلى التكفيرِ عنْ يمينِهِ والعقدِ، ولوْ كانَ لا سبيلَ للأولياءِ لأبانه تعالَى غايةَ البيانِ، بلْ كرَّرَ تعالى كونَ الأمرِ إلى الأولياءِ في عِدَّةِ آياتٍ ولمْ يأتِ حرفٌ واحدٌ أن للمرأةِ إنكاحُ نفسِها، ودلَّتْ أيضًا على أن نِسبةَ النكاحِ إليهنَّ في الآياتِ\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٦) بتحقيقنا.\n(^٢) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ١٠).\n(^٣) أثناء شرح الحديث رقم (١١/ ٩٢٢) من كتابنا هذا.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٢.\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٥١٣٠).\n(^٧) في \"سننه\" (٢٠٨٧). وأخرجه الترمذي (٢٩٨١)، والبيهقي (٧/ ١٠٤).\n(^٨) انظر: \"التفسير الكبير\" له (٦/ ١١٢).\n(^٩) \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٣/ ٢٢ - ٢٣) بتحقيقنا.","vol":"6","page":34},{"text":"مثل: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^١) مرادٌ بهِ الإنكاحُ بعقدِ الوليِّ، إذْ لوْ فَهِمَ - ﷺ - أنَّها تُنْكِحُ نفسَها لأمَرَهَا بَعدَ نزولِ الآيةِ بذلكَ ولأبانَ لأخِيهَا أنهُ لا ولايةَ لهُ ولم يبحْ له الحنْث في يمينِه والتكفير. ويدلُّ لاشتراطِ الوليِّ ما أخرجَهُ البخاريُّ (^٢) وأبو داود (^٣) منْ حديثِ عروةَ عنْ عائشةَ أنَّها أخبرتْهُ أن النكاح في الجاهليةِ [كانَ] (^٤) علَى أربعةِ أنحاءٍ منْها نكاحُ الناسِ اليومَ، يخطبُ الرجلُ إلى الرجلِ وَليّتَهُ أو ابنتَهُ فيصدقُها ثمَّ ينكحُها، ثمَّ قالتْ في آخرِه: فلما بُعِثَ محمدٌ - ﷺ - بالحقِّ هدمَ نِكَاحَ الجاهليةِ كلَّه إلَّا نكاحَ الناسِ اليومَ، فهذَا دالٌّ [على] (^٥) أنهُ - ﷺ - قَرَّرَ ذلكَ النكاحَ المعتبرُ فيهِ الوليُّ، وزادَه تأكيدًا بما قدْ سمعتَ منَ الأحاديثِ، ويدلُّ إنكاحُه (^٦) - ﷺ - لأمِّ سلمةَ وقولُها: إنهُ ليسَ أحدٌ منْ أوليائِها حاضرًا ولمْ يقلْ [- ﷺ -] أَنْكِحِي أنتِ نفسَك معَ أنهُ مقامُ البيانِ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا المُشْرِكَاتَ﴾ (^٧) فإنهُ خطابٌ للأولياءِ بأنْ لا يُنْكِحُوا المسلماتِ المشركينَ، ولو فُرضَ أنهُ يجوزُ لها إنكاحُ نفسِها لما كانتِ الآيةُ دالة على تحريمِ ذلكَ عليهنَّ لأنَّ القائلَ بأنَّها تُنْكِحُ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥١٢٧).\n(^٣) في \"سننه\" (٢٢٧٢).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أخرجه النَّسَائِي (٣٢٥٤)، وأحمد (٦/ ٢٩٥، ٣١٣، ٣١٤، ٣١٧، ٣١٨)، وابن الجارود (٧٠٦)، والحاكم (٤/ ١٦ - ١٧)، والبيهقي (٧/ ١٣١)، من طريق حماد بن سلمة ثنا ثابت عن ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة. قال الحاكم: صحيح الإسناد فإن ابن عمر بن أبي سلمة الذي لم يسمِّه حماد بن سلمة سمَّاه غيره سعيد بن عمر بن أبي سلمة. ووافقه الذهبي.\nقلت: لا، وابن عمر بن أبي سلمة قال الذهبي نفسه: \"لا يعرف\" وقد اختلف على ثابت فيه، فأخرجه الطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١١ - ١٢) من طريق حماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة قالَا: ثنا ثابت عن عمر بن أبي سلمة عن أم سلمة فسقط ذكر \"ابن عمر بن أبي سلمة\".\nوتابعهما جعفر بن سليمان عن ثابت قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، أخرجه أحمد (٦/ ٣١٤)، حدثنا عفان ثنا جعفر وقد رجح أبو حاتم وأبو زرعة - كما في \"العلل\" (١/ ٤٠٥) - رواية من زاد فيه: \"ابن عمر بن أبي سلمة\".\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. انظر: \"إرواء الغليل\" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٢٢١.","vol":"6","page":35},{"text":"نفسَها يقولُ بأنهُ يُنْكِحُها وليُّها أيضًا فيلزمُ أن الآيةَ لم تفِ بالدلالةِ على تحريمِ إنكاحِ المشركينَ للمسلماتِ لأنَّها إنَّما دلَّتْ على نَهْي الأولياءِ عنْ إنكاحِ المشركينَ لا على نَهْي المسلماتِ أنْ يُنْكِحْنَ أنفسَهنَّ منْهم. وقدْ عُلِمَ تحريمُ نكاحِ المشركينَ المسلماتِ فالأمرُ للأولياءِ دالٌّ على أنهُ ليسَ للمرأةِ ولايةٌ في النكاحِ.\nولقدْ تكلَّمَ صاحبُ \"نهاية المجتهدِ\" على الآيةِ بكلامٍ في غايةِ السُّقوطِ فقالَ (^١): الآيةُ مترددةٌ بينَ أنْ تكونَ خطابًا للأولياءِ أوْ لأُولي الأمرِ، ثمَّ قالَ: فإنْ قيلَ هوَ عام والعامُّ يشملُ أُولي الأمرِ والأولياء، قيل: هذَا الخطابُ إنَّما هوَ خطابٌ بالمنعِ، والمنعُ بالشرعِ، فيستوي فيهِ الأولياءُ وغيرُهم، وكونُ الولي مأمورًا بالمنعِ بالشرعِ لا يوجبُ لهُ ولاية خاصة بالإذنِ، ولو قُلْنا: إنهُ خِطابٌ للأولياءِ يوجبُ اشتراطَ إِذْنِهِمْ في النكاحِ لكانَ مجملًا لا يصحُّ بهِ عملٌ لأنهُ ليسَ فيهِ ذكرُ أصنافِ الأولياءِ ولا مراتبهم، والبيانُ لا يجوزُ تأخيرُه عنْ وقتِ الحاجةِ اهـ.\nوالجوابُ: أن الأظهرَ أن الآيةَ خطابٌ لكافةِ المؤمنينَ المكلَّفينَ الذينَ خُوطِبُوا بِصَدْرِهَا، أعني قولَهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٢)، والمرادُ: لا يُنْكِحُهنَّ مَنْ إليهِ الإنكاحُ وهمُ الأولياءُ، أو خطابٌ للأولياءِ ومنْهمُ الأمراءُ عندَ فَقْدِهم أو عَضلِهم لما عرفتَ من قولِه (^٣): \"فإنِ اشتجَرُوا فالسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها\"، فبطلَ قولُه: إنهُ مترددٌ بينَ خطابِ الأولياءِ وأُولي الأمر. وقولُه: قُلْنا هذَا الخطابُ إنَّما هوَ خطابٌ بالمنعِ بالشرعِ، قلنا: نعمْ.\nقولُه: والمنعُ بالشرعِ يستوي فيهِ الأولياءُ وغيرُهم.\nقلنا: هذَا كلامٌ في غايةِ السُّقوطِ، فإنَّ المنعَ بالشرعِ هُنَا للأولياءِ الذينَ يتولُّوْنَ العقدَ إما جَوَازًا كما تقولُه الحنفيةُ (^٤)، أو شَرْطًا كما يقولُه غيرُهم (^٥). فالأجنبيُّ بمعزلٍ عن المنعِ لأنهُ لا ولايةَ لهُ على بناتِ زيدٍ مَثَلًا، فما معنَى نَهْيِه عنْ شيءٍ ليسَ منْ تكليِفِهِ؟ فهذَا تكليفٌ يخصُّ الأولياءَ، فهوَ كمنعِ الغَنِيِّ عن\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٣).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢١.\n(^٣) ﵌، وقد تقدَّم برقم (١٢/ ٩٢٣) من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ١٠).\n(^٥) وهم الجمهور كما تقدم، وانظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٨٧).","vol":"6","page":36},{"text":"السؤالِ ومنعِ النساءِ عن التَّبَرُّجِ، فالتكاليفُ الشرعيةُ منها ما يخصُّ الذكورَ، ومنْها ما يخصُّ الإناثَ، ومنْها ما يخصُّ بعضًا منَ الفريقينِ أوْ فَرْدًا مِنْهما، [وفيهما] (^١) ما يعمُّ الفريقينِ، وإنْ أرادَ أنهُ يجبُ على الأجنبيِّ الإنكارُ على مَنْ يُزَوِّجُ مسلمةً بمشركٍ فخروجٌ عن البحثِ.\nوقولُه: ولوْ قُلْنا إنهُ خطابٌ للأولياءِ لكانَ مجملًا لا يصحُّ بهِ عملٌ، جوابُهُ أنهُ ليسَ بِمُجْمَل، إِذِ الأولياءُ معروفونَ في زمانِ مَنْ أُنزِلَتْ عليهمُ الآيةُ، وقدْ كانَ معروفًا عندَهم، ألا تَرَى إلى قولِ عائشةَ (^٢): يخطبُ الرجلُ إلى الرجلِ وليّتَهُ، فإنَّهُ دالٌّ على أن الأولياءَ معروفونَ، وكذلكَ قولُ أم سلمةَ (^٣) لهُ - ﷺ -: ليسَ أحدٌ منْ أوليائي حاضرًا، وإنَّما ذكرنَا هذَا لأنهُ نقلَ الشارحُ ﵀ كلامَ \"النهايةِ\" وهوَ طويلٌ وجَنَحَ إلى رأي الحنفية واستوفاه الشارحُ [﵀] (^٤)، ولم يقْوَ في نظري ما قالَه، فأحببتُ [أنْ] (^٥) أُنَبِّهَ على بعضِ ما فيهِ، ولولا محبةُ الاختصارِ لنقلْتُه بِطُولِهِ وأبَنْتُ ما فيهِ. ومنَ الأدلةِ على اعتبار الولي قولُه - ﷺ - (^٦): \"الثيِّبُ أحقُّ بنفسِها منْ وليِّها\"، فإنهُ أثبتَ حقًّا للوليِّ كما يفيدُه لفظُ: \"أحقُّ\"، وأحقِّيَّتُه هي الولايةُ، وأحقيَّتُها رِضَاها، فإنهُ لا يصحُّ عقدُه بِها إلا بعدَه، فحقها بنفسِها آكدُ منْ حقِّه لِتَوَقُّفِ حقِّه عَلَى إِذْنَها.\n\n<span data-type='title' id=toc-963>النهي عن نكاح الشِّغار</span>\n١٦/ ٩٢٧ - وَعَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، والشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب) منها.\n(^٢) في حديث أنواع النكاح في الجاهلية المتقدم قبل قليل.\n(^٣) في حديث خطبة النبي ﷺ المتقدم أيضًا قبل قليل.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في الحديث المتقدم برقم (١٤/ ٩٢٥) من كتابنا هذا.\n(^٧) البخاري (٥١١٢) وطرفه في (٦٩٦٠)، ومسلم (١٤١٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٠٧٤)، والترمذي (١١٢٤)، والنسائي (٦/ ١١٠)، وابن ماجه (١٨٨٣)، وأحمد (٢/ ٦٢)، ومالك (٢/ ٥٣٥ رقم ٢٤)، والدارمي (٢/ ١٣٦)، وغيرهم. =","vol":"6","page":37},{"text":"وَاتَّفَقَا (^١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أن تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ.\n(وعنْ نافِعٍ عن ابن عمرَ قالَ: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن الشِّغارِ) فسَّرهُ بقولِهِ: (أن يزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أنْ يزوِّجَه الآخرُ ابنتَه وليسَ بينَهما صَدَاقٌ. متفقٌ عليهِ) واتفقا على وجه آخر على أن تفسير الشغار من كلام نافع. قالَ الشافعيُّ: لا أدري التفسيرُ عن النبيِّ ﷺ أو عن ابن عمرَ أوْ عنْ نافعِ أو عنْ مالكٍ، حكاهُ عنهُ البيهقيُّ في \"المعرفة\" (^٢). وقالَ الخطيبُ (^٣): إنهُ ليسَ منْ كلامِ النبي ﷺ وإنَّما هوَ قولُ مالكٍ وُصِلَ بالمتنِ المرفوعِ، وقدْ بيَّنَ ذلكَ ابنُ مهدي والقعنبيُّ. ويدلُّ أنهُ منْ كلامِ مالكٍ أنهُ أخرجَه الدارقطنيُّ (^٤) منْ طريقِ خالدِ بن مخلدٍ عنْ مالكٍ قالَ: سمعتُ أن الشِّغَارَ أنْ يزوِّجَ الرجلُ إلخ. وأما البخاريُّ فصرَّحَ في كتابِ الحيلَ (^٥) أن تفسيرَ الشِّغارِ منْ قولِ نافعٍ. قالَ القرطبيُّ (^٦): تفسيرُ الشِّغَارِ بما ذكرَ صحيحٌ موافقٌ لما ذكرهُ أهلُ اللغةِ؛ فإنْ كانَ مرفوعًا فهوَ المقصودُ، وإنْ كانَ منْ قولِ الصحابيِّ فمقبولٌ أيضًا لأنهُ أعلمُ بالمقال وأقعد بالحالِ اهـ. وإذْ قدْ ثبتَ النَّهْيُ عنهُ فقدِ اختلفَ الفقهاءُ هلْ هوَ باطلٌ أو غيرُ باطلٍ، فذهبتِ الهادويةُ (^٧) والشافعيُّ (^٨) ومالكٌ (^٩) إلى أنهُ باطلٌ للنَّهْيِ عنهُ وهوَ يقتضي البطلانَ.\nوللفقهاءِ خلافٌ في علل النَّهْي لا نُطَوِّلُ بهِ فكلُّها أقوالٌ تخمينيةٌ، ويظهرُ منْ\n_________\n= وفي الباب: عن أبي هريرة وجابر وأنس ومعاوية وعمران بن حصين وأبي ريحانة وأُبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وسمرة بن جندب ووائل بن حجر وابن عباس - ﵃ -.\nوانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء النكاح.\n(^١) أي الشيخان البخاري (٦٩٦٠)، ومسلم (٥٨/ ١٤١٥)، فالمدرج من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذا من طريق عبيد الله (وهو ابن عمر العمري) عن نافع، وقد رجَّح الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٦٢ - ١٦٣) أن تفسير الشغار مرفوع.\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ١٦٦).\n(^٣) قاله في \"المدرج\"، انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٢) و\"التلخيص\" (٣/ ١٥٤).\n(^٤) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٦٢)، ولم أجده في \"السنن\" ولعله في \"الموطآت\".\n(^٥) من \"صحيحه\" (٦٩٦٠).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٣).\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢١ - ٢٢).\n(^٨) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٩) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٠٩) بتحقيقنا.","vol":"6","page":38},{"text":"قولِه في الحديثِ: \"لا صَدَاقَ بينَهما\" أنهُ عِلَّةُ النَّهْي، وذهبتِ الحنفيةُ (^١) وطائفةٌ (^٢) إلى أن النكاحَ صحيحٌ ويلغُو ما ذكرَ فيهِ عملًا بعمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٣)، ويُجَابُ بأنهُ خصَّهُ النَّهْيُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-964>تخيير من زوِّجت وهي كارهة</span>\n١٧/ ٩٢٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أن جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أن أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ (^٥) وابْنُ مَاجَهْ (^٦)، وَأُعِلَّ بِالإرْسَال (^٧). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن جاريةً بِكْرًا أتتِ النبيَّ ﷺ فذكرتْ أن أباها زوَّجَها وهيَ كارهةٌ، فيخيَّرها رسولُ اللَّهِ ﷺ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ وأُعِلَّ بالإرسالِ) وأجيبَ عنهُ بأنهُ رواهُ أيوبُ بن سويدٍ عن الثوريّ عنْ أيُّوبَ موصولًا، [وكذا] (^٨) رواهُ معمرُ بنُ سليمانَ الرقيّ عنْ زيدِ بن حِبَّانَ عنْ أيوبَ موصولًا. وإذا اختُلِفَ في وصْلِ الحديثِ وإِرْسَالِه فالحكمُ لمنْ [وصل] (^٩). قالَ المصنفُ (^١٠): الطعنُ في الحديثِ لا معنَى لهُ؛ لأنَّ لهُ طُرُقًا يقوّي بعضُها بعضًا اهـ. وقدْ تقدَّمَ (^١١) حديثُ أبي هريرةَ المتفقُ عليهِ وفيهِ: ولا تُنْكَحُ البكرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ. وهذَا الحديثُ أفادَ ما أفادَهُ فدلَّ على تحريمِ إجبارِ الأبِ [ابنته] (^١٢) [البكر] (^١٣) على\n_________\n(^١) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ١٠٥).\n(^٢) وهم: الليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري. كما بينهم صاحب \"بداية المجتهد\" (٣/ ١١٠) وصاحب \"الاستذكار\" (١٦/ ٢٠٣).\n(^٣) سورة النساء: الآية ٣.\n(^٤) في \"المسند\" (٤/ ١٥٥).\n(^٥) في \"سننه\" (٢٠٩٦).\n(^٦) في \"سننه\" (١٨٧٥). وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٣٤ رقم ٥٦)، وهو حديث صحيح، صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٣٩٥ رقم ١٨٤٥)، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٩٦): رجاله ثقات. اهـ.\n(^٧) أعله بذلك أبو حاتم وأبو زرعة كما في \"الفتح\" (٩/ ١٩٦).\n(^٨) في (ب): \"وكذلك\".\n(^٩) في (ب): \"وصلَهُ\".\n(^١٠) في \"فتح الباري\" (٩/ ١٩٦).\n(^١١) برقم (١٣/ ٩٢٤) من كتابنا هذا.\n(^١٢) في (ب): لابنته.\n(^١٣) زيادة من (ب).","vol":"6","page":39},{"text":"النكاحِ وغيرُه منَ الأولياءِ بالأَوْلَى. وإلى عدمِ جوازِ إجبارِ الأبِ ذهبتِ الهادوية (^١) والحنفيةُ (^٢) لما ذُكِرَ ولحديثِ مسلم (^٣) بلفظ: \"والبكرُ يَسْتَأْذِنُها أبُوها\". وإنْ قالَ البيهقيُّ (^٤): زيادةُ الأبِ في الحديثِ غيرُ محفوظةٍ ردَّه المصنفُ (^٥) بأنَّها زيادةُ عدلٍ، يعني فَيُعْمَلُ بها، وذهبَ أحمدُ (^٦) وإسحاقُ (٦) والشافعيُّ (^٧) إلى أن للأبِ إجبارَ ابنتِهِ البكرِ البالغةِ على النكاحِ عملًا بمفهومِ: \"الثَّيّبُ أحقُّ بنَفْسِها\" كما تقدَّمَ (^٨)، فإنهُ دلَّ أن البِكْرَ بخلافها، وأنَّ الوليَّ أحقُّ بها. ويُرَدُّ بأَنهُ مفهومٌ لا يقاوِمُ المنطوقَ، وبأنهُ لوْ أُخِذَ بعمومِه لزمَ في حقّ غيرِ الأبِ منَ الأولياءِ وأنْ لا يُخَصَّ الأبُ بجوازِ الإجبارِ. وقالَ البيهقيُّ (^٩) في تقويةِ كلامِ الشافعيّ: إنَّ حديثَ ابن عباسٍ هذَا محمولٌ على أنهُ زوَّجَها منْ غيرِ كُفْءٍ. قالَ المصنفُ (^١٠): جوابُ البيهقيِّ هوَ المعتمدُ لأنَّها واقعةُ عينٍ فلا يثبتُ الحكمُ بها تعميمًا.\nقلتُ: كلامُ هذينِ الإمامينِ محاماةٌ على كلامِ الشافعي ومذهبهم، وإلِّا فتأويلُ البيهقي لا دليلَ عليهِ، فلوْ كانَ كما قالَ لذكرتْه المرأةُ، بلْ قالتْ: إنهُ زَوَّجَها وهي كارهة، فالعِلَّةُ كراهتُها فعليها عُلّقَ التخييرُ؛ لأنَّها المذكورةُ، فكأنه قالَ - ﷺ -: إذا كنتِ كارهةً فأنتِ بالخِيارِ، وقولُ المصنفِ: إنها واقعةُ عينٍ، كلامٌ غيرُ صحيح، بلْ حكمٌ عام لعمومِ عِلَّتِهِ، فأينَما وُجِدَتِ الكراهةُ ثبتَ الحكمُ. وقدْ أخرجَ النسائيُّ (^١١) عنْ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٨).\n(^٢) انظر: \"المبسوط\" (٥/ ٨، ٩).\n(^٣) المتقدم أثناء شرح الحديث رقم (١٣/ ٩٢٤)، من كتابنا هذا.\n(^٤) نقل البيهقي ذلك عن أبي داود، ونقل عن الشافعي قوله: قد زاد ابن عيينة في حديثه: \"والبكر يزوجها أبوها\". اهـ المراد. انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٧/ ١١٥).\n(^٥) قال في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٠ رقم ١٥٠٧) بعد أن ساق كلام البيهقي عن الشافعي: قال الدارقطني: لا نعلم أحدًا وافقه على ذلك. اهـ.\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٧/ ٣٨٠).\n(^٧) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ٤٤).\n(^٨) في المخطوط \"سيأتي\"، والصواب من المطبوع وقد تقدم برقم (١٤/ ٩٢٥).\n(^٩) انظر: \"السنن الكبرى\" له (٧/ ١١٨).\n(^١٠) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٩٦).\n(^١١) في \"سننه\" (٣٢٦٩)، من طريق كهمس بن الحسن عن عبد اللهِ بن بريدة عن عائشة - ﵄ -، وأخرجه ابن ماجه (١٨٧٤)، من طريق كهمس بن الحسن عن ابن بريدة عن أبيه ولم يذكر فيه عائشة، وهو حديث ضعيف، ضعَّفه المحدّث الألباني في \"ضعيف سنن النَّسَائِي\" (ص ١١٧ - ١١٨ رقم ٢٠٨).","vol":"6","page":40},{"text":"عائشةَ أن فتاةَ دخلتْ عليها فقالتْ: إنَّ أبي زوَّجني منِ ابن أخيهِ يرفعُ بي خَسِيْسَتَهُ وأنا كارهةٌ، قالتْ: اجلسي حتَّى يأتيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ، فجاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فأخبرتْهُ، فأرسلَ إلى أَبيهَا، فدعاهُ فجعلَ الأمرَ إليها، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ قدْ أَجَزْتُ ما صَنَعَ أبي ولكنْ أردتُ أنْ أُعَلِّمَ النساءَ أنْ ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ. والظاهرُ أنَّها بِكْرٌ ولعلَّها البكرُ التي في حديثِ ابن عباسٍ وقدْ زوَّجَها أبوها كُفْئًا ابنُ أخيهِ وإنْ كانتْ ثيبًا فقدْ صرَّحتْ أنهُ ليسَ مرادُها إلا إعلامَ النساءِ أنهُ ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ. ولفظُ النساءِ عام لِلثَّيِّبِ والبكرِ، وقدْ قالتْ هذه عندَهُ - ﷺ - فأقرَّها عليهِ، والمرادُ بنفي الأمرِ عن الآباءِ نفيُ التزويجِ للكارهةِ؛ لأنَّ السياقَ في ذلكَ فلا يقالُ هوَ عامٌّ لكلِّ شيءٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-965>من عقد لها وليان فهي للأول</span>\n١٨/ ٩٢٩ - وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: \"أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأوَّلِ مِنْهُما\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) والأَرْبَعَةُ (^٢)، وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ. [ضعيف]\n\n<span data-type='title' id=toc-966>ترجمة الحسن أبي سعيد</span>\n(وعنِ الحسنِ) وهوَ أبو سعيدٍ (^٣) الحسنُ بنُ أبي الحسنِ مولَى زيدِ بن ثابتٍ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٨/ ٥، ١١، ١٢، ١٨).\n(^٢) أبو داود (٢٠٨٨)، والترمذي (١١١٠)، والنسائي (٣١٤)، ولم أقف عليه في سنن ابن ماجه. وأخرجه الطيالسي (ص ١٢٢ رقم ٩٠٣)، والدارمي (٢/ ١٣٩)، والحاكم (٢/ ١٧٤ - ١٧٥)، والبيهقي (٧/ ١٣٩، ١٤١)، قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. وصحَّحه أيضًا أبو زرعة وأبو حاتم كما في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥) للحافظ، وقال: \"وصحَّته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة فمن رجاله ثقات\".\nقال الألباني: \"بل صحته متوقفة على تصريح الحسن بالتحديث فإنه كان يدلس\"، وقد حكم عليه بالضعف. انظر: \"الإرواء\" (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥ رقم ١٨٥٣).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٥٦٣ رقم ٢٢٣)، و\"تاريخ البخاري\" (٢/ ٢٨٩)، و\"طبقات ابن سعد\" (٧/ ١٥٦)، و\"المعارف\" (٤٤٠)، و\"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ٤٠) و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٦٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧١)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٣٦).","vol":"6","page":41},{"text":"وُلِدَ لسنتينِ بقيتَا منْ خلافةِ عمرَ بالمدينةِ وقدمَ البصرةَ بعدَ مقتلِ عثمانَ، وقيلَ: إنهُ لقيَ عليًا - ﵁ - بالمدينةِ، وأما بالبصرةِ فلمْ تصحَّ رؤيتُه إياه، [و] (^١) كانَ إمامَ وقْتِهِ عِلْمًا وزُهْدًا وَوَرَعًا، ماتَ في رجبٍ سنةَ عشرٍ ومائةٍ (عنْ سمُرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: أيُّمَا امرأةِ زوَّجَها وَلِيَّانِ فَهِيَ للأولِ مِنْهما. رواهُ أحمدُ والأربعة وحسَّنَه الترمذيُّ). تقدَّمَ ذِكْرُ الخلافِ (^٢) في سماعِ الحسنِ [من] (^٣) سمُرةَ ورواهُ أحمدُ (^٤) والشافعيُّ (^٥) والنسائيُّ (^٦) منْ طريقِ قتادةَ عن الحسن عنْ عقبةَ بن عامر، قالَ الترمذيُّ (^٧): الحسنُ عنْ سمرةَ في هذا أصحُّ. قالَ ابنُ المديني (^٨): لم يسمعِ الحسنُ عن عقبةَ شيئًا. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ إذا عقدَ لها وليَّانِ لرجلينِ وكانَ العقدُ مترتبًا أنَّها للأولِ منْهما سواءٌ دخلَ بها الثاني أوْ لا، أما إذا دخلَ بها عالمًا فإجماعٌ أنهُ زِنَى وأنَّها للأوَّلِ، وكذلكَ إنْ دخلَ بها جاهلًا، إلا أنهُ لا حدَّ عليهِ للجهلِ؛ فإنْ وقعَ العقدانِ في وقتٍ واحدٍ بَطَلَا، وكذَا إذا علمَ ثمَّ التبسَ فإنهما يبطلانِ، إلَّا أنَّها إذا أقرَّتِ الزوجةُ أو دخلَ بها أحدُ الزوجينِ برضَاها؛ فإنَّ ذلكَ يقررُ العقدَ الذي أقرَّتْ بسبقِه، إذ الحقُّ عليها فإقْرارُها صحيحٌ، وكذا الدخولُ بِرضَاها فإنهُ قرينةُ السبقِ لوجوبِ الحملِ على السلامةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-967>تحريم نكاح العبد بغير إذن سيده</span>\n١٩/ ٩٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهرٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٩) وَأَبُو دَاوُدَ (^١٠)\n_________\n(^١) زيادة من المطبوع.\n(^٢) انظر شرح الحديث رقم (١/ ٨٣٩) من كتابنا هذا.\n(^٣) في المطبوع \"عن\".\n(^٤) في \"المسند\" (٥/ ٨) بالشك بين عقبة وسمرة.\n(^٥) في \"بدائع المنن\" (٢/ ٢٢٨ رقم ١٥٥٠).\n(^٦) في \"الكبرى\" (٦٢٧٩/ ٢) وفيها قال الحسن: عن عقبة بن عامر وسمرة بن جندب.\n(^٧) لم أجده في \"السنن\" وقد نقله عنه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥).\n(^٨) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥).\n(^٩) في \"المسند\" (١٦/ ١٥٦ رقم ٤٩ - الفتح الرباني).\n(^١٠) في \"السنن\" (٢٠٧٨).","vol":"6","page":42},{"text":"وَالتِّرْمِذِي (^١) وصحّحه، وكذَلك ابن حِبان (^٢). [حسن]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ: أيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغيرِ إذْنِ مواليهِ أو أهلِه فهو عاهرٌ) أي زانٍ (رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَهُ وكذلكَ) صحَّحهُ (ابنُ حِبَّانَ) ورواهُ (^٣) منْ حديثِ ابن عمرَ موقُوفًا وأنهُ وجدَ عبدًا لهُ تزوَّجَ بغيرِ إذنِه ففرَّقَ بينَهما وأبطلَ عقْدَ [نكاحه] (^٤) وضَرَبَهُ الحدَّ. والحديثُ دليل على أنَّ نكاحَ العبدِ بغيرِ إذنِ مالكِه باطلٌ وحكمُه حكمُ الزِّنَى عندَ الجمهورِ (^٥)، إلَّا أنهُ يسقطُ عنهُ الحدُّ إذا كانَ جاهلًا للتحريم ويلحقُ بهِ النَّسَبُ. وذهبَ داودُ إلى أنَّ نكاحَ العبدِ بغيرِ إذنِ مالكِهِ صحيحٌ؛ لأَن النكاحَ [عندَهُ] (^٦) فرضُ عينٍ لا يفتقرُ إلى إذنِ السيِّدِ، وكأنهُ لم يثبتْ لديهِ الحديثُ. وقالَ الإمامُ يحيى (^٧): إنَّ العقدَ الباطلَ لا يكونُ لهُ حكمُ الزِّنَى هُنا [ولو] (^٨) كانَ عالمًا بالتحريمِ؛ لأنَّ العقدَ شبهةٌ يَدْرأ بها الحدَّ. وهلْ ينفذُ عقْدُه بالإجازةِ منْ سيِّدِهِ؟ فقالَ الناصرُ (٧)\n_________\n(^١) في \"السنن\" (١١١١) وقال: حديث حسن. اهـ. وهو الموافق لما في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥ رقم ١٥١٩).\n(^٢) لم يعزه المصنف لابن حبان في \"التلخيص\" وإنما عزاه للحاكم وهو في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٤) وصحَّحه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي (٧/ ١٢٧)، وعبد الرزاق (٧/ ٢٤٣ رقم ١٢٩٧٩) وهو حديث حسن، حسَّنه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٣٩٢ رقم ١٨٢٩)، وفي \"الإرواء\" (٦/ ٣٥١ رقم ١٩٣٣).\n(^٣) كذا في المخطوط والمطبوع، وصنيع الشارح يوهم أنه أخرجه ابن حبان والذي في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥ رقم ١٥١٩) أنه أخرجه عبد الرزاق، وهو في \"المصنف\" (٧/ ٢٤٣ رقم ١٢٩٨٠، ١٢٩٨١)، قال الحافظ في \"التلخيص\" وصوَّب الدارقطني في \"العلل\" وقف هذا المتن (يعني متن حديث الباب) على ابن عمر. اهـ.\nوأخرجه أبو داود (٢٠٧٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"إذا نكح العبد بغير إذن مولاه فنكاحه باطل\"، قال أبو داود: هذا الحديث ضعيف، وهو موقوف، وهو قول ابن عمر - ﵄ -. اهـ.\n(^٤) في (ب): \"عقدُه\".\n(^٥) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٣/ ٢٣ - بحاشية مختصر أبي داود للمنذري\" وفيه: \"وممن أبطل هذا النكاح الأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال مالك وأصحاب الرأي: إن أجازه السيد جاز، وإن أبطله بطل، وعند الشافعي لا يثبت النكاح وإن أجازه السيد لأن عقد النكاح لا يقع عنده موقوفًا على إجازة الولي\" اهـ.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ١٣١).\n(^٨) في (أ): \"إن\".","vol":"6","page":43},{"text":"والشافعي (^١): لا ينفذُ بالإجازةِ؛ لأنهُ سمَّاهُ النبي ﷺ عاهِرًا. وأجيبَ بأن المرادَ إذا لم تحصلِ الإجازةُ، إلَّا أن الشافعي (١) لا يقولُ بالعقدِ الموقوفِ أصلًا، والمرادُ بالعاهرِ أنهُ كالعاهِرِ وأنهُ ليسَ بِزَانٍ حقيقةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-968>تحريم الجَمع بين المرأةِ وعمتها</span>\n٢٠/ ٩٣١ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: \"لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يجمَعُ) بلفظِ المضارع المبنيِّ للمجهولِ ولا نافيةٌ فهوَ مرفوعٌ وهو في معنى النهيِ وقدْ وردَ في إحدَى رواياتِ الصحيحِ (^٣) بلفظِ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْمَعَ (بين المرأةِ وَعَمَّتها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها. متفقٌ عليهِ) فيه دليل على تحريمِ الجمْعِ بينَ مَنْ ذُكِرَ. قالَ الشافعي (^٤): يحرمُ الجمعُ بينَ مَنْ ذُكِرَ وهوَ قولُ مَنْ لَقْيتُهُ منَ المفتينَ لا خلافَ بينَهم في ذلكَ، ومثله قالَ الترمذيُّ (^٥). وقالَ ابنُ المنذرِ (^٦): لستُ\n_________\n(^١) قدَّمنا نقل الخطابي في \"المعالم\" عن الشافعي.\n(^٢) البخاري (٥١٠٩، ٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٠٦٥، ٢٠٦٦)، والترمذي (١١٢٥ في آخره، ١١٢٦)، والنسائي (٦/ ٩٦: ٩٨)، وابن ماجه (١٩٢٩)، ومالك (٢/ ٥٣٢ رقم ٢٠)، والشافعي (٢/ ١٨ رقم ٥٠ - ترتيب المسند)، وأحمد (١/ ٤٧٤)، (٢/ ٢٢٩، ٤٠١، ٤٢٦، ٤٦٥)، وسعيد بن منصور (رقم ٦٥٠، ٦٥٤)، والدارمي (٢/ ١٣٦)، وابن الجارود (رقم ٦٨٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٢٦١ رقم ١٠٧٥٣)، والبيهقي (٧/ ١٦٥، ١٦٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٠٧) من طرق عن أبي هريرة مرفوعًا. وفي الباب من حديث: جابر وعلي وابن مسعود وابن عمرو بن العاص وابن عمر بن الخطاب وابن عباس وأنس وأبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وسمرة بن جندب، وعتاب بن أسيد أجمعين. وانظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء النكاح.\n(^٣) صحيح البخاري (٥١١٠).\n(^٤) انظر: \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي (١٠/ ١٠٦).\n(^٥) في سننه (٣/ ٤٣٣).\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦١) وقد نقل الإجماع في كتابه \"الإجماع\" (ص ٩٥ رقم ٣٦٩).","vol":"6","page":44},{"text":"أعلمُ في منعِ ذلكَ اختلافًا اليومَ، وإنَّما قالَ بالجوازِ فِرقةٌ منَ الخوارجِ، وَنَقَلَ الإجماعَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١) وابنُ حزمٍ (^٢) والقرطبيُّ (^٣) والنوويُّ (^٤) ولا يخْفَى أن هذا الحديثَ خَصَّصَ عمومَ قولِهِ تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (^٥) الآيةَ. قيلَ: ويلزمُ الحنفيةُ أنْ يجوِّزُوا الجمعَ بينَ مَنْ ذُكِرَ؛ لأنَّ أصولَهم [تقديمُ] (^٦) عموم الكتاب على أخبارِ الآحادِ إلَّا أنهُ أجابَ صاحبُ \"الهدايةِ\" (^٧) بأنهُ حديثٌ مشهورٌ والمشهورُ لهُ حكمُ القطعي لا سيِّما معَ الإجماعِ منَ الأمةِ وعدمِ الاعتدادِ بالمخالفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-969>نكاح المحرم</span>\n٢١/ ٩٣٢ - وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٨). [صحيح]\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"وَلَا يَخْطُبُ\"، وَزَادَ ابْنُ حِبّانَ (^٩): \"وَلَا يُخْطَبُ عَلَيهِ\".\n(عنْ عثمانَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: لا يَنْكِحُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ منْ نَكَحَ (المحرمُ لا يُنْكِحُ) بضمِّهِ منْ أنكَحَ (رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ لهُ) أي عنْ عثمانَ (ولا يخطُبُ) أي لنفسِه أو لغيرِه (زاد ابنُ حبانَ: ولا يُخْطَبُ عليهِ) وتقدَّم ذلكَ في كتابِ (^١٠) الحجِّ إلَّا قولَه: \"ولا يُخْطَبُ عليه\"، والمرادُ أنهُ لا يَخْطُبُ أحد منهُ وليّتَهُ.\n_________\n(^١) في \"الاستذكار\" (١٦/ ١٧٠).\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٥٢٤) وفيه قال: وعلى هذا جمهور الناس إلا عثمان البتِّي فإنه أباحه. اهـ وإنما تابع الشارحُ الحافظَ في \"الفتح\" (٩/ ١٦١).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦١).\n(^٤) انظر: \"شرح مسلم\" له (٩/ ١٩١).\n(^٥) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(^٦) في (أ): \"مقدم\".\n(^٧) انظر: \"الهداية\" (١/ ١٩٢).\n(^٨) تقدم تخريجه برقم (٦/ ٦٨٦) من كتابنا هذا.\n(^٩) في \"صحيحه\" (١/ ٥٤٧ رقم ١٢٧٤ - الموارد).\n(^١٠) برقم (٦/ ٦٨٦) كما قدَّمنا.","vol":"6","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-970>شروط النكاح</span>\n٢٢/ ٩٣٣ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: تَزَوّجَ النَّبِي ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسِ - ﵄ - قالَ: تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ميمونةَ وهوَ محرمٌ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ قدْ أكثرَ الناسُ فيهِ الكلامَ لمخالفةِ ابن عباسٍ - ﵁ - لغيرِه. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٢): اختلفتِ الآثارُ في هذا الحكمِ لكنَّ الروايةَ أنهُ تزوَّجَها وهوَ حلالٌ جاءتْ منْ طُرُقٍ شَتَّى. وحديثُ ابن عباسٍ صحيحُ الإسنادِ لكنَّ الوهْمَ إلى الواحدِ أقربُ منَ الوهمِ إلى الجماعةِ، فأقلُّ أحوالِ الخبرينِ أنْ يتعارضَا فَتُطْلَبُ الحجةُ منْ غيرِهما، وحديثُ عثمانَ صحيحٌ في منعِ نكاحِ المحرِم فهوَ المعتمَدُ، انتَهى. وقالَ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ (^٣): إنَّ أبا ثورٍ يقولُ بأيِّ شيءٍ يُدْفَعُ حديثُ ابن عباسٍ أي معَ صِحَّتِهِ، قالَ: اللَّهُ المستعانُ، ابنُ المسيبِ يقولُ وهمَ ابنُ عباسٍ وميمونةُ تقولُ تزوَّجني وهوَ حلالٌ، انتَهى. يريدُ بقولِ ميمونةَ ما رواهُ عنْها مسلمٌ وهوَ:\n٢٣/ ٩٣٤ - وَلمُسْلِمٍ (^٤) عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا - ﵄ - أن النبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. [صحيح]\n(ولمسلمٍ عنْ ميمونةَ نفسِها أن النبيَّ ﷺ تزوَّجها وهو حلالٌ) وعضَّدَ حديثَها\n_________\n(^١) البخاري (١٨٣٧)، ومسلم (٤٧/ ١٤١٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (١٨٤٤)، والترمذي (٨٤٢)، والنسائي (٥/ ١٩١)، وابن ماجه (١٩٦٥)، وابن الجارود (رقم ٤٤٦)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٦٣ رقم ٧٣)، وأحمد (١/ ٢٦٦)، والطيالسي (١/ ٢١٣ رقم ١٠٣١ - منحة المعبود).\n(^٢) انظر: \"التمهيد\" (٣/ ١٥٣).\n(^٣) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣١٩).\n(^٤) وفي \"صحيحه\" (٤٨/ ١٤١١). وأخرجه أبو داود (١٨٤٣)، والترمذي (٨٤٥)، وابن ماجه (١٩٦٤)، وابن الجارود (رقم ٤٤٥)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ٢٦٩)، والدارقطني (٣/ ٢٦١ رقم ٦٣: ٦٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣١٥، ٣١٦)، والبيهقي (٥/ ٦٦)، والدارمي (٢/ ٣٨)، وأحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٥)، والشافعي (١/ ٣١٨ رقم ٨٣٠ - ترتيب المسند\" وغيرهم عن يزيد بن الأصم حدثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.","vol":"6","page":46},{"text":"حديثُ عثمانَ (^١) وقد تؤوِّل حديثُ ابن عباسٍ - ﵁ -، بأنَّ معنَى وهوَ محرمٌ أي داخلٌ في الحرم أو في الأشهرِ الحُرُم، جزمَ بهذا التأويلِ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (^٢) وهوَ تأويلٌ بعيدٌ لا تساعدُ عليهِ ألفاظُ الأحاديثِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ في هذا في الحجِّ (^٣).\n٢٤/ ٩٣٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إن أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفَّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ\"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ: إن أحقَّ الشروطِ أنْ يُوَفَّى بهِ ما استحلَلْتُمْ بهِ الفروجَ. متفقٌ عليهِ)، أي أحقُّ الشروطِ بالوفاءِ شروطُ النكاحِ لأنَّ أمْرَهُ أحوطُ وبابهُ أضيقُ. والحديثُ دليلٌ على أن الشروطَ المذكورةَ في عقدِ النكاحِ يتعينُ الوفاءُ بها سواءٌ كانَ الشرطُ عرضًا أو مالًا حيثُ كانَ الشرطُ للمرأةِ لأنَّ استحلالَ البِضْعِ إنَّما يكونُ فيما يتعلقُ بها أو ترضى به لغيرهَا. وللعلماءِ في المسألةِ أقوالٌ، قالَ الخطابيُّ (^٥): الشروطُ في النكاحِ مختلفٌ فيها، فمنْها ما يجبُ الوفاءُ بهِ اتفاقًا، وهوَ ما أمرَ الله تعالَى بهِ منْ إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ وعليهِ حملَ بعضُهم هذا الحديثَ، ومنْها ما لا يُوَفَّى بهِ اتفاقًا كطلاقِ أُختِهَا لما وردَ منَ النهْي (^٦) عنهُ، ومنْها ما اختُلِفَ فيهِ كاشتراطِ أنْ لا يتزوجَ عليها ولا يتسرَّى ولا ينقلَها منْ منزِلِها إلى منزلِهِ. وأما ما يشترطُه العاقدُ لنفسِه خارجًا\n_________\n(^١) المتقدم برقم (٢١/ ٩٣٢) من كتابنا هذا.\n(^٢) قال مبوبًا: ذكر البيان بأن تزوج المصطفى - ﷺ - ميمونة كان وهو حلال لا حرام. انظر: \"الإحسان\" (٩/ ٤٤٢).\n(^٣) أثناء شرح الحديث رقم (٦/ ٦٨٦).\n(^٤) البخاري (٢٧٢١)، ومسلم (٦٣/ ١٤١٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٤٤، ١٥٠)، والدارمي (٢/ ١٤٣)، وأبو داود (٢١٣٩)، والترمذي (١١٢٧)، والنسائي (٦/ ٩٢ - ٩٣)، وابن ماجه (١٩٥٤)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٧ - ٢١٨).\n(^٦) يشير إلى قوله - ﷺ -: \"لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها فإنما لها ما قدِّر لها\"، أخرجه البخاري (٥١٥٢)، ومسلم (٣٨، ٣٩/ ١٤٠٨)، وأبو داود (٢١٧٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"6","page":47},{"text":"عن الصَّداقِ فقيلَ هوَ للمرأةِ مطلقًا وهوَ قولُ الهادويةِ (^١) وعطاءٍ وجماعةٍ، وقيلَ: هوَ لِمَنْ شَرَطهُ، وقيلَ: يختصُّ ذلكَ بالأبِ دونَ غيرِه منَ الأولياءِ. وقالَ مالكٌ (^٢): إنْ وقعَ في حالِ العقدِ فهوَ منْ جملةِ المهْرِ، أو خَارِجًا عنهُ فهوَ لمنْ وُهِبَ لهُ. ودليلُه ما أخرجُه النَّسَائِيُّ (^٣) منْ حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ يرفعُه بلفظِ: \"أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ على صَدَاقٍ أو حباءٍ أو عدَّةٍ قبلَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لها وما كانَ بعدَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ وأحقُّ ما أكرمَ عليهِ الرجلُ ابنتَهُ أو أختَه\" وأخرجَ نحوَه (^٤) الترمذيُّ منْ حديثِ عروةَ عنْ عائشةَ ثمَّ قالَ (٤): والعملُ على هذَا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ منَ الصحابةِ منْهم عمرَ قالَ: إذا تزوَّجَ الرجلُ المرأةَ بشرطِ أنْ لا يُخْرِجَها لزمَ، وبهِ يقولُ الشافعيُّ (^٥) وأحمدُ (^٦) وإسحاقُ، إلَّا أنهُ قدْ تعقِّبَ (٥) بأنَّ نَقْلَهُ عن الشافعي غريبٌ، والمعروفُ عن الشافعيةِ أن المرأدَ منَ الشروطِ هيَ التي لا تنافي النِّكَاحَ بلْ تكونُ منْ مقتضياتِه ومقاصِدهِ كاشتراطِ حُسْنِ العشرةِ والإنفاقِ [والكسوةِ] (^٧) والسُّكْنَى وأنْ لا يقصِّرَ في شيءٍ منْ حقِّها منْ [قِسْمَةٍ] (^٨) ونفقةٍ وكَشَرْطِهِ عليها ألا تخرجَ إلا بإذنِه وأنْ لا تصرف في متاعِهِ ونحوِ ذلكَ.\nقلتُ: هذهِ الشروطُ إنْ أرادُوا أنهُ يحملُ عليها الحديثُ فقدْ قلَّلُوا فائدتَه؛ لأنَّ هذهِ أمورٌ لازمةٌ للعقدِ لا تفتقرُ إلى شرطٍ، وإنْ أرادُوا غيرَ ذلكَ فما هوَ؟ نعمْ لو شَرَطَتْ ما ينافي العقدَ كأنْ لا يقسمَ لها ولا يتسرَّى عليها فلا يجبُ الوفاءُ بهِ، قالَ الترمذيُّ (^٩): قالَ عليٌّ - ﵁ - سبقَ شرطُ اللَّهِ شَرْطَها. فالمرادُ في الحديثِ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ١١٣).\n(^٢) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٥٢ - ٥٣) بتحقيقنا.\n(^٣) في \"سننه\" (٦/ ١٢٠). وأخرجه ابن ماجه (١٩٥٥)، وأحمد (٢/ ١٨٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ٢٥٧ رقم ١٠٧٣٩)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨)، وفي إسناده ابن جريج مدلس وقد عنعنه وتابعه عند البيهقي مدلس آخر وهو الحجاج بن أرطاة، فهو حديث ضعيف ضعَّفه المحدث الألباني في \"الضعيفة\" (رقم ١٠٠٧).\n(^٤) نحو ماذا؟ إنما قال الترمذي هذا الكلام بعد تخريج حديث عقبة بن عامر، وانظره في \"السنن\" (٣/ ٤٣٤)، والذي يبدو أن الشارح قد حدث له سبق نظر في نقله من \"الفتح\" (٩/ ٢١٨).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١٨).\n(^٦) انظر: \"المغني\" (٧/ ٤٤٨ - ٤٤٩).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"كسوة\".\n(^٩) في \"السنن\" (٣/ ٤٣٤).","vol":"6","page":48},{"text":"الشروطُ الجائزةُ لا المنْهِيُّ عنها، فأمَّا شرطُها أنْ لا يخرجَها منْ منزِلها فهذَا شرطٌ غيرُ مَنْهِيٍّ عنهُ فيتعينُ بهِ الوفاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-971>نكاح المتعة حرام</span>\n٢٥/ ٩٣٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ نَهى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ سلمةَ بن الأكوعِ - ﵁ - قالَ: رخَّصَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عامَ أوطاسٍ في المتعةِ ثلاثةَ أيامٍ ثمَّ نَهَى عنْهَا. رواهُ مسلمٌ).\nاعلمْ أن حقيقةَ المتعةِ كما في كتبِ الإماميةِ (^٢) هي النكاحُ المؤقتُ بأمدٍ معلومٍ أوْ مجهولٍ، وغايتُه إلى خمسةٍ وأربعينَ يومًا ويرتفعُ النكاحُ بانقضاءِ المؤقتِ في المنقطعةِ الحيضِ، وبحيضتين في الحائضِ، وبأربعةِ أشهرٍ وعشرٍ في المُتَوَفَّى عنْها زوجُها. وحُكْمُه أنْ لا يثبتَ لها مهرٌ غيرُ المشروطِ ولا تثبت لها نفقة ولا توارثٌ ولا عدَّةٌ إلا الاستبراءُ بما ذُكِرَ، ولا يثبتُ بها نسبٌ إلَّا أنْ يشترطَ وتحرمُ المصاهرةُ بسببهِ، هذا كلامُهم. وحديثُ سلمةَ هذا أفادَ أنهُ - ﷺ - رخَّصَ في المتعةِ ونَهَى عنْها، واستمرَّ النَّهْيُ ونُسِخَتِ الرخصةُ، وإلى نَسْخِها ذهبَ الجماهيرُ (^٣) منَ السلفِ والخلفِ، وقدْ رُوِيَ نسخُها بعدَ الترخيصِ في ستَّةِ (^٤) مواطنَ:\nالأولُ: في خيبر.\nالثاني: في عمرةِ القضاءِ.\nالثالث: عامَ الفتحِ.\nالرابع: عامَ أوطاسٍ.\nالخامسُ: غزوةُ تبوكَ.\nالسادسُ: في حجَّةِ الوداعِ. فهذهِ التي وردتْ، إلا أن في ثبوتِ بعضِها خلافًا.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٨/ ١٤٠٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٢)، والبيهقي (٧/ ٢٠٤)، وابن حبان (٩/ ٤٥٧ رقم ٤١٥١ - الإحسان).\n(^٢) انظر: \"الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية\" (٥/ ٢٤٥ وما بعدها).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٧٣).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٩).","vol":"6","page":49},{"text":"قالَ النوويُّ (^١): الصوابُ أن تحريمَهَا وإباحتَها وَقَعَا مرتينِ، فكانتْ مباحةً قبلَ خيبرَ ثم حُرِّمَتْ فيها، ثم أبيحتْ عامَ الفتحِ وهو عامُ أوطاسٍ ثمَّ حُرِّمَتْ تحريمًا مؤبَّدًا، وإلى هذا التحريمِ ذهبَ أكثرُ الأمةِ، وذهبَ إلى بقاءِ الرخصةِ جماعةٌ منَ الصحابةِ ورُوِيَ رجوعُهم وقولُهم بالنسخِ، ومنْ أولئكَ ابنُ عباسٍ (^٢) رُوِيَ عنهُ بقاءُ الرخصةِ ثمَّ رجعَ عنهُ إلى القولِ بالتحريم. قالَ البخاريُّ (^٣): بيَّنَ علي - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - أنهُ منسوخٌ، وأخرجَ ابنُ ماجهْ (^٤) عنْ عمرَ - ﵁ - بإسنادٍ صحيحٍ أنهُ خطبَ فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أذنَ لنا في المتعةِ ثلاثًا ثمَّ حرَّمَها، واللَّهِ لا أعلمُ أحدًا تمتَّعَ وهوَ محصَنٌ إلا رجمتُه بالحجارةِ، وقالَ ابنُ عمرَ (^٥) - ﵁ -: نهانا عنها رسولُ اللَّهِ ﷺ وما كنَّا مسافحينَ، إسنادُه قويٌّ. والقولُ بأنَّ إباحتَها قَطْعِي ونسخُها ظنيٌّ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الرَّاوينَ لإباحتِها رَوَوْا نَسْخَها وذلكَ إما قَطْعي في الطرفينِ أو ظنيٌّ في الطرفينِ جميعًا، كذَا في الشرحِ، وفي \"نهايةِ المجتهدِ\" (^٦) أنَّها تواترتِ الأخبارُ بالتحريمِ إلَّا أنَّها اختلفتْ في الوقتِ الذي وقعَ فيهِ التحريمُ، انتهَى.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح مسلم\" له (٩/ ١٨١).\n(^٢) روى البخاري في \"صحيحه\" (٥١١٦)، عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يسأل عن متعة النساء فرخَّص، فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد وفى النساء قلة أو نحوه، فقال ابن عباس: نعم.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٣١٩): وجملة القول أن ابن عباس - ﵁ - روي عنه في المتعة ثلاثة أقوال:\nالأول: الإباحة مطلقًا.\nالثاني: الإباحة عند الضرورة.\nوالآخر: التحريم مطلقًا، وهذا مما لم يثبت عنه صراحة بخلاف القولين الأولين فهما ثابتان عنه. واللَّهُ أعلم. اهـ.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٩/ ١٦٧ آخر الحديث رقم ٥١١٩).\n(^٤) في \"سننه\" (١٩٦٣). وقد حسنه الألباني في \"صحيح ابن ماجه\" (١/ ٣٣٢ رقم ١٥٩٨) وصحّحه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٥٤).\n(^٥) عزاه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٥٤) للطبراني في \"الأوسط\" من طريق إسحاق بن راشد عن الزهري عن سالم: أتي ابن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة فقال: معاذ الله ما أظن ابن عباس يفعل هذا، فقيل: بلى، قال: وهل كان ابن عباس على عهد رسول الله ﷺ إلا غلامًا صغيرًا، ثم قال ابن عمر: … فذكره ثم قال: إسناده قوي.\n(^٦) (٣/ ١١٠ - ١١١).","vol":"6","page":50},{"text":"وقدْ بسطْنا القولَ في تحريمِها في \"حواشي ضوء النهارِ\" (^١).\n٢٦/ ٩٣٧ - وَعَنْ عَلِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n- وَعَنْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ (^٣) إلَّا أَبَا دَاوُدَ. [صحيح]\n- وَعَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبُرَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إنِّي كنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ في الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النسَاءِ، وَإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُن شَيئًا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤) وأَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالنَّسَائِي (^٦) وَابْنُ مَاجَه (^٧) وَأَحْمَدُ (^٨) وَابْنُ حِبّانَ (^٩). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن المتعةِ عامَ خيبرَ. متفقٌ عليهِ)\nلَفْظُهُ في البخاري: \"أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن المُتعةِ وعنِ الحُمُرِ الأهليةِ زمنَ خيبرَ\"\n_________\n(^١) (٢/ ٧٤٤ - ٧٤٦).\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ في الصحيحين وإنما هو فيهما باللفظ التالي له.\n(^٣) البخاري (٤٢١٦)، وأطرافه (٥١١٥، ٥٥٢٣، ٦٩٦١)، ومسلم (١٤٠٧)، والترمذي (١١٢١)، والنسائي (٦/ ١٢٥، ١٢٦)، وابن ماجه (١٩٦١)، وأحمد (١/ ٧٩).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود (رقم ٦٩٧)، والدارقطني (٣/ ٢٥٧ رقم ٥١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٧٧)، والبيهقي (٧/ ٢٠١)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٨٠٢)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٤٢ رقم ٤١)، والشافعي (٢/ ١٤ رقم ٣٥ - ترتيب المسند\" والطيالسي (ص ١٨ رقم ١١١)، والدارمي (٢/ ١٤٠) من أوجه عنه - ﵁ - وفي الباب: عن عمر بن الخطاب وسلمة بن الأكوع وسبرة بن معبد وأبي هريرة وجابر وثعلبة بن الحكم وأبي عمر وأبي ذر والحارث بن غزية وسهل بن سعد وكعب بن مالك وابن عباس وابن مسعود وأنس وحذيفة، انظر تخريجها في كتابنا \"إرشاد الأمة … \" جزء النكاح.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢١/ ١٤٠٦).\n(^٥) في \"سننه\" (٢٠٧٢، ٢٠٧٣) مختصرًا.\n(^٦) في \"سننه\" (٣٣٦٨).\n(^٧) في \"سننه\" (١٩٦٢).\n(^٨) في \"المسند\" (٣/ ٤٠٤، ٤٠٥).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٩/ ٤٥٤ رقم ٤١٤٧ - الإحسان). وأخرجه ابن الجارود (٦٩٩)، والطحاوي (٣/ ٢٥، ٢٦)، والدارمي (٢/ ١٤٠)، والبيهقي (٧/ ٢٠٣، ٢٠٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٢) وغيرهم.","vol":"6","page":51},{"text":"بالخاءِ المعجمةِ أوَّلَهُ والراءِ آخرَهُ. وقدْ وَهِمَ (^١) مَنْ رَواهُ عامَ حُنَيْنٍ بمهملةٍ أوَّلَهُ ونونٍ آخره. أخرجَهُ النسائيُّ والدارقطنيُّ وَنبَّه على أنهُ وَهْمٌ. ثمَّ الظاهرُ أن الظَّرْفَ في روايةِ البخاري متعلِّقٌ بالأمرينِ معًا المتعةِ ولحومِ الحمرِ الأهليةِ، وحَكَى البيهقيُّ (^٢) عن الْحُمَيْدِي أنهُ كانَ يقولُ سفيانُ بنُ عيينةَ: \"في خيبرَ\" يتعلقَ بالحمُرِ الأهليةِ لا بالمتعةِ، قالَ البيهقيُّ: هوَ محتمِلٌ ذلكَ ولكنَّ أكثرَ الرواياتِ يفيدُ تعلُّقَه بِهِمَا. وفي روايةٍ لأحمدَ (^٣) منْ طريقِ مَعْمَر بسندِه أنهُ بلغهُ (^٤) أن ابنَ عباسٍ - ﵁ - رخَّصَ في متعةِ النساءِ فقالَ لهُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنهُ يومَ خيبرَ وعنْ لحومِ الحمُرُ الأهليةَ، إلَّا أنهُ قالَ السُّهَيْلِي (^٥): إنهُ لا يُعْرَفُ عنْ أهلِ السيرِ ورُوَاةِ الآثارِ أنهُ نَهَى عن نِكاحِ المتعةِ يومَ خيبرَ، قالَ: والذي يظهرُ أنهُ وقعَ تقديمٌ وتأخيرٌ. وقدْ ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٦) أن الحميدي ذكرَ عن ابن عُيَيْنَةَ أن النَّهْيَ زمنَ خيبرَ عن لحومِ الحمرِ الأهليةِ، وأما المتعةُ فكانَ في غيرِ يومِ خيبرِ. وقالَ أبو عوانَة (^٧) في صحيحه: سمعتُ أهلَ العلمِ يقولونَ: معنَى حديثِ عليٍّ ﵁، أنهُ نَهَى يومَ خيبرَ عنْ لحومِ الحمُرُ، وأما المتعةُ فسكتَ عنها، وإنَّما نَهَى عنْها يومَ الفتحِ، والحاملُ لهؤلاءِ على ما سمعت ثبوتُ الرخصةِ بعدَ زمنِ خيبرَ ولا تقومُ لعليٍّ ﵁ الحجةُ على ابن عباسٍ إلا إذا وقعَ النَّهْيُ عنْها أخيرًا، إلَّا أنهُ يمكنُ الانفصالُ عنْ ذلكَ بأنَّ عليًا - ﵁ - لم تبلغْهُ الرخصةُ فيها يومَ الفتحِ لوقوعِ النَّهْي عنْ قرب، ويمكنُ أن عليًا - ﵁ - عرفَ بالرُّخصةِ يومَ الفتحِ ولكنَّ فهمَ توقيتِ الترخيصِ وهوَ أيامُ شدةِ الحاجةِ معَ العزوبةِ، وبعدَ مُضِيِّ ذلكَ فهِيَ باقيةٌ على أصلِ التحريمِ المتقدَّمِ فتقومُ [لهُ] (^٨) الحجةُ على ابن عباسٍ. وأما قولُ ابنُ القيّمِ (^٩): إنَّ المسلمينَ لم يكونُوا يستمتعونَ بالكتابياتِ (^١٠)، يريدُ أن يتقوَّى به على أن النَّهْي لم يقعْ [يوم] (^١١) خيبرَ،\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٨).\n(^٢) انظر: \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٣) عزاها إليه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٦٨) ولم أقف عليها في المسند.\n(^٤) أي بلغ عليًا - ﵁ -.\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٨ - ١٦٩).\n(^٦) انظر: \"التمهيد\" (١٠/ ٩٥).\n(^٧) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٦٩).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥).\n(^١٠) الذي في الزاد: اليهوديات.\n(^١١) في (ب): \"عام\".","vol":"6","page":52},{"text":"إذْ لم يقعْ هناكَ نكاحُ متعةٍ فقدْ يجابُ عنهُ بأنهُ قدْ يمكن بأن يكونَ هناك مشركاتٌ غيرُ كتابياتٍ؛ فإنَّ أهْلَ خيبرَ كانُوا يُصاهرُونَ الأوسَ والخزرجَ قبلَ الإسلامِ فلعلَّه كانَ هناكَ منْ نساءِ الأوسِ والخزرجِ منْ يَسْتَمْتِعُونَ مِنْهُنَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-972>تحريم التحليل</span>\n٢٧/ ٩٣٨ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. رواه أَحْمَدُ (^١) وَالنَّسَائِي (^٢) وَالترْمِذِيُّ (^٣) وَصَحّحَهُ. [صحيح]\n- وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ (^٤) إلَّا النَّسَائي. [صحيح]\n(وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: لَعَنَ رسول اللَّهِ ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له. رواهُ أحمدُ والنسائي والترمذي وصحَّحَهُ: وفي البابِ عنْ علي ﵁) ولفظُه عنْ عليٍّ أنهُ - ﷺ -: \"لعنَ المحللَ والمحلَّلَ لهُ\"، (أخرَجَهُ الأربعة إلَّا النسائيَّ) وصحَّحَ (^٥) حديثَ ابن مسعودٍ ابنُ القَطانِ، وابنُ دقيقٍ العيدِ على شرطِ البخاري، وقالَ الترمذيُّ (^٦): حديثٌ صحيحٌ حسنٌ، والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ منهمْ عمرُ وعثمانُ وابنُ عمرَ (^٧) وهوَ قولُ الفقهاءِ منَ التابعينَ، وأما حديثُ عليٍّ ﵁ ففي\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٤٥٠).\n(^٢) في \"سننه\" (٦/ ١٤٩).\n(^٣) في \"سننه\" (١١٢٠). وأخرجه البيهقي (٧/ ٢٠٨) وصحَّحه الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٨٩٤)، ويشهد له ما يأتي.\n(^٤) أبو داود (٢٠٧٦)، والترمذي (١١١٩)، وابن ماجه (١٩٣٥)، وأحمد (١/ ٨٧).\nوأخرجه البيهقي (٧/ ٢٠٨)، وصحّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٣٩٢ رقم ١٨٢٧) ويشهد له ما قبله، وأيضًا ما أخرجه: ابن ماجه (١/ ٦٢٣ رقم ١٩٣٦)، والدارقطني (٣/ ٢٥١ رقم ٢٨)، والحاكم (٢/ ١٩٩)، وصحَّحه والبيهقي (٧/ ٢٠٨)، من حديث عقبة بن عامر، وكذلك ما أخرجه: أحمد: (٢/ ٣٢٣)، وابن الجارود (٦٨٤)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) وابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.\n(^٥) انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٧٠ رقم ١٥٣٠).\n(^٦) في \"سننه\" (٣/ ٤٢٩).\n(^٧) في المطبوع \"عبد اللهِ بن عمر\"، وفي المخطوط \"ابن عمر\"، وفي \"السنن\" \"عبد اللهِ بن عمرو\".","vol":"6","page":53},{"text":"إسنادهِ مجالدٌ وهوَ ضعيفٌ وصحَّحَهُ ابنُ السَّكَنٍ (^١) وأعلَّهُ الترمذيُّ (^٢) ورواهُ ابنُ ماجهْ والحاكمُ منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ ولفظُه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ألا أخبرُكم بالتيسِ المستعَارِ\"؟ قالُوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ، قالَ: \"هو المحلِّلُ، لعنَ اللَّهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ لهُ\".\nوالحديثُ دليل على تحريمِ التحليلِ؛ لأنهُ لا يكونُ اللعنُ إلا على فاعلِ المحرَّمِ وكلُّ محرَّمٍ مَنْهِيٌّ عنهُ، والنَّهْيُ يقتضي فسادَ العقدِ، واللعنُ وإنْ كانَ للفاعلِ لكنَّهُ عُلِّقَ بوصفٍ يصحُّ أنْ يكونَ علةَ للحكمِ. وذكَرُوا للتحليلِ صُوَرًا، منْها أن يقولَ لهُ في العقدِ: إذا أحلَلْتُها فلا نكاحَ، وهذا مِثْلُ نكَاحِ المتعةِ لأجْلِ التوقيتِ، ومنْها أنْ يقولَ في العقدِ إذا حللتها طلَّقْتَها، ومنْها أنْ يكونَ مُضْمرًا عندَ العقدِ بأنْ يتواطئا على التحليلِ ولا يكونُ النكاحُ الدائمُ هوَ المقصودُ.\nوظاهرُ شمولِ اللعنِ فسادُ العقدِ لجميعِ الصورِ، وفي بعضِها خلافٌ بلا دليل ناهضٍ فلا يُشْتَغَلُ [به] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-973>نكاح الزاني والزانية</span>\n٢٨/ ٩٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا يَنْكِحُ الزانِي الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ\"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٤) وَأَبُو دَاوُدَ (^٥) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرة - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: لا ينكحُ الزَّاني المجلودُ إلَّا مِثْلَه. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ ورجالُه ثَقاتٌ). الحديثُ دليل على أنهُ يحرمُ على المرأةِ أن تُزَوَّجَ بمنْ ظَهَرَ زِنَاهُ، ولعل الوصفَ بالمجلودِ بناء على الأغلبِ في حق مَنْ ظَهَرَ منهُ الزنَى، وكذلكَ الرجلُ يحرُمَ عليهِ أنْ يتزوَّجَ بالزانيةِ التي ظَهَر زِنَاها. وهذا الحديثُ موافقٌ قولَهُ تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (^٦)، إلا أنه حَمَلَ\n_________\n(^١) انظر: \"التلخيص\" (٣/ ١٧٠ رقم ١٥٣٠).\n(^٢) في \"سننه\" (٣/ ٤٢٨).\n(^٣) في (ب): \"بها\".\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٣٢٤).\n(^٥) في \"سننه\" (٢٠٥٢).\nقلت: وهو حديث صحيح، صحَّحه المحدث الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٣٨٦ رقم ١٨٠٧).\n(^٦) سورة النور: الآية ٣.","vol":"6","page":54},{"text":"الحديثَ والآيةَ الأكثرُ منَ العلماءِ (^١) على أن معنَى لا ينكحُ: لا يَرْغَبُ الزَّاني المجلودُ إلَّا في مثلِه، والزانيةُ لا ترغبُ في نكاحِ غيرِ العاهرِ، هكذَا تأوَّلوهُما، والذي يدلُّ عليهِ الحديثُ والآيةُ النَّهيُ عنْ ذلكَ لا الإخبارُ عنْ مجردِ الرغبةِ، وأنهُ يحرمُ نكاحُ الزاني العفيفةَ والعفيفُ الزانيةَ، ولا أصرحَ منْ قولِه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي كاملي الإيمانِ الذينَ همْ ليسُوا بِزُنَاةٍ، وإلَّا فإنَّ الزاني لا يخرجُ عنْ مسمَّى الإيمانِ عندَ الأكثرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-974>لا تحل المطلَّقة لمطلِّقها حتى يذوق الآخر عُسيلتها</span>\n٢٩/ ٩٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأرَادَ زَوْجُهَا الأوَّلُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: \"لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأوَّلُ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵄ - قالتْ: طلَّقَ رجلٌ امرأتَه ثلاثًا فتزوَّجَها رجلٌ ثمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يدخلَ بها، فأرادَ زوْجُها الأولُ أنْ يتزوَّجَها فسُئلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ ذلكَ فقالَ: لا حتَّى يذوقَ الآخرُ منْ عُسَيْلَتِهَا)، مصغَّرُ عسلٍ، وأُنِّثَ (^٤) لأنَّ العسلَ مؤنثٌ، وقيلَ إنهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، (ما ذاقَ الأولُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ).\nاختُلِفَ في المرادِ بالعُسيلةِ، فقيلَ: إنزالُ المنيِّ، وأنَّ التحليلَ لا يكونُ إلا بذلكَ وذهبَ إليهِ الحسنُ (^٥)، وقالَ الجمهور (٥): ذَوْقُ العُسيلةِ كنايةٌ عن المجامعةِ وهوَ تغييبُ الحَشَفَةِ منَ الرجلِ في فرجِ المرأةِ، ويكفي منهُ ما يوجبُ الحدَّ ويوجبُ الصَّداقَ.\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٧٣) بتحقيقنا.\n(^٢) البخاري: (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٣٠٩)، والترمذي (١١١٨)، والنسائي (٦/ ١٤٨)، وابن ماجه (١٩٣٢) وغيرهم.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١١٥/ ١٤٣٣).\n(^٤) قال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٤٦٦): جزم به القزاز ثم قال: وأحسب التذكير لغة. اهـ.\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٦ - ٤٦٧).","vol":"6","page":55},{"text":"وقالَ الأزهريُّ (^١): الصَّوابُ أن معنَى الغسيلةِ حلاوةُ الجِماعِ التي تحصُلُ بتغييبِ الحشفةِ. وقالَ أبو عبيدٍ (^٢): العسيلةُ لذَّةُ الجِمَاعِ، والعربُ تُسَمّي كلَّ شيءٍ تَستَلِذُّهُ عَسَلًا، والحديثُ محتملٌ.\nوأما قولُ سعيدِ بن المسيِّبِ إنهُ يحصلُ التحليلُ بالعقْدِ الصحيحِ، فقد قال ابنُ المنذرِ (^٣): لا نعلمُ أحدًا وافقَهُ عليهِ إلا الخوارجَ، ولعلَّهُ لم يبلغْهُ الحديثُ فأخذَ بظاهر القرآنِ، وأما روايةُ ذلكَ عنْ سعيدِ بن جُبَيْرٍ فلا يوجد مُسْنَدًا عنهُ في كتاب إنَّما نقلَه (٢) أبو جعفرٍ النحاس في معاني القرآنِ، وتَبِعَهُ (٢) عبدُ الوهَّابِ المالكيُّ في شرحِ الرسالةِ، وقدْ حَكَى ابنُ الجوزيِّ (٢) قولَ ابن المسيِّبِ عنْ داودَ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٦ - ٤٦٧).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٧) ولم أقف عليه في \"غريب الحديث\" له.\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٦٧).","vol":"6","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-975>[الباب الثاني] باب الكفاءة والخيار</span>\nالكفاءةُ: المساواةُ والمماثلةُ، والكفاءةُ في الدِّينِ معتبرةٌ فلا يحلُّ تزَوُّج مسلمةٍ بكافرٍ إجماعًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-976>الكفاءة واشتراطها</span>\n١/ ٩٤١ - عَنٍ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ كفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أوْ حَجَّامًا\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^٢)، وَفي إِسْنَادهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم (^٣). [موضوع]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ (^٤) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. [ضعيف جدًّا]\n_________\n(^١) قال في \"الفتح\" (٩/ ١٣٢): واعتبار الكفاءة في الدين متفق عليه فلا تحل المسلمة لكافر أصلًا. اهـ.\n(^٢) لم أجده في \"المستدرك\". وإنما أخرجه البيهقي (٧/ ١٣٤) من طريق الحاكم، وقال البيهقي: \"هذا منقطع بين شجاع وابن جريج حيث لم يسم شجاع بعض أصحابه\" اهـ.\nقلت: وابن جريج مدلس وقد عنعنه. وحكم الألباني على الحديث بالوضع في \"ضعيف الجامع\" (٤/ ٦٦ رقم ٣٨٦١).\n(^٣) وقال في \"العلل\" لابنه (١/ ٤١٢ رقم ١٢٣٦): هذا كذب لا أصل له. اهـ.\nوقال في موضع آخر (١/ ٤٢١ رقم ١٢٦٧): باطل: أنا نهيت ابن أبي شريح أن يحدِّث به. اهـ.\nقلت: وقد حكم عليه بالوضع: ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ١٢٤)، والذهبي في \"الميزان\" (٣/ ٢٤١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٤٩).\n(^٤) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٧٥) وقال: فيه سليمان بن أبي الجون ولم أجد من ذكره وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.\nوقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ١٣٣): إسناده ضعيف. اهـ.","vol":"6","page":57},{"text":"(عن ابن عمرَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ: العربُ بعضهم أكْفاءُ بعضٍ، والموالي بعضُهم أكْفاءُ بعضٍ إلَّا حائِكًا أو حجَّامًا. رواهُ الحاكمُ، وفي إسنادِه راوٍ لم يسَمَّ، واستنكرَهُ أبو حاتمٍ، ولهُ شاهدٌ عندَ البزَّارِ عنْ معاذِ بن جبلٍ بسندٍ منقطعٍ).\nوسألَ ابنُ أبي حاتمٍ (^١) عنْ هذا الحديثِ أباهُ فقالَ: هذا كَذِبٌ لا أصلَ لهُ، وقالَ في موضعٍ آخرَ: باطلٌ. ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ في \"التمهيدِ\" (^٢)، قالَ الدارقطنيُّ في \"العلل\": لا يصِحُّ. وحدَّثَ بهِ هشامُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرازي فزادَ فيهِ بعد أوْ حجَّامًا: أو دبَّاغًا، فاجتمعَ عليهِ الدبَّاغونَ وهمُّوا بهِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): هذا مُنْكَرٌ موضوعٌ ولهُ طُرُقٌ كلُّها واهيةٌ. والحديثٌ دليلٌ على أن العربَ كلهم سواءٌ في الكفاءةِ بعضُهم لبعض وأنَّ المواليَ ليسُوا أكفَاءَ لهمْ، وقدِ اختلفَ العلماءُ في المعتَبَرِ منَ الكفاءةِ خلافًا كثيرًا، والذي يقوى هوَ ما ذهبَ إليهِ زيدُ (^٣) بن عليٍّ ومالكٌ (^٤) ويُرْوَى (^٥) عن عمرَ وابنِ مسعودٍ وابنِ سيرينَ وعمرَ بن عبدِ العزيز وأحدُ قَوْلَي الناصرِ (٣) أنَّ المعتَبَرَ الدِّينُ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٦)، ولحديثِ: \"الناسُ كلُّهم ولدُ آدمَ\": تمامُه: \"وآدمُ منْ تراب\"، أخرجَه ابنُ سعدٍ (^٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ وليسَ فيهِ لفظُ كلهم، \"والناسُ كَأسنانِ المشطِ لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا بالتقوى\"، أخرجَهُ ابنُ لالٍ (^٨) بلفظٍ قريبٍ منْ لفظه من حديثِ سهلِ بن سعدٍ. وأشارَ البخاري إلى نُصْرَةِ هذا القولِ حيثُ قالَ: بابُ (^٩) الإكفاءِ في الدينِ، وقولُه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (^١٠) الآيةَ، فاستنبطَ منَ\n_________\n(^١) في \"العلل\" له (١/ ٤١٢ رقم ١٢٣٦).\n(^٢) \"التمهيد\" لما في \"الموطأ\" من المعاني والأسانيد (١٩/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٤٩).\n(^٤) انظر: \"التمهيد\" (١٩/ ١٦٣).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٣٢).\n(^٦) سورة الحجرات: الآية ١٣.\n(^٧) في \"الطبقات\" (١/ ٢٥). وأخرجه مطولًا: أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥، ٣٩٥٦)، وقال في الأول: حسن غريب، وقال في الثاني: وهذا أصح عندنا من الحديث الأول. وأخرجه أيضًا البيهقي (١٠/ ٢٣٢)، وأحمد (٢/ ٣٦١، ٥٢٤) وهو حديث حسن حسنه الألباني في \"الصحيحة\" (١٠٠٩)، وانظر أيضًا: \"غاية المرام\" (ص ١٩٠ رقم ٣١٢).\n(^٨) عزاه إليه صاحب \"كنز العمال\" (٩/ ٣٨ رقم ٢٤٨٢٢) وفيه: الناس سواء كأسنان المشط وإنما يتفاضلون بالعبادة، ولا تصحبنَّ أحدًا لا يرى لله من الفضل مثل ما ترى له\".\n(^٩) في \"صحيحه\" (٩/ ١٣١ باب رقم ١٥).\n(^١٠) سورة الفرقان: الآية ٥٤.","vol":"6","page":58},{"text":"الآيةِ الكريمةِ المساواةَ بينَ بني آدمَ ثمَّ أَرْدَفَهُ (^١) بإنكاحِ أبي حذيفةَ منْ سالمِ بابنةِ أخيهِ هند بنتِ الوليدِ بن عتبةَ بن ربيعةَ، وسالمٌ مولى لامرأةٍ منَ الأنصارِ، وقد تقدَّم (^٢) حديثُ: \"فعليكَ بذاتِ الدينِ\". وقدْ خطبَ (^٣) النبيُّ ﷺ يومَ فتحِ مكةَ فقالَ: \"الحمدُ للهِ الذي أَذْهَبَ عنكمْ عُبِّيَّة (^٤) - بضم المهملةِ وكسرِها - الجاهليةِ وَتَكَبُّرِها. يا أيها الناسُ إنَّما الناسُ رجلانِ: مؤمنٌ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ\"، ثمَّ قرأ الآيةَ وقالَ (^٥): \"منْ سرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ الناسِ فليتقِ اللَّهِ\"، فجعلَ - ﷺ - الالتفاتَ إلى الأنسابِ منْ عُبِّيَّةِ الجاهليةِ وتكبُّرِها، فكيفَ ويعتبرها المؤمنُ ويبني عليها حُكْمًا شرعيًا، وفي الحديثِ: \"أربعٌ منْ أمورِ الجاهليةِ لا يتركُها الناسُ\"، ثم ذكرَ منْها الفخرَ بالأنسابِ. أخرجَهُ ابنُ جريرٍ (^٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ.\nوفي الأحاديثِ شيءٌ كثيرٌ في ذمِّ الالتفاتِ إلى الترفُّعِ بها. وقدْ أمرَ (^٧) - ﷺ - بني بياضةَ بإنكاحِ أبي هندٍ الحجَّامَ وقالَ: \"إنَّما هوَ امرؤٌ منَ المسلمينَ\"، فنبَّهَ على الوجْهِ المقتضي لمساواتِهم وهوَ الاتفاقُ في وصفِ الإسلام.\nوللناس في هذه المسألة عجائبُ لا تدورُ على دليلٍ غير الكبرياءِ والترفُّع، ولا إله إلا اللَّهُ كم حُرِمتِ المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم لأنفسهم، اللهمَّ نبرأُ إليكَ منْ شرط وَلَّدَه الهَوَى وربَّاهُ الكبرياءُ. ولقدْ مُنِعَتِ الفاطمياتُ في\n_________\n(^١) يعني البخاري (٥٠٨٨).\n(^٢) برقم (٤/ ٩١٥)، من كتابنا هذا وهو متفق عليه.\n(^٣) أخرجه أبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو حديث حسن، حسَّنه المحدث الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٣/ ٩٦٤ رقم ٤٢٦٩).\n(^٤) قال في \"النهاية\" (٣/ ١٦٩): وهي فُعُّولة أو فعِّيلة، فإن كانت فعولة فهي من التعبية لأن المتكبر ذو تكلف وتعبية خلاف من يسترسل على سجيته، وإن كانت فعِّيلة فهي من عباب الماء وهو أوله وارتفاعه، وقيل: إن اللام قلبت ياء. اهـ، وقيل غير ذلك.\n(^٥) لم أجده.\n(^٦) لم أجده في تفسيره لا من حديث ابن عباس ولا غيره، وقد أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٢٩/ ٩٣٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤)، من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا: إلا أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة\". وهو حديث صحيح.\n(^٧) يأتي قريبًا برقم (٣/ ٩٤٣).","vol":"6","page":59},{"text":"جهةِ اليمنِ ما أحلَّ اللَّهُ لهنَّ منَ النكاحِ لقولِ بعضِ أهلِ مذهبِ الهادوية (^١) إنهُ يحرمُ نكاحُ الفاطميةِ إلا من فاطميٍّ منْ غيرِ دليلٍ ذكرُوه، وليسَ مذهبًا لإمامِ المذهبِ الهادي ﵇، بلْ زوَّج بناتِه من الطبريين. وإنَّما نشأ هذا القولُ منْ بعدِه في أيام الإمامِ أحمدَ بن سليمانَ وتَبعَهم بيتُ رياستها فقالُوا بلسانِ الحالِ [بتحريم] (^٢) شرائِفهم على الفاطميينَ إلَّا منْ مِثْلِهم، وكلُّ ذلكَ منْ غيرِ علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ، بلْ ثبتَ خلافُ ما قَالُوه عنْ سيِّدِ البشرِ كما دلَّ لهُ:\n٢/ ٩٤٢ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: \"انْكِحِي أُسَامَةَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-977>ترجمة فاطمة بنت قيس</span>\n(وعنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قالَ لها: انكحي أسامةَ. رواهُ مسلمٌ) وفاطمةُ (^٤) قرشيةٌ فِهْرِيَّةٌ أختُ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ، وهيَ منَ المهاجراتِ الأوَّلِ كانتْ ذاتَ جمالٍ وفَضْلٍ وكمالٍ، جاءتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بعدَ أنْ طَلَّقَها أبو عمرو بن حفصِ بن المغيرةِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها منهُ فأخبرتْه أن معاويةَ بنَ أبي سفيانَ وأبا جُهْم خَطَبَاها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عنْ عاتقِه، وأما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له، انكحي أسامةَ بنَ زيدٍ - الحديثَ\"، فأمرَها بنكاحِ أسامةَ مولاهُ ابن مولاهُ وهي قرشيةٌ، وقدَّمه على أكْفَائِها ممنْ ذُكِرَ ولا علمَ أنهُ طلبَ منْ أحدٍ منْ أوليائِها إسقاطَ حقِّه، وكأن المصنف ﵀ أورد هذا الحديث بعد بيان ضعف الحديث الأول للإشارةِ إلى أنهُ لا عبرةَ في الكفاءةِ بغيرِ الدينِ كما أوردَ لذلكَ قولَهُ:\n٣/ ٩٤٣ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النَّبيَّ ﷺ: قَالَ: \"يا\n_________\n(^١) انظر: \"الاعتصام بحبل الله\" (٣/ ٢٥٥).\n(^٢) في (ب): \"يحرُم\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٣٦/ ١٤٨٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٢٨٤)، والترمذي (١١٣٥)، والنسائي (٦/ ٧٥ - ٧٦)، وابن ماجه (١٨٦٩)، وأحمد (٦/ ٤١١، ٤١٢)، ومالك (٢/ ٥٨٠ رقم ٦٧)، والبيهقي (٧/ ١٨٠ - ١٨١) وغيرهم مطولًا.\n(^٤) انظر ترجمتها في: \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٣١٩ رقم ٦٠) و\"الاستيعاب\" (١٣/ ١٢٩) و\"الإصابة\" (١٣/ ٨٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٤٧١).","vol":"6","page":60},{"text":"بَنِي بَيَاضَةَ، أَنكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ\"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالْحَاكِمُ (^٢) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. [حسن]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبي ﷺ قالَ: يا بني بياضةَ أنكِحُوا أبا هندٍ) اسمُهُ يسارُ (^٣) وهوَ الذي حجَمَ النبيَّ ﷺ وكانَ مولى بني بياضةَ (وانكحُوا إليه. [وكانَ حجَّامًا] (^٤)، رواه أبو داودَ والحاكم بسندٍ جيِّدٍ) فهوَ منْ أدلةِ عدمِ اعتبارِ كفاءةِ الأنساب. وقدْ صحَّ أن بلالًا (^٥) نكحَ هالةَ بنتَ عوفِ أختَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعرضَ (^٦) عمرُ بنُ الخطابِ ابنَته حفصةَ على سلمانَ الفارسيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-978>تخيير من عتقت بعد زواجها</span>\n٤/ ٩٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧)، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح]\n- وَلمُسْلِمٍ (^٨) عَنْهَا - ﵄ -، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ (^٩) عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"سننه\" (٢١٠٢).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nقلت: وقد حسُّنه الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٤ في آخر الحديث رقم ١٥١٦)، وكذا الألباني في \"صحيح أبي داود\" (٢/ ٣٩٥ رقم ١٨٥٠).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٥/ ١٩ رقم ٥٦٣٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) أخرج الدارقطني (٣/ ٣٠١ رقم ٢٠٧) ومن طريقه البيهقي (٧/ ١٣٧) من طريق حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال، وقد ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٥ رقم ١٥٢٠)، ولم يعقب عليه.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٤٢٨).\n(^٧) البخاري (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٢٣٥)، والترمذي (١١٥٥)، النَّسَائِي (٦/ ١٦٣)، وابن ماجه (٢٠٧٤)، وأحمد (٦/ ٤٢)، والدارمي (٢/ ١٦٩)، والبيهقي (٧/ ٢٢٣).\n(^٨) في \"صحيحه\" (٩/ ١٥٠٤).\n(^٩) أخرجها أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي والبيهقي كما تقدَّمت أرقامها.","vol":"6","page":61},{"text":"وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (^١) أَنَّهُ كَانَ عبدًا. [صحيح].\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: خُيِّرَتْ بريرةُ على زوجِها حينَ عَتَقَتْ. متفقٌ عليهِ [من] (^٢) حديثٍ طويلٍ. ولمسلمٍ عنْها: أن زوجَها كانَ عبدًا. وفي روايةٍ عنْها: كانَ حُرًا، والأولُ أثبتُ) لأنهُ جزمَ البخاريُّ [بأنه] (^٣) كانَ عبدًا، ولذَا قَالَ: (وصحَّ عن ابن عباسٍ - ﵁ - عندَ البخاريِّ أنهُ كانَ عبدًا)، ورواهُ علماءُ المدينةِ، وإذا رَوَى علماءُ المدينةِ شيئًا ورأَوْهُ فهوَ أصحُّ. وأخرَجَه أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظِ: \"إنَّ زوجَ بريرةَ كانَ عَبْدًا أسودَ يسمَّى مُغِيثًا فخيَّرها النبي ﷺ وأمرَها أنْ تعتدَّ\"، وفي البخاريِّ (^٥) عن ابن عباسٍ: \"ذاكَ مغيثٌ عبدُ بني فلانٍ يعنى زوج بريرةَ\"، وفي أُخْرَى عندَ البخاريِّ (^٦): \"كانَ زوجُ بريرة عبدًا أسودَ يقالُ لهُ مغيثٌ\"، قالَ الدارقطني (^٧): لم تختلفِ الروايةُ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ أنهُ كانَ عبدًا. وكذا قالَ جعفرُ (^٨) بنُ محمدٍ عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ. قالَ النوويُّ (^٩): يؤيدُ قولَ مَنْ قالَ كانَ عبدًا قولُ عائشةَ كانَ عبدًا، فأخبرتْ وهي صاحبةُ القصةِ بأنهُ كانَ عبدًا فصحَّ رجحانُ كونِه عبدًا قوةً وكثرةً وحفظًا. والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ الخيارِ للمعتقَةِ بعدَ عَتْقِهَا في زوجِها إذا كانَ عبدًا وهوَ إجماعٌ (^١٠). واختُلِفَ إذا كانَ حُرًّا، فقيلَ: لا يثبتُ لها الخيارُ وهوَ قولُ\n_________\n(^١) الصحيح أن قوله في الحديث: \"كان زوجها حرًا\"، من كلام الأسود لا من كلام عائشة - ﵂ - كما أخرج البخاري (٦٧٥٤) وغيره عن عائشة - ﵂ - بقصة بريرة وإعتاقها وتخييرها وفي آخر الحديث قال الأسود: \"وكان زوجها حرًا\"، قال البخاري: قول الأسود منقطع وقول ابن عباس رأيته عبدًا أصح.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٥٢٨٠: ٥٢٨٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٢٣١)، والترمذي (١١٥٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٥)، وابن ماجه (٢٠٧٥)، وأحمد (١/ ٢١٥)، والدارمي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، والدارقطني (٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤ رقم ١٨٢: ١٨٤)، والبيهقي (٧/ ٢٢١ - ٢٢٢).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب) لأنَّه.\n(^٥) في \"سننه\" (٢٢٣٢).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٥٢٨١).\n(^٧) في \"صحيحه\" أيضًا (٥٢٨٢).\n(^٨) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٤١٠).\n(^٩) انظر: \"شرح مسلم\" (١٠/ ١٤١).\n(^١٠) نقله الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٤٠٧) عن ابن بطال.","vol":"6","page":62},{"text":"الجمهورِ (^١) قالُوا: لأنَّ العِلَّةَ في ثبوتِ الخيارِ إذا كانَ عبدًا هوَ عدمُ المكافأةِ منَ العبدِ للحرةِ في كثيرٍ من الأحكامِ، فإذا عُتِقَتْ ثبتَ لها الخيارُ منَ البقاءِ في عِصْمَتِهِ والمفارقةِ؛ لأنَّها في وقتِ العقدِ عليها لم تكنْ منْ أهلِ الاختيارِ. وذهبتِ الهادويةُ (^٢) وآخرونَ إلى أنهُ يثبتُ لها الخيارُ وإنْ كانَ حُرًا، واحتجُّوا بأنهُ قدْ وردَ في روايةٍ أن زوجَ بريرةَ كان حرًا وردَّه الأولونَ بأنَّها روايةٌ مرجوحةٌ (^٣) لا يُعْمَلُ بها، قالُوا: ولأنَّها عندَ تزويجها لم يكنْ لها اختيارٌ فإنَّ سيِّدَها يزوِّجُها وإنْ كرهتْ فإذا أُعْتِقَتْ تجدَّدَ لها حالٌ لم يكنْ قبلَ ذلكَ، قالَ ابن القيِّمِ (^٤): إن في تخييرِها ثلاثةَ مآخذَ وذكرَ مأخذينِ وضعَّفَهما ثمَّ ذكرَ الثالثَ وهوَ أرجحُها، وتحقيقُه أن السيِّدَ عَقَدَ عليها بحكمِ المُلْكِ حيثُ كانَ مالكًا لِرَقَبَتِهَا ومنافعِها والعِتْقُ يقتضي تمليكَ الرقبةِ والمنافعَ للمعتقِ، وهذا مقصودُ العتقِ، فإذا ملكت رقبتَها ملكت بضعَها ومنافعَها، ومنْ جملتِها منافعُ البضْعِ فلا يُمْلَكُ عليها إلا باختيارِها فخيَّرها الشارعُ بينَ الأمرينِ البقاءَ تحتَ الزوجِ أو الفسخِ منهُ. وقدْ جاءَ في بعضِ طرق حديثِ بريرةَ (^٥): \"مَلَكْتِ نفسَكَ فاختاري\"، قلتُ: وهوَ منْ تعليقِ الحكمِ وهوَ الاختيارُ على مُلْكِها لِنَفْسِهَا فهوَ إشارةٌ إلى علةِ التخييرِ وهذا يقتضي ثبوتَ الخيارِ وإنْ كانتْ تحتَ حرٍّ. وهلْ يقعُ الفسخُ بلفظِ الاختيارِ؟ قيلَ: نعمْ كما يدلُّ لهُ قولُه في الحديثِ \"خُيِّرْتُ\"، وقيلَ: لا بدَّ منْ لفظِ الفسخِ، ثمَّ إذا اختارتْ نفسَها لم يكنْ للزوجِ الرجعةُ عليها وإنَّما يراجعُها بعقدٍ جديدٍ إنْ رضيتْ به ولا يزالُ لها الخيارُ بعدَ عِلْمِهَا ما لمْ يطأها لما أخرجَهُ أحمدُ (^٦) عنهُ - ﷺ -: \"إذا عُتِقَتْ الأمةُ فهيَ بالخيارِ ما لم يطأها إنْ تشأْ فارقتْهُ وإنْ وَطِئَها فلا خيارَ لها\"، وأخرجَهُ الدارقطني (^٧) بلفظِ: \"إنْ وطِئَكِ فلا خيارَ لكِ\"، وأخرَجه أبو داودَ (^٨) بلفظِ: \"إنْ [قارَبكِ] (^٩) فلا خِيارَ لكِ\"، فدلَّ أن\n_________\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٦٩).\n(^٣) وقدَّمنا القول فيها أثناء تخريج حديث الباب.\n(^٤) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٥) ذكرها ابن القيم في الزاد ولم أقف عليها بهذا اللفظ.\n(^٦) في \"المسند\" (٥/ ٣٧٨)، من حديث الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه، بسند ضعيف.\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٢٩٤ رقم ١٨٥) من حديث عائشة.\n(^٨) في \"السنن\" (٢٢٣٦) من حديث عائشة وهو حديث ضعيف.\n(^٩) في (ب): \"قرُبَك\"، وهو موافق لما في سنن أبي داود.","vol":"6","page":63},{"text":"الوَطْءَ مانعٌ منَ الخيارِ وإليهِ ذهبت الحنابلةُ (^١). واعلمْ أن هذَا الحديثَ جليلٌ قَدْ ذكرَهُ العلماءُ في مواضعَ منْ كُتُبِهِمْ في الزكاةِ وفي العتقِ وفي البيعِ وفي النكاحِ، وذكرَه البخاريُّ في البيع، وأطالَ المصنفُ (^٢) في عدةِ ما استخْرَجَ منهُ منَ الفوائدِ حتَّى بلغتْ مائةَ واثنتينِ وعشرينَ فائدة، فنذكرُ ما لَهُ تعلُّق بالباب الذي نحنُ بصددِه.\nمنها: جوازُ بيع أحدِ الزوجينِ الرقيقينِ دونَ الآخرِ، وأَنَّ بيعَ الأمَةِ المزوَّجةِ لا يكونُ طلاقًا، وأن عِتْقَها لا يكونُ طَلَاقًا ولا فَسْخًا، وأنَّ للرقيقِ أنْ يسعَى في فكاكِ رَقْبَتهِ منَ الرقِّ، وأنَّ الكفاءةَ معتبرةٌ في الحرة.\nقلتُ: قدْ أشارَ الحديثُ إلى سببِ تخييرِها وهوَ ملَّكَها نفسَها كما عرفتَ فلا يتمُّ هذا، وأنَّ اعتبارها يَسْقُطُ برضَا المرأةِ التي لا وليَّ لها، ومما ذُكرَ في قصةِ بريرةَ أنَّ زوْجَها كانَ يتبعُها في سككِ المدينةِ يتحدَّرُ دمعُه لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لها، قَالُوا فَيُؤْخَذُ منهُ أنَّ الحبَّ يُذْهِبُ الحياءَ وأنهُ يُعْذَرُ مَنْ كانَ كذلكَ إذا كانَ بغيرِ اختيارٍ منهُ، فيعذرُ أهلُ المحبةِ في اللَّهِ إذا حصلَ لهمُ الوجْدُ عند سِمَاع ما يفهمونَ منهُ الإشارةَ إلى أحوالِهم حيثُ يُغْتَفَرُ منْهم ما لا يحصلُ عن اختيارٍ كالرقصِ (^٣) ونحوِه.\nقلت: لا يخْفَى أنَّ زوجَ بريرةَ بكى من فراقِ مُحبِّهِ، فمحبُّ اللهِ يبكي شَوْقًا إلى لقائِه وخَوْفًا منْ سَخَطِهِ ما كان يبكي رسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ سماعِ القرآنِ وكذلكَ أصحابُه ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانِ، وأما الرقْصُ والتصفيقُ فشأنُ أهلِ الفسقِ والخلاعةِ لا شأنُ مَنْ يحبُّ الله ويخشاه، فعجب لهذا المأخذِ الذي أخذُوه منَ الحديثِ وذكَرَهُ المصنفُ في \"الفتحِ\" ثم سردَ فيه غيرَ ما ذكرْنَاهُ وأبلغَ فوائدَه إلى العددِ الذي وصفْناه، وفي بعضِها خفاءٌ وتَكَلَّفٌ لا يليقُ بجميل كلام رسولِ اللهِ ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-979>من أسلم وتحته أختان فارق إحداهما</span>\n٥/ ٩٤٥ - وَعَنِ الضَّحّاكِ بن فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِي عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:\n_________\n(^١) \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ٧١ - ٧٢ رقم ١١٨٤).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٩/ ٤١٠ - ٤١٦).\n(^٣) أقول: الرقص والتصفيق خفة ورعونة لا تليق بالمسلم المحب لربه.","vol":"6","page":64},{"text":"\"طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣)، والدَّارَقُطْنِي (^٤) وَالْبَيْهَقِي (^٥)، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ. [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-980>ترجمة الضحاك</span>\n(وعنِ الضَّحَّاكِ) (^٦) تابعيٌّ معروفٌ رَوى عنْ أبيهِ (ابن فَيروزَ) بفتحِ الفاءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وضمِّ الراءِ وسكونِ الواوِ وآخرَه زايٌّ، هوَ أبو عبدِ اللَّهِ (الديلميِّ) ويقالُ الحميريُّ لنزوله حميرَ، وهوَ منْ أبناءِ فارسَ منْ فُرْسِ صنعاءَ، كانَ ممنْ وَفَدَ على النبيِّ ﷺ وهوَ الذي قَتَلَ العنسيَّ الكذَّابَ الذي ادَّعَى النبوةَ في سنةِ إحدَى عَشْرَةَ وَأَتَى النبيَّ ﷺ خبر قتله وهوَ مريضٌ مرضَ موتِه، وكانَ بينَ ظهورِه وقَتْلِهِ أربعةُ أشهرٍ (عنْ أبيهِ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إني أسلمتُ وتحتي أختانِ، فقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: طلِّقْ أيَّتهُما شئتَ. رواهُ أحمدُ والأربعة إلَّا النسائيّ وصحَّحَهُ ابن حِبَانَ والدارقطنيُّ والبيهقيُّ وأعلَّه البخاريّ) بأنهُ رواهُ الضَّحَاكُ عنْ أبيهِ ورواهُ عنهُ أبو وهبٍ الجيشانيّ - بفتح الجيمِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ والشينِ المعجمةِ فنونٍ - قالَ البخاريُّ (^٧): لا نعرفُ سماعَ بعضِهم منْ بعضٍ.\nوالحديثُ دليلٌ على اعتبارِ أنكحةِ الكفارِ وإن خالفتْ نكاحَ الإسلامِ، وأنَّها لا تخرجُ المرأةُ عن الزوجِ إلا بطلاقِ بعدَ الإسلامِ، وأنهُ يبقَى بعدَ الإسلامِ بلا\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٣٢).\n(^٢) أبو داود رقم (٢٢٤٣)، والترمذي رقم (١١٢٩) و(١١٣٥)، وابن ماجه رقم (١٩٥٠) و(١٩٥١).\n(^٣) في \"الإحسان\" رقم (٤١٥٥).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٢٧٣).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٨٤).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ رقم ٨٤٣ و٨٤٤ و٨٤٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٢٦٢٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٣١٧) وهو حديث حسن.\n(^٦) انظر ترجمته في: \"الثقات\" (٤/ ٣٨٧): و\"التاريخ الكبير\" للبخاري (٤/ ٣٣٣)، و\"تاريخ الطبري\" (٣/ ١٨٥، ٢٣١، ٢٣٦، ٢٤٠).\n(^٧) في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٣٣ رقم ٣٠٢٣).\nقلت: أبو وهبٍ الجَيْشاني ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٢٩١) وشيخه الضحاك بن فيروز ذكره أيضًا ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣٨٧)، وصحَّح الدارقطني سند حديثه.","vol":"6","page":65},{"text":"تجديدِ عقدٍ، وهذا مذهبُ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ وداودَ وعندَ الهادويةِ والحنفيةِ أنهُ لا يقرُّ منهُ إلا ما وافقَ الإسلامَ. وتأوَّلُوا هذا الحديثَ بأنَّ المرادَ بالطلاقِ الاعتزالُ وإمساكُ الأختِ الأخْرى التي بقيتْ عندَه بعقدٍ جديدٍ، ولا يخْفَى أنهُ تأويلٌ متعسِّفٌ، وكيفَ يخاطبُ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دخلَ في الإسلامِ ولم يعرفِ الأحكامَ بمثلِ هذا، وكذلكَ تأوَّلوا مِثْلَ هذَا قولَهُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-981>من أسلم وتحته أكثر من أربع</span>\n٦/ ٩٤٦ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أن غَيْلانَ بنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: \"أنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا\". رواهُ أَحْمَدُ (^١) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣) وَالْحَاكِمُ (^٤)، وأَعَلَّهُ الْبُخَارِي (^٥) وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ سالم [بن عبد اللَّهِ] (^٧) عنْ أبيهِ) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (أن غيلانَ بنَ سلمةَ) هوَ ممنْ أسلمَ بعدَ فتحِ الطائفِ ولم يهاجرْ، وهوَ منْ أعيانِ ثقيفٍ وماتَ في خلافةِ عمرَ - ﵁ -، (أسلم وله عشر نسوة وأسلمن معة فأمره النبيّ ﷺ أن يتخيَّرَ منهنَّ أربعًا. رواة أحمدُ والترمذيُّ وصحَّيحَهُ ابن حبانَ والحاكمُ وأعلَّه البخاريُّ وأبو زرعةَ وأبو حاتم)، قالَ الترمذيُّ (^٨): قالَ البخاري: هذا حديث غيرُ محفوظٍ. وأطالَ المصنفُ في \"التلخيص\" (^٩) الكلامَ عَلَى الحديثِ وأخصرُ منهُ أحسنُ إفادةً\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ١٤، ٤٤، ٨٣).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١٢٨).\n(^٣) في \"الإحسان\" رقم (٤١٥٦).\n(^٤) في \"المستدرك (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٥) ذكره الترمذي في \"السنن\" (٣/ ٤٣٥).\n(^٦) قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٠٠ - ٤٠١): سمعت أبا زرعة يقول مرسل أصح.\nقلت: وأخرج الحديث ابن ماجه رقم (١٩٥٣)، والدارقطني (٣/ ٢٧٠)، والبيهقي (٧/ ١٤٩ و١٨١)، والبغوي رقم (٢٢٨٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٣١٧)، والشافعي في ترتيب المسند (٢/ ١٦)، وخلاصة القول: أن الحديث صحيح، انظر مزيدًا من الكلام عليه في \"التلخيص\" (٣/ ١٦٨).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"السنن\" (٣/ ٤٣٥).\n(^٩) (٣/ ١٦٨).","vol":"6","page":66},{"text":"كلامُ ابن كثير في الإرشاد (^١)، قالَ عَقِبَ سياقِه لهُ: رواهُ الإمامانِ أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إدريسٍ الشافعي وأحمدُ بنُ حنبل والترمذيُّ وابنُ ماجهْ، وهذا الإسنادُ رجالُه على شرطِ الشيخينِ إلَّا أن الترمذيَّ يقولُ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. والصحيحُ ما رَوَى شعيبٌ وغيرُه عن الزهريِّ قالَ: حدَّثْتَ عنْ محمدِ بن شعيب الثقفيِّ أن غيلانَ فذكرَهُ. قالَ البخاريُّ: وإنَّما حديثُ الزهريِّ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ أنّ رجلًا منْ ثقيفٍ طلَّقَ نساءَه، فقالَ لهُ عمرَ: لتراجعنَّ نساءكَ الحديث.\nقالَ ابنُ كثيرٍ (^٢): قلتُ قدْ جمعَ الإمامُ أحمدُ في روايته لهذا الحديثِ بينَ هذينِ الحديثينِ بهذا السندِ فليسَ ما ذكرهُ البخاريُّ قادِحًا، وساقَ روايةَ النسائيِّ لهُ برجالٍ ثقاتٍ، إلا أنهُ يُرَدُّ علَى ابن كثيرٍ ما نقلَه الأثرمُ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: هذا الحديثُ غيرُ صحيح. والعملُ عليهِ، وهوَ دليل على ما دلَّ عليهِ حديثُ الضَّحَّاكِ ومنْ تأوَّلَ ذلكَ تأوَّلَ هذا.\nفائدةٌ: سبقت إشارةٌ إلى قصةِ تطليقِ رجلٍ منْ ثقيفٍ نساءَه، وذلكَ أنهُ اختارَ أربعًا فلمَّا كانَ في عهدِ عمرَ طلَّقَ نساءَه وقسَّم مالَه بينَ بنيهِ، فلمَّا بلغ ذلكَ عمرَ فقال: \"إني [لأظنُّ] (^٣) الشيطانَ مما يسترقُ منَ السمعِ سمعَ بموتِكَ فقذفَه في نفسِك وأعْلَمَكَ أتكَ لا تمكثُ إلا قليلًا وأيمُ اللَّهِ لتُراجعنَّ نساءَكَ [ولترجعهن] (^٤) مالَكَ أوْ لأُورثُهنَّ منكَ ولآمرنَّ بقبركَ فلْيُرْجَمْ كما رُجِمَ قبرُ أبي رِغالٍ (^٥) الحديثَ\". ووقَع في الوسيطِ ابنُ غيلانَ وهوَ وهْمٌ بلْ [هوَ غيلانُ] (^٦)، وأشدُّ منهُ وَهْمًا ما وقعَ في مختصرِ ابن الحاجبِ ابنُ عيلانً بالعينِ المهملةِ، وفي سننِ أبي داودَ (^٧): \"أن\n_________\n(^١) (٢/ ١٥٩).\n(^٢) في \"إرشاد الفقيه\": (٢/ ١٦٠).\n(^٣) في (ب): \"أظنُّ\".\n(^٤) في (ب): \"لترجعنَّ\".\n(^٥) أبو رِغال - بكسر الراء بزنة كتاب - كان من ثمود، وكان بالحرم حين أصاب قومه الصيحة، فلما خرج من الحرم أصابه من الهلاك ما أصاب قومه، فدفن هناك. قيل: كان رجلًا عشارًا في الزمن الأول فقبره يرجم، وهو بين مكة والطائف. وكان عبدًا لشعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال جرير:\nإذا مات الفرزدق فارجموه … كما تَرْمون قبر أبي رِغالِ\nانظر: \"لسان العرب\" (٥/ ٢٥٨).\n(^٦) زيادة من: (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٢/ ٦٧٧ رقم ٢٢٤١).=","vol":"6","page":67},{"text":"قيسَ بنَ الحرثِ أسلمَ وعندَه ثماني نسوةِ فأمرَهُ النبي ﷺ أنْ يختارَ أربعًا\".\nورَوَى الشافعي (^١) والبيهقي (^٢) عنْ نَوْفَلِ بن معاويةَ [أنهُ] (^٣) قالَ: \"أسلمتُ وتحتي خمسُ نسوةٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: \"فارقْ واحدة وأمسكْ أربعًا\"، فعمدتُ إلى أقدمِهنَّ عندي عاقرٍ منذُ ستينَ سنةً ففارقْتُها\"، وعاشَ نوفلُ بنُ معاويةَ (^٤) مائةً وعشرينَ سنةَ ستينَ في الإسلامِ وستينَ في الجاهليةِ. وفي كلامِ عمرَ ما يدلُّ على إبطالِ الحيلةِ لمنعِ التوريثِ، وأنَّ الشيطانَ قدْ يقذفُ في قلبِ العبدِ ما يسترِقُه منَ السمعِ منْ أحوالِهِ، وأنهُ يرجَمُ القبرُ عقوبةً للعاصي وإهانةً وتحذيرًا عنْ مِثْلِ ما فعلَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>ردُّ من أسلمت أبي زوجها بالنكاح الأول</span>\n٧/ ٩٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: رَدّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥) والأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (^٦)، وَصَحّحَهُ أَحْمدُ وَالْحَاكِمُ (^٧). [صحيح دون ذكر السنين]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: ردَّ النبيُّ ﷺ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بن الربيعِ بعدَ ستِّ سنينَ بالنكاحِ الأولِ ولم يحدثْ نِكَاحًا. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا النسانيَّ وصحَّحَهُ أحمدُ والحاكمُ)، قال الترمذيُّ: حسنٌ وليسَ بإسنادِه بأسٌ. وفي لفظٍ لأحمدَ: كانَ إسلامُها قبلَ إسلامِهِ بستّ سنينَ، وعَنَى بإسلامِها هجرتَها، وإلَّا فهيَ أسلمتْ معَ سائرِ بناتِهِ - ﷺ -، وهنَّ أسْلَمْنَ منذُ بَعَثَهُ اللَّهُ، وكانتْ هجرتُها بعدَ وقعةِ\n_________\n=قلت: وأخرجه ابن ماجه (١/ ٦٢٨ رقم ١٩٥٢)، والدارقطني (٣/ ٢٧٠ رقم ١٠٠)، والبيهقي (٧/ ١٨٣)، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، انظر: \"الإرواء\" (٦/ ٢٩٦).\n(^١) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٦ رقم ٤٤).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٨٤).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٤٣٨ رقم ٨٨٥).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٢٦١، ٣٥١) و(٦/ ٣٦٦).\n(^٦) أبو داود رقم (٢٢٤٠)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٩)، والترمذي رقم (١١٤٣)، وقال: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا تعرف وجه هذا الحديث.\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٠)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح دون ذكر السنين.","vol":"6","page":68},{"text":"بدرٍ بقليلٍ، ووقعةُ بدرٍ كانتْ في رمضانَ منَ السنةِ الثانيةِ منْ هجرتِهِ - ﷺ -، وحَرُمتِ المسلماتُ على الكفارِ في الحديبيةِ سنةَ ستٍّ منْ ذي القعدةِ منْها، فيكونُ مُكْثُها بعدَ ذلكَ نحوًا من سنتينِ، ولهذَا وردَ في روايةِ أبي داودَ ردَّها عليهِ بعدَ سنتينِ، وهكذَا قررَ ذلكَ أبو بكرٍ الحافظ البيهقيَ. قالَ الترمذيُّ (^١): لا يُعْرَفُ وجهُ هذا الحديثِ، [يشيرُ] (^٢) إلى أنهُ كيفَ ردَّها عليهِ بعدَ ستِّ سنينَ أوْ ثلاثٍ أو سنتينِ وهوَ مُشْكِلٌ لاستبعادِ أنْ تبقَى عِدَّتُها هذهِ المدةَ، ولم يذهبْ أحدٌ إلى تقريرِ المسلمةِ تحتَ الكافرِ إذا تأخرَ إسلامُه عنْ إسلامِها. نَقَلَ الإجماعَ في ذلك ابنُ عبدِ البرِّ (^٣) وأشارَ إلى أنَّ بعضَ أهلِ الظاهرِ جَوَّزَهُ. وَرُدَّ بالإجماعِ وتُعُقِّبَ بثبوتِ الخلافِ فيهِ عنْ عليٍّ والنخعيِّ. أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) عنْهما وبهِ أفتَى حمَّادُ شيخُ أبي حنيفةَ، فَرَوَى عنْ عليٍّ أنَّهُ قالَ في الزوجينِ الكافرينِ يسلمُ أحدُهما: \"هوَ أملكُ لِبُضْعِها ما دامتْ في دارِ هجرتِها\"، وفي روايةٍ: \"وهوَ أَوْلَى بها ما لمْ تخرجْ [منْ] (^٥) مِصْرِها\"، وفي روايةٍ عن الزهريِّ: أنهُ إنْ أسلمتْ ولم يسلمْ زوجُها فَهُما على نكاحِها ما لم يفرِّقْ بينَهما سلطانٌ. وقالَ الجمهورُ: إنْ أسلمتِ الحربيةُ وزوجُها حربيٌّ وهي مدخولة فإنْ أسلمَ وهي في العدَّةِ فالنكاحُ باقٍ، وإنْ أسلمَ بعدَ انقضاءِ عُدَّتِها وقعتِ الفرقةُ بينَهما. وهذا الذي ادَّعَى عليهِ الإجماعُ في \"البحرِ\" (^٦) وادعاهُ ابنُ عبدِ البرِّ كما عرفتَ. وتأوَّلَ الجمهورُ حديثَ زينبَ بأنَّ عدَّتَها لم تكنْ قد انقضتْ وذلكَ بعدَ نزولِ آيةِ التحريمِ لبقاءِ المسلمةِ تحتَ الكافرِ وهوَ مقدارُ سنتينِ وأشهرٍ لأنَّ الحيضَ قدْ يتأخرُ معَ بعضِ النساءِ فردَّها - ﷺ - عليهِ لما كانتِ العدَّةُ غيرَ منقضيةٍ. وقيلَ: المرادُ بقولِه: بالنكاحِ الأولِ، أنهُ لم يحدثْ زيادةَ شرطٍ ولا مَهْرٍ. وردَّ هذا ابنُ القيمِ (^٧) وقالَ: لا نعرفُ اعتبارَ العدَّةِ في شيءٍ منَ الأحاديثِ ولا كانَ النبيُّ ﷺ يسألُ المرأةَ هلِ انقضتْ عدَّتُها أمْ لا، ولا ريبَ أن الإسلامَ لوْ كانَ بمجرَّدِه فرقةٌ لكانتْ فرقةً بائنةً لا رجعيةً فلا أثرَ للعدةِ في بقاءِ النكاحِ، وإنما\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٤٤٨).\n(^٢) في (أ): \"يريد\".\n(^٣) في \"الاستذكار\" (١٦/ ٣٢٦).\n(^٤) في \"المصنف\" (٥/ ٩١) عن علي. و(٥/ ٩٢)، عن إبراهيم النخعي.\n(^٥) في (أ): \"عن\".\n(^٦) في \"البحر الزخار\" (٣/ ٧٢).\n(^٧) انظر: \"إعلام الموقعين\" (٢/ ٣٥١ - ٣٥٣).","vol":"6","page":69},{"text":"أثرُها في منعِ نكاحِها للغيرِ، فلو كانَ الإسلامُ قدْ نجزَ الفرقةَ بينَهما لم يكنْ أحقَّ بها في العدةِ. ولكنَّ الذي دلَّ عليهِ حكمهُ - ﷺ - أن النكاحَ موقوفٌ؛ فإنْ أسلمَ قبلَ انقضاءِ عدَّتِها فهي زوجتُه، وإنِ انقضتْ عدَّتُها فَلَها أنْ تنكحَ مَنْ شاءتْ، وإنْ أحبتِ انتظرتْهُ؛ فانْ أسلمَ كانت زوجَتهُ منْ غيرِ حاجةٍ إلى تجديدِ نكاحٍ، ولا يُعْلَمُ أحدٌ جدَّدَ بعدَ الإسلامِ نكاحَه ألبتةَ بلْ كانَ الواقعُ أحدَ الأمرينِ: إما افتراقُهما ونكاحُها غيرَه، وإما بقاؤُهما عليهِ وإن تأخرَ إسلامُه، وأما تنجيزُ الفرقةِ ومراعاةُ العدةِ فلا يعلمُ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بواحدٍ منْهما معَ كثرةِ مَنْ أسلمَ في عهدِه وقربُ إسلامِ أحدِ الزوجينِ منَ الآخرِ وبُعْدُهُ منهُ، قالَ: ولولا إقرارُه - ﷺ - الزوجينِ على نكاحِهما، وإنْ تأخَّرَ إسلامُ أحدِهِما عن الآخرِ بعدَ صُلْحِ الحديبيةِ وزمنِ الفتحِ لقلْنا بتعجيلِ الفرقةِ بالإسلامِ منْ غيرِ اعتبارِ عدةٍ لقولِه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (^١)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (^٢) ثمَّ سردَ قضايا تؤكد ما ذهب إليه وهو أقربُ الأقوالِ في المسألةِ (^٣).\n٨/ ٩٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ (^٤): حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [ضعيف]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبِ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: ردَّ النبي ﷺ ابنتَه زينبَ على أبي العاصِ بن الربيعِ بنكاحٍ جديدٍ. قالَ الترمذيُّ حديث ابن عباسٍ أجودُ إسنادًا والعمل على حديثِ عمرِو بن شعيبٍ). قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: قالَ الإمامُ أحمدُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ وحجَّاجُ لم يسمعْه منْ عمرِو بن شعيبٍ، إنَّما\n_________\n(^١) سورة الممتحنة: الآية ١٠.\n(^٢) سورة الممتحنة: الآية ١٠.\n(^٣) انظر: \"بدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن قيم الجوزية\" (٤/ ٤٣٣ - ٤٣٨).\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ٤٤٧ رقم ١١٤٢)، وقال: هذا حديث في إسناده مقالٌ، وفي الحديثِ الآخر أيضًا مقال. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم؛ أن المرأة إذا أسلمت قبلَ زوجها، ثم أسلم زوجُها وهي في العِدَّةِ؛ أنَّ زوجَها أحقُ بها ما كانت في العِدَّةِ وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠١٠)، وهو حديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" رقم (١٩٢٢).","vol":"6","page":70},{"text":"سمعَه منْ محمدِ بن عبيد اللَّهِ العرزميِّ (^١)، والعرزميُّ لا يساوي حديثُه شيئًا، قالَ: والصحيحُ حديثُ ابن عباسٍ يعني المتقدِّمَ. وهكذَا قالَ البخاري والترمذيُّ والدارقطني والبيهقي وحكاهُ عنْ حُفَّاظِ الحديثِ.\nوأما ابنُ عبدِ البرِّ (^٢) فنهُ جنحَ إلى ترجيحِ روايةِ عمرِو بن شعيبِ وجمعَ بينَه وبينَ حديثِ ابن عباسٍ، فَحُمِلَ قولُه في حديثِ ابن عباسٍ: بالنكاحِ الأولِ، أي بشروطِه، ومعنَى لم يحدثْ شيئًا: أي لم يزدْ على ذلكَ شيئًا، وقدْ أشرْنا إليهِ آنِفًا. قالَ: وحديثُ عمرِو بن شعيبٍ تعضدُه الأصولُ، وقدْ صرَّحَ فيهِ بوقوعِ عقدٍ جديدٍ ومهرٍ جديدٍ، والأخذُ بالصريحِ أوْلَى منَ الأخذِ بالمحتملِ، انتهى.\nقلتُ: يردُّ تأويلَ حديثِ ابن عباسٍ تصريحُ ابن عباسٍ في روايةِ: \"فلمْ يحدثْ شهادةً ولا صَدَاقًا\"، رواهُ ابنُ كثيرٍ في \"الإرشادِ\" ونسبَه إلى إخراجِ الإمامِ أحمدَ [له] (^٣)، وأما قولُ الترمذيِّ: والعملُ على حديثِ عمرِو بن شعيبٍ، فإنهُ يريدُ عملَ أهلِ العراقِ، ولا يخْفَى أن عملَهم بالحديثِ الضعيفِ وهجرُ القوي لا يُقَوِّي [الضعيفَ] (^٤) بل يُضَعِّفُ ما ذهبوا إليهِ منَ العملِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-983>من أسلم فهو أحق بزوجته</span>\n٩/ ٩٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرَ، وَرَدَّها إلى زوجِهَا الأوَّلِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥) وَأَبُو دَاوُدَ (^٦) وَابْنُ مَاجَهْ (^٧). وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ (^٨) وَالْحَاكِمُ (^٩). [ضعيف]\n_________\n(^١) قال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢١١٦): \"ولمحمد بن عبيد اللهِ غير ما ذكرت من الحديث وله نسخة يرويها عنه ابنه وابن أخيه وعامة رواياته غير محفوظة\".\nوانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٨٧ - ٢٨٨).\n(^٢) في \"الاستذكار\" (١٦/ ٣٢٧ رقم ٢٤٧٠٤ - ٢٤٧٠٨).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٣٢٣).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٢٣٩).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢٠٠٨).\n(^٨) في \"الإحسان\" رقم (٤١٥٩).\n(^٩) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.=","vol":"6","page":71},{"text":"(وعن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: أسْلَمَتِ امرأةٌ فتزوجتْ، فجاءَ زوجُها فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني كنت أسلمتُ وعلمتْ بإسلامي، فانتزعَها رسول اللهِ ﷺ منْ زوجِها الآخرِ وردَّها إلى زوجِها الأولِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجهْ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ والحاكمُ).\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ إذا أسلمَ الزَّوجُ وعلمتِ امرأتُه بإسلامه فهيَ في عقدِ نكاحِه، وإن تزوَّجتْ فهوَ تَزَوُّجٌ باطلٌ تُنْتَزَعُ منَ الزوجِ الآخرِ، وقولُه: \"وعلمتْ بإسلامي\"، يحتملُ أنهُ أسلم بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها أو قبلَها، وأنَّها تُرَدُّ إليهِ على كلِّ حالٍ، وأنَّ عِلْمَها بإسلامِهِ قبلَ تزوُّجِها بغيرِه يُبْطِلُ نِكَاحَها مطلقًا، سواءٌ انقضتْ عِدَّتُها أمْ لا، فهوَ منَ الأدلةِ لكلامِ ابن القيمِ الذي قدَّمناهُ؛ لأنَّ تركَهُ - ﷺ - الاستفصالَ هلْ علمتْ بعدَ انقضاءِ العدةِ أوْ لا، دَليلٌ على أنهُ لا حكمَ للعدةِ. إلَّا أنهُ على كلامِ ابن القيمِ الذي قدَّمناهُ أنَّها بعدَ انقضاءِ عدَّتها تزوَّج مَنْ شاءَتْ لا تتمُّ هذهِ القصةُ إلا على تقديرِ تزوُّجِها في العدَّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-984>عيوب النكاح والفسخ بها</span>\n١٠/ ٩٥٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أبِيهِ: تَزَوّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: \"الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ\"، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ (^٢)، وَفِي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَليْهِ في شَيْخِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (^٣). [ضعيف]\n_________\n=قلت: وأخرجه الطيالسي رقم (٢٦٧٤)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٢٦٤٥)، وابن الجارود رقم (٧٥٧)، والبيهقي (٧/ ١٨٨ و١٨٩)، والبغوي رقم (٢٢٩٠)، ومدار الإسناد على سماك عن عكرمة، وهو سماك بن حرب الذهلي الكوفي قال الحافظ: \"صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخره فكان ربما يلقن\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، وقد ضعَّفه المحدث الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٩١٨).\n(^١) في هامش المخطوط (أ) ما نصه: \" [كذا قالهُ الشارحُ ﵀، ولا يخْفَى أنهُ مشكلٌ؛ لأنهُ إنْ كانَ عقدُ الآخرِ بعدَ انقضاءِ عدتِها منَ الأولِ فنكاحُها صحيحٌ، وإنْ كانَ قبلَ انقضاءِ عدتِها فهوَ باطلٌ، إلا أنْ يقالَ إنهُ أسلمَ وهيَ في العدةِ، وإذا أسلمَ وهيَ فيها فالنكاحُ باقٍ بينَهما، فتزوُّجها بعدَ إسلامِه باطلٌ لأنها باقيةٌ في عقدِ نكاحِه فهذا أقربُ منه] \".\n(^٢) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤).\n(^٣) قال ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٩٣): \"جميل بن زيد يُعرف بهذا الحديث، واضطراب =","vol":"6","page":72},{"text":"(وعن زيدِ بن كعبِ بن عجرةَ عنْ أبيهِ قالَ: تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - العاليةَ منْ بني غِفَارٍ) بكسرِ الغينِ المعجمةِ ففاءٍ خفيفةٍ فراءٍ بعدَ الألف؛ قبيلةٌ معروفةٌ، (فلمَّا دخلتْ عليهِ ووضعتْ ثيابَها رأى بِكَشْحِها) بفتح الكاف فشيني معجمةٍ فحاءٍ مهملةٍ هوَ ما بينَ الخاصرتينِ إلى الضلعِ كما في القاموسِ (^١)، (بياضًا، فقالَ: البسي ثيابكِ والحقي بِأَهْلِكِ، وأمرَ لها بالصَّدَاقِ. رواهُ الحاكمُ وفي إسنادِه جميلُ بنُ زيدٍ وهوَ مجهولُ واختُلِفَ عليه في شيخِه اختلافًا كثيرًا).\nاختُلِفَ في الحديثِ عنْ جميلٍ فقيلَ عنهُ كما قالَ المصنفُ، وقيلَ: عن ابن عمرَ (^٢)، وقيلَ: عنْ كَعبِ بن عجرةَ، وقيلَ: عنْ كعبِ بن زيدٍ (^٣).\nوالحديثُ فيهِ دليلٌ على أن البَرَصَ مُنَفِّرٌ ولا يدلُّ الحديثُ على أنهُ يُفْسَخُ بهِ النكاحُ صريحًا لاحتمالِ قولِه - ﷺ -: \"الحقي بأهلك\"، أنه قصدَ به الطلاقَ، إلا أنهُ قدْ رَوَى هذا الحديثَ ابنُ كثيرٍ بلفظِ: \"أنهُ - ﷺ - تزوَّجَ امرأةً منْ بني غفارٍ، فلمَّا دخلتْ عليهِ رَأَى بكشحها وضحًا، فردَّها إلى أهْلِها وقال: دلَّسْتُم عليَّ\"، فهوَ دليلٌ على الفسخِ، وهذا الحديثُ ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في بابِ الخيارِ في النكاحِ والردِّ بالعيبِ.\nوقد اختلَفَ العلماءُ في فسخِ النكاحِ بالعيوبِ، فذهبَ أكثرُ الأمةِ إلى ثبوتِه وإنِ اختلفُوا في التفاصيلِ. فَرُوِيَ عنْ عليٍّ - ﵁ -[وابن] (^٤) عمرَ - ﵁ -، أنَّها لا تُرَدُّ النساءُ إلا منْ أربعٍ: من الجنونِ، والجذامِ، والبرصِ، والداءِ في الفرجِ، وإسنادُه منقطعٌ. ورَوَى البيهقي (^٥) بإسنادٍ جيدٍ عن ابن عباسٍ - ﵁ -: \"أربعٌ لا يَجُزْنَ في بيعٍ\n_________\n= الرواة عنه بهذا الحديث حسب ما ذكره البخاري، وتلوَّن فيه على ألوان، واختلف عليه من روى عنه، فبعضهم ذكره البخاري، وبعضهم ذكرته أنا ممن قال عنه عن ابن عمر ممن لم يذكرهم البخاري … \" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٣٠٥).\n(^٢) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢١٣ - ٢١٤)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٩٣)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" رقم (٨٢٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٩٣)، والبيهقي (٧/ ٢١٤ و٢٥٦ - ٢٥٧)، وهو حديث ضعيف، وانظر كلام ابن حزم في \"المحلَّى\" (١٠/ ١١٥).\n(^٤) في (ب): \"و\".\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢١٥)، بإسناد جيد. وردَّه ابن حزم في \"المحلَّى\" (١٠/ ١١٤) =","vol":"6","page":73},{"text":"ولا نكاحٍ: المجنونةُ والمجذومةُ والبرصاءُ والعفْلاءُ\"، والرجلُ يشاركُ المرأةَ في ذلكَ، ويزيد بالجبِّ والعنةِ على خلافٍ في العنةِ وفي أنواعٍ منَ المنفراتِ خلافٌ. واختارَ ابنُ القيمِ (^١) أن كلَّ عيبٍ يُنَفِّرُ الزوجَ الآخرَ منهُ ولا يحصلُ به مقصودُ النكاحِ منَ المودةِ والرحمةِ يوجبُ الخيارَ وهوَ أوْلَى منَ البيعِ، كما أن الشروطَ المشروطة في النكاح أوْلَى بالوفاءِ منَ الشروطِ في البيعِ. قالَ: ومَنْ تدبَّرَ مقاصدَ الشرعِ في مصادرِه وموارِده وعدْلِه وحِكْمَتِهِ وما اشتملتْ عليهِ منَ المصالحِ لم يخفَ عليهِ رجحانُ هذا القولِ وقُرْبُهُ منْ قواعدِ الشريعةِ. قالَ: وأما الاقتصارُ على عيبين أو ثلاثةٍ أو أربعةِ أو ستةِ أو سبعةٍ أو ثمانيةٍ دونَ ما هوَ أوْلَى منْها أو مساويْها فلا وجْهَ لهُ؛ فالعَمَى والخرسُ والطرشُ وكونُها مقطوعةَ اليدينِ أو الرجلينِ أو إحداهُما منْ أعظم المنفراتِ، والسكوتُ عنهُ منْ أقبحِ التدليسِ والغشِ وهوَ منافٍ للدينِ، والإطلاقُ إنما ينصرفُ إلى السلامةِ فهوَ كالمشروطِ عُرْفًا. قالَ: وقدْ قالَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ لمنْ تزوَّجَ امرأةً وهو لا يولدَ لهُ أخْبِرْها أنكَ عقيمٌ، فماذا تقولُ في العيوبِ الذي هذا عندَها كمالٌ لا نقصٌ؟! انتهى. وذهبَ داودُ وابنُ حزمٍ (^٢) إلى أنهُ لا يُفْسَخُ النكاحُ بعيبٍ ألبتَةَ، وكأنهُ لما لم يثبتِ الحديثُ بهِ ولا يقولونَ بالقياسِ لم يقولُوا بالفسخِ.\n١١/ ٩٥١ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصورٍ (^٣) وَمَالِكٌ (^٤) وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^٥). وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٦). [ضعيف]\n_________\n= بقوله: \"وعن ابن عباس في طريق لا خير فيه ثم لو صح لكان لا حجة فيه لأنه لا حجة في قول أحد دون رسول اللهِ - ﷺ - مع اختلاف تلك الروايات على انقطاعها … \" اهـ.\n(^١) في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٨٠ - ١٨٦).\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" لابن حزم (١٠/ ١٠٩ - ١١٦) رقم المسألة: (١٩٣٤، ١٩٣٥).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٨١٨ و٨١٩).\n(^٤) في \"الموطأ\" (٢/ ٥٢٦ رقم ٩).\n(^٥) في \"المصنف\" (٤/ ١٧٥).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦٦ رقم ٨٢)، والبيهقي (٧/ ٢١٤).\n(^٦) وهو كما قال: إلا أنه منقطع بين سعيد وعمر. والخلاصة: أن الحديث ضعيف.","vol":"6","page":74},{"text":"(وعنِ سعيدِ بن المسيَّبِ أن عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - قالَ: أيُّما رجلٍ تزوَّجَ امرأةً فدخلَ بها فوجدَها برصاءَ أو مجنونة أو مجذومةً فلها الصَّداق بمسيسِهِ إياها، وهو لهُ على مَنْ غرَّه منها. أخرجه سعيدُ بن منصورٍ ومالكٌ وابن أَبي شيبةَ ورجالهُ ثِقَاتٌ) تقدَّمَ الكلامُ في الفسخِ بالعيبِ. وقولُه: (وهوَ)، أي المهرُ (لهُ) أي للزوجِ (على مَنْ غرَّهُ منْها) أي يرجعُ عليه، وإليهِ ذهبَ الهادي ومالكٌ وأصحابُ الشافعيِّ، وذلك لأنهُ غُرْمٌ لحقَهُ بِسبَبِهِ إلَّا أنَّهمُ اشترطُوا عِلْمَه بالعيبِ فإذا كانَ جاهلًا فلا غُرْمَ عليهِ، وقولُ عمرَ: \"على مَنْ غرَّهُ\"، دالٌ على ذلكَ، إذ لا غررَ منهُ إلَّا معَ العلمِ. وذهبَ أَبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنهُ لا رجوعَ، إلَّا أن الشافعيَّ قالَ بِهذَا في الجديدِ.\nقالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: وقدْ حَكَى الشافعيُّ في القديمِ عنْ عمرَ وعليٍّ وابنِ عباس في المغرورِ يرجعُ بالمهرِ على منْ غرَّهُ ويعتضدُ بما تقدَّم منْ قولِه - ﷺ -: \"من غَشَّنا فليس منَّا\" (^١)، ثمَّ قالَ الشافعيُّ في الجديدِ: وإنَّما تركْنا ذلكَ لحديثِ: \"أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغيرِ إِذْنِ وَليِّها فنكاحُها باطلٌ؛ فإنْ أصابَها فَلَهَا الصَّدَاقُ بما\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (١٠٢٣٤)، وفي \"الصغير\" (١/ ٢٦١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٨٩)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (٢٥٣) و(٢٥٤)، وابن حبان رقم (١١٠٧ - موارد) عن عبد اللهِ قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: \"من غشَّنا فليس منا، والمكرُ والخداعُ في النارِ\".\n• وللجملة الأولى شواهد:\n(منها): ما أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٢، ٤١٧)، ومسلم رقم (١٠١)، وأبو داود (رقم ٣٤٥٥)، والترمذي رقم (١٣١٥)، وابن ماجه رقم (٢٢٢٤)، والحاكم (٢/ ٨، ٩)، والبيهقي (٥/ ٣٢٠)، من حديث أَبي هريرة.\n(ومنها): ما أخرجه أحمد (٢/ ٥٠)، والدارمي (٢/ ٢٤٨)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\"، رقم (٣٥١) من حديث ابن عمر.\n(ومنها): ما أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٩) من حديث الحارث به سويد النخعي.\n(ومنها): ما أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٦) و(٤/ ٤٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ١٩٨)، من حديث أبي بردة بن نيار.\n• وللجملة الثانية شاهد من حديث أنس عند الحاكم (٤/ ٦٠٧)، بسند حسن.\nوآخر من حديث أَبي هريرة عند البزار رقم (١٠٣)، وأبي نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٠٩).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، واللهُ أعلم.","vol":"6","page":75},{"text":"استحلَّ منْ فَرْجِها\" (^١)، قال: فجعلَ لها الصَّداقَ في النكاحِ الباطلِ وهي التي غرَّتْه، فلأنْ يجعلَ لها الصداقُ بلا رجوعٍ على الغاز في النكاحِ الصحيحِ الذي فيه الزوجُ مُخَيَّرٌ بطريقِ الأَوْلَى. انتَهى. وقدْ يقالُ: هذا مطلقٌ مُقَيَّدٌ بحديثِ البابِ.\n١٢/ ٩٥٢ - وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ (^٢)، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. [ضعيف].\n(وَرَوَى سعيدٌ أيضًا) يعني ابنُ منصورٍ (عنْ عليٍّ - ﵁ - نحوهَ وزادَ: وبها قَرْنٌ) بفتحِ القافِ وسكونِ الرَّاءِ، هوَ العَفَلَةُ بفتحِ العينِ المهملةِ وفتحِ الفاءِ واللامِ، [وهو شيء يخرج] (^٣) في قُبُلِ النساءِ وَحَيَا الناقةِ كالأَدَرَةِ في الرجالِ، (فزوجُها بالخيارِ، فإنْ مسَّها فَلَهَا المهْرُ بما استحلَّ منْ فَرْجِهَا).\n١٣/ ٩٥٣ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (^٤) أَيْضًا قَالَ: قَضَى عُمْرُ - ﵁ - في الْعِنينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [ضعيف].\n(ومنْ طريقِ سعيدِ بن المسيَّبِ أيضًا)، أي: وأخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ منْ طريقِ ابن المسيبِ (قالَ: قَضَى عمرُ أنَّ العِنِّيْنَ يُؤَجَّلُ سنةَ. ورجالُه ثقاتٌ)، بالمهملةِ فنونٍ فمثناةٍ تحتيةٍ بِزِنَةِ سِكِّيْنٍ، هوَ مَنْ لا يأتي النساءَ عجزًا لعدمِ انتشارِ ذَكَرِهِ ولا يريدُهنَّ، والاسمُ: العَنَانَةُ [والعنينُ] (^٥) والعِنِّيْنَةُ بالكسرِ ويشدَّدُ، والعُنَّةُ بالضمِّ الاسمُ أيضًا منْ عَنَنَ عن امرأتِهِ حَكَمَ عليهِ القاضي بذلِكِ أوْ مُنِعَ بالسحرِ. وهذَا الأثرُ دالٌّ على أنَّها عيبٌ يفسخُ بها النكاحُ بعدَ تحقُّقِها، واختلفُوا في ذلكَ، والقائلونَ بالفسخ اختلفُوا أيضًا في إمهالهِ ليحصلَ التحقيقُ، فقيلَ: يُمْهَلُ سنةً، وهوَ مرويٌّ\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٤٧، ١٦٥)، وأبو داود رقم (٢٠٨٣)، وابن ماجه رقم (١٨٧٩)، والترمذي رقم (١١٠٢)، وقال: حديث حسن. وابن حبان (رقم ١٢٤٨ - موارد)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٨) من حديث عائشة.\nوانظر: \"الإرواء\" (٦/ ٢٤٣ رقم ١٨٤٠).\n(^٢) أخرجه سعيد بن منصور في \"السنن\" رقم (٨٢٠، ٨٢١)، والبيهقي (٧/ ٢١٥)، موقوفًا.\n(^٣) في (ب): \"وهي تخرج\".\n(^٤) أخرجه ابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٠٦) موقوفًا.\n(^٥) في (ب): \"والتعنين\".","vol":"6","page":76},{"text":"عنْ عمرَ (^١) وابنِ مسعودِ (^٢)، وَرُوِيَ عنْ عثمانَ أنهُ لم يؤجِّلْه، وعنِ الحارثِ بن عبدِ اللَّهِ (^٣) يُؤَجَّلُ عَشَرةَ أشهرٍ، وذهبَ أحمدُ والهادي وجماعةٌ إلى أنهُ لا فسخَ بذلك. واستدلُّوا بأنَّ الأصلَ عدمُ الفسخِ وهذا أثرٌ لا حجةَ فيهِ وبأنهُ - ﷺ - لمْ يُخَيِّرِ امرأةَ رُفاعةَ وقدْ شكتْ منهُ ذلكَ وهوَ في موضعِ التعليمِ. وقدْ أجابَ في \"البحر\" (^٤) بقولِه: قُلْنَا [لهُ] (^٥) لعلَّ زوجَها أنكرَ والظاهرُ معهُ.\nقلتُ: لا يخفَى أن امرأةَ رفاعةَ لم تشكُ منْ رفاعةَ فإنهُ كانَ قد طلَّقَها فتزوَّجَها عبدُ الرحمنِ بنُ الزبيرِ فجاءتْ تشكوُ إليهِ - ﷺ - وقالتْ إنما معهُ مثلُ هُدْبَةِ الثوبِ، فقالَ - ﷺ -: \"أتريدينَ أنْ ترجعي إلى رفاعةَ؟ لا حتَّى يذوقَ عُسَيلتَكِ وتذوقي عُسَيْلَتَهُ\" (^٦). وفي روايةِ \"الموطأِ\" (^٧): \"أن رفاعةَ طلَّقَ امرأتَه تميمةَ بنتَ وَهْبٍ في عَهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ثلاثًا فَنَكحت عبدَ الرحمنِ ابنَ الزبيرِ فاعترض عنْها فلم يستطِعْ أنْ يَمَسَّها ففارقَها، فأرادَ رفاعةُ أنْ يَنْكِحَها وهوَ زوجُها الأولُ فقالَ - ﷺ -: أتريدينَ - الحديثَ\". وبهذَا يُعْرَفُ عدمُ صحةِ الاستدلالِ [بحديث] (^٨) رفاعةَ فإنَّها لم تطلبِ الفسخَ بلْ فهمَ مِنْها - ﷺ - أنَّها تريدُ أنْ يراجعَها رفاعةُ فأخبرَها أن عبدَ الرحمنِ حيثُ لم تذق عسيلته ولا ذاق عسيلتها [لا يُحِلُّها] (^٩) لرفاعةَ. وكيفَ يحملُ حديثها على طلب الفسخِ وقدْ أخرجَ مالكٌ في \"الموطأ\" (٧) \"أن عبدَ الرحمنِ لم يستطعْ أنْ يمسَّها فطلَّقَها فأراد رفاعةُ أنْ ينكحَها وهوَ زوجُها الأولُ فجاءتْ تستفتي رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فأجابَها بأنَّها لا تحلُّ لهُ\".\nوأما قصةُ أَبي ركانةَ وهيَ: \"أنهُ نكحَ امرأةَ منْ مزينةَ فجاءتْ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالتْ: ما يغني عَنِّي إلَّا كما تغني عنيِّ هذهِ الشعرةُ، لشعرةٍ أخذتْها منْ رأسِها ففرِّقْ بيني وبينَه، فأخذتِ النبيَّ - ﷺ - حميةٌ فدعا بركانةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لجلسائهِ:\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٠٦، ٢٠٧).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٠٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٠٦).\n(^٤) (٣/ ٦٤ - ٦٥).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٠/ ٢٦٤ رقم ٥٧٩٢)، ومسلم (رقم: ١٤٣٣) من حديث عائشة.\n(^٧) (٢/ ٥٣١ رقم ١٧).\n(^٨) في (ب): \"بقصةِ\".\n(^٩) في (أ): \"لا تحل\".","vol":"6","page":77},{"text":"أترونَ فلانًا - يعني ولدًا لهُ - يشبهُ منهُ كذَا وكذَا من عبد يزيد (^١)، وفلانًا لابنه الآخر يشبه منه كذا وكذا، قالُوا: نعمْ، قالَ النبيُّ - ﷺ - لعبدِ يزيدَ: طلِّقْها، ففعلَ - الحديثَ\"، أخرجَه أَبو داودَ (^٢) عن ابن عباسٍ.\nوالظاهرُ أنهُ لم يثبتْ عندَهُ - ﷺ - ما ادَّعَتْهُ المرأةُ منَ العنَّةِ؛ لأنَّها خلافُ الأصلِ؛ ولأنهُ - ﷺ - تَعرَّفَ أولادَه بالقيافةِ، وسألَ عنْها أصابَهُ - ﷺ - فدلَّ [على] (^٣) أنهُ لم يثبتْ لهُ أنهُ عِنِّينٌ فأمرهَ بالطلادقِ إرشادًا إلى أنهُ ينبغي لهُ فراقُها حيثُ طلبتْ ذلكَ منهُ لا أنه يجبُ عليهِ.\nفائدةٌ: قالَ ابنُ المنذرِ (^٤): اختلفُوا في المرأةِ تطالبُ الرجلَ بالجماعِ، فقالَ الأكثر: إنْ وَطِئَها بعدَ أنْ دخلَ بها مرةً واحدةً لم يؤجَّلْ أَجَلَ العنِّينِ، وهوَ قولُ الأوزاعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ. وقالَ أَبو ثورٍ: إنْ تركَ جِمَاعَها لِعِلَّةٍ أَجَّلَ لها سنةً، وإنْ كانَ لغيرِ عِلَّةٍ فلا تأجيلَ.\nوقالَ عياضٌ: اتفقَ كافةُ العلماءِ على أن للمرأةِ حقًّا في الجماعِ فيثبتُ الخيارُ لها إذا تزوَّجَتْ المجبوبَ والممسوحَ جاهلةً بهمَا، ويضربُ للعنينِ أجلُ سنةٍ لاختبارِ زوالِ ما بهِ، انتَهى.\nقلتُ: ولم يستدلُّوا على مقدارِ الأجلِ بالسنةِ بدليلٍ ناهضٍ، إنما يذكرُ الفقهاءُ لأَجْلِ أنْ تمرَّ بهِ الفصولُ الأربعةُ فيتبيَّنُ حالهُ.\n* * *\n_________\n(^١) عبد يزيد اسم أبي ركانة.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٩٦)، وهو حديث حسن.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) انظر: \"الإشراف على مذاهب العلماء\" (٤/ ٨٣ م ٢٣٢٤).","vol":"6","page":78},{"text":"<span data-type='title' id=toc-985>[الباب الثالث] باب عِشْرةِ النساء</span>\nبكسرِ العينِ وسكونِ الشينِ المعجمةِ، أي عشرةَ الرجالِ - أي الأزواجِ - النساءَ، أي الزوجاتِ.\n١/ ٩٥٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِيُّ (^٢) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. [حسن].\n(عنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ملعونٌ منْ أَتَي امرأةً في دُبُرِها. رواهُ أَبو داودَ والنسائيُّ واللفظُ لهُ، ورجالهُ ثقاتٌ، لكنْ أُعِلَّ بالإرسالِ). رُوِيَ هذا الحديثَ بلفظهِ منْ طُرُقٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ منْهم عليُّ بنُ أَبي طالبٍ (^٣) - ﵁ -، وعمرُ (^٤)،\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢١٦٢).\n(^٢) في \"عشرة النساء\" رقم (١٢٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤)، وابن ماجه رقم (١٩٢٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٢٠٩٥٢)، وابن أَبي شيبة \"المصنف\" (٤/ ٢٥٣)، والدارمي (١/ ٢٦٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٤٤)، والبيهقي (٧/ ١٩٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٢٩٧).\nوفي إسناده: الحارث بن مُخَلَّد. لا يعرف حاله؛ وخلاصة القول: أن الحديث حسن.\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٨٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٩) وقال: رجاله ثقات.\n(^٤) أخرجه النسائي في \"عشرة النساء\" رقم (١٢٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٧٦)، والبزار (رقم: ١٤٥٦ - كشف) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩) وقال: رواه أَبو يعلى والطبراني في \"الكبير\"، والبزار، ورجال أَبي يعلى رجال الصحيح، ما عدا عثمان بن اليمان، وهو ثقة، وذكر الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) فيه اختلافًا كثيرًا. ثم قال: وقول عثمان ابن اليمان أصحّها.\nعن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ - قالَ: \"لا تأتوا النساء في أدبارهن\".","vol":"6","page":79},{"text":"وخُزَيْمَةُ (^١)، وعليُّ بنُ طَلْقٍ (^٢) وطلقُ بنُ عليٍّ وابنُ مسعودٍ (^٣) وجابرٌ (^٤) وابنُ عباسٍ (^٥) وابنُ عمر (^٦) والبراءُ (^٧)، وعقبةُ بنُ عامرٍ (^٨)،\n_________\n(^١) أخرج النسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٩٦)، وابن ماجه رقم (١٩٢٤)، وأحمد (٥/ ٢١٣، ٢١٤، ٢١٥)، والدارمي (١/ ٢٦١) و(٢/ ١٤٥)، وابن حبان رقم (٤١٩٨ و٤٢٠٠ - الإحسان)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٨٤ رقم ٣٧١٦) و(٤/ ٨٨ - ٩٠ الأرقام من ٣٧٣٣ - ٣٧٤٤)، والبيهقي (٧/ ١٩٦ - ١٩٧)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧٢٨) وغيرهم.\nعن عمارة بن خُزيمة بن ثابت عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن اللَّهَ لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن\"، وهو حديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٠٠٥).\n(^٢) أخرج أحمد (١٦/ ٢٢٤ رقم ٢٣٨ - الفتح الرباني)، والترمذي رقم (١١٦٤) وقال: حديث حسن. والنسائي في عشرة النساء رقم (١٣٧)، وعبد الرزاق رقم (٢٠٩٥٠)، وابن أَبي شيبة (٤/ ٢٥١)، والدارمي (١/ ٢٦٠)، والبيهقي (٧/ ١٩٨)، وابن حبان رقم (٤١٩٩ - الإحسان).\nمن حديث علي بن طلق أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تأتوا النساء في أعجازهن\"، أو قال: \"في أدبارهن\". ورجال إسناده ثقات غير مسلم بن سلام فلم يوثقه غير ابن حبان.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن بشواهده.\n(^٣) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠٦٢) بإسناد واهٍ.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٤٥٢٨)، ومسلم رقم (١٤٣٥)، وأبو داود رقم (٢١٦٣)، وابن ماجه رقم (١٩٢٥)، والنسائي في عشرة النساء رقم (٨٧ و٨٨)، والترمذي رقم (٢٩٧٨)، والطبري رقم (٤٣٣٦) و(٤٣٣٩) و(٤٣٤٠) وغيرهم عنه قال: قالت اليهود: \"إنَّ الرجُلَ إذا أتى امرأته وهي مُجَبِّيَةٌ جاء ولدهُ أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية إذا كان في صمام واحد\".\n(^٥) أخرج النسائي في \"عشرة النساء\" رقم (١١٥)، والترمذي رقم (١١٦٥) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن الجارود رقم (٧٢٩)، وابن حبان رقم (٤٢٠٣ - الإحسان) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في دُبُر\" بإسناد حسن. وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٨١): إن الموقوف أصح من المرفوع.\n(^٦) أخرج الدارمي (١/ ٢٦٠ - ٢٦١). عن سعيد بن يسار أَبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض لهن، قال: وما التحميض، فذكرت الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين\".\nوذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٧٢): وقال عَقِبَة: هذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل، فهو مردود إلى هذا الحكم\".\n(^٧) ذكره السيوطي في \"الجامع الصغير\" ونسبه إلى ابن عساكر، ورمز له بالضعف.\n(^٨) أخرج الطبراني في \"الأوسط\" رقم (١٩٣١) عنه، قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"لعنَ اللَّهُ الذينَ يأتونَ النساءَ في محاشهِنَ\".\nوقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن لهيعة إلا ابن وهب، تفرد به: عبد الصمد بن =","vol":"6","page":80},{"text":"وأنسٌ (^١)، وأبو ذرٍّ (^٢) - ﵃ -، وفي طُرُقِهِ جميعِها كلامٌ ولكنَّهُ معَ كثرةِ الطرقِ واختلافِ الرواةِ يشدُّ بعضُ طرقِهِ بعضًا، ويدلُّ على تحريمِ إتيانِ النساءِ في أدبارهنَّ، وإلى هذا ذهبتِ الأمةُ إلَّا القليلَ للحديثِ هذَا؛ ولأنَّ الأصلَ تحريمُ المباشرةِ إلا لما أحلَّه اللَّهُ، ولم يحلَّ تعالى إلا القُبُلَ كما دلَّ [عليه] (^٣) قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٤)، وقولهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٥) فأباحَ موضعَ الحرثِ. [والمرادُ] (^٦) منَ الحرثِ نباتُ الزرعِ، فكذلكَ النساءُ الغرضُ منْ إتيانهنَّ هوَ طلبُ النَّسْلِ لا قضاءُ الشهوةِ وهوَ لا يكونُ إلا في القُبُلِ فيحرمُ ما عدا موضعَ الحرثِ، ولا يقاسُ عليهِ غيرهُ لعدمِ المشابهةِ في كونِهِ محلًا للزرعِ. وأما حلُّ الاستمتاعِ فيما عدا الفرجِ فمأخوذٌ مَنْ دليلٍ آخرَ وهو جوازُ مباشرةِ الحائضِ فيما عدا الفرجِ، وذهبتِ الإماميةُ (^٧) إلى جوازِ إتيانِ الزوجة والأمةِ بلْ والمملوكِ في الدُّبُرِ. ورُوِيَ عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: لم يصحَّ في تحليلِهِ ولا تحريمِهِ شيءٌ والقياسُ أنهُ حلالٌ. ولكنْ قالَ الربيعُ: واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ لقدْ نصَّ الشافعيُّ على تحريمِه في ستةِ كتبٍ، ويقالُ إنهُ كانَ يقولُ بحِلِّهِ في القديمِ (^٨).\n_________\n= الفضل. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٩) وقال: فيه عبد الصمد بن الفضل وثقه الذهبي، وقال: له حديث يستنكر وهو صالح الحال إن شاء الله.\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٨٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٦٦).\n(^١) و(^٢) فلينظر من أخرجهما.\nقلت: وأخرج أحمد (٢/ ١٨٢، ٢١٠)، والنسائي في \"عشرة النساء\" رقم (١١٠)، والبيهقي (٧/ ١٩٨)، والبزار (٢/ ١٧٢ - كشف) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٨) وقال: رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nأن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن الرجل يأتي امرأته في دبرها، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: \"تلك اللوطية الصغرى\".\n(^٣) في (ب): \"له\".\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٦) في (ب): \"والمطلوب\".\n(^٧) قال العاملي: \"اللمعة الدمشقية\" وهو من كتب فقه الإمامية (٥/ ١٠١): \" (والوطء في دبرها - أي المرأة - مكروه كراهة مغلظة) من غير تحريم على أشهر القولين والروايتين، وظاهر آية الحرث. (وفي رواية) سدير عن الصادق - ﵇ - (يحرم)، لأنه روى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"محاش النساء على أمتي حرام\" وهو مع سلامة سنده محمول على شدة الكراهة، جمعًا بينه وبين صحيحة ابن أَبي يعفور، الدالة على الجواز صريحًا\" اهـ.\n(^٨) قال الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٢٩) عقب حديث خزيمة بن ثابت: \"فلست أرخص =","vol":"6","page":81},{"text":"وفي الهدي النبويِّ (^١) عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: لا أرخِّصُ فيهِ بلْ أَنْهَى عنهُ، وقالَ: إنَّ منْ نقلَ عن الأئمةِ إباحتهُ فقدْ غَلِطَ عليهم أفحشَ الغلطِ وأقبحَه وإنما الذي أباحُوهُ أنْ يكونَ الدبرُ طريقًا إلى الوطءِ في الفرجِ فيطأُ منَ الدبرِ لا في الدبرِ فاشتبَه على السامعِ، انتَهى. ويُرْوَى جوازُ ذلكَ عن مالكٍ وأنكرَه أصحابُه. وقدْ أطالَ الشارحُ القولَ في هذه المسألةِ بما لا حاجةَ إلى استيفائِه هنا وقرَّرَ آخرًا تحريمه، ومنْ أدلةِ تحريمهِ قولُه:\n٢/ ٩٥٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَتى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً في دُبُرِهَا\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ (^٣) وَابْنُ حِبَّانَ (^٤)، وَأُعِلّ بِالْوَقْفِ. [إسناده حسن].\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: لا ينظرُ اللَهُ إلى رجلٍ أَتَى رجلًا أو أمرأةً في دُبُرِهَا. رواهُ الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ حبانَ وأُعِلَّ بالوقفِ) على ابن عباسٍ، ولكنَّ المسألةَ لا مسرحَ للاجتهادِ فيها سِيَّما ذكرُ هذا النوعِ منَ الوعيدِ فإنهُ لا يُدْرَكُ بالاجتهادِ فلهُ حكمُ الرفع.\n\n<span data-type='title' id=toc-986>الوصاة بالجار وبالنساء</span>\n٣/ ٩٥٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ\n_________\n= فيه - أي في إتيان المرأة في دبرها - بل أنهى عنه\".\n(^١) المسمَّى: \"زاد المعاد في هدي خير العباد\" (٤/ ٢٦١).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١٦٥) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"عشرة النساء\" رقم (١١٥).\n(^٤) في \"الإحسان\" رقم (٤٢٠٣). وإسناده حسن.\nوقد تقدم الكلام عليه قريبًا. وقد قال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ١٨١): إن الموقوف أصح من المرفوع.","vol":"6","page":82},{"text":"أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح].\nوَلِمُسْلِم (^٢): \"فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُها طَلاقُهَا\".\n(وعنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: منْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذي جارَهُ، واستوصُوا بالنساءِ خيرًا فإنهنَّ خُلِقْنَ منْ ضِلعٍ) بكسرِ الضادِ المعجمةِ وفتحِ اللامِ وإسكانِها، واحدُ [الأضلع] (^٣) (فإنَّ أعوجَ شيء في الضلعِ أعلاهُ إذا ذهبتَ تقيمهُ كسرتَه وإنْ تركتَه لم يزلْ أعوجَ، واستوصُوا بالنساءِ خيرًا) أي اقبلُوا الوصيةَ فيهنَّ، والمعنَى إني أوصيكم بهنَّ خيرًا، أو المعنَى يوصي بعضكم بعضًا فيهنَّ خيرًا (متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ. ولمسلمٍ: فإنِ استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوَجٌ) هوَ بكسرِ أولِه على الأرجحِ (وإنْ ذهبتَ تقيمها كسرتَها وكسرُها طلاقُها). الحديثُ دليلٌ على عِظَمِ حقِّ الجارِ وأنّ من آذى الجار فليس بمؤمن بالله واليومِ الآخر، وهذا وإنْ كانَ يلزمُ منهُ كفرُ مَنْ آذى جارَه إلَّا أنهُ محمولٌ على المبالغةِ؛ لأنَّ منْ حقِّ الإيمانِ ذلكَ فلا ينبغي لمؤمنِ الاتصافُ بهِ وقدْ عدَّ أذَى الجارِ منَ الكبائرِ، والمراد منْ كانَ يؤمنُ إيمانًا كاملًا. وقدْ وصَّى اللَّهُ على الجارِ في القرآنِ، وحدُّ الجارِ إلى الأربعين دارًا كما أخرجَ الطبرانيُّ (^٤) أنهُ: \"أَتَى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني نزلتُ في محلِّ بني فلانٍ وإنَّ أشدَّهم لي أذىً أقربُهم إليَّ دارًا، فبعثَ النبيُّ - ﷺ - أبا بكرٍ وعمرَ وعليًا - ﵃ - يأتون المسجدَ فيصيحونَ على أن أربعينَ دارًا جارٌ ولا يدخلُ الجنةَ منْ خافَ جارُه بوائقهُ (^٥) \". وأخرج الطبرانيُّ في \"الكبير\" \"والأوسطِ\" (^٦):\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥١٨٥) و(٦٥١٨) و(٦١٣٦) و(٦١٣٨) و(٦٤٧٥)، ومسلم رقم (٦٥، ٥٩، ٦٠/ ١٤٦٨).\n(^٢) رقم (٥٩/ ١٤٦٨).\n(^٣) في (ب): \"الأضلاع\".\n(^٤) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٦٩) من حديث كعب بن مالك وقال: فيه يوسف بن السفر وهو متروك.\n(^٥) البوائق جمع بائقة وهي الداهية والشر الشديد.\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٠٨٠) وعزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٦٤) إلى \"الكبير\" أيضًا. وقال: وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف.\nقلت: وفيه أيضًا (حفص بن سليمان القاضري) وهو متروك. =","vol":"6","page":83},{"text":"\"إنَّ اللَّهَ ليدفعُ بالمسلمِ الصالحِ عنْ مائةِ بيتٍ منْ جيرانِهِ\"، وهذا فيه زيادةٌ على الأولِ. والأذيةُ للمسلم مطلقًا محرمةٌ، قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^١)، ولكنهُ في حقِّ الجارِ أشدُّ تحريمًا فلا يغتفرُ منهُ شيءٌ، وهوَ كلُّ ما يُعَدُّ في العُرْفِ أذىً حتَّى وردَ في الحديثِ: \"إنهُ لا يؤذيهِ بِقَتَارِ قِدْرِه إلَّا أنْ يغرفَ لهُ منْ مرقتهِ، ولا يحجزُ عنهُ الريحَ إلا بإذنِه، وإنِ اشترى فاكهةً أَهْدَى [له] (^٢) إليه\" (^٣)، وحقوقُ الجارِ مستوفاةٌ في الإحياءِ للغزاليِّ (^٤). وقولُه: \"واستوصُوا\" تقدَّمَ بيانُ معناهُ وعلَّلَه بقولهِ: فإنهنَّ خُلْقِنَ منْ ضلعٍ، يريدُ خلِقنَ خلقًا فيهِ اعوجاجٌ لأنهنَّ خلقنَ منْ أصلٍ مُعْوَجٍّ، والمرادُ أن حوَّاءَ أصلُها خلقتْ منْ ضلعِ آدمَ كما قالَ تعالَى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٥) بعدَ قولهِ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (^٥). وأخرجَ ابنُ إسحاقَ منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"إنَّ حوَّاءَ خُلِقَتْ من ضلعِ آدمَ الأقصرِ الأيسرِ وهوَ نائمٌ\" (^٦)، وقولهُ: \"وإنَّ أعوجَ ما في الضلعِ\" إخبارٌ بأنها خلقتْ منْ أعوجِ أجزاءِ الضلعِ مبالغةً في إثباتِ هذهِ الصفةِ [فيهنَّ] (^٧). وضميرُ قولهِ تقيمهُ وكسرتَهُ للضلعِ، وهوَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكذا في لفظِ البخاريِّ تقيمها وكسرتَها ويحتملُ أنهُ للمرأةِ، وروايةُ مسلمٍ صريحةٌ في ذلكَ حيثُ قالَ: \"وكسرُها طلاقُها\". والحديثُ فيهِ الأمرُ بالوصيةِ بالنساءِ والاحتمالُ لهنَّ، والصبرُ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ، وأنهُ لا سبيلَ إلى إصلاحِ أخلاقِهنَّ بلْ لا بدَّ منَ العوجِ فيها، وأنهُ مِنْ أصلِ الخلقةِ. وتقدَّمَ ضبطُ العِوَجِ هُنَا، وقالَ أهلُ اللغةِ (^٨): العوجُ بالفتحِ في كلِّ منتصبٍ كالحائطِ والعودِ وشِبْهِهِمَا وبالكسر ما كانَ في بساطٍ أو [عيش] (^٩) أو دِيْنٍ ويقالُ: فلانٌ في دينهِ عِوَجٌ بالكسرِ.\n_________\n= وقد أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٩٠) في ترجمته، وقال: لا يرويه عن ابن سوقة غير حفص بن سليمان.\n(^١) سورة الأحزاب: الآية ٥٨.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) وهو جزء من حديث أخرجه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٦٥) من حديث معاوية بن حيدة. وقال الهيثمي: وفيه أَبو بكر الهذلي وهو ضعيف.\n(^٤) (٢/ ٢١٢ - ٢١٥).\n(^٥) سورة النساء: الآية ١.\n(^٦) كلام فيه نظر؟!\n(^٧) في (ب): \"لهنَّ\".\n(^٨) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص ٢٥٥).\n(^٩) في (ب): \"معايش\".","vol":"6","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-987>نهى - ﷺ - المسافر عن طروق أهله ليلًا</span>\n٤/ ٩٥٧ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - في غَزاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: \"أَمْهِلُوا حَتَّى تدخلوا لَيْلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ\"، مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح].\nوفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (^٢): \"إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فلا يَطْرُق أَهْلَهُ لَيْلًا\". [صحيح].\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: كُنَّا معَ النبيِّ - ﷺ - في غزاةٍ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ ذَهَبْنَا لندخلَ فقالَ - ﷺ -: أمهلُوا حتَّى تدخلُوا ليلًا - يعني عشاءً - لكي تمتشطَ الشعثةُ) بفتحِ الشينِ المعجمةِ وكسرِ العينِ المهملةِ فمثلثةٍ (وتستحدَّ) بسينِ وحاءٍ مهملتينِ (المغيبةً) بضمِّ الميمِ وكسرِ المعجمةِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ ساكنةٌ فموحدةٌ [مفتوحةٌ] (^٣) التي غابَ عنْها زوجُها (متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يحسنُ التأني [للقادمِ] (^٤) على أهلهِ حتَّى يشعرُوا بقدومِهِ قبلَ وُصولِهِ بزمانٍ يتسعُ لما ذُكرَ منْ تحسينِ هيئاتِ منْ غابَ عنهنَّ أزواجُهن منَ الامتشاطِ وإزالةِ الشعرِ بالموسَى مثلًا منَ المحلاتِ التي يحسنُ إزالتُه منْها، وذلكَ لئلَّا يهجمَ على أهلهِ وهمْ في هيئةٍ غيرِ مناسبةٍ فينفرُ الزوجُ عنهنَّ، والمرادُ إذا سافرَ سَفَرًا يطيلُ فيه الغيبةَ كما دلَّ لهُ قولهُ: (وفي روايةِ البخاريِّ) أي عنْ جابرٍ: (إذا أطالَ أحدُكم الغيبةَ فلا يطرقْ أهلَه ليلًا) قالَ أهلُ اللغةِ: الطروقُ المجيءُ [ليلًا] (^٥) منْ سَفَرٍ وغيرِهِ على غَفْلَةٍ، ويقالُ لكلِّ آتٍ بالليلِ طارقٌ ولا يقالُ في النهارِ إلَّا مجازًا. وقولُه: \"ليلًا\" ظاهرُه تقييدُ النَّهْي بالليلِ وأنهُ لا كراهةَ في وصوله إلى أهلهِ نهارًا منْ غيرِ شُعُورِهم. واختُلِفَ في علةِ التفرقةِ بينَ الليلِ والنهارِ، فعلَّلَ البخاريُّ في ترجمةِ البابِ بقولهِ: بابُ لا يطرقُ الرجلُ أهلَه ليلًا إذا أطالَ الغيبةَ مخافةَ أن يتخوَّنهم أو يلتمسَ [عوراتهم] (^٦) فعلَى هذا التعليلِ يكونُ الليلُ جزءَ [علة] (^٧)؛ لأنَّ الريبةَ تغلبُ في الليلِ وتندرُ في النهارِ وإنْ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٠٧٩)، ومسلم (٢/ ١٠٨٨ رقم ٥٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٣، ٣٥٥)، وأبو داود رقم (٢٧٧٨).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٤٤).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"للقدوم\".\n(^٥) في (ب): \"بالليل\".\n(^٦) في (ب): \"عثراتهم\".\n(^٧) في (ب): \"العلة\".","vol":"6","page":85},{"text":"كانتِ العلةُ ما صرَّحَ بهِ وهوَ قولُه: \"لكي تمتشطَ إلى آخرِهِ\" [فهوَ حاصلٌ] (^١) في الليلِ والنهارِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ معتبرًا في العلة على كلَا التقديرينِ، فإنَّ الغرضَ منَ التنظيفِ والتزيينِ هوَ تحصيلٌ [لكمالِ] (^٢) الغرضِ منْ قضاءِ الشهوةِ وذلكَ في الأغلبِ يكونُ في الليلِ، فالقادمُ في النهارِ يَتَأَنَّى [لتحصيل زوجته] (^٣) التنظيفُ والتزيينُ لوقتِ المباشرةِ وهوَ الليلُ بخلافِ القادمِ في الليلِ، [وكذلكَ] (^٤) ما يُخْشَى منهُ منَ العثورِ على وجودِ أجنبيٍّ هوَ في الأغلبِ يكونُ في الليلِ.\nوقدْ أخرجَ ابنُ خزيمةَ (^٥) عن ابن عمرَ قالَ: \"نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن نطرقَ النساءَ ليلًا، فطرقَ رجلانِ كلاهُما فوجدَ - يريدُ كلُّ واحدٍ منْهما - معَ امرأتِه ما يكرَهُ\". وأخرجَ أَبو عوانة في صحيحهِ (^٦) منْ حديثِ جابرٍ: \"أن عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ أتَى امرأتَه ليلًا وعندَها امرأةٌ تمشطُها فظنَّها رجلًا فأشارَ إليها بالسيفِ، فلمَّا ذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ - ﷺ - نَهَى أنْ يطرقَ الرجلُ أهلَه ليلًا\".\nوفي الحديثِ الحثُّ على البعدِ عنْ تَتَبُّعِ عوراتِ الأهلِ والحثُّ على ما يجلبُ التودُّدَ والتحابَّ بينَ الزوجينِ وعدمُ التعرضِ لما يوجبُ سوءَ الظنِّ بالأهلِ وبغيرِهم أَوْلَى. وفيهِ أن الاستحدادَ ونحوَه مما تتزينُ بهِ المرأةُ لزوجِهَا محبوبٌ للشرعِ وأنهُ ليسَ من تغيير خلقِ اللَّهِ المنْهِيِّ عنهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-988>نهي الزوجين عن إفشاء ما يكون دينهما</span>\n٥/ ٩٥٨ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ منْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إِلَيهِ، ثُمّ يَنْشُرُ سرَّهَا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"فهي حاصلة\".\n(^٢) في (أ): \"إكمال\".\n(^٣) في (ب): \"يحصل لزوجته\".\n(^٤) في (أ): \"كذا\".\n(^٥) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٣٤٠).\n(^٦) في \"المسند\" (٥/ ١١٤، ١١٦).\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (١٤٣٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٦٩)، وأبو داود رقم (٤٨٦٨).","vol":"6","page":86},{"text":"(وعنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللَّهِ منزلةً يومَ القيامةِ الرجلُ يفضي إلى امرأتِهِ)، مِنْ أفْضَى الرجلُ إلى المرأةِ جامعَها أو خَلا بهَا، جامعَ أم لا، كما في القاموسِ، (وتفضي إليه ثم ينشرُ سِرَّها)، أي وتنشرُ سرَّهُ (أخرجهُ مسلمٌ)، إلَّا أنهُ بلفظِ: \"إنَّ مِنْ أشرِّ الناسِ\". قالَ القاضي عياضٌ: وأهلُ النحوِ يقولونَ: لا يجوزُ أشرُّ وأخْيَرُ، وإنَّما يقالُ: هوَ خيرٌ منهُ وشرُّ منهُ، قالَ: وقدْ جاءتِ الأحاديثُ الصحيحةُ باللغتينِ جميعًا، وهي حجةٌ في جوازهما جميعًا وأنَّهما لغتانِ. والحديثُ دليل على تحريمِ إفشاءِ الرجلِ ما يقعُ بينَه وبينَ امرأتِهِ منْ أمورِ الوقاعِ ووصْفِ تفاصيلِ ذلكَ، وما يجري منَ المرأةِ فيهِ منْ قولٍ أوْ فِعْلٍ ونحوه، وأما مجرَّدُ ذكرِ الوقاعِ فإذا لم يكنْ لحاجةٍ فذكرُه مكروهٌ؛ لأنهُ خلافُ المروءةِ. وقدْ قالَ - ﷺ -: \"مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ\" (^١)، فإنْ دعتْ إليهِ حاجةٌ أوْ ترتبتْ عليهِ فائدةٌ، كان ينكرَ إعراضَه عنْها أو تَدَّعي عليهِ العجزَ عن الجماعِ أو نحو ذلكَ فلا كرَاهةَ [في ذِكْرِهِ] (^٢)، كما قالَ - ﷺ -: \"إني لأفعلُه أنا وهذِهِ\" (^٣)، وقالَ لأبي طلحةَ: \"أعرَّسْتمُ الليلةَ\" (^٤)، وقالَ لجابرٍ: \"الكَيْسَ الكَيْسَ\" (^٥)، وكذلكَ المرأةُ لا يجوزُ لها إفشاءُ سِرِّه، وقدْ وردَ بهِ نصٌّ أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-989>هجر الزوجةَ تأديبًا</span>\n٦/ ٩٥٩ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: \"تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا في الْبَيتِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٦٧٢ - البغا)، ومسلم رقم (٤٦) من حديث أَبي هريرة.\nوأخرجه البخاري رقم (٥٦٧٣ - البغا)، ومسلم رقم (٤٨) من حديث أَبي شريح العدوي.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٢٧٢ رقم ٨٩/ ٣٥٠)، والنسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٢٤٠) من حديث عائشة.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٥١٥٣ - البغا)، ومسلم رقم (٢١٤٤) من حديث أنس بن مالك.\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٤٩٤٨ - البغا) من حديث جابر.\n(^٦) في \"المسند\" (٤/ ٤٤٧) و(٥/ ٣ - ٥).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢١٤٢).","vol":"6","page":87},{"text":"وَالنَّسَائِيُّ (^١) وابْنُ مَاجَهْ (^٢) وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٤) والْحَاكِمُ (^٥). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-990>ترجمة حكيم بن معاوية</span>\n(وعنْ حكيمِ بن معاويةَ) (^٦) أي ابن حَيدةَ بفتحِ الحاءِ المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فدالٍ مهملةٍ، ومعاويةُ صحابيٌّ (^٧) رَوَى عنهُ ابنُهُ حكيمٌ، ورَوَى عنْ حكيم ابنُه بَهْزٌ بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الهاءِ فزاي (عنْ أبيهِ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما حقٌّ زوجِ أحدِنا) هكذَا بعدمِ التاءِ هيَ اللغةُ الفصيحةُ وجاءَ زوجةُ بالتاءِ (عليهِ، قالَ: تطعمُها إذا أكلتَ وتكسُوها إذا اكتسيتَ ولا تضربِ الوجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تهجرْ إلا في البيتِ. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ، وعلَّقَ البخاريُّ بعضَه) حيثُ قالَ: \"بابُ هجرِ النبيِّ - ﷺ - نساءَه في غيرِ بيوتهنَّ\" (^٨) ويُذْكرُ عنْ معاويةَ بن حيدةَ رفعُه: \"ولا تهجرْ إلا في البيتِ\" والأولُ أصحُّ، (وصحَّحهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ).\nدلَّ الحديثُ على وجوبِ نفقةِ الزوج وكسوتِها وأن النفقةَ بِقَدْرِ سَعَتِهِ لا يُكَلَّفُ فوقَ وُسْعِهِ لقولِه: \"إذا أكلتَ\" كَذَا قيلَ، وفي أخذِه منْ هذا اللفظِ خفاءٌ فمتَى قدرَ على تحصيلِ النفقةِ وجبَ عليهِ أنْ لا يختصَّ بها دونَ زوجتهِ، ولعلَّه مقيَّدٌ بما زادَ على قَدْرِ سَدِّ خلَّتِهِ لحديثِ: \"ابدأْ بِنَفْسِكَ\". ومِثْلُه القولُ في الكسوةِ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ الضربِ تأديبًا إلَّا أنهُ مَنْهِيٌّ عنْ ضربِ\n_________\n(^١) في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٤٣٢).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٨٥٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٠٠ باب ٩٢).\n(^٤) في \"الإحسان\" رقم (٤١٧٥).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ رقم ١٠٣٩)، والبيهقي (٧/ ٢٩٥).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٠٣٣).\n(^٦) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٨٧ رقم ٧٨٣)، والثقات لابن حبان (٤/ ١٦١).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨٠٨٣)، و\"أسد الغابة\" رقم (٤٩٨٢)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٤٦٣).\n(^٨) البخاري في \"صحيحه\" (٩/ ٣٠٠ باب ٩٢).","vol":"6","page":88},{"text":"الوجْهِ للزوجةِ وغيرها. وقولهُ: \"لا [تقبِّحْ] (^١) \"أي لا [تُسمعْها] (^٢) ما تكرهُ و[تقولُ] (^٣) قبَّحَكِ اللَّهُ ونحوَه منَ الكلامِ الجافي، ومعنَى قولِه: \"لا [تهجرْ] (^٤) إلَّا في البيتِ\"، أنهُ إذا أرادَ هَجْرَهَا في المضجعِ تأديبًا لها كما قالَ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (^٥) فلا يهجرْها إلَّا في البيتِ ولا يتحولْ إلى دارٍ أخرى أو يحوِّلْها إليها. إلَّا أن روايةَ البخاريِّ (^٦) التي ذكرَنَاها دلَّتْ أنهُ - ﷺ - هجرَ نساءَه في غيرِ بيوتهنَّ، وخرجَ إلى مشربةٍ لهُ، وقدْ قالَ البخاريُّ: إنَّ هذا أصحُّ منْ حديثِ معاويةَ. هذا وقدْ يُقَالُ دلَّ فعلُه على جوازِ هجرهنَّ في غيرِ البيوتِ، وحديثُ معاويةَ على هجرهنَّ في البيوتِ، ويكون مفهومُ الحصْرِ غيرُ مرادٍ.\nواختلفوا في تفسيرِ الهجْرِ، فالجمهورُ فسَّروهُ بتركِ الدخولِ عليهنَّ والإقامةِ عندَهنَّ على ظاهرِ الآيةِ وهوَ منَ الهجرانِ بمعنَى البُعدِ، وقيلَ: يضاجعُها ويوليها ظهرَه، وقيلَ: يتركُ جِمَاعَها، وقيلَ: يجامعُها ولا يكلِّمُها، وقيلَ: هو منَ الهُجرِ الإغلاظُ في القولِ، وقيلَ: منَ الهِجَارِ وهوَ الحبلُ الذي يربطُ بهِ البعيرُ، أي أوثقوهنَّ في البيوتِ، قاله الطبريُّ واستدلَّ له ووهَّاهُ ابنُ العربيِّ.\n٧/ ٩٦٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٧)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵁ - قالَ: كانتِ اليهودُ تقولُ: إذا أَتَى الرجل امرأتَهُ منْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كانَ الولدُ أحولَ فنزلَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٩)، متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ)، ولفظُ البخاريِّ سمعتُ جابرًا يقولُ: كانتِ اليهودُ تقولُ إذا\n_________\n(^١) في (أ): \"يقبِّح\".\n(^٢) في (أ): \"يسمعها\".\n(^٣) في (أ): \"يقول\".\n(^٤) في (أ): \"يهجر\".\n(^٥) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٠٠).\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\n(^٨) البخاري (٨/ ١٨٩ رقم ٤٥٢٨)، ومسلم رقم (١٤٣٥).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢١٦٣)، والترمذي رقم (٢٩٧٨)، وابن ماجه رقم (١٩٢٥)، وأحمد (٦/ ٢٠٥).\n(^٩) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.","vol":"6","page":89},{"text":"جامَعها مِنْ ورائِها أي في قُبُلِهَا كما فسَّرتْهُ الروايةُ الأُولَى جاءَ الولدُ أحولَ فنزلتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١)، واختلفتِ الرواياتُ في سببِ نُزُولِها على ثلاثةِ أقوالٍ:\nالأولُ: ما ذكرَه المصنفُ منْ روايةِ الشيخينِ أنَّهُ في إتيانِ المرأةِ منْ وَرَائِها في قُبُلِها، وأخرجَ هذا المعنى جماعةٌ منَ المحدِّثِيْنَ عنْ جابرٍ وغيرِه، واجتمعَ فيهِ ستةٌ وثلاثونَ طريقًا صرَّحَ في بعضِها بأنه لا يحلُّ إلا في القُبُلِ وفي أكثرِها الردُّ على اليهودِ.\nالثاني: أنها نزلتْ في حِلِّ إتيانِ دُبُرِ الزوجةِ، أخرجَهُ جماعةٌ عنَ ابن عمرَ منِ اثْنَي عشرَ طريقًا (^٢).\nالثالثُ: أنَّها نزلتْ في حِلِّ العزلِ عن الزوجةِ، أخرجَه أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ عن ابن عباسٍ وعنِ ابن عمرَ وعنِ ابن المسيِّبِ، ولا يَخْفَى أنَّ ما في الصحيحينِ مقدَّمٌ على غيرهِ فالراجحُ هوَ القولُ الأولُ. وابنُ عمرَ قدِ اختلفتْ عنهُ الروايةُ والقولُ بأنهُ أريدَ بها العزلَ لا يناسبُه لفظُ الآيةِ. هذا وقدْ رُوِيَ عن ابن الحنفيةِ أن معنَى قولِه تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، إذا شئتُم، فهوَ بيانٌ للفظِ أنَّى [و] (^٣) أنهُ بمعنَى إذا فلا يدلُّ على شيءٍ مما ذُكِرَ أنهُ سببُ النزولِ بل على أن إتيانَ الزوجةِ موكولٌ إلى مشيئةِ الزوجِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-991>التسمية عند مباشرة الزوجة</span>\n٨/ ٩٦١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، الْلَّهُمّ جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا،\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.\n(^٢) هذا القول بيِّن البطلان ولو رُوي من مائة طريق؛ لأنه يخالف قول اللَّه ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، إذْ المعلوم أن الحرث محل الإنبات وهو في المرأة موضع النسل وهو معروف بالفطرة.\nوكذلك بما ورد من أحاديث صحيحة تخالف ذلك. وقد تقدمت الرواية الصحيحة عن ابن عمر بخلافه. واللَّهُ أعلم.\n(^٣) في (أ): \"من\".","vol":"6","page":90},{"text":"فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُما وَلَدٌ في ذلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لوْ أن أحدَكم إذا أرادَ أنْ يأتيَ أهلَه قالَ: بسمِ اللَّهِ اللَّهمَّ جَنِّبْنَا الشيطانَ وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقْتَنَا، فإنه إنْ يُقَدَّرْ بينَهما ولدٌ في ذلكَ لم يضرَّهُ الشيطانُ أبدًا. متفقٌ عليهِ) هذا لفظُ مسلمٍ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يكونُ القولُ قَبْلَ المباشرةِ عندَ الإرادةِ، وهذِه الروايةُ تفسرُ روايةَ: \"لو أن أحدَكمِ يقولُ حينَ يأتي أهلَه\" - أخرجَها البخاريُّ (^٢) - بأنَّ المرادَ حينَ يريدُ وضميرُ جَنِّبنَا للرجلِ وامرأتِه. وفي رواية الطبرانيِّ (^٣): جنِّبني وجَنِّبْ ما رزقْتَني بالإفرادِ. وقولُه: \"لم يضرَّهُ الشيطانُ أبدًا\" أي لم يُسَلَّطْ عليهِ. قالَ القاضي عياضٌ (^٤): نَفْيُ الضررِ على وجهةِ العمومِ في جميعِ أنواع الضررِ غيرُ مرادٍ وإنْ كانَ الظاهرُ العمومَ في جميعِ الأحوالِ منْ صيغةِ النفي معَ التَّأبيدِ، وذلكَ لما ثبتَ في الحديثِ [منْ] (^٥) أن كلَّ ابن آدمَ يطعنُ الشيطانُ في بطنه حينَ يولدُ إلا مريمَ وابنَها؛ فإنَّ في هذا الطعنِ نوعُ ضررٍ في الجملةِ معَ أن ذلكَ سببُ صُراخِهِ. قلتُ: هذا منَ القاضي مبنيٌّ على عمومِ الضَّرَرِ [الدينيِّ] (^٦) والدنيويِّ. وقيل: ليسَ المرادُ إلَّا الدينيُّ وأنهُ يكونُ منْ جملةِ العبادِ الذينَ قالَ تعالى فيهمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (^٧)، ويؤيدُ هذَا أنهُ أخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٨) عن الحسنِ وفيهِ: فكانَ يُرْجَى إنْ حملتْ بهِ أنْ يكونَ ولدًا صالحًا، وهوَ مرسلٌ. لكنهُ لا يقالُ منْ قِبلِ الرأي. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٩) - ﵀ -: يُحْتَمَلُ أنهُ لا يضرُّهُ في دينهِ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٩٦١ - البغا)، ومسلم رقم (١٤٣٤).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢١٦١)، والترمذي رقم (١٠٩٢)، وابن ماجه رقم (١٩١٩).\n(^٢) رقم (٤٨٧٠ - البغا) من حديث ابن عباس.\n(^٣) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٢ - ٢٩٣) من حديث أَبي أمامة وقال الهيثمي وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.\n(^٤) في \"شرح صحيح مسلم\" بشرح النووي (١٠/ ٥).\n(^٥) في (أ): \"مع\".\n(^٦) في (أ) وفي (ب): \"للديني\" والصواب ما أثبتناه.\n(^٧) سورة الحجر: الآية ٤٢.\n(^٨) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٢٢٩) وهو مرسل.\n(^٩) \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٤٣).","vol":"6","page":91},{"text":"ولكنْ يلزمُ منهُ العصمةُ وليستْ إلا للأنبياءِ. وقدْ أُجِيْبَ بأنَّ العصمةَ في حقِّ الأنبياءِ على جهةِ الوجوبِ وفي حقِّ مَن دُعِيَ لأَجْلِهِ بهذَا الدعاءِ على جهةِ الجوازِ فلا يبعدُ أنْ يوجدَ مَنْ لا يصدرُ منهُ معصيةٌ عَمْدًا، وإنْ لمْ يكنْ ذلكَ واجبًا لهُ، وقيلَ: \"لم يضرَّهُ\" لم يفْتِنْهُ في دينهِ إلى الكفرِ وليسَ المرادُ عصمتَه عن المعصيةِ، وقيلَ: لم يضرَّهُ مشاركةُ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمِّه، ويؤيِّدُه ما جاءَ عنْ مجاهدٍ أن الذي يجامعُ ولا يُسَمِّي يلتفُّ الشيطانُ على إِحْلِيْلِهِ فيجامعُ معهَ، قيلَ: ولعلَّ هذا أقربُ الأجوبةِ. قلت: إلا أنهُ لم يذكرْ مَنْ أخرجَه عنْ مجاهدٍ ثمَّ هوَ مرسلٌ.\nثمَّ الحديثُ سِيْقَ لفائدةٍ تَحْصُلُ للولدِ ولا تحصُلُ على هذا، ولعلَّه يقولُ إنَّ عدمَ مشاركةِ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمهِ فائدتُه عائدةٌ على الولدِ أيضًا. وفي الحديثِ استحبابُ التسميةِ وبيانُ بركتِها في كلِّ حالٍ وأنْ يعتصمَ باللَّهِ وذِكْرِه منَ الشيطانِ والتبرُّكِ باسمِه والاستعاذةِ بهِ منْ جميعِ الأسواءِ. وفيهِ أنَّ الشيطانَ لا يفارقُ ابنَ آدمَ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا إذا ذكرَ اللَّهَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-992>لعن الملائكة للمرأة إذا عصت زوجها</span>\n٩/ ٩٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتى تُصْبِحَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١). [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٢): \"كَانَ الَّذِي في السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتى يَرْضَى عَنْهَا\". [صحيح]\n(وعنْ أَبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: إذا دَعَا الرجلُ امرأتهُ إلى فراشهِ فأبتْ أنْ تجيءَ لعنتْها الملائكةُ حتى تصبحَ) أي وترجعَ عن العصيانِ، ففي بعضِ ألفاظِ البخاريِّ (^٣) حتَّى ترجعَ، (متفقٌ عليهِ، واللفط للبخاريِّ. ولمسلمٍ: كانَ الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتَّى يرضَى عنْها). [في] (^٤) الحديثِ إخبارٌ بأنهُ يجبُ على المرأةِ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣٠٦٥ - البغا)، ومسلم رقم (١٤٣٦).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢١٤١)، والترمذي رقم (١١٦٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٢١/ ١٤٣٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٤٨٩٨ - البغا).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"6","page":92},{"text":"إجابةُ زَوْجِها أي إذا دَعَاهَا للجماعِ؛ لأنَّ قولَه إلى فراشِهِ كنايةٌ عن الجماعِ كما في قولِه: \"الولدُ للفراشِ\" (^١) أي للذي يطأ في الفراش، ودليلُ الوجوبِ لَعْنُ الملائكةِ لها إذْ لا يلعنونَ إلا عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، ولا يكونُ إلَّا عقوبةً، ولا عقوبةَ إلا على تركِ واجبٍ، وقولُه: \"حتَّى تصبحَ\" دليلٌ على وجوبِ الإجابةِ في الليلِ، ولا مفهومَ لهُ لأنهُ خرجَ ذكرُه مَخْرَجَ الغالبِ، وإلَّا فإنهُ [يجبُ] (^٢) عليها إجابتُه نهارًا. وقدْ أخرجهُ غيرَ مقيَّدٍ بالليلِ ابنُ خزيمةَ (^٣) وابنُ حبانَ (^٤) مرفوعًا: \"ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ ولا تصعدُ لهمْ إلى السماءِ حسنةٌ: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجعَ، والسكرانُ حتى يصحوَ، والمرأةُ الساخطُ عليها زوجُها حتَّى يرضَى\"، وإنْ كانَ هذا في سخطهِ مطلقًا، ولوْ لعدمِ طاعتِها في غيرِ الجماعِ، وليسَ فيهِ لعنٌ إلا أن فيهِ وعيدًا شديدًا يدخلُ فيهِ عدمُ طاعتِها لهُ في جماعِها منْ ليلٍ أو نهارٍ.\nوزادَ البخاريُّ (^٥) في روايتِه في بدءِ الخلقِ: فباتَ غضبانَ عليها. أي زوجُها، قيلَ: وهذهِ الزيادةُ يتجهُ وقوعُ اللعنِ عليها لأنَّها حينئذٍ يتحققُ ثبوتُ معصيتِها بخلافِ ما إذا لمْ يغضبْ منْ ذلكَ فإنَّها لا تستحقُّ اللعنَ. وفي قولِه: \"لعنتْها الملائكةُ\" دلالةٌ على أن مَنْعَ مَنْ عليهِ الحقُّ عمنْ هوَ لهُ وقدْ طلبهُ يوجبُ سخطَ اللَّهِ تعالى على المانعِ سواءً كانَ الحقُّ في بدنٍ أو مالٍ، قيل: ويدلُّ أنهُ يجوزُ لعنُ العاصي المسلمِ إذا كانَ على وجْهِ الإرهابِ عليهِ قبلَ أنْ يواقعَ المعصيةَ، فإذا واقعَها دُعِيَ لهُ بالتوبةِ والمغفرةِ.\nقالَ المصنفُ - ﵀ - في \"الفتحِ\" (^٦) بعدَ نَقْلِهِ [لِهَذَا] (^٧) عن المهلبِ: ليسَ هذَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٦٨١٨)، ومسلم رقم (١٤٥٨)، والترمذي رقم (١١٥٧)، والنسائي رقم (٣٤٨٢) و(٣٤٨٣)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٦)، والدارمي (٢/ ١٥٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤٦٦، ٤٧٥، ٤٩٢). من حديث أَبي هريرة.\n(^٢) في (أ): \"تجب\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٩٤٠).\n(^٤) في \"الإحسان\" رقم (٥٣٥٥).\nقلت: وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠٧٤)، والبيهقي (١/ ٣٨٩) من حديث جابر بن عبد اللَّهِ.\nقال البيهقي: تفرد به زهير، وقال الذهبي في \"المهذب\": قلت: هذا من مناكير زهير.\n(^٥) في \"صحيحه\" (رقم: ٣٠٦٥ - البغا).\n(^٦) (٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(^٧) في (أ): \"هذا\".","vol":"6","page":93},{"text":"التقييدُ مستفادٌ منَ الحديثِ، بلْ منْ أدلةِ أخْرَى. والحقُّ أن منْ منعَ اللعنَ أرادَ بهِ [المعنى] (^١) اللغويَّ وهوَ الإبعادُ [منَ] (^٢) الرحمةِ، وهذا لا يليقُ أنْ يَدَّعِيَ بهِ على المسلمِ، بلْ يطلبُ لهُ الهدايةَ والتوبةَ والرجوعَ عن المعصيةِ، والذي أجازَه أرادَ معناهُ العرفيَّ وهوَ مطلقُ السبِّ، ولا يخْفَى أن محلَّه إذا كانَ بحيثُ يرتدعُ العاصي بهِ وينزجرُ، وَلعنُ الملائكةِ لا يلزمُ منهُ جوازُ اللعنِ منَّا، فإنَّ التكليفَ مختلِفٌ، انتَهى كلامُهُ.\nقلت: قولُ المهلبِ إنهُ يُلْعَنُ قبلَ وقوعِ المعصيةِ للإرهابِ كلامٌ مردودٌ فإنهُ لا يجوزُ لَعْنُه قبلَ إيقاعِه لها أصلًا؛ لأنَّ سببَ اللعنِ وقوعُها منهُ فقبلَ وقوعِ السبب لا وجْهَ لإيقاعِ المسبِّبِ. ثمَّ إنهُ رتَّبَ في الحديثِ لعنَ الملائكةِ على إباءِ المرأَةِ عن الإجابةِ، وأحاديثُ: \"لعنَ اللَّهُ شاربَ الخمرِ\" (^٣) رتَّبَ فيها اللعنَ على وصْفِ كونِه شاربًا، وقولُ الحافظِ بأنهُ إنْ أُرِيدَ معناهُ العرفيُّ جازَ لا يخْفَى أنهُ غيرُ مرادٍ للشارعِ إلا المعنَى اللغويَّ. والتحقيقُ أن اللَّهَ تعالى أخبرَنا بأن الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذُكِرَ، وبأنهُ تعالى لعنَ شاربَ الخمرِ، ولم يأمرْنا بلعنِه؛ فإنْ وردَ الأمرُ بلعنِه وجبَ علينا الامتثالُ ولعنهُ ما لم تُعْلَمْ توبتُه، ونُدِبَ لنا الدعاءُ لهُ بالتوفيقِ [بالتوبة] (^٤) والاستغفارِ. وقدْ أخبرَ اللَّهُ تعالَى أنَّ الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذكرَ ومعلومٌ أنهُ عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، وأخبرَ أنَّهم يستغفرونَ لمنْ في الأرضِ، وهو عامٌّ يشملُ مَنْ يلعنونهم منْ أهلِ الإيمانِ وهمْ المرادونَ في الآيةِ؛ إذِ المرادُ منْ عصاةِ أهلِ الإيمانِ لأنَّهمُ المحتاجونَ إلى الاستغفارِ لا أنَّها مقيدةٌ بقولِه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٥) الآية كما قيلَ؛ لأنَّ التائبِ مغفورٌ له، وإنما [دعاؤُهم] (^٦) لهُ بالمغفرةِ تعبُّدٌ وزيادةُ تنويهٍ [لشأن] (^٧) التائبينَ.\n_________\n(^١) في (ب): \"معناه\". وهو الموافق لما في \"الفتح\".\n(^٢) في (أ): \"عن\".\n(^٣) أخرج أبو داود رقم (٣٦٧٤)، وابن ماجه رقم (٣٣٨٠).\nعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"لعنَ اللَّهُ الخمر وشارِبهَا، وساقيها، ومُبتاعَها، وبائعها، وعاصِرَها، ومُعتصرها، وحامِلها، والمحمولةَ إليه\" وزاد ابن ماجه: \"وآكِلَ ثمنها\"، وهو حديث حسن.\n(^٤) في (ب): \"للتوبة\".\n(^٥) سورة غافر: الآية ٧.\n(^٦) في (أ): \"دعواهم\".\n(^٧) في (ب): \"بشأن\".","vol":"6","page":94},{"text":"وأما شمولُ عمومِها الكفارَ فمعلومٌ أنهُ غيرُ مرادٍ، وبهذَا يُعْرَفُ أن الملائكةَ قامُوا بالأمرينِ كما أشرْنا إليهِ. وفي الحديثِ رعايةُ اللَّهِ لعبدِه ولعنُ مَنْ عصاهُ في قضاءِ شهوتهِ منهُ، وأيُّ رعايةٍ أعظمُ منْ رعايةِ الملِكِ الكبيرِ للعبدِ الحقيرِ، فليكنْ لِنِعَمِ مولاهُ ذاكرًا، ولأياديهِ شاكرًا، ومنْ معاصيهِ محاذِرًا، ولهذهِ النكتةِ الشريفِ منْ كلامِ رسولِ اللَّهِ ذاكرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-993>لعن رسول اللهِ - ﷺ - الواصلة والمستوصلة </span>…\n١٠/ ٩٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - لعنَ الواصلةَ) بالصادِ المهملةِ (والمستوصلةَ والواشمةَ) بالشينِ المعجمةِ (والمستوشمةَ. متفقٌ عليه). الواصلةُ هي المرأةُ التي تَصِلُ شَعْرَها بِشَعْرِ غيرِها سواءٌ فعلتهُ لنفسِها أو لغيرِها، والمستوصلةُ التي تطلبُ فعلَ ذلكَ، وزادَ في الشرحِ: ويفعلُ بها، ولا يدلَّ عليهِ اللفظُ. والواشمةُ فاعلةُ الوشْمِ وهوَ أنْ تغرزَ إبرةً ونحوَها في ظهرِ كفِّها أو شَفَتِهَا أو نحوهما منْ بَدَنِها حتَّى يسيلَ الدَّمُ ثم تحشُو ذلكَ الموضعَ بالكحلِ أو النورةِ فَيَخْضَرُّ. والمستوشمةُ الطالبةُ لذلكَ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ، فالوصلُ محرَّمٌ للمرأةِ مطلقًا بِشَعْرٍ محرَّمٍ أو غيرِه، آدميٍّ أو غيرِه، سواء كانتِ المرأةُ ذاتَ زينةٍ أوْ لا، مزوجةٌ أو غيرُ مزوَّجةٍ. وللهادويةِ والشافعيةِ خلافٌ وتفاصيلُ لا ينهضُ عليها دليلٌ، بلِ الأحاديثُ قاضيةٌ بالتحريمِ مطلقًا لوصلِ الشعرِ واسْتِيْصالِه، كما هيَ قاضيةٌ بتحريمِ الوشْمِ وسؤالِه، ودلَّ اللَّعنُ أن هذِه المعاصي منَ الكبائرِ (^٢). هذَا وقدْ عُلِّلَ الوشمُ في بعضِ الأحَاديثِ بأنهُ تغييرٌ لخلقِ اللَّهِ تعالى، ولا يُقَالُ إنَّ الخِضَابَ بالحِنَّاءِ ونحوهِ تشملُه العِلَّةُ؛ لأنها وإنْ شملتْه فهوَ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٩٤٠)، ومسلم رقم (٢١٢٤).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٤١٦٨)، والترمذي رقم (١٧٥٩)، والنسائي (٨/ ١٤٥ - ١٤٦)، وابن ماجه رقم (١٩٨٧)، وأحمد (٢/ ٢١).\n(^٢) انظر: \"الكبيرة الستون\" من كتاب \"الكبائر\" للذهبي (ص ١٥٣).","vol":"6","page":95},{"text":"مخصوصٌ بالإجماعِ وبأنهُ قدْ وقعَ في عصرِه - ﷺ -، بلْ أمرَ بتغييرٍ بياضِ أصابعِ المرأةِ بالخضابِ كما في قِصَّةِ هندٍ (^١). فأمَّا وصْلُ الشَّعْرِ بالحريرِ ونحوهِ منَ الخِرَقِ فقالَ القاضي عياضٌ (^٢): اختلفَ العلماءُ في المسألةٍ، فقالَ مالكٌ والطبريُّ وكثيرونَ أوْ قالَ الأكثرونَ: الوصْلُ ممنوعٌ بكلِّ شيءٍ سواءٌ وصلتْه بصوفٍ أو حريرٍ أو خِرَقٍ واحتجُّوا بحديثِ مسلمٍ (^٣) عنْ جابرٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ -: \"زَجَرَ أنْ تصلَ المرأةُ برأسِها شيئًا\"، وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ (^٤): النَهْيُ مختصٌّ بالوصلِ بالشعرِ ولا بأسَ بوصلهِ بصوفٍ وخِرَقٍ وغيرِ ذلكَ، وقال بعضُهم: يجوزُ بكلِّ شيءٍ وهوَ مروي عنْ عائشةَ ولا يصحُّ عنْها. قالَ القاضي (٤): وأما ربطُ خيوطِ الحريرِ الملونةِ ونحوِها مما لا يشبهُ الشعرَ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ لأنهُ ليسَ بوصلٍ ولا لمعنَى مقصودٍ منَ الوصلِ وإنما هوَ للتجمُّلِ والتحسينِ، انتَهى. ومرادُه منَ المعنَى المناسبِ هوَ ما في ذلكَ منَ الخداعِ للزَّوْجِ فما كانَ لونُه مغايرًا للونِ الشعرِ فلا خِدَاعَ فيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-994>حكم الغيلة والعزل</span>\n١١/ ٩٦٤ - وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ - ﵄ - قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - في أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهى عَنِ الغيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإذَا هُمْ يَغيلُونَ أَوْلادَهُمْ فَلا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلادَهُمْ شَيْئًا\"، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) التي أخرجها أَبو داود عن عائشة أن هند بنت عتبة. قالت: يا رسول الله، بايعني، فقال: لا أبايعك حتى تغيري كفيك، كأنهما كفا سبع.\n(^٢) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١٤/ ١٠٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٢١/ ٢١٢٦).\n(^٤) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١٤/ ١٠٤).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (١٤٤٢).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٣٨٨٢)، ومالك في \"الموطأ\"، (٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨ رقم ١٦)، والترمذي رقم (٢٠٧٧)، والنسائي (٦/ ١٠٦ - ١٠٧)، وابن ماجه رقم (٢٠١١).","vol":"6","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-995>ترجمةَ جُذامةَ بنتِ وهبٍ</span>\n(وعنْ جُذامةَ بنتِ وهبٍ) (^١) بضمِّ الجيمِ وذالٍ معجمةٍ ويُرْوَى بالدالِ المهملةِ، قيلَ وهوَ تصحيفٌ، هيَ أختُ عكاشةَ بن محصنٍ منْ أُمّهِ، هاجرتْ معَ قَوْمِها وكانتْ تحتَ أُنَيْسِ بن قتادةَ مصغَّرُ أنسٍ، (قالتْ: حضرت رسولَ اللَّهِ - ﷺ - في أناسٍ وهوَ يقولُ: لقدْ هممتُ أنْ أَنْهَى عن الغِيلةِ) بكسرِ الغينِ المعجمةِ فمثناةٍ تحتيةٍ (فنظرتُ في الرومِ وفارسَ فإذا همْ يغيلونَ أولادَهم فلا يضرُّ ذلكَ أولادَهم شيئًا، ثمَّ سألوهُ عن العزْلِ فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ذلكَ الوأْدُ الخفيُّ. رواهُ مسلمٌ). اشتملَ الحديثُ على مسألتينِ:\nالأُولَى: \"الغيلةُ\" تقدَّم ضبطُها ويقالُ لها الغَيَلُ بفتحِ الغينِ المعجمةِ معَ فتحِ المثناةِ [التحتيةِ] (^٢)، والغِيالُ بكسرِ الغينِ والمرادُ بها مجامعةُ الرجلِ امرأتَه وهي ترضعُ، كما قالَه مالكٌ والأصمعيُّ وغيرُهما، وقيلَ: هيَ أنْ ترضعَ المرأةُ وهيَ حاملٌ، والأطباءُ يقولونَ: إنَّ ذلكَ داءٌ والعربُ تكرهُهُ وتتقيهِ، ولكنَّ النبيَّ - ﷺ - ردَّ ذلكَ لهم وبيَّنَ عدمَ الضررِ الذي زعمهُ العربُ والأطباءُ، بأنَّ فارِسًا والرومَ تفعلُ ذلكَ ولا ضررَ يحدثُ معَ الأولادِ، وقولُه: \"فإذا همْ يَغِيْلُونَ\"، هو مِنْ أَغَالَ يَغِيْلُ.\nوالمسألةُ الثانيةُ: \"العزْلُ\" وهوَ بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الزاي، وهوَ أن [ينزعَ] (^٣) الرجلُ بعدَ الإيلاجِ لِيُنْزِلَ خارجَ الفرجِ، وهوَ يُفْعَلُ لأحدِ أمرينِ: أما في حقِّ الأَمَةِ فَلِئَلَّا تحملُ كراهةً لمجيءِ الولدِ منَ الأَمَةِ ولأنهُ معَ ذلكَ يتعذَّرُ بيعُها، وأما في حقِّ الحرَّةِ فكراهةَ ضررِ الرضيعِ إنْ كانَ، أوْ لِئَلَّا تحملُ المرأةُ. وقولُه في جوابِ سؤالِهم عنهُ: \"إنهُ الوأْدُ الخفيُّ\"، دالٌّ على تحريمهِ، لأنَّ الوأْدَ دَفْنُ البنتِ حيةً، وبالتحريمِ جزَمَ ابنُ حزمٍ (^٤) محتجًا بحديثِ الكتابِ هذَا.\nوقالَ الجمهورُ: يجوزُ عن الحرَّةِ بِإِذْنِهَا وعنِ الأَمَةِ السُّرِّيَّةِ بغيرِ إِذْنِها، ولهمْ خلافٌ في الأَمَةِ المزوَّجةِ بحُرٍّ، قالُوا: وحديثُ الكتابِ مُعَارَضٌ بحديثينِ؛ الأولُ\n_________\n(^١) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١٠٩٧٥)، و\"الثقات\" (٣/ ٦٧)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٢٥٤ رقم ٣٠٨٠)، و\"الكاشف\" (٣/ ٤٢٢).\nو\"جُدامة\" كلها بالمهملة.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"يعزل\".\n(^٤) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٧٠) رقم المسألة (١٩٠٧).","vol":"6","page":97},{"text":"عنْ جابرٍ قالَ: كان لنا جوارٍ وكنَّا نعزلُ، فقالتِ اليهودُ: تلكَ الموءودةُ الصُّغْرى، فَسُئِلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ذلكَ فقالَ: \"كذبتِ اليهودُ ولوْ أرادَ اللَّهُ خَلْقَه لم تستطعْ ردَّه\" أخرجَهُ النسائي (^١) والترمذيُّ وصحَّحَهُ (^٢)، والثاني: أخرجَه النسائيُّ (^٣) منْ حديثِ أَبي هريرةِ نحوَه. قالَ الطحاويُّ (^٤): والجمعُ بينَ الأحاديثِ يُحْمَلُ النَّهْيُ في حديثِ جذامةَ على التنزيهِ، ورجَّحَ ابنُ حزمٍ (^٥) حديثَ جذامةَ وأنَّ النَّهْيَ فيهِ للتحريمِ بأنَّ حديثَ غيرِها مرجِّحٌ لأصلِ الإباحةِ وحديثُها مانعٌ، فَمَنِ ادَّعَى أنهُ أُبِيْحَ بعدَ المنعِ فعليهِ البيانُ. ونُوزعَ ابنُ حزمٍ في دلالةِ قولِه - ﷺ -: \"ذلكَ الوأْدُ الخفيُّ\" على الصراحةِ بالتحريم؛ لأنَّ التحريمَ لِلْوَأْدِ المحقَّقِ الذي هوَ قطعُ حياةٍ محقَّقةٍ والعزلُ شَبَّهَهُ - ﷺ - به، وإنما هوَ قطعٌ لما يُوَدِّي إلى الحياةِ والمشبَّه دونَ المشبَّهِ بهِ، وإنَّما سمَّاهُ وأْدًا لِمَا تعلَّقَ بهِ منْ قصدِ منعِ الحملِ، وأما عِلةُ النَّهْي عن العزلِ فالأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ وجْهَهُ أنهُ معاندةٌ لِلْقَدَرِ وهذا دالٌّ على عدمِ التفرقةِ بينَ الحرةِ والأَمَةِ.\nفائدةٌ: معالجةُ المرأةِ لإسقاطِ النُّطْفَةِ قبلَ نَفْخِ الروحِ يتفرعُ جوازُه وعدمُه على الخلافِ في العزلِ، فمن أجازَهُ أجازَ المعالجةَ، ومنْ حرَّمَ هذا بالأَوْلَى، ويلحقُ بهذا تعاطي المرأةِ ما يقطعُ الحَبَلَ منْ أصلِهِ، وقدْ أفتى بعضُ الشافعيةِ بالمنعِ وهوَ مُشْكِلٌ على قولِهِمْ بإباحةِ العزْلِ مطلقًا.\n١٢/ ٩٦٥ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تَحَدَّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: \"كَذَبَتِ الْيَهُودُ، لَو أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)،\n_________\n(^١) في \"عشرة النساء\" رقم (١٩٣) بسند صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١٣٦) وقال: حديث جابر حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"عشرة النساء\" رقم (١٩٨) بسند حسن.\n(^٤) في \"مشكل الآثار\" (٥/ ١٧٣).\n(^٥) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٧٠ - ٧١).\n(^٦) في \"المسند\" (٣/ ٥١، ٥٣).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢١٧١).","vol":"6","page":98},{"text":"واللفظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ (^١) وَالطَّحَاوِيُّ (^٢). وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - أَنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ لي جاريةً وأنا أعزلُ عنْها وأنا أكرهُ أنْ تحمِلَ، وأنا أريدُ ما يريدُ الرجالُ، وأنَّ اليهودَ تحدِّثُ أن العزْلَ الموءودةُ الصُّغْرَى قالَ: كذبتْ يهودُ، لو أرادَ اللَّهُ أنْ يخلقَه ما استطعتَ أنْ تَصْرفَه. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ واللفظُ لهُ، والنسائيُّ والطحاويُّ ورجالهُ ثِقَاتٌ).\nالحديثُ قدْ عارضَ حديثَ النَّهْي وتسميتُه - ﷺ - العزلَ الوأدَ الخفيَّ، وفي هذا كَذِبُ يهودَ في تسميتِه الموءودةَ الصُّغْرَى. وقدْ جُمِعَ بينَهما بأنَّ حديثَ النَّهْي حُمِلَ على التنزيهِ (^٤) وتكذيبِ اليهودِ لأنَّهم أرادُوا التحريم الحقيقيَّ. وقولهُ: \"لو أرادَ اللَّهُ أن يخلقَه - إلى آخرهِ\" معناهُ أنهُ تعالَى إذا قدَّرَ خلْقَ نفسٍ فلا بدَّ منْ خَلْقِهَا وأنهُ يسبقُكم الماءُ فلا تقدرونَ علَى دَفْعِهِ ولا ينفعُكمُ الحرصُ على ذلكَ، فقدْ يسبقُ الماءُ منْ غيرِ شعورِ العازلِ لتمامِ ما قدَّره اللَّهُ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (^٥) والبزارُ (^٦) منْ حديثِ أنسٍ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ \"أن رجلًا سألَ عن العزلِ فقالَ النبيُّ - ﷺ -: لوْ أن الماءَ الذي يكونُ منهُ الولدُ أهرقْتَهُ على صخرةٍ لأخرجَ اللَّهُ له منْها ولدًا\"، وله شاهدانِ في \"الكبير\" للطبرانيِّ (^٧) عن\n_________\n(^١) في \"عشرة النساء\" رقم (١٩٤، ١٩٧).\n(^٢) في \"مشكل الآثار\" رقم (١٩١٦). وهو حديث صحيح.\n(^٣) وهو كما قال.\n(^٤) قال ابن قيم الجوزية في \"تهذيب السنن\" (٣/ ٨٥): \"فاليهودُ ظنت أن العزلَ بمنزلةِ الوأدِ في إعدام ما انعقد بسبب خلقه، فكذبهم في ذلك، وأخبر أنه لو أراد اللهُ خلقه ما صرفه أحدٌ، وأما تسميته وأدًا خفيًا، فلأنَّ الرجل إنما يعزل عن امرأته هربًا من الولد، وحرصًا على أن لا يكون، فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده، لكن ذلك وأدٌ ظاهرٌ من العبد فعلًا وقصدًا، وهذا وأد خفي منه، إنما أراده ونواه عزمًا ونية، فكان خفيًا\" اهـ.\nوانظر كلام الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٣٠٩).\n(^٥) كما في \"الفتح الرباني\" (١٦/ ٢٢٠ رقم ٢٢٩).\n(^٦) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٦). وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٩٦) وقال: رواه أحمد والبزار وإسنادهما حسن.\n(^٧) أخرج الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٦٨٨٤) عن ابن عباس قال: قال رسول اللهِ - ﷺ -: \"والذي بعثني بالحق، لو أن النطفة التي أخذ اللهُ عليها الميثاقَ ألقيت على صخرةٍ لخلقَ اللَّهُ منها إنسانًا\" اهـ. =","vol":"6","page":99},{"text":"ابن عباسٍ وفي \"الأوسطِ\" (^١) لهُ عن ابن مسعودِ - ﵁ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-996>القرآن لم ينه عن العزل</span>\n١٣/ ٩٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَلمُسْلِمٍ (^٣): فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ. [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: كُنَّا نعزلُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - والقرآن ينزلُ، لو كانَ شيءٌ ينْهَى عنهُ لنهانَا عنهُ القرآن. متفقٌ عليهِ) إلَّا أن قولَه: لوْ كانَ شيءٌ يُنْهَى عنهُ إلى آخرِه لم يذكرْهُ البخاريُّ وإنَّما رواهُ مسلمٌ منْ كلامِ سفيانَ أحدِ رواتِه وظاهرُه أنهُ قالَه استنباطًا. قالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٤): تتبعتُ المسانيدَ فوجدتُ أكثرَ رُوَاتِه عنْ سفيانَ لا يذكرونَ هذهِ الزيادةَ، انتَهى.\nوقدْ وقعَ لصاحبِ العمدةِ مثلُ ما وقَعَ للمصنفِ هُنَا فجعله منَ الحديثِ، وشَرَحَها ابنُ دقيقِ العيدِ واستغربَ استدلالَ جابرٍ بتقريرِ الله تعالى لهم. (ولمسلمٍ) أي عنْ جابرٍ (فبلغَ ذلكَ النبيَّ - ﷺ - فلمْ ينْهَنَا عنهُ) فدلَّ تقريرُه - ﷺ - لهمْ على جوازِهِ، وقدْ قيلَ: إنهُ أرادَ جابرٌ بالقرآنِ ما يُقْرَأَ أعمَّ منَ المتعبَّدِ بتلاوتهِ أو غيرَهُ مما يُوْحَى إليهِ، فكأنهُ يقولُ: فعلْنا في زمنِ التشريعِ ولوْ كانَ حَرَامًا لم نُقَرَّ عليهِ، قيلَ: فيزولُ استغرابُ ابن دقيقٍ العيدِ، إلَّا أنهُ لا بدَّ منْ علمِ النبيِّ - ﷺ - بأنَّهم فعلُوه. والحديثُ دليل على جوازِ العزْلِ ولا [تنافيه] (^٥) كراهةُ التنزيهِ كما دلَّ لهُ أحاديثُ النَّهْي.\n_________\n= وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٩٦) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه من لم أعرفه.\n(^١) أخرج الطبراني - كما في \"المجمع\" (٤/ ٢٩٧): عن ابن مسعود قال: لو أخذ اللَّهُ الميثاق على نسمة في صلب رجل ثم أخرجه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا، فإن شئت فأتم إن شئت فلا. وقال الهيثمي: وفيه رجل ضعيف لم أسمه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) البخاري رقم (٥٢٠٩)، ومسلم رقم (١٤٤٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٣٨/ ١٤٤٠).\n(^٤) (٩/ ٣٠٥).\n(^٥) في (ب): \"ينافي\".","vol":"6","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-997>لم يكن القسم بين نسائه - ﷺ - عليه واجبًا</span>\n١٤/ ٩٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يطوفُ على نسائهِ بِغُسْلٍ واحدٍ. أخرجَاهُ واللفظُ لمسلمٍ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في بابِ الغسلِ واسْتُدِلَّ بهِ على أنهُ لم يكنِ القَسْمُ بينَ نسائِه - ﷺ - واجبًا. وقالَ ابنُ العربيِّ (^٢): إنهُ كانَ للنبيِّ - ﷺ - ساعةً منَ النهارِ لا يجبُ عليهِ فيها القَسْمُ وهي بعدَ العصرِ فإن اشتغلَ عنْها كانتْ بعدَ المغربِ. وكأنهُ أخَذَه منْ حديثِ عائشةَ الذي أخرجَهُ البخاريُّ (^٣): \"أنهُ - ﷺ - كانَ إذا انصرفَ منَ العصرِ دخلَ على نسائِه فيدنُو منْ إحداهُنَّ\"، فقولُها فيدنُو يحتملُ أنهُ للوقاعِ، إلَّا أن في بعضِ رِوَاياتهِ (^٤) منْ غيرِ وقاعٍ، فهوَ لا يتمُّ مأخذًا لابنِ العربيِّ.\nوقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٥) منْ حديثِ أنسٍ: \"أنهُ - ﷺ - كانَ يطوفُ على نسائِهِ في الليلةِ الواحدةِ ولهُ يومئذٍ تسعُ نسوةِ\"، ولا يتمُّ أنْ يُرَادَ بالليلةِ بعدَ المغربِ كما قالَه؛ لأنهُ لا يتسعُ ذلك الوقتُ سِيَّما معَ الانتظارِ لصلاةِ العشاءِ لفعلِ ذلك. كذَا قيلَ وهوَ مجرَّدُ استبعادِ وإلَّا فالظاهرُ اتساعهُ لذلكَ، فقدْ كانَ - ﷺ - يؤخِّرُ العِشاءَ، ولأنهُ أُعْطِيَ قوةً في ذلكَ لم يُعْطَهَا غيرُه. والحديثُ دليلٌ أنهُ كانَ لا يجبُ عليهِ القسمُ لنسائِه وهوَ ظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (^٦) الآية، وذهبَ إليهِ جماعةٌ مِنْ أهلِ العلمِ.\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٨٤)، ومسلم رقم (٣٥٩).\n(^٢) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٩): \"وأغرب ابن العربي، فقال: إن اللَّهَ خصَّ نبيه بأشياء.\n(منها): أنه أعطاه ساعة في كل يوم لا يكون لأزواجه فيها حق، يدخل فيها على جميعهن فيفعل ما يريد ثم يستقر عند من لها النوبة. وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. ويحتاج إلى ثبوت ما ذكره مفصلًا\" اهـ.\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٥٢١٦).\n(^٤) أخرجها أَبو داود رقم (٢١٣٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٣) من حديث عائشة - ﵂ -. بإسناد حسن.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٥٢١٥) من حديث أنس.\n(^٦) سورة الأحزاب: الآية ٥١.","vol":"6","page":101},{"text":"والجمهورُ يقولونَ يجبُ عليهِ القسْمُ، وتأوَّلُوا [هذا] (^١) الحديثَ بأنهُ كانَ يفعلُ ذلكَ برضاءِ صاحبةِ النوبةِ، وأنهُ يُحْتَمَلُ فعلُه عند استيفاءِ القَسْمِ، ثمَّ يستأنفُ القِسْمَةَ، وبأنهُ يحتملُ أنهُ فعلَ ذلكَ قبلَ وجوبِ القَسْم. وقولُه: \"ولهُ يومئذٍ تسعُ نسوةٍ\" في روايةِ البخاريُّ (^٢): \"وهنَّ إحْدَى عَشْرَةَ\" ويُجْمَعُ بينَ الروايتينِ بأنْ يُحْمَلَ قولُ مَنْ قالَ تسعٌ نظرًا إلى الزوجاتِ اللاتي اجتمعْنَ عندَه ولم يجتمعْ عندَه أكثرُ منْ تسعٍ، وأنهُ ماتَ عنْ تسعٍ كما قالَ أنسٌ - ﵁ - أخرجَهُ الضياءُ عنهُ في المختارةِ، ومَنْ قالَ إحدى عَشْرَةَ أدخلَ ماريةَ القبطيةَ وريحانةَ فيهنَّ وأطلقَ عليهما لفظَ نسائِه تغليبًا (^٣).\nوفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ - ﷺ - كانَ أكملَ الرجالِ في الرجوليةِ حيثُ كانَ لهُ هذهِ القوةِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٤) أنهُ كانَ لهُ قوةُ ثلاثينَ رجلًا، وفي روايةِ الإسماعيلي (^٥) قوةُ أربعينَ، ومثلُه لأبي نعيمٍ (^٦) في صفةِ الجنةِ، وزادَ منْ رجالِ أهلِ الجنةِ، وقدْ أخرجَ أحمدُ (^٧) والنسائيُّ (^٨) وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٩) منْ حديثِ زيدِ بن أرقمٍ: \"أن الرجلَ في الجنةِ لَيُعْطَى قوةُ مائةٍ في الأكْلِ والشربِ والجماعِ والشهوةِ\".\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٨).\n(^٣) انظر كلام الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٨).\n(^٥) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٨): \"ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أَبي موسى عن معاذ بن هشام \"أربعين\" بدل \"ثلاثين\"، وهي شاذة من هذا الوجه، لكن في \"مراسيل طاوس\" مثل ذلك، وزاد \"في الجماع\" اهـ.\n(^٦) قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٨): \"من طريق مجاهد\" اهـ.\n(^٧) في \"المسند\" (٤/ ٣٧١).\n(^٨) في التفسير في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١٩١).\n(^٩) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٣٧٨).\nقلت: وأخرجه هناد في \"الزهد\" (٦٣) و(٩٠)، والدارمي (٢/ ٣٣٤)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٦١٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ١٧٨)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١١٦) كلهم من حديث زيد بن أرقم.\nوله شاهد من حديث أنس أخرجه الترمذي رقم (٢٥٣٦)، فبمجموع الطريقين أن الحديث صحيح.","vol":"6","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-998>[الباب الرابع] بابُ الصَّدَاقِ</span>\nالصَّدَاقُ بفتحِ الصادِ وكسرِها، مأخوذٌ منَ الصِّدْقِ لإشعارهِ بصدقِ رغبةِ الزوجِ في الزوجةِ، وفيهِ سبعُ لغاتٍ، ولهُ ثمانيةُ أسماءٍ يجمعُها قولُه:\nصداقٌ ومهرٌ نحلةٌ وفريضةٌ … حباءٌ وأجرٌ ثم عقرُ علائقِ\nوكانَ الصَّداقُ في شرعِ مَنْ قَبْلَنَا للأولياءِ كما قالَ صاحبُ \"المستعذبِ\" على \"المهذَّبِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-999>صحة جعل العتق صَدَاقًا</span>\n١/ ٩٦٨ - عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>ترجمة صفية بنت حيي</span>\n(عنْ أنسٍ - ﵁ - أنهُ - ﷺ - أعتقَ صفيةَ وجعلَ عِتْقِها صداقَها. متفقٌ عليهِ). هيَ أمُّ المؤمنينَ صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخطبَ (^٢) منْ سبطِ هارونَ بن عمران، كانت تحت ابن أَبي الحُقيق، وقتل يوم خيبر ووقعت صفيةُ في السَّبْي، فاصطفاها\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٠٨٦)، ومسلم رقم (٨٤/ ١٣٦٥).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢٠٥٤)، والترمذي رقم (١١١٥)، والنسائي (٦/ ١١٤).\n(^٢) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٤٠٧)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٠٦٣)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٤٥٢).","vol":"6","page":103},{"text":"رسول اللَّهِ - ﷺ -، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين، وقيل غير ذلك. والحديثُ دليلٌ على صحةِ جَعْلِ العتقِ صدَاقًا بأيِّ عبارةٍ وقعتْ تفيدُ ذلكَ، وللفقهاءِ عِدَّةُ عباراتٍ في كيفيةِ العبارةِ في هذا المعنَى. وذهبَ إلى صحَّةِ جَعْلِ العِتْقِ مهْرًا الهادويةُ وأحمدُ وإسحاقُ وغيرُهم، واستدلَّوا بهذا الحديثِ. وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ صحةِ جَعلِ العِتْقِ مهْرًا وأجابُوا عن [هذا] (^١) الحديثِ بأنهُ - ﷺ - أعتقَها بشرطِ أنْ يتزوَّجَها فوجبَ لهُ عليها قيمتُها وكانتْ معلومةً فتزوَّجَها بها، ويردُّ هذا التأويلُ أنهُ في مسلم (^٢) بلفظِ: \"ثمَّ تزوَّجَها وجعلَ عِتْقَها صَدَاقَها\"، وفيه أنهُ قالَ عبدُ العزيزِ راويهِ: قالَ ثابتٌ لأنسٍ بعدَ أنْ رَوَى هذا الحديثَ: ما أصدقَها؟ قالَ: نفسَها وأعتقَها؛ فانهُ ظاهرٌ أنهُ جعلَ نَفْسَ العِتْقِ صدَاقًا. وأما قولُ منْ قالَ إنَّ هذا شيءٌ فهمه أنسٌ فعبَّرَ به [ويجوزُ] (^٣) أن فَهْمَهُ غيرُ صحيحٍ فجوابهُ أنهُ أعرفُ باللفظِ وأفهمُ لهُ، وقدْ صرَّحَ بأنهُ - ﷺ - جعلَ العِتْقَ صَدَاقًا فهوَ راوٍ لِفِعْلِهِ - ﷺ -، وحُسْنُ الظنِّ بهِ لِثِقَتِهِ يوجبُ قبولَ روايتِه للأفعالِ، كما يجبُ قبولُها للأقوالِ، وإلا لزمَ ردُّ الأقوالِ والأفعالِ إذْ لم ينقلُ الصحابةُ اللفظَ النبويَّ إلا في شيءٍ قليلٍ، وأكثر ما يَرْوُونَهُ بالمعنَى كما هوَ معروفٌ. وروايةُ المعنَى عُمْدَتُها فَهْمَه. وقولُه إنهُ لم يرفعْه أنسٌ بلْ قالَه تَظَنُّنًا، خلافُ ظاهرِ لفظِهِ، فإنهُ قالَ: جعلَ - يريدُ النبيَّ - ﷺ - صدَاقَها عِتْقَها. وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (^٤) وأبو الشيخِ منْ حديثِ صفيةَ قالتْ: \"أعتقني النبيُّ - ﷺ - وجعلَ عِتْقِي صَدَاقي\" وهوَ صريحٌ فيما رواهُ أنسٌ وأنهُ لم يقلْ ذلكَ تظننًا كما قيلَ، وإنَّما خالفَ الجمهورُ الحديثَ وتأوَّلُوه، قالُوا لأنهُ خالفَ القياسَ لوجهينِ:\nأحدُهما: أن عَقْدَها على نفسها إما أن يقعَ قبلَ عِتْقِها وهوَ محالٌ وإما بعدَه وذلكَ غيرُ لازمٍ لها.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٨٥/ ١٣٦٥).\n(^٣) في (أ): \"فيجوز\".\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٩٥٣) و(٨٥٠٢) وفي \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٨٢) وقال الهيثمي: \"ورجاله ثقات\"، وقال في \"الأوسط\": \"لا يروى عن صفية إلا بهذا الإسناد\" اهـ.","vol":"6","page":104},{"text":"والثاني: أنا إنْ جعلْنا العتقَ صَدَاقًا فإما أن يتقررَ العِتْقُ حالةَ الرقِّ وهو محالٌ أيضًا، أو حالة الحريةِ فيلزمُ سبقُها على العقد فيلزم وجودُ العتق حالَ فرضِ عدمِهِ وهوَ مُحَالٌ؛ لأنَّ الصداقَ لا بدَّ أنْ يتقدَّمَ تقرُّرُه على الزوجِ إما نصًا وإما حُكْمًا حتَّى تملكَ الزوجةُ طَلَبَهُ، ولا يَتَأَتَّى مثلُ ذلكَ في العتقِ فاستحالَ أنْ يكونَ صَدَاقًا، وأُجِيْبَ:\nأوَّلًا: أنهُ بعدَ صحة هذه القصةِ لا [تبالي] (^١) بهذهِ المناسباتِ.\nوثانيًا: بعدَ تسليمِ ما قالُوه فالجوابُ عن الأوَّلِ أن العقدَ يكونُ بعدَ العتقِ وإذا امتنعتْ منَ العقدِ لزمَها السعايةُ بقيمتها ولا محذورَ في ذلكَ، وعنِ الثاني بأنَّ العتقَ منفعةٌ يصحُّ المعاوضةُ عنْها، والمنفعةُ إذا كانتْ كذلكَ صحَّ العَقْدُ عليها، مثلُ سُكْنَى الدارِ وخدمةِ الزوجِ ونحوِ ذلكَ. وأما قولُ مَنْ قالَ إنَّ ثوابَ العتْقِ عظيمٌ فلا ينبغي أنْ يفوتَ بجعلِهِ صَدَاقًا وكانَ يمكنُ جعلُ المهرِ غيرَه، فجوابُه أنهُ - ﷺ - يفعلُ المفضولَ لبيانِ التشريعِ ويكونُ ثوابُه أكثرَ منْ ثوابِ الأفضلِ فهوَ في حقِّهِ أفضل. وأما جعلُ حديثِ عائشةَ في قصةِ جويريةَ مؤيِّدًا لحديثِ صفيةَ ولفظهُ: \"أنهُ - ﷺ - قالَ لجويريةَ لما جاءتْ تستعينُه في كتابتِها: هلْ لكِ أنْ أقضيَ عنكِ كتابتَكِ وأتزوَّجَكِ؟ قالتْ: قدْ فعلتُ\"، أخرجَه أَبو داودَ (^٢). فلا يخْفَى أنهُ ليسَ فيهِ تعرُّضٌ للمهرِ ولا غيره فليسَ مما نحنُ فيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>مقدار المهر</span>\n٢/ ٩٦٩ - وَعَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ اثْنَتَي عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ\n_________\n(^١) في (ب): \"يبالي\".\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠ رقم ٣٩٣١).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٦ - ٢٧) من طريقين وقد سكت هو والذهبي عن الرواية الثانية وفيها الواقدي وهو ضعيف، وأخرجه أحمد بسند جيد (١٤/ ١٠٩ - ١١٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٦١). والخلاصة: فهو حديث حسن.","vol":"6","page":105},{"text":"أُوقِيّةَ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لأَزْوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1002>ترجمة أَبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري</span>\n(وعنْ أَبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ) هوَ أَبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفِ الزُّهْريُّ (^٢) القرشيُّ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ المشهورينَ بالفقهِ بالمدينةِ في قولِ منْ مشاهيرِ التابعينَ وأعلامِهِمْ، يُقَالُ: إنَّ اسمَهُ كنيتُه. [وهو كثير] (^٣) الحديثِ واسعُ الروايةِ، سَمِعَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ وأخذَ عنهُ جماعةٌ. ماتَ سنةَ أربعٍ [وسبعينَ] (^٤)، وقيلَ: أربعٍ ومائةٍ وهوَ في سبعينَ سنةَ، (قالَ: سألتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ - ﷺ - كمْ كانَ صَدَاقُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قالتْ: كانَ صداقُهُ لأزواجِهِ اثنتيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) بضمِّ الهمزةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ (ونَشًّا) بفتحِ النونِ وشينٍ معجمةٍ مشدَّدَةٍ (وقالتْ: أتدري ما النشُّ؟ قلتُ: لا، قالتْ: نِصْفُ أوقية فتلك خمسمائةِ درهمٍ، فهذَا صداقُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - لأزواجِه. رواهُ مسلمٌ). المرادُ في الحديثِ أوقيةُ الحجازِ وهيَ أربعونَ دِرْهَمًا. وكانَ كلام عائشةَ هذا بناءً على الأغلبِ، وإلَّا فإنَّ صداقَ صفيةَ عَتْقُهَا، قيلَ: ومثلُها جويريةُ. وخديجةُ لم يكنْ صداقُها هذا المقدارِ، وأمُّ حبيبةَ أصدقَها النجاشيُّ عن النبيِّ - ﷺ - بأربعةِ آلافِ درهمٍ وأربعةِ آلافِ دينارٍ، إلَّا أنهُ كانَ تبرُّعًا منهُ إكرامًا لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - ولكنه قرَّره. فهذا إخبار من عائشة عن غالب صداق أزواجه، وقد استحبَّ الشافعيةُ جعلَ المهرِ خمسمائةِ درهمٍ تأسيًا، وأما أقلُّ المهرِ الذي يصحُّ بهِ العقدُ فقدْ قدَّمْنَاهُ، أما أكثرُهُ فلا حدَّ لهُ إجماعًا، قالَ تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (^٥)، والقنطارُ قيلَ: إنهُ ألفٌ ومائتا أوقيةٍ ذهبًا، وقيلَ:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٤٢٦).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢١٠٥)، والنسائي (٦/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الجمع بين رجال الصحيحين\" (٢/ ٦٢١) و\"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ١٢٧ - ١٢٨) و\"التقريب\" (٢/ ٤٣٠) و\"الكاشف\" (٣/ ٣٠٢) و\"تاريخ الثقات\" (ص ٤٩٩)، و\"الثقات\" (٥/ ١).\n(^٣) في (أ): \"وهو كثر\".\n(^٤) في (أ): \"وتسعين\".\n(^٥) سورة النساء: الآية ٢٠.","vol":"6","page":106},{"text":"ملءُ مسكِ ثورٍ ذهبًا، وقيلَ: سبعونَ ألفِ مِثقالٍ، وقيلَ: مائةُ رطلٍ ذهبًا. وقدْ كانَ أرادَ عمرُ قصْرَ أكثرِهِ على قدْرِ مهورِ أزواجِ النبيِّ - ﷺ - وردَّ الزيادةَ إلى بيتِ المالِ وتكلَّمَ بهِ في الخطبةِ فردتْ عليهِ امرأةٌ محتجةً بقولِه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) فرجَعَ وقالَ: كلُّكُمْ أفقهُ منْ عمرَ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1003>ينبغي تقديم شيء للزوجة قبل الدخول</span>\n٣/ ٩٧٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمّا تَزَوّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَعْطِهَا شَيْئًا\"، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: \"فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ \"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ [عَنْهُمَا] (^٥) قَالَ: لما تزوَّجَ عليٌّ فاطمةَ - ﵄ -) هي\n_________\n(^١) قال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ٣٤٧ - ٣٤٨): \"تنبيه: أما ما شاع على الألسنة من اعتراض المرأة على عمر وقولها: \"نهيت الناس آنفًا أن يغالوا في صداق النساء، واللَّهُ تعالى يقول في كتابه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]؟! فقال عمر - ﵁ -: كل أحد أفقه من عمر، مرتين أو ثلاثًا، ثم رجع إلى المنبر، فقال للناس: إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجل من ماله ما بدا له\". فهو ضعيف منكر يرويه مجالد عن الشعبي عن عمر. أخرجه البيهقي (٧/ ٢٣٣) وقال: هذا منقطع.\nقلت: ومع انقطاعه ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد، ليس بالقوي، ثم هو منكر المتن فإن الآية لا تنافي توجيه عمر إلى ترك المغالاة في مهور النساء … \".\nثم وجدت له طريقًا أُخرى عند عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ١٨٠ رقم ١٠٤٢٠) عن قيس بن الربيع عن أَبي حصين عن أَبي عبد الرحمن السلمي قال: فذكره نحوه مختصرًا وزاد في الآية فقال: \"قنطارًا من ذهب\" وقال وكذلك هي في قراءة عبد اللَّهِ.\nقلت: وإسناده ضعيف أيضًا، فيه علتان:\nالأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي واسمه عبد اللهِ بن حبيب بن ربيعة لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.\nالأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع\" اهـ.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٢٥).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٣٧٥).\n(^٤) لم أعثر عليه في \"المستدرك\". قلت: حديث ابن عباس صحيح.\n(^٥) في (أ): \"عنه\".","vol":"6","page":107},{"text":"سيِّدةُ نساءِ العالمينَ تزوَّجَها عليٌّ - ﵁ - في السَّنَةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ في شهرِ رمضانَ، وبنَى عليها في ذي الحجَّةِ، وَلَدَتْ له الحسنَ والحسينَ والمحسنَ وزينبَ ورقيةَ وأمَّ كلثومٍ، وماتتْ بالمدينةِ بعدَ موتهِ - ﷺ - بثلاثةِ أشهرٍ، وقدْ بسطْنا ترجمتَها في الروضةِ النديةِ (^١). (قالَ لهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أعطِها شيئًا، قالَ: ما عندي شيءٌ، قالَ: فأينَ درعُكَ الحُطَميَّةُ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الطاءِ المهملةِ نسبةً إلى حطمةَ بن محاربَ بطنٍ منْ عبدِ القيس كانُوا يعملونَ الدروعَ، (رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ وصصَّحَهُ الحاكمُ).\nفيهِ دليلٌ على أنهُ ينبغي تقديمُ شيءٍ للزوجةِ قبلَ الدخولِ بها جَبْرًا لخاطرِها، وهوَ المعروفُ عندَ الناسِ كافةً. ولم يذكرْ في الروايةِ هلْ أعطاهَا درعَه المذكورةَ أو غيرَها. وقدْ وردتْ رواياتٌ في تعيينِ ما أعطَى عليٌّ فاطمةَ - ﵄ - إلَّا أنَّها غيرُ مسندةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1004>الصداق والحباء والعدة</span>\n٤/ ٩٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَو عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيهِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتُهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢) وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^٣). [ضعيف]\n(وعنِ عَمْرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ على صداقٍ أو حِبَاءٍ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ فموحدةٍ فهمزةٍ ممدودٍ، العطيةُ للغيرِ أو للزوجةِ زائدًا على مهرهَا (لو عِدَةٍ) بكسر العينِ المهملةِ ما وعدَ بهِ الزوجُ\n_________\n(^١) (ص ١٥٧ - ١٦٧).\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ١٨٢).\n(^٣) أَبو داود رقم (٢١٢٩)، والنسائي (٦/ ١٢٠)، وابن ماجه رقم (١٩٥٥).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٠٧٣٩)، والبيهقي (٧/ ٢٤٨).\nوفي إسناده ابن جريج وهو مدلس وقد عنعنه.\nوقد تابعه مدلِّس آخر وهو الحجاج بن أرطاة. فقال: \"عن عمرو بن شعيب به ولفظه: \"ما استُحِل به فرجُ المرأةِ من مَهرٍ أو عِدة، فهو لها، وما أكرمَ به أبوها أو أخوها أو وليها بعد عقدة النكاح، فهو له، وأحق ما أكرم الرجل به ابنته أو أخته\". أخرجه البيهقي (٧/ ٢٤٨) فالحديث ضعيف، واللَّهُ أعلم.","vol":"6","page":108},{"text":"وإنْ لم يحضرْ (قبلَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لها، وما كانَ بعدَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لمن أُعطيَهُ وأحقُّ ما أُكْرِمَ الرجل عليهِ ابنتُه أو أختهُ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ).\nالحديثُ دليلٌ على أن ما سمَّاهُ الزوجُ قبلَ العقدِ فهوَ للزوجةِ وإنْ كانَ تسميتُه لغيرِها منْ أبٍ أو أخٍ، وكذلكَ ما كانَ عندَ العقدِ. وفي المسألةِ خلافٌ فذهبَ إلى ما أفادهُ الحديثُ الهادي ومالكٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والثَّوْري، وذهبَ أَبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أن الشرطَ لازمٌ لمنْ ذكرَ منْ أبٍ أو أخٍ والنكاحُ صحيحٌ، وذهبَ الشافعيُّ إلى أن تسميةَ المهرِ تكونُ فاسدةً ولها صداقُ المِثْلِ، وذهبَ مالكٌ إلى أنهُ إنْ كانَ الشرطُ عندَ العقدِ فهوَ لابنتهِ وإنْ كانَ بعدَ النكاحِ فهوَ لهُ. قالَ في \"نهايةِ المجتهدِ\" (^١): وسببُ اختلافِهم تشبيهُ النكاحِ في ذلكَ بالبيعِ، فمنْ شَبَّهَهُ بالوكيلِ ببيعِ السلعةِ وشرطَ لنفسهِ حِباءً قالَ: لا يجوزُ النكاحُ كما لا يجوزُ البيعِ، ومن جعلَ النكاحَ في ذلكَ مخالفًا للبيعِ قالَ: يجوزُ. وأما تفريقُ مالكٍ فلأنهُ اتهمهُ إذا كانَ الشرطُ في عقدِ النكاحِ أنْ يكونَ ذلكَ اشترطَ لنفسهِ [نقصانًا] (^٢) عنْ صداقِ مِثْلِهَا، ولمْ يتهِمْهُ إذا كانَ بعدَ انعقادِ النكاحِ والاتفاقِ على الصداقِ، انتهَى.\nوإنَّما علَّلَ ذلكَ بما سمعتَ ولم يذكرِ الحديثَ لأنَّ فيهِ مقالًا، هذَا وأمَّا ما يُعطِي الزوجُ في العُرْفِ مما هوَ للإتلافِ كالطعامِ ونحوهِ فإنْ شُرِطَ في العقدِ كانَ مَهْرًا وما سُلِّمَ قبلَ العقدِ يكون إباحةً فيصحُّ الرجوعُ فيهِ معَ بقائهِ إذا كانَ في العادةِ يُسَلَّمُ للتلفِ، وإنْ كانَ يُسَلَّمُ للبقاءِ رجعَ في قيمتهِ بعدَ تلفهِ إلَّا أن [يتمنَّعُوا] (^٣) منْ زواجته رجعَ بقيمتِه في الطرفينِ جميعًا، وإذا ماتتِ الزوجةُ أو امتنعَ هوَ من التزوج كانَ لهُ الرجوعُ فيما بقي وفيما سَلَّمَ للبقاءِ وفيما تلفَ قبلَ الوقتِ الذي يُعْتَادُ التلفُ فيهِ لا فيما عدا ذلكَ، و[ما] (^٤) سلَّمَهُ بعدَ العقدِ هبةً أو هديةً على حسبِ الحالِ أو رشوةَ إنْ لم تُسَلَّمْ إلَّا بهِ، وإنْ كانَ الطعامُ الذي يُفْعَلُ في وليمةِ العرسِ مما ساقَه الزوجُ إلى ولي الزوجةِ وكانَ مشروطًا معَ العقدِ لصغيرةٍ وفعلَ ذلكَ جازَ التناولُ منهُ لمنْ يعتادُ لمثلِهِ كالقرابةِ وغيرِهم؛ لأنَّ الزوجَ\n_________\n(^١) لابن رشد الحفيد (٣/ ٥٢ - ٥٣) بتحقيقنا.\n(^٢) في (أ): \"نقصانها\".\n(^٣) في (ب): \"يمتنعوا\".\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"6","page":109},{"text":"إنما شرطَه وسلَّمه ليفعلَ ذلكَ لا ليبقى مُلْكًا للزوجة، والعرفُ معتبرٌ في هذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1005>مهر من لم يفرض لها صداق</span>\n٥/ ٩٧٢ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَها صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُود: لَهَا مِثْلُ صدَاقِ نسائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانِ الأَشْجَعِيُّ. فَقَالَ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ - امْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَحَسّنَهُ جَمَاعَةٌ (^٤). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>ترجمة علقمة النخعي</span>\n(وعنْ علقمةَ) (^٥) أي ابن قيسٍ أَبي شِبْلِ ابن مالكٍ منْ بني بكرِ بن النخعِ النخعي، رَوَى عنْ عمرَ وابنِ مسعودٍ، وهوَ تابعيٌّ جليلٌ اشتهرَ بحديثِ ابن مسعودٍ وصحبتِه، وهوَ عمُّ الأسودِ النَّخَعيِّ، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ، (عن ابن مسعودِ أنه سُئِلَ عنْ رجلٍ تزوَّجَ امرأةً ولم يفرضْ لها صداقًا ولم يدخلْ بها حتَّى ماتَ فقالَ ابنُ مسعودٍ: لها مِثْلُ صداقِ نسائِها لا وَكْسَ) بفتحِ الواو وسكونِ الكاف وسينٍ مهملةٍ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٧٩، ٢٨٠).\n(^٢) أَبو داود رقم (٢١١٦)، والنسائي (٦/ ١٢١، ١٢٢)، والترمذي رقم (١١٤٥)، وابن ماجه رقم (١٨٩١).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧١٨)، والحاكم (٢/ ١٨٠)، والبيهقي (٧/ ٢٤٥)، وابن حبان رقم (١٢٦٣)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" رقم (٩٢٩)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٠٨٩٨).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٤٥٠).\n(^٤) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الشافعي - ﵀ -: لم أحفظ بعد من وجه يثبت مثله. قال الحاكم: سمعت شيخنا أبا عبد اللَّهِ يقول: لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس الناس وقلت: قد صح الحديث فقل به\".\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، واللَّهُ أعلم.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٢٤٤ رقم ٤٨٥)، و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٣١).","vol":"6","page":110},{"text":"هوَ النقصُ، أي لا ينقصُ عن مهرِ نسائها (ولا شططَ) بفتحِ الشينِ المعجمةِ وبالطاءِ المهملةِ وهوَ الجوْرُ، أي لا يجارُ على الزوجِ بزيادةِ مهرِها على نسائِها (وعليها العِدَّةُ ولها الميراثُ. فقالَ معقل) بفتحِ الميم وسكون العينِ المهملةِ وكسرِ القافِ (ابنُ سِنانٍ) (^١) بكسرِ السينِ المهملةِ فنونٍ فأَلف [فنونٍ] (^٢) (الأشجعيُّ) بفتحِ الهمزةِ وشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ومعقلُ هو أَبو محمدٍ شهدَ فتحَ مكةَ ونزلَ الكوفةَ وحديثُه في أهلِ الكوفةِ وقُتِلَ يومَ الحرَّةَ صبْرًا (فقالَ: قَضَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في بَرْوَعَ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ وسكون الراءِ وفتحِ الواوِ فعينٍ مهملةِ (بنتِ واشقٍ) (^٣) بواوٍ مفتوحةٍ فألفٍ فشينٍ معجمةٍ فقافٍ (امرأة منَّا) بكسرِ الميمِ فنونٍ مشددةٍ [فألفٍ] (^٤) (مثلَ ما قضيتَ، ففرحَ [بها] (^٥) ابنُ مسعودٍ. رواهُ أحمدُ والأربعة وصحَّحَهُ الترمذيُّ وجماعةٌ) منْهم ابنُ مهدي وابنُ حزمٍ وقالَ: لا مغمزَ فيهِ لصحةِ إسنادِه، ومثلُه قال البيهقي في \"الخلافياتِ\". وقال الشافعي: لا أحفظُه منْ وجْهٍ يثبتُ مثلُه، وقالَ: لو ثبتَ حديثُ بَرْوَعَ لقلتُ بهِ، وقالَ في \"الأمِّ\" (^٦): إنْ كانَ يثبتُ عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فهوَ أَوْلَى الأمورِ ولا حجةَ في أحدٍ دونَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وإنْ كبرَ، ولا شيءَ في قولِه إلا طاعةُ اللَّهِ بالتسليمِ لهُ، ولمْ أحفظْهُ عنهُ منْ وجهٍ يثبتُ مثلُه، مرةً يقالُ عنْ معقلِ بن سنانٍ، ومرةً عنْ معقلِ بن يسارٍ، ومرةً عنْ بعضِ أشجعَ لا يُسَمِّي.\nهذا تضعيفُ الشافعيِّ بالاضطرابِ، وضعَّفَهُ الواقديُّ بأنهُ حديثٌ وردَ إلى المدينةِ منْ أهلِ الكوفةِ فما عرفَه علماءُ المدينةِ، وقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ - ﵁ - أنهُ ردَّه بأنَّ معقلَ بنَ سنانٍ أعرابيٌّ بَوَّالٌ على عَقِبَيْهِ. وأُجِيْبَ بأنَّ الاضطرابَ غيرُ قادحٍ؛ لأنهُ متردِّدٌ بينَ صحابيٍّ وصحابيٍّ، وهذا لا يطعنُ بهِ في الروايةِ، وعنْ قولِه: إنهُ يُرْوَى عنْ بعضِ أشجعَ فلا يضرُّ أيضًا؛ لأنهُ قد فَسَّرَ ذلكَ البعضُ بمعقلٍ فقدْ تبينَ أن ذلكَ البعضَ صحابيٌّ، وأما عدمُ معرفةِ علماءِ المدينةِ لهُ فلا يُقْدَحُ بها معَ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨١٥٤)، و\"أسد الغابة\" رقم (٥٠٣٣)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٤٨٩)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٩١).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١٠٩٣١)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٣٠٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) (٧/ ١٨١). وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٩١).","vol":"6","page":111},{"text":"عدالةِ الراوي، وأما الروايةُ عنْ عليٍّ - ﵁ - فقالَ في \"البدرِ المنيرِ\": لم يصحَّ عنهُ. وقدْ رَوَى الحاكمُ (^١) منْ حديثِ حرملةَ بن يَحْيَى أنهُ قالَ: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: إنْ صحَّ حديثُ بَرْوَعَ بنتِ واشقٍ [عملت] (^٢) بهِ، قالَ الحاكمُ: قلتُ صحَّ فقلْ بهِ. وذكرَ الدارقطنيُّ الاختلافَ فيهِ في \"العلل\" ثمَّ قالَ: وأنسبُها إسنادًا حديثُ قتادةَ إلا أنهُ لم يحفظْ اسمَ الصحابيِّ.\nقلت: [لا يضرُّ] (^٣) جهالةُ اسمِه على رأي المحدثينَ. وما قالَ المصنفُ منْ أن لحديثِ بَرْوَعَ شاهدًا منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - زوَّجَ امرأةً رجلًا فدخلَ بها ولمْ يفرضْ لها صداقًا فحضرتْه الوفاةُ فقالَ: أشهدُكم أن سهمي بخيبرَ لها، أخرجَه أَبو داودَ (^٤) والحاكمُ (^٥)، فلا يخْفى أنْ لا شهادةَ له على ذلكَ؛ لأنَّ هذا في امرأةٍ دخلَ بها زوجُها، نعمْ فيهِ شاهدٌ أنهُ يصحُّ النكاحُ بغيرِ تسميةٍ. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ تستحقُّ كمالَ المهرِ بالموتِ وإنْ لم يسمِّ لها [الزوجُ] (^٦) ولا دخلَ بها، وتستحقُّ مهر مِثْلِها، وفي المسألةِ قولانِ: الأولُ: العملُ بالحديثِ وأنَّها تستحقُّ المهرَ كما ذكرَ، وقولُ ابن مسعودٍ اجتهادٌ موافقٌ للدليلِ وقولُ أَبي حنيفةَ وأحمدَ وآخرينَ، والدليلُ الحديثُ وما طُعِنَ بهِ فيهِ قدْ سمعتَ دَفْعَهُ.\nوالقول الثاني: لا تستحقُّ إلا الميراثَ، لعليٍّ وابنِ عباسٍ [وابن عمر] (^٧) والهادي ومالكٍ وأحدُ قولَي الشافعيّ، قالُوا: لأنَّ الصداقَ عوضٌ فإذا لم يستوفِ الزوجُ المعوضَ عنهُ لم يلزمْ، قياسًا على ثمنِ المبيعِ، قالُوا: والحديثُ فيهِ تلكَ المطاعنُ، قلْنا: تلك المطاعنُ قدْ دُفِعَتْ فنهضَ الحديثُ للاستدلالِ فهوَ أَوْلَى منَ القياسِ.\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٠).\n(^٢) في (ب): \"قلتُ\".\n(^٣) في (ب): \"لا تضر\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢١١٧).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨١ - ١٨٢) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصحَّحه الألباني في \"صحيح أَبي داود\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"6","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1007>يصح أن يكون المهر من غير الدراهم والدنانير</span>\n٦/ ٩٧٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. [ضعيف]\n(وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: منْ أعطَى في صداقِ امرأةٍ سويْقًا) هوَ دقيقُ القمحِ المقلوِّ أو الشعيرِ أو الذرةِ أو [غيرهما] (^٢) (أوْ تمرًا فقدِ استحل. أخرجَه أَبو داودَ وأشارَ إلى ترجيحِ وقْفهِ).\nوقالَ المصنفُ في \"التلخيص\" (^٣): فيهِ موسى بنُ مسلمٍ بن رومانَ وهوَ ضعيفٌ ورُوِيَ موقوفًا وهوَ أقوى، انتَهى.\nفكانَ عليهِ أنْ يشيرَ إلى أن فيهِ ضعفًا على عادتهِ، وأخرجَه الشافعيُّ بلاغًا. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يصحُّ [أن يكون] (^٤) المهرُ منْ غيرِ الدراهمِ والدنانيرِ وأنهُ يجزي مطلقُ السَّويقِ والتمرِ وظاهرُه وإنْ قلَّ، وتقدَّمتْ أقاويلُ العلماءِ في قَدْرِ أقلِّ المهرِ في شرحِ حديثِ الواهبةِ نفسِها (^٥).\n٧/ ٩٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبيعَةَ عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٦)، وَخُولِفَ في ذَلِكَ. [ضعيف]\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢١١٠) قال أَبو داود: رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن صالح بن رومان، عن أَبي الزبير، عن جابر - موقوفًا -.\n(^٢) في (ب): \"وغيرها\".\n(^٣) (٣/ ١٩٠). قلت: وفي سنده: إسحاق بن جبريل البغدادي، قال الذهبي: لا يعرف.\nوضعفه الأزدي. وخلاصة القول: أن حديث جابر ضعيف.\n(^٤) في (ب): \"كون\".\n(^٥) رقم (٩/ ٩٢٠) من كتابنا هذا.\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٤٢٠ رقم ١١١٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٤٤٥)، وابن ماجه (١/ ٦٠٨ رقم ١٨٨٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ١٣٨).\nقال أَبو حاتم الرازي في \"العلل\" (١/ ٤٢٤ رقم ١٢٧٦): \"سألت أَبي عن عاصم بن عبيد الله؟ فقال: منكر الحديث. يقال: إنه ليس له حديث يعتمد عليه. قلت: ما أنكروا =","vol":"6","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1008>ترجمة عبد الله بن عامر</span>\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عامرِ بن ربيعةَ) (^١) هوَ أَبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بن ربيعةَ العنزيِّ بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ النونِ وبالزاي، وفي نَسَبِهِ خلافٌ كثيرٌ، قُبِضَ النبيُّ - ﷺ - وهوَ في أربعِ سنينَ أو خمسٍ. ماتَ عبدُ اللَّهِ المذكورُ سنةَ خمسٍ وثمانينَ، وقيلَ سنةَ تسعينَ، (عنْ أبيهِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - أجازَ نكاحَ امرأةٍ على نعلينِ. أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ وخُولِفَ) أي الترمذيُّ (في ذلكَ) أي في التصحيحِ.\nلفظُ الحديثِ أنَّ امرأةً منْ بني فزارةَ تزوَّجتْ على نعلينِ فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"رضيتِ منْ نفسكِ ومالكِ بنعلينِ\"؟ قالتْ: نعمْ، فأجازهُ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ جَعْلِ المهرِ أيَّ شيءٍ له ثمنٌ. وقد سلفَ أن [كلما] (^٢) صحَّ جعلُه ثمنًا صحَّ جعلُه مهرًا، وفيهِ مأخذٌ لِمَا وَرَدَ في غيرِه منْ أنَّها لا تصرَّف المرأةُ في مالِها إلا برأْي زوجِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1009>تقليل الصداق</span>\n٨/ ٩٧٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: زَوّجَ النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (^٣)، وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ في أَوَائِلِ النِّكَاحِ. [صحيح]\n(وعنْ سهلِ بن سعدٍ - ﵁ - قالَ: زوَّج النبيُّ - ﷺ - رجلًا امرأةً بخاتَمٍ منْ حديدٍ. أخرجَه الحاكمُ). قد تَقَدَّمَ حديثُ سَهْلٍ في الواهبةِ نفسِها بطولِه وفيهِ أنهُ - ﷺ - أمرَ مَنْ خَطَبَها أنْ يلتمسَ ولو خاتَمًا منْ حديدٍ فلمْ يجدْهُ فزوَّجَهُ إيَّاها على تعليمِها شيئًا منَ القرآنِ؛ فإنْ كانَ هذا هوَ ذلكَ الحديثُ فلم يتمَّ جعلُ المهرِ خاتمًا منْ\n_________\n= عليه؟ قال: روى عن عبد اللهِ بن عامر بن ربيعةِ عن أبيه أن رجلًا تزوج امرأة على نعلين، فأجازه النبي - ﷺ -. وهو منكر\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٧٩٥)، و\"أسد الغابة\" رقم (٣٠٣١)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٦٥٣)، والثقات (٣/ ٢١٩) و\"الكاشف\" (٢/ ٩٩).\n(^٢) في (ب): \"كل مَّا\".\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٧٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وقد تقدم تخريجه رقم (٩/ ٩٢٥).","vol":"6","page":114},{"text":"حديدٍ كما عرفتَ، وإنْ أُرِيدَ غيرُه فيحتملُ وهوَ بعيدٌ لقولِ المصنفِ (وهوَ طرفٌ منَ الحديثِ الطويلِ المتقدِّمِ في أوائلِ النكاحِ) وعلى تقديرِ أنهُ أريدَ ذلكَ الحديثُ فتأويلُه أنهُ - ﷺ - أَذِنَ في جَعْلِ الصداقِ خاتمًا منْ حَديدٍ وإنْ لم يتمَّ العقدُ عليهِ.\n٩/ ٩٧٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.\nأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا (^١)، وفي سَنَدِهِ مَقَالٌ. [ضعيف]\n(وعنْ عليٍّ - ﵁ - قالَ: لا يكونُ المهرُ أقلَّ منْ عشرةِ دراهمَ، أخرجُه الدارقطنيُّ موقوفًا وفي سندهِ مقالٌ)، أي موقوفٌ على عليٍّ - ﵁ -. وقدْ رُويَ منْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا ولم يصحَّ (^٢). والحديثُ معارضٌ بالأحاديث المتقدمةِ المرفوعةِ الدالةِ على صحةِ أيِّ شيءٍ صح جعلُه ثمنًا صحَّ جعله مهرًا كما عرفتَ، والمقالُ الذي في الحديثِ هوَ أن فيهِ مبشرَ بنَ عبيدٍ، قالَ أحمدُ: كانَ يضعُ الحديثَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1010>استحباب تخفيف المهر</span>\n١٠/ ٩٧٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرَهُ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٢٤٥ رقم ١٣).\nقال الآبادي في \"التعليق المغني\": \"قال ابن الجوزي في \"التحقيق\": قال ابن حبان: داود الأودي ضعيف، كان يقول بالرجعة. ثم إن الشعبي لم يسمع من علي، قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ١٩٩): وما أخرجه الدارقطني في الحدود عن الضحاك بطريقين فهو أيضًا ضعيف لأن في الطريق الأولى: جويبر وهو ضعيف. وفي الثانية: محمد بن مروان أَبو جعفر، قال الذهبي: لا يكاد يعرف\" اهـ.\n(^٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥ رقم ١١) عن جابر، وقال: مبشر بن عبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها. وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٠)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١٠/ ٢١٨ رقم ١٤٢٧٢) وقال: وهذا منكر حجاج لا يحتج به، ولم يأت به عن الحجاج غير مبشر بن عبيد، وقد أجمع أهل العلم على ترك حديثه … \" وخلاصة القول: أن الحديث موضوع.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢١١٧).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. =","vol":"6","page":115},{"text":"(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: خيرُ الصَّداقِ أيسرُه)، أي أسهلُه على الرجل (أخرجَه أَبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ) فيهِ دلالةٌ على استحبابِ تخفيفِ المهرِ وأنَّ غيرَ الأيسرِ على خلافِ ذلكَ وإنْ كانَ جائزًا كما أشارتْ إليهِ الآيةُ الكريمةُ في قولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (^١). وتقدَّمَ أن عمرَ نَهَى عن المغالاةِ في المهورِ، فقالتِ امرأةٌ: ليسَ ذلكَ إليكَ يا عمرُ، إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: \"وآتيتمْ إحداهنَّ قنطارًا منْ ذهب\"، قالَ عمرُ: امرأةٌ خاصمتْ عمرَ فَخَصَمَتْهُ (^٢)، أخرَجه عبدُ الرزاقِ (^٣). وقولُه في الروايةِ: منْ ذهبٍ، هي قراءةُ ابن مسعودٍ، ولهُ طُرُقٌ بألفاظٍ مختلفةٍ، ويحتملُ أن الخيريةَ بركةُ المرأةِ، ففي الحديثِ: \"أبركُهنَّ أيسرُهنَّ مُؤْنَةً\" (^٤).\n_________\n= قلت: بل هو على شرط مسلم، فإن محمد بن سلمة، وخالد بن أَبي يزيد لم يخرج لهما البخاري في صحيحه.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللَّهِ أعلم. انظر: \"الإرواء\" رقم (١٩٢٤).\n(^١) سورة النساء: الآية ٢٠.\n(^٢) فهذا ضعيف منكر، تقدم الكلام عليه في آخر شرح الحديث (٢/ ٩٦٩) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"المصنف\" (٦/ ١٨٠ رقم ١٠٤٢٠) بإسناد ضعيف.\n(^٤) • أخرج أحمد (٦/ ٨٢)، والخطيب في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (١/ ٣٠٥، ٣٠٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧) عن عائشة مرفوعًا بلفظ: \"إن أعظمَ النكاحِ بركةً أيسره مؤنة\".\n• وأخرج أحمد (٦/ ١٤٥)، والخطيب في \"الموضح\" (١/ ٣٠٤، ٣٠٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٨٦)، وابن أَبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ١٨٩)، والقضاعي في \"المسند\" (١/ ١٠٥ رقم ١٢٣)، والحاكم (٢/ ١٧٨)، والبيهقي (٧/ ٢٣٥)، والبزار (٢/ ١٥٨ رقم ١٤١٧ - كشف) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٥٥) وقال: رواه أحمد والبزار وفيه: ابن سخبرة يقال اسمه: عيسى بن ميمون وهو متروك. وقال الأعظمي في تحقيق \"الكشف\": ليس ابن سخبرة في إسناد البزار.\nعن عائشة مرفوعًا بلفظ: \"إن أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة\"، وعند بعضهم: \"صداقًا\".\n• وأخرج أحمد (٦/ ٧٧)، وابن حبان (رقم ١٢٥٦ - موارد)، والبيهقي (٧/ ٢٣٥)، والحاكم (٢/ ١٨١). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٨١) وقال: رواه الطبراني في \"الصغير\" \"والأوسط\" وفي إسناده أسامة بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وقد وثق.\nوعن عائشة مرفوعًا بلفظ: \"إن من يمن المرأة تيسير خطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها\" قال عروة: وأنا أقول من عندي: \"ومن شؤمها تعسير أمرها وكثرة صداقها\".\nوخلاصة القول: أن حديث عائشة ضعيف بكل ألفاظه، انظر: \"الإرواء\" رقم (١٩٢٨).","vol":"6","page":116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1011>الدليل على شرعية المتعة للمطلَّقة قبل الدخول</span>\n١١/ ٩٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ - تَعْني لَمَّا تَزَوّجَهَا - فَقَالَ: \"لَقَدْ عُذْتِ بمُعَاذ\" فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١)، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ (^٢). [منكر]\n- وَأَصْلُ الْقِصّةِ في الصَّحِيحِ (^٣) مِنْ حَدِيثِ أَبي أَسِيدِ السَّاعِدِيّ. [صحيح]\n(وعنْ عائشةِ - ﵂ - أن عَمْرَةَ بنتَ الجَوْنِ) بفتحِ الجيمِ وسكونِ الواوِ فنونٍ (تعوَّذتْ منْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حينَ أُدْخِلَتْ عليهِ تعني لما تزوَّجَها فقالَ: لقدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ) بفتحِ الميمِ ما يستعاذُ بهِ (فطلَّقها وأمرَ أسامةَ فمتعها بثلاثةِ أثوابٍ. أخرجَهُ ابنُ ماجَهُ وفي إسنادهِ [رجل] (^٤) متروكٌ. وأصلُ القصةِ في الصحيحِ منْ حديثِ أَبي أسيدٍ الساعدي)، وقدْ سمَّاها في الحديثِ عمرةَ ووقعَ معَ ذلكَ اختلافٌ في اسمِها ونسبِها كثيرٌ، لكنهُ لا يتعلَّقُ بهِ حكمٌ شرعيٌّ، واختُلِفَ في سببِ تعوُّذِها: ففي روايةٍ أخرجَها ابنُ سعدٍ (^٥) أنهُ - ﷺ - لما دخلَ عليها وكانتْ منْ أجملِ النساءِ فداخلَ نساءَه - ﷺ - غيرةً، فقيلَ لها: إنما تحظَى المرأةُ عندَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أنْ تقولَ إذا دخلتْ عليهِ: أعوذُ باللَّهِ منكَ، فاستعيذي منه. وفي روايةٍ أخرجَها ابنُ سعدٍ (^٦) أيضًا بإسنادِ البخاريِّ أن عائشةَ وحفصةَ دَخَلَتَا عليها أولَ ما قدمتْ مشَّطَتَاها\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٣٧).\n(^٢) قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٢٧ رقم ٧١٨/ ٢٠٣٧): \"في إسناده عبيد بن القاسم، قال ابن معين فيه: كان كذابًا خبيثًا. وقال صالح بن محمد: كذاب، كان يضع الحديث، وقال ابن حبان: ممن يروي الموضوعات عن الثقات.\nحدَّث عن هشام بن عروة نسخة موضوعة. وضعَّفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وغيره\" اهـ.\nقلت: وانظر \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢١).\nوخلاصة القول: أن الحديث منكر.\n(^٣) في \"صحيح البخاري\" (٩/ ٣٥٦ رقم ٥٢٥٤، ٥٢٥٥، ٥٢٥٦، ٥٢٥٧).\n(^٤) في (ب): \"راوٍ\".\n(^٥) في \"الطبقات\" (٨/ ١٤٥): واسمها: أسماء بنت النعمان الجونية.\n(^٦) في \"الطبقات\" (٨/ ١٤٦) واسمها: أسماء بنت النعمان الجونية.","vol":"6","page":117},{"text":"وخضَّبَتَاهَا وقالتْ لها إحداهُما: إنَّ النبيَّ - ﷺ - يُعْجِبُهُ منَ المرأةِ إذا دخلَ عليها أنْ تقولَ أعوذُ باللَّهِ منكَ، وقيلَ في سببهِ غيرُ ذلكَ. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ المتعةِ للمطلقةِ قبلَ الدخول، واتفقَ [الأكثرُ] (^١) على وجوبِها في حقِّ مَنْ لم يسمِّ لها صَدَاقًا إلَّا عن الليثِ ومالكٍ. وقدْ قالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (^٢) الآية، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ. وأخرجَ البيهقيُّ (^٣) في سُنَنِهِ عن ابن عباسٍ قالَ: المسُّ النكاحُ والفريضةُ الصداقُ، ومتِّعوهنَّ قالَ: هوَ على الزوج يتزوجُ المرأةَ ولم يسمِّ لها صَدَاقًا ثمَّ يطلِّقُها قبل أنْ يدخلَ بها فأمَرَهُ اللَّهُ تعالى أَن يمتِّعَها على قدرِ عُسرهِ ويُسرِه - الحديثَ. وقدْ أخرجَ عنهُ ابنُ جريرٍ وابن المنذر، وابنُ أَبي حاتمٍ (^٤): \"متعةُ الطلاقِ أعلاها الخادمُ، ودونَ ذلكَ الورِقُ، ودونَ ذلكَ الكسوةُ\". نعمْ هذهِ المرأةُ التي متَّعَها - ﷺ - يُحْتَمَلُ أنهُ لم يسمِّ لها صَدَاقًا فمتَّعها كما قضتْ بهِ الآيةُ [الكريمة] (^٥)، ويحتملُ أنهُ كانَ سمَّى لها فمتَّعها إحسانًا منهُ وفضلًا، وأما تمتيعُ مَنْ لم يسمِّ لها الزوجُ مهرًا ودخلَ بها ثم فارقَها فقدِ اختُلِفَ في ذلكَ؛ فذهبَ عليٌّ وعمرُ والشافعيُّ إلى وجوبها أيضًا عملًا بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٦)، وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا يجبُ إلا مهرُ المِثْلِ لا غيرُ. قالُوا: وعمومُ الآيةِ مخصوصٌ بِمَنْ لم يكنْ قدْ دخلَ بها، والذي خصَّه الآيةُ الأخرى التي أوجبَ فيها المتعةَ؛ لأنهُ شرطَ فيها عدمَ المسِّ وهذا قدْ مسَّ، وأما قولُه تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ (^٧) فإنهُ يَحْتَمِلُ نفقةَ العدَّةِ ولا دليلَ معَ الاحتمالِ هذا.\nوقد سبقتْ إشارةٌ إلى أن الليثَ لا يقولُ بوجوبِ المتعةِ مطلقًا، واستُدِلَّ بأنَّها لو كانتْ واجبةً لكانتْ مقدَّرةً، ودُفِعَ بأنَّ نفقةَ القريبِ واجبةٌ ولا تقديرَ لها.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"الأكابر\".\n(^٢) سورة البقرة: ٢٣٦.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٤٤).\n(^٤) عزاه إليهم السيوطي في \"الدُّرُّ المنثور\" (١/ ٦٩٧).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٢٤١.\n(^٧) سورة الأحزاب: الآية ٢٨.","vol":"6","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1012>[الباب الخامس] باب الوليمة</span>\nالوليمةُ مشتقةٌ منَ الوَلْمِ بفتحِ الواوِ وسكونِ اللامِ وهوَ الجمعُ؛ لأنَّ الزوجينِ يجتمعانِ، قالهُ الأزهريُّ (^١) وغيرُه. والفعلُ مِنْها أَوْلَمَ، وتقعُ على كلِّ طعام يُتَّخَذُ لسرورٍ حادِثٍ، ووليمةُ العُرسٍ ما يُتَّخَذُ عندَ الدخولِ وما يتخذُ عندَ الإملاكِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1013>حكم وليمة العرس</span>\n١/ ٩٧٩ - عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرّحْمنِ بن عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: \"مَا هذَا؟ \"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: \"فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(عنْ أنسِ بن مالك - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - رَأَى على عبدِ الرحمنَ بن عوفٍ أثرَ صفرةٍ فقالَ: ما هذا؟ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني تزوَّجْتُ امرأةَ على وزنِ نواةٍ منْ ذهبٍ، فقال: باركَ اللَّهُ لكَ أَوْلِمْ ولوْ بشاةٍ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ).\nجاءَ في الرواياتِ تعيين الصُّفرةِ بإنهُ رَدْغٌ منْ زعفرانَ، وهوَ بفتحِ الراء ودالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، أثرُ الزعفرانِ.\n_________\n(^١) في \"تهذيب اللغة\" (١٥/ ٤٠٦).\n(^٢) في \"النهاية\": المِلاك والإملاك التزويج وعقد النكاح. وقال الجوهري: لا يقال: ملاك.\n(^٣) البخاري رقم (٥١٦٧)، ومسلم رقم (١٤٢٧).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٢١٠٩)، والترمذي رقم (١٠٩٤)، والنسائي (٦/ ١١٩ - ١٢٠)، ومالك (٢/ ٥٤٥ رقم ٤٧)، وابن ماجه رقم (١٩٠٧).","vol":"6","page":119},{"text":"فإنْ قلتَ: قدْ عُلِمَ النَّهْيُ عن التزعفرِ فكيفَ لم ينكرْهُ - ﷺ -.\nقلت: هذا [مخصِّصٌ] (^١) للنَّهي بجوازِه للعرس، وقيلَ: يحتملُ أنَّها كانتْ في ثيابهِ دونَ بدنهِ بناءً على جوازِهِ في الثوبِ. وقدْ مَنَعَ جوازَه فيهِ أَبو حنيفةَ والشافعيُّ ومَنْ تَبعَهُمَا، والقولُ بجوازِه في الثياب [روي] (^٢) عنْ مالكٍ وعلماءِ المدينةِ، واستدلَّ لهمْ بمفهومِ النَّهْي الثابتِ في الأحَاديثِ الصحيحةِ كحديثِ أَبي موسَى مرفوعًا: \"لا يَقْبلُ اللَّهُ صلاةَ رَجُلٍ في جسدِه شيءٌ منَ الخلوقِ\" (^٣). وأُجِيب بأنَّ ذلكَ مفهومٌ لا يقاومُ النَّهيْ الثابتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ وبأنَّ قصةَ عبدِ الرحمنِ كانتْ قبلَ النَّهي في أولِ الهجرةِ، وبأنهُ يحتملُ أن الصفرةَ التي رَآهَا - ﷺ - كانتْ منْ جهةِ امرأتهِ علقتْ بهِ فكانَ ذلكَ غيرَ مقصودٍ لهُ، ورجَّحَ هذا النوويَّ (^٤) وعزاهُ للمحققينَ وبَنَى عليهِ البيضاويُّ. وقولُه: \"على وزنِ نُواةٍ منْ ذهبٍ\" قيلَ المرادُ واحدةُ نَوَى التمرِ، قيلَ كانَ قدْرَها يومئذٍ رُبْعُ دينارٍ، وَرُدَّ بأنَّ نَوَى التمرِ يختلفُ فكيفَ يُجْعَلُ معيارًا لما يُوزَنُ، وقيلَ: إنَّ النواةَ منْ ذهبٍ عبارةٌ عما قيمتُه خمسةُ دراهمَ منَ الورقِ وجزَمَ بهِ الخطابيُّ (^٥) واختارَهُ الأزهريُّ (^٦) ونقلَه عياضٌ عنْ أكثرِ العلماءِ، ويؤيدُه أن في روايةِ البيهقيِّ (^٧) وزنُ نواةٍ منْ ذهبٍ قُوِّمَتْ خمسةُ دراهمَ.\nوفي روايةٍ عند البيهقيِّ (^٨) عنْ قتادةَ قوِّمتْ ثلاثةُ دراهمَ وثُلْثًا وإسنادُه ضعيفٌ، لكنْ جزمَ بهِ أحمدُ، وقيلَ في قَدْرِها غيرُ ذلكَ، وعنْ بعضِ المالكيةِ أن النواةَ عندَ أهلِ المدينةِ ربعُ دينارٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يُدْعَى للمعرِّس بالبركةِ وقدْ نالَ عبدُ الرحمنِ بركةَ الدعوةِ النبويةِ حتَّى قال: لقدْ رأيتُني لو رفعتُ حَجَرًا لرجوتُ أنْ أصيبَ ذهبًا أو فضةً، رواهُ البخاريُّ عنهُ في آخرِ هذهِ الروايةِ، وفي\n_________\n(^١) في (ب): \"تخصيص\".\n(^٢) في (ب): \"مرويُّ\".\n(^٣) أخرجه أَبو داود رقم (٤١٧٨)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) من حديث الربيع بن أنس عن جدَّيه، قال أَبو داود: جَدَّاه زيد وزياد. قلت: سنده ضعيف.\nوقد ضعَّف الحديث الألباني في: \"ضعيف أَبي داود وغيره\".\n(^٤) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٢١٦).\n(^٥) في \"حاشية سنن أَبي داود\" (٢/ ٥٨٤).\n(^٦) في \"تهذيب اللغة\" (١٥/ ٥٥٧ - ٥٥٨).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٣٧).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٣٧).","vol":"6","page":120},{"text":"قولهِ: \"أوْلِمْ ولوْ بشاةٍ\"، دليلٌ على وجوبِ الوليمةِ في العرسِ، وإليهِ ذهبَ الظاهريةُ (^١)، قيلَ: وهوَ نصُّ الشافعيِّ في \"الأمِّ\" (^٢)، ويدلُّ لهُ ما أخرجَه أحمدُ (^٣) منْ حديثِ بريدةَ أنهُ - ﷺ - قالَ لما خطبَ عليٌّ فاطمةَ - ﵄ -: \"لا بدَّ منْ وليمةٍ\"، وسندُه لا بأسَ بهِ، وهوَ يدلُّ علَى لزوم الوليمةِ وهوَ في معنَى الوجوبِ. وما أخرجَه أَبو الشيخِ والطبرانيُّ في \"الأوسطِ\" (^٤) منْ حديثِ أَبي هريرةِ مرفُوعًا: \"الوليمةُ حقٌّ وسنةٌ فمنْ دُعِيَ ولم يجبْ فقدْ عَصَى\"، والظاهرُ منَ الحقِّ الوجوبُ. وقالَ أحمدُ: الوليمةُ سنةٌ، وقالَ الجمهورُ: مندوبةٌ، وقالَ ابنُ بطالٍ: لا أعلمُ أحدًا أوجبَها، وكأنهُ لم يعرفِ الخلافَ. واستدلَّ الجمهور على النُّدبيةِ بما قالَ الشافعيُّ - ﵀ -: لا أعلمُ أمرَ بذلكَ غيرَ عبدِ الرحمنِ، ولا أعلمُ أنهُ - ﷺ - تركَ الوليمةَ، رواهُ عنهُ البيهقيُّ فجعلَ ذلكَ مستندًا إلى كونِ الوليمةِ غيرَ واجبةٍ ولا يخفَى ما فيهِ (^٥). واختلفَ العلماءُ في وقتِ الوليمةِ، هلْ هيَ عندَ العقدِ أو عقبَهُ أو عندَ الدخولِ؟ وهي أقوالٌ في مذهبِ المالكيةِ، ومنْهم مَنْ قالَ عندَ العقدِ وبعدَ الدخولِ، وصرَّحَ الماوردي منَ الشافعيةِ (^٦) بأنَّها عندَ الدخولِ، قالَ ابنُ السبكي: والمنقولُ منْ فِعْلِ النبيِّ - ﷺ - أنها بعدَ الدخولِ، وكأنهُ يشيرُ إلى قصةِ زواجِ زينبَ بنتِ جحشٍ (^٧)، لقولِ أنسٍ: أصبحَ - يعني النبيُّ - ﷺ - عروسًا بزينبَ فدعَا القومَ. وقدْ ترجَم عليهِ البيهقيُّ بابُ وقتِ الوليمةِ (^٨). وأما مقدارُها فظاهرُ الحديثِ أن الشاةَ أقلُّ ما يجزئُ، إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - أَوْلَمَ على أمِّ سلمةَ وغيرِها بأقلَّ منْ شاةٍ (^٩)، وأولمَ على زينبَ بشاةٍ.\n_________\n(^١) كما في \"المحلَّى\" (٩/ ٤٥٠ رقم المسألة: ١٨١٩).\n(^٢) (٦/ ١٩٦).\n(^٣) في \"الفتح الرباني\" (١٦/ ٢٠٥ رقم ١٧٥) بسند جيد.\n(^٤) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٥٢) من حديث أَبي هريرة وقال الهيثمي: \"وفيه يحيى بن عثمان التيمي وثقه أَبو حاتم الرازي، وابن حبان، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح\" اهـ.\n(^٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٩٢ - ١٩٣ مسألة ١٢١٧).\n(^٦) انظر: \"الحاوي الكبير\" (١٢/ ١٩٠ - ٢٠٥) باب الوليمة.\n(^٧) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٥٠ رقم ٩٣/ ١٤٢٨).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٦٠).\n(^٩) • أخرج البخاري رقم (٣٧١) عن أنس، قصة زواج النبي - ﷺ - بصفية بنت حُيَيٍّ وفيه: =","vol":"6","page":121},{"text":"وقالَ أنسٌ: لم يولمْ على غيرِ زينبَ بأكثرَ مما أولمَ عليها، إلَّا أنهُ أولمَ - ﷺ - على ميمونةَ بنتِ الحارثِ لما تزوَّجها بمكةَ عامَ القَضِيَّةِ (^١)، وطلبَ منْ أهلِ مكةَ أن يحضُروا فامتنعُوا، بأكثرَ منْ وليمتهِ على زينبَ وكأنَّ أَنَسًا يريدُ أنهُ وقعَ في وليمةِ زينبَ بالشاةِ منَ البركةِ في الطعام ما لمْ يقعْ في غيرِها فإنهُ أشبعَ الناسَ خبزًا ولحمًا، فكانَ المرادُ لم يشبعْ أحدًا خبزًا ولحمًا في وليمةٍ منْ ولائِمهِ - ﷺ - أكثرَ مما وقعَ في وليمةِ زينبَ.\n٢/ ٩٨٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\nوَلِمُسْلِمٍ (^٣): \"إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ\". [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا دُعِيَ أحدُكم إلي وليمةٍ فليأتِها. متفقٌ عليهِ، ولمسلمٍ) أي عن ابن عمرَ مرفوعًا: (إذا دَعَا أحدُكم أخاهُ فليجبْ عرسًا كانَ أو نحوَه)، الحديثُ.\nالأولُ: دالٌّ على وجوبِ الإجابةِ إلى الوليمةِ.\nوالثاني: دالٌّ على وجوبِها إلى كلِّ دعوةٍ، ولا تعارضَ بينَ الروايتينِ وإنْ\n_________\n= \" … فأصبح النبي - ﷺ - عروسًا، فقال: من كان عندَه شيءٌ فليجئ به، وبسط نِطعًا فجعل الرجلُ يجيء بالتمر، وجعلَ الرجلِ يجِيء بالسمن، قال: وأحسبُه قد ذكرَ السَّويق. قال: فحاسوا حيسًا، فكانت وليمة رسولِ اللَّهِ - ﷺ - \".\n• الحَيس: بفتح أوله خليط السمن والتمر والأقط.\n• وأخرج البخاري رقم (٥١٧٢) عن صفية بنت شيبة قالت: \"أولمَ النبي - ﷺ - على بعض نسائِه بمدَّين من شعير\".\n(^١) أي عام عمرة القَضيَّة أو القضاء، وذلك في سنة سبع للهجرة، وقد دخل - ﷺ - مكة، ثم خرج بعد إكمال عمرته. وسمِّيت عمرة القضية؛ لأنه قاضى فيها قريشًا. وانظر: \"زاد المعاد\" (٢/ ٩٠، ٩٢).\n(^٢) البخاري رقم (٥١٧٣)، ومسلم رقم (٩٦/ ١٤٢٩).\nقلت: وأخرجه أَبو داود رقم (٣٧٣٦)، والبغوي رقم (٢٣١٤). ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٤٦ رقم ٤٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٠٠/ ١٤٢٩).","vol":"6","page":122},{"text":"[كانا] (^١) عنْ راوٍ واحدِ [لأنه يحتمل أنه تارة اقتصر على بعض الحديث، وتارة استوفاه، أو أن ذلك من أحد رواته] (^٢). وقد أخذتِ الظاهريةُ (^٣) والشافعيةِ (^٤) بِظاهرِه فقالُوا: تجبُ الإجابةُ إلى الدعوةِ مطلقًا، وزعمَ ابنُ حزمٍ (^٥) أنه قولُ جمهورِ الصحابةِ والتابعينَ. ومنْهم مَنْ فرَّقَ بينَ وليمةِ العرسِ وغيرِها، فنقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٦) وعياضُ والنوويُّ الاتفاقَ على وجوبِ إجابةِ وليمةِ العرسِ، وصرَّحَ جمهورُ الشافعيةِ والحنابلةِ (^٧) بأنَّها فرضُ عينٍ ونصَّ عليهِ مالكٌ، وعنِ البعضِ فرضُ كفايةٍ.\nوفي كلامِ الشافعيِّ ما يدلُّ على وجوبِ الإجابةِ في وليمةِ العُرسِ وعدمِ الرخصةِ في غيرِها فإنهُ قالَ: إتيانُ دعوةِ الوليمةِ حقٌّ، والوليمةُ التي تعرفُ وليمةُ العرسِ، وكل دعوةٍ دُعِيَ إليها رجلٌ وليمةٌ [ولا] (^٨) أرخِّصُ لأحدٍ في تركِها، ولو تركَها لم يتبينْ لي أنهُ عاصٍ كما تبيَّنَ لي في وليمةِ العرسِ. وفي \"البحرِ\" (^٩) للمهدي حكايةُ إجماعِ العترةِ على عدمِ وجوبِ الإجابةِ في الولائمِ كلِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>موانع إجابة الدعوة</span>\nهذا وعلى القولِ بالوجوبِ، فقدْ قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ الإلمام: وقدْ يُسَوَّغُ تركُ الإجابةِ لأعذارٍ منْها: أنْ يكونَ في الطعامِ شبهةٌ أو يخصُّ بها الأَغنياءَ، أو يكونَ هناكَ مَنْ يتأذَّى بحضورِه معهُ أو لا يليقُ لمجالستِه أو يدعُوه لخوفِ شَرِّه أو لطمع في جاهِهِ أو ليعاونَه على باطلٍ، أو يكونَ هناكَ منكرٌ منْ خمرٍ أو لَهْو أوْ فراشِ حريرٍ أو سَتْرٍ لجدارِ البيتِ، أو صورةٍ في البيتِ، أوْ يتعذرُ إلى الداعي فيتركُه، أو كانت في الثالثِ (^١٠) كما يأتي، فهذه الأعذارُ ونحوُها في تركِها على القولِ بالوجوبِ وعلى القولِ بالندبِ بالأَوْلى. وهذا مأخوذٌ مما عُلِمَ مِنَ الشريعةِ ومنْ قَضَايا وقعتْ للصحابةِ كما في البخاريِّ: أن أبا أيوبَ دعاهُ ابنُ عمرَ فرأَى\n_________\n(^١) في (أ): \"كان\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٤٥٠ - ٤٥١ مسألة ١٨٢٥).\n(^٤) انظر: \"الحاوي\" (١٢/ ١٩١ - ١٩٢).\n(^٥) في \"المغنى\" (٩/ ٤٥١).\n(^٦) انظر: \"الاستذكار\" (١٦/ ٣٥٣).\n(^٧) انظر: \"المغني\" (١٠/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٨) في (ب): \"فلا\".\n(^٩) أي \"البحر الزخار\" (٣/ ٨٥ - ٨٦).\n(^١٠) انظر تفصيل ذلك في \"المغني\" (١٠/ ١٩٨ - ٢٠٧) فقد أجاد وأفاد.","vol":"6","page":123},{"text":"في البيتِ سِتْرًا على الجدارِ فقالَ ابنُ عمرَ: غَلَبَنَا عليهِ النساءُ، فقالَ: منْ كنتُ أخشَى عليهِ فلمْ أكنْ أخشَى عليكَ، واللَّهِ لا أطعمُ لكَ طعامًا فرجعَ. أخرجَه البخاريُّ تعليقًا (^١) ووصلَه أحمدُ (^٢) ومسدِّدٌ (^٣). وأخرجَ الطبراني (^٤) عنْ سالمِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ قالَ: أعرسْتُ في عهدِ أبي فَأَذِنَّا الناسَ وكان أبو أيوبَ فيمنْ أَذَنَّا، وقدْ سَتَرُوا بيتي ببجادٍ أخضرَ فأقبلَ أبو أيوبَ فاطَّلعَ فرآهُ فقالَ: يا عبدَ اللَّهِ أتسترونَ الجُدُرَ؟ فقالَ أبي واستَحَى: غَلَبَنَا عليهِ النساءُ يا أبا أيوبَ، فقالَ: منْ خشيتَ أنْ يغلبه النساءُ فذكره. وفي روايةِ: فأقبلَ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - يدخلونَ الأولَ فالأولَ حتَّى أقبلَ أبو أيوبَ وفيهِ: فقالَ عبدُ اللَّهِ: أقسمتُ عليكَ لترجعنَّ، فقالَ: وأنا أعزمُ على نفسي أنْ لا أدخلَ يومي هذَا، ثُمَّ انصرفَ. وأخرجَ أحمدُ في كتابِ \"الزهدِ\" أن رجلًا دَعَا ابنَ عمرَ إلى عرسٍ فإذا بيتُه قد سُتِرَ بالكرورِ، فقالَ: يا فلانٌ مَتى تحولتِ الكعبةُ في بيتِكَ، ثمَّ قالَ لنفرٍ معَهُ منْ أصحابِ محمدٍ - ﷺ -: ليهتكْ كلُّ رجلٍ ما يليهِ. والحديثُ وما قبلَهُ دليلٌ على تحريم ستْرِ الجدرانِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٥) وغيرُه منْ حديثِ ابن عباس - ﵁ - مرفوعًا: \"لا تسترُوا الجدُرَ بالثيابِ\" وفيهِ ضعفٌ ولهُ شاهدٌ. وأخرجَ البيهقي (^٦) وغيره منْ حديثِ سلمانَ موقوفًا أنهُ أنكرَ سَتْرَ البيتِ فقالَ: محمومٌ بيتُكم أو تحولتِ الكعبةُ؟ ثمَّ قالَ: لا أدخلُه حتَّى يُهْتَكَ. والمسألةُ فيها خلافٌ جزمَ جماعةٌ بالتحريمِ لسترِ الجدران وجمهورُ الشافعيةِ على أنهُ مكروهٌ. وقد أخرجَ مسلمٌ (^٧) أنهُ - ﷺ - قالَ: \"إن اللَّهَ لم يأمرْنا أنْ نكسوَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩/ ٢٤٩ باب رقم ٨٦).\n(^٢) في كتاب الورع كما في \"الفتح\": (٩/ ٢٤٩).\n(^٣) في مسنده كما في \"الفتح\": (٩/ ٢٤٩).\n(^٤) في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٥٤ - ٥٥) وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n(^٥) في \"السنن\" رقم (١٤٨٥).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨٦٦).\nقال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلُّها واهية، وهذا الطريق أمثلها. وهو ضعيف أيضًا، قلت: لأن فيه راويًا مجهولًا، وهو الذي رواه عن محمد بن كعب القرظي. وهو حديث ضعيف.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٧) في \"صحيحه\" (٣/ ١٦٦٦ رقم ٢١٠٧).","vol":"6","page":124},{"text":"الحجارةَ والطينَ\" وجذبَ السترَ حتَّى هتكَهُ في قصةٍ معروفةٍ، وقدْ كنَّا كتبْنا رسالةً في هذا، جوابِ سؤال في مدةٍ قديمةٍ. وأخرجَ الطبرانيُّ في \"الأوسطِ\" (^١) منْ حديثِ عمرانَ بن [حصينِ] (^٢): نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ إجابةِ طعامِ الفاسقينَ. وأخرجَ النسائي (^٣) منْ حديثِ جابرٍ مرفُوعًا: \"مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يقعدْ على مائدةٍ يدارُ عليها الخَمْرُ\" وإسنادُه جيدٌ، وأخرجَه الترمذيُّ (^٤) منْ وجْهٍ آخرَ عنْ جابرٍ وفيهِ ضعفٌ. وأخرجَهُ أحمدُ (^٥) منْ حديثِ عمرَ. وبالجملةِ الدعوةُ مقتضيةٌ للإجابةِ وحصولُ المنكرِ مانعٌ عنْها، فتعارضَ المانعُ والمقتضي والحكمُ للمانعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1015>من دعي إلى وليمة العرس فليجب</span>\n٣/ ٩٨١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"شَرُّ الطِّعامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيهَا مَنْ يَأْباهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللهُ وَرَسُولَهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمةِ يُمْنَعْهَا مَنْ يأتيها) وهمُ الفقراءُ كما يدلُّ لهُ حديثُ ابن عباسٍ عندَ الطبرانيِّ (^٧):\n_________\n(^١) (١/ ١٤٠ رقم ٤٤١). وقال: لا يُروى هذا الحديث عن عمران بن الحصين إلا بهذا الإسناد. تفرد به: عبد الرحيم بن مُطَرِّف. قلت: هو ثقة كما في \"التقريب\".\nوأخرجهُ الطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ١٦٨ رقم ٣٧٦). وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٥٤) وقال: فيه أبو مروان الواسطي ولم أجد من ترجمه.\nقلت: هو من رجال \"التهذيب\" ولكنه ضعيف.\n(^٢) في (ب): \"الحصين\".\n(^٣) في \"الكبرى\" - كما في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ٣٣٣ رقم ٢٨٨٦).\n(^٤) في \"السنن\" (٥/ ١١٣ رقم ٢٨٠١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاووس عن جابر إلا من هذا الوجه. قال محمد بن إسماعيل: ليث بن أبي سليم صدوق ربما يهم في الشيء … \".\n(^٥) في \"الفتح الرباني\" (١٦/ ٢٠٩ رقم ١٩٣) بسند ضعيف.\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (١٤٣٢).\nقلت: وقد أخرجه البخاري أيضًا رقم (٥١٧٧). وأبو داود رقم (٣٧٤٢)، وابن ماجه رقم (١٩١٣)، ومالك (٢/ ٥٤٦ رقم ٥٠).\n(^٧) في \"الأوسط\" رقم (٣٢٦٤) موقوفًا على أبي هريرة. =","vol":"6","page":125},{"text":"\"بئسَ الطعامُ طعامُ الوليمةِ يُدْعَى إليها الشبعانُ ويمنعُ عنه الجيعانُ\". اهـ. فلوْ شَمِلَتْ الدعوةُ الفريقينِ زالتِ الشرِّيَّةُ عنْها (ويُدْعَى إليها مَنْ يأباها) يعني الأغنياءُ، (ومنْ لم يجبِ الدعوة) بفتحِ الدال المهملة على المشهور، وضمها قطرب في مثلثته وغلط (فقد عَصَى اللَّهَ ورسولَه. أخرجَه مسلمٌ).\nالمرادُ منَ الوليمةِ وليمةُ العرسِ لما تقدَّمَ قريبًا منْ أنَّها إذا أُطلِقَتْ منْ غيرِ تقييد انصرفتْ إلى وليمةِ العرسِ وشرِّيَّةُ طعامِها قدْ بيَّنَ وجْهَهُ. قولُه: \"يمنعها من يأتيها ويُدْعَى إليها مَنْ يأباها\"، فإنَّها جملةٌ مستأنفةٌ بيانٌ لوجهِ شرِّيَّة الطعامِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ يُدْعَى الإجابةُ وإن كانتْ إلى شرِّ طعامٍ، وأنهُ يعصي اللَّهَ ورسولَه مَنْ لم يُجِبْ، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1016>إذا دعي إلى وليمة العرس فليجب ولو كان صائمًا</span>\n٤/ ٩٨٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (^١). [صحيح]\n- وَلَهُ (^٢) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَقَال: \"فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ\". [صحيح]\n(وعنْه) أي أبي هريرة (قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا دُعِيَ أحدُكم فليجبْ فإنْ كانَ صائمًا فليصلِّ، وإنْ كانَ مفطِرًا فَلْيَطْعَمْ. أخرجَهُ مسلمٌ). فيهِ دليل على أنهُ يجبُ على مَنْ كانَ صَائِمًا أنْ لا يعتذِرَ بالصومِ. ثمَّ إنهُ قدِ اختُلِفَ في المرادِ منَ الصلاةِ، فقالَ الجمهورُ: المرادُ فليدعُ لأهلِ الطعامِ بالمغفرةِ والبركةِ، وقيلَ المرادُ\n_________\n= وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٥٩ رقم ١٢٧٥٤)، والبزار (٢/ ٧٥ - كشف) من حديث ابن عباس.\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٥٣) وقال: فيه سعيد بن سويد المعولي ولم أجد من ترجمه، وفيه عمران وثقه أحمد وجماعة، وضعفه النسائي وغيره ولحديث ابن عباس شاهد، انظر: \"الصحيحة\" رقم (١٠٨٥).\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٤٣١).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٤٣٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٤٠)، وابن ماجه رقم (١٧٥١).","vol":"6","page":126},{"text":"بالصلاةِ المعروفةُ، أي يشتغلُ بالصلاةِ ليحصِّلَ له فضلَها وينالَ بركتَها أهلُ الطعامِ والحاضرونَ. وظاهرُه أنهُ لا يلزمُه الإفطارُ [فيجيبُ] (^١) فإنْ كانَ صومُه فرضًا فلا خلافَ أنهُ يحرمُ عليهِ الإفطارُ، وإنْ كانَ نفلًا جازَ لهُ. وظاهرُ قولِه فليطعَمْ وجوبُ الأكلِ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في ذلكَ، والأصح عندَ الشافعيةِ أنهُ لا يجبُ الأكلُ في طعامِ الوليمةِ ولا غيرِها، وقيلَ يجبُ لظاهرِ الأمرِ، وأقله لقمةٌ ولا تجبُ الزيادةُ، وقالَ منْ لم يوجبِ الأكلَ: الأمرُ للندبِ، والقرينةُ الصارفةُ إليهِ قولُه: (ولهُ) أي لمسلمٍ (منْ حديثِ جابرٍ - ﵁ - نحوَه وقالَ: إنْ شاءَ طَعِمَ وإنْ شاءَ تَرَكَ)، فإنهُ خيَّره والتخييرُ دليلٌ على عدمِ الوجوبِ للأكلِ، ولذلكَ أوردَه المصنفُ - ﵀ -، عقيبَ حديثِ أبي هريرةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>أيام الوليمة</span>\n٥/ ٩٨٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْم حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سَمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (^٢)، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. [ضعيف]\n- ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (^٣). [ضعيف]\n(وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: طعامُ [الوليمة] (^٤) أولَ يومٍ حقٌّ) أي واجبٌ أوْ مندوبٌ (وطعامُ يومِ الثاني سنةٌ، وطعامُ يومِ الثالثِ سَمْعةٌ. رواهُ الترمذي واستغربَهُ) وقالَ: لا نعرفُه إلَّا منْ حديثِ زيادِ بن عبدِ اللَّهِ البكائي وهوَ كثيرُ الغرائبِ والمناكير، قالَ المصنفُ كالرادِ على الترمذي ما لفظُه: (ورجالُه\n_________\n(^١) في (ب): \"ليجيب\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٠٩٧). وهو حديث ضعيف.\nقال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد اللهِ.\nوزياد بن عبد اللهِ كثير الغرائب والمناكير.\nقال: وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عُقبة قال: قال وكيعٌ: زياد بن عبد اللهِ، مع شرفه يكذب في الحديث\" اهـ.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٩١٥). وهو حديث ضعيف.\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"6","page":127},{"text":"رجالُ الصحيحِ) إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ (^١): إنَّ زيادًا مُخْتَلَفٌ فيهِ وشيخُه عطاءُ بنُ السائبِ (^٢) اختلطَ وسماعُه منهُ بعدَ اختلاطِه، انتَهى.\nقلتُ: وحينئذٍ فلا يصحُّ قولُه إنَّ رجالَه رجالُ الصحيحِ، ثمَّ قالَ: (ولهُ شاهدٌ عنْ أنسٍ عندَ ابن [ماجهْ]) (^٣) وفي إسناده عبدُ الملكِ بنُ حسينِ (^٤) وهوَ ضعيفٌ وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ مقالٍ، والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الضيافةِ في الوليمةِ يومينِ ففي أولِ يومٍ واجبةٌ كما يفيدُه لفظُ \"حق\" لأنهُ الثابتُ اللازمُ وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، وفي اليومِ الثاني سنةٌ أي طريقةٌ مستمرةٌ يعتادُ الناسُ فعلَها لا يدخلُ صاحبُها الرياءَ والتسميعَ، وفي اليومِ الثالثِ رياءٌ وسمعةٌ فيكونُ فعلُها حرامًا والإجابةُ إليها كذلكَ وعليهِ أكثرُ العلماءِ. قالَ النوويُّ (^٥): إذا أوْلَمَ ثلاثًا فالإجابةُ في اليومِ الثالثِ مكروهةٌ، وفي اليومِ الثاني لا تجبُ مطلقًا ولا يكونُ استحبابُها فيهِ كاستحبابِها في اليوم الأولِ. وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّها لا تُكْرَهُ في الثالثِ لغيرِ المدعوِّ في اليومِ الأولِ والثاني؛ لأنهُ إذا كانَ المدعوِّ كثيرينَ وهو يشق جَمْعُهم في يومٍ واحدٍ فَدَعَا في كلِّ يومٍ فريقًا لم يكنْ في ذلكَ رياءٌ ولا سمعةٌ وهذَا [أقرب] (^٦). وجنحَ البخاريُّ (^٧) إلى أنهُ لا بأسَ بالضيافةِ ولوْ إلى سبعةِ أيامٍ حيثُ قالَ: بابُ حقِّ إجابةِ الوليمةِ والدعوةِ ومَنْ أَوْلَمَ سبعةَ أيامٍ ونحوَه. ولم يوقِّتِ النبيُّ - ﷺ - يومًا ولا يومينِ، وأشارَ بذلكَ إلى ما أخْرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٨) مِنْ طريقِ\n_________\n(^١) قال المصنف في \"التقريب\" (١/ ٢٦٨ رقم ١١٨): \"زياد بن عبد اللهِ بن الطَفيْل العامري، البَكَائي، أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، من الثامنة، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، مات سنة ثلاث وثمانين\" اهـ.\n(^٢) عطاء بن السائب، أبو محمد، ويقال: أبو السائب، الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين\" اهـ. قاله ابن حجر في \"التقريب\" (٢/ ٢٢ رقم ١٩١).\n(^٣) في (أ): \"مالك\".\n(^٤) ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود، وقال عمرو بن علي ضعيف منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه … \"تهذيب التهذيب\" (١٢/ ٢٤٠ رقم ١٠٠٦).\n(^٥) في شرحه لصحيح مسلم (٩/ ٢٣٤).\n(^٦) في (ب): \"قريب\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (٩/ ٢٤٠ باب رقم ٧١).\n(^٨) في \"المصنف\" (٤/ ٣١٣ - ٣١٤) عن حفصة.","vol":"6","page":128},{"text":"حفصة بنتِ سيرينَ قالتْ: لما تزوَّجَ أبي دعا الصحابةَ سبعةَ أيامٍ، وفي روايةٍ ثمانيةَ أيامٍ، وإليها أشارَ البخاريُّ (^١) بقولِه أوْ نحوِه. وفي قولِه: \"ولم يوقتْ\" ما يدلُّ على عدمِ صحةِ حديثِ البابِ عندَه. قالَ القاضي عياضٌ: استحبَّ أصحابُنا لأهلِ السعةِ كونها أسبوعًا، فأخذتِ المالكيةُ بما دلَّ عليهِ كلامُ البخاريّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1018>الوليمة بما تيسر من الطعام</span>\n٦/ ٩٨٤ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعْضِ نِسِائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1019>ترجمة صفية بنت شيبة</span>\n(وعن صفيةَ بنتِ شيبةَ) (^٣) أي ابن عثمانَ بن أبي طلحةَ الحجيِّ منْ بني عبدِ الدارِ، قيلَ: إنَّها رأتِ النبيَّ - ﷺ -، وقيلَ: إنَّها لم ترهُ، وجزمَ ابنُ سعدٍ أنها تابعيةٌ (قالتْ: أولَمَ النبيُّ - ﷺ - على بعضِ نسائِه بِمُدَّيْنِ منْ شعيرٍ. أخرجَهُ البخاريُّ) قالَ المصنفُ (^٤): لم أقفْ على تعيينِ اسمِها، يعني بعضِ نسائِه المذكورةَ هنا، قالَ: وفي البابِ أحاديثُ تدلّ على أنَّها أمُّ سلمةَ، وقيلَ إنَّها وليمةُ عليٍّ بفاطمةَ - ﵄ -، وأرادَ ببعضِ نسائِهِ مَنْ تَنْتَسِبُ إليهِ منَ النساءِ في الجملةِ وإنْ كانَ خلافُ المتبادرِ له، إلَّا أنهُ يدلُّ لهُ ما أخرَجُه الطبراني (^٥) منْ حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ قالتْ: لقدْ أوْلَمَ علي بفاطمةَ فما كانتْ وليمةٌ في ذلكَ الزمانَ أفضلَ منْ وليمتِهِ رَهَنَ درعَه عندَ يهوديٍّ بشطرِ شعيرٍ، ولعلَّ المرادُ بمدَّينِ منْ شعيرٍ؛ لأنَّ المدينِ نصفُ صاعٍ فكأنَّه قالَ شطرُ صاعٍ فينطبقُ على القصةِ التي في البابِ، [وتكونُ] (^٦) نسبةُ الوليمةِ إلى\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩/ ٢٤٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥١٧٢).\n(^٣) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٤١٠)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٠٦٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٤٥٤)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٤٦٩).\n(^٤) في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٣٩).\n(^٥) في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٥٠) وقال الهيثمي: وفيه عون بن محمد بن الحنفية ولم أجد من ترجمه.\n(^٦) في (ب): \"يكون\".","vol":"6","page":129},{"text":"رسولِ اللَّهِ - ﷺ - مجازيةً إما لكونِه الذي وفَّى اليهوديَّ شعيره، أو لغيرِ ذلكَ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تكلُّفٌ ولا مانعَ أنْ يولمَ - ﷺ - بمدينِ ويولمَ عليٌّ - ﵁ - بمدينِ، والمذكورُ في البابِ وليمتُه - ﷺ -.\n٧/ ٩٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَليمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبُز وَلا لَحْم، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمرُ والأَقِطُ والسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قَالَ: أَقَامَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بينَ خيبرَ والمدينةِ ثلاثَ ليالٍ يُبْنَى) مغيَّرُ الصيغةِ (عليهِ بصفيةَ) أي يبنَى عليهِ خباءٌ جديدٌ بسببِ صفيةَ أو بمصاحَبَتِها (فدعوت المسلمين إلى وليمتهِ فما كانَ فيها منْ خبزٍ ولا لحمٍ وما كانَ فيها إلَّا أنْ أمرَ بالأنطاعِ فَبُسِطَتْ فَألقِيَ عليها التمرُ والأقِطُ)، وفي \"القاموس\" (^٢): الأقطُ ككتفٍ وإبلٍ شيءٌ يُتَّخَذُ منَ المخيضِ الغنميِّ (والسمن) ومجموعُ هذه الأشياءِ يسمَّى حَيْسًا (متفقٌ عليهِ. واللفظُ للبخاريِّ)، فيهِ إجزاءُ الوليمةِ بغيرِ ذبحِ شاةٍ والبناءُ بالمرأةِ في السفرِ وإيثارُ الجديدةِ بثلاثةِ أيامٍ وإنْ كانُوا في السفرِ.\n٨/ ٩٨٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -: \"إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُما بَابًا، فَإنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (^٣)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (^٤). [ضعيف]\n(وعنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ - ﷺ - قال: إذا اجتمعَ داعيانِ فأجبْ أقربَهما بابًا) زادَ في \"التلخيص\" (^٥): فإنَّ أقربَهُما إليكَ بابًا أقربهُما إليكَ جِوارًا، (فإن سبقَ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٥٨٥)، ومسلم رقم (١٣٦٥).\n(^٢) (ص ٨٥٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٧٥٦).\n(^٤) في سنده أبو خالد الدالاني، يزيد بن عبد الرحمن؛ قال ابن حبان: فاحش الوهم، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: في حديثه لين، إلا أنه يكتب حديثه. \"ميزان الاعتدال\": (٤/ ٤٣٢).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" رقم (١٩٥١).\n(^٥) (٣/ ١٩٦ رقم ١٥٦١).","vol":"6","page":130},{"text":"أحدُهما فأجبِ الذي سبقَ. رواهُ أبو داودَ وسندُه ضعيفٌ) لكنَّ رجالَ سنده موثقونَ ولا يُدْرَى ما وجهُ ضعفِ سندِه؛ فإنهُ رواهُ أبو داودَ عن هنادِ بن السريِّ عنْ عبدِ السلامِ بن حرب عن أبي خالدٍ الدالانيِّ عنْ أبي العلاءِ الأوْدي عنْ حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ الحميريِّ عنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، وكلُّ هؤلاءِ وثَّقَهُمُ الأئمةُ إلَّا أبا خالدٍ الدالاني فإنَّهم اختلفُوا فيهِ فوثَّقَهُ أبو حاتمٍ، وقالَ أحمدُ وابنُ معينِ: لا بأسَ بهِ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ: لا يجوزُ الاحتجاجُ بهِ، وقالَ ابنُ عديٍّ، حديثُه ليِّنٌ، وقالَ شريكٌ: كانَ مرجِئًا. والحديثُ على سياقِ المصنفِ ظاهرُه الوقفُ، وفيهِ دليل على أنهُ إذا اجتمعَ داعيانِ فالأحقُّ بالإجابةِ الأسبقُ، فإنْ استويا قُدِّمَ الجارُ، والجارُ على مراتبَ، فأحقُّهم أقربُهم بابًا، فإنِ استويا أقْرَعَ بينَهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1020>الآكل متكئًا</span>\n٩/ ٩٨٧ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا آكُلُ مُتكِئًا\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي جحيفةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا آكلُ متكئًا. رواهُ البخاريُّ) الاتكاءُ مأخوذٌ منَ الوكاءِ، والتاءُ بدلٌ عن الواوِ، والوكاءُ هوَ ما يُشَدُّ بهِ الكيسُ أوْ غيرُه فكأنهُ أوكأَ مقعدتَه ويشدَّها بالقعودِ على الوطاءِ الذي تحتَه، ومعناهُ الاستواءُ على وطاء متمكنًا. قالَ الخطابيُّ (^٢): المتكئُ هنا هوَ المتمكنُ في جلوسِه منَ التربُّعِ وشبهِه المعتمدُ على الوطاءِ تحتَه، قالَ: ومنِ استوى قاعدًا على وطاءِ فهو متكئٌ والعامة لا\nتعرفُ المتكئَ إلا مَنْ مالَ على أحدِ شِقَّيْهِ. ومعنَى الحديثِ: إذا أكلتُ لا أقعدُ متكئًا كفعلِ مَنْ يريدُ الاستكثارَ منَ الأكلِ ولكنْ آكلُ بُلغةً فيكونُ قعودي مستوفزًا، ومَنْ حملَ الاتكاءَ على الميلِ على أحدِ الشقينِ تأولَ ذلكَ على مذهبِ أهلِ الطبِ بأنَّ ذلكَ فيه [ضررٌ] (^٣) فإنهُ لا ينحدرُ في مجاري الطعامِ سهلًا ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى بهِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩/ ٥٤٠ رقم ٥٣٩٨ - ٥٣٩٩).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٢٦٢)، والترمذي رقم (١٨٣٠)، وأبو داود رقم (٣٧٦٩).\n(^٢) في \"معالم السنن\" حاشية أبي داود (٤/ ١٤١).\n(^٣) في (أ): \"ضررًا\".","vol":"6","page":131},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1021>حكم التسمية على الطعام</span>\n١٠/ ٩٨٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يا غُلامُ، سَمِّ الله وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١) [صحيح]\n(وعنْ عمرَ بن أبي سلمةَ قالَ: قالَ [لي] (^٢) رسولُ الله - ﷺ -: يا غلامُ سمِّ الله وكلْ بيمينكَ وكلْ مما يليكَ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ التسميةِ للأمرِ بها، وقيلَ إنها مستحبةٌ في الأكلِ ويقاسُ عليهِ الشربُ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ أن يجهرَ بالتسميةِ لِيُسْمِعَ غيرَهُ ويُنَبِّهَهُ عَلَيْها؛ فإنْ تركَهَا لأي سبب منْ نسيانٍ أو غيرِه في أولِ الطعامِ فليقلْ في أثنائِه بسم اللهِ أولَه وأخرَه حديث أبي داودَ (^٣) والترمذيِّ (^٤) وغيرِهما، قالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، أنهُ - ﷺ - قالَ: \"إذا أكلَ أحدُكم فليذكرِ اسمَ اللَّهِ فإنْ نسي أنْ يذكرَ الله في أولهِ فليقلْ بِسْمِ اللهِ أولَهُ وآخرَه\". وينبغي أنْ يسميَ كلُّ [واحد] (^٥) منَ الآكلينَ فإنْ سمَّى واحدٌ فقطٌ فقدْ حصلَ بتسميتِه السنةُ، قالَهُ الشافعيُّ. ويستدلُّ لهُ بأنهُ - ﷺ - أخبرَ أن الشيطانَ يستحلُّ الطعامَ الذي لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليهِ فإنْ ذكَرَهُ واحدٌ منَ الآكلينَ صدقَ عليهِ أنهُ ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ. وفي الحديثِ دليلٌ على وجوبِ الأكلِ باليمينِ للأمرِ بهِ أيضًا، ويزيدُه تأكيدًا أنهُ - ﷺ - أخبرَ أن الشيطانَ يأكلُ بشمالِه ويشربُ بشمالِه (^٦)، وفعلُ الشيطانِ يحرمُ على الإنسانِ. ويزيدُه تأكيدًا أن رجلًا أكلَ عندَه - ﷺ - بشمالِه فقالَ:\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٣٧٦)، ومسلم رقم (٢٠٢٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٧٧)، والترمذي رقم (١٨٥٧)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٣٤ رقم ٣٢).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٧٦٧).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٨٥٨) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن ماجه رقم (٣٢٦٤) وهو حديث صحيح.\nانظر: \"الإرواء\" (٧/ ٢٤ رقم ١٩٦٥).\n(^٥) في (ب): \"أحد\".\n(^٦) يشير المؤلف: ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم رقم (١٠٥/ ٢٠٢٠)، وأبو داود رقم (٣٧٧٦)، والترمذي رقم (١٨٠٠)، ومالك (٢/ ٩٢٢ رقم ٦) عن ابن عمر، أن رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: \"إذا أكل أحدُكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرَبْ بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، وبشرب بشمالِهِ\".","vol":"6","page":132},{"text":"\"كلْ بيمينكَ\"، فقالَ: لا أستطيعُ، قالَ: \"لا استطعتَ\" ما منعَه إلا الكبرُ فما رفعَها إلى فيهِ، أخرجَهُ مسلمٌ (^١)، ولا يدعُو - ﷺ - إلا على مَنْ تَركَ الواجبَ، وأما كونُ الدعاءِ لتكبُّرِه فهوَ محتملٌ أيضًا. ولا ينافي أن الدعاءَ عليهِ للأمرينِ معًا.\nوفي قولِه: \"وكلْ مما يليكَ\"، دليلٌ أنهُ يجبُ الأكلُ مما يليهِ وأنهُ ينبغي حسنُ العشرةِ للجليس وأنْ لا يحصلَ منَ الإنسانِ ما يسوءُ جليسَه مما فيهِ سوءُ عُشْرةٍ وتركُ مروءةٍ، فقدْ يتقذَّرُ جليسُه ذلكَ لا سيَّما في الثريد والأمراقِ ونحوِها، إلَّا في مثلِ الفاكهةِ فإنهُ قدْ أخرجَ الترمذيُّ (^٢) وغيرُه منْ حديثِ عكراشِ بن ذؤيبٍ قالَ: أُتِيْنا بجفنةٍ كثيرةِ الثريدِ والوَذَرِ - وهوَ بفتحِ الواوِ وفتحِ الذالِ المعجمةِ فراءِ جَمْعُ وذرةِ قطعةٌ منَ اللحمِ لا عظمَ فيها - فخبطتُ بيدي في نواحيها وأكلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - منْ بين يديْه فقبضَ بيدِه اليسرى على يدي اليمنَى ثمَّ قالَ: \"يا عكراشُ كلْ منْ موضعٍ واحدٍ فإنهُ طعامٌ واحدٌ\"، ثم أُتِيْنَا بطبقٍ فيهِ ألوانُ التمرِ فجعلتُ آكلُ منْ بين يدي وجالتْ يدُ رسولِ اللهِ - ﷺ - في الطبقِ فقالَ: \"يا عكراشُ كلْ منْ حيثُ شئتَ فإنهُ غيرُ لونٍ واحدٍ\"، فهذَا يدلُّ على التفرقةِ بينَ الأطعمةِ والفواكِهِ. بلْ يدلُّ على أنهُ إذا تعددَ لونُ المأكولِ منْ طعامِ أم غيرِه فلهُ أنْ يأكلَ من أيّ جانبٍ. وكذلكَ إذا لم يبقَ تحتَ يدِ الآكلِ شيءٌ فلهُ أنْ [يتتبع] (^٣) ذلكَ ولوْ منْ سائرِ الجوانبِ. فقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٤) ومسلمٌ (^٥) منْ حدِيثِ أنسٍ أن خياطًا دعا النبيَّ - ﷺ - لطعامٍ صنَعهُ قالَ: فذهبتُ معَ النبيِّ - ﷺ - فقرَّبَ خبزَ شعيرٍ ومرقًا فيهِ دباءٌ وقديدٌ فرأيتُ النبيَّ - ﷺ - يتتبعُ الدباءَ منْ حوالي القصعةِ أي جوانِبَها فلمْ أزلْ أتتبعُ الدباءَ منْ يومئذٍ. وفي الحديثِ قال أنسٌ: فلمَّا رأيتُ ذلكَ جعلتُ ألقيهِ إليهِ ولا أطعمهُ، وهوَ دليلٌ على تطلبهِ له منْ جميعِ القصعةِ لمحبتِه لهُ.\nوهذا مما نُهِيَ عنهُ الأكلُ منْ وسطِ القصعةِ كما يدلُّ لهُ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٠٧/ ٢٠٢١) من حديث إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٨٤٨) قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث العلاء بن الفضل، وقد تفرد العلاء بهذا الحديث، ولا نعرف لعِكراش عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث. وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في (ب): \"يتبع\".\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٩٨٦ - البغا).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٢٠٤١).","vol":"6","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1022>النهي عن الأكل من وسط القصعة</span>\n١١/ ٩٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أن النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: \"كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا\"، رَوَاهُ الأرْبَعَةُ (^١)، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - أُتِيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فقالَ: كُلُوا منْ جوانِبها ولا تأكلُوا منْ وسَطِهَا فإنَّ البركةَ تنزلُ في وسطِها، رواهُ الأربعةُ وهذا لفظُ النسائي وسندُه صحيحٌ). دلَّ على النَّهْي عن الأكْلِ منْ وسطِ القصعةِ وعلَّلَهُ بأنها تنزلُ البركةُ في وسطِها، وكأنهُ إذا أكلَ منهُ لم تنزِل البركةُ على الطعامِ، والنهيُ يقتضي التحريمَ وسواءً كانَ الآكلُ وحدَه أو معَ جماعةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>ما عاب النبي - ﷺ - طعامًا قط</span>\n١٢/ ٩٩٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: ما عابَ رسولُ اللهِ - ﷺ - طعامًا قطُّ، كانَ إذا اشتَهى\n_________\n(^١) أبو داود رقم (٣٧٧٢)، والترمذي رقم (١٨٠٥)، وابن ماجه رقم (٣٢٧٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٢٧٠، ٣٤٥، ٣٦٤)، والدارمي (٢/ ١٠٠)، وابن الجعد (٨٦٠)، والحاكم (٤/ ١١٦)، والبيهقي في \"الآداب\" رقم (٦٣٢) وفي \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٧٨)، والبغوي رقم (٢٨٧٢)، وابن حبان رقم (١٣٤٦ - موارد).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إنما يعرف من حديث عطاء بن السائب وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nوقد أشار المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٦٣) إلى إعلاله بعطاء هذا؛ لأنه كان قد اختلط، ولكن عند أبي داود من رواية شعبة عن عطاء، وقد سمع منه قبل الاختلاط.\nوكذلك رواه أحمد عن شعبة، وعن سفيان أيضًا. وقد سمع منه قبل الاختلاط.\n• وله شاهد من حديث عبد اللهِ بن بسر أخرجه ابن ماجه رقم (٣٢٧٥)، وأبو داود رقم (٣٧٧٣)، والبيهقي (٧/ ٢٨٣) وغيرهم وهو حديث صحيح.\n(^٢) البخاري رقم (٥٤٠٩)، ومسلم رقم (٢٠٦٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٦٣)، والترمذي رقم (٢٠٣١).","vol":"6","page":134},{"text":"شيئًا أكلَه وإن كَرِهَة تركَه. متفقٌ عليه)، فيه إخبارٌ بعدمِ عيبِه - ﷺ - للطعامِ وذمِّه لهُ فلا يقولُ هوَ مالحٌ أو حامضٌ أو نحوَ ذلكَ. وحاصلُه أنهُ دلَّ على عدم عنايتِه - ﷺ - بالأكلِ بلْ ما اشتهاهُ أكلَه وما لم يشتَهِهِ تركَه، وليسَ في تركِهِ ذلكَ دليل علَى أنهُ يحرمُ عيبُ الطعامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1024>النهي عن الأكل بالشمال</span>\n١٣/ ٩٩١ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَأكُلُوا بِالشِّمَالِ، فإنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِالشِّمَالِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: لا تأكلُوا بالشمالِ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بالشمالِ، رواهُ مسلمٌ). تقدَّم أنهُ منْ أدلةِ تحريمِ الأكلِ بالشمالِ وإنْ ذهبَ الجماهيرُ إلى كراهتِه لا غيرُ. وقدْ وردَ في الشربِ كذلكَ أيضًا، وهوَ دليل على أن الشيطان يأكلُ أكلًا حقيقيًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>آداب الشرب</span>\n١٤/ ٩٩٢ - وَعَنْ أبي قَتَادَةَ - ﵁ - أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي قتادةَ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: إذا شربَ أحدُّكم فلا يتنفسْ في الإناءِ. متفقٌ عليهِ). وقد أخرجَ الشيخانَ (^٣) منْ حديثِ أنسٍ - ﵁ - أنهُ - ﷺ - كانَ يتنفسُ في الشرابِ ثلاثًا، أي في أثناءِ الشرابِ لا أنهُ في إناءِ الشرابِ. ووردَ تعليلُ ذلكَ في روايةِ مسلمٍ (^٤) أنهُ أرْوَى، أي أقمعُ للعطشِ، وأبرأُ، أي أكثرُ بُرًا لما فِيهِ منَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢٠١٩).\n(^٢) البخاري رقم (٥٦٣٠)، ومسلم رقم (١٢١/ ٢٦٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٨٨٩)، والنسائي (١/ ٤٣ - ٤٤).\n(^٣) البخاري رقم (٥٦٣١)، ومسلم رقم (١٢٢/ ٢٠٢٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٨٨٤)، وأبو داود رقم (٣٧٢٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٢٣/ ٢٠٢٨).","vol":"6","page":135},{"text":"الهضْمِ ومنْ سلامتِهِ من التأثيرِ في بردِ المِعدَةِ، وأَمرأُ أي أكثرُ مراءةً لما فيهِ منَ السهولة، وقيلَ العلةُ خشيةَ تقذيرِه [على غيرهِ] (^١)؛ لأنهُ قدْ يخرجُ شيءٌ منَ الفمِ فيتصلُ بالماءِ فيقذِّرُه على غيرِهِ.\n١٥/ ٩٩٣ - وَلأبِي دَاوُدَ (^٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحْوَهُ، وَزَادَ: \"وَينْفُخْ فِيهِ\"، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣). [صحيح]\n(ولأبي داودَ نحوَه عن ابن عباسٍ) أي مرفُوعًا (وزاد) على ما ذكرَ (وينفخُ فيهِ. وصحَّحه الترمذيُّ)، فيهِ دلالةٌ على تحريمِ النفخِ في الإناءِ. وأخرجَ الترمذيُّ (^٤) منْ حديثِ أبي سعيدٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - نَهَى عن النفخِ في الشرابِ فقالَ رجلُ: القَذَاةُ في [الشرابِ] (^٥) فقالَ: \"أهْرقْها\"، قالَ: فإني لا أرْوَى منْ نَفَسٍ واحدٍ، قالَ: \"فأبِنِ القدحَ عنْ فيكَ ثمَّ تنفسْ\". وفي الشربِ ثلاثَ مراتٍ منْ حديثِ ابن عباسٍ (^٦) - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا تشربُوا واحدًا - أي شُرْبًا واحدًا - كشربِ البعيرِ ولكنِ اشربُوا مثنَى وثُلاثَ، وسمُّوا إذا أنتُم شربتُم واحمدُوا إذا أنتُم رفعْتُم\"، وأفادَ أن المرتينِ سنةٌ [أيضًا] (^٧). نعمْ، وقدْ وردَ النَّهيُ عن الشربِ منْ فمِ السِّقاءِ فأخرجَ الشيخانِ (^٨) منْ حديثِ ابن عباسٍ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عن الشربِ منْ فيِّ السقاءِ. وأخرجَا (^٩) منْ حديثِ أبي سعيدٍ قالَ: \"نَهَى\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٧٢٨).\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٣٠٠ رقم ١٨٨٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٢٢٠، ٣٠٩، ٣٥٧)، وابن ماجه رقم (٣٤٢٩) وهو حديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" رقم (١٩٧٧).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٨٨٧) وقال: حديث حسن صحيح وهو كما قال.\nقلت: وأخرجه أحمد في \"الفتح الرباني\" (١٧/ ١١٣ رقم ٣٥).\n(^٥) في (ب): \"الإناء\".\n(^٦) أخرجه الترمذي رقم (١٨٨٥) وقال: هذا حديث غريب، ويزيد بن سنان الجزري هو أبو فروهَ الرهاويُّ. وهو حديث ضعيف.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) البخاري رقم (٥٦٢٩).\n(^٩) البخاري رقم (٥٦٢٥)، ومسلم رقم (١١١/ ٢٠٢٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٢٠)، والترمذي رقم (١٨٩٠)، وابن ماجه رقم (٣٤١٨).","vol":"6","page":136},{"text":"رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن اختناثِ الأسقية\". زادَ في روايةٍ (^١): واختناثُها أنْ يقلبَ رأسَها ثمَّ يشربَ منهُ. وقدْ عارضَه حديثُ كبشةَ قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فشربَ منْ فيِّ قربةٍ مُعَلَّقةٍ قائمًا فقمتُ إلى فيها فقطعْتُهُ، أي أخذْتُه شفاءً نتبركُ بهِ ونستشفي بهِ. أخرجَهُ الترمذيُّ (^٢) وقالَ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وأخرجَه ابنُ ماجَهْ (^٣). وجُمِعَ بَيْنهما بأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ في السقاءِ الكبيرِ والقربةُ هي الصغيرةُ، أوْ أن النهيَ للتنزيهِ لئلَّا يتخذَّه الناسُ عادةً دونَ الندرةِ، وعلةُ النهي أنَّها قدْ تكونُ فيهِ دابةٌ فتخرجُ إلى فيِّ الشاربِ فيبتلعُها معَ الماءِ كما روي أنهُ شربَ رجلٌ منْ فيِّ السقاءِ فخرجتْ منهُ حيةٌ. وكذلكَ ثبتَ النَّهْيُ عن الشربِ قائِمًا، فأخرجَ مسلمٌ (^٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يشربنَّ أحدُكمَ قائمًا فمنْ نَسِيَ فلْيستقئْ\" أي يتقيأْ، وفي روايةٍ (^٥) عنْ أنسٍ: زَجَرَ عن الشربِ قائمًا، قالَ قتادةُ: قلنا: \"فالأكلُ قالَ: أشدُّ وأخبثُ\".\nولكنه عارضَه ما أخرجَه مسلمٌ (^٦) منْ حديثِ ابن عبسٍ قالَ: سقيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - منْ زمزَم فشربَ وهوَ قائمٌ. وفي لفظٍ (^٧): أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - شربَ منْ زمزمَ وهوَ قائمٌ، وفي \"صحيح البخاريِّ\" (^٨) أن عليًا - ﵁ - شربَ قائمًا وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فعلَ كما رأيتموني، وجُمِعَ بينَهما بأنَّ النهيَ للتنزيهِ فَعَلَهُ - ﷺ - بيانًا لجوازِ ذلكَ فهوَ واجبٌ في حقِّه - ﷺ - التشريعِ وقدْ وقعَ منهُ - ﷺ - مثلُ هذا في صورٍ كثيرةٍ. وأما التقيؤُ لمنْ شربَ قائمًا فإنهُ يستحبُّ للحديثِ الصحيحِ الواردِ بذلكَ، وظاهرُ حديثِ التقيؤ أنهُ يُسْتَحَبُّ مطلقًا لعامدٍ وناسٍ ونحوِهما.\nوقالَ القاضي عياضُ: إنهُ مَنْ شربَ ناسيًا فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنهُ ليسَ عليهِ أنْ يتقيأَ. نعم، ومنْ آدابِ الشربِ أنهُ إذا كانَ عندَ الشاربِ جلساءُ وأرادَ أنْ\n_________\n(^١) لمسلم في \"صحيحه\" رقم (٠٠/ ٢٠٢٣).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٨٩٢) وقال: حديث حسن صحيح غريب.\nوأخرجه في \"الشمائل\" رقم (٢١٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٤٢٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١١٦/ ٢٠٢٦).\n(^٥) في \"صحيح مسلم\" رقم (١١٢/ ٢٠٢٤).\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (١١٧/ ٢٠٢٧).\n(^٧) لمسلم في \"صحيحه\" رقم (١١٨/ ٢٠٢٧).\n(^٨) رقم (٥٦١٦).","vol":"6","page":137},{"text":"يعممَ الجلساءَ بهِ أنْ يبدأ بِمَنْ عنْ يميِنه كما أخرجَ الشيخانِ (^١) منْ حديثِ أنسٍ أنهُ أُعْطِيَ - ﷺ - القدحَ فشربَ وعلى يسارِه أبو بكرٍ وعنْ يمينِه أعرابيٌّ فقالَ عمرُ: أعطِ أبا بكرٍ يا رسولَ اللَّهِ، فأعطَى الأعرابيَّ الذي عنْ يمينِه ثمَّ قالَ: \"الأيمنُ فالأيمنُ\".\nوأخرجَا (^٢) منْ حديثِ سهلِ بن سعدٍ قالَ: أُتِيَ النبي - ﷺ - بقدحٍ فشربَ منهُ وعنْ يمينِه غلامٌ أصغرُ القومِ هو عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ والأشياخُ عنْ يسارِه فقالَ: \"يا غلامُ أتأذنُ أنْ أعطيهُ الأشياخَ\"؟ فقالَ: ما كنتُ لأوثرَ بفضلٍ منكَ أحدًا يا رسولَ اللَّهِ، فأعطاهُ إياهُ.\nومِنْ مكروهاتِ الشربِ أنْ لا تشربَ منْ ثُلمةِ القدحِ، لما أخرجَه أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: نَهَى رَسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الشربِ منْ ثلْمَةِ القدحِ.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٦١٩)، ومسلم رقم (١٢٤/ ٢٠٢٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٢٦)، والترمذي رقم (١٨٩٣)، وابن ماجه رقم (٣٤٢٥)، ومالك (٢/ ٩٢٦ رقم ١٧).\n(^٢) البخاري رقم (٥٦٢٠)، ومسلم رقم (١٢٧/ ٢٠٣٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٧٢٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1026>[الباب السادس] باب القسم بين الزوجات</span>\n١/ ٩٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣)، وَلكِنْ رَجّحَ الترْمِذِيُّ إِرْسَالَهُ. [ضعيف]\n_________\n(^١) أبو داود رقم (٢١٣٤)، والنسائي (٧/ ٦٤)، والترمذي رقم (١١٤٠)، وابن ماجه رقم (١٩٧١).\n(^٢) في \"الموارد\" رقم (١٣٠٥).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٧). وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي لكن المحققين من الأئمة قد أعلُّوه:\nفقال النسائي عقبه: \"أرسله حماد بن زيد\" اهـ.\nوقال الترمذي: \"هكذا رواه غير واحدٍ عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد اللهِ بن يزيد، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - كان يقسِمُ. ورواه حماد بن زيد وغير واحدٍ عن أيوب، عن أبي قلابة، مرسلًا، أن النبي - ﷺ - كان يقسم، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة\" اهـ.\nوأورده ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٢٥) من طريق حماد بن سلمة ثم قال: \"فسمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا\".\nوأورده ابن أبي حاتم بقوله: \"قلت: روى ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة. قال: كان رسول اللهِ - ﷺ - يقسم بين نسائه. الحديث مرسلًا\" اهـ.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٨٢): \"قلت: وصله ابن أبي شيبة، فقد اتفق حماد بن زيد وإسماعيل بن علية على إرساله. وكل منهما أحفظ وأضبط من حماد بن سلمة، فروايتهما =","vol":"6","page":139},{"text":"(عنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: كانَ رسول اللهِ - ﷺ - يقسم بينَ نسائِه فيعدل ويقول: اللهمَ هذا قَسْمي) بفتحِ القافِ (فيما أملك) وهوَ المبيتُ معَ كلِّ واحدةٍ في نَوْبَتِهَا (فلا تَلُمْني فيما تملكُ ولا أملكُ)، قالَ الترمذيُّ: يعني بهِ الحبَّ والمودةَ، (رواهُ الأربعة وصحَّحهُ ابن حبانَ والحاكمُ. ولكنْ رجَّحَ الترمذيُّ إرسالَه)، قالَ أبو زرعةَ (^١): لا أعلمُ أحدًا تابعَ حمادَ بنَ سلمةَ على وصْلِهِ، لكنْ صحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٢) منْ طريقِ حمادِ بن سلمةَ عنْ أيوبَ السختيانيِّ عنْ أبي قلابةَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن يزيدَ عنْ عائشةَ موصولًا. والذي رواهُ مرسلًا هوَ حمادُ بنُ يزيدَ عنْ أيوبَ عنْ أبي قلابةَ. قالَ الترمذيُّ (^٣): المرسلُ أصحُّ. قلت: بعدَ تصحيحِ ابن حبانَ للوصلِ فقدْ تعاضدَ الموصولُ والمرسلُ، دلَّ الحديثُ على أنهُ - ﷺ - كانَ يقسِمُ بينَ نسائِه، وتقدَّمتِ الإشارةُ إلى أنهُ هلْ كانَ واجبًا عليهِ أمْ لا؟ قيلَ: وكانَ القَسْمُ عليهِ - ﷺ - غيرَ واجبٍ لقولِه تعالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (^٤) الآيةُ، قالَ بعضُ المفسرينَ إنهُ أباحَ اللَّهُ لهُ [ترك] (^٥) التسويةَ والقسْمَ بينَ أزواجِه حتَّى إنهُ ليؤخِّرَ مَنْ [يشاء] (^٦) عنْ نوبتِها ويطأُ منْ يشاءُ في غيرِ نوْبَتِها وأنَّ ذلكَ منْ خصائِصِهِ - ﷺ - بناءَ على أن الضميرَ في منهنَّ للزوجاتِ، وإذا ثبتَ أنهُ لا يجبُ القسمُ عليهِ - ﷺ - فإنهُ كانَ يقسمُ بينَهنَّ منْ حسنِ عشْرَتَهِ وكمالِ حُسْنِ خُلُقِهِ وتأليفِ قلوبِ نِسائِهِ - ﷺ -.\nوالحديثُ يدلُّ على أن المحبةَ وميلَ القلبِ أمرٌ غيرُ مقدورٍ للعبدِ، بل هوَ من اللَّهِ تعالَى لا يملكُه العبدُ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٧) بعدَ قولِه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (^٨)، وبهِ فُسِّرَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (^٩).\n_________\n= أرجح عند المخالفة، لا سيما إذا اجتمعا عليها، لكن الشطر الأول منه له طريق أخرى عن عائشة بلفظ: \"كان رسول الله - ﷺ - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم … \"، الحديث رقم (٢٠٢٠) وإن إسناده حسن\".\nوهو حديث ضعيف، والله أعلم.\n(^١) في \"العلل\" (١/ ٤٢٥).\n(^٢) رقم (١٣٠٥ - الموارد).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٤٤٦).\n(^٤) سورة الأحزاب: الآية ٥١.\n(^٥) في (ب): \"أن يترك\".\n(^٦) في (ب): \"شاء منهنَّ\".\n(^٧) سورة الأنفال: الآية ٦٣.\n(^٨) سورة الأنفال: الآية ٦٣.\n(^٩) سورة الأنفال: الآية ٢٤.","vol":"6","page":140},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1027>تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين</span>\n٢/ ٩٩٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ عن النَّبيِّ - ﷺ - قالَ: منْ كانتْ لهُ امرأتانِ فمالَ إلى إحداهُما - دونَ الأُخْرى (^٣) - جاءَ يومَ القيامةِ وشِقهُ مائلٌ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وسندُه صحيحٌ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الزوجِ التَّسويةُ بينَ الزوجاتِ ويحرمُ عليهِ الميلُ إلى إحداهنَّ. وقدْ قالَ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (^٤)، والمرادُ الميلُ في القَسْمِ والإنفاقِ لا في المحبةِ لما عرفتَ منْ أنَّها مما لا يملكُه العبدُ.\nومفهومُ قولِه: \"كلَّ الميلِ\" جوازُ الميلِ اليسيرِ ولكنَّ إطلاقَ الحديثِ ينفي ذلكَ، ويحتملُ تقييدُ الحديثِ بمفهومِ الآيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1028>للزوج البكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة</span>\n٣/ ٩٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإذَا تَزَوّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: منَ السنةِ إذا تزوَجَ الرجلُ البكرَ على الثيِّبَ أقامَ عندَها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قَسَمَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). يريدُ منْ سنةِ النبيّ - ﷺ -، فلهُ حكمُ الرفعِ. ولِذَا قالَ أبو قلابةَ راوْيهِ عنْ أنسٍ: ولوْ شئتُ لقلتُ إنَّ أَنَسًا رفعَه إلى النبيِّ - ﷺ -، يريدُ فيكونُ راوْيهِ بالمعنَى، إذْ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٣٤٧، ٤٧١).\n(^٢) أبو داود: (٢١٣٢)، والنسائي (٧/ ٦٣)، والترمذي (١١٤١)، وابن ماجه (١٩٦٩).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٤٣)، وابن حبان (١٣٠٧ - موارد)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٦)، وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء الغليل\" (٧/ ٨٠ رقم ٢٠١٧).\n(^٣) أبو داود (٢١٣٣).\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٢٩.\n(^٥) البخاري رقم: (٥٢١٤)، ومسلم (١٤٦١).","vol":"6","page":141},{"text":"معنَى منَ السنةِ هوَ الرفعُ إلا أنهُ رأى المحافظةَ على قولِ أنسٍ أوْلَى، وذلكَ لأنَّ كونَه مرفوعًا إنما هوَ بطريقٍ اجتهاديٍّ محتَمَلٍ والرفعُ نصٌّ، وليسَ للراوي أنْ ينقلَ ما هوَ محتمَلٌ إلى ما هوَ نصٌّ غيرُ مُحْتَمَلٍ. كذَا قالَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (^١). وبالجملةِ إنَّهم لا يعنونَ بالسنةِ إلا سنةَ النبيّ - ﷺ -، وقدْ قالَ سالمٌ: وهلْ يعنونَ - يريدُ الصحابةَ - بذلكَ إلا سنةَ النبيِّ - ﷺ -، والحديثُ قد أخْرَجَهُ أئمةٌ منَ المحدِّثينَ عنْ أنسٍ مرفُوعًا منْ طُرُقٍ مختلفةِ عنْ أبي قلابةَ، والحديثُ دليلٌ على إيثارِ الجديدةِ لمنْ كانتْ عندَه زوجةٌ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٢): جمهورُ العلماءِ على أن ذلكَ حقٌّ للمرأةِ بسببِ الزفافِ سواءٌ كانتْ عندَه زوجةٌ أمْ لا واختارهُ النوويُّ (^٣)، لكنَّ الحديثَ دلَّ على أنهُ فيمنْ كانتْ عندَه زوجةٌ. وقدْ ذهبَ إلى التفرقةِ بينَ البكرِ والثِّيبِ بما ذكرَ الجمهورُ فظاهرُ الحديثِ أنهُ واجبٌ، وأنهُ حق للزوجةِ الجديدةِ وفي الكل خلافٌ لم يقمْ عليهِ دليل يقاومُ الأحاديثَ، والمرادُ بالإيثارِ في البقاءِ عندَها ما كان متعارَفًا حالَ الخطابِ، والظاهرُ أن الإيثارَ يكونُ بالمبيتِ والقيلولة لا استغراقَ ساعاتِ الليلِ والنهار عندَها كما قالَه جماعةٌ، حتَّى قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ إنهُ أفرطَ بعضُ الفقهاءِ حتَّى جعلَ مُقَامَهُ عندَها عُذْرًا في إسقاطِ الجمعةِ. وتجبُ الموالاةُ في السبعِ والثلاثِ، فلوْ فرَّقَ وجبَ الاستئنافُ ولا فَرْقَ بينَ الحرةِ والأمَةِ، فلو تزوَّجَ أُخْرَى في مدةِ السبعِ أو الثلاثِ، فالظاهرُ أنهُ يتمُّ ذلكَ لأنهُ قدْ صارَ مستَحَقًا لها.\n٤/ ٩٩٧ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - أن النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا تَزَوّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: \"إنهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانْ، إنْ شِئْتِ سَبعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبّعْتُ لِنِسَائي\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - لما تزوَّجَها أقَامَ عندَها ثلاثًا وقالَ: إنهُ ليسَ بكَ على أهْلِكِ) يريدُ نفسَه (هوانٌ، إنْ شئتِ سبَّعْتُ لكِ) أي أتممتُ عندكِ سبعًا (وإنْ سَبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنسائي. رواهُ مسلمٌ) وزاد في روايةٍ (^٥): \"إن شئتِ ثلثتُ ثم درتُ، قالت: ثلِّث\"، وفي رواية (^٦): \"دخلَ عليها فلمَّا أرادَ أنْ يخرجَ أخذتْ\n_________\n(^١) في \"إحكام الأحكام\" (٤/ ٤١).\n(^٢) في \"الاستذكار\" (١٦/ ١٤١).\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" رقم (١٠/ ٤٥).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٤٦٠).\n(^٥) في \"صحيح مسلم\" رقم (٤٢/ ١٤٦٠).\n(^٦) في \"صحيح مسلم\" رقم (٠٠٠/ ١٤٦٠).","vol":"6","page":142},{"text":"بثوبِه، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إنْ شئتِ زدتُ لكِ وحاسبْتُكِ للبكرِ سبعٌ وللثيبِ ثلاث.\nدلَّ ما تقدَّمَ على استحقاقِ البكرِ والثيبِ ما ذُكِرَ منَ العددِ، ودلَّتِ الأحاديثُ على أنهُ إذا تعدَّى الزوْجُ المدةَ المقدرةَ برضا المرأةِ سَقَطَ حَقها منَ الإيثارِ ووجبَ عليهِ القضاءُ لذلك، وأما إذا كانَ بغيرِ رِضَاها فحقها ثابتٌ وهوَ مفهومُ قولِه - ﷺ -: \"إن شئتِ\"، ومعنَى قولِه: \"ليسَ بك على أهلِكِ\" هوَ أنهُ لا يلحقَكَ منَّا هوانٌ ولا نضيعُ مما تستحقيْنَهُ شيئًا بل تأخذِيْنَهُ كاملًا. ثم أعْلَمَهَا بأن إليها الاختيارَ بينَ ثلاثٍ بلا قضاءٍ وبينَ سبعٍ ويقضي نساءَه، وفيهِ حسنُ ملاطفةِ الأهلِ وإبانةُ ما يجبُ لهمْ وما لا يجبُ والتخييرُ لهم فيما هوَ لهمْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1029>جاز تنازل المرأة عن نوبتها</span>\n٥/ ٩٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَن سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّبِي - ﷺ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>ترجمة سودة بنت زمعة</span>\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن سودَة بنتَ زمعةَ) (^٢) بفتح الزاي والميمِ وعينٍ مهملةٍ وكانَ - ﷺ - تزوَّجَ سودةَ بمكةَ بعدَ موتِ خديجةَ - ﵂ - وتوفيتْ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ (وهبتْ يومَها لعائشةَ وكانَ النبيُّ - ﷺ - يقسمُ لعائشةَ يومَها ويومَ سودَة. متفقٌ عليهِ)، زادَ البخاري: وليلتَها، وزادَ أيضًا في آخرِه: تبتغي بذلكَ رِضَا رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وأخرجَه أبو داوَد (^٣) وذكرَ فيهِ سببَ الهبةِ بسندٍ رجالُه رجالُ مسلمٍ أنَّ سودةَ حينَ أسنَّتْ وخافتْ أن يفارقَها رسولُ اللهِ - ﷺ - قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ يومي لعائشةَ، فقبلَ منها ذلكَ، ففيها وأشباهِها نزلتْ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (^٤) الآية. وأخرجَ ابنُ سعدٍ (^٥) برجالٍ ثقاتٍ منْ روايةِ القاسمِ بن\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٢١٢)، ومسلم رقم (١٤٦٣).\n(^٢) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" رقم (٧٠٣٥)، و\"الاستيعاب\" (٣٤٤١)، و\"الإصابة\" رقم (١١٣٦٣)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٥٢).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢١٣٥).\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٢٨.\n(^٥) في \"طبقاته\" (٨/ ٥٤) برجالٍ ثقات.","vol":"6","page":143},{"text":"أبي بزةَ مرسلًا أن النبيَّ - ﷺ - طلَّقَها، يعني سودةَ، فقعدتْ على طريقِهِ وقالتْ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما لي في الرجالِ حاجةٌ ولكنْ أحبُّ أنْ أُبْعَثَ مَع نسائِكَ يومَ القيامةِ، فأنشدُكَ بالذي أنزلَ عليكَ الكتابَ هل طلَّقْتَني لموجدة وجدتَها عليَّ؟ قالَ: لا، قالتْ: فأنشدكَ اللَّهَ لما راجعْتَنِي فراجَعَها، قالتْ: فإني جعلتُ يومي لعائشةَ حبَّةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ هبةِ المرأةِ نوبتَها لضُرَّتِها ويعتبرُ رِضَا الزوجِ؛ لأنَّ لهُ حقًّا في الزوجةِ فليسَ لها أن تسقطَ حقَّهُ إلَّا برضاهُ.\nواختلفَ الفقهاءُ إذا وهبتْ نوبتَها للزوجِ فقالَ الأكثرُ: تصحُّ وَيخصُّ بها الزوجُ مَنْ أرادَ وهذا هوَ الظاهرُ. وقيلَ: ليسَ لهُ ذلكَ بلْ تصيرُ كالمعدومةِ، وقيلَ: إنْ قالتْ له خُصَّ بها مَنْ شئتَ جازَ لا إذا أطلقتْ له، قالُوا: ويصحُّ الرجوعُ للمرأةِ فيما وهبتْ منْ نوبتِها؛ لأنَّ الحقَّ يتجدَّدُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>يجوز للرجل الدخول على من لم يكن يومها من نسائه</span>\n٦/ ٩٩٩ - وَعَنْ عُرْوَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لا يُفَضِّل بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مَكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُوَ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتى يَبْلُغَ الَّتي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَأَبُوا دَاوُدَ (^٢) وَاللَّفْظُ لَهُ. وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عروةَ قالَ: قالتْ عائشةُ: يا ابنَ أختي كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - لا يفضِّلُ بعضَنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكْثِهِ عندَنا وكان قلَّ يومٌ إلَّا وهوَ يطوف علينا جميعًا فيدنُوَ منْ كلِّ امرأة منْ غيرِ مسيسٍ)، وفي روايةٍ (^٤): بغيرِ وِقَاعٍ، فهوَ المرادُ هنا، (حتَّى يبلغَ التي هوَ يومُها فيبيتُ عندَها، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ واللفظُ له،\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١٦/ ٢٣٨ رقم ٢٨٣ - الفتح الرباني).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٣٥).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٨٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح، انظر: الصحيحة رقم (١٤٧٩).\n(^٤) أخرجها أبو داود رقم (٢١٣٥)، والبيهقي (١/ ١٢٣) من حديث عائشة بإسناد حسن.","vol":"6","page":144},{"text":"وصحَّحَه الحاكم) فيهِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ للرجلِ الدخولُ على مَنْ لم يكنُ في يومِها منْ نسائِه والتأنيسُ لها واللمسُ والتقبيلُ، وفيه بيانُ حسنِ خُلُقِهِ - ﷺ - وأنهُ كانَ خيرَ الناسِ لأهلِه، وفي هذِه ردٌّ لما قالَه ابنُ العربي. وقدْ أشرنا إليهِ سابقًا (^١) أنهُ كانَ له - ﷺ - ساعةٌ منَ النهارِ لا يجبُ عليهِ القَسْمُ فيها وهي بعدَ العصرِ، قالَ المصنفُ ﵀: لم أجدْ لما قالَه دليلًا.\nوقدْ عيَّنَ الساعةَ التي كانَ يدورُ فيها الحديثُ الآتي وهو قولُه:\n٧/ ١٠٠٠ - ولمُسْلِمٍ (^٢) عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ. الْحَدِيثَ. [صحيح]\n(ولمسلمٍ عنْ عائشةَ كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا صلَّى العصرَ دارَ على نسائِه ثمَّ يدنُو منهنَّ، الحديث) أي دنُوَّ لمسٍ وتقبيلٍ منْ دونِ وِقَاعٍ كما عرفتَ.\n٨/ ١٠٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: \"أَيْنَ أَنا غَدًا؟ \" يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كانَ يسألُ في مرضِه الذي ماتَ فيهِ أينَ أنا غدًا يريدُ يومَ عائشةَ، فأذنَ له أزواجُه يكون حيث [يشاء] (^٤) فكانَ في بيتِ عائشةِ. متفقٌ عليهِ). وفي روايةٍ: وكانَ أولَ ما بُدئَ بهِ منْ مرضِهِ في بيتِ ميمونَةَ، أخرجَها البخاريُّ في آخرِ كتابِ المغازي. وقولُه: فأذنَ له أزواجُه، وقعَ عندَ أحمدَ (^٥) عنْ عائشةَ أنهُ - ﷺ - قالَ: إني لا أستطيعُ أنْ أدورَ بيوتَكنَّ فإنْ شئتنّ أذنتنَّ لي فَأَذِنَّ لهُ، ووقعَ عندَ ابن سعدٍ (^٦) بإسنادٍ صحيحٍ عن الزهريِّ أن فاطمةَ - ﵂ - هيَ التي خاطبتْ أمهاتِ المؤمنينَ وقالتْ: إنهُ يشقُّ عليه الاختلافُ، ويمكنُ أنهُ\n_________\n(^١) في \"شرح الحديث\" رقم (١٤/ ٩٦٧) من كتابنا هذا.\n(^٢) لم أعثر عليه عند مسلم. بل أخرجه البخاري رقم (٥٢١٦) عنها.\n(^٣) البخاري رقم (٥٢١٧)، ومسلم رقم (٢٤٤٣).\n(^٤) في (ب): \"شاء\".\n(^٥) في \"الفتح الرباني\" (٢١/ ٢٢٦ رقم ٤٧٧).\n(^٦) في \"طبقاته\" (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) بإسناد صحيح.","vol":"6","page":145},{"text":"استأذنَ - ﷺ - واستأذنتْ له فاطمةُ - ﵂ - فيجتمعُ الحديثانِ. ووقعَ في روايةٍ أنهُ دخلَ بيتَ عائشةَ يومَ الاثنينِ وماتَ يومَ الاثنينِ الذي يليهِ. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ إذا أذنتْ كانَ مسقطًا لحقِّها منَ النوبةِ وأنها لا تكفي القرعةُ إذا مرضَ كما تكفي إذا سافرَ كما دلَّ لهُ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1032>إقراع المسافر بين نسائه</span>\n٩/ ١٠٠٢ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْها) أي عائشةَ (قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ نسائِه فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سهمُها خرجَ بها معَهُ. متفقٌ عليهِ). وأخرجَهُ ابنُ سعدٍ وزادَ فيهِ عنْها فكانَ إذا خرجَ سهمُ غيري عُرِفَ فيهِ [الكراهة] (^٢). دلَّ الحديثُ على القرعةِ بينَ الزوجاتِ لمن أرادَ سفرًا وأرادَ إخراجَ إحداهنَ معهُ، وهذا فعلٌ لا يدلُّ على الوجوبِ، وذهبَ الشافعي إلى وجوبِهِ وذهبتِ الهادويةُ إلى أن له السفرَ بمنْ شاءَ وأنها لا تلزمُه القرعة، قالُوا: لأنهُ لا يجبُ عليهِ القَسْمُ في السفرِ وفعلُه - ﷺ - إنَّما كانَ منْ مكارِمِ أخلاقِهِ ولطفِ شمائِله وحسنِ معاملتِه؛ فإنْ سافرَ بزوجةٍ فلا يجبُ القضاءُ لغيرِ مَنْ سافرَ بها. وقالَ [أبو حنيفةَ:] (^٣) يجبُ القضاءُ سواءً كانَ سفرُه بقرعةٍ أو بغيرِها. وقالَ الشافعي إنْ كانَ بقرعةٍ لم يجبِ القضاءُ، وإنْ كانَ بغيرِها وجبَ عليهِ القضاءُ ولا دليلَ على الوجوبِ مطلقًا ولا مفصلًا. والاستدلالُ بأنَّ القَسْمَ واجبٌ وأنهُ لا يسقطُ الواجبُ بالسفرِ، جوابُه أن السفرَ أسقطَ هذا الواجبَ بدليلِ أن له أنْ يسافرَ ولا يخرجَ منهن أحدًا فإنهُ لا يجبُ عليهِ بعدَ عَوْدِةِ قضاءُ أيامِ سفرِه لهنَّ اتفاقًا، والإقراعُ لا يدلُّ الحديثُ على وجوبهِ لما عرفتَ أنهُ فعلٌ وفي الحديثِ دليلٌ على اعتبارِ القرعةِ بينَ الشركاءِ ونحوِهم. والمشهورُ عن المالكيةِ والحنفية عدمُ اعتبارِ القرعةِ. قالَ القاضي عياضُ: هو مشهورٌ عنْ مالكٍ وأصحابِهِ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٥٩٣)، ومسلم رقم (٢٧٧٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢١٣٨)، وابن ماجه رقم (١٩٧٠).\n(^٢) في (ب): \"الكراهية\".\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"6","page":146},{"text":"لأنهُ من بابِ الخطرِ والقمارِ وحُكِيَ عن الحنفيةِ إجازتُها. اهـ.\nواحتجَّ منْ مَنْعَ منَ القرعةِ بأنَّ بعضَ النساءِ قدْ تكونُ أنفعَ في السفرِ منْ غيرِها، فلوْ خرجتِ القرعةُ للتي لا نفعَ فيها في السفرِ لأضرَّ بحالِ الزوجِ، وكَذَا قدْ يكونُ بعضُ النساءِ أقومَ برعايةِ مصالحِ بيتِ الرجلِ في الحضرِ، فلوْ خرجتِ القرعةُ عليها بالسفرِ لأضرَّ بحال الزوج مِنْ رعايةِ مصالحِ بيتِ الرجلِ. وقالَ القرطبي: تختصُّ مشروعيةُ القرعةِ بما إذا اتفقتْ أحوالُهُنَّ لئلَّا يخصُّ واحدةً فيكونُ ترجيحًا بلا مرجِّحٍ، قيلَ: هذا تخصيصٌ لعمومِ الحديثِ بالمعنَى الذي شُرِعَ لأجلِه الحكمُ، والجرْيُ على ظاهِرِهِ كما ذهبَ إليهِ الشافعي أقْوَمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>النهي عن جلد المرأة</span>\n١٠/ ١٠٠٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأتهُ جَلْدَ الْعَبْدِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1034>ترجمة عبد الله بن زمعة</span>\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن زَمْعَةَ (^٢) - ﵁ - هوَ ابنُ الأسودِ بن عبدِ المطلبِ بن أسدٍ بن عبدِ العزَّى صحابيٌّ مشهورٌ وليسَ لهُ في البخاريِّ سِوى هذا الحديثِ وعدادُه في أهلِ المدينةِ، (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يَجْلِد أحدُكم امرأتَه جَلْدَ العبدِ) بالنصبِ على المصدريةِ (رواهُ البخاريُّ) وتمامُه فيهِ: \"ثمَّ يجامعُها\"، وفي روايةٍ (^٣): ولعلَّه أنْ يضاجعَها. وفي الحديثِ دليل على جوازِ ضَرْبِ المرأةِ ضربًا خفيفًا لقولِه جلدَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٠٤).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٢٨٥٥)، وابن ماجه رقم (١٩٨٣)، والبيهقي (٧/ ٣٠٥)، وأحمد (٤/ ١٧)، والدارمي (٢/ ١٤٧)، والترمذي رقم (٣٣٤٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٤١٩٠)، والبغوي رقم (٢٣٤٢ و٢٣٤٣)، والنسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٢٨٤).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٧٠٢)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٩٥١)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٥٥٥).\n(^٣) أخرجها البخاري رقم (٤٩٤٢).","vol":"6","page":147},{"text":"العبدِ، ولقولِه في روايةِ أبي داودَ (^١): \"ولا تضربْ ظعينتَكَ ضربَكَ أَمَتَكَ\"، وفي لفظِ للنسائيِّ (^٢): \"كما تضربُ العبدَ أوِ الأمةَ\"، وفي روايةِ للبخاريِّ (^٣): \"ضَرْبَ الفحلِ أو العبدِ\"، فإنَّها دالةٌ على جوازِ الضربِ إلَّا أنهُ لا يبلغُ ضربَ الحيواناتِ والمماليكِ.\nوقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (^٤) ودلَّ على جوازِ ضربِ غيرِ الزوجاتِ فيما ذكرَ ضربًا شديدًا.\nوقولُه: ثمَّ يجامعُها، دالٌ على أن علةَ النَّهْي أن ذلكَ لا يستحسنُه العقلاءُ في مجرى العاداتِ؛ لأنَّ الجماعَ والمضاجعةَ إنما تليقُ مَع ميلِ النفسِ والرغبةِ في العشرةِ والمجلودُ غالبًا ينفرُ عمَّن جَلَدَهُ بخلافِ التأديبِ المستحسَنِ فإنهُ لا ينفرُ الطباعَ، ولا ريبَ أن عدمَ الضربِ والاغتفارَ والسماحةَ أشرفُ منْ ذلكَ كما هوَ أخلاقُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nوقدْ أخرجَ النسائيُّ (^٥) منْ حديثِ عائشةَ: ما ضربَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - امرأةً لهُ ولا خادمًا قط، ولا ضربَ بيدِه قط إلا في سبيلِ اللَّهِ، أو تُنْتَهَكُ محارمُ اللَّهِ فينتقمُ للَّهِ تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٧٨٦) ولفظه: \"ما ضرب رسول اللَّهِ - ﷺ - خادمًا ولا امرأة قط\".\n(^٢) في \"عشرة النساء\" رقم (٢٨٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٦٠٤٢).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(^٥) في \"عشرة النساء\" رقم (٢٨١).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٧٧/ ٢٣٢٧)، والترمذي في \"الشمائل\" رقم (٣٤٩)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٧٩٤٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٧٨ - ٧٩ رقم ٨٤١) وغيرهم، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1035>[الباب السابع] باب الخُلْع</span>\nبضمِّ المعجمةِ وسكونِ اللامِ، هوَ فراقُ الزوجةِ على مالٍ، مأخوذٌ منْ خَلَعَ الثوبَ؛ لأنَّ المرأةَ لباسُ الرجلِ مجازًا. وضم المصدرِ تفرقةٌ بينَ المعنَى الحقيقيِّ والمجازيِّ، والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>الخُلع ورد ما أخذت الزوجة</span>\n١/ ١٠٠٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلَامِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ\"؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢)، وفي روَايَةٍ لَهُ (^٣): وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا. [صحيح]\n- وَلأَبِي دَاوُدَ (^٤) وَالتِّرْمِذِي (^٥)، وَحَسّنَهُ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجعَلَ النَّبي - ﷺ - عِدَّتَهَا حَيْضَةً. [صحيح]\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٧٣).\nقلت: وأخرجه النسائي (٦/ ١٦٩)، وابن ماجه رقم (٢٠٥٦).\n(^٣) أي للبخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٢٧٤).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٢٢٩).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (١١٨٥) مكرر.","vol":"6","page":149},{"text":"(عن ابن عباسٍ - ﵄ - أن امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ) سمَّاها البخاريُّ جميلةً، ذكرهُ (^١) عنْ عكرمةَ مرسلًا وأخرجَ البيهقي (^٢) مرسلًا أن اسمَها زينبُ بنتُ عبدِ اللَّهِ بن أُبيِّ بن سلولٍ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، (أتتِ النبيَّ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ ثابت بن قيسٍ (^٣) هوَ خزرجيٌّ أنصاريٌّ شهدَ أُحُدًا وما بعدَها وهوَ منْ أعيانِ الصحابةِ، كانَ خطيبًا للأنصارِ ولرسولِ اللَّهِ - ﷺ - شهدَ لهُ النبيَّ - ﷺ - بالجنةِ (ما أعيبُ) رُوِيَ بالمثناةِ الفوقيةِ مضمومةً ومكسورةً منَ العتْبِ وبالمثناةِ التحتيةِ ساكنةً من العيْبِ وهوَ أوفقُ بالمرادِ (عليهِ في خُلُقٍ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ وضمّ اللامِ ويجوزُ سكونُها، (ولا دينٍ، ولكنِّي أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أتردِّينَ عليهِ حديقتَه، فقالتْ: نعمْ، فقالَ رسول اللهِ - ﷺ -: اقبلِ الحديقةَ وطلِّقْها تطليقةً. رواة البخاريُّ، وفي روايةٍ لهُ: [فأمره] (^٤) بطلاقِها. ولأبي داودَ والترمذيِّ) أي منْ حديثِ ابن عباسٍ (وحسَّنَه: أن امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ اختلعتْ منة فجعلَ النبيُّ - ﷺ - عدَّتَها حيضةً). قولُها: أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، أي أكرهُ منَ الإقامةِ عندَه أنْ أقَعَ فيما يقتضي الكفرَ، والمرادُ ما يضادُّ الإسلامَ منَ النشوزِ وبغضِ الزوجِ وغيرِ ذلكَ، أطلقتْ على ما ينافي خُلُقُ الإسلامِ الكفرَ مبالغةً، ويحتملُ غيرُ ذلكَ. وقولُه: \"حديقتُه\" أي بستانَه، ففي الروايةِ أنهُ كانَ تزوَّجَها على حديقةِ نَخْلٍ. الحديثُ فيهِ دليلٌ على شرعيةِ الخُلْعِ وصِحَّتهِ وأنهُ يحلُّ أَخْذُ العِوَضِ منَ المرأةِ، واختلفَ العلماءُ هلْ يُشْتَرَطُ في صحتهِ أنْ تكونَ المرأةُ ناشزةً أمْ لا؟ فذهبَ إلى الأولِ الهادي والظاهريةُ (^٥)، واختارهُ ابنُ المنذرِ\n_________\n(^١) أي البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٢٧٧) عن عكرمة مرسلًا.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣١٣).\n(^٣) انظر ترجمته في الإصابة رقم (٩٠٦)، و\"طبقات ابن سعد\" (٥/ ٢٠٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٦٧)، و\"أسد الغابة\" رقم (٥٦٩)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٥٣)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٣٩ - ١٤٠).\n(^٤) في (ب): \"وأمره\".\n(^٥) اختلف الفقهاء في الخُلْع إذا وقع هل هو طلاق أو فسخ؟ إلى مذهبين:\nالأول: ذهب الإمام داود الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد، وأحد قولي الشافعي، وإسحاق، وطاوس وعكرمة وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنه فسخ لا طلاق.\nثانيًا: وذهب الحنفية والإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، وأحد قولي الشافعي والحسن البصري وشريح وعطاء، ومجاهد والزهري، والنخعي والشعبي والثوري إلى أنه طلاق. =","vol":"6","page":150},{"text":"مستدلِّينَ بقِصةِ ثابتٍ هذهِ فإنَّ طلبَ الطلاقِ نشوزٌ، [ولقوله] (^١) تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (^٢)، وقولهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^٣).\nوذهبَ أبو حنيفةَ والشافعي والمؤيدُ وأكثرُ أهلِ العلمِ إلى الثاني وقالُوا: يصحُّ الخلعُ معَ التراضي بينَ الزوجينِ وإنْ كان الحالُ مستقيمةً بينَهمَا ويحلُّ العِوَضُ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسً﴾ (^٤) الآيةَ ولم يفرق، ولحديثِ: \"إلا بطيبةٍ منْ نفسهِ\" (^٥)، وقالُوا: إنهُ ليسَ في حديثِ ثابتٍ هذَا دليلٌ علَى الاشتراطِ، والآيةُ يحتملُ أن الخوفَ فيها وهوَ الظنُّ والحسبانُ يكونُ في المستقبلِ فيدلُّ على جوازهِ وإنْ كانَ الحالُ مستقيمًا بينَهما وهما مقيمانِ لحدودِ اللهِ [تعالى] (^٦) في الحالِ، ويحتملُ أنْ يرادَ أنْ يَعْلَمَا ألَّا يقيما حدودَ اللهِ ولا يكونُ العلمُ إلا لِتَحَقُّقِهِ في الحالِ، كذَا قيلَ، وقدْ يقالُ إنَّ العلمَ لا ينافي أنْ يكونَ النشوزُ مستقبلًا، والمرادُ إني أعلمُ في الحالِ أني لا أحتملُ معهُ إقامةَ حدودِ اللَّهِ في الاستقبالِ وحينئذٍ فلا دليلَ على اشتراطِ النشوزِ في الآيةِ على التقديرينِ.\n_________\n= انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٣٥) بتحقيقنا. و\"نهاية المحتاج\" (٦/ ٤٠٥)، و\"مغني المحتاج\" (٣/ ٢٦٨)، و\"الإنصاف للمرداوي\" (٨/ ٣٩٤)، و\"آيات الأحكام\" لابن العربي (١/ ١٩٥).\n(^١) في \"ب\": \"وبقوله\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٣) سورة النساء: الآية ١٩.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٤.\n(^٥) • أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩١) من حديث أنس. وفيه: الحارث بن محمد الفهري مجهول. \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٦).\n• وأخرَّجه الدارقطني (٣/ ٢٥ رقم ٨٨) أيضًا من حديث أنس. وفيه: داود بن الزبرقان وهو متروك الحديث. \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٦).\n• وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٧٢ - ٧٣) مطولًا، والدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩٢) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه. وفيه: علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف. \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٤٦).\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) وقال: \"رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين، وفيه علي بن زيد وفيه كلام، اهـ.\n• وأخرجه البيهقي (٦/ ١٠٠)، وابن حبان (رقم: ١١٦٦ - موارد) عن أبي حميد الساعدي، وقد صحَّح الحديث الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٤٥٩).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"6","page":151},{"text":"ودلَّ الحديثُ على أنهُ يأخذُ الزوجُ منها ما أعطاها منْ غيرِ زيادةٍ واختُلفَ هل تجوزُ الزيادةُ أمْ لا؛ فذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنَّها تحلُّ الزيادةُ إذا كانَ النشوزُ منَ المرأةِ، قالَ مالكٌ: لمْ أزلْ أسمعُ أن الفديةَ تجوزُ بالصَّداقِ وبأكثرَ منهُ لقولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^١).\nقال ابنُ بطال: ذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجوزُ للرجلِ أنْ يأخذَ في الخلْعِ أكثرَ مما أعْطَاها، وقال مالكٌ: لم أرَ أحدًا ممن يُقْتَدَ بهِ منعَ [من] (^٢) ذلكَ لكنهُ ليسَ منْ مكارمِ الأخلاقِ، وأما الروايةُ التي فيها أنهُ قالَ [المصنف] (^٣): \"أما الزيادةُ فلا\" فلم يثبتْ رفعُها. وذهبَ عطاءُ وطاووسُ وأحمدُ وإسحاقُ والهادويةُ وآخرونَ إلى أنَّها لا تجوزُ الزيادةُ لحديثِ البابِ، ولما وردَ منْ روايةٍ: أما الزيادةُ فلا؛ فإنهُ قدْ أخرجَها في آخرِ حديثِ الباب البيهقي (^٤) وابنُ ماجهْ عن ابن جريج عنْ عطاءٍ مرسلًا، ومثلُه عندَ الدارقطنيِّ (^٥) وأنَّها قالتْ: \"لما قالَ النبيُّ - ﷺ - أتردِّينَ عليهِ حديقتَه قالتْ: وزيادةً، قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"أما الزيادةُ فلا\" الحديثَ، ورجالُه ثقاتٌ إلا أنهُ مرسلٌ. وأجابَ منْ قالَ بجوازِ الزيادةِ بأنه لا دلالةَ في حديثِ البابِ على الزيادةِ نَفْيًا ولا إِثبَاتًا، وحديثُ: \"أما الزيادةُ فلا\" قدْ تقدَّم الجوابُ عنهُ مع أنهُ مرسلٌ وعلى أنه إنْ ثبتَ رفعُها فلعلَّه خرجَ مَخْرَجَ المشورةِ عَلَيْها والرأيِ، وأنهُ لا يلزمُها، لا أنهُ خرجَ مَخْرَجَ الإخبارِ عنْ تحريْمِهَا على الزوجِ.\nوأما أمرُهُ - ﷺ - بتطليقِهِ لها فإنهُ أمرُ إرشادٍ لا إيجابٍ كَذَا قيلَ، والظاهرُ بقاؤُه على أصْلِهِ منَ الإيجابِ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٦) فإنَّ المرادَ يجبُ عليهِ أحدُ الأمْرينِ وهُنَا قدْ تعذَّر الإمساكُ بمعروفٍ لِطَلَبِها للفراقِ فيتعينُ عليهِ التسريحُ بإحسانٍ. ثمَّ الظاهرُ أنهُ يقعُ الخلعُ بلفظِ الطلاقِ وأنَّ المواطأَةَ علَى ردِّ المهرِ لأجلِ الطلاقِ يصيرُ [لها] (^٧) الطلاقُ خُلْعًا. واختلفُوا إذا كانَ بلفظِ الخلعِ فذهبتِ الهادويةُ وجمهورُ العلماءِ إلى أنهُ طلاقٌ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٩.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \" - ﷺ -\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣١٤).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٢٥٥ رقم ٣٩) بإسناد صحيح.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٧) في (ب): \"بها\".","vol":"6","page":152},{"text":"وحجَّتُهم أنهُ لفظٌ لا يملكُه إلَّا الزوجَ، فكانَ طلاقًا ولو كانَ فَسْخًا لما جازَ على غيرِ الصداقِ كالإقالةِ وهوَ يجوزُ عندَ الجمهورِ بما قلَّ أوْ كَثُرَ فدلَّ أنهُ طلاقٌ. وذهبَ ابنُ عباسٍ وآخرونَ إلى أنهُ فسْخٌ، وهوَ مشهورُ مذهبِ أحمدَ ويدلُّ لهُ أنهُ - ﷺ - أمرَها أن تعتدَّ بحيضةٍ (^١) قالَ الخطابي: في هذا أقْوى دليلٍ لمنْ قالَ أن الخلْعَ فَسْخٌ وليسَ بطلاقٍ، إذْ لو كانَ طَلَاقًا لم يكتفِ بحيضةٍ للعدَّةِ، واستدلَّ القائلُ بأنَّهُ فسخٌ بأنهُ تعالى ذكرَ في كتابهِ الطلاقَ فقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^٢) ثم ذكر الافتداءَ ثم قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٣)، فلوْ كانَ الافتداءُ طَلَاقًا لكانَ الطلاقُ الذي لا تحلُّ لهُ إلا منْ بعدِ زوجٍ هوَ الطلاقُ الرابعُ وهذا الاستدلالُ مرويٌّ عن ابن عباسٍ؛ فإنهُ سألهُ رجلٌ طلَّقَ امرأته طلقَتْينِ ثمَّ اخْتَلَعَهَا قالَ: نعمْ ينكحُها فإنَّ الخلعَ ليسَ بطلاقٍ، ذكرَ اللَّهُ الطلاقَ في أولِ الآيةِ وآخرِها والخلعُ فيما بينَ ذلكَ فليسَ الخلعُ بشيءٍ، ثمَّ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، ثمَّ قرأَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣). وقدْ قررْنا أنهُ ليسَ بطلاقٍ في \"منحة الغفارِ\" (^٤) حاشيةِ \"ضوءِ النهارِ\" ووضَّحْنا هناكَ الأدلةَ وبسطْناها فيه، ثمَّ مَنْ قالَ إنهُ طلاقٌ يقولُ إنهُ طلاقٌ بائنٌ لأنهُ لو كانَ للزوجِ الرجعةُ لم يكنْ للافتداءِ بها فائدةٌ، وللفقهاءِ أبحاثٌ طويلةٌ وفروعٌ كثيرةٌ في الكتبِ الفقهيةِ فيما يتعلَّقُ بالخلْعِ، ومقصودُنا شرحُ ما دلَّ له الحديثُ على أنهُ قدْ زِدْنا ذلكَ ما يحتاجُ إليهِ.\n٢/ ١٠٠٥ - وَفي روَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - عِنْدَ ابْنِ\n_________\n(^١) لحديث الربيع بنت معوذ عند النسائي (٦/ ١٨٦ رقم ٣٤٩٧) في قصة ثابت أن النبي - ﷺ - قال له: خذِ الذي لها عليك وخلِّ سَبيلَها. قال: نعم، فأمرها رسول اللهِ - ﷺ - أن تعتد بحيضة واحدةٍ، وتلحق بأهلها\"، ورجال إسناده كلهم ثقات.\nولها حديث آخر عند الترمذي (٣/ ٤٩١ رقم ١١٨٥)، والنسائي (٦/ ١٨٦ رقم ٣٤٩٨)، وابن ماجه (١/ ٦٦٣ رقم ٢٠٥٨) أن النبي - ﷺ - أمرها أن تعتد بحيضة\"، وفي إسناده: محمد بن إسحاق، وقد صرَّح بالتحديث.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.\n(^٤) (٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤).","vol":"6","page":153},{"text":"مَاجَهْ (^١): أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ في وَجْهِهِ. [ضعيف]\n(وفي روايةِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه عندَ ابن ماجهْ أن ثابتَ بنَ قيسٍ كانَ دميمًا وأن امرأتَه قالتْ: لولا مخافة اللهِ إذا دخلَ علي لبصقت في وجْهِهِ)، وفي روايةٍ (^٢) عن ابن عباسٍ أن امرأةَ ثابتٍ أتتْ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ لا يجتمعُ رأسي ورأسُ ثابتٍ أبدًا، إني رفعتُ جانبَ الخباءِ فرأيتُه أقبلَ في عدةٍ وإذا هوَ أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحهُم وجْهًا\" الحديثُ، فصرَّحَ الحديثُ بسببِ طلبِها الخلعَ وأبان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1037>أول خلع في الإسلام</span>\n٣/ ١٠٠٦ - وَلأَحْمَدَ (^٣) مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ: وَكَانَ ذلِكَ أَوّلَ خُلْعٍ في الإِسْلَامِ. [ضعيف]\n(ولأحمدَ منْ حديثِ سهلِ بن أبي حَثمةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ فمثلثةٍ ساكنةٍ (وكانَ ذلكَ أولَ خلعٍ في الإسلامِ) أنهُ أولُ خلعٍ وقعَ في عصرِه - ﷺ - وقيلَ إنهُ وقعَ في الجاهليةِ وهوَ أن عامرَ بنَ الظَرِبِ، بفتحِ الظاءِ المعجمةِ وكسرِ الراءِ ثمَّ موحَّدَةٍ، زوَّجَ ابنته من ابن أخيهِ عامرِ بن الحارثِ فلما دخلتْ عليهِ نفرتْ منهُ فشكا إلى أبيْها فقالَ: لا أجمعُ عليكَ فراقَ أَهلِكَ ومالِكَ: وقدْ خلعتُها منكَ بما أعطيتَها. زعمَ بعض العلماء أن هذا كانَ أولَ خلعٍ في العربِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٥٧).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٤ رقم ٧٢٦ - ٢٠٥٧): \"هذا إسناد ضعيف لتدليس الحجاج وهو ابن أرطاة\".\nرواه الإمام أحمد في \"مسنده\" عن عبد القدوس بن بكر بن حبيش عن الحجاج عن عمرو بن شعيب به.\nوله شاهد من حديث عبد اللهِ بن عباس رواه النسائي وابن ماجه.\nورواه البزار في \"مسنده\" من حديث أنس - ﵁ - اهـ.\nوهو حديث ضعيف. انظر: \"الإرواء\" (٧/ ١٠٣).\n(^٢) فلينظر من أخرجها.\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٤)، وهو حديث ضعيف.","vol":"6","page":154},{"text":"[الكتاب التاسع] كتاب الطلاق\nهوَ لغةً: حَلُّ الوثاقِ، مشتقٌ منَ الإطلاقِ وهوَ الإرسالُ والتركُ، وفلانُ طَلْقُ اليدينِ بالخيرِ أي كثيرُ البذلِ والإرسالِ لهما بذلكَ. وفي الشرعِ: حل عقدةِ التزويجِ، قالَ إمامُ الحرمينِ: هوَ لفظٌ جاهلي وردَ الإسلامُ بتقريرِه.\n١/ ١٠٠٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطلَاقُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَابْنُ مَاجَهُ (^٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣)، وَرَجّحَ أَبُو حَاتِم إِرْسَالَهُ (^٤) [ضعيف]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إن أبغضَ الحلالِ إلى اللهِ الطلاقُ. رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجهْ وصحَّحَهُ الحاكم ورجَحَ أبو حاتمٍ إرسالَه)، وكذلك الدارقطنيُّ (^٥) والبيهقي (^٦) رجَّحا الإرسالَ. الحديثُ فيهِ دليل على أن في الحلالِ أشياءَ مبغوضة إلى اللَّهِ تعالى وأنَّ الطلاقَ أبغضُها، فيكون البغض مجازًا عنْ كونِه لا ثوابَ فيهِ ولا قُرْبَةَ في فعلِه. وَمثَّلَ بعضُ العلماءِ المبغوضَ منَ الحلالِ بالصلاةِ المكتوبةِ في غيرِ المسجدِ لغير عذرٍ. وفي الحديثِ دليل على أنهُ يحسنُ تجنبُ إيقاعِ الطلاقِ ما لم يجد عنهُ مندوحةً. وقدْ قسَّمَ بعضُ العلماءِ الطلاقَ إلى\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢/ ٦٣١ رقم ٢١٧٨).\n(^٢) في \"السنن\" (١/ ٦٥٠ رقم ٢٠١٨).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: صحيح على شرط مسلم. وليس كما قالا بل الحديث ضعيف كما حققه المحدث الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١٠٦ رقم ٢٠٤٠).\n(^٤) في \"العلل\" (١/ ٤٣١).\n(^٥) لعله ذكر ذلك في \"العلل\".\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٢).","vol":"6","page":155},{"text":"الأحكامِ الخمسةِ، فالحرامُ الطلاقُ البِدْعي، والمكروهُ الواقعُ لغير سببٍ معَ استقامةِ الحالِ، وهذا هوَ القِسْمُ المبغوضُ معَ حِلِّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1039>طلاق الحائض</span>\n٢/ ١٠٠٨ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهيَ حَائِضٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتى تَطْهُرَ، ثُم تَحِيضَ، ثُم تَطْهُرَ، ثُمْ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n- وَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٢): \"مُرْهُ فَلْيرَاجِعْهَا، ثُمّ ليطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا\". [صحيح]\n- وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ (^٣): \"وَحُسِبَتْ تَطْلِيقَةٌ\". [صحيح]\n- وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم (^٤) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ثُمّ أُمْسِكَهَا حَتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ أُطَلِقَهَا قَبْلَ أَنْ أَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَيْتَ رَبّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ. [صحيح]\n- وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى (^٥): قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَدَّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: \"إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطلِّقْ أَوْ لِيمْسِكْ\". [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٣٣٢)، ومسلم رقم (١٤٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢١٧٩)، والترمذي رقم (١١٧٥)، والنسائي (٦/ ١٣٧ - ١٤١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٦ رقم ٥٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٩٥ رقم ٥/ ١٤٧١).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢١٨١)، والترمذي رقم (١١٧٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٥١ رقم ٥٢٥٣).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٩٣ رقم ١/ ١٤٧١).\n(^٥) لمسلم في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٩٨ رقم ١٤/ ١٤٧١).","vol":"6","page":156},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أنهُ طلَّقَ امرأتَه وهيَ حائضٌ في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ - ﷺ - عنْ ذلكَ فقالَ: مُرْهُ فليراجِعْها ثم ليمسكْها حتى تطهرَ ثم تحيضُ ثم تطهرَ ثمَ إنْ شاءَ أمسكَ بعدُ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قبلَ أنْ يمسَّ فتلكَ العدةُ التي أمرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ. متفقٌ عليهِ). في قوله: مُرْهُ فليراجعْها، دليل علَى أن الآمِرَ لابنِ عمرَ بالمراجعةِ النبيُّ - ﷺ - فإنَّ عمرَ مأمورٌ بالتبليغِ عن النبيّ - ﷺ - ابنهِ بأنهُ مأمورٌ بالمراجعةِ فهوَ نظيرُ قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^١) فإنهُ - ﷺ - مأمورٌ بأنْ يأمرَنا بإقامةِ الصلاةِ فنحنُ مأمورونَ منَ اللَّهِ تعالَى، وابنُ عمرَ كذلكَ مأمورٌ منَ النبيِّ - ﷺ - فلا يُتَوَهَّمُ أن هذِه المسألةَ منْ بابِ مسألةِ هلِ الأمرُ بالأمرِ بالشيءِ أمرٌ بذلك الشيءِ، وإنَّما تلكَ المسألةُ مثلُ قولِه - ﷺ -: \"مُرُوا أولادُكم بالصلاةِ لسبعٍ\" (^٢) الحديثَ لا مثلَ هذهِ. وإذا عرفتَ أنهُ مأمورٌ منهُ - ﷺ - بالمراجعةِ فهلِ الأمرُ للوجوبِ فتجبُ الرجعةُ أم لا؟ ذهبَ إلى الأولِ مالكٌ وهوَ روايةٌ عنْ أحمدَ، وصحَّحَ صاحبُ \"الهدايةِ\" (^٣) منَ الحنفيةِ وجوبَها وهوَ قولُ داودَ، ودليلُهم الأمرُ بها، قالُوا: فإذا امتنعَ الرجلُ منْها أدَّبه الحاكمُ فإنْ أصرَّ على الامتناعِ ارتجعَ الحاكمُ عنهُ. وذهَبَ الجمهورُ إلى أنَّها مستحبةٌ فقطْ قالُوا: لأنَّ ابتداءَ النكاحِ لا يجبُ فاستدامتُه كذلكَ، فكانَ القياسُ قرينةً علَى أن الأمرَ للنُّدبِ وأُجِيْبَ بأنَّ الطلاقَ لما كانَ محرمًا في الحيضِ كانَ استدامةُ النكاحِ فيهِ واجبةً. وقولهِ: \"حتَّى تطهرَ ثم تحيضَ ثُم تطهرَ\" دليل على أنهُ لا يُطَلّقُ إلا في الطهرِ الثاني دونَ الأولِ. وقدْ ذهبَ إلى تحريم الطلاقِ فيهِ مالكٌ، وهو الأصحُّ عندَ الشافعيةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أن الانتظارَ إلى الطهرِ الثاني مندوبٌ وكذَا عنْ أحمدَ مستدلينَ بقولِه: (وفي روايةٍ لمسلمٍ) أي عن ابن عمرَ (مُرْهُ فليراجِعْهَا ثمَّ ليطلقْها طاهرًا أو حاملًا) فأُطْلِقَ الطهرَ ولأنَّ التحريمَ إنَّما كانَ لأجلِ الحيضِ فإذا زالَ زال موجبُ التحريمِ فجاز طلاقُها في هذا الطهرِ كما جازَ في الذي بعدَهُ،\n_________\n(^١) سورة إبراهيم: الآية ٣١.\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٧)، والدارقطني (١/ ٢٣٠ رقم ٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. بسند حسن.\n(^٣) (١/ ٢٢٨).","vol":"6","page":157},{"text":"وكما يجوزُ في الطهرِ الذي لمْ يتقدم طلاقٌ في حيضته ولا يَخْفَى قربُ ما قَالُوه. وفي قولِه: \"قبلَ أنْ يمسَّ\" دليلٌ علَى أنهُ إذا طلَّقَ في الطهرِ بعدَ المسِّ فإنهُ طلاقٌ بِدْعِي محرَّمٌ وبهِ صرَّحَ الجمهورُ، وقالَ بعضُ المالكيةِ: إنهُ يُجْبَرُ على الرجعةِ فيهِ كما إذا طلقَ وهي حائضٌ. وفي قولِه: \"ثم تطهرَ\"، وقولِه: \"طاهرًا\" خلافٌ للفقهاءِ هلِ المرادُ بهِ انقطاعُ الدمِ أوْ لا بدَّ منَ الغُسْلِ؟ فعنْ أحمدَ روايتانِ الراجحُ أنهُ لا بدَّ منِ اعتبارِ الغُسلِ لما مرَّ في روايةِ النسائيِّ (^١): \"فإذا اغتسلتْ منْ حيضتِها الأخْرى فلا يمسَّها حتى يُطَلِقَها وإنْ شَاءَ أنْ يمسكَها أمسكَها\"، وهوَ مفسِّرٌ لقولِه: طاهرًا، وقولِه: ثمَّ تطهرُ.\nوقولِه: \"فتلك العدةُ التي أمرَ اللَّهُ أنْ تطلَّقَ لها النساءُ\" أي أَذِنَ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٢). وفي روايةِ مسلمٍ (^٣) قالَ ابنُ عمرَ: وقرأَ النبيُّ - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآيةَ. وفي الحديثِ دليل على أن الأقراءَ الأطهارَ للأمْرِ بطلاقِها في الطهرِ، وقولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) أي وقتَ ابتداءِ عدتهنَّ، وفي قولِه: أو حاملًا، دليل على أن طلاقَ الحاملِ سنيٌّ وإليهِ ذهبَ الجمهورُ.\nوإذا عرفتَ أن الطلاقَ البدعيَّ منهيٌّ عنهُ محرَّمٌ فقدِ اختُلِفَ فيهِ هلْ يقعُ ويُعْتَدُّ بهِ أمْ لا يقعُ؟ فقالَ الجمهورُ: يقعُ، مستدلينَ بقولِه في هذَا الحديثِ: (وفي أُخْرى) أي في روايةٍ أُخْرى (للبخاريِّ: وحُسِبَتْ تطليقةٌ) وهوَ بضمِّ الحاء المهملةِ مبني للمجهولِ منَ الحسابِ، والمرادُ جَعْلُها واحدةً منَ الثلاثِ التطليقاتِ التي [ملكها] (^٤) الزوجُ ولكنَّهُ لم يصرحْ بالفاعلِ هنا؟ فإنْ كانَ الفاعلُ ابنَ عمرَ فلا حجةَ فيهِ وإنْ كانَ النبيُّ - ﷺ - فهوَ الحجةُ إلَّا أنهُ قدْ صرَّحَ بالفاعلِ في غيرِ هذهِ الروايةِ كما في مسندِ ابن وهبٍ بلفظِ وزادَ ابنُ أبي ذئبٍ في الحديثِ: \"عن النبيِّ - ﷺ - وهي واحدةٌ\"، وأخرجَهُ الدارقطني (^٥) منْ حديثِ ابن أبي ذئبٍ وابنِ إسحاقَ جميعًا عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"قالَ هيَ واحدةٌ\". وقدْ وردَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٦/ ١٤٠ - ١٤١ رقم ٣٣٩٦).\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٢/ ١٠٩٨ رقم ١٤/ ١٤٧١).\n(^٤) في (ب): \"يملكها\".\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٩ رقم ٢٤).","vol":"6","page":158},{"text":"أن الحاسبَ لها هوَ النبيُّ - ﷺ - منْ طُرُقٍ يقوِّي بعضُها بعضًا، (وفي روايةٍ لمسلمٍ: قالَ ابنُ عمرَ) أي لمَّا سألَه سائلٌ (أمَّا أنتَ طلَّقْتَها واحدةً أوِ اثنتينِ فإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أمرني أنْ أراجِعَها ثم أمسكَها حتَّى تحيضَ حيضةً أخرى [أي الحديث] (^١)، وأما أنتَ طلقتَها تلاثًا فقدْ عصيتَ رَبَّكَ فيما أمركَ بهِ منْ طلاقِ امرأتِك) دال على تحريمِ الطلاقِ في الحيضِ، وقدْ يدلُ قولُه: \"أمرني أن أراجِعَها\" على وقوعِ الطلاقِ إذِ الرجعةُ فرعُ الوقوع وفيهِ بحثٌ. وخالفَه فيهِ طاوسُ والخوارجُ والروافضُ وحكاهُ في \"البحر\" (^٢) عن الباقرِ [والصادقِ] (^٣) والناصرِ قالُوا: لا يقعُ شيءٌ، ونصرَ هذا القولَ ابنُ حزمٍ (^٤) ورجَّحَهُ ابنُ تيميةَ (^٥) وابنُ القيمِ (^٦) واستدلُّوا بقولِه: (وفي روايةٍ أُخْرى) أَي لمسلمٍ عن ابن عمرَ (قالَ عبدُ اللَّهِ بن عمرَ: فردَّها عليَّ ولم يَرَهَا شيئًا وقالَ: إذا طَهُرَتْ فليطلقْ أو ليمسكْ)، ومثلُه في روايةِ أبي داودَ: فردَّها عليَّ ولمْ يَرَها شيئًا وإسنادُه على شرطِ الصحيحِ. إلَّا أنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في قولِه: \"ولم يرَها شيئًا\" منكرٌ لم يقلْه غيرُ أبي الزبيرِ وليسَ بحجةٍ فيما خالَفه فيهِ مِثلُه فكيفَ [من] (^٧) هوَ أثبتُ منهُ؟ ولو صحَّ لكانَ معناهَا واللَّهُ أعلمُ: ولمْ يَرَها شيئًا مستقيمًا لكونِها لم تقعْ على السنةِ.\nوقالَ الخطابي (^٨): قالَ أهلُ الحديثِ لم يروِ أبو الزبيرِ حديثًا أنكرَ منْ هذا ويحتملُ أن معناها لم يرَها شيئًا تحرمُ [معها] (^٩) المراجعةُ، أو لم يَرَها شيئًا جائزًا في السنةِ ماضيًا في الاختيارِ وإنْ كانَ لازمًا لهُ. ونقلَ البيهقي في \"المعرفة\" (^١٠) عن الشافعيِّ أنهُ ذكرَ روايةَ أبي الزبيرِ فقالَ نافعٌ: أثْبَتُ منْ أبي الزبيرِ والأثبتُ منَ الحديثيْنِ أَوْلَى أَنْ يؤخذَ بهِ إذا تَخَالَفَا. وقدْ وافقَ نافعًا غيرُه منْ أهلِ التثبتِ.\n_________\n(^١) في (ب) لما سأله سائل.\n(^٢) \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" (٣/ ١٥٤).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"المحلَّى\" (١٠/ ١٦١ - ١٧٠) رقم (١٩٤٩).\n(^٥) في \"مجموع الفتاوى\" (٣٢/ ٥ - وما بعدها).\n(^٦) في \"زاد المعاد\" (٥/ ٢١٨ - ٢٣٨).\n(^٧) في (ب): \"بمن\".\n(^٨) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٣٦) حاشية السنن.\n(^٩) في (ب): \"معهُ\".\n(^١٠) (١١/ ٢٨ رقم ١٤٦٣١).","vol":"6","page":159},{"text":"قالوا: وحملَ قولَه ولم يَرَهَا شيئًا على أنهُ لم يعدْها شيئًا صوابًا غيرَ خطأ بلْ يؤمرُ صاحبُه ألا يقيمَ عليهِ لأنهُ أمرهُ بالمراجعةِ، ولوْ كانَ طلَّقَهَا طَاهِرًا لم يؤمرْ بذلكَ فهوَ كما يُقَالُ للرجلِ إذا أخطأ في فعلِهِ أو أخطأَ في جوابه إنهُ لم يصنعْ شيئًا أي لم يصنعْ شيئًا صوابًا. وقدْ أطالَ ابنُ القيمِ في \"الهدي\" (^١) الكلامَ على نصْرةِ عدمِ الوقوعِ لكنْ بعدَ ثبوتِ أنهُ - ﷺ - حَسَبَهَا تطليقة تطيحُ كلُّ عبارةٍ ويضيعُ كلُّ صنيعٍ. وقدْ كنَّا نفتي بعدمِ الوقوعِ وكتبْنا فيهِ رسالةً وتوقَّفْنَا مدةً ثمَّ رأينا وقوعَه.\nتنبيهٌ: ثمَّ إنهُ قَوِيَ عندي ما كنتُ أفتي بهِ أولًا منْ عدمِ الوقوعِ لأدلةٍ قويةٍ سُقْتُها في رسالةٍ سمَّيْنَاها الدليلَ الشرعيَّ في عدمِ وقعِ الطلاقِ البِدْعيِّ. ومنَ الأدلةِ أنهُ منسوبٌ، ومسمَّى النسبة إلى البدعةِ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، والضلالةُ لا تدخلُ في نفوذِ حكمٍ شرعيٍّ ولا يقعُ بها بلْ هيَ باطلةٌ؛ ولأنَّ الرواةَ لحديثِ ابن عمرَ اتفقُوا على أن المسندَ المرفوعَ في هذا الحديثِ غيرُ مذكورٍ فيهِ أن النبيَّ - ﷺ - حسبَ تلكَ التطليقةَ على ابن عمرَ ولا قالَ لهُ قدْ وقعتْ، ولا رواهُ ابنُ عمرَ مرفوعًا. بلْ في صحيحِ مسلمٍ (^٢) ما دلَّ على أن وقوعَها إنَّما هوَ رأيٌ لابنِ عمرَ وأنهُ سُئِلَ عنْ ذلكَ فقالَ: \"وما لي لا أعتدُّ بها وإنْ كنتُ قدْ عجزتُ واستحمقتُ\"، وهذا يدلُّ علَى أنهُ لا يعلمُ في ذلكَ نصًا نبويًا لأنهُ لو كانَ عندَه لم يتركْ روايتَه ويتعلقْ بهذِه العلةِ العليلةِ فإنَّ العجزَ والحَمَقَ لا مدخلَ لهما في صحةِ الطلاقِ، ولوْ كانَ عندَه نصٌّ نبويٌّ لقالَ وما لي لا أعتدُّ بها وقدْ أمرني رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ أعتدَّ بها.\nوقدْ صرَّحَ الإمامُ الكبيرُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرِ بأنهُ قدِ اتفقَ الرواة على عدمِ رفْعِ الوقوعِ في الروايةِ إليهِ - ﷺ -، وقد ساقَ السيدُ محمدُ - ﵀ - سِتَّ عشْرةَ حُجَّةً على عَدَمِ وقوعِ الطلاقِ البِدْعِيِّ ولخَّصْنَاها في رِسَالَتِنَا المذكورةِ، وبعدَ هذا تعرفُ رجوعَنا عما هُنا فلْيُلْحقْ هذا في نُسَخِ سبلِ السلامِ.\nوأمَّا الاستدلالُ على الوقوعِ بقولِه: فلْيراجِعْها، ولا رجعةَ إلَّا بعدَ طلاقٍ، فهوَ غيرُ ناهضٍ لأنَّ الرجعةَ المقيدةَ بِبُعْدِ الطلاقِ عُرْفٌ شرعيٌّ متأخرٌ إذْ هيَ لغةٌ أعمُّ منْ ذلكَ. ودلَّ الحديثُ على تحريمِ الطلاقِ في الحيضِ وبأنَّ الرجعةَ يستقلُّ بها الزوجُ منْ دونِ رضا المرأةِ والوليِّ لأنهُ جُعِلَ ذلكَ إليهِ، ولقولِه تعالَى:\n_________\n(^١) (٥/ ٢٢١ - ٢٣٨).\n(^٢) (٢/ ١٠٩٧ رقم ١١/ ١٤٧١).","vol":"6","page":160},{"text":"﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (^١) وبأنَّ الحاملَ لا تحيضُ لقولِهِ: طاهرًا أو حاملًا، فدلَّ على أنَّها لا تحيضُ لإطلاقِ الطلاقِ فيهِ. وأُجِيْبَ بأنَّ حيضَ الحاملِ لما لمْ يكن لهُ أثرٌ في تطويلِ العِدَّةِ لم يعتبرْ لأنَّ عَدَّتَها بوضعِ الحملِ وأنَّ الأقراءَ في العدةِ هي الأطهارُ.\nقالَ الغزاليُّ: ويُسْتَثْنَى منْ تحريمِ طلاقِ الحائضِ طلاقُ المخالعةِ؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يستفصلْ حالَ امرأةِ ثابتٍ هلْ هيَ طاهرةٌ أو حائضٌ معَ أَمْرِهِ له بالطلاقِ، والشافعي يذهبُ إلى أن تركَ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يُنْزَلُ منزلةِ العمومِ في المقالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>طلاق الثلاث بلفظ واحد</span>\n٣/ ١٠٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَبي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَهِ عُمَرَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَة، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمْرٍ كَانَتْ لَهُم فيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: كانَ الطلاق علي عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وأبي بكرٍ وسنتينِ منْ خلافةِ عمرَ طلاقَ الثلاثِ واحدةً، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: إنَّ الناسَ قد اسْتعجَلوا في أمرٍ [كان] (^٣) لهم فيهِ أناةٌ) بفتحِ الهمزةِ أي مهلةٌ (فلوْ أمضيناهُ عليهمْ، فأمضاهُ عليهمْ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ ثابتٌ منْ طُرُقٍ عن ابن عباسٍ - ﵁ -، وقدِ استشكلَ أنهُ كيفَ يصحُّ منْ عمرَ مخالفةَ ما كانَ في عصرِهِ - ﷺ - ثمَّ في عصرِ أبي بكرٍ ثمَّ في أولِ أيامِه؟ وظاهِرُ كلامِ ابن عباس أنهُ كانَ الإجماعُ على ذلكَ، وأُجِيْبَ عنهُ بستةِ أجوبةٍ:\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٤٧٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢١٩٩) و(٢٢٠٠)، والنسائي (٦/ ١٤٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في (ب): \"كانت\".","vol":"6","page":161},{"text":"الأولُ: أنهُ كانَ الحكمُ كذلكَ ثمَّ نُسِخَ في عصرِه - ﷺ -. فقدْ أخرجَ أبو داودَ (^١) منْ طريقِ يزيدَ النَّحْوِيِّ عنْ عكرمةَ عن ابن عباسٍ قالَ: \"كانَ الرجلُ إذا طلَّقَ امرأتَه فهوَ أحقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طلَّقها ثلاثًا، فَنُسِخَ ذلكَ\" اهـ. إلَّا أنهُ لم يشتهرِ النسخُ فبقي الحكمُ المنسوخُ معمولًا بهِ إلى أنْ أنكرَهُ عمرُ.\nقلت: إنْ ثبتتْ روايةُ النسخِ فذاكَ، وإلا فإنهُ يُضَعِّفُ هذَا قولُ عمرَ إن الناسَ قدِ استعجلُوا في أمرٍ كانتْ لهمْ فيهِ أناةٌ إلخ؛ فإنهُ واضحٌ في أنهُ رَأْيٌ مَحْضٌ لا سُنَّةَ فيهِ، وما في بعضِ ألفاظِه عندَ مسلمٍ (^٢) أنهُ قالَ ابنُ عباسٍ لأبي الصهباءِ: \"لما تتابعَ الناسُ في الطلاقِ في عهدِ عمرَ فأجازَهُ عليهمْ\".\nثانيها: أن حديثَ ابن عباسٍ هذا مضطربٌ. قالَ القرطبي: في شرحِ مسلمٍ وقعَ فيهِ معَ الاختلافِ على ابن عباسٍ الاضطرابُ في لفظهِ، فظاهرُ سياقِهِ أن هذَا الحكمَ منقولٌ عنْ جميعِ أهلِ ذلكَ العصرِ والعادةُ تقتضي أنْ يظهرَ ذلكَ وينتشرَ ولا ينفردَ بهِ ابنُ عباسٍ، فهذا يقتضي التوقفَ عن العملِ بظاهرهِ إذا لم يقتضِ القطعُ ببطلانِه اهـ.\nقلتُ: وهذا مجردُ استبعادٍ فإنهُ كمْ منْ سُنَّةٍ وحادثةٍ انفردَ بها راوٍ ولا يضرُّ سِيَّما مثلُ ابن عباسٍ بحرِ الأمةِ. ويؤيدُ ما قالَه ابنُ عباسٍ من أنَّها كانتِ الثلاثُ واحدةَ ما يأتي منْ حديثِ أبي ركانةَ (^٣) وإنْ كانَ فيهِ كلامٌ وسيأتي.\nالثالثُ: أن هذا الحديثَ وردَ في صورةٍ خاصةٍ هيَ قولُ المطلِّق: أنت طالق أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، وذلكَ أنهُ كانَ في عصرِ النبوةِ وما بعدَه وكانَ حالُ الناسِ [محمولًا] (^٤) على السلامةِ والصدقِ فيقبلُ قولُ منِ ادَّعَى أن اللفظَ الثاني تأكيدٌ للأولِ لا تأسيسُ طلاقِ آخرَ [و] (^٥) يصدَّقُ في دعواهُ. فلمَّا رَأَى عمرُ تَغَيُّرَ أحوالِ الناسِ وغلبة الدعاوَى الباطلةِ رأى منَ المصلحةِ أن يُجْرَى المتكلِّمُ على ظاهرِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢١٩٥) بإسناد حسن.\n(^٢) رقم (١٧/ ١٤٧٢).\n(^٣) سيأتي تخريجه برقم (٥/ ١٠١١) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"محمول\"، والصواب ما ذكرناه في (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"6","page":162},{"text":"[كلامه] (^١) ولا يصدَّقُ في دَعْوى ضميرِه، وهذا الجوابُ ارتضاهُ القرطبيُّ. قالَ النوويُّ (^٢): هو أصحُّ الأجوبةِ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تقريرٌ لكونِ نَهْي عمرَ رأيًا محضًا ومعَ ذلكَ فالناسُ مختلفونَ في كل عصرٍ فيهمُ الصادقُ والكاذبُ، وما يُعْرَفُ ما في ضميرِ الإنسانِ إلَّا منْ كلامِه فَيُقْبَلُ قولُه وإنْ كانَ مُبْطَلًا في نفسِ الأمرِ فَيُحْكَمُ بالظاهرِ واللَّهُ يتولى السرائرَ، معَ أن ظاهرَ قولِ ابن عباسٍ طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ أنهُ كانَ ذلكَ بأي عبارةٍ وقعتْ.\nالرابعُ: أن معنَى قولِه: كانَ الطلاقُ الثلاثِ واحدةً، أن الطلاقَ الذي كانَ يوقعُ في عهدِه - ﷺ - وعهدِ أبي بكرٍ إنَّما كانَ يوقعُ في الغالبِ واحدةً لا يوقعُ ثلاثًا، فمرادُه أن هذا الطلاقَ الذي يوقعون ثلاثًا كانَ يوقعُ في ذلكَ العهدِ واحدةً [ويكون] (^٣) قولُه فلو أمضيناهُ عليهمْ بمعنَى لو أجْريناهُ على حكمِ ما شُرعَ منْ وقوعِ الثلاثِ. وهذَا الجوابُ يتنزلُ على قولِه: استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيهِ أناةٌ، تنزلًا قريبًا منْ غيرِ تكلُّفٍ، ويكونُ معناهُ الإخبارُ عن اختلافِ عاداتِ الناسِ في إيقاعِ الطلاقِ لا في وقوعِه فالحكمُ متقررٌ. وقدْ رجَّحَ هذا التأويلَ ابنُ العربيِّ ونسَبَهُ إلى أبي زرعةَ. وكذا البيهقيُّ (^٤) أخرجَهُ عنهُ قال: معناهُ أن ما تطلقونَ أنتُم ثلاثًا كانُوا يطلقونَ واحدةً.\nقلتُ: وهذا يتمُّ إنِ اتفقَ على أنهُ لم يقعْ في عصرِ النبوةِ إرسالُ ثلاثِ تطليقاتٍ دُفْعَةً واحدةً. وحديثُ أبي ركانَةَ وغيرُه يدفعُه وينْبُو عنهُ قولُ عمرَ: فلوْ أمضيناهُ، فإنهُ ظاهرٌ في أنهُ لم يكنْ مضَى في ذلكَ العصرِ حتَّى رَأَى إمضاءَه، وهوَ دليلُ وقوعِه في عصرِ النبوةِ لكنَّه لمْ يمضِ فليسَ فيهِ أنهُ كانَ وقوعُ الثلاثِ دفعةً نادِرًا في ذلكَ العصرِ.\nالخامسُ: أن قولَ ابن عباسٍ كانَ طلاقُ الثلاثِ ليسَ لهُ حكمُ الرفعِ فهوَ موقوفٌ عليهِ، وهذَا الجوابُ ضعيفٌ لما تقرَّرَ في أصولِ الحديثِ وأصولِ الفقهِ أنْ \"كنَّا نفعلُ\"، و\"كانُوا يفعلونَ\" لهُ حكمُ الرفعِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"قوله\".\n(^٢) في شرحه لصحيح مسلم (١٠/ ٧١).\n(^٣) في (ب): \"فيكون\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٣٨).","vol":"6","page":163},{"text":"السادسُ: أنهُ أُرِيْدَ بقولِه طلاقَ الثلاثَ واحدةً هوَ لفظُ البتَة إذا قالَ: أنتِ طالقٌ البتةَ، وكما سيأتي في حديثِ ركانةَ. فكانَ إذا قالَ القائلُ ذلكَ قُبِلَ تفسيرِه بالواحدةِ وبالثلاثِ، فلما كانَ في عصرِ عمرَ لم يُقْبَلْ منهُ التفسيرُ بالواحدةِ، قيلَ وأشارَ إلى هذا البخاريُّ فإنهُ أدخلَ في هذا البابِ الآثارَ التي فيها البتةَ والأحاديثَ التي فيها التصريحُ بالثلاثِ كأنهُ يشيرُ إلى عدمِ الفرقِ بينَهما وأنَّ البتةَ إذا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ على الثلاثِ إلا إذا أرادَ المطلِّقُ واحدةً فيُقبلُ، فَرَوى بعضُ الرواةِ البتةَ بلفظِ الثلاثِ يريدُ أن أصلَ حديثِ ابن عباسٍ - ﵁ - كانَ طلاقُ البتةَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وعهدِ أبي بكرِ إلى آخرِه.\nقلتُ: ولا يخْفَى بُعْدُ هذا التأويلِ وتوهيمُ الراوي في التبديلِ، ويبعدُه أن الطلاقَ بلفظِ البتةَ في غايةِ الندورِ فلا يحملُ عليهِ ما وقعَ، كيفَ وقولُ عمرَ: قدِ استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، يدلُّ أن ذلكَ واقعٌ أيضًا في عصرِ النبوةِ، والأقربُ أن هذا رأيٌ منْ عمرَ رجح له كما مَنعَ منْ [متعة] (^١) الحجِّ وغيرِها. وكلُّ [واحد] (^٢) يؤخذْ منْ قولِه ويتركُ غيرُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وكونُه خالفَ ما كانَ على عهدِه - ﷺ - فهوَ نظيرُ متعةِ الحجِّ بلا ريبٍ، والتكلفاتُ في الأجوبةِ ليوافقَ ما ثبتَ في عصرِ النبوةِ لا يليق، فقدْ ثبتَ عنْ عمرَ اجتهاداتٌ يعسرُ تطبيقُها على ذلكَ، نعمْ إذا أمكنَ التطبيقُ على وجْهٍ صحيحٍ فهوَ المرادُ.\n٤/ ١٠١٠ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْن لَبيدٍ - ﵁ - قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: \"أَيُلْعَبُ بكِتَاب اللَّهِ وَأَنَا بَينَ أَظْهُرِكُمْ\"؟ حَتى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٣) وَرُوَاتُهُ مُوَثقُونَ. [ضعيف]\n(وعنْ محمودِ بن لبيدٍ - ﵁ -) (^٤) ابن أبي رافعٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ، ولدَ على\n_________\n(^١) في (أ): \"عمرة\".\n(^٢) في (ب): \"أحدٍ\".\n(^٣) في \"السنن\" (٦/ ١٤٢ رقم ٣٤٠١)، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٠٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٨٩)، و\"الإصابة\" =","vol":"6","page":164},{"text":"عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وحدَّثَ عنهُ أحاديثَ، قالَ البخاري: لهُ صحبةٌ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا نعرفُ له صحبةً، وذكرَهُ مسلمٌ في التابعينَ، وكانَ منَ العلماءِ. ماتَ سنةَ ستٍ وتسعينَ. وقدْ تَرْجَمَ لهُ أحمدُ في مسندِهِ وأخرجَ لهُ أحاديثَ ليسَ فيها شيءٌ صرَّحَ فيهِ بالسماع، (قالَ: أخبرَ النبيُّ - ﷺ - عنْ رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا فقامَ غضبانَ ثمَّ قالَ: أَيُلْعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بينَ أظْهُرِكُمْ؟ حتَّى قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أقتلُه. رواهُ النسائيُّ ورواتُه مَوَثَّقُونَ).\nالحديثُ دليلٌ على أن جَمْعَ الثلاثِ التطليقاتِ بدعةٌ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ الهادوية وأبو حنيفةَ ومالكٌ إلى أنهُ بدعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ والإمامُ يحيى إلى أنهُ ليسَ ببدعةٍ ولا مكروهٍ. واستدلَّ الأولونَ بغضبِهِ - ﷺ - وبقولِه أَيُلْعَبُ بكتابِ اللَّهِ؟ وبما أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ (^١) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ أن عمرَ كانَ إذا أُتِيَ برجل طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا أَوْجَعَ ظهرَه ضَرْبًا، وكأنهُ أخذَ عمر تحْريمَهُ منْ قولِه - ﷺ -: \"أيلعبُ بكتابِ اللَّهِ\". استدلَّ الآخرونَ بقولهِ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٢)، وبقولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^٣) وبما يأتي في حديثِ اللِّعانِ (^٤) أنهُ طلَّقها الزوجُ ثلاثًا بحضرتهِ - ﷺ - ولم ينكرْ عليهِ. واجِيْبَ بأنَّ الآيتينَ مُطْلَقَتَانِ، والحديثُ صريحٌ بتحريمِ الثلاثِ فَتُقَيَّدُ بهِ الآيتانِ، وبأنَّ طلاقَ الملاعنِ لزوجتهِ ليسَ طلاقًا في محلِه؛ لأنَّها بانتْ بمجردِ اللعانِ كما يأتي. واعلمْ أن حديثَ محمودٍ لمْ يكنْ فيه دليلٌ على أنهُ - ﷺ - أمْضَى عليهِ الثلاثَ أوْ جعلَها واحدة، وإنَّما ذكرهُ المصنفُ [إخبارًا] (^٥) بأنَّها قد وقعتِ التطليقاتُ الثلاثُ في عصرِه - ﷺ -.\n٥/ ١٠١١ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: طَلَّقَ أَبو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"رَاجعِ امْرَأَتَكَ\"، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: \"قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦). [حسن]\n_________\n= رقم (٧٨٣٨)، و\"أسد الغابة\" رقم (٤٧٨٠)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٣٧٥)، والجمع بين رجال الصحيحين\" (٢/ ٥٠٥).\n(^١) في \"السنن\" (١/ ٢٦٤ رقم ١٠٧٣) بسند صحيح.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٤) رقم (٥/ ١٠٣٤) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (أ): \"إخبار\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢١٩٦)، وهو حديث حسن.","vol":"6","page":165},{"text":"- وَفي لَفْظٍ لأَحْمَدَ (^١): طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"فَإِنها وَاحِدَةٌ\" وَفي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفيه مَقَالٌ. [حسن]\n- وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (^٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبيُّ - ﷺ -. [ضعيف]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: طلَّقَ أبو ركانةَ) بضمّ الراءِ وبعدَ الألفِ نونٌ (أمَّ ركانةَ، فقالَ له النبيُّ - ﷺ -: راجعِ امرأتَكَ، فقالَ: إني طلقتُها ثلاثًا، قالَ: قدْ علمتُ راجِعْها، رواهُ أبو داودَ. وفي لفظِ أحمدَ) أي عن ابن عباسٍ: (طلَّقَ ركانة امرأتَه في مجلسٍ واحدٍ ثلاثًا فحزنَ عليها فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: [راجعها] (^٣) فإنَّها واحدةٌ. وفي سندِهِما) أي حديثِ أبي داودَ وحديثِ أحمدَ (ابنُ إسحاقَ) أي محمدٌ صاحبُ السيرةِ (وفيهِ مقالٌ)، قدْ حقَّقْنَا في \"ثمراتِ النظرِ في علمِ أهلِ الأثرِ\" (^٤) وفي \"إرشادِ النقادِ إلى تيسيرِ الاجتهادِ\" (^٥) عدَمَ صحةِ القدحِ بما يجرحُ روايتَه (وقدْ روى\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٢٦٥) وفي إسناده محمد بن إسحاق. قال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: لا يحتج به. \"الميزان\" (٣/ ٤٦٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٢٠٦) و(٢٢٠٧) و(٢٢٠٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١١٧٧)، وابن ماجه رقم (٢٠٥١)، وابن حبان رقم (١٣٢١ - موارد)، والحاكم (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٧/ ٣٤٢)، والطيالسي رقم (١١٨٨) وغيرهم.\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا - البخاري - عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٠٦٣): \"هو إسناد مسلسل بعلل:\nالأولى: جهالة علي بن يزيد بن ركانة …\nالثانية: ضعف عبد اللَّهِ بن علي بن يزيد …\nالثالثة: ضعف الزبير بن سعيد أيضًا …\nالرابعة: الاضطراب …\nفالخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللَّهُ أعلم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أعانني الله على إتمام تحقيقه وتخريج أحاديثه.\n(^٥) طبع الكتاب بتحقيقنا. ن: مؤسسة الريان - بيروت.","vol":"6","page":166},{"text":"أبو داودَ منْ وجهٍ آخرَ أحسنَ منهُ أن ركانةَ طلَّقَ امرأتَه سهيمةَ) بالسين المهملةُ تصغيرُ سهمةٍ (البتةَ فقالَ: واللَّهِ ما أردت إلا واحدةً فردَّها إليهِ النبيُّ - ﷺ -). وأخرجَه أبو يعلى (^١) وصحَّحَهُ وطُرُقُهُ كلهَا منْ روايةِ محمدِ بن إسحاقَ عنْ داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباسٍ. وقد عملَ العلماءُ بمثل هذا الإسنادِ في عدةٍ منَ الأحكامِ مثلُ حديثِ أنهُ - ﷺ - ردَّ ابنتَه علَى أبي العاصِ بالنكاحِ الأولِ، تقدَّمَ (^٢).\nوقدْ صحَّحَهُ أبو داودَ لأنهُ أخرجَهُ أيضًا منْ طريقٍ أُخْرَى وهيَ التي أشارَ إليها المصنفُ بقولِه أحسنُ منهُ، وهيَ أنهُ أخرجَه منْ حديثِ نافعِ بن عُجَيْرِ بن عبدِ يزيدَ بن ركانةَ أن ركانةَ، الحديثَ. وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ حِبَّانَ (^٣)، والحاكمُ (^٤) وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ بينَ مصحِّحٍ ومضعِّفٍ (^٥). والحديثُ دليل على أن إرسالَ الثلاثِ التطليقاتِ في مجلسٍ واحدٍ يكونُ [تطليقة] (^٦) واحدةً. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في المسألةِ على أربعةِ أقوالٍ:\nالأولُ: إنهُ لا يقعُ بها شيءٌ [لأنهُ] (^٧) طلاقُ بدعةٍ. وهذا للنافين وقوع طلاق البدعة وتقدَّم ذِكْرُهم وأدلتُهم.\nالثاني: إنهُ يقعُ بهِ الثلاثُ وإليهِ ذهبَ عمرُ وابنُ عباسٍ وعائشةُ وروايةٌ عنْ علي - ﵁ - والفقهاءُ الأربعةُ وجمهورُ السلفِ والخلفِ. واستدلُّوا بآياتِ الطلاقِ وأنَّها لم تفرِّقْ بينَ واحدةٍ ولا ثلاثٍ. وأُجيْبَ بما سلفَ أنَّها مُطْلَقاتٌ تحتملُ التقييدَ بالأحاديثِ، واستدلُّوا بما في الصحيحينِ (^٨) أن عويمرًا العجلانيَّ طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا بحضرتِهِ - ﷺ - ولم ينكرْ عليهِ فدلَّ على إباحةِ جَمْعِ الثلاثِ وعلى وقوعِها. وأجيبَ بأنَّ هذا التقريرَ لا يدلُّ على الجوازِ ولا على وقوعِ الثلاثِ؛ لأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ فيما يكونُ في طلاقٍ رافعٍ لنكاحٍ كانَ مطلوبَ الدوامِ والملاعنُ أوقعَ الطلاقَ على ظن أنهُ بقيَ له إمساكُها ولم يعلمْ أنهُ باللعانِ حصلتْ فرقةُ الأبدِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" رقم (١٥٣٨).\n(^٢) رقم (٨/ ٩٤٨) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"الموارد\" رقم (١٣٢١).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٩).\n(^٥) والأصح أنه ضعيف كما تقدم قريبًا.\n(^٦) في (ب): \"طلقة\".\n(^٧) في (ب): \"لأنها\".\n(^٨) البخاري رقم (٥٢٥٩) و(٥٣٠٨) و(٥٣٠٩) و(٤٢٣) و(٤٧٤٥) و(٤٧٤٦) و(٦٨٥٤) و(٧١٦٥) و(٧١٦٦) و(٧٣٠٤)، ومسلم رقم (١٤٩٢).","vol":"6","page":167},{"text":"سواءٌ كانَ فراقُه بنفسِ اللعانِ، أو بتفريقِ الحاكمِ، فلا يدلُّ على المطلوبِ. واستدلُّوا بما في المتفقِ عليهِ (^١) أيضًا في حديثِ فاطمةِ بنتِ قيسٍ أن زوجَها طلَّقَها ثلاثًا وأنهُ - ﷺ - أخْبِرَ بذلكَ قالَ: ليسَ لها نفقةٌ وعليها العدةُ.\nوأجيب عنه بأنهُ ليسَ في الحديثِ تصريحٌ بأَنهُ أوقعَ الثلاثَ في مجلسٍ واحدٍ فلا يدلُّ على المطلوبِ. قالُوا: عدمُ استفصالِه - ﷺ - هل كان في مجلسٍ أو مجالسَ دالٌ على أنهُ لا فَرْقَ في ذلكَ. ويُجَابُ عنهُ بأنهُ لم يستفصلْ لأنهُ كانَ الواقعُ في ذلكَ العصرِ غالبًا عدمَ إرسالِ الثلاثِ كما تقدَّمَ، وقولُنا غالبًا لئلَّا يقالَ قدْ أسلفْنَا أنَّها وقعتِ الثلاثُ في عصرِ النبوةِ؛ لأنَّا نقولُ نعمْ لكنْ نادرًا، ومثلُ هذا [ما استدل] (^٢) بهِ منْ حديثِ عاشثةَ أن رجلًا طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا فتزوَّجتْ فطلَّقَ الآخرُ فَسُئِلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أتحلُّ للأولِ؟ قالَ: \"لا حتَّى يذوقَ عُسَيْلَتَها\"، أخرجَهُ البخاريُّ (^٣). والجوابُ عنهُ هوَ ما سلفَ، ولهمْ أدلةٌ منَ السنةِ فيها ضعفٌ فلا تقومُ بها حجةٌ فلا نعظِّمُ بها حجمَ الكتابِ.\nوكذلكَ ما استدلّوا بهِ منْ فَتَاوَى الصحابة أقوالُ أفرادٍ لا تقومُ بها حجةٌ.\nالقولُ الثالثُ: أنَّها تقعُ بها واحدةٌ رجعيةٌ، وهوَ مرويٌّ عنْ على وابنِ عباسٍ وإليه ذهبَ الهادي والقاسمُ والصادقُ والباقرُ ونَصَرَهُ أبو العباسِ ابنُ تيميةَ وتبعَهُ ابنُ القيمِ تلميذُه على نصرِه. واستدلُّوا بما مرَّ منْ حديثي ابن عباسٍ وهما صريحانِ في المطلوبِ، وبأنَّ أدلةَ غيرِه منَ الأقوالِ غيرُ ناهضةٍ؛ أما الأولُ والثاني فَلِمَا عرفتَ ويأتي ما في غيرِهما.\nالقولُ الرابعُ: أنهُ يفرَّقَ بينَ المدخولِ بها وغيرِها، فتقعُ الثلاثُ على المدخولِ بها و[يقع] (^٤) على غيرِ المدخولِ بها واحدةٌ، وهوَ قولُ جماعةٍ منْ أصحابِ ابن عباس، وإليهِ ذهبَ إسحاقُ بنُ راهويهِ. واستدلُّوا بما وقعَ في روايةِ أبي داودَ (^٥):\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٤٨٠)، ولم يخرجه البخاري.\n(^٢) في (ب): \"ما استدلوا\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٦١) من حديث عائشة.\n(^٤) في (ب): \"تقع\".\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢١٩٩)، وهو حديث ضعيف.","vol":"6","page":168},{"text":"\"أما علمتَ أن الرجلَ كانَ إذا طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا قبلَ أنْ يدخلَ بها جعلُوها واحدة على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -\"، الحديثَ. وبالقياسِ فإنهُ إذا قالَ أنتِ طالقٌ بانتْ منهُ بذلكَ فإذا أعادَ اللفظَ لم يصادفْ محلًا للطلاقِ فكانَ لغوًا. وأُجِيْبَ بما مرَّ منْ ثبوتِ ذلكَ في حقِّ المدخولةِ وغيرِها فمفهومُ حديثِ أبي داودَ لا يقاومُ عمومَ أحاديثِ ابن عباسٍ.\nواعلمْ أن ظاهرَ الأحاديثِ أنهُ لا فرقَ بين أنْ يقولَ أنتِ طالقٌ ثلاثًا أو يكررُ هذا اللفظَ ثلاثًا، وفي كتبِ الفروعِ أقوالٌ وخلافٌ في التفرقةِ بينَ هذه الألفاظِ لم يستندْ إلى دليلٍ واضحٍ. وقدْ أطالَ الباحثونَ في الفروعِ في هذهِ المسألةِ الأقوالَ، وأطبقَ أهلُ المذاهبِ الأربعةِ على وقوعِ الثلاثِ [متتابعة] (^١) لإمضاءِ عمرَ لها، واشتدَّ نكيرُهم على مَنْ خالفَ ذلكَ، وصارتْ هذهِ المسألةُ عَلَمًا عندَهم للرافضةِ والمخالفينَ، وعوقبَ ابن تيمية بسببِ الفُتيا بها، وطِيفَ بتلميذِه ابن القيمِ على جملٍ بسببِ الفتْوى بعدمِ وقوعِ الثلاثِ، ولا يخْفَى أن هذهِ محضُ عصبيةِ شديدةِ في مسألةٍ فروعية قد اختلفَ فيها سلفُ الأمةِ وخلفُها فلا نكيرَ على مَنْ ذهبَ إلى أي قولٍ منَ الأقوالِ المختلفِ فيها كما هوَ معروفٌ، وهاهُنا يتميزُ المنصفُ منْ غيرِه منْ فحولِ النظارِ والأتقياءِ منَ الرجالِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>الجد والهزل في النكاح والطلاق والرجعة</span>\n٦/ ١٠١٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ثَلاثٌ جَدُهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطلاقُ وَالرَّجْعَةُ\"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ (^٣) وَصَحّحَهُ الحاكِمُ (^٤). [حسن]\n_________\n(^١) في (أ): \"متابعة\".\n(^٢) انظر إلى ما قاله ابن تيمية في \"الفتاوى\" (٣/ ١٦ - ١٧)، وما قاله ابن قيم الجوزية في \"إغاثة اللهفان\" (١/ ٢٨٣ - ٣٣١)، و\"إعلام الموقعين\" (٣/ ٣٠، ٤٠) و\"زاد المعاد\" (٥/ ٢٤١ - ٢٧١).\n(^٣) أبو داود رقم (٢١٩٤)، والترمذي رقم (١١٨٤)، وابن ماجه رقم (٢٠٣٩).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٧ - ١٩٨) وقال: حديث صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الرحمن بن حبيب بن أردك: فيه لين.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن. انظر: \"إرواء الغليل\" رقم (١٨٢٦).","vol":"6","page":169},{"text":"- وَفي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ (^١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: \"الطَّلاقُ وَالْعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ\". [حسن لغيره]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: ثلاثٌ جَدّهنَّ جَدٌّ وهزلهنَّ جَدٌّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ. رواه الأربعة إلا النسائيَّ وصحَّحَهُ الحاكمُ، وفي روايةٍ) عنْ أبي هريرةَ (لابنِ عديٍّ منْ وجْهٍ آخرَ ضعيفٍ: الطلاق والعتاق والنكاحُ)، وقد بيَّنَ معناها قولهُ:\n٧/ ١٠١٣ - وَللْحَارِثِ بْنِ أَبي أُسَامَةَ (^٢) مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - رَفَعَهُ: \"لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ في ثَلاثٍ: الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْعِتَاقِ، فَمَنْ قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ\"، وَسَنَدُهُ ضَعيفٌ. [حسن لغيره]\n(وللحارثِ بن أبي أُسامةَ منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ رفعه: لا يجوز اللعبُ في ثلاثٍ: النكاحِ والطلاقِ والعتاقِ، فمنْ قالهنَّ فقد وجَبْنَ. وسندهُ ضعيفٌ) لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةَ وفيهِ انقطاعٌ. أيضًا والأحاديثُ دلَّتْ على وقوعِ الطلاقِ منَ الهازلِ وأنهُ لا يحتاجُ إلى النيةِ في الصريحِ، وإليهِ ذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ، وذهبَ أحمدُ والناصرُ والصادقُ والباقرُ إلى أنهُ لا بدَّ منَ النيةِ لعمومِ حديثِ الأعمالِ بالنياتِ، وأُجِيبَ بأنهُ عامٌّ خصَّه ما ذكرَ منَ الأحاديثِ ويأتي الكلامُ في العتقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1042>حكم ما تحدَّثت به النفس</span>\n٨/ ١٠١٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ\n_________\n(^١) في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٣٣) من حديث أبي هريرة.\nوفي \"سنده\" \"غالب بن عبيد الله الجزري\" ضعيف. وقد قال ابن عدي عنه: \"ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن مما لم أذكره\".\nوالحديث حسن لغيره، واللهُ أعلم.\n(^٢) (رقم: ٥٠١ - زوائد مسند الحارث) وفيه علتان:\n١ - الانقطاع بين عبيد اللهِ، وعبادة.\n٢ - وضعف ابن لهيعة.\nوالحديث حسن لغيره.","vol":"6","page":170},{"text":"عَنْ أُمّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: إن الله تجاوزَ عنْ أمَّتِي ما حدَّثَتْ بهِ أنفسَها ما لم تعملْ أو تَكَلَّمْ. متفقٌ عليهِ)، ورواهُ ابنُ ماجْه (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: \"عما توسوسُ بهِ صدُورُها\" بدلَ: \"ما حدَّثتْ بهِ أنفسَها\"، وزادَ في آخرهِ: \"وما استُكْرِهُوا عليهِ\". قالَ المصنفُ (^٣): وأظنُّ الزيادةَ هذهِ مدرجةً كأنَّها دخلتْ على هشامِ بن عمارٍ منْ حديثٍ في حديثٍ.\nوالحديثُ دليل على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ بحديثِ النفسِ وهوَ قولُ الجمهورِ، ورُوِيَ عن ابن سيرينَ والزهريِّ وروايةٌ عنْ مالكٍ بأنهُ إذا طلَّقَ في نفسهِ وقعَ الطلاقُ، وقوَّاهُ ابنُ العربي بأنَّ منِ اعتقدَ الكفرَ بقلبِهِ ومَنْ أصرَّ على المعصيةِ أثِمَ، وكذلكَ مَنْ قذفَ مسلِمًا بقلبه وكلُّ ذلكَ منْ أعمالِ القلبِ دونَ اللسانِ. ويجابُ عنهُ بأنَّ الحديثَ المذكورَ أَخبرَ عن اللَّهِ تعالَى بأنَّهُ لا يؤاخذُ الأمةَ بحديثِ نفسها، وأنهُ تعالَى قالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٤) وحديثُ النفسِ يخرجُ عن الوسعِ، نعمْ الاسترسالُ معَ النفسِ في باطلِ أحادِيثها يُصيِّرُ العبدَ عازمًا على الفعلِ فَيُخَافُ منهُ الوقوعُ فيما يحرُمُ فهوَ الذي ينبغي أنْ يُسَارعُ بقطعهِ إذا خطرَ، وأما احتجاجُ ابنُ العربيِّ بالكفرِ والرياءِ فلا يخْفَى أنَّهما منْ أعمالِ القلبِ فَهُما مخصوصانِ منَ الحديثِ على أن الاعتقادَ وقَصْدَ الرياءِ قدْ خَرَجَا عنْ حديثِ النفسِ، وأما المصرُّ على المعصيةِ فالإثمُ على عملِ المعصيةِ المتقدِّمِ على الإصرارِ فإنهُ دالٌّ على أنهُ لم يتبْ عنها. واستُدِلَّ بهِ على أن مَنْ كَتَبَ الطلاقَ طلقتِ امرأتهُ؛ لأنهُ عزمَ بقلبِه وعملَ بكتابِه وهوَ قولُ الجماهير، وشرطَ مالكٌ فيهِ الإشهادَ على ذلكَ وسيأتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>أعمال الخاطئ والناسي والمكره</span>\n٩/ ١٠١٥ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٢٦٩)، ومسلم (١/ ١١٦ - ١١٧ رقم ١٢٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٢٠٩)، والترمذي رقم (١١٨٣)، وابن ماجه رقم (٢٠٤٤).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٠٤٤).\n(^٣) في \"فتح الباري\" (٥/ ١٦١).\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.","vol":"6","page":171},{"text":"\"إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١) وَالْحَاكِمُ (^٢)، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: إنَّ الله وضعَ عنْ أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليهِ. رواهُ ابنُ ماجهْ والحاكمُ وقالَ أبو حاتم: [لم] (^٤) يثبتُ)، وقالَ النوويُّ في الروضةِ في تعليقِ الطلاقِ إنهُ حديثٌ حسنٌ. وكذَا قالَ في [آخر] (^٥) الأربعينَ (^٦) لهُ اهـ. وللحديثِ أسانيدُ.\nوقالَ ابنُ أبي حاتمِ (^٧): إنهُ سألَ أباهُ عنْ أسانيدِه فقالَ هذه أحاديثُ منكرةٌ كلُّها موضوعةٌ. وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدُ في \"العلل\" (^٨): سألتُ أبي عنهُ فأنكرهُ جِدًا، وقالَ: ليس يُرْوَى هذا إلا عن الحسنِ عن النبى - ﷺ -. ونقلَ الخلالُ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: مَنْ زعمَ أن الخطأ والنسيانَ مرفوعٌ فقدْ خالفَ كتابَ اللَّهِ وسنةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؛ فإنَّ اللَّهَ أوجبَ في قتلِ النفس الخطأ الكفارة. والحديثُ دليلٌ على أن الأحكام الأخرويةَ منَ العقابِ معفوةٌ عن الأمةِ المحمديةِ إذا صدرتْ عنْ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٤٥).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٨) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ٥٦)، وابن حزم في \"أصول الأحكام\" (٥/ ١٤٩)، وابن حبان في \"الموارد\" رقم (١٤٩٨).\n(^٣) في \"العلل\" (١/ ٤٣١): \"وقال أبي: لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء. إنما سمعه من رجل لم يسمه. أتوهم أنه عبد الله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده\" اهـ.\nوتعقبه الألباني في \"الإرواء\" (١/ ١٢٤): \"ولست أرى ما ذهب إليه أبو حاتم - ﵀ -، فإنه لا يجوز تضعيف حديث الثقة لا سيما إذا كان إمامًا جليلًا كالأوزاعي، بمجرد دعوى عدم السماع، فنحن على الأصل، وهو صحة حديث الثقة حتى يتبين انقطاعه، سيما وقد روي من طرق ثلاث أخرى عن ابن عباس، وروي من حديث أبي ذر وثوبان وابن عمر وأبي بكرة، وأم الدرداء والحسن مرسلًا. وهي وإن كانت لا تخلو جميعها من ضعف فبعضها يقوي بعضًا، وقد بيَّن عللها الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٦٤ - ٦٦) … \"، وبعد ذلك صحَّح الحديث.\n(^٤) في (ب): \"لا\".\n(^٥) في (ب): \"أواخر\".\n(^٦) النووية رقم الحديث (٣٩).\n(^٧) في \"العلل\" (١/ ٤٣١).\n(^٨) (١/ ٥٦١ رقم ١٣٤٠).","vol":"6","page":172},{"text":"خطأٍ أوْ نسيانٍ أو إكراهٍ. فأما ابتناءُ الأحكامِ والآثارِ الشرعية عنها ففي ذلكَ خلافٌ بينَ العلماءِ فاختلفُوا في طلاقِ الناسي؛ فعنِ الحسنِ أنهُ كانَ يراهُ كالعَمْدِ إلا إذا اشترطَ (^١)، أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ (^٢) عنهُ وعنْ عطاءٍ و[هو قولُ] (^٣) الجمهورِ أنهُ لا يكونُ طلاقًا للحديثِ، وكذا ذهبَ الجماهيرُ أنهُ لا يقعُ [طلاقُ] (^٤) الخاطئِ؛ وعنِ الحنفيةِ يقعُ، واختُلِفَ في طلاقِ المكْرَهِ فعندَ الجماهيرِ لا يقعُ. ويروى عن النخعيِّ وقالت الحنفيةُ إنهُ يقعُ. واستدل الجمهورُ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٥). وقالَ عطاءٌ الشركُ أعظمُ منَ الطلاقِ. وقرَّرَ الشافعيٌّ الاستدلالَ بأنَّ الله تعالَى لما وضعَ الكفرَ عمنْ تلفظَ بهِ حالَ الإكراهِ وأسقطَ عنهُ أحكامَ الكفرِ كذلكَ سقطَ عن المكْرَهِ ما دونَ الكفرِ؛ لأنَّ الأعظمَ إذا سقطَ سقطَ ما هوَ دونَه بطريقِ الأُولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1044>تحريم الحلال والقول بأنه لغو</span>\n١٠/ ١٠١٦ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: إِذَا حَرّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بشَيءٍ. وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٦). [صحيح]\n- وَلمُسْلِمٍ (^٧) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إِذَا حَرّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: إذا حرَّمَ امرأتَهُ ليسَ بشيءٍ وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٨) رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ عن ابن عباسِ: إذا حرَّمَ الرجلُ عليهِ امرأتَه فهوَ يمينٌ يكفّرُها) الحديثُ موقوفٌ، وفيهِ دليلٌ علَى أن تحريمَ الزوجةِ لا يكونُ طلاقًا وإنْ كانَ يلزمُ فيهِ كفارةُ يمينٍ، كما دلتْ لهُ روايةُ مسلمٍ، فمرادُه ليسَ بشيءٍ ليسَ بطلاقٍ لا أنهُ لا حكمَ لهُ أصلًا، وقدْ أخرجَ البخاريُّ عنهُ هذا الحديثَ\n_________\n(^١) يعني يقع الطلاق ويبطل الشرط بخلاف العمد فإن الشرط لا يبطل اهـ. من هامش فتح العلام.\n(^٢) في \"المصنف\" (٥/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) سورة النحل: الآية ١٠٦.\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٦٦).\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (١٤٧٣).\n(^٨) سورة الأحزاب: الآية ٢١.","vol":"6","page":173},{"text":"بلفظِ: \"إذا حرَّمَ الرجلُ امرأتَه فإنَّما هيَ يمينٌ يكفِّرها\"، فدل على أنهُ المرادُ بقولِه ليسَ بشيءٍ أنهُ ليسَ بطلاقٍ، ويحتملُ أنهُ أرادَ لا يلزمُ فيهِ شيءٌ، وتكونُ روايةُ أنهُ يمين رواية أخْرى فيكونُ لهُ قولانِ في المسألةِ. والمسألةُ اختلفَ فيها السلفُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والخلفُ منَ الأئمةِ المجتهدينَ حتَّى بلغتِ الأقوالُ إلى ثلاثةَ عشرَ قولًا أصولًا وتفرَّعتْ إلى عشرينَ مذْهبًا (^١).\nالأولُ: أنهُ لغوٌ لا حكمَ لهُ في شيءٍ منَ الأشياءِ وهوَ قولُ جماعةٍ منَ السلفِ، وهو قولُ الظاهرية والحجةُ على ذلكَ أن التحريمَ والتحليلَ إلى اللهِ تعالَى كما قالَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (^٢)، وقدْ قالَ اللَّهُ تعالَى لنبيهِ - ﷺ -: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (^٣)، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٤)، قالُوا: ولأنهُ لا فرقَ بينَ تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ، فكما كانَ الأولُ باطلًا فليكنِ الثاني باطلًا. ثمَّ قولُه: \"هيَ حرامٌ\" إنْ أرادَ [به] (^٥) الإنشاءَ فإنشاءُ التحريمِ ليسَ إليهِ، وإنْ أرادَ بهِ الإخبارَ فهوَ كذبٌ، قالُوا: ونظرُنَا إلى ما سِوَى هذا القولِ - يعني منَ الأقوالِ التي في المسألةِ - فوجدْناها أقوالًا مضطربةً لا برهانَ عليها منَ اللهِ فيتعينُ القولُ بهذَا. وهذَا القولُ يدلُّ عليهِ حديثُ ابن عباسٍ (^٦) وتلاوتُه لقولِه تعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٧) فإنهُ دالُّ على أنهُ لا يحرَّمُ بالتحريمِ ما حرَّمهُ على نفسِه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالَى أنكرَ على رسولِه تحريمَ ما أحلَّ اللَّهُ لهُ وظاهرُه أنَّها لا تلزمُ الكفارةُ، وأما قولهُ تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٨) فإنَّها كفارةُ حَلِفِهِ - ﷺ - كما أخرجَهُ الطبريُّ (^٩) بسندٍ صحيح عنْ زيدِ بن أسلمَ التابعيِّ المشهورِ قالَ: أصابَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أمَّ إبراهيمَ ولدِه في بيتِ بعضِ نسائِه فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ في بيتِي وعلى فراشي فجعلَها عليهِ حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ كيفَ تحرِّمُ\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٦).\n(^٢) سورة النحل: الآية ١١٦.\n(^٣) سورة التحريم: الآية ١.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٨٧.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) تقدم وهو حديث الباب رقم (١٠/ ١٠١٦).\n(^٧) سورة الأحزاب: الآية ٢١.\n(^٨) سورة التحريم: الآية ٢.\n(^٩) في \"جامع البيان\" (١٤/ ج ٢٨/ ١٥٥ - ١٥٩).","vol":"6","page":174},{"text":"الحلالَ فحلفَ باللهِ لا يصيبُها فنزلتْ، هذا أحدُ القوليْنِ فيما حرَّمه - ﷺ - وسيأتي القولُ الآخرُ في [تحقيق] (^١) إيلائِه - ﷺ -. والحديثُ وإنْ كانَ مرسلًا فقدْ أخرجَ النسائيُّ (^٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ - ﷺ - أن النبيَّ - ﷺ - كانتْ لهُ أمةٌ يطؤُها فلمْ تزلْ بهِ حفصةُ وعائشةُ حتَّى حرَّمَها فأنزلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (^٣)، وهذَا أصحُّ سببِ النزولِ، والمرسلُ عنْ زيدٍ قدْ شهدَ لهُ هذا فالكفارةُ لليمينِ لا لمجردِ التحريمِ. وقدْ فَهِمَ هذا زيدُ بنُ أسلمَ فقالَ بعدَ روايتِه القصةَ: \"يقولُ الرجلُ لامرأتِه أنتِ عليَّ حرامٌ لغوٌ وإنَّما يلزمُه كفارةُ يمينٍ إنْ حلفَ\"، وحينئذٍ فالأسوةُ برسولِ اللَّهِ - ﷺ - إلغاءُ التحريم والتكفيرُ إنْ حلفَ، وهذا القولُ أقربُ الأقوالِ المذكورةِ وأرجحُها عندي فلم أَسردْ منْها شيئًا سواه.\n١١/ ١٠١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: \"لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن ابنةَ الجونِ لما أُدْخِلَتْ على رسولِ الله - ﷺ - ودنا منْها قالتْ: أعوذ باللهِ منكَ، قالَ: لقدْ عذتِ بعظيمٍ الحقي بأهلكِ. رواهُ البخاريُّ)، اختُلِفَ في اسمِ ابنةِ الجونِ المذكورةِ اختلافًا كثيرًا، ونفعُ تعيينِها قليلٌ فلا نشتغلُ بنقلهِ. أخرج ابنُ سعدٍ (^٥) منْ طريقِ عبدِ الواحدِ بن أبي عونٍ قالَ: قدمَ النعمانُ بنُ أبي الجونِ الكنديِّ على رسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: يا رسولُ اللهِ أزوِّجُكَ أجملَ أيِّمٍ في العربِ كانتْ تحتَ ابن عمٍّ لها فَتُوُفِّيَ وقدْ رغبت فيكَ، قالَ: \"نعمْ\"، قالَ: فابعثْ مَنْ يحملُها إليكَ فبعثَ معهُ أبا أسيدٍ الساعديِّ، قالَ أبو أسيدٍ: فأقمتُ ثلاثةَ أيامٍ، ثمَّ تحملتْ بها معي في محفةٍ فأقبلتُ بها حتَّى قدمتُ المدينة فأنزلْتُها في بني\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"عشرة النساء\" رقم (٢١) وفي \"السنن\": عشرة النساء، باب الغيرة رقم (٣٩٥٩)، وفي \"التفسير\" سورة التحريم رقم (٦١٩). بسند صحيح.\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٩٣) وقال على شرط مسلم، وأقرَّه الذهبي.\n(^٣) سورة التحريم: الآية ١.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٩/ ٣٥٦ رقم ٥٢٥٤) وقد تقدم.\n(^٥) في \"الطبقات\" (٨/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"6","page":175},{"text":"ساعدةَ ووجهتُ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهوَ في بني عمروِ بن عوفٍ فأخبرتُه الحديثَ. قالَ ابنُ أبي عونٍ: وكانَ ذلكَ في ربيعٍ الأولِ سنةَ سبعٍ، ثمَّ أخرجَ ذلكَ منْ طريقيْنِ (^١). وفي تمامِ القصةِ قيلَ لها: استعيذي منهُ فإنهُ أحْظَى لكِ عندَه وخدعتْ، لما رُئِيَ منْ جمالِها، وذُكِرَ لرسُولِ اللهِ - ﷺ - مَنْ حملَها على ما قالتْ فقال: إنهنَّ صواحبُ يوسفَ وكيدُّهنَّ. والحديثُ دليلٌ على أن قولَ الرجلِ لامرأتهِ الحقي بأهلكِ طلاقٌ؛ لأنهُ لم يرد أنهُ زادَ غيرَ ذلكَ فيكونُ كنايةَ طلاقٍ إذا أُريدَ بهِ الطلاقُ كانَ طلاقًا. قالَ البيهقيُّ (^٢): زادَ ابنُ أبي ذئبِ عن الزهريِّ: الحقي بأهلكِ جعلَها تطليقةً، ويدلُّ على أنهُ كنايةُ طلاقٍ أنهُ قدْ جاءَ في قصةِ كعبِ بن مالكٍ (^٣): أنهُ لما قيلَ لهُ اعتزلِ امرأتَكَ قالَ: الحقي بأهلكِ فكوني عندَهم فكوني عندهم (^٤) ولم يُردِ الطلاقَ فلمْ تُطَلَّقْ وإلى هذا ذهبَ الفقهاءُ الأربعةُ وغيرُهم.\nوقالتِ الظاهريةُ: لا يقعُ الطلاقُ بالحقي بأهلكِ، قالُوا: والنبيُّ - ﷺ - لم يكنْ قدْ عقدَ بابنةِ الجونِ، وإنَّما أرسلَ إليها لِيَخْطِبَها إذِ الرواياتُ قدِ اختلفتْ في قِصَّتِها، ويدلُّ على أنهُ لم يكنْ عقدَ بها ما في صحيحِ البخاريِّ (^٥) أنهُ - ﷺ - قالَ: هبي لي نفسَك، قالتْ: وهلْ تهبُ الملكةُ نفسَها للسُّوقةِ، فأهوى ليضعَ يدَه عليها لتسكنَ فقالتْ: أعوذُ باللَّهِ منكَ، قالُوا: فطلبُ الهبةِ دالٌ على أنهُ لم يكنْ عقدَ بها ويبعدُ ما قالُوه قولُه: ليضعَ يدَه، وروايةُ: فلمَّا دخلَ عليها، فإن ذلكَ إنَّما يكونُ معَ الزوجةِ.\nوأما قولُه: \"هبي لي نفسَكِ\" فإنهُ [قالهُ تطييبًا] (^٦) لخاطرِها واستمالةً لقلبِها، ويؤيدُه ما سلفَ منْ روايةٍ أنَّها رغبت فيكَ. وقدْ رُوِيَ اتفاقُه معَ أبيها على مقدارِ صَدَاقِها، وهذهِ وإنْ لم تكنْ صرائحَ في العقدِ بها إلَّا أنهُ أقربُ الاحتماليْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1045>لا طلاق إلا بعد النكاح</span>\n١٢/ ١٠١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا طَلاقَ إِلَّا\n_________\n(^١) في \"الطبقات\" (٨/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٤٢).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٤٤١٨)، ومسلم رقم (٢٧٦٩).\n(^٤) كذا في المخطوط (أ) و(ب) مكررة.\n(^٥) رقم (٥٢٥٥).\n(^٦) في (ب): \"قاله تطيبًا\".","vol":"6","page":176},{"text":"بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْك\"، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (^١) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢)، وَهُوَ مَعْلُولٌ. [حسن لغيره]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا طلاقَ إلَّا بعدَ نكاحٍ ولا عتقَ إلا بعدَ مِلْكٍ. رواهُ أبو يعلى وصحَّحَهُ الحاكمُ) وقال: أنا متعجبٌ منَ الشيخينِ كيفَ أهملاهُ، لقد صحَّ على شرطِهِمَا منْ حديثِ ابن عمرَ وعائشةَ وعبدِ اللهِ بن عباسٍ ومعاذِ بن جبلٍ وجابرٍ، انتَهى. (وهوَ معلولٌ) بما قالَه الدارقطنيُّ (^٣) الصحيحُ مرسلٌ ليسَ فيهِ جابرٌ. قالَ يحيى بنُ معينٍ: لا يصحُّ عن النبيِّ - ﷺ -: لا طلاقَ قبلَ نكاح، وقالَ ابنُ عبدِ البرِ: رُوِيَ منْ وجوهٍ إلَّا أنَّها عند أهلِ العلمِ بالحديثِ معلولةٌ، انتهَى. ولكنَّهُ يشهدُ لهُ:\n١٣/ ١٠١٩ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ (^٤) عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا. [صحيح]\n_________\n(^١) لم أجده في \"مسند أبي يعلى\" المطبوع. كما لم يعزه صاحب المطالب العالية إلى أبي يعلى. بل عزاه (للحارث) رقم (١٦٦٧)، وقال الشيخ الأعظمي: في إسناده حرام بن عثمان. قال الشافعي: الرواية عنه حرام. وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٨٢٢٤). وأورده الهيثمي في \"مجمع البحرين\" رقم (٢٣٨٠)، وفي \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٣٣٤) ورجاله رجال الصحيح ما عدا شيخه وهو ثقة.\nوأخرجه البزار في \"كشف الأستار\" (٢/ ١٩٢) ورجاله رجال الصحيح، والحاكم (٢/ ٢٠٤) وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠). وقال: أنا متعجِّب من الشيخين الإمامين كيف أهملا هذا الحديث، ولم يخرجاه في الصحيحين. فقد صح على شرطهما حديث ابن عمر وعائشة وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد اللهِ.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن لغيره، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٠٦٨).\n(^٣) في \"العلل\" (٣/ ٧٥).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٠٤٨) بإسناد حسن.\nوقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٢ رقم ٧٢٣/ ٢٠٤٨): \"هذا إسناد حسن، علي بن الحسين وهشام بن سعد مختلف فيهما.\nوله شاهد رواه ابن حبان في صحيحه.\nوالحاكم في \"المستدرك\" من حديث جابر بن عبد اللهِ.\nورواه الحاكم من حديث عائشة. =","vol":"6","page":177},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1046>ترجمة المسور بن مخرمة</span>\n(وأخرجَ ابن ماجة عَنْ المِسْورِ) (^١) بكسرِ الميمِ وسكونِ السينِ المهملةِ وفتحِ الواوِ [فراءٍ] (^٢) (ابن مَخْرَمةَ) بفتحِ الميمِ فخاء معجمةٍ ساكنةِ (مثلَه وإسنادُه حسنٌ لكنَّهُ معلولٌ أيضًا) لأنهُ اختُلِفَ فيهِ على الزهريِّ. قالَ علي بنُ الحسينِ بن واقدٍ عنْ هشامٍ عنْ سعيدِ عن الزهريِّ عنْ عروةَ عن المسورِ، وقالَ حمادُ بنُ خالدٍ: عنْ هشامٍ عنْ سعيدِ عن الزهريِّ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ وعنْ أبي بكرِ وعنْ أبي هريرةَ وأبي موسَى الأشعريِّ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وعمرانَ بن حُصَيْنٍ وغيرِهم ذكرَها البيهقي في الخلافياتِ. وقالَ البيهقيُّ: أصح حديثِ فيهِ حديثُ عمرِو بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ. قالَ الترمذيُّ (^٣): هوَ أحسنُ شيء رُوِيَ في هذا البابِ ولفظُهَ عندَ أصحابِ السننِ (^٤): \"ليسَ علَى رجلٍ طلاقٌ فيما لا يملكُ\"، الحديثَ.\nقالَ البيهقيُّ قالَ البخاريُّ أصحُّ شيءٍ فيهِ وأشهرُه حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ ويأتي (^٥). وحديثُ الزهريِّ عنْ عائشةَ (^٦) وعنْ عليٍّ (^٧) مدارُه علَى جويبرٍ عن الضحاكِ عن النزالِ بن سبرةَ عنْ عليٍّ - ﵁ - وجويبرٌ متروكٌ. ثمَّ قالَ البيهقي: ورواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ حسنٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ على المرأةِ الأجنبيةِ، فإنْ كانَ تنجيزًا فإجماعٌ وإنْ كانَ تعليقًا بالنكاحِ كأنْ يقولَ إنْ نكحتُ فلانةَ فهيَ طالقٌ ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأولُ: أنهُ لا يقعُ مطلقًا وهوَ قولُ الهادويةِ والشافعيةِ وأحمدَ وداودَ وآخرينَ.\n_________\n= ورواه أصحاب السنن الأربعة خلا النسائي من حديث عبد اللهِ بن عمرو.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٧/ ١٥٢).\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨٠١١)، و\"أسد الغابة\" رقم (٤٩٢٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٤٣٤)، \"شذرات الذهب\" (١/ ٧٢)، \"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٧٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٤٨٦).\n(^٤) أبو داود رقم (٢١٩٠، ٢١٩١، ٢١٩٢)، والترمذي رقم (١١٨١)، وابن ماجه رقم (٢٠٤٧)، والنسائي (٧/ ٢٨٩).\n(^٥) برقم (١٤/ ١٠٢٠) من كتابنا هذا.\n(^٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢١).\n(^٧) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٢٠) بسند ضعيف.","vol":"6","page":178},{"text":"ورواهُ البخاريُّ عن اثنينِ وعشرينَ صحابيًا. ودليلُ هذا القولِ حديثُ البابِ وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ منْ قِبَلِ الإسنادِ فهوَ متأيدٌ بكثرةِ الطُّرقِ، وما أحسنَ ما قالَ ابنُ عباسٍ قالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (^١)، ولم يقلْ إذا طلقتموهن ثمَّ نكحتموهنَّ، وبأنهُ إذا قالَ المطلِّقُ: إنْ تزوجتُ فلانةَ فهي طالقٌ مطلِّقٌ لأجنبيةٍ فإنَّها حينَ أنشأَ الطلاقَ أجنبيةٌ والمتجددُ هوَ نكاحُها، فهوَ كما لو قالَ لأجنبيةٍ: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ فدخلتْ وهيَ زوجتُه لم تطلَّقْ إجماعًا. وذهبَ أبو حنيفةَ وهوَ أحدُ قَوْلي المؤيَّدِ باللهِ إلى أنهُ يصحُّ التعليقُ مطلقًا، وذهبَ مالكٌ وآخرونَ إلى التفصيلِ، فقالُوا: إنْ خصَّ بأنْ يقولَ: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها منْ بني فلانٍ أوْ منْ بلدِ كذا فهيَ طالقٌ أوَ قالَ في وقتِ كَذَا وقعَ الطلاقُ، وإنْ عمَّ فقال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهيَ طالقٌ لم يقعْ شيءٌ، وقالَ في \"نهاية المجتهد\" (^٢): سببُ الخلافِ هلْ منْ شرطِ وقوعِ الطلاقِ وجودُ الملكِ متقدِّمًا على الطلاقِ بالزمانِ أوْ ليسَ منْ شَرْطِهِ؟ فَمَنْ قالَ هوَ منْ شرطِهِ قالَ لا يتعلَّقُ الطلاقُ بالأجنبيةِ ومَنْ قالَ: ليسَ منْ شَرْطِهِ إلا وجودُ الملكِ فقطْ قالَ: يقعُ (^٣).\nقلتُ: دَعْوى الشرطيةِ تحتاجُ إلى دليل ومَنْ لم يدعْها فالأصلُ معَه ثمَّ قالَ: وأما الفرقُ بينَ التخصيصِ والتعميمِ فاستحسانٌ مبنيٌّ على المصلحةِ، وذلكَ أنه إذا وقعَ فيه التعميمُ فلو قلْنا بوقوعِه امتنعَ منهُ التزويجُ فلمْ يجدْ سبيلًا إلى النكاحِ الحلالِ فكانَ منْ بابِ النذرِ بالمعصيةِ، وأما إذا خصَّصَ فلا يمتنعُ منهُ ذلكَ اهـ.\nقلتُ: سبقَ الجوابُ عنْ هذا بعدم الدليلِ على الشرطيةِ، هذَا والخلافُ في العتقِ مثلُ الخلافِ في الطلاقِ فيصحُّ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه. وعندَ أحمدَ في أصحِّ قوليْهِ وعليهِ أصحابُه ومنْهمُ ابنُ القيمِ فإنهُ فرَّقَ بينَ الطلاقِ والعتاقِ فأبطلَه في الأولِ وقالَ بهِ في الثاني مستدلًا على الثاني بأنَّ العتقَ لهُ قوةٌ وسرايةٌ؛ فإنهُ يسري إلى ملكِ الغيرِ؛ ولأنهُ يصحُّ أنْ يجعلَ الملكَ سببًا للعتقِ كما لو اشترَى عبدًا ليعتقَه عنْ كفارةٍ أو نذرٍ أو اشتراهُ بشرطِ العتقِ؛ ولأنَّ العتقَ منْ باب القربِ والطاعاتِ وهوَ يصحُّ النذرُ بها وإنْ لم يكنْ المنذور بهِ مملوكًا، كقولَكَ: لئنْ\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: الآية ٤٩.\n(^٢) (٣/ ١٥٩): بتحقيقنا.\n(^٣) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٨).","vol":"6","page":179},{"text":"آتاني اللَّهُ منْ فَضْلِهِ لأَصَّدقنُّ بكذَا وكذَا، ذكرهُ في \"الهدي النبوي\" (^١).\nقلتُ: ولا يخْفَى ما فيهِ، فإنَّ السرايةَ إلى ملكِ الغيرِ تفرَّعتْ منْ إعتاقِهِ لما يملكُه منَ الشقصِ فحكمُ الشارعِ بالسرايةِ لعدمِ تبعُّضِ العتقِ. وأما قولُه: ولأنهُ يصحُّ أنْ يجعلَ الملكَ سببًا للعتقِ كما لوِ اشتَرى عبدًا ليعتقَهُ فيجابُ عنهُ بأنهُ لا يعتقُ هذا الذي اشتراهُ إلَّا بإعتاقهِ كما قالَ ليعتقَه وهذا عتقٌ لما يملكُهُ. وأما قولُه: إنهُ يصحُّ النذرُ، ومثلُه بقولِه لئنْ آتاني اللهُ منْ فَضْلِهِ، فهذِه فيها خلافٌ، ودليلٌ المخالفِ أنهُ قدْ قالَ - ﷺ -: لا نَذْرَ فيما لا يملكُ ابن آدمَ، كما يفيدُه قولُه:\n١٤/ ١٠٢٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (^٣). وَنُقِلَ عَنِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فيهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: لا نَذْرَ لابنِ آدمَ فيما لا يملكُ، ولا عتقَ لهُ فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ لهُ فيما لا يملكُ. أخرجَه أبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَه ونُقِلَ عن البخاريِّ أنهُ أصحُّ ما وردَ فيهِ) تقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ مُسْتَوْفَى.\n١٥/ ١٠٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ:\n_________\n(^١) (٥/ ٢١٥ - ٢١٨) حكم رسول الله - ﷺ - الطلاق قبل النكاح.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٩٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١١٨١) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٤٧)، وابن الجارود رقم (٧٤٣)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٢٨٠ و٢٨١)، والبيهقي (٧/ ٣١٨)، والطيالسي رقم (١٦١٠ - منحة المعبود)، والحاكم (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، وأحمد (٢/ ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧)، والدارقطتني (٤/ ١٤ - ١٥) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. مطولًا، ومختصرًا.\nقلت: وله شاهد من حديث جابر بن عبد اللهِ. أخرجه الطيالسي في \"المسند\" رقم (١٦٨٢)، والبيهقي (٧/ ٣١٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٤).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللهُ أعلم.\n(^٤) ذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" (٩/ ٣٨٢).","vol":"6","page":180},{"text":"\"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (^٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣)، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - عن النبيِّ - ﷺ - قال: رُفِعَ القلمُ) أي ليسَ يجري أصالةً، لا أنهُ رُفِعَ بعدَ وَضْعٍ، والمرادُ برفع [القلم] (^٥) عدمُ المؤاخذةِ لا قلمُ الثوابِ، فلا ينافيْهِ صحةُ إسلامِ الصبيِّ المميِّز كما ثبتَ في غلامِ اليهوديِّ الذي كانَ يخدمُ النبيَّ - ﷺ - فعرضَ عليهِ النبيُّ - ﷺ - الإسلامَ فأسْلَمَ، فقالَ: \"الحمدُ للهِ الذي أنقذَهُ منَ النارِ\" (^٦)، وكذلكَ ثبتَ أن امرأةً رَفَعَتْ إليهِ - ﷺ - صبيًا فقالتْ: أَلِهذَا حجٌّ؟ فقالَ: \"نعمْ ولكِ أجرٌ\" (^٧)، ونحوُ هذا كثيرٌ في الأحاديثِ، (عنْ ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظ، وعنِ الصغيرِ حتَّى يكبرَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يعقلَ أو يفيقَ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ، وأخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ).\nالحديثُ فيهِ كلامٌ كثيرٌ [لأهلِ] (^٨) الحديثِ وفيهِ دليل على أن الثلاثةَ لا يتعلَّقُ بهمْ تكليفٌ، وهوَ في النائمِ المستغرقِ إجماعٌ، والصغيرِ الذي لا تمييزَ لهُ.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ١٠٠، ١٠١، ١٤٤).\n(^٢) أبو داود رقم (٤٣٩٨)، والنسائي (٦/ ١٥٦)، وابن ماجه رقم (٢٠٤١).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nووافقه الذهبي وهو كما قالا.\n(^٤) رقم (١٤٩٦ - موارد).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (١٤٨).\nوللحديث شواهد من حديث علي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة وغيرهم، انظر تخريجها في كتابنا \"إرشاد الأمة\" جزء الطهارة.\n(^٥) في (ب): \"قلم\".\n(^٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٧٥) من حديث أنس.\n(^٧) أخرجه مسلم رقم (١٣٣٦)، وأبو داود رقم (١٧٣٦)، والنسائي (٥/ ١٢٠ - ١٢١)، والبغوي رقم (١٨٥٢)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٤١١)، وأحمد (١/ ٢١٩)، والحميدي رقم (٥٠٤)، والطيالسي رقم (٢٧٠٧)، وابن خزيمة رقم (٣٠٤٩) من حديث ابن عباس.\n(^٨) في (ب): \"أئمة\".","vol":"6","page":181},{"text":"وفيهِ خلافٌ إذا عقلَ وميَّزَ، والحديثُ جعلَ غايةَ رفعِ القلمِ عنهُ إلى أنْ يكبرَ، فقيلَ إلى أنْ يطيقَ الصيامَ ويحصي الصلاةَ وهذَا لأحمدَ، وقيلَ: إذا بلغَ اثنتي عشْرةَ سنةً، وقيلَ: إذا ناهزَ الاحتلامَ، وقيلَ: إذا بلغَ. والبلوغُ يكون بالاحتلامِ في حقِّ الذَّكَرِ معَ إنزالِ المنيِّ إجماعًا، وفي حقِّ الأنثَى عندَ الهادويةِ وبلوغُ خمسَ عشْرَةَ سنة، وإنباتُ الشعرِ الأسودِ المتجعدِ في العانةِ بعدَ تسعِ سنينَ عندَ الهادويةِ وكذلكَ الإمناءُ في حالِ اليقظةِ إذا كانَ لشهوةٍ وفي الكلِّ خلافٌ معروفٌ. وأما المجنونُ فالمرادُ بهِ زائلُ العقلِ فيدخلُ فيهِ السكرانُ والطفلُ كما يدخلُ المجنونُ وقدِ اختُلِفَ في طلاقِ السكرانِ على قوليْنِ:\nالأولُ: أنهُ لا يقعُ وإليهِ ذهبَ عثمانُ وزيدٌ وجابرٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وجماعةٌ منَ السلفِ وهوَ مذهبُ أحمدَ وأهلُ الظاهرِ لهذا الحديثِ ولقولِه تعالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^١)، فجعلَ قولَ السكرانِ غيرَ مُعْتَبَرَ؛ لأنهُ لا يعلمُ ما يقولُ وبأنهُ غيرُ مكلَّفٍ لانعقادِ الإجماعِ، على أن منْ شرطِ التكليفِ العقلُ ومَنْ لا يعقلُ ما يقولُ فليسَ بمكلَّفٍ، أوْ بأنهُ كانَ يلزمُ أنْ يقعَ طلاقُه إذا كانَ مُكْرَهًا علَى شُرْبِها أوْ غيرَ عالِمٍ بأنَّها خمرٌ ولا يقولُه المخالفُ.\nوالثاني: وقوعُ طلاقِ السكرانِ، ويُرْوَى عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ وجماعةٍ منَ الصحابةِ وعنِ الهادي وأبي حنيفةَ والشافعيِّ ومالكٍ واحتجَّ لهمْ بقولِه تعالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٢) فإنهُ نَهْيٌ لهمْ عنْ قُربَانِها حالَ السُّكْرِ والنَّهْيُ يقتضي أنَّهمْ مكلَّفونَ حالَ سُكْرِهِمْ، والمكلَّف تصح منهُ الإنشاءاتُ وبأنَّ إيقاعَ الطلاقِ عقوبةٌ لهُ وبأنَّ ترتيبَ الطلاقِ على التطليقِ منْ بابِ رَبْطِ الأحكامِ بأسبابِها فلا يؤثرُ فيه السكرُ وبأنَّ الصحابةِ أقاموهُ مقامَ الصاحي في كلامهِ فإنَّهم قالُوا: إذا شربَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، فإذا هَذَى افْتَرى، وحدُّ المفتري ثمانونَ. وبأنهُ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٣) عنهُ - ﷺ -: \"لا قيلولةَ في الطلاقِ\"، وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٣) في \"سننه\" رقم (١١٣٠).\nقلت: وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٤١ - ٤٤٢) في ترجمة غازي بن جبلة الجيلاني، والزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٢٢)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (١٠/ ٢٠٣)، =","vol":"6","page":182},{"text":"خطابٌ لهمْ حالَ صَحْوِهِم ونهيٌ لهم قبلَ سُكْرِهمْ أن يقربُوا الصلاةَ حالةَ أنَّهم لا يعلمونَ ما يقولونَ، فهي دليلٌ لنَا كما سلفَ، وبأنَّ جَعْلَ الطلاقِ عقوبةً يحتاجُ إلى دليلِ على المعاقبةِ للسكرانِ بفراقِ أهلهِ؛ فإنَّ الله لم يجعلْ عقوبتَه إلَّا الحدَّ، وبأنَّ ترتيبَ الطلاقِ على التطليقِ محلَّ النزاعِ.\nوقدْ قالَ أحمدُ والبتيُّ: إنهُ لا يلزمُه عَقدٌ ولا بَيْعٌ ولا غيرُه، على أنهُ يلزمُهم القولُ بترتيبِ الطلاقِ على التطليقِ صحَّةُ طلاقِ المجنونِ والنائمِ والسكرانِ غيرِ العاصي بِسُكْره والصبيِّ، وبأَنَّ ما نُقِلَ عن الصحابةِ أنَّهم قالُوا: إذا شربَ إلى آخرِه فقالَ ابنُ حزمٍ (^١): إنهُ خبرٌ مكذوبٌ باطلٌ متناقضٌ، فإنَّ فيهِ إيجابَ الحدِّ على مَنْ هَذَى والهاذي لا حدَّ عليهِ، وبأنَّ حديثَ: \"لا قيلولةَ في طلاقٍ\"، خبرٌ غيرُ صحيحٍ، وإنْ صحَّ فالمرادُ طلاقُ المكلَّفِ العاقلِ دونَ مَنْ لا يعقلُ، ولهمْ أدلةٌ غيرُ هذهِ لا تنهضُ على المدَّعي.\n* * *\n_________\n= كلهم عن صفوان بن غزوان الطائي عن رجل به.\nقال ابن حزم: \"وهذا خبر في غاية السقوط، صفوان منكر الحديث، وبقية ضعيف، والغازي بن جبلة مغموز\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث منكر، واللهُ أعلم.\n(^١) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٢١١).","vol":"6","page":183},{"text":"[الكتاب العاشر] كتاب الرجعَة\nالإشهاد على الرجعة والطلاق\n١/ ١٠٢٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يُطَلِّقُ ثُمَّ يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (^٢). [صحيح]\n- وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (^٣) بِلَفْظِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - سُئِلَ عَمنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: راجع في غَيْرِ سُنّةٍ؟ فَلْيُشْهِدِ الآنَ. وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ في رِوَايَةٍ: وَيَسْتَغْفِرِ الله. [بسند منقطع]\n(عنْ عمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - أنهُ سُئِلَ عن الرجلِ يطلِّق امرأته ثمَّ يراجعُ ولا يشهدُ فقالَ: أشهدْ على طلاقِها وعلى رجْعَتِها. رواهُ أبو داودَ هكذا موقوفًا وسندُه صحيحٌ. وأخرجَه البيهقيُّ بلفظِ: أن عمرانَ بنَ حصينٍ سُئِلَ عمَّنْ راجع امرأتَه ولم يُشهدْ، فقالَ: راجع في غير سنَّةٍ، فيشهدُ الآنَ، وزادَ الطبرانيُّ في روايةٍ: ويستغفر اللَّهِ). دلَّ الحديثُ على شرعيةِ الرجعةِ والأصلُ فيْها قولُه تعالَى:\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢١٨٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٢٥).\n(^٢) وهو كما قال: إسناده صحيح على شرط مسلم.\nوهو حديث صحيح، واللهُ أعلم.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٧٣) وهو منقطع، لأن \"محمد بن سيرين\" لم يسمع من \"عمران بن حصين\".","vol":"6","page":185},{"text":"﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (^١) الآيةَ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أن الزوج يملكُ رجعةَ زوجتهِ في الطلاقِ الرجعيِّ ما دامتْ في العدَّةِ منْ غيرِ اعتبارِ رِضَاها ورِضَا وليِّها إذا كانَ الطلاقُ بعدَ المسيسِ وكانَ الحكمُ بصحةِ المرجعةِ مُجْمَعًا عليهِ لا إذَا كانَ مختلفًا فيهِ.\nوالحديثُ دلَّ على ما دلَّتْ عليهِ آيةُ سورةِ الطلاقِ وهيَ قولُه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) بعدَ ذكرهِ الطلاقَ. وظاهرُ الأمرِ وجوبُ الإشهادِ وبهِ قالَ الشافعيُّ في القديمِ وكأنهُ استقرَّ مذهبُه على عدمِ وجوبِه فإنهُ قالَ المرزعيُّ في \"تيسير البيانِ\": وقدِ اتفقَ الناسُ على أن الطلاقَ منْ غيرِ إشهادٍ جائزٌ، وأما الرجعةُ فيحتملُ أنَّها تكونُ في معنَى الطلاقِ لأنَّها قرينتُه فلا يجبُ فيها الإشهادُ؛ لأنَّها حقٌّ للزوجِ ولا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قَبْضِهِ ويحتملُ أنْ يجبَ الإشهادُ وهوَ ظاهرُ الخطابِ، انتَهى. والحديثُ يُحْتَمَلُ أنهُ قالَه عمرانُ اجتهادًا إذْ للاجتهادِ فيهِ مَسْرَحٌ إلَّا أن قولَه: أرجع في غيرِ سنةٍ، قدْ يقالُ إنَّ السنةَ إذا أُطْلِقتْ في لسانِ الصحابيِّ يرادُ بها سنهُ النبيِّ - ﷺ - فيكونُ مرفُوعًا، إلَّا أنهُ لا يدلُّ على الإيجابِ لتردُّدِ كونِه منْ سنتهِ - ﷺ - بينَ بين الإيجابِ والندبِ. والإشهادُ على المرجعةِ ظاهرٌ إذا كانت بالقول الصريح واتفقوا على الرجعة بالقولِ، واختلفُوا إذا كانتِ الرجعةُ بالفعلِ، فقالَ الشافعيُّ والإمامُ يَحْيَى: إنَّ الفعلَ محرَّمٌ فلا تحلُّ بهِ ولأنهُ تعالَى ذكر الإشهاد ولا إشهاد إلا على القول وأجيب بأنه لا إثم عليه لأنه تعالى قالَ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (^٣) وهيَ زوجةٌ والإشهادُ غيرُ واجب كما سلفَ. وقالَ الجمهورُ: يصحُّ بالفعلِ. واختلفُوا هلْ منْ شرطِ الفعلِ النيةُ فقالَ مالكٌ: لا يصحُّ بالفعلِ إلا معَ النيةِ كأنهُ يقولُ لِعمومِ الأعمالِ بالنياتِ، وقالَ الجمهورُ: تصح لأنَّها زوجةٌ شَرْعًا داخلةٌ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (^٤)، ولا يشترطُ النيةُ في لمسِ الزوجةِ وتقبيلِها وغيرِهما إجماعًا.\nواختُلِفَ هلْ يجبُ عليهِ إعلامُها بأنهُ قدْ راجَعَها لِئلَّا تزوَّج غيرَه؟ فذهبَ الجمهورُ منَ العلماءِ أنهُ لا يجبُ عليهِ، وقيل يجبُ. وتفرَّعَ منَ الخلافِ لو تزوجتْ قبلَ عِلْمِها بأنهُ راجَعَها، فقالَ الأولونَ: النكاحُ باطلٌ وهيَ لزوجِها الذي\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(^٣) سورة المؤمنون: الآية ٢٣. وسورة المعارج: الآية ٧.\n(^٤) سورة المؤمنون: الآية ٢٣. وسورة المعارج: الآية ٧.","vol":"6","page":186},{"text":"ارتجعَها. واستدلُّوا بإجماعِ العلماءِ على أن المرجعةَ صحيحةٌ وإنْ لمْ تعلمْ بِها المرأةُ وبأنَّهم أجمعُوا أن الزوجَ الأولَ أحقُّ بِها قبلَ أنْ تزَوَّجَ، وعنْ مالكٍ أنَّها للثاني دخلَ بها أوْ لم يدخلْ. واستدلَّ بما رواهُ ابنُ وهب عنْ يونسَ عن ابن شهابٍ عن ابن المسيِّبِ أنهُ قالَ: \"مضتِ السُّنةُ في الذي يطلقُ امرأتَه ثمَّ يراجِعُها ثم يكتُمُها رجْعَتَهَا فتحلُّ فتنكحُ زوجًا غيرَه أنهُ ليسَ لهُ منْ أمرِها شيءٌ ولكنَّها لِمنْ تزَوَّجَها\" (^١)، إلَّا أنهُ قيلَ: إنهُ لم يَرْوَ هذَا إلَّا عن ابن شهابٍ فقطْ وهوَ الزهريُّ فيكونُ منْ قولِه وليسَ بحجةٍ. ويشهدُ لكلامِ الجمهورِ حديثُ الترمذيِّ (^٢) عنْ سمرةَ بن جندب أنهُ - ﷺ - قالَ: \"أيُّما امرأةٍ تزوَّجها اثنانِ فهيَ للأولِ مِنْهما\"، فإنهُ صادقٌ على هذهِ الصورةِ. واعلمْ أنهُ قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^٣) أي أحقُّ بردِّهنَّ في العدةِ بشرطِ أنْ يريدَ الزوجُ بردِّها الإصلاحَ وهوَ حسنُ العشرةِ والقيامُ بحقوقِ الزوجيةِ؛ فإنْ أرادَ بالمرجعةِ غيرَ ذلكَ كمنْ يراجعُ زوجَتَه ليطلِّقَها كما يفعلهُ العامةُ فإنهُ يطلِّق ثمَّ ينتقلُ منْ موضِعِه فيراجعُ ثمَّ يطلِّقُ إرادة لِبَيْنُونَةِ المرأةِ فهذِه المراجعةُ لم يُرِدْ بها إصْلاحًا ولا إقامةَ حدودِ اللهِ فهيَ باطلةٌ، إذ الآيةُ ظاهرةٌ في أنهُ لا تباحُ لهُ المراجعةُ ويكونُ أحقَّ بردِّ امرأتِه إلا بشرطِ إرادةِ الإصلاح، وأيُّ إرادةِ إصلاحٍ في مراجعتِها ليطلِّقَها. ومَنْ قالَ إنَّ قولَه: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^٤) ليسَ بشرطٍ للرجعةِ فإنهُ قولٌ مخالفٌ لظاهرِ الآيةِ بلا دليلٍ.\n٢/ ١٠٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ النَّبيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: \"مُرهُ فَلْيُرَاجِعْهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أنهُ لما طلقَّ امرأتَه قالَ النبيُّ - ﷺ - لعمرَ: مُرة فليراجِعْها. متفقٌ عليهِ)، تقدَّمَ الكلامُ عليهِ بما يكْفي منْ غيرِ زيادةٍ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"معجم فقه السلف\" للكتاني (٧/ ٢٢٥).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١١٠) وقال: هذا حديث حسن.\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٠٨٨)، والنسائي (٧/ ٣١٤).\nوهو حديث ضعيف. انظر: \"الإرواء\" رقم (١٨٥٣).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٥) تقدم تخريجه رقم (٢/ ١٠٠٨) من كتابنا هذا.","vol":"6","page":187},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1048>[الباب الأول] باب الإيلاء والظهار والكفارة</span>\nالإيلاءُ هو لغةً: الحلفُ. وشرْعًا: الامتناعُ باليمينِ منْ وطءِ الزوجةِ.\nوالظهارُ: بكسرِ الظاءِ مشتقٌ منَ الظَّهْرِ لقولِ القائلِ أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ.\nوالكفارةُ: وهي منَ التكفيرِ التغطيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>جواز حَلف الرجل من زوجته</span>\n١/ ١٠٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - نِسَائِهِ وَحَرّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١)، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. [ضعيف]\n(عنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: آلَى رسول الله منْ نسائِه وحرَّم وجعلَ الحرامَ حلالًا وجعلَ لليمينِ كفارةً. رواهُ الترمذيُّ ورجالُه ثقاتٌ)، ورجَّحَ الترمذيُّ إرسالَه على وصْلِه. والحديثُ دليلٌ على جوازِ حلفِ الرجلِ منْ زوجَتِه وليسَ فيهِ تصريحٌ بالإيلاءِ المصْطَلَحِ عليهِ في عُرْفِ الشرعِ وهوَ الحلفُ منْ وطْءِ الزوجةِ. واعلمْ أنَّها اختلفتِ الرواياتُ في سببِ إيلائِه - ﷺ - وفي الشيءِ الذي حرَّمهُ على رواياتٍ:\nأحدُها: أنهُ بسبب إفشاءِ حفصةَ للحديثِ الذي أسرَّه إليها واختُلِفَ في الحديثِ الذي أسرَّهُ إليها، أخرجَهُ البخاريُّ (^٢) عن ابن عباسٍ عنْ عمرَ في حديثٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٢٠١). وهو حديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٥٧٤).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥١٩١).","vol":"6","page":188},{"text":"طويلٍ، وأجملَ في روايةِ البخاريِّ هذهِ، وفسَّره في روايةٍ أخرجَها الشيخانِ (^١) بأنهُ تحريمُه لماريةَ وأنهُ أسرَّه إلى حفصةَ فأخبرتْ بهِ عائشةَ، أو تحريمُه للعسلِ (^٢)، وقيلَ: بلْ أسرَّ إلى حفصةَ أن أباها يلي أمرَ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ (١)، وقالَ: لا تخبري عائشةَ بتحريمي ماريةَ.\nوثانيها: أن \"السببَ في إيلائِه أنه فرَّقَ هديةً جاءتْ لهُ بينَ نسائِه، فلمْ ترضَ زينبُ بنتُ جحشٍ بنصيبها فزادَها مرةً أُخْرَى فلم ترضَ، فقالتْ عائشةُ: لقدْ أقمتَ وجْهَكَ تردُّ عليكَ الهديةَ، فقالَ: لأنتُن أهونُ على اللَّهِ منْ أنْ [يغمَّنِي] (^٣)، لا أدخلُ عليكنَّ شَهْرًا\"، أخرجَه ابنُ سعدٍ (^٤) عنْ عمرةَ عنْ عائشةَ، ومنْ طريقِ الزهري عنْ [عمرةَ] (^٥) عنْ عائشةَ نحوُه وقالَ: ذبحَ ذبحًا.\nثالثُها: أنهُ بسببِ طلبهنَّ النفقةَ، أخرجَه مسلمٌ (^٦) منْ حديثِ جابرٍ. فهذهِ أسبابٌ ثلاثةٌ. أما [إفشاء] (^٧) بعضِ نسائِه السرًّ وهيَ حفصةُ، والسرُّ أحدُ ثلاثةٍ: إما تحريمُه ماريةَ أو العسلَ، أو وجد أنه مع مارية، أو بتحريج صدْرِه منْ قِبَلِ ما فرَّق بينَهنَّ منَ الهديةِ، أو تضييقِهنَّ في طلبِ النفقةِ.\nقالَ المصنفُ ﵀: [الأليَق] (^٨) بمكارمِ أخلَاقِه - ﷺ - وسعةِ صدرِه وكثرةِ صفحِه أن يكونَ مجموعُ هذهِ الأشياءَ سببًا لاعتزالهنَّ، فقولها: \"وحرَّم\"، أي حرَّمَ ماريَّةَ أو العسلَ، وليسَ فيهِ دليلٌ على أن التحريمَ للجماعِ حتَّى يكونَ منْ بابِ الإيلاءِ الشرعيِّ، فلا وجْهَ لجزمِ ابن بطالٍ وغيرِه أنهُ - ﷺ - امتنعَ منْ جماعِ نسائِه\n_________\n(^١) لم أعثر عليه عند البخاري ومسلم.\nبل أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٢٣١٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٧)، وقال: رواه الطبراني … من طريق موسى بن جعفر بن أبي كثير، عن عمه، قال الذهبي: مجهول ساقط، وخبره ساقط.\nوأخرجه أيضًا العقيلي (٤/ ١٥٥) في ترجمة موسى بن جعفر هذا، وقال: لا يصح إسناده.\n(^٢) أخرجه البخاري (٨/ ٦٥٦ رقم ٤٩١٢)، ومسلم (٢/ ١١٠٠ رقم ١٤٧٤) من حديث عائشة.\n(^٣) في (أ): \"تغمني\".\n(^٤) في \"الطبقات\" (٨/ ١٩٠).\n(^٥) في (أ): \"عروة\".\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٢٩/ ١٤٧٨).\n(^٧) في (ب): \"لإفشاء\".\n(^٨) في (ب): \"الائق\".","vol":"6","page":189},{"text":"ذلكَ الشهرَ إنْ أخذَه منْ هذا الحديثِ ولا مستندَ له غيرُه؛ فإنهُ قالَ المصنفُ: لم أقفْ على نَقْلٍ صريحٍ في ذلكَ فإنهُ لا يلزمُ منْ عدمِ دخولِه عليهنَّ أنْ لا تدخلَ إحداهنَّ عليهِ في المكانِ الذي اعتزلَ فيهِ إلَّا إنْ كانَ المكانُ المذكورُ منَ المسجدِ فيتمُّ استلزامُ عدمِ الدخولِ عليهنَّ معَ استمرارِ الإقامةِ في المسجدِ العزمَ على تركِ الوطءِ لامتناعِ الوطءِ في المسجدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1050>أحكام الإيلاء</span>\n٢/ ١٠٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَفَ الْمُولِي حَتى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطلِّقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ -: إذا مضتْ أربعة أشهرٍ وقفَ المُولي حتى يطلِّقَ، ولا يقعُ عليهِ الطلاقُ حتى يطلِّقَ. أخرجَهُ البخاريُّ). الحديثُ كالتفسيرِ لقولِه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (^٢)، وقدِ اختلفَ العلماءُ في مسائلَ منَ الإيلاءِ.\nالأُولى: في اليمينِ، فإنَّهم اختلَفُوا فيها فقالَ الجمهورُ: ينعقدُ الإيلاءُ بكلِّ يمينٍ على الامتناعِ منَ الوطْءِ سواءٌ حلفَ باللَّهِ أو بغيرِه، وقالتِ الهادويةُ: إنهُ لا ينعقدُ إلَّا بالحلفِ باللهِ، قالُوا: لأنهُ لا يكونُ يمينًا إلا ما كانَ باللَّهِ تعالَى فلا تشملُ الآيةُ ما كانَ بغيرِه.\nقلتُ: وهوَ الحقُّ كما يأتي.\nالثانيةُ: في الأمرِ الذي تعلَّقَ بهِ الإيلاءُ وهوَ تركُ الجماعِ صريحًا أو كنايةً أو تركُ الكلامِ عندَ البعضِ، والجمهورُ على أنهُ لا بدَّ فيهِ منَ التصريحِ بالامتناعِ منَ الوطْءِ لا مجرَّدَ الامتناعِ عن الزوجةِ. ولا كلامَ أن الأصلَ في الإيلاءِ قولُه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (^٣) الآيةَ، فإنَّها نزلتْ لإبطالِ ما كانَ عليهِ الجاهليةُ منْ إطالةِ مدةِ الإيلاءِ فإنهُ كانَ الرجلُ يولي منِ امرأتِه سنةً وسنتينِ فأبطلَ اللَّهُ تعالَى ذلكَ وأنظرَ المولي أربعةَ أشهرٍ فإما أنْ يفيءَ أو يطلِّقَ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٩١).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٦.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٦.","vol":"6","page":190},{"text":"الثالثةُ: اختلفُوا في مدةِ الإيلاءِ فعندَ الجمهورِ والحنفيةِ لا بدَّ أنْ يكونَ أكثرَ منْ أربعةِ أشهرٍ، وقالَ الحسنُ وآخرونَ: ينعقدُ بقليلٍ الزمانِ وكثيرِه لقوله تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (^١)، وَرُدَّ بأنهُ لا دليلَ في الآيةِ إذْ قدْ قدَّرَ اللهُ المدةَ فيها بقولِه تعالَى: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١)، فالأربعةُ قدْ جعلَها اللهُ مدةَ الإمهالِ فهي كأجلِ الدَّيْنِ لأنهُ تعالَى قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ (١) بفاءِ التعقيبِ وهوَ بعدَ الأربعةِ، فلوْ كانتِ المدةُ أربعةً أوْ أقل لكانتْ قدِ انقضتْ فلا يطالبُ بعدَها، والتعقيبُ للمدَّةِ لا للإيلاءِ لبُعْدِهِ.\nوالرابعةُ: أنَّ مُضِيَّ المدةِ لا يكونُ طلاقًا عندَ الجمهورِ. وقالَ أبو حنيفة: بلْ إذا مضتِ الأربعةُ الأشهرِ طُلِّقتِ المرأةُ. قالُوا: والدليلُ على أنهُ لا يكونُ بمضيِّها طلاقًا أنهُ تعالى خيَّرَ في الآيةِ بينَ الفيئةِ والعزْمِ على الطلاق فيكونانِ في وقتٍ واحدٍ وهوَ بعدَ مُضِيِّ الأربعةِ، فلوْ كانَ الطلاقُ يقعُ [بعد مضي] (^٢) الأربعةِ والفيئةِ بعدَها لم يكنْ [مخيرًا] (^٣) لأنَّ حقَّ المخيَّر أنْ يقَعَ أحدُهما في الوقتِ الذي يصحُّ فيهِ الآخرُ كالكفارةِ؛ ولأنهُ تعالَى أضافَ عَزْمَ الطلاقِ إلى الرجلِ وليسَ مضيُّ المدةِ منْ فعلِ الرجلِ، ولحديثِ ابن عمرَ هذا الذي نحنُ في سياقِه وإنْ كانَ موقوفًا فهوَ مقوٍّ للأدلةِ.\nالخامسةُ: الفيئةُ هيَ الرجوعُ. ثمَّ اختلفُوا بماذا تكونُ، فقيلَ تكونُ بالوطْءِ على القادرِ، والمعذورِ يَبِيْنُ عذْرُهُ بقولهِ لوْ قدرتُ لَفِئْتُ؛ لأنهُ الذي يقدرُ عليهِ لقولهِ تعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٤)، وقيلَ: بقولِه رجعتُ عنْ يميني وهذا للهادويةِ؛ كأنَّهم يقولونَ: المرادُ رجوعُه عنْ يمينِه لا إيقاعَ ما حلفَ عليهِ، وقيلَ: يكون في حقِّ المعذورِ بالنيةِ؛ لأنَّها توبةٌ يكفي فيها العزمُ ورُدَّ بأنَّها توبةٌ عنْ حقِّ مخلوقٍ فلا بدَّ منْ إفهامِهِ الرجوعَ عن الأمرِ الذي عزمَ عليهِ.\nالسادسةُ: اختلفُوا هل تجبُ الكفارةُ على مَنْ فاءَ. فقالَ الجمهورُ: تجبُ لأنَّها يمينٌ قدْ حنثَ فيها فتجبُ الكفارةُ، ولحديثِ: \"مَنْ حلفَ على يمينٍ فرأَى\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٦.\n(^٢) في (ب): \"بمضِيِّ\".\n(^٣) في (ب): \"تخييرًا\".\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.","vol":"6","page":191},{"text":"غيرَها خيرًا منْها فليكفرْ عنْ يمينِه وليأتِ الذي هوَ خيرٌ\" (^١)، وقيلَ لا تجبُ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢)، وأُجِيْبَ بأنَّ الغفرانَ يختصُّ بالذنبِ لا بالكفارةِ ويدلُّ للمسألةِ الخامسةِ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>حكم المولي بعد مضي مدة الإيلاء</span>\n٣/ ١٠٢٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ - ﵁ - قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولِي. رَوَاهُ الشَّافِعيُّ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1052>ترجمة سليمان بن يسار</span>\n(وعنْ سليمانَ بن يسارٍ) (^٤) بفتحِ المثناةِ فسينٍ مهملةٍ مخففةٍ بعدَ الألفِ راءٌ، هوَ أبو أيوبَ سليمانُ بنُ يسارٍ مولى ميمونةَ زوجِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وهوَ أخو عطاءَ بن يسارٍ كانَ سليمانُ منْ فقهاءِ المدينةِ وكبارِ التابعينَ ثقةً فاضلًا ورعًا حجةً، هوَ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ، رَوَى عن ابن عباسٍ وأبي هريرةَ وأمِّ سلمةَ. ماتَ سنةَ سبعٍ ومائةٍ، وهوَ ابنُ ثلاثٍ وسبعينَ سنة (قالَ: أدركتُ بضعةَ عشرَ رجلًا منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - كلّهم يقفونَ المولِي. رواهُ الشافعيُّ) وفي \"الإرشاد\" لابنِ كثيرٍ أنهُ قالَ الشافعيُّ بعدَ روايةِ الحديثِ: وأقلُّ ذلكَ ثلاثةَ عشرَ اهـ.\nيريدُ أقلُّ ما يطلقُ عليهِ لفظُ بضعةَ عشرَ. وقولُه: \"يقفونَ\" بمعنَى يقفونَه أربعةَ أشهرٍ كما أخرجَه إسماعيلُ - هوَ ابنُ أبي إدريسَ - عنْ سليمانَ أيضًا، أنهُ قالَ: أدركْنا الناسَ يقفون الإيلاءَ إذا مضتِ الأربعةُ، فإطلاقُ روايةِ الكتابِ محمولةٌ على\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٢/ ١٦٥٠)، ومالك في، \"الموطأ\" (٢/ ٤٧٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ١٧ رقم ٢٤٣٨) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٦.\n(^٣) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٤٢ رقم ١٣٩)، وفي \"الأم\" (٥/ ٢٨٢) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٤/ ٤٤٤ رقم ١٧٣)، و\"طبقات ابن سعد\" (٥/ ١٧٤)، و\"العبر\" (١/ ١٠٠)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢٥٢)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٣٤).","vol":"6","page":192},{"text":"هذهِ الروايةِ المقيَّدةِ. وقدْ أخرجَ الدارقطنيُّ (^١) منْ حديث سهيلِ بن أبي صالحٍ عنْ أبيهِ أنهُ قالَ: سألتُ أثنى عَشَرَ رجلًا منَ الصحابةِ عن الرجلِ يولى فقالُوا: ليسَ عليهِ شيءٌ حتَّى تمضيَ أربعةُ أشهرٍ فيوقفُ؛ فإنْ فاءَ وإلَّا طلَّقَ. وأخرجَ إسماعيلُ المذكورُ منْ حديثِ ابنُ عمرَ أنهُ قالَ: \"إذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ يوقفُ حتَّى يطلِّقَ ولا يقعُ عليها الطلاقُ حتى يطلِّقَ\". وأخرجَ الإسماعيليُّ أثرَ ابن عمرَ بلفظِ أنهُ كانَ يقولُ: \"أيما رجلٍ آلَى منِ امرأتِه فإذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ لِوقفُ حتَّى يطلِّقَ أو يفيءَ، ولا يقعُ عليها طلاقٌ إذا مضتْ حتَّى يوقفَ\"، وفي البابِ آثارٌ كثيرةٌ عن السلفِ (^٢) كلُّها قاضيةٌ بأنهُ لا بدَّ بعدَ مضيِّ الأربعةِ الأشهرِ منْ إيقافِ المولي، ومعنَى إيقافِه هوَ أنْ يطالبَ إما بالفيءِ أو بالطلاقِ، ولا يقعُ الطلاقُ بمجردِ مُضِيِّ المدةِ، وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ وعليهِ دلَّ ظاهرُ الآيةِ إذْ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (^٣) يدلُّ قولُه: \"سميعٌ\" على أن الطلاقَ يقعُ بقولٍ يتعلَّقُ بهِ السمعُ ولو كانَ يقعُ بمضيِّ المدة [كما قاله ابن المسيب والأوزاعي وربيعة ومكحول والزهرى والكوفيون إنه يقع الطلاق بنفس مضي المدة فقيل طلقة رجعية، وقيل بائنة ولا عدة عليها] (^٤) لكَفَى قولُه: \"عليمٌ\" لما عرفَ منْ بلاغةِ القرآنِ وأنَّ فواصلَ الآياتِ تشيرُ إلى ما دلتْ عليهِ الجملةُ السابقةُ، فإذا وقعَ الطلاقُ فإنهُ يكونُ رجْعيًّا عندَ الجمهورِ وهوَ الظاهرُ ولغيرِهم تفاصيلُ لا يقومُ عليها دليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر</span>\n٤/ ١٠٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِيْلَاءُ الْجَاهِلِيّةِ السَّنَةَ وَالسّنَتَيْنِ. فَوَقَّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيْلَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (^٥). [إسناده صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٦١ رقم ١٤٧)، وعنه البيهقي (٧/ ٣٧٧). وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^٢) انظرها في \"فتح الباري\" (٩/ ٤٢٨ - ٤٢٩). وفي \"الإرواء\" (٧/ ١٦٩ - ١٧٢).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٧.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٨١).","vol":"6","page":193},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: كانَ إيلاءُ الجاهليةِ السنةَ والسنتينِ فوقَّتَ اللَّهُ أربعةَ أشهر، فإنْ كانَ أقلَّ منْ أربعةِ أشهرٍ فليسَ بإيلاءٍ. أخرجَه البيهقيُّ). وأخرجَهُ الطبرانيُّ (^١) أيضًا عنهُ وقالَ الشافعيُّ: كانتِ العربُ في الجاهليةِ تحلفُ بثلاثةِ أشياءٍ، وفي لفظ: \"كانوا يطلِّقونَ الطلاقَ والظِّهارَ والإيلاء فنقلَ تعالَى الإيلاء والظهارَ عما كانَ عليهِ الجاهليةُ منْ إيقاعِ الفرقةِ على الزوجةِ إلى ما استقرَّ عليهِ حكمُهُما في الشرعِ وبقيَ حكمُ الطلاقِ على ما كانَ عليهِ\".\nوالحديثُ دليلٌ على أن أقلَّ ما ينعقدُ بهِ الإيلاءُ أربعةُ أشهرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>أحكام الظهار</span>\n٥/ ١٠٢٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: \"فَلا تَقْرَبْهَا حَتى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ\". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وزَادَ فيهِ: \"كَفرْ وَلَا تَعُدْ\". [حسن]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن رجلًا ظاهرَ منِ امرأتهِ ثمَّ وقعَ عليها فأَتَى النبيَّ - ﷺ - فقالَ: إنِّي وقعت عليها قبلَ أنْ أكفِّرَ قالَ: فلا تقربْها حتَّى تفعلَ ما أَمَرَكَ الله. رواهُ الأربعة وصحَّحَه الترمذيُّ ورجَّحَ النسائيُّ إرسالَه، ورواهُ البزَّارُ منْ وجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ وزادَ فيهِ: كفِّرْ ولا تعدْ) هذَا منْ بابِ الظهارِ والحديثُ لا يضرُّ إرسالُه كما كرَّرْناهُ منْ أن إتيانَه منْ طريقٍ مرسلَةٍ وطريقٍ موصولةٍ لا يكونُ علةً بلْ يزيدُه قوةً، والظهارُ مشتقٌّ منِ الظَّهْرِ؛ لأنهُ قولُ الرجلِ لامرأتِه أنتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي فأُخِذَ اسمُه منْ لفظِه وكَنَّوْا بالظَّهْرِ عما يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ وأضافُوه إلى الأمِّ لأنَّها أمُّ المحرماتِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على تحريمِ الظِّهارِ وإثمِ فاعلِه كما قالَ تعالَى:\n_________\n(^١) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٠)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أبو داود رقم (٢٢٢١، ٢٢٢٢، ٢٢٢٣، ٢٢٢٤، ٢٢٢٥)، والترمذي رقم (١١٩٩) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وابن ماجه رقم (٢٠٦٥)، والنسائي (٦/ ١٦٧) وهو حديث حسن. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٢٢).","vol":"6","page":194},{"text":"﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (^١). وأما حكمهُ بعدَ إيقاعِه فيأتي. وقدِ اتفقَ العلماءُ علَى أنهُ يقعُ بتشبيهِ الزوجةِ بظهرِ الأمِّ، ثمَّ اختلفُوا فيهِ في مسائلَ:\nالأُولَى: إذا شبَّهَهَا بعضوٍ منْها غيرِهِ، فذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يكونُ ظِهارًا أيضًا، وقيلَ يكونُ ظِهارًا إذا شبَّهَهَا بعضوٍ يحرمُ النظرُ إليهِ. وقد عرفتَ أن النصَّ لم يردْ إلَّا في الظَّهْرِ.\nالثانيةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا فيما إذا شبَّهَهَا بغيرِ الأمِّ منَ المحارمٍ، فقالتِ الهادويةُ (^٢): لا يكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ النصَّ وردَ في الأمِّ. وذهبَ آخرون (^٣) منهمْ مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ يكونُ ظهارًا ولو شبَّهَها بمحرَّم منَ الرضاعِ. ودليلُهم القياسُ، فإنَّ العلةَ التحريمُ المؤبَّدُ [الثابت] (^٤)، وهوَ ثابتٌ في المحارمِ كثبوتِهِ في الأمِّ. وقالَ مالكٌ وأحمدُ: إنهُ ينعقدُ وإنْ لم يكنِ المشبَّهُ بهِ مؤبَّدَ التحريم كالأجنبيةِ، بلْ قالَ أحمدُ: حتَّى منْ البهيمةِ ولا يخْفَى أن النصَّ لم يردْ إلَّا في الأمِّ وما ذُكِرَ منْ إلحاقِ غيرِها فبالقياسِ وملاحظةِ المعنَى ولا ينتهضُ دليلًا على الحكْمِ.\nالثالثةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا هلْ ينعقدُ الظِّهارُ منَ الكافرِ؟ فقيلَ: نعمْ لعمومِ الخطابِ في الآيةِ، وقيلَ: لا ينعقدُ منهُ لأنَّ منْ لوازمِهِ الكفارةُ وهيَ لا تصحُّ منَ الكافرِ، ومَنْ قالَ: ينعقدُ منهُ قالَ: يكفِّرُ بالعتْقِ أو الإطعامِ لا بالصوم لتعذُّرِهِ في حقِّهِ، وأُجِيْبَ بأنَّ العتقَ والإطعامَ إذا فُعِلا لأجلِ الكفارةِ كانا قربةً، ولا قربةَ لكافرٍ.\nالرابعةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا في الظهارِ منَ الأمَةِ المملوكةِ، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى أنهُ لا يصحُّ الظِّهارُ منْها؛ لأنَّ قَولَه تعالَى منْ نسائِهم لا يتناولُ المملوكةَ في عُرْفِ اللغةِ للاتفاقِ في الإيلاءِ على أنَّها غيرُ داخلةٍ في عمومِ النساءِ وقياسًا على الطلاقِ. وذهبَ مالكٌ وغيرُه إلى أنهُ يصحُّ منَ الأمَةِ لعمومِ لفظِ النساءِ إلَّا أنهُ اختلفَ القائلونَ بصحتِه منْها في الكفارةِ، فقيلَ: لا تجبُ إلَّا نصفُ الكفارةِ فكأنَّهُ قاسَ ذلكَ على الطلاقِ عندَه.\n_________\n(^١) سورة المجادلة: الآية ٢.\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٥٨٤ - ٥٩١).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"6","page":195},{"text":"الخامسةُ: الحديثُ دليلٌ على أنهُ يحرمُ وطءُ الزوجةِ التي ظاهرَ منْها قبلَ التكفيرِ، وهوَ مجمَعٌ عليهِ لقولهِ تعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فلو وطئَ لم يسقطِ التكفيرُ ولا يتضاعفُ لقولِه - ﷺ -: \"حتَّى تفعلَ ما أمرَكَ اللَّهُ\"، قالَ الصلْتُ بنُ دينارِ: سألتُ عشرةً (^١) منَ الفقهاءِ عن المظَاهِرِ يجامعُ قبلَ التكفيرِ فقالُوا: \"كفارةٌ واحدةٌ\" وهو قولُ الفقهاءِ الأربعةِ (^٢). وعنِ ابن عمرَ أن عليهِ كفارتينِ إحداهُما للظهارَ الذي اقترنَ بهِ العودُ والثانيةُ للوطْءِ المحرَّمِ كالوطءِ في رمضانَ نَهَارًا، ولا يخْفَى ضعفُه. وعن الزهريِّ وابنِ جبيرٍ أنَّها تسقطُ الكفارةُ لأنهُ فاتَ وقتُها [لأنهُ] قبلَ المسيسِ وقدْ فاتَ، وأُجِيْبَ: بأنَّ فواتَ وقتِ الأداءِ لا يسقطُ الثابتَ في الذمةِ كالصلاةِ وغيرِها منَ العباداتِ.\nواختُلِفَ في تحريمِ المقدماتِ، فقيلَ: حُكْمُها حكمُ المسيسِ في التحريمِ لأنَّهُ شبَّهَهَا بمنْ يحرُمُ عليه في حقِّها الوطءُ ومقدماتُه وهذا قولُ الأكثرِ، وعنِ الأقلِّ لا تَحرُمُ المقدماتُ لأنَّ المسيسَ هوَ الوطءُ وحدَه فلا يشملُ المقدماتِ إلا مجازًا ولا يصحُّ أنْ يُرَادَا لأنهُ جَمْعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، وعنِ الأوزاعيِّ يحلُّ لهُ الاستمتاعُ بما فوقَ الإزارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>ترتيب خصال الكفارة في الظهار</span>\n٦/ ١٠٢٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ - ﵁ - قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا فَانْكَشَفَ لي شَيْءٌ مِنْهَا لَيْلَةً فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"حَرِّرْ رَقَبَةً\"، فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي، قَالَ: \"فَصُمْ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ\"، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قالَ: \"أَطْعِمْ فَرَقًا منْ تَمْرٍ ستِّينَ مِسْكِينًا\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٣) والأَرْبَعَةَ إِلَّا النَّسَائِي (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (^٥). [صحيح غيره]\n_________\n(^١) هم: \"الحسن، وابن سيرين، ومسروق، وبكر، وقتادة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة. قال: والعاشر: أراه، نافعًا\" اهـ هامش \"فتح العلام\".\n(^٢) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٦٠٥ - ٦٠٧).\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٣٧).\n(^٤) أبو داود رقم (٢٢١٣)، والترمذي رقم (١١٩٨) و(٣٢٩٩)، وابن ماجه رقم (٢٠٦٢).\n(^٥) في \"المنتقى\" رقم (٧٤٤). =","vol":"6","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1056>ترجمة سلمة بن صخر</span>\n(وعنْ سلمةَ بن صخرٍ) (^١) هوَ البياضيُّ، بفتحِ الموحَّدةِ وتخفيفِ المثناةِ التحتيةِ وضادٍ معجمةٍ، أنصاريٌّ خزرجيٌّ كانَ أحدَ البكائينَ. رَوَى عنهُ سليمانُ بنُ يسارٍ وابنُ المسيِّبِ. قالَ البخاريُّ: لا يصحُّ حديثهُ يعني هذا الذي في الظِّهارِ.\n(قالَ: دخلَ رمضانُ فخِفْتُ أنْ أصيبَ امرأتي) وفي الإرشادِ [قال إني] (^٢) كنتُ [رجلًا] (^٣) أصيبُ منَ النساءِ ما لا يصيبُ غيري (فظاهرتُ منْها فانكشفَ لي شيءٌ منْها ليلةً فوقعتُ عليها، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: حرِّرْ رقبةً، فقلتُ: ما أملكُ إلَّا رقبتي، قالَ: فصمْ شهرينِ متتابعينِ، قلتُ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلَّا منَ الصيامِ؟ قالَ: أطعمْ فَرَقًا منْ تمرٍ ستينَ مسكينًا. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ إلا النسائيَّ وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وقدْ أعلَّه عبدُ الحقِّ بالانقطاعِ بينَ سليمانَ بنَ يسارِ وسلمةَ؛ لأنَّ سليمانَ لم يدركْ سلمةَ. حَكَى ذلكَ الترمذيُّ (^٤) عن البخاريِّ وفي الحديثِ مسائلُ:\n_________\n= قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٦٣ - ١٦٤)، والحاكم (٢/ ٢٠٣)، والبيهقي (٧/ ٣٩٠) من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يسار عنه، به.\nقال الترمذي: \"حديث حسن\" وقال محمد - يعني البخاري -: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر\".\nقلت: ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه عند جميع من ذكرناهم، ومع ذلك فقد صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nوللحديث طريق آخر. أخرجه الترمذي رقم (١٢٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٠٤)، والبيهقي (٧/ ٣٩٠) وقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: بل هو منقطع بين أبي سلمة وأبي ثوبان، وبين سلمة بن صخر، وله شاهد من حديث ابن عباس، انظر تخريجه في \"بداية المجتهد\" (٣/ ١٩٦) بتحقيقنا.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح لغيره، واللهُ أعلم.\n(^١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" رقم (٢١٧٦)، و\"الاستيعاب\" (١٠٢٨)، و\"الإصابة\" رقم (٣٣٩٨)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (١/ ٢٣٢).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"أمرًا\".\n(^٤) في \"السنن\" (٥/ ٤٠٦).","vol":"6","page":197},{"text":"الأُوْلَى: أنهُ دلَّ على ما دلَّتْ عليهِ الآيةُ منْ ترتيبِ خصالِ الكفَّارةِ، والترتيبُ إجماعٌ بينَ العلماءِ (^١).\nالثانيةُ: أنَّها أُطْلِقَتِ الرقبةُ في الآيةِ وفي الحديثِ أيضًا ولم تقيَّدْ بالإيمانِ كما قُيِّدتْ بهِ في آيةِ القتلِ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى عدمِ التقييدِ وأنها تجزئُ رقبةٌ ذميةٌ وقالوا: لا تَقَيُّدَ بما في آيةِ القتلِ لاختلافِ السببِ. وقدْ أشارَ الزمخشريُّ (^٢) إلى عدمِ اعتبارِ القياسِ لعدمِ الاشتراكِ في العلةِ؛ فإنَّ المناسبةَ في آية القتل أنهُ لما أخرجَ رقبةً مؤمنةً منْ صفةِ الحياةِ إلى صفة الموتِ كانت كفارتُه إدخالَ رقبةٍ مؤمنةٍ في حياةِ الحريةِ وإخراجَه عنْ موتِ الرَّقِّيَّةِ؛ فإنَّ الرقَّ يقتضي سلبَ التصرفِ عن المملوكِ فأشْبَهَ الموتَ الذي يقتضي سَلْبَ التصرفِ عن الميتِ، فكانَ في إعتاقهِ إثباتُ التصرفِ فأشْبَهَ الإحياءَ الذي يقتضي إثباتَ التصرفِ للحيِّ، وذهبت الهادويةُ ومالكٌ والشافعيُّ إلى أنهُ لا يجزئُ إعتاقُ رقبةٍ كافرةٍ، [قالوا] (^٣): تقيَّدُ آيةُ الظِّهارِ كما قُيّدَتْ آيةُ القتلِ وإنْ اختلَفَ السببُ، قالُوا: وقدْ أيدتْ ذلكَ السنةُ، فإنهُ لما جاءَهُ - ﷺ - السائلُ يستفتيهِ في عتقِ رقبةٍ كانتْ عليهِ سألَ - ﷺ - الجاريةَ: \"أينَ اللَّهُ\"؟ فقالتْ: في السماءِ، فقالَ: \"منْ أَنَا\"؟ فقالتْ: أنتَ رسولُ اللَّهِ، قالَ: \"فأعتقْها فإنَّها مؤمنة\"، أخرجَهُ البخاريُّ (^٤) وغيرُه.\nقالُوا: فسؤالُه - ﷺ - لها عن الإيمانِ وعدمُ سؤالِه عنْ صفةِ الكفَّارةِ وسببها دالٌّ على اعتبارِ الإيمانِ في كلِّ رقبةٍ تُعْتَقُ عنْ سببٍ، لأنهُ قدْ تقرَّرَ أن تَرْكَ الاستفصَالِ معَ قيام الاحتمالِ ينزلُ منزلةَ العمومِ في المنالِ كما قدْ تكرَّرَ.\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" (١١/ ٨٥ - ٨٦)، \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٣٤).\n(^٢) في \"الكشاف\" (١/ ٢٨٩).\n(^٣) في (أ): \"فقالوا\".\n(^٤) لم يخرجه البخاري. بل أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٣٣/ ٥٣٧) ضمن قصة طويلة، عن معاوية بن الحكم.\nوأخرجه أبو داود رقم (٩٣٠)، والنسائي رقم (١٢١٨)، وأحمد (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨ - ٤٤٩)، والطيالسي في \"المسند\" رقم (١١٠٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة\" رقم (٦٥٢)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" رقم (٤٨٩)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات) (ص ٤٢١ - ٤٢٢)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠) وغيرهم.","vol":"6","page":198},{"text":"قلتُ: الشافعيُّ قائلٌ بهذهِ القاعدةِ، فإنْ قالَ بها مَنْ مَعَهُ منَ المخالفينَ كانَ الدليلُ على التقييدِ هوَ السُّنَّةُ لا الكتابَ؛ لأنَّهم قرَّرُوا في الأصولِ أنهُ لا يحملُ المطلقُ على المقيَّدِ إلَّا معَ اتحادِ السبب. لكنَّه وقعَ في حديثِ أبي هريرةَ عندَ أبي داودَ (^١) ما لفظُه فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، الحديثَ إلى آخرِه.\nقالَ عِزُّ الدينِ الذهبيُّ: وهذا حديث صحيحٌ. وحينئذٍ فلا دليلَ في الحديثِ على ما ذُكِرَ فإنهُ - ﷺ - لم يسألْها عن الإيمانِ إلَّا لأنَّ السائلَ قالَ عليهِ رقبةٌ مؤمنةٌ.\nالثالثةُ: اختلفَ العلماءُ في الرقبةِ المعِيْبَةِ بأيِّ عَيْبٍ، فقالتِ الهادوبةُ وداودُ: تجزئُ المعيبةُ لتناولِ اسمِ الرقبةِ لها، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ إِجْزاءِ المعيبةِ قياسًا علَى الهدايا والضحايا بجامعِ التقربِ إلى اللَّهِ. وفصَّلَ الشافعي فقالَ: إنْ كانتْ كاملةَ المنفعةِ كالأعورِ أجزأتْ وإنْ نقصتْ منافعُه لم تجزْ إذا كانَ ذلكَ ينقصُها نُقْصَانًا ظاهرًا كالأقطع والأعْمى، إذِ العتقُ تمليكُ المنفعةِ وقد نقصتْ، وللحنفيةِ تفاصيلُ في العيبِ يطولُ تعدادُها ويعزُّ قيامُ الأدلةِ عليْها (^٢).\nالرابعةُ: أن قولَه - ﷺ - فصمْ شهرينِ متتابعينِ دالٌ على وجوبِ التتابعِ (^٣) وعليهِ دلتِ الآيةُ، وشرطتْ أنْ تكونَ قبلَ المسِ، فلو مسَّ فيهما استأنفَ وهوَ إجماعٌ إذا وَطِئَها نهارًا متعمّدًا. [وكذلك] (^٤) ليلًا عندَ الهادويةِ وأبي حنيفةَ وآخرينَ ولو ناسيًا للآيةِ. وذهبَ الشافعي وأبو يوسفَ إلى أنهُ لا يضرُّ ويجوزُ؛ لأنَّ علةَ النَّهْي إفسادُ الصومِ ولا إفسادَ بوَطْءِ الليلِ، وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ عامةٌ، واختلفُوا إذا وطئَ نهارًا ناسيًا فعندَ الشافعيِّ وأبي يوسفَ لا يضرُّ لأنهُ لم يفسدِ الصومَ. وقالتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ: بلْ يستأنفُ كما إذا وطِئَ عامدًا لعمومِ الآيةِ، قالُوا: وليستِ العلةُ إفسادَ الصومِ بلْ دلَّ عمومُ الدليلِ للأحوالِ كلِّها على [أنه] (^٥) لا تتمُّ الكفارةُ إلا بوقوعِها قبلَ المسيسِ.\nالخامسةُ: اختلفُوا أيضًا فيما إذا عرضَ لهُ في أثناءِ صيامِهِ عذرٌ مأيوسٌ ثمَّ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٢٨٤) وهو حديث ضعيف.\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١١/ ٨٢ - ٨٥) و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٦٠٨ - ٦١٠).\n(^٣) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٦١٠ - ٦١٣). و\"المغني\" (١١/ ٨٥ - ٩٢).\n(^٤) في (ب): \"كذا\".\n(^٥) في (ب): \"أنها\".","vol":"6","page":199},{"text":"زالَ هلْ يبني على صومِه أوْ يستأنفُ؟ فقالتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ: إنهُ يبني على صومِه؛ لأنهُ فرَّقَهُ بغيرِ اختيارهِ، وقالَ أبو حنيفةَ وهوَ أحدُ قولي الشافعيِّ: بلْ يستأنفُ لاختيارهِ التفريقَ. وأُجيْبَ بأنَّ العذرَ صيَّرهُ كغيرِ المختارِ. وأما لو كانَ العذرُ مرجُوًّا فقيلَ يبني أيضًا، وقيلَ: لا يبني؛ لأنَّ رجاءَ زوالِ العذرِ صيَّرهُ كالمختارِ. وأجيبَ بأنهُ معَ العذرِ لا اختيارَ لهُ.\nالسادسةُ: أن ترتيبَ قولِه - ﷺ - فصمْ على قولِ السائلِ: \"ما أملكُ إلَّا رقبتي\"، يقضي بما قضتْ بهِ الآيةُ منْ أنهُ لا ينتقلُ إلى الصومِ إلَّا لعدمِ وُجْدَان الرقبةِ، فإنْ وجدَ الرقبةَ إلَّا أنهُ يحتاجُها لخدمتِه للعجزِ فإنهُ لا يصحُّ منهُ الصومُ. فإن قيلَ: إنهُ قدْ صحَّ التيممُ لواجدِ الماءِ إذا كانَ يحتاجُ إليهِ فهلَّا قستمُ ما هنا عليهِ؟\nقلتُ: لا يقاسُ، لأنَّ التيممَ قدْ شُرعَ معَ العذرِ فكانَ الاحتياجُ إلى الماءِ كالعذرِ.\nفإنْ قيلَ: فهلْ يجعلُ الشبق إلى الجماع عذرًا يكونُ لهُ معهُ العدولُ إلى الإطعامِ ويُعَدُّ صاحبُ الشبق غيرَ مستطيعٍ للصومِ؟\nقلتُ: هوَ ظاهرُ حديثِ سلمةَ، وقولُه في الاعتذارِ عن التكفيرِ بالصيامِ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلَّا منَ الصيامِ وإقرارهُ - ﷺ - على عذرِه. وقولُه: \"أطْعم\"، يدلُّ على أنهُ عذرٌ يُعْدَلُ معهُ إلى الإطعامِ.\nالسابعةُ: أن النصَّ القرآنيَّ والنبويَّ صريحٌ في إطعامِ ستينَ مِسْكِينًا كأنهُ جعلَ عنْ كلِّ يومٍ منَ الشهرينِ إطعامَ مسكينٍ، واختلفَ العلماءُ هلْ لا بدَّ منْ إطعامِ ستينَ مسكينًا أوْ يكفي إطعامُ مسكينٍ واحدٍ ستينَ يومًا؟ فذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ إلى الأولِ لظاهرِ الآيةِ، وذهبتِ الحنفيةُ وهوَ أحدُ قولَي زيدُ بنُ عليٍّ والناصرِ إلى الثاني وأنهُ يكفي إطعامُ واحدٍ ستينَ يومًا أوْ أكثرَ منْ واحدٍ بقدرِ إطعامِ ستينَ مسكينًا، قالُوا: لأنهُ في اليومِ الثاني مستحقٌّ كَقَبْلِ الدفعِ إليهِ، وأجيبَ بأنَّ ظاهرَ الآيةِ تغايرُ المساكينِ بالذاتِ، ويُرْوَى عنْ أحمدُ ثلاثةُ أقوالٍ كالقولينِ هذيْنِ، والثالثُ: إنْ وجد غيرَ المسكينِ لم يجزِ الصرفُ إليهِ وإلَّا أجْزَأَ إعادةُ الصرفِ إليهِ.\nالثامنةُ: اختلفَ في قدْرِ الإطعامِ لكلِّ مسكينٍ (^١)، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ\n_________\n(^١) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٧/ ٦١٤ - ٦١٨)، و\"البحر الزخار\" (٣/ ٢٣٨ - ٢٤٠).","vol":"6","page":200},{"text":"إلى أن الواجبَ سِتُّونَ صالحًا منْ تمرٍ أو ذُرةٍ أوْ شعيرٍ، أو نصفه منْ برٍّ، وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ والمدُّ ربعُ الصالح. واستدلَّ بقولِه في حديثِ البابِ أطعمْ عرقًا منْ تمرٍ ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ (^١) مكتلٌ يأخذُ خمسةَ عشرَ صَاعًا أو ستةَ عشر، ولإعانته - ﷺ - للواطئ في رمضان بعرق خمسة عشر صاعًا منْ تمرٍ ولأنهُ أكثرُ الرواياتِ في حديثِ سلمةَ هذَا. واستدلَّ الأولونَ بأنهُ وردَ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (^٢): \"اذهبْ إلى صاحبِ صدقةِ بني زُريقٍ فقلْ لهُ فليدفعْها إليكَ فأطعمْ عنكَ منْها وسقًا [من تمرٍ] (^٣) ستينَ مسكينًا\"، قالُوا: والوِسْقُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داود (^٤) والترمذي (^٥): فأطعم وساقًا منْ تمرٍ ستينَ مِسْكِينًا، وجاءَ في تفسيرِ العَرَق أنهُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داودَ أن العرقَ مكتلٌ يسعُ ثلاثينَ صاعًا، قالَ أبو داودَ: وهذا أصحُّ الحديثيْنِ. ولما اختُلِفَ في تفسيرِ العرقِ على ثلاثةِ أقوالٍ واضطربتِ الرواياتُ فيهِ جنحَ الشافعيُّ إلى الترجيحِ بالكثرةِ وأكثرُ الرواياتِ خمسةَ عشرَ صالحًا.\nوقالَ الخطابيُّ في \"معالمِ السنن\" (^٦): العرقُ السفيفةُ (^٧) التي منَ الخوصِ فَيُتَّخَذُ منْها المكاتلُ، قالَ: وجاءَ تفسيرُه أنهُ ستونَ صاعًا، وفي روايةٍ لأبي داودَ (^٨): يسعُ ثلاثينَ صَاعًا وفي روايةِ (^٩) سلمةَ: يسعُ خمسةَ عشرَ صاعًا، فدلَ أن العَرَقَ يختلفُ في السَّعةِ والضِّيقِ، قالَ: فذهبَ الشافعي إلى روايةِ الخمسةَ عشرَ صاعًا.\nقلتُ: يؤيدُ قولَه أن الأصلَ براءةُ الذمةِ عن الزائدِ وهوَ وجهُ الترجيحِ.\nالتاسعةِ: في الحديثِ دليلٌ على أن الكفارةَ لا تسقط جَمِيعُ أنواعِها بالعجزِ وفيهِ خلافٌ، فذهبَ الشافعيُّ وأحدُ الروايتينِ عنْ أحمدَ إلى عَدَمِ سقوطِها بالعجزِ\n_________\n(^١) العَرَق = ٤١.٢٦٥ كلغ.\n(^٢) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٧٨ - ٧٩) ولم أجدها في تفسيره المطبوع.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٢١٣).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٣٢٩٩) وهو حديث حسن.\n(^٦) (٢/ ٦٦٣ - هامش السنن).\n(^٧) وهي القطعة المنسوجة، والنسيج من الخوص.\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٢٢١٥). وهو حديث حسن دون قوله: \"والعَرَقُ مكتل يسع ثلاثين صاعًا\"، قاله الألباني في \"ضعيف أبي داود\".\n(^٩) أخرجها أبو داود رقم (٢٢١٦)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":201},{"text":"لما في حديثِ أبي داودَ عن [خولة] (^١) بنتِ مالكِ بن ثعلبةَ (^٢) قالتْ: ظاهرَ منِّي زوجي أوسُ بنُ الصامتِ إلى أنْ قالَ لها رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يعتقُ رقبةً\"، قالتْ: لا يجدُ، قالَ: \"يصومُ شهرينِ متتابعينِ\"، قالتْ: إنهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صيامٍ، قالَ: \"يطعمُ ستينَ مِسْكِينًا\"، قالتْ: ما عِندَهُ شيءٌ يتصدقُ بهِ، قالَ: \"فإني سأعينُه بعرقٍ من تمر\" الحديثَ، فلوْ كانَ يسقطُ عنهُ بالعجْزِ لأبانَهُ - ﷺ - ولم يعنْهُ منْ عندِه. وذهبَ أحمدُ في روايةٍ وطائفةٌ إلى سقوطِها بالعجزِ كما تسقطُ الواجباتُ بالعجزِ عنْها وعنْ أبدالِها، وقيلَ إنَّها تسقطُ كفارةُ الوطْءِ في رمضانَ بالعجزِ عنْها لا غيرُها منَ الكفاراتِ، قالُوا: لأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ المجامِعَ في نهارِ رمضانَ أنْ يأكلَ الكفارةَ هوَ وعيالُه والرجلُ لا يكونُ مصرفًا لكفارتهِ، وقالَ الأولونَ: إنما حلَّت لهُ لأنهُ إذا عجزَ وكفَّرَ عنهُ الغيرُ جازَ أنْ يصْرفَها [فيه] (^٣) وهوَ مذهبُ أحمدَ في كفَّارةِ الوطْءِ في رمضانَ، ولهُ في غيرِها منَ الكفاراتِ قولانِ وهوَ نظيرُ ما قالتْه الهادويةُ منْ أنهُ يجوزُ للإمامِ إذا قبضَ الزكاةَ منْ شخصٍ أنْ يردَّها إليهِ.\nالعاشِرةُ: قالَ الخطابي (^٤): دلَّ الحديثُ عَلَى أن الظِّهارَ المقيَّدَ كالظِّهَار المطْلَقِ، وهوَ إذا ظَاهرَ منِ امرأتِه إلى مدةٍ ثمَّ أصابَها قبلَ انقضاءِ تلكَ المدةِ. واختلَفُوا فيهِ إذا برَّ ولم يَحْنَثْ فقالَ مالكٌ وابنُ أبي لَيْلَى: إذا قالَ لامرأتِه أنتِ عليَّ كظهْرِ أمي إلى الليلِ لزِمْته الكفَّارةُ وإنْ لم يقربْها، وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا شيءَ عليهِ إذا لم يقربْها، وجعلَ الشافعيُّ في الظِّهارِ المؤقتِ قولينِ أحدُهما أنهُ ليسَ بِظِهارِ.\nفائدةٌ: قدْ يُتَوَّهَمُ أن سببَ نزولِ آيةِ الظِّهارِ حديثُ سلمةَ هذا لاتفاقِ الحكميْنِ في الآيةِ والحديثِ، وليسَ كذلكَ؛ بلْ سببُ نزولها قصةُ أوسِ بن الصامتِ ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في \"الإرشادِ\" منْ حديثِ خويلةَ بنتِ ثعلبةَ قالتْ: \"فيَّ\n_________\n(^١) في (ب): \"خويلة\".\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٢١٤)، وأحمد (٦/ ٤١٠). وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٧/ ١٧٣ رقم ٢٠٨٧).\n(^٣) في (ب): \"إليه\".\n(^٤) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٦١ - هامش السنن).","vol":"6","page":202},{"text":"واللَّهِ وفي أوسٍ أَنْزَلَ اللَّهُ سورةَ المجادلةِ، قالتْ: كنتُ عندَه وكانَ شَيْخًا كَبِيْرًا قدْ ساءَ خُلُقه وقدْ ضجر، قالتْ: فَدَخَلَ عليَّ يومًا فراجعْتُه بشيءٍ فغضبَ فقالَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ، قالتْ: ثمَّ خرجَ فجلسَ في نادي قومِه ساعةً ثمَّ دخلَ عليَّ فإذَا هو يريدني عنْ نفسي، قالتْ: قلتُ كلَّا والذي نفسُ خويلةَ بيدِه لا تخلُصُ إليَّ وقدْ قلتَ ما قلتَ، فحكمَ اللَّهُ ورسولُه فيها\" الحديثَ، رواهُ الإمامُ أحمدُ (^١) وأبو داودَ (^٢) وإسنادُه مشهورٌ، وأُخِذَ منهُ أنهُ إذا قصدَ بلفظِ الظهارِ الطلاقَ لم يقعِ الطلاقُ وكانَ ظِهارًا، وإلى هذَا ذهبَ أحمدُ والشافعيُّ وغيرُهما، قالَ الشافعيُّ: ولو ظاهرَ يريدُ طلاقًا كانَ ظِهَارًا، ولَوْ طلَّق يريدُ ظِهارًا كانَ طلاقًا.\nوقالَ أحمدُ: إذا قالَ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، وعَنَى بهِ الطلاقَ كانَ ظِهَارًا ولا تطلَّق، وعلَّلَه ابنُ القيمِّ (^٣) بأنَّ الظّهارَ كانَ طلاقًا في الجاهليةِ فَنُسِخَ فلمْ يجزْ أنْ يُعَادَ إلى الأمرِ المنسوخِ، وأيضًا فأوسٌ إنَّما نَوَى بهِ الطلاقَ لما كانَ عليهِ فأُجْرِيَ عليهِ حكمُ الظهارِ دونَ الطلاقِ، وأيضًا فإنهُ صريحٌ في حُكْمِهِ، فلمْ يجزْ جعلُه كنايةً في الحكمِ الذي أبطلَ اللَّهُ شَرْعه، وقضاءُ اللَّهِ أحقُّ وحكم اللَّهِ أوجبُ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٤١٠).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٢١٤). وهو حديث صحيح، وقد تقدم قريبًا.\n(^٣) في \"زاد المعاد\" (٥/ ٣٢٥ - ٣٢٦).","vol":"6","page":203},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1057>[الباب الثاني] باب اللعان</span>\nهوَ مأخوذٌ منَ اللَّعْنِ لأنهُ يقولُ الزوجُ في الخامسةِ: لعنةُ اللَّهِ عليهِ إنْ كانَ منَ الكاذبينَ. ويقالُ فيهِ: اللعانُ والالتعانُ والملاعنة. واختُلِفَ في وجوبِه على الزوجِ، فقالَ في الشفاءِ (^١) للأميرِ الحسين: يجبُ إذا كانَ ثمةَ ولدٍ وعلمَ أنهُ لم يقربْها. وفي المهذِّبِ والانتصارِ أنهُ معَ غلبةِ الظنِّ بالزِّنَى منَ المرأةِ أوِ العلم يجوزُ ولا يجبُ، ومعَ عدمِ الظنِّ يحرُمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1058>التفريق بين المتلاعنين إلى الأبد</span>\n١/ ١٠٣٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: سَألَ فُلَانٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذلَكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَاتِ في سُورَةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالَتْ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقَّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ\n_________\n(^١) أي في \"شفاء الأوام\" ولا يزال مخطوطًا ولديَّ صورة عن المخطوط. ووضع الشوكاني عليه حاشية، سمَّاها: \"وبل الغمام على شفاء الأوام\"، وقد قمت بتحقيقها وتخريبها وللَّهِ الحمد والمنة، ن: مكتبة ابن تيمية - القاهرة. ت مكتبة العلم بجدة.","vol":"6","page":204},{"text":"شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، ثُمَّ ثنَّى بِالْمَرْأَةِ، ثُمّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: سألَ فلانٌ) هوَ عويمرُ العجلاني كما في أكثرِ الرواياتِ (فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ أنْ لو وجدَ أحدُنا امرأتَه على فاحشةٍ كيفَ يصنعُ؟ إنْ تكلَّمَ تكلَّمَ بأمرٍ عظيمٍ، وإنْ سكتَ سكتَ على مِثْلِ ذلكَ) أيْ عَلَى أمرٍ عظيمٍ، (فلم يجبْهُ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ أتاهُ فقالَ: إنَّ الذي سألتُكَ عنهُ قدِ ابْتُلِيتُ بهِ)، فأنزلَ اللَّهُ الآياتِ في سورةِ النُّورِ (^٢). والأكثرُ في الرواياتِ أن سببَ نزولِ الآياتِ قصةُ هلالِ بن أميةَ وزوجتِه (^٣) وكانتْ متقدمة على قصةِ عويمرٍ، وإنَّما تلاها - ﷺ - لأنَّ حُكْمَها عامٌّ للأمةِ، (فتلاهنَّ عليه ووعظَه وذكَّرة)، عطفُ تفسيرٍ، إذ الوعظُ هوَ التذكيرُ، (وأخبرَهُ أن عذابَ الدنيا أهونُ منْ عذابِ الآخرةِ) الموعودِ بهِ في قولهِ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (^٤)، (قالَ: لا، والذي بعثكَ بالحقِّ ما كذبتُ عليها، ثمَّ دَعَاها فوعظَها كذلكَ، قالتْ: لا، والذي بعثكَ بالحقِّ إنهُ لكاذبٌ، فبدأَ بالرجلِ فشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللَّهِ ثمَّ ثَنَّى بالمرأةِ ثمَّ فرَّقَ بينَهما. رواهُ مسلمٌ)، في الحديثِ مسائل:\nالأُولى: قولُه: فلم يجبْه، وقعَ عندَ أبي داودَ (^٥): فكرهَ - ﷺ - المسائلَ وعابَها، قالَ الخطابيُّ (^٦): يريدُ المسألةَ عمَّا لا حاجة بالسائلِ إليهِ، وقالَ الشافعيُّ: كانتِ المسائلُ فيما لم ينزل فيه حكمٌ زمنَ نزولِ الوحي ممنوعةً لئلّا يَنزلَ في ذلكَ ما يوقِعُهم في مشقةٍ وعنَت كما قالَ تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ [إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] (^٧)﴾ (^٨)، وفي الحديثِ الصحيحِ: \"أعظمُ الناس جُرْمًا مَنْ سألَ عنْ شيءٍ لم يحرَّمْ فَحُرِّمَ منْ أجلِ مسألتهِ\" (^٩).\nوقالَ الخطابيُّ (^١٠): قدْ وجدْنا المسألةَ في كتابِ اللَّهِ على وجهينِ: أحدُهما\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٤٩٣).\n(^٢) سورة النور: الآيات ٦ - ٩.\n(^٣) كما في \"أسباب النزول\" للواحدي (ص ٣١٦ - ٣١٨).\n(^٤) سورة النور: الآية ٢٣.\n(^٥) في السنن (٢/ ٦٧٩ - ٦٨٢ رقم ٢٢٤٥).\n(^٦) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٨٠ - هامش السنن).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) سورة المائدة: الآية ١٠١.\n(^٩) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٩)، ومسلم رقم (٢٣٥٨) من حديث عامر بن سعد عن أبيه.\n(^١٠) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٨٠ - ٦٨١) هامش السنن.","vol":"6","page":205},{"text":"ما كانتْ على وجْهِ التبيينِ والتعليمِ فيما يلزمُ الحاجةُ إليهِ منْ أمرِ الدينِ، والآخرُ ما كانَ علَى طريقِ التعنُّتِ والتكلُّفِ، فأباحَ [الأمر] (^١) الأولَ وأمرَ بهِ وأجابَ عنهُ فقالَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (^٢)، وقالَ: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (^٣)، وأجابَ تعالَى في الآياتِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (^٤)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (^٥) وغيرِها، وقالَ في النوع الآخَرِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^٦)، وقالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ (^٧)، فكلُّ ما كانَ منَ السؤالِ على هذا الوجْهِ فهوَ مكروه، فإذا وقعَ السكوتُ عنْ جوابِه فإنَّما هوَ زجْرٌ للسائلِ، فإذَا وقعَ الجوابُ فهوَ عقوبةٌ وتغليظٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1059>يبدأ الرجل باللعان</span>\nالثانية: في قولِه: فبدأَ بالرجلِ، ما يدلُّ على أنهُ يبدأُ بهِ وهوَ قياسُ الحكمِ الشرعيِّ؛ لأنهُ المدَّعي فيقدَّم وبهِ وقعتِ البداءةُ في الآيةِ، وقدْ وقعَ الإجماعُ على أن تقديْمَهُ سنةٌ. واختُلِفَ هلْ تجبُ البداءةُ بهِ أمْ لا؟ فذهبَ الجماهيرُ إلى وجوبِها لقولِه - ﷺ - لهلالٍ: \"البيِّنةُ وإلَّا حدٌّ في ظَهْرِكَ\" (^٨) فكانتِ البداءةُ بهِ لدفعِ الحدِّ عن الرجلِ، فلو بدأَ بالمرأةِ كانَ دافعًا لأمرٍ لم يثبتْ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنها تصحُّ البداءةُ بالمرأةِ؛ لأنَّ الآيةَ لم تدلَّ علَى لزومِ البداءةِ بالرجلِ لأنَّ العطْفَ فيها بالواوِ وهيَ لا تقتضي الترتيبَ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّها وإنْ لم تقتضِ الترتيبَ فإنهُ تعالَى: لا يبدأُ إلَّا بما هوَ الأحقُّ في البداءةِ والأقدمُ في العنايةِ، وبيَّنَ فعلُه - ﷺ - ذلكَ فهوَ مثلُ قولِه: \"نبدأُ بما بدأَ اللَّهُ بهِ\" (^٩) في وجوبِ البداءةِ بالصَّفَا.\n_________\n(^١) في (ب): \"النوع\".\n(^٢) سورة النحل: الآية ٤٣.\n(^٣) سورة يونس: الآية ٩٤.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٩.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٦) سورة الإسراء: الآية ٨٥.\n(^٧) سورة النازعات: الآيتان ٤٢ - ٤٣.\n(^٨) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري رقم (٤٧٤٧)، وأبو داود رقم (٢٢٥٤)، والترمذي رقم (٣١٧٩) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وابن ماجه رقم (٢٠٦٧)، والبيهقي (٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤) من طريق هشام بن حسان، قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس.\n(^٩) وهو جزء من حديث جابر بن عبد اللهِ أخرجه مسلم رقم (١٢١٨)، وأبو داود رقم (١٩٠٥)، وابن ماجه رقم (٣٠٧٤)، ومالك (١/ ٣٧٢)، والدارمي (٢/ ٤٤ - ٤٩)، =","vol":"6","page":206},{"text":"الثالثةُ: قولُه: ثمَّ فرَّقَ بينَهما، دالٌّ على أن الفرقة بينَهما لا تقعُ إلا بتفريقِ الحاكمِ لا بنفسِ اللعانِ. وإلى هذا ذهبَ كثيرٌ مستدلينَ بهذَا اللفظِ في الحديثِ، وأنهُ ثبتَ في الصحيحِ بأنَّ الرجلَ طلَّقَها ثلاثًا بعدَ تمامِ اللعانِ، وأقرَّهُ النبيُّ - ﷺ - على ذلكَ، ولوْ كانتِ الفرقةُ بنفسِ اللعانِ لَبَيَّنَ - ﷺ - أن طلاقَه في غيرِ محلِّهِ.\nوقالَ الجمهورُ: بلِ الفرقةُ تقعُ بنفسِ اللعانِ وإنَّما اختلَفُوا هلْ تحصلُ الفرقةُ بتمامِ لعانهِ وإنْ لم تلتعنْ هيَ؟ فقالَ الشافعيُّ: تحصلُ بهِ، وقالَ أحمدُ: لا تحصلُ إلَّا بتمامِ لعانِهما وهوَ المشهورُ عندَ المالكيةِ وبهِ قالتِ الظاهريةُ. واستدلُّوا بما في صحيح مسلمٍ (^١) منْ قولِهِ - ﷺ -: \"ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ\".\nقالَ ابنُ العربيِّ: أخبرَ - ﷺ - بقولِه ذلكمْ عنْ قولِه: \"لا سبيلَ لكَ عليها\"، قالَ: كذَا حكمُ كلِّ متلاعنينِ فإنْ كانَ الفراقُ لا يكونُ إلا بمحكمٍ فقدْ نفذَ الحكمُ فيهِ منَ الحاكمِ الأعظمِ - ﷺ - بقولِه ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ، قالُوا: وقولُه: فرّقَ بينهما معناه إظهار ذلك وبيان حكم الشرع فيه لا أنه أنشأ الفرقة بينهما، قالوا: وأما طلاقُه إيَّاها فلمْ يكنْ عنْ أمرِه - ﷺ - وبأنهُ لم يزدِ التحريمُ الواقعُ باللعانِ إلا تأكيدًا فلا يحتاجُ إلى إنكارِه، وبأنهُ لو كانَ لا فرقةَ إلَّا بالطلاقِ لجازَ لهُ الزواجُ بها بعدَ أنْ تنكحَ زوجًا غيرَهُ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٢) عن ابن عباسٍ - ﵁ - الحديثَ وفيهِ: وقضَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ لا بيتَ لها عليهِ ولا قوتَ منْ أجلِ أنَّهما يتفرقانِ منْ غيرِ طلاقٍ ولا متوفَّى عنْها. وأخرجَ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ سهلِ بن سعدٍ في حديثِ المتلاعنيْنِ قالَ: مضتِ السُّنةُ بعدُ في المتلاعنينِ أنْ يفرَّقَ بينَهما ثمَّ لا يجتمعانِ أبدًا. وأخرجَهُ البيهقيُّ (^٤) بلفظِ: فرَّقَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بينَهما وقالَ: \"لا يجتمعانِ أبدًا\"، وعنْ عليٍّ (^٥) وابنِ مسعودٍ (^٦) قالا: مضتِ السُّنةُ\n_________\n= وأحمد (٣/ ٣٢٠، ٣٢١)، والبيهقي (٥/ ٧، ٩).\n(^١) رقم (٣/ ١٤٩٢).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٢٥٦). وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٢٥٠). وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤١٠).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ١١٢ - ١١٣ رقم ١٢٤٣٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٠).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ١١٢ رقم ١٢٤٣٤)، والبيهقي (٧/ ٤١٠).","vol":"6","page":207},{"text":"بينَ المتلاعنينِ أنْ لا يجتمعَا أبدًا\"، وعنْ عمرَ (^١) يُفَرَّقُ بينَهما ولا يجتمعانِ أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>هل فرقة اللعان فسخ أم طلاق بائن</span>\nالرابعةُ: اختلفَ العلماءُ في فرقةِ اللعانِ هلْ هيَ فسخٌ أو طلاقٌ بائنٌ؟\nفذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم إلى أنَّها فسخٌ مستدلينَ بأنَّها توجبُ تحريمًا مؤبَّدًا فكانتْ فَسْخًا كفرقةِ الرضاعِ إذْ لا يجتمعانِ أبدًا، ولأنَّ اللعانَ ليسَ صريحًا في الطلاقِ ولا كنايةَ فيهِ. وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّها طلاقٌ بائنٌ مستدلًا بأنَّها لا تكونُ إلَّا منْ زوجةٍ فهيَ منْ أحكامِ النكاحِ المختصةِ فهيَ طلاقٌ إذْ هوَ منْ أحكامِ النكاحِ المختصةِ، بخلاف الفسخِ فإنهُ قدْ يكونُ منْ أحكامِ غيرِ النكاحِ كالفسخِ بالعيبِ. وأُجِيْبَ بأنهُ لا يلزمُ منِ اختصاصِه بالنكاحِ أنْ يكونَ طلاقًا كما أنهُ لا يلزمُ فيهِ نفقةٌ ولا غيرُها.\nالخامسة: وهي فرع للرابعة. اختلفوا لو أكذب نفسه بعد اللعان هل تحل له الزوجة؟ فقالَ أبو حنيفةَ: تحلُّ لهُ لزوالِ المانعِ المحرِّم وهوَ قولُ سعيدِ بن المسيِّبِ فإنهُ قالَ: فإنْ أكذبَ نفسَه فإنهُ خاطبٌ منَ الخطَّابِ. وقالَ ابنُ جبيرٍ: تُرَدُّ إليهِ ما دامتْ في العدةِ، وقالَ الشافعي وأحمدُ: لا تحلُّ لهُ أبدًا لقولِه - ﷺ - لا سبيلَ لكَ عليها.\nقلت: قدْ يجابُ عنهُ بأنهُ - ﷺ - قالَه لِمنِ التعنَ ولم يكذِّبْ نفسَه.\nالسادسةُ: في حديثِ لعانِ هلالِ بن أميةِ أنهُ قذفَ امرأتَهُ عندَ النبيِّ - ﷺ - بشريكِ بن سحماءَ، الحديثُ عندَ أبي داودَ (^٢) وغيرِهِ. قالَ الخطابيُّ (^٣): فيهِ منَ الفقهِ أن الزوجَ إذا قذفَ امرأتَه برجلٍ بعينِه ثمَّ تلاعَنَا فإنَّ اللعانَ يسقطُ عنهُ الحدَّ فيصيرُ في التقديرِ ذِكْرُه المقذوفَ بهِ تبعًا ولا يعتبرُ حكْمهُ، وذلكَ أنهُ - ﷺ - قال لهلالِ بن أميةَ: البينةُ أو حدٌّ في ظَهْرِكَ، فلمَّا تلاعَنَا لم يتعرضْ لهلالٍ بالحدِّ. ولا يُرْوَى في شيءٍ منَ الأخبارِ أن شريك بنَ سحماءَ عفا عنهُ فعلِم أن الحدَّ الذي\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٣٥١).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٢٥٤) وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٨٧) هامش السنن.","vol":"6","page":208},{"text":"كانَ يلزمُه بالقذفِ سقطَ عنهُ باللعانِ وذلكَ لأنهُ مضْطَّرٌ إلى ذِكْرِ مَنْ يقذفُها بهِ لإزالةِ الضررِ عنْ نفسهِ، فلم يحملْ نفسَه على القصدِ لهُ بالقذفِ وإدخالِ الضررِ عليهِ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا ضرورةَ في تعيينِ مَنْ قَذَفَها بهِ، وقالَ الشافعيُّ: إنَّما يسقطُ عنهُ الحدُّ إذا ذكرَ الرجلَ وسمَّاهُ في اللعانِ، فإنْ لمْ يفعلْ ذلكَ حُدَّ لهُ. وقالَ أبو حنيفةَ: الحدُّ لازم لهُ وللرجلِ مطالبتُه بهِ، وقالَ مالكٌ: يُحَدُّ للرجلِ ويُلاعَنْ للزوجةِ، انتَهى.\nقلتُ: ولا دليلَ في حديثِ هلالٍ علَى سقوطِ الحدِّ بالقذْفِ؛ لأنهُ حقٌّ للمقذوفِ ولم يردْ أنهُ [طالبه] (^١) بهِ حتَّى يقولَ لهُ - ﷺ - قدْ سَقَطَ باللعانِ أو بحده للقاذف، فيتبينُ الحكمُ، والأصلُ ثبوتُ الحدِّ على القاذفِ، واللعانُ إنَّما شُرعَ لدفعِ الحدِّ عن الزوجِ والزوجةِ.\n٢/ ١٠٣١ - وَعَنْهُ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: \"حِسَابُكُما عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالي. فَقَالَ: \"إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا\". مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ للمتلاعنَيْنِ: حسابُكما على اللَّهِ) بَيَّنَه بقولِه: (أحدُكما كاذبٌ) فإذَا كانَ أحدُهما كاذبًا فاللَّهُ هوَ المتوفي لجزائِهِ (لا سبيلَ لكَ عليْها) هوَ إبانةٌ للفُرقَةِ بينَهما كما سلفَ (قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، مالي)، يريدُ بهِ الصَّدَاقَ الذي سلَّمه إليها، (قالَ: إنْ كنتَ صدقْتَ عليها فهوَ بما استحللتَ من فَرْجِهَا، وإن كنتَ كاذبًا عليها فذلكَ أبعدُ لك منْها. متفقٌ عليهِ). الحديثُ أفادَ ما سلفَ منَ الفراقِ بينَهما وأنَّ أحدَهما كاذب في نفسِ الأمرِ، وحسابُه على اللهِ، وأنهُ لا يرجعَ بشيءٍ\n_________\n(^١) في (ب): \"طالب\".\n(^٢) البخاري رقم (٥٣١٢)، ومسلم رقم (١٤٩٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٢٥٧)، والنسائي (٦/ ١٧٧)، وأحمد في \"المسند\" رقم (٤٥٨٧ - شاكر)، والبيهقي (٧/ ٤٠١)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٢٠١)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" رقم (١٥٥٦) وغيرهم.","vol":"6","page":209},{"text":"مما سلَّمَهُ منَ الصَّدَاقِ، لأنهُ إنْ كانَ صادقًا في القذْفِ فقدِ استحقَّتِ المالَ بما استحل منْها وإن كانَ كاذبًا فقدِ استحقَّتْهُ أيضًا بذلكَ ورجوعُه إليهِ أبعدُ لأنهُ هَضَمَهَا بالكذبِ عليها فكيفَ يرتجعُ ما أعطاهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>صحة اللعان للحامل</span>\n٣/ ١٠٣٢ - وَعَنْ أَنسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أُبْصُرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أكحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أُبصرُوها فإنْ جاءتْ بهِ أبيضَ سَبِطًا) بفتحِ السينِ المهملةِ ووكسرِ الباءِ الموحدةِ بعدَها طاءٌ مهملةٌ، وهوَ الكاملُ الخلْقِ منَ الرجالِ (فهوَ لزوجِها، وإن جاءتْ بهِ أكحلَ) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ الكافِ، هوَ الذي مَنَابِتُ أجفانِه سودٌ كأنَّ فيها كُحْلًا وهيَ خِلْقةٌ (جَعْدًا) بفتحِ الجيمِ وسكونِ العينِ المهملةِ فدالٍ مهملةٍ، وهوَ منَ الرجالِ القصيرُ (فهوَ للذي رَمَاها بهِ. متفقٌ عليه) ولَهُمَا (^٢) في أُخْرَى فجاءتْ بهِ على النعتِ المكروهِ. وفي الأحاديثِ ثبت لهُ عدةُ صفاتٍ، وفي روايةٍ لهما (^٣) وللنسائيِّ (^٤) أنهُ قالَ - ﷺ -: بعدَ سردِ صفاتِ ما في بطْنِها: اللهمَّ بَيِّنْ، فوضعتْ شبيهًا بالذي ذكرَ زوجُها أنهُ وجدَه عندَها. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يصحُّ اللعانُ للمرأةِ الحاملِ ولا يؤخَّرُ إلى أنْ تَضَعَ وإليهِ ذهبَ الجمهورُ لهذا الحديثِ، وقالتِ: الهادويةُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، ويُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ، وأحمدَ: أنهُ لا لِعَانَ لنفيِ الحملِ لجوازِ أنْ يكونَ ريحًا فلا يكونُ لِلِّعانِ حينئذٍ معنىً.\nقلتُ: وهذا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ، وكأنهم يريدونَ أنهُ لا لعانَ بمجردِ ظنِّ الحملِ منَ الأجنبيِّ لا لِوُجْدَانِهِ مَعَها الذي هوَ صورةُ النصِّ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينتفي الولدُ باللعانِ وإنْ لم يذكرِ النفيَ في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٤٩٦) من حديث أنس، وأخرجه النسائي (٦/ ١٧١ - ١٧٢ رقم ٣٤٦٨).\n(^٢) البخاري رقم (٥٣١٦)، ومسلم رقم (١٤٩٧) من حديث ابن عباس.\n(^٣) البخاري رقم (٥٣١٦)، ومسلم رقم (١٤٩٧) من حديث ابن عباس.\n(^٤) في \"السنن\" (٦/ ١٧٣ - ١٧٤ رقم ٣٤٧٠).","vol":"6","page":210},{"text":"اليمينِ، وإلى هذا ذهبَ أهلُ الظاهرِ، وعندَ بعضِ المالكيةِ وبعضِ أصحاب أحمدَ أنهُ يصح اللعانُ على الحمْلِ بشرطِ ذِكْرِ الزوجِ لنفي الولدِ دونَ المرأةِ [وبهِ] (^١) يصحُّ نفيُ الولدِ وهوَ حملٌ ويُؤَخِّرُ اللعانُ إلى ما بعدَ الوضْعِ ولا دليلِ عليْهِما، بلِ الحقُّ قولُ الظاهريةِ فإنهُ لم يقعْ في اللعانِ عندَه - ﷺ - نفيُ الولدِ ولمْ نرَهُ في حديثِ هلالٍ ولا عويمرٍ، ولم يكنِ اللعانُ إلَّا منْهما في عصْرِه - ﷺ -، وأما لعانُ الحاملِ فقدْ ثَبَتَ في هذهِ الأحاديثِ. وقدْ أخرجَ مالكٌ (^٢) عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ أن النبيَّ - ﷺ - لَاعَنَ بينَ رجلٍ وامرأتِه وانتفَى منْ ولدهِ فَفُرِّقَ بينَهما وأُلحِقَ الولدُ بالمرأةِ.\nوفي حديثِ سهلٍ وكانتْ حاملًا فأنكرَ حَمْلَها وذكرَ أنهُ انتفَى منْ ولدِهِ ولكنَّه لا يدلُّ على اشتراطِ نفي الولدِ؛ لأنهُ فَعَلَهُ الرجلُ منْ تِلقاءِ نفسِه، وقالَ أبو حنيفةَ: لا يصحُّ نفيُ الحمْلِ واللعانُ عليهِ فإنْ لاعنَها حاملًا ثمَّ أتتْ بالولدِ لزمَهُ ولمْ يُمَكَّنْ منْ نَفْيهِ أصلًا لأنَّ اللعانَ لا يكونُ إلَّا بينَ الزوجيْنِ، وهذهِ قدْ بانتْ بلعانِهِمَا في حالِ حَمْلِها. ويجابُ بأنَّ هذَا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ الثابتِ في حديثِ البابِ وفي حديثِ ابن عمرَ هذَا، وإنْ كانَ البخاريُّ قدْ بَيَّنَ أن قولَه فيهِ: وكانتْ حاملًا، منْ كلام الزُّهْريِّ لكنَّ حديثَ الباب صحيحٌ صريحٌ. وفي الحديثِ دليلٌ على العملِ بالقيافةِ (^٣) وكانَ مقتضَاها إلحاقَ الولدِ بالزوجِ إنْ جاءتْ بهِ على صفتِه لأنهُ للفراشِ لكنَّه - ﷺ - بَيَّنَ المانعَ عن الحكمِ بالقيافةِ نَفْيًا وإثباتًا بقولِه: لولا الأَيْمانُ لكانَ لي ولها شأنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>يشرع للحاكم المبالغة في المنع من الحلف</span>\n٤/ ١٠٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضعَ يَدَهُ عِنْد الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: \"إِنَّهَا مُوْجِبَةٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) والنَّسَائِيُّ (^٥)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"بأنه\".\n(^٢) في \"الموطأ\" (٢/ ٥٦٧ رقم ٣٥).\n(^٣) القائف: الذي يتتبَّع الآثار ويَعْرِفُها، ويَعْرِفُ شَبَهِ الرجُلِ بأخيهِ وأبيه، والجمع: القافَة.\nيقال: فُلانٌ يَقُوفَ الأثر ويقتافُه قِيافةً، مثل: قَفَا الأثر واقتفاه. \"النهاية\" (٤/ ١٢١).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٢٥٥).\n(^٥) في \"السنن\" (٦/ ١٧٥ رقم ٣٤٧٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":211},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أمرَ رجلًا أنْ يضَعَ يدَهُ عندَ الخامسةِ علي فيهِ وقالَ: إنَّها موجبةٌ. رواة أبو داودَ والنسائيُّ ورجالُه ثِقاتٌ)، فيهِ دلالةٌ على أنهُ يُشْرَعُ منَ الحاكمِ المبالغةُ في مَنْعِ الْحَلِف خشيةَ أنْ يكونَ كاذِبًا فإنهُ - ﷺ - مَنع بالقولِ بالتذكيرِ والوعْظِ كما سلفَ، ثمَّ مَنَعَ هُنا بالفعلِ ولم يُرْوَ أنهُ أمر بوضْعِ يدِ أحدٍ على فمِ المرأةِ وإنْ أوهَمَهُ كلامُ الرافعيِّ، وقولُه: \"إنَّها الموجبَةُ\" أيْ للفرقةِ ولعذَابِ الكاذب، وفيهِ دليلٌ على أن اللعنةَ الخامسةَ واجبةٌ. وأمَّا كيفيةُ التحْليفِ فأخرجَ الحاكمُ (^١) والبيهقيُّ (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ في تحليفِ هلالِ بن أميةَ أنهُ قالَ لهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"احلفْ باللَّهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ إني [صادق] (^٣) \"، يقولُ ذلكَ أربعَ مراتٍ، الحديثُ بطولِهِ قالَ الحاكمُ: صحيح عَلَى شَرْطِ البخاريِّ.\n٥/ ١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - في قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ: فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأَمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤) [صحيح]\n(وعنْ سهلِ بن سعدٍ - ﵁ - في قصةِ المتلاعِنَيْنِ قالَ) أيُّ الرجلِ (لما فَرَغَا منْ تلاعنَهما: كذبْت عليها يا رسولَ اللَّهِ إن أمسكتُها فطلَّقَها ثلاثًا قبلَ أنْ يأمرَهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -. متفقٌ عليهِ) تقدَّمَ الكلامُ على تحقيقِ المقامِ.\n٦/ ١٠٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قالَ: \"غَرِّبْهَا\"، قال: أَخَافُ أنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي. قَالَ: \"فَاسْتَمْتِعْ بِهَا\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [إسناده صحيح]\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٢) وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه بهذه السياقة. وإنما أخرجا حديث هشام بن حسان عن عكرمة مختصرًا وأقرَّه الذهبي.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٥).\n(^٣) في (ب): \"لصادق\".\n(^٤) البخاري رقم (٥٣٠٨)، ومسلم رقم (١٤٩٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٢٤٥)، والنسائي (٦/ ١٧٠ - ١٧١ رقم ٣٤٦٦)، وابن ماجه رقم (٢٠٦٦)، ومالك (٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧ رقم ٣٤).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٠٤٩).","vol":"6","page":212},{"text":"وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِي (^١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - بِلَفْظِ قَالَ: \"طَلِّقْهَا\" قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: \"فَأَمْسِكْهَا\".] إسناده صحيح].\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن رجلًا جاءَ إلى رسولِ الله - ﷺ - فقالَ: إنَّ امرأتي لا تردُّ يدَ لامسٍ، قالَ: غرِّبْها) بالغينِ المعجمةِ والراءِ وباءٍ موحدةٍ، قالَ في \"النهايةِ\" (^٢): أي أبعدْها يريدُ الطلاقَ (قال: [أخشى] (^٣) أنْ تتبعَها نفسي، قال: استمتعْ بها. رواهُ أبو داودَ ورجالُه ثِقاتٌ) وأطلقَ النوويُّ عليهِ الصحةَ لكنَّهُ نقلَ ابنُ الجوزي (^٤) عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: لا يثبتُ عن النبيِّ - ﷺ - في هذا الباب شيءٌ وليسَ لهُ أصلٌ، فتمسكَ بهذَا ابنُ الجوزيِّ وعدَّهُ في الموضوعاتِ معَ أَنهُ أوردَه بإسنادٍ صحيحٍ (وأخرجَهُ النسائيُّ منْ وجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ بلفظِ قال: طلِّقْهَا، قالَ: لا أصبرُ عنْها قالَ: فأمسكْها).\n\n<span data-type='title' id=toc-1063>معنى قوله لا ترد يد لامس</span>\nاختلفَ العلماءُ في تفسير قولِه: لا تَرُدُّ يَد لامس على قوليْنِ:\nالأولُ: أن معناهُ الفجورُ وأنَّها لا تمنعُ مَنْ يريدُ منْها الفاحشةَ، وهذَا قولُ أبي عُبَيْدٍ والخلالِ والنسائيِّ وابنِ الأعرابيِّ والخطابيِّ (^٥). واستدل بهِ الرافعيُّ على\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٦/ ١٧٠ رقم ٣٤٦٥) وقال: \"أبو عبد الرحمن هذا خطأ والصواب مرسلٌ\" وأخرجه النسائي موصولًا (٦/ ٦٧ - ٦٨ رقم ٣٢٢٩): \"وقال أبو عبد الرحمن: هذا الحديث ليس بثابت. وعبد الكريم ليس بالقوي. وهارون بن رِئاب أثبت منه، وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم\" اهـ.\nوأخرجه النسائي أيضًا (٦/ ١٦٩ - ١٧٠ رقم ٣٤٦٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس نحوه. \"وإسناده أصح وأطلق النووي عليه الصحة\"، قاله ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٢٥).\nونقل ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٢٧٢) عن أحمد بن حنبل أنه قال: لا يثبت عن النبي في هذا الباب شيء، وليس له أصل. وتمسك بهذا ابن الجوزي فأورد الحديث في \"الموضوعات\" مع أنه أورده بإسناد صحيح.\nوانظر ما قاله ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ٢٢٥).\n(^٢) (٣/ ٣٤٩).\n(^٣) في (ب): \"أخاف\".\n(^٤) في \"الموضوعات\" (٢/ ٢٧٢).\n(^٥) في \"معالم السنن\" (٢/ ٥٤١ - هامش السنن).","vol":"6","page":213},{"text":"أنهُ لا يجبُ تطليقُ منْ فسقتْ بالزِّنَى إذا كانَ الرجلُ لا يقدرُ على مفارقتِها.\nوالثاني: أنَّها تبذِّرُ بمالِ زَوْجِها ولا تمنعُ أحدًا طلبَ منْها شيئًا، وهذا قولُ أحمدَ والأصمعيِّ ونقلَه عنْ علماءِ الإسلامِ، وأنكرَ ابنُ الجوزي على مَنْ ذهبَ إلى الأولِ. قالَ في \"النهاية\": وهوَ أشبهُ بالحديثِ لأنَّ المعَنَى الأولَ يشكلُ على ظاهرِ قولهِ تعالَى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) وإنْ كانَ في معنَى الآيةِ وجوهٌ كثيرةٌ.\nقلتُ: الوجْهُ الأوَّلُ في غايةٍ منَ البعدِ بلْ لا يصحُّ للآيةِ؛ ولأنهُ - ﷺ - لا يأمرُ الرجلَ أنْ يكونَ ديوثًا فحمْلُه على هذَا لا يصحُّ، والثاني بعيدٌ لأنَّ التبذيرَ إنْ كانَ بمالِها فَمَنْعُها ممكنٌ وإنْ كانَ منْ مالِ الزوجِ فكذلكَ، ولا يوجبُ أمرهُ بطلاقِها، على أنهُ لم يتعارفْ في اللغةِ أنْ يُقَالَ فلانٌ لا يردُّ يدَ لامسٍ كناية عن الجودِ فالأقربُ المرادُ أنَّها سهلةُ الأخلاقِ ليسَ فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب لا أنَّها تأتي الفاحشةَ، وكثيرٌ منَ النساءِ والرجالِ بهذهِ المثابةِ معَ البعدِ [عن] (^٢) الفاحشةِ كما قال أبو الطيب:\nبيضاء يطمع فيما تحت حلتها … وعز ذلك مطلوب إذا طلب\nولو أرادَ بهِ أنَّها لا تمنعُ نفسَها عن الوقاعِ منَ الأجانبِ لكانَ قاذفًا لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1064>التحذير من نفي الولد بعد إثباته</span>\n٧/ ١٠٣٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيسَ مِنْهُمْ فَلَيسَتْ مِنَ الله في شَئٍ، وَلَمْ يُدْخِلْهَا اللهُ جَنتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ - وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيهِ - احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الأَوّلِينَ وَالآخِرِينَ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ (^٤) وَابْنُ مَاجَهْ (^٥)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٦). [ضعيف]\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٣.\n(^٢) في (ب): \"من\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٢٦٣).\n(^٤) في \"السنن\" (٦/ ١٧٩ رقم ٣٤٨١).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٧٤٣) بإسناد ضعيف. موسى بن عبيدة: ضعيف، وشيخه يحيى: مجهول.\n(^٦) في \"صحيحه\" (٩/ ٤١٨ رقم ٤١٠٨ - الإحسان). =","vol":"6","page":214},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ حينَ نزلتْ آيةُ المتلاعنيْنِ: أيُّما امرأةٍ أَدْخَلَتْ على قومٍ مَنْ ليسَ منْهم فليستْ منَ اللَّهِ في شيء ولنْ يدخلَها الله جنَّتهُ، وأيُّما رجلٍ جحدَ ولدَه وهوَ ينظرُ إليهِ) أي يعلمُ أنهُ ولدُه (احتجبَ اللهُ عنهُ وفضحَهُ على رؤوسِ الأولينَ والآخرينَ. أخرجَهُ النسائيُّ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وقدْ تفرَّدَ بهِ عبدُ اللَّهِ بنُ يونسَ (^١) عنْ سعيدٍ المقبريِّ عنْ أبي هريرةَ، ولا يُعْرَفُ عبدُ اللَّهِ إلَّا بهذَا الحديثِ ففي تصحيحِه نظرٌ، وصحَّحَهُ أيضًا الدارقطنيُّ معَ اعترافِه بتفردِ عبدِ اللَّهِ (^٢).\nوفي البابِ عن ابن عمرَ عندَ البزَّارِ (^٣) وفيهِ إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيِّ (^٤) ضعيفٌ.\nوأخرجَ أحمدُ (^٥) منْ طريقِ مجاهدٍ عن ابن عمرَ نحوَه، أخرجَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ\n_________\n= قلت: وأخرجه البيهقي (٧/ ٤٠٣)، والدارمي (٢/ ١٥٣)، والشافعي (٢/ ٤٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣)، والبغوي رقم (٢٣٧٥) من طرق.\nوصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي. مع أن \"عبد اللهِ بن يونس\" لم يخرج له مسلم.\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ٢٢٦): صحَّحه الدارقطني في \"العلل\" مع اعترافه بتفرد عبد اللهِ بن يونس به عن سعيد المقبري، وأنه لا يعرف إلا بهذا الحديث\" اهـ.\nوقد ضعَّفه المحدث الألباني في أكثر من كتاب.\n(^١) وهو مجهول الحال، مقبول من السادسة. كما في \"التقريب\" (١/ ٤٦٣ رقم ٧٦١).\n(^٢) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ٢٢٦).\n(^٣) (٢/ ١٤١ رقم ١٣٨٦ - كشف) وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٦٩٤)، وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٢٩) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٢٥) وقال: رواه البزار، والطبراني في \"الأوسط، وفيه إبراهيم بن يزيد وهو ضعيف\" بلفظ: \"اشتدَّ غضب اللهِ على امرأة أدخلت على قوم ولدًا ليس منهم يطَّلع على عوراتهم، ويشركهم في أموالهم\".\n(^٤) وهو إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي. ويعرف بالخوزي لأنه كان ينزل بمكة شعب الخوز، فنسب إلى الخوز وكنيته أبو إسماعيل. قال عنه يحيى بن معين: ضعيف.\nوقال النسائي: متروك الحديث. انظر: \"الكامل لابن عدي\" (١/ ٢٢٧ - ٢٣٠).\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ٢٦) ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤٠٠ رقم ١٣٤٧٨) و\"الأوسط\" رقم (٤٢٩٧) عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من انتفَى من ولَدهِ ليفضَحَهُ في الدنيا فضحهُ اللهُ يوم القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ، قصاصٌ بقصاصٍ\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٥) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، و\"الأوسط\"، ورجال الطبراني رجال الصحيح خلا عبد اللهِ بن أحمد وهو ثقة إمام\" اهـ.","vol":"6","page":215},{"text":"أحمدَ في زوائدِ المسندِ عنْ وكيعٍ وقالَ: تفرَّدَ بهِ وكيعٌ، ومعنَى الحديثِ واضحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>لا يحل نفي الولد بعد إثباته</span>\n٨/ ١٠٣٧ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (^١)، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ. [حسن موقوف]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - قالَ: مَنْ أقرَّ بولدِهِ طَرفَةَ عينٍ فليسَ لهُ أنْ ينفيَهُ، أخرجَهُ البيهقيُّ وهوَ حسنٌ موقوفٌ). فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يصحُّ النفيُ للولدِ بعدَ الإقرارِ بهِ وهوَ مجمَعٌ عليهِ. واختُلِفَ فيما إذا سكتَ بعدَ العلم بهِ ولم ينفِه، [قال] (^٢) المؤيَّدُ: إنهُ يلزمُه وإنْ لم يعلمْ أن لهُ النفيَ؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ يبطلُ بالسكوتِ وذلكَ كالشفيعِ إذا أبطلَ شُفْعَتَهُ قبلَ عِلْمِهِ باستحقاقِها، وذهبَ أبو طالبٍ إلى أن لهُ النفيَ متَى علمَ إذْ لا يثبتُ التخييرُ منْ دونِ علمٍ؛ فإنْ سكتَ عندَ العلمِ لزمَ ولم [يمكَّنْ] (^٣) منَ النفي بعدَ ذلكَ ولا يعتبرُ عندَه فورٌ ولا تراخٍ بلِ السكوتُ كالإقرارِ. وقال الإمامُ يَحْيَى والشافعي: بلْ يكونُ نَفْيُهُ على الفورِ. قالَ: وحدُّ الفورِ ما لم يُعدْ تراخيًا عُرْفًا كما لو اشتغلَ بإسراجِ دابَّتِهِ أوْ لَبِسَ ثيابَه أو نحوَ ذلكَ لم يُعَدَّ تراخيًا. ولهمْ في المسألةِ تقاديرُ ليسَ عليها دليلٌ إلَّا الرأيُ وفروعٌ على غيرِ أصلٍ أصيلٍ.\n٩/ ١٠٣٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، قَالَ: \"هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَال: \"فَمَا أَلْوَانُهَا؟ \"، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: \"هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ \"، قَال: نَعَمْ، قَالَ: \"فأَنَّى ذلِكَ؟ \"، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: \"فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤١١ - ٤١٢) من رواية مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر وأخرجه البيهقي أيضًا (٧/ ٤١١).\nمن طريق قبيصة بن ذؤيب أنه كان يحدث عن عمر: أنه قضى في رجل أنكر ولدًا من المرأة وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولدت أنكره، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به الولد\". إسناده حسن.\n(^٢) في (ب): \"فقال\".\n(^٣) في (أ): \"يكن\".\n(^٤) البخاري رقم (٥٣٠٥)، ومسلم رقم (١٥٠٠). =","vol":"6","page":216},{"text":"وَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^١): وَهُوَ يُعَرِّضُ بأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَالَ في آخِرِه: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ في الانْتِفَاءِ مِنْهُ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رجلًا)، قالَ عبدُ الغني (^٢): إنَّ اسمَهُ ضمضمُ بنُ قتادةَ، (قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ، قالَ: هلْ لكَ منْ إبلٍ، قالَ: نعمْ، قالَ: فما ألوانُها؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ: هلْ فيها منْ أَوْرَقَ) بالراءِ والقافِ بزنةِ أحمرَ، وهوَ الذي في لونِه سوادُ ليسَ بحالكٍ، (قالَ: نعمْ، قالَ: فأنَّى ذلكَ؟ قالَ: لعلَّه نَزَعَة) بالنونِ فزاي وعينٍ مُهْمَلَةٍ، أي جَذَبَهُ إليهِ (عِرْقٌ، قالَ: فلعلَّ ابنَكَ هذا نَزَعَهُ عرقٌ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ لمسلمٍ) أي عنْ أبي هريرةَ (وهوَ) أي الرجلُ (يعَرِّضُ بأنْ يَنْفِيَهُ، وقالَ في آخرهِ: ولمْ يرخِّصْ لهُ في الانتفاءِ منهُ).\nقالَ الخطابيُّ (^٣): هذا القولُ منَ الرجلِ تعريضٌ بالريبةِ، كأنهُ يريدُ نفيَ الولدِ، فحكَمَ النبيُّ - ﷺ - بأنَّ الولدَ للفراشِ ولم يجعلْ خلافَ الشَّبَهِ واللونِ دلالةً يجبُ الحكمُ بها، وضربَ لهُ المثلَ بما يوجدُ منِ اختلافِ الألوانِ في الإبلِ ولقاحِها واحدٌ. وفي هذا إثباتُ القياسِ وبيانُ أن المتشابهينِ حُكْمُهما منْ حيثُ الشبهِ واحدٌ، ثمَّ قالَ: وفيهِ دليلٌ على أن الحدَّ لا يجبُ في المكاني (^٤) وإنَّما يجبُ بالقذف الصريحِ.\nوقالَ المهلَّبُ: التعريضُ إذا كانَ على جهةِ السؤالِ لا حدَّ فيهِ، وإنَّما يجبُ الحدُّ في التعريضِ إذا كانَ على المواجهةِ والمشاتمةِ.\nوقالَ ابنُ المنيِّرِ: يُفَرَّقُ بينَ الزوجِ والأجنبيِّ في التعريضِ بأنَّ الأجنبيَّ يقصدُ الأذيةَ المحضةَ، والزوجُ قد يُعْذَرُ بالنسبةِ إلى صيانةِ النسبِ.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٢٦٠) و(٢٢٦١ و٢٢٦٢)، والترمذي رقم (٢١٢٨)، والنسائي (٦/ ١٧٨ - ١٧٩)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٢).\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٩/ ١٥٠٠).\n(^٢) عبد الغني بن سعيد في \"المبهمات\" له من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكًا حدثها: \"أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل … \" الحديث، ذكر ذلك ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٤٤٣).\n(^٣) في \"معالم السنن\" (٢/ ٦٩٤) هامش السنن.\n(^٤) جمع كناية.","vol":"6","page":217},{"text":"وقالَ القرطبيُّ: لا خلافَ أنهُ لا يجوزُ نفيُ الولدِ باختلافِ الألوانِ المتقاربةِ كالسمرةِ والأُدمَةِ ولا في البياضِ والسوادِ إذا كانَ قدْ أقرَّ بالوطْءِ ولم تمضِ مدةُ الاستبراءِ.\nقالَ في الشرحِ: كأنهُ أرادَ في مذهبِه، وإلَّا فالخلافُ ثابتٌ عندَ الشافعيةِ بتفصيلٍ، وهوَ إنْ لم تنضمَّ إليهِ قرينةُ زِنَى لم يجزِ النفيُ، وإنِ اتَّهَمَهَا فأتت بولدٍ على لونِ الرجلِ الذي اتَّهَمَهَا بهِ جازَ النفيُ على الصحيحِ، وعندَ الحنابلةِ يجوزُ النفيُ معَ القرينةِ مطْلقًا، والخلافُ إنَّما هوَ عندَ عدمِها، والحديثُ يحتملُه لأنهُ لم يذكرْ أن معَهُ قرينةَ الزِّنَى وإنَّما هوَ مجردُ مخالفةِ اللونِ.\n* * *","vol":"6","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1066>[الباب الثالث] باب العِدَّةِ والإحدادِ والاستبراءِ، وغيرِ ذلك</span>\n[العِدَّة] بكسرِ العينِ المهملةِ اسمٌ لمدةٍ تتربَّصُ بها المرأةُ عن التزويجِ بعدَ وفاةِ زَوْجِها أوْ فراقِهِ لها إما بالولادةِ أوْ الأقراءِ أوْ الأشهرِ، \"والإحدادَ\" بالحاءِ المهملةِ بعدَها دالانِ مهملتانِ بينَهما ألفٌ، وهوَ لغةً: المنعُ، وشرعًا: تركُ الطِّيْبِ والزينةِ للمعتدَّةِ عنْ وفاةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1067>عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي بالوضع</span>\n١/ ١٠٣٩ - عَن الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَة الأَسْلَمِيّة - ﵂ - نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ النَّبيَّ - ﷺ - فَاستَأذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْن (^٢). [صحيح]\nوَفي لَفْظٍ (^٣): أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. [صحيح]\nوَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (^٤)، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهيَ في دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ. [صحيح]\n(عن المسورِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ السينِ المهملةِ فواوٍ مفتوحةٍ فراءٍ (بن\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥٣٢٠).\nقلت: وأخرجه مالك (٢/ ٥٩٠ رقم ٨٥)، والنسائي (٦/ ١٩٠).\n(^٢) البخاري رقم (٤٩٠٩)، ومسلم (١٤٨٥) من حديث أم سلمة.\n(^٣) للبخاري رقم (٤٩٠٩).\n(^٤) في \"صحيحه\" عقب الحديث رقم (٥٦/ ١٤٨٤).","vol":"6","page":219},{"text":"مخرمةَ) بفتحِ الميمِ وسكونِ الخاءِ المعجمةِ وفتحِ الراءِ تقدمتْ ترجمتُه (أن سُبيْعَةَ) (^١) بضمِّ السينِ المهملةِ فباءٍ موحدةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ تصغيرُ سَبُع وتاءِ التأنيثِ (الأسلميةَ نُفِسَتْ) بضمِّ النونِ وكسرِ الفاءِ (بعدَ وفاةِ زَوْجِها) هوَ سعيدُ بنُ خولةَ تُوفيَ بمكةَ بعدَ حجَّةِ الوداعِ (بليالٍ) وقعَ في تقديرِها خلافٌ كثير لا حاجةَ إلى ذِكْرِه ويأتي بعضُه قَرِيْبًا، (فجاءتِ النبيَّ - ﷺ - فاستأذنتْه أنْ تنكحَ فأذنَ لها فنكحتْ. رواهُ البخاريُّ وأصلْه في الصحيحينِ. وفي لفظٍ) (للبخاريِّ) (أنَّها وَضَعَتْ بعدَ وفاةِ زَوْجِها بأربعينَ ليلةً. وفي لفظٍ لمسلمٍ) أي عن المسورِ (قالَ الزهريُّ: ولا أَرَى بأسًا أنْ تَزَوَّجَ وهي في دِمها) أي دمِ نفاسها (غيرَ أنهُ لا يقربُها زوجُها حتَّى تطهرَ). الحديثُ دليلٌ على أن الحاملَ المتوفَّى عنْها زوجُها تنقضي عِدَّتُها بوضعِ الحملِ وإنْ لم يمضِ عليها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ ويجوزُ بعدَه أنْ تنكحَ. وفي المسألةِ خلافٌ، فهذَا الذي أفادَهُ الحديثُ قول جماهيرِ العلماءِ منَ الصحابةِ وغيرِهم لهذا الحديثِ ولعمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٢)، والآيةُ وإنْ كانَ ما قبلَها في المطلقاتِ لكنَّ ذلكَ لا يخصُّ عمومَهَا، وأيَّدَ بقاءَ عمومِها على أصْلِهِ ما أخرجَه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ في روايةِ المسندِ (^٣)، والضياءُ في المختارةِ، وابنُ مَرْدَويهَ عنْ أبيِّ بن كعب قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٤) هي المطلقةُ ثلاثًا أمِ المتوفَّى عنْها؟ قالَ: \"هيَ المطلَّقةُ ثلاثًا والمتوفَّى عنْها\"، وأخرجَهُ ابنُ جريرٍ (^٥) وابنُ أبي\n_________\n(^١) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٢٧٨)، و\"أسد الغابة\" رقم (٦٩٧٩)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٤١٧)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٢٧٤)، و\"الكاشف\" (٣/ ٤٧٢).\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٣) \"الفتح الرباني\" (١٧/ ٤٥ رقم ٥). قلت: وأخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٣٩ رقم ١١١).\nوقال الشيخ البنا في \"بلوغ الأماني\" (١٧/ ٤٥): \" … وأخرجه أيضًا الدارقطني، وأبو يعلى والضياء في المختارة، وابن مردويه. وفي إسناده \"المثنى بن الصباح\" قال الهيثمي: وثقه ابن معين وضعفه الجمهور … \"، قلت: بل المثنى بن الصباح متروك، انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٢٥٦)، و\"الميزان\" (٣/ ٤٣٥).\n(^٤) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٥) في \"جامع البيان\" (١٤/ ج ٢٨/ ١٤٣) قلت: وفي رواية الطبري وابن أبي حاتم: \"ابن لهيعة\" وهو ضعيف.","vol":"6","page":220},{"text":"حاتمٍ وابنُ مردويهَ (^١) والدارقطني (^٢) عنْ أبي منْ وجْهٍ آخرَ قالَ: لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ هذهِ الآيةُ مشتركةٌ أمْ مبهمَةٌ؟ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أيةُ آيةٍ؟ \"، قلتُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٣) المطلقةُ والمتوفَّى عنْها زوجُها؟ قالَ: \"نعمْ\". وثبتَ عن ابن مسعودٍ - ﵁ - عِدَّةُ رواياتٍ دالةٍ على قولهِ بهذَا (^٤). وأخرجَ عنهُ ابنُ مردويهَ (^٥) قالَ: \"نسختْ سورةُ النساءِ القصْرى كلَّ عِدَّةٍ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) أَجَلُ كلِّ حاملٍ مطلقةٍ أو متوفَّى عنْها زوجُها أنْ تَضَعَ حملَها. وأخرجَ ابنُ مردويهَ (^٦) عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ قالَ: نزلتْ\n_________\n(^١) عزاه إليهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٢٠٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣٠٢ رقم ٢١٠) وفي سنده المثنى بن الصباح وهو متروك كما تقدم.\n(^٣) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٤) أخرج البخاري (٨/ ١٩٣ رقم ٤٥٣٢). عن محمد بن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عُظَم من الأنصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى فذكرت حديث عبد الله بن عتبة في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال: عبد الرحمن: ولكن عمه كان لا يقول ذلك، فقلت: إني لجريء إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، ورفع صوته، قال: ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر - أو مالك بن عوف - قلت: كيف كان قول ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال: قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى. وأخرجه البخاري (٨/ ٦٥٤ رقم ٤٩١٠) بنحو اللفظ المذكور.\nوأخرجه أبو داود (١١/ ٨٢ - بذل المجهود) عن عبد اللَّهِ قال: من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشرًا. وهو حديث صحيح.\nوأخرجه ابن ماجه (١/ ٦٥٤) رقم (٢٠٣٠) بنحو اللفظ المذكور عند أبي داود. وهو حديث صحيح.\nوأخرجه أحمد (٦/ ١٣٦) عن عبد الله بن مسعود أن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فدخل عليها أبو السنابل فقال: كأنكِ تحدثين نفسك بالباءة، ما لك ذلك حتى ينقضي أبعد الأجلين، فانطلقت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما قال أبو السنابل، فقال رسول الله - ﷺ - كذب أبو السنابل، إذا أتاك أحد ترضينه فأتني به أو قال: فأنبئيني، فأخبرها أن عدتها قد انقضت.\nوفي سند أحمد قتادة مدلس ولم يصرّح بالسماع هنا، إلا أن هذا الضعف انجبر بالمتابعات فهو حديث حسن لغيره.\n(^٥) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٢٠٤).\n(^٦) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٢٠٤).","vol":"6","page":221},{"text":"سورةُ النساءِ القُصرى بعدَ التي في البقرةِ بسبعِ سنينَ. وأخرجَ الشيخانِ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ وابنُ جريرٍ وابنُ المنذرِ وابنُ مروديهَ (^١) عنْ أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ قالَ: كنتُ أنا وابنُ عباسٍ وأبو هريرةَ - ﵃ - فجاءَ رجلٌ فقالَ: أفتني في امرأةٍ ولدتْ بعدَ وفاةِ زوْجِها بأربعينَ ليلةً أحَلَّتْ؟\nقالَ ابنُ عباسٍ: تعتدُّ آخرَ الأجلينِ، قلتُ أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٢) قالَ ابنُ عباسٍ ذلكَ في الطلاقِ. قالَ أبو سلمةَ: أرأيتَ لوْ أن امرأةً جرتْ حملها سنةً فما عِدَّتُها؟ قالَ ابنُ عباسٍ: آخرُ الأجليْنِ، قالَ أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي يعني أبا سلمةَ، فأرسلَ ابنُ عباسٍ غلامَهُ كُرَيْبًا إلى أمِّ سلمةَ يسألُها أَمَضَتْ في ذلكَ سنةٌ؟ فقالتْ: \"قُتِلَ زوج سبيعةَ الأسلميةَ وهيَ حُبْلَى فوضعتْ بعدَ موتِه بأربعينَ ليلةً فَخُطِبَتْ فأنكحَها رسولُ اللَّهِ - ﷺ - \". وأخرجَهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ (^٣) منْ حديثِ أبي سلمةَ وفيهِ: أنَّهم أرسلُوا إلى عائشةَ فسألوها فقالتْ: ولدتْ سبيعةُ مثلَ ما مضَى إلَّا أنَّها قالتْ: بعدَ وفاةِ زَوْجِها بليالٍ.\nوفي البابِ عِدَّةُ رواياتٍ عن السلفِ دالَّةٍ على أن الآيةَ باقيةٌ على عمومِها في جميعِ العُددِ وأنَّ عمومَ آيةِ البقرةِ منسوخٌ بهذِه الآيةِ الكريمةِ (^٤)، ومعَ تأخُّر نُزُولهَا كما صرَّحتْ بهِ الرواياتُ فينبغي أنْ يكونَ التخصيصُ أوِ النسخُ متَّفَقًا عليهِ. وذهبتِ الهادويةُ وغيرُهم (^٥) ويُرْوَى عنْ عليٍّ - ﵇ - أنَّها تعتدُّ بآخرِ الأجليْنِ: إما وضعُ الحملِ إنْ تأخَّرَ عن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، أو بالمدةِ المذكورةِ إنْ تأخرتْ عنْ وضعِ الحملِ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٤٩٠٩) و(٥٣١٨)، ومسلم رقم (١٤٨٥)، والنسائي (٦/ ٩١ - ١٩٢)، والترمذي (٣/ ٤٩٨ رقم (١١٩٤)، ومالك (٢/ ٥٩٠ رقم ٨٦)، وأحمد (٦/ ٤٣٢). وزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي داود، وابن ماجَهْ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه بألفاظ مطولًا ومختصرًا.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٣) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٨/ ٢٠٥).\n(^٤) انظر تفصيل ذلك في \"ناسخ القرآن ومنسوخه\" لابن الجوزي (ص ٢٤٣ - ٢٤٦).\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٢١).","vol":"6","page":222},{"text":"بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^١) قالُوا: فالآيةُ الكريمةُ فيها عمومٌ وخصوصٌ منْ وجْهٍ. وقولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (^٢) كذلكَ فجَمَعَ بينَ الدليلينِ بالعملِ بهمَا والخروجِ منَ العهدةِ بيقينٍ، بخلافٍ ما إذا عملَ بأحدِهما، وأجيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ سبيعةَ نصٌّ في الحكمِ مبيِّنٌ بأنَّ آيةَ النساءِ القُصْرى شاملةٌ للمتوفَّى عنْها وأيدَ حديثُها ما سمعتَه منَ الأحاديثِ والآثارِ. وأما الروايةُ عنْ عليٍّ - ﵁ - فقالَ الشعبيُّ: ما أصدِّقُ أن عليَّ بنَ أبي طالب كانَ يقولُ عدةُ المتوفَّى عنْها زوجُها آخرُ الأجلينِ. هذا وكلامُ الزهريِّ صريحٌ أَنهُ يعقدُ [عليها] (^٣) وإن كانتْ لم تطهرْ منْ دمِ نفاسِها وإنْ حَرُمَ وطؤُها لأجلِ علةٍ أخْرى هيَ بقاءُ الدمِ.\nوقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (^٤): \"قالَ العلماءُ منْ أصحابنَا وغيرِهم سواءٌ كانَ الحملُ ولدًا أو أكثرَ، كاملَ الخِلْقةِ أو ناقصَها أو علقةً أَو مضغةً، فإنَّها تنقضي العدةُ بوضْعِهِ إذا كانَ فيهِ صورةُ خِلْقةِ آدميٍّ سواءٌ كانتْ صورةً خفيةً تختصُّ النساءِ بمعرفتها أو صورةً جليةً يعرفُها كلُّ أحدٍ\". وتوقَّفَ ابنُ دقيقِ العيدِ ﵀ فيهِ منْ أجلِ أن الغالبَ في إطلاقِ وضعِ الحمْلِ هوَ الحملُ التامُّ المتخلقُ، وأما خروجُ المضغةِ والعلقةِ فهوَ نادرٌ والحملُ على الغالبِ أقْوَى.\nقالَ المصنفُ (^٥): \"ولهذَا نُقِلَ عن الشافعيِّ قولٌ بأنَّ العدةَ لا تنقضي بوضعِ قطعةِ لحمٍ ليسَ فيها صورةٌ بَيِّنةٌ ولا خفيةٌ\". وظاهرُ الحديثِ والآيةِ الإطلاقُ فيما يتحققُ كونه حَمْلًا، وأما ما لا يتحققُ كونُه حملًا فلا لجوازِ أنهُ قطعةُ لحمِ والعِدَّةُ لازمةً بيقينٍ فلا تنقضي بمشكوكٍ فيهِ.\n٢/ ١٠٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: أُمِرَتْ بَريرَةُ أَن تَعْتَدَّ بثَلَاثِ حِيَض.\nرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٦) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لكِنَّهُ مَعلُولٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٣) في (ب): \"بها\".\n(^٤) (١٠/ ١٠٩).\n(^٥) في \"فتح الباري\" (٩/ ٤٧٥).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٠٧٧).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٨ رقم ٧٧١/ ٢٠٧٣): \"هذا إسناد صحيح=","vol":"6","page":223},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: أمِرَتْ) مغيَّرُ الصيغةِ والآمرُ هوَ النبي - ﷺ -: (بريرة أنْ تعتدَّ بثلاثِ حِيَضٍ. رواة ابن ماجهْ، وروائه ثقاتٌ لكنة معلولٌ)، وقدْ وردَ ما يؤيدُه. وهوَ دليلٌ على أن العدَّةَ تعتبرُ بالمرأةِ عندَ منْ يجعلُ عدةَ المملوكةِ دونَ عدةِ الحرةِ لا بالزوجِ على القولِ الأظهرِ منْ أن زوجَ بريرةَ كانَ عَبْدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1068>هل للمطلقة ثلاثًا نفقة وسكنى على زوجها؟</span>\n٣/ ١٠٤١ - وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - ﵂ - عَن النَّبيِّ - ﷺ - (في الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا): \"لَيسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>ترجمة الشعبي</span>\n(وعنِ الشعبيِّ) (^٢) هوَ أبو عمرٍو عامرُ بنُ [شراحيل] (^٣) بن عبدِ اللَّهِ الشعبيُّ الهمذانيُّ الكوفيُّ تابعي جليلُ القدْرِ، قالَ ابنُ عيينةَ: كانَ ابنُ عباسٍ في زمانهِ والشعبي في زمانِهِ. مرَّ ابنُ عمرَ بالشعبيّ وهوَ يحدِّثُ بالمغازي فقالَ: شهدتُ القومَ وهوَ أعلمُ بها مِنِّي. وقالَ الزهريُّ: العلماءُ أربعةٌ: ابنُ المسيِّبِ بالمدينةِ، والشعبيُّ بالكوفةِ، والحسنُ [البصْرَيُّ] (^٤) بالبصْرَة، ومكحولٌ بالشامِ. وُلدَ الشعبيُّ في خلافةِ عمرَ كما في \"الكاشفِ\" (^٥) للذهبيّ، وقيلَ: لِسِتِّ [سنين] (^٦) خلتْ منْ خلافةِ عثمانَ. وماتَ سنةَ أربع ومائةٍ ولهُ اثنتانِ وستونَ سنةً، (عنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ عن النبيِّ - ﷺ - في المطلقةِ ثلاثًا ليسَ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ. رواة مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المطلقةَ ثلاثًا ليسَ لها نفقةٌ ولا سُكْنَى وفي المسألةِ خلافٌ.\n_________\n= رجاله موثقون\" وقال الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٢٠٠ رقم ٢١٢٠): \"وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير علي بن محمد، وهو ثقة … \".\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللَّهُ أعلم.\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٤٤/ ١٤٨٠). وانظر بقية تخريجه في \"بداية المجتهد\" بتحقيقنا (٣/ ١٧٨).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"طبقات ابن سعد\" (٦/ ٢٤٦)، و\"تاريخ البخاري\" (٦/ ٤٥١)، و\"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٩٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧٩ - ٨٨)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٢٦ - ١٢٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٢٢).\n(^٣) في المخطوط: \"شَرْحَبِيْلَ\" والصواب ما أثبتناه.\n(^٤) زيادة من (ب). (٤)\n(^٥) (٢/ ٤٩).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"6","page":224},{"text":"ذهبَ إلى ما أفادَه الحديثُ ابنُ عباسٍ والحسنُ وعطاءٌ والشعبيُّ وأحمدُ في إحْدَى الرواياتِ والقاسمُ والإماميةُ وإسحاقُ وأصحابُه وداودُ وكافةُ أهلِ الحديثِ مستدلينَ بهذا الحديثِ، وذهبَ عمرُ بنُ الخطاب وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحنفيةُ والثوريُّ وغيرُهم إلى أنَّها تجبُ لها النفقةُ والسُّكْنَى مستدلينَ على الأولِ بقولِه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١) وهذَا في الحاملِ، وبالإجماعِ (^٢) في الرجعيةِ على أنَّها تجبُ لها النفقةُ. وعلى الثاني بقولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (^٣) وذهبَ الهادي وآخرونَ إلى وجوبِ النفقةِ دونَ السكْنَى (^٤) مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ (^٥) ولأنَّها حُبِستْ بسببهِ كالرجعيةِ ولا يجبُ لها السُّكْنَى لأنَّ قولَه: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٣) يدلُّ على أن ذلكَ حيثُ يكونُ الزوجُ وهوَ يقتضي الاختلاطَ ولا يكونُ ذلكَ إلا في حق الرجعيةِ. قالُوا وحديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ (^٦) قدْ طعِنْ فيهِ بمطاعنَ يضعفُ معَها الاحتجاجُ بهِ وحاصلُها أربعةُ مطاعنَ:\nالأولُ: كونُ الراوي امرأةً ولم تقترنْ بشاهديْنِ عَدْلَيْنِ يتابعانِها على حدِيثِها.\nالثاني: أن الروايةَ تخالفُ ظاهر القرآنِ.\nالثالثُ: أن خروجَها منَ المنْزِلِ لم يكنْ لأَجْلِ أنهُ لا حقَّ لها في السكْنَى بلْ لإيذائِها أهلَ زوجها بلسانِها.\nالرابعُ: معارضةُ روايتها بروايةِ عمرَ.\nوأُجِيْبَ بأنْ كونَ الراوي امرأةً غيرُ قادحٍ، فكمْ منْ سُنَنٍ ثبتتْ عن النساءِ يعلمُ ذلكَ مَنْ عرفَ السِّيَرَ وأسانيدَ الصحابةِ. وأما قولُ عمرَ (^٧): \"لا نتركُ كتابَ ربّنا وسنةَ نبيِّنا لقولِ امرأةٍ لا ندري أحفظتْ أمْ نسيتْ\"، فهذَا تردُّدٌ منهُ في حِفْظِها\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٢) نقله ابن المنذر في \"الإجماع\" (ص ١٠٨ رقم ٤٤٣).\n(^٣) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٤) ومذهب مالك والشافعي وجماعة: أن لها السكنى دون النفقة. انظر: \"بداية المجتهد\" بتحقيقنا (٣/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٤١.\n(^٦) تقدم تخريجه في حديث الباب رقم (٣/ ١٠٤١).\n(^٧) أخرجه مسلم رقم (٤٦/ ١٤٨٠)، والدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٤ رقم ٦٩).","vol":"6","page":225},{"text":"وإلَّا فإنهُ قدْ قيلَ عنْ عائشةَ وحفصةَ عِدَّةُ أخبارٍ وتردُّدُه في حِفْظِها عذرٌ لهُ في عدمِ العملِ بالحديثِ ولا يكونُ شكُّهُ حجةً على غيرِه. وأما قولِه: إنهُ مخالفٌ للقرآنِ وهوَ قولُه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (^١) فإنَّ الجمْعَ ممكنٌ بحملِ الحديثِ على التخصيصِ لبعضِ أفرادِ العامِّ، وأما روايةُ عمرَ فأرادُوا بها قولَه: وسنةَ نبيِّنا، وقدْ عُرِفَ منْ علومِ الحديثِ أنَّ قولَ الصحابيِّ منَ السُّنَةِ كذَا يكونُ مرفُوعًا.\nفالجوابُ أنهُ أنكرَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذه الزيادةَ منْ قولِ عمرَ وجعلَ يُقْسِمُ ويقولُ: وأينَ في كتابِ اللَّهِ إيجابُ النفقةِ والسُّكْنَى للمطلقةِ ثلاثًا، وقالَ: هذَا لا يصح عنْ عمرَ قالَ ذلكَ الدارقطني. وأما حديثُ عمر (١) سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: لَهَا السُّكْنَى والنفقةُ، فإنهُ منْ روايةِ إبراهيمَ النخعيِّ عنْ عمرَ، وإبراهيمُ لم يسمعْه منْ عمرَ فإنهُ لم يولدْ إلا بعدَ موتِ عمرَ بسنينَ. وأما القولُ بأنَّ خروجَ فاطمةَ منْ بيتِ زَوْجها كان لإيذائِها لأهلِ بيتِه بلسانِها فكلامٌ أجنبي عما يفيدهُ الحديثُ الذي روتْ، ولوْ كانتْ تستحق السُّكْنَى لما أسقطَه - ﷺ - لبذاءةِ لسانِها ولوعظها وكفَّها عنْ إذايةِ أهلِ زَوْجِها. ولا يخْفَى ضعفُ هذهِ المطاعنِ في ردِّ الحديثِ، فالحق ما أفادَه الحديثُ وقدْ أطالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ ذلكَ في \"الهدي النبويِّ\" (^٢) ناصرًا للعملِ بحديثِ فاطمةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>لا تحد امرأة فوق ثلاث إلا على زوج</span>\n٤/ ١٠٤٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيّةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَلأَبِي دَاوُدَ (^٤) وَالنَّسَائِي (^٥) مِنَ الزِّيَادَةِ: \"وَلَا تَخْتَضِبْ\"، وَللنَّسَائيِّ (^٦): \"وَلَا تَمْتَشِطْ\". [صحيح]\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٢) (٥/ ٦٧٥).\n(^٣) البخاري رقم (٥٣٤١)، ومسلم (٢/ ١١٢٧ رقم ٦٦/ ٩٣٨).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٢).\n(^٥) في \"السنن\" (٦/ ٢٠٤ رقم ٣٥٣٦).\n(^٦) في \"السنن\" (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣ رقم ٣٥٣٤).","vol":"6","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1071>ترجمة أم عطية</span>\n(وعنْ أمِّ عطيةَ - ﵂ -) (^١) اسمُها نُسَيبةُ بضمِّ النونِ وفتحِ [السين] (^٢) المهملةِ، صحابيةٌ لها أحاديثُ في كتبِ الحديثِ (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: لا تُحِدُّ) بضمِّ حرفِ المضارعَةِ وكسرِ الحاءِ المهملةِ ويجوزُ ضمُّ الدالِ على أن لا نافيةٌ، وجزْمُها على أنَّها نَهيٌ (امرأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلَّا علَى زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا ولا تلبسُ ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوبَ عَصْبٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الصادِ المهملةِ فباءٍ موحدةٍ، في \"النهايةِ\" (^٣) أنَّها بَرُودٌ يمنيةٌ يُعْصَبُ غزلُها أي يُجْمَعُ ويُشَدُّ ثمَّ يُصْبَغُ ويُنْشَرُ فيبقَى موشَّى لبقاءِ ما عصبَ منهُ أبيضَ لم ياخذْه الصبغُ (ولا تكتحلُ ولا تمسَّ طيبًا إلا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةَ) بضمِّ النونِ وسكونِ الباءِ الموحدةِ فذالٍ معجمةٍ أي قطعةٍ (منْ قُسْطٍ) بضمِّ القافِ وسكونِ السينِ المهملةِ، في \"النهايةِ\" (^٤): ضَرْبٌ منَ الطِّيبِ وقيلَ العودُ (أو أظفارٍ) يأتي تفسيرُه (متفقٌ عليهِ وهذا لفظُ مسلمٍ، ولأبي داودَ والنسائيِّ منَ الزيادةِ: ولا تختضبْ، وللنسائيِّ: ولا تمتشطْ) الحديثُ فيهِ مسائلُ:\nالأُولَى: تحريمُ إحدادِ المرأةِ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ على أيّ ميِّتٍ منْ أبٍ أو غيرِه وجوازُه ثلاثًا عليهِ. وعلى الزوجِ فقطْ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، إلَّا أنهُ أخرجَ أبو داودَ في \"المراسيل\" (^٥) منْ حديثٍ عمرِو بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: \"أن النبيَّ - ﷺ - رخَّصَ للمرأةِ أنْ تحدَّ على أبيْها سبعةَ أيامٍ وعلى مَنْ سواهُ ثلاثةَ أيامٍ\"، فلوْ صحَّ كانَ مخصَّصًا للأبِ منْ عمومِ النَّهْي في حديثٍ أمِّ عطيةَ، إلَّا أنهُ مرسلٌ لا يقْوى على التخصيصِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1072>إحداد الصغيرة كالكبيرة</span>\nالثانية: في قوله امرأةٌ إخراجٌ للصغيرةِ بمفهومهِ، فَلَا يجبُ عليها الإحدادُ\n_________\n(^١) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١٢١٧١)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٥٤٢)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٦٤٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) (٣/ ٢٤٥).\n(^٤) (٤/ ٦٠).\n(^٥) رقم (٤٠٩) ورجاله ثقات رجال الصحيح غير عمرو بن شعيب، وهو صدوق.","vol":"6","page":227},{"text":"على الزوجِ فلا تُنْهَى عن الإحدادِ على غيرِه أكثرَ منْ ثلاثةٍ، وإليهِ ذهبتِ الحنفيةُ والهادي وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها داخلةٌ في العمومِ وأنَّ ذِكْرَ المرأةِ خرجَ مَخْرَجَ الغالبِ والتكليفِ على وليِّها في مَنْعِهَا منَ الطِّيبِ وغيرِه؛ ولأنَّ العِدَّةَ واجبةٌ علَى الصغيرةِ كالكبيرةِ ولا تحلُّ خِطْبَتُهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>لا إحداد في الطلاق</span>\nالثالثة: في قولِه: على ميِّتٍ، دليلٌ على أنهُ لا إحدادَ على المطلَّقةِ، فإنْ كانَ رجْعيًا فإجماعٌ، وإنْ كانَ بائِنًا فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا إحدادَ عليْها وهوَ قولُ الهادي والشافعيِّ ومالكٍ وروايةٌ عنْ أحمدَ لظاهرِ قولِه على ميِّتٍ وإنْ كانَ مفهومًا فإنهُ يؤيدُه أن الإحدادَ شُرعَ لِقَطْعِ ما يدعُو إلى الجماعِ وكانَ هذَا في حقِّ [المتوفَّى عنْها] (^١) لِتَعَذُّرِ رجوعِها إلى الزوجِ، وأما المطلقةُ بائنًا فانهُ يصحُّ أنْ تعودَ معَ زوجِها بعقدٍ إذا لم تكنْ مثلثةً، وذهبَ آخرونَ منهم علي وزيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى وجوب الإحدادِ على المطلَّقةِ بائنًا قياسًا على المتوفَّى عنْها لأنَّهما اشتركَتَا في العِدَّةِ وَاختلفَتَا في سَبَبِها، ولأنَّ العدةَ تحرِّمُ النكاحَ فحرِّمتْ دواعيْه والقولُ الأولُ أَظْهَرُ دليلًا.\nالرابعةُ: أنهُ لا دلالة في الحديث على وجوبِ الإحدادِ وإنَّما دلَّ على حِلِّهِ علَى الزوجِ الميِّتِ، وذهبَ إلى وجوبِه أكثرُ العلماءِ لِمَا أخْرَجَهُ أبو داودَ (^٢) منْ حديثٍ أمِّ سلمةَ [أنَّها] (^٣) قالَتْ: دخلَ علَي رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حينَ تُوُفِّيَ أبُو سَلمةَ وقدْ جعلْتُ عليَّ صَبْرًا الحديثُ سيأتي (^٤) وَرَوَاهُ النسائيُّ (^٥). قالَ ابنُ كثيرٍ: وفي سندِه غرابةٌ قالَ: ولكنْ رَوَاهُ الشافعيُّ (^٦) عنْ مالكٍ أنهُ بلغَهُ عنْ أمِّ سلمةَ فذكرهُ، وهوَ مما يتقوَّى بهِ الحديثُ ويدلُّ علَى أن لهُ أصْلًا. ولما أخرجَهُ عنْها أيضًا أحمدُ (^٧)\n_________\n(^١) في المخطوطتين (المميتة) والأصوب ما أثبتناه.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٥).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) برقم: (٥/ ١٥٤٣) من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"السنن\" (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥) رقم (٣٥٣٧) وهو حديث ضعيف.\n(^٦) في \"بدائع المنن\" (٢/ ٣١٩ - ٣٢١ رقم ١٧١٠).\n(^٧) في \"المسند\" (٦/ ٣٠٢).","vol":"6","page":228},{"text":"وأبو داودَ (^١) والنسائي (^٢) أنَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"المتوفَّى عنْها زوجُها لا تلبسُ المعصفَرَ منَ الثياب ولا الممشقةَ ولا الحليَّ ولا تختضبُ ولا تكتحلُ\"، قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ: إسنادُه جَيِّدٌ. لكنْ رواهُ البيهقيُّ (^٣) موقوفًا عليها. وذهبَ الحسنُ والشعبيُّ أنَّ المطلقةَ ثلاثًا والمتوفَّى عنْها زوجُها يكتحلان ويمتشطان ويتطيبانِ ويتنقلانِ ويصنعانِ ما شاءتا، واستدلَّا بما أخرجَهُ أحمدُ (^٤) وصحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ (^٥) منْ حديثٍ أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - اليومَ الثالثَ منْ قَتْلِ جعفَرَ بن أبي طالبٍ فقالَ: لا تحدِّي بعدَ يومِكِ هذا. هذا لفظُ أحمدَ ولهُ ألفاظٌ كلُّهَا دالةٌ على أمْرِه - ﷺ - لها بعدمِ الإحدادِ بعدَ ثلاثٍ، وهذا ناسخٌ لأحاديثِ أمِّ سلمةَ في الإحدادِ لأنهُ بعدَها [قالت] (^٦) أمُّ سلمةَ أُمِرْتُ بالإحدادِ، بعدَ موتِ زَوْجِها، وموتُهُ متقدِّمٌ على قَتْلِ جعفرَ، وقدْ أجابَ الجمهورُ عنْ حديثٍ أسماءَ بأجوبةٍ سبعةٍ كلُّها تكلُّفٌ لا حاجةَ إلى سَرْدِها.\nالمسألة الخامسةُ: في قولِه: أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، قيلَ الحكمةُ في التقديرِ بهذهِ المدةِ أن الولدَ [يتكامل خلقه] (^٧) وينفخُ فيهِ الروحُ بعدَ مضيٍّ مائةٍ وعشرينِ يومًا وهي زيادةٌ على أربعةِ أشهرٍ بنقصانِ الأهلةِ فَجَبْرُ الكسرِ إلى العقدِ على طريقِ الاحتياطِ، وذِكْرُ العشرِ مؤنَّثًا باعتبارِ الليالي والمرادُ مع أيامِها عندَ الجمهورِ، فلا تحلُّ حتى تدخلَ الليلةُ الحاديةُ عشَرَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤ رقم ٣٥٣٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٠) موقوفًا عليها.\n(^٤) في \"المسند\" (٦/ ٣٦٩) و(٦/ ٤٣٨).\n(^٥) في \"الإحسان\" (٧/ ٤١٨ رقم ٣١٤٨).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٣/ ٧٥)، والبيهقي (٧/ ٤٣٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ١٣٩ رقم ٣٦٩).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٧) وقالَ: ورجال أحمد رجال الصحيح.\nقلت: وقال الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٤٨٧): \"قال شيخنا في \"شرح الترمذي\": ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق وهي والدة أولاده عبد اللَّهِ، ومحمد، وعون وغيرهم. قالَ: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز، وأجابَ بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه … \" اهـ.\n(^٦) في (ب): \"فإن\".\n(^٧) في (ب): \"تتكامل خلقته\".","vol":"6","page":229},{"text":"المسألة السادسةُ: في قولِه: ثَوْبًا مصبُوغًا، دليلٌ على النَّهْي عنْ كلِّ مصبوغٍ بأيِّ لونٍ إلَّا ما استَثْنَاهُ في الحديثِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرّ: أجمعَ الَعلماءُ على أنهُ لا يجوزُ للحادَّةِ لبسُ المعصفرةِ ولا المصبغة إلا ما صُبغَ بسوادٍ، فَرَخَّصَ فيهِ مالكٌ والشافعيُّ لكونِه لا يُتَّخَذُ للزينةِ بلْ هوَ من لباسِ الحزْنِ. واختُلِفَ في الحريرِ فذهبتِ الشافعيةُ في الأصحّ إلى المنعِ لها مُطْلَقًا مصْبوغًا أو غيرَ مصبوغٍ، قالُوا: لأنهُ أُبِيحَ للنساءِ للتزيُّنِ بهِ والحادَّةُ ممنوعَةٌ منَ التزيُّنِ. وقالَ ابنُ حزمٍ (^١): إنَّها تجتنبُ الثيابَ المصبوغةَ فقطْ ويحلُّ لها أنْ تلبسَ ما شاءتْ منْ حريرٍ أبيضَ أوْ أصفرَ منْ لونِهِ الذي لم يُصْبَغْ ويباحُ لها أنْ تَلْبَسَ المنسوجَ بالذهبِ والحليِّ كلِّهِ منَ الذهب والفضةِ والجوهرِ والياقوتِ وهذا جمودٌ منهُ على لفظِ النصّ الواردِ في حديثٍ أَمّ عطيةَ. وأما حديثُ أمّ سلمةَ الذي فيهِ النَّهْيُ عنْ لُبْسِها الثيابَ المعصفرةَ ولا الممشقةَ ولا الْحُلِيَّ فقالَ: إنهُ لم يصحَّ لأنهُ منْ روايةٍ إبراهيمَ بنَ طهمانَ ورُدَّ عليه بأنهُ منَ الحفَّاظِ الأثْبَاتِ الثقاتِ وقدْ صحَّحَ حديثَهُ جماعةٌ منَ الأئمةِ كابْنِ المباركِ وأحمدَ وأبي حاتمٍ. وابنُ حَزْمٍ أدارَ التحريمَ على ما ثبتَ بالنصِّ عندَه وغيرُه منَ الأئمةِ أدارَهُ على التعليلِ [المناسبِ، أعني الزينة مطلقًا] (^٢)، فبقيَ كلامُهم أن ثوبَ العصْبِ إذا كانَ فيه زينةٌ مُنِعَتْ منهُ ويخصِّصُونَ الحديثَ بالمعنى المناسبِ للمنْعِ وتقدَّم تفسيرُ ثوبِ العصْبِ عن \"النهاية\" وللعلماءِ في تفسيرِه أقوالٌ أُخَرُ.\nالمسألة السابعة: قولِه: ولا تكتحلْ دليلٌ على منْعِها منَ الاكتحالِ وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ ابنُ حزمٍ (^٣): \"ولا تكتحلْ ولو ذهبتْ عينَاها لا ليلًا ولا نَهارًا\"، ودليلُه حديثُ البابِ وحديثُ أمِّ سلمةَ المتَّفَقِ عليهِ (^٤) أن امرأة توفِّيَ عنْها زوجُها فخافُوا على عَيْنِها فَأتَوا النبيَّ - ﷺ - فاستأذنُوهُ في الكُحْلِ فَمَا أذنَ فيهِ بلْ قالَ: لا، مرتينِ أوْ ثلاثًا، وذهبَ الجمهورُ مالكٌ وأحمدُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنهُ يجوزُ الاكتحالُ بالإثْمِدِ للتداوي مستدلِّينَ بحديثِ أمّ سلمةَ الذي أخرجَهُ أبو داودَ (^٥) أنَّها\n_________\n(^١) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٢٧٦).\n(^٤) البخاري رقم (٥٣٣٦)، ومسلم رقم (٦١/ ١٤٨٨/ ١٤٨٦).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٢٩٩)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":230},{"text":"قالتْ في كُحْلِ الجلاءِ لما سألتْها امرأةٌ أنَّ زوْجَها تُوُفِّيَ وكانتْ تشتكي عينَها فأرسلتْ إلى أمِّ سلمةَ فسألتْها عنْ كُحْلِ الجلاءِ فقالتْ أم سلمةَ: لا يُكْتَحَلُ منهُ إلا مِنْ أمرٍ لا بدَّ منهُ يشتدُّ عليكِ فتكتحلينَ بالليلِ وتمسحينَهُ بالنَّهارِ. ثمَّ قالتْ أمُّ سلمةَ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - تُوُفِّيَ أبو سَلمةَ وذكرتْ حديثَ الصَّبْرِ، قالَ ابنُ عبدِ البرّ: وهذا عندي وإنْ وإنَّ مخالِفًا لحديثِها الآخرَ الناهي عن الكحلِ معَ الخوفِ على العينِ إلا أنهُ يمكنُ الجَمْعُ بأنهُ - ﷺ - عرفَ منَ الحالةِ التي نَهَاهَا أن حَاجَتَها إلى الكحلِ خفيفةٌ غيرُ ضروريةٍ والإباحةُ في الليلِ لدفعِ الضررِ بذلكَ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أن فَتْوَى أمِّ سلمةَ قياسٌ مِنْها للكحلِ على الصبرِ، والقياسُ معَ النصِّ الثابتِ والنَّهْيِ المتكررِ لا يُعْمَلُ بهِ عندَ مَنْ قالَ بوجوبِ الإحدادِ.\n٥/ ١٠٤٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَيْني صَبِرًا، بَعْدَ أنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّهُ يُشِبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إلَّا باللَّيْلِ وَانْزَعِيهِ بالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإنَّهُ خِضَابٌ\"، قُلْتُ: بِأَيِّ شيْءٍ أمْتَشِطُ؟ قَالَ: \"بِالسِّدْرِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِيُّ (^٢)، وَإسْنَادُهُ حَسَنٌ. [ضعيف]\n(وعنْ أمِّ سلمةَ قالتْ: جعلْتُ عَلَى عَيْني صَبرًا بعدَ أنْ تُوُفِّيَ أبو سلمةَ فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنهُ يُشِبُّ (^٣) الوجْهَ) بضم حرفِ المضَارَعَةِ (فلا تَجْعَلِيهِ إلَّا بالليلِ وانزعِيهِ بالنهارِ ولا تمتشطي بالطِّيبِ ولا بالحناءِ فإنه خضابٌ، قلتُ: بأيِّ شيء أمتشطُ قالَ: بالسِّدْرِ. رواة أبو داودَ والنسائيُّ وإسنادُه حسنٌ). فيهِ دليل على تحريمِ الطّيبِ وهوَ عامٌّ لكلّ طِيبٍ. وقدْ وردَ في لفظِ: لا تمسَّ طِيْبًا. ولكنُه قدِ استَثْنَى فيما سلفَ حالَ طُهْرِها منْ حَيْضِها وأذِنَ لها في القُسطِ والأظفارِ. قالَ البخاريُّ: القسطُ والكستُ مثلُ الكافورِ والقافورِ يجوزُ في كلٍّ منْهما القاف والكافُ. قالَ النوويُّ (^٤): القُسطُ والأظفارُ نَوْعَانِ معروفانِ منَ البُخُورِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٥).\n(^٢) في \"السنن\" (٦/ ٢٠٤ - ٢٠٥ رقم ٣٥٣٧)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) أي يحسِّنه ويجملِّه ويلوِّنه.\n(^٤) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٠/ ١١٩).","vol":"6","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1074>النهي عن الكحل للمعتدَّة</span>\n٦/ ١٠٤٤ - وَعَنْهَا - ﵂ - أن امْرَأَة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: \"لَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْها) أي أمِّ سلمةَ (أن امرأةً قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ إن ابْنَتِي ماتَ عَنْها زوجُها وقدِ اشتكتْ عينُها أفَتَكْحُلُها) [بضمِّ الحاءِ] (^٢) (قالَ: لا. متفقٌ عليهِ) تقدَّمَ الكلامُ في الكُحْلِ وظاهرُ الحديثِ أنَّها [لا تكتحل] (^٣) للتداوي فمنْ قالَ: إنهُ تمنعُ الحادَّةُ منَ الكحلِ بالإثْمدِ لأنهُ الذي [يحصل] (^٤) بهِ الزينةُ، فأما الكحلُ التُوتْيَا والغندروتُ ونحوُهما فلا بأسَ بِهِ؛ لأنهُ لا زينةَ فيهِ بلْ يصحُّ العينَ، يردُّ عليهِ لفظُ الحديثِ، فإنَّها سألتْ عن كحلٍ تُدَاوَى بهِ العينِ لا عنْ كُحْلٍ الإثْمدِ بخصُوصِهِ إلَّا أنْ يُدَّعَى أن الكحلَ إذا أُطْلِقَ لا يتبادرُ إلا إليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1075>تخرج المعتدة لحاجة</span>\n٧/ ١٠٤٥ - وعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"بَلَى، جُذِّي نَخْلَكِ، فإنَّكَ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ قالَ: طلِّقَتْ خالتي فأرادتْ أنْ تَجدَّ) بالجيمِ والذالِ المعجمةِ هوَ القَطْعُ المستأصِلُ كما في \"القاموس\" (^٦)، وفي \"النهاية\" (^٧): بالدالِ المهملةِ صِرَامُ النخلِ وهوَ قطعُ ثمرِهَا (فزجرَهَا رجلٌ أنْ تخرجَ فأتتِ النبيَّ - ﷺ - فقالَ: بلْ جذِّي نَخْلَكِ فإنَّكِ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أو تفعلِي مَعْرُوفًا. رواة مسلمٌ) في باب جوازِ خروجِ المعتدَّةِ البائنِ كما بَوَّبَ لهُ النوويُّ (^٨). وأخرجهُ أبو داودَ (^٩) والنسائيُّ (^١٠) بزيادةِ طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا.\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٣٣٦)، ومسلم رقم (٦١/ ١٤٨٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"لا تكحلُها\".\n(^٤) في (ب): \"تحصل\".\n(^٥) في صحيحه رقم (١٤٨٣).\n(^٦) \"القاموس المحيط\" (ص ٤٢٣).\n(^٧) (١/ ٢٥٠).\n(^٨) في \"شرح صحيح مسلم\" (١١٠١/ ١٠٨).\n(^٩) في \"السنن\" رقم (٢٢٩٧).\n(^١٠) في \"السنن\" رقم (٦/ ٢٠٩ رقم ٣٥٥٠).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٣٤)، وهو حديث صحيح.","vol":"6","page":232},{"text":"والحديثُ دليلٌ عَلَى جَوازِ خروجِ المعتدَّةِ منْ طلاقٍ بائنٍ من مَنْزِلِها في النهارِ للحاجةِ إلى ذلكَ ولا يجوزُ لغيرِ حاجةٍ. وقدْ ذهبَ إلى ذلكَ طائفةٌ منَ العلماءِ وقالُوا: يجوزُ الخروجُ للحاجةِ والعذْرِ ليلًا ونَهَارًا كالخوفِ وخَشْيَةِ انهدامِ المنزلِ، ويجوزُ إخراجُها إذا تأذَّتْ بالجيرانِ أو تأذَّوا بِها أذَىً شديدًا، لقولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (^١)، وفسَّرَ الفاحشةَ بالبذاءةِ على الأحماءِ [ونحوهم] (^٢). وذهبتْ طائفةٌ منْهم إلى جوازِ خُروبِها نَهَارًا مطلقًا دونَ الليلِ للحديثِ المذكورِ وقياسًا عَلَى عِدَّةِ الوفاةِ، ولا يخْفَى أن الحديثَ المذكورَ عُلِّلَ فيهِ جوازُ الخروجِ برجاءِ أنْ تَصدَّقَ أوْ تفعلَ معروفًا وهذا عذرٌ في الخروجِ، وأما لغيرِ عُذْرٍ فلا يدل عليهِ، إلَّا أنْ يُقَالَ إنَّما هذا رجاءُ فعلِ ذلكَ، وقدْ يُرْجَى في كل خُروجٍ في الغالبِ. وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الصَّدَقَةِ منَ التمرِ عندَ جِدَادِهِ واسْتِحْبَابِ التعرِيضِ لِصَاحِبِهِ بِفِعْلِ الخيرِ والتذْكيرِ بالمعْرُوفِ والبِرِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1076>المعتدَّة تمكث في بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها</span>\n٨/ ١٠٤٦ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ الَلَّهِ - ﷺ - أنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فإنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ مَسْكَنًا لي يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: \"نَعَمْ\"، فَلَمَّا كُنْتُ في الحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: \"امْكُثي في بَيتِكِ حَتى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ\"، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أشْهُر وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أحْمَدُ (^٣) وَالأرْبَعَةَ (^٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهَلِي وَابْنُ حِبَّانَ (^٥) وَالْحَاكِمُ (^٦) وَغَيْرُهُمْ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٢) في (ب): \"غيرهم\".\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ٣٧٠، ٤٢٠ - ٤٢١).\n(^٤) أبو داود رقم (٢٣٠٠)، والترمذي رقم (١٢٠٤)، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (٦/ ١٩٩)، وابن ماجه رقم (٢٠٣١).\n(^٥) كما في \"الموارد\" رقم (١٣٣٢).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٨) وأقره الذهبي، ونقل الحاكم تصحيحه عن محمد بن يحيى الذهلي.\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٩١ رقم ٨٧)، والدارمي (٢/ ١٦٨)، والشافعي في \"الرسالة\" فقرة (١٢١٤)، والطيالسي رقم (١٦٦٤).\n(^٧) كالمحدِّث الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢١٣١ - التحقيق الثاني)، ذكر ذلك في \"صحيح سنن =","vol":"6","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1077>ترجمة فُرَيْعَةَ</span>\n(وعنْ فُرَيْعَةَ) (^١) بضمِّ الفاءِ وفتحِ الراءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وعينٍ مهملةٍ أختِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، شهدتْ بيعةَ الرِّضْوانِ ولها روايةٌ، (بنتِ مالكٍ أن زوْجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ لهُ فقتلُوه قالتْ: فسألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أن ارجعَ إلى أهلي فإنَّ زوجي لم يتركْ لي مَسْكَنًا يملكُه ولا نفقةً فقالَ: \"نعمْ\"، فلمَّا كنتُ في الحجرةِ ناداني فقالَ: امكُثِي في بيتِكِ حتَّى يبلغَ الكتابُ أجله، قالتْ: فاعتددت فيهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، قالتْ: فَقَضَى بِهِ عثمان بعدَ ذلكَ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَة الترمذيُّ والذهليُّ) بضمِّ الذال [المعجمةِ] (^٢) (وابن حبانَ والحاكمُ وغيرُهم) أخرجُوهُ كلُّهم منْ حديثٍ سعدِ بن إسحاقَ بنَ كعبٍ عنْ عمَّتِه زينبَ بنتِ كعبِ بن عُجْرَةَ عن [فريعة هذه المذكورة في هذا الحديث] (^٣). قالَ ابنُ عبدِ البرِ (^٤): هذا حديثٌ معروفٌ مشهورٌ عِنْدَ علماءِ الحجازِ والعراقِ، وأعلَّهُ عبدُ الحقِّ تِبْعًا لابنِ حزمٍ بجهالةِ حالِ زينبَ وبأنَّ سعدَ بنَ إسحاقَ غيرُ مشهورِ العدالةِ، وتُعُقِّبَ بأنَّ زينبَ هذهِ منَ التابعياتِ وهيَ امرأةُ أبي سعيدٍ، رَوَى عنْها سعدُ بنُ إسحاقَ وذكرَها ابنُ حبانَ في الثقاتِ (^٥)، وقدْ رَوَى عنْها سليمانُ بنُ محمدِ بن كعبِ بن عجرةَ فهيَ امرأةٌ تابعيةٌ تحتَ صحابيٍّ، ثم رَوَى عنْها الثقاتُ ولم يطعنْ فيها بحرفٍ (^٦)، وسعدُ بنُ إسحاقَ وثقهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ والدارقطنيُّ (^٧)، وَرَوى عنهُ حمادُ بنُ زيدٍ وسفيانُ الثوريُّ وابنُ جريجٍ ومالكٌ وغيرُهم. والحديثُ دليل على أنَّ المتوفى عنْها زوجُها تعتدُّ في بيتِها الذي نوَتْ فيهِ العدةَ ولا تخرجُ منهُ إلى غيرِهِ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ\n_________\n= ابن ماجه\" رقم (١٦٥١).\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، واللَّهُ أعلم.\n(^١) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٦٢٨)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٢٠٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٥١٧)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٢٩٦، ٢٩٣) و\"الثقات\" (٣/ ٣٣٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨١ رقم ٢٧٤١٦).\n(^٥) (٣/ ٢٧١).\n(^٦) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٢٥٢)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٤١٠).\n(^٧) كما في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٤٠٥ رقم ٨٦٨).","vol":"6","page":234},{"text":"والخلفِ، وفي ذلكَ عدَّةُ رواياتٍ وآثارٌ عن الصحابةِ ومَنْ بعدَهمْ (^١).\nوقالَ بهذَا أحمدُ والشافعي وأبو حنيفةَ وأصحابُهم، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وبهِ يقولُ جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجاز والشامِ ومصرَ والعراقِ وقضَى بهِ عمرُ بمحضَرٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ. والدليلُ حديثُ [فريعة] (^٢) ولم يَطْعنْ فيهِ أحدٌ ولا في رُواتِهِ إلا ما عرفتَ وقدْ دُفعَ. ويجبُ لها السُّكْنَى في مالِ زَوْجِهَا لقولِه تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (^٣)، والآيةُ وإنْ كانَ قدْ نُسِخَ [منها] (^٤) استمرارُ النفقةِ والكسوةِ حولًا فالسُّكْنَى باقٍ حُكْمُهَا مدةَ العِدَّةِ، وقدْ قرَّرَ الشافعيُّ الاستدلالَ بالآيةِ بما فيهِ تطويلٌ. وذهب طائفةٌ منَ السلفِ والخلَفِ إلى أنهُ لا سُكْنَى للمتوفَّى عنْها. رَوَى عبدُ الرزاقِ (^٥) عنْ عُرْوَةَ عنْ عائشَةَ أنَّها كانتْ تفتي المتوفَّى عنْها بالخروجِ في عِدَّتِها. وأخرجَ أيضًا (^٦) عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: إنَّما قالَ اللَّهُ تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ ولمْ يقلْ تعتدُّ في بَيْتِهَا فتعتدُّ حيثُ شاءتْ. ومثلُه أخرجَهُ (^٧) عنْ\n_________\n(^١) منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة، وزيد بن ثابت والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وابن شهاب.\n• أما عن عمر فقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٩١ - ٥٩٢ رقم ٨٨) والبيهقي (٧/ ٤٥٣) و\"مصنف عبد الرزاق\" (٧/ ٣٣) بإسناد رجاله ثقات عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب، كان يردُّ المتوفى عنهنَّ أزواجُهُن من البيداءِ، يمنعُهنَّ الحج\".\n• أما عن عثمان فقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٩١) وغيره كما تقدم في أواخر حديث الفريعة. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٧/ ٣٢) وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٢٨٦): عن يوسف بن ماهك عن أُمه مسيكة، أن امرأة متوفى عنها زوجها زارت أهلها في عدَّتها وضربها الطلق، فأتوا عثمان فسألوه، فقال: احملوها إلى بيتها وهي تطلق.\n• أما عن ابن مسعود فقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٣١٦)، والبيهقي (٧/ ٤١٧)، وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٢٥٩).\n• أما عن ابن عمر فقد أخرجه مالك (٢/ ٥٩٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٣١) بإسناد صحيح، والبيهقي (٧/ ٤٣٥، ٤٣٦).\n• أما عن البقية فقد ذكرهم ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) في (أ): \"المفريعة\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(^٤) في (ب): \"فيها\".\n(^٥) في \"المصنف\" (٧/ ٢٩ رقم ١٢٠٥٤) بإسناد صحيح.\n(^٦) في \"المصنف\" (٧/ ٢٩ رقم ١٢٠٥١)، والبيهقي (٧/ ٤٣٥) بإسناد صحيح.\n(^٧) في \"المصنف\" (٧/ ٣٠ رقم ١٢٠٥٩).","vol":"6","page":235},{"text":"جابرٍ بن عبدِ اللَّهِ، ومثلُه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ وإليهِ ذهبَ الهادي فقالَ: لا تجبُ لها السُّكْنَى لا تبيتُ إلَّا في مَنْزِلِهَا. ودليلُهم ما ذكرَهُ ابنُ عباسٍ منْ أنهُ تعالَى ذَكَرَ مُدَّةَ العدةِ ولم يذكرِ السُّكْنَى. والجوابُ أنهُ ثَبَتَ بالسُّنَّةِ وهوَ حديثُ [فريعة] (^١) وبالكتابِ أيضًا كما تقدَّمَ، إلَّا أن [فريعة] (^٢) صرَّحتْ فيهِ أن البيتَ ليسَ لِزَوْجِها، فيُوخَذُ منهُ أنَّهَا لا تخرجُ منَ البيتِ الذي ماتَ فيهِ وهي فيهِ، سواءٌ كانَ لهُ [أم] (^٣) لا.\nوقدْ أطالَ في \"الهدي النبويِّ\" (^٤) الكلامَ على ما يتفرَّعُ من إثباتِ السُّكْنَى، وهلْ تجبُ على الوَرَثَةِ منْ رأسِ الترِكَةِ أوْ لا؟ وهلْ تَخْرُجُ منْ منزِلها للضرورةِ [أم لا] (^٥)؟ وذَكَرَ خِلَافًا كثيرًا بينَ العلماءِ في ذلكَ ليسَ للتطويلِ بنقلهِ كثيرُ فائدةٍ، إذْ ليسَ عَلَى شيءٍ منْ تلكَ الفروعِ دليلٌ ناهضٌ.\n٩/ ١٠٤٧ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ فاطمةَ بنْتِ قيسٍ قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجي طَلَّقَنِي ثلاثًا وأخافُ أنْ يُقْتَحَمَ) [بغير] (^٧) الصيغةِ (عليَّ) أي يُهْجَمُ عليَّ أحدٌ بغيرِ شعورٍ (فَأَمَرَهَا فتحوَّلتْ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّم الكلامُ على حديثٍ فاطمةَ وحكمِ ما أفادَه ولا وجْهَ لإعادةِ المصنفِ لهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>عدَّة أم الولد إذا توفي عنها سيدها</span>\n١٠/ ١٠٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - قَالَ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٨) وَأَبُو دَاوُدَ (^٩) وَابْنُ مَاجَهْ (^١٠)،\n_________\n(^١) في (ب): \"الفريعة\".\n(^٢) في (ب): \"الفريعة\".\n(^٣) في (ب): \"أو\".\n(^٤) (٥/ ٦٧٩ - ٦٩٣).\n(^٥) في (ب): \"أو لا\".\n(^٦) في صحيحه رقم (١٤٨٢).\n(^٧) في (ب): \"مغيَّرُ\".\n(^٨) في \"المسند\" (٤/ ٢٠٣).\n(^٩) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٨).\n(^١٠) في \"السنن\" رقم (٢٠٨٣).","vol":"6","page":236},{"text":"وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^١)، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بالانْقِطَاعِ (^٢). [حسن]\n(وعنْ عمرِو بن العاصِ قالَ: لا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّة نبينا، عِدَّة أمِّ الولدِ إذا تُوُفِّيَ عنْها سيِّدُها أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ. رواة أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجهْ وصحَّحَة الحاكمُ وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالانقطاعِ)، وذلكَ لأنهُ منْ روايه قُبَيْصَه بن ذُؤيبٍ عنْ عمرِو بن العاصِ ولم يَسْمعْ منهُ، قالَه الدارقطنيُّ. وقالَ ابنُ المنذرِ: ضَعَّفَهُ أحمدُ وأبو عبيدٍ. وقالَ محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عنهُ فقالَ: لا يصحُّ. وقالَ الميمونيُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّهِ يتعجب منْ حديثٍ عمرِو بن العاصِ هذَا ثمَّ قالَ: أيُّ سُنَّةٍ للنبيِّ - ﷺ - في هذا وقالَ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا إنَّما هيَ عِدَّةُ الحرَّةِ عن النِّكاحِ وإنَّما هذهِ أمَة خرجتْ عن الرِقِّ إلى الحريَّةِ. وقالَ المنذري (^٣) في إسنادِ حديثٍ عمرٍو: مطرُ بنُ طَهْمَانَ أبو رَجَاءٍ الورَّاقُ وقدْ ضعَّفهُ غيرُ واحدٍ، ولَهُ عِلَّةٌ ثالثةٌ هيَ الاضطرابُ، لأنهُ رُوِيَ على ثلاثةِ وُجُوهٍ. قالَ أحمدُ (^٤): حديثٌ مُنْكَرٌ. وقَدْ رَوَى خُلاسُ عنْ عليٍّ مثلَ روايةٍ قبيصةَ عنْ عمرٍو لكنَّ خُلاسَ بنَ عمرٍو قدْ تُكُلِّمَ في حديثِه كانَ ابنُ معينٍ لا يَعْبَأُ بحديثِه. وقال أحمدُ في روايتِه عنْ عليٍّ: يُقَالُ إنَّها كتابٌ. وقالَ البيهقيُّ (^٥) روايةُ خُلاسٍ عنْ عليٍّ ضعيفةٌ عندَ أهلِ العلمِ والمسألةُ فيها خلافٌ ذهبَ إلى ما أفادَهُ حديثُ عمرٍو الأوزاعيِّ، والناصرُ، والظاهريةُ، وآخرونَ وذهبَ مالكٌ والشافعيِّ وأحمدُ وجماعةٌ (^٦) إلى أن عِدَّتَها\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٥٨) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: مطر الورّاق روى له البخاري تعليقًا ومسلم في المتابعات، كما تكلَّموا في حفظه فحديثه حسن في المتابعات.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٣٠٩) وقال: \" … والموقوف أصح. وقبيصة لم يسمع من عمرو\".\nقلت: وأخرجه البيهقي (٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨) وقال: والصواب موقوف، وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو. وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر.\nوأخرجه ابن حبان رقم (١٣٣٣ - موارد) وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧٦٩).\nوخلاصة القول أن الحديث حسن، واللَّه أعلم.\n(^٣) في \"المختصر\" (٣/ ٢٥٥).\n(^٤) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٨).\n(^٥) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٨).\n(^٦) انظر: \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨٨ رقم ٢٧٤٤٣، ٢٧٤٤٤).","vol":"6","page":237},{"text":"حَيْضَةٌ لأنَّها ليستْ زوجةً ولا مطلَّقةً فليسَ إلَّا استبراءُ رَحِمِها وذلكَ بحيضةٍ تشبيهًا بالأَمَةِ يموتُ عنْها سيِّدُها، وذلكَ مما لا خلافَ فيهِ. وقالَ مالكٌ (^١): فإنْ كانتْ ممنْ لا تحيضُ اعتدَّتْ بثلاثةِ أشهرٍ ولها السُّكْنَى. وقالَ أبو حنيفةَ (^٢): عِدَّتُها ثلاثُ حِيِضٍ، وهوَ قولُ عليٍّ (^٣) وابنِ مسعودٍ (^٤)، وذلكَ لأنَّ العِدَّةَ إنَّما وجبتْ عليْها وهيَ حُرَّةٌ وليستْ بزوجةٍ فتعتدَّ عِدَّةَ الوفاةِ، ولا أمة فتعتدُّ عِدَّةَ الأَمَةِ، فوجبَ أنْ يُسْتَبْرَأَ رحمُها بِعِدَّةِ الحرائرِ. قُلْنَا: إذا كانَ المرادُ الاستبراءُ كَفَتْ حيضةٌ إذْ بها يتحققُ [براءة الرحم] (^٥)، وقالَ قومٌ: عِدَّتُها نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ تشبيها بالأمَةِ المزوَّجةِ عندَ مَنْ يَرَى ذلكَ، وسيأتي. وقالتِ الهادويةُ: عِدَّتُها حيضتانِ تشبيهًا بعدةِ البائعِ والمشتري فإنَّهم [أوجبوا] (^٦) على البائعِ الاستبراءَ بحيضةِ وعلى المشتري كذلكَ والجامعُ زوالُ الملْكِ. قالَ في \"نهاية المجتهد\" (^٧): \"سببُ الخلافِ أنَّها مسكوتٌ عنْها - أيْ في الكتابِ والسُّنَّةِ - وهيَ متردِّدَةُ الشَّبَهِ بينَ الأمَةِ والحرَّةِ، فأمَّا مَنْ شَبَّهَهَا بالزَّوْجَةِ الأمَةِ فضعيفٌ، وأضعفُ منهُ مَنْ شَبَّهَهَا بِعِدَّةِ الحرَّةِ المطلَّقةِ\"، انتَهى.\nقدتُ: وقدْ عرفتَ ما في حديثٍ عمرِو منَ المقالِ فالأقربُ قولُ أحمدُ والشافعيِّ أنَّها تعتدُّ بحيضةٍ، وهوَ قولُ ابن عمرَ وعروةَ بن الزبيرِ والقاسمِ بن محمدِ والشعبيّ والزُّهريِّ، لأنَّ الأَصْلَ البراءةُ [عن] (^٨) الحكمِ وعدمُ حَبْسِها عن الأزواجِ، واستبراءُ الرَّحِمِ يحصلُ بحيضةٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1079>القَرء الطهر والدليل عليه</span>\n١١/ ١٠٤٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: إِنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ في قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (^٩). [إسناده صحيح]\n_________\n(^١) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨٨ رقم ٢٧٤٤٧).\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٨/ ١٨٩ رقم ٢٧٤٥٧).\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٨).\n(^٤) ذكر ذلك ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٨/ ١٩٠ رقم ٢٧٤٥٨).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"يوجبون\".\n(^٧) أي \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد الحفيد (٣/ ١٨٢) بتحقيقنا.\n(^٨) في (ب): \"من\".\n(^٩) في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٦ - ٥٧٧) بسند صحيح.","vol":"6","page":238},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: إن الأقراءُ الأطهاز. أخرجه مالكٌ في قصه بسندٍ صحيحٍ) والقصةُ هيَ ما أفادَهُ سياقُ الحديثِ. قالَ الشافعيِّ: [أنا] (^١) مالكٌ عن ابن شهابٍ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ أنَّهَا قالتْ: وقدْ جادَلَها في ذلكَ ناسٌ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ تعالَى يقولُ ثلاثةَ قروءٍ فقالتْ عائشةَ: صدقتُم وهل تدرونَ ما الأقراءُ؟ الأقراءُ الأطهارُ، قالَ الشافعيُّ: أخْبَرَنا مالكٌ عن ابن شهابٍ ما أدركتُ أحدًا منْ فقهاءِنَا إلَّا وهوَ يقولُ هذَا. يريدُ الذي قالته عائشةُ، انتَهى. واعلمْ أنَّ هذهِ مسئلةٌ اختَلَفَ فيها سلفُ الأمَّةِ وخَلَفُها معَ الاتفاقِ أن القَرْءَ بفتحِ القافِ وضمِّها يُطْلَقُ لغةً على الحيضِ والطُّهْرِ وأنهُ لا خلافَ أن المرادَ في قولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢) أحدُهما لا مجموعُهما إلَّا أنَّهم اختلفُوا في الأحدِ المرادِ منْهما فيها؛ فذهبَ كثيرٌ منَ الصحابةِ وفقهاءُ المدينةِ والشافعيُّ وأحمدُ في إحْدى الروايتينِ وهوَ قولُ مالكٍ وقالَ: هوَ الأمرُ الذي أدركتُ عليهِ أهلُ العلمِ ببلدِنا أنَّ المرادَ بالأَقْراءِ في الآيةِ الكريمةِ الأطهارُ مستدلِّينَ بحديثِ عائشةَ هذَا، قالَ الشافعيِّ: إنهُ يدلُّ لذلكَ الكتابُ واللسانُ، أي اللغةُ أما الكتابُ فقولُه [تبارك و] (^٣) تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^٤) وقدْ قالَ - ﷺ - في حديثٍ ابن عمرَ (^٥): \"ثمَّ تطهرُ ثمَّ إنْ شاءَ أمسكَ وإنْ شاءَ طلَّقَ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللَّهُ أنْ تطلَّقَ لها النساءُ\"، وفي حديثٍ ابن عمر (^٦) لما طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا طهرتْ فليطلِّقْ أو يُمْسِكْ وَتَلَا - ﷺ -: \"إذا طَلَّقتم النساءَ فطلقوهنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ أوْ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ\" (^٧)، قالَ الشافعيُّ: أنا شَكَكْتُ. فأخبرَ - ﷺ - أن العدَّةَ الطُّهْرُ دونَ الحيضِ وقرأَ فطلقوهنَّ لِقَبْلِ عدتهنَّ وهو أنْ يطلِّقَهَا طاهرًا، وحينئذٍ يستقبلُ عِدَّتَها، فلو طُلِّقَتْ حائضًا لم تكنْ مستقبلةً عِدَّتَها إلَّا بعدَ الحيضَ. وأما اللسانُ فهوَ أن القَرْءَ اسمٌ معناهُ الحبسُ، تقولُ العربُ: هو يقرئُ الماءَ في حوضِه وفي سِقَائِه، وتقولُ: يقرئُ الطعامَ في شِدْقِهِ، يعني\n_________\n(^١) في (ب): \"أخبرنا\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٥٣٣٢)، ومسلم رقم (١٤٧١).\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٤/ ١٤٧١).\n(^٧) \"قُبُلِ عِدتهنَّ\" هذه قراءة ابن عباس وابن عمر. وهي قراءة شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع.\nولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا - أي الشافعية - وعند محققي الأصوليين.","vol":"6","page":239},{"text":"يحبسُ الطعامَ فيهِ، وتقولُ إذا حبسَ الشيءَ: أقْرَأَهُ، أي خَبَّأَهُ، وقالَ الأعشَى (^١):\nأفي كلِّ يومٍ أنتَ جاشمُ غزوةٍ … تشدُّ لأقْصَاهَا عزيمَ عزائِكَا\nمورِّثَةً عزًا وفي الحيِّ رفعةٌ … لما ضاعَ فيها منْ قروءِ نِسَائِكَا\nفالقَرْءُ في البيتِ بمعنَى الظهرِ، لأنهُ ضيَّعَ أطهارَهنَّ في غزَاتِهِ وآثَرَهَا عليهنَّ أي آثرَ الغزْوَ على القعودِ فضاعتْ قروءُ نِسائِهِ بلا جماعٍ، فدلَّ على أنَّها الأطهارُ. وذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ كالخلفاءِ الأربعةِ وابنِ مسعودِ وطائفةٌ كثيرةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ إلى أنَّها الحيضُ، وبهِ قالَ أئمة الحديثِ، وإليهِ رجعَ أحمدُ ونُقِلَ عنهُ أنهُ قالَ: كنتُ أقولُ إنَّها الأطهارُ وأنا اليومَ أذهبُ إلى أنَّها الحيضُ. وهوَ قولُ الحنفيةِ وغيرهمْ (^٢)، واستدلُّوا بأنهُ لمْ يُسْتَعْمَلِ القَرْءُ في لسانِ الشارع إلَّا في الحيضِ كقولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (^٣)، وَهذا هو الحيضُ والحملُ لأنَّ المخلوقَ في الرحمِ هوَ أحدُهما، وبهذَا فسَّرهُ السلفُ والخلفُ، وكقوله - ﷺ -: \"دَعِي الصلاةَ أيامَ أقرائِكِ\" (^٤)، ولم يقلْ أحدٌ أن المرادَ بهِ الطهرُ،\n_________\n(^١) والأبيات في ديوانه (٩١).\n(^٢) انظر: \"المغني\" (١١/ ١٩٩ - ٢٠٢).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٤) وهو حديث صحيح.\nروي من حديث عدي بن ثابت، ومن حديث عائشة، ومن حديث أم سلمة، ومن حديث سودة بنت زمعة.\n• أما حديث عدي بن ثابت فقد أخرجه أبو داود رقم (٢٩٧)، والترمذي (١٢٦)، وابن ماجه رقم (٦٢٥)، وإسناده ضعيف.\n• وأما حديث عائشة فقد أخرجه الطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٢٩٢ رقم ١١٨٧ - الروض الداني) من طريق قمير امرأة مسروق عنها.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤/ ١٨٨ رقم ١٣٥٤) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه عنها بإسناد صحيح.\n• وأما حديث أم سلمة فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٨ رقم ٨)، وقال الدارقطني: رواته كلهم ثقات ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ٢٠٢).\n• وأما حديث سودة فقد أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٩١٨٤)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٨١) وقال: وفيه جعفر عن سودة لم أعرفه.\nوانظر كلام الإمام الزيلعي في \"نصب الراية\" على الأحاديث هذه (١/ ٢٥١ - ٢٥٢).","vol":"6","page":240},{"text":"ولقولِه - ﷺ - أخرجَه أحمدُ (^١) وأبو داودَ (^٢) في سَبَايَا أَوْطَاسٍ (^٣): \"لا توطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تحيضَ حيضةً\" وسيأتي (^٤). وأجابَ الأولونَ عن الآيةِ [بأنها] (^٥) أفادَتْ تحريمَ كِتْمَانِ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحَامِهِنَّ، وهوَ الحيضُ أوِ الحَبَلُ أوْ كلاهُما. ولا ريبَ أن الحيضَ داخلٌ في ذلكَ، ولكنَّ تحريمَ كتمانِه لا يدلُّ على أن القرْءَ المذكورَ في الآيةِ هوَ الحيضُ، فإنَّها إذا كانتِ الأطهارُ فإنَّها تنقضي بالطَّعْنِ في الحيضةِ الرابعةِ أو الثالثةِ، فكتمانُ الحيضِ يلزمُ منهُ عدمُ معرفةِ انقضاءِ الطُّهْرِ الذي تتمُّ بهِ العِدَّةُ فتكونُ دلالةُ الآيةِ على أن الأقراءَ الأطهارُ أظهرَ [وأجابوا] (^٦) عن الحديثِ الأولِ بأنَّ الأصحَّ أن لَفْظَهُ كما قالَ الشافعيُّ (^٧): [أنا] (^٨) مالكٌ عنْ نافعِ بن سليمانِ بن يسارٍ عنْ أمِّ سلمةَ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"لِتَنْتَظِرْ عِدادَ الليالي والأيامِ التي كانتْ تحيضهنَّ منَ الشهر قبلَ أنْ يصيبَها الذي أصابَها ثمَّ لِتَدَعِ الصلاةَ ثمَّ لِتَغْتَسِلْ ولْتُصلِّ\"، وهذهِ روايةُ نافعٍ ونافعٌ أحفظُ منْ سليمانَ عن أيوب الراوي لذلكَ اللفظِ (^٩). هذا حاصلُ ما نُقِلَ عن الشافعيِّ منْ ردِّه للحديثِ الأولِ وعنِ الحديثِ الثاني بأنهُ [لا يشك] (^١٠) أن الاستبراءَ وردَ بحيضةٍ وهوَ النصُّ عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وهوَ قولُ جمهورِ الأُمَّةِ. والفرقُ بينَ الاستبراءِ والعِدَّةِ أن العِدَّةَ وجبتْ قضاءً لحقِّ الزَّوْجِ فاختصتْ بزمانِ حقِّه وهوَ الطُّهْرُ وبأنَّها تتكررُ فتعلم فيها البراءةَ بواسطةِ الحيضِ بخلافٍ الاستبراءِ. واعلمْ أنهُ قدْ أكثرَ الاستدلالَ المنازعون في المسئلةِ منَ الطرفَيْنِ، كلُّ يستدلُّ على ما\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١٧/ ٥٥ رقم ٢١ - فتح الرباني).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٥٧).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ١٩٥)، من حديث أبي سعيد الخدري وصحَّحه على شرط مسلم. وكذلك صحَّحه المحدث الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٣) أوطاس: واد من ديار هوازن، فيه كانت وقعةُ حُنين للنبي - ﷺ - ببني هوازن \"معجم البلدان\" (١/ ٢٨١).\n(^٤) رقم (١٨/ ١٠٥٦) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (ب): \"بأن الآية\".\n(^٦) في (ب): \"و\".\n(^٧) في \"بدائع المنن\" (١/ ٣٨ رقم ١١٤).\n(^٨) في (ب): \"أخبرنا\".\n(^٩) أخرجها الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢٠٧ رقم ٧).\n(^١٠) في (ب): \"لا شك\".","vol":"6","page":241},{"text":"ذهبَ إليهِ، وغايةُ ما [أفاده الآية والحديث] (^١) أنهُ أُطْلِقَ القُرْءُ على الحيضِ وأُطْلِقَ على الطُّهرِ، وهوَ في الآيةِ محتمَلٌ كما عرفتَ فإنْ كانَ مشتَركًا كما قالَه جماعةٌ فلا بدَّ منْ قرينةٍ [معينة] (^٢)، وإنْ كانَ في أحدِهِما حقيقةً وفي الآخَرِ مجازًا فالأصلُ الحقيقةُ ولكنَّهم مختلفونَ هلْ هوَ حقيقةٌ في الحيضِ مجازٌ في الطهْرِ أوِ العكسُ. قالَ الأكثرونَ بالأوَّلِ، وقالَ الأقلُّونَ بالثاني؛ فالأولونَ يحملونَهُ في الآيةِ علَى الحيضِ لأنهُ الحقيقةُ، والأقلونَ على الطُّهْرِ ولا ينهضُ دليل على تَعَيُّنِ أحدٍ القولَيْنِ؛ لأنَّ غايةَ الموجودِ في [كتب] (^٣) اللغةِ الاستعمالُ في المعنَيَيْنِ وللمجازِ علامات منَ التبادرِ وصحةِ النَّفْي [وغيره] (^٤) ولا ظهورَ [ما أفاده لهما ههنا] (^٥) وقد أطالَ ابنُ القيم الاستدلالَ على أنهُ الحيضُ واستوفَى المقالَ، ولم يقهرْنَا دليلُه إلى تعيينِ ما قالَ، ومنْ أدلةِ القولِ بأنَّ الأقراءَ الحيضُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1080>طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان</span>\n١٢/ ١٠٥٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (^٦)، وَأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا، وَضَعَّفَهُ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"أفادت الأدلة\".\n(^٢) في (ب): \"معنييه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"ونحو ذلك\".\n(^٥) في (ب): لها هُنا\".\n(^٦) في \"السنن\" (٤/ ٣٨ رقم ١٠٩).\n(^٧) وأخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٣٨ رقم ١٠٤) مرفوعًا وضعفه.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٧٩) كليهما من طريق عمر بن شبيب المُسْلِي، عن عبد اللَّهِ بن عيسى، عن عطية، عن ابن عمر.\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٩ رقم ٢٠٧٩/ ٧٣٣): \"هذا إسناد ضعيف، لضعف عطية بن سعيد العوفي، وعمر بن شبيب الكوفي.\nرواه البيهقي في سننه الكبرى - (٧/ ٣٦٩) - من طريق سعدان بن نصر عن عمر بن شبيب به مرفوعًا، وقال: الصحيح أنه موقوف على ابن عمر، ورواه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٤ رقم ٥٠) - موقوفًا على ابن عمر.\nوكذا رواه الدارقطني في سننه - (٢/ ٣٩ رقم ١١٠) من طريق عبيد اللَّهِ بن عمر عن نافع عن ابن عمر به.\nومن طريق الدارقطني وغيره رواه البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٣٦٩).\nوله شاهد من حديث عائشة رواه أبو داود رقم (٢١٨٩)، والترمذي رقم (١١٨٢)، وابن ماجه رقم (٢٠٨٠) اهـ. =","vol":"6","page":242},{"text":"- وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفقُوا عَلَى ضعْفِهِ (^١). [ضعيف]\nقولُه: (وعنِ ابن عمرَ - ﵄ -: طلاقُ الأمَةِ) المزوَّجَةِ (تطليقتانِ وعِدَّتُها حيضتانِ.\nرواهُ الدارقطنيُّ) موقُوفًا على ابن عمرَ (وأخرجَهُ مرفُوعًا وضغَفهُ) لأنهُ منْ روايةٍ عطيةَ العوفيِّ وقدْ ضعَّفهُ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ (^٢)، (وأخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وابن ماجهْ منْ حديثٍ عائشةَ) بلفظِ: طلاقُ الأمَةِ طلقتانِ وقَرؤُها حيضتانِ، وهوَ ضعيفٌ لأنهُ منْ حديثٍ مظاهرِ بن مسلمٍ قالَ فيهِ أبو حاتمٍ (^٣): مُنْكَرُ الحديثِ، وقالَ ابنُ معينٍ: لا يعرفُ (وصحَّحَه الحاكمُ وخالفوهُ فاتفقُوا على ضَعْفِهِ) لما عرفْتَهُ فَلَا يتم بهِ الاستدلالُ [على المسألة] (^٤) الأُولَى. واستُدلَّ بهِ هُنَا على أن الأَمَةَ تخالفُ الحرةَ فَتَبِيْنُ عن الزوجِ بطلقتيْنِ وتكونُ عِدَّتُها قُرْأَيْنِ. واختلفَ العلماءُ [في هذا الحكم] (^٥) على أربعةِ أقوالٍ أقْواها ما ذهبتْ إليه الظاهريةُ (^٦) منْ أن طلاقَ العبدِ والحرِّ سواءٌ لعمومِ النصوصِ الواردةِ في الطلاقِ منْ غيرِ فَرْقٍ بينَ حُرٍّ وعَبْدٍ وأدلةُ التفرقةِ كلُّها غيرُ ناهضةٍ، وقدْ سردَ الأقوال الثلاثة وأدلتها في الشرحِ فَلَا\n_________\n= قلت: وأخرج حديث عائشة الحاكم (٢/ ٢٠٥) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٧٠).\nقال الترمذي: \"حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث\".\nوقال أبو داود: \"وهو حديث مجهول\".\nوقال الحاكم: \"مظاهر بن أسلم شيخ من أهل البصرة لم يذكره أحد من متقدمي مشايخنا بجرح، فإذًا الحديث صحيح\". ووافقه الذهبي.\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ١٤٩): \"وذلك من عجائبه - أي الذهبي - فإنه أورد مظاهرًا هذا في كتابه \"الضعفاء\" … اهـ.\nقلت: حديث عائشة ضعيف. وكذلك حديث ابن عمر، واللَّهُ أعلم.\n(^١) تقدم تخريجه في التعليقة أعلاه.\n(^٢) انظر: \"المجروحين\" (٢/ ١٧٦)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٨٢)، و\"الكاشف\" (٢/ ٢٣٥)، و\"المغني\" (٢/ ٤٣٦)، و\"الميزان\" (٣/ ٧٩)، و\"التقريب\" (٢/ ٢٤).\n(^٣) وقال أبو عاصم: ضعيف كما في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٧٣ رقم ٢٢١١). وقال ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٢٣٤): ضعيف.\n(^٤) في (ب): \"للمسألة\".\n(^٥) في (ب): \"في المسألة\".\n(^٦) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (١٠/ ٢٣٠ - ٢٣٥).","vol":"6","page":243},{"text":"حاجةَ بالإطالةِ بِذِكْرِها معَ عدمِ نهوضِ دليلِ قولٍ منها عندَنا. وأما عِدَّتُها فاختُلِفَ أيضًا فيها فذهبتِ الظاهريةُ إلى أنَّها كَعِدَّةِ الحرة أيضًا قالَ أبو محمدٍ بن حَزْمٍ: لأنَّ اللَّهَ تعالى عَلَّمَنَا العددَ في الكتابِ فقالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^١)، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢)، وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^٣).\nوقدْ علمَ اللَّهُ تعالَى إذْ أباحَ لَنَا الإماءَ أنَّ عليهنَّ العُدَدَ المذكوراتِ وما فرَّقَ ﷿ بينَ حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ في ذلكَ وما كانَ ربُّكَ نسيًّا.\nوتُعُقِّبَ [في] (^٤) استدلاله بالآياتِ بأنَّها كلُّها في الزوجاتِ الحرائرِ فإنَّ قولَه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (^٥) في حقِّ الحرائرِ فإن افتداءَ الأمَةِ إلى سيّدها لا إليها، وكَذَا قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (^٦) فجعلَ ذلكَ إلى الزَّوْجيْنِ، والمرادُ بهِ العقدُ، وفي الأمَةِ ذلكَ يختصُّ بسَيّدِها، وكَذَا قولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٧)، والأَمَةُ لا فعلَ لها في نفسِها.\nقلتُ: لكنَّها إذا لم تدخلْ في هذِه الآياتِ ولا تثبتُ فيها سنَّةٌ صحيحةٌ ولا إجماعٌ ولا قياسٌ ناهضٌ هُنَا فماذَا يكونُ حكْمُها في عِدَّتِها؟ فالأقربُ أنها زوجةٌ شَرْعًا قطعًا فإنَّ الشارعَ قسمَ لنا منْ أحلَّ لنا وطؤُها إلى زوجةٍ أو ما ملكتِ اليمينُ في قولِه: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (^٨) وهذهِ التي هي محلُّ النزاعِ ليستْ ملكَ يمينٍ قطعًا فَهِيَ زوجةٌ [فشملتها] (^٩) الآياتُ، وخروجُها عنْ حكمِ الحرائرِ فيما ذكرَ منَ الافتداءِ، والعقدُ والفعلُ بالمعروفِ في نفسها، لا ينافي دخولُها في حُكْمِ العِدَّةِ، لأنَّ هذهِ أحكامٌ أُخَرُ تعلَّقَ الحقُّ فيها بالسيِّدِ كما تعلَّق في الحرَّةِ الصغيرةِ وبالوليِّ، فالراجحُ أنَّها كالحرَّةِ تطليقًا وعِدَّةٍ.\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٣) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٢٣٠.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٨) سورة المؤمنون: الآية ٦.\n(^٩) في (ب): \"فتشملها\".","vol":"6","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1081>تحريم وطء الحامل من غير الواطئ</span>\n١٣/ ١٠٥١ - وَعَنْ رُويفِعِ بْنِ ثَابِتٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"لَا يَحِلُّ لامرِئٍ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيرِهِ\"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالترْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٣)، وَحَسَّنَهُ الْبَزَّارُ. [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>ترجمةُ رويفع بن ثابت</span>\n(وعنْ رُويفعِ) تصغيرُ رافعٍ (بن ثابتٍ) (^٤) من بني مالكِ بن النجارِ عدادُه في المصريينَ توفيَ سنةَ ستٍّ وأربعينَ (عن النبيِّ - ﷺ -: لا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أنْ يسقيَ ماءَهُ زَرْعَ غيرِهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والبزارُ) فيهِ دليل على تحريمِ وطْءِ الحاملِ منْ غيرِ الواطئِ وذلك كالأَمَةِ المشتراةِ إذا كانتْ حاملًا منْ غيرِه والمسبيةِ، وظاهرُه أن ذلكَ إذا كانَ الحمْلُ متحققًا، أمَّا إذا كانَ غيرَ متحقِّقٍ [ويملك] (^٥) الأمةُ بسبي أو شراء أو غيرِه فسيأتي أنهُ لا يجوزُ وطؤُها حتى تُسْتَبْرَأَ بحيضةٍ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في الزانيةِ غيرِ الحاملِ هلْ تجبُ عليها العِدَّةُ أو تستبرأُ بحيضةٍ؟ فذهبَ الأقلُّ إلى وجوبِ العِدَّةِ عليها وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ وجُوبها عليها، والدليلُ غيرُ ناهضٍ معَ الفريقينِ، فإنَّ الأكثرَ استدلُّوا بقولِه - ﷺ -: \"الولدُ للفراشِ [وللعاهر الحجر] (^٦) \" (^٧) ولا دليلَ فيهِ إلا على عدمِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢١٥٨) و(٢١٥٩) و(٢٧٠٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١٣١) وقال حديث حسن.\n(^٣) رقم (١٦٧٥ - موارد).\nقلت: وأخرجه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٦٢)، وأحمد مطولًا ومختصرًا (٤/ ١٠٨، ١٠٨، ١٠٩)، وسعيد بن منصور رقم (٢٧٢٢)، والدارمي (٢/ ٢٣٠)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٤٤٨٢) و(٤٤٨٣)، و(٤٤٨٥)، و(٤٤٨٦) و(٤٤٨٨) و(٤٤٨٩) من طرق … وهو حديث حسن، انظر الكلام عليه في \"الإرواء\" رقم (٢١٣٧).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٢٧٠٥)، و\"الثقات\" (٣/ ١٢٦)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٥٥).\n(^٥) في (ب): \"وتملك\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) وهو حديث متفق عليه أخرجه البخاري رقم (٦٨١٨)، ومسلم رقم (٣٧/ ١٤٥٨)، وسيأتي تخريجه رقم (١٩/ ١٠٥٧) من كتابنا هذا.","vol":"6","page":245},{"text":"لحوقِ ولدِ الزِّنَى بالزَّانِي. والقائلُ بوجوبِ العدَّةِ استدلَّ بعمومِ الأدلةِ ولا يخْفَى أن الزانيةَ غيرُ داخلةٍ فيها فإنَّها في الزوجاتِ، نعمْ تدخلُ في دليلِ الاستبراءِ وهوَ قولُه - ﷺ -: \"لا تُوْطَأُ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حيضةً\" (^١). قالَ المصنفُ في \"التلخيصِ\" (^٢): إنها استدلتِ الحنابلةُ بحديثِ رويفعٍ علَى فسادِ نكاحِ الحاملِ منَ الزِّنَى، واحتجَّ بهِ الحنفيةُ على امتناعِ وطْئِها، قالَ: وأجابَ الأصحابُ عنهُ بأنهُ وردَ في السَّبْي لا في مُطْلَقِ النساءِ، وتُعُقِّبَ بأنَّ العبرةَ [لعموم] (^٣) اللفظِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1083>ما تصنعه امرأة المفقود</span>\n١٤/ ١٠٥٢ - وَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - (في امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ) تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ (^٤) وَالشَّافِعِيُّ (^٥). [مرسل]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - في امرأةِ المفقودِ تربص أربعَ سنينَ ثمَّ تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا. أخرجَهُ مالكٌ والشافعيِّ) ولهُ طُرقٌ أُخَرُ، وفيهِ قصةٌ أخرجَها عبدُ الرزاقِ بسندِه (^٦) إلى الفقيدِ الذي فُقِدَ قالَ: دخلتُ الشِّعبَ فاستهوتْني الجنُّ فمكثتُ أربعَ سنينَ فأتتِ امرأتي عمَرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - فأمرَها أنْ تربَّصَ أربعَ سنينَ منْ حينَ رفعتْ أمرَها إليهِ ثمَّ دَعَا وليَّه - أي وليَّ الفقيدِ - فطلَّقَها ثمَّ أَمَرَها أن تعتدَّ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا ثمَّ جئتُ بعدَ ما تزوَّجتْ، فخيَّرني عمرُ بينَها وبينَ الصَّداقِ الذي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١٧/ ٥٥ رقم ٢١ - الفتح الرباني)، وأبو داود رقم (٢١٥٧)، والحاكم في \"المستدرك (٢/ ١٩٥)، وصحَّحه على شرط مسلم. من حديث أبي سعيد الخدري.\nقلت: وهو حديث صحيح.\n(^٢) (٣/ ٢٣٢).\n(^٣) في (ب): \"بعموم\".\n(^٤) في \"الموطأ\" (٢/ ٥٧٥ رقم ٥٢).\n(^٥) في \"الأم\" (٥/ ٢٤١).\nقلت: وأخرجه البيهقيُّ (٧/ ٤٤٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ١٣٥) وقال: روى عن عمر أيضًا قول رابع لا يصح لأنه مرسل من طريق مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: إن عمر بن الخطاب قال: فذكره.\n(^٦) في \"المصنف\" (٧/ ٨٦ رقم ١٢٣٢٠).","vol":"6","page":246},{"text":"أصدقتُها. ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (^١) عنْ عمرَ وَرَوَاهُ البيهقيُّ (^٢) [وقصة المفقودِ أخرجَها البيهقيُّ وفيها أنهُ قالَ لعمرَ لما رجَعَ: إني خرجتُ لصلاةِ العشاءِ فسبتني الجنُّ فلبثتُ فيهمْ زمانًا طويلًا فغزاهمُ جنٌّ مؤمنونَ أوْ قالَ مسلمونَ، فقاتلُوهُم وظهروا عليهمْ فَسَبَوْا منهمْ سَبَايا فسبَوْني فيمن سَبَوْا منهم فقالُوا: نراكَ رجلًا مسلمًا لا يحل لنا سباؤُكَ فخيَّروني بينَ المقامِ وبينَ القُفولِ فاخترتُ القفولَ، فأقبلُوا معي فأما الليلُ فلا يحدِّثوني وأما النهارُ فعصار ريحٍ اتَّبعَها، فقالَ لهُ عمرُ: فما كان طعامُكَ فيهم؟ قالَ: الفولُ وما لا يذكرُ اسمُ اللَّهِ عليهِ، قالَ: فما شرابُك؟ قالَ: الجدفُ، قالَ قتادةُ: والجدفُ ما لا يخمَّرُ منَ الشراب] (^٣). وفيهِ دليلٌ على أن مذهبَ عمرَ أن امرأةَ المفقودِ بعدَ مضيِّ أربعِ سنينَ منْ يومِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلى الحاكمِ تَبينُ من زَوْجِهَا كما يفيدُه ظاهرُ روايةٍ الكتابِ، وإنْ كانتْ روايةُ ابن أبي شيبةَ دالَّة على أنهُ يأمرُ الحاكمُ وليَّ الفقيدِ بطلاقِ امرأتِه. وقدْ ذهبَ إلى هذَا مالكٌ وأحمدُ وإسحاقُ وهوَ أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ وجماعةٌ منَ الصحابةِ بدليلِ فعْلِ عمرَ، وذهبَ أبو يوسفَ ومحمدٌ وروايةٌ عنْ أبي حنيفةَ وأحدُ قَوْلَي الشافعيِّ إلى أنَّها لا تخرجُ عن الزوجيةِ حتَّى يصحَّ لها موتُه أو طلاقُه أو رِدَّتُه، ولا بُدَّ منْ تَيَقُّنِ ذلكَ، قالُوا: لأنَّ عقدَها ثابتٌ بيقينٍ فلا يرتفعُ إلَّا بيقينٍ، وعليهِ يدلُّ ما رواهُ الشافعيُّ (^٤) عنْ عليٍّ موقُوفًا: \"امرأةُ المفقودِ امرأةٌ ابتليتْ فلتصبرْ حتَّى يأتيَها يقينُ موتِهِ\"، قالَ البيهقيُّ (^٥): هوَ عنْ عليٍّ مطوَّلًا مشهورًا. ومثلُه أخرجَه عنهُ عبدُ الرزاقِ (^٦) قالتِ الهادويةُ: فإنْ لم يحصلِ اليقينُ بموتِه ولا طلاقِهِ تربصتٍ العمرَ الطبيعيَّ مائةً وعشرينَ سنةً، وقيلَ مائةً وخمسينَ إلى مائتينِ. وهذَا كما قالَ بعضُ المحققينَ قضيةٌ فلسفيةٌ طبيعيةٌ يتبرأُ الإسلامُ منْها إذِ الأعمارُ قَسْمٌ منَ الخالقِ الجبارِ، والقولُ بأنَّها العادةُ غيرُ صحيحةٍ كما يعرفُه كل مميز، بلْ هوَ أندرُ النادرِ، بلْ مُعْتَرَكُ المنايا كما أخبرَ بهِ الصادقُ بينَ الستينَ والسبعينَ، وقالَ الإمامُ يحيى: لا وجْهَ للتربُّصِ لكنْ إنْ تركَ لها الغائبُ [ما تقوم به] (^٧) فهوَ كالحاضرِ، إذْ لم\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (٤/ ٢٣٨).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٦).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"الأم\" (٥/ ٢٤١).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٤٤).\n(^٦) في \"المصنف\" (٧/ ٩٠ رقم ١٢٣٣٢).\n(^٧) في (ب): \"ما يقوم بها\".","vol":"6","page":247},{"text":"يفتْها إلَّا الوَطءُ وهوَ حقٌّ له لا لها، [وإن لم يترك لها ما تقوم بها فسخه] (^١) الحاكمُ عندَ مطالبتِها منْ دونِ انتظارِ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (^٢)، ولحديثِ: \" [لا ضررَ و،] (^٣) لا ضِرارَ في الإسلامِ\" (^٤)، والحاكمُ وُضعَ لرفعِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣١.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) وهو حديث حسن.\nروي من حديث: عبادة بن الصامت، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد اللَّهِ، وعائشة، وعمرو بن عوف، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة.\n• أما حديث عبادة بن الصامت فقد أخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٤٠)، والبيهقي (١٠/ ١٣٣)، وأحمد (٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، وأبو نعيم في \"أخبار أصفهان\" (١/ ٣٤٤).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٣٣ رقم ٨٢٧): \"هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع … \"، قلت: والانقطاع بين إسحاق وعبادة، وفيه علة أخرى وهي جهالة حال إسحاق هذا، قال الحافظ في \"التقريب\" رقم (٤٤٥): \"مجهول الحال\".\n• وأما حديث ابن عباس، فيرويه عنه عكرمة، وله ثلاث طرق عنه:\nالأولى: عن جابر عنه. أخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٤١)، وأحمد (١/ ٣١٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٣٠٢ رقم ١١٨٠٦). قلت: وهذا في سنده واه، وهو جابر الجعفي، قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٣٣ رقم ٨٢٨): \"وقد اتهم\".\nالثانية: عن داود بن الحصين، عن عكرمة به. وزاد: \"ولجارك أن يضع في جدارك خشبته\". أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٦)، والخطيب في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ٩٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٨٦ رقم ١٣٨٧) بدون الزيادة. قلت: هذا سند لا بأس به في الشواهد.\nالثالثة: عن عكرمة به. أخرجه ابن أبي شيبة - كما في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥) وسكت عليه الزيلعي. قلت: وهذا سند لا بأس به في الشواهد.\n• وأما حديث أبي سعيد الخدري. فأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٥)، دون الزيادة، والحاكم (٢/ ٥٧ - ٥٨) والبيهقي (٦/ ٦٩) من طريق الداروردي، عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه عنه وزاد: \"من ضارَّ ضرَّه اللَّهِ، ومن شاق شق اللَّهِ عليه\".\nقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وخالفهما الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٤١٠) بقوله: \"وهذا وهم منهما معًا، فإن عثمان هذا مع ضعفه لم يخرج له مسلم أصلًا، وأورده الذهبي نفسه في \"الميزان\"، وقال: \"قال عبد الحق في أحكامه: الغالب على حديثه الوهم\".\nنعم تابعه عبد الملك معاذ النصيبي عن الداروردي به أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" كما في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٥) وقال: \"قال ابن القطان في كتابه: وعبد الملك هذا لا يعرف له حال ولا يعرف من ذكره\". =","vol":"6","page":248},{"text":"المضَارَّةِ في الإيلاءِ والظِّهارِ وهذَا أبلغُ، والفسخُ مشروعٌ بالعيبِ ونحوِه.\nقلت: وهذا أحسنُ الأقوالِ، وما سلفَ عنْ علي وعمرَ أقوالٌ موقوفةٌ.\nوفي الإرشادِ لابنِ كثير عن الشافعيِّ بسندِهِ إلى أبي الزنادِ قالَ: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ عن الرجلِ لا يجدُ ما ينفقُ على امرأتِهِ قالَ: يفرَّقُ بينَهما، قلتُ: سنَّةً، قالَ: سنَّةً، قالَ الشافعي: الذي يشبهُ أن قولَ سعيدٍ سنةً أنْ يكونَ سُنَّةَ النبيِّ - ﷺ -، وقدْ طوَّلنا الكلامَ في هذا في حواشي \"ضَوْءِ النهارِ\" (^١) واخترْنا الفسخَ بالغيبةِ أو بعدمِ قدرةِ الزوجِ علَى الإنفاقِ، نعمْ لو ثبتَ قولُه:\n_________\n= وقد أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٤٥ رقم ٣١) عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرفوعًا وقال الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٤١١): وهذا مرسل صحيح الإسناد. وهذا هو الصواب من هذا الوجه.\n• وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٨ رقم ٨٦)، وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٨٥): وأبو بكر بن عياش مختلف فيه. وقال الألباني في الإرواء (٣/ ٤١١): \"هو حسن الحديث، وقد احتج به البخاري، وإنما علة هذا السند من شيخه ابن عطاء، وهو يعقوب بن عطاء بن أبي رباح وهو ضعيف كما في التقريب\".\n• وأما حديث جابر، فقد أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٥١٩٣) وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١١٠) وقال: وفيه محمد بن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس وقد عنعنه.\n• وأما حديث عائشة فله عنها طريقان:\nالأول: من طريق الواقدي: أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٢٧ رقم ٨٣) وسنده واه جدًّا من أجل الواقدي فإنه متروك، والطريق الأخرى من وجهين آخرين، ومن رواية القاسم عن عائشة.\nالوجه الأول: أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ١٩٣ رقم ٢٧٠ - الطحان) وسنده واه جدًّا.\nروح بن صلاح ضعيف، وأحمد بن رشدين، قال ابن عدي: كذبوه [المجمع (٤/ ١١٠)].\nالوجه الثاني: أخرجه أيضًا الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٢٣ رقم ١٠٣٧ - الطحان) وقد فات الهيثمي في \"المجمع\" هذا الطريق. قلت: وفيه أبو بكر بن أبي سَبْرَةَ رموه بالوضع - كما في \"التقريب\" (٢/ ٣٩٧ رقم ٥١).\n• وأما حديث عمرو بن عوف. فقد ذكره ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ١٥٧ - ١٥٨) وقال: إسناده غير صحيح.\n• وأما حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي، فقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٨٦ رقم ١٣٨٧) وفي سنده إسحاق بن إبراهيم هو ابن سعيد الصواف، لينَ الحديث. قاله الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٥٤ رقم ٣٦٧).\n• وأما حديث أبي لبابة فقد أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" رقم (٤٠٧).\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن بطرقه وشواهده.\n(^١) لم أعثر عليه في الحاشية المذكورة.","vol":"6","page":249},{"text":"١٥/ ١٠٥٣ - وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتهُ حَتى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ (^١). [موضوع]\n(وعنِ المغيرةِ بن شعبةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: امرأةُ المفقودِ امرأئه حتَّى يَأْتِيَهَا البيانُ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفِ) لكانَ مقوِّيًا لتلكَ الآثارِ إلَّا أنهُ ضعَّفهُ أبو حاتمٍ والبيهقيُّ وابنُ القطانِ وعبدُ الحقِّ وغيرُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>تحريم الخلوة بالأجنبية</span>\n١٦/ ١٠٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَبِيتَنَّ رَجُلْ عِنْدَ امْرَأَةٍ إلَّا أنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يَبِيتَنَّ) منَ البيتوتةِ وهيَ بقاءُ الليلِ (رجلٌ عندَ امرأةٍ إلَّا أنْ يكونَ ناكِحًا أو ذَا محرمٍ. أخرجَهُ مُسلمٍ)، وفي لفظٍ لمسلمٍ (^٣) أيضًا زيادةٌ: عندَ امرأةٍ ثيِّبٍ، قيلَ: إنَّما خصَّ الثيِّبَ لأنَّها التي يُدْخَلُ عليها غالبًا، وأما البِكْرُ فهيَ متصونةٌ في العادةِ مجانبةٌ للرجالِ أشدَّ مجانبةٍ، ولأنة يُعْلَمُ بالأَوْلَى أنهُ إذَا نُهِيَ عن الدخولِ على الثيبِ التي يتساهلُ الناسُ في الدخولِ عليها فبالأَوْلَى البكرُ. والمرادُ منْ قولِه: \"ناكِحًا\" أي مزوجًا بها. وفي الحديثِ دليل علَى أنَّها تحرمُ الخلوةُ بالأجنبيةِ وأنهُ يباحُ لها الخلوةُ بالمحرَمِ وهذانِ الحكمانِ مُجْمَعٌ عليهما. وقدْ ضَبَطَ العلماءُ المحرَمَ بأنهُ كلُّ مَنْ حَرُمَ عليهِ نكاحُها على التأبِيد بسببٍ مباحٍ يحرِّمُها، فقولُه: \"علَى التأبِيدِ\" احترازٌ منْ أُخْتِ الزوجةِ وَعَمَّتِهَا وخَالَتِها\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٣١٢) رقم (٢٥٥). وهو حديث ضعيف.\nقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٣٢): \"سالت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر. ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث، يروي عن المغيرة بن شعبة مناكير وأباطيل\" اهـ.\n\"وأعله أيضًا عبد الحق بمحمد بن شرحبيل، وقال: إنه متروك.\nوقال ابن القطان في كتابه: وسوار بن مصعب أشهر في المتروكين منه، ودونه صالحٍ بن مالك ولا يعرف، ودونه محمد بن الفضل لا يعرف حاله\" اهـ.\nوخلاصة القول: أن الحديث موضوع، واللَّهُ أعلم.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢١٧١).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٩/ ٢١٧١).","vol":"6","page":250},{"text":"ونحوهِنَّ، وقولُه: \"بسببٍ مباحٍ\"، احترازٌ عنْ أمِّ الموطوءةِ لشبهة وبنتُها فإنَّها حرامٌ على التأبيدِ لكنْ لا بسببٍ مباحٍ، فإنَّ وَطْءَ الشُّبهةِ لا يوصفُ بأنهُ مباحٌ ولا محرَّمٌ ولا بغيرِهِمَا منْ أحكامِ الشرعَ الخمسةِ لأنهُ ليسَ فعلٌ مكلَّفٌ. وقولُه: \"يحرِّمُها\"، احترازٌ عن الملاعنةِ، فإنَّها محرَّمةٌ على التأبيدِ لا لحرمتِها بلْ تغليظًا عليها. ومفهومُ قولِهِ: لا يَبيتنَّ، أنهُ يجوزُ لهُ البقاءُ عندَ الأجنبيةِ في النهارِ خلوةً أو غَيرَها، لكنَّ قولَه:\n١٧/ ١٠٥٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ -: لا يخلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا معَ ذي محرَمٍ. أخرجَه البخاريُّ). دلَّ على تحريمِ خَلْوَتِهِ بها ليلًا أوْ نهارًا، وهُوَ دليلٌ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الذي قَبْلَهُ وزيادةٌ، وأفادَ جوازَ خلوةِ الرجلِ بالأجنبيةِ معَ مَحْرَمِها، وتسميتُها خلوةً تسامحٌ، فالاستثناءُ منقطعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1085>استبراء المسبيَّة وجواز وطئها قبل الإسلام</span>\n١٨/ ١٠٥٦ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: في سَبَايَا أَوْطَاسٍ: \"لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتى تَضَعَ وَلَا غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتى تَحِيضَ حَيضَةً\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٣٣).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٤٢٤/ ١٣٤١).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٥٧).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٥)، وصحَّحه على شرط مسلم. وأقره الذهبي.\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٧١)، والبيهقي (٧/ ٤٤٩)، وأحمد (٣/ ٦٢)، من طريق شريك، عن قيس بن وهب (زاد أحمد، وأبي إسحاق) عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري.\nقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٥١ رقم ٦٤): \"شريك بن عبد اللَّهِ النخعي الكوفي القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد اللهِ، صدوق، يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة. وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، شديدًا على أهل البدع … \".\nومع ذلك فقد حسَّن الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ١٧٢) إسناده.\nقلت: وللحديث شواهد وبها يكون الحديث صحيحًا، واللَّهُ أعلم.","vol":"6","page":251},{"text":"- وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - في الدَّارَقُطْنيِّ (^١). [حسن]\n(وعنْ أبي سعيد - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ في سَبَايَا أوطاسٍ) اسمُ وادٍ في ديارِ هَوَازِنَ وهوَ موضعٌ [بقرب] (^٢) حُنَيْنٍ، وقيلَ: وادي أوطاسٍ غيرُ وادي حنينٍ (لا تُوْطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتى تحيضَ حيضةً. أخرجَهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ ولهُ شاهدٌ عن ابن عباسٍ) بلفظِ نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ تُوطَأَ حاملٌ حتَّى تضعَ أوْ حائلٌ حتى تحيضَ، (في الدارقطني) إلَّا أنه من روايةٍ شُريكِ القاضي وفيهِ كلامٌ (^٣) قالَه ابنُ كثيرٍ في \"الإرشادِ\". والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على السابي استبراءُ المسبيَّةِ إذا أرادَ وطْأهَا بحيضةٍ [إذا] (^٤) كانتْ حائلًا ليتحققَ براءةُ رَحِمِهَا، وبوضعِ الحمْلِ إنْ كانتْ حاملًا، وقيسَ على المسبيَّةِ المشتراةِ والمتملَّكَةِ بأيِّ وجْهٍ منْ وجوهِ التمليكِ بجامعِ ابتداءِ الملك. وظاهرُ قولِه: \"ولا غيرُ ذاتِ حَمْلٍ حتَّى تحيضَ حيضةً\" عمومُ البِكْرِ والثيِّبِ، فالثيِّبُ لِمَا ذُكِرَ والبِكْرُ أَخْذًا بالعمومِ وقياسًا على العِدَّةِ فإنَّها تجبُ على الصغيرةِ معَ العلم ببراءةِ الرَّحِمِ وإلى هذا ذهبَ الأكثرونَ.\nوذهبَ آخرونَ إلى أن الاستبراءَ إنما يكونُ في حقِّ مَنْ لم يعلمْ براءةَ رحمِها، وأما مَنْ علمَ براءةَ رحِمِهَا فلا استبراءَ عليها، وهذَا رواهُ عبدُ الرزاقِ (^٥) عن ابن عمرَ قالَ: إذا كانتِ الأمَةُ عَذْراءَ لمْ تستبرئ إنْ شاءَ، ورواهُ البخاريُّ في الصحيحِ (^٦)\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٢٥٧ رقم ٥٠).\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ٢٠٠): \"سكت عليه الزيلعي ثم العسقلاني وإسناده عندي حسن، فإن رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم، غير أبي محمد بن صاعد، وهو يحيى بن محمد بن صاعد وهو ثقة حافظ، وشيخه عبد اللَّهِ بن عمران العابدي وهو صدوق كما قال ابن أبي حاتم في \"الجرح\" (٢/ ٢/ ١٣٠) عن أبيه. وله طريق أخرى من رواية مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا بالشطر الأول منه وزاد: \"أتسقي زرع غيرك\"، أخرجه الحاكم (٢/ ١٣٧) وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا\" اهـ.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٢) في (ب): \"حرب\".\n(^٣) ذكره الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٥ رقم ٦٤) وقد تقدم قريبًا.\n(^٤) في (ب): \"إن\".\n(^٥) في \"المصنف\" (٧/ ٢٢٧ رقم ١٢٩٠٦).\n(^٦) (٤/ ٤٢٣ - مع الفتح) معلقًا. ووصله البيهقي (٧/ ٤٥٠)، وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٢١٤ رقم ٢١٣٩).","vol":"6","page":252},{"text":"عنهُ، وأخرجَ في الصحيحِ (^١) مثلَه عنْ عليٍّ - ﵁ - منْ حديثٍ بريدةَ، ويؤيدُ هذا مفهومُ القولِ ما أخرجَه أحمدُ منْ حديثٍ رُوَيْفَعٍ (^٢): \"مَنْ كَانَ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ فلا ينكحُ ثيِّبًا من السَّبايا حتَّى تحيضَ\"، وإلى هَذا ذهبَ مالكٌ على تفصيلٍ أفادَه قولُ المازَرِي [من المالكية] (^٣) في تحقيقِ مذهبِه حيث قالَ: إنَّ القولَ الجامعَ في ذلكَ أن كلَّ أمَةٍ أَمِنَ عليها الحملَ فلا يلزمُ فيها الاستبراءُ، وكلُّ مَنْ غَلَبَ على الظنِّ كونُها حاملًا أو شكَّ في حملها أو تردَّدَ فيهِ فالاستبراءُ لازِمٌ فيها، وكلُّ مَنْ غلبَ على الظنِّ براءةُ رحِمِها لكنَّه يجوزُ حصولُه فالمذهبُ على قولَيْنِ في ثبوتِ الاستبراءِ وسقوطِه، وأطالَ بما خلاصتُه: أن مأخذَ مالكٍ في الاستبراءِ إنَّما هوَ العلمُ ببراءةِ الرحم بحيثُ لا تُعْلَمُ ولا تُظَنُّ البراءةُ وجبَ الاستبراءُ وحيثُ تُعْلَمُ أو تُظَنُّ البراءةُ لم يجب الاستبراء، وبهذا قالَ ابنُ تيميةَ وتلميذُه ابنُ القيِّمِ (^٤). والأحاديثُ الواردةُ في البابِ تشيرُ إلى أن العِلَّةَ الحملُ أو تجويزُه، وقدْ عرفتَ أن النصَّ وردَ في سبايا أوطاس وقِيسَ عليهِ انتقالُ الملكِ بشراءٍ أو غيرُه. وذهبَ داودَ الظاهريُّ (^٥) إلى أنهُ لا يجبُ الاستبراءُ في غيرِ السَّبَايَا لأنهُ لا يقولُ بالقياسِ فوقفَ على محلِّ النصِّ، ولأن الشّراءَ ونحوَه عقد كالتزويج.\nواعلمْ أن ظاهرَ أحاديثِ السَّبايا جوازُ وطْئِهِنَّ وإنْ لم يدخلْنَ في الإسلامٍ فإنهُ - ﷺ - لم يذكرْ في حلِّ الوطْءِ إلَّا الاستبراءُ بحيضةٍ أو بوضعِ الحملِ، ولوْ كان الإسلامُ شرطًا لبَيَّنه وإلَّا لزِمَ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ ولا يجوزُ، فالذي قَضَى بهِ إطلاقُ الأحاديثَ وعملُ الصحابةِ في عهدِ [الرسول] (^٦) - ﷺ - يقضي جوازُ الوطْءِ للمسبيَّةِ منْ دونِ إسلامٍ، وقدْ ذهبَ إلى هذا طاوسُ وغيرُه. واعلمْ أن الحديثَ دلَّ بمفهومِه على جوازِ الاستمتاعِ قبلَ الاستبراءِ بدونِ الجماعِ، وعليهِ دلَّ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٨/ ٦٦ رقم ٤٣٥٠).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٥٩).\n(^٢) وهو حديث حسن تقدم تخريجه رقم (١٣/ ١٠٥١) من كتابنا هذا.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) انظر ما قاله ابن القيم في حكم رسول الله - ﷺ - في الاستبراء \"زاد المعاد\" (٥/ ٧١١ - ٧٤٥).\n(^٥) انظر: \"المحلَّى\" (١٠/ ٣١٥ - ٣٢٠ رقم ٢٠١١).\n(^٦) في (ب): \"رسول الله - ﷺ - \".","vol":"6","page":253},{"text":"فعلُ ابن عمرَ أنهُ قالَ: وقعتْ في سهمي جاريةٌ يومَ جَلُولَاءَ (^١) كأنَّ عُنُقَها إبريقُ فضةٍ، قالَ: فما ملكتُ نفسي أنْ جعلتُ أُقَبِّلُها والناسُ ينظرونَ. أخرجهُ البخاري (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1086>الولد للفراش وللعاهر الحجر</span>\n١٩/ ١٠٥٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْوَلَدُ لِلْفِراشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثهِ (^٣). [صحيح]\n- وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ في قِصَّةٍ ستأتي قريبًا (^٤). [صحيح]\n- وَعَنِ ابْنِ مَسعودٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (^٥). [صحيح لغيره]\nوَعَنْ عُثْمَانَ عِنْدَ أبي دَاوُدَ (^٦). [ضعيف]\n(وعنْ أبي هُريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحَجَرُ. متفقٌ عليهِ من حديثِهِ) أي أبي هريرةَ (ومن حديثٍ عائشةَ في قِصةٍ ستأتي قريبًا، وعنِ ابن مسعودٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وَعَنْ عُثْمَانَ عِندَ أبي دَاودَ). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إنهُ جاءَ عنْ بضعٍ وعشرينَ نَفْسًا منَ الصحابةِ. والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ نسبِ الولدِ بالفراشِ منَ الأبِ. واختلفَ العلماءُ في معنَى الفراشِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ اسمٌ\n_________\n(^١) جلولاء: ناحية من نواحي السواد، في طريق خُراسان، فتحها المسلمون في السنة التاسعة عشر. \"معجم البلدان\" (٢/ ١٠٧)، و\"معجم ما استعجم\" (٢/ ٣٩٠).\n(^٢) لم يخرجه البخاري. وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\nوانظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣).\n(^٣) البخاري: رقم (٦٨١٨)، ومسلم (٣٧/ ١٤٥٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١١٥٧)، والنسائي (٦/ ١٨٠ رقم ٣٤٨٢ و٣٤٨٣)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤٦٦، ٤٧٥، ٤٩٢).\nوالدارمي (٢/ ١٥٢).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٢٠٥٣) ومسلم رقم (٣٦/ ١٤٥٧)، ومالك (٢/ ٧٣٩ رقم ٢٠)، وأحمد (٦/ ١٢٩، ٢٠٠، ٢٣٧)، وأبو داود رقم (٢٢٣٧)، والنسائي (٦/ ١٨٠ رقم ٣٤٨٤) وابن ماجه رقم (٢٠٠٤)، والدارقطني مختصرًا (٢/ ١٥٢).\n(^٥) أخرجه النسائي (٦/ ١٨١ رقم ٣٤٨٦)، وقال أبو عبد الرحمن: ولا أحسب هذا عن عبد الله بن مسعود، والله تعالى أعلم. وهو صحيح لغيره.\n(^٦) أخرجه أبو داود رقم (٢٢٧٥)، وهو حديث ضعيف.","vol":"6","page":254},{"text":"للمرأةِ وقدْ يُعَبَّرُ بهِ عنْ حالةِ الافتراشِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ اسمٌ للزوْجِ ثمَّ اختلفُوا بماذَا يثبتُ، فعندَ الجمهورِ إنَّما يثبتُ للحرَّةِ بإمكانِ الوطْءِ في نكاحٍ صحيحٍ أوْ فاسدٍ وهوَ مذهبُ الهادويةِ والشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ أنهُ يثبتُ بنفسِ العقْدِ وإنْ علمَ أنهُ لم يجتمعْ بها بلْ ولو طلَّقها [عقيبهُ] (^١) في المجلسِ [ثبت الفراش] (^٢)، وذهبَ ابنُ تيميةَ إلى أنهُ لا بدَّ منْ معرفةِ الدخولِ المحقَّقِ واختارَهُ تلميذُه ابنُ القيِّمِ قالَ: وهلْ يَعُدُّ أهلُ اللغةِ وأهلُ [المعرفة] (^٣) المرأةَ فِرَاشًا قبلَ البناءِ بها، وكيفَ تأتي الشريعةُ بإلحاقِ نسبِ منْ لم يَبْنِ بامرأتِهِ ولا دخلَ بِها ولا اجتمعَ بها لمجردِ إمكانِ ذلكَ، وهذَا الإمكانُ قدْ يُقْطَعُ بانتفائِه عادةً فلا تصيرُ المرأةُ فِرَاشًا إلا بدخولٍ محقَّقٍ. قالَ في \"المنارِ\" (^٤): \"هذا هوَ المتيقنُ ومِنْ أينَ لنا الحكمُ بالدخولِ بمجردِ الإمكانِ فإنَّ غايتَهُ أنهُ مشكوكٌ فيهِ ونحنُ متعبَّدونُ في جميعِ الأحكامِ بعلمٍ أو ظنٍّ، والممكنُ أعمُّ منَ المظنونِ، والعجبُ منْ تطبيقِ الجمهورِ بالحكمِ معَ الشكِّ\" فظهرَ لكَ قوةُ كلامِ ابن تيميةَ وهوَ روايةٌ عنْ أحمدَ هذا في ثبوتِ فراشِ الحرَّةِ، وأما ثبوتُ فراشِ الأمَةِ فظاهرُ الحديثِ شمولُه لهُ وأنهُ يثبتُ الفراشُ للأَمَةِ بالوطْءِ إذا كانتْ مملوكةً للواطِئِ أو في شبهةِ مِلْكٍ إذا اعترفَ السيِّدُ أو ثبتَ بوجهٍ. والحديثُ واردٌ في الأَمَةِ ولفظُه في روايةٍ عائشةَ (^٥) قالتْ: اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وعبدُ بنُ زمعةَ في غلام، فقالَ سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ هذا ابنُ أخي عتبة (^٦) بنَ أبي وقاصٍ عهدَ إليَّ أنهُ ابنه انظر إلى شِبْهِهِ، وقالَ عبدُ بنُ زمعةَ: هذا أخي يا رسولَ اللَّهِ وُلدَ على فراشِ أبي منْ وليدتِه. فنظرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إلى شِبْهِهِ فَرأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبةَ فقالَ: \"هوَ لكَ يا عبدُ بنُ زمعةَ، الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحَجَرُ واحتجبي منهُ يا سودةُ\"، فأثبتَ النبيُّ - ﷺ - الولدَ بفراشِ زمعةَ للوليدةِ المذكورةِ فسببُ الحكمِ ومحلُّه إنَّما كانَ في الأمَةِ. وهذَا قولُ الجمهورِ وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ والنخعُّي وأحمدَ وإسحاقُ، وذهبتِ الهادويةُ\n_________\n(^١) في (أ): \"عقيب\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"العرف\".\n(^٤) للمقبلي (١/ ٥١٧).\n(^٥) تقدم تخريج حديث عائشة في حديث الأب.\n(^٦) مات عتبة هذا كافرًا وكان أوصى أخاه سعدًا باستلحاق هذا المولود الذي ولد على فراش زمعة.","vol":"6","page":255},{"text":"والحنفيةُ إلى أنهُ لا يثبتُ الفراشُ للأَمَةِ إلَّا بدعْوى الولدِ ولا يكفي الإقرارُ بالوطْءِ فإن لم يدَّعِهِ فلا نسبَ وكانَ مِلْكًا لمالِك الأمَةِ، وإذا ثبتَ فراشُها بدعوته أولِ ولدٍ منْها فما ولدتْه بعدَ ذلكَ لحقَ بالسيِّدِ وإنْ لم يدعِ المالكُ ذلكَ قالُوا: وذلكَ للفرقِ بينَ الحرَّةِ والأمَةِ فإنَّ الحرَّةَ ترادُ للاستفراشِ والوطْء بخلافٍ مِلْكِ اليمينِ فإنَّ ذلكَ تابعٌ وأغلبُ المنافعِ غيرُه. وأُجِيبَ بأنَّ الكلامَ في الأَمَةِ التي اتُّخِذَتْ للوطْءِ، فإنَّ الغرضَ منَ الاستفراشِ قدْ حصلَ بها فإذا عرفَ الوطْءَ كانتْ فِرَاشًا ولا يحتاجُ إلى استلحاقٍ، والحديثُ [دل] (^١) لذلكَ؛ فإنهُ لِمَا قالَ عبدُ بنُ زمعةَ: ولدَ على فَرَاش أبي ألحقَهُ النبيُّ - ﷺ - بزمعةَ صاحبِ الفراشِ ولم يُنْظَرْ إلى الشَّبَه البيِّنِ الذِي فيهِ المخالفةُ للملْحوقِ بهِ. وتأولتِ الهادويةُ والحنفيةِ حديثَ أبي هريرةَ بتأويلاتٍ كثيرةٍ وزعمُوا أنهُ - ﷺ - لم يُلْحِقِ الغلامَ المتنازَعَ فيهِ بنسبِ زمعةَ واستدلُّوا بأنهُ - ﷺ - أمرَ سودةَ بنتَ زمعةَ بالاحتجاب منْهُ. وأجيبَ بأنهُ أمَرَها بالاحتجابِ منهُ على سبيلِ الاحتياطِ والوَرعِ والصيانةِ لأمهاتِ المؤمنينَ منْ بعضِ المباحاتِ معَ الشُّبهةِ وذلكَ لما رآهُ - ﷺ - في الولدِ منَ الشَّبَهِ البيِّنِ بعتبةَ بن أبي وقاصٍ، وللمالكيةِ هُنا مسلكٌ آخرُ فقالوا: الحديثُ دال على مشروعيةِ حكمٍ بينَ حكميْنِ وهو أنْ يأخذَ الفرعُ شَبَهًا منْ أكثرِ منْ أصلٍ فيعطى أحكامًا فإنَّ الفراشَ يقتضيِ إلحاقَهُ بزمعةَ والشَّبهُ يقتضي إلحاقَه بعتبةَ فأَعْطَى الفرعُ حُكْمًا بينَ حكمين فَرُوْعِيَ الفراشُ في إثباتِ النسبِ وروعيَ الشَّبهُ البيِّنُ بعتبةَ في أمرٍ سودةَ بالاحتجابِ، قالُوا: وهذَا أَوْلَى التقديراتِ، فإنَّ الفرْعَ إذا دارَ بينَ أصليْنِ فأُلْحِقَ بأحدِهِما فقطْ فقدْ أُبْطِلَ شبْهُهُ بالثاني منْ كلِّ وجهٍ، فإذا الْحِقَ بكلِّ واحدٍ منْهما منْ وجْهٍ كانَ أوْلَى منْ إلغاءِ أحدِهِما في كلِّ وجْهٍ، فيكونُ هذا الحكمُ وهوَ إثباتُ النَّسبِ بالنظرِ إلى ما يجبُ للمدَّعي منْ أحكامِ البنوةِ ثابتًا وبالنظرِ إلى ما يتعلَّقُ بالغيرِ منَ النظرِ إلى المحارِمِ غيرُ ثابتٍ، قالُوا: ولا يمتنعُ ثبوتُ النسبِ منْ وجْهٍ دونَ وجْهٍ، كما ذهبَ أبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وغيرُهم إلى [أنه] (^٢) لا يحلُّ أنْ يتزوَّجَ بنتَه منَ الزِّنَى وإنْ كانَ لها حكمُ الأجنبيةِ، وقدِ اعترضَ هذَا [المحقق العلامة تاج الدين] (^٣) ابنُ\n_________\n(^١) في (ب): \"دال\".\n(^٢) في (أ): \"أن\".\n(^٣) زيادة من (أ).","vol":"6","page":256},{"text":"دقيقِ العيدِ بما ليسَ بناهضٍ. وفي الحديثِ دليلٌ على أن لغيرِ الأبِ أنْ يستلْحقَ الولدَ، فإنَّ عبدَ بنَ زمعةَ استلحقَ أخاهُ بإقرارهِ [بالفراش] (^١) لأبيهِ وظاهرُ الروايةِ أن ذلك يصح وإن لم يصدقْه الورثةُ فإنَّ سودَة لم يذكرْ منْها تصديقٌ ولا إنكارٌ إلا أنْ يُقَالَ إنَّ سكوتَها قائمٌ مقامَ الإقرارِ، وفي المسئلةِ قولانِ:\nالأول: أنهُ إذا كان المستلحقُ غيرَ الأبِ ولا وارثَ غيرُه وذلكَ كأنْ يستلحقُ الجدُّ ولا وارثَ سواهُ صحَّ إقرارُه وثبتَ نسبُ المقرِّ به [كذا] (^٢) إنْ كانَ المستحلقُ بعضَ الورثةِ وصدَّقَهُ الباقونَ والأصلُ في ذلكَ أن مَنْ حازَ المالَ ثبتَ النسبُ بإقرارِه واحِدًا كانَ أو جماعةً، وهذا مذهبُ أحمدَ والشافعيِّ لأنَّ الورثةَ قامُوا مقامَ الميِّتِ وحلُّوا محلَّهُ.\nالثاني: للهادويةِ أنهُ لا يصحُّ الاستلحاقُ منْ غيرِ الأبِ وإنَّما المقَرُّ بِه يشاركُ المقِرَّ في الإرثِ دونَ النسبِ، ولكنَّ قولَه - ﷺ - لعبدٍ هوَ أخوكَ كما أخرجَه البخاريُّ (^٣) دليلُ ثبوتِ النسبِ في ذلكَ. ثمَّ اختلفَ القائلونَ بلحوقِ النسبِ بإقرارِ غيرِ الأب هلْ هوَ إقرارُ خلافةٍ ونيابةٍ عن الميِّتِ فلا يشترطُ عدالةُ المستلْحَقِ [بلْ] (^٤) وَلا إسلامُه، أوْ هوَ إقرارُ شهادةٍ فَتُعْتَبَرُ فِيهِ أهليةُ الشهادةِ؟ فقالتِ الشافعيةُ وأحمدُ: إنهُ إقرارُ خلافةٍ ونيابةٍ، وقالتِ المالكية: إنهُ إقرارُ شهادةٍ، و[استدلت] (^٥) الهادويةُ والحنفيةُ بالحديثِ على عدمِ ثبوتِ النَّسبِ بالقيافة لقولِه: \"الولدُ للفراشِ\" (^٦)، قالُوا: ومثلُ هذَا التركيبِ يفيدُ الحصرَ ولأنهُ لو ثبتَ بالقيافةِ لكانتْ قدْ حصلتْ بما رآهُ منْ شَبَهِ المدَّعِي بهِ بعتبةَ ولم يحكمْ لهُ بهِ بلْ حُكِمَ بهِ لغيرِه، وذهبَ الشافعيُّ وغيرُه إلى ثبوت النسبِ بالقيافة إلا أنهُ إنما يثبتُ بها فيما حصلَ منْ وطْأَيْنِ محرَّميْنِ كالمشتري والبائع يطآنِ الجاريةَ في طُهْرٍ قبلَ الاستبراءِ واستدلُّوا بما أخرَجَهُ الشيخانِ (^٧) منِ استبشارِهِ - ﷺ - بقولِ مُجَزِّزٍ المدلجيِّ وقد رَأَى\n_________\n(^١) في (ب): \"بأن الفراش\".\n(^٢) في (ب): \"كذلك\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٤٣٠٣) من حديث عائشة.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"استدل\".\n(^٦) وهو حديث صحيح، تقدَّم تخريجه رقم (١٩/ ١٠٥٧) من كتابنا هذا.\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (٣٥٥٥)، ومسلم رقم (١٤٥٩)، من حديث عائشة.","vol":"6","page":257},{"text":"قدمي أسامةَ بنَ زيدٍ وزيدٍ إنَّ هذهِ الأقدامَ بعضُها منْ بعضٍ، فاستبشَر - ﷺ - بقولِه وقرَّرَهُ على قيافتِه، وسيأتي الكلامُ فيهِ آخرِ بابِ الدَّعاوَى (^١)، وبما ثبتَ منْ قولِه في قصةِ اللِّعانِ (^٢): إنْ جاءتْ بهِ على صفةِ كَذَا فهوَ لفلانٍ، أو علَى صفةِ كَذَا فهوَ لفلانٍ، فإنهُ دليلُ الإلحاقِ بالقيافةِ ولكنْ مَنَعَتْهُ الأيمانُ عن الإلحاقِ، فدلَّ على أن القيافةَ مقتضٍ لكنَّه [عارضَ] (^٣) العملَ بها المانعُ؛ وبأنهُ - ﷺ - قال لأمِّ سُلَيْمٍ لما قالتْ: أوَ تَحتلمُ المرأةُ؟ فقال: فمنْ أينَ يكونُ الشَّبَهُ (^٤)؟ \".\nولأنهُ أمرَ سودةَ بالاحتجاب كما سلفَ لما رأى منَ الشَّبَهِ؛ وبأنهُ قالَ للذي ذكرَ لهُ أن امرأتَه [ولدت] (^٥) علىَ غيرِ لونِه: لعلَّه نَزَعَهُ عِرْقٍ (^٦)، فانهُ ملاحظةٌ للشَّبهِ ولكنَّه لا حكمَ للقيافةِ معَ ثبوتِ الفراشِ في ثبوتِ النسبِ.\nوقدْ أجابَ النُّفاةُ للقيافةِ بأجوبةٍ لا تخلُو عنْ تكلُّفِ، والحكمُ الشرعيُّ يثبتُه الدليلُ الظاهرُ، فالتكلفُ لردِّ [الظواهرِ] (^٧) منَ الأدلةِ [محاباة] (^٨) عن المذْهبِ ليسَ منْ شأنِ المتَّبعِ لما جاءَ عن اللَّهِ وعنْ رسوله، وأما الحصْرُ في حديثٍ: الولدُ للفراشِ، فنعمْ هوَ لا يكونُ الولدُ إلا للفراشِ معَ ثبوتهِ والكلامُ مع انتفائِهِ؛ ولأنهُ قدْ يكونُ حَصْرًا أغلبيًا وهوَ غالبُ ما يأتي منَ الحصرِ، فإنَّ الحصْرَ الحقيقيَّ قليلٌ فلا يقالُ قدْ رجعتُم إلى ما ذممتُم منَ التأويلِ.\nوأما قولُه: وللعاهر - أي الزَّاني - الحجرُ، فالمرادُ به الخيبةُ والحِرْمانُ، وقيلَ: لهُ الرميُ بالحجارةِ، إلا أنهُ لا يخْفَى أنه [يقتصر] (^٩) الحديثُ على الزاني المحصَنِ والحديثُ عام.\n* * *\n_________\n(^١) رقم الحديث (١٠/ ١٣٣٦)، من كتابنا هذا.\n(^٢) وهو حديث متفق عليه، تقدَّم تخريجه برقم (٣/ ١٥٣٢) من كتابنا هذا.\n(^٣) في (أ): \"عارضه\".\n(^٤) أخرجه مسلم رقم (٣٠/ ٣١١) من حديث أنس.\n(^٥) في (ب): \"أتت بولد\".\n(^٦) وهو حديث متفق عليه، تقدم تخريجه رقم (٩/ ١٥٣٨) من كتابنا هذا.\n(^٧) في (أ): \"الظاهر\".\n(^٨) في (ب): \"محاماة\".\n(^٩) في (ب): \"يقصرُ\".","vol":"6","page":258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1087>[الباب الرابع] باب الرضاع</span>\nبكسر الراء وفتحها، ومثله الرضاعة\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>لا يصير الصبي رضيعًا بمصِّه للثدي مرة أو مرتين</span>\n١/ ١٠٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(عنْ عائشةَ - ﵂ - قَالَتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تحرِّمُ المصَّةُ والمصَّتانِ. أخرجَهُ مسلمٌ). المصَّةُ الواحدةُ منَ المصِّ، وهوَ أخذُ اليسيرِ منَ الشيءِ كما في الضياءِ، وفي \"القاموس\" (^٢): مَصِصْتُهُ بالكسرِ أمَصُّهُ، ومَصَصْتُهُ أمُصُّهُ، كخصَصْتُهُ أخُصُّهُ: شَرِبْتُهُ شُرْبًا رفيقًا. والحديثُ دلَّ على أن مصَّ الصبيِّ للثدي مرةً أو مرتينِ لا يصيرُ بهِ رَضِيعًا وفي المسألةِ أقوالٌ:\nالأول: أن الثلاثَ فَصاعِدًا تحرِّمُ وإلى هَذا ذهبَ داودُ وأتباعُهُ وجماعةٌ منَ العلماءِ لمفهوم حديثٍ مسلمٍ هذَا وحديثُه الآخرُ بلفظِ: \"لا تحرِّمُ الإملاجةُ والإملاجَتَانِ\" (^٣)، فأفادَ بمفهومِهِ تحريمَ ما فوقَ الاثنتينِ.\nالقولُ الثاني: لجماعةٍ منَ السلفِ والخلَفِ وهوَ أن قليلَ الرِّضاعِ وكثيرَهُ يحرِّمُ، وهذَا يُرْوَى عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ وآخرينَ منَ السلفِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\"رقم (١٤٥٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٩٦)، وأبو داود رقم (٢٠٦٣)، والنسائي (٦/ ١٠١)، والترمذي رقم (١١٥٠)، وابن ماجه رقم (١٩٤٠).\n(^٢) \"القاموس المحيط\" (ص ٨١٤).\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (١٨/ ١٤٥١).","vol":"6","page":259},{"text":"والحنفيةِ ومالكٍ وقالُوا: حدُّه ما وصلَ الجوفَ بنفسِه. وقد ادُّعِيَ الإجماعُ على أنهُ يحرِّمُ منَ الرِّضاعِ ما يفطرُ الصائمَ، واستدلُّوا بأنهُ تعالَى علَّق التحريمَ باسمِ الرضاعِ فحيثُ وجدَ اسمُه وجدَ حُكْمُهُ، ووردَ الحديثُ موافِقًا للآيةِ فقالَ - ﷺ -: \"يَحْرُمُ منَ الرِّضَاعِ ما يَحْرُمُ منَ النسبِ\" (^١). ولحديثِ عقبةَ الآتي (^٢)، [وقولُهُ] (^٣) - ﷺ -: \"كيفَ وقدْ زعمتْ أنَّها أرضعتكما\" ولم يستفصل عن عدد [الرضعات] (^٤)، فهذه أدلتهم ولكنها اضطربتْ أقوالُهم في ضبطِ الرضعةِ وحقيقتها اضْطرابًا كَثِيرًا ولم يرجعْ إلى دليلٍ.\nويُجابُ عما ذكروهُ منَ التعليقِ باسمِ الرَّضاعِ أنهُ مُجْمَلٌ بيَّنهُ الشارعُ بالعددِ وضَبَطَهُ بهِ وبعدَ البيانِ لا يقالُ إنهُ تركَ الاستفصالَ.\nالقول الثالث: إنَّها لا تُحرِّم إلَّا خمسُ رضعات وهو قولُ ابن مسعودٍ وابنِ الزبيرِ والشافعيِّ وروايةٌ عنْ أحمدَ، واستدلُّوا بما يأتي منْ حديثٍ عائشةَ (^٥) وهوَ نصٌّ في الخمسِ. وبأنَّ سهلةَ بنتَ سهيلٍ أرضعتْ سَالِمًا خمسَ رضعاتٍ ويأتي أيضًا (^٦). وهذا وإنْ عارضَه مفهومُ حديثٍ المصَّةِ والمصَّتَانِ فإنَّ الحكمَ في هذا منطوقٌ وهوَ أَقْوَى منَ المفهومِ فهوَ مقدَّمٌ عليهِ، وعائشةُ وإنْ روتْ أن ذلكَ كانَ قرآنًا فإنَّ لهُ حُكْمَ خبرِ الآحادِ في العملِ بهِ كما عُرِف في الأصولِ، وقدْ عَضَدَهُ حديثُ سهلةَ فإن فيهِ أنَّها أرضعتْ سالمًا خمسَ رَضعاتٍ لتحرُمَ عليهِ وإنْ كانَ فعل صحابيةٍ فإنهُ دالٌ أنهُ قدْ كانَ متقرِّرًا عندَهم [أنها] (^٧) لا [تحرم] (^٨) إلا الخمسُ الرضعاتِ ويأتي تحقيقُه. وأما حقيقةُ الرضعةِ فَهيَ المرةُ مِنْ الرَّضَاعِ كالضربةِ من الضربِ والجلسةِ منَ الجلوسِ، فمتَى الْتَقَمَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وامتصَّ منهُ ثمَّ تركَ ذلكَ باختيارِهِ منْ غيرِ عارضٍ كانَ ذلكَ رضعةً، والقطعُ لعارضٍ كنَفَسٍ أوِ استراحةٍ يسيرةٍ أو لشيءٍ يلهِيهِ ثمَّ يعودُ منْ قريبٍ لا يخرجُها عنْ كَوْنِها رضعةً واحدةً، كما أن الآكِلَ إذا قطعَ أكْلَه بذلكَ ثم عادَ عنْ قريبٍ كانَ ذلكَ أكلةً واحدةً، وهذا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٦٤٥)، ومسلم رقم (١٤٤٧) من حديث ابن عباس.\n(^٢) وهو حديث صحيح سيأتي رقم (١٠/ ١٠٦٧) من كتابنا هذا.\n(^٣) في (أ): \"ولقوله\".\n(^٤) في (أ): \"الرضاع\".\n(^٥) وهو حديث صحيح سيأتي رقم (٥/ ١٠٦٢) من كتابنا هذا.\n(^٦) وهو حديث صحيح سيأتي رقم (٣/ ١٠٦٠) من كتابنا هذا.\n(^٧) في (ب): \"أنه\".\n(^٨) في (ب): \"يحرم\".","vol":"6","page":260},{"text":"مذهبُ الشافعيِّ في تحقيقِ الرضعةِ الواحدةِ وهوَ موافقٌ للغةِ، فإذا حصلتْ خمسُ رَضَعَاتٍ على هذهِ الصفةِ حَرَّمَتْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>لا يحرِّم من الرضاع إلا ما كان من مجاعة</span>\n٢/ ١٠٥٩ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانكُنَّ، فإنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْها) [أي عنْ عائشةَ] (قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: انظرْنَ منْ إخوانُكُنَّ فإنَّما الرَّضاعةُ منَ المجاعةِ. متفقٌ عليهِ). في الحديثِ قصةٌ وهوَ أنهُ - ﷺ - دخلَ على عائشةَ وعندَها رجلٌ، فكانهُ تغيَّرَ وجْهُهُ - ﷺ -، كأنهُ كرهَ ذلكَ فقالتْ: إنهُ أخي فقال: \"انظرْنَ منْ إخوانُكُنَّ فإنَّما الرَّضاعةُ منَ المجاعةِ\". قالَ المصنفُ (^٢): لم أقفْ على [اسم هذا الرجل] (^٣) وأظنُّه ابنًا لأبي الْقَعِيْسِ. وقولُه: انظرنَ، أمر بالتحقُّقِ في أمرٍ الرضاعَةِ، هلْ هوَ رضاعٌ صحيحٌ بشرطِه منْ وقوعِهِ في زمنِ الرَّضَاعِ ومقدارِ الإرْضَاعِ؛ فإنما الحكمُ الذي ينشأُ منَ الرَّضاعِ إنَّما يكونُ إذا وقعَ الرضاعُ [المشروط] (^٤). وقالَ أبو عبيدٍ: معناهُ أنهُ الذي إذا جاعَ كانَ طعامُهُ الذي يشبعُهُ اللبنَ منَ الرضاعِ لا حيثُ يكونُ الغذاءُ بغيرِ الرضاع، وهوَ تعليل لإمعانِ التحققِ في شأنِ الرضاع، وإنَّ الرضاعَ الذي تثبتُ بهِ الحرُمة وتحلُّ بهِ الخلوةُ هوَ حيثُ يكونُ الرضيعُ طفلًا يسدُّ اللبنُ جوعته؛ لأنَّ معدتَه ضعيفة يكفيْها اللبنُ وينبتُ بذلكَ لحمُه فيصيرُ جُزْءًا منَ المرضعةِ فيشتركُ في الحُرْمَةِ معَ أولادِها، فمعناهُ لا رضاعةَ معتبرةٌ إلا المغْنِيَةُ عن المجاعةِ، أو المُطعمةُ منَ المجاعةِ، فهوَ في معنَى حديثٍ ابن مسعودٍ الآتي (^٥): \"لا رضاعَ إلَّا ما أنشزَ العظمَ وأنبتَ اللحمَ\"،\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥١٥٢)، ومسلم رقم (٣٢/ ١٤٥٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٩٤)، والدارمي (٢/ ١٥٨)، وأبو داود رقم (٢٠٥٨)، والنسائي (٦/ ١٠٢)، وابن ماجه رقم (١٩٤٥)، والبيهقي (٧/ ٤٦٠)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٦٩١).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٩/ ١٤٧).\n(^٣) في (ب): \"اسمُه\".\n(^٤) في (ب): \"المشترط\".\n(^٥) وهو حديث ضعيف سيأتي تخريجه رقم (٩/ ١٠٦٦) من كتابنا هذا.","vol":"6","page":261},{"text":"وحديثُ أُمِّ سلمةَ: \"لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما فتقَ الأمعاءَ\"، أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ (^١). واستدلَّ بهِ علَى أن التغذيَ بلبنِ المرضعةِ محرَّمٌ سواءٌ كانَ [شرابًا] (^٢) أو وُجُورًا أو سُعُوطًا أو حُقنةً حيثُ كانَ يسدُّ جوعَ الصبيِّ وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالتِ الهادويةُ والحنفيةُ: لا تحرِّم الحقنةُ وكأنَّهم يقولون: لا تدخلُ تحتَ اسمِ الرضاعِ. قلت: إذا لوحظَ المعنَى منَ الرضاعِ دخلَ كلُّ ما ذكرُوا، وإنْ لُوحِظَ مسمَّى الرضاعِ فلا يشملُ إلا التقامَ الثَّدْي ومصَّ اللبنِ منهُ كما تقولُه الظاهريةُ، فإنَّهم قالُوا: لا يحرِّم إلَّا ذلكَ، ولما حصَرَ في الحديثِ الرضاعةَ على ما كانَ منَ المجاعةِ كما قدْ عرفتَ. وقدْ وردَ حديث عائشة معارضًا لذلك وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-1090>الإرضاع في الكبر</span>\n٣/ ١٠٦٠ - وعَنْها - ﵂ - قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبي حُذَيْفَةَ مَعَنَا في بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. فَقَالَ: \"أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيهِ\" رَوَاهُ مُسْلِمُ (^٣) [صحيح]\n(وعنْها) [أي عنْ عائشة] (قالتْ: جاءتْ سهلة بنتُ سهيلٍ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ سالمًا مولى أبي حذيفةَ معنا في بيتِنَا وقدْ بلغَ ما يبلغ الرجالُ فقالَ: أرضِعِيهِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١١٥٢) وقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣١٦): \"أعل بالانقطاع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا لصغر سنِّها إذ ذاك\".\nقلت: وله شاهد من حديث عبد الله بن الزبير، أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٤٦) بإسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، إلا أنه في رواية العبادلة عنه فإنه صحيح الحديث، وهذا منها. وهو حديث صحيح، وسيأتي باقي الكلام عليه رقم (٧/ ١٠٦٤) من كتابنا هذا.\n(^٢) في (ب): \"شربًا\".\n(^٣) في صحيحه رقم (١٤٥٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٣٨ - ٣٩، و٦/ ٢٠١)، والحميدي رقم (٢٧٨)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٣٨٨٤)، والنسائي (٦/ ١٠٤ - ١٠٥، و٦/ ١٠٥)، وابن ماجه رقم (١٩٤٣)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٦٣٧٣) و(٦٣٧٤)، و(٦٣٧٦) و(٢٤/ رقم ٧٣٧ و٧٣٨ و٧٤٠)، والبيهقي (٧/ ٤٥٩) من طرق عن القاسم به.","vol":"6","page":262},{"text":"تَحْرُمي عليهِ. - وفي سننِ أبي داودَ (^١): فأرضعته خمسَ رَضَعَاتٍ، فكانَ بمنزلةِ ولدِها منَ الرِّضاعةِ) - رواهُ مسلم. وكأنهُ ذكرهُ المصنفُ كالمشيرِ إلى أنهُ قدْ خصَّصَ هذا الحكمَ بحديثِ سهلةَ، فإنهُ دالٌّ على أنَّ رضاعَ الكبيرِ يحرِّمُ معَ أنهُ ليسَ داخلًا تحتَ الرضاعةِ منَ المجاعة. وبيانُ القصةِ أنَّ أبا حذيفةَ كانَ قدْ تَبَنى سالمًا وزوَّجَهُ، وكانَ سالمٌ مولَى امرأة منَ الأنصارِ، فلما أنزلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (^٢) الآيةَ كانَ مَنْ [لا] (^٣) أبَ معروفٌ نُسِبَ إلى أبيهِ، ومَنْ لا أبَ لهُ معروفٌ كانَ مولىَ وأخًا في الدينِ، فعندَ ذلكَ جاءتْ سهلةُ تذكرُ ما نصَّهُ الحديثُ في الكتابِ.\nوقد اختلَفَ السَّلَفُ في هذا الحكمِ، فذهبتْ عائشةُ - ﵂ - إلى ثبوتِ حكمِ التحريمِ وإنْ كان الراضعُ بالغًا عاقلًا. قالَ عروةُ: إن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ أخذتْ بهذا الحديثِ فكانتْ تأمرُ أختَها أمِّ كلثومٍ وبناتِ أخيها [أن] (^٤) يُرْضِعْنَ مَنْ أحبَّتْ أنْ يدخلَ عليها منَ الرجالِ. رواهُ مالكٌ (^٥) ويُرْوَى عنْ عليٍّ وعروةَ وهوَ قولُ الليثَ بن سعدٍ [وأبي محمدِ] (^٦) ابن حزمٍ ونسَبَهُ في \"البحر\" (^٧) إلى عائشةَ وداودَ الظاهريِّ وحجَّتُهم حديثُ سهلةَ هذا وهوَ حديثٌ صحيحٌ لا شك في صِحَّتِهِ، ويدلُّ له أيضًا قولُه تعالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (^٨)، فإنهُ مطلقٌ غيرُ مقيدٍ بوقت، وذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والفقهاءِ إلى أنهُ لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما كانَ في الصِّغَرِ.\nوإنما اختلفُوا في تحديدِ الصِّغَرِ، فالجمهورُ قالُوا: مَهْمَا كانَ في الحولَيْن فإنَّ رضاعه يحرِّمُ، ولا يحرِّمُ ما كانَ بعدَهما مستدلِّينَ بقولِه تعالَى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^٩)، وقالت جماعةٌ: الرضاعُ المحرِّم ما كان قبلَ الفطامِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٦١).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٢٥٥ و٢٦٩ و٢٧٠ - ٢٧١)، والدارمي (١/ ١٥٨)، وعبد الرزاق رقم (١٣٨٨٧)، والبخاري رقم (٤٠٠٠) و(٥٠٨٨)، والنسائي (٦/ ٦٣ - ٦٤)، والبيهقي (٧/ ٤٥٩ - ٤٦٠ و٤٦٠)، من طرق عن الزهري، عن عروة عن عائشة، وبعضهم يزيد فيه على بعض.\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٥.\n(^٣) في (ب): \"له\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"الموطأ\" (٢/ ٦٠٣ رقم ٧).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) (٣/ ٢٦٥).\n(^٨) سورة النساء: الآية ٢٣.\n(^٩) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.","vol":"6","page":263},{"text":"ولم يقدِّروهُ بزمانٍ، وقالَ الأوزاعيُّ: إنْ فُطِمَ ولهُ عامٌ واحدٌ واستمرَّ فِطَامُهُ ثمَّ رضعَ في الحوليْن لم يحرِّمْ هذا الرضاعُ شيئًا وإنْ تمادَى رضاعُه ولم يفطمْ فما يرضعُ وهوَ في الحولينِ حرِّم وما كان بعدهما [لم] (^١) يحرِّم [وإنْ تَمَادَى إرضاعُه] (^٢). وفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ عاريةٌ عن الاستدلالِ فلا نطيلُ بها المقالُ، واستدلَّ الجمهورُ بحديثِ: \"إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ\" (^٣) وتقدَّم بأنه لا يصدقُ ذلكَ إلَّا على مَنْ يشبعُه اللبنُ ويكونُ غذاء لا غير فلا يدخلُ الكبيرُ سيَّما وقدْ وردَ بصيغةِ الحصرِ، وأجابُوا عنْ حديثٍ سالمٍ [هذا] (^٤) بأنهُ خاصٌ بقصةِ سهلةَ فلا يتعدَّى حكمُه إلى غيرِها كما يدلُّ لهُ جوابُ أمّ سلمةَ أمِّ المؤمنينَ لعائشةَ - ﵂ -: \"لا نَرَى هذا إلَّا خاصًّا بسالمٍ وما نَدْرِي لعلَّهُ رخصةٌ لسالمٍ\"، أوْ أنهُ منسوخٌ.\nوأجابَ القائلونَ بتحريمِ رضَاعِ الكبيرِ بأنَّ الآيةَ وحديثَ: \"إنما الرضاعةُ منَ المجاعةِ\" (٣) واردانِ لبيانِ الرضاعةِ الموجبةِ للنفقةِ للمرضعةِ [والذي] (^٥) يجبرُ عليْها الأبوانِ رضِيا أمْ كَرِها كما يرشدُ إليهِ آخرُ الآيةِ وهوَ قولُه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٦)، وعائشةُ هيَ الراويةُ لحديثِ: \"إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ\" (٣) وهيَ التي قالتْ: \"برضاعِ الكبيرِ، وأنهُ يحرمُ فدلَّ أنَّها فهمتْ ما ذكرْنَاهُ في معنَى الآيةِ والحديثِ. وأما قولُ أمِّ سلمةَ إنهُ خاصٌّ بسالمٍ فذلكَ تَظَنُّنٌ منْها وقدْ أجابتْ عليْها عائشةُ فقالتْ: أما لكِ في رسولِ اللَّهِ أسوةٌ حسنةٌ، فسكتتْ أمُّ سلمةَ ولوْ كانَ خاصًّا لبيَّنهُ - ﷺ - بيَّنَ اختصاصَ أبي بردةَ بالتضحيةِ بالجذعةِ منَ المعْزِ (^٧). والقولُ بالنسخِ يدفعُه أن قصةَ سهلةَ [متأخرةٌ] (^٨) عنْ نزولِ آيةِ\n_________\n(^١) في (ب): \"لا\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) وهو حديث متفق عليه تقدم تخريجه رقم (٢/ ١٠٥٩) من كتابنا هذا.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (ب): \"والتي\".\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(^٧) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في رقم (٥٥٥٦)، ومسلم رقم (٤/ ١٩٦١)، وأبو داود رقم (٢٨٠٠)، والترمذي رقم (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢، ٢٢٣)، عن البراء بن عازب - ﵄ - قال: ضحَّى خالٌ لي يُقالَ له أبو بُردة قبل الصلاة، فقال له رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"شاتُكَ شاةُ لحم\" فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن عندي داجنًا جذعةً من المعز، قال: \"اذبحها ولا تصلُحُ لغيرك\" … الحديث.\n(^٨) في (أ): \"متوخرة\".","vol":"6","page":264},{"text":"الحولَيْنِ فإنَّها قالتْ سهلةُ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -: كيفَ أرضعُهُ وهوَ رجلٌ كبيرٌ؟ [قال] (^١): هذَا السؤالَ منْها استنكارٌ لرضاعِ الكبير دالٌّ على أن التحليلَ بعدَ اعتقادِ التحريمِ.\nقلتُ: لا يخْفَى أن الرضاعةَ لغةً إنَّما تصدقُ على مَنْ كانَ في سنِّ الصغرِ، وعلى اللغةِ وردتْ آيةُ الحولَيْنِ وحديثُ: \"إنَّما الرضاعةُ منَ المجاعةِ\" (^٢)، والقولُ بأنَّ الآيةَ لبيانِ الرضاعةِ الموجبةِ للنفقةِ لا ينافي أيضًا أنَّها لبيانِ زمانِ الرضاعةِ، بلْ جعلَه الله تعالَى زمانَ مَنْ أرادَ تمامَ الرضاعةِ وليسَ بعدَ التمامِ ما يدخلُ في حكمِ ما حكمَ الشارعُ بأنهُ قدْ تمَّ، والأحسنُ في الجمعِ بينَ حديثِ سهلةَ وما عارضَهُ كلامُ ابن تيميةَ (^٣) فإنهُ قالَ: [إنهُ] (^٤) يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ في الرضاعةِ إلَّا إذا دعتْ إليهِ الحاجةُ كرضاعِ الكبيرِ الذي لا يُسْتَغْنَى عنْ دخولِهِ على المرأةِ ويشق احتجابُها عنهُ كحالِ سالمٍ معَ امرأةِ أبي حذيفَة، فَمِثْلُ هذا الكبير إذا أرضعتْه للحاجةِ أثَّرَ رضاعِه، وأما مَنْ عَدَاهُ فلا بدَّ منَ الصِّغَرِ، انتَهى. فإنهُ جَمْعٌ حسن بينَ الأحاديثِ، وإعمالٌ لها منْ غيرِ مخالفةٍ لظاهرِها باختصاصٍ ولا نسخٍ ولا إلغاءٍ لما اعتبرتْه اللغةُ ودلَّتْ لهُ الأحاديثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة</span>\n٤/ ١٠٦١ - وَعَنْهَا أن أفْلَحَ - أَخَا أَبي الْقُعَيْسِ - جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ، فَلَما جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أخْبَرْتُهُ بالَّذِي صَنَعْتُهُ، فَأَمَرَنِي أنْ آذَنَ [لَهُ] (٤) عَلَيّ وَقَالَ: \"إنَّهُ عَمُّكِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"فإن\".\n(^٢) وهو حديث متفق عليه تقدم تخريجه رقم (٢/ ١٠٥٩) من كتابنا هذا.\n(^٣) انظر: \"مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية\" (٣٤/ ٦٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) البخاري رقم (٥١٠٣)، ومسلم رقم (١١٤٥).\nقلت: وأخرجه الحميدي رقم (٢٢٩)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٢٤)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٣ و٣٦، ٣٧، ٣٨، و١٧٧، و٢٧١)، والنسائي (٦/ ١٠٣)، وابن ماجه رقم (١٩٤٨)، والدارقطني (٤/ ١٧٧، ١٧٨، و١٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٥٢)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١١/ ١٥٤١٠) من طرق عن الزهري، عن عروة، به.","vol":"6","page":265},{"text":"(وعنْها) أيْ عنْ عائشةَ (أن أفْلَحَ) بفتحِ الهمزةِ ففاءٍ آخرُه حاءَ مهملةٌ، مولَى رسول اللَّهِ - ﷺ -[وقيلَ مولَىً لأمِّ سلمةُ] (^١) (أخا أبي القُعَيْسِ) بقافٍ مضمومةٍ وعينٍ وسينٍ مهملتينِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ (جاءَ يستأذنُ عَلَيْهَا بعدَ الحجابِ قالتْ: فأبيتُ أنْ آذنَ له، فلمَّا جاءَ رسول اللَّهِ - ﷺ - أخبرتُه بالذي صنعته، فأمرني أنْ آذنَ لهُ عليَّ وقالَ: إنهُ عمَّكِ. متفقٌ عليهِ). اسمُ أبي القعيسِ وائلُ بنُ أفلحَ الأشعريِّ، وقيلَ: اسمُه الجعدُ، فَعَلَى الأولِ يكونُ أخوهُ وافقَ اسمُه اسمَ أبِيهِ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: لا أعلمُ لأبي القعيس ذِكْرًا إلا في هذَا الحديثِ (^٢).\nوالحديثُ دليلٌ على ثبوتِ حُكْمِ الرضاعِ في حقِّ زوجِ المرضعةِ وأقاربِهِ كالمرضعةِ، وذلكَ لأنَّ سببَ اللبنِ هوَ ماءُ الرجلِ والمرأةِ مَعًا فوجبَ أنْ يكونَ الرضاعُ منْهما كالجدِّ لما كانَ سببُ ولدِ الولدِ أوجبَ تحريمَ ولدِ الولدِ بهِ لتعلُّقِهِ [به] (^٣)، ولذلكَ قالَ ابنُ عباسٍ في هذا الحكمِ: اللقاحُ واحدٌ. أخرجَهُ عنهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٤)، [قال] (^٥): الوطْءُ يدرُّ اللبنَ فللرجلِ منهُ نصيبٌ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ وأهلُ المذاهبِ. والحديثُ واضحٌ لما ذهبُوا إليهِ، وفي روايةٍ أبي داودَ (^٦) زيادةُ تصريحٍ حيثُ قالتْ: دخلَ عليَّ أفلحُ فاستترتُ منهُ فقالَ: أتستترينَ منِّي وأنا عمُّكِ؟ قلتُ: منْ أينَ؟ قالَ: أرضعَتْكِ امرأةُ أخي، قلتُ: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجلُ، الحديثَ. وخالفَ في ذلكَ ابنُ عمرَ وابنُ الزبيرِ ورافعُ بنُ خُدَيْجٍ وعائشةُ وجماعةٌ منَ التابعينَ وابنُ المنذرِ وداودُ وأتباعُه فقالُوا: لا يثبتُ حكمُ الرضاعِ للرجلِ؛ لأنَّ الرضاعَ إنَّما هوَ للمرأةِ التي اللبنُ منْها، قالُوا: ويدلُّ عليهِ قولُه تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (^٧) وأُجيبَ بأنَّ الآيةَ ليسَ فيها ما يعارضُ الحديثَ فإنَّ ذِكْرَ الأمهاتِ لا يدلّ على أنَّ [من] (^٨) عداهنَّ ليسَ كذلكَ، ثمَّ إنْ دلَّ بمفهومِه فهوَ مفهومُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) انظر: \"التمهيد\" (٨/ ٢٣٥ - ٢٤٨).\n(^٣) في (ب): \"بولده\".\n(^٤) أخرجه مالك (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٣)، والترمذي رقم (١١٤٩)، وإسناده صحيح.\n(^٥) في (ب): \"فإن\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٠٥٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) سورة النساء: الآية ٢٣.\n(^٨) في (ب): \"ما\".","vol":"6","page":266},{"text":"لقب مطَّرَحٍ كما عُرِفَ في الأصولِ. وقدْ استدلُّوا بِفَتْوَى جماعةٍ منَ الصحابةِ بهذا المذهبِ ولا يخْفَى أنهُ لا حجَّةَ في ذلكَ. وقدْ أطالَ بعضُ المتأخرينَ البحثَ في المسألةِ وسبقَه ابنُ القيِّمِ في \"الهدى\" (^١) وشيخه ابنُ تيميةَ (^٢) والواضحُ ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ.\n٥/ ١٠٦٢ - وَعَنْهَا - ﵂ - قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَات مَعْلُومَاتِ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنْها) أي عائشةَ (قالتْ: كانَ فيما أُنْزِلَ منَ القرآنِ عشرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يحرِّمنَ ثم نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ، فتُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وهوَ فيما يُقْرَأُ منَ القرآنِ. رواهُ مسلمٌ)، يُقْرَأُ بضم حرفِ المضارَعَةِ تريدُ أن النسخَ بخمسِ رضعاتٍ تأخَّرَ إنزالُه جدًّا حتَّى إنهُ تُوُفِّيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وبعضُ الناسِ يقرأُ خمسَ رضعاتٍ ويجعلُها قرآنًا مَتْلُوًا لكونه لم يبلغْه النسخُ لقربِ عهدِه، فلمَّا بَلَغَهُمُ النسخُ بعدَ ذلكَ رجعُوا عنْ ذلكَ وأجمعُوا أن لا يُتْلَى، وهذا منْ نسخِ التلاوةِ دونَ الحكْمِ وهوَ أحدُ أنواعِ النسخِ، فإنهُ ثلاثةُ أقسامٍ:\nنسخُ التلاوةِ والحكمِ مثلُ عشْرِ رَضَعَاتٍ.\nوالثاني: نسخُ التلاوةِ دونَ الحكْمِ كخمسِ رَضَعَاتٍ، وكالشيخِ والشيخةِ إذا زَنيا فارجُمُوهُما.\nوالثالث: نسخُ الحكمِ دونَ التلاوةِ وهوَ كثيرٌ، نحوُ قولِهِ تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) (٥/ ٥٥٦ - ٥٧٠).\n(^٢) في مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (٣٤/ ٣١ - ٣٥).\n(^٣) في صحيحه رقم (١٤٥٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٠٦٢)، والترمذي رقم (١١٥٠)، والنسائي (٦/ ١٠٠)، وابن ماجه رقم (١٩٤٢)، وابن الجارود رقم (٦٨٨)، والبيهقي (٧/ ٤٥٤)، والدارمي (٢/ ١٥٧)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٢١ رقم ٦٦، ٦٧)، ومالك (٢/ ٦٠٨ رقم ١٧)، وابن حبان (٦/ ٢١٣ رقم ٤٢٠٧، ٤٢٠٨)، وسعيد بن منصور رقم (٩٧٦)، والدارقطني (٤/ ١٨١ رقم ٣٠).","vol":"6","page":267},{"text":"يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ (^١) الآية وقد تقدَّمَ تحقيقُ القولِ في حكمِ هذا الحديثِ وأنَّ العملَ على ما أفادَهُ هوَ أرجح الأقوالِ والقولُ بأنَّ حديثَ عائشةَ [هذا] (^٢) ليسَ بقرآنٍ؛ لأنهُ لا يثبتُ بخبرِ الآحادِ ولا هوَ حديثٌ لأنَّها لم تَرْوِهِ حديثًا مردودٌ بأنَّها وإنْ لم تثبتْ قرآنيتُه ويجري عليهِ حُكْمُ ألفاظِ القرآنِ فقدْ روتْهُ عن النبيِّ - ﷺ - فلهُ حكمُ الحديثِ في [وجوب] (^٣) العملِ بهِ. وقدْ عملَ بمثلِ ذلكَ العلماءُ فعملَ بهِ الشافعيُّ وأحمدُ في هذا الموضعِ، وعملَ [بهِ] (^٤) الهادويةُ والحنفيةُ في قراءةِ ابن مسعودٍ في صيامِ الكفَّارةِ ثلاثةَ أيامٍ متتابعاتٍ، وعملَ مالكٌ في فرضِ الأخِ منَ الأمِّ بقراءةِ أُبَيِّ ولهُ أخٌ أو أختٌ منْ أمٍّ، والناسُ كلُّهم احتجُّوا بهذِه القراءةِ، والعملُ بحديثِ البابِ هذا لا عذْرَ عنهُ، ولذَا اخترنا العملَ بهِ فيما سلفَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1092>ما معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟</span>\n٦/ ١٠٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: \"إنَّهَا لا تَحِل لِي، إنَّها ابْنَةُ أَخي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ\" متفقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعَنِ بْنِ عباسٍ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - أُرِيدَ) بضمِّ الهمزةِ مبنيٌّ للمجهولِ من الإرادة (على ابنةِ حمزةَ) أي قيلَ لهُ لو تزوجْتَها (قالَ: إنَّها لا تحلُّ لي إنَّها ابنةُ أخي منَ الرضاعةِ ويحرُمُ منَ الرضاعةِ ما يحزم منَ النسبِ. متفقٌ عليهِ).\nاختُلِفَ في اسْمِ ابنةِ حمزةَ على سبعةِ أقوالٍ ليسَ فيها ما يجزمُ بهِ وإنَّما كانتِ ابنةُ أخيهِ - ﷺ - لأنهُ رَضَعَ منْ ثُوَيْبَةَ أمَةِ أبي لَهبٍ وقدْ كانتْ أرضعتْ عمَّه حمزةَ، وأحكامُ الرضاعِ هي حرمةُ التنَاكُحِ وجوازُ النظرِ والخلوةِ والمسافَرَةِ لا غيرُ ذلكَ منَ التوارثِ ووجوبِ الإنفاقِ والعتقِ بالملكِ وغيرِه منْ أحكامِ النسبِ. وقولُه - ﷺ -: \"ويحرُمُ منَ الرضاعِ ما يحرُمُ منَ النَّسَبِ\" يرادُ بهِ تشبيهُه بهِ في التحريمِ بهِ. ثمَّ التحريمُ ونحوُه بالنظرِ إلى المرضعِ فإنَّ أقاربَهُ أقاربُ للرضيعِ، وأما أقاربُ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية (٢٣٤).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) البخاري رقم (٢٦٤٥)، ومسلم رقم (١١٤٧).","vol":"6","page":268},{"text":"الرضيعِ [ما عدا أولادَهُ] (^١) فلا علاقةَ بينَهم وبينَ المرضعِ فلا يثبتُ شيءٌ منَ الأحكامِ لهم.\n٧/ ١٠٦٤ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرِّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الأمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ،، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^٢) هُوَ وَالْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يحرِّمُ منَ الرضاعِ إلا ما فَتَقَ) بالفاءِ فمثناةٍ فوقيةٍ فقافٍ (الأمعاءَ) جمعُ المِعا بكسرِ الميم وفتحِها (وكانَ قبلَ الفطامِ. رواهُ الترمذيِّ وصحَّحَهُ هوَ والحاكمُ). والمرادُ ما سلكَ فيها منَ الفتْقِ بمعنَى الشقِّ والمرادُ ما وصلَ إليها فلا يحرِّمُ القليلُ الذي لا ينفذُ إليها ويحتملُ أن المرادَ ما وصلَها وغذَّاها [واكتفى به الرضيع] (^٤) عنْ غيرِه فيكونُ دليلًا على عدمِ تحريمِ رضاعِ الكبيرِ، ويدلُّ على أن المرادَ هذَا قولُه في الحديثِ وكانَ قبلَ الفطامِ فإنهُ يرادُ بهِ قبلَ الحولَيْنِ كما وردَ في الحديثِ الآخرِ: \"إنَّ ابْني إبراهيمَ ماتَ في الثدي وإنَّ لهُ مُرْضِعًا في الجنةِ\"، وتقدَّم الكلامُ في الأمريْنِ، ويدلُّ لِهَذَا [الحديثِ] (^٥) الأخيرِ:\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١١٥٢)، وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن حبان (١٠/ ٣٧، ٣٨ رقم ٤٢٢٤).\nوقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٦/ ٣١٦): \"أعل بالانقطاع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا لصغر سنِّها إذ ذاك\" اهـ.\nقلت: وله شاهد من حديث عبد اللَّهِ بن الزبير أخرجه ابن ماجه رقم (١٩٤٦) بسند رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، إلا أنه في رواية العبادلة عنه فإنه صحيح الحديث، وهذا منها.\nوله شاهد آخر أخرجه البزار رقم (١٤٤٤ - كشف)، والبيهقي (٧/ ٤٥٥) حديث أبي هريرة. بسند رجاله ثقات، إلا أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم. انظر: \"الإرواء\" رقم (٢١٥٠).\n(^٣) قلت: ولعل الصواب (ابن حبان) كما قال الحافظ نفسه في \"الفتح\" (٩/ ١٤٨) عقب الحديث: \"وصحَّحه الترمذي وابن حبان\"، واللَّهُ أعلم.\n(^٤) في (ب): \"واكتفت به\".\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"6","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1093>لا رضاع إلا الحولين</span>\n٨/ ١٠٦٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: \"لَا رَضَاعَ إلَّا في الحَوْلَينِ\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجّحا الْمَوْقُوفَ (^١). [موقوف]\nقولُه: (وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: لا رَضَاعَ إلَّا في الحولَيْنِ. رواة الدارقطنيُّ وابن عديٍّ مرفوعًا وموقوفًا ورجَّحا الموقوفَ) لأنهُ تفرَّد برفْعِهِ الهيثمُ بنُ جميلٍ (^٢) عن ابن عُيَيْنَةَ قالَهُ الدارقطنيُّ وقالَ: كانَ ثقةً حافِظًا. ورواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٣) عن ابن عيينةَ فوقَفَهُ. قلت: وهذا ليسَ بعلَّةٍ كما قرَّرْنَاهُ مِرَارًا، وقالَ ابنُ عديٍّ: إنَّ الهيثَمَ كانَ يغلَطُ. وقالَ البيهقيُّ (^٤): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورَوَى التحديدَ بالحولَيْنِ البيهقي (^٥) عنْ عمرَ وابن مسعودٍ. والحديثُ دالٌّ على اعتبارِ الحولَيْنِ وأنهُ لا يُسَمَّى الرضاعُ رَضَاعًا إلَّا في الحولَيْنِ. وقدْ تَقدَّمَ أنهُ الذي دلَّتْ عليهِ الآيةُ والقولُ بأنَّها إنَّما دلتْ على حكمِ الواجبِ منَ النفقةِ ونحوِها لا على مدةِ الرضاعِ تقدَّم دفْعُه. ويدلُّ لِهذَا الحكمِ:\n٩/ ١٠٦٦ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا رَضَاعَ\n_________\n(^١) أخرج الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ١٧٣ - ١٧٤ رقم ٩) وسعيد بن منصور في سننه رقم (٩٧٤)، والبيهقي (٧/ ٤٤٢) عن ابن عباس موقوفًا. وقال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف.\nوأخرج الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ١٧٤ رقم ١٠)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٦٢)، والبيهقي (٧/ ٤٦٢) مرفوعًا عن ابن عباس.\nقال ابن عدي: وهذا يعرف بالهيثم بن جميل عن ابن عقبة مسندًا وغير الهيثم يوقفه على ابن عباس، والهيثم بن جميل يسكن أنطاكية، ويقال: هو البغدادي ويغلط الكثير على الثقات كما يغلط غيره، وأرجو أنه لا يتعمَّد الكذب\" اهـ.\n• قلتُ: وأخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٣٩٠٣) عن ابن عباس قال: \"لا رَضَاعَ بعدَ فطام\" بسند صحيح.\n• وأخرج مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٦٠٣) عن ابن عمر أنه كان يقول: \"لا رضاعة إلا لمن أَرْضَعَ في الصِّغَر، ولا رَضَاعَة لكبير\" بسند صحيح.\n(^٢) انظر: \"الكامل\" لابن عدي (٧/ ٢٥٦٢)، وسنن الدارقطني (٤/ ١٧٤).\n(^٣) في سننه رقم (٩٧٤) كما تقدم.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦٢).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦٢).","vol":"6","page":270},{"text":"إلَّا ما أنشَزَ الْعَظمَ، وَأنبَتَ اللَّحْمَ\"، أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ (^١). [ضعيف]\nقولُه: (وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا رضاعَ إلَّا ما أنشز) بشينٍ معجمةٍ فزاي، أي شدَّ وقَوَّى (العظمَ وأنبتَ اللحمَ. أخرجَهُ أبو داودَ)، فإنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ لِمَنْ هوَ في سِنِّ الحولَيْنِ ينمُو باللبنِ ويقْوَى بِهِ عظمُه وينبتُ عليهِ لحمُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>شهادة المرضعة وحدها تقبل في الرضاع</span>\n١٠/ ١٠٦٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بن الْحَارِثِ أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بنْتَ أبِي إِهَابَ، فَجَاءَتْ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: لَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟ \"، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ فَنكحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1095>ترجمة عقبة بن الحارث</span>\n(وعنْ عقبةَ بنَ الحارثِ) (^٣) هوَ أبو سروعةَ عقبةُ بنُ الحارثِ بن عامرٍ القرشيِّ النوفليِّ، أسلمَ يومَ الفتحِ يُعَدُّ في أهلِ مكةَ (أنهُ تزوَّجَ أمَّ يحيى بنتَ أبي إِهابٍ)\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٥٩) و(٢٠٦٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٨٥ رقم ٤١١٤ - شاكر) وفي سنده أبو موسى الهلالي وأبوه وهما مجهولان. لكن أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٤٦٣ رقم ١٣٨٩٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦١) من وجه آخر من حديث أبي حصين عن أبي عطية، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فذكره بمعناه.\nوانظر: \"الإرواء\" رقم (٢١٥٣)، و\"التلخيص الحبير\" (٤/ ٤ رقم ١٦٥٣).\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، واللَّهُ أعلم.\n(^٢) في صحيحه رقم (٥١٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٦٠٣)، والترمذي رقم (١١٥١)، والنسائي (٦/ ١٠٩)، والبيهقي (٧/ ٤٦٣)، والدارمي (٢/ ١٥٧، ١٥٨)، وأحمد (٤/ ٧)، والطيالسي في \"المسند\" رقم (١٣٣٧) بألفاظ.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" رقم (٣٧٠٤)، و\"الإصابة\" رقم (٥٦٠٨)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٨٤١)، و\"الثقات\" (٣/ ٢٧٩)، وتجريد \"أسماء الصحابة\" (١/ ٣٨٣).","vol":"6","page":271},{"text":"بكسرِ الهمزةِ (فجاءتِ امرأةٌ) قالَ المصنفُ (^١): لم أعرفِ اسْمَها (فقالت: قد أرضعتُكما فسأل النبيَّ - ﷺ - فقالَ: كيفَ وقدْ قيلَ؟ ففارقَها عقبة فنكحتْ زوجًا غيرَه. أخرجَه البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أن شهادةَ المرضعةِ وحدَها [تُقْبَلُ] (^٢)، وبوَّبَ على ذلكَ البخاريُّ، وإليهِ ذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ وأحمدُ بنُ حنبل (^٣). وقالَ أبو عبيدٍ: يجبُ على الرجلِ المفارقةُ، ولا يجبُ على الحاكمِ الحكمُ بذلكَ.\nقالَ مالكٌ (^٤): إنهُ لا يقبلُ في الرَّضاعِ إلا امرأتانِ. وذهبتِ الهادويةُ (^٥) والحنفيةُ إلى أنَّ الرضاعَ كغيرهِ لا بدَّ منْ شهادةِ رجليْنِ أو رجلٍ وامرأتينِ، ولا تكفي شهادةُ المرضعةِ لأنَّها تقرَّرَ فعلُها. قالَ الشافعيُّ: [تُقْبَلُ شهادةُ] (^٦) المرضعةِ معَ ثالثِ نسوةٍ بشرطِ أنْ لا تعرضَ بطلبِ أُجْرَةٍ، قالُوا: وهذا الحديثُ محمولٌ على الاستحبابِ والتحرُّزِ عنْ مظانِّ الاشتباهِ.\nوأُجِيبَ بأنَّ هذَا خلافُ الظاهرِ سيَّما وقدْ تكررَ سؤالُه للنبيِّ - ﷺ - أربعَ مراتٍ وأجابَهُ بقولِه: \"كيفَ وقدْ قيلَ\"؟ وفي بعضِ ألفاظِهِ \"دَعْها\". وفي روايةٍ الدارقطنيِّ (^٧): \"لا خيرَ لكَ فيها\"، ولوْ كانَ منْ بابِ الاحتياطِ لأَمَرَه بالطلاقِ مع أنهُ في جميعِ الرواياتِ لم يذكرِ الطلاقَ فيكونُ هذا الحكمُ [مخصوصًا] (^٨) منْ عمومِ الشهادةِ المُعْتَبَرِ فيها العددُ. وقدِ اعتبرْ ذلكَ في عوراتِ النساءِ فقلتُم: يكفي شهادةِ امرأةٍ واحدةٍ، والعلةُ عندَهم فيهِ أنهُ قلَّما يَطَّلِعُ الرجالُ على ذلكَ فالضرورةُ داعيةٌ إلى اعتبارِه، فكذا هُنَا.\n١١/ ١٠٦٨ - وَعَنْ زيَادٍ السّهْمِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَاء. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩)، وَهُوَ مُرْسَلٌ، ولَيْسَتْ لِزيَادٍ صُحْبَةٌ. [مرسل]\n_________\n(^١) في \"فتح الباري\" (٩/ ١٥٣).\n(^٢) في (أ): \"يُقبل\".\n(^٣) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١١/ ٣٤٠ - ٣٤٢).\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٧١ - ٧٢) بتحقيقنا.\n(^٥) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٧٠).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ١٧٧ رقم ١٩).\n(^٨) في (أ): \"مخصوص\".\n(^٩) في \"المراسيل\" رقم (٢٠٧). =","vol":"6","page":272},{"text":"(وعنْ زياد السَّهْميِّ قالَ: نَهَى رسول اللَّهِ - ﷺ - أنْ تسْتَرْضَعَ الحمقاءُ) خفيفةُ العقلِ (أخرجَه أبو داودَ وهوَ مرسلٌ وليسَ لزيادٍ صحبةٌ).\nووجْهُ النَّهْي أن للرِّضاعِ تأثيرًا في الطباعِ فيختارُ مَنْ لا حماقَةَ فيها ونحوَها.\n* * *\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن قتيبة في \"غريب الحديث\" (١/ ٢٩٧) من قول عمر، ولفظه: \"إنَّ اللبن يُشَبَّهُ عليه\".\nقوله: يُشَبَّهُ، يريد: إن الطفل الرضيع ربما نزَع به الشَّبَه إلى الظِّئْر من أجل اللبن، يقول: فلا تسترضِعوا إلا من ترضون أخلاقه وعَفافه. وقد روى مثل هذا عن عمر بن عبد العزيز.","vol":"6","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1096>[الباب الخامس] باب النفقات</span>\nجَمْعُ نفقةٍ، والمرادُ بها الشيءُ الذي يبذُلُه الإنسانُ فيما يحتاجُه هو أو غيرُه منَ الطعامِ والشرابِ ونحوهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1097>يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إذا منعها النفقة</span>\n١/ ١٠٦٩ - عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بنتُ عُتْبَةَ - امْرَأَةُ أبِي سُفْيَانَ - عَلَى رَسُول اللَّهِ - ﷺ - قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ في ذَلِكَ مِنْ جُنَاح؟ فَقَالَ: \"خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَمَا يَكْفِي بَنِيكِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: دخلتْ هندُ بنتُ عتبةَ) (^٢) بن ربيعةَ بن عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، أسلمتْ عامَ الفتحِ في مكةَ بعدَ إسلامِ زوْجِهَا، قُتِلَ أبوها عتبةُ وعمُّها شيبةُ وأخوها الوليدُ بنُ عتبةَ يومَ بدرٍ فَشُقَّ عليها ذلكَ، فلمَّا قُتِلَ حمزةُ [يوم\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٣٦٤)، ومسلم رقم (١٧١٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٥٣٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، والدارمي (٢/ ١٥٩)، والبيهقي (٧/ ٤٦٦)، وأحمد (٦/ ٣٩ و٥٠ و٢٠٦)، من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به.\n(^٢) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١١٨٦٠)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٣٥٠)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٥٦٨)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٣١٠)، و\"الثقات\" (٣/ ٤٣٩).","vol":"6","page":274},{"text":"أحد] (^١) فرحتْ بذلكَ وعمدتْ إلى بطنِه فشقَّتْهُ وأخذتْ كَبِدَهُ فلاكتْهَا ثمَّ لفظتْها.\nتوفيتْ في المحرَّم سنةَ أربعَ عشْرَةَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، (امرأةُ أبي سفيانَ) أبو سفيانَ بنُ حربٍ (^٢) اسمُهُ صخرُ بنُ حربِ بن أميةَ بن عبدِ شمسٍ من رؤساءِ قريشٍ، أسلمَ عَامَ الفتحِ قبلَ إسلامِ زوجَتِه حينَ أخذتْهُ جندُ النبي - ﷺ - في يومِ الفتحِ، وأجارَهُ العباسُ ثمَّ غَدَا بِهِ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فأسْلَمَ. وكانتْ وفاتُه في خلافةِ عثمانَ سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ (على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولُ اللَّهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ) الشحُّ البخلُ معَ حرصٍ، فهوَ أخصُّ منَ البخلُ، والبخلُ يختصُّ بمنعِ المالِ، والشحُّ بكلِّ شيءٍ (لا يعطيني منَ النفقةِ ما يكفيني ويكفي بني إلَّا ما أخذتُ منْ مالِه بغيرِ عِلْمِهِ فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ منْ جُناحٍ؟ فقالَ: خذي منْ مالِه بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بنيكِ. متفقٌ عليهِ).\n\n<span data-type='title' id=toc-1098>ما يدل عليه الحديث</span>\nالحديثُ فيهِ دليلٌ على جوازِ ذِكْرِ الإنسانِ بما يكرهُ إذا كانَ على وجْهِ الاشتكاءِ [والاستفتاءِ] (^٣)، وهذَا أحدُ المواضعِ التي أجازُوا فيها الغيبةَ. ودلَّ على وجوبِ نفقةِ الزوجةِ والأولادِ علَى الزوجِ، وظاهرُه وإنْ كانَ الولدُ كبيرًا لعمومِ اللفظِ وعدمِ الاستفصال فإنْ أَتَى ما [يخصِّصُهُ] (^٤) منْ حديثِ آخرَ وإلَّا فالعمومُ قاضٍ بذلكَ. وفيهِ دليل على أن الواجبَ الكفايةُ منْ غيرِ تقديرٍ للنفقةِ، وإلى هذا ذهبَ جماهيرُ العلماءِ منْهمُ الهادي والشافعي، وعليه دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٥) وفي قول للشافعي: إنَّها مقدَّرةٌ بالأمداد فعلَى الموسِرِ كلَّ يومٍ مُدَّانِ، والمتوسطِ مُدٌّ ونصفٌ، والمعسِرُ مُدٌّ، وعنِ الهادي كلَّ يومٍ مُدَّانِ وفي كلِّ شهرٍ دِرْهَمَانِ للإدام، وعنْ أبي يَعْلَى الواجبُ رَطْلانِ منَ الخبزِ كلَّ يومٍ في حقِّ المعسِرِ والموسِرِ وإنَّما يختلفانِ في صفتهِ وجَوْدَتِهِ؛ لأنَّ الموسِرَ والمعسِرَ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٠٦٦)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٤٨٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٢١١)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٢٦)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٣٠، ٣٧).\n(^٣) في (ب): \"والفتيا\".\n(^٤) في (أ): \"يخصه\".\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٢٣.","vol":"6","page":275},{"text":"مستويانِ في قدْرِ المأكولِ وإنَّما يختلفانِ في الجوْدةِ وغيرِها. قال النوويُّ (^١): وهذَا الحديثُ حجةٌ على منِ اعتبرَ التقديرَ. قالَ المصنفُ (^٢): تعقُّبًا لهُ ليسَ صَريْحًا في الردِّ عليهمْ ولكنَّ التقديرِ بما ذكرَ يحتاج إلى دليل فإنْ ثبتَ حملتِ الكفايةُ في ذلكَ الحديثِ على ذلكَ المقدارِ. وفي قولِها: إلا ما أخذتْ منْ مالهِ، دليلٌ على أن للأُمِّ ولايةً في الإنفاقِ على أولادها مع تَمَرُّدِ الأبِ، ودليل أن مَنْ تعَذَّرَ عليهِ استيفاءُ ما يجبُ، لهُ [أنْ] (^٣) يأخذَهُ، لأنهُ - ﷺ - أقرَّها على الأخْذِ في ذلكَ ولم يذكرْ لها أنهُ حرامٌ، وقدْ سألَتْهُ هلْ عليها جُنَاحٌ؟ فأجابَ بالإباحةِ لها في المستقبلِ وأقرَّها على الأخْذِ في الماضي. وقدْ وردَ في بعضِ [ألفاظِ الحديثِ] (^٤) في البخاريِّ (^٥): \"لا حرجَ عَلَيْكَ أنْ تطعِمِيهُمْ بالمعروفِ\". وقولُه: \"خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ\" يحتملُ أنَّهُ فُتيا منهُ - ﷺ -، ويحتملُ أنهُ حكمٌ. وفيهِ دليل على الحكمِ على الغائبِ منْ دونِ نَصْبٍ عنهُ، وعليهِ بوَّبَ البخاريُّ (^٦) بابُ القضاءِ على الغائبِ وذكرَ هذا الحديثَ، لكنَّهُ قالَ النوويُّ (^٧): شرطُ القضاءِ على الغائبِ أنْ يكونَ غائبًا عن البلدِ أو متعززًا لا يقدرُ عليهِ أو متعذرًا، ولم يكن أبو سفيانَ فيهِ شيءٌ من هذا بلْ كانَ حاضرًا في البَلدِ فلا يكونُ هذَا منَ القضاءِ على الغائب إلَّا أنهُ قدْ [أخرجه] (^٨) الحاكمُ في تفسيرِ [سورة] (^٩) الممتحنةِ في \"المستدركِ\" (^١٠) أنهُ - ﷺ - لما اشترطَ في البيعة على النساءِ ولا يسرقْنَ قالتْ هندٌ: لا أبايعكَ على السرقة إني أسرقُ من مال زَوْجِي، فكفَّ حتَّى أرسلَ إلى أبي سفيان يتحللُ لها منهُ فقالَ: أما الرطبُ فنعمْ وأما اليابسُ فلا، وهذا المذكورُ يدلُّ على أنهُ قَضَى على حاضرٍ إلا أنهُ خلافُ مما بوَّبَ لهُ البخاريُّ، [وكأنَّهُ لم يصح له زيادة الحاكم] (^١١).\n_________\n(^١) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٢/ ٧).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٩/ ٥٠٩).\n(^٣) في (أ): \"كان له أن\".\n(^٤) في (ب): \"ألفاظه\".\n(^٥) (٢٣٢٨ - البغا).\n(^٦) صحيحه (١٣/ ١٧١ رقم الباب ٢٨ - مع \"الفتح\").\n(^٧) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٢/ ٨).\n(^٨) في (ب): \"أخرج\".\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) (٢/ ٤٨٦) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\n(^١١) زيادة من (أ).","vol":"6","page":276},{"text":"والحاصلُ أن القِصَّةَ مترددةٌ بينَ كونِهِ فُتْيَا وبينَ كونِهِ حُكْمًا، وكونُه فُتْيَا أقربُ لأنهُ لم يطلبها ببينة ولا استحلفَها، وقدْ قيلَ إنهُ حكمَ بِعِلْمِهِ بِصِدْقِها فلم يطلبْ منْها بَيِّنَة ولا يمينًا فهوَ حجةٌ لمنْ يقولُ إنهُ يحكمُ الحاكمِ بعلمِهِ إلا أنهُ معَ الاحتمالِ لا ينهضُ دليلًا على معيَّنٍ منْ صورِ الاحتمالِ إنَّما يتمُّ بهِ الاستدلالُ على وجوبِ النفقةِ على الزَّوْجِ للزوجةِ وأولادِه، على أن لها الأخذَ منْ مالِه إنْ لم يقمْ بكفايتِها وهوَ الحكمُ الذي أرادَهُ المصنفُ منْ إيرادِ الحديثِ هذَا هُنَا في بابِ النفقاتِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1099>الإنفاق على القريب المعسر</span>\n٢/ ١٠٧٠ - وَعَنْ طَارقٍ الْمُحَارِبِي - ﵁ - قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ ويَقُولُ: \"يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأ بمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَباكَ، وأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ\"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ (^١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) وَالدَّارَقُطْنِي (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1100>ترجمة طارق المحاربي</span>\n(وعنْ طارقِ المحارِبي) (^٤) هوَ طارقُ بنُ عبدِ اللَّهِ المحاربي بضمِّ الميمِ وحاءٍ مهملةٍ، روى عنهُ جامعُ بنُ شدَّاد ورِبْعي، بكسرِ الراءِ وسكونِ الموحدةِ وكسرِ العينِ المهملةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ، ابن حِراشٍ، بكسرِ الحاءِ المهملةِ وتخفيفِ الراءِ والشينِ المعجمةِ، (قالَ: قدمْنا المدينةَ فإذا رسولُ اللهِ - ﷺ - قائمٌ على المنبرِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٥/ ٦١).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٣٣٤١).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٤٤ - ٤٥).\nقلت: وأخرجه الطبراني رقم (٨١٧٥). وهو حديث صحيح.\nوفي الباب: عن ثعلبة بن زهدم الحنظلي أخرجه الطيالسي في \"المسند\" رقم (١٢٥٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢١٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٥). وعن رجل من بني يربوع أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٦٤).\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٢٤٦)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٥٩٥)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٢٧٥)، و\"الثقات\" (٣/ ٢٠٢)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (١/ ٢٧٤)، و\"الوافي بالوفيات\" (١٦/ ٣٨٠).","vol":"6","page":277},{"text":"يخطبُ الناسَ ويقولُ: يدُ المعطي العُلْيا وابدأْ بمنْ تعولُ، أمكَ وأباكَ وأُخْتُكَ وأَخاك ثمَّ أدْناكَ أدناك. رواهُ النسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والدارقطنيُّ)، الحديثُ كالتفسيرِ لحديثِ: اليدِ العليا خيرٌ منَ اليدِ السُّفْلَى. وفسَّرَ في \"النهايةِ\" (^١): اليَدُ العُلْيَا بالمُعْطِيَةِ أو المنفِقَةِ، واليَدُ السُّفلَى بالمانِعَةِ أو السائلةِ. وقولُه: \"ابدأ بمنْ تَعولُ\" دليلٌ على وجوبِ الإنفاقِ على القريب. وقدْ فصَّلهُ بِذِكْرِ الأمِّ قبلَ الأبِ إلى آخرِ ما ذكرَهُ، فدلَّ هذَا الترتيبُ على أن الأمَّ أحقُّ منَ الأبِ بالبرّ. قالَ القاضي عياضٌ: وهوَ مذهبُ الجمهورِ ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ البخاري (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ، فذكرَ الأمَّ ثلاثَ مراتٍ ثمَّ ذكرَ الأبَ معطوفًا بثُمَّ فمنْ [لمْ] (^٣) يجد إلَّا كفايةً لأحَدِ أبويْهِ خصَّ [بهِ] (^٤) الأمَّ للأحاديثِ هذهِ. وقدْ نبَّهَ القرآنُ على زيادةِ حقِّ الأمِّ في قولِهِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (^٥).\nوفي قولِهِ: وأختَكَ [وأخاكَ] (^٦) إلى آخرِهِ، دليلٌ على وجوبِ [الإنفاقِ للقريب] (^٧) المعسرِ فإنهُ تفصيل لقولِهِ: وابدأ بمنْ تعولُ، فجعلَ الأخَ من عيالِهِ، وإلى هذَا ذهبَ عمرُ وابنُ أبي لَيْلَى وأحمدُ والهادي ولكنَّهُ اشترطَ في \"البحر\" (^٨) أنْ يكونَ القريبُ وارِثًا بالنسبِ، مستدلًا بقولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٩) واللامُ للجنسِ، وعندَ الشافعيِّ أن النفقةَ تجبُ لفقيرٍ غيرِ مُكْتَسِب زمِنًا أو صَغيرًا أو مجنونًا لعجْزِه عنْ كفايةِ نفسهِ، قالُوا: فإنْ لمْ يكنْ فيهِ إحدَى هذِه الصفاتِ فأقوالٌ أحسنُها تجبُ لأنهُ يقبحُ أنْ يكلَّفَ التكسُّبَ مع اتساعِ مالِ قريبه. والثاني: المنعُ للقدرةِ على الكسبِ فإنهُ نازلٌ منزلةَ المالِ. والثالث: يجبُ نفقةُ الأصْلِ على الفرعِ دونَ العكسِ لأنهُ ليسَ منَ المصاحبةِ بالمعروفِ أنْ يُكَلَّفَ أصلُهُ التكسبَ معَ عُلُوِّ السنِّ، وعندَ الحنفيةِ يلزمُ التكسبُ لقريبٍ محرَّم فقيرٍ عاجزٍ عن الكسْبِ بقدرِ الإرثِ، هكذَا في كتبِ الفريقيْنِ.\n_________\n(^١) ابن الأثير: (٥/ ٢٩٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥٩٧١).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٢٥٤٨) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) في (ب): \"لا\".\n(^٤) في (ب): \"بها\".\n(^٥) سورة الأحقاف: الآية ١٥.\n(^٦) في (أ): \"وأخيك\".\n(^٧) في (أ): \"إنفاق القريب\".\n(^٨) (٣/ ٢٨٠).\n(^٩) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.","vol":"6","page":278},{"text":"وفي \"البحر\" (^١) نقلَ عنْهم [خلاف] (^٢) هذا، وهذ الأقوال لم يسفرْ فيها وجْهُ الاستدلالِ. وفي قولِه تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (^٣) ما يشعرُ بأنَّ للقريب حقًّا على قريبِه والحقوقُ متفاوتةٌ فمعَ حاجتِهِ للنفقةِ تجبُ ومعَ عَدَمِها فحقه الإحسانُ بغيرها منَ البرِّ والإكرامِ. والحديثُ كالمبينِ لذوي القُرْبَى ودرجاتِهم فيجبُ الإنفاقُ للمعسرِ على الترتيبِ في الحديثِ ولم يذكُرْ فيهِ الولدَ والزوجةَ لأنَّهما قدْ عُلِمَا منْ دليلٍ آخرَ والتقييدُ بكونِه وارثًا محلُّ توقُّفٍ. واعلمْ أن للعلماءِ [خلافًا] (^٤) في سقوط نفقةِ الماضي، فقيلَ تسقطُ للزوجة والأقارب، وقيل لا يسقطان، وقيل تسقط نفقةُ القريب دونَ الزوجةِ. وعلَّلُوا هذا التفصيلَ بأنَّ نفقةَ القريبِ إنَّما شُرِعَتْ للمواساةِ لأَجلِ إحياءِ النفسِ وهذا قدِ انْتَفَى بالنظرِ إلى الماضي، وأما نفقةُ الزوجةِ فهيَ واجبةٌ لا لأجلِ المواساةِ ولذا تجبُ مع غِنَى الزوجةِ، ولإجماعِ الصحابةِ على عَدَمِ سقوطِها فإنْ تمَّ الإجماعُ فلا التفاتَ إلى [خلافِ] (^٥) منْ خالفَ بعدَه وقدْ قالَ - ﷺ -: \"ولهنَّ عليكمْ رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ\" (^٦) فمهْمَا كانتْ زوجةً مطيعةً فهذَا الحقُّ الذي لها ثابتٌ.\nوأخرجَ الشافعي (^٧) بإسنادٍ جيِّدٍ عنْ عمرَ - ﵁ -: \"أنهُ كتبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رجالٍ غابُوا عنْ نسائِهم فأمرَهمُ أن يأمروهُم بأنْ ينفقُوا أوْ يطلِّقوا، فإنْ طلَّقوا بعثُوا\n_________\n(^١) (٣/ ٢٨٠).\n(^٢) في (ب): \"ما يخالف\".\n(^٣) سورة الإسراء: الآية ٢٦.\n(^٤) في (أ): \"خلاف\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) وهو جزء من حديث جابر أخرجه مسلم رقم (١٢١٨).\n(^٧) في \"بدائع المنن\" (٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨ رقم ١٧٢٢).\nوقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": (٦/ ٣٢٥): \" … وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في \"فتح الباري\"، وحكاه صاحب \"البحر\" عن الإمام علي - ﵁ - وعمر وأبي هريرة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وحماد، وربيعة، ومالك، وأحمد بن حنبل، والشافعي، والإمام يحيى.\n\"وحكى صاحب \"الفتح\" عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج. وحكاه في \"البحر\" عن عطاء والزهري والثوري والقاسمية، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحد قولي الشافعي\" اهـ. وانظر ما قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٤٦ - ٥٥١) في حكم المسألة.","vol":"6","page":279},{"text":"بنفقةِ ما حَبَسُوا\"، وصحَّحَهُ الحافظُ أبو حاتمٍ الرازيِّ (^١). ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشاد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1101>حق المملوك طعامه وكسوته</span>\n٣/ ١٠٧١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكُسْوَتُهُ، ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُ\"، رَوَاهُ مِسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: للمملوكِ) والمملوكةِ على السيِّدِ (طعامُه وكسوتُه ولا يُكَلَّفُ منَ العملِ إلا ما يطيقُ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على ما هوَ مجمَعٌ عليهِ منْ وجوبِ نفقةِ المملوكِ وكسوتِه، وظاهرُه مُطْلَقُ الطعامِ والكُسوةِ فلا يَجِبَانِ منْ عينِ ما يأكلُه السَّيدُ ويلبسُهُ، وحديثُ مسلمٍ بالأمرِ بإطْعَامِهِم مما يَطْعَمُ وكسوتِهم مما يلْبَسُ محمولٌ على الندْبِ. ولولا ما قيلَ منَ الإجماعِ علَى هذا لاحتملَ أن هذا يقيِّدُ مطلقَ حديثِ الكتابِ، ودلَّ على أنهُ لا يكلفُه السَّيدُ منَ الأعمالِ إلا ما يطيقُه، وهذا مجمعٌ عليهِ أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1102>وجوب النفقة والكسوة للزوجة</span>\n٤/ ١٠٧٢ - وَعَنْ حَكِيم بْنِ مُعَاوِيةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أبيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: \"أنْ تُطْعِمُهَا إذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيتَ\" الحَدِيثُ، وَتَقَدَّمَ في عِشْرَةِ النسَاءِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ حكيمِ بن مُعاويةَ القشيريِّ عنْ أبيهِ) [معاويةَ بنَ حَيْدَةَ] (^٤) (قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليهِ قالَ: أنْ تطعمَها إذا طَعِمْتَ، وتكسُوها إذا اكتسيتَ. الحديثَ، وتقدَّمَ في عشرةِ النساءِ) بتمامِهِ ونسبَهُ إلى أحمدَ وأبي داودَ والنسائيَّ وابنِ ماجهْ وأنهُ علَّقَ البخاريُّ بعضَه وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ.\n_________\n(^١) قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٠٦) رقم (١٢١٧): \"قال أبي: نحن نأخذ بهذا في نفقة ما مضى\" اهـ.\n(^٢) في صحيحه رقم (١٦٦٢).\n(^٣) تقدم تخريجه من كتابنا هذا برقم (٦/ ٩٥٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"6","page":280},{"text":"٥/ ١٠٧٣ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: في حَدِيثِ الْحَجِّ بطُولِهِ، قَالَ في ذِكْرِ النِّسَاءِ: \"وَلَهُنَّ عَلَيكُمْ رِزْقُهُن وَكِسْوَتُهُن بِالمَعْرُوفِ\" أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ في حديثِ الحجِّ بطولِهِ قالَ في ذِكْرِ النساء: ولهنَّ عليكمْ رزْقُهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف. أخرجَه مسلمٌ) وهوَ دليل على وجوبِ النفقة والكسوةِ للزوجةِ كما دلتْ لهُ الآيةُ وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ. وقدْ تقدَّم تحقيقُه وقولُه بالمعروفِ إعلامٌ بأنهُ لا يجبُ إلا ما تُعُورِفَ منْ إنفاقِ كل على قدْرِ حالِه كما قالَ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ (^٢)، ثمَّ الواجبُ لها طعامٌ مصنوعٌ لأنه الذي يصدقُ عليهِ أنهُ نفقةٌ ولا تجبُ القيمةِ إلَّا برِضَا مَنْ يجبُ عليهِ الإنفاقُ. وقدْ طوَّلَ ذلكَ ابنُ القيِّم (^٣) واختارهُ وهوَ الحقُّ فإنهُ قالَ ما لفظُه: وأما فرضُ الدراهمِ فلا أصْلَ لهُ في كتابِ اللَّهِ تعالَى ولا سنةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -[ولا روي] (^٤) عنْ أحدِ منَ الصحابةِ ألبَتةَ ولا التابعينَ ولا تابعيهِمْ ولا نصَّ عليهِ أحدٌ منَ الأئمةِ الأربعةِ ولا غيرِهم منْ أئمةِ الإسلامِ واللَّهُ تعالَى أوجبَ نفقةَ الأقاربِ والزوجاتِ والرقيقِ بالمعروفِ، وليسَ منَ المعروفِ فرضُ الدراهمِ بلِ المعروفُ الذي نصَّ عليهِ الشرعُ أنْ يكسُوَهم مما يَلْبَسُ ويُطْعِمُهم مما يأكلُ، ولَيْسَتِ الدراهمُ منَ الواجبِ ولا عوضِه ولا صحَّ الاعتياضُ عمَّا لم يستقرَّ ولم يُمْلَكْ فإنَّ نفقةَ الأقاربِ والزوجاتِ إنَّما تجبُ يومًا [فيومًا] (^٥) ولوْ كانتْ مستقرةً لم تصحُّ المعارضةُ عنْها بغيرِ رِضا الزوجِ والقريبِ، فإنَّ الدراهمَ تُجْعَلُ عِوَضًا عن الواجبِ الأصليِّ وهوَ إما البرُّ عندَ الشافعيِّ أو المُقتاتُ عندَ الجمهورِ، فكيفَ يجبرُ على المعاوضةِ على ذلكَ بدراهمَ منْ غيرِ رِضَا ولا إجبارِ الشرعِ لهُ على ذلكَ، هذا مخالفٌ لقواعدِ الشرعِ ونصوصِ الأئمةِ ومصالحِ العبادِ. ولكنْ إنْ اتفقَ المنفِقُ والمنفَقُ عليهِ جازَ باتفاقِهِمَا. على أن في اعتياضِ الزوجةِ عن النفقةِ الواجبةِ لها نزاع معروف في مذهبِ الشافعي وغيرهِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٢١٨).\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٧.\n(^٣) في \"الهدي النبوي\" (٥/ ٤٩٠ - ٥٠٢).\n(^٤) في (ب): \"ولا\".\n(^٥) في (ب): \"فيوم\".","vol":"6","page":281},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1103>وجوب النفقة على الإنسان لمن يقوته</span>\n٦/ ١٠٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَفَى بِالمرءِ إثمًا أن يُضَيِّعَ مَن يَقوتُ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١). [صحيح]\nوهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (^٢) بلَفْظِ: \"أن يَحبِسَ عمَّنْ يَملِكُ قُوتَهُ\". [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ - ﵁ - قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: كفى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يقوتُ. رواهُ النسائيُّ. وهوَ عندَ مسلمٍ بلفظِ: أنْ يحبسَ عمن يملكُ قوتَهُ). الحديثُ دليل على وجوبِ النفقةِ على الإنسانِ لمنْ يقوتُهُ فإنهُ لا يكونُ آثِمًا إلا على تَرْكه [ما] (^٣) يجبُ عليهِ. وقدْ بُولِغَ هُنا في إثْمِهِ بأنْ جَعَلَ ذلكَ الإثمَ كافيًا في هلاكِهِ عنْ كلِّ إثْمٍ سواهُ. والذينَ يقوتُهم ويملكُ قوتَهم همُ الذينَ يجبُ عليهِ إنفاقهم وهمْ أهلُه وأولادُه وعبيدُه على ما سلَفَ تفصيلُه. ولفظُ مسلمٍ خاصٌّ بقوتِ المماليكِ ولفظُ النسائيِّ عامٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1104>نفقة المتوفى عنها زوجها</span>\n٧/ ١٠٧٥ - وَعَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ - في الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا - قَالَ: \"لَا نَفَقَةَ لَهَا\". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (^٤)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ. [موقوف]\n- وثَبَتَ نَفْيُّ النَّفَقَةِ في حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - ﵂ - كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"عشرة النساء\" رقم (٢٩٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٦٠ و١٩٤)، والحاكم (١/ ٤٥١)، وأبو نعيم (٧/ ١٣٥) من طرق عن سفيان الثوري، به.\nوأخرجه الطيالسي رقم (٢٢٨١)، والحميدي رقم (٥٩٩)، وأحمد (٢/ ١٩٣ و١٩٥)، والنسائي في \"عشرة النساء\" رقم (٢٩٣)، والحاكم (٤/ ٥٠٠)، والبيهقي (٧/ ٤٦٧)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (١٤١١) و(١٤١٢) و(١٤١٣)، والبغوي في شرح السنة\" (٢٤٠٤) من طرق عن أبي إسحاق، به.\nوهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٩٩٦).\n(^٣) في (ب): \"لما\".\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٣٠) رجاله ثقات لكن قال البيهقي: المحفوظ وقفه.\n(^٥) في صحيحه رقم (١٤٨٠).","vol":"6","page":282},{"text":"(وعنْ جابرٍ يرفعُه في الحاملِ المتوفَّى عنْها زوجُها قالَ: لا نفقةَ لها. أخرجَهُ البيهقيُّ ورجالُه ثِقَاتٌ لكنْ قالَ: المحفوظُ وقْفُهُ. وثبتَ نَفْيُ النفقةِ في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ كما تقدَّمَ. رواهُ مسلمٌ). وتقدَّمَ أنهُ في حقِّ المطلَّقةِ بائِنًا وأنهُ لا نفقةَ لها وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، والكلامُ هُنَا في نفقة المتوفَّى عنْها [زوجُها] وهذ المسئلةُ فيها خلافٌ. ذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنَّها لا تجبُ النفقةُ للمتوفَّى عنْها سواءٌ كانتْ حاملًا أو حائلًا، أما الأُولى فَلِهَذَا النصِّ، وأما الثانيةُ فبطريقِ الأولَى. وإلى هذَا ذهبتِ الشافعيةُ والحنفيةُ والمؤيِّدُ لِهذَا الحديثِ، ولأنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّةِ ووجوبُ التربُّصِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا لا يوجبُ النفقةَ. وذهبَ آخرونَ منْهم الهادي إلى وجوبِ النفقةِ لها مستدلِّينَ بقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ (^١)﴾] (٢).\nقالُوا: ونسخُ المدةِ منَ الآيةِ لا يوجبُ نسخَ النفقةِ، ولأنَّها محبوسةٌ بِسَبَبِهِ فتجبُ نفقتُها. وأُجِيْبَ بأنَّها كانتْ تجبُ النفقةُ بالوصيةِ كما دلَّ لها قولُه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (^٢)، فنسخت الوصية بالمتاع إما بقولِه تعالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٣)، وإما بآيةِ المواريثِ (^٤)، وإما بقولِ - ﷺ -: \"لا وصيةَ لوارثٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٤) سورة النساء: الآيتان ١١، ١٢.\n(^٥) وهو حديث صحيح. ورد من حديث \"عمرو بن خارجة\" و\"أبي أمامة\" و\"ابن عباس\" و\"عبد الله بن عمرو\" و\"جابر\" و\"علي\" و\"أنس\".\n• أما حديث عمرو بن خارجة فقد أخرجه أحمد (٤/ ١٨٦، ١٨٧)، وابن ماجه رقم (٢٧١٢)، والنسائي (٦/ ٢٤٧)، والترمذي رقم (٢١٢١)، والدارقطني (٤/ ١٥٢ رقم ١٠)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، والطيالسي رقم (١٢١٧)، والدارمي (٢/ ٤١٩). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: في سنده شهر بن حوشب ضعيف لسوء حفظه إلا أن الحديث الصحيح بشواهده.\n• وأما حديث أبي أمامة فقد أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٧)، وأبو داود رقم (٢٨٧٠)، وابن ماجه رقم (٢٧١٣)، والترمذي رقم (٢١٢٠)، والطيالسي رقم (١١٢٧)، والبيهقي (٦/ ٢٦٤)، والدولابي في \"الكنى\" (١/ ٦٤)، وسعيد بن منصور (١/ ١٢٥ رقم ٤٢٧). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: في سنده إسماعيل بن عياش وهو قوي إذا روى عن الشاميين، وهذا الحديث من روايته عنهم لأنه رواه عن (شرحبيل بن مسلم) وهو شامي ثقة، وقد حسنه الحافظ في =","vol":"6","page":283},{"text":"وأما قولُه تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (^١) فإنَّها واردةِ في المطلَّقاتِ فلا [يتناول] (^٢) المتوفَّى عنْها. وفي سُنَنِ أبي داود (^٣) منْ حديثِ ابن عباسٍ أنَّها نُسِخَتْ آيةُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (^٤) بآيةِ [المواريث] (^٥) بما فرضَ اللَّهُ لهنَّ منَ الرُّبُعِ والثُّمنُ، ونُسِخَ أجلُ الحوْلِ بأنْ جُعِلَ أجلُها أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، وأما ذِكْرُ المصنفِ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ هنا فكأنهُ يريدُ أن البائنَ والمتوفَّى عنْها حُكمُهُما واحدٌ بجامعِ البينونَةِ والحلِّ للغيرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1105>دليل على وجوب الإنفاق على الزوجة والمملوك والولد</span>\n٨/ ١٠٧٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n_________\n= \"التلخيص\" (٣/ ٩٢) أيضًا.\n• أما حديث ابن عباس فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧ رقم ٩٨) وقال ابن حجر: رجاله ثقات. ولفظه: \"لا تجوز وصية لوارث إلا أن تشاء الورثة\".\n• وأما حديث عبد الله بن عمرو فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٨ رقم ٩٣) وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٨١٧) وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٩٢): إسناده واه.\n• وأما حديث جابر فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧ رقم ٩٠)، وفي سنده ضعف.\n• وأما حديث علي فقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٩٧ رقم ٩١)، وفي سنده ضعف.\n• وأما حديث أنس فقد أخرجه ابن ماجه رقم (٢٧١٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠ رقم ٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، وهو حديث صحيح.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٢) في (ب): \"نتناول\".\n(^٣) • وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٨١) من طريق ابن سيرين عن ابن عباس.\nوهذا إسناد رجاله ثقات غير أنه منقطع، ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس.\n• وأخرجه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٤١٤) من طريقين: عن حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس. الثاني: عن عثمان بن عطاء عن عطاء الخراساني عن ابن عباس.\nقلت: إسناد الطريقين ضعيف جدًّا، عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس. وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني. وكذلك متابعة عثمان بن عطاء لابن جريج ضعيفة لا تصلح للمتابعة.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(^٥) في (ب): \"الميراث\".","vol":"6","page":284},{"text":"\"اليَدُ الْعُلْيَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى وَيبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي أوْ طَلِّقْنِي\"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (^١)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [صحيح بطرقه]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: اليدُ العُلْيَا خيرٌ منَ اليدِ السُّفلَى) تقدَّمَ تفسيرُهما (ويبدأ) أي بالبرّ والإحسانِ (أحدُكم بمنْ يعُولُ، تقولُ المرأة أطْعَمْني أو طلِّقْني. رواهُ الدارقطنيُّ وإسنادُه حسنٌ) أخرجَهُ منْ طريقِ عاصمٍ عنْ أبي صالحٍ عنْ أبي هريرةَ إلَّا أن في حِفْظِ عاصمٍ شيئًا. وأخرجَهُ البخاريُّ (^٢) موقُوفًا على أبي هريرة. وفي روايةِ الإسماعيليِّ قالُوا: يا أبا هريرة شيءٌ تقولُهُ عنْ رَأيِكَ أوْ عنْ قولِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ قالَ: هذَا منْ كِيْسي إشارةً إلى أنهُ من استنباطِهِ، هكَذَا قالَهُ الناظرونَ في الأحاديثِ، والذي يظهرُ بلْ ويتعيَّنُ أن أبا هريرةَ قالَ لهمْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ثمَّ قالُوا هذا شيءٌ تقولُه عنْ رَأيِكَ أوْ عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أجابَ بقولِه: مِنْ كيسي جوابَ المتهكمِ بهمْ لا مخبرًا أنهُ لمْ يكنْ عن رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وكيفَ يصح حَمْلُ قولِه منْ كيسِ أبي هريرةَ على أنهُ أرادَ بهِ الحقيقةَ وقدْ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فينسبُ استنباطُه إلى قولِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وهلْ هذَا إلا كذبٌ منهُ على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وحاشا أبا هريرةَ منْ ذلكَ فهوَ منْ رُوَاةِ حديثِ: \"مَنْ كَذَبَ عَليَّ متعمِّدًا فَليتبوأُ مقعدَهُ منَ النارِ\" (^٣)، فالقرائنُ واضحةٌ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٢٩٧ رقم ١٩١) بلفظ: \"المرأة تقول: أطعمني أو طلقني، ويقول عبده: أطعمني واستعملني، ويقول ولده: إلى من تكلنا\". وتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٠١) بقوله: \"لا حجَّة فيه، لأن في حفظ عاصم شيئًا\" اهـ.\n• وأخرجه البيهقي (٧/ ٤٧٠)، وابن حبان رقم (٣٣٦٣ - الإحسان) من طريق إسحاق بن منصور، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح عن أبي هريرة.\n• وأخرجه أحمد (٢/ ٤٧٦، ٥٢٤)، والبخاري رقم (٥٣٥٥)، والبيهقي (٧/ ٤٦٦ و٤٧١) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح، به.\n• وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٨، ٤٠٢)، والبخاري رقم (١٤٢٦) و(٥٣٥٦)، والنسائي (٥/ ٦٩)، والبيهقي (٤/ ١٨٠)، من طرق عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٤٢٨).\n(^٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١/ ١٠ رقم ٣/ ٣)، من حديث أبي هريرة.\nوالحديث متواتر ورد عن (٧٨) صحابي، انظر: \"قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة\" للسيوطي (ص ٢٣ - ٢٧).","vol":"6","page":285},{"text":"[أن] (^١) لم يردْ أبو هريرةَ إلَّا التهكُّمَ بالسائلِ، ولذَا قُلْنَا إنهُ يتعينُ أن هذَا مرادُه. والذي أَتَى بهِ المصنفُ من الرواية بعضُ حديثه، على أنهُ فسَّر قوله: مِنْ كيسِ أبي هريرة، أي منْ حِفْظ، وعبَّرَ عنهُ بالكيسِ إشارةً إلى ما في صحيح البخاريِّ (^٢) وغيرِهِ منْ أنهُ بسطَ ثوبَهُ أو نَمِرَةً كانتْ عليهِ فأملاهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - حديثًا كثيرًا ثمَّ لفَّهُ فلم ينسَ منهُ شيئًا، كأنهُ يقولُ ذلكَ الثوبُ صارَ كيْسًا، وأشرْنا لكَ إلى أنهُ لم يأتِ المصنفُ بحديثِ أبي هريرةَ تامًّا وتمامُه في البخاريِّ: \"ويقولُ العبدُ أطْعِمْنِي واستعْمِلْني\"، وفي روايةِ الإسماعيليِّ: \"ويقولُ خادمكُ أطعمني وإلَّا بِعْني، ويقولُ الابنُ: إلى مَنْ تَدَعُني؟ \"، والكلّ دليلٌ على وجوب الإنفاقِ على مَنْ ذُكِرَ منَ الزوجةِ والمملوكِ والولدِ، وقدْ تقدَّم ذلكَ ودلَّ [عليهِ] (^٣) أنهُ يجبُ نفقةُ العبدِ وإلَّا بيعُه، وإيجابُ نفقةِ الولدِ على أبيهِ وإن كان كبيرًا. قالَ ابنُ المنذرِ: اختُلِفَ في نفقةِ مَنْ بلغَ منَ الأولادِ ولا مالَ لهُ ولا كسْبَ، فأوجبَ طائفةٌ النفقةَ لجميعِ الأولادِ أطفالًا كانُوا أو بالغينَ، إناثًا أو [ذكورًا] (^٤) إذا لم يكنْ لهمْ أموالٌ يستغنونَ بها عن الآباءِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن الواجبَ الإنفاقُ عليهم إلى أن يبلغَ الذَّكرُ وتتزوَّجَ الأنْثَى، ثمَّ لا نفقةَ على الأبِ إلَّا إذا كانُوا زُمْنَى، فإنْ كانتْ لهمْ أموالٌ فلا وجُوبَ على الأبِ. واستُدِلَّ على أن [الزوجة] (^٥) إذا أعسرَ زوجُها بنفقتِها طُلِبَ الفراقُ، ويدلُّ له قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>إيجاب مفارقة الزوجة إذا لم يقدر الزوج على الإنفاق</span>\n٩/ ١٠٧٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ - فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ - قَالَ: \"يُفَرَّقُ بَينَهُمَا\". أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ (^٦) عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبي الزَّنَّادِ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ. وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ. [مرسل قوي]\n_________\n(^١) في (ب): \"أنَّه\".\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١١٩).\n(^٣) في (ب): \"على\".\n(^٤) في (ب): \"ذكرانًا\".\n(^٥) في (ب): \"للزوجة\".\n(^٦) وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٦٥ رقم ٢١٢)، وقال الشافعي - ﵁ -: والذي يَشبهُ قولُ سعيد بن المسيب سنة أن يكون سنة رسول الله - ﷺ -.\nوالخلاصة: أن الحديث مرسل قوي.","vol":"6","page":286},{"text":"(وعنْ سعيدِ بن المسيبِ - ﵁ - فِي الرَّجلِ لا يجدُ ما ينفق على أهلِه قالَ: يفرَّق بينَهما. أخرجَه سعيدُ بن منصورٍ عنْ سفيانَ عنْ أبي الزنادِ عنه - ﵁ - قالَ: قلت لسعيدِ بن المسيَّبِ: سنةٌ؟ قالَ: سنَّةٌ. وهذا مرسَلٌ قويٌّ)، ومراسيلُ سعيدٍ معمولٌ بها لما عُرِفَ أنهُ لا يُرْسِلُ إلَّا عنْ [عدل] (^١). قالَ الشافعيُّ: والذي يُشْبِهُ أنْ يكونَ قولُ سعيدٍ سنَّةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وأما قولُ ابنُ حزمٍ (^٢): لعلَّه أراد سنَّةَ عمرَ فإنَّهُ خلافُ الظاهرِ، وكيفَ يقول له [القائل] (^٣) سنةٌ ويريدُ سؤالَه عنْ سُنَّة عمرَ - ﵁ - هذا مما لا ينبغي حملُ الكلامِ عليه، وهلْ سألَ السائلُ إلَّا عنْ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. وإنَّما قالَ جماعة إنهُ إذا قالَ الراوي منَ السنَّةِ فإنهُ يُحْتَمَلُ أنْ يريدَ سُنَّةَ الخلفاءِ إذا قال من السنة كذا، وأما بعدَ سؤالِ الراوي فَلَا يريدُ السائلُ إلَّا سنَّةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ولا يجبُ المجيبُ إلا عنْها لا عنْ سنةِ غيرِه، لأنهُ إنَّما [يسأل] (^٤) عما هوَ حُجَّةٌ وهوَ سنَّتُهُ - ﷺ -. وقدْ أخرجَ الدارقطني (^٥) والبيهقي (^٦) منْ حديثِ أبي هريرةُ مرفُوعًا بلفظِ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"في الرجلِ لا يجدُ ما ينفقُ على امْرأَتِهِ قالَ: يُفَرَّقُ بينَهما\". وأما دعوى المصنِّفِ أنهُ وَهِمَ الدارقطنيُّ فيهِ، وتبعَهُ البيهقي على الوهْم فهوَ غيرُ صحيح، وقدْ حقَّقْنَاهُ في \"حواشي ضوءِ النهارِ\" (^٧)، وسيأتي كتابُ عمرَ إلى أَمراءِ الأجنادِ (^٨) في أنَّهم يأخذونَ على مَنْ عندَهم مِنَ الأجنادِ أنْ يُنْفقُوا أو يطلِّقُوا. وقدِ اختلفَ العلماءُ في هذا الحكمِ وهو فسخُ الزوجيَّةِ عندَ إعسارِ الزوج على أقوالٍ:\nالأول: ثبوتُ الفسخِ وهوَ مذهبُ عليٍّ وعمرَ وأبي هريرةَ وجماعةٍ منَ التابعينَ ومنَ الفقهاءِ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ (^٩)، وقال بهِ أهلُ الظاهر (^١٠) مستدلِّينَ بما ذُكِرَ وبحديثِ: \"لا ضَررَ ولا ضِرارَ\" (^١١)، وتقدَّمَ تخْريجُهُ وبأنَّ النفقةَ في مقابلِ\n_________\n(^١) في (ب): \"ثقة\".\n(^٢) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٩٥).\n(^٣) في (ب): \"السائل\".\n(^٤) في (ب): \"سأل\".\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٢٩٧ رقم ١٩٤).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٦٦).\n(^٧) (٣/ ١٠٨٥ - ١٠٨٧).\n(^٨) سيأتي تخريجه رقم (١٠/ ١٠٧٨) من كتابنا هذا.\n(^٩) انظر: \"المغني\" (١١/ ٣٦١).\n(^١٠) في \"المحلَّى\" (١٠/ ٩٥) لابن حزم الظاهري اختيار عدم الفسخ.\n(^١١) تقدم تخريجه أثناء شرح الحديث رقم (١٤/ ١٠٥٢) من كتابنا هذا.","vol":"6","page":287},{"text":"الاستمتاعِ، بدليلِ أن الناشِزَ لا نفقةَ لها عندَ الجمهورِ فإذا لم تجبِ النفقةُ سقطَ الاستمتاعُ فوجبَ الخيارُ للزوجةِ، وبأنَّهم أوْجَبُوا على السيِّدِ بيعَ مملوكِهِ إذا عَجزَ عنْ إنفاقِهِ فإيجابُ فِرَاقِ الزوجةِ أَوْلَى؛ لأنَّ كَسْبَها ليسَ مستَحقًا للزوجِ كاستحقاقِ السيِّد لكسبِ عبدِهِ، وبأنهُ قدْ نقلَ ابنُ المنذرِ إجماعَ العلماءِ على الفسخِ بالعِنَّةِ. والضررُ الواقعُ منَ العجزِ عن النفقةِ أعظمُ منَ الضررِ الواقعِ بكونِ الزوجِ عَنّينًا، ولأنه تعالى قالَ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ (^١) وقالَ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٢)، وأيُّ إمساكٍ بمعروفٍ وأيُّ ضررٍ أشدُّ منْ تركِها بغيرِ نفقةٍ.\nوالثاني: ما ذهبَ إليهِ الهادويةُ والحنفيةُ وهوَ قولٌ للشافعيّ أنهُ لا فَسْخَ بالإعسارِ عن النفقةِ (^٣) مستدلّينَ بقولِه تعالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ (^٤)، قالُوا: وإذا لم [يكلف] (^٥) اللَّهُ [الزوج] (^٦) النفقةَ في هذا الحالِ فقدْ تركَ ما لا يجبُ عليهِ ولم يأثمُ بتركِهِ فلا يكونُ سببًا للتفريقِ بينَه وبينَ سَكَنِهِ، وبأنهُ قد ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ (^٧): \"إنهُ - ﷺ - لما طلبَ أزواجُه منهُ النفقةَ قامَ أبو بكرٍ وعمرُ إلى عائشةَ وحفصةَ فَوَجئا أعناقَهما وكلاهما يقولُ: تسألين رسولَ اللَّهِ - ﷺ - ما ليسَ عندَه - الحديثَ\". قالُوا: فهذَا أبو بكرٍ وعمرُ يضربانِ ابنتيْهِما بحضرتِهِ - ﷺ - لما سأَلَتَاهُ النفقةَ التي لا يجدُها، فلوْ كانَ الفسخُ لَهُمَا وهما طالبتانِ للحقّ لم يقرَّ النبيُّ - ﷺ - الشيخيْنِ على ما فَعَلَا ولَبَيَّنَ أن لهما أنْ تطالبا معَ الإعسارِ حتَّى تثبتَ على تقديرِ ذلكَ المطالبةُ بالفسخ، ولأنهُ كانَ في الصحابةِ المعسرُ بلا ريبٍ ولم يخبرِ النبي - ﷺ - أحدًا منْهم بأنَّ للزوجةِ الفسخَ ولا فسخَ أحد. قالُوا: ولأنَّها لو مرضتِ الزوجةُ وطالَ مرضُها حتَّى تعذَّرَ على الزوجِ جِمَاعُها لوجبتْ نفقتُها ولم يمكَّنْ منَ الفسخِ وكذلكَ الزوجُ. فدلَّ أن الإنفاقَ ليسَ في مقابلةِ الاستمتاعِ كما قلتُم، وأما حديثُ أبي هريرةَ فقدْ بيَّنَ أنه\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.\n(^٣) انظر: \"البحر الزخار\" (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧).\n(^٤) سورة الطلاق: الآية ٧.\n(^٥) في (ب): \"يكلفه\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) رقم (٢٩/ ١٤٧٨) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"6","page":288},{"text":"منْ كِيسِهِ وحديثُه الآخرُ لعلَّه مثلُه وحديثُ سعيدٍ مرسَلٌ. وأُجِيبَ بأنَّ الآيةَ إنَّما دلَّتْ على سقوطِ الوجوبِ على الزوجِ وبهِ نقولُ. وأما الفسخُ فهوَ حقٌّ للمرأةِ تُطَالِبُ بهِ وبأنَّ قصةَ أَزْوَاجِهِ - ﷺ - وضَرْبَ أبي بكرٍ وعمرَ إلى آخرِ ما ذكرتُمْ هي كالآيةِ دلَّتْ على عدمِ الوجوبِ عليهِ - ﷺ - وليسَ فِيهِ أنهنَّ سَأَلْنَ الطلاقَ أوِ الفسْخِ، ومعلومٌ أنهنَّ لا يسمحْنَ بِفِرَاقِهِ فإنَّ اللَّهَ تعالَى قدْ خَيَّرَهُنَّ فاخترنَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - والدار الآخرةَ فلا دليلَ في القصةِ، وأما إقرارُه لأبي بكرٍ وعمرَ على ضرْبِهمَا فَلمَا عُلِمَ منْ أن للآباءِ تأديبَ الأبناءِ إذا أَتَوْا ما لا ينبغي، ومعلومٌ أنهُ - ﷺ - لا يفرِّطُ فيما يجبُ عليهِ منَ الإنفاقِ فلعلَّهُنَّ طَلَبْنَ زيادةً على [الواجب] (^١) فتخرجُ القصةُ عنْ محلِّ النزاعِ بالكليةِ، وأما المعسرونَ منَ الصحابةِ فلمْ يُعْلَمْ أن امرأةً طَلَبَتِ الفسخَ أوِ الطلاقِ لإعسارِ الزوجِ بالنفقةِ ومنْعَها عنْ ذلكَ حتَّى تكونَ حُجَّةً بلْ كانَ نساءُ الصحابةِ كرجالهم يَصْبِرْنَ علَى ضَنْكِ العيشِ وتعسُّرِهِ كما قالَ مالكٌ: إنَّ نساءَ الصحابةِ كُنَّ يُرِدْنَ الآخرةَ وما عندَ اللَّهُ تعالَى ولم يكنْ مرادُهنَّ الدنيا ولم يكنَّ يبالينَ بعسرِ أَزْوَاجِهنَّ، وأما نساءُ اليومِ فإنَّما يتزوَّجْنَ رجاءَ الدنيا منَ الأزواجِ والكسوةِ والنفقةِ. وأما حديثُ ابن المسيّب فقدْ عرفتَ أنهُ منْ مراسيلِهِ وأئمةُ العلمِ يَختارُونَ العملَ بها كما سلف (^٢) [وهو] (^٣) موافقٌ لحديثِ أبي هريرةَ المرفوعِ الذي عاضدَه مرسلُ سعيدٍ، ولوْ فُرِضَ سقوطُ حديثِ أبي هريرةَ لكان فيما ذكرنَا غُنْيَةٌ عنْهُ.\nوالقولُ الثالثُ: أنهُ يُحْبَسُ الزوجُ إذا أَعْسَرَ بالنفقةِ حتَّى يجدَ ما ينفقُ وهوَ قولُ العنبريِّ (^٤). وقالتِ الهادويةُ: يُحْبَسُ للتكسُّبِ، والقولانِ مشكلانِ لأنَّ الواجب إنما هوَ الغَدَاءُ في وقْتِهِ والعشاءُ في وقْتِهِ فهوَ واجبٌ في وقْتِهِ، فالحبْسُ إنْ كانَ في خلالِ وجوبِ الواجب فهوَ مانعٌ [منهُ] (^٥) فيعودُ على الغرضِ المرادِ بالنقضِ، وإنْ كانَ قبلَه فلا وجوبَ، فكيفَ يُحْبَسُ لغيرِ واجبٍ؟ وإنْ كانَ بعدَه\n_________\n(^١) في (ب): \"ذلك\".\n(^٢) خلافًا لابن حزم في \"المحلَّى\" (١٠/ ٩٥ - ٩٧).\n(^٣) في (ب): \"فهو\".\n(^٤) هو: أبو الهزيل، زفر بن الهزيل بن قيس العنبري، صاحب أبي حنيفة. وكان حافظًا، ثقة، توفي سنة (١٥٨) هـ. الجواهر المضية (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٩).\n(^٥) في (ب): \"عنه\".","vol":"6","page":289},{"text":"صارَ كالدَّيْنِ، ولا يُحْبَسُ لهُ معَ ظهورِ الإعسارِ اتفاقًا. وفي هذهِ المسألةِ قالَ محمدُ بنُ داودَ لامرأةٍ سألتْه عنْ إعْسارِ زوجِها فقالَ: ذهبَ ناسٌ إلى أنهُ يكلَّفُ السعيَ والاكتسابَ، وذهبَ قومٌ إلى أنها تُؤمَرُ المرأةُ بالصَّبْرِ والاحتسابِ، فلم تفهمْ منهُ الجوابَ فأعادتِ السؤالَ وهوَ يجيبُها ثمَّ قالَ: يا هذهِ قدْ أجبتُكِ ولستُ قاضيًا فأقضي، ولا سُلْطَانًا فأمضي، ولا زَوْجًا فأُرْضِي. وظاهرُ كلامِه، الوقفُ [في هذهِ المسألةِ] (^١) فيكونُ قولًا رابعًا.\nالقولُ الخامسُ: أن الزوجةَ إذا كانتْ موسِرَةً وزوجُها معسرٌ كُلِّفَت الإنفاقَ على زوجِها ولا ترجعُ عليهِ إذا أيسرَ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (^٢)، وهوَ قولُ [أبي محمدِ] (^٣) ابن حزمٍ (^٤). وَرُدَّ بأن الآيةَ سياقها في نفقةِ المولودِ الصغيرِ ولعلَّهُ لا يرى التخصيصَ بالسياقِ.\nالقولُ السادسُ: لابنِ القيِّم (^٥) وهوَ أن المرأةَ إذا تزوَّجته عالمةً بإعسارهِ أوْ كانَ موسِرًا ثمَّ أصابتْه جائحةٌ فإنهُ لا فسخَ لها وإلا كانَ لها الفسخُ. وكأنهُ جعلَ عِلْمَها رِضَا [بإعساره] (^٦) ولكنْ حيثُ كانَ موسِرًا عندَ تزوجِهِ ثم أعسرَ للجائحةِ لا يظهرُ وجْهُ عدمِ ثبوتِ الفسخِ لها. إذا عرفتَ هذهِ الأقوالَ عرفتَ أن أَقْواها دليلًا وأكثرَها قائلًا هوَ القولُ الأولُ. وقدِ اختلَفَ القائلونَ بالفسخِ في تأجيلهِ بالنفقةِ، فقالَ مالكٌ: يُؤَجَّلُ شهرًا، وقالَ الشافعيُّ: ثلاثةَ أيامٍ، وقالَ حمادُ: سنةً، وقيلَ: شَهْرًا أوْ شَهْرَيْنِ.\nقلت: ولا دَلِيلَ على التعيينِ بلْ ما يحصلُ بهِ التضررُ الذي يُعْلَمُ، ومَنْ قالَ: إنهُ يجبُ عليهِ التطليقُ قالَ: ترافِعُهُ الزوجةُ إلى الحاكمِ لينفقَ أو يطلِّقَ، وعلى القولِ بأنهُ فسخٌ ترافعُهُ إلى الحاكمِ ليثبتَ الإعسارَ ثمَّ تفْسَخُ هيَ، وقيلَ ترافعُه إلى الحاكمِ فيجبره على الطلاقِ أو يفسخَ عليهِ أو يأذنَ لها في الفسخِ؛ فإنْ فسخَ أو أذِنَ في الفسْخِ فهو فسخٌ لا طلاقٌ ولا رجعةَ له، وإنْ أيسرَ في العدَّةِ فإنْ طلَّقَ كانَ طلاقه رجعيًا له فيهِ الرجعةُ، واللَّهُ أعلم.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"المحلى\" (١٠/ ٩٢).\n(^٥) في \"زاد المعاد\" (٥/ ٥٢١).\n(^٦) في (ب): \"بعسرته\".","vol":"6","page":290},{"text":"١٠/ ١٠٧٨ - وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أمَرَاءِ الأجْنَادِ في رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهمْ: أنْ يَأخُذُوهُمْ بِأنْ يُنْفِقُوا أوْ يُطَلِّقُوا. فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا، أخْرَجَهُ الشَّافِعي (^١) ثُمَّ الْبَيْهَقيُّ (^٢) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [إسناده حسن]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - أنه كَتَبَ إلى أفراءِ الأجنادِ في رجالٍ غابوا عنْ نسائِهم أنْ يأخذوهم بأنْ ينفقُوا أو يطلِّقوا، فإنْ طلَّقوا بعثُوا بنفقةِ ما حبسُوا. أخرجَهُ الشافعيُّ ثمَّ البيهقي بإسنادٍ حسنٍ). تقدَّم تحقيقُ وجْهِ هذا الرأي منْ عمرَ وأنهُ دليل على أنها عندَه لا تسقطُ النفقةُ بالمطلِ في حقِّ الزوجةِ، وعلى أنهُ يجبُ أحدُ الأمريْنِ على الأزواجِ: إما الإنفاقُ أوِ الطلاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1107>الترغيبُ في الإنفاق وعدم الادخار</span>\n١١/ ١٠٧٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: \"أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: \"أنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: \"أنْفِقْهُ علَى أهْلِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: \"أنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: \"أَنْتَ أَعْلَمُ\". أَخْرَجَهُ الشَّافِعي (^٣) وَأَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ (^٥) وَالْحَاكِمُ (^٦) بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ. [حسن]\n_________\n(^١) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٦٥).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٤٦٩).\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٩٣، ٩٤). وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٢١٤) وهو حسن الإسناد.\n(^٣) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٦٩١).\n(^٥) في \"السنن\" (٥/ ٦٢).\n(^٦) في \"المستدرك\" (١/ ٤١٥). وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥١ و٤٧١)، والبيهقي (٧/ ٤٦٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٦٨٥) و(١٦٨٦)، والحميدي رقم (١١٧٦)، وابن حبان رقم (٨٢٨ - موارد). وغيرهم.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم.","vol":"6","page":291},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أنهُ جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ اللهِ عندي دينارٌ، قالَ: أنفقْهُ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على ولدِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على أهلِكَ، قالَ: عندي آخَرُ، قالَ: أنفقْهُ على خادِمكَ، قَالَ: عندي آخرُ، قال: أنتَ أعلمُ. أخرجَهُ الشافعيُّ واللفظُ لهُ، وأبو داودُ، [وأخرجَه] (^١) النسائيُّ والحاكمُ بتقديمِ الزوجةِ على الولدِ).\nوفي صحيح مسلمٍ (^٢) منْ روايةِ جابرٍ بتقديمِ الزوجةِ على الولدِ منْ غيرِ تردُّدٍ، وقالَ المصنفُ: قالَ ابنُ حزمٍ (^٣): اختلفَ على يحيى القطانِ الثوري، فقدَّمَ يحيى الزوجةَ على الولدِ، وقدَّمَ سفيانُ الولدَ على الزوجةِ، فينبغي أنْ لا يقدّمَ أحدُهما علَى الآخرِ بلْ يكونانِ سواءً لأنهُ قدْ صحَّ أنهُ - ﷺ - كانَ إذا تكلَّمَ تكلّمَ ثلاثًا، فيحتملُ أنْ يكونَ في إعادتِه إياه قدَّمَ الولدَ مرةً ومرةً قدَّمَ الزوجةَ فصارا سواءً.\nقلتُ: هذا حملٌ بعيدٌ، فليسَ تكريرُه - ﷺ - لما يقولُه ثلاثًا بمطَّرِدٍ بلْ عدمُ التكريرِ [هو الغالب] (^٤)، وإنَّما يكرِّرُ إذا لم يُفهمْ عنهُ، ومثلُ هذا الحديثِ جوابُ سؤالٍ لا يجري فيهِ [التكرار] (^٥) لعدمِ الحاجةِ إليهِ لِفَهْم السائلِ للجوابِ، ثمَّ روايةُ جابرٍ التي لا تردُّدَ فيها تقوي روايةَ تقديمِ الأهلِ. والحديثُ قدْ تقدَّم وفيهِ حث على إنفاقِ الإنسانِ ما عندَه وأنهُ لا يدخرُ لأنهُ قالَ لهُ في الآخرِ بعدَ كفايتِه وكفايةِ مَنْ يجبُ عليهِ: أنتَ أعلمُ، ولمْ يقل ادَّخِرْ لحاجتِكَ، وإنْ كانتْ هذهِ العبارةُ تحتملُ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1108>حق الأم في البر مقدَّم على الأب</span>\n١٢/ ١٠٨٠ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أباكَ ثُمَّ الأقْرَبَ فَالأَقْرَبَ\". أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٧)، وَحَسَّنَهُ. [حسن]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) رقم (٩٩٧) من حديث جابر.\n(^٣) في \"المحلَّى\" (١٠/ ١٠٥).\n(^٤) في (ب): \"غالب\".\n(^٥) في (ب): \"التكرير\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٥١٣٩).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (١٨٩٧) وقال: هذا حديث حسن. =","vol":"6","page":292},{"text":"(وعنْ بَهْزِ) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الهاءِ فزايٍ (ابن حكيمٍ عنْ أبيهِ) حكيمٍ (عنْ جدِّهِ) معاويةَ بن حَيْدَةَ القُشيريُّ (^١) [صحابيٌّ] (^٢) تقدَّمَ ضبطُه.\n(قالَ: قلتُ يا رسولُ اللَّهِ مَنْ أبرُّ؟ قالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: أمَّكَ، قلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قالَ: أباكَ ثمَّ الأقربَ فالأقربَ. أخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ وحسَّنَهُ).\nوأخرجَهُ الحاكمُ (^٣)، وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ وأنه يقتضي تقديمَ الأمِّ بالبرِّ، و[أنها أحق] (^٤) به [من] (^٥) الأبِ.\n* * *\n_________\n= قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٢، ٣، ٤، ٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٣) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٩) و(٨/ ٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٤١٧).\nوهو حديث حسن.\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨٠٨٣)، و\"أسد الغابة\" رقم (٤٩٨٢)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٤٦٣).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ١٥٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه على شرطهما في حكيم بن معاوية عن جده عن أبيه … وقال الذهبي: صحيح.\n(^٤) في (ب): \"أحقيتها\".\n(^٥) في (ب): \"على\".","vol":"6","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1109>[الباب السادس] باب الحِضانة</span>\nبكسرِ الحاءِ المهملةِ، مصدرٌ منْ حضنَ الصبيَّ حَضْنًا وحضانة جعلَه في حِضْنِهِ، أوْ ربَّاهُ فاحتضنَهُ. والحِضْنُ بِكسرِ الحاءِ هُوَ ما دونَ الإبْطِ إلى الكَشْح أو الصَّدْرِ أو العَضُدانِ وما بينَهما، وجانِبُ الشيءِ وناحيتُهُ كما في \"القاموسِ\" (^١)، [وهو] (^٢) في الشرعِ: حفظُ مَنْ لا يستقلُّ بأمرِه وتربيتِهِ ووقايتِه عما يُهْلِكُهُ أو يضرُّهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1110>الأم أحق بحضانة ولدها</span>\n١/ ١٠٨١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي كَانَ بَطْنِي لَهُ وعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي\"، رَوَاهُ أَحْمَدَ (^٣) وَأبُو دَاوُدَ (^٤)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم (^٥). [حسن]\n(وعنْ عبدِ الله بن عمرو) بفتحِ المهملةِ ووقعَ في بعضِ النسخ بضمِّها وهوَ غَلَطٌ (أن امرأة قالتْ: يا رسولَ اللهِ إن ابني هذا كانتْ بطني لهُ وعاء) بكسرِ الواوِ والمدِّ وقدْ يُضَمُّ، ويقالُ: الإعاءُ الظَّرْفُ كما في \"القاموس\" (^٦)، (وثديي لهُ سِقاء)\n_________\n(^١) \"المحيط\" (ص ١٥٣٦).\n(^٢) في (ب): \"و\".\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ١٨٢).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٢٧٦).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٧)، وصحَّحه ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤ - ٥).\nوالخلاصة: فهو حديث حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^٦) في \"القاموس المحيط\" (ص ١٧٣١).","vol":"6","page":294},{"text":"ككساءٍ، جلدُ السخلةِ إذا أجذع يكونُ للماءِ واللبنِ كما [في \"القاموس\" (^١)] (^٢)، (وحِجْرِي) بحاءِ مهملَةٍ [مثلثةٍ] (^٣) فجيمٍ فراءٍ حضنُ الإنسانِ (لهُ حِواءً) بحاءٍ مهملةٍ بزنةِ كساءٍ أيضًا اسمُ المكانِ الذي يحوي الشيءَ أي يضمُّه ويجمعُه (وإن أباهُ طلَّقني وأرادَ أنْ ينزعَه مني، فقالَ لها رسول الله - ﷺ -؛ أنتِ أحقُّ بهِ ما لمْ تَنْكِحِي. رواهُ أحمد وأبو داودَ وصحَّحَة الحاكم).\nالحديثُ دليلٌ على أن الأمَّ أحق بحضانةِ ولدِها إذا أرادَ الأبُ انتزاعَه منْها، وقدْ ذكرتْ هذهِ المرأةُ صفاتٍ [اقتضت اختصاصها] (^٤) بها تقتضي استحقاقَها وأولويَّتَها بحضانةِ ولدِها، وأقرَّها - ﷺ - وحكم لها على ذلك. ففيهِ تنبيه على المعنَى المقْتَضِي للحكمِ وأنَّ العللَ والمعاني معتبرة في إثباتِ الأحكامِ مستقرَّةٌ في الفِطَرة السليمةِ. والحكمُ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ لا خلافَ فيهِ وقَضَى بهِ أبو بكرٍ ثمَّ عمرُ، وقالَ ابنُ عباسٍ: \"ريحُها وفراشُها وحرُّها خيرٌ لهُ منكَ حتَّى يشبَّ ويختارَ لنفسِه\"، أخرجَه عبدُ الرزاقِ في قصةٍ (^٥). ودل الحديثُ على أن الأمَّ إذا نَكَحَتْ سقطَ حقُّها منَ الحضانةِ وإليهِ ذهبَ الجماهيرُ. قالَ ابنُ المنذرِ (^٦): أجمعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفظُ عنهُ [منْ أهلِ] (^٧) العلم، وذهبَ الحسنُ وابنُ حزمٍ (^٨) إلى عدمِ سقوطِ الحضانةِ بالنكاحِ. واستدلَّ بأنَّ أنسَ بنَ مالكٍ كانَ عندَ والدتِه وهيَ مزوَّجةٌ. وكذَا أمُّ سلمةَ تزوجتْ [بالنبيِّ - ﷺ -] (^٩) وبقيَ ولدُها في كَفَالَتِها. وكذَا ابنهُ حمزةَ قَضَى بها النبي - ﷺ - لخالَتِها وهيَ مزوَّجةٌ، قَالَ: وحديثُ ابن عمرٍو المذكورُ فيهِ مقالٌ فإنهُ صحيفةٌ، يريدُ لأنهُ قدْ قيلَ إنَّ حديثَ عمرِو بن [شعيب] (^١٠) عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ صحيفةٌ. وأُجِيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ عمرِو بن [شُعَيْبٍ] (١٠) قَبِلَهُ الأئمةُ وعملُوا بهِ؛ البخاري وأحمدُ وابنُ المديني وإسحاقُ بنُ راهويْهِ وأمثالُهم فلا يُلْتَفَتُ إلى القدْحِ فيهِ، وأما ما احْتُجَّ بهِ فإنهُ لا يتم دليلًا إلَّا معَ طَلَبٍ مَنْ تنتقلُ إليهِ الحضانةُ\n_________\n(^١) في \"القاموس المحيط\" (ص ١٦٧١).\n(^٢) في (ب): \"فيه أيضًا\".\n(^٣) في (ب): \"مثله\".\n(^٤) في (ب): \"اختصت\".\n(^٥) في \"المصنف\" (٧/ ١٥٤ رقم ١٢٦٠١).\n(^٦) في كتابه \"الإجماع\" (ص ٩٩) رقم (٣٩٢ و٣٩٣).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) انظر: \"المحلَّى\" (١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٩).\n(^٩) زيادة من (جـ).\n(^١٠) في (أ): \"سعيد\" وهو خطأ.","vol":"6","page":295},{"text":"ومنازعتِه، وأما معَ عدمِ طلبه فلا نزاعَ في أن للأُمّ المزوَّجَةِ أنْ تقومَ بولدِها، ولم يذكرْ في القصصِ المذكورةِ أنهُ حصلَ نزاعٌ في ذلكَ فلا دليلَ فيما ذكرَهُ على مدَّعاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>الصبي بعد استغنائه بنفسِهِ يخيَّر بين الأم والأب</span>\n٢/ ١٠٨٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِي - ﷺ -: \"يَا غُلامُ، هَذَا أَبوكَ وَهِذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيمَا شِئْتَ\" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (^١) والأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ التّرْمِذِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن امرأة قالتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ زوجي يريدُ أنْ يذهبَ بابني وقد نفعني وسقاني منْ بئرِ أبي عِنبةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ واحدةُ حبَّاتِ العنبِ، فجاءَ زوجُها فقالَ النبي - ﷺ -: يا غلامُ هذا أبوكَ وهذِه أمُّكَ فخذْ بيدِ أيِّهِمَا شِئْتَ، فأخذَ بيدِ أمِّهِ فانطلقتْ بهِ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وصحَّحه ابنُ القطَّانِ. والحديثُ دليلٌ على أن الصبيَّ بعدَ استغنائِه بنفسِه يُخَيَّرُ بينَ الأمِّ والأبِ، واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبَ جماعةٌ قليلةٌ إلى أنهُ يُخَيَّرُ الصبي عملًا بهذَا الحديثِ وهوَ قولُ إسحاقَ بن راهويْهِ، وحدُّ التخييرِ منَ السبْع السنينَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى عدمِ التخييرِ وقالُوا: الأمُّ أَوْلَى بِهِ إلى أَن يستغنيَ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١٣/ ٧٣ رقم ٧٣٤٦) شاكر.\n(^٢) أبو داود رقم (٢٢٧٧)، والترمذي رقم (١٣٥٧)، والنسائي (٦/ ١٨٥ رقم ٣٤٩٦)، وابن ماجه رقم (٢٣٥١).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٦٣٩).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"المشكل\" (٤/ ١٧٦) و(٤/ ١٧٧)، البيهقي (٨/ ٣) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٩٧)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وأخرجه الحميدي في \"المسند\" رقم (١٠٨٣)، والدارمي (٢/ ١٧٠)، وعبد الرزاق رقم (١٢٦١١) و(١٢٦١٢)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٦٢)، وسعيد بن منصور رقم (٢٢٧٥) وابن حبان في \"الموارد\" رقم (١٢٠٠). وابن أبي شيبة (٥/ ٢٣٧)، من طرق وبألفاظ متقاربة.\nوهو حديث صحيح، واللَّهُ أعلم. انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٢٦٩) و\"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٢) و\"الإرواء\" رقم (٢١٩٢).","vol":"6","page":296},{"text":"بنفسِه، فإذا استغْنَى بنفسِه فالأبُ أوْلَى بالذَّكَرِ والأمُّ أَوْلَى بالأُنْثَى، ووافقَهُمْ مالكٌ في عدمِ التخييرِ لكنَّهُ قالَ: إنَّ الأمَّ أحقُّ بالولدِ ذَكَرًا أوْ أُنْثَى، قيلَ حتَّى يبلغَ. وفي المسألةِ تفاصيلُ بِلَا دليلٍ، واستدلَّ نفاةُ التخييرِ بعموم حديثِ: \"أنتِ [أولى] (^١) بهِ ما لم تنكحي\" (^٢)، قالُوا: ولوْ كانَ الاختيارُ إلى [الصبي] (^٣) ما كانتْ أحقَّ بهِ.\nوأُجِيبَ: بأنهُ إنْ كانَ عامًا في الأزمنةِ أوْ مُطْلَقًا فيها فحديثُ التخييرِ [يخصه] (^٤) أو يقيِّدُه وهذا جَمْعٌ [حسن] (^٥) بينَ الدليلينِ، فإنْ لم يخترِ الصبيَّ أحدُ أبويْه فقيلَ يكونُ للأمِّ بلا قُرْعَةٍ لأنَّ الحضانةَ حق لها وإنما ينتقل عنْها باختيارِه فإذا لم يخيَّرْ بقيَ على الأصْلِ، وقيلَ: وهوَ الأقْوى دليلًا [وأقوم قيلًا] (^٦) إنهُ يُقْرَعُ بينَهما إذْ قدْ جاءَ في القرعةِ حديثُ أبي هريرةَ بلفظِ: فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"اسْتَهمَا، فقالَ الرجلُ: مَنْ يحولُ بيني وبينَ ولدي؟ فقالَ - ﷺ -: اخترْ أيَّهما شئتَ فاختارَ أمَّهُ فذهبتْ بهِ\"، أخرجَهُ البيهقي (^٧). وظاهرُه تقديمُ القرعةِ على الاختيارِ لكنْ قدَّمَ الاختيارَ عليها [لاتفاق ألفاظ الحديث عليه و] (^٨) لعملِ الخلفاءِ الراشدينَ، إلَّا أنهُ قالَ في \"الهدي النبويِّ\" (^٩) إنَّ التخييرَ والقرعةَ لا يكونانِ إلَّا إذا حصلتْ بهِ مصلحةُ الولدِ، فلوْ كانتِ الأمُّ أصونَ منَ الأبِ وأغيرَ منهُ قُدِّمَتْ عليهِ ولا التفاتَ إلى قرعةٍ ولا اختيارِ الصبيِّ في هذهِ الحالةِ فإنهُ ضعيفُ العقلِ يُؤثِرُ البطالةَ واللعبَ، فإذا اختارَ مَنْ يساعدُه على ذلكَ فلا التفاتَ إلى اختيارِه وكان عندَ مَنْ هوَ أنفعُ له وخير له، ولا تحتملُ الشريعةُ غيرَ هذا، والنبيُّ - ﷺ - قالَ: \"مُرُوهُمْ بالصلاةِ لسبعٍ، واضربُوهم على تَرْكِها لعشرٍ، وفرِقُوا بينَهم في المضاجعِ\" (^١٠)،\n_________\n(^١) في (ب): \"أحق\".\n(^٢) تقدم تخريجه رقم (١/ ١٠٨١) من كتابنا هذا.\n(^٣) في (ب): \"الصغير\".\n(^٤) في (ب): \"يخصصه\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣) رجاله ثقات لكن فيه انقطاع بين أبي ميمونة وأبي هريرة، وانظر تخريج الحديث رقم (٢/ ١٠٨٢) من كتابنا هذا.\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) ٥/ ٤٧٤ - ٤٧٥).\n(^١٠) تقدم تخريجه، وهو حديث حسن.\nأخرجه أبو داود رقم (٤٩٤)، والترمذي رقم (٤٠٧)، من حديث سبرة مرفوعًا بسند صحيح.\nوأخرجه أبو داود رقم (٤٩٥) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بسند حسن.","vol":"6","page":297},{"text":"واللهُ تعالَى يقولُ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (^١) فإذا كانتِ الأمُّ تتركُه في المكتبِ أو تعلِّمُهُ القرآنَ والصبي يؤثِرُ اللعبَ ومعاشرةَ أقرانِه وأبوهُ يمكنُهُ منْ ذلكَ [فهي] (^٢) أحق بهِ ولا تخييرَ ولا قرعةَ، وكذلكَ العكسُ، انتهَى وهو كلام حسنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1112>القول في حضانةِ الكافرة والفاسقة</span>\n٣/ ١٠٨٣ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ - ﵁ - أنَّهُ أَسْلَمَ، وأَبَتِ امْرَأَتُهُ أنْ تُسْلِمَ. فأقْعَدَ النَّبِي - ﷺ - الأُمَّ نَاحيَةً، والأبَ ناحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ \"اللَّهُمَّ اهْدِهِ\"، فَقَالَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخَذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ (^٤) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ رافعِ بن سنان - ﵁ - أنه أسْلَمَ وأبتِ امرأتُه أنْ تسْلِمَ، فأقعدَ النَّبيُّ - ﷺ - الأمَّ في ناحية والأبَ في ناحيةٍ وأقعد الصبيَّ بينَهما، فمالَ إلى أمِّهِ، فقالَ: اللَّهمَّ اهدِه، فمالَ إلى أبيهِ فأخذَه. أخرجَه أبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ) إلا أنهُ قالَ ابنُ المنذرِ: لا يثبتُه أهلُ النقلِ وفي إسنادِه مَقَالٌ (^٦) وذلكَ لأنهُ مِنْ روايةِ عبدِ الحميدِ بن جعفرِ بن رافعٍ (^٧) ضعَّفَهُ الثوريُّ ويحيى بنُ معينٍ. واختُلِفَ في هذا الصبيِّ، فقيلَ\n_________\n(^١) سورة التحريم، الآية ٦.\n(^٢) في (ب): \"فإنها\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٢٤٤) بسند حسن.\n(^٤) في \"السنن\" (٦/ ١٨٥ رقم ٣٤٩٥).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٥٢)، والدارقطني (٤/ ٤٣ رقم ١٢٦ و١٢٧)، وقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١١): أخرجه أحمد والنسائى وأبو داود وابن ماجه والحاكم، والدارقطني، من حديث رافع بن سنان، وفي سنده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة، ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد، وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال\" اهـ.\n• وقد صححه المحدث الألباني في \"صحيح أبي داود وابن ماجه والنسائي\".\n(^٦) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ١١).\n(^٧) انظر: \"الضعفاء والمتروكين\" لابن الجوزي رقم (١٨٢٣).\nوقال أحمد: ليس به بأس، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن حجر: صدوق رمي بالقدر وربما وهم.","vol":"6","page":298},{"text":"إنهُ أُنثَى، وقيلَ: ذكرٌ، والحديثُ ليسَ فيهِ تخييرُ الصبيِّ إذْ الظاهرُ أنهُ لم يبلغْ سنَّ التخييرِ فإنهُ إنَّما أقعدَهُ - ﷺ - بينَهما ودَعَا أنْ يهديَهُ اللَّهُ فاختارَ أباهُ لأجْلِ الدعوةِ النبويةِ، فليسَ منْ أدلةِ التخيير.\nوفي الحديث دليل على ثبوتِ حقّ الحضانةِ للأمِّ الكافرةِ وإنْ كانَ الولدُ مُسْلِمًا، إذْ لوْ لم يكنْ لها حق لم يقعدْه النبيُّ - ﷺ - بينَهما. وإلى هذا ذهبَ أهلُ الرأي والثوريُّ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّهُ لا حقَّ لها معَ كُفْرِهَا، قالُوا: لأنَّ الحاضنَ يكونُ حريصًا على تربيةِ الطفلِ على دِيْنِهِ؛ ولأنَّ الله تعالَى قطعَ الموالاةَ بينَ الكافرينَ والمسلمينَ وجعلَ المؤمنينَ بعضُهم أَوْلَى ببعضٍ وقالَ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ (^١)، والحضانةُ ولايةٌ لا بدَّ فيها من مراعاةِ مصلحةِ المولَّى عليه كما عرفتَ قريبًا. وحديثِ رافعِ قدْ عرفتَ عدمَ انتهاضهِ، وعلى القولِ بصِحَّتِهِ فهو منسوخٌ بالآياتِ القرآنيةِ هذهِ، وكيفَ تثبتُ الحضانةُ للأمِّ الكافرةِ مَثَلًا وقدِ اشترطَ الجمهورُ وهمُ الهادويةُ وأصحابُ أحمدَ والشافعيُّ عدالةَ الحاضنةِ وأنهُ لا حقَّ للفاسقةِ فيها وإنْ كانَ شَرْطًا في غايةٍ منَ البعْدِ، ولوْ كانَ شَرْطًا في الحاضنةِ لضاعَ أطفالُ العالمِ، ومعلومٌ أنهُ لم يزلْ منذُ بعثَ اللَّهُ رسولَه - ﷺ - إلى أن تقومَ الساعةُ أطفالُ الفساقِ بينَهم يُرَبُّونَهم لا يتعرضُ لهم أحدٌ منْ أهلِ الدنيا معَ أنَّهم الأكثرونَ، ولا يُعْلَمُ أنهُ انتُزِعَ طفلٌ منْ أبويْهِ أوْ أحدِهما لِفِسْقِهِ، فهذَا الشرطُ باطلٌ لعدمِ العاملِ بهِ. نعَمْ يُشْتَرَطُ كونُ الحاضِنِ عاقلًا بالغًا فلا حضانةَ لمجنون ولا معتوهٍ ولا طفلٍ، إذْ هؤلاءِ يحتاجونَ من يحضنُهم ويكفيهم، وأما اشتراطُ حريةِ الحاضنِ فقال بهِ الهادويةُ [وأصحابُ] (^٢) الأئمةِ الثلاثةِ وقالُوا: لأنَّ المملوكَ لا ولايةَ لهُ على نفسهِ فلا يتولَّى غيرَه والحضانةُ ولايةٌ. وقالَ مالكٌ في حُرٍّ لهُ ولدٌ منْ أمة إنَّ الأمَّ أحقُّ بهِ ما لم تُبَعْ فتنتقلْ فيكونُ الأبُ أحقَّ بها، واستدلَّ بعمومِ حديثِ: \"لا تُوَلَّهُ والِدَةٌ عَنْ وَلَدِها\"، وحديثِ: \"مَنْ فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها فرَّقَ اللَّهُ بينَهُ وبينَ أحِبَّتِهِ يومَ القيامةَ\"، أخرجَ الأولَ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ أبي بكْرٍ وحسَّنَهُ\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ١٤١.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٥).","vol":"6","page":299},{"text":"السيوطي (^١)، وأخرجَ الثاني أحمدُ (^٢) والترمذيُّ (^٣) والحاكمُ (^٤) منْ حديثِ أبي أيوبَ وصحَّحَهُ الحاكمِ قالَ: ومنافعُها وإنْ كانتْ مملوكةً للسيِّدِ فحقُّ الحضانةِ مُسْتَثْنَى وإنْ استغرقَ وَقْتًا منْ ذلكَ كالأوقاتِ التي تُسْتَثْنَى للمملوكِ في حاجةِ نفسِهِ وعبادةِ ربِّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1113>الخالة كالأم في الحضانة</span>\n٤/ ١٠٨٤ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى في ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهِ، وَقَالَ: \"الْخَالَةُ بِمَنْزَلَةِ الأُمِّ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ (^٥). [صحيح]\n- وَأَخْرَجَهُ أحْمَدُ (^٦) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - فَقَالَ: وَالْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا وَأَنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ. [صحيح]\n(وعنِ البراءِ بن عازب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قَضَى في ابنةِ حمزةَ لخالتِها وقالَ:\n_________\n(^١) في \"الجامع الصغير\" رقم (٩٨٧٢).\nوقال المناوي في \"فيض القدير\" (٦/ ٤٢٣): قال الحافظ ابن حجر سنده ضعيف، ورواه أبو عبيدة في \"غريب الحديث\" (٣/ ٦٥) مرسلًا من مراسيل الزهري ورواية ضعيفة. وقال الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٦٢٩٤) ضعيف.\n• قوله: لا تُوَلَّهُ والدة عن ولدها. فالتوليه أن يفرق بينهما في البيع. وكل أنثى فارقت ولدها فهي واله …\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ٤١٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٣/ ٥٨٠ رقم ١٢٨٣) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ٥٥) وصحَّحه على شرط مسلم.\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٦٧ رقم ٢٥٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ١٨٢ رقم ٤٠٨٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٢٨٠) رقم (٤٥٦)، والدارمي (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨) وهو حديث صحيح. وكذلك صخحه الشيخ حمدي السلفي في \"مسند الشهاب\".\n(^٥) في صحيحه رقم (٢٦٩٩).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٩٠٤)، والبيهقي (٨/ ٥ - ٦).\n(^٦) في \"المسند\" (١/ ٩٨ - ٩٩) و(١/ ١١٥).\nقلت: وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٦٧)، والبيهقي (٨/ ٦)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، وأبو داود رقم (٢٢٨٠)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ١٤٠)، والحاكم (٣/ ١٢٠)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" للمحدث الألباني (٧/ ٢٤٦ - ٢٤٨).","vol":"6","page":300},{"text":"الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ. أخرجَهُ البخاريُّ، وأخرجه أحمدُ منْ حديثِ عليٍّ - ﵁ - قالَ: والجاريةُ\nعندَ خالتِها فإنَّ الخالةَ والدةٌ). والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ الحضانةِ للخالةِ وأنَّها كالأم، ومقتضاهُ أن الخالةَ أَوْلَى منَ الأبِ ومِنْ أم الأمِّ، ولكن خصَّ ذلكَ الإجماعُ وظاهرُه أن حضانةَ [الخالة] (^١) المزوَّجةِ أَوْلَى منَ الرجالِ، فإنَّ عصبة المذكورةِ [رجال] (^٢) موجودونَ [طالبوا بالحضانة] (^٣) كما دلتْ لهُ القصةُ، واختصامُ عليٍّ - ﵁ - وجعفرٍ وزيدِ بن حارثةَ وقد سبقتْ وأنهُ قَضَى بِهَا للخالةِ وقالَ: \"الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ\" (^٤). وقدْ وردتْ رواية في القصةِ أنهُ - ﷺ - قَضَى بها لجعفرٍ فاستشكلَ القضاءُ بها لجعفرٍ فإنهُ ليسَ محْرمًا، وهوَ وعليٌّ - ﵄ - سواءٌ في القرابةِ لها.\nوجوابُه أنهُ - ﷺ - قَضى بها لزوجةِ جعفرٍ وهيَ خالتُها فإنَّها كانتْ تحتَ جعفرٍ لكنْ لَمَّا كانَ المنازعُ جعفرَ إذ قالَ في محل الخصومةِ: بنتُ عمِّي وخالتُها تحتي أي زوجتي قَضَى بِهَا لِجَعفرٍ لما كانَ هوَ الطالب ظاهرًا وقالَ: الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ إبانةً بأنَّ القضاءَ للخالةِ، فمعنَى قولِه: قَضى بها لجعفرٍ قضَى بِها لزوجةِ جعفرٍ وإنَّما أوقَعَ القضاءَ عليهِ لأنهُ الطالبُ ولا إشْكالَ في هذَا. إلَّا أنهُ استشكلَ ثانيًا بأنَّ الخالةَ مزوَّجة ولا حق لها في الحضانةِ لحديثِ: \"أنتِ أحقُّ بهِ ما لم تَنْكِحِي\" (^٥). والجوابُ عنهُ أن الحقَّ في المزوَّجةِ للزوجِ وإنَّما [سقطت] (^٦) حضانتُها لأنَّها تشتغلُ بالقيامِ بحقه وَخِدْمتِهِ فإذَا رَضيَ الزوجُ بأنَّها تحْضنُ مَنْ لها حق في حضانتِه وأحبَّ بقاءَ الطفلِ في حجرِه لم يسقطْ حقُّ المرأةِ منَ الحضانةِ. وهذهِ القصةُ دليلُ [هذا] (^٧) الحكم، وهذا مذهبُ الحسنِ والإمامِ يحيى وابنِ حزمٍ وابن جريرٍ؛ ولأنَّ النكاحَ للمرأةِ إنّما يُسْقِطُ حضانةَ الأمِّ وحْدَها حيثُ كانَ المنازعُ لها الأبُ، وأما غيرُها فلا يُسْقِطُ حقَّها منَ الحضانةِ بالتزويج أو الأمِّ والمنازعُ لها غيرُ الأبِ، يؤيِّدُه ما عرفَ من أن المرأةَ المطلَّقةَ يشتدُّ بغضُها للزوجِ المطلِّقِ ومَنْ يتعلَّقُ به، فقد يبلغ بها الشأنُ إلى إهمالِ ولده مِنْهُ قصدًا لإغاظتِه، وتبالغُ في\n_________\n(^١) في (ب): \"المرأة\".\n(^٢) في (ب): \"من الرجال\".\n(^٣) في (ب): \"طالبون للحضانة\".\n(^٤) تقدم تخريجه في حديث الباب.\n(^٥) تقدم تخريجه رقم (١/ ١٠٨١) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (ب): \"فقط\".\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"6","page":301},{"text":"التحبُّبِ عندَ الزوجِ الثاني بتوفيرِ حقِّه، وبهذا يجتمعُ شملُ الأحاديثِ. والقولُ بأنهُ - ﷺ - قَضَى بها لجعفرَ وأنهُ دالٌّ على أن للعصبة [حقًّا] (^١) في الحضانةِ بعيدٌ، [لأن جعفر] (^٢) وعليًا - ﵄ - سواءٌ في ذلكَ؛ ولأنَّ قولَه - ﷺ -: الخالةُ أم، صريحٌ أن ذلكَ علةُ القضاءِ أن الأمَّ لا [ينازع في حقها و] (^٣) حضانةِ ولدِها فلا حقَّ لغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1114>يجب مناولة الخادم مما يقدِّمه من الطعام</span>\n٥/ ١٠٨٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَينِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِي. [صحيح]\n(وعنْ أبي هُريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول الله - ﷺ -: إذا أتَى أحدَكمْ) مفعولٌ مقدَّمٌ (خادِمُه) فاعلٌ (بطعامِه، فإنْ لم يُجْلِسْهُ معه فلْيناولْه لقمةً أو لقمتَيْنِ. متفقٌ عليهِ واللفط للبخاريِّ). الخادمُ يُطْلَقُ على الذَّكَرِ والأنْثَى أعمُّ منْ أنْ يكونَ مملوكًا أوْ حُرًا، والمراد إذا كان الخادم حرًا، فإن كان أنثى والمخدوم ذكر فلا بد أن يكون محرمًا وكذا في صورة العكس، وظاهرُ الأمرِ الإيجابُ، وأنهُ يناولُه منَ الطعامِ ما ذكرَ مخيرًا. وفيهِ بيانُ الحديثِ الذي فيهِ الأمرُ بأنْ يُطْعمَهُ مما يطعمُ ليسَ المرادُ بهِ مؤاكلتَهُ ولا أن يُشْبِعَهُ منْ عينِ ما يأكلُ، بلْ يشركُه فيهِ بأدْنَى شيءٍ منْ لقمةٍ أوْ لُقْمَتَيْنِ. قالَ ابْنُ المنذِرِ عنْ جميعِ أهلِ العلمِ: إن الواجبَ إطعامُ الخادمِ منْ غالبِ القوتِ الذي يأكلُ منهُ مثلَه في تلكَ البلدةِ، وكذلكَ الإدامُ والكسوةُ، وأنَّ للسيِّدِ أنْ يستأثرَ بالنفيسِ منْ ذلكَ وإنْ كانَ الأفضلُ المشاركةَ، وتمامُ الحديثِ: \"فإنهُ وَليَ حرَّهُ وعلاجُه\"، فدلَّ على أن ذلكَ يتعلَّقُ بالخادمِ الذي لهُ عنايةٌ في تحصيلِ الطعامِ، فيندرجُ في ذلكَ الحاملُ للطعامِ لوجودِ المعنى فيهِ وهوَ تعلُّقُ نفسِه بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>هل يحرم قتل الهرة</span>\n٦/ ١٠٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِي - ﷺ -: قَالَ: \"عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ في هِرَّةٍ،\n_________\n(^١) في (أ): \"حق\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"تنازع\".\n(^٤) البخاري رقم (٥٤٦٠)، ومسلم رقم (١٦٦٣).","vol":"6","page":302},{"text":"سَجَنَتهَا حَتى مَاتَت، فَدَخَلَت النَّارَ فِيهَا، لَا هيَ أطعَمَتهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرْضِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قالَ: عُذِّبتِ امرأةٌ). قالَ المصنفُ (^٢): لم أقفْ على اسمِها، وفي روايةِ: أنَّها حميريةٌ، وفي روايةٍ: منْ بني إسرائيلَ، (في هرَّةٍ) هي أُنْثَى السِّنَّوْرِ، والهرُّ الذَّكَرُ، (سجنتْها حتَّى ماتتْ فدخلتِ النارَ فيها، لا هيَ أطعمتْها وسقتْها إذْ هي حبستْها، ولا هيَ تركتْها تأكلُ منْ خَشَاشِ الأرضِ) بفتح الخاءِ المعجمةِ ويجوزُ ضمُّها وكسرُها وشِيْنَيْنِ معجمتينِ بينَهما ألفٌ، والمرادُ هوامُّ الأرضِ (متفقٌ عليهِ).\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ الهرةِ لأنهُ لا عذابَ إلَّا عَلَى فعلِ محرَّمٍ، ويحتملُ أن المرأةَ كافرةٌ فعذِّبتْ بِكُفْرِهَا وزيدتْ عذابًا بسببِ ذلكَ. وقالَ النوويُّ (^٣): إنَّها كانتْ مسلمةً وإنَّما دخلتِ النارَ بهذهِ المعصيةِ. وقالَ أبو نعيمٍ في تاريخِ أصبهانَ: كانتْ كافرةً. ورواهُ البيهقي في البعثِ والنشورِ عنْ عائشةَ فاستحقتِ العذابَ بِكُفْرِها أو بِظُلْمِها. وقالَ الدميريُّ في \"شرح المنهاج\": الأصحُّ أن الهِرَّةَ يجوزُ قتلُها حالَ عُدُوِّها دونَ هذهِ الحالة، وجوَّزَ القاضي قَتْلَها في حالِ سُكُونِها إلحاقًا لها بالخمسِ الفواسقِ. وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ اتخاذِ الهرةِ ورَبْطِها إذا لم يهملْ [طعامها وشرابها] (^٤). قلتُ: ويدلُّ علَى أنَّهُ لا يجبُ إطعامُ الهرةِ بلِ الواجبِ تخليتُها تبطشُ على نفسِها.\n* * *\n\nتم بحمد الله المجلد السادس من\n\"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام\"\nولله الحمد والمنة\nويليه المجلد السابع\nوأوله: [الكتاب الحادي عشر]\nكتاب الجنايات\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٣٦٥)، وطرفاه رقم (٣٣١٨) و(٣٤٨٢)، ومسلم رقم (٢٢٤٢).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١)، وأحمد (٢/ ١٥٩ و١٨٨).\n(^٢) في \"فتح الباري\" (٦/ ٣٥٧).\n(^٣) في \"شرح مسلم\" (١٤/ ٢٤٠).\n(^٤) في (ب): \"إطعامُها\".","vol":"6","page":303},{"text":"[الكتاب الحادي عشر] كتابُ الجنايات\nهيَ جمعُ جنايةٍ، مصدرٌ مِنْ جنَى الذَّنْبَ يجنيهِ جنايةً، أي: جرَّه إليهِ. [وإنما جمع] (^١) وإن [كان] (^٢) مصدرًا لاختلافِ أنواعِها، [لأنها] (^٣) قد تكونُ في النفسِ وفي الأطرافِ، عَمْدًا وخَطَأً.\n\nأس<span data-type='title' id=toc-1117>باب </span>حل دم المسلم\n١/ ١٠٨٧ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِم يَشهَدُ أَنْ لَا إلهَ إِلا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلا بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْس بالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدينِهِ الْمُفَارِق للْجَمَاعَةِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(عن ابن مسعودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ، يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنِّي رسولُ اللَّهِ) هوَ تفسيرٌ لقولِه: مسلمٍ (إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثيِّبِ\n_________\n(^١) في (ب): \"وجمعت\".\n(^٢) في (ب): \"كانت\".\n(^٣) في (ب): \"فإنها\".\n(^٤) البخاري رقم (٦٨٧٨)، ومسلم رقم (١٦٧٦).\nقلت: وأخرجه الطيالسي رقم (٢٨٩)، وأحمد (١/ ٤٤٤)، والدارمي (٢/ ٢١٨)، وابن ماجه رقم (٢٥٣٤)، والبيهقي (٨/ ١٩ و١٩٤ و٢٥٢ و٢١٣)، من طرق عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم رقم (٢٥/ ١٦٧٦)، وأحمد (١/ ٣٨٢، ٤٢٨)، وأبو داود رقم (٤٣٥٢)، والترمذي رقم (١٤٥٢)، والبيهقي (٨/ ٢١٣ و٢٨٣ - ٢٨٤)، والبغوي رقم (٢٥١٧) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، به.","vol":"7","page":5},{"text":"الزَّاني) أي المحصَنِ [يقتل بالرجم] (^١)، (والنَّفسِ بالنَّفسِ، والتاركِ لدينهِ) أي المرتدِّ عنهُ (المفارقِ للجماعةِ. متفقٌ عليهِ).\nفيه دليلٌ على أنهُ لا يُبَاحُ دمُ المسلمِ إلَّا بإتيانِه بإِحدَى الثلاثِ، والمرادُ منَ النَّفْسِ بالنفس القصاصُ بشروطِه، وسيأتي. والتاركُ لدينِه يعمُّ كلَّ مرتدٍّ عن الإسلامِ بأيِّ رِدَّةٍ كانَ فَيُقْتَلُ إنْ لمْ يرجعْ إلى الإسلامِ.\nوقولُه: المفارقُ للجماعةِ، يتناولُ كلَّ خارجٍ عن الجماعةِ ببدعةٍ، أو بغي أوْ غيرهِما، كالخوارجِ (^٢) إذا قاتلُوا وأفسدُوا. وقدْ أوردَ على الحصْرِ أنهُ يجوزُ قتلُ الصائلِ، وليسَ منَ الثلاثةِ، وأُجِيْبَ بأنهُ داخل تحتَ قولِه المفارقُ للجماعةِ، وأنَّ المرادَ منْ هؤلاءِ مَنْ يجوزُ قتلُهم قصدًا، والصائلُ لا يُقْتَلُ قصدًا [إنما دفاعًا] (^٣).\nوفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يُقْتَلُ الكافرُ الأصليُّ لطلبِ إيمانِه بلْ لدفعِ شرِّهِ، وقدْ بسطْنا القولَ في ذلكَ في حواشي \"ضوء النَّهارِ\" (^٤)، وقدْ يُقَالُ إنَّ الكافر الأصليَّ داخلٌ تحتَ التاركِ لدينهِ [المفارق للجماعة] (^٥)، لأنهُ تركَ فطرتَهُ التي فَطره اللَّهُ عليها كما عرفَ في محلِّهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>حُرمة دماء المسلمين</span>\n٢/ ١٠٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الاسْلامِ فَيُحَارِبُ الله وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ\n_________\n(^١) في (ب): \"بالرجم\".\n(^٢) سمُّوا بهذا الاسم، لخروجهم على الإمام علي - ﵁ -، ونزلوا بأرض يقال لها حَروراء فسمُّوا بالحرورية. وهم الذين يكفِّرون أصحاب الكبائر، ويقولون بأنهم مخلَّدون في النار. كما يقولون بالخروج على أئمة الجور، وأن الإمامة جائزة في غير قريش، وهم يكفرون عثمان وعليًا وطلحة والزبير وعائشة - ﵃ -. ويعظِّمون أبا بكر وعمر - ﵄ -. \"الملل والنحل\" للشهرستاني (١/ ١١٤ - ١١٥)، ومقالات الإسلاميين (ص ٨٦).\n(^٣) في (ب): \"بل دفعًا\".\n(^٤) (٤/ ٢٥٨٩ وما بعدها …).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"7","page":6},{"text":"الأَرْضِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، والنَّسَائِيُّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - عنْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: لا يحل قتل مسلمٍ إلَّا بإِحْدَى ثلاثِ خصالٍ) [بيَّنَها بقولِهِ] (^٤): (زانٍ محصَنٍ) [يأتي تفسيرُه] (^٥)، (فَيُرْجَمُ، ورجلٌ يقتل مسلِمًا متعمِّدًا) [قيَّدَ ما أطْلَقَ في الحديثِ الأوَّلِ] (^٦) (فَيُقْتَل، ورجلٌ يخرج منَ الإسلامِ فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه فَيُقْتَل، أو يصْلَب، أو ينْفَى منَ الأرضِ. رواه أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَه الحاكم)، الحديثُ أفادَ ما أفادَه الحديثُ الأولُ [الذي قبلَه] (^٧).\nوقولُه: فيحاربُ اللَّهَ ورسولَه، بعدَ قولِه: يخرجُ منَ الإسلام بيانٌ لحكمٍ خاصٍّ لخارجٍ عن الإسْلامِ خاصٍّ، وهوَ المحاربُ، ولهُ حكمٌ خاصٌّ هوَ ما ذكرَ منَ القتلِ أوِ الصلب أو النفيِ، فهوَ أخصُّ منَ الذي أفادَه الحديثُ الذي قبلَه: والنفيُ الحبسُ عندَ أَبي حنيفةَ، وعندَ الشافعيِّ النفيُ منْ بلدٍ لا يزالُ يُطْلَبُ، وهوَ هاربٌ فَزعٌ، وقيلَ يُنْفَى منْ بلدهِ فقطْ.\nوظاهرُ الحديثِ والآيةِ أيضًا أن الإمامَ مخيَّرٌ بينَ هذهِ العقوباتِ في كلِّ محارِبٍ، مسلِمًا [كانَ] (^٨) أوْ كافرًا.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٣٥٣).\n(^٢) في \"السنن\" (٧/ ٩١).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٦٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين.\nوالحديث صحيح، وله شاهد من حديث ابن مسعود.\nأخرجه مسلم رقم (٢٦/ ١٦٧٦)، والنسائي (٧/ ٩٠ - ٩١)، وأحمد (٦/ ١٨١)، والبيهقي (٨/ ١٩٤ - ١٩٥)، والدارقطني (٣/ ٨٢ و٨٢ - ٨٣) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي به. وأخرجه مسلم رقم (٢٥/ ١٦٧٦)، وأبو داود رقم (٤٣٥٢)، والترمذي رقم (١٤٠٢)، وأحمد (١/ ٣٨٢ و٤٢٨)، والبيهقي (٨/ ٢١٣ و٢٨٣ - ٢٨٤)، والبغوي رقم (٢٥١٧)، من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، به.\nوأخرجه البخاري رقم (٦٨٧٨)، ومسلم رقم (١٦٧٦)، وابن ماجه رقم (٢٥٣٤)، وأحمد (١/ ٤٤٤)، والطيالسي رقم (٢٨٩)، والدارمي (٢/ ٢١٨)، والبيهقي (٨/ ١٩)، من طرق عن الأعمش، به.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"7","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1120>عظم شأن دم الإنسان</span>\n٣/ ١٠٨٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَينَ الناسِ يَومَ الْقِيَامَةِ في الدِّمَاءِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ الله بن مسعود - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: أول ما يُقْضَى بينَ الناسِ يومَ القيامةِ في الدماءِ. متفقٌ عليهِ).\nفيهِ دليلٌ على عِظَمِ شَأنِ دمِ الإنسانِ، فإنهُ لا يقدَّمُ في القضاءِ إلَّا الأهمُّ، ولكنَّه يعارضُه حديثُ: \"أولُ ما يحاسَبُ العبدُ عليهِ صلاتُه\"، أخرجَه أصحابُ السُّنَنِ (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ، ويجابُ بأنَّ حديثَ الدماءِ [مما] (^٣) يتعلَّقُ بحقوقِ المخلوقِ، وحديثُ الصلاةِ فيما يتعلَّقُ بعبادةِ الخالقِ، وبأنَّ ذلكَ في أوليةِ القضاءِ، والآخرَ في [أوليةِ] (^٤) الحسابِ كما يدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (^٥) منْ حديثِ ابن مسعودٍ بلفظِ: \"أولُ ما يحاسب عليهِ العبدُ صلاتُه، وأولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في الدماءِ\".\nوقدْ أخرجَ البخاريُّ منْ حديثِ عليٍّ - ﵁ - وغيرِهِ: \"أنهُ - ﵁ - أولُ مَنْ يجثُو بينَ يدي الرحمنِ للخصومةِ يومَ القيامةِ في قَتْلَى بدرٍ\"، فبيَّنَ فيهِ أولَ قضيةٍ يُقْضَى فيها. وقدْ بيَّنَ الاختصامَ حديثُ أبي هريرةَ: \"أولُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ في\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٨٦٤)، ومسلم رقم (١٦٧٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي في \"السنن\" رقم (٤١٣)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي (١/ ٢٣٢)، وابن ماجه رقم (١٤٢٥)، وأبو داود رقم (٨٦٤)، وأحمد (٥/ ٧٢ و٣٧٧)، والحاكم (١/ ٢٦٣)، وهو حديث صحيح بشواهده.\n(^٣) في (ب): \"فيما\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" (٧/ ٨٣).\nوأخرج الشطر الثاني منه البخاري رقم (٦٥٣٣) و(٦٨٦٤)، ومسلم رقم (١٦٧٨)، وابن ماجه رقم (٢٦١٥ و٢٦١٧)، والنسائي (٧/ ٨٣) و(٧/ ٨٣ - ٨٤)، وأحمد رقم (٣٦٧٤، ٤٢٠٠ و٤٢١٣ و٤٢١٤) وغيرهم.\nوالخلاصة، فالشطر الأول صحيح بشواهده، والثاني صحيح أيضًا.\nوانظر: \"الصحيحة\" للألباني رقم (١٧٤٨).","vol":"7","page":8},{"text":"الدماءِ\". ويأتي كلُّ قتيلٍ قدْ حملَ رأسَهُ يقولُ: يا ربِّ سلْ هذا فيمَ قَتَلَني - الحديثَ\" (^١).\nوفي حديثِ ابن عباسٍ (^٢) يرفعُه: \"يأتي المقتولُ معلِّقًا رأسَهُ بِإحْدَى يديْهِ ملبِّبًا قاتلَهُ بيدِه الأُخْرى، تشحطُ (^٣) أوداجُه دمًا حتَّى يَقِفَا بينَ يدي اللهِ تعالَى\"، وهذا في القضاءِ في الدماءِ.\nوفي القضاءِ في الأموالِ ما أخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٤) منْ حديثِ ابن عمرَ يرفعُه: \"منْ ماتَ وعليهِ دينارٌ أوْ دِرْهَمٌ قَضَى منْ حسناتِهِ\". وفي معناهُ عِدَّةُ أحاديثَ، وأنَّها إذا فنيتْ حسناتُه قبلَ أنْ يَقْضِيَ ما عليهِ طُرحَ عليهِ منْ سيِّئاتِ خَصْمِهِ، وأُلْقِيَ في النَّارِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ بأنهُ كيفَ يُعْطَى الثوابَ وهوَ لا يتناهى في مقابلةِ العقابِ وهوَ يتناهى يعني على القولِ بخروجِ الموحِّدينِ مِنَ النارِ.\nوأجابَ البيهقي بأنهُ يُعْطَى منْ حسناتِهِ ما يوازي عقوبةَ سيئاتِه منْ غيرِ المضاعفةِ التي يضاعِفُ اللَّهُ بها الحسناتِ، لأنَّ ذلكَ منْ محضِ الفضْلِ الذي\n_________\n(^١) • أخرج الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٧٦٦) عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله - ﷺ - قال: \"يجيءُ المقتول آخذًا قاتلهُ، وأوداجُهُ تشخب دمًا عند ذي العزة، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: فيمَ قتلتهُ؟ قال: قتلتُهُ لتكون العزة لفلانِ، قيل: هي لله\".\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٩٧) وقال: وفيه الفيض بن وثيق، وهو كذاب خبيث.\n• وقد أخرج النسائي (٧/ ٨٤)، بإسناد رجاله رجال الصحيح نحوه عن ابن مسعود أيضًا.\n(^٢) وهو حديث حسن.\nأخرجه الترمذي رقم (٣٠٢٩) وقال: حسن غريب. والنسائي (٧/ ٨٥ و٨٧)، والطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٢١٧).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٩٧)، وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) تشحَّط في دمه: تخبَّط فيه. والمراد تسيل دمًا لما جاء في رواية أخرى.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٤١٤).\nقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٢٤٥ رقم ٨٤٧ - ٢٤١٤): \"هذا إسناد فيه مقال، مطرَ الوراق مختلف فيه، ومحمد بن ثعلبة بن سواء قال فيه أبو حاتم: أدركته ولم أكتب عنه. ولم أر لغيره من الأئمة فيه كلامًا، وباقي رجال الإسناد ثقات\" اهـ. وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وثوبان وأبي موسى …\nفهو صحيح لغيره، واللَّهُ أعلم.","vol":"7","page":9},{"text":"يخصُّ اللَّهُ مَنْ يشاءُ منْ عبادِه، وهذَا فيمنْ مات غيرَ ناوٍ لقضاءِ دَيْنِهِ، وأمَا مَنْ ماتَ ينوي القضاءَ فإنَّ الله يقضي عنْهُ كما قدَّمْنَاهُ في شرح الحديث الثالث في أبوابِ السَّلْمِ (^١).\n٤/ ١٠٩٠ - وَعَنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَالأَرْبَعَة (^٣)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في سَمَاعِهِ مِنْهُ (^٥)، وَفي رِوَايَةِ أَبي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِزِيَادَةِ: \"وَمَنْ خَصى عَبْدَه خَصَينَاهُ\"، وَصَحّحَ الْحَاكِمُ (^٦) هَذِه الزِّيَادَةَ. [ضعيف]\n(وعنْ سمُرةَ - ﵁ -: قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ - مَنْ قتلَ عَبْدَه قتلْناهُ، ومنْ جدعَ عبدَه جدعناه. رواهُ أحمد، والأربعة، وحسَّنه الترمذيُّ، وهوَ منْ روايةِ الحسنِ [البصريِّ] (^٧) عنْ سمرةَ، وقدِ اختُلِفَ في سماعِه منهُ) علَى ثلاثةِ أقوالٍ [تقَّدمت] (^٨). قالَ ابنُ معينٍ: لم يسمعِ الحسنُ منهُ شيئًا، وقيلَ: سمعَ منهُ حديثَ العقيقةِ، وأثبتَ ابنُ المديني سماعَ الحسن منْ سَمُرَةَ.\n(وفي روايةِ أبي داودَ والنسائي: ومَنْ خَصَى عبدَه خصيْناهُ. وصحَّحَ الحاكمُ هذهِ الزيادةَ).\nوالحديثُ دليلٌ [أنه يقاد السيد] (^٩) بعبدِه في النَّفْسِ والأطرافِ؛ إذِ الجدعُ\n_________\n(^١) رقم الحديث (٣/ ٨٠٩) من كتابنا هذا.\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ١٠، ١١، ١٢، ١٨، ١٩).\n(^٣) أبو داود رقم (٤٥١٥ و٤٥١٦)، والترمذي رقم (١٤١٤)، والنسائي (٨/ ٢١) وابن ماجه رقم (٢٦٦٣).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٢٦).\n(^٥) انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص ٣٢ - ٣٣).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٦٧)، وقال: هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرجاه.\nقلت: وأخرجه البغوي رقم (٢٥٣٣)، والدارمي (٢/ ١٩١).\nوالخلاصة: فهو حديث ضعيف، واللَّهُ أعلم.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) في (ب): \"أن السيد يقاد\".","vol":"7","page":10},{"text":"قطعُ الأنفِ، أوِ الأذُنِ، أوِ اليدِ، أو الشَّفَةِ كما في \"القاموس\" (^١). ويُقَاسُ عليهِ إذا كانَ القاتلُ غيرَ السيِّد [بطريقِ] (^٢) الأَوْلَى.\nوالمسألةُ فيها خلافٌ. ذهبَ النَّخَعِيُّ وغيرُه إلى أنهُ يُقْتَلُ الحرُّ بالعبدِ لحديث سَمُرَةَ هذا، وأيَّدَهُ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٣). وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يُقْتَلُ بهِ لعموم الآيةِ، إلا إذا كان سيِّده، وكأنهُ يخصُّ السيِّدَ بحديثِ: \"لا يقادُ مملوكٌ من مالِكِهِ، ولا ولدٌ مِنْ والدهِ\"، أخرجَهُ البيهقيُّ (^٤) إلا أنهُ منْ روايةِ عمرَ بن عيسى يُذْكَرُ عن البخاريِّ (^٥) أنهُ مُنْكَرُ الحديثِ.\nوأخرجَ البيهقيُّ (^٦) منْ حديثِ ابن عمرٍو في قصةِ زنباعٍ لما جبَّ عبدَهُ، وجدَعَ أَنْفَهُ، أنهُ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ مثَّلَ بعبده وحرَّقَ بالنارِ، فهوَ حرٌّ، وهوَ مولَى اللَّهِ ورسولِه\"، فأعتقَهُ - ﷺ - ولم يقتصَّ منْ سيِّد، إلا أن فيهِ المثنَّى بنَ الصباحِ (^٧) ضعيفٌ، ورواهُ عن الحجاجِ بن أرطأةَ (^٨) منْ طريقٍ آخرَ ولا يُحْتَجُّ بهِ.\nوفي البابِ أحاديثُ لا تقومُ بها حجةٌ، وذهبتِ الهادويةُ [والشافعية] (^٩) ومالكٌ وأحمدُ إلى أنهُ لا يُقَادُ الحرُّ بالعبدِ مطْلقًا مستدلِّينَ بما يفيدُه قولُه تعالَى:\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٩١٤).\n(^٢) في (أ): \"بطريقة\".\n(^٣) سورة المائدة: رقم ٤٥.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٦) من حديث عمر، قلت: وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧١٣)، وفي إسناده عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر الحديث كما قال البخاري.\n(^٥) في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ١٨٢).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٦) وقال: المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، وقد روى عن الحجاج بن أرطأة عن عمرو مختصرًا ولا يحتج به. وروى عن سوار بن أبي حمزة عن عمرو وليس بالقوي. واللَّهُ أعلم.\nفي نهاية الأحاديث قال البيهقي (٨/ ٣٧): \"أسانيد هذه الأحاديث ضعيفة لا تقوم بشيء منها الحجة إلا أن أكثر أهل العلم على أن لا يقتل الرجل بعبده، .. \".\n(^٧) قال الدارقطني: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث.\nانظر: \"الضعفاء والمتروكين\" للدارقطني رقم (٥٣٣)، و\"الضعفاء\" للنسائي رقم (٩٩)، و\"المجروحين\" (٣/ ٢٠).\n(^٨) قال الدارقطني: لا يحتج به، وقال البخاري: متروك الحديث لا نقر به.\nانظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٧٨) و\"المجروحين\" (١/ ٢٢٥) و\"الميزان\" (١/ ٤٥٨) و\"كتاب الجرح والتعديل\" (٣/ ١٥٤) و\"لسان الميزان\" (٧/ ١٩٣).\n(^٩) في (ب): \"الشافعي\".","vol":"7","page":11},{"text":"﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (^١)، فإنَّ تعريفَ المبتدأ يفيدُ الحصْرَ وأنهُ لا يُقْتَلُ الحرُّ بغيرِ الحرِّ، ولأنهُ تعالَى قالَ في صدرِ الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (١) وهوَ المساواةُ، وقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (١) تفسيرٌ وتفصيلٌ لَهَا، وقولِهِ تعالَى في آيةِ المائدةِ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٢) مُطْلَقٌ [مقيد بهذه] (^٣) الآيةُ وهذهِ صريحةٌ لهذهِ الأمَّةِ وتلكَ في أَهْلِ الكتابِ، وشريْعَتِهِم وإنْ كانتْ شريعةً لنا لكنَّه وقعَ في شريعتِنا التفسيرُ بالزيادةِ والنقصانِ كثيرًا، فيقربُ أن هذا التقييدَ منْ ذلكَ، وفيهِ مناسبةٌ إذْ فيهِ تخفيفٌ ورحمةٌ، وشريعةُ هذهِ الأمَّةِ أحق منْ شرائعِ مَنْ قبلنا، كأنه وضَعَ عنْهم الآصارَ التي كانتْ على مَنْ قَبْلَهمْ.\nوالقولُ بأنَّ آيةَ المائدةِ نسَخَتْ آيةَ البقرةِ لتأخُّرِها مردودٌ بأنهُ لا تنافيَ بينَ الآيتينِ، إذْ لا تعرضَ بينَ عامٍ وخاصٍّ ومطلقٍ ومقيَّدٍ حتَّى يُصَارَ إلى النَّسْخِ، ولأنَّ آيةَ المائدةِ متقدِّمةٌ حُكْمًا فإنَّها حكايةٌ لما حكمَ اللَّهُ تعالَى بهِ في التوراةِ وهي متقدّمةٌ نزولًا على القرآنِ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ: \"أن أبا بكرٍ وعمرَ كانا لا يقتلان الحرَّ بالعبدِ\". وأخرجَ البيهقيُّ (^٥) منْ حديثِ عليٍّ - ﵁ -: \"مِنَ السُّنةِ أنْ لا يُقْتَلَ حرٌّ بعبدٍ\"، وفي إسنادهِ جابرٌ الجعفي (^٦). ومثلُه عن ابن عباسٍ (^٧) - ﵁ - وفيهِ ضعفٌ.\nوأما حديثُ سَمُرَةَ فهوَ ضعيفٌ (^٨) أو منسوخٌ بما سردْناه منَ الأحاديثِ. هذا، وأما قَتْلُ العبدِ بالحرِّ فإجماعٌ (^٩)، وإذا تقرَّرَ أن الحرَّ لا يُقْتَلُ بالعبدِ فيلزمُ منْ قَتْلِهِ قيمتُه على خلافٍ فيها معروفٍ ولو بلغتْ ما بلغتْ، وإنْ جاوزتْ ديةَ\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٧٨.\n(^٢) سورة المائدة: ٤٥.\n(^٣) في (ب): \"مقيدة مبينة\".\n(^٤) في \"المصنف\" (٩/ ٣٠٥).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤).\n(^٦) وهو متروك. انظر: \"المجروحين\" (١/ ١٢٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧)، و\"المغني\" (١/ ١٢٦)، و\"الكاشف\" (١/ ١٢٢).\n(^٧) أخرجه الدارقطني (٣/ ١٣٣ رقم ١٥٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٥). وفي إسناده جويبر وغيره من \"المتروكين\".\n(^٨) فهو ضعيف كما تقدم في تخريج الحديث رقم (٤/ ١٠٩٠) من كتابنا هذا.\n(^٩) حكاه ابن المنذر في كتابه \"الإجماع\" (ص ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٦٥٣).","vol":"7","page":12},{"text":"الحرِّ، وقد بيَّنَّاهُ في حواشي \"ضوء النهار\" (^١). وأما إذا قتلَ السيِّدُ عبدَه ففيهِ حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: \"أن رجلًا قتلَ عبدًا [له] (^٢) متعمِّدًا فجلدَهُ النبي - ﷺ - مائةَ جَلْدةٍ ونفاهُ سنةً ومَحَا سَهْمَهُ منَ المسلمينَ ولم يُقِدْهُ بهِ، وأمرَ أنْ يُعْتِقَ رقبةً\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1121>لا يُقتل الوالد بولده</span>\n٥/ ١٠٩١ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بالْوَلَدِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، والتّرْمِذِي (^٤)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (^٦) وَالْبَيْهَقيُّ (^٧)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ (^٨): إِنَّهُ مُضطَّرِبٌ. [حسن]\n(وعنْ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: لا يقادُ الوالدُ بالولدِ. رواهُ أحمدُ والترمذيُّ وابن ماجهْ، وصحَّحَهُ ابن الجارودِ والبيهقي، وقالَ الترمذيُّ: إنه مضْطَّرِبٌ). قالَ الترمذيُّ (٨): ورُوِيَ عنْ عمرِو بن شعيبٍ مرسلًا، وهذا حديثٌ فيهِ اضْطِّرابٌ والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، انتَهى.\nوفي إسنادِهِ عندَه الحجاجُ بنُ أرطأةَ (^٩)، ووجْهُ الاضطرابِ أنهُ اختُلِفَ على عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ فقيلَ: عنْ عمرَ وهيَ روايةُ الكتابِ، وقيلَ: عنْ\n_________\n(^١) (٤/ ٢٣٨٣ - ٢٣٨٤).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٤٩).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٤٠٠).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٦٦٢).\n(^٦) في \"المنتقى\" رقم (٧٨٨).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٢).\n(^٨) في \"السنن\" (٤/ ١٨).\nقلت: وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات (ص ٦٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩/ ٤١٠)، والدارقطني (٣/ ١٤١).\nوالحجَّاج بن أرطأة مدلِّس، ولكن تابعه ابن لهيعة عند أحمد (١/ ٢٢)، غير أن أبو حاتم قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب شيئًا - كما في \"المراسيل\" (١١٤).\nولكن تابعه المثنى بن الصباح عند ابن أبي عاصم (ص ٦٥ - ٦٦)، وتابعه أيضًا ابن عجلان عند الدارقطني وابن الجارود والبيهقي.\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن.\n(^٩) لا يحتج به، وقد تقدم الكلام عليه.","vol":"7","page":13},{"text":"سُراقةَ، وقيلَ بلَا واسطةٍ [وفيها المثنَّى بنُ الصباحِ (^١) وهوَ ضعيفٌ] (^٢)، قالَ الشافعيُّ: طُرُقُ هذَا الحديثِ كلُّها منقطعةٌ.\nوقالَ عبدُ الحقِّ: هذهِ الأحاديثُ كلُّها معلولةٌ لا يصحُّ فيها شيءٌ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يُقْتَلُ الوالدُ بالولدِ، قالَ الشافعيُّ: حفظتُ عنْ عددٍ منْ أَهْلِ العلمِ لقيتُهم أنه لا يُقْتَلَ الوالدُ بالولدِ وبذلكَ أقولُ. وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ منَ الصحابةِ وغيرُهم كالهادويةِ والحنفيةِ والشافعيةِ وأحمدَ وإسحاقَ مطلقًا للحديثِ (^٣)، قالُوا: لأنَّ الأبَ سببٌ لوجودِ الولدِ فلا يكونُ الولدُ سببًا لإِعْدَامِهِ.\nوذهبَ البتيُّ إلى أنهُ يقادُ الوالدُ بالولدِ مطلقًا لعمومِ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٤) وأُجِيْبَ بأنهُ مخصصٌ بالخبرِ وكأنهُ لم يصحَّ عندَه، وذهبَ مالكٌ (١) إلى أنهُ يقادُ بالولدِ إذا أَضْجَعَهُ وذبحهُ. قالَ: لأنَّ ذلكَ عمدٌ حقيقةً لا يحتملُ غيرَه، فإنَّ الظاهرَ في مثلِ استعمالِ الجارحِ في المقتَلِ هوَ قصدُ العمْدِ، والعمديةُ أمر خفيٌّ لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الأحوال.\nوأما إذا كان على غير هذه الصِّفةِ فيما يحتملُ عدمَ إزهاقِ الروحِ بلْ قَصْدَ التأديبِ منَ الأبِ وإنْ كانَ في حقِّ غيرِه حكم فيهِ [بالعمدية] (^٥)، وإنَّما فُرِّقَ بينَ الأبِ وغيرِه لما للأبِ منَ الشفقةِ على ولدهِ وغلبةِ قصد التأديبِ عندَ فعلِه ما يغضبُ الأبَ، فَيُحْمَلُ على عدمِ قَصْدِ القتلِ، وهذا رأيٌ [من مالك] (^٦). وإنْ ثبتَ بالنصِّ لم يقاومهُ شيءٌ، وقدْ قَضَى بهِ عمرُ في قصةِ المدلجي وألزمَ الأبَ الديةَ ولم يعطِه منْها شيئًا، وقالَ: ليسَ لقاتلٍ شيءٌ فلا يرثُ منَ الديةِ إجماعًا ولا مِنْ غيرِها عندَ الجمهورِ. والجدُّ والأمُّ كالأبِ عندَهم في سقوطِ القَوَدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>لم يخص النبي - ﷺ - عليًا ولا غيره بشيء من الدين</span>\n٦/ ١٠٩٢ - وَعَنْ أَبي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَليٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ مِنَ\n_________\n(^١) ضعيف وقد تقدم الكلام عليه.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٠٣) بتحقيقنا.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٥) في (ب): \"بالعمد\".\n(^٦) في (ب): \"منه\".","vol":"7","page":14},{"text":"الْوَحْيِ غَيْرُ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا في الْقُرْآنِ، وَمَا في هذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا في هذِه الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: \"الْعَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n- وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ (^٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ فِيهِ: \"الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِماؤُهُمْ، وَيَسْعَ بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ\"، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥). [صحيح بشواهده]\n(وعنْ أبي جحيفةَ قالَ: قلتُ لعليٍّ - ﵁ - هلْ عندَكم شيءٌ منَ الوحْي غيرُ القرآنِ؟ قالَ: لا والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النسمةَ إلَّا فهمًا) استثناءٌ منْ لفظِ شيءٍ [مرفوعًا] (^٦) على البدليةِ (يعطيهِ اللَّهُ تعالَى رجلًا في القرآن، وما في هذهِ الصحيفةِ) أي الورقةِ المكتوبةِ (قلتُ: وما في هذهِ الصحيفةِ؟ قالَ العقل) أي الديةُ، وسُمِّيَتْ عَقْلًا لأنَّهم كانُوا يعقلونَ الإبلَ التي هيَ ديةٌ بفناءِ دارِ المقتولِ (وفكاكُ) بكسرِ الفاءِ وفتحِها (الأسيرِ، ولا يُقْتَلَ مسلمٌ بكافرٍ. رواهُ البخاريُّ وأخرجه أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ منْ وَجْهٍ آخرَ عنْ عليٍّ - ﵁ - وقالَ فيهِ: المؤمنونَ تتكافأ) أي تَتَسَاوَى في الديةِ والقصاصِ [دماؤهم] (^٧) (ويسعى بِذِمَّتِهِمْ أدناهمُ، وهمْ يَدٌ على مَنْ سوَاهُم، ولا يُقْتَل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذوْ عهدٍ في عهدهِ. وصحَّحَه الحاكمُ).\nقال المصنفُ (^٨): إنما سألَ أبو جحيفةَ عليًا - ﵁ - عنْ ذلكَ لأنَّ جماعةً منَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦٩١٥).\n(^٢) في \"المسند\" (١/ ١١٩).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٥٣٠).\n(^٤) في \"السنن\" (٨/ ١٩).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ١٤١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٩٢)، والدارقطني (٣/ ٩٨ رقم ٦١)، والبيهقي (٨/ ٢٩)، وهو حديث صحيح بشواهده.\nانظر: \"الإرواء\" للألباني (٧/ ٢٦٦ رقم ٢٢٠٩)، و\"الروضة الندية\" (٢/ ٦٤٥) بتحقيقنا.\n(^٦) في (ب): \"مرفوعٌ\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"فتح الباري\" (١/ ٢٠٤).","vol":"7","page":15},{"text":"الشيعةِ كانُوا يزعمونَ أن لأَهْلِ البيتِ ﵈ لا سيِّما عليًا [اختصاصًا] (^١) بشيءٍ منَ الوحْي لم يطَّلعْ عليهِ غيرُه، وقدْ سألَ عليًا - ﵁ - عنْ هذهِ المسألةِ غيرُ أبي جحيفةَ [أيضًا] (^٢). ثمَّ الظاهرُ أن المسؤولَ عنهُ هوَ ما يتعلَّقُ بالأحكامِ الشرعيةِ منَ الوحْي الشاملِ لكتابِ الله المعجزِ وسُنَّةِ النبيِّ - ﷺ -، فإنَّ اللَّهَ تعالَى سمَّاهَا وَحْيًا إذْ فسَّرَ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (^٣) بما هوَ أعمُّ منَ القرآنِ، ويدلُّ عليهِ قولُه: (وما في هذهِ الصحيفةِ)، فلا يلزمُ منهُ نفيُ ما نُسِبَ إلى عليٍّ ﵇ منَ الجفْر وغيرِه (^٤).\nوقدْ يقالُ: إنَّ هذَا داخلٌ تحتَ قولِه: (أو فهم يعطيهِ اللهُ تعالَى رجلًا في القرآن)، فإنهُ كما نُسِبَ إلى كثيرٍ ممنْ فتحَ اللَّهُ عليهِ بأنواعِ العلومِ ونوَّرَ بصيرتَه أنهُ يستنبطُ ذلكَ منَ القرآن. [ومن لم يكن كذلك فهو حابط في ظلمات الجهل] (^٥).\nوالحديثُ قدِ اشتملَ على مسائلَ:\nالأولَى: العقلُ وهوَ الديةُ ويأتي تحقيقُها [في بابها] (^٦).\nوالثانيةُ: فِكاكُ الأسيرِ أي حكمُ تخليصِ الأسيرِ منْ يدِ العدوِّ، وقدْ وردَ الترغيبُ في ذلكَ.\nوالثالثةُ: عدمُ قتلِ المسلمِ بالكافرِ قَوَدًا، وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ وأنهُ لا يُقْتَلُ ذو عَهْدٍ في عَهْدِهِ. فَذُو العهدِ الرجلُ مِنْ أهلِ دارِ الحربِ يدخلُ علينا بأمانٍ، فإنَّ قَتْلَهُ [حرام] (^٧) علَى المسلمِ حتَّى يرجعَ إلى مَأمَنِهِ، فلوْ قَتَلَهُ مسلمٌ فقالتِ الحنفيةُ: يُقْتَلُ المسلمُ بالذِّميِّ إذا قتلَه بغيرِ استحقاقٍ ولا يُقْتَلُ بالمستَأمَنِ، واحتجُّوا بقولِه في الحديثِ: (ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ) فإنهُ معطوفٌ على قولهِ: مؤمنٌ، فلا بدَّ منْ تقييدٍ في الثاني كما في الطرفِ الأوَّلِ فيقدَّرُ ولا ذُو عهدٍ في\n_________\n(^١) في (أ): \"اختصاصٌ\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) سورة النجم: الآية ٣.\n(^٤) لعله يريد ﵀ ما ينسبه الرافضة إلى آل البيت من التحدث عن الغيب، ومثل هذا لا يحل نسبته لعلي - ﵁ - ولا لغيره من الموحِّدين، بعدما ثبت الدليل من القرآن والسنة أن الغيب لا يعلمه إلا الله. وأن الجفر هذا قول على الله بلا علم وهو من أمر الشيطان. وعفى الله عن الصنعاني في تلك القولة التي لا تليق بمثله، والكمال لله وحده.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"محرم\".","vol":"7","page":16},{"text":"عهدِه بكافرٍ، ولا بدَّ منْ تقييدِ الكافرِ في المعطوفِ بلفظِ الحربيِّ لأنَّ الذميَّ يُقْتَلُ بالذميِّ ويقتلُ بالمسلمِ، وإذا كانَ التقييدُ لا بدَّ منهُ في المعطوفِ وهوَ مطابقٌ للمعطوفِ عليهِ فلا بدَّ منْ تقديرِ مثلِ ذلكَ في المعطوفِ عليهِ فيكونُ التقديرُ: ولا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ حربيٍّ، ومفهومُ حربيٍّ أنهُ يقتلُ بالذمي بدليلِ مفهومِ المخالفَةِ، وإنْ كانتِ الحنفيةُ لا تعملُ بالمفهومِ فهمْ يقولونَ إنَّ الحديثَ يدلُّ على أنهُ لا يُقْتَلُ بالحربيِّ صريحًا، وأما قتلُه بالذميِّ فبعمومِ قولِه تعالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^١)، ولما أخرجَهُ البيهقي (^٢) منْ \"أنهُ - ﷺ - قَتَلَ مسلمًا بمعاهِدٍ وقالَ: أنا أكرمُ مَنْ وفَّى بِذِمَّتِه\"، وهوَ حديثٌ مرسَلٌ منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن البيلماني. وقدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، قالَ البيهقي (^٣): وهوَ خطأٌ. وقالَ الدارقطنيُّ (^٤): ابنُ البيلماني ضعيفٌ لا تقومُ بهِ حُجَّة إذا وصلَ الحديثَ فكيفَ بما يرسلُه؟\nوقالَ أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلامٍ: هذا حديث ليسَ بمُسْنَدٍ ولا يجعلُ مثلُه إمامًا تسفكُ بهِ دماءُ المسلمينَ. وذكرَ الشافعي في الأمِّ أنّ حديثَ ابن البيلماني كانَ في قصةِ المستأمَنِ الذي قَتَلَهُ عمرُو بنُ أميةَ الضمري، قالَ: فَعَلَى هذا لو ثبتَ لكانَ منسوخًا، لأنَّ حديثَ: \"لا يُقْتَلُ مسلمٌ بكافرٍ\" خطبَ بهِ النبي - ﷺ - يومَ الفتحِ كَمَا في روايةِ عمروِ بن شعيبٍ (^٥)، وقصةُ عمروِ بن أميةً متقدمةٌ قبلَ ذلكَ بزمانٍ.\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٠)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٠). وقال: هذا خطأ من وجهين: (أحدهما) وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنما هو عن ابن البيلماني عن النبي - ﷺ - مرسلًا. (والآخر) روايته عن إبراهيم عن ربيعة.\nوإنما يرويه إبراهيم عن ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي فقد كان يقلب الأسانيد وشرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته وسقط عن حدًا لاحتجاج به.\nوالخلاصة: فهو حديث ضعيف.\n(^٤) ذكر ذلك الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٥٥١ رقم ٤٨٢٧).\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٩١ - ١٩٢، ٢١١)، وابن ماجه رقم (٢٦٥٩) و(٢٦٨٥)، والترمذي رقم (١٤١٣)، وقال: حديث حسن. وأبو داود رقم (٤٥٣١) رقم (٢٧٥١)، والبيهقي (٨/ ٢٩ - ٣٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ١٧٢ - ١٧٣) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nوهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٢٠٨).","vol":"7","page":17},{"text":"هذَا ما ذكرتْهُ الحنفيةُ منَ التقديرِ، فقدْ أُجيْبَ عنهُ بأنهُ لا يجبُ التقديرُ لأنَّ قولَه: (ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ)، كلامٌ تامُّ [لا] (^١) يحتاجُ إلى إضمارٍ، لأنَّ الإضمارَ خلافُ الأصْلِ فلا يُصَارُ إليهِ إلَّا لضرورةٍ فيكون نَهْيًا عنْ قتلِ المعاهِدِ. وقولُهم: إنَّ قتلَ المعاهدِ معلومٌ وإلا لم يكنْ للعهدِ فائدةٌ فلا حاجةَ إلى الإخبارِ بهِ.\nجوابُه: أنهُ محتاجٌ إلى ذلكَ، إذْ لا يُعْرَفُ إلَّا من طريق الشارعِ، وإلَّا فإنَّ ظاهرَ العموماتِ يقضي بجوازِ قَتْلِهِ، ولوْ سَلِمَ تقديرُ الكافرِ في الثاني فلا يسلمُ استلزامُ تخصِيصِ الأولِ بالحربيِّ، لأنَّ مقتضى العطفِ مُطْلَقُ الاشتراكِ [لا الاشتراك] منْ كلِّ وَجْهٍ.\nومعنَى قولِه: (ويسعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهم)، أنهُ إذا أمَّنَ المسلمُ حربيًا كانَ أمانُه أمانًا منْ جميعِ المسلمينَ ولوْ كانَ ذلكَ المسلمُ امرأةً كما في قصةِ أم هانئٍ (^٢)، ويُشْتَرَطُ [أن يكون] (^٣) المؤمن مُكَلَّفًا، فإنهُ يكونُ أمانًا منَ الجميعِ فلا يجوزُ نَكثُ ذلكَ. وقولُه: (وهمْ يدٌ على مَنْ سِوَاهم)، أي همْ مجتمعونَ على أعدائِهم، لا يحلُّ لهمُ التخاذلُ، بلْ يُعِيْنُ بعضُهم بعضًا على جميعِ مَنْ عادَاهُمْ منْ أهلِ المِلَلِ، كأنهُ جعلَ أيديَهُم يدًا واحدةً وفعلَهم فعلًا واحدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1123>القَوَد بمثل ما قتلَ به إلا إذا كان بفعل محرَّم</span>\n٧/ ١٠٩٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ جَارِيَةً وُجدَ رَأسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَألُوهَا: مَنْ صَنَعَ بِكِ هذَا؟ فُلَان، فُلَان، حَتى ذَكَرُوا يَهُودِيًا، فَأَوْمَتْ بِرَأسِهَا. فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُرَضَّ رَأسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"فلا\".\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٧)، ومسلم رقم (٣٣٦).\n(^٣) في (ب): \"كون\".\n(^٤) البخاري رقم (٦٨٧٩)، ومسلم رقم (١٦٧٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٥٢٧)، و(٤٥٢٨)، والترمذي رقم (١٣٩٤)، والنسائي (٨/ ٢٢).","vol":"7","page":18},{"text":"(وعنْ أَنسِ بن مالكٍ - ﵁ - أن جاريةً وُجِدَ رأسُها قدْ رُضَّ بينَ حجريْنِ فسألُوها مَنْ صنعَ بكِ هذَا؟ فلانٌ، فلانٌ حتَّى ذكرُوا يهوديًا، فأومتْ برأسِها فأُخِذَ اليهوديُّ فَأَقَرَّ، فأمرَ رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُرَضَّ رأسُه بينَ حجريْنِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ القصاصُ بالمثقلِ كالمحدَّدِ، وأنهُ يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ وأنهُ يقتلُ بما قَتَلَ بهِ، فهذِه ثلاثُ مسائلَ:\nالأولَى: وجوبُ القصاصِ بالمثقلِ وإليهِ ذهبت الهادويةُ والشافعيُّ ومالكٌ ومحمدُ بنُ الحسنِ، عملًا بهذَا الحديثِ. والمعنَى المناسبُ ظاهرٌ قويٌّ وهوَ صيانةُ الدماءِ منَ الإِهْدارِ، ولأنَّ القتلَ بالمِثْقلِ كالقتلِ بالمُحَدَّدِ في إزهاقِ الروح. وذهبَ أبو حنيفةَ والشعبيُّ والنخعيُّ إلى أنه لا قصاصَ في القتل بالمثقلِ واحتجُّوا بما أخرجَهُ البيهقيُّ (^١) منْ حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ مرفُوعًا: \"كلُّ شيءٍ خطأٌ إلَّا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أرشٌ\"، وفي لفظٍ (١): \"كلُّ شيءٍ سوَى الحديدةِ خَطَأٌ ولكل خطإ أرشٌ\".\nوأُجِيْبَ بأنَّ الحديثَ مدارُه على جابرٍ الجعْفيِّ (^٢) وقيسِ بن الربيعِ (^٣) ولا يُحْتَجُّ بِهمَا فَلَا يُقَاوِمُ حديثَ أنس هذَا، وجوابُ الحنفيةِ عنْ حديثِ أنسٍ بأنهُ حصلَ في الرضِّ الجرحُ، أوْ بأنّ اليهوديَّ كانَ عادتُه قتلَ الصبيانِ فهوَ منَ الساعينَ في الأرضِ فَسَادًا، تكلُّفٌ.\nوأمَّا إذَا كانَ القتلُ بآلةٍ لا يقصدُ بمثلِها القتلُ غالبًا كالعصَا والمسوطِ واللطْمةِ ونحوِ ذلكَ، فعندَ الهادويةِ والليثِ ومالكٍ يجبُ فيها القَوَدُ؛ وقالَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وجماهيرُ العلماءِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهم لا قصاصَ فيهِ؛ وهوَ شِبْهُ العمدِ، وفيهِ الديةُ مائةٌ منَ الإبلِ مغلَّظةً فيها أربعون في بطونِها أولادُها؛ لما أخرجَهُ أحمدُ (^٤) وأهلُ السُّنَنِ إلَّا الترمذيَّ (^٥) منْ حديثِ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤٢).\nوهو حديث ضعيف.\n(^٢) وهو متروك، انظر: \"المجروحين\" (١/ ١٢٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧)، و\"المغني\" (١/ ١٢٦)، و\"الكاشف\" (١/ ١٢٢).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الميزان\" (٣/ ٣٩٣).\n(^٤) في \"المسند\" (١٦/ ٥١ رقم ١٣٠ - الفتح الرَّباني).\n(^٥) أبو داود رقم (٤٥٤٩)، وابن ماجه رقم (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ٤١). =","vol":"7","page":19},{"text":"عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"أَلَا وإنَّ في قَتْلِ الخطأ شبْهِ العمدِ ما كانَ بالسوطِ والعَصَا مائةٌ مِنَ الإبلِ فيها أربعونَ في بطونها أولادها\".\nقالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: في إسنادهِ اختلافٌ كثيرٌ ليس هذَا موضِعَ بَسْطِهِ، قلتُ: إذا صحَّ الحديثُ فقدِ اتَّضَحَ الوجْهُ، وإلَّا فالأصلُ عدمُ اعتبارِ الآلةِ في إزهاقِ الروحِ بلْ ما أزهقَ الروحَ أوجبَ القصاصَ.\nالمسألةُ الثانيةُ: قتلُ الرجلِ بالمرأةِ، وفيهِ خلافٌ. ذهبَ إلى قَتْلِهِ بها أكثرُ أهلِ العلمِ وحَكَى ابنُ المنذرِ الإجماعَ (^١) على ذلكَ لهذا الحديثِ. وعنِ الحسنِ البصريِّ أنهُ لا يُقْتَلُ الرجلُ بالأنثَى، وكأنهُ [استدل] (^٢) بقولِه تعالَى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٣). وردَّ بأنهُ ثبتَ في كتابِ عمروِ بن حزمٍ (^٤) الذي تلقَّاه الناسُ بالقَبولِ\n_________\n= قلت: وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢/ ٤٣٤)، والدارقطني (٣/ ١٠٤ رقم ٧٧)، وقد صحَّحه ابن حبان وابن القطان كما في \"التلخيص\" (٤/ ١٥)، والألباني في \"الإرواء\" رقم (٢١٩٧).\n(^١) في كتابه \"الإجماع\" (ص ١٤٤ - ١٤٥ رقم ٦٥٣).\n(^٢) في (ب): \"يستدلُ\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٧٨.\n(^٤) • أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٤٩ رقم ١)، والشافعي في \"ترتيب المسند\"، (٢/ ١٠٨، ١١٠ رقم ٣٦٣، ٣٦٩، ٣٧٠، ٣٧٢)، من حديث عمرو بن حزم.\nوأخرجه أبو داود في \"المراسيل\" رقم ٩٢ ورجاله ثقات. رجال الشيخين غير محمد بن عمارة - وهو ابن عمرو بن حزم الأنصاري الخرمي المدني - فإنه لم يخرجا له، ولا أحدهما. وهو صدوق. وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٣٨٠). وقال أبو حاتم: صالح ابن إدريس: هو عبد اللَّهُ بن إدريس بن يؤيد الأودي الكوفي. وهو في \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٢١) من طريق ابن إدريس به.\n• وأخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٥٧ - ٥٨ رقم ٤٨٥٣)، وابن حبان في \"الموارد\" رقم (٧٩٣)، والحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، و(٣/ ٤٨٥)، والبيهقي (٤/ ٨٩ - ٩٠)، موصولًا مطولًا من حديث الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده.\nوفي هذا الحديث كلام طويل، وخلاصته: \"أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتُّهم بكذب، وإنما لعلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرَّر في \"علم المصطلح\": أن الطرق يقوي بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متَّهم كما قرَّره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث … \"، قاله المحدث الألباني في \"إرواء الغليل\" (١/ ١٦٠ - ١٦٢).","vol":"7","page":20},{"text":"أنَّ الذَّكَرَ يُقْتَلُ بالأُنْثَى وهوَ أقْوَى منْ مفهومِ الآيةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن الرجلَ يقادُ بالمرأةِ [وتُوَفَّى] (^١) ورثَتُه نصفَ دِيَتِه، قالُوا: لتفاوتهمَا في الدِّيةِ، ولأنهُ تعالَى قالَ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^٢).\nوَرُدَّ بأنَّ التفاوتَ في الدِّيةِ لا يوجبُ التفاوتَ في النفسِ، ولذَا يُقْتَلُ عبدٌ قيمتُه ألفٌ بعبدٍ قيمتُه عشرونَ. وقد وقعتِ المساواةُ في القصاصِ لأنَّ المرادَ المساواة في الجرح أنْ لا يزيدَ المقتصُّ على ما وقعَ فيهِ منَ الجرحِ.\nالمسألةُ الثالثةُ: أنْ يكونَ القوَدُ بمثلِ ما قَتَلَ بهِ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ وهوَ الذي يستفادُ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٣)، وقولِه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٤)، وبما أخرجَه البيهقيُّ (^٥) [من] (^٦) حديثِ البراءِ عنهُ - ﷺ -: \"من غرَّضَ غرَّضْنا لهُ، ومَنْ حرَّقَ حرَّقناهُ، ومنْ غرَّق غرَّقْناهُ\"، أي منِ اتخذهُ غرَضًا للسِّهام، وهذا يُقَيَّدُ بما إذا كانَ السببُ الذي قُتِلَ بهِ يجوزُ فعلُه، وأما إذا كانَ لا يجوزُ فعله كمنْ قُتِلَ بالسحرِ فإنهُ لا يُقْتَلُ بهِ لأنهُ محرَّمٌ وفيهِ خلافٌ، قالَ بعضُ الشافعيةِ: إذا قتلَ باللِّواطِ أوْ بإيجارِ الخمرِ إنهُ يُدَسُّ فيهِ خشبةٌ ويوجرُ الخلُّ، وقيلَ يسقطُ اعتبارُ المماثلةِ، وذهبت الهادويةُ والكوفيونَ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنهُ لا يكونُ الاقتصاصُ إلَّا بالسَّيْفِ، واحتجُّوا بما أخرجَهُ البزَّارُ (^٧) وابنُ عديٍّ (^٨) منْ حديثِ أبي بكرةَ عنهُ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"لا قَوَدَ إلَّا بالسَّيفِ\"، إلَّا أنهُ ضعيفٌ. قالَ ابنُ عديٍّ: طرقُه كلُّها ضعيفةٌ واحتجّوا بالنَّهْي عن المُثلةِ (^٩)\n_________\n(^١) في (ب): \"يوفي\".\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٣) سورة النحل: الآية ١٢٦.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤٣).\n(^٦) في (أ): \"عن\".\n(^٧) عزاه إلى البزار الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٩١) وقال: فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.\n(^٨) في \"الكامل\" (٣/ ١١٠٢) من حديث أبي هريرة، في ترجمة سليمان بن أرقم وهو متروك كما قال النسائي، وكذلك البخاري.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٩) يشير المؤلف إلى الحديث الذي أخرجه مسلم رقم (٣/ ١٧٣١) وغيره وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا أمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه … ولا تمثِّلوا … \"، الحديث.","vol":"7","page":21},{"text":"وبقولِه - ﷺ -: \"إذا قتلتُم فأحسنُوا القِتْلَةَ\" (^١)، وأُجِيْبَ بأنهُ مخصَّصٌ بما ذُكِرَ.\nوفي قولِه: (فأقرَّ) دليلٌ على أنهُ يكفي الإقرارُ مرة واحدة إذ لا دليلَ على أنهُ كرَّرَ الإقرارَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1124>لا غرامة على الفقير في الخطأ إذا كانت عاقلته فقراء</span>\n٨/ ١٠٩٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ غُلَامًا لأُناسٍ فُقَراءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لأَنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا النَّبيَّ - ﷺ -، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢) وَالثَّلَاثَةُ (^٣) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [صحيح]\nوعنْ (عمرانَ بن الحصينِ - ﵁ - أن غُلامًا لأُناسٍ فقراءَ قطعَ أُذُنَ غلامٍ لأناسٍ أغنياءَ فَأَتَوْا النبيَّ - ﷺ - فلمْ يجعلْ لهم شيئًا. رواهُ أحمدُ والثلاثة بإسنادٍ صحيحٍ).\nالحديثُ فيهِ دليلٌ علَى أنَّهُ لا غَرامةَ على الفقيرِ، إلَّا أنهُ قالَ البيهقي: إن كانَ المرادُ بالغلامِ المملوكَ فإجماعُ أهلِ العلمِ أن جنايةَ العبدِ في رقبتِه، فهوَ يدلُّ واللَّهُ أعلمُ أن جنايتَهُ كانَتْ خطأً وأنَّ النبيَّ - ﷺ - إنَّما لمْ يجعلْ عليهِ شيئًا لأنهُ التزمَ أَرْشَ جنايتهِ فأعطاهُ منْ عندهِ مُتَبرِّعًا بذلكَ.\nوقدْ حملَهُ الخطابي (^٤) على أن الجاني كانَ حُرًّا وكانتِ الجنايةُ خطأً وكانتْ عاقلتُه فقراءَ فلم يجعلْ عليهمْ شيئًا إما لِفَقْرِهِمْ وإما لأنَّهم لا يعقلونَ الجنايةَ الواقعةَ علَى العبدِ إنْ كانَ المُجْنَى عليهِ مملوكًا - كما قالَ البيهقيُّ -، وقدْ يكونُ الجاني غلامًا حُرًّا غيرَ بالغٍ وكانتْ جنايتُه عَمْدًا فلم يجعلْ أرشَها على عاقلتِه\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث شداد بن أوس أخرجه مسلم رقم (١٩٥٥)، وأبو داود رقم (٢٨١٥)، والترمذي رقم (١٤٠٩)، والنسائي (٧/ ٢٢٧)، وابن ماجه رقم (١٣٧٠)، وابن الجارود رقم (٨٣٩) و(٨٩٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٧٨٣)، وأحمد (٤/ ١٢٣ و١٢٤ و١٢٥)، والطيالسي رقم (١١١٩)، وعبد الرزاق رقم (٨٦٠٤)، والدارمي (٢/ ٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٨٠)، من طرق عن خالد الحذَّاء، به.\n(^٢) في \"المسند\" (١٦/ ٦٠ رقم ١٥٨ - الفتح الربَّاني).\n(^٣) أبو داود رقم (٤٥٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٦).\nوقد صحَّح الحديث الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٤) في \"معالم السنن\" (٤/ ٧١٢).","vol":"7","page":22},{"text":"وكانَ فقيرًا فلم يجعلْ عليهِ في الحالِ، أوْ رآه على عاقلتِه فوجدَهم فقراءَ فلم [يجعل عليهم لفقرهم ولا عليه] (^١) لكونِ جنايتِه في حكمِ الخطأِ [لكونِهم فقراءَ، واللَّهُ أعلمُ] (^٢)، انتَهى.\nوقولُه: (ولم يجعلْ أرشَها على عاقلتِه) هذَا مذهبُ الشافعيِّ أن عَمْدَ الصغيرِ يكونُ في مالِه ولا تحملُه العاقلةُ. وقولُه: (أوْ رآهُ على عاقلتهِ) يعني معَ احتمالِ أنهُ خطأٌ - وهذا اتفاقٌ - أو معَ احتمالِ أنهُ عَمْدٌ كما ذهبَ إليهِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ [وبالجملة فلا بد من احتمال للحديث كما لا يخفى] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1125>لا يُقتصُّ من الجراحات حتى يحصل البُرء من ذلك</span>\n٩/ ١٠٩٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فَجَاءَ إلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: \"حَتى تَبْرَأَ\"، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ، فَقَالَ: \"قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصْيتَني، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجَكَ\"، ثُمَّ نَهى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - \"أَنْ يُقْتَصّ مِنْ جُرْحٍ حَتى يَبْرَأَ صَاحِبهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَالدَّارَقُطنيُّ (^٥) وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. [حسين لغيره]\n(وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن رجلًا طعنَ رجلًا بقرنٍ في ركبتهِ فجاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: أقدْني، [قال] (^٦) حتَّى تبرأَ، ثمَّ جاءَ إليهِ فقالَ: أقدْني، فأقادَه، ثمَّ جاءَ إليهِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ عَرَجْتُ، فقالَ: قدْ نهيتُكَ فعصيتني فأبعدكَ الله وبطلَ\n_________\n(^١) في (ب): \"يجعله عليه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٢١٧) عن ابن إسحاق.\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٨٨ رقم ٢٤) عن ابن جريج.\nقلت: ابن إسحاق وابن جريج كلاهما عن عمرو بن شعيب به، ورجاله ثقات، غير أن ابن إسحاق، وابن جريج مدلسان ولم يصرّحا بالتحديث، لكن للحديث شواهد يتقوَّى بها، فيكون الحديث حسن لغيره.\n(^٦) في (ب): \"فقال\".","vol":"7","page":23},{"text":"عَرَجَكَ، ثمَّ نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنْ يُقْتَصَّ منْ جرحٍ حتَّى يبرأَ صاحبُه. رواهُ أحمدُ والدارقطنيُّ وأُعِلَّ بالإرسالِ) بناءً على أنَّ شعيبًا لم يدركْ جدَّه، وقدْ دفعَ بأنهُ ثبتَ لقاءُ شعيبٍ لجدِّهِ (^١).\nوفي معناهُ أحاديثُ تزيدُه قوةً، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا يقتصُّ منَ الجراحاتِ حتَّى يحصلَ البرءُ منْ ذلكَ [ولو من] (^٢) السرايةُ، قالَ الشافعيُّ: إنَّ الانتظارَ مندوبٌ بدليلِ تمكينِهِ - ﷺ - منَ الاقتصاصِ قبلَ [البرء، وذهبت] (^٣) الهادويةُ وغيرُهم إلى أنهُ واجبٌ لأنَّ دفعَ المفاسِدِ واجبٌ، وإذنُهُ - ﷺ - بالاقتصاصِ كانَ قبلَ عِلْمِهِ بما يَؤُولُ إليهِ منَ المفسدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1126>دِيَةُ الجنين غُرَّة</span>\n١٠/ ١٠٩٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا في بَطْنِهَا، فاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنَّ دِيَةَ جَنِينَها غُرّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ\"، وَقَضى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّما هذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ\"، مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤) [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرة - ﵁ -[قالَ] (^٥): اقتتلتِ امرأتانِ منْ هُذَيْلٍ فرمتْ إحدَاهُما\n_________\n(^١) جد شعيب هو (عبد الله بن عمرو بن العاص) الصحابي المشهور. وأبو شعيب هو (محمد) مات قبل أبيه (عبد اللهِ) فكفل عبد الله حفيده شعيبًا فثبت سماعه منه كما أفاده الذهبي في \"ميزان الاعتدال\".\n(^٢) في (ب): \"وتؤمن\"\n(^٣) في (ب): \"الاندمال وذهب\".\n(^٤) البخاري رقم (٦٩١٠)، ومسلم رقم (١٦٨١). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٥٧٦ و٤٥٧٧)، والترمذي رقم (١٤١٠)، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٨/ ٤٧ - ٤٨)، ومالك (٢/ ٨٥٥ رقم ٥).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"7","page":24},{"text":"الأُخْرَى بحجرٍ فقتلَتْها وما في بَطْنِها، فاختصَمُوا إلي رسولِ اللهِ - ﷺ - فقضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ وتشديدِ الراءِ منوَّنٌ (عبدٌ أو وليدةٌ) هما بدلٌ منْ غُرَّةٍ، وأوْ للتقسيمِ لا للشكِّ (وقَضَى يِدِيَةِ المرأةِ على عاقِلَتِهَا وورَّثَها ولدها ومَنْ معهُم).\nفي سننِ أبي داودَ (^١): ثمَّ أنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغرَّةِ توفِّيتْ فقضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنَّ ميراثَها لبَنيهَا والعقلُ على عَصَبَتِها، ومثلُه في مسلمٍ (^٢). فضميرُ ورَّثَها يعودُ إلَى القاتلةِ، وقيلَ: يعودُ إلى المقتولةِ، وذلكَ أنَّ عاقِلَتَها قالُوا: إنَّ ميراثَها لنا، فقالَ: لا، ميراثها لزوجِها وولدِها (فقالَ حَمَلُ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الميمِ (ابنُ النابغةِ) بالنونِ بعدَ الألفِ موحدةٌ فغينٌ معجمةٌ، وهوَ زوجُ المرأةِ القاتلةِ (الهذليُّ: يا رسولَ اللهِ كيفَ يُغرم مَنْ لا شربَ ولا أَكَلَ ولا نطقَ ولا استهلَّ)، الاستهلالُ رفعُ الصوتِ، يريدُ أنهُ لم يعلم حياتُه بصوتِ نُطْقٍ أبو بُكَاءٍ (فَمِثْلُ ذلكَ يُطَلُّ) بالمثناةِ التحتيةِ مضمومةٍ وتشديدِ اللامِ على أنهُ مضارعٌ مجهول مِنْ طلَّ، ومعناهُ: يُهْدَرُ ويُلْغَى ولا يضمنُ، ويُرْوَى بالموحَّدةِ وتخفيفِ اللامِ على أنهُ ماضٍ منَ البُطلانِ (فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنما هذَا منْ إخوانِ الكُهَّانِ - منْ أجلِ سَجْعِهِ الذي سَجَعَ -. متفقٌ عليهِ).\nفي الحديثِ مسائلُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1127>الأُولى:</span> فيهِ دليلٌ على أنَّ الجنينَ إذا ماتَ بسببِ الجنايةِ وجبتْ فيه الغُرَّةُ مُطْلقًا سواءٌ انفصلَ عنْ أمِّهِ وخرجَ مَيِّتًا أو ماتَ في بَطْنِها، فأما إذا خرجَ حيًا ثمَّ ماتَ ففيهِ الديةُ كاملةً، ولكنَّهُ لا بدَّ أنْ يعلمَ أنهُ جنينٌ بأنْ تخرجَ منهُ يدٌ أو رِجْلٌ، وإلا فالأصلُ براءةُ الذِّمةِ وعدمُ وجوبِ الغُرَّةِ. وقدْ فَسَّرَ الغرةَ في الحديثِ بعبدٍ أو وليدةٍ وهيَ الأَمَةُ، وقالَ الشعبيُّ: الغرَّةُ خمسمائةِ درهمٍ، وعندَ أبي داودَ (^٣) والنسائيِّ (^٤) منْ\n_________\n(^١) رقم (٤٥٧٧).\n(^٢) في صحيحه رقم (٣٥/ ١٦٨١).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٥٧٨). قال أبو داود: كذا الحديث \"خمسمائة شاة\"، والصواب مائة شاة. قال أبو داود: هكذا قال عباس وهو وهم.\n(^٤) في \"السنن\" (٨/ ٤٧ رقم ٤٨١٤). وقال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا وهم ينبغي أن يكون أراد مائةً من الغُرِّ. وقد روىَ النهي عن الخَذْف عن عبد الله بن بريدة عن عبد اللهِ بن مغفل. وخلاصة القول: أنَّ الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.","vol":"7","page":25},{"text":"حديثِ بُرَيْدَةَ مائةُ شاةٍ، وقيلَ خمسٌ منَ الإبلِ إذْ هيَ الأصلُ في الدِّيَاتِ وهذا في جَنِيْنِ الحرَّةِ.\nوأما جنينُ الأَمَةِ فقيلَ: يُخَصَّصُ بالقياسِ على دِيَتها، فَكَما أنَّ الواجبَ قيمتُها في ضمانِها فيكونُ الواجبُ في جنينِها الأرشُ منسوبًا إلى القيمةِ، وقياسُه على جنينِ الحرَّةِ فإنَّ اللازمَ فيهِ نصفُ عُشْرِ الدِّيةِ فيكونُ اللازمُ فيهِ نصفَ عُشْرِ قيمتِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1128>[المسألة] (^١) الثانية:</span> قولُه: وقَضى بِدَيةِ المرأةِ علَى عاقلتِها، يدلُّ على أنهُ لا يجبُ القصاصُ في مِثْلِ هذَا، وهوَ منْ أدلَّةِ مَنْ يثبتُ شِبْهَ العَمدِ وهوَ الحقُّ، فإنَّ ذلكَ القتلَ كانَ بحجرٍ صغيرٍ أو عُودٍ صغيرٍ لا يُقْصَدُ [بمثله] (^٢) القتلُ بحسبِ الأغلبِ فيجب فيهِ الديةُ على العاقلةِ ولا قصاصَ فيهِ، والحنفيةُ تجعلُه مِنْ أدلةِ عدمِ وجوبِ القصاصِ بالمِثْقَلِ.\n<span data-type='title' id=toc-1129>الثالثةُ:</span> في قولِه: على عاقلتِها، دليلٌ على أنَّها تجبُ الدِّيةُ على العاقلةِ، والعاقلةُ همُ العصبةُ، وقدْ فُسِّرَتْ بِمَنْ عَدَا الولدِ وذوي الأرحامِ كما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ أسامةَ بنِ عميرٍ. فقالَ أبُوهَا: إنَّما يعقلُها بَنُوها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: \"الديةُ على العَصَبَةِ وفي الجنينِ غُرَّةٌ\".\nولهذا بوَّبَ البخاريُّ (^٤) (بابُ جنينِ المرأةِ وأنَّ العقلَ على الوالدِ وعَصَبةِ الوالدِ لا عَلَى الولدِ)، قالَ الشافعيُّ: ولا أعلمُ خِلَافًا في أنَّ العاقِلَةَ العصبةُ وهمُ القرابةُ منْ قِبَلِ الأبِ، وفُسِّرَ بالأقربِ فالأقربِ منْ عصبةِ الذَّكَرِ الحرِّ المكلَّفِ، وفي ذلكَ خلافٌ يأتي في القسَامَةِ.\nوظاهرُ الحديثِ وجوبُ الدِّيةِ على العاقلةِ وبهِ قالَ الجمهورُ، وخالفَ جماعةٌ في وجوبِها عليهم فقالُوا: لا يعقلُ أحدٌ عنْ أحدٍ، مُسْتَدِلِّينَ بما عندَ أحمدَ (^٥) وأبي داودَ (^٦) والنسائيِّ (^٧) والحاكمِ (^٨) أنَّ رجلًا أَتَى إلى النبيِّ - ﷺ -، فقالَ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"به\".\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٠٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم الباب (٢٦): (١٢/ ٢٥٢).\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ١٦٣) مختصرًا ومطولًا.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٢٠٨)، ورقم (٤٤٩٥).\n(^٧) في \"السنن\" (٨/ ٥٣).\n(^٨) في \"المستدرك\" (٢/ ٤٢٥)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. =","vol":"7","page":26},{"text":"لهُ النبيُّ - ﷺ -: \"مَنْ هَذَا؟ \"، فقال: ابني، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"لا تجني عليكَ ولا تجني عليهِ\"، وعندَ أحمد (^١) وأبي داودَ (^٢) والترمذيِّ (^٣) منْ حديثِ عمرِو بنِ الأحوصِ أنهُ - ﷺ - قال: \"لا يجني جانٍ إلَّا علَى نفسهِ، ولا يجني جانٍ علَى ولدِه\"، وجُمِعَ بينَهما وبينَ وجوبِ الديةِ على العاقلةِ بأنَّ المرادَ بهِ الجزاءُ الأخرويُّ، أي لا يجني عليهِ جنايةً يُعاقَبُ بها في الآخرةِ، وعلى القولِ بأنَّ الوالدَ والولدَ ليسا منَ العاقلةِ كما قالَهُ الخطابيّ (^٤)، [فلا إشكال ولا يتم الحديث دليلًا] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>الرابعة:</span> قولُه - ﷺ -: إنَّما هوَ منْ إخوانِ [الكهنة] (^٦)، منْ أجلِ سَجْعِهِ الذي سجعه، يظهرُ أنَّ قولَه: منْ أجلِ سَجْعِه الذي سجعه، مدرجٌ فهمَه الراوي، ففيهِ دليلٌ على كراهةِ السجعِ. قال العلماءُ: إنَّما كَرِهَهُ منْ هذَا الشخصِ لوجهيْنِ، أحدِهِمَا: أنهُ عارضَ بهِ حكمَ الشرعِ [وأراد] (^٧) إبطالَه، الثاني: أنهُ [تكلف] (^٨) في مخاطبتهِ. وهذانِ الوجْهانِ منَ السجعِ مذمومانِ، فأما السجعُ الذي وردَ منهُ - ﷺ - في بعضِ الأوقاتِ وهوَ كثيرٌ في الحديثِ فليسَ منْ هذَا لأنهُ لا يعارضُ حكمَ الشرعِ ولا يتكلَّفهُ فلَا نَهْيَ عنهُ.\n<span data-type='title' id=toc-1131>الجنين غرة ذكرًا كان أم أنثى</span>\n١١/ ١٠٩٧ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٩) وَالنَّسَائيُّ (^١٠) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - سَأَلَ: مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في الْجَنِينِ؟ قَال: فَقَامَ حَمَلُ بْنُ\n_________\n= قلت: وأخرجه البغوي رقم (٣٦٥٧)، والدارمي (٢/ ١٩٩)، وابن الجارود رقم (٧٧٠)، وابن حبان رقم (١٥٢٢ - موارد)، والبيهقي (٨/ ٢٧ و٣٤٥)، كلهم من حديث أبي رمثة. وهو حديث صحيح.\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٢) لم أعثر عليه.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٠٨٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٦٦٩) و(٣٠٥٥)، وهو حديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٣٠٣).\n(^٤) في \"غريب الحديث\" له.\n(^٥) في (ب): \"فلا يتم الاستدلال\".\n(^٦) في (ب): \"الكهان\".\n(^٧) في (ب): \"ورام\".\n(^٨) في (ب): \"تكلفه\".\n(^٩) في \"السنن\" رقم (٤٥٧٢).\n(^١٠) في \"السنن\" (٨/ ٤٧ - ٥١ - ٥٢).","vol":"7","page":27},{"text":"النَّابِغَةِ، فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى - فَذَكَرَهُ مُخْتَصرًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١) وَالْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وأخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ - ﵁ - أن عمرَ سألَ: مَنْ شهدَ قضاءَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في الجنينِ؟ قالَ: فقامَ حملُ بن النابغةِ) المذكورُ في الحديثِ قَبْلَهُ (فقالَ: كنتُ بينَ امرأتينِ فضربتْ إحداهُما الأُخْرى فذكرَة مختصرًا، وصحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ والحاكمُ)، وأخرجَهُ أبو داودَ (^٣) بلفظِ: \"أنَّ عمرَ سألَ النَّاسَ عنْ إملاصِ المرأةِ، فقالَ المغيرة: شهدتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى فيها بِغُرَّةِ عبدٍ أو أَمَةٍ، فقالَ: ائتني بمَنْ يشهدُ مَعَكَ، قالَ: فأتاهُ محمدُ بنُ مسلمة فشهدَ لهُ\". ثمَّ قالَ أبو داودَ (^٤): قالَ أبو عبيدٍ: إملاصُ المرأةِ إنَّما سُمِّيَ إملاصًا لأنَّ المرأةَ تُزْلِقُهُ قبلَ وقْتِ الولادةِ وكذلكَ كلُّ ما زلقَ منَ اليدِ وغيرِها فقدْ مَلَصَ، انتَهى.\nولا بدَّ منْ أنْ يعلمَ أنَّ الجنينَ قدْ تخلَّق وجَرَى فيهِ الروحُ ليتصفَ بأنها قَتَلَتْهُ الجنايةُ. والشافعيةُ فسَّروهُ بما ظهرَ فيهِ صورةُ الآدميِّ منْ يدٍ وأُصْبُعٍ وغيرِهِما وإن لم تظهرْ فيهِ الصورةُ وشهد أهلُ الخبرةِ بأنَّ ذلكَ أصلُ الآدميِّ فحكمهُ كذلكَ [إن] (^٥) كانتِ الصورةُ خفيةً، وإنْ شكَّ أهلُ الخبرةِ لم يجبْ فيهِ شيءٌ اتفاقًا. [وفي الحديث] (^٦) دليلٌ على أنَّ في الجنينِ غُرَّةً ذَكَرًا كانَ أو أُنثَى لإطلاقِ الحديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1132>الاقتصاص في السن</span>\n١٢/ ١٠٩٨ - وَعَنْ أَنسٍ أَنَّ الرُّبَيّعَ بِنْتَ النَّضْرِ - عَمَّتَهُ - كَسَرَتْ ثَنِيّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦٠٢١).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٣/ ٥٧٥). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٩٦ - ١٩٧)، وابن ماجه رقم (٢٦٤١). وابن الجارود رقم (٧٧٩)، والبيهقي (٨/ ١١٤). وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٥٧٠).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٦٩٨).\n(^٥) في (ب): \"إذا\".\n(^٦) في (ب): \"وفيه\".","vol":"7","page":28},{"text":"فَأَبَوْا إلَّا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ\" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، واللَّفْظُ لِلْبُخَاريِّ. [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أنَّ الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الراءِ والباءِ الموحدةِ المفتوحةِ فمثناةٍ تحتيةٍ مشدَّدةٍ مكسورةٍ، أختَ أنسٍ (بنتَ النضرِ عَمَّتَهُ) أي عمَة أنسِ بنِ مالكٍ وهي غيرُ الرُّبَيِّعِ بنتِ مُعَوِّذٍ، ووقعَ في سننِ البيهقيِّ بنتُ معوِّذٍ، قال المصنفُ: [وهو] (^٢) غلطٌ، (كَسَرتْ ثنيةَ جاريةٍ) أي شابَّةٍ منَ الأنصارِ كما في روايةٍ (فطلبُوا) أي قرابةُ الرُّبَيِّعَ (إليها) أي [إلى] (^٣) الجاريةِ (العفوَ فَأَبَوْا، فعرضُوا الأرْشَ فَأَبَوْا، فأتوا رسولَ اللهِ - ﷺ - فَأَبَوْا إلَّا القصاصَ، فأمرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بالقصاصِ، فقالَ أنس بنُ النَّضْرِ: يا رسولَ اللهِ أتُكْسَرُ ثنيةُ الربيِّعِ؟ لا، والذي بعثكَ بالحقِّ لا تُكْسَرُ ثنيتُها، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: يا أنسُ كتابُ اللهِ القصاصُ، فرضيَ القومُ فَعَفَوْا، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ منْ عبادِ اللهِ مَنْ لو أقسمَ على اللهِ لأبرَّهُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ) فيهِ مسائلُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1133>الأُوْلَى:</span> أنه دليل على وجوبِ الاقتصاصِ في السنِّ، فإنْ كانتْ بكمالِها فهوَ مأخوذٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (^٤) وقدْ ثبتَ الإجماعُ (^٥) على قَلْعِ السنِّ بالسنِّ [بالعمد] (^٦)، وأما كسرُ السنِّ فقدْ دلَّ هذا الحديثُ على القصاصِ فيهِ أيضًا، قالَ العلماءُ: وذلكَ إذا عرفتَ المماثلةَ وأمكنَ ذلكَ منْ دونِ سرايةٍ إلى غيرِ الواجبِ. قالَ أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ - يريدُ ابنَ حنبلٍ - كيفَ في السنِّ؟ قالَ:\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٧٠٣)، ومسلم رقم (١٦٧٥). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٥٩٥)، والنسائي (٨/ ٢٨)، وابن ماجه رقم (٢٦٤٩). والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٦ - ١٧٧)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ١٢٨).\n(^٢) في (ب): \"إنه\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٥) \"موسوعة الإجماع\" (٢/ ٨٤٩ - ٨٥٠).\n(^٦) في (ب): \"في العمد\".","vol":"7","page":29},{"text":"تُبردُ، أي يُبردُ منْ سنِّ الجاني بقدْرِ ما كُسِرَ منْ سنِّ المجني عليهِ، وقالَ بعضُهم: الحديثُ محمولٌ على القلْعِ وأنهُ أرادَ بقولِه كُسِرتْ قُلِعَتْ وهوَ بعيدٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1134>لا قصاص في العظم دون السن لعدم إمكان المماثلة</span>\nوأما العظمُ غيرُ السنِّ فقدْ قامَ الإجماعُ على أنهُ لا قصاصَ في العظْمِ الذي يخافُ منهُ ذهابُ النَّفْسِ، إذ لم تتأتَ فيهِ المماثلةُ بأنْ لا يوقفَ على قدرِ الذاهبِ. وقالَ الليثُ والشافعيُّ والحنفيةُ: لا قصاصَ في العظْمِ غيرِ السنِّ لأنَّ دونَ العظمِ حائلًا منْ جلدٍ ولحمٍ وعَصَبٍ فيتعذرُ معهُ المماثلةُ، فلوْ أمكنتْ لحكْمنَا بالقصاصِ، ولكنْ لا نَصِلُ إلى العظمِ حتَّى يناله ما دونَه مما لا يعرفُ قدرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1135>[المسألة] (^١) الثانية:</span> قولُه: (أَتُكْسَرُ ثنيةُ الربيِّعِ) ظاهرُ الاستفهامِ الإنكارُ وقدْ تؤول بأنهُ لم يردْ به رد الحكمَ والمعارضةَ وإنَّما أرادَ أنْ يؤكِّدَ النبيُّ - ﷺ - طلبَ الشفاعةِ منْهم وأكَّدَ طلبَهُ منَ النبيِّ - ﷺ - بالقَسَمِ، وقيلَ: بلْ قالَه قبلَ أنْ يعلمَ أنَّ القصاصَ حَتْمٌ وظنَّ أنهُ يُخَيَّرُ بينَه وبينَ الديةِ أوِ العفوِ، ويرشدُ إليهِ قولُه في جوابهِ: (يا أنسُ كتابُ اللهِ القصاصُ)، وقيلَ: إنهُ لم يردِ الإنكارَ بلْ قالَه توقُّعًا ورجاءَ منْ فضلِ اللهِ أنْ يلهمَ الخصومَ الرضاءَ حتَّى يعفُوا أو يقبلُوا الأرشَ، وقدْ وقعَ الأمرُ على ما أرادَ. وفي إلهامِهِمُ العفوَ وفي تقريرِه - ﷺ - على الحلفِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ الحلفُ فيما يُظَنُّ وقوعَهُ.\n<span data-type='title' id=toc-1136>المسألة الثالثة:</span> قولُه - ﷺ -: (كتابُ اللهِ القصاصُ) المشهورُ فيه الرفعُ على أنهُ مبتدأٌ وخبرٌ، ويجوزُ النصبُ في الأولِ على المصدرِ وفعلُه محذوفٌ، أي كتبَ [الله ذلك كتابًا] (^٢)، وفي الثاني على أنهُ مفعولٌ للكتابِ أو الفعل المقدَّرِ، وَيحْتَمِلُ وجُوهًا أُخَرَ. قيلَ: أرادَ بالكتابِ الحكمَ، أي حكمَ اللهِ القصاصَ، وقيلَ: أشارَ إلى قولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (^٣)، أوْ إلى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (^٤)، أوْ إلى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ (٣).\nوفي قولِه - ﷺ -: (إنَّ منْ عبادِ اللهِ مَنْ لوْ أقْسَمَ، إلى آخرِهِ) تعجُّبٌ منهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"كتاب الله\".\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٤) سورة النحل: الآية ١٢٦.","vol":"7","page":30},{"text":"بوقوعِ مثلِ هذَا منْ حَلِفِ أنسٍ على نفي فعلِ الغيرِ وإصرارِ الغير على إيقاعِ ذلكَ الفعلِ. وكانَ قضيةُ ذلكَ العادةِ في أنْ يحنثَ في يمينِه، فألهمَ اللهُ تعالَى الغيرَ العفوَ فبرَّ قسمُ أنسٍ، وأنَّ هذَا الاتفاقَ واقعٌ إكرامًا منَ اللهِ تعالَى لأنسٍ ليبرَّ في يمينِه، وأنهُ منْ جملةِ عبادِ اللهِ الذينَ يعطيهمُ اللهُ ﷻ أَرَبَهَمْ ويجيبُ دعاءَهم، وفيهِ جوازُ الثناءِ على مَنْ وقعَ له مثلُ ذلك عندَ أَمْنِ الفتنةِ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1137>على من تكون الدية لمن لم يعرف قاتله</span>\n١٣/ ١٠٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا أَوْ رِمِّيًّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالنَّسَائِيِ (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣) بِإِسْنَاد قَوِيٍّ. [صحيح لغيره]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ قُتِلَ في عِمِّيًّا) بكسرِ العينِ المهملةِ وتشديدِ الميمِ والياءِ المثناةِ منْ تحت بالقصرِ فِعِّيلى من العماءِ، وقولُه: (أو رِمِّيًا) بِزِنَتِه مصدرٌ يرادُ بهِ المبالغةُ (بحجرٍ أو سوطٍ أو عصًا فعليهِ عَقْلُ الخطأِ، ومَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهوَ قَوَدٌ، ومَنْ حالَ دونَه فعليهِ لعنةُ اللهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ بإسنادٍ قويٍّ).\nقالَ في \"النهايةِ\" (^٤) في تفسيرِ اللفظيْنِ: المعنَى أنْ يوجدَ بينَهم قتيلٌ يُعَمَّى أمرُه ولا يتبينُ قاتلُه فحكمُه حكمُ قتيلِ الخطأِ تجبُ فيهِ الديةُ.\nالحديثُ فيهِ مسألتانِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1138>الأُولى:</span> أنهُ دليلٌ علَى أنَّ مَنْ لم يُعْرَفْ قاتلُه فإنَّها تجبُ فيهِ الديةُ وتكونُ على العَاقِلَةِ، وظاهِرُه منْ غيرِ أيمانِ قَسَامةٍ. وقد اختُلِفَ في ذلكَ، فقالتِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٥٣٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ٤٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٦٣٥)، وهو حديث صحيح لغيره.\n(^٤) لابن الأثير (٣/ ٣٠٥).","vol":"7","page":31},{"text":"الهادويةُ: إنْ كانَ الحاضرونَ الذينَ وقعَ بينَهم القتلُ منحصرينَ لزمتِ القَسَامةُ وجَرَى فيها حُكْمُها منَ الأيمانِ والديةِ، وإنْ كانُوا غيرَ منحصرينَ لزمتِ الديةُ في بيتِ المالِ، قالَ الخطابيُّ (^١): اختُلِفَ هلْ تجبُ الديةُ في بيتِ المالِ أوْ لا، قالَ إسحاقُ بالوجوبِ وتوجيهُهُ منْ حيثُ المعنَى أنهُ مسلمٌ ماتَ بفعلِ قومٍ منَ المسلمينَ فوجبتْ دِيَتُهُ في بيتِ مالِ المسلمينَ، وذهبَ الحسنُ إلى أنَّ دِيَتَهُ تجبُ على جميعِ مَنْ حَضَر وذلكَ لأنهُ ماتَ بفعلِهمْ فلا يتعداهم إلى غيرِهِمْ.\nوقالَ مالكٌ: إنهُ يُهْدَرُ لأنهُ إذا لم يوجدْ قاتلُه بِعَيْنِهِ استحالَ أنْ يُؤْخَذَ بهِ أحدٌ، وللشافعيِّ قولٌ إنهُ يقالُ لوليِّهِ: ادعُ عَلَى مَنْ شِئْتَ واحلفْ فإنْ حَلَفَ استحقَّ الديةَ، وإنْ نكلَ حلفَ المدَّعَى عليهِ على النفي وسقطتِ المطالبةُ وذلكَ لأنَّ الدَّمَ لا يجبُ إلَّا بالطلبِ، وإذا عرفتَ هذَا الاختلافَ وعدمَ المستَنَدِ القويِّ في أيّ هذِه الأقوالِ، وقدْ عرفتَ أنَّ سندَ الحديثِ قويٌّ كما قالَه المصنفُ، علمتَ أنَّ القولَ بهِ [أقوى] (^٢) الأقوالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1139>المسألةُ الثانيةُ:</span> في قولهِ: ومَنْ قُتِلَ عَمْدًا فهوَ قَوَدٌ، دليلٌ على أنَّ الذي يوجِبُهُ القتلُ عمدًا هوَ القَودُ عَيْنًا، وفي المسألةِ قولانِ:\n<span data-type='title' id=toc-1140>الأولُ:</span> أنهُ يجبُ القَوَدُ عَيْنًا وإليهِ ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وجماعةٌ، ويدلُّ لهمْ قولُه تعالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ (^٣)، وحديثُ: (كتابُ اللهِ القصاصُ)، قالُوا: وأما الديةُ فلا تجبُ إلَّا إذا رضيَ الجاني ولا يُجْبَرُ الجاني على تسليمِها.\n<span data-type='title' id=toc-1141>والقولُ الثاني:</span> للهادويةِ وأحمدَ ومالكٍ وغيرِهم، وقولِ للشافعيِّ أنهُ يجبُ بالقتلِ عَمْدًا أحدُ أمريْنِ: القصاصِ أوِ الديةِ، لقولِه - ﷺ -: \"منْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النَّظَرَيْنِ: إما أنْ يقيَّدَ، وإما أن يَدِي\"، أخرجَهُ أحمدُ (^٤) والشيخانِ (^٥) وغيرُهم.\nوأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ المرادَ منَ الحديثِ أنَّ وليَّ المقتولِ مخيَّرُ بشرطِ أنْ يرضَى\n_________\n(^١) انظر: \"معالم السنن\" للخطابي (٤/ ٦٧٦ - هامش السنن).\n(^٢) في (ب): \"أولى\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٧٨.\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٢٣٨).\n(^٥) البخاري رقم (١١٢)، ومسلم رقم (٤٤٧/ ١٣٥٥)، من حديث أبي هريرة.","vol":"7","page":32},{"text":"الجاني أنْ يغرمَ الديةَ، قالُوا: وفي هذَا التأويلِ جمعٌ بينَ الدليلَيْنِ، قُلْنا: الاقتصارُ في الآيةِ وفي بَعْضِ الأحاديثِ على بعضِ ما يجبُ لا يدلُّ على أنهُ لا يجبُ غيرُه مما قامَ الدليلُ على وجوبِه.\nوقدْ أخرجَ أحمدُ (^١) وأبو داودَ (^٢) عنْ أبي شريحٍ الخزاعيِّ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"مَنْ أصيبَ بدم خَبَلٍ - والخَبَلُ [الجرح] (^٣) - فهوَ بالخيارِ بينَ إحدى ثلاثٍ: إما أن يقتصَّ، أو يأخذَ العقلَ، أو يعفوَ، فإنْ أرادَ الرابعةَ فخذُوا على يديْهِ، فإنْ قَبِلَ من ذلكَ شيئًا ثمَّ عَدَا بعدَ ذلكَ فإنَّ لهُ النارَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1142>عقوبة من أعان على القتل</span>\n١٤/ ١١٠٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ يُقْتلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذي أَمْسَكَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ مَوْصُولًا (^٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ الْمُرْسَلَ (^٥). [مرسل]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: إذا أمسكَ الرجلُ الرجلَ وقتلَه الآخرُ يُقْتَل الذي قَتَلَ ويُحْبَسُ الذي أمسكَ. رواه الدارقطنيُّ موصولًا ومرسلًا، وصحَّحَهُ ابن القطَّانِ ورجالُه ثقاتٌ إلَّا أنَّ البيهقيَّ رجَّحَ المرسلَ).\nقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في \"الإرشاد\": وهذا الإسنادُ على شرطِ مسلمٍ، قلتُ: إشارةً إلى إسنادِ الدارقطنيِّ فإنهُ رواهُ منْ حديثِ أبي داودُ الحفريِّ عنِ الثوريِّ عنْ إسماعيلَ بنِ أميةَ عنْ نافعٍ عنِ ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -، الحديثَ، ثمَّ قالَ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٣١).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٤٩٦). قلت: أخرجه ابن ماجه رقم (٢٦٢٣)، وهو حديث ضعيف لضعف سفيان بن أبي العوجاء، وعنعنة محمد بن إسحاق، وقال الذهبي عن الحديث بأنه منكر.\n(^٣) في (ب): \"الجراح\".\n(^٤) في \"السنن\" (٣/ ١٤٠)، رقم (١٧٦)، وذكر الآبادي في \"التعليق المغني\" (٣/ ١٤٠) عن الدارقطني أنه قال: والإرسال أكثر.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٥٠).","vol":"7","page":33},{"text":"الحافظُ البيهقيُّ: ما رواهُ غيرُ أبي داودَ الحفريِّ عنِ الثَّوْريِّ وغيرِهِ عنْ إسماعيلَ بنِ أميةَ مرسلًا وهذَا هوَ الصحيحُ، [ثم قال ابن كثير: وهو كما قال] (^١).\nالحديثُ دليلٌ علَى أنهُ ليسَ على المُمسكِ سوَى حَبْسِهِ ولم يذكرْ قَدْرَ مُدَّتِهِ فهيَ راجعةٌ إلى نظرِ الحاكمِ، وأنَّ القودَ أو الدِّيةَ على القاتلِ، وإلى هذَا ذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ للحديثِ ولقولِه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٢).\nوذهبَ مالكٌ والنَّخَعيُّ وابنُ أبي لَيْلَى إلى أنَّهما يقتلانِ جَمِيْعًا إذْ هُما مشتركانِ في قتلهِ فإنهُ لولا الإمساكُ ما انقتل.\nوأُجِيْبَ بأنَّ النصَّ منَع الإلحاقَ، فإنَّ حُكْمَ ذلكَ حكمُ الحافرِ للبئرِ والمردي إليها فإنَّ الضمانَ على المردي دونَ الحافرِ اتِّفاقًا، ولكنَّ الحديثَ الآتي دليلٌ للأولينَ (^٣).\n١٥/ ١١٠١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْبَيْلَمَانيِّ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ. وَقَالَ: \"أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمّتِهِ\". أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسلًا (^٤)، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ (^٥)، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ. [مرسل]\n(وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ البيلمانيِّ) (^٦) بفتحِ الموحدةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(^٣) انظر: \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٤٩ - ٦٥٢) بتحقيقنا.\n(^٤) في \"المصنف\" (١٠/ ١٠١ رقم ١٨٥١٤)، ومن طريقه الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ١٣٥ رقم ١٦٦، ١٦٧)، والبيهقي (٨/ ٣٠) عن سفيان الثوري، عن ربيعة، به. وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٠٥ رقم ٣٥٠)، من طريق محمد بن الحسن. أنبأنا إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الرحمن بن البيلماني.\n(^٥) الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم ١٦٥). وقال الدارقطني: \"لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي - ﷺ -، وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة، إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله، واللهُ أعلم\". اهـ. وانظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٢). والخلاصة: أن الحديث مرسل.\n(^٦) ضعَّفه الدارقطني، وليَّنه أبو حاتم - كما في \"الميزان\" (٢/ ٥٥١ رقم ٤٨٢٧).","vol":"7","page":34},{"text":"وفتحِ اللامِ، ضعَّفهُ جماعةٌ فلا يُحْتَجُّ بما انفردَ به إذا وصلَ، فكيفَ إذا أرسلَ؟ فكيفَ إذا خالفَ؟ وفيهِ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ أبي لَيْلَى ضعيفٌ (^١)، (أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَتَلَ مسلمًا بمعاهَدٍ وقالَ: أنا أولى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ. أخرجَهُ عبدُ الرزاقِ هكَذا مرسلًا ووصلَه الدارقطنيُّ بذكرِ ابنِ عمرَ فيهِ وإسنادُ الموصولِ واهٍ)، تقدَّم الكلامُ في الحديثِ قريبًا.\n١٦/ ١١٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قُتِلَ غُلَامٌ غيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ بنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: قُتِلَ غلامٌ غِيْلَةً) بكسرِ الغينِ المعجمةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، أي سرًّا، (فقالَ عمرُ - ﵁ -: لو اشْتركَ فيهِ أهل صنعاءَ لقتلتُهم بهِ. أخرجَهُ البخاريُّ)، وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٣) منْ وجْهٍ آخرَ عنْ نافعِ أنَّ عمرَ \"قتلَ سبعةً منْ أهلِ صنعاءَ برجلٍ\"، وأخرجَهُ في \"الموطأ\" (^٤) بسندٍ آخرَ منْ حديثِ ابنِ المسيِّبِ: \"أنَّ عمرَ قتلَ خمسةً أو ستةً برجلٍ قتلُوه غيلةً وقالَ: لو تَمَالأَ عليهِ أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم بهِ جميعًا\".\nوللحديثِ قصةٌ أخرجَها الطحاويُّ (^٥) والبيهقيُّ (^٦) عنِ ابنِ وهْبٍ قالَ: حدَّثني جريرُ بنُ حازمٍ أنَّ المغيرةَ بنَ حكيمٍ الصنعانيِّ حدَّثهُ عنْ أبيهِ: \"أنَّ امرأةً بصنعاءَ غابَ عنْها زوجُها وتركَ في حجرِها ابنًا لهُ منْ غيرِها غُلامًا يُقَالُ لهُ أصيلٌ، فاتخذتِ المرأةُ بعدَ زوجِها خليلًا فقالتْ لهُ: إنَّ هذا الغلامَ يفضحُنا فاقتلْه، فأَبَى فامتنعتْ منهُ فطاوعَها، فاجتمعَ على قتلِ الغلامِ الرجلُ ورجلٌ آخرُ والمرأةُ وخادمُها فقتلُوه ثمَّ قطَّعوهُ أعضاءَ وجعلُوه في عَيْبَةٍ (^٧) وطرحُوه في رَكِيَّةٍ (^٨) في ناحيةِ القريةِ ليسَ فيها ماءٌ - وذكرَ القصةَ وفيها - فَأُخِذَ خليلُها فاعترفَ ثم اعترفَ\n_________\n(^١) كذَّبه ابن معين، انظر: \"الضعفاء والمتروكين للنسائي\" رقم (٥)، و\"المجروحين\" (١/ ١٠٥).\n(^٢) فى \"صحيحه\" رقم (٦٨٩٦).\n(^٣) في \"المصنف\" (٩/ ٣٤٧ رقم ٧٧٤٥).\n(^٤) ٢/ ٢٣٩ رقم ١٣٦٨ - مع المسوَّى\". وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٣٥٣).\n(^٥) وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩/ ٤٧٧ - ٤٧٩ رقم ١٨٠٧٩).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤١).\n(^٧) عَيْبَة: بفتح المهملة وسكون المثناة من تحت، ثم موحدة مفتوحة، وعاء من أدم.\n(^٨) رَكِيَّة: بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد المثناة التحتية، البئر لم تطو.","vol":"7","page":35},{"text":"الباقونَ، فكتبَ يَعْلَى - وهوَ يومئذٍ أميرٌ - بشأنِهم إلى عمرَ - ﵁ - فكتبَ عمرَ بقتلِهم جميعًا وقالَ: واللهِ لو أنَّ أهلَ صنعاءَ اشتركُوا في قَتْلِه لقتلتُهم أجمعينَ\".\nوفي هذَا دليلٌ أنَّ رَأْيَ عمرَ - ﵁ - أنهُ تقتلُ الجماعةُ بالواحدِ، وظاهرُه ولوْ لم يباشرْه كلُّ واحدٍ، ولِذَا قلْنا [سابقًا] (^١) إنَّ فيهِ دليلًا لقولِ مالكِ والنخعيِّ، وقولُ عمرَ: لوْ تمالأَ - أي توافقَ - دليلٌ على ذلكَ.\nوفي قَتْلِ الجماعةِ بالواحدِ مذاهبُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1143>الأولُ:</span> هذَا، وإليهِ ذهبَ جماهيرُ فقهاءِ الأمصارِ وهوَ مرويٌّ عنْ عليٍّ - ﵁ - وغيرِه. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٢) \"عنْ عليٍّ - ﵁ - في رجليْنِ شَهِدَا على رجلٍ بالسَّرقةِ فَقَطَعَهُ عليٌّ - ﵁ - ثمَّ أتياهُ بآخرَ فَقَالا: هذَا الذي سَرَقَ وأخطأْنا على الأوَّلِ فلم يجزْ شهادتَهما على الآخرِ وأغرمَهما ديةَ الأوَّلِ وقالَ: لو أعلمُ أَنَّكُما تعمَّدْتُما لقطعتُكما\"، ولا فَرْقَ بينَ القصاص في النَّفْسِ والأطرافِ.\n<span data-type='title' id=toc-1144>والثاني:</span> للناصرِ والشافعيِّ وجماعةٍ وروايةٍ عنْ مالكٍ أنهُ يختارُ الورثةُ واحِدًا منَ الجماعةِ، وفي روايةٍ عنْ مالكٍ يُقْرَعُ بينَهم فمنْ خرجتْ عليهِ القرعةُ قُتِلَ، ويلزمُ الباقونَ الحصةَ منَ الديةِ، وحجَّتُهم أنَّ الكفاءة مُعْتَبَرَةٌ ولا تُقْتَلُ الجماعةُ بالواحدِ كما لا يُقْتَلُ الحرُّ بالعبدِ، وأُجِيْبَ بأنَّهم لم يقتلُوا لصفةٍ زائدةٍ في المقتولِ بلْ لأنَّ كلَّ واحدٍ منْهم قاتلٌ.\n<span data-type='title' id=toc-1145>والثالثُ:</span> لربيعةَ وداودَ أنهُ لا قصاصَ علَى الجماعةِ بل الديةَ رعايةً للمماثلةِ ولا وجْهَ لتخصيصِ بعضِهم.\n[فهذه] (^٣) أقوالُ العلماءِ في المسألةِ، والظاهرُ قولُ داودَ لأنهُ تعالَى أوجبَ القصاصَ وهوَ المماثلةُ وقدِ انتفتْ هنا، ثمَّ موجبُ القصاصِ هوَ الجنايةُ التي\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" تعليقًا (١٢/ ٢٢٦). قلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ١٨٢ رقم ٢٩٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٤١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ٨٨ رقم ١٨٤٦١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩/ ٤٠٨ - ٤٠٩).\n(^٣) في (ب): \"هذه\".","vol":"7","page":36},{"text":"تُزْهِقُ الروح فإنْ زُهِقَتْ بمجموعِ فِعْلِهِمْ فكلُّ فردٍ ليسَ بقاتلٍ فكيفَ يُقْتَلُ عندَ الجمهورِ؟ وإنَّما يصحُّ على قولِ النَّخعي.\nوإنْ كانَ كلُّ واحدٍ [قاتلًا] (^١) بانفرادهِ لزمَ تواردُ المؤثراتِ على أثرٍ واحدٍ والجمهورُ يمنعونَهُ، علَى أنهُ لا سبيلَ إلى معرفةِ أنهُ ماتَ بفعلِهم جميعًا أوْ بفعلِ بعضهم، فإنْ فُرِضَ معرفتُنا بأنَّ كلَّ جنايةٍ قاتلةٌ بانفرادِها لم يلزمُ أنهُ ماتَ بكلِّ منْها، فلا عبرةَ بالأسبقِ كما قيلَ. وأما حُكْمُ عمرَ - ﵁ - فَفِعْلُ صحابيٍّ لا [يقوم به حجة] (^٢)، ودَعْوَى أنهُ إجماعٌ غيرُ [مقبول] (^٣)، وإذا لم يجبْ قتلُ الجماعةِ بالواحدِ فإنَّها تلزمُهم ديةٌ واحدةٌ لأنَّها عوضٌ عنْ دمِ المقتولِ، وقيلَ [يلزم] (^٤) كلَّ واحدٍ، ونُسِبَ قائلُه إلى خلافِ الإجماعِ، هذَا ما قرَّرْنَاهُ هنا ثمَّ قوِيَ لنا قتلُ الجماعةِ بالواحدِ وحرَّرْنا دليلَه في حواشي \"ضوء النهارِ\" (^٥) وفي ذيلِنَا على الأبحاثِ المسدَّدةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>من قتل له قتيل فهو مخيَّر بين العقل والقود</span>\n١٧/ ١١٠٣ - وَعَنْ أَبي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتي هذِهِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائِيُّ (^٧). [صحيح]\n- وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (^٨) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ.\n(وعنْ أبي شُريحٍ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ المثناةِ فحاءٍ مهملةٍ (الخُزاعيِّ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ فزاي، بعدَ الألفِ عينٌ مهملةٌ، اسمهُ عمرُو بنُ خويلدٍ وقيلَ غيرُه، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ: فمنْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ بعدَ مقالتي هذهِ فأهلُه\n_________\n(^١) في (١): \"قاتل\".\n(^٢) في (ب): \"تقوم به الحجة\".\n(^٣) في (ب): \"مقبولة\".\n(^٤) في (ب): \"تلزم\".\n(^٥) (٤/ ٢٣٤٢ - ٢٣٤٣).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٥٠٤).\n(^٧) لم أجده عند النسائي. قلت: والترمذي رقم (١٤٠٦)، وهو حديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٢٢٠).\n(^٨) البخاري رقم (٦٨٨٠)، ومسلم رقم (١٣٥٥).","vol":"7","page":37},{"text":"بينَ خِيرَتَيْنِ) بالخاءِ المعجمة فراءٍ، تثنيةُ خِيْرةٍ، بيَّنَهما بقولِه: (إمَّا أنْ يأخُذوا العقلَ أو يقتلُوا. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وأصلُه في الصحيحينِ بمعناهُ منْ حديثِ أبي هريرةَ).\nأصلُ الحديثِ أنهُ قالَ - ﷺ - في أثناءِ كلامِهِ: \"ثمَّ إنكمْ معشرَ خزاعةَ قتلتُم هذَا الرجلَ منْ هُذَيْلٍ وإني عاقلُه فمنْ قُتِلَ لهُ - الحديثَ\". وتقدَّمَ حديثُ أبي شريحٍ فيهِ التخييرَ بينَ إحْدَى ثلاثٍ (^١) ولا منافاةَ.\nقالَ في \"الهدي النبويِّ\": إنَّ الواجبَ أحدُ الشيْئَيْنِ، إما القصاصُ أو الديةُ، والخِيَرةُ في ذلكَ إلى الوليِّ بينَ أربعةِ أشياءٍ: العفوُ مجانًا، أو العفوُ إلى الديةِ، أو القصاصُ، ولا خلافَ في تخييرهِ بينَ هذهِ الثلاثةِ، والرابعةُ المصالحةُ إلى أكثرَ منَ الديةِ فيهِ وجهانِ:\nأحدُهما: أشهرُهما مذهبًا أي للحنابلة جوازُه.\nوالثاني: ليسَ له العفوُ على مالٍ إلَّا الديةَ أو دونَها، وهذا أرجحُ دليلًا، فإنِ اختارَ الديةَ سقطَ القَوَدُ ولم يملكْ طَلَبَهُ بعدُ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ وإحْدَى الروايتينِ عنْ مالكٍ، وتقدَّم القولُ الثاني أنَّ موجِبَهُ القَوَدُ عينًا وليسَ لهُ العفوُ إلى الديةِ إلَّا برضَا الجاني وتقدَّم المختارُ.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجه، وهو حديث ضعيف في أثناء شرح الحديث رقم (١٣/ ١٠٩٩) من كتابنا هذا.","vol":"7","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1147>[الباب الأول] باب الديات</span>\nالدِّيَاتُ بتخفيفِ الياء المثناةِ التحتيةِ جمعُ دِيَةٍ، كعِدَاتٍ جمعُ عِدَةٍ. أصلُ ديةٍ وِدْيَةٌ بكسرِ الواوِ مصدرُ وَدَى القتيلُ يدِيْهِ إذا أعْطِيَ وليُّه دِيَتَهُ، حذفتْ فاءُ الكلمةِ وعُوِّضَتْ عنْها [تاءُ] (^١) التأنيثِ كما في عِدَةٍ، وهيَ اسمٌ لأعمَّ مما فيهِ القصاصُ وما لا قصاصَ فيهِ.\n١/ ١١٠٤ - عَنْ أَبي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵃ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: \"أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَفي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفي اللِّسان الدِّيَةُ، وَفي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفي الْبَيْضَتين الدِّيَةُ، وَفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفي الرِّجْل الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيةِ، وَفي الْمَأَمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابع الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِل، وَفي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل (^٢)،\n_________\n(^١) في (ب): \"تاء\".\n(^٢) رقم (٩٢) ورجاله ثقات. رجال الشيخين، غير محمد بن عمارة - وهو ابن عمرو بن حزم الأنصاري الخرمي المدني - فإنه لم يخرجا له ولا أحدهما. وهو صدوق. وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٣٨٠)، وقال أبو حاتم: صالح ابن إدريس: هو =","vol":"7","page":39},{"text":"وَالنَّسَائيُّ (^١) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢) وَابْنُ الْجَارُودِ (^٣) وَابْنِ حِبَّانَ (^٤) وَأَحْمَدُ، وَاخْتَلَفُوا في صِحّتِهِ. [صحيح]\n(عنْ أبي بكرِ بن محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ) بالحاءِ المهملةِ مفتوحةً وسكونِ الزاي، وهوَ تابعيٌّ وَليَ القضاءَ في المدينةِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، اسمُه كنيتُه (عنْ أبيهِ عنْ جدِّه) عمرِو بنِ حزمٍ (أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَتَبَ إلى أهلِ اليمنِ فذكرَ الحديثَ) أولُه: \"منْ محمدٍ النبيِّ إلى شرحبيلَ بنِ عبدِ كلالٍ ونعيمِ بنِ عبدِ كلالٍ والحرثِ بنِ عبدِ كلالٍ قِيَلَ ذي رعينٍ، أما بعدُ\" إلى آخرِ ما هُنَا.\n(وفيهِ أنَّ منِ اعتبطَ) بالعينِ المهملةِ بعدَها مثناةٌ فوقيةٌ ثمَّ موحَّدةٌ آخرَها طاءٌ مهملةٌ، أي مَنْ قَتَلَ قتيلًا بِلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ توجبُ قَتْلَهُ (مؤمنًا قتلًا عنْ بَيِّنَةٍ فإنهُ قَوَدٌ إلَّا أنْ يَرْضَى أولياءُ المقتولِ) فيهِ دليلٌ على أنَّهم مخيَّرونَ كما قرَّرْنَاهُ.\n(وإنَّ في النفس الديةَ مائةٌ منَ الإِبِلِ) بدلٌ منَ الديةِ (وفي الأنفِ إذا أُوْعِبَ) [بضمِّ الهمزةِ وسكونِ الواوِ وكسرِ العينِ المهملة فموحدةٍ (جَدْعُهُ)] (^٥) أي قطعَ جميعُهُ (الديةُ، وفي اللسانِ الديةُ) [إذا قُطِعَ منْ أصلِهِ أو ما يمنعُ منهُ الكلامُ] (^٦) (وفي الشَّفتين الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الديةُ) إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ، (وفي البيضتينِ الديةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العينينِ الديةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ) إذا قُطِعَتْ منْ مفصلِ الساقِ (وفي المأمومةِ) هي الجنايةُ التي بلغتْ أمَّ الرأسِ وهي الدماغُ أو الجلدةُ الرقيقةُ عليها (ثلثُ الدية، وفي الجائفة) قال في \"القاموس\" (^٧): هي الطعنةُ\n_________\n= عبد اللهِ بن إدريس بن يزيد الأودي الكوفي.\n(^١) في \"السنن\" (٨/ ٥٧ - ٥٨ رقم ٤٨٥٣) مختصرًا.\n(^٢) رقم (٢٢٦٩) مختصرًا.\n(^٣) في \"المنتقى\" رقم (٧٨٤) مختصرًا.\n(^٤) كما في \"الموارد\" رقم (٧٩٣). قلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، ومن طريقه البيهقي (٨/ ٧٣). ولمعظم فقراته شواهد، انظر: \"نصب الراية\" (١/ ١٩٦ - ١٩٧)، و(٢/ ٣٤٠ - ٣٤١)، و\"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٧ - ١٨)، و\"نيل الأوطار\" للشوكاني (١/ ٢٥٩ - ٢٦١)، و(٧/ ١٦٢ - ١٦٣)، (٧/ ٢١٢ - ٢١٨)، و\"شرح الموطأ\" للزرقاني (٥/ ١٣٦ - ١٣٧). والخلاصة: فهو حديث صحيح.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) \"القاموس المحيط\" (ص ١٠٣١).","vol":"7","page":40},{"text":"تبلغُ الجوفَ ومثلُه في غيره (ثلثُ الديةِ، وفي المنقِّلَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ نقَّل - مشدَّدُ القافِ - وهيَ التي تخرجُ منْها صغارُ العظامِ وتنتقلُ منْ أماكِنها، وقيلَ التي تنقلُ العَظْمَ أي تَكْسِرُهُ (خمسَ عَشْرَةَ منَ الإبلِ، وفي كلِّ أُصْبُعٍ منْ أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ منَ الإبلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ مِنَ الإبلِ، وفي الموضحَةِ) اسمُ فاعلٍ منْ أوضحَ وهي التي توضِحُ العظْمَ وتَكْشِفُهُ (خمسٌ منَ الإِبِلِ، وإنَّ الرجلَ يقْتَلُ بالمرأةِ، وعلَى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ. أخرجَهُ أبو داودَ في \"المراسيلِ\" والنسائيُّ وابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ وابنُ حِبَّانَ وأحمدُ واختلفوا في صِحَّتِهِ)، قالَ أبو داودَ في \"المراسيل\" (^١): قدْ أسندَ هذَا ولا يصحُّ والذي قالَ في إسنادِه سليمانُ بنُ داودَ وَهْمٌ إنَّما هوَ ابنُ أَرْقَمَ (^٢).\nقالَ أبو زرعةَ: عرضْتُه على أحمدَ فقالَ: سليمانُ بنُ داودَ هذا ليسَ بشيءٍ.\nوقالَ ابنُ حبانَ (^٣): سليمانُ بنُ داودَ اليمانيِّ ضعيفٌ، وسليمانُ بنُ داودَ الخولانيُّ ثقةٌ، وكلاهُما يرويانِ عنِ الزهريِّ، والذي يروي حديثَ الصدقاتِ هوَ الخولانيُّ، فَمَنْ ضعَّفهُ ظَنَّ أنَّ الراويَ هو اليمانيُّ.\nوقالَ الشافعيُّ (^٤): لم ينقلُوا هذا الحديثَ حتَّى ثبتَ عندَهم أنهُ كتابُ رسولِ اللهِ - ﷺ -. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٥): هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهلِ السِّيرِ معروفٌ ما فيهِ عندَ أهلِ العلمِ معرفةٍ يستغنى شهرتُها عنِ الإسنادِ (^٦)، لأنهُ أشبهَ المتواترَ لتلقي الناسِ [له] (^٧) بالقَبولِ والمعرفةِ.\nقالَ العقيليُّ (^٨): حديثُ ثابتٍ محفوظ إلَّا أنَّا نَرَى أنهُ كتابٌ غيرُ مسموعٍ عمَّنْ فوقَ الزهريِّ.\n_________\n(^١) (ص ٢١٣).\n(^٢) انظر: \"الجوهر النقي\" لابن التركماني (٤/ ٨٩)، و\"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٣) في كتابه \"الثقات\" (٦/ ٣٨٧).\n(^٤) في \"الرسالة\" ٤٢٢ رقم ١١٦٣.\n(^٥) في \"التمهيد\" (١٧/ ٣٣٨).\n(^٦) قلت: لا بد من الإسناد في كل أمر من أمور الدين وعليه الاعتماد. روى مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ٨٧ - بشرح النووي)، عن عبد اللهِ بن المبارك قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء\".\n(^٧) في (ب): \"إياه\".\n(^٨) في \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ١٢٨).","vol":"7","page":41},{"text":"وقالَ يعقوبُ بنُ سفيانَ: لا أعلمُ في الكتبِ المثقولةِ كتابًا أصحَّ منْ كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ، فإنَّ الصحابة والتابعينَ يرجعونَ إليهِ ويدَعُونَ رأْيَهم.\nقالَ ابنُ شهابٍ: قرأتُ في كتابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - لعمرِو بنِ حزمٍ حينَ بعثَهُ إلى نجرانَ وكانَ الكتابُ عندَ أبي بكرِ بنِ حزمٍ، وصحَّحَهُ الحاكمُ (^١) وابنُ حِبَّانَ (^٢) والبيهقيُّ (^٣)، وقالَ أحمدُ: أرجُو أنْ يكونَ صحيحًا.\nوقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في \"الإرشادِ\" (^٤) بعدَ نَقْلِهِ كلام أئمةِ الحديثِ فيهِ ما لفظُه: قلتُ: وعلَى كلِّ تقديرٍ فهذَا الكتابُ متدَاوَلٌ بينَ أئمةِ الإسلامِ قديمًا وحديثًا يعتمدونَ عليهِ ويفزعُونَ في مهماتِ هذا البابِ إليهِ، ثمَّ ذكرَ كلامَ يعقوبَ بنِ سفيانَ. إذا عرفتَ كلامَ العلماءِ هذا، عرفتَ [أن الحديث] (^٥) معمولٌ بهِ وأنهُ أَوْلَى منَ الرأْي المَحْضِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1148>المسائل الفقهية التي اشتمل عليها الحديث</span>\nوقدِ اشتملَ على مسائلَ فقهيةٍ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1149>الأُولى:</span> فيمنَ قَتَلَ مؤمنًا اعتباطًا أي بلا جنايةٍ منهُ ولا جريرةٍ تُوْجِبُ قتلُه كما قدَّمْناهُ، وقالَ الخطابيُّ: اعتبطَ بقتلِه أي قتلَه ظُلْمًا لا عنْ قصاصٍ. وقدْ رُوِيَ الاغتباط بالغينِ المعجمةِ كما يفيدُه تفسيرُه في \"سننِ أبي داودَ\" فإنهُ قالَ: إنهُ سُئِلَ يَحْيَى بن يَحْيَى الغسانيِّ عنِ الاغتباطِ فقال: القاتلُ الذي يقتلُ في الفتنةِ فَيَرى أنهُ في هُدَى لا يستغفرُ اللهَ تعالَى منهُ. فهذَا يدلُّ أنهُ منَ الغبطةِ بالغينِ المعجمة الفرحُ والسرورُ وحسنُ الحالِ، فإذا كانَ المقتولُ مؤمنًا وفرحَ بقتلِه فإنهُ داخلٌ في هذا الوعيدِ. ودلَّ على أنهُ يجبُ القَوَدُ إلَّا أنْ يرضَى أولياءُ المقتولِ فإنَّهم يخيِّرون بينَه وبينَ الديةِ كما سلفَ.\n<span data-type='title' id=toc-1150>[المسألة] (^٦) الثانيةُ:</span> دلَّ الحديث أنَّ قدْرَ الديةِ مائةٌ منَ الإبلِ، وفيهِ دليلٌ أيضًا علَى أنَّ الإبلَ هيَ الواجبةُ وأنَّ بقية الأصنافِ ليستْ بتقديرٍ شرعيٍّ بلْ هيَ\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٧).\n(^٢) في \"الموارد\" رقم (٧٩٣).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٠).\n(^٤) (٢/ ٢٧٧).\n(^٥) في (ب): \"أنه\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"7","page":42},{"text":"مصالحةٌ، وإلى هذا ذهبَ القاسمُ والشافعيُّ، وأما أسنانُها فسيأتي الحديث بعدَ هذَا، إلَّا أنَّ قولَه في هذا الحديثِ: (وعلى أهلِ الذهبِ ألفُ دينارٍ) ظاهرُه أنهُ أيضًا أصلٌ على أهلِ الذَّهبِ، والإبلُ أصلٌ على أهلِ الإبلِ، ويحتملُ أنَّ ذلكَ معَ عدمِ الإبلِ، وأنَّ قيمةَ المائةِ منْها ألفُ دينارٍ في ذلكَ العصرِ. ويدلُّ لهذا ما أخرجَه أبو داودَ (^١)، والنسائيُّ (^٢) عنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: \"أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يقوِّمُ ديةَ الخطأِ على أهلِ القُرى أربعُمائةِ دينارٍ أو عدْلُها منَ الورِقِ، ويقوِّمُها علَى أثمانِ الإبلِ إذا غلتْ رفعَ منْ قيمتِها وإذا هاجتْ ورخصتْ نَقَّصَ منْ قيمتِها.\nوبلغتْ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ما بينَ أربعِمائةِ إلى ثمانمائةِ وعِدْلُها منَ الورِقِ ثمانيةُ آلافِ درهمٍ، قالَ: وقضَى على أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ ومنْ كانَ ديةُ عَقْلِهِ في الشاء بِأَلْفَي شاةٍ\".\nوأخرجَ أبو داودَ (^٣) عنِ ابنِ عباس - ﵄ - أنَّ رجلًا منْ بني عديٍّ قُتِلَ فجعلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -[دِيَتَهُ] (^٤) اثني عَشَرَ ألفًا ومثلُه عندَ الشافعيِّ (^٥) وعندَ الترمذيِّ (^٦)، وصرَّحَ بأنَّها اثنا عشرَ ألفِ درهمٍ وعندَ أهلِ العراقِ أنَّها مِنَ الورِقِ عشرةُ آلافِ درهمٍ، ومثلُه عنْ عمرَ (^٧) - ﵁ - وذلكَ بتقويمِ الدينارِ بعشرةِ دراهمَ واتفقُوا على تقويمِ المثقالِ بها في الزكاةِ.\nوأخرجَ أبو داودَ (^٨) عنْ عطاءٍ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -: \"قَضَى في الديةِ على أَهْلِ الإبلِ مائةً منَ الإبلِ، وعلى أهلِ البقَرِ مائتيْ بقرةٍ، وعلَى أهلِ الشَّاءِ ألفيْ شاةٍ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٥٦٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ٤٢ - ٤٣ رقم ٤٨٠١).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٥٤٦).\n(^٤) زيادة من (جـ).\n(^٥) في \"الأم\" (٦/ ١١٣)، مرسلًا.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٣٨٨)، موصولًا. وأخرجه الترمذي مرسلًا رقم (١٣٨٩)، والنسائي مرفوعًا (٨/ ٤٤)، وابن ماجه مرفوعًا رقم (٢٦٢٩). وهو حديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" (٧/ ٣٠٤ رقم ٢٢٤٥).\n(^٧) أخرجه الشافعي في \"الأم\" (٦/ ١١٣)، عنه مرسلًا.\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٤٥٤٣) مرسلًا. ورقم (٤٥٤٤) منقطعًا. لأنهُ لم يذكر فيه من حديثه عن عطاء فهي رواية عن مجهول. والخلاصة: أنَّ الحديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٢٤٤).","vol":"7","page":43},{"text":"وعلى أهلِ الحُللِ مائتي حُلَّةٍ، وعلَى أهلِ القمحِ شيئًا لم يحفظْه محمدُ ابنُ إسحاقَ\".\nوهذا يدلُّ على تسهيلِ الأمرِ وأنهُ ليسَ يجبُ على مَنْ لزمتْه الديةُ إلَّا منَ النوعِ الذي يجدُه ويعتادُ التعاملَ بهِ في ناحيتِه، وللعلماءِ هُنا أقاويلُ مختلفةٌ، وما دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ أولى بالاتباعِ، وهذهِ التقديراتُ الشرعيةُ كما عرفتَ. وقدِ استبدلَ النَّاسُ عُرْفًا في الدِّياتِ وهوَ تقديرُها بسبعمائةِ قرشٍ. ثمَّ إنَّهم يجمعونَ عرُوضًا يقطعُ فيها بزيادةٍ كثيرةٍ في أثمانِها فتكونُ الديةُ حقيقةً نصفَ الديةِ الشرعية، ولا أعرفُ لهذا وجْهًا شرعيًا فإنهُ أمرٌ صارَ مأنوسًا، ومَنْ لهُ الديةُ لا يعذرُ عنْ قبولِ ذلكَ حتَّى أنهُ صارَ منَ الأمثالِ: \"قطعُ ديةٍ\"، إذا قطعَ شيءٌ بثمنٍ لا يبلغُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1151>المسألةُ الثالثةُ:</span> قولُه: (وفي الأنفِ إذا أُوْعِبَ جدعُه)، أي استؤصلَ، وهوَ أنْ يقطعَ منَ العظمِ المنحدِرِ منْ مَجْمَعِ الحاجبينِ، فإنَّ فيها الديةَ، وهذَا حكمٌ مُجْمَعٌ عليهِ.\nواعلم أنَّ الأنفَ مُرَكَّبٌ منْ أربعةِ أشياءَ: منْ قصبةٍ ومارنٍ وأرنبةٍ ورَوْثةٍ. فالقصبةُ هيَ العظْمُ المنحدرُ منْ مَجْمَعِ الحاجبينِ، والمارنُ هوَ الغضروفُ الذي يجمعُ المنخريْنِ، والرَّوْثةُ بالراءِ وبالمثلثةِ طرفُ الأنفِ. وفي \"القاموسِ\" (^١): المارنُ الأنفُ أو طرفُه أوْ ما لانَ منهُ. واختُلِفَ إذا جَنَى على أحد هذهِ، فقيلَ: تلزمُ حكومةٌ عندَ الهادي، وذهبَ الناصرُ والفقهاءُ إلى أنَّ في المارِنِ ديةً لما رواهُ الشافعيُّ (^٢) عنْ طاوسَ قالَ: عندَنا في كتابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -: \"في الأنفِ إذا قُطِعَ مارِنُه مائةٌ منَ الإبلِ\"، قالَ الشافعيُّ: وهذَا أَبْيَنُ منْ حديثِ آلِ حزمٍ، وفي الرَّوْثةِ نصفُ دِية لما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ عمرِو بنِ [شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ] (^٤): \"قَضَى النبيُّ - ﷺ - إذا قُطِعَتْ ثُنْدُوةُ الأنفِ بنصفِ العقلِ خمسونَ منَ الإبلِ أوْ عَدْلُها منَ الورِقِ أوِ الذهبِ\"، قالَ في \"النهايةِ\" (^٥): الثُّنْدُوةُ هنَا روثةُ الأنفِ، وهيَ طرفُه [ومقَدَّمُه] (^٦).\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ١٥٩٢).\n(^٢) في \"الأم\" (٦/ ١٢٧).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٨).\n(^٤) في (ب): \"شعيب\".\n(^٥) لابن الأثير: (١/ ٢٢٣).\n(^٦) في (أ): \"ومتقدمه\".","vol":"7","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1152>المسألةُ الرابعةُ:</span> قولُه: (وفي اللِّسانِ الديةُ)، أي إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ كما هوَ ظاهرُ الإطلاقِ وهذَا مُجْمَعٌ عليهِ، وهذا إذا قُطِعَ منهُ ما يمنعُ الكلامَ، وأما إذا قُطِعَ ما يبطلُ به بعضَ الحروفِ فحِصَّتُه معتبرةٌ بعَدَدِ الحروفِ، وقيلَ بحروفِ اللسانِ فقطْ وهيَ ثمانيةَ عَشَرَ حَرْفًا، لا حروفَ الحلقِ وهي ستةٌ، ولا حروفَ الشَّفةِ وهيَ أربعةٌ، والأولُ أَوْلَى لأنَّ النُّطْقَ لا يتأتَّى إلَّا باللسانِ.\n<span data-type='title' id=toc-1153>المسألةُ الخامسةُ:</span> قولُه: (وفي الشفتينِ الديةُ)، واحدتها شَفةٌ بفتحِ الشينِ وتكسرُ كما في \"القاموس\" (^١). وحدُّ الشفتينِ منْ تحتِ المنْخَرَيْنِ إلى مُنَتَهَى الشِّدْقَيْنِ في عرضِ الوجْهِ، وفي طولِه منْ أَعْلَى الذَّقْنِ إلى أسفلِ الخدَّيْنِ، وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ. واخْتُلِفَ إذا قُطِعَ إحداهُمَا فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّ في كلِّ واحدةٍ نصفُ الديةِ على سواء، ورُوِيَ عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ في العُلْيَا ثلثًا وفي السُّفْلَى ثلثينِ، إذْ منافعُها أكثرُ لحفظِها للطعامِ والشرابِ.\n<span data-type='title' id=toc-1154>السادسةُ:</span> قولُه: (وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ)، هذَا إذا قُطِعَ منْ أصْلِهِ وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ، فإنْ قَطَعَ الحشفَةَ ففيها الديةُ عندَ مالكٍ وبعضِ الشافعيةِ، واختارَه المهديُّ لمذهب الهادوية. وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا فرقَ بينَ العِنِّيْنِ وغيرِه والكبيرِ والصغيرِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ، وعند الأَكثرِ أنَّ في ذَكَرِ الخصيِّ والعِنِّيْنِ الحكومة.\n<span data-type='title' id=toc-1155>[المسألةُ] (^٢) السابعةُ:</span> قولُه: (وفي البيضتينِ الديةُ)، وهوَ حُكْمٌ مُجْمَعٌ عليهِ وفي كلِّ واحدةٍ نصفُ الديةِ. وفي \"البحر\" (^٣) عنْ عليٍّ - ﵁ - وابنِ المسيِّبِ - ﵁ - أنَّ في البيضةِ اليُسْرَى ثلثي الديةِ لأنَّ الولدَ يكونُ منْها، وفي اليمنَى ثلثُ الديةِ.\n<span data-type='title' id=toc-1156>المسألة الثامنةُ:</span> أنَّ في الصُّلْبِ الديةَ وهوَ إجماعٌ. والصُّلبُ بالضمِ والتحريك عَظْمٌ منْ لدن الكاهلِ إلى العَجْب، بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الجيمِ، أصلُ الذنَبِ، كالصَّالبة، قالَ تعالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ (^٤)، فإنْ ذهبَ المنيُّ معَ الكسْرِ فَدِيَتَانِ.\n<span data-type='title' id=toc-1157>التاسعةُ:</span> أفادَ أنَّ في العينيْنِ الديةَ وهوَ مجمعٌ عليهِ (^٥)، وفي إحدَاهما\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ١٦١١).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"البحر الزخار\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٤) سورة الطارق: الآية ٧.\n(^٥) \"الإجماع\" لابن المنذر (ص ١٤٨ رقم ٦٨١).","vol":"7","page":45},{"text":"نصفُ الديةِ وهذَا في العينِ الصحيحةِ. واختُلِفَ في الأعورِ إذا ذهبتْ عينُه بالجناية فذهبَ الهادي والحنفية والشافعية إلى أنهُ يجبُ فيها نصفُ الديةِ إذْ لم يفصِّلِ الدليلُ، وهوَ هذَا الحديثُ، وقياسًا على مَنْ له يدٌ واحدةٌ فإنهُ ليسَ لهُ إلَّا نصفَ الديةِ وهو مجمعٌ عليهِ. وذهبَ جماعةٌ منَ الصحابةِ ومالكٌ وأحمدُ إلى أنَّ الواجبَ فيها ديةٌ كاملةٌ لأنَّها في معنَى العينَيْنِ. واختلفُوا إذا جَنَى على عينٍ واحدةٍ، فالجمهورُ على ثبوتِ القَوَدِ لقولِه تعالَى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ (^١) وعنْ أحمدَ أنهُ لا قَوَدَ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1158>العاشرةُ:</span> قولُه: (وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ)، وحدُّ الرِّجْلِ [الذي تجبُ] (^٢) فيها الديةُ منْ مَفْصِلِ الساقِ، فإنْ قطعَ منَ الركبةِ لزمَ الديةَ وحكومةً في الزائدِ. واعلمْ أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (^٣) عنِ الزُّهْريِّ أنهُ قرأَ في كتابِ عمروِ بنِ حزمٍ: وفي الأُذُنِ خمسونَ منَ الإبلِ، قالَ: ورُوِّينَا (^٤) عنْ عليٍّ وعمرَ أَنَّهما قَضَيَا بذلكَ. وَرَوى البيهقيُّ (^٥) منْ حديثِ معاذِ أنهُ قالَ: وفي السَّمْعِ مائةٌ منَ الإبلِ وفي العَقْلِ مائةٌ منَ الإبلِ، وقالَ البيهقيُّ: إسنادُه ليسَ بقويٍّ. قالَ ابنُ كثيرٍ: لأنهُ منْ روايةِ رِشْدينَ بنِ سَعْدٍ المصريِّ وهوَ ضعيفٌ (^٦)، قالَ زيدُ بنُ أسلمَ: مضتِ السُّنةُ أنَّ في العقْلِ إذا ذهبَ الديةَ، رواهُ البيهقيُّ (^٧).\n<span data-type='title' id=toc-1159>الحاديةَ عَشْرةَ:</span> [الحديث] (^٨) أنَّ في المأمومةِ (^٩) والجائفةِ (^١٠) وتقدَّم تفسيرُهما\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٥٨)، و\"معرفة السنن والآثار\" رقم (١٦١١٧).\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٥)، و\"المصنف\" لعبد الرزاق (٩/ ٣٢٤)، وانظر: \"المحلَّى\" لابن حزم (١٠/ ٤٤٨).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٥، ٨٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" رقم (١٦١٢٢). وقال البيهقي: إسناده غير قوي.\n(^٦) قال النسائي: رشدين بن سعد مصري. متروك الحديث. وقال البخاري: عن الأوزاعي، في أحاديثه مناكير. وقال أبو زرعة: ضعيف. انظر: \"المجروحين\" (١/ ٣٠٣)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥١٣)، و\"الميزان\" (٢/ ٤٩).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٠).\n(^٨) في (ب): \"أنه دلَّ على\".\n(^٩) المأمومة: وهي التي تبلغ أم رأس الدماغ.\n(^١٠) الجائفة: وهي التي تخرق حتَّى تصل إلى الصفاق.","vol":"7","page":46},{"text":"في كلِّ واحدةٍ [ثلثُ الديةِ] (^١)، قالَ الشافعيُّ: لا أعلمُ خِلَافًا أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: في الجائفةِ ثلثُ الديةِ، ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في \"الإرشادِ\". وقالَ في \"نهاية المجتهدِ\" (^٢): اتفقُوا علَى أنَّ الجائفةَ منْ جراحِ الجسدِ لا منْ جراحِ الرأسِ وأنهُ لا يقادُ منْها وأنَّ فيها ثلثَ الديةِ وأنَّها جائفةٌ متَى وقعتْ في الظَّهْرِ والبْطَنِ. واختلفُوا إذا وقعتْ في غيرِ ذلكَ منَ الأعضاءِ فنفذتْ إلى تجويفِه، فحكَى مالكٌ عنْ سعيدِ بنِ المسيِّبِ أنَّ في كلِّ جراحةٍ نافذةٍ إلى تجويفِ عُضْوٍ منَ الأعضاءِ أيِّ عُضوٍ كانَ ثلثُ دِيَةِ ذلكَ العضوِ، واختارَهُ مالكٌ، وأما سعيدٌ فإنهُ قاسَ ذلكَ على الجائفةِ نحوِ ما رُوِيَ عنْ عمرَ - ﵁ - في موضِحَةِ الجسدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1160>المسألة الثانيةَ عشْرةَ:</span> في المنقِّلةِ خمسَ عَشْرَةَ منَ الإبلِ وتقدَّم تفسيرُها.\n<span data-type='title' id=toc-1161>الثالثةَ عشْرةَ:</span> أفادَ أنَّ في كلِّ أصْبُعٍ عشر منَ الإبلِ سواءٌ كانتْ منَ اليدينِ أو الرِّجْلَيْنِ فإنَّ فيها عَشْرًا، وهوَ رأيُ الجمهورِ. وفي حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ مرفوعًا بلفظِ: \"والأصابعُ سواءٌ\"، أخرجَهُ أحمدُ (^٣)، وأبو داودَ (^٤). وقدْ كانَ لعمَرَ في ذلكَ [رأيٌ] (^٥) آخرُ ثمَّ رجعَ إلى الحديثِ لما رُوِيَ لهُ.\n<span data-type='title' id=toc-1162>الرابعةَ عَشْرةَ:</span> أنهُ يجبُ في كلِّ سِنٍّ خمسٌ منَ الإبلِ وعليهِ الجمهورُ، وفيهِ خلافٌ ليسَ لهُ دليلٌ يقاوِمُ الحديثَ.\n<span data-type='title' id=toc-1163>الخامسةَ عَشْرةَ:</span> أنهُ يلزمُ في الموضِحَةِ خمسٌ منَ الإبلِ وإليهِ ذهبَ الهادويةُ والفريقانِ، وفيهِ خلافٌ، وليسَ لهُ ما يقاوِمُ النصَّ.\nفائدةٌ: رَوَى البيهقيُّ (^٦) عنْ زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ في الهاشِمَةِ عَشْرًا منَ الإبلِ، وحكاهُ البيهقيُّ عنْ عددٍ منْ أهلِ العلمِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أنَّ عمرَ بنَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٤/ ٣٤٣) بتحقيقنا.\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٤٥٦٢). قلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٥٧) بإسناد حسن.\n(^٥) زيادة مش (جـ).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٨٢). قلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٢٠١ رقم ٣٥٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٧٣٤٨).","vol":"7","page":47},{"text":"الخطابِ - ﵁ - \"قَضَى في رجلٍ ضُرِبَ فذهبَ سمعُه وبصرُه وعقلُه ونِكاحُه بأربعِ دياتٍ\"، رواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ. ورَوَى النسائيُّ (^١) منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -: \"قَضَى في العينِ العوراءِ السادَّةِ لمكانِها إذا طُمِسَتْ بثُلُثِ ديتها، وفي اليد الشلَّاء إذا قُطعت بثلث ديتها، وفي السِّنِّ السوداء إذا نُزِعَت بِثُلُثِ دِيتَها\"، ذكرَه ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ، وأما قولُه: (وإنَّ الرجلَ يُقْتَلَ بالمرأةِ)، فتقدَّمَ الكلامُ فيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>اعتبار أسنان الإبل في الدية</span>\n٢/ ١١٠٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"دِيَةُ الْخَطَإِ أَخْمَاسًا عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُون، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ\". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٢)، وَأَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^٣) بلَفْظِ: \"وَعِشْرُونَ بنِي مَخَاضٍ\" بَدَلَ لَبُونٍ. وَإِسْنَادُ الأَوَّلِ أَقْوَى. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوع. [ضعيف]\n(وعنْ ابنِ مسعودٍ - ﵁ - عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: ديةُ الخطأِ أخماسًا) أي تُؤْخَذُ أو\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٨/ ٥٥ رقم ٤٨٤٠). وقال الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٣٢٨): \"وهذا إسناد حسن إن كان العلاء حدَّث به قبل الاختلاط فإنه صدوق فقيه، وقد اختلط، كما في التقريب\" اهـ. قلت: والغالب واللهُ أعلم حدَّث بعد الاختلاط، فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ١٧٢ رقم ٢٦٢). قلت: وضعَّفها الدارقطني من وجوه عديدة وقوَّى رواية أبي عبيدة برقم (٢٦٣) وقال: هذا إسناد حسن ورواته ثقات.\n(^٣) أبو داود رقم (٤٥٤٥)، والترمذي رقم (١٣٨٦)، والنسائي (٨/ ٤٣)، وابن ماجه رقم (٢٦٣١)، وفي سنده حجاج بن أرطأة ضعيف. وخشف بن مالك الطائي مجهول. وقال الترمذي: حديث ابن مسعود لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من هذا الوجه، وقد رُوي عن عبد اللهِ موقوفًا. وهو حديث ضعيف، انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٢١ - ٢٢).\n(^٤) في \"المصنف\" (٩/ ١٣٤).","vol":"7","page":48},{"text":"تجبُ. بيَّنه قوله: (عشرونَ حِقَّةً وعشرونَ جَذَعَةً وعشرونَ بناتِ مخاضٍ وعشرونَ بناتِ لبونٍ وعشرونَ بني لبونٍ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ، وأخرجَه الأربعةُ بلفظِ: وعشرونَ بني مخاضٍ بدلَ بني لبونٍ وإسنادُ الأَوَّلِ أَقْوَى) أي منْ إسنادِ، الأربعةِ فإنَّ فيهِ خِشْفَ بنَ مالكٍ الطائي، قالَ الدارقطنيُّ (^١): [إنهُ رجلٌ] (^٢) مجهولٌ، وفيهِ الحجَّاجُ بنُ أرطأةَ (^٣).\nواعلمْ أنهُ اعترضَ البيهقيُّ (^٤) علَى الدارقطنيِّ وقالَ: إنَّ جعْلَه لبني اللبونِ غلطٌ منهُ، ثمَّ قالَ البيهقيُّ: والصحيحُ أنهُ موقوفٌ على ابنِ مسعودٍ والصحيحُ عنْ عبدِ اللهِ أنهُ جعلَ أحدَ أخماسِها بني المخاضِ لا كما توهَّم شيخُنا الدارقطنيُّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى.\nوالحديثُ دليلٌ على أنَّ ديةَ الخطأِ تُؤْخَذُ أخماسًا كما ذكرَ وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ وجماعةٌ منَ العلماءِ، وإلى أنَّ الخامسَ بنو لبونٍ وعنْ أبي حنيفةَ أنهُ بنو مخاضٍ كما في روايةِ الأربعةِ، وذهبَ الهادي وآخرونَ إلى أنَّها تُؤخَذُ أرباعًا بإسقاطِ بني اللبونِ، واستدلَّ لهُ بحديثٍ لم يثبتْه الحفَّاظُ، وذهبُوا إلى أنَّها أرباعٌ مطْلقًا. وذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنَّ الديةَ تختلفُ باعتبارِ العمْدِ وشبهِ العمْدِ والخطأِ، فقالُوا: إنَّها في العمدِ وشبهِ العمدِ تكونُ أثلاثًا كما في الخطأِ، وأما التغليظُ في الديةِ فإنهُ ثبتَ عنْ عمرَ وعثمانَ - ﵄ - فيمنْ قُتِلَ في الحرمِ بديةٍ وثلثٍ تغليظًا، وثبتَ عنْ جماعةٍ القولُ بذلكَ ويأتي الكلامُ فيهِ.\n(وأخرجَهُ) أي حديثَ ابنِ مسعودٍ (ابنُ أبي شيبةَ منْ وجْهٍ آخرَ موقُوفًا) علَى ابنِ مسعودٍ (وهوَ أصحُّ منَ المرفوعِ).\n٣/ ١١٠٦ - وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٦) مِنْ طَرِيق عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ\n_________\n(^١) في \"السنن\" -كما في \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٢٢ رقم ٢٧١). وتبعه البغوي في \"المصابيح\"، وقال الأزدي: ليس بذاك. وقال في \"التقريب\" (١/ ٢٢٣ رقم ١٢٢): وثقه النسائي. وأورده ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢١٤)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٢٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) وهو ضعيف تقدَّم مرارًا.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٥).\n(^٥) لم أجده في \"سنن أبي داود\"، واللهُ أعلم.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٣٨٧) وقال: حديث حسن غريب. =","vol":"7","page":49},{"text":"عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵄ - رَفَعَهُ: \"الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاُثونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خِلْفَةً، في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا\". [حسن]\n(وأخرجَهُ أبو داودَ والترمذيُّ منْ طريقِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ رَفَعَهُ) إلى النبيِّ - ﷺ - بلفظ: (الديةُ ثلاثونَ جَذَعَةً وثلاثونَ حِقَّةً وأربعونَ خِلفَةً في بطونِها أولادُها)، وتقدَّم تفسيرُ هذهِ الأسنانِ في الزكاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1165>الثلاثة العتاة أزيد من غيرهم في العتو</span>\n٤/ ١١٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ في حَرَم اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيّةِ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ في حَدِيثٍ صَحَّحَهُ (^١). [إسناده حسن]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: إنَّ أَعْتَى) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ العينِ المهملةِ فمثناةٍ فوقيةٍ فألفٍ مقصورةٍ، اسمُ تفضيلٍ منِ العتُوِّ وهوَ التجبُّرُ، (الناسِ علَى اللهِ ثلاثةٌ: مَنْ قَتَلَ في حرمِ اللهِ تعالَى، أوْ قَتَلَ غيرَ قاتلِهِ، أَو قَتَلَ لِذَحْلِ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ وسكونِ الحاءِ المهملةِ الثأرُ وطلبُ المكافأةِ بجنايةٍ جُنِيَتْ عليهِ منْ قَتْلٍ أوْ غيرِه (الجاهليةِ. أخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ في حديثٍ صحَّحَهُ).\nالحديثُ دليلٌ علَى أنَّ هؤلاءِ الثلاثةَ أَزْيَدُ في العُتُوِّ على غيرِهم منَ العتاةِ:\nالأولُ: مَنْ قَتَلَ في الحرمِ فمعصيةُ قَتْلِهِ تزيدُ على مَعْصِيَةِ مَنْ قَتَلَ في غيرِ الحرمِ، وظاهرُه العمومُ لحرمِ مكةَ والمدينةَ، ولكنَّ الحديثَ وردَ في غزاةِ الفتحِ\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٦٢٦)، والبيهقي (٨/ ٥٣)، وأحمد (٢/ ١٨٣، ٢١٧)، من طريقين عن عمرو بن شعيب به. وهو حديث حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\n(^١) في \"الإحسان\" رقم (٥٩٩٦) بسند حسن مطولًا. وقوله: \"إن أعتى النَّاس … \"، أخرجه أحمد (٢/ ١٨٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.\n• والذَّحل: طلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح ونحو ذلك.\nوالذَّحل: العداوة أيضًا. قاله ابن الأثير في \"النهاية\" (٢/ ١٥٥).","vol":"7","page":50},{"text":"في رجلٍ قَتَلَ بالمزدلفةِ إلَّا أنَّ السببَ لا [يخصص] (^١) بهِ إلَّا أنْ يُقَالَ الإضافةُ عهديةٌ والمعهودُ حرمُ مكةَ.\nوقدْ ذهبَ الشافعيُّ إلى التغليظِ [بالديةِ] (^٢) على مَنْ وقعَ منهُ قَتْلُ الخطأِ في الحرمِ أو قَتل محرِمًا منَ النسبِ أو قَتَلَ في الأشهرِ الحرُمِ، قالَ: لأنَّ الصحابةَ غلَّظُوا في هذهِ [الأمورِ] (^٣). وأخرجَ السديُّ عنْ مُرَّةَ عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ: \"ما مِنْ رجلٍ يهمُّ بسيئةٍ فتكتبُ عليهِ إلَّا أنَّ رجلًا لَوْ هَمَّ بعدنٍ أنْ يقتلَ رجلًا بالبيتِ الحرامِ إلَّا أذاقَه اللهُ تعالَى منْ عذابٍ أليمٍ\" (^٤)، وقدْ رَفَعَهُ في روايةٍ.\nقلتُ: وهذا مبنيٌّ علَى أنَّ الظرفَ في قولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٥) متعلِّقٌ بغيرِ الإرادةِ بلْ بالإلحادِ وإنْ كانتِ الإرادةُ في غيرِه والآيةُ محتمَلَةٌ. ووردَ في التغليظِ في الديةُ حديثُ عمروِ بنِ شعيبٍ مرفُوعًا بلفظِ: \"عَقْلُ شِبْهِ العمْدِ مغلَّظٌ مِثْلُ قَتْلِ العمْدِ ولا يقتلُ صاحبُه، وذلكَ أنْ ينزوَ الشيطانُ بينَ الناسِ فتكونُ دماءٌ في غيرِ ضَغِينَةٍ ولا حَمْلِ سلاحٍ\"، رواهُ أحمدُ (^٦) وأبو داودَ (^٧).\nالثاني: مَنْ قتلَ غيرَ قاتلِه، أي منْ كانَ لهُ دمٌ عندَ شخصٍ فيقتلُ رجلًا آخرَ غيرَ مَنْ عندَه لهُ الدمُ سواءٌ كانَ له مشاركةٌ في القتلِ أوْ لا.\nالثالثُ: قولُه: (أو قَتَلَ لِذَحْلِ الجاهليةِ)، تقدَّم تفسيرُ الذَّحْلِ وهوَ العداوةُ [أيضًا، و] (^٨) قدْ فسَّرَ الحديثَ حديثُ أبي شريحٍ الخزاعيِّ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"أعتى الناسِ مَنْ قَتَلَ غيرَ قاتِلِه، أوْ طُلِبَ بدمٍ في الجاهليةِ منْ أهلِ الإسلامِ، أوْ بصَّرَ عينيه ما لم تبصرْ\"، أخرجَهُ البيهقيُّ (^٩).\n_________\n(^١) في (ب): \"يخصُّ\".\n(^٢) في (ب): \"في الدية\".\n(^٣) في (ب): \"الأحوال\".\n(^٤) أخرجه الثوري في تفسيره عن السديِّ عن مُرَّة عن ابن مسعود بسند صحيح كما في \"فتح الباري\" (١٢/ ٢١٠).\n(^٥) سورة الحج: الآية ٢٥.\n(^٦) كما في \"الفتح الرباني\" (١٦/ ٥٢ رقم ١٣٤).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٤٥٦٥)، وهو حديث حسن.\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٦).","vol":"7","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1166>كيف تغلظ الدية</span>\n٥/ ١١٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ وَشبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الإِبل، مِنْهَا أَرْبَعُونَ في بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالنَّسَائِيُّ (^٢) وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: ألا إنَّ دِيةَ الخطأِ وشِبْهِ العمْدِ) ما كانَ بالسَّوطِ والعَصَا (مائةٌ منَ الإِبلِ، منْها أربعونَ في بُطُونِها أولادُها. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ).\nقالَ ابنُ القطانِ (^٥): هوَ صحيحٌ ولا يضرُّه الاختلافُ. وتقدَّم الكلام في الحديثِ، وإنَّما ذكرهُ المصنفُ لأنهُ تفسير للحديثِ الذي سلفَ منْ حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ وفيهِ تغليظُ [العقلِ في] (^٦) الخطأِ، ولم يُبَيِّنْهُ هنالكَ فبيَّنَهُ هُنَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1167>مقدار دية الأعضاء</span>\n٦/ ١١٠٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"هَذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ، يعني الْخِنْصَرَ وَالإبْهَامَ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٧). وَلأَبي دَاوُدَ (^٨) والتِّرْمِذِيِّ (^٩): \"الأَصَابعِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٥٤٧)، ورقم (٤٥٤٨).\n(^٢) في \"السنن\" (٨/ ٤١).\n(^٣) في \"السنن\" رقم ٢٦٢٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٦٠١١). قلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ١٠٤ - ١٠٥)، والبيهقي (٨/ ٤٥)، وهو حديث صحيح. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٥)، و\"الإرواء\" رقم (٢١٩٧).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ١٥).\n(^٦) في (ب): \"عقل\".\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (٦٨٩٥). قلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٣٩٢)، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود رقم (٤٥٥٨)، وابن ماجه رقم (٢٦٥٢)، والنسائي (٨/ ٥٦ - ٥٧ رقم ٤٨٤٨).\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٤٥٥٩).\n(^٩) في \"السنن\" رقم (١٣٩١) ولفظه: \"دية الأصابع اليدين والرجلين سواء عشرٌ من الإبل لكلِّ أصبعٍ\"، وقال: حديث ابن عباس حسن صحيح غريب. =","vol":"7","page":52},{"text":"سَوَاءٌ؛ وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ\". وَلابنْ حِبَّانَ (^١): \"دِيَةُ أَصَابعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْن سَوَاءٌ، عَشَرَةٌ مِنَ الإِبلِ لكُلِّ إِصْبَعٍ\". [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵁ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: هذهِ وهذهِ سواءٌ، يعني الخنصرَ والإبهامَ. رواهُ البخاريُّ. ولأبي داودَ والترمذيِّ) [أي منْ حديثِ] (^٢) عن ابنِ عباسٍ [أيضًا] (^٣): (الأصابعِ سواءٌ) هذَا أعمُّ منَ الأَوَّلَ (والأسنانُ سواءٌ) زادَهُ بيانًا بقولِه: (الثنيَّةُ والضَّرسُ سواءٌ) فلا يقالُ الديةُ على قَدْرِ النَّفْعِ والضِّرسُ أنفعُ في المضْغِ (ولابنِ حِبَّانَ) أي منْ حديثِ ابنِ عباسٍ: (ديةُ أصابعِ اليدينِ والرِّجْلَيْنِ سواءٌ عَشَرَةٌ منَ الإِبلِ لكلَّ أُصْبُعٍ)، [تقدم] (^٤) الكلامَ في هذا مُسْتَوْفَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1168>ضمان المتطبب لما أَتلفه</span>\n٧/ ١١١٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عنْ جَدِّهِ - ﵁ - رَفَعَهُ قَالَ: \"مَنْ تَطَيَّبَ -وَلم بَكُنْ بالطِّبِّ مَعْرُوفًا - فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ\". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٥) وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (^٦)، وَهُوَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيِّ (^٨) وَغَيْرِهِمَا (^٩)، إِلَّا أَنَّ منْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وصلَهُ. [حسن]\n(وعنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ رفعَهُ قالَ: مَنْ تَطَبَّبَ)، أيْ تكلَّفَ الطبَّ ولم يكنْ طبيبًا كما يدلُّ لهُ صيغةُ تَفَعَّلَ (ولمْ يكنْ بالطبِّ مَعْروفًا فأصابَ نَفْسًا فما دونَها فهوَ ضَامِنٌ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ وهوَ عندَ أبي داودَ والنسائيِّ وغيرِهما إلَّا أنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى ممنْ وَصَلَهُ).\n_________\n= قلت: وأخرجه ابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧٨٣)، والبيهقي (٨/ ٩٠).\n(^١) في \"الإحسان\" رقم (٦٠١٤) بسند جيد. والخلاصة: فهو حديث صحيح، واللهُ أعلم.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب): \"قدمنا\".\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ١٩٦ رقم ٣٣٦).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٢١٢) وأقرَّه الذهبي.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٤٥٨٦).\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٨/ ٥٢ رقم ٤٨٣٠).\n(^٩) وابن ماجه في \"السنن\" رقم (٣٤٦٦). قلت: وله شاهد مرسل عند أبي داود رقم (٤٥٨٧) بسند حسن، وهو به حديث حسن إن شاء الله.","vol":"7","page":53},{"text":"الحديثُ دليلٌ على تضمينِ المتطبِّبِ [بما] (^١) أتلفَهُ منْ نَفْسٍ فما دونَها سواءٌ أصابَ بالسِّرايةِ أو بالمباشرةِ، وسواءٌ كانَ عَمْدًا أو خَطَأً، وقدِ ادَّعَى على هذا الإجماعَ، قال في \"نهايةِ المجتهدِ\" (^٢): إذا أَعَنْتَ المتطببَ كان عليهِ الضربُ والسجنُ والديةُ في مالهِ، وقيلَ على العاقلةِ. اعلمْ أنَّ المتطببَ هوَ مَنْ ليسَ لهُ خبرةٌ بالعلاجِ وليسَ لهُ شيخٌ معروفٌ، والطبيبُ الحاذِقُ هوَ مَنْ لهُ شيخٌ معروفٌ وَثِقَ منْ نَفْسِهِ بجودةِ الصَّنْعَةِ وَإِحْكَامِ المعرفةِ.\nقالَ ابنُ القِّيم (^٣) في \"الهدي النبويِّ\": إنَّ الطبيبَ الحاذِقَ هوَ الذي يُرَاعِي في علاجهِ عشرينَ أَمرًا وَسَرَدَهَا هنالكَ.\nقالَ: والطبيبُ الجاهلُ إذا تعاطَى عِلْمَ الطبِّ أو علَّمَهُ ولم يتقدمْ لهُ بهِ معرفةٌ فقدْ هَجَمَ بجهلِه على إتلافِ الأنفسِ، وأقدمَ بالتهوُّرِ على ما لا يعلمُه، فيكونُ قدْ غرَّرَ بالعليلِ فيلزمُه الضمانُ. وهذا إجماعٌ منْ أهلِ العلمِ.\nقالَ الخطابيُّ (^٤): لا أعلمُ خِلَافًا في أنَّ المعالِجَ إذا تعدَّى فَتَلِفَ المريضُ كانَ ضامِنًا، والمتعاطي علمًا أو عملًا لا يعرفُه متعدٍّ، فإذا تولَّدَ منْ فعلهِ التلفُ ضمنَ الديةَ وسقطَ عنهُ القودُ لأنهُ لا يستبدُّ بذلكَ دونَ إذْنِ المريضِ، وجنايةُ الطبيبِ على قولِ عامةِ أهلِ العلمِ على عاقلتِه اهـ.\nوأما إعناتُ الطبيبِ الحاذقِ فإنْ كانَ بالسِّرايةِ لم يضمنِ اتفاقًا لأنَّها سرايةُ فعلِ مأذونِ فيهِ منْ جهةِ الشرعِ ومنْ جهةِ المعالِجِ، وهكذَا سرايةُ كلِّ مأذونٍ فيهِ لم يتعدَّ الفاعلُ في سببهِ كسرايةِ الحدِّ وسرايةِ القصاصِ عندَ الجمهورِ خلافًا لأبي حنيفةَ - ﵁ - فإنهُ أوجبَ الضمانَ بها. وفرَّقَ الشافعيُّ بينَ الفعلِ المقدَّرِ شَرْعًا كالحدِّ وغيرِ المقدَّرِ كالتعزيرِ، فلا يضمنُ في المقدَّرِ ويضمنُ في غيرِ المقدَّرِ لأنهُ راجعٌ إلى الاجتهادِ، فهوَ في مظنةِ العدوانِ. وإنْ كانَ الإعناتُ بالمباشرةِ فهوَ مضمونٌ عليهِ إنْ كانَ عَمْدًا، وإنْ كانَ خطأً فعلَى العاقلةِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"ما\".\n(^٢) (٣/ ٤٤٢) بتحقيقنا.\n(^٣) (٤/ ١٤٢ - ١٤٥) و(٤/ ١٣٩).\n(^٤) في \"معالم السنن\" (٤٠/ ٧١٠ - هامش السنن\".","vol":"7","page":54},{"text":"٨/ ١١١١ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَزَادَ أَحْمَدُ: \"وَالأَصَابعُ سَوَاة، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ\"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٣) وَابْنُ الْجَارُودِ (^٤). [حسن]\n(وعنهُ) أي عنْ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (أنهُ - ﷺ - قالَ: في المواضحِ) جمعُ موضحةٍ (خمسٌ خمسٌ منَ الإبلِ. رواه أحمد والأربعةُ. وزادَ أحمدُ: والأصابعُ سواءٌ كلُّهنَّ عشرٌ عشرٌ مِنَ الإبلِ. وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وهوَ [موافق لما] (^٥) تقدَّمَ في حديثِ كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ.\nوموضحةُ الوجهِ والرأسِ سواءٌ بالإجماعِ إذْ هُما كالعضوِ الواحدِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1169>دية أهل الذمة نصف دية المسلم</span>\n٩/ ١١١٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَقْلُ أَهْلِ الذِّمّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمينَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦) وَالأَرْبَعَةُ (^٧). وَلَفْظُ أَبي دَاوُدَ (^٨): \"دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ\"، وَلِلنَّسَائِيُّ (^٩): \"عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا\"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^١٠). [حسن]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ١٨٩).\n(^٢) أبو داود رقم (٤٥٦٦)، والنسائي (٨/ ٥٧)، والترمذي (١٣٩٠)، وابن ماجه رقم (٢٦٥٥). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) لعله في الأجزاء المفقودة من صحيح ابن خزيمة.\n(^٤) في \"المنتقى\" رقم (٧٨٥). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١٩٤)، وابن أبي عاصم في الديات (ص ٧١)، والبيهقي (٨/ ٨١)، والبغوي (١٠/ ١٩٥). والخلاصة: أنَّ الحديث حسن، وقد حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٢٨٥).\n(^٥) في (ب): \"يوافق ما\".\n(^٦) في \"المسند\" (٢/ ١٨٠) و(٢/ ١٨٣)، و(٢/ ٢٢٤).\n(^٧) أبو داود رقم (٤٥٨٣)، والترمذي رقم (١٤١٣)، والنسائي (٨/ ٤٤ - ٤٥)، وابن ماجه رقم (٢٦٤٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(^٨) رقم (٤٥٨٣).\n(^٩) رقم (٤٨٠٥).\n(^١٠) لعله في الأجزاء المفقودة من صحيح ابن خزيمة. =","vol":"7","page":55},{"text":"(وعنة) أي عنْ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه (قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: عقلُ أهل الذمةِ نصفُ عقلِ المسلمينَ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ، ولفظُ أبي داودَ: ديةُ المعاهدِ نصفُ ديةِ الحرِّ. وللنسائيِّ: عقلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثلثَ منْ دِيَتَها. وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ)، لكنَّه قالَ ابنُ كثيرٍ إنهُ منْ روايةِ إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ وهوَ إذا رَوَى عنْ غيرِ الشاميينَ لا يُحْتَجُّ بهِ عندَ جمهورِ الأئمةِ وهذَا منهُ.\nقلتُ: تعنَّتُوا في إسماعيلَ بنِ عياشٍ إذا رَوَى عنْ غيرِ الشاميينَ وقَبولُه في الشاميينَ، والذي يُرَجَّحُ عندَ الظنِّ قبولُه مُطْلَقًا لثقتِه وضَبْطِه، وكأنهُ لذلكَ صحَّحَ ابنُ خزيمةَ هذهِ الروايةَ وهيَ عنْ إسماعيلَ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، وابنُ جريجٍ ليسَ بشاميٍّ.\nواعلمْ أنهُ اشتملَ الحديثُ على مسألتينِ.\n\nالأُوْلَى: في دِيَةِ أهلِ الذمةِ وهاهُنا للعلماءِ ثلاثةُ أقوالٍ:\nالأولُ: أنَّها نصفُ ديةِ المسلمِ كما أفادهُ الحديثُ.\nقالَ الخطابيُّ في \"معالِمِ السُّننِ\" (^١): ليسَ في ديةِ أهلِ الكتابِ شيءٌ أَبْيَنُ مِنْ هذَا وإليهِ ذهبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعروةُ بنُ الزبيرِ، وهوَ قولُ مالكٍ، وابنِ شِبْرَمةَ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، غيرَ أنَّ أحمدَ قالَ: إذا كانَ القتلُ خطأً، فإنْ كانَ عَمْدًا لم يُقَدْ بهِ وتُضَاعَفْ عليهِ اثني عشَرَ ألفًا.\nوقالَ أصحابُ الرأي وسفيانُ الثوريُّ: ديتُه ديةُ المسلمِ وهوَ قولُ الشعبيِّ والنخعيِّ ويُرْوَى ذلكَ عنْ عمرَ وابنِ مسعودٍ.\n_________\n= قلت: وقال الزيلعي في \"نصب الراية\": (٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥): \"وبسند أبي داود ومتنه رواه أحمد، وابن راهويه، والبزار في مسانيدهم. ولفظ ابن راهويه، قال: \"دية الكافر، والمعاهد نصف دية الحر المسلم\".\n• وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٧٥٨٢)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٩٩)، وقال: وفيه جماعة لم أعرفهم. قلت: رجال الإسناد كلهم معروفون، غير أن النضر بن عبد اللهِ الأزدي، أبو غالب. مجهول وأشعث بن سوار الكندي ضعيف. والخلاصة: أنَّ الحديث حسن، وقد حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٢٥١).\n(^١) (٤/ ٧٠٧) - \"هامش السنن\".","vol":"7","page":56},{"text":"وقالَ الشافعيُّ وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ: ديتُه الثلثُ منْ ديةِ المسلمِ\"، انتهى. فعرفتَ أنَّ دليلَ القولِ الأولِ حديثُ [الباب] (^١).\nواستدلَّ \"للقولِ الثاني\" وهوَ قولُ الحنفيةِ وإليه ذهبَ الهادويةُ بقولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (^٢)، قالُوا: فَذَكَرَ الديةَ والظاهرُ فيها الإكمالُ، وبما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٣) عنِ ابنِ جريجٍ عنِ الزُّهْرِيّ قالَ: كانتْ ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ في زمنِ النبيِّ - ﷺ - مثلَ ديةِ المسلمينَ. الحديثَ\". وأُجِيْبَ بأنَّ الديةَ مجملةٌ وحديثُ الزُّهْريِّ مرسلٌ، ومراسيلُ الزهريِّ قبيحةٌ وذَكَرُوا آثارًا كلُّها ضعيفةٌ الإسنادِ.\nودليلُ \"القولِ الثالثِ\" هوَ مفهومُ قولهِ في حديثِ عمرِو بنِ حزمٍ (^٤): \"وفي النَّفْسِ المؤمنةِ مائةٌ منَ الإبِلِ\"، فإنهُ دلَّ على أنَّ غيرَ المؤمنةِ بخلافِها، وكأنهُ جعلَ بيانَ هذَا المفهومَ ما أخرجَهُ الشافعيُّ (^٥) نفسُه عنِ ابنِ المسيِّبِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ - ﵁ - \"قَضَى في ديةِ اليهوديِّ والنصرانيِّ بأربعةِ آلافٍ، وفي ديةِ المجوسيِّ بثمانمائةٍ\"، ومثلُه (^٦) عنْ عثمانَ - ﵁ -، فجعلَ قضاءَ عمرَ - ﵁ - مبيّنًا للقدْر الذي أَجْملَهُ مفهومَ الصفةِ، ولا يخْفَى أنَّ دليلَ القولِ الأوَّلِ أَقْوَى لا سيِّما وقدْ صحَّحَ الحديثَ إمامانِ منْ أئمةِ السُّنةِ.\n\nدية المرأة وأرش جراحها على النصف من الرجل\nالمسألةُ الثانيةُ: ما أفادَه قولُه: (وللنسائيِّ) أي منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (عقلُ المرأةِ مثلُ عَقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثلثَ منْ ديتِها).\nهوَ دليلٌ على أنَّ أَرْشَ جراحاتِ المرأةِ يكونُ كأرشِ جراحاتِ الرَّجلِ إلى\n_________\n(^١) في (ب): \"الكتاب\".\n(^٢) سورة النساء: الآية ٩٢.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٠٢) مرسلًا عن الزهري ومراسيله قبيحة.\n(^٤) تقدم تخريجه برقم (١/ ١١٠٤)، من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"بدائع المنن\" (٢/ ١٨٣ رقم ١٤٧٢)، وأخرجه الدارقطني (٣/ ١٣٠ رقم ١٥٣)، والبيهقي (٨/ ١٠١).\n(^٦) في \"بدائع المنن\" (٢/ ١٨٣ رقم ١٤٧٣).","vol":"7","page":57},{"text":"الثُّلثِ، وما زادَ عليهِ كانَ جراحتُها مخالفةً لجراحاتِه، والمخالفةُ بأنْ يلزمَ فيها نصفُ ما يلزمُ في الرجلِ وذلكَ لأنَّ ديةَ المرأةِ علَى النصفِ منْ ديةِ الرجلِ لقولِه - ﷺ - في حديثِ معاذٍ (^١): \"ديةُ المرأةِ على النصفِ منْ ديةِ الرجلِ\"، وهوَ إجماعٌ فيقاسُ عليه ما دلَّ عليه مفهومُ المخالفةِ منْ أرشِ جراحةِ المرأةِ على الديةِ الكاملةِ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ منَ الفقهاءِ وهوَ قولُ عمرَ وجماعةٍ منَ الصحابةِ.\nوذهبَ عليٌّ - ﵁ - والهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى أنَّ دِيَةَ المرأةِ وجراحاتِها على النِّصْفِ مِنْ ديةِ الرَّجُلِ. وأخرجَ البيهقيُّ (^٢) عنْ عليٍّ أنهُ كانَ يقولُ: \"جراحاتُ النساءِ على النصفِ مِنْ ديةِ الرجلِ فيما قلَّ وكَثُرَ\". ولا يخْفَى أنهُ قدْ صحَّحَ ابنُ خزيمةَ (^٣) حديثَ: \"إنَّ عَقْلَ المرأةِ كَعقْلِ الرجلِ حتَّى يبلغَ الثُّلُثَ\"، فالعملُ بهِ متعيِّنٌ والظنُّ بهِ أَقْوى، وبهِ قالَ فقهاءُ المدينةِ السبعةِ وجمهورُ أهلِ المدينةِ، وهوَ مذهبُ مالكٍ وأحمدَ ونقلَه أبو محمدٍ المقدسيِّ عنْ عمرَ وابنِه [عبد اللهِ] (^٤) قالَ: ولا نعلمُ لهما مخالفًا منَ الصحابةِ إلَّا عنْ عليٍّ - ﵁ -، ولا نعلمُ ثبوتَه عنهُ. قالَ ابنُ كثيرٍ: قلتُ هوَ ثابتٌ عن علي ﵇، وفي المسألةِ أقوالٌ أخرُ بلا دليلٍ ناهضٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1170>إذا وقعت الجراح بحجر ونحوه من غير قصد فهي شبه عمد</span>\n١٠/ ١١١٣ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٥) وقال: وروي عن معاذ بن جبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - بإسناد لا يثبت مثله.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٩٥ - ٩٦).\n(^٣) بل هو حديث ضعيف. أخرجه النسائي (٨/ ٤٤ - ٤٥)، والدارقطني (٣/ ٩١ رقم ٣٨)، من حديث إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وهذا منها، وابن جريج وهو ثقة فقيه فاضل، ولكنه يدلس ويرسل، وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٥٩): وقال الترمذي: قال محمد بن إسماعيل - البخاري - لم يسمع ابن جريج من عمرو بن شعيب. وضعَّف الحديث أيضًا الألباني في \"الإرواء\" (٧/ ٣٠٨ - ٣٠٩ رقم ٢٢٥٤).\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"7","page":58},{"text":"مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتلُ صَاحِبُهُ، وَذَلكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَينَ النَّاسِ في غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سلَاح\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ (^١). [حسن]\n(وعنهُ) أي عمرِو بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: عَقْلُ شِبْهِ العمْدِ مغلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ العمْدِ)، بَيَّنَهُ في حديثِ أبي داودَ بلفظِ: \"مائةٌ منَ الإبلِ منْها أربعونَ في بطونِها أولادُها\"، وتقدَّم (^٢).\n(ولا يُقْتَلُ صاحبُه) وبيَّنَ شِبْهَ العمدِ بقولِه: (وذلكَ أنْ ينزوَ) النَّزْوُ بفتحِ النونِ فزايٍ فواوٍ، أي يثبُ (الشيطانُ فتكونُ دماءٌ بينَ الناسِ في غيرِ ضغينة ولا حَمْلِ سلاحٍ. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وضعَّفهُ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ (^٣) بإسناد لم يضعِّفْهُ.\nوالحديثُ دليلٌ أنهُ إذا وقعَ الجراحُ منْ غيرِ قَصْدٍ إليهِ ولم يكنْ بسلاحٍ بلْ بحجرٍ أو عَصَا أو نحوِهما فإنهُ لا قَوَدَ فيهِ وأنهُ شِبْهُ العمدِ فيلزمُ فيهِ الديةُ مغلَّظةً كما تقدَّم في ديةِ العمدِ. وقدْ تقدَّمَ أنَّ الديةَ في العمْدِ وشِبْهِ العمْدِ تكونُ أثْلاثًا عندَ الشافعيِّ ومالكٍ، وأنَّها أرباعٌ عندَ الهادويةِ، وتقدَّم ذلكَ. وأما أنَّها تكونُ أخماسًا كما أفادَه حديثُ ابنِ مسعودٍ الماضي في الخطأِ (^٤) فتقدَّم أنهُ قالَ بهِ أصحابُ الرأْي وغيرُهم. وفيهِ دليلٌ علَى إثْباتِ شِبْهِ العمْدِ وقدَّمْنَا أنهُ الحقُّ.\n١١/ ١١١٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَعَلَ النَّبيُّ - ﷺ - دِيَتَهُ اثْنَي عَشَرَ أَلْفًا. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (^٥) وَرَجّحَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٩٥ رقم ٥٣). قلت: وأخرحه أبو داود رقم (٤٥٦٥). وفي إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وثَّقه أحمد، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس بالقوي. انظر: \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٥٤٣). وقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٣٣٢): \"قال في \"التنقيح\": محمد بن راشد يعرف بالمكحول، وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي وغيرهم. وقال ابن عدي: إذا حدث عن ثقة فحديثه مستقيم\" اهـ، وهذا داخل في الأول. وخلاصة القول: أنَّ الحديث حسن، واللهُ أعلم.\n(^٢) برقم (٥/ ١١٠٨) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٠).\n(^٤) برقم (٢/ ١١٠٥) من كتابنا هذا.\n(^٥) أبو داود رقم (٤٥٤٦)، والترمذي رقم (١٣٨٨)، وابن ماجه رقم (٢٦٢٩)، والنسائي (٨/ ٤٤ رقم ٤٨٠٣) و(٤٨٠٤).","vol":"7","page":59},{"text":"النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (^١). [مرسل]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: قَتَلَ رجلٌ رجلًا علَي عَهْدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - فجعلَ النبيُّ - ﷺ - دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ ألفًا) بَيَّنَ البيهقيُّ (^٢) أنَّ المرادَ دِرْهمًا (رواه الأربعةُ ورجَّحَ النسائيُّ وأبو حاتمٍ إرسالَه).\nوقدْ أخرجَ البيهقيُّ عنْ عليٍّ - ﵁ - وعائشةَ وأبي هريرةَ (^٣) وعمرَ بنِ الخطابِ (^٤) - ﵃ - مثلَ هذا. وإنَّما رجَّحَ النسائي وأبو حاتمٍ إرسالَه لما قالَه البيهقيُّ (^٥) إنَّ محمدَ بنَ ميمونٍ راويهِ عنْ سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ عنْ عمرِو بنِ دينارٍ عنْ عكرمةَ عنِ ابنِ عباسٍ إنَّما قالَ لنا فيهِ عنِ ابنِ عباسٍ مرةً واحدةً وأكثرُ ما كانَ يقولُ عنْ عكرمةَ عنِ النبيِّ - ﷺ -، انتَهى.\nقلتُ: وزيادةُ العدْلِ مقبولةٌ، وكونُه قالَها مرةً واحدةً كافٍ في الرفعِ فإنهُ لو اقتصَرَ عليها لحكمَ برفعِ الحديثِ، فإرسالُه مرارًا لا يقدَحُ في رفْعِهِ مرةً واحدةً. وإلى هذَا ذهبَ أكثرُ [أهل العلم، وذهبت] (^٦) الهادويةُ وأهلُ العراقِ أنَّها عَشْرةُ آلافِ درهمٍ، واستدلَّ لهُ في \"البحرِ\" (^٧) بقولِه: لقولِ عليٍّ ﵇ وهوَ توقيفٌ، انتَهى. إلَّا أنهُ لم يطَّرِدْ له هذَا المعنَى فيما ينقلُه عنْ عليٍّ - ﵁ - بلْ تارةً يقولُ مثلَ هذَا وتارةً يقولُ: إنَّ قولَ عليٍّ اجتهادٌ - ﵁ - ولا يلزمُنا، ودَعْوى التوقيفِ غيرُ [صحيح] (^٨) إذْ مثلُ هذا فيهِ للاجتهادِ مَسْرحٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1171>لا يطالب أحد بجناية غيره</span>\n١٢/ ١١١٥ - وَعَنْ أَبي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وَمَعِي ابْنِي فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا؟ \"، فَقُلْتُ: ابْنِىِ وَأَشْهَدُ بِهِ. فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ\".\n_________\n(^١) قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٦٣)، قال أبي: المرسل أصح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٨).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٩) عن علي وأبي هريرة وعائشة.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٩ - ٨٠) عن عمر بن الخطاب.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٧٩).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) (٥/ ٢٧٢).\n(^٨) في (ب): \"صحيحه\".","vol":"7","page":60},{"text":"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١) وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي رِمْثَةَ) (^٤) بكسرِ الراءِ وسكونِ الميمِ وبالمثلثةِ، اسمُه رفاعةُ بنُ يثربيٍّ بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وسكونِ المثلثةِ فراءٍ فموحدةٍ فياءِ النسبةِ. قَدِمَ على النبيِّ - ﷺ - وعدادُه في أهلِ الكوفةِ.\n(قالَ: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - ومعي ابني فقالَ: مَنْ هذَا؟ فقلتُ: ابني وأشهدُ بهِ، قالَ: أما إنهُ لا يجني عليكَ ولا تجني عليهِ. رواهُ النسائيُّ وأبو داودَ وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وأخرجَهُ أحمد (^٥) وأبو داودَ (^٦) والترمذيُّ (^٧) وابنُ ماجهْ (^٨) منْ حديثِ عمرِو بنِ الأحوصِ أنهُ شهدَ حَجَّةَ الوداعِ معَ النبيِّ - ﷺ - فقالَ: \"لا يجني جانٍ إلَّا علَى نفسِه، ولا يجني جانٍ علَى ولدِه\"، وفي البابِ رواياتٌ أخرُ تعضِّدُهُ.\nوالجنايةُ الذَّنْبُ أو ما يفعلُه الإنسانُ مما يوجبُ عليهِ العقابَ أوِ القصاصِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يُطَالبُ أحدٌ بجنايةِ غيرِه سواءٌ كانَ قريبًا كالأبِ والولدِ وغيرِهما أوْ أجنبيًا، فالجاني يُطْلَبُ وحدَه بجنايتهِ ولا يطالبُ بجنايتِه غيرُه، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٩).\nفإنْ قلتَ: قدَ أمرَ الشارعُ بِتَحَمُّلِ العاقلةِ الديةَ في جنايةِ الخطأِ والقسامةِ.\nقلتُ: هذا مخصَّصٌ منَ الحكْمِ العامِّ، وقيلَ إنَّ ذلكَ ليسَ منْ تَحمُّلِ الجنايةِ بلْ مِنْ بابِ التعاضدِ والتناصرِ فيما بينَ المسلمينَ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٨/ ٥٣).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٢٠٧، ٤٤٦٥).\n(^٣) في \"المنتقى\" رقم (٧٧٠). قلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ١١٩)، وأحمد (٢/ ٢٢٦، ٢٢٨)، و(٤/ ١٦٣)، والحميدي رقم (٨٦٦)، ويعقوب بن سفيان في \"المعرفة والتاريخ\" (٣/ ٢٨١)، والدولابي في \"الكنى\" (١/ ٢٩)، والبيهقي (٨/ ٢٧، ٣٤٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ١٨١ - ١٨٢)، وابن حبان رقم (١٥٢٢ - موارد) وغيرهم، وهو حديث صحيح، وقد تقدم عند شرح الحديث رقم (١٠/ ١٠٩٦)، من كتابنا هذا.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" رقم (١٧٠١) و\"الإصابة\" رقم (٢٦٨٩)، و\"الاستيعاب\" رقم (٧٨٧).\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٦) لم أعثر عليه.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٣٠٨٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٢٦٦٩) و(٣٠٥٥). وهو حديث صحيح، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٣٠٣).\n(^٩) سورة الأنعام: الآية ١٦٤.","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1172>[الباب الثاني] باب دعوى الدم والقَسامة</span>\nالقَسامةُ بفتحِ القافِ وتخفيفِ المهملةِ، مصدرُ أقسمَ قَسمًا وقَسَامةً. وهيَ الأَيْمانُ تُقسمُ علَى أولياءِ القتيلِ إذا ادَّعَوُا الدَّمَ، أو على المدَّعَى عليهمُ الدَّمَ.\nوخصَّ القسمُ على الدَّمِ بالقسامةِ، قالَ إمامُ الحرميْنِ: القسامةُ عندَ أهلِ اللغةِ اسمٌ للقومِ الذينَ يقسمون، وعندَ الفقهاءِ اسمٌ للأَيْمانِ، وفي \"القاموسِ\" (^١): القسامةُ الجماعةُ يقسمونَ على الشيءِ ويأخذونَهُ أو يشهدونَ، وفي الضياءِ: القسامةُ الأيمانُ تُقَسَمُ على خمسينَ رجلًا منْ أهلِ البلدِ أوِ القريةِ التي يوجدُ فيها القتيلُ لا يُعْلَمُ قاتلُه ولا يدَّعي أولياؤُه قَتْلَهُ على أحدٍ بِعَيْنِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1173>لا تثبت دعوى القسامة من دون ما تستند عليه من اللَّوث ونحوه</span>\n١/ ١١١٦ - عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ - ﵁ - عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بنَ مَسْعُودٍ، خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأُتيَ مُحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ في عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"كَبِّرْ كَبِّرْ\"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ\" فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ في ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا\n_________\n(^١) في \"القاموس المحيط\" (ص ١٤٨٣).","vol":"7","page":62},{"text":"قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَهْلٍ: \"أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ \"، قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَيَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟ \"، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي منْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عنْ سهلِ بنِ أبي حَثْمةَ) بفتحِ المهملةِ وسكونِ المثلثةِ، واسمُ أبي حثمةَ عبدُ اللهِ بن ساعدةَ بنُ عامرَ أوسيٌّ أنصاريٌّ (عنْ رجالٍ منْ كُبرَاءِ قومِهِ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهلَ ومُحَيِّصَة) بضمِّ الميمِ فحاءٍ مهملةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ مشددةٍ، فصادٍ مهملةٍ (ابن مسعودٍ خَرَجَا إلى خيبرَ مِنْ جَهْدٍ) بضمِّ الجيمِ وفتحِها المشقَّةِ هُنَا (أصابَهُم، فأُتي مُحيِّصَةَ) مغيَّرُ الصيغةِ (فأخبرَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهلِ قد قُتِلَ وطُرِحَ) مغيَّرانِ أيضًا (في عَيْنٍ، فأَتَى) أي محيصةُ (يهودَ) اسمَ جِنْسٍ يُجْمَعُ على يهدانَ (فقالَ: أنتُم واللهِ قتلتمُوه قالُوا: واللهِ ما قتلْناهُ فأقبلَ هوَ وأَخوهُ حويِّصةُ) بضمِّ المهملةِ وفتح الواوِ فمثناةٍ تحتيةٍ فصادٍ مهملةٍ مشدَّدَةٍ (وعبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ فذهبَ محيِّصةُ ليتكلَّمَ) وكانَ أصغرَ منْ حويِّصةَ، وفي روايةٍ فبدأَ عبدُ الرحمنِ يتكلَّمُ وكانَ أصغرَ القومِ (فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: كبِّرْ كبِّرْ) بلفظِ الأمرِ فيهمَا الثاني تأكيدٌ للأَوَّلِ، (يريدُ السنَّ) مُدْرَجٌ تفسيرٌ لقولِه كَبِّرْ أي يتكلَّمُ مَنْ كانَ أكبرُ سِنًا (فتكلَّمَ حويِّصةُ ثمَّ تكلَّمَ محيِّصةُ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إمَّا أنْ يدُوا) أي اليهودُ (صاحِبَكم) أي عبدَ اللهِ بنَ سهلٍ: (وإمَّا أنْ يأْذنُوا بحربٍ، فكتبَ) أي رسولُ اللهِ - ﷺ - (إليهم في ذلكَ) أي فيما ذُكِرَ مِنْ أَنَّهم قتلُوا عبدَ اللهِ (فكتبُوا) أي اليهودُ (إنا واللهِ ما قتلْناهُ، فقالَ) أي النبيُّ - ﷺ - (لحويِّصةَ ومحيِّصةَ وعبدِ الرحمنِ بنِ سهلٍ: أتحلفونَ وتستحقُّونَ دمَ صاحبِكم؟ قالُوا: لا) وفي روايةٍ [لمسلم (^٢)] (^٣) قالُوا: لم نحضرْ ولم نشهدْ. وفي بعضِ ألفاظِ البخاريِّ (^٤) أنهُ قالَ لهم: تأتونَ بالبينةِ، قالُوا: ما لنا بَيِّنَةٌ، فقالَ:\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٨٩٨)، ومسلم رقم (١٦٦٩). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٥٢٠)، والترمذي رقم (١٤٢٢)، والنسائي (٨/ ٥، ٦، ٧)، وابن ماجه رقم (٢٦٧٧).\n(^٢) في (ب): \"عند مسلم\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٣/ ١٦٦٩).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٦٨٩٨).","vol":"7","page":63},{"text":"أتحلفُونَ؟ (قالَ: فتحلفُ لكمْ يهودُ؟ قالُوا: ليسُوا مسلمينَ)، وفي لفظٍ قالُوا: لا نرضَى بأيمانِ اليهودِ. وفي لفظٍ (^١): كيفَ نأخذُ بأيمانِ [قومٍ] (^٢) كُفَّارٍ؟ (فَوَدَاهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - منْ عندِهِ فبعثَ إليهمْ مائةً ناقةٍ، قالَ سهلٌ: فلقدْ ركضتْني منْها ناقةٌ حمراءُ. متفقٌ عليهِ).\nاعلمْ أنَّ هذا الحديثَ أصلٌ كبيرٌ في ثُبُوتِ القَسَامةِ عندَ القائلينَ بها وهم [الجمهور (^٣)] (^٤)، فإنَّهم أثبتُوها وبيَّنُوا أحكامَها؛ ونتكلَّمُ علَى مسائلَ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1174>الأُولَى:</span> أنَّها لا تثبتُ القسامةُ بمجرَّدِ دَعوى القتلِ على المدَّعَى عليهمْ منْ دونِ شُبهةٍ إجْماعًا. وقدْ رُوِيَ عنِ الأوزاعيِّ وداودَ ثبوتُها منْ غيرِ شُبْهَةٍ ولا دليلَ لهمَا، وإنما اختلفَ العلماءُ في الشبهةِ التي [تثبتُ] (^٥) بها [دعوى] (^٦) القسامةُ، فمنْهم مَن جعلَ الشُّبهةَ اللَّوْثَ وهوَ كما في \"النهايةِ\" (^٧) أنْ يشهدَ شاهدٌ واحدٌ علَى إقرارِ المقتولِ قبلَ أنْ يموتَ أنَّ فلانًا قَتَلَني، أو يَشْهَدَ شاهدانِ على عداوةٍ بينَهما أو تهديدٍ منهُ لهُ أو نحوِ ذلكَ، وهو منَ اللَّوثِ التلطُّخُ. ومنْهم مَنْ لم يشترطْ كالهادويةِ والحنفيةِ فإنَّهم قالُوا: وجودُ الميتِ وبهِ أثرُ القتلِ في محلٍّ يختصُّ بمحصورِيْنَ تثبتُ بهِ القسامةُ عندَهم، إذا لم يدَّع المدعِّي على غيرِهِم قالُوا: لأنَّ الأحاديثَ وردتْ في مِثْلِ هذهِ الحالة، وَرُدَّ بأَنَّ حديثَ البابِ أصحُّ ما وردَ، وفيهِ دليلٌ على اللَّوْثِ، وحقيقتُه شبهةٌ يغلبُ الظنُّ الحكمَ بها كما فصَّلَهُ في \"النهاية\" (^٨)، وهي هُنَا العداوةُ، فلذا ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنهُ لا يثبتُ بَهذَا قَسَامةٌ إلَّا إذا كانَ بينَ المقتولِ والمدَّعَى عليهمْ عداوةٌ كما كانَ في قصةِ خيبرَ، قالُوا: فإنهُ قد يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ويلقيهِ في محلِّ طائفةٍ لِيُنْسبَ إليهمْ. وقدْ عدُّوا منْ صورِ اللَّوْثِ قولُ المقتولِ قبلَ وفاتهِ: قَتَلَنِي فلانٌ.\nقالَ مالكٌ: إنهُ يقبلُ قولُه، وإنْ لم يكنْ بهِ أثرٌ يقولُ جَرَحَني ويذكرُ العمدَ،\n_________\n(^١) للبخاري في \"صحيحه\" رقم (٣١٧٣).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"الجماهير\".\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٤/ ٣٥٩) بتحقيقنا.\n(^٥) في (أ): \"يثبت\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) وهي: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\"، لابن رشد (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٩).\n(^٨) وهي: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\"، لابن رشد (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٩).","vol":"7","page":64},{"text":"وادَّعى مالكٌ أنهُ مما أجمعَ عليهِ الأئمةُ قديمًا وحديثًا، [وتعقبه] (^١) ابنُ العربي بأنهُ لم [يقل به] (^٢) منْ فقهاءِ الأمصارِ غيرُه وتبعَهُ عليهِ الليثُ. واحتجَّ مالكٌ بقصةِ بقرةِ بني إسرائيلَ فإنهُ أُحْيِيَ الرجلُ وأَخْبَرَ بقاتلِه (^٣) وأُجِيْبَ بأنَّ ذلكَ معجزةٌ لِنَبيِّ وتصديقُها قطعيٌّ.\nقلتُ: ولأنهُ أحياهُ اللهُ تعالى بعدَ موتِه [فعيَّنَ] (^٤) قاتلَه فإذا أَحْيَا اللهُ مقتولًا بعدَ مَوْتِه وعيَّنَ قاتلَه قلْنا بهِ ولا يكونُ ذلكَ أبدًا. واحتجَّ أصحابُه بأنَّ القاتلَ يطلبُ غفلةَ الناسِ فلوْ لم يُقْبَلْ خبرُ المجروحِ أدَّى ذلكَ إلى [بطلانِ] (^٥) الدماءِ غالبًا ولأنَّها حالةٌ يتحرَّى فيها المجروحُ الصدقَ ويتجنبُ الكذبَ والمعاصي ويتحرَّى التَّقْوَى والبرَّ فوجبَ قَبولُ قولِه، ولا يخْفَى ضعفُ هذهِ الاستدلالاتِ. وقدْ عدُّوا صورَ اللَّوْثِ مبسوطةً في كُتُبِهِمْ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1175>المسألةُ الثانيةُ:</span> أنهُ بعدَ ثبوتِ ما ذكرَ مِنَ القتلِ وكلٌّ على أصْلِه تثبتُ دَعْوَى أولياءِ القتيلِ القسامةَ، فتثبتُ أحكامُه ومنها القصاصُ عندَ كمالِ شروطِها لقولِه في الحديثِ: \"تستحقونَ قتيلَكم أو صاحبَكم بأيمانِ خمسينَ منْكمْ علَى رجلٍ منْهم فيدفعُ بِذِمَّتِه\".\nوقولُه: (دمَ صاحبِكم) في لفظِ مسلمٍ (^٦): يُقْسِمُ خمسونَ منكمْ على رجلٍ منهم فيدفع بِذِمّتِهِ، وإنْ كانَ قولُه: \"إما أنَّ يدُوا صاحبكم [الحديث] (^٧) \" يشعرُ بعدمِ القصاصِ، إلَّا أنَّ هذا التصريحَ في روايةِ مسلمٍ أَقْوى في القولِ بالقصاصِ وهذَا مذهبُ أهلِ المدينةِ، فإنْ كانتِ الدَّعْوى على واحدٍ معيَّنٍ ثبتَ القَوَدُ عليهِ وإن كانتْ على جماعةٍ حلفُوا وثبتتْ عليهمُ الديةُ عندَ الشافعيةِ، وفي قولٍ يجبُ عليهمُ القصاصُ والأولُ هو الصحيحُ عنهُ، فإنْ كانَ الوارثُ واحِدًا حلفَ خمسينَ يمينًا فإنَّ الأيمانَ لازمةٌ للورثةِ ذُكُورًا كانُوا أوْ إِنَاثًا عمْدًا كانَ [القتل] (^٨) أو خَطأً، هذا مذهبُ الشافعيِّ.\n_________\n(^١) في (ب): \"وردَه\".\n(^٢) في (ب): \"يقله\".\n(^٣) أما ما احتجت به المالكية من قصة بقرة بني إسرائيل فضعيف لأن التصديق هنالك أسند إلى الفعل الخارق للعادة.\n(^٤) في (أ): \"يعين\".\n(^٥) في (ب): \"إبطال\".\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٢/ ١٦٦٩).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"7","page":65},{"text":"ومنْها: أنه يبدأَ بأيمانِ المدعينَ في القسامةِ بخلافِ غيرِهِا منَ الدَّعَاوَى كما في هذهِ الروايةِ، ويدلُّ لهُ حديثُ أبي هريرةَ (^١): \"البيِّنَةُ على المدعِّي واليمينُ على المدَّعَى عليهِ إلَّا في القسامةِ\" وفي إسنادهِ لِيْنٌ، إلَّا أنهُ قدْ أخرجَهُ البيهقيُّ (^٢) منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ ولم يتكلمْ فيهِ، قالُوا: ولأنَّ جنبةَ المدعِّي إذا قويتْ بشهادةٍ أو شُبْهَةٍ صارت اليمين له، وهنا الشبهة قوية فصارَ المدَّعِي في القسامةِ مشابهًا للمدَّعَى عليهِ المتأيدِ بالبراءةِ الأصليةِ.\nوذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ وآخرونَ إلى أنهُ يحلفُ المدَّعَى عليهِ ولا يمينَ على المدعينَ، فيحلفُ خمسونَ رجلًا مِنْ أهلِ القريةِ ما قتلْناهُ ولا علمْنَا، قاتلَه، وإلى هذا جنحَ البخاريُّ، وذلكَ لأنَّ الرواياتِ اختلفتْ في ذلكَ في قصةِ الأنصارِ ويهودِ خيبرَ، فيردُّ المختلفُ إلى المتفَّقِ عليهِ منْ أنَّ اليمينَ على المدَّعَى عليهِ، فإنْ حلفُوا فهلْ تلزمُهم الديةُ أم لا؟\nذهبتِ الهادويةُ إلى أنَّها [تلزم] (^٣) الديةُ بعدَ الأيمانِ وذهبَ آخرونَ إلى أنَّهم إذا حلفُوا خمسينَ يمينًا برِئُوا ولا ديةَ عليهمْ، [ويدل له] (^٤) قصةُ أبي طالبٍ الآتيةُ (^٥). واستدلَّ الهادوية ومَنْ معَهُم في إيجابِ الديةِ بأحاديثَ لا تقومُ بها حجَّةٌ لعدمِ صحةِ رفْعِها عندَ أئمةِ هذا الشأنِ.\nوقولُه: (فَوَدَاهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - منْ عندهِ)، وفي لفظٍ: (أنهُ وداهُ منْ إبلِ الصدقةِ) فقيلَ المرادُ أنهُ اقترضَها منْها وأنهُ لما تحمَّلَها - ﷺ - للإصلاحِ بينَ الطائفتينِ كانَ حُكْمُهَا حكمَ القضاءِ عنِ الغارمِ لما غَرِمَهُ لإصلاحِ ذاتِ البيْنِ ولم يأخذْها - ﷺ - لنفسهِ فإنَّ الصدقةَ لا تحلُّ لهُ، ولكنْ [أجرى] (^٦) إعطاءَ الديةِ منها مَجْرَى إعطائِها من الغرمِ لإصلاحِ ذاتِ البينِ، وأما مَنْ قالَ إنهُ - ﷺ - أَعْطَى ذلكَ منْ سهمِ الغارمينَ فلا يصحُّ فإنَّ غارِمَ أهلِ الذمةِ لا يُعْطَى منَ الزكاةِ كذَا قيلَ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣١٢)، والدارقطني (٤/ ٢١٧ - ٢١٨ رقم ٥١)، وفي سنده مسلم بن خالد فيه مقال.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٥٦). والمثنى بن الصباح ضعيف.\n(^٣) في (ب): \"تلزمهم\".\n(^٤) في (ب): \"وعليه تدل\".\n(^٥) في أول شرح الحديث رقم (٢/ ١١١٧) من كتابنا هذا.\n(^٦) في (ب): \"جرى\".","vol":"7","page":66},{"text":"قلتُ: وفيهِ نظرٌ، فإنَّ اليهودَ لم تلزمْهُم الديةُ لأنهُ لم يحلفِ المدعونَ كما عرفتَ، فما ودَاهُ - ﷺ - إلَّا تبرُّعًا منهُ لِئَلَّا يهدرَ دمُهُ. وأمَّا روايةُ النسائيِّ أنهُ - ﷺ - قَسَّمَها على اليهودِ وأعانَهم ببعضِها، فقالَ ابنُ القيِّم (^١): إنَّ هذا ليسَ بمحفوظٍ، فإنَّ الديةَ لا تلزمُ المدَّعى عليهمْ بمجردِ دَعوى القتيلِ بلْ لا بدَّ منْ إقرارٍ أو بيِّنةٍ أوْ أيمانِ المدَّعينَ، ولم يوجدْ هُنَا شيءٌ منْ ذلكَ. وقدْ عرضَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على المدَّعينَ أنْ يحلفُوا فأَبَوْا فكيفَ يُلْزِمُ اليهودَ [الدية] (^٢) بمجرَّدِ الدَّعْوَى، انتَهى.\nقلتُ: ويظهرُ لي أنهُ ليسَ في هذَا الحديثِ حكمٌ منهُ - ﷺ - بالقسامةِ أصْلًا كما أفادَه الحديثُ وإنَّما دلَّ الحديثُ، على حكايةِ [الواقع فقط] (^٣) وذكرَ لهمْ - ﷺ - قصةَ الحكْمِ على التقديريْنِ، فمن ثَمَّةَ كتبَ إلى اليهود بعدَ أنْ دارَ بينَهم الكلامُ المذكورُ وسيأتي تحقيقُه. وقولُه: (فكتَبَوُا واللهِ ما قتلْناه) فيهِ دليلٌ على الاكتفاءِ بالمكاتبةِ وبخبرِ الواحدِ معَ إمكانِ المشافهةِ.\nفائدةٌ: اختارَ مالكٌ إجراءَ هذهِ الدَّعوى في الأموالِ فأجازَ شهادةَ المسلوبينَ على السالِبيْنَ وإنْ كانُوا مدَّعِيْنَ قالَ: لأنَّ قاطِعَ الطريقِ إنَّما يفعلُ ذلك معَ الغفْلَةِ والانفرادِ عنِ الناسِ، انتَهى.\nولا يخْفَى أنهُ لا يتمُّ هذا إلَّا بعدَ ثبوتِ أنهُ - ﷺ - حَكَمَ بالقسامةِ، وعرَّفْناكَ هُنَا عدمَ نهوضِ ذلكَ وسنزيدُه بيانًا عنْ قريبٍ. وإذا ثبتَ [هذا فقياس] (^٤) مالكٍ مصادِمٌ لنصِّ: \"البينةُ على المدعِّي واليمينُ على المنكرِ\"، إلَّا أنْ يكونَ مذهبُه جوازَ تخصيصِ عموم النصِّ بالقياسِ، وللعلماءِ كلامٌ في حُجِّيةِ العامِّ بعدَ تخصيصِهِ.\n٢/ ١١١٧ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ ناسٍ مِنَ الأَنْصَارِ في قَتِيلٍ ادّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ رجلٍ منَ الأنصارِ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أقرَّ القسامةَ على ما كانتْ عليهِ في\n_________\n(^١) في \"زاد المعاد\" (٥/ ١٣).\n(^٢) في (ب): \"بالدية\".\n(^٣) في (ب): \"للواقع لا غير\".\n(^٤) في (ب): \"فهذا قياس من\".\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (١٦٧٠).","vol":"7","page":67},{"text":"الجاهليةِ وقضَى بها رسولُ اللهِ - ﷺ - بينَ ناسٍ منَ الأنصارِ في قتيلٍ ادَّعوه علَى يهود. رواهُ مسلمٌ).\nقولُه: على ما كانتْ عليهِ في الجاهليةِ، هو إشارة إلى ما أخرجَهُ البخاريُّ (^١) في قصةِ الهاشميِّ في الجاهليةِ وفيها: \"أنَّ أبا طالبٍ قالَ للقاتلِ: اخترْ مِنَّا إحدَى ثلاثٍ: إنْ شِئتَ أنْ تؤدِّيَ مائةً منَ الإبلِ فإنكَ قتلتَ صاحبنَا خطأً، وإنْ شئتَ حلفَ خمسونَ منْ قومِكَ أنكَ لم تقتلْه، وإنْ أَبَيْتَ قتلْناكَ بهِ\"، وفيهِ دليلٌ على ثبوتِ القتلِ بالقَسَامةِ.\nواعلمْ أنا قدْ أشرْنا إلى أنهُ لم يثبتِ القسامةَ إلَّا الجماهيرُ كما قرَّرْناهُ عنْهم، وذهبَ سالمُ بنُ عبدِ اللهِ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وأبو قلابةَ وابنُ عليةَ والناصرُ إلى عدمِ [شرعية القسامة] (^٢) لمخالفتِها الأصولَ المقررة شرْعًا، فإنَّ الأصْلَ أنَّ البيِّنةَ على المدَّعي واليمينُ على المدَّعَى عليهِ، وبأنَّ الأَيْمانَ لا تأثيرَ لها في إثباتِ الدماءِ، وبأنَّ الشرعَ وردَ بأنهُ لا يجوزُ الحِلفُ إلَّا علَى ما عُلِمَ قطْعًا أو شُوهَدَ حِسًا وبأنه - ﷺ - لم يحكمْ بها وإنَّما كانتْ حُكْمًا جاهليًا فتلطَّفَ - ﷺ - بهم ليريَهم كيفَ لا يجري الحكمُ بها على أصولِ الإسلامِ.\nوبيانُ أنهُ لم يحكمْ بها أنَّهم لما قالُوا لهُ: وكيفَ نحلفُ ولم نحضرْ ولم نشاهدْ، لمْ يبيِّنْ لهمْ أنَّ هذا الحلِفَ في القسامة منْ شأنِه ذلكَ وأنهُ حُكْمُ اللهِ وشرعُه، بلْ عدلَ إلى قولِه: تحلف لكمْ يهودُ، فقالُوا: ليسوا بمسلمينَ، فلم يوجبْ - ﷺ - عليهمْ ويبيِّنْ لهمْ أنْ ليسَ لكمْ إلَّا اليمينُ منَ المدَّعَى عليهمْ مُطْلقًا مسلمينَ كانُوا أو غيرَهم، بلْ عدلَ إلَى إعطاءِ الديةِ منْ عندِه - ﷺ -، ولو كانَ الحكمُ ثابتًا بها لبيَّن وجْهَهُ لهمْ، بل تقريرُه - ﷺ - لهمْ على أنهُ لا حَلِفَ إلَّا على شيءٍ مشاهَدٍ مَرْئِيٍّ دليلٌ على أنه لا حَلِفَ في القسامةِ، ولأنهُ لمْ يطلبْ - ﷺ - اليهودَ للإجابةِ عنْ خصومِهم في دعواهُم فالقصةُ مناديةٌ بأنَّها لم تخرجْ مَخْرَجَ الحكمِ الشرعيِّ إذْ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ، فهذَا أقْوى دليلٍ بأنَّها ليستْ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٣٨٤٥). قلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٢ - ٤) رقم (٤٧٠٦).\n(^٢) في (ب): \"شرعيتها\".","vol":"7","page":68},{"text":"حُكْمًا شَرْعيًا وإنما تلَطَّفَ - ﷺ - في بيانِ أنَّها ليستْ حكمًا شرعيًا بهذا التدريجِ النادي بعدم ثبوتِها شَرْعًا، وأقرَّهم - ﷺ - بأنَّهم [لم يحلفوا على ما لم يعلموا ولا يشاهدوا] (^١) ولا حضروهُ ولم يبيِّنْ لهمْ بحرفٍ واحدٍ أنَّ أيمانَ القسامةِ منْ شأْنِها أنْ تكونَ على ما لم يعلمُ. وبهذا تعرفُ بطلانَ القولِ أنَّ في القصةِ دليلًا على الحكمِ على الغائبِ إذْ لا حُكْمَ فيها أصلًا، وبطلانُ الجوابِ عنْ كونِها مخالِفةً للأصولِ بأنَّها مخصصةٌ منَ الأصولِ، لأنَّ القَسَامَةَ [شرعت] (^٢) سُنَّةٌ مستقلَّةٌ بنفسِها منفردةٌ مخصَّصةٌ للأصولِ كسائرِ المخصَّصاتِ للحاجةِ إلَى شرعيَّتها حياطةً لحفظِ الدماءِ وردْعِ المعتدينَ، ووجْهُ بطلانِه أنهُ فرعُ ثبوتِ الحكم بها عنِ الشارعِ، فلو ثبتَ الحكمُ بها لكانَ هذا جوابًا حَسَنًا، [ولكن لم يثبت الحكم بها كما عرَّفناك] (^٣).\nوأما ما في حديثِ مسلمٍ أنهُ - ﷺ -: \"أقرَّ القسامةَ على ما كانتْ عليهِ في الجاهليةِ وقضى بها بينَ [النَّاس] (^٤) منَ الأنصارِ في قتيلٍ ادَّعوهُ على اليهودِ\"، فهو إخبارٌ عن القصةِ التي في حديثِ سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ، وقدْ عرفْتَ أنهُ - ﷺ - لم يقضِ بها فيهِ كما [عرَّفناك] (^٥).\nوقدْ عرفتَ منْ حديثِ أبي طالبِ أنَّها كانتْ في الجاهليةِ على أنْ يؤدِّيَ الديةَ القاتلُ لا العاقلةُ كما قالَ أبو طالبِ: إما أنْ تؤدِّي مائةٌ مِنَ الإِبلِ، فإنهُ ظاهرٌ أنَّها منْ مالِه لا منْ عاقلتِه، أو يحلِفَ خمسونَ منْ قومِكَ، أو تُقْتَلَ. وهُنَا في قصةِ خيبرَ لم يقعْ شيءٌ منْ ذلكَ فإنَّ المدَّعَى عليهمْ لم يحلِفُوا ولمْ يسلِّمُوا ديةً ولم يَطْلُبْ منْهم الحلِفَ.\nوليسَ هذا قدْحًا في روايةِ الرَّاوِي منَ الصحابةِ بلْ في استنباطِه، لأنهُ قدْ أفادَ حديثُه أنهُ استنبطَ قضاءَ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالقسامةِ منْ قصةِ أهلِ خيبرَ وليسَ في تلكَ القصةِ قضاءٌ، وعدمُ صحةِ الاستنباطِ جائزٌ على الصحابيِّ وغيرِهِ اتفاقًا، وإنَّما روايتُه للحديثِ بلفْظِهِ أوْ بمعناهُ هيَ التي يتعيَّنُ قبولُها.\n_________\n(^١) في (ب): \"لا يحلفون على ما لا يعلمونه ولا شاهدوه\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"ناس\".\n(^٥) في (ب): \"قررناه\".","vol":"7","page":69},{"text":"وأما قولُ أبي الزنادِ: \"قلْنا بالقسامةِ والصحابةُ متوافرونَ إني لأَرَى أنَّهم ألفُ رجلٍ فما اختلفَ منهمُ اثنانِ\"، فإنهُ قالَ في \"فتحِ الباري\" (^١): إنَّما نقل أبو الزِّنادِ عنْ خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ كما أخرجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ والبيهقيُّ في روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الزِّنادِ عنْ أبيهِ، وإلا فَأَبُو الزِّنادِ لا يُثْبِتُ أنهُ رأَى عشرةً منَ الصحابةِ فَضْلًا عنْ ألفٍ، انتَهى.\nقلتُ: لا يخْفَى أنهُ تقريرٌ لما رواهُ أبو الزنادِ لثبوتِ ما رواهُ عنْ خارجةَ بنِ زيدٍ الفقيهِ الثِّقةِ، وإنَّما دلَّسَ أبو الزنادِ بقولِه [قتلْنا] (^٢) وكأنهُ يريدُ [قتلَ] (^٣) معشرَ المسلمينَ وإنْ لم يحضرْهم، ثمَّ لا يخْفَى أنَّ غايتَه بعدَ ثبوتِه عنْ خارجةَ فعلُ جماعةٍ منَ الصحابةِ وليسَ بإجماعٍ حتَّى يكونَ حُجَّةً، ولا شكَّ في ثبوتِ فعلِ عمرَ بالقسامةِ وإن اختلفَ عنهُ في القتلِ بها، إنما نِزَاعُنا في ثبوتِ حُكْمِهِ - ﷺ - فإنهُ لم يَثبتْ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) (١٢/ ٢٣٥).\n(^٢) في (أ): \"قبلناه\".\n(^٣) في (أ): \"قبل\".\n(^٤) انظر: \"نيل الأوطار\" (٧/ ٣٤ - ٤٠) للشوكاني في شرعية القسامة، فقد أشبع الكلام فيها، فقارن بين ما هنا وما هنالك.","vol":"7","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1176>[الباب الثالث] باب قتال أهل البغي</span>\nالبغيُ مصدرُ بَغَى عليهِ، بفتحِ الغينِ المعجمةِ، بَغْيًا بفتحِ الموحدةِ وسكونِ المعجمةِ، عَلَا وظَلَم وعدلَ عنِ الحقِّ، ولهُ معانٍ كثيرةٌ. وذكرَ الشارحُ (^١) ﵀ معناهُ الاصطلاحيِّ هُنَا وساقَهُ على اصطلاحِ الهادويةِ. وقدْ أبنَّا ما فيهِ في حواشي \"ضوء النهارِ\" (^٢)، ولم نذكرْه هنا لعدم انطباقِ الأحاديثِ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1177>من حمل السلاح على المسلمين فليس منهم</span>\n١/ ١١١٨ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(عنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ حملَ علينا السلاحَ فليس مِنَّا. متفقٌ عليهِ)، أي مَنْ [حمل] (^٤) لقتالِ المسلمينَ بغيرِ حقٍّ، كنَّى بحملِه عنِ المقاتلةِ إذِ القتلُ لازمٌ لحملِ [السلاح] (^٥) في الأغلبِ، ويحتملُ أنهُ لا كنايةَ فيهِ، وأنَّ المرادَ حملُه حقيقةً لإرادةِ القتالِ، ويدلُّ [عليهِ] (^٦) قولُه: علينا. وقولُه: (فليسَ\n_________\n(^١) وهو المغربي في \"البدر التمام\".\n(^٢) (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٥٦).\n(^٣) البخاري رقم (٦٨٧٤)، ومسلم رقم (١٦١/ ٩٨). قلت: وأخرجه النسائي (٧/ ١١٧ - ١١٨ رقم ٤١٠٠)، وابن ماجه رقم (٢٥٧٦)، والبيهقي (٨/ ٢٠)، والطيالسي رقم (١٨٢٨)، وأحمد (٢/ ٣، ١٦، ٥٣، ١٤٢، ١٥٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٣٢ - (١٣٣).\n(^٤) في (ب): \"حملُه\".\n(^٥) في (ب): \"السيف\".\n(^٦) في (ب): \"له\".","vol":"7","page":71},{"text":"مِنَّا) تقدَّم تفسيره بأنَّ المرادَ ليسَ علَى طريقتِنا وهدْينَا، فإنَّ طريقتَهُ - ﷺ - نصرُ المسلمِ والقتالُ دونَه لا ترويعُه وإخافتُه [وقتالُه] (^١) وهذا في غير المستحلِّ، فإنِ استحلَّ القتالَ للمسلمِ بغيرِ حقٍّ فإنهُ يكفرُ باستحلالِه المحرَّمِ القطعيِّ.\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ قتالِ المسلمِ والتشديدِ فيهِ، وأما قتالُ البغاةِ منْ أهلِ الإسلامِ فإنهُ خارجٌ منْ عمومِ هذا الحديثِ بدليلٍ خاصٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1178>حكم من فارق الجماعة</span>\n٢/ ١١١٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيّةُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: مَنْ خرجَ عنِ الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ ومات، فميتتُه) بكسرِ الميمِ مصدرٌ نوعيٌّ (جاهليةٌ. أخرجَهُ مسلمٌ).\nقولُه: عن الطاعةِ، أي طاعةِ الخليفةِ الذي وقعَ الاجتماعُ عليهِ، وكأنَّ المرادَ خليفةُ أيِّ قطرٍ منَ الأقطارِ، إذْ لم يجمع النَّاسُ على خليفةٍ في جميعِ البلادِ الإسلاميةِ منْ أثناءِ الدولةِ العباسيةِ، بلِ استقلَّ أهلُ كلِّ إقليمٍ بقائمٍ بأمورِهم، إذ لوْ حُمِلَ الحديثُ على خليفةٍ اجتمعَ أهل الإسلامِ عليه لَقَلَّتْ فائدتهُ.\nوقولُه: (فارقَ الجماعةَ)، أي خرجَ عنِ الجماعةِ الذينَ اتفقُوا على طاعةِ إمامٍ انتظمَ بهِ شملُهم، واجتمعتْ بهِ كلمتُهم، وحاطَهم عنْ عدوِّهم.\nوقولُه: (فميتتة جاهليةٌ)، أي منسوبةٌ إلى أهلِ الجهلِ، والمرادُ بهِ مَنْ ماتَ علَى الكفْرِ قبلَ الإسلامِ، وهوَ تشبيهٌ لِميْتَةِ مَنْ فارقَ الجماعةَ بمنْ ماتَ على الكفرِ بجامعِ أنَّ الكلَّ لم يكنْ تحتَ حكمِ إمامٍ، فإنَّ الخارجَ عنِ الطاعةِ كأهلِ الجاهليةِ لا إمامَ لهُ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ إذا فارقَ أحدٌ الجماعةَ ولمْ يخرجْ عليهمْ ولا قاتلَهم أنَّا لا نقاتلُه لنردَّه إلى الجماعةِ ويذعنَ للإمامِ بالطاعةِ، بلْ نخلِّيهِ وشأنَه لأنهُ لم يأمرْ - ﷺ - بقتالِه، بل [أخبرنا] (^٣) عنْ حالِ موتهِ وأنهُ كأهلِ الجاهليةِ، ولا\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٨٤٨).\n(^٣) في (ب): \"أخبر\".","vol":"7","page":72},{"text":"يخرجْ بذلكَ عنِ الإسلامِ، ويدلُّ لهُ ما ثبتَ منْ قولِ عليٍّ كرم اللهُ وجهه للخوارجِ: \"كونُوا حيثُ شئتُم وبينَنا وبينَكم أنْ لا تسفِكُوا دمًا حرامًا، ولا تقطعُوا سبيلًا، ولا تظلِمُوا أحدًا، فإنْ فعلتُم نفذتُ إليكمْ بالحربِ\". وهذَا ثابتٌ عنهُ بألفاظٍ مختلفةٍ. أخرجَهُ أحمدُ (^١) والطبرانيُّ (^٢) والحاكمُ (^٣) منْ طريقِ عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ، وقال عبدُ اللهِ بن شداد: فواللهِ ما قتلَهم حتَّى قطعُوا السبيلَ وسفكُوا الدمَ الحرامَ. فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ الخلافِ على الإمامِ لا يُجِب قتالَ مَنْ خالفَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>تحقيق الكلام في حديث تقتل عمارًا الفئة الباغية</span>\n٣/ ١١٢٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"تَقْتُلُ عَمّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح].\n(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ -: قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: تقتل عمارًا الفئةُ الباغيةُ. رواهُ مسلمٌ)، تمامُه في مسلمٍ: \"يدعوهُم إلى الجنةِ ويدعُونَهُ إلى النارِ\". قالَ ابنُ عبدِ (^٥) البرِّ: تواترتِ الأخبارُ بهذَا (^٦) وهوَ مِنْ أصحِّ الأحاديث، قالَ ابنُ دحيةَ: لا مطعنَ\n_________\n(^١) و(^٢) لم أعثر عليه عند أحمد والطبراني. بل أورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٣٥ - ٢٣٧) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٥٢ - ١٥٤)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلَّا ذكر ذي الثدية، فقد أخرجه مسلم بأسانيد كثيرة. ووافقه الذهبي.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٩١٦).\n(^٥) ذكر ذلك ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ٤٣).\n(^٦) حديث أم سلمة، وأبي الهذيل، وأبي هريرة، وعبد اللهِ بن عمرو، وعمرو بن العاص، وعمرو بن حزم، ومعاوية، وأنس، وأبي سعيد الخدري.\n• أما حديث أم سلمة فقد أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٩) و(٦/ ٣٠٠) و(٦/ ٣١١) و(٦/ ٣١٥) ومسلم رقم (٢٩١٦)، والطيالسي في \"المسند\" رقم (٢٥٧٠)، وأبو يعلى في \"المسند\" رقم (٤٤/ ١٦٤٥)، ورقم (١١٢/ ٦٩٩٠) من طرق …\n• وأما حديث أبي الهذيل فقد أخرجه أبو يعلى رقم (١٤٢٦/ ٤١٨١)، بسند منقطع وذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٤/ ٣٠٤ رقم ٤٤٧٧) وعزاه إلى مسدد، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٤٢): رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وأبو يعلى، وإسناد أبي يعلى منقطع، وفي إسناد الطبراني أحمد بن عمر العلَّاف الرازي ولم أعرفه\".\n• وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه أبو يعلى رقم (٦٨٤/ ٦٥٢٤)، بسند ضعيف.=","vol":"7","page":73},{"text":"في صِحَّتهِ، ولو كانَ غيرَ صحيحٍ لردَّه معاويةُ، وإنَّما قالَ معاويةُ: قتلَه مَنْ جاءَ بهِ، ولوْ كانَ فيهِ شكٌّ لأنكره وردَّه حتَّى أجابَ عمرُو بنُ العاص على معاويةَ قالَ: فرسولُ اللهِ - ﷺ - قتلَ حمزةَ؟\nوأما ما نقلَهُ المصنفُ [ابن حجر] (^١) في \"التلخيص\" (^٢): وتَبعَهُ الشارحُ في نقلِه منْ أنهُ نقلَ ابنُ الجوزيِّ عنْ [الخلال] (^٣) في \"العِلَلِ\" أنهُ حُكِيَ عنْ أحمدَ [بن\n_________\n= وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٩٦)، وقال رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: عبد اللهِ بن جعفر المديني ليس من رجال الصحيح وإنما روى له الترمذي وابن ماجه وهو ضعيف.\nوأخرج المرفوع منه الترمذي رقم (٣٨٠٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث العلاء بن عبد الرحمن.\n• وأما حديث عبد اللهِ بن عمرو فقد أخرجه أبو يعلى رقم (١٦/ ٧٣٥١) بإسناد حسن، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٩٧) مختصرًا. وقال: \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\".\n• وأما حديث عمرو بن العاص فقد أخرجه أبو يعلى رقم (٧/ ٧٣٤٢)، وأحمد (٤/ ١٩٧)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٤٢) وقال: \"رواه أحمد وفيه راوٍ لم يُسم وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى باختصار\" اهـ.\n• وأما حديث عمرو بن العاص وعمرو بن حزم فقد أخرجه أبو يعلى رقم (٢/ ٧١٧٥)، ورقم (١١/ ٧٣٤٦)، بسند صحيح.\nوأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٢٠٤٢٧)، وأحمد (٤/ ١٩٩)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٥٥١).\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وقال: \"رواه أحمد وهو ثقة\"، ولعل الصواب: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\".\n• أما حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵁ - أخرجه أبو يعلى رقم (١١/ ٧٣٦٤) بسند ضعيف. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٩٦) وقال: \"رواه أبو يعلى، والطبراني، وابنة هشام والراوي عنها لم أعرفهما، وبقية رجالهما رجال الصحيح\".\n• وأما حديث أنس فقد أخرجه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣١٥)، وقال الخطيب: كذا قال عن الحسن، عن أنس، والمحفوظ عن الحسن عن أمه، عن أم سلمة\". وانظر: \"حلية الأولياء\" (٧/ ١٩٧ - ١٩٨).\n• وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد أخرجه أحمد (٣/ ٥، ٢٢، ٢٨، ٩١)، والطيالسي رقم (٢٥٦٩) والبخاري رقم (٤٤٧) ومسلم رقم (٢٩١٥).\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٤٣ رقم ١٧٣٥).\n(^٣) في (أ) و(ب): \"خلاد\" والصواب: \"الخلال\" كما في التلخيص (٤/ ٤٣).","vol":"7","page":74},{"text":"حنبل] (^١) أنهُ قالَ: رُوِيَ هذا الحديثُ منْ ثمانيةٍ وعشرينَ طريقًا ليسَ فيها طريقٌ صحيحٌ. وحُكِيَ أيضًا عنْ أحمدَ وابنِ معين وابنِ أبي خيثمةَ أنَّهم قالُوا: لم يصحَّ. فقدْ أجابَ السيِّدُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرُ (^٢) ﵀ عنْ هذا بقولِه: الاسترواحُ إلى ذِكْرِ هذا الخلافِ الساقطِ [بالمرة والمطَّرح بالأصالة] (^٣) منْ غيرِ بيانٍ لبطْلانِهِ منْ مثلِ ابنِ حجرٍ عصبيةً شنيعةً [ومسقطة قبيحة] (^٤)، فأما ابنُ الجوزيِّ فلمْ يعرفْ هذا الشأنَ [ولا هو من أهل فرسان هذا الميدان] (^٥)، وقدْ ذكرَ الذهبيُّ في ترجمتِه في \"التذكرةِ\" (^٦) كثرةَ خَطَئِهِ في مصنفاتِه، فهوَ أجهلُ وأحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه وحفَّاظِه كابنِ عبدِ البرِّ والبخاريِّ ومسلمٍ والحميديِّ.\nوقدْ رواهُ كاملًا أبو داودَ والترمذيُّ والذهبيُّ والحاكمُ وابنُ خزيمةَ والقرطبيُّ والإسماعيليُّ والبرقانيُّ وأمثالُهم، وقدْ ذكرَ جملةٌ منْهم تواترَه، وصِحَّتَهُ وجماعةٌ منهم إجماعَ أهلِ السنةِ وأهلِ الفقهِ وأهلِ العلمِ على تواتره، وذكَرَهُ القرطبيُّ في آخرِ تَذْكِرَتهِ (^٧)، والحاكمُ في \"علوم الحديثِ\" (^٨) لهُ، وحكاهُ عنِ ابنِ خزيمةَ المعروفِ بإمامِ الأئمةِ ولم يحكِ أحدٌ عنْهم خِلافًا في ذلكَ.\nوأما الذهبيُّ فإنَّهُ حقَّقَ صِحَّةَ دَعْواهُ بما أوردَهُ منَ الطُّرقِ الصحيحةِ الجمَّةِ. والمنعُ منَ [صحتهِ] (^٩) بمجرَّدِ العصبيةِ منْ غيرِ حُجَّةٍ صنع مَنْ لا علمَ لهُ بلْ منْ لا عقلَ له ولا حياءَ له، انتَهى. [كلام السيد محمد بن إبراهيم] (^١٠).\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ ابنَ الجوزي نقلَ عنْ أحمدَ عدمَ صِحَّتِه، وليسَ هوَ قدحٌ في صحتهِ حتَّى يُقَالَ إنهُ أحقرُ منْ أنْ ينتهضَ لمعارضةِ أئمةِ الحديثِ وفرسانِه\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) ولد على المشهور الصحيح في رجب سنة (٧٧٥ هـ) بهجرة الظَهْرَاوين من شَظَب، ونشأ فيها، وحفظ القرآن، وكذلك حفظ متون كتب الطلب من نحو وصرف ومعانٍ وبيان وفقه وأصول، ورحل إلى صعدة، ثم إلى صنعاء .. وتوفي سنة (٨٤٠ هـ). وانظر ترجمته في: \"مقدمة كتابه العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أي \"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٣٤٧).\n(^٧) رقم (١٧٨٨) بتحقيقي.\n(^٨) (ص ٨٤).\n(^٩) في (ب): \"الصحة\".\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"7","page":75},{"text":"[وحفَّاظهِ] (^١)، فالأَوْلَى في الجوابِ عنْ نقلِ ابنِ الجوزيِّ ما قالَه السيِّدُ محمدٌ [أيضًا] (^٢)، إنهُ قدْ رَوَى يعقوبُ بنُ شيبةَ الإمامُ الثقةُ الحافظُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ أنهُ قالَ فيهِ: إنهُ حديثٌ صحيحٌ سَمِعَهُ عنهُ يعقوبُ وقدْ سُئِلَ عنهُ. ذكرهُ الذهبيُّ في ترجمةِ عمارِ في \"النبلاءِ\" (^٣)، ويؤيدُه أنهُ رواهُ أحمدُ عنْ جماعةٍ [كثيرةٍ] (^٤) منَ الصحابةِ وكانَ يَرَى الضَّربَ عن [رواية الضعفاء] (^٥) والمنكراتِ.\nوهذَا يدلُّ على بُطْلانِ ما حكاهُ ابنُ الجوزيِّ، وإلَّا فغايتُه أنهُ قدْ تعرضَ عنْ أحمدَ القولانِ فيطرحُ، وفي تصحيحِ غيرِه ما يغني عنهُ كما لا يخْفَى. وأما الحكايةِ عنِ ابنِ مَعِيْنٍ وابنِ أبي خيثمةَ فإنهُ رَوَاها المصنفُ بصيغةِ التمريضِ ولم ينسبْها إلى راوٍ فيتكلَّمُ عليها.\nوالحديثُ دليلٌ على أنَّ الفئةَ الباغية معاويةُ ومَنْ في حِزْبهِ، والفئةُ المحقَّةُ عليٌّ كرم اللهُ وجهه ومَنْ في صُحْبَتِهِ، وقدْ نَقَلَ الإجماعَ منْ أهلِ السنةِ بهذا القولِ جماعةٌ مِنْ أئمتِهِمْ كالعامريِّ وغيرِه وأوضحْناه في \"الروضةِ النديَّةِ\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>قتال البغاه والأحكام المتعلقة به</span>\n٤/ ١١٢١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغى مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ؟ \"، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيؤُهَا\". رَوَاهُ الْبَزَّارُ (^٧) وَالْحَاكِمُ (^٨)، وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ، لأَنَّ في إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ (^٩). [ضعيف]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أي \"سير أعلام النبلاء\" (١/ ٤٠٦ - ٤٢٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"روايات الضعاف\".\n(^٦) واسمها: \"الروضة الندية في شرح التحفة العلوية\" (ص ٨٥) والكتاب فيه أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة وموضوعة، فتنبَّه.\n(^٧) (٢/ ٣٥٩ - كشف الأستار). وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٤٣)، وقال: \"رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\" وفيه كوثر بن حكيم، وهو ضعيف متروك\".\n(^٨) في \"المستدرك\" (٢/ ١٥٥).\n(^٩) قاله الذهبي في \"المختصر\" (٢/ ١٥٥).","vol":"7","page":76},{"text":"- وَصَحَّ عَنْ عَليٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^١) وَالْحَاكِمُ (^٢). [ضعيف]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: هلْ تدري يا ابنَ أمِّ عَبْدٍ) هوَ عبد اللهِ بنُ مسعودٍ لأنهُ المعروفُ بذلكَ وكأنهُ رواهُ عنهُ ابنُ عمرَ - ﵄ - أو سمعَ النبيَّ - ﷺ - يحدِّثُه (كيفَ حُكمُ اللهِ فيمَنْ بَغَى منْ هذهِ الأمةِ؟ قالَ: اللهُ ورسولُه أعلمْ، قالَ: لا يُجْهَزُ علي جريحِها) أي لا يتمّمُ قتل مَنْ كانَ جريحًا منَ البغاةِ (ولا يُقْتَلُ أسيرُها ولا يُطْلَبُ هاربُها ولا يقسمُ فَيْئُها. رواهُ البزَّارُ والحاكمُ وصحَّحَهُ فوهِمَ لأنَّ في إسنادهِ كوثرَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الواوِ ومثلثةٍ مفتوحةٍ فراءٍ (ابنَ حكيمٍ، وهوَ متروكٌ، وصحَّ عنْ عليٍّ - ﵁ - نحوُه منْ طرقٍ نحوه موقوفًا. أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ والحاكمُ)، في \"الميزان\" (^٣) كوثرُ بنُ حكيمٍ عنْ عطاءٍ ومكحولٍ وهوَ كوفيٌّ نزلَ حلبَ، قالَ ابنُ معينٍ: ليسَ بشيءٍ، قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: أحاديثُه بواطيلُ، انتَهى.\nقالَ ابنُ عديٍّ (^٤): هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. وأما الروايةُ عنْ عليٍّ ﵇ فَرَوَاها البيهقيُّ (^٥) وغيرُه.\nوفي الحديثِ مسائلُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1181>الأولى:</span> جوازُ قتالِ البغاةِ وهوَ إجماعٌ لقولهِ تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (^٦).\nقلتُ: والآيةُ دالُّةٌ على الوجوبِ وبهِ قالتِ الهادويةُ، ولكنْ شَرَطُوا ظنَّ الغلبةِ. وعندَ جماعةٍ منَ العلماء أنَّ قتالَهم أفضلُ منْ قتالِ الكفارِ، قالُوا: لِمَا يلحقُ المسلمينَ منَ الضررِ منْهم.\nواعلمْ أنهُ يتعيَّنُ أَوَّلًا قبلَ قتالِهمْ دعاؤُهم إلى الرجوعِ عنِ البغي وتكريرُ الدعاءِ كما فعلَ علي ﵇ في الخوارجِ فإنَّهم لما فارقُوه أرسلَ إليهمُ ابنَ عباسٍ\n_________\n(^١) في \"المصنف\" (٢/ ٤٢٤).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ١٥٥). والخلاصة: أن الحديث ضعيف، قاله البيهقي (٨/ ١٨٢)، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٩٨): \"هذا الحديث غير محفوظ\".\n(^٣) (٣/ ٤١٦).\n(^٤) في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٩٨).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨١).\n(^٦) سورة الحجرات: الآية ٩.","vol":"7","page":77},{"text":"فناظرَهُم فرجعَ منْهم أربعةُ [آلاف] (^١) وكانُوا ثمانيةَ آلافٍ [فبقي] (^٢) أربعةٌ أَبَوْا أنْ يرجعُوا وأصرُّوا على فراقِه فأرسلَ إليهمْ: \"كونُوا حيثُ شِئْتُم وبينَنَا وبينَكم أنْ لا تسفكُوا دمًا حَرَامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تَظْلِمُوا أَحَدًا\"، فقتلُوا عبدَ اللهِ بنَ خبابٍ صاحبَ رسولِ اللهِ - ﷺ - ثمَّ بقَرُوا بطنَ [سُرِّيته] (^٣) وهيَ حُبْلَى وأخرجُوا ما في بَطْنِها، فبلغَ عليًا كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ فكتبَ إليهمْ أقيدُونا بقاتلِ عبدِ اللهِ بنِ خَبَّابٍ فقالُوا: كلُّنا قتلَه، فَأَذِنَ حينئذٍ في قِتَالِهمْ، وهيَ رواياتٌ ثابتةٌ ساقَها المصنفُ في [الفتح] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1182>المسالةُ الثانيةُ:</span> أنهُ لا يجهزُ على جريحِهَا، وهوَ مِنْ أَجْهَزَ علَى الجريحِ، وجَهَزَ أيْ بتت قتلَه [وأسرعَهُ] (^٥) وتمَّمَ عليهِ، ودليلُه قولُه: ولا يجهزُ على جريْحِها.\nوأخرجَ البيهقيُّ (^٦) أنَّ عليًا ﵇ قالَ لأصحابهِ يوم الجملِ: \"إذا ظهرتُم على القومِ فلا تطلبُوا مُدْبِرًا ولا تُجْهِزُوا على جريحٍ وانظُروا ما حضرتْ بهِ الحربُ منْ آلتِه فاقبضُوه وما سِوَى ذلكَ فهوَ لِوَرَثَتِهِ\". قالَ البيهقيُّ (٦): هذَا منقطعٌ والصحيحُ أنهُ لم يأخذْ شيئًا ولم يسلبْ قتيلًا.\nودلَّ الحديث أيضًا على أنه لا يقتلُ أسيرُ البغاةِ، قالوا: وهذا خاصٌ بالبغاة لأنَّ قتالَهم إنَّما هوَ لِدَفْعِهِمْ عنِ المحاربةِ.\nودلَّ الحديثُ أيضًا على أنهُ لا يطلبُ هاربُها، وظاهرُه ولوْ كانَ متحيِّزًا إلى فئةٍ، وإلى هذَا ذهبَ الشافعيُّ قالَ: لأنَّ القصْدَ دفْعَهُم في تلكَ الحالِ وقدْ وقعَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّ الهاربَ إلى فئةٍ يُقْتَلُ إذْ لا يُؤْمَنُ عَوْدُهُ، والحديثُ يردُّ هذا القولَ وكَذَا ما تقدَّمَ منْ كلامِ عليٍّ ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-1183>المسالةُ الثالثةُ:</span> قولُه: (ولا يُقْسَمُ فيئُها) أي لا يُغْنَمُ فيقسمُ، دالٌّ على أنَّ أموالَ البغاةِ لا تغنمُ وإنْ أجْلَبُوا بها إلى دارِ الحربِ، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ\n_________\n(^١) في (أ): \"ألف\".\n(^٢) في (ب): \"وبقي\".\n(^٣) في (أ): \"سرية\".\n(^٤) في (ب): \"فتح الباري\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨١)، وهو منقطع.","vol":"7","page":78},{"text":"والحنفيةُ وأيَّدَ هذَا بقولِه - ﷺ -: \"لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بطيبةٍ منْ نفسهِ\" (^١)، وقدْ صحَّحَ البيهقي أنَّ عليًا ﵇ لم يأخذْ سَلْبًا. فأخرجَهُ (^٢) عنِ الدَّرَاوَرْدِي عنْ جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيه أن عليًا ﵇ كان لا يأخذ سلبًا. وأخرج (^٣) أيضًا عنْ أبي بكرٍ بنِ أبي شيبةَ عنْ جعفرِ بن محمدٍ عنْ أبيهِ أنَّ عليًا ﵇ يومَ البصرةِ لم يأخذْ منْ متاعِهم شَيْئًا.\nوأخرجَ (^٤) عنْ أبي أمامةَ قالَ: شهدتُ يومَ صِفِّينَ، وكانُوا لا يُجْهِزُونَ على جريحٍ ولا يقتلونَ مُولِّيًا ولا يسلبونَ قتيلًا. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يُغْنَمُ ما أجلبُوا به منْ مالٍ وآلةِ حَرْبٍ ويخمسُ لقولِ عليٍّ ﵇: لكمُ المعسكرُ وما حَوَى، وأُجِيْبَ بأنَّ الحديثَ مصرِّحٌ بأنَّها لا تغنَمُ وبأنَّ ما ذكرْنَاهُ عنْ عليٍّ ﵇ مما يوافقُ الحديثَ أكثرَ وأقْوى طريقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>المسالةُ الرابعةُ:</span> يُؤخَذُ منْ [إطلاقِ] (^٥) قولِه: (ولا يُجْهَزُ على جرِيْحها) أنهُ لا يضمنُ البغاةُ ما أتلفُوه في القتالِ منَ الدماءِ والأموالِ، وإليهِ ذهبَ الإمامُ يحيى والحنفيةُ، واستدلَّ أيضًا بقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (^٦) ولم يذكرْ ضمانًا، وبما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٧) عنِ ابنِ شهابٍ قالَ: هاجتِ الفتنةُ الأُولى فأدركتِ - أي الفتنةُ - رجالًا ذوي عدد منْ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ممنْ شهدَ معَهُ بدْرًا، وبَلَغَنَا أنَّهم كانُوا يرونَ أنْ يهدرَ أمرُ الفتنةِ ولا يقامَ فيها على رجلٍ قاتلٍ في تأويلِ القرآنِ قصاصٌ فيمنْ قتلَ ولا حدَّ [فيمن] (^٨) سبا امرأةٍ سُبِيَتْ، ولا يُرَى عليها حدٌّ، ولا بينَها وبينَ زَوْجِها ملاعنةٌ ولا يَرَى أنْ يقذفَها أحدٌ إلَا جُلِدَ الحدَّ، وَيرَى أنْ تردَّ إلى زَوْجِها الأولِ بعدَ أن تعتدَّ فتنقضي عدَّتُها منْ زوجِها الآخرِ، ويَرَى أنْ يرثَها زوجُها الأولُ.\nقلتُ: وهذا وإنْ لم يكنْ إجماعًا فإنهُ مقوِّ للبراءةِ الأصليةِ، إذِ الأصلُ أنَّ أموالَ المسلمينَ ودماءَهم معصومةٌ. وذهبَ الشافعيُّ وحُكِيَ عنِ الهادويةِ إلى أنهُ\n_________\n(^١) تقدَّم تخريج الحديث مرارًا.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨١).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨١).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٨٢).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) سورة الحجرات: الآية ٩.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(^٨) في (ب): \"في\".","vol":"7","page":79},{"text":"يُقْتَصُّ ممنْ قتلَ مِنَ البغاةِ واستدَلُّوا [بعمومِ] (^١) الآياتِ والأحاديثِ نحو: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (^٢)، وحديثِ: \"منِ اعتبطَ مسلمًا بقتلٍ عنْ بيِّنة فهوَ قَوَدٌ\" (^٣)، وأجيبَ بأنَّها عموماتٌ خُصَّتْ بما ذُكِرَ منْ أدلةٍ أَهْلِ القولِ الأَوَّلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1185>من خرج علَى من اجتمعت عليه الكلمة حلَّ دمه</span>\n٥/ ١١٢٢ - وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُم جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُم فَاقْتُلُوهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عَرْفَجَةَ) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وضمِّ الفاءِ وجيمٍ (ابنِ شريحٍ) بالشينِ المعجمةِ مصغَّرُ شَرْحٍ، وقيلَ بالمهملةِ، ([قال]: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: منْ أَتَاكُم وأمْرُكُم جميعٌ يريدُ أنْ يفرِّقَ جماعتكم فاقْتُلوه. أخرجَهُ مسلم).\nورواهُ مسلمٌ (^٥) بلفظِ: \"سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: ستكونُ هِنَاتٌ وهِنَاتٌ فمنْ أرادَ أنْ يفرِّقَ أمرَ هذِه الأمةِ وهيَ جميعٌ فاضرِبُوه بالسيفِ كائِنًا مَنْ كانَ\"، وفي لفظٍ (^٦): \"فاقتلُوه\"، وفي لفظٍ (^٧): \"مَنْ أَتَاكُم وأَمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريدُ أنْ يشقَّ عَصَاكُم أو يفرِّقَ جماعتَكُم فاقتلُوه\".\nوأخرجَ الشيخانِ (^٨) واللفظُ للبخاريِّ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: \"منْ رأَى مِنْ أميرِهِ شيئًا يكرهُه فيلصبرْ عليهِ فإنهُ مَنْ فارقَ الجماعةَ شِبْرًا فماتَ ماتَ\n_________\n(^١) في (أ): \"بعمومات\".\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٣٣.\n(^٣) أخرجه الشافعي في \"بدائع المتن\" (٢/ ١٥٧ رقم ١٤٣٣).\n(^٤) في صحيحه رقم (٦٠/ ١٨٥٢). قلت: وأخرجه البيهقي (٨/ ١٦٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٥٩/ ١٨٥٢). قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٦١)، وأبو داود رقم (٤٧٦٢)، والبيهقي (٨/ ١٦٨).\n(^٦) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٣/ ١٤٧٩ رقم (…) ١٨٥٢).\n(^٧) أخرجه مسلم رقم (٦٠/ ١٨٥٢).\n(^٨) البخاري رقم (٧١٤٣)، ومسلم (٥٥/ ١٨٤٩).","vol":"7","page":80},{"text":"مِيْتَةً جاهليةً\"، وفي لفظٍ (^١): \"مَنْ خرجَ عنِ السلطانِ شبرًا ماتَ ميتةً جاهليةً\". دلَّتْ هذهِ الألفاظُ على أنَّ مَنْ خرجَ علَى إمامٍ قدِ [أجمعت] (^٢) عليهِ كلمةُ المسلمينَ - والمرادُ أهلُ قُطْرٍ كما قلْناهُ - فإنهُ قدِ استحقَّ القتلَ لإدخالِه الضَّرَرَ على العبادِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ جائرًا أو عادلًا.\nوقدْ جاءَ في أحاديث تقييدِ ذلكَ بما أقامُوا الصلاةَ (^٣)، وفي لفظٍ (^٤): \"ما لمْ تَرَوْا كفرًا بُواحًا\"، وقدْ حقَّقْنَا هذهِ المباحثَ في \"منحةِ الغفارِ حاشيةِ ضوءِ النهارِ\" (^٥) تحقيقًا تُضْرَبُ إليهِ آباطُ الإبلِ، والحمدُ للهِ المنعمِ المتفضِّلِ.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٥٦/ ١٨٤٩).\n(^٢) في (ب): \"اجتمعت\".\n(^٣) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه مسلم رقم (٦٦/ ١٨٥٥) عن عوف بن مالك الأشجعي يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: \"خيارُ أئمتِكُم الذينَ تحِبُّوِنَهم ويُحبُّونكم، وتصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشرارُ أئمتِكُمُ الذين تبغضونَهُم ويبغضونكَمْ، وتلعنونَهُم ويلعنونكُم\"، قالوا: قلنا: يا رسولَ اللهِ أفلا ننابِذُهم عندَ ذلِكَ؟ قال: \"لا ما أقامُوا فيكم الصلاةَ، لا ما أقامُوا فيكم الصلاة … \"، الحديث.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٧٠٥٥ و٧٠٥٦)، ومسلم رقم (٤٢/ ١٧٠٩)، من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٥) (٤/ ٢٤٨٧ - ٢٤٨٨).","vol":"7","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1186>[الباب الرابع] باب قتال الجاني، وقتل المرتَدِّ</span>\n<span data-type='title' id=toc-1187>من قاتل دون ماله فقُتل فهو شهيد</span>\n١/ ١١٢٣ - عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١). [صحيح]\n_________\n(^١) حديث عبد اللهِ بن عمر بن الخطاب أورده ابن الأثير في \"جامع الأصول\" (٢/ ٧٤٢ رقم ١٢٤٤). قال محققه الشيخ عبد القادر الأرنؤوط: هكذا في الأصل بياض بعد قوله: أخرجه. وفي المطبوع: أخرجه رزين. وقال المباركفوري في \"تحفة الأحوذي\" (٤/ ٦٧٩) قال: \"وأما حديث ابن عمر ﵁ فأخرجه البيهقي\" اهـ. قلت: وفي الباب عن سعيد بن زيد، وعن جابر بن عبد الله، وعن عبد اللهِ بن عمرو، وعن عبد اللهِ بن مسعود، وعن بريدة الأسلمي، وعن أبي هريرة، وعن ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن.\n• أما حديث سعيد بن زيد فقد أخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" رقم (٣١٩٤)، وأحمد (١/ ١٨٧)، والحميدي رقم (٨٣)، والنسائي (٧/ ١١٥ و١١٥ - ١١٦)، وابن ماجه رقم (٢٥٨٠)، والبيهقي (٣/ ٢٦٦)، وأبو يعلى رقم (٢/ ٩٤٩)، ورقم (٦/ ٩٥٣)، من طرق عن سفيان عن الزُّهري، عن طلحة بن عبد اللهِ بن عوف، به. وأخرجه أحمد (١/ ١٨٩)، وأبو يعلى رقم (٣/ ٩٥٠)، من طريق محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، به. وأخرجه أحمد (١/ ١٩٠)، والترمذي رقم (١٤٢١)، والطيالسي رقم (٢٣٣)، وأبو داود رقم (٤٧٧٢)، والبيهقي (٣/ ٢٦٦)، و(٨/ ٣٣٥)، من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن طلحة، به.\n• وأما حديث جابر بن عبد اللهِ فقد أخرجه أبي يعلى رقم (٢٩٦/ ٢٠٦١)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٤٤)، وقال: رواه أبو يعلى، وفيه هارون بن حيان الرقي، =","vol":"7","page":82},{"text":"(عنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: من قُتِلَ دونَ مالِه فهوَ شهيدٌ. رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحَهُ)، وأخرجَهُ البخاريُّ (^١) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ. وأخرجَهُ أصحابُ السُّنَنِ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ منْ حديثِ سعيدٍ بنِ زيدٍ (^٢). وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ المقاتلةِ لمنْ قَصَدَ أخذَ مالِ غيرِه بغيرِ حقٍّ قليلًا كانَ أو كثيرًا، وهذا قولُ الجماهيرِ. وقالَ بعضُ المالكيةِ: لا يجوزُ القتالُ على أَخْذِ القليلِ منَ المالِ.\nقالَ القرطبيُّ: سببُ الخلافِ في ذلكَ هلْ القتالُ لدفعِ المنكرِ فلا [يفرق] (^٣) الحالُ بينَ القليلِ والكثيرِ، أوْ مِنْ بابِ دَفْعِ الضَّرَرِ فيختلفُ الحالُ في ذلكَ؟ وحَكَى أبنُ المنذرِ عنِ الشافعيِّ - ﵁ - أنَّ مَنْ أريدَ مالُه أو نفسهُ أو حريْمُهُ ولم يكن الدفعُ إلا بالقتلِ فلهُ ذلك وليسَ عليهِ قَوَدٌ ولا دِيَةٌ ولا كفارةٌ لكنْ ليسَ لهُ أنْ يقصدَ القتلَ منْ غيرِ تفصيلٍ.\nقالَ ابن المنذرِ: والذي عليهِ أهلُ العلمِ أنَّ للرجلِ أنْ يدفعَ عما ذُكِرَ إذا أُرِيْدَ ظلمًا بغيرِ تفصيل، إلَّا أنَّ كلَّ مَنْ يُحْفَظُ عنهُ [العلم] (^٤) منْ علماءِ الحديثِ كالمجمعينَ على استثناءِ السلطانِ للآثارِ الواردةِ بالأمرِ بالصبرِ على جَوْرِه وتركِ\n_________\n= قيل: كان يضع الحديث\" اهـ.\nقلت: لكن يشهد له حديث سعيد بن زيد المتقدم وغيره.\n• وأما حديث عبد اللهِ بن عمرو فقد أخرجه البخاري رقم (٢٤٨٠)، وأبو داود رقم (٤٧٧١)، والنسائي (٧/ ١١٤ - ١١٥)، والترمذي رقم (١٤١٩)، ورقم (١٤٢٠) وابن ماجه رقم (٢٥٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٥٣).\n• وأما حديث عبد اللهِ بن مسعود فقد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٣).\n• وأما حديث بريدة الأسلمي فقد أخرجه النسائي (٧/ ١١٦)، وفي سنده مؤمل بن إسماعيل البصري أبو عبد الرحمن، وهو سيء الحفظ، ولكن للحديث شواهد كما تقدم فهو بها حسن.\n• وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٢٥/ ١٤٠)، والنسائي (٧/ ١١٤).\n• وأما حديث ثابت مولى عمر بن عبد الرحمن فقد أخرجه مسلم رقم (٢٢٦/ ١٤١).\n(^١) في صحيحه رقم (٢٤٨٠) وقد تقدم تخريجه كاملًا في التعليقة السابقة.\n(^٢) تقدم تخريجه في التعليقة المتقدمة.\n(^٣) في (ب): \"يقترف\".\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"7","page":83},{"text":"القيامِ عليهِ، وفرَّقَ الأوزاعيُّ بينَ الحالِ التي للناسِ فيها جماعةٌ وإمامٌ فحملَ الحديثَ علَيْها، وأما في [حالة] (^١) الفرقةِ والخلافِ فيستسلم ولا يقاتلْ أحدًا.\nقلتُ: ويؤيدُ ما قالَه ابنُ المنذرِ عنْ أهلِ العلمِ ما أخرجَهُ مسلمٌ (^٢) منْ حديثِ أبي هريرةِ مرفُوعًا بلفظِ: \"أرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: لا تُعْطِهِ، قالَ: أرأيتَ إنْ قاتلَني؟ قالَ: قاتلْه، قالَ: أرأيتَ إنْ قَتَلَني؟ قالَ: فأنتَ شهيدٌ، قالَ: أرأيتَ إن قتلْتُه؟ قالَ: فهوَ في النارِ\"، وظاهرُ الحديثِ إطلاقُ الأحوالِ.\nقلتُ: هذا في جوازِ قتالِ مَنْ يأخذُ المالَ، فهلْ يجوزُ [ذلك] (^٣) أي لمنْ يرادُ أخذَ مالِه ظُلْمًا الاستسلامُ وتركُ المنعِ بالقتالِ، الظاهرُ جوازُه. ويدلُّ له حديثُ: \"فكنْ عبدَ اللهِ المقتولِ\" (^٤)، فإنهُ دالٌّ على جوازِ الاستسلامِ في النفسِ والمالِ بالأَوْلَى، فيحملُ قولُه هُنَا ولا تعطِه على أنهُ نَهْيٌ لغيرِ التحريمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1188>الجناية التي تقع لدفع الضرر</span>\n٢/ ١١٢٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ - ﵁ - قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: \"يَعَضُّ أَحَدُكُم أخاه كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، واللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ قالَ: قاتلَ يعلى بنُ أميةَ رجلًا فعضَّ أحدُهما صاحبَه فانتزعَ يدَه منْ فمهِ فنزعَ ثنيَّتَهُ فاختصَما إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: يعضُّ أحدُكم) بفتحِ حرفِ المضارعةِ والعينِ المهملةِ ماضيْه عَضِضَ بكسرِ الضادِ الأُولَى يعضَضُ\n_________\n(^١) في (ب): \"حال\".\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢٢٥/ ١٤٠).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٢)، من حديث خالد بن عرفطة بسند ضعيف.\n(^٥) البخاري رقم (٦٨٩٢)، ومسلم رقم (١٦٧٣). قلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٤١٦)، والنسائي (٨/ ٢٨ - ٢٩).","vol":"7","page":84},{"text":"بفتحِها في المضارعِ فأدغمتْ ونقلتْ حركتُها إلى ما [قبله] (^١) (أخاهُ كما يعضُّ الفحلُ) أي الذكرُ منَ الإبلِ (لا ديةَ لهُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ).\nاختُلِفَ في العاضِّ والمعضوضِ منْهما، فقالَ الحافظُ (^٢): الصحيحُ المعروفُ أنَّ المعضوضَ أجيرُ يَعْلى لا يَعْلى، قيلَ فيتعيَّنُ أنْ يكونَ يَعْلى هوَ العاضُّ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ هذهِ الجنايةَ التي وقعتْ لأَجْلِ الدفعِ عنِ الضررِ تهدرُ ولا ديةَ على الجاني وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ، قالُوا: لا يلزمُه شيءٌ لأنهُ في حكمِ الصائلِ واحتجُّوا أيضًا بالإجماعِ على أنَّ مَنْ شهرَ على آخر سلاحًا ليقتلَه فدفعَ عنْ نفسِه فَقَتَلَ الشاهرَ أنهُ لا شيءَ عليهِ، قالُوا: ولو جرحَهُ المعضوضُ في محلٍّ آخرَ منْ بَدَنِه لم يلزمْه شيءٌ.\nوشرطُ الإهدارِ أنْ يتألَّمَ المعضوضُ وأن لا يمكنَه تخليصُ يدهِ بغيرِ ذلكَ منْ ضربِ شدقهِ أو فكِّ لِحْيَيْهِ ليرسلَهما، ومهْما أمكنَ التخلصُ [بغير] (^٣) ذلكَ فعدلَ عنهُ إلى الأثقلِ لم يهدرْ، وللشافعيةِ وجْهٌ أنهُ يهدرُ علَى الإطلاقِ، ودليلُ شرطِ الإِهْدَارِ بما ذُكِرَ مأخوذٌ منَ القواعدِ الكليةِ في الشرعِ، وإلَّا فلا يفيدُه الحديثُ، فإنْ كانَ العضُّ في موضعٍ آخرَ منَ البدَنِ جَرَى فيهِ هذا الحكمُ قياسًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1189>عقاب من اطَّلع على أحد بغير إذنه</span>\n٣/ ١١٢٥ - وَعَن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ -: \"لَوْ أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"قبلها\".\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٢٠).\n(^٣) في (ب): \"بدون\".\n(^٤) البخاري رقم (٦٨٨٨)، ومسلم رقم (٢١٥٨). قلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (١٠٦٨)، وعبد الرزاق رقم (١٩٤٣٣). وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٧٦٨)، وأحمد (٢/ ٢٦٦ و٤١٤ و٥٢٧)، وأبو داود رقم (٥١٧٢)، والنسائي (٨/ ٦١)، وغيرهم.","vol":"7","page":85},{"text":"وَفي لَفْظٍ (^١) لأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: \"بِلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قَصَاصَ\". [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ أبو القاسم - ﷺ -: لوْ أنَّ امرأً اطَّلعَ عليكَ بغيرِ إذنٍ فحذفْتَه بحصاةٍ ففقأتْ عينَه لم يكنْ عليكَ جُنَاحٌ، متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على تحريم الاطلاعِ على الغيرِ بغيرِ إِذْنِه، وعلى أنَّ مَنِ اطَّلَع قاصِدًا للنظرِ إلى محلِّ غيرِه مما لا يجوزُ الدخولُ إليهِ إلَا بإذنِ مالكِه فإنهُ يجوزُ للمطَّلعِ عليهِ دفعُه بما ذُكِرَ وإنْ فقأَ عينَه فإنهُ لا ضمانَ عليهِ.\n(وفي لفظٍ لأحمدَ والنسائيِّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ: فلا ديةَ لهُ ولا قصاصَ)، وأما إذا كانَ مأذُونًا بالنظرِ فالجناحُ غيرُ مرفوعٍ على مَنْ جَنَى على الناظرِ، وكَذَا لو كانَ المنظورُ إليهِ في محلٍّ لا يحتاجُ إلى [إذن] (^٢) ولوْ نظرَ منه ما لا يحلُّ النظرُ إليهِ لأنَّ التقصيرَ منَ المنظورِ إليهِ وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ وغيره، والخلافُ فيهِ للمالكيةِ، قالَ يَحْيَى بنُ يعمرِ منَ المالكيةِ: لعلَّ مالِكًا لم يبلغْه الخبرُ، [فقال] (^٣) ابنُ دقيقِ العيدِ: تصرَّفَ الفقهاءُ في هذا الحكم بأنواعٍ منَ التصرفاتِ منْها أنهُ يفرَّقُ بينَ أنْ يكونَ هذا الناظرُ واقِفًا في الشارعِ أَوْ في خالصِ مُلْكِ المنظورِ إليهِ أو في سكةٍ منشدَّةِ الأسفلِ اختلفُوا فيهِ والأشهرُ أن لا فَرْقَ، ولا يجوزُ مدُّ العينِ إلى حرمِ الناسِ بحالٍ، وفي وجْهٍ للشافعيةِ أنها لا تُفْقَأُ إلَّا عينُ مَنْ وقفَ في مُلْكِ المنظورِ إليهِ والحديثُ مطلَقٌ.\nومنْها: أنهُ هلْ يجوزُ رَمْيُ الناظرِ قبلَ الإنذارِ، والنَّهْي فيهِ وجهانِ للشافعيةِ: أحدُهما: لا، والثاني: نعمْ.\nقلتُ: وهوَ الذي يدلُّ لهُ الحديثُ ويؤيدُه دلالة الحديثِ الآخرِ: \"أنهُ - ﷺ - جعلَ يختل المطَّلِعَ عليهِ لِيَطْعَنَهُ\" (^٤)، والختلُ فسَّرهُ في\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح، أخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٦١)، وابن حبان في صحيحه رقم (٦٠٠٤)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٧٩٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٣٨)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٠٥)، والدارقطني (٣/ ٩٩)، وابن أبي عاصم في \"الديات\" (ص ٨٤).\n(^٢) في (ب): \"الإذن\".\n(^٣) في (ب): \"وقال\".\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٦٩٠٠)، ومسلم رقم (٤٢/ ٢١٥٧)، وأبو داود رقم (٥١٧١)، من حديث أنس.","vol":"7","page":86},{"text":"\"النهاية\" (^١) بقولِه: [يراودُه] (^٢) ويطلبُه منْ حيثُ لا يشعرُ.\nوفي الحديثِ دليلٌ أنهُ إنَّما يُبَاحُ لهُ قصدُ العَيْنِ بشيءٍ خفيفِ كالمِدْرَى والبندقةِ والحصاةِ لقولِه: فحذفْتَهُ.\nقالَ الفقهاءُ: فأمَّا لو رَمَاهُ بالنشَّابِ أو بحجرٍ فقتلَه فهذَا [قتيلٌ] (^٣) يتعلقُ بهِ القصاصُ أو الدِّيةُ. ومما تصرَّفَ فيهِ الفقهاءُ أنَّ هذا الناظرَ إذا كانَ لهُ مَحْرَمٌ في الدارِ أوْ زوجةٌ أو متاعٌ لم يجزْ قصدُ عَيْنِهِ لأنَّ لهُ في النظرِ شبهةً، وقيلَ: لا يكْفي إذا كانَ لهُ في الدارِ مَحْرَمٌ، بلْ إنَّما يمتنعُ قصدُ عَيْنِهِ إذا لم يكنْ في الدارِ إلَّا محارمُه.\nومنْها: إذا لم يكنْ في الدارِ إلَّا صاحبُها فلهُ الرميُ إذا كانَ مكشوفَ العورةِ ولا ضمانَ، وإلَّا فوجهانِ أظهرُهما لا يجوزُ رَمْيُه.\nومنْها: أنَّ الحريْمَ إذا كُنَّ في الدارِ مستتراتٍ أوْ في بيتٍ، ففي وجْهٍ لا يجوزُ قصدُ عَيْنِهِ لأنهُ لا يطَّلِعُ علَى شيءٍ، وقالَ بعضُ الفقهاءِ: الأظهرُ الجوازُ لإطلاقِ [الخبر] (^٤) وأنهُ لا تنضبطُ أوقاتُ السِّتْرِ والتكشفِ، والاحتياطُ حَسْمُ البابِ.\nومنْها: أنَّ ذلكَ إنَّما يكونُ إذا لم يقصِّرْ صاحبُ الدارِ، فإنْ كانَ بابُه مفتوحًا أوْ ثَمَّ كوةٌ واسعةٌ أو ثَلْمَةٌ مفتوحةٌ فينظرُ فانْ كانَ مجتازًا لم يجزْ قصدُه، وإنْ كانَ وقَفَ وتعمَّدَ فقيلَ: لا يجوزُ قصدُه لتفريطِ صاحبِ الدارِ بفتحِ البابِ وتوسيعِ الكوَّةِ، وقيلَ: يجوزُ لتعديهِ بالنظرِ، وأُجْرِيَ هذا الخلافُ فيما إذا نظرَ منْ سطحِ بيتِه أو نظرَ المؤذِّنُ منَ المِئْذَنَةِ، لكنَّ الأظهرَ [هنا] (^٥) عندهم جوازُ الرمي لأنهُ لا تقصيرَ منْ صاحبِ الدارِ.\nثمَّ قالَ: واعلمْ أنَّ ما كانَ منْ هذهِ التصرفاتِ الفقهيةِ داخلًا تحتَ إطلاقِ الأخبار فهوَ مأخوذٌ منْها، وما لا فبعضُه مأخوذٌ مِنْ فَهْمِ المعنَى المقصودِ بالحديثِ، وبعضُه مأخوذٌ [بالقياس] (^٦) وهوَ قليلٌ فيما ذُكِرَ، انتَهى كلامُه.\n_________\n(^١) في \"غريب الحديث\"، لابن الأثير (٢/ ١٠).\n(^٢) في \"النهاية\": \"يُداورهُ\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب): \"الأخبار\".\n(^٥) في (ب): \"ههنا\".\n(^٦) في (ب): \"من القياس\".","vol":"7","page":87},{"text":"واعلمْ أنهُ يُؤْخَذُ منْ الحديثِ هذا صحةُ قولِ الفقهاءِ إنَّها تُهْدَمُ الصوامعُ المحْدَثَةُ المعورةُ وكَذَا تعليةُ الملكِ إذا كانتْ معورةً، وهوَ مَحْكِيٌّ عنِ القاسمِ الرسيِّ وهوَ رأيُ عمرَ، فإنهُ أخرجَ عنهُ ابنُ عبدِ الحكمِ في \"فتوح مصرَ\" عنْ يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ قالَ: أولُ مَنْ بَنَى غُرْفَةً بمصرَ خارجةُ بنُ حذافةَ، فبلغَ ذلكَ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - فكتبَ إلى عمرِو بنِ العاصِ: \"سلامٌ عليكَ، أما بعدُ فإنهُ بلغني أنَّ خارجةَ بنَ حذافةَ بنَى غرفةً ولقدْ أرادَ أن يطَّلِعَ على عوراتِ جيرانِه فإذا أتاكَ كتابي هذَا فاهدمْها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى والسلامُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>ضمان ما أتلفته الماشية على أهلها</span>\n٤/ ١١٢٦ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - ﵁ - قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنَّ حِفْظَ الحَوَائِطِ بالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ باللَّيْلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣)، وَفي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ. [صحيح]\n(وعنِ البراءِ بنِ عازبٍ - ﵁ - قالَ: قضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أنَّ حِفْظَ الحوائِطِ بالنهارِ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٩٥).\n(^٢) أبو داود رقم (٣٥٧٠)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٢/ ١٤)، وابن ماجه رقم (٢٣٣٢).\n(^٣) رقم (١١٦٨ - موارد). قلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٠٧ رقم ٣٥٩)، والحاكم (٢/ ٤٧ - ٤٨)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨ رقم ٣٧). جميعهم - ما عدا ابن حبان - عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء، فذكره. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي، فإن معمرًا قال: عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن أبيه\"، ووافقه الذهبي. قلت: ورواية معمر أخرجها أبو داود رقم (٣٥٦٩)، وابن حبان رقم (١١٦٨ - موارد)، والدارقطني (٣/ ١٥٤ رقم ٢١٦)، وأحمد (٥/ ٤٦٥)، والبيهقي (٨/ ٣٤٢)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن حرام بن سعد بن محيصة، عن أبيه، عن البراء. ورواية الأوزاعي ومن معه أثبت من رواية معمر. والخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، انظر: \"الصحيحة\" للألباني رقم (٢٣٨).","vol":"7","page":88},{"text":"علي أَهْلِها، وأنَّ حِفْظَ الماشيةِ بالليلِ علي أَهْلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابتْ ماشيتُهم بالليل. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلا الترمذيَّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ وفي إسنادِه اختلافٌ) ومدارُه على الزُّهريِّ، وقد اختُلِفَ عليهِ، فإنهُ رُويَ منْ طرقٍ كلُّها عنِ الزهريِّ عنْ حرامٍ عنِ البراءِ، وحرامٌ لم يسمعْ منَ البراءِ قالَه عبدُ الحقِّ تَبَعًا لابنِ حزمٍ (^١).\nوأخرجَه البيهقيُّ (^٢) منْ طُرقٍ وفيها الاختلافُ إلَّا أنهُ قالَ الشافعيُّ ﵀: أخذْنا بهِ لثبوتِه واتصالِه ومعرفةِ رجالِه. قالَ البيهقيُّ (^٣): ورُوّينَاه عنِ الشعبيِّ عنْ شُرَيْحٍ أنهُ كانَ يضمنُ ما أفسدت الغَنَمُ بالليلِ ولا يضمنُ ما أفسدت بالنهارِ ويتأولُ هذهِ الآيةِ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (^٤)، وكانَ يقولُ: النَّفْشُ بالليلِ.\nوَرُوِيَ مرةً عنْ مسروقٍ إذْ نفشتْ فيهِ غنمُ القومِ قالَ: كانَ كَرْمًا فدخلتْ فيهِ ليلًا فما تركتْ فيهِ [خُضَرًا، فدلَّ] (^٥) الحديثُ أنهُ لا يضمنُ مالكُ البهيمةِ ما جنتْه في النهارِ لأنهُ يعتادُ إرسالَها بالنهارِ ويضمنُ ما جنتْه بالليلِ لأنهُ يعتادُ حفظَها بالليلِ وإلى هذا ذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ والشافعيُّ، ودليلُهم الحديثُ والآيةُ.\nوذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ لا ضمانَ على أهلِ الماشيةِ مطلقًا وحجَّتُه حديثُ: \"العجماءِ جَرحَها جبارٌ\" أخرجَهُ أحمدُ (^٦) والشيخانِ (^٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ،\n_________\n(^١) وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ١٨٥): \"حرام بن سعد، يروي قصة ناقة البراء ولم يسمع من البراء، وقيل: إنه يروي عن أبيه عن البراء\".\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤١) و(٨/ ٣٤٢) و(٨/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٤٢).\n(^٤) سورة الأنبياء: الآية ٧٨.\n(^٥) في (أ): \"حضري فدل\".\n(^٦) في \"المسند\" (٢/ ٢٣٩، ٢٥٤، ٢٧٤، ٢٨٥، ٤١٥، ٤٧٥، ٤٩٥، ٥٠١).\n(^٧) البخاري رقم (١٤٩٩)، رقم (٦٩١٢)، ومسلم رقم (١٧١٠). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٠٨٥)، والنسائي (٥/ ٤٥)، والترمذي رقم (٦٤٢)، والحميدي رقم (١٠٧٩)، والبيهقي (٤/ ١٥٥)، والطيالسي رقم (٢٣٠٥)، من طريق سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"7","page":89},{"text":"وأحمدَ (^١) والنسائيِّ (^٢) وابنِ ماجهْ (^٣) عنْ عمرَ وابنِ عوفٍ وفيهِ زيادةٌ ولكنَّهُ قالَ الطحاويُّ: مذهبُ أبي حنيفةَ أنهُ لا ضمانَ إذا أرسلَها معَ حافظٍ، وأما إذا أرسلَها منْ دونِ حافظٍ فإنهُ يضمنُ، وكذَا المالكيةُ يقيِّدون ذلكَ بما إذا سرحتِ الدوابُّ في مسارحِها المعتادةِ للرَّعْي، وأما إذا كانتْ في أرضٍ مزروعةٍ لا مسرحَ فيها فإنَّهم يضمنونَ ليلًا أوْ نهارًا.\nوفي المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ لا تناسبُ هذا النصَّ ولا دليلَ لها [تقاومه، فالعمل بما أفادته الآية والنص متعين الحديث] (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1191>هل يستتاب المرتد أم لا</span>\n٥/ ١١٢٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ - ﵁ - في رَجُلٍ أَسْلَمَ ثمّ تَهَوَّدَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَأُمِرَ بِهِ فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). وفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (^٦): وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذلِكَ. [صحيح]\n(وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ - ﵁ - في رجلٍ أَسْلَمَ ثمَّ تهوَّدَ: لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ قضاءُ اللهِ\n_________\n(^١) لم يخرجه أحمد في مسنده، وليس لعمرو بن عوف في مسند الشاميين (٤/ ١٣٧)، سوى حديثين، وفي مسند ابن عباس (١/ ٣٠٦)، سوى حديث واحد، انظر: \"ترتيب أسماء الصحابة لابن عساكر\" (ص ٨٦).\n(^٢) لم يخرجه النسائي، وقد عزاه لابن ماجه فقط المزي في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٦٨).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٦٧٤). وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ٣٤٩ رقم ٩٤٤/ ٢٦٧٤): \"هذا إسناد ضعيف، كثير بن عبد اللهِ كذبه الشافعي وأبو داود، وضعفه أحمد وابن معين، وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. قلت: وهذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا بالإسناد والمتن وزاد في آخره: \"وفي الركاز الخمس\". وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن الأربعة اهـ. والخلاصة أن الحديث حسن بما قبله، واللهُ أعلم.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) البخاري رقم (٦٩٢٣)، ومسلم رقم (١٧٣٣).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٣٥٥).","vol":"7","page":90},{"text":"ورسولِه)، [جاز] (^١) في قضاءٍ رفْعُه على أنهُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ونصْبُه على أنهُ مصدرٌ حُذِفَ فعلُه، وهُوَ [يريد] (^٢) حديثَ: \"مَنْ بدَّلَ دينَه فاقتلُوه\"، سيأتي مَنْ [أخرجه (^٣)] (^٤)، (فَأمِرَ بهِ فَقُتِلَ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةِ لأبي داودَ كانَ قدِ استُتِيْبَ قبلَ ذلكَ).\nالحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ قتلُ المرتدِّ وهوَ إجماعٌ، وإنَّما وقعَ الخلافُ هلْ تجبُ استتابتُه قبلَ قَتْلِهِ أَوْ لا؟ ذهبَ الجمهورُ إلى وجوبِ الاستتابةِ لما [ورد] (^٥) في رواية أبي داودَ (^٦) هذهِ، ولهُ في روايةٍ أُخرى فدعاهُ أبو موسَى عشرينَ ليلةً أوْ قَرِيبًا منْها وجاءَ معاذٌ فدعاهُ فأَبَى فضرَبَ عنقَه. وذهبَ الحسنُ وطاوسُ وأهلُ الظاهرِ وآخرونَ إلى عدمِ وجوبِ استتابةِ المرتدِ وأنهُ يُقْتَلُ في الحالِ مستدلِّينَ بقولِه - ﷺ -: \"منْ بدَّلَ دِيْنَهُ فاقتلُوه\" (^٧)، يعني والفاءُ تفيد التعقيبَ كما لا يخْفَى، ولأنَّ حكمَ المرتدِّ حكمُ الحربيِّ الذي بلغتْهُ الدعوةُ فإنهُ يُقَاتَلُ مِنْ دونِ أنْ يُدْعَى، قالُوا: وإنما شُرِعَتِ الدعوةُ لمنْ خرجَ عنِ الإسلامِ لا عنْ بصيرةٍ، وأما مَنْ خرجَ عنْ بصيرةٍ فلا.\nوعنِ ابنِ عباسٍ وعطاءٍ إنْ كانَ أصلُه مُسْلِمًا لم يُسْتَتَبْ وإلَّا اسْتُتِيْبَ، نَقَلَه عنْهما الطحاويُّ. ثمَّ للقائلينَ بالاستتابةِ خلافٌ آخَرُ وهوَ أنهُ هلْ يكفي مرةً أو لا بدَّ منْ ثلاثٍ في مجلسٍ، أوْ في يومٍ أوْ في ثلاثةِ أيامٍ؟ ويُرْوَى عنْ عليٍّ يستتابُ شَهْرًا.\n٦/ ١١٢٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"جوَّز\".\n(^٢) فى (ب): \"يشير إلى\".\n(^٣) في الحديث الآتي رقم (٦/ ١١٢٦) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (ب): \"خرَّجه\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٣٥٦).\n(^٧) في الحديث الآتي رقم (٦/ ١١٢٨) من كتابنا هذا.\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٦٩٢٢). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٣٥١)، والترمذي رقم (١٤٥٨)، وابن ماجه رقم (٢٥٣٥)، والنسائي (٧/ ١٠٤)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٢٨٢)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٨٧٠٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ١٣٩ رقم ٩٠٤١).","vol":"7","page":91},{"text":"(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ بدَّلَ دِيْنَهُ فاقتلُوه. رواهُ البخاريُّ).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ قَتْلِ مَنْ بدَّلَ دينَه كما تقدَّم وهوَ عامٌّ للرجلِ والمرأةِ، والأَوَّلُ إجماعٌ وفي الثاني خلافٌ. ذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها تُقْتَلُ المرأةُ المرتدَّةُ لأنَّ كلمةَ \"مِنْ\" هُنَا تعمُّ الذَّكَرَ والأُنْثَى (^١)، ولأنهُ أخرجَ ابنُ المنذرِ عنِ ابنِ عباسٍ راوي الحديثِ أنهُ قالَ: \"تُقْتَلُ المرأةُ المرتدَّةُ\"، ولمَا أخْرَجَهُ هوَ والدارقطنيُّ: \"أنَّ أبا بكرٍ - ﵁ - قَتَلَ امرأةً مرتدَّةً في خلافتِه والصحابةُ متوافرونَ ولم ينكرْ عليهِ أحدٌ\" (^٢) وهوَ حديثٌ حسنٌ. وأخرجَ أيضًا (^٣) حديثًا مرفُوعًا في قَتْلِ المرأةِ ولكنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وقدْ وقعَ في حديثِ معاذٍ (^٤) حينَ بعثَه النبيُّ - ﷺ - إلى اليمنِ أنهُ قالَ لهُ: \"أيُّما رجلٍ ارتدَّ عنِ الإسلامِ فادْعُه فإنْ عادَ وإلا فاضربْ عُنُقَهُ، وأيُّما امرأةٍ ارتدَّتْ عن الإسلامِ فادعُها فإنْ عادتْ وإلا فاضربْ عُنُقَها\"، وإسنادُه حَسَنٌ وهوَ نصٌّ في محلِّ النِّزاعِ.\nوذهبَ الحنفيةُ إلى أنَّها لا تقتلُ المرأةُ إذا ارتدتْ، قالُوا لأنهُ قدْ وردَ عنْهُ - ﷺ -\n_________\n(^١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٢٦٤ وما بعدها).\n(^٢) وخلاصة مذهب أبي بكر الصديق أن عقوبة الردة القتل بعد الاستتابة إذا كان المرتد فردًا سواء كان رجلًا أو امرأة. وقد ثبت أن أبا بكر الصديق - ﵁ -، قتل نسوة ارتددن عن الإسلام - كما في \"سنن البيهقي\" (٨/ ٢٠٤)، وقتل امرأة يقال لها أم قرفة في الردة - كما في \"سنن البيهقي\" (٨/ ٢٠٤). وأما إذا كان المرتدون جماعة ولهم منعة فإنهم يُستتابون فإن لم يتوبوا يقاتلون فيقتل الرجال ويُسبى النساء والأولاد، كذلك فعل أبو بكر بأهل الردة - كما في مصنف عبد الرزاق (١٠/ ١٧٦ رقم ١٨٧٢٨)، و\"السنن للبيهقي\" (٨/ ٢٠١) - فقد استرق نساء بني حنيفة وذراريهم - من جملة من استرق - وأعطى عليًا منهم امرأة فولدت له محمد بن الحنفية - كما في \"المغني\" لابن قدامة (١٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥) و\"الطبقات\" لابن سعد (٥/ ٩١).\n(^٣) الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ١١٩ رقم ١٢٥)، عن جابر وفي سنده ضعف شديد، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٣٠)، وقال فيه عبد اللهِ بن أذينة منكر الحديث. وانظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٢).\n(^٤) أخرجه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٦٣)، وقال الهيثمي: \"وفيه راو لم يسم، قال: مكحول عن ابن أبي طلحة اليعمري، وبقية رجاله ثقات\" اهـ.\nوقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٧٢): عقبة: \"وسنده حسن\".","vol":"7","page":92},{"text":"النهيُ عنْ قتلِ النساءِ لما رأَى امرأةً مقتولةً وقالَ: ما كانتْ هذهِ لِتُقَاتِلَ. رواهُ أحمدُ (^١).\nوأجابَ الجمهورُ بأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ عنْ قتلِ [المرأةِ] (^٢) الكافرةِ الأصْلِيَّةِ كما وقعَ في سياقِ قصةِ النَّهْي فيكونُ النَّهْيُ مخصُوصًا بما فُهِمَ منَ العلَّةِ وهوَ لما كانتْ لا تقاتلُ، فالنَّهْيُ عنْ قَتْلِهَا إنَّما هوَ لِتَرْكِهَا المقاتلةَ فكانَ ذلكَ في دينِ الكفارِ الأصليينَ المتحزبينَ للقتالِ وبقيَ عمومُ قولِه مَنْ بدَّلَ دينَه [فاقتلوه] (^٣) سالمًا عنِ المعارضِ وأيَّدَتْهُ الأدلةُ التي سلَفتْ.\nواعلمْ أنَّ ظاهرَ الحديثِ إطلاقُ التبديلِ فيشملُ [من كان نصرانيًا ثم تهوَّد والعكس وكذا غيره] (^٤) منَ الأديانِ الكفريةِ، وإلى هذَا ذهبتِ الشافعيةُ، وسواءٌ كانَ مِنَ الأديانِ التي تقرَّرت بالجزيةِ أمْ لا لإطلاقِ هذَا اللفظِ، وخالفتِ الحنفيةُ في ذلكَ وقالُوا: ليسَ المرادُ إلَّا تبديلَ الكفرِ بعدَ الإسلامِ، قالُوا: وإطلاقُ الحديثِ متروكٌ اتفاقًا في حقِّ الكافرِ إذا أسلمَ معَ تناولِ الإطلاقِ وبأنَّ الكفرَ ملةٌ واحدةٌ، فالمرادُ مَنْ بدَّلَ دينَ الإسلامِ بدينٍ آخرَ، فإنهُ قدْ أخرجَ الطبرانيُّ (^٥) منْ حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: \"مَنْ خالَفَ دينَه دينَ الإسلامِ فاضربُوا عنقه\"، فصرَّحَ بدينِ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>حكم من سب النبيَ - ﷺ </span>-\n٧/ ١١٢٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ أَعْمى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبيَّ - ﷺ - وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخَذَ الْمِعْوَلَ،\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٨٨). قلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ١٢٢) عن أبي الزناد … وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قلت: والحديث صحيح لأن المرقع بن صيفي لم يرو له الشيخان شيئًا وهو ثقة.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"من تنصَّر بعد أن كان يهوديًا وغير ذلك\".\n(^٥) أخرجه الطبراني - كما في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٦٣)، وقال الهيثمي: \"وفيه الحكم بن أبان وهو ضعيف\".","vol":"7","page":93},{"text":"فَجَعَلَهُ في بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَلَا اشْهَدُوا فَإِنَّ دَمَهَا هَدَرٌ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - أنَّ أعْمى كانتْ لهُ أمُّ ولدٍ تشتمُ النبيَّ - ﷺ - وتقعُ فيهِ فينْهاها فلا تنتهي فلمَّا كانَ ذاتَ ليلةٍ أخذَ المِعْوَلَ) بكسرِ الميمِ وعينٍ مهملةٍ وفتحِ الواو [الحديدة ينقر بها الجبال] (^٢) (فجعلَه في بطْنِها واتَّكأَ عليهِ فقتلَها فبلغَ ذلك النبيَّ - ﷺ - فقالَ: ألا اشْهَدُوا أن دَمها هَدَرٌ. رواهُ أبو داودَ ورواتُه ثِقَاتٌ).\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ يُقْتَلُ منْ سبَّ النبيَّ - ﷺ - ويُهْدَرُ دمُه، [فإنْ] كانَ مُسْلِمًا كان سبُّه لهُ - ﷺ - رِدَّةً فيقتلُ، قالَ ابنُ بطَّالٍ من غيرِ استتابةٍ. ونقلَ ابنُ المنذرِ عن الأوزاعيِّ والليثِ أنهُ يستتابُ، وإنْ كانَ منْ أهلِ العهدِ فإنهُ يقتلُ إلَّا أنْ يُسْلِمُ.\nونقلَ ابنُ المنذرِ عنِ الليثِ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ أنهُ يُقْتَلُ أيضًا من غيرِ استتابةٍ، وعنِ الحنفيةِ أنهُ يُعَزَّرُ المعاهِدُ ولا يُقْتَلُ، واحتجَّ الطحاويُّ بأنهُ - ﷺ - لم يقتلِ اليهودَ الذينَ قالُوا السَّامُ عليكَ (^٣) ولوْ كانَ هذا مِنْ مسلمٍ لكانَ رِدَّةً ولأنَّ ما همْ عليهِ منَ الكفرِ أشدُّ منَ السبِّ.\nقلتُ: يؤيدُه أنَّ كفرَهم بهِ - ﷺ - معناهُ أنهُ كذابٌ وأيُّ سبٍّ أفحشُ منْ هذَا وقدْ أُقرُّوا عليهِ، إلا أنْ يُقَالَ: إنَّ هذا النصَّ في حديثِ الأَمةِ يقاسُ عليهِ أهلُ الذِّمةِ. وأما القولُ بأنَّ دماءَهمْ إنما حُقِنَتْ بالعهدِ وليسَ في العهدِ أنَّهم لا يسبُّونَ النبيَّ - ﷺ - فمنْ سبَّهُ منْهم انتقضَ عهدُه فيصيرُ كافرًا بلا عهدٍ فَيُهْدَرُ دمُه، فقدْ يُجَابُ عنهُ أنَّ عهدَهم تضمَّنَ إقرارَهم على تكذيبِهم لهُ - ﷺ - وهوَ أعظمُ سبٍّ إلَّا أنْ يقالَ يُخَصُّ منْ بينِ غيرِهِ منَ السبِّ، واللهُ أعلمُ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٣٦١). قلت: وأخرجه النسائي (٧/ ١٠٧ - ١٠٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) يشير المؤلف رَحِمَهُ اللهُ تعالى إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم (٥٢٠٦)، والترمذي رقم (١٦٠٣) وقال: حديث حسن صحيح. من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إن اليهودَ إذا سلَّمَ عليكم أحدُهم فإنما يقول: السَّامُ عليكم، فقولوا: وعليكم\"، وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":94},{"text":"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n[الكتاب الثاني عشر] كتاب الحدود\nالحدودُ جَمْعُ حدٍّ، [والحدُّ أصْلُه] (^١) ما يُحْجَزُ بين [الشيئين] (^٢) فَيَمْنَعُ اختلاطَهما، سُمِّيَتْ هذهِ العقوباتُ حدودًا لكونِها تمنعُ عنِ المعاودةِ، ويُطْلَقُ الحدُّ على التقديرِ.\nوهذهِ الحدودُ مقدَّرةٌ منَ الشارع، ويُطْلَقُ الحدُّ على نفسِ المعاصي نحوَ قوله تعالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (^٣) وعلى فعلٍ فيهِ شيءٌ مقدَّرٌ نحوَ قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>[الباب الأول] باب حد الزاني</span>\n<span data-type='title' id=toc-1195>حدُّ الزاني غير المحصَن</span>\n١/ ١١٣٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ اللهَ إِلا قَضَيْتَ لي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقالَ الآخَرُ - وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ - نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لي، فَقَالَ: \"قُلْ\"، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا،\n_________\n(^١) في (أ): \"وأصل الحد\".\n(^٢) في (ب): \"شيئين\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(^٤) سورة الطلاق: الآية ١.","vol":"7","page":95},{"text":"فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْني الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُوني أَنَّ عَلَى ابْني جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِينَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةِ وَتَغْرِيبُ عَامِ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَهذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ أنَّ رجلًا منَ الأَعْرَابِ أَتَى رسولَ اللهِ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ اللهِ أَنْشُدُكَ) قالَ في \"الفتح\" (^٢): ضمَّنَ أنشدكَ أذكركَ فحذفَ الباءَ أي أذكِّرُكَ اللهَ رافعًا نشدتي أي صوتي، وهوَ بفتحِ أوله ونون ساكنةٍ وضمِّ الشِّينِ المعجمةِ أي أسألُك (اللهَ إلَّا قضيتَ لي بكتابِ اللهِ تعالَي) استثناءٌ مفرَّغٌ إذِ المعنَى لا أنشدكَ إلَّا القضاءَ بكتاب اللهِ (فقالَ الآخَرُ وهوَ أفقهُ منهُ) كأنَّ الراوي يعرفُ أنهُ أفقهُ أوْ منْ كونهِ سألَ أهَلَ الفقهِ (نعمْ فاقضْ بينَنا بكتابِ اللهِ وائذنْ لي فقالَ: قلْ، فقال: إنَّ ابْني كانَ عَسِيْفًا) بالعينِ المهملةِ والسينِ المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ بزنة أجير ومعناه، (على هذَا: فَزَنَى بامرأتِه. وإني أُخْبرتُ أنَّ على ابْني الرَّجْمَ فافتديتُ منهُ بمائةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهلَ العلمِ فأخبروني أنَّ على ابْني جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ وأنَّ على امرأةِ هذَا الرَّجْمَ، فقالَ رسولُ اللهِ: والذي نفسي بيدِه لأقضينَّ بينَكُما بكتابِ اللهِ: الوليدةُ والغنمُ رد عليك) أي مردود عليك،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٦٩٥) و(٢٦٩٦) و(٦٨٢٧) و(٦٨٢٨) و(٧١٩٣) و(٧١٩٤) و(٧٢٧٨) و(٧٢٧٩)، ومسلم رقم (٢٥/ ١٦٩٧/ ١٦٩٨). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٤٤٥)، والنسائي (٨/ ٢٤٠، ٢٤١)، والترمذي رقم (١٤٣٣)، وابن ماجه رقم (٢٥٤٩)، والدارمي (٢/ ١٧٧)، وأحمد (٤/ ١١٥ - ١١٦)، والحميدي رقم (٨١١)، والطيالسي رقم (٩٥٣) و(٢٥١٤)، وابن حبان في صحيحه (٦/ ٣٠٥ رقم ٤٤٢٠)، والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٢١ - ٢٢)، والبيهقي (٨/ ٢١٢، ٢١٣، ٢٢٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٧٤ - ٢٧٥) من طريق الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشِبْل.\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٣٨).","vol":"7","page":96},{"text":"ومعناه يجب ردها لأن الحدود لا تقبل الفداء (وعلى ابنِكَ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ) كأنهُ - ﷺ - قدْ علمَ أنهُ غيرُ محصَنٍ وقدْ كانَ اعترفَ بالزِّنَى (واغدُ يا أُنَيْسُ) تصغيرُ أَنَسٍ (^١) رجلٌ منَ الصحابةِ لا ذِكْرَ لهُ إلَّا في هذا الحديثِ [وهو عبد أنس بن مالك] (^٢) (إلى امرأةِ هذَا فإنِ اعترفتْ فارجُمْها. متفقٌ عليهِ وهذا اللفظُ لمسلمٍ).\nالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الحدِّ على الزاني غيرِ المحصَنِ مائةِ جلدةٍ وعليهِ دلَّ القرآنُ، وأنهُ يجبُ عليهِ تغريبُ عامٍ وهوَ زيادةٌ على ما دلَّ عليهِ القرآنُ، ودليلٌ علَى أنهُ يجبُ الرَّجْمُ على الزَّاني المحصَنِ وعلَى أنهُ [يكتفي] (^٣) في الاعترافِ بالزِّنَى مرةً واحدةً كغيرِه منْ سائرِ الأحكامِ، وإلى هذَا ذهبَ الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وداودُ وآخرونَ (^٤) وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والحنابلةُ وآخرونَ (^٥) إلى أنهُ يُعْتَبَرُ في الإقرارِ بالزِّنَى أربعُ مراتٍ مستدلِّينَ بما يأْتي منْ قصةِ ماعِز ويأتي الجوابُ عنهُ في [شرحه] (^٦).\nوأمْرُهُ - ﷺ - أُنَيْسًا بِرَجْمِها بعدَ اعترافِها دليلٌ لِمَنْ قالَ بجوازِ حُكْمِ الحاكمِ في الحدودِ ونحوِها بما أقرَّ بهِ الخصمُ عندَه وهوَ أحدُ قولَيْ الشافعيِّ وبهِ قالَ أبو ثورٍ كما نقلَه [القاضي] (^٧) عياضٌ.\nوقالَ الجمهورُ: لا يصحُّ ذلكَ، قالُوا: وقصةُ أُنَيْسٍ [يتطرقها] (^٨) احتمالُ الأَعذَارِ وأنَّ قولَه فارجمْها بعدَ إعلامي أوْ أنهُ فوَّضَ الأمرَ إليهِ، والمعنَى فإذا اعترفتْ بحضرةِ مَنْ يثبتُ ذلكَ بقولهم حَكَمْتَ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ هذهِ تكلَّفاتٌ، واعلمْ أنهُ - ﷺ - لم يبعثْ إلى المرأةِ لأَجْلِ\n_________\n(^١) هو أنيس بن الضحاك الأسلمي، وغلط من زعم أنه أنس بن مالك، صغَّره النبي - ﷺ - عند خطابه.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (ص ٣٨٥)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ١٥٠)، و\"موسوعة فقه الحسن البصري\" (١/ ١٥٧)، و\"الإمام داود الظاهري\" (ص ٦٦٩).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١٠/ ١٦٠ مسألة رقم ٧١٧٢)، و\"الاعتصام\" للقاسم بن محمد (٥/ ٧١) و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٥٣).\n(^٦) في (ب): \"شرح حديثه\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"يطرقها\".","vol":"7","page":97},{"text":"إثباتِ الحدِّ عليْها فإنهُ - ﷺ - قدْ أمرَ باستتارِ مَنْ أَتَى بفاحشةٍ وبالسترِ عليهِ ونَهَى عنِ التجسسِ، وإنَّما [بعثَ إليها] (^١) لأنَّها لما قُذِفَتِ المرأةُ بالزنى بعثَ إليها - ﷺ - لتنكرَ [أو تطالب] (^٢) بحدِّ القذفِ أوْ تقرَّ بالزِّنى فيسقطَ عنهُ، فكانَ منْها الإقرارُ فأوجبتْ على نفسِها الحدَّ. ويؤيدُ ما أخرجَهُ أبو داودَ (^٣) والنسائي (^٤) عنِ ابنِ عباسٍ: \"أنَّ رجلًا [أقرَّ أنهُ] (^٥) زَنَى بامرأةٍ فجلدَهُ النبيُّ - ﷺ - مائةً ثمَّ سألَ المرأةَ فقالتْ: كذبَ، فجلدَه جَلْدَ الفِرْيَةِ ثمانينَ\". وقدْ سكتَ عليهِ أبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٦) واستنكرَهُ النسائيُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1196>تغريب الزاني</span>\n٢/ ١١٣١ - وَعَنْ عُبَادَةُ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"خُدُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَة وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبِ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ عبادةَ بنِ الصامتِ - ﵁ - قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: خُذُوا عنِّي خذُوا عنِّي فقد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جلدُ مائةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثيِّبُ بالثَّيبِ جلدُ مائةٍ والرَّجْمُ. رواهُ مسلمٌ)، إشارةٌ إلى قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٨)، بَيَّنَ [فيه] أنهُ قدْ جعلَ اللهُ تعالَى لهنَّ السبيلَ بما ذكرَهُ [منَ الحكْمِ] (^٩).\n_________\n(^١) في (ب): \"ذلك\".\n(^٢) في (ب): \"فتطالب\".\n(^٣) في السنن رقم (٤٤٦٧).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٤ رقم ٧٣٤٨)، و\"أطراف المزي\" (٤/ ٤٦٤ رقم ٥٦٦٤) وقال: منكر.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٧٠)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وتعقبه الذهبي بقوله: ضعيف. والخلاصة أن حديث ابن عباس منكر.\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (١٢/ ١٦٩٠). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٤١٥)، والترمذي رقم (١٤٣٤)، وابن ماجه رقم (٢٢٥٠)، وأحمد (٥/ ٣١٣)، والدارمي (٢/ ١٨١)، والطيالسي رقم (٥٨٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢١ - ٢٢٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٣٤).\n(^٨) سورة النساء: الآية ١٥.\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"7","page":98},{"text":"وفي الحديثِ [فيه] مسألتانِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1197>الأُولَى:</span> حكمُ البِكْرِ إذا زَنَى، والمرادُ بالبكرِ عندَ الفقهاءِ الحرُّ البالغُ الذي لم يجامعْ في نكاحٍ صحيحٍ. وقولُه (بالبِكْرِ) هذا خرجَ مَخْرَجَ الغالبِ لا أنهُ يرادُ بهِ مفهومَهُ فإنهُ يجبُ علَى البِكْرِ الجلدُ سواءٌ كانَ معَ بِكْرٍ أو ثَيِّبٍ كما في قصةِ العسيفِ. وقولُه: (ونَفْيُ سنةٍ) فيهِ دليلٌ على وجوبِ التغريبِ للزاني البِكْرِ عامًا وأنهُ منْ تمامِ الحدِّ، وإليهِ ذهبَ الخلفاءُ الأربعةُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (^١) وغيرُهُم وادَّعَى فيهِ الإجماعَ.\nوذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ (^٢) إلَى أنهُ لا يجبُ التغريبُ، واستدلَّ الحنفيةُ بأنهُ لم يذكرْ في آيةِ النُّورِ، فالتغريبُ زيادةٌ علَى النصِّ وهوَ ثابتٌ بخبرِ الواحدِ فلا يُعْمَلُ بهِ فلا يكونُ ناسِخًا.\nوجوابُه أنَّ الحديثَ مشهورٌ لكثرةِ طُرقِهِ وَكثرةِ مَنْ عَمِلَ بهِ منَ الصحابةِ، وقدْ عملتِ الحنفيةُ بِمِثْلِهِ بلْ بدونِهِ كنقضِ الوضوءِ منَ القهقهةِ (^٣) وجوازِ الوضوءِ بالنبيذِ (^٤) وغيرِ ذلكَ مما هوَ زيادةٌ على ما في القرآنِ وهذا مِنْهُ.\nوقالَ أبنُ المنذرِ: أقسمَ النبيُّ - ﷺ - في قصةِ العسيفِ أنهُ يقضي بكتابِ اللهِ ثمَّ قالَ: \"إنَّ عليهِ جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ\"، وهوَ المبيِّنُ لكتابِ اللهِ. وخطبَ بذلكَ عمرُ على رؤوسِ المنابرِ (^٥) وكأنَّ الطحاويَّ لما رَأَى ضَعْفَ جوابِ الحنفيةِ هذا أجابَ عنْهم بأنَّ حديثَ التغريبِ منسوخٌ بحديثِ: \"إذا زَنَتْ أمةُ أحدِكم فليجلدْها ثمَّ قالَ في الثالثةَ فليبعْها\" (^٦) والبيعُ يفوِّتُ التغريبَ، قالَ: وإذا سقطَ عنِ\n_________\n(^١) \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٤)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٢٩ - ١٣٠، رقم ٧١٤٣).\n(^٢) \"الاعتصام\" للقاسم بن محمد (٥/ ٥٧ - ٥٨)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ١٧).\n(^٣) لم تثبت أحاديث نقض الوضوء من القهقهة.\n(^٤) تقدم ذكره في باب الطهارة.\n(^٥) انظر: \"موسوعة فقه عمر لقلعه جي\" (٤٨١).\n(^٦) البخاري (٢١٥٣، ٢١٥٤) و(٢٢٣٢) و(٢٥٥٥ - ٢٥٥٦) و(رقم ٦٨٣٧ - ٦٨٣٨)، ومسلم (١٧٠٣). والترمذي (١٤٤٠)، وقال: حديث حسن صحيح. وأبو داود (٤٤٦٩)، و(٤٤٧٠) =","vol":"7","page":99},{"text":"الأَمَةِ سقطَ عنِ الحرَّةِ لأنَّها في معْنَاهَا، قالَ: ويتأكَّدُ بحديثِ: لا تسافرِ المرأةُ إلَّا معَ ذي مَحْرَمٍ (^١). قالَ: وإذا انتفَى عنِ النساءِ انتَفَى عنِ الرجالِ، انتَهى (^٢). وفيهِ ضَعْفٌ لأنهُ مبنيٌّ على أنَّ العامَّ إذا خُصَّ لمْ يبقَ دليلًا، وهوَ ضعيفٌ كما عُرِفَ في الأصولِ.\nثمَّ نقولُ: الأَمَةُ خُصِّصَتْ منْ حُكْمِ التغريبِ، وكانَ الحديثُ عامًا في [حكم الذكر] (^٣) والأُنْثَى والأَمَةِ والعبدِ، فخصِّصت منهُ الأَمَةُ وبقيَ ما عدَاها داخلًا تحتَ الحكْمِ. واستدلَّ الهادويةُ بما ذكرهُ المهدي في \"البحرِ\" (^٤) منْ قولِه.\nقلتُ: التغريبُ عقوبةٌ لا حدَّ، لقولِ عليٍّ (^٥): \"جلدُ مائةٍ وحبسُ سَنَةٍ\"، ولنفي عمرَ في الخَمرِ (^٦) ولم ينكرْ، ثمَّ قالَ: لا أنفي بعدَها أحدًا والحدودُ لا تسقطُ، انتَهى؛ ولا يخْفَى ضعفُ ما قالَهُ.\nأمَّا كلامُ عليٍّ - ﵁ - فإنهُ مؤيِّدٌ لما قالَه الجماهيرُ، فإنهُ جعلَ الحبْسَ عوضًا عنِ التغريبِ فهوَ نوعٌ منهُ، وأما نفيُ عمرَ في الخمرِ فاجتهادٌ منهُ وزيادةً في العقوبةِ، ثمَّ ظهرَ لهُ أنه لا ينفيَ أحدًا باجتهادِه، والنفيُ بالزنى بالنصِّ ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇.\nوقالَ مالكٌ والأوزاعيُّ (^٧) إنَّ المرأةَ لا تُغَرَّبُ، قالُوا: لأنَّها عورةٌ وفي نَفْيهَا تضييعٌ لها وتعريضٌ للفتنةِ، ولِهذَا نُهِيَتْ [أن تسافرَ] (^٨) معَ غيرِ مَحْرَمٍ، ولا يخْفَى أنهُ لا يردُّ ما ذكروه لأنهُ قدْ شرطَ مَنْ قالَ بالتغريبِ أنْ [تكون] (^٩) معَ مَحْرَمِهَا\n_________\n= و(٤٤٧١) وابن ماجه (٢٥٦٥).\nمن حديث أبي هريرة وزيد بن خالد - ﵄ -.\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٨٧) و(١٠٨٦)، ومسلم (٤١٣ - ١٣٣٨)، وأبو داود (١٧٢٧) من حديث ابن عمر.\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" للطحاوي (٣/ ١٣٧).\n(^٣) في (ب): \"حكمة للذكر\".\n(^٤) \"البحر الزخار\" للمهدي (٥/ ١٤٧).\n(^٥) انظر: \"موسوعة فقه علي\" لقلعه جي (٣٢١ - ٣٢٣).\n(^٦) انظر: \"موسوعة فقه عمر\" لقلعه جي (١٠٥ - ١٠٦).\n(^٧) \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٤).\n(^٨) في (ب): \"عن السفر\".\n(^٩) في (أ): \"يكون\".","vol":"7","page":100},{"text":"وتكون أُجْرَتُه منْها إذْ وجبتْ بجنايتِها، وقيلَ في بيتِ المالِ كَأُجْرَةِ الجلَّادِ. وأما الرق فإنهُ ذهبَ مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما (^١) إلى [أن] (^٢) لا يُنْفَى قالُوا: لأنَّ نَفْيَهُ عقوبةٌ لمالكِه لمنعهِ نفعَه مُدَّةَ [تغريبه] (^٣) وقواعدُ الشرعِ قاضيةٌ أنهُ لا يُعَاقَبَ إلا الجاني ومِنْ ثم سقطَ فرضُ الجهادِ والحجِّ على المملوكِ.\nوقالَ الثوريُّ وداودُ (^٤): يُنْفَى لعمومِ أدلةِ التغريبِ وبقوله تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٥) وينصفُ في حقِّ المملوكِ لعمومِ الآيةِ.\nوأما مسافةُ التغريبِ فقالُوا أقلُّها مسافةُ القصرِ لتحصلَ الغربةُ. وغرَّبَ عمرُ منَ المدينةِ إلى الشامِ (^٦)، وغرَّبَ عثمانُ إلى مصرَ (^٧). ومَنْ كانَ غريبًا لا وطنَ لهُ غُرِّبَ إلى غيرِ البلدِ التي واقعَ فيها المعَصيةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1198>المسالةُ الثانيةُ:</span> في قولِه: \"والثيِّبُ بالثيِّبِ\"، المرادُ بالثيِّبِ مَنْ قدْ وَطِئَ في نكاحٍ صحيحٍ وهوَ حرٌّ بالغٌ عاقلٌ، والمرأةُ مثلُهُ. وهذا الحكمُ يستوي فيهِ المسلمُ والكافرُ، والحكمُ هوَ ما دلَّ لهُ قولُه جلدُ مائةٍ والرجمُ فإنهُ أفادَ أنهُ يجمعُ للثيِّبِ بينَ الجلدِ والرجمِ وهوَ قولُ عليٍّ ﵇ كما أخرجَهُ البخاريُّ (^٨): \"أنهُ جلدَ شراحةَ يومَ الخميسِ ورجمَها يومَ الجمعةِ وقالَ: جلدتُها بكتابِ اللهِ، ورجمتُها بسنةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - \".\nقالَ الشعبيُّ (^٩): قيلَ لعليٍّ ﵇ جمعتَ بينَ حدَّيْنِ، فأجابَ بما ذكرَ.\n_________\n(^١) \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٤)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٨ رقم ٧١٥٠).\n(^٢) في (ب): \"أنه\".\n(^٣) في (ب): \"غربته\".\n(^٤) \"موسوعة فقه الثوري\" لقلعه جي (٤٧٨ - ٤٧٩)، و\"الإمام داود الظاهري\" عارف أبو عيد (٦٦٩).\n(^٥) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(^٦) \"موسوعة فقه عمر\" لقلعه جي (٤٨٠).\n(^٧) \"موسوعة فقه عثمان\" لقلعه جي (١٦٥).\n(^٨) بنحوه في \"صحيحه\": عن علي - ﵁ - حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنَّة رسول الله - ﷺ -، \"فتح الباري\" (١٢/ ٦٨١٢)، و\"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٢٣ - ١٢٤ رقم ١٣٦ و١٣٧ و١٣٨ و١٣٩)، والنسائي من \"السنن الكبرى\" (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠ رقم ٧١٤٠/ ١ و٧١٤١/ ٢).\n(^٩) \"سنن الدارقطني\" (٣/ ١٢٢ - ١٢٣ رقم ١٣٥).","vol":"7","page":101},{"text":"قالَ الحازميُّ (^١): وذهبَ إلى هذا أحمدُ وإسحاقُ وداودُ وابنُ المنذرِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ (^٢) وذهبَ غيرُهمُ إلى أنهُ لا يُجْمَعُ بينَ الجلدِ والرَّجْمِ، قالُوا: وحديثُ عبادةَ منسوخٌ بقصةِ ماعزٍ والغامدية والجهنية واليهوديين، فإنهُ - ﷺ - رجمهُم ولم يُرْوَ أنهُ جلَدَهُم. قالَ الشافعيُّ (^٣): فدلتِ السُّنَّةُ على أنَّ الجلدَ ثابتٌ على البِكْرِ ساقِطٌ عنِ الثيِّبِ، قالُوا: وحديثُ عبادةَ مقدَّمٌ.\nوأُجِيْبَ بأنهُ ليسَ في قصةِ ماعزٍ ومنْ ذكرَ معهُ على تقديرِ تأخُّرِها تصريحٌ بسقوطِ الجلْدِ عنِ المرجومِ لاحتمالِ أنْ يكونَ تركَ روايتِه لوضوحِه ولكونِه الأصلَ. واحتجَّ الشافعيُّ بنظيرِ هذَا حينَ عُورِضَ في إيجابِ العمرةِ (^٤) بأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ مَنْ سأَلُه أنْ يحجَّ عنْ أبيهِ ولم يذكرِ العمرةَ، فأجابَ بأنَّ السكوتَ عنْ ذلكَ لا يدلُّ على سقوطِه، إلَّا أنهُ قدْ يُقَالُ إنَّ جَلْدَ مَنْ ذكرَ مِنَ الخمسةِ الذينَ رجمَهُم النبي - ﷺ - لو وقعَ معَ كثرةِ مَنْ يحضرُ عذابَهما منْ طوائفِ المؤمنينَ لبعد أنهُ لا يرويْهِ أحدٌ ممنْ حضرَ، فعدمُ [إثباتِه] (^٥) في روايةٍ منَ الرواياتِ معَ تنوُّعِها واختلاف ألفاظِها دليلٌ أنهُ لم يقعِ الجلدُ فيقْوَى معهُ الظنُّ بعدمِ [وقوعه] (^٦).\nوفِعلُ عليٍّ ﵇ ظاهرٌ أنهُ اجتهادٌ منهُ لقولِه جلدتُها بكتابِ اللهِ ورجمتُها بسنةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -. فإنهُ ظاهرٌ أنهُ عَمِلَ [برأيه في الجمع] (^٧) بينَ الدليليْنِ فلا يتمُّ القولُ بأنهُ توقيفٌ، وإن كان في قوله بسنةِ رسول الله - ﷺ - ما يشعر بأنهُ توقيفٌ.\nقلتُ: ولا يخْفَى قوةُ دلالةِ حديثِ عبادةَ علَى إثباتِ جلدِ الثيِّبِ ثمَّ رجْمِه، ولا يخْفَى ظهورُ أنهُ - ﷺ - لمْ يجلدْ مَنْ رَجمَهُ، فأنا أتوقَّفُ في الحكمِ حتَّى يفتحَ اللهُ وهوَ خيرُ الفاتحينَ. وكنتُ قدْ جزمْتُ في \"منحةِ الغفَّارِ\" (^٨) بقوةِ القولِ بالجمعِ بينَ الجلدِ والرَّجْمِ ثمَّ حصلَ لي التوقفُ هاهنا.\n_________\n(^١) في \"الاعتبار\" للحازمي (٤٧٣).\n(^٢) \"الاعتصام\" للقاسم بن محمد (٥/ ٦١ - ٦٢).\n(^٣) \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٤٦).\n(^٤) \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (١/ ٤٦٠).\n(^٥) في (أ): \"إتيانه\".\n(^٦) في (ب): \"وجوبه\".\n(^٧) في (ب): \"باجتهاده بالجمع\".\n(^٨) وهي حاشية الأمير الصنعاني على \"ضوء النهار … \" المسمَّاة: \"منحة الغفار على ضوء النهار\" (٤/ ٢٢٥٨).","vol":"7","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1199>الإقرار المعتبر في الزنى</span>\n٣/ ١١٣٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَتى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ في الْمَسْجدِ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحّى تِلْقَاءَ وَجْههِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِني زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، فَلَمَّا شَهدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَبِكَ جُنُونٌ؟ \"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: النَّبيُّ - ﷺ -: \"اذْهَبُوا بهِ فَارْجُمُوهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: أَتَى رسولَ اللهِ - ﷺ - رجلٌ وهو في المسجد فناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني زنيتُ، فأعرضَ عنهُ فتنحَّى تلقاءَ وجْهِهِ) أي انتقلَ منْ الناحيةِ التي كانَ فيها إلى الناحيةِ التي يَسْتَقْبِلُ بها وجْهَهُ (فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زنيتُ، فأعرضَ عنهُ حتَّى ثنَّى ذلكَ عليهِ أربعَ مراتٍ، فلمَّا شهدَ على نفسه أربعَ شهاداتٍ دعاهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: أَبِكَ جنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أَحْصَنْتَ) بفتحِ الهمزةِ فحاءٍ مهملةٍ فصادٍ مهملةٍ أي تزوَّجْتَ (قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: اذهبُوا بهِ فارجمُوه. متفقٌ عليهِ).\nالحديثُ [اشتملَ على] (^٢) مسائلَ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1200>الأُولى:</span> أنهُ وقعَ منهُ إقرارٌ أربعَ مراتٍ، [واختلف] (^٣) العلماءُ هلْ يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الإقرارِ بالزِّنَى أربعًا أم لا؟ ذهبَ مَنْ [قدَّمناه وهو] (^٤) الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وداودُ وآخرونَ (^٥) إلى عدمِ اشتراطِ التكرارِ مستدلِّينَ بأنَّ الأصْلَ عدمُ\n_________\n(^١) البخاري (٦٨١٥) و(٦٨٢٥)، ومسلم (١٦/ ١٦٩١). قلت: وأخرجه النسائي في \"سننه الكبرى\" (٧١٧٧/ ٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٨٩ رقم ٢٥٨٥)، وأحمد (٢/ ٤٥٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(^٢) في (١): \"فيه\".\n(^٣) في (ب): \"فاختلف\".\n(^٤) في (ب): \"قدمنا ذكره وهم\".\n(^٥) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٥)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٥٠)، و\"موسوعة فقه الحسن البصري\" لقلعه جي (١/ ١٥٧)، و\"الإمام داود الظاهري\" عارف أبو عيد (٦٦٩).","vol":"7","page":103},{"text":"اشتراطهِ في سائرِ الأقاريرِ كالقتلِ والسرقةِ، وبأنهُ - ﷺ - قالَ لأُنَيْسٍ: \"فإنِ اعترفتْ فارجمْها\" (^١)، ولم يذكرْ تكرارَ الاعترافِ، ولو كانَ شَرْطًا معتَبَرًا لَذَكَرهُ - ﷺ - لأنهُ في مقامِ البيانِ ولا يؤخِّرُ عنْ وقتِ الحاجةِ.\nوذهبَ الجماهيرُ إلى [اشتراط التكرار بالإقرار] (^٢) بالزِّنَى أربعَ مراتٍ مستدلينَ بحديثِ ماعزٍ (^٣) هذَا. وأُجِيْبَ عليهم بأنَّ حديثَ ماعزٍ اضطربتْ الرواياتُ في عددِ الإقراراتِ، فجاءَ هنا أربعُ مراتٍ ومثلُه في حديثِ جابرٍ بنِ سَمُرَةَ عندَ مسلمٍ (^٤) ووقعَ في [طريقه] (^٥) أُخْرَى عندَ مسلمٍ أيضًا مرتينِ أوْ ثلاثًا (^٦)، ووقعَ في حديثٍ عندَه أيضًا من طريقٍ أُخْرَى فاعترفَ بالزِّنَى ثلاثَ مراتٍ.\nوقولُه - ﷺ - في بعضِ الرواياتِ: \"قدْ شهدتَ على نفسِكَ أربعَ مراتٍ\"، حكايةٌ لما وقعَ منهُ. فالمفهومُ غيرُ معتبرَ، وما كانَ ذلكَ إلَّا زيادةً في الاستثباتِ والتبيُّنِ، ولِذلكَ سألَ - ﷺ - هلْ به جنونٌ، وأَمَرَ مَنْ يشمُّ رائحتَه أو هو شارب خمر وجعلَ يستفسرُه عنِ الزِّنى كما سيأتي بألفاظٍ عديدةٍ، كلُّ ذلكَ لأَجْلِ الشبهةِ التي عرضتْ في أمرِه، ولأنَّها قالتِ الجُهَنِيَّةُ (^٧): أتريدُ أنْ تردَّني كما ردَدْتَ ماعِزًا؟ فَعُلِمَ أنَّ الترديدَ ليسَ بشرطٍ في الإقرارِ.\nوبعدُ فلوْ سلَّمْنَا أنهُ لا اضطرابَ وأنهُ أقرَّ أربعَ مراتٍ فهذَا فعلٌ منهُ منْ غيرِ أَمْرِهِ - ﷺ - ولا طَلَبِه لتكرارِ إقرارهِ بلْ فعلَه منْ تلقاءِ نفسهِ وتقريرُهُ عليهِ دليلٌ على جوازِه لا شرْطِيَّتِهِ. واستدلَّ الجمهورُ (^٨) بالقياسِ علَى أنهُ قدِ اعتُبِرَ في الشهادةِ على الزِّنى أربعةٌ وَرُدَّ بأنهُ استدلالٌ واضحُ البُطْلانِ لأنهُ قدِ اعتُبِرَ في المالِ عدلانِ والإقرارُ بهِ يكفي مرةً واحدةً اتفاقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1201>المسألةُ الثانيةُ:</span> دلَّتْ ألفاظُ الحديثِ على أنهُ يجبُ على الإمام الاستفصالُ عنِ الأمورِ التي يجبُ معَها الحدُّ، فإنهُ رُوِيَ في هذَا الحديثِ ألفاظٌ كثيرةٌ دالةٌ [عليها] (^٩).\n_________\n(^١) انظر تخريج حديث (١/ ١١٣٠) المتقدم.\n(^٢) في (ب): \"أنه يشترط في الإقرار\".\n(^٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٨٢٤)، ومسلم (١٩/ ١٦٩٣)، من حديث ابن عباس، وانظر الحديث رقم (٣/ ١١٣٢) المتقدم.\n(^٤) مسلم (١٨/ ١٦٩٢).\n(^٥) في (ب): \"طريق\".\n(^٦) مسلم: (١٧/ ١٦٩٢) و(٢٠/ ١٦٩٤).\n(^٧) مسلم (٢٤/ ١٦٩٦)، والترمذي (١٤٣٥)، وأبو داود (٤٤٤٠)، والنسائي (١٩٥٧).\n(^٨) \"الدراري المضيئة\" للشوكاني (٢/ ٣٥٠) بتحقيقنا.\n(^٩) في (ب): \"عليه\".","vol":"7","page":104},{"text":"ففي حديثِ بريدةَ (^١) أنهُ قالَ له: \"أشربْتَ خمرًا؟ قالَ: لا، وأنهُ قامَ رجلٌ يسْتنكِهُهُ فلمْ يجدْ فيهِ ريحًا\"، وفي حديثِ ابنِ عباسٍ (٢): \"لعلكَ قَبَّلْتَ أو غمزْتَ\"، وفي روايةٍ: \"هل ضاجعْتَها؟ \" قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ باشرْتَها؟ قالَ نعمْ قالَ: هلْ جامعْتَها؟ قالَ: نعمْ، وفي حديثِ أبنِ عباسٍ: \"أَنِكْتَها؟ \" لا يُكَنِّي. رواهُ [البخاريُّ] (^٢).\nوفي حديثِ أبي هريرةَ (^٣): \"أَنِكْتَها؟، قالَ: نعمْ، قالَ: دخلَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منْها، قالَ: نعمْ، قالَ: كما يغيبُ المِرْوَدُ في المِكْحَلَةِ والرشاءُ في البئرِ، قالَ: نعمْ، قالَ: تَدْرِي ما الزِّنَى: قالَ: نعمْ، أتيتُ مِنْها حَرَامًا ما يأتي الرجلُ من امرأتِه حلَالًا. قالَ: فما تريدُ بِهذَا القولِ؟ قالَ: تطهِّرُني، فأمرَ بهِ فرُجِمَ\".\nفدلَّ جميعُ ما ذُكِرَ على أنهُ يجبُ الاستفصَالُ والتبيُّنُ، وأنهُ يُنْدَبُ تلقينُ ما يسقطُ الحدَّ، وأنَّ الإقرارَ لا بدَّ فيهِ منَ اللفظِ الصريحِ الذي لا يحتملُ غيرَ المواقعةِ. وقدْ رُوِيَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ تلقينُ المقِرِّ كما أخرجَهُ مالكٌ (^٤) عنْ أبي الدرداءِ، وعنْ عليٍّ ﵇ في قصةِ شراحةَ فإنهُ قالَ لها عليٌّ ﵇: أسْتُكْرِهْتِ؟ قالتْ: لا، قالَ: فلعلَّ رجلًا أتاكِ في [المنام] (^٥)؟ الحديث.\nوعندَ المالكيةِ أنهُ لا يلقَّنُ من اشتهرَ بانتهاكِ الحُرماتِ.\nوفي قولِه: \"أشربتَ خَمْرًا\"، دليلٌ علَى أنهُ لا يصحُّ إقرارُ السكرانِ وفيهِ خلافٌ.\nوفيها دليلٌ على أنهُ يُحْفَرُ للرجلِ عندَ رجْمِهِ لأنَّ في حديثِ بريدةَ عندَ\n_________\n(^١) مسلم (٢٢/ ١٦٩٥)، وأبي داود (٤٤٣٣).\n(^٢) البخاري (٦٨٢٤). وما بين الحاصرتين زيادة من (ب).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٤٢٨)، والنسائي (٧١٦٥/ ٢) وهو حديث ضعيف. انظر: \"الإرواء\" للألباني رقم (٢٣٥٤).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٢٠). وقال الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ١١٩): وذكر الحافظ ابن عبد البر أنه في تفسير سنيد بن داود من طريق أخرى إلى الشعبي قال: … فذكر الحديث. وانظر تحقيقنا \"لبداية المجتهد\" ابن رشد (٤/ ٣٨٧).\n(^٥) في (ب): \"نومك\".","vol":"7","page":105},{"text":"مسلمٍ (^١): فَحُفِرَ له حفيرةٌ، [وفي الحديثِ] (^٢) عندَ البخاريِّ (^٣): \"أنَّها لما أذلقتْه (^٤) الحجارةُ هربَ فأدركْناهُ بالحرَّةِ (^٥) فرجمْناه\"، زادَ في روايةٍ: \"حتَّى ماتَ\".\nوأخرجَ أبو داودَ (^٦) أنهُ قالَ - ﷺ -[يعني] (^٧) حين أُخْبِرَ بِهَرَبِهِ: \"هلَّا رَدَدْتُموهُ إليَّ\"، وفي روايةٍ: \"تركتمُوه لعلَّه يتوبُ فيتوبُ اللهُ عليهِ\". وأَخَذَ منْ هَذَا الهادويةُ والشافعيُّ وأحمدُ (^٨) أنهُ يصحُّ رجوعُ المقِرِّ عنِ الإقرارِ فإذا هربَ [يُتْرَكُ] (^٩) لعلَّه يرجعُ، وفي قولِه - ﷺ -: \"لعلَّه يتوبُ\" إشكالٌ لأنهُ ما جاءَ إلا تائِبًا يطلبُ تطهيرَه منَ الذنبِ.\nوقدْ أخرجَ أبو داودَ (^١٠) أنهُ قالَ - ﷺ - في قصةِ ماعز: \"والذي نفس محمد بيدِه إنهُ الآنَ لفي أنهارِ الجنةِ ينغمسُ فيها\".\nولعلَّه يُجابُ بأنَّ المرادَ لعلَّه يرجعُ عنْ إقرارِهِ ويتوبُ بينَه وبينَ اللهِ تعالَى فيغفرُ لهُ، أوِ المرادُ يتوبُ [عن] (^١١) إكذابِه نفسَه.\nواعلمْ أنَّ قولَهُ - ﷺ -: فأَمرَ بهِ، [وارجموه] (^١٢)، يدلُّ أنهُ - ﷺ - لم يحضَرِ الرَّجْمَ وأنهُ لا يجبُ أنْ يكونَ أولَ مَنْ يرجمُ الإمامُ فيمنْ ثبتَ عليهِ الحدَّ بالإقرارِ، وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ والهادي (^١٣)، والأَوْلَى حَمْلُ ذلكَ على النّدْبِ، وعليهِ يحملُ ما أخرجه البيهقيُّ (^١٤) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: \"أيُّما امرأةٍ بَغَى عليها ولدُها أوْ كانَ اعترافٌ فالإمامُ أولُ مَنْ يرجُمُ، فإنْ ثبتَ بالبيّنةِ فأول من يرجُمُ [الشهود] (^١٥) \".\n_________\n(^١) مسلم (٢٣/ ١٦٩٥).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) البخاري (٢٩/ ٦٨٢٦).\n(^٤) أذلقته: بلغت من الجهد حتَّى قلق.\n(^٥) الحرَّة: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سوداء كثيرة.\n(^٦) أبو داود (٤٤١٩) وهو حديث صحيح دون قوله: \"لعله أن يتوب فيتوب الله عليه\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) \"الاعتصام\" للقاسم بن علي (٥/ ٧١)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٦٧ رقم ٧١٨٣)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٥٠).\n(^٩) في (ب): \"ترك\".\n(^١٠) أبو داود (٢٤/ ٤٤٢٨)، وهو حديث ضعيف، انظر: \"الإرواء\" رقم (٢٣٥٤).\n(^١١) في (أ): \"على\".\n(^١٢) في (ب): \"فارجموه\".\n(^١٣) \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٥١)، و\"التاج المذهب\" للصنعاني (٤/ ٢١٠).\n(^١٤) في \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٢٢٠).\n(^١٥) زيادة من (أ).","vol":"7","page":106},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1202>التثبت وتلقين المسقط للحد</span>\n٤/ ١١٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعزُ بنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: \"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟ \"، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: لما أَتَى ماعزُ بنُ مالكٍ إلى النبيِّ - ﷺ - قالَ لهُ: لعلَّكَ قبَّلْتَ أو غمزْتَ) بفتحِ الغينِ المعجمةِ والميمِ فزايٍ، في \"النهايةِ\" أنهُ فَسَّرَ الغمْزَ في بعضِ الأحاديث بالإشارةِ كالرمزِ بالعينِ والحاجبِ. ولعلَّ المرادَ هُنَا الجسُّ باليدِ لأنهُ وردَ في بعضِ الرواياتِ أوْ لمسْتَ عِوَضًا عنهُ، (أوْ نظرتَ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ. رواهُ البخاريُّ). والمرادُ استفهامُه هلْ هوَ أطلقَ لفظَ الزِّنَى على أيِّ هذهِ مجازًا وأن ذلكَ كما جاءَ في: \"العينُ تَزْني وزِنَاهَا النظرُ\" (^٢).\nوالحديثُ دليلٌ على التثبُّتِ وتلقينِ المسقطِ للحدِّ، وأنهُ لا بدَّ منَ التَّصريحِ [بالزنى] (^٣) باللفظِ الصريحِ الذي لا يحتملُ غيرَ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1203>الكلام على آية الرجم</span>\n٥/ ١١٣٤ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمّدًا بالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجدُ الرّجْمَ في كِتَابِ اللهِ، فَيُضِلُّوا بتَرْكِ فَريضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ في كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: عَلَى مَنْ زَنَى، إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٦٨٢٤). قلت: وأخرجه أبو داود (٤٤٦٧)، وأحمد (١/ ٢٧٠)، والدارقطني (٣/ ١٢٢ رقم ١٣٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٣٨ رقم ١١٩٣٦).\n(^٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) في (ب): \"بالزنى\".\n(^٤) البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٥/ ١٦٩١). =","vol":"7","page":107},{"text":"(وعنْ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - أنهُ خطَبَ فقالَ: إنَّ اللهَ بعثَ محمَّدًا بالحقِّ وأنزلَ عليهِ الكتابَ فكانَ فيما أَنزلَ عليهِ آيةَ الرجمِ قرأْناها ووعيْناها وعقلْناهَا، فرجمَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ورجمْنا بعدَه، فأخشَى إنْ طالَ بالناسِ زمانٌ أنْ يقولَ قائلٌ ما نجدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللهِ فيضلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها اللهُ، وإنَّ الرجمَ حقٌّ في كتابِ اللهِ علَى مَنْ زنَى إذا أُحْصِنَ منَ الرجالِ والنساءِ إذا قامتِ البيِّنةُ أوْ كانَ الحَبَلُ) بفتحِ الحاء المهملةِ [والباء] (^١) الموحَّدَةِ (أوِ الاعترافُ. متفقٌ عليهِ).\nزادَ الإسماعيليُّ (^٢) بعدَ قولِه: أو الاعترافُ، وقدْ قرأناها: \"الشيخُ والشيخةُ فارجموهُما البتَّةَ\". وبيَّنَ في روايةٍ عندَ النسائيِّ (^٣) محلَّها في السورةِ وأنَّها كانتْ في سورةِ الأحزابِ. [وكذلكَ أخرجَ هذهِ الزيادةَ في هذا الحديثِ الموطأُ عنْ يحيى بنِ سعيدٍ عنِ ابنِ المسيِّبِ] (^٤)، وفي روايةٍ زيادةُ: \"إذا زَنَيا فارجمُوهُما البتةَ نكالًا منَ اللهِ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ\"، وفي روايةٍ: \"لولا أنْ يقولَ النَّاسُ زادَ عمرُ في كتابِ اللهِ لكتبتُها بيدي\".\nوهذا القسمُ منْ نسخِ التلاوةِ معَ بقاءِ الحكمِ، وقدْ عدَّه الأصوليونَ قسمًا مِنْ أقسامِ النسخِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنَّها إذا وُجِدَتِ المرأةُ الخاليةُ منَ الزوجِ والسيِّدِ حُبْلَى ولم تذكرْ شبهةً أنهُ يثبتُ الحدُّ بالحَبَلِ، وهوَ مذهبُ عمرَ (^٥) وإليهِ ذهبَ مالكٌ وأصحابُه (^٦).\nوقالتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (^٧): إنهُ لا يثبتُ الحدُّ إلا ببيِّنَةٍ أوِ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٤٤١٨)، والترمذي (١٤٣٢)، والدارمي (٢/ ١٧٩)، وابن ماجه (٢٥٥٣).\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ١٤٣).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" للنسائي (٤/ ٧١٥٦)، وقال النسائي: لا أعلم أن أحدًا ذكر في هذا الحديث الشيخ والشيخة فارجموهما البتة غير سفيان وينبغي أنه وهم، والله أعلم.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) \"موسوعة فقه عمر\" لقلعه جي (٤٧٩).\n(^٦) \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٦).\n(^٧) \"البحر الزخار\" للمهدي (٥/ ١٤٥)، و\"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٤)، و\"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"7","page":108},{"text":"اعترافٍ لأنَّ الحدودَ تسقطُ بالشبهاتِ. واستدلَّ الأوَّلونَ بأنهُ قالَه عمرُ على المنبرِ ولمْ ينْكَرْ عليهِ فينزلُ منزلةَ الإجماعِ.\nقلتُ: لا يخْفَى أنَّ الدليلَ هوَ الإجماعُ لا ما ينزلُ منزلتَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1204>حدُّ الأَمة إذا زنت</span>\n٦/ ١١٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيّنَ زنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: إذ زنتْ أَمَةُ أحدِكم فتبيَّنَ زناها فليجْلدِها الحدَّ ولا يثرِّبْ [عليها]) (^٢) بمثناةٍ تحتيةٍ فمثلَّثةٍ فراءٍ فموحَّدةٍ، التعنيفُ لفظًا ومعنَىً (ثمَّ إذا زنتْ فلْيجْلِدْها الحدَّ ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا، ثمَّ إذا زنتِ الثالثةَ فتبيَّنَ زنَاهَا فليبعْها ولو بحبلٍ منْ شَعرٍ. متفقٌ عليهِ (وهذا لفظُ مسلمٍ)، فيهِ مسائلُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1205>الأُولى:</span> دلَّ قولُه: \"فتبيَّنَ زِنَاها\"، أنهُ إذا علمَ السيِّدُ بِزنَى أَمَتِهِ جَلَدَها وإنْ لم تقمْ شهادةٌ، وذهبَ إليهِ بعضُ العلماءِ، وقيلَ: المرادُ إذا تبيَّنَ زِنَاهَا بما يتبيَّنُ بهِ في حقِّ الحرَّةِ وهوَ الشهادةُ أوِ الإقرارُ، والشهادةُ تُقَامُ عندَ الحاكمِ عندَ الأكثرِ، وقالَ بعضُ الشافعيةِ: تُقَامُ عندَ السيِّدِ.\nوفي قولِه: \"فليجلِدْها\"، دليلٌ علَى أنَّ ولايةَ جلدِ الأَمَةِ إلى سيِّدِها وإليه ذهبَ الشافعيُّ (^٣)، وعندَ الهادويةِ (^٤) أنَّ ذلكَ إذا لم يكنْ في الزمانِ إمامٌ وإلَّا فالحدودُ إليهِ، والأولُ أَقْوَى، والمرادُ بالجلدِ الحدُّ المعروفُ في قولِه تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) مسلم (٣٠/ ١٧٠٣)، والبخاري (٦٨٣٩). قلت: وأخرجه الدارقطني (٢٣٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٩)، والبيهقي (٨/ ٢٤٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٠٠)، رقم (٧٢٤٥/ ٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) \"مغني المحتاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ١٥٢).\n(^٤) \"البحر الزخار\" للمهدي (٥/ ١٥٩).\n(^٥) سورة النساء: الآية ٢٥.","vol":"7","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1206>المسألةُ الثانيةُ:</span> قولُه: \"ولا يثرِّبْ عَلَيْهَا\"، وَرَدَ في لفظِ النسائيِّ (^١): ولا يعنِّفْها، وهوَ بمعنَى ما هُنَا، وهوَ نَهْيٌ عنِ الجمعِ لها بينَ العقوبةِ بالتعنيفِ والجلدِ، ومَنْ قالَ: المرادُ أنهُ لا يقنعُ بالتعنيفِ دونَ الجلدِ، فقدْ أبعدَ.\nقالَ ابنُ بطالٍ (^٢): يؤخذُ منهُ أنَّ كلَّ مَنْ أُقِيْمَ عليهِ الحدُّ لا يعزَّرُ بالتعنيفِ واللَّومِ، وإنما يليقُ ذلكَ بمنْ صدرَ منهُ قبلَ أنْ يُرْفَعَ إلى الإمامِ للتحذيرِ والتخويفِ، فإذا رُفِعَ وأقيمَ عليهِ الحدُّ كفاهُ. ويؤيدُ هذا نهيُه - ﷺ - عنْ سبِّ الذي أقيمَ عليهِ [حدُّ الخمرِ] (^٣) وقالَ: \"لا تكونُوا عَوْنًا للشيطانِ على أخيْكم\" (^٤).\nوفي قولِه: \"ثمَّ إذا زنتْ\" إلى آخرِهِ، دليلٌ على أنَّ الزَّاني إذا تكررَ منهُ الزِّنى بعدَ إقامةِ الحدِّ عليهِ تكررَ عليهِ الحدُّ، وأما إذا زَنَى مِرَارًا منْ دونِ تَخَلُّلِ إقامةِ الحدِّ لم يجبْ عليهِ إلا حدٌّ واحدٌ، ويُؤْخَذُ منْ ظاهرِ قولِه: \"فليبعْها\"، أنهُ لا يقيم عليها الحدُّ.\nقالَ المصنفُ في \"الفتح\" (^٥): الأرجحُ أنهُ يجلدُها قبلَ البيعِ ثمَّ يبيعُها، والسكوتُ عنهُ للعلمِ بأنَّ الحدَّ لا يُتْرَكُ ولا يقومُ البيعُ مقامَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1207>المسألةُ الثالثةُ:</span> ظاهرُ الأمرِ وجوبُ بيعِ السيِّدِ للأَمَةِ، وأنَّ إمساكَ مَنْ تكرَّرتْ منهُ الفاحشةُ محرَّمٌ وهذَا قولُ داودُ وأصحابهِ (^٦)، وذهبَ الجمهورُ (^٧) إلى أنهُ مستحبٌّ لا واجبٌ.\nوقالَ ابنُ بطالٍ (^٨): حملَ الفقهاءُ الأمرَ بالبيعِ على الحضِّ على مباعدةِ مَنْ تكرَّرَ منهُ الزِّنَى لِئَلَّا يُظَنَّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيكون ديُّوثًا، وقدْ ثبتَ الوعيدُ على منِ اتصفَ بالدِّياثةِ.\nوفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ فراقُ الزانيةِ، لأنَّ لفظَ أَمَةِ أَحدِكم عامٌّ لمنْ\n_________\n(^١) في \"النسائي\": لا يعتقها. \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٠٠ رقم ٧٢٤٦/ ٨).\n(^٢) \"فتح الباري\" ابن حجر (١٢/ ١٦٦).\n(^٣) في (أ): \"الحد للخمر\".\n(^٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ - البخاري (٦٧٨١).\n(^٥) \"فتح الباري\" لابن حجر (١٢/ ١٦٤).\n(^٦) \"المحلَّى\" ابن حزم (١١/ ١٦٧).\n(^٧) \"المجموع\" لأبي زكريا النووي (٢٠/ ٣٨).\n(^٨) \"المجموع\" لأبي زكريا النووي (٢٠/ ٣٨).","vol":"7","page":110},{"text":"يطؤُها مالكُها ومَنْ لا يطؤُها، ولم يجعلِ الشارعُ مجرَّدَ الزِّنَى موجِبًا للفراقِ، إذْ لوْ كانَ موجبًا لهُ لوجبَ فراقُها في أولِ مرةٍ، بلْ لم يوجبَهُ إِلَّا في الثالثةِ على القولِ بوجوب فراقِها بالبيعِ كما قالَهُ داودُ وأتباعُه (^١). وهذا الإيجابُ لا لمجردِ الزِّنَى بلْ لتكرُّره لِئَلا يظنُّ بالسيِّدِ الرِّضَا بذلكَ فيتصفُ بالصفةِ القبيحةِ، ويجري هذا الحكمُ في الزوجةِ أنهُ لا يجبُ طلاقُها وفراقها لأَجْلِ الزِّنَى بلْ إنَّ تكرَّرَ منْها وجبَ لما عرفتَ. قالُوا: وإنَّما أمرَ بَبْيعِها في الثالثةِ لِمَا ذكرْنا قريبًا ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنى. قالَ وحملَه بعضُهم علَى الوجوب ولا سلفَ لهُ منَ الأمةِ فلا [نشتغل] (^٢) بهِ وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ فكيفَ يجبُ بيعُ ما لَهُ قيمةٌ خطيرةٌ بالحقيرِ، انتَهى.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ الظاهرَ معَ مَنْ قالَ بالوجوبِ ولم يأتِ القائلُ بالاستحبابِ بدليلٍ على عدمِ الإيجابِ. وقولُه: وقدْ ثبتَ النَّهْيُ عنْ إضاعةِ المالِ، قلْنا: وثبثَ هُنَا مخصِّصٌ لِذلِكَ النَّهْي وهوَ هذَا الأمرُ، وقدْ وقعَ الإجماعُ (^٣) على جوازِ بيعِ الشيءِ الثمينِ بالشيءِ الحقيرِ إذا كانَ البائعُ عالمًا بهِ [وكذا] (^٤) إذا كانَ جاهلًا عندَ الجمهورِ (^٥).\nوقولُه: ولما في ذلكَ منَ الوسيلةِ إلى تكثيرِ أولادِ الزِّنَى، فقالَ ليسَ في الأمرِ ببيعِها قطعٌ لذلكَ إذ لا ينقطعُ إلَّا بِتَرْكِهَا، وليسَ في بيعِها ما يصيِّرُها تاركةً لهُ، وقدْ قيلَ في وجْهِ الحكمِ في الأمرِ ببيعِها معَ أنهُ ليسَ منْ موانعِ الزِّنَى إنهُ جوازُ أنْ يستغني عندَ المشتري وتعلمَ بأنَّ إخراجَها منْ مُلْكِ السِّيدِ الأوَّلِ بسببِ الزِّنَى فتتركُه خشيةً منْ تنقُّلِهَا عندَ [المالك] (^٦)، أوْ لأنهُ قدْ يعفُّها بالتسرِّي بها أو بتزويجها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1208>المسألةُ الرابعةُ:</span> هلْ يجبُ على البائعِ أنْ يعرِّفَ المشتريَ بسببِ بَيْعِها لِئَلَّا\n_________\n(^١) \"المجموع\" أبو زكريا (٢٠/ ٣٨).\n(^٢) في (ب): \"يشتغل\".\n(^٣) \"موسوعة الإجماع\" أبو جيب (١/ ١٩١ رقم ١٢٧).\n(^٤) في (ب): \"وكذلك\".\n(^٥) انظر: \"المحلَّى\" (٩/ ٧٤ - ٨١ رقم ١٥٩٠).\n(^٦) في (ب): \"الملاك\".","vol":"7","page":111},{"text":"يدخلَ تحتَ قولِه: \"مَنْ غشَّنَا فليسَ مِنَّا\" (^١)، فإنَّ الزِّنَى عيبٌ ولِذَا أمرَ بالحطِّ منَ القيمةِ، يحتملُ أن لا يجبُ عليهِ ذلكَ، لأنَّ الشارعَ قدْ أمرَهُ ببيعهَا ولمْ يأمرْه ببيانِ عَيْبِها. ثمَّ هذا العيبُ ليسَ معلومًا ثبوتُه في الاستقبالِ فقدْ يتوبُ الفاجرُ ويفجُرُ البارُّ، وكونُه قَدْ وقعَ منْها وأُقِيْمَ عليها الحدُّ قدْ صيَّرهُ كغيرِ الواقعِ، ولهَذَا نَهَى عنِ التعنيفِ لها، وبيانُ عيبها قدْ يكونُ منَ التعنيفِ. وأما أنه يندبُ لهُ ذِكْرُ سببِ بيعِها فلعلَّه يندبُ ويدخلُ تحتَ عمومِ المناصحةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1209>المسألة الخامسةُ:</span> في إطلاقِ الحديثِ دليلٌ على إقامةِ الحدِّ على الأَمَةِ مطْلقًا سواءٌ قد أحصنتْ أَوْ لا، وفي قولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٢)، دليلٌ علَى شرطيةِ الإحصانِ، ولكنْ يحتملُ أنهُ شرطٌ للتنصيفِ في جَلْدِ المحصنةِ منَ الإماءِ وأنَّ عليها نصفَ الجلْدِ لا [نصف] (^٣) الرجم إذْ لا يتنصفُ، فيكونُ فائدةُ التقييدِ في الآيةِ.\nوصرَّحَ بتفصيلِ الإطلاقِ قولُ عليٍّ ﵇ في خُطْبَتِهِ: \"يا أيُّها النَّاسُ أقيمُوا على أَرِقَّائِكم الحدَّ مَن أُحْصِنَ [منهم] (^٤) ومَنْ لم يُحْصَنْ\" (^٥)، رواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ ويحيى بنُ سعيدٍ عنِ ابن شهابٍ كما قالَ مالكٌ وهذا مذهبُ الجمهورِ (^٦). وذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا يحدُّ منَ العبيدِ إلَّا مَنْ أُحْصِنَ وهوَ مذهبُ ابنِ عباسٍ (^٧) ولكنَّه يؤيدُ كلامَ الجمهورِ إطلاقُ الحديثِ الآتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>من يقيم الحد على المماليك</span>\n٧/ ١١٣٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٤٥٢)، والترمذي (١٣١٥)، وابن ماجه (٢٢٢٤)، ومسلم (١٦٤/ ١٠١)، من حديث أبي هريرة.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (ب): \"منهنَّ\".\n(^٥) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٨ رقم ٧١٥٠)، و\"موسوعة فقه علي\" لقلعه جي (٣٢٣).\n(^٦) \"المجموع\" لأبي زكريا النووي (٢٠/ ١٦).\n(^٧) \"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٣٨ رقم ٧١٥٠)، و\"الروضة الندية\" القنوجي (٢/ ٥٩٣) بتحقيقنا.","vol":"7","page":112},{"text":"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ في مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أقيمُوا الحدودَ علَى ما ملكتْ أيمانُكم. رواهُ أبو داودَ وهوَ في مسلمٍ موقوفٌ) على عليٍّ - ﵁ -. وأخرجَهُ البيهقيُّ (^٢) مرفُوعًا، وقدْ غفلَ الحاكمُ (^٣) فظنَّ أنهُ لم يذكرْه أحدُ الشيخينِ واستدركَهُ عليهِمَا.\nقلتُ: يمكنُ أنهُ استدركَهُ لكونِ مسلمٍ لمْ يرفعْه وقدْ ثبتَ عندَ الحاكمِ رفْعُهُ.\nوالحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ منْ إقامة الملَّاكِ الحدَّ على المماليكِ، إلَّا أنَّ هذا يعمُّ ذكورَهمِ وإناثَهم فهوَ أعمُّ منَ الأوَّلِ. ودلَّ على إقامةِ الحدِّ عليهمْ مطلقًا أُحْصِنُوا [أم لا] (^٤)، وعلَى أنَّ إقامَته إلى المالكِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى.\nواختُلِفَ في الأَمَةِ المزوَّجَةِ، فالجمهورُ (^٥) يقولون: إنَّ حدَّها إلى سيِّدِها، وقالَ مالكٌ (^٦): حدُّها إلى الإمامِ إلَّا أنْ يكونَ زوجُها عَبْدًا لمالِكِهَا فَأَمْرُهَا إلى السيِّدِ، وظاهرُه أنهُ لا يُشْتَرَطُ في السيِّد [شرطُ] (^٧) صلاحيةٍ ولا غيرِها. قالَ ابنُ حزمٍ (^٨): يقيمُه السيِّدُ إلَّا أنْ يكونَ كافِرًا، قالَ لأنَّهم لا يقرُّونَ إلَّا بالصَّغارِ وفي تسليطهِ على إقامةِ الحدِّ على مماليكِه منافاةٌ لذلكَ.\nثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنَّ إلى السيد إقامةَ حدِّ السرقةِ والشُّرْبِ، وقدْ خالفَ في ذلكَ جماعةٌ بلا دليلٍ ناهضٍ. وقدْ أخرجَ عبدُ الرزاقِ عنْ معمَّرٍ عنْ أيوبَ عنْ\n_________\n(^١) مسلم (٣٤/ ١٧٠٥)، وكذلك في \"الوقوف\" لابن حجر (٩٠ رقم ١٠٧)، وأبي داود (٤٤٧٣)، والترمذي (١٤٤١)، قلت: وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. و\"السنن الكبرى\" للنسائي (٤/ ٢٩٩ رقم ٢٩/ ٧٢٣٩). وهو حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢٩).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٦٩)، قلت: قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(^٤) في (ب): \"أو لا\".\n(^٥) انظر: \"المجموع\" لأبي زكريا النووي (٢٠/ ٣٨)، و\"الروضة الندية\" القنوجي (٢/ ٥٩٤) بتحقيقنا.\n(^٦) \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (٣٨٦).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) \"المحلَّى\" ابن حزم (١١/ ١٦٨).","vol":"7","page":113},{"text":"نافعٍ: \"أنَّ ابنَ عمرَ قطعَ يدَ غلامٍ لهُ سرقَ، وجَلَدَ عبدًا لهُ زَنَى، منْ غيرِ أنْ يرفعَهما إلى الوالي\" (^١). وأخرجَ مالكٌ في \"الموطأ\" (^٢) بسندِه: \"أن عبْدًا لبني عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ سرقَ واعترفَ [بالسرقةِ] (^٣)، فأَمَرَتْ عائشةُ به فَقُطِعَتْ يدُهُ\". وأخرجَ الشافعيُّ وعبدُ الرزاقِ بسندِهِما إلى الحسينِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ: \"أنَّ فاطمةَ - ﵂ - بنتَ رسولِ اللهِ - ﷺ - حدَّتْ جاريةً لها زنتْ\" (^٤). ورواهُ ابنُ وهبٍ عنِ أبنِ جُرَيْجٍ عنِ عمرِو بنِ دينارٍ: \"أنَّ فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ - ﷺ - كانتْ تجلدُ وليدتَها خمسينَ إذا زنتْ\" (^٥).\nوذهبتِ الهادويةُ (^٦) إلى أنهُ لا يقيمُ عليهِ الحدَّ إلا الإمامُ، إلَّا أنْ لا يوجدَ إمامٌ أقامهُ السيِّدُ.\nوذهبتِ الحنفيةُ (^٧) إلى أنهُ لا يقيمُ عليه الحد مطلقًا إلا الإمامُ أو مَنْ أَذِنَ لهُ.\nوقدِ استدلَّ الطحاويُّ (^٨) بما أخرجَهُ منْ طريقِ مسلمِ بنِ يسارٍ قالَ: كانَ أبو عبدِ اللهِ رجلٌ منَ الصحابةِ يقولُ: الزكاةُ والحدودُ والفيءُ والجمعةُ إلى السلطانِ. قالَ الطحاويُّ: ولا نعلمُ [أحدًا] (^٩) مخالِفًا منَ الصحابةِ، وقدْ تعقَّبَهُ ابنُ حزمٍ (^١٠) فقالَ: بلْ خالفَه اثْنَا عشرَ نَفْسًا منَ الصحابةِ. وقدْ سمعتَ ما رُوِيَ عنِ الصحابةِ وكفَى بهِ ردًّا على الطحاوي، ومنْ ذلكَ ما أخرجَهُ البيهقيُّ (^١١) عنْ عمرِو بنِ مُرَّةَ وفيهِ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى قالَ: أدركتُ بَقَايا الأنصارِ وهمْ يضربونَ\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٢٦٨)، و(٨/ ٢٤٥) وانظر: \"موسوعة فقه عبد الله بن عمر\" لقلعه جي (٤٠٦ - ٤٠٧).\n(^٢) (٢/ ٨٣٢ - ٨٣٣ رقم ٢٥).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه الشافعي في \"الأم\" (٦/ ١٤٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٣٩٤ رقم ١٣٦٠٢)، والبيهقي (٨/ ٢٤٥).\n(^٥) أخرجه البيهقي (٨/ ٢٤٥).\n(^٦) \"البحر الزخار\" للمهدي (٥/ ١٥٩).\n(^٧) \"شرح فتح القدير\" ابن الهمام (٥/ ٢١).\n(^٨) انظر: \"المجموع\" لأبي زكريا النووي (٢٠/ ٣٩).\n(^٩) في (ب): \"له\".\n(^١٠) \"المحلَّى\" لابن حزم (١١/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(^١١) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٤٥).","vol":"7","page":114},{"text":"الوليدةَ منْ ولائِدِهم في مجالسهِم إذا زنتْ، قالَ الشافعيُّ (^١): كانَ ابنُ مسعودٍ يأمرُ بهِ وأبو برزةَ يحدُّ وليدتَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>متى تُحد الحامل؟</span>\n٨/ ١١٣٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتِ النَّبيَ - ﷺ - وَهيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نبيُّ اللهِ - ﷺ - وَلِيَّهَا. فَقَالَ: \"أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بهَا\" فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمّ أَمَرَ بهَا فَرُجمَتْ، ثُمّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: \"لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بنَفْسِهَا للهِ تَعَالَى؟ \"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ عمرانَ بنِ حصينٍ أنَّ امرأةً منْ جُهَيْنَةَ) هي المعروفةُ بالغامديةِ (^٣) (أتتِ النبيَّ - ﷺ - وهيَ حُبْلَى منَ الزِّنَى فقالتْ: يا نبيَّ اللهِ أصبتُ حدًّا فأقمْهُ عليَّ، فدعا نبيُّ اللهِ - ﷺ - وليَّها فقالَ: أحسنْ إليها فإذا وضعتْ فائْتِني بها، ففعلَ، فَأَمَر بها، فَشُكَّتْ) مبنيٌّ للمجهولِ أي شُدَّتْ ووردَ في روايةٍ (عليْها ثيابُها ثمَّ أمرَ بها فرُجِمَتْ ثمَّ صلَّى عليْها، فقالَ عمرَ: تصلي عليْها يا رسولَ اللهِ وقدْ زنتْ؟ فقالَ: لقدْ تابتْ توبةً لو قُسِّمَتْ بينَ سبعينَ منْ أهلِ المدينةِ لوسعتْهم، وهلْ وجدْتَ أفضلَ مِنْ أنْ جادتْ بِنَفْسِها للهِ تعالى. رواهُ مسلمٌ).\n_________\n(^١) في \"الأم\" (٦/ ١٤٦).\n(^٢) مسلم (٢٤/ ١٦٩٦). قلت: وأخرجه أبو داود (٤٤٤٠، و٤٤٤١)، والترمذي (١٤٣٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوالنسائي (١٩٥٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم ٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧ و٤٧٨ و٤٧٩)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦ رقم ١٣٣٤٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢٥).\n(^٣) أخرج حديث رجم الغامدية مسلم في \"صحيحه\" (٢٣/ ١٦٩٥)، من حديث عبد اللهِ بن بريدة عن أبيه. وانظر: \"الدراري المضيئة\" الشوكاني (٢/ ٣٤٧) بتحقيقنا.","vol":"7","page":115},{"text":"ظاهرُ قولِه: \"فإذا وضعتْ فائتني بها ففعلَ\"، أنهُ وقعَ الرَّجْمُ عَقيبَ الوضْعِ، إلَّا أنهُ ثبتَ في روايةٍ أُخْرَى لمسلم (^١) أنَّها رُجِمَتْ بعدَ أن فَطَمَتْ ولدَها وأتتْ بهِ وفي يدهِ كِسْرةُ خُبْزٍ. ففي روايةِ الكتابِ طيٌّ واختصارٌ.\nقالَ النوويُّ (^٢) بعدَ ذِكْرِ الروايَتَينِ: وهُمَا في صحيحِ مسلمٍ ظاهرُهما الاختلافُ، فإنَّ الثانيةَ صريحةٌ في أنَّ رجْمَها كانَ بعدَ فطامِهِ وأكلِهِ الخبزَ، والأُوْلَى [أن] (^٣) رجمَها عقيبَ الولادةِ، فيجبُ تأوبلُ الأُوْلَى وحمْلُها على وفْقِ الثانيةِ، فيكونُ قولُه في الروايةِ الأُوْلَى: \"قامَ رجلٌ منَ الأنصارِ فقالَ - إلى - رضاعِهِ\"، إنَّما قالَه بعدَ الفطامِ. وأرادَ برضاعِهِ كفالتَه وتربيتَه، وسمَّاهُ رضَاعًا مجازًا. انتَهى [باختصارٍ] (^٤).\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الرَّجْمِ وتقدَّمَ الكلامُ فيهِ، وأما شدُّ ثيابها عليها فِلأَجْلِ أنْ لا تُكْشَفَ عندَ اضطرابِها منْ مسِّ الحجارةِ. واتفقَ العلماءُ (^٥) أنَّ المرأةَ تُرْجَمُ قاعدةً والرجلُ قائمًا، إلَّا عندَ مالكٍ (^٦) فقالَ: قاعِدًا، وقيلَ: يتخيَّرُ الإمامُ بينَهما.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنَّهُ - ﷺ - صلَّى على المرأةِ بنفسِه إنْ صحَّتِ الروايةُ، فصلَّى [للبناء] (^٧) للمعلومِ، إلَّا أنهُ قالَ الطبراني (^٨): إنَّها بضمِّ الضادِ وكسرِ اللامِ، قالَ: وكذَا هوَ في روايةِ ابنِ أبي شيبةَ وأبي داودَ. وفي روايةٍ لأبي داودَ (^٩): فأمرَهُم أنْ يصلُّوا، ولكنَّ أكثرَ الرواةِ لمسلمٍ بفتحِ الصادِ وفتحِ اللامِ. وظاهرُ قولِ عمرَ: تصلي عليْها، أنهُ - ﷺ - باشرَ الصلاةَ بنفسِه، فيؤيد روايةَ الأكثرِ لمسلم. والقولُ بأنَّ المرادَ منْ صلَّى ويُصلِّي أي تأمروا وأنهُ أُسْنِدَ إليهِ - ﷺ -[لأنه] (^١٠) الآمرَ خلافُ\n_________\n(^١) سبق في تعليق رقم (١).\n(^٢) \"شرح النووي\" (١١/ ٢٠٢).\n(^٣) في (ب): \"أنه\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" لوهبة الزحيلي (١/ ٦١).\n(^٦) \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ٣٨٢) بتحقيقنا.\n(^٧) في (ب): \"بالبناء\".\n(^٨) في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم ٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧ و٤٧٨ و٤٧٩)، وقد تقدم.\n(^٩) في \"السنن\" (٤٤٤٠).\n(^١٠) في (ب): \"لكونه\".","vol":"7","page":116},{"text":"الظاهرِ، فإنَّ الأصلَ الحقيقةُ، وعلَى كلِّ تقديرٍ فقد صلَّى - ﷺ - عليْها أوْ أمرَ بالصلاةِ، فالقولُ بكراهةِ الصلاةِ على المرجومِ يصادمُ النصَّ إلَّا أنْ تُخَصَّ الكراهةُ بمنْ رُجِمَ بغيرِ الإقرارِ لجوازِ أنهُ لم يتبْ، فهذَا يتنزَّل على الخلافِ في الصلاةِ على الفسَّاقِ. [والجمهور (^١)] (^٢) أنهُ يُصَلَّى عليهمْ ولا دليلَ معَ المانعِ عنِ الصلاةِ عليهمْ.\nوفي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ التوبةَ لا تُسْقِطُ الحدَّ، وهوَ أصحُّ القولَيْنِ عندَ الشافعيةِ والجمهورِ (^٣). والخلافُ في حدِّ المحارِبِ إذا تابَ قبلَ القدْرَةِ عليهِ فإنهُ يسقطُ بالتوبةِ عندَ الجمهورِ (^٤) لقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1212>إقامة الحدِّ على الكافر إذا زنى</span>\n٩/ ١١٣٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رَجَمَ النَّبيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ، وَرجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، وَامْرَأَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n- وَقِصّةُ الْيَهُودِيّيْن في الصَّحِيحَيْن مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر (^٧). [صحيح]\n(وعنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ - ﵄ - قالَ: رَجَم رسولُ اللهِ - ﷺ - رجلًا منْ أَسْلَمَ) يريدُ ماعزَ بنَ مالكٍ (^٨) (ورجلًا منَ اليهودِ وامرأةً) يريدُ الجُهَنيَّةَ (^٩) (رواهُ مسلمُ. وقصهُ اليهوديينِ في الصحيحينِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ)، أما حديثُ ماعزٍ والجهنيةِ فتقدَّما.\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٢/ ٤٠) بتحقيقنا، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" للزحيلي (٦/ ٦٤).\n(^٢) في (ب): \"فالجمهور\".\n(^٣) \"منهاج الطالبين\" لأبي زكريا النووي (٤/ ١٥١)، و\"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ٣٨٦) بتحقيقنا.\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ٤٢٢) بتحقيقنا.\n(^٥) سورة المائدة: الآية ٣٤.\n(^٦) فى \"صحيحه\" (٢٨/ ١٧٠١).\n(^٧) البخاري رقم (٣٧/ ٦٨٤١)، ومسلم (٢٦/ ١٦٩٩).\n(^٨) تقدم تخريج الحديث رقم (٣/ ١١٣٢).\n(^٩) انظر الحديث رقم (٨/ ١١٣٧)، المتقدِّم من كتابنا هذا.","vol":"7","page":117},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على إقامةِ الحدِّ على الكافر الذميِّ إذا زَنَى وهو قولُ الجمهورِ (^١). وذهبت المالكيةُ (^٢) ومعظمُ الحنفيةُ (^٣) إلى اشتراطِ الإسلامِ وأنهُ شرطٌ للإحصانِ الموجب للرجمِ، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٤) الاتفاقَ عليهِ وَرُدَّ قولُه بأنَّ الشافعيَّ وأحمد (^٥) لا يشترطانِ ذلكَ، ودليلُهمَا وقوعُ التصريحِ بأنَّ اليهوديينِ اللَّذينِ زَنَيَا كانَا قدْ أُحْصِنَا. وقدْ أجابَ منِ اشترط الإسلام عنِ هذا الحديثِ بأنهُ - ﷺ - إنَّما [رجَمَهُمَا] (^٦) بحكمِ التوراةِ وليسَ منْ حُكْمِ الإسلامِ في شيءٍ، وإنَّما هوَ منْ بابِ تنفيذِ الحكمِ عليْهِمَا بما في كتابِهِمَا، فإنَّ في التوراةِ الرَّجْمَ علَى المحصَنِ وعلى غيرِهِ.\nقالَ ابنُ العربيِّ (^٧): إنَّما رجَمَهُما لإقامةِ الحجَّةِ عليْهِمَا بما لا يراهُ في شَرْعِهِ معَ قولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (^٨)، ومِنْ [ثَمَّ] (^٩) استدعى شهودهم لتقومَ الحجَّةُ عليهم منْهم، وردَّه الخطابيُّ (^١٠) بأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٨) وإنَّما جاءَهُ القومُ سائلينَ الحكمَ عندَه كما دلتْ عليهِ الروايةُ فنَّبَههُم علَى ما كتمُوه منْ حكمِ التوراةِ ولا جائزَ أنْ يكونَ حكمُ الإسلامِ عندَه مخالِفًا لذلكَ لأنهُ لا يجوزُ الحكمُ بالمنسوخِ، فدلَّ على أنهُ إنَّما حكمَ بالناسخِ، انتَهى. قلْتُ: ولا يخْفَى احتمالُ القصةِ للأمريْنِ:\nوالقولُ الأولُ: مبنيٌّ علَى عدَمِ صِحَّةِ شهادةِ أهلِ الذِّمَّةِ بعضِهم على بعضٍ. والثاني: مبنيٌّ علَى جوازِه وفيهِ خلافٌ معروفٌ. وقدْ دلَّتِ القصةُ على صحةِ نكاح أهلِ الكتابِ، لأنَّ ثبوتَ الإحصانِ فرعُ ثبوتِ صِحَّتِهِ وأنَّ الكفارَ مخاطبونَ بفروعِ [الشريعةِ] (^١١) كَذَا قيلَ.\n_________\n(^١) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" وهبة الزحيلي (٦/ ٤٢ - ٤٣).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" لابن رشد (٤/ ٣٧٨)، بتحقيقنا.\n(^٣) \"شرح فتح القدير\" لابن الهمام (٥/ ٢٤).\n(^٤) \"التمهيد\" لابن عبد البر (٩/ ٨٤ - ٨٥).\n(^٥) \"منهاج الطالبين\" لأبي زكريا النووي (٤/ ١٤٦ - ١٤٧)، و\"المغني\" لابن قدامة (١٠/ ١٢٥ رقم ٧١٣٧).\n(^٦) في (أ): \"رجمها\".\n(^٧) في \"شرح صحيح الترمذي\" (٦/ ٢١٧).\n(^٨) سورة المائدة: الآية ٤٩.\n(^٩) في (ب): \"ثمة\".\n(^١٠) \"معالم السنن\" للخطابي (٦/ ٢٦٠ رقم ٤٢٨١).\n(^١١) في (ب): \"الشرائع\".","vol":"7","page":118},{"text":"قلتُ: أما الخطابُ بفروع [الشريعةِ] (^١) ففيهِ نظرٌ لتوقفِه على أنهُ حَكمَ - ﷺ - بشرْعِهِ لا بما في التوراةِ على أحَد الاحتمالَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1213>إقامة حدِّ الزنى على الضعيف</span>\n١٠/ ١١٣٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْن سَعْدِ بْن عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ بين أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهمْ، فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"اضْرِبُوهُ حَدَّهُ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذلِكَ، فَقَالَ: \"خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ثُمّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً\"، فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لَكِن اخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ. [صحيح]\n(وعنْ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ) هوَ أنصاريٌّ قالَ الواقديُّ: صحبتُه صحيحةٌ، كانَ واليًا لعليِّ بنِ أبي طالبٍ على اليمنِ (قالَ: كانَ بينَ أبياتِنا) جَمْعُ بَيْتٍ (رُوَيْجِلٌ) تصغيرُ رجلٍ (ضعيفٌ فَخَبَثَ) بالخاءِ المعجمةِ فموحدةِ فمثلثةٍ، أي فَجَرَ (بأَمَةٍ منْ إمائِهم فذكرَ ذلكَ سعد لرسولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: اضربوه حدَّه، فقالُوا: يا رسولَ اللهِ إنهُ أضعفُ منْ ذلكَ، قالَ: خذُوا عِثْكالًا) [بكسرِ العينِ فمثلثةِ] (^٣) بِزِنَةِ قِرْطَاسٍ وهوَ العِذْقُ (فيهِ مائةُ شِمراخٍ) بالشينِ المعجمةِ أوَّلَهُ وراءٍ آخرَه خاءٌ معجمةٌ بِزَنَةِ عِثْكَالٍ وهوَ غصنٌ دقيقٌ في أعلى العثكالِ (ثمَّ اضربوة بهِ ضربةً واحدةً ففعلُوا. رواهُ أحمدُ [والنسائيُّ] (^٤) وابنُ ماجْه وإسنادُه حسنٌ لكنِ اختلفُوا في وصْلهِ وإرسالِه)، قالَ البيهقيُّ (^٥): المحفوظُ عَنْ أبي أمامةَ، أي ابنِ سهلِ بنِ حنيفٍ\n_________\n(^١) في (ب): \"الشرائع\".\n(^٢) أخرجه أحمد (١٦/ ٩٩ رقم ٢٥٣ - الفتح الرباني)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣١٣ رقم ٧٣٠٩/ ١)، وابن ماجه (٢٥٧٤)، وغيرهم. وقال البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٠): هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلًا. قلت: بل هو حديث صحيح، والله أعلم. انظر تخريجنا \"للروضة الندية\" (٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٠).","vol":"7","page":119},{"text":"مرسلًا، وأخرجَهُ أحمدُ وابنُ ماجْه (^١) منْ حديثِ أبى أمامةَ عنْ سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عبادةَ موصلًا.\nوقد أَسْلَفْنا لكَ غيرَ مرةٍ أنَّ هذا ليسَ بِعِلَّةٍ قادِحةٍ بلْ روايتُه موصولةٌ زيادةً منْ ثقةٍ مقبولةً.\nوالمرادُ بالعِثْكَالِ الغصنُ الكبيرُ الذي يكونُ عليهِ أغصانٌ صغارٌ وهو للنخلِ كالعنقودِ للعنبِ وكلُّ واحدٍ منْ تلكَ الأغصانِ يُسَمَّى شِمْراخًا.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ منْ كانَ ضعيفًا لمرضٍ ونحوِه ولا يُطيقُ إقامةَ الحدِّ عليهِ بالسياط أُقِيْمَ عليهِ بما يحتملُه مجمُوعًا دُفعةً واحدةً منْ غيرِ تكرارٍ للضربِ مثلَ العثكولِ ونحوِه، وإلى هذا ذهبَ الجماهيرُ (^٢) قالُوا: ولا بدَّ أنْ يباشرَ المحدودَ جميعُ الشماريخِ ليقعَ المقصودُ منَ الحدِّ، وقيلَ يجزئُ وإنْ لم يباشرْ جميعُه وهوَ الحقُّ، فإنهُ لم يخلقِ اللهُ تعالَى العثاكيلَ مصفوفةً كلُّ واحدٍ إلى جَنْبِ الآخرِ عِرَضًا منتشرةً إلى تمامِ مائةٍ فقط، ومعَ عدمِ الانتشارِ يمتنعُ مباشرةُ كلِّ واحد منْها، فإنْ كانَ المريضُ يُرْجَى زوالُ مرضِهِ أو خِيْفَ عليهِ شدةُ حرٍّ أو بَرْدٍ أُخِّرَ الحدُّ عليهِ إلى زوالِ ما يُخَافُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1214>حكم اللواط</span>\n١١/ ١١٤٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والْمَفْعُولَ بهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ واقْتُلُوا الْبَهيمَةَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلافًا (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: مَنْ وجدتُموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ\n_________\n(^١) انظر تخريج الحديث رقم (١٠/ ١١٣٩) المتقدم.\n(^٢) انظر: \"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٤٢).\n(^٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠)، وأبو داود (٤٤٦٢)، وابن ماجه (٢٥٦١)، والترمذي (١٤٥٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٢ رقم ٣٦/ ٢١٥٩)، والبيهقي (٨/ ٢٣٢)، والحاكم (٤/ ٣٥٥)، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني أنَّ الحديث صحيح، وانظر: \"الإرواء\" رقم (٢٣٥٠).","vol":"7","page":120},{"text":"فاقتلُوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ، ومَنْ وجدتمُوهُ وقعَ علَى بهيمةٍ فاقتلُوه واقتلُوا البهيمةَ.\nرواهُ أحمدُ والأربعةُ ورجالُه موثَّقُونَ إلا أنَّ فيهِ اختلافًا). ظاهرُه أنَّ الاختلافَ في الحديثِ جميعِه لا في قولِه ومَنْ وجدتموهُ إلخ فقطْ، وذلكَ أنَّ الحديثَ قدْ رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ مفرَّقًا وهوَ مختلفٌ في ثبوتِ كلِّ واحدٍ منَ الأمريْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>أما الحكمُ الأولُ:</span> فإنهُ قدْ أخرجَ البيهقيُّ (^١) منْ حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ: \"في البكرِ يوجَدُ علَى اللوطيةِ قالَ: يُرْجَمُ\". وأخرجَ عنهُ (^٢) أنهُ قالَ: يُنْظَرُ أَعْلَى بناءٍ في القريةِ فيُرْمَى بهِ مُنَكَّسًا ثمَّ يُتْبَعُ الحجارةَ.\n<span data-type='title' id=toc-1216>وأما [الحكم] (^٣) الثاني:</span> فإنهُ أخرجَ [البيهقي (^٤) أيضًا] (^٥) عنْ عاصمِ بنِ بهدلةَ عنْ أبي رزين عنِ ابنِ عباسٍ - ﵁ - أنهُ سُئِلَ عنِ الذي يأتي البهيمةَ قالَ: لا حدَّ عليهِ، فهذَا الاختلافُ عنهُ دلَّ على أنهُ ليسَ عندَ ابن عباس سُنَّةٌ فيهما عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وإنَّما تَكَلَّمَ باجتهادِه، [كذا قيلَ في بيانِ وجْهِ قولِ المصنفِ: إنَّ فيهِ اخْتلافًا] (^٦).\nوالحديثُ فيهِ مسألتانِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1217>الأُولى:</span> فيمنْ عمِلَ عَمَل قومِ لوطٍ، ولَا ريبَ أنهُ ارتكبَ كبيرةً وفي حُكْمِها أقوالٌ [أربعة] (^٧):\n<span data-type='title' id=toc-1218>الأوَّلُ:</span> أنهُ يُحَدُّ حدَّ الزَّاني قياسًا عليهِ بجامعِ إيلاجِ محرَّمٍ في فرجٍ محرَّمٍ وهذَا قولُ الهادويةِ (^٨) وجماعةٍ منَ السلفِ والخلفِ، وإليهِ رجعَ الشافعيُّ (^٩). واعتذرُوا عنِ الحديثِ بأنَّ فيهِ مقَالًا فلا ينتهضُ على إباحةِ دمِ المسلمِ، إلَّا أنَّهُ لا يخْفَى أنَّ هذهِ الأوصافَ التي جمعُوها وجعلوها عِلَّةً لإلحاقِ اللواطِ بالزِّنَى لا دليلَ علَى عِلِّيتِها.\n<span data-type='title' id=toc-1219>والثاني:</span> يُقْتَلُ الفاعلُ والمفعولُ بهِ محصنَيْن كانَا أوْ غيرَ محصنَيْنِ للحديثِ\n_________\n(^١) و(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٣٢).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٢٣٢).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) \"البحر الزخار\" للمهدي (٥/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٩) \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٤٤).","vol":"7","page":121},{"text":"المذكورِ، وهوَ للناصرِ (^١) وقديمِ قولَيْ الشافعي (^٢) وكانَ طريقةُ الفقهاءِ أن يقولُوا في القتل فُعِلَ ولم يُنْكَرْ فكانَ إجماعَا سِيَّما معَ تكرره منْ أبي بكرٍ وعليٍّ وغيرِهِما (^٣)، وتعجَّبَ في \"المنار\" (^٤) منْ قِلَّةِ الذاهبِ إلى هذا معَ وضوحِ دليلهِ لفْظًا وبلوغِه إلى حدٍّ يُعْمَلُ بهِ سَنَدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>الثالثُ:</span> أنهُ يُحْرَقُ بالنارِ، فأخرَجَ البيهقيُّ (^٥) أنهُ اجتمعَ رأيُ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - على تحريقِ الفاعلِ والمفعولِ بهِ، وفيهِ قصةٌ وفي إسنادِه إرسالٌ.\nقالَ الحافظُ المنذريُّ (^٦): حرَّقَ اللوطيةَ بالنارِ أربعةٌ منَ الخلفاءِ: أبو بكرٍ [الصدِّيقُ] (^٧)، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، وهشام بنُ عبدِ الملكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1221>والرابعُ:</span> أنهُ يُرْمَى بهِ منْ أَعْلَى بناءٍ في القريةِ مُنكَّسًا ثمَّ يُتْبَعُ الحجارةَ. رواهُ البيهقيُّ (^٨) عنْ عليٍّ ﵇ وتقدَّمَ عنِ ابنِ عباسٍ (^٩) - ﵄ -.\n<span data-type='title' id=toc-1222>المسألةُ الثانيةُ:</span> فيمنْ أَتَى بهيمةً، دلَّ الحديثُ على تحريمِ ذلكَ وأنَّ حدَّ مَنْ يأتيْها قَتْلُهُ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (^١٠) في [آخرِ قولَيْهِ] (^١١) وقالَ: إنْ صحَّ الحديثُ قلتُ بهِ - ورُوِيَ عنِ القاسم - وذهبَ الشافعيُّ (^١٢) في [القديم] (^١٣) أنهُ يوجب حدُّ الزِّنَى قياسًا على الزَّاني. وذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ والمؤيَّدُ والناصرُ وغيرُهم (^١٤) إلى أنهُ يُعَزَّرَ فقطْ إذْ ليسَ بِزِنَى، والحديثُ قدْ تُكلِّم فيهِ بما عرفْتَ ودلَّ علَى وجوبِ قَتْلِ البهيمةِ مأكولهً كانتْ أوْ لا، وإلَى ذلكَ ذهبَ عليٌّ - ﵁ -[والشافعي (^١٥) في قول] (^١٦).\n_________\n(^١) \"الاعتصام\" (٥/ ٧٦).\n(^٢) \"المجموع\" (٢٠/ ٢٧).\n(^٣) \"موسوعة فقه أبي بكر الصديق\" قلعه جي (٢١٢)، و\"موسوعة فقه علي\" له أيضًا (٥٤٦ - ٥٤٧).\n(^٤) \"المنار في المختار\" المقبلي (٢/ ٣٨٠ رقم ٦/ ١٤٦ س ٤).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٢٣٢).\n(^٦) \"الترغيب والترهيب\" للحافظ المنذري (٣/ ٢٨٩)، وانظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٢/ ٣٦ رقم ٢٩/ ١١١٢).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٢٣٢).\n(^٩) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٢٣٢).\n(^١٠) \"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٢٧).\n(^١١) في (أ): \"قولٍ له\".\n(^١٢) \"المجموع\" للنووي (٢٠/ ٢٧).\n(^١٣) في (ب): \"قولٍ له\".\n(^١٤) \"المغني\" (١٠/ ١٥٧ رقم ٧١٦٨)، و\"الاعتصام\" (٥/ ٧٦).\n(^١٥) \"المجموع\" (٢٠/ ٣١).\n(^١٦) في (ب): \"وقولٌ للشافعي\".","vol":"7","page":122},{"text":"وقيلَ لابنِ عباسِ (^١): ما شأْنُ البهيمةِ؟ قالَ: ما سمعتُ منْ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ذلكَ شيئًا، ولكنْ [أراه] (^٢) أنهُ كَرِهَ أنْ يُؤْكَلَ منْ لحمِها أو يُنْتَفَعُ بها بعدَ ذلكَ العملِ، ويُرْوَى أنهُ قالَ في الجوابِ: إنَّها تُرَى فيقالُ هذهِ التي فُعِلَ بها ما فُعِلَ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ (^٣) إلى أنهُ يُكْرَهُ أكلُها، فظاهرُه أنهُ لا يجبُ قتلُها.\nقالَ الخطابيُّ (^٤): الحديثُ هذا مُعَارَضٌ بِنَهْيِهِ - ﷺ - عنْ قتلِ الحيوانِ إلَّا لمأْكَلِه، قالَ [الإمام] (^٥) المهدي (^٦): فيحتملُ أنهُ أرادَ عقوبَته بِقَتْلِها إنْ كانتْ لهُ وهيَ مأكولةٌ جَمْعًا بينَ الأدلَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1223>الحديث رد على من زعم نسخ التغريب</span>\n١٢/ ١١٤١ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ (^٧). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ أبا بكرٍ ضَرَبَ وغرَّبَ، [وأنَّ عمرَ ضربَ وغرَّبَ] (^٨). رواهُ الترمذيُّ ورجالُه ثقاتٌ إلَّا أنهُ اختُلِفَ في رفْعهِ ووقْفِهِ). وأخرجَ البيهقيُّ (^٩) أنَّ عليًا ﵇ جلدَ ونفَى منَ البصرةِ إلى الكوفةِ ومنَ الكوفةِ إلى البصرةِ وتقدَّم تحقيقُ ذلكَ في التغريبِ وكأنهُ ساقهُ المصنفُ ردًّا على مَنْ زَعَمَ نسخَ التغريبِ.\n_________\n(^١) رواه البيهقي (٨/ ٢٣٣).\n(^٢) في (ب): \"أرى\".\n(^٣) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٤٦)، و\"شرح فتح القدير\" (٥/ ٤٥).\n(^٤) \"معالم السنن على حاشية مختصر سنن أبي داود\" الخطابي (٦/ ٢٧٥).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) \"البحر الزخار\" المهدي (٥/ ١٤٦).\n(^٧) أخرجه الترمذي (١٤٣٨)، والبيهقي (٨/ ٢٢٣) من طرق عن عبد اللهَ بن إدريس عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر به. قال الترمذي: حديث غريب رواه غير واحد عن عبد الله بن إدريس فرفعوه، وروى بعضهم عن عبد اللهِ بن إدريس هذا الحديث عن عبيد اللهِ عن نافع من أن أبا بكر ضرب وغرَّب، وأن عمر ضرب وغرَّب. والحديث صحيح الإسناد لأن عبد اللهِ بن إدريس الأزدي ثقة محتج به في الصحيحين، وقد رواه عنه الجماعة مرفوعًا وموقوفًا، ومن رواه عنه موقوفًا لم يخالف رواية الجماعة، فإن في رواية الجماعة زيادة والزيادة مقبولة لا سيما إذا كانت من الجماعة.\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢٣).","vol":"7","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1224>تخنُّث الرجال وترجُّل النساء</span>\n١٣/ ١١٤٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الْمُخَنَّثِينَ من الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلَات مِنَ النِّسَاءِ. وَقَالَ: \"أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكِمْ\"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: لعنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - المخنَّثينَ) جَمْعُ مخنَّثِ بالخاءِ المعجمةِ فنونٍ فمثلثةٍ، اسمُ مفعولٍ أو اسمُ فاعلٍ رُوِيَ بهِمَا (منَ الرجالِ والمترجِّلاتِ منَ النساء، وقالَ: أخرجُوهُم منْ بيوتِكم. رواهُ البخاريُّ).\nاللعنُ منهُ - ﷺ - على مرتكبِ المعصيةِ [دليل] (^٢) على كِبَرِهَا، وهوَ يَحْتَمِلُ الإخبارَ والإنشاءَ كما قدَّمْنا. والمخنَّثُ منَ الرِّجالِ المرادُ بهِ منْ تشبَّهَ بالنساءِ في حركاتِهِ وكلامِهِ وغيرِ ذلكَ منَ الأُمورِ المختصَّةِ بالنساءِ، والمرادُ مَنْ تخلَّق بذلكَ لا مَنْ كانَ منْ خِلْقَتِهِ وجِبِلَّتهِ، والمرادُ بالمترجِّلَاتِ منَ النساءِ المتشبهاتُ بالرجالِ، هكَذَا وردَ تفسيرُه في حديثٍ آخرَ أخرجَهُ أبو داودَ (^٣)، وهذا دليل على تحريمِ [التشبه] (^٤) بالنساءِ وبالعكسِ.\nوقيلَ لا دلالةَ [في اللعن] (^٥) على التحريم لأنهُ - ﷺ - كانَ يأذنُ للمتخنثين بالدخولِ علَى النساءِ، وإنَّما نَفَى مَنْ سمعَ منهُ وصفَ المرأةِ بما لا يفطنُ لهُ إلَّا مَن كانَ لهُ إِرْبةٌ، فهوَ لأجلِ تتبعِ أوصافِ الأجنبيةِ.\nقلتُ: يحتملُ أنَّ مَنْ أَذِنَ لهُ كانَ ذلكَ صفةً لهُ خِلْقَةً لا تخلُّقًا، هذَا وقالَ ابنُ التِّينِ (^٦): أما منِ انتَهى في التشبُّهِ بالنساءِ منَ الرجالِ إلَى أنْ يُؤْتَى في دُبُرِهِ، وبالرجالِ منَ النساءِ إلى أنْ يَتَعاطَى السحقَ، فإنَّ لهذيْن الوصفين منَ اللَّوْمِ والعقوبةِ أشدَّ ممنْ لم يصلْ إلى ذلكَ.\n_________\n(^١) البخاري (٦٨٣٤) و(٥٨٨٥)، وأبو داود (٤٩٣٠)، (٤٠٩٧)، والترمذي (٢٧٨٥)، وأحمد (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦ و٢٢٧ و٢٣٧ و٢٥٤ و٣٣٩ و٣٦٥).\n(^٢) في (ب): \"دال\".\n(^٣) في \"السنن\" (٤٠٩٨)، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله - ﷺ - الرجلَ يلبسُ لِبسةَ المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل\"، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في (ب) \"تشبَّهِ الرجالِ\".\n(^٥) في (ب): \"للعن\".\n(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٣٣٣).","vol":"7","page":124},{"text":"قلتُ: أما مَنْ يُؤْتَى منَ الرجالِ في دُبُرِهِ فهوَ الذي سلفَ حُكْمُه قريْبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>درءُ الحدود بالشبهات</span>\n١٤/ ١١٤٣ - وَعَنْ أَبى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بإِسْنَادٍ ضعِيفٍ (^١). [ضعيف]\n- وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - بلَفْظِ: \"ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَن الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ\"، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (^٢). [ضعيف]\n- وَرَوَاهُ الْبَيْهَقيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ بلَفْظِ: ادْرَءُوأ الْحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ (^٣). [ضعيف]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ادفعُوا الحدودَ ما وجدتُم لها مَدْفعًا. أخرجَهُ ابنُ ماجهْ وسنده ضعيفٍ. وأخرجَهُ الترمذيُّ والحاكمُ منْ حديثٍ عائشةَ بلقظِ: ادرؤُا الحدودَ عنِ المسلمينَ ما استطعتُم. وهوَ ضعيفٌ أيضًا، ورواهُ البيهقيُّ عنْ عليٍّ ﵇ منْ قولِه بلفظِ: ادرؤُوا الحدودَ بالشُّبهاتِ).\nوذكَرهُ المصنفُ في \"التلخيصِ\" (^٤) عنْ عليٍّ ﵇ مرفُوعًا وتمامُه: \"ولا ينبغي\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٢٥٤٥)، قلت: وأخرجه أبو يعلى في مسنده كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٣٠٩). وهو حديث ضعيف. ضعفه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٦ رقم ٢٣٥٦).\n(^٢) في \"السنن\" (١٤٢٤)، والحاكم (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٣/ ٨٤ رقم ٨)، والبيهقي (٨/ ٢٣٨)، والخطيب في \"التاريخ\" (٥/ ٢٣١ ترجمة ٢٨٥٦)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٩/ ٥٦٩ - ٥٧٠ رقم ٨٥٥١) وفي سنده: يزيد بن زيادة الدمشقي. وهو متروك. كما قال الحافظ فى \"التقريب\" (٢/ ٣٦٤ رقم ٢٥٣).\nوالحديث ضعيف، انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٥٦ رقم ١٧٥٥).\n(^٣) البيهقي (٨/ ٢٣٨)، وفي سنده: المختار بن نافع منكر الحديث. وأخرجه الدارقطني (٣/ ٨٤ رقم ٨)، والبيهقي (٨/ ٢٣٨) من طريق آخر، وفي سنده أبي مطر مجهول.\n(^٤) (٤/ ٥٦ رقم ١٧٥٥).","vol":"7","page":125},{"text":"للإمامِ أن يعطِّلَ الحدودَ\"، قالَ: وفيهِ المختارُ بنُ نافعٍ مُنْكَرُ الحديثِ، قالَه البخاريُّ (^١)، إلا أنهُ ساقَ المصنفُ في \"التلخيصِ\" (^٢) عِدَّة رواياتٍ موقوفةٍ صحَّحَ بعضَها وهيَ تعاضدُ المرفوعَ، وتدلُّ أنَّ لهُ أصْلًا في الجملةِ.\nوفيهِ دليلٌ على أنهُ يدفعُ الحدَّ بالشبهةِ التي يجوزُ وقوعُها كدعْوى الإكراهِ، أوْ أنَّها أُتِيَتِ المرأةُ وهيَ نائمةٌ فَيُقْبَلُ قولُها ويُدْفَعُ عنها الحدُّ ولا تكلَّفُ البيِّنةَ على [ما ادَّعاه] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1226>من ألمَّ بمعصية عليه أن يستتر</span>\n١٥/ ١١٤٤ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اجْتَنِبُوا هذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتي نَهى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بهَا فَلْيَسْتَتِرْ بسَتْر اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى\"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (^٤)، وَهُوَ في الْمُوَطَّإِ مِنْ مَرَاسِيلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (^٥). [ضعيف]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: اجتنبُوا هذهِ القاذوراتِ) جمعُ قاذورةٍ، والمرادُ بها الفعلُ القبيحُ والقولُ السيءُ مما نَهَى اللهُ تعالَى عنهُ (التي نَهَى اللهُ تعالَى عنْها، فمنْ ألمَّ بها فليستترْ بسترِ اللهِ وليتبْ إلى اللهِ، فإنهُ منْ يُبدي لنا صفحتَهُ نُقِمْ عليهِ كتابَ اللهِ ﷿. رواهُ الحاكمُ) وقالَ على شرطِهمَا، (وهوَ في الموطإِ منْ مراسيلِ زيدِ بن أسلمَ)\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٦): لا أعلمُ هذا الحديثَ أُسْنِدَ بوجهٍ منَ الوجُوهِ، ومرادُه\n_________\n(^١) في \"التاريخ الصغير\" (٢/ ٨٧).\n(^٢) (٤/ ٥٦ رقم ١٧٥٥).\n(^٣) في (ب): \"ما زعمته\".\n(^٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٤٤ و٣٨٣) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قلت: وصحَّح الدارقطني في \"العلل\" إرساله. وأخرجه البيهقي (٨/ ٣٣٠) من حديث ابن عمر، وانظر: \"تخريج أحاديث إحياء علوم الدين\" رقم (٢٧١٤).\n(^٥) (٢/ ٨٢٥ رقم ١٢) وقال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. قلت: مراد ابن عبد البر بذلك حديث مالك. أما حديث الحاكم فهو مسند كما تقدم آنفًا.\n(^٦) في \"التمهيد\" (٥/ ٣٢١).","vol":"7","page":126},{"text":"بذلكَ حديثُ مالكٍ، وأما حديثُ الحاكمُ فهوَ مسندٌ معَ أنهُ قالَ إمامُ الحرمينِ في \"النهايةِ\": إنهُ صحيحٌ متفقٌ على صِحَّتِه.\nقالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهذا مما يتعجبُ منهُ العارفُ بالحديثِ، ولهُ أشباهٌ [لذلك] (^١) كثيرةٌ أوقَعُه فيها اطِّراحُه صناعةَ الحديثِ التي يَفتَقِرُ إليها كلُّ فقيهٍ وعالمٍ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ أَلمَّ بمعصيةٍ أنْ يستترَ، ولا يفضحُ نفسَهُ بالإقرارِ ويبادرُ إلى التوبةِ، فإنْ أبدَى صفحَتهُ للإمامِ - والمرادُ بها هُنَا حقيقةُ أمرِه - وجبَ على الإمامِ إقامةُ الحدِّ.\nوقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٢) مرفُوعًا: \"تعافُوا الحدودَ فيما بينَكم، فما بلغني منْ حدِّ فقَدْ وجبَ\".\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" (٤٣٧٦)، من حديث ابن عمرو بن العاص.\nقلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٧٠ رقم ٤٨٨٥ و٤٨٨٦)، وصحَّحه الحاكم (٤/ ٣٨٣) وأقرَّه الذهبي. وذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٣٠)، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أحمد (١/ ٤١٩، ٤٣٨)، والحاكم (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣) وسنده ضعيف.\nوالخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، واللهُ أعلم.","vol":"7","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1227>[الباب الثاني] باب حد القدف</span>\nالقذْفُ لغةً: الرميُ بالشيءِ، [وهو شرعًا] (^١): الرميُ بوطءٍ [محرَّم] (^٢) يُوجِبُ الحدَّ على المقذوفِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1228>ثبوت حد القذف</span>\n١/ ١١٤٥ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَة فَضُرِبُوا الْحَدَّ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (^٣). [حسن]\n(عنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: لما نَزَلَ عذْري قامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - علَى المنبرِ فذكرَ ذلكَ وتَلَا القرآنَ) منْ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ (^٤) إلى آخرِ ثماني عَشْرَةَ آيةً على إحْدَى الرواياتِ في العددِ، (فلمَّا نزلَ أمرَ برجلَيْنِ) هُمَا حسَّانُ ومسطِّحٌ (وامرأةٍ) هي حمنةُ بنتُ جحشٍ (فضُربُوا الحدَّ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةِ وأشارَ إليهِ البخاريُّ).\n_________\n(^١) في (ب): \"الشرع\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه أحمد (١٦/ ١٠٩ رقم ٢٨١ - الفتح الرباني).\nوأبو داود (٤٤٧٤)، وابن ماجه (٢٥٦٧)، والترمذي (٣١٨٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٣٢٥ رقم ٧٣٥١/ ١)، وأشار إليه البخاري في صحيحه (١٢/ ١٨١ - باب رمي المحصنات - (٤٤). وهو حديث حسن.\n(^٤) سورة النور: الآية ١١.","vol":"7","page":128},{"text":"في الحديثِ ثبوتُ حدِّ القذفِ وهوَ ثابتٌ لقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (^١) الآيةَ.\nوظاهرُه أنهُ لم يثبتِ القذفُ لعائشةَ إلَّا مِنَ الثلاثةِ المذكورينَ، وقد ثبتَ أنَّ الذي تولَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أُبيِّ بنِ سلولٍ ولكنه لم يثبتْ أنهُ جلَدَهُ - ﷺ - حدَّ القذْفِ.\nوقدْ ذكرَ ذلكَ ابنُ القيّمِ (^٢) وعدَّ أعذارًا في تركهِ - ﷺ -[لحدِّهِ] (^٣)، ولكنهُ قدْ أخرجَ الحاكمُ في الإكليلِ أنهُ - ﷺ - حدَّه منْ جملةِ القَذَفَةِ. وأما قولُ الماورديِّ أنهُ - ﷺ - لم يجلدْ أحدًا منَ القَذَفَةِ لعائشةَ، وعلَّلَهُ بأنَّ الحدَّ إنَّما يثبتُ بِبَيِّنَةٍ أوْ إقرارٍ، فقدْ ردَّ قولُه بأنهُ ثبتَ ما يوجبُه بنصِّ القرآنِ، وحدُّ القاذفِ يثبتُ بعدمِ ثبوتِ ما قذفوا بهِ ولا يحتاجُ في إثباتِه إلى بَيِّنَةٍ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ القرآنَ لم يعينْ أحدًا من القَذَفَةِ وكأنَّهُ يريدُ ما ثبتَ في تفسيرِ الآياتِ، فإنهُ ثبتَ أنَّ الذي تولَّى كِبْرَهُ عبدُ اللهِ بنُ أبي [ابن سلولٍ] (^٤) وأنَّ مُسَطِّحًا منَ القَذَفةِ وهوَ المرادُ بنزولِ قولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ (^٥) الآيةَ.\n٢/ ١١٤٦ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوّلُ لِعَانٍ كَانَ في الإسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: \"الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ\"، الحديثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعلَى، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٤.\n(^٢) في \"زاد المعاد\" (٣/ ٢٦٤).\n(^٣) في (أ): \"لجلده\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) سورة النور: الآية ٢٢.\n(^٦) أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ رقم ٦٩/ ٢٨٢٤)، بإسناد صحيح، وأخرجه ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٧٨) من طريق أبي يعلى هذه.\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٤٩٦)، والنسائي (٦/ ١٧١)، والبيهقي (٧/ ٤٠٦)، من طريقين عن عبد الأعلى، كلاهما حدثنا هشام، به.\nوأخرجه - مختصرًا - أحمد (٣/ ١٤٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٠٢). من طريقين عن وهب بن جرير.\nوأخرجه النسائي (٦/ ١٧٢ - ١٧٣) من طريق عمران بن يزيد. =","vol":"7","page":129},{"text":"وهو في البخاري نحوه مِن حديثٍ ابن عباسٍ - ﵄ - (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسِ بنِ مالكٍ: قالَ: أوَّلُ لِعَانٍ كانَ في الإسلامِ أنَّ شَرِيْكَ بنَ سحماءَ قذفَهُ هلالُ بنُ أميةَ بامرأتِه، فقال لهُ النبيُّ - ﷺ -: البيِّنَةُ وإلَّا فحدٌّ في ظَهْرِكَ. الحديثُ أخرجَهُ أبو يَعْلَى ورجالُه ثِقَاتٌ وهو في البخاريِّ نحوَهُ منْ حديثٍ ابنِ عباسٍ).\nقولُه: أولُ لِعَانٍ، قدِ اختلفتِ الرواياتُ في سببِ نزولِ آيةِ اللِّعانِ (^٢)، ففي روايةٍ أنسٍ هذهِ أَنَّها نزلتْ في قِصَّةِ هلال، وفي أُخْرَى أنَّها نزلتْ في قصةِ عُوَيْمِرٍ العجلانيِّ (^٣). ولا ريبَ أنَّ أوَّلَ لعانٍ كانَ بِنُزُولِها لبيانِ الحكمِ وجُمِعَ بينَهما بأنَّها نزلتْ في شأنِ هلالٍ وصادفَ مجيءُ عويمرٍ العجلانيِّ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.\nوالحديثُ دليلٌ على أنَّ الزوجَ إذا عجزَ عنِ البيّنةِ علَى ما ادَّعاهُ [على] (^٤) ذلكَ الأمرِ وجبَ عليهِ الحدُّ إلَّا أنهُ نُسِخَ وجوبُ الحدِّ عليهِ بالملاعنةِ، وهذا منِ نَسْخِ السُّنةِ بالقرآنِ وإنْ كانتْ آيةُ جلدِ القذفِ وهيَ قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (^٥) الآيةُ سابقةٌ نزولًا على آيةِ اللِّعانِ، فآيةُ اللِّعانِ إمَّا ناسخةٌ على تقديرِ تراخي النزولِ عندَ مَنْ يشترطُه لقذفِ الزَّوْجِ، أو مخصصةٌ إنْ لم يتراخَ النزولُ، أوْ يكون آيةُ اللعانِ قرينةٌ على أنهُ أُرِيدَ بالعمومِ في قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٥) الخصوصُ وهوَ منْ عدَا القاذفِ لزوجتِه منْ بابِ استعمالِ العامِّ في الخاصِّ بخصوصِه، كذا قيلَ.\nوالتحقيقُ أنَّ الأزواجَ القاذفينَ لأزواجِهم باقونَ في عمومِ الآيةِ، وإنَّما جعلَ اللهُ تعالَى شهادةَ الزَّوْج أربعَ شهاداتٍ باللهِ قائمةً مقامَ الأربعةِ الشهداءِ،\n_________\n= وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٠١) من طريق محمد بن كثير، كلاهما حدثنا مخلد بن الحسين بهذا الإسناد.\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٧٤٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٢٥٤)، والترمذي (٣١٧٩)، وابن ماجه (٢٠٦٧)، والدارقطني (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم ١٢٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٢٥٩ - ٢٦٠ رقم ٢٣٧٠) وقال: هذا حديث صحيح.\n(^٢) سورة النور: الآية ٦.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٧٤٥).\n(^٤) في (ب): \"من\".\n(^٥) سورة النور: الآية ٤.","vol":"7","page":130},{"text":"ولِذَا سمَى الله تعالى أيْمانَهُ شهادةً فقالَ: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ (^١) فإذا نكلَ عنِ الأَيْمانِ وجبَ جلْدُه جَلْدَ القذفِ، كما أنهُ إذا رمَى أجنبيٌّ أجنبيةً ولم يأتِ بأربعةِ شهداءَ جُلِدَ للقذفِ، فالأزواجُ باقونَ في عمومِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (^٢) داخلونَ في حُكْمهِ، ولِذَا قالَ - ﷺ -: \"البينةُ وإلَّا فحدٌّ في ظَهْرِكَ\".\nوإنَّما أنزلَ اللهُ آيةَ اللِّعانِ لإفادةِ أنهُ إذا فقدَ الزوجُ البيِّنةَ وهمْ الأربعةُ الشهداءِ فقدْ جعلَ اللهُ تعالَى عِوضَهم الأربعَ الأيمانِ، وزادَ الخامسةَ للتأكيدِ والتشديدِ، وجلْدُ الزوجِ بالنكولِ قولُ الجمهورِ (^٣)، فكأنهُ قيلَ في الآيةِ [الأُولَى] (^٤) ثمَّ لم يأتُوا بأربعةِ شهداءَ ولم يحلفُوا إنْ كانُوا أزواجًا لمنْ رمَوْا، وغايتُه أنَّها قيَّدتِ الآيةُ الثانيةُ بعضَ أفرادِ عمومِ الأُولَى بقيدٍ زائدٍ عِوَضًا عنِ القيدِ الأولِ إذا فُقِدَ الأولُ، واللهُ أعلمُ.\n٣/ ١١٤٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ في الْقَذْفِ إلَّا أَرْبَعِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ (^٥) وَالثَّوْرِيُّ في جَامِعِهِ. [مرسل]\n\n<span data-type='title' id=toc-1229>ترجمة عبد الله بن عامر</span>\n(وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ) (^٦) هوَ أبو عمرانَ (^٧) عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٤.\n(^٢) سورة النور: الآية ٦.\n(^٣) انظر: \"بداية المجتهد\" (٣/ ٢٢٤) بتحقيقنا، و\"الفقه الإسلامي وأدلته\" للزحيلي (٧/ ٥٧٧).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"الموطأ\" (٢/ ٨٢٨ رقم ١٧). و\"الموطأ\" برواية أبي مصعب (١٧٧٨). قلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩/ ٤٣٨ رقم ١٣٧٩٤).\n(^٦) هو عبد اللهِ بن عامر بن ربيعة العنزي أبو محمد المدني حليف بني عدي، ولد في عهد\nالنبي - ﷺ -، وتوفي سنة بضع وثمانين. وقال ابن معين: لم يسمع من النبي - ﷺ -، وقال الترمذي في \"الصحابة\" - (٣٦٤) -: رأى النبي - ﷺ - وهو غلام صغير - روى عنه حرفًا وإنما روايته عن أصحاب النبي - ﷺ -. [\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨ رقم ٤٦٦). وتسمية أصحاب رسول اللهِ - ﷺ - للترمذي].\n(^٧) أما أبو عمران فهو عبد اللهِ بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي المقري الدمشقي، ولد سنة (٢١ هـ)، ومات سنة (١١٨ هـ)، وكان قليل الحديث. =","vol":"7","page":131},{"text":"القارئُ الشاميُّ، كانَ عالمًا ثقةً حافِظًا لما رواهُ، في الطبقةِ الثانيةِ منَ التابعينَ، أحدُ القراءِ السبعةِ. رَوى عنْ واثلةَ بنِ الأسقعِ وغيرِه، وقرأَ القرآنَ على المغيرةِ بنِ شهابٍ المخزوميِّ عنْ عثمانَ بنِ عفَّانَ، وُلِدَ سنةَ إحْدَى وعشرينَ منَ الهجرةِ وماتَ سنةَ ثماني عشرةَ ومائةٍ.\n(قالَ: لقدْ أدركتُ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ومَنْ بعدَهم فلمْ أرَهُم يضربونَ المملوكَ) ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثَى (في القذفِ إلَّا أربعينَ. رواهُ مالكٌ والثوري في جامِعِهِ).\nدَلَّ على أنَّ رأيَ من ذكرَ تنصيفَ حدِّ القذفِ على المملوكِ، ولا يخْفَى أنَّ النصَّ وردَ في تنصيفِ حدِّ الزِّنَى في الإماءِ لقوله تعالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^١) فكأنَّهم قاسُوا عليهِ حدَّ القذفِ في الأَمَةِ إنْ كانتْ قاذفةً، وخصَّصُوا بالقياسِ عمومَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (^٢)، ثمَّ قاسُوا العبدَ على الأَمَةِ في تنصيفِ الحدِّ في الزِّنَى والقذفِ بجامعِ الملْكِ [وهو] (^٣) علَى رأْي مَنْ يقولُ بعدمِ دخولِ المماليكِ في العموماتِ لا تخصيصَ، إلَّا أنهُ مذهبٌ مردودٌ في الأصولِ، وهذَا مذهبُ الجماهيرِ (^٤) منْ علماءِ الأمصارِ.\nوذهبَ ابنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (^٥) إلى أنهُ لا ينصَّف حد القذف على العبد لعموم الآية، وكأنهم لا يرون العمل بالقياس كما رأْيُ الظاهريةِ (^٦).\nوالتحقيقُ أنَّ القياسَ غيرُ تامٍّ هُنَا لأنَّهم جعلُوا العِلَّةَ في إلحاقِ العبدِ بالأَمَةِ المُلْكَ، ولا دليلَ على أنهُ العلَّةُ إلَّا ما يدَّعونَهُ منَ السَّبرِ والتقسيمِ، والحقُّ أنهُ ليسَ منْ مسالكِ العلَّةِ، وأيُّ مانعٍ منْ كونِ الأنوثةِ جزءَ العلَّة لنقصِ حدُّ الأَمَةِ لأنَّ الإمَاءَ يُمْتَهَنَّ ويُغْلَبْنَ، ولِذَا قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ\n_________\n= [تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١ رقم ٤٧٠)].\nقلت: وبذلك يتضح وهم الأمير الصنعاني ﵀ في ترجمة \"عبد اللهِ بن عامر\"، فظنه أبا عمران هذا. ولكنه أبو محمد المدني الذي قدَّمنا ترجمته آنفًا.\n(^١) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(^٢) سورة النور: الآية ٤.\n(^٣) في (ب): \"و\".\n(^٤) \"المجموع\" (٢٠/ ٥٣).\n(^٥) \"المجموع\" (٢٠/ ٥٣)، وانظر: \"موسوعة فقه عبد الله بن مسعود\" قلعه جي (٤١٥).\n(^٦) \"المحلَّى\" ابن حزم (١١/ ٣٣٩ رقم ٢٢٠٥).","vol":"7","page":132},{"text":"غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١)، أي لهنَّ، ولم يأتِ مثلُ ذلكَ في الذكورِ إذْ لا يغلَبُونَ على أنفسِهمْ، وحينئذٍ نقولُ إنهُ لا يُلْحَقُ العبدُ بالأَمَةِ في تنصيفِ حدِّ الزِّنَى ولا القذفِ وكذلكَ الأَمَةُ لا يُنَصَّفُ لها حدُّ القذفِ بلْ تحد له كالحرة ثمانينَ جلدةً، ودَعْوى الإجماعِ علَى تنصيفِه في حدِّ الزِّنى غيرُ صحيحةٍ لخلافِ داودَ [وغيره (^٢)] (^٣)، وأما في القذفِ فقدْ سمعتَ الخلافَ منهُ ومنْ غيرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1230>لا يُحد المالك إذا قذف مملوكه</span>\n٤/ ١١٤٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كمَا قَالَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ قذفَ مملوكَهُ يُقَامُ عليهِ الحدُّ يومَ القيامةِ إلَّا أنْ يكونَ كما قالَ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ علَى أنهُ لا يُحَدُّ المالكُ في الدُّنيا إذا قذفَ مملوكَه وإنْ كانَ داخلًا تحت عمومِ آيةِ القذفِ (^٥) بناءً على أنهُ لم يردْ بالإحصانِ الحريةَ ولا التزوُّجَ، وهو لفظٌ مشتركٌ يطلَقُ على الحرِّ والمحصَنِ والمسلمِ لأنهُ - ﷺ - أخبرَ أنهُ يحدُّ لِقذْفِه [مملوكَه] (^٦) يومَ القيامةِ، ولو وجبَ حدُّه في الدنيا لم يجَبْ عليه الحد يومَ القيامةِ، إذْ قدْ وردَ أنَّ هذهِ الحدودَ كفاراتٌ لِمَنْ أقيمتْ عليهِ وهذا إجماعٌ.\nوأما إذا قذفَ العبدُ غيرَ مالكِه فإنهُ [أيضًا] (^٧) أجمعَ العلماءُ (^٨) علَى أنهُ لا يحدُّ قاذفُه إلَّا أمُّ الولدِ ففيها خلافٌ، فذهبَ الهادويةُ والشافعيةُ وأبو حنيفةَ (^٩)\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٣٣.\n(^٢) \"الإمام داود الظاهري وأثره\"، عارف أبو عيد (٦٦٩).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠)، وأبي داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٧) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٢/ ٤٣١ و٥٠٠). و\"السنن الكبرى\"، النسائي (٤/ ٣٢٥ رقم ٧٣٥٢/ ١) وقال: هذا حديث جيد.\n(^٥) سورة النور: الآية ٤.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) \"المجموع\" (٢٠/ ٥٤).\n(^٩) \"الاعتصام\" (٥/ ٩١)، و\"المجموع\" (٢٠/ ٥٥)، و\"شرح فتح القدير\" ابن الهمام (٥/ ١٠٣).","vol":"7","page":133},{"text":"[إلى] (^١) أنهُ لا حدَّ أيضًا على قاذفِها لأنَّها أيضًا مملوكةٌ قبلَ موتِ سيِّدِهَا، وذهبَ مالكٌ والظاهريةُ (^٢) إلى أنهُ يحدُّ وصحَّ ذلكَ عنِ ابنِ عمرَ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"إلا\".\n(^٢) \"المدونة\" (٦/ ٢٢٩)، و\"المحلَّى\" (١١/ ٢٧٢).\n(^٣) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٥ رقم ٧٣٥٣/ ٢).","vol":"7","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1231>[الباب الثالث] باب حد السرقة</span>\n<span data-type='title' id=toc-1232>نصاب حدِّ السرقة</span>\n١/ ١١٤٩ - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا في رُبع دِينَار فَصَاعِدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١). [صحيح]\n(عنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: لا تقْطَعُ يدُ السارقِ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فصاعِدًا) نُصِبَ على الحالِ ويستعملُ بالفاءِ وبثمَّ ولا يُأْتى بالواوِ، وقيلَ معناهُ ولو زادَ لم يكنْ إلَّا صاعِدًا فهوَ حالٌ مؤكِّدةٌ (متفقٌ عليهِ، واللفظ لمسلم)، ولفظُ البخاريِّ: [تُقْطَعُ] (^٢) يدُ السارقِ في رُبْعِ دينارٍ فَصَاعِدًا، وفي روايةٍ لأحمدَ، أي عنْ عائشةَ وهوَ:\n٢/ ١١٥٠ - وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ:، تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ في رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا\"، وَفي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ: \"اقْطَعُوا في رُبْعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيما هُوَ أَدْنَى مِنْ ذلِكَ\" (^٣). [صحيح]\n(اقطَعُوا في رُبْعِ دينارٍ ولا تقطعُوا فيما هوَ أَدْنَى منْ ذلكَ)، إيجابُ حدِّ السرقةِ\n_________\n(^١) البخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١/ ١٦٨٤). قلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٨٠ رقم ٤٩٢٩ و٤٩٣٠)، وابن ماجه (٢٥٨٥).\n(^٢) في (أ): \"يقطع\".\n(^٣) البخاري (٦٧٨٩)، وأبو داود (٤٣٨٤)، والترمذي (١٤٤٥)، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (٦/ ٣٦ و٨٠ و١٦٣ و٢٥٢)، و\"الموطأ\" (٢/ ٨٣٢ رقم ٢٤).","vol":"7","page":135},{"text":"ثابتٌ بالقرآنِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^١) الآيةَ، ولم يذكرْ في القرآنِ نصابُ ما يقطعُ فيهِ، فاختلفَ العلماءُ في مسائلَ:\nالأُولَى: هلْ يُشْتَرَطُ النصابُ أَوْ لا؟ ذهبَ الجمهورُ (^٢) إلى اشتراطِه مستدلِّينَ بهذِه الأحاديثِ الثابتةِ، وذهبَ الحسنُ والظاهريةُ والخوارجُ (^٣) إلى أنهُ لا يشترطُ بلْ يُقْطَعُ في القليلِ والكثيرِ لإطلاقِ الآيةِ، ولمَا أخرجَهُ البخاريُّ منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ البيضةَ فتقطعُ يدُه، وَيَسْرِقُ الحبلَ فَتُقْطَعُ يدُه\" (^٤).\nوأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ مطلقةٌ في جنسِ المسروقِ وقَدْرِهِ والحديثُ بيانٌ لها، وبأنَّ المرادَ منْ حديثِ البيضةِ غيرُ القطعِ بِسَرِقَتِها بلْ الإخْبَارُ بتحقيرِ شأنِ السارقِ وخسارةِ ما ربحَه منَ السرقةِ وهوَ أنهُ إذا تعاطَى هذهِ الأشياءَ الحقيرةَ وصارَ ذلكَ خُلُقًا لهُ جَرَّأَهُ علَى سرقةِ ما هوَ أكثرُ منْ ذلكَ مما يبلغُ قدرُه ما يقطعُ بهِ، فليحذرْ هذا القليلَ قبلَ أنْ تملكَه العادةُ فيتعاطَى سرقةَ ما هوَ أكثرُ منْ ذلكَ، ذكرَ هذا الخطابيُّ (^٥) وسبقَه ابنُ قتيبةَ (^٦) إليهِ، ونظيرُه حديثُ: \"مَنْ بَنَى للهِ مسجِدًا ولو كَمفْحَصِ (^٧) قطاةٍ\" (^٨)، وحديثُ: \"تصدَّقي ولو بظلِفِ (^٩) محرقٍ\" (^١٠).\nومنَ المعلومِ أنَّ مِفْحَصَ القطاةِ لا يصحُّ تسبيلُه ولا التصدقُ بالظلفِ المحرقِ لعدمِ الانتفاعِ بهمَا، فما قصدَ - ﷺ - إلَّا المبالغةَ في الترهيبِ من السرقة.\nالثانيةُ: اختلفَ الجمهور (^١١) في قَدْرِ النصابِ بعدَ اشتراطِهم لهُ على أقوالٍ بلغتْ إلى عشرينَ قولًا، والذي قامَ الدليلُ عليهِ منْها قولانِ:\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٢) \"بداية المجتهد\" ابن رشد (٤/ ٤٠١).\n(^٣) \"موسوعة فقه الحسن\" قلعه جي (٢/ ٥٢٧)، و\"المحلَّى\" ابن حزم (١١/ ٣٥١)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠١).\n(^٤) البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (٧/ ١٦٨٧)، وأحمد (٢/ ٢٥٣)، والنسائي (٨/ ٦٥)، وابن ماجه (٢٥٨٣)، و\"البيهقي\" (٨/ ٢٥٣).\n(^٥) و(^٦) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٢ رقم ٦٧٨٣).\n(^٧) محلها ومبيضها الذي خصصته وكشفته، \"مختار الصحاح\" (ص ٢٠٦).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٣)، وأحمد (١/ ٢٤١)، والبيهقي (٢/ ٤٣٧).\n(^٩) الظَّلْفُ للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل، \"مختار الصحاح\" (ص ١٧٠).\n(^١٠) انظره في: \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٣).\n(^١١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠١) بتحقيقنا.","vol":"7","page":136},{"text":"الأولُ: أنَّ النصابَ الذي تُقْطَعُ بهِ ربعُ دينارٍ منَ الذهبِ وثلاثةُ دراهمَ منَ الفضةِ، وهذَا مذهبُ فقهاءِ الحجازِ والشافعيُّ وغيرِهم (^١) مستدلِّينَ بحديثِ عائشةَ المذكورِ (^٢)، فإنهُ بيانٌ لإطلاقِ الآيةِ. وقدْ أخرجَهُ الشيخانِ كما سمعتَ وهوَ نصٌّ في رُبعِ الدينارِ، قالُوا: والثلاثةُ الدراهمِ قيمتُها ربعُ دينارٍ، ولما يأتي مِنْ أنهُ - ﷺ - قطعَ في مجنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ قالَ الشافعيُّ (^٣): إنَّ الثلاثةَ الدراهمِ إذا لم تكنْ قيمتُها ربعَ دينارٍ لم توجب القَطْعَ. واحْتُجَّ لهُ أيضًا بما أخرجَه ابنُ المنذرِ (^٤) أنَهُ أُتِيَ عثمانُ بسارقٍ سرقَ أُتْرُجَّةَ قُوِّمَتْ بثلاثةِ دراهمَ منْ حسابِ الدينارِ باثْني عشرَ فقطعَ. وأخرجَ أيضًا (^٥) أنَّ عليًا ﵇ قطعَ في ربعِ دينارٍ كانتْ قيمتُه [درهميْنِ] (^٦) ونِصْفًا.\nوقالَ الشافعيُّ (^٧): ربعُ الدينارِ موافقٌ الثلاثةَ الدراهمِ، وذلكَ أنَّ الصَّرْفَ علَى عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - اثنا عشرَ دِرْهمًا بدينارٍ، وكانَ كذلكَ بعدَهُ، ولِهَذَا قُوِّمَتِ الديةُ اثني عشرَ ألفًا منَ الورِقِ وألفَ دينارٍ منَ الذهبِ.\nالقولُ الثاني: للهادويةِ وأكثرِ فقهاءِ العراقِ (^٨) أنهُ لا يوجبُ القطعَ إلَّا سرقةُ عشَرَةِ دراهمَ، ولا يجبُ في أقلَّ مِنْ ذلكَ. واستدلُّوا لذلكَ بما أخرجَه البيهقيُّ والطحاويُّ منْ طريقِ محمدِ بنِ إسحاقَ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ (^٩) أنهُ كانَ ثمنُ المِجَنِّ علَى عَهْدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - عشَرةَ دراهمَ.\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢) بتحقيقنا.\n(^٢) انظر تخريج الحديث رقم (١/ ١١٤٩) من كتابنا هذا.\n(^٣) \"المجموع\" (٢٠/ ٨١).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٧).\n(^٥) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٧).\n(^٦) في (أ): \"درهمان\".\n(^٧) \"المجموع\" (٢٠/ ٨١).\n(^٨) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٥)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٢) بتحقيقنا.\n(^٩) أخرجه أبو داود (٤٣٨٧)، والنسائي (٨/ ٨٣)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٦٣)، والدارقطني (٣/ ١٩٢ رقم ٣٢٣)، والحاكم (٤/ ٣٧٨)، والبيهقي (٨/ ٢٥٧). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nوقلت: فيه عنعنة محمد بن إسحاق، ولكن للحديث شواهد بمعناه. منها: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: \"كان ثمن المجن على عهد رسول الله - ﷺ - عشرة دراهم\".\nأخرجه النسائي (٨/ ٨٤)، وفيه أيضًا عنعنة ابن إسحاق، ولكن له شواهد بمعناه.","vol":"7","page":137},{"text":"ورَوَى أيضًا محمدُ بنُ إسحاقَ منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه مِثْلَه (^١)، قالُوا: وقدْ ثبتَ في الصحيحينِ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (^٢): \"أنهُ - ﷺ - قطعَ في مجنٍّ\"، وإنْ كانَ فيهمَا أنَّ قيمتَه ثلاثةُ دراهمَ، لكنَّ هذهِ الروايةَ قدْ عارضتْ روايةَ الصحيحينِ والواجبُ الاحتياطُ فيما يُسْتَبَاحُ بهِ العضوُ المحرَّمُ قطْعُه إلَّا بحقِّه، فيجبُ الأخذُ بالمتيقَّنِ وهوَ الأكثرُ، قالَ ابنُ العربي (^٣): ذهبَ سفيانُ الثوريُّ معَ جلالتِه في الحديثِ إلى أنَّ القطْعَ لا يكونُ إلَّا في عشرةِ دراهمَ، وذلكَ أنَّ اليدَ محرَّمةٌ بالإجماعِ فلا تستباحُ إلَّا بما أجمعَ عليهِ، والعشرةُ متفقٌ على القطعِ بها عندَ الجميعِ فيتمسكُ بها ما لم يقعِ الاتفاقُ على دونِ ذلكَ.\nقلتُ: قدِ استُفيدَ منْ هذهِ الرواياتِ الاضطرابُ في قَدْرِ قيمةِ المجنِّ منْ ثلاثةِ دراهمَ أو عَشْرةٍ أوْ غيرِ ذلكَ مما وردَ في قدْرِ قيمتِه، وروايةُ رُبْعِ دينارِ في حديثِ عائشةَ (^٤) صريحةٌ في المقدارِ فلا يقدِمُ عليها ما فيهِ اضطرابٌ، على أنَّ الراجحَ أنَّ قيمةَ المجنِّ ثلاثةُ دراهمَ لما يأتي منْ حديثِ ابنِ عمرَ (^٥) المتفقِ عليهِ وباقي الأحاديثِ المخالفةِ لا تقاومُه سَنَدًا. وأما الاحتياطُ بعدَ ثبوتِ الدليلِ فهوَ في اتباعِ الدليلِ لا فيما عدَاهُ، علَى أنَّ روايةَ التقديرِ لقِيْمَةِ المجنِّ بالعشرةِ جاءتْ منْ طريقِ ابنِ إسحاقَ (^٦) ومنْ طريقِ عمروِ بنْ شُعَيْبٍ (^٧) وفيهمَا كلامٌ معروفٌ، وإنْ كُنَّا لا نَرى القدْحَ في ابنِ إسحاقَ بما ذكرُوْهُ كما قرَّرْنَاهُ في مواضعَ أُخَرَ.\nالمسألةُ الثالثةُ: اختلفَ القائلونَ بشرطيةِ النِّصابِ فيما يقدَّرُ بهِ غيرُ الذهبِ والفضةِ، فقالَ مالكٌ (^٨) في المشهورِ: يَقوَّمُ بالدراهمِ لا بُربْعِ الدينارِ، يعني إذا\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٨/ ٨٤). وقد تقدم في التعليقة السابقة.\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (٦/ ١٦٨٦)، وأبو داود (٤٣٨٥)، والنسائي (٨/ ٧٦)، والترمذي (١٤٤٦)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٣١ رقم ٢١) وغيرهم.\n(^٣) \"عارضة الأحوذي\" ابن العربي (٦/ ٢٢٦).\n(^٤) انظر تخريج الحديث رقم (١/ ١١٤٩) من كتابنا هذا.\n(^٥) سيأتي تخريجه في الحديث رقم (٣/ ١١٥١) من كتابنا هذا.\n(^٦) تقدم تخريجه في التعليقة رقم (١).\n(^٧) تقدم تخريجه في التعليقة رقم (٢).\n(^٨) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٢) بتحقيقنا.","vol":"7","page":138},{"text":"اختلفَ صرفُهما مثلُ أنْ يكونَ رُبْعَ دينارٍ صرفَ درهمينِ مثلًا. وقالَ الشافعيُّ (^١): الأصلُ في تقويمِ الأشياءِ هوَ الذهبُ لأنهُ [أصل الجواهر] (^٢) في الأرضِ كلِّها، قالَ الخطابيُّ (^٣): ولِذلكَ فإنَّ الصِّكاكَ القديمةَ كانَ يُكْتَبُ فيها عشرةُ دراهمَ وزنُ سبعةِ مثاقيلَ، فعُرِفَت الدراهمُ بالدنانيرِ وحُصِرتْ بها حتَّى قالَ الشافعيُّ (^٤): إنَّ الثلاثةَ الدراهمِ إذا لم تكن قيمتُها رُبْعَ دينارٍ لم توجبِ القطعَ كما قدَّمنا.\nوقالَ بقولِ الشافعي في التقويمِ أبو ثورٍ والأوزاعيُّ وداودُ (^٥)، وقالَ أحمدُ (^٦) بقولِ مالكٍ (^٧) في التقويمِ بالدراهمِ، وهذانِ القولانِ في قدْرِ النصابِ تفرُّعًا عنِ الدليلِ كما عرفتَ. وفي البابِ أقوالٌ كما قدَّمنَا لم ينهضْ لها دليلٌ فلا حاجةَ إلى شغلِ الأوراقِ [بها] (^٨) والأوقاتِ [بالقالِ والقيلِ] (^٩).\n٣/ ١١٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَطَعَ في مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١٠). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قطعَ في ثمن مجنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهمَ. متفقٌ عليهِ). المِجَنُّ بكسرِ الميمِ وبالجيمِ: الترسُ، مِفْعَلٌ منَ الاجتنانِ وهوَ الاستتارُ والاختفاءُ، كُسِرَتْ ميمُه لأنهُ آلةٌ في الاستتارِ قالَ:\nوكانَ مِجنِّي دونَ مَنْ كنتُ أتَّقِي … ثلاثَ شخوصٍ كاعِبانِ [ومعصيرِ] (^١١)\nوقد عرفتَ مما مضى أنَّ الثلاثةَ الدراهمِ ربْعُ دينارٍ، ويدلُّ لهُ قولُه: وفي روايةٍ لأحمدَ (^١٢): \"ولا تقطعُوا فيما هوَ أَدْنَى منْ ذلكَ\" بعدَ أنْ ذكرَ القطعَ في ربْعِ\n_________\n(^١) \"المجموع\" (٢٠/ ٨١).\n(^٢) في (ب) \"الأصل في جواهر\".\n(^٣) \"معالم السنن\" الخطابي (٦/ ٢٢٠).\n(^٤) \"المجموع\" (٢٠/ ٨١).\n(^٥) \"فقه الإمام أبي ثور\" سعدي أبو جيب (٧٢٨ - ٧٢٩)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٢) بتحقيقنا.\n(^٦) \"المغني\" (١٠/ ٢٣٨).\n(^٧) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٢) بتحقيقنا.\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (٦/ ١٦٨٦). قلت: وأخرجه أبو داود (٤٣٨٥)، والنسائي (٨/ ٧٦)، ومالك (٢/ ٨٣١ رقم ٢١)، والترمذي (١٤٤٦).\n(^١١) في (ب): \"معصَر\".\n(^١٢) أحمد (٦/ ٣٦ و٨٠ و١٦٣ و٢٥٢)، وانظر تخريج الحديث رقم (٢/ ١١٥٠) من كتابنا هذا.","vol":"7","page":139},{"text":"دينار، ثمَّ أخبرَ الراوي هُنَا أنهُ - ﷺ - قطعَ في ثلاثةِ دراهمَ، ما ذاكَ إلَّا [أنَّها] (^١) ربْعُ دينارٍ إلَّا لنا في قولِه: \"ولا تقطعُوا فيما هوَ أدنَى منْ ذلكَ\"، وقولُه هُنَا: \"قيمتُه\" هذا هوَ المعتَبَرُ، أعني القيمةَ. ووردَ في بعضِ ألفاظِ هذا الحديثِ عند الشيخَيْنِ (^٢) بلفظِ: \"ثمنهُ ثلاثةُ دراهمَ\"، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٣): المعتَبَرُ القيمةُ، وما وردَ في بعضِ الرواياتِ مِنْ ذِكْرِ الثَّمنِ فكأنهُ لتساوْيهِمَا عندَ الناسِ في ذلكَ الوقتِ أوْ في عُرْفِ الراوي أوْ باعتبارِ الغلَبَةِ، وإلَّا فلوِ اختلفتِ القيمةُ والثمنُ الذي شَرَاهُ بهِ مالِكُه لم [تعتبر] (^٤) إلا القيمةُ.\n٤/ ١١٥٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لعنَ الله السارقَ يسرقُ البيضةَ فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحبلَ فتقطعُ يدُه. متفقٌ عليهِ).\nتقدَّم أنهُ منْ أدلَّةِ الظاهريةِ (^٦)، ولكنه مُؤَوَّلٌ بما ذكرَ قريبًا، والموجبُ تأويلهِ ما عرفْتَهُ منْ قولِه في المتَّفَقِ عليهِ: \"لا تُقْطَعُ يدُ السارقِ إلَّا في ربْعِ دينارٍ\" (^٧)، وقولِه فيما أخرجَهُ أحمدُ (^٨): \"ولا تقطعُوا فيما هوَ أدنَى منْ ذلكَ، فتعيَّنَ تأويلُه بما ذكرنَاهُ.\nوأما تأويلُ الأعمشِ (^٩) لهُ بأنهُ أُرِيْدَ بالبيضةِ بيضةُ الحديدِ وبالحبْلِ حبلُ السفنِ، فغيرُ صحيحٍ، لأنَّ الحديثَ ظاهرٌ في التهجينِ علَى السارقِ لتفويتِه العظيمِ بالحقيرِ. قيلَ: فالوجْهُ في تأويلِه أنَّ قولَه: فتقطعُ، خَبَرٌ، لا أمرٌ ولا فِعْلٌ، وذلكَ\n_________\n(^١) في (ب): \"لأنها\".\n(^٢) البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (٦/ ١٦٨٦).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٥).\n(^٤) في (ب): \"يعتبر\".\n(^٥) البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم (٧/ ١٦٨٧). قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٣)، والنسائي (٨/ ٦٥)، وابن ماجه (٢٥٨٣)، والبيهقي (٨/ ٢٥٣).\n(^٦) \"المحلى\" (١١/ ٣٥١).\n(^٧) انظر تخريج الحديث رقم (١/ ١١٤٩).\n(^٨) انظر تخريج الحديث رقم (٢/ ١١٥٠).\n(^٩) \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٢).","vol":"7","page":140},{"text":"ليسَ بدليلٍ [على القطع] (^١) لجوازِ أن يريدَ - ﷺ - أنهُ يقطعُه مَنْ لا يراعي النصابَ أو بشهادةٍ على النصابِ، ولا يصحُّ إلا دونَه أو نحوَ ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1233>الشفاعة في الحدود</span>\n٥/ ١١٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَتَشْفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ \"، ثُمّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَ سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ\" مُتُّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفظُ لِمُسْلِم، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - بِقَطْعِ يَدِهَا (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ:) مخاطِبًا لأسامةَ (أتشفعُ في حدٍّ منْ حدودِ اللهِ، ثمَّ قامَ فاختطبَ فقالَ: أيُّها النَّاسُ إنَّما أهلكَ الذينَ منْ قبلِكُم أنَّهم كانُوا إذا سرقَ فيهمُ الشريفُ تركُوه، وإذا سرقَ فيهمُ الضعيفُ أقامُوا عليهِ الحدَّ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ، ولهُ) [أي لمسلمٍ] (^٣) (منْ وجْهٍ آخرَ عنْ عائشةَ: كانتِ امرأةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه فأمرَ النبيُّ - ﷺ - بِقَطْعِ يدِها).\nالخطابُ في قولِه: أتشفعُ، لأسامةَ بنِ زيدٍ كما يدلُّ لهُ ما في البخاري (^٤): \"أنَّ قريشًا أهمَّتْهم المرأةُ المخزوميةُ التي سرقتْ، قالُوا: منْ يكلِّمُ رسولَ اللهِ - ﷺ - ومَنْ يجترئُ عليهِ إلَّا أسامةُ حِبُّ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فكلَّمَ رسولَ اللهِ - ﷺ - فقال له: أتشفعُ، الحديثَ\". وهذا استفهامُ إنكارٍ وكأنهُ قدْ سبقَ علمُ أسامةَ بأنهُ لا شفاعةَ في حدٍّ.\nوفي الحديثِ مسألتانِ:\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٢/ ٦٧٨٨)، ومسلم (٨/ ١٦٨٨)، و(١٠/ ١٦٨٨)، وأبي داود (٤٣٧٣)، والترمذي (١٤٣٠)، والنسائي (٨/ ٧٣ - ٧٤)، وأحمد (٦/ ١٦٢)، وابن ماجه (٢٥٤٧)، والبيهقي (٨/ ٢٥٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ٢٠١)، رقم (١٨٨٣٠)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٧٠).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) البخاري (٦٧٨٨).","vol":"7","page":141},{"text":"الأُولى: النَّهْيُ عنِ الشفاعةِ في الحدودِ. وترجمَ البخاريُّ كراهة الشفاعةِ في الحدِّ إذا رُفِعَ إلى السلطانِ، وقدْ دلَّ لما قيَّدَهُ منْ أنَّ الكراهةَ بعدَ الرفعِ ما في بعضِ رواياتِ هذَا الحديثِ، فإنهُ - ﷺ - قالَ لأسامةَ لما تشفَّعَ: \"لا تشفعْ في حدٍّ فإنَّ الحدودَ إذا انتهتْ إليَّ فليستْ بمتروكةٍ\" (^١). وأخرجَ أبو داودَ (^٢) منْ حديثِ عمروِ بنِ شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ يرفعُه: \"تعافُّوا الحدودَ فيما بينَكم، فما بلغني منْ حدٍّ فقدْ وجبَ\"، وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٣). وأخرجَ أبو داودَ والحاكمُ وصحَّحَهُ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (^٤) قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"منْ حالتْ شفاعتُه دونَ حدٍّ منْ حدودِ اللهِ فقدْ ضادَّ اللهَ في أمْرِه\". وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^٥) منْ وجْهٍ أصحَّ عنِ ابنِ عمرَ موقُوفًا، وفي الطبرانيِّ (^٦) منْ حديثِ أبي هريرة مرفُوعًا بلفظِ: \"فقدْ ضادَّ اللهَ في مُلْكِهِ\".\nوأخرجَ الدارقطنيُّ (^٧) منْ حديثِ الزبيرِ موصولًا بلفظِ: \"اشفعُوا ما لم يصلْ إلى الوالي، فإذا وصلَ إلى الوالي فعفَا فلا عفَا اللهُ عنهُ\". وأخرجَ الطبرانيُّ (^٨) عنْ عروةَ بنِ الزبيرِ قالَ: \"لقي الزبيرُ سارقًا فشفعَ فيهِ، فقيلَ: حتَّى يبلغَ الإمامَ، فقالَ: إذا بلغَ الإمامَ فلعنَ اللهُ الشافعَ والمشفِّعَ\"، قيلَ: وهذا الموقوفُ هوَ المعتمدُ. [وتأتي] (^٩) قصةُ الذي سرقَ رداءَ صفوانَ ورفعَه إليه - ﷺ - ثمَّ أرادَ\n_________\n(^١) انظره في \"فتح الباري\" (١٢/ ٨٧)، وقال: هو في مرسل حبيب بن أبي ثابت.\n(^٢) في السنن (٤٣٧٦)، والنسائي (٨/ ٧٠ رقم ٤٨٨٦)، والدارقطني (٣/ ١١٣ رقم ١٠٤).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٣)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت: وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٣، وأبو داود (٣٥٩٧)، وأحمد (٥٣٨٥ و٥٥٤٤) شاكر. وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"المصنف\" ٩/ ٤٦٥ - ٤٦٦ رقم ٨١٢٨)، والبيهقي (٨/ ٣٣٢).\n(^٦) \"المعجم الكبير\" الطبراني (١٢/ ٢٧٠ - ٢٧١ رقم ١٣٠٨٤) و(١٢/ ٣٨٨ رقم ١٣٤٣٥) عن ابن عمر.\n(^٧) في \"السنن\" (٣/ ٢٠٥ رقم ٣٦٥) وفي \"المصنف\" لابن أبي شيبة (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٥ رقم ٨١٢٤)، والبيهقي في \"السنن\" (٨/ ٣٣٣).\n(^٨) \"الروض الداني\" (١/ ١١١ رقم ١٥٨)، والدارقطني (٣/ ٢٠٥ رقم ٢٦٤)، و\"الموطأ\" (٢/ ٨٣٥ رقم ٢٩).\n(^٩) في (أ): \"ويأتي\".","vol":"7","page":142},{"text":"[صفوان] (^١) أنْ لا يقطعَه فقالَ - ﷺ -: \"هلَّا قَبْلَ أنْ تأتِيني بهِ\" (^٢)؟ يأتي منْ أخرجَهُ.\nوهذهِ الأحاديثُ متعاضدةٌ على تحريمِ الشفاعةِ بعدَ البلوغِ إلى الإمام وأنهُ يجبُ على الإمام إقامةُ الحدِّ، وادَّعى ابنُ عبدِ البرِّ (^٣) الإجماعَ على ذلكَ ومثلُه في \"البحر\" (^٤)، ونقلَ الخطابيُّ (^٥) عنْ مالكٍ أنهُ فرَّقَ بينَ مَنْ عُرِفَ بأذيةِ الناسِ وغيرِه فقالَ: لا يشفعُ في الأولِ مطْلقًا وفي الثاني تحسنُ الشفاعةُ قبلَ الرفعِ، وفي حديثٍ عنْ عائشةَ: \"أقيلُوا ذوي الهيئاتِ زلَّاتهم إلَّا في الحدودِ\" (^٦)، ما يدلُّ على جوازِ الشفاعةِ في التعزيراتِ لا في الحدودِ، ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٧) الاتفاقَ على ذلكَ.\nالمسألةُ الثانيةُ: في قولهِ: \"كانتِ امرأةٌ تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه\"، وأخرجَهُ النسائي (^٨) بلفظٍ: استعارتِ امرأةٌ على ألسنةِ ناسٍ يُعرفونَ وهي لا تُعرفُ، فباعتْه وأخذتْ ثمَنهُ. [وأخرجَهُ] (^٩) عبدُ الرزاقِ (^١٠) بسندٍ صحيحٍ إلى أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ امرأةً جاءتْ فقالتْ: \"إنَّ فلانةَ تستعيرُ حُلِيًّا فأعارتْها إياه فمكثتْ لا تراهُ فجاءتْ إلى التي [استعارتها تسألها] (^١١) فقالتْ: ما [استعرت منها] (^١٢) شيْئًا، فرجعتْ إلى الأُخْرى فأنكرتْ، فجاءتْ إلى النبيِّ - ﷺ - فدعَاها فسألَها فقالتْ: والذي بعثكَ بالحقِّ ما استعرتُ منْها شيْئًا، فقالَ: اذهبُوا إلى بَيْتِها تجدُوه تحتَ فِرَاشِها فأتوهُ وأخذُوه فأمرَ بها فَقُطِعَتُ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه النسائي (٨/ ٦٩)، وابن الجارود رقم (٨٢٨)، والشافعي (٢/ ٨٤ رقم ٢٨٧)، وأحمد (٣/ ٤٠١)، وأبو داود (٤٣٩٤)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، والحاكم (٤/ ٣٨٠)، والبيهقي (٨/ ٢٦٥) من طرق. وهو حديث صحيح. صححه الألباني في \"الإرواء\" (رقم ٢٣١٧).\n(^٣) \"التمهيد\" ابن عبد البر (١١/ ٢٢٤).\n(^٤) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦).\n(^٥) \"معالم السنن\" الخطابي (٦/ ٢١٣).\n(^٦) أبو داود (٤٣٧٥)، وأحمد (٦/ ١٨١)، والدارقطني (٣/ ٢٠٧ رقم ٣٧٠)، والبيهقي (٨/ ٣٣٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في \"التمهيد\" (١١/ ٢٢٤).\n(^٨) في \"السنن\" (٨/ ٧٣ رقم ٤٨٩٨).\n(^٩) في (أ): \"وأخرج\".\n(^١٠) في \"المصنف\" (١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣ رقم ١٨٨٣٢).\n(^١١) في (ب): \"استعارت لها فسألتها\".\n(^١٢) في (ب): \"ما استعرتك شيئًا\".","vol":"7","page":143},{"text":"والحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يجبُ القطعُ على جاحد العاريةِ، وهوَ مذهبُ أحمدَ وإسحاقَ والظاهريةِ (^١)، ووجْهُ دلالةِ الحديثِ علَى ذلكَ واضحةٌ، فإنهُ - ﷺ - رتَّبَ القطْعَ علَى جَحْدِ العاريةِ.\nوقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٢): إنهُ لا يثبتُ الحكمُ المرتَّبُ على الجحُودِ حتَّى يتبيَّنَ ترجيحُ روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ جاحدَةً على روايةِ مَنْ رَوَى أنَّها كانتْ سارقةً، وذهبَ الجماهيرُ (^٣) أنهُ لا يجبُ القطعُ في جحْدِ العاريةِ.\nقالُوا: لأنَّ الآيةَ في السارقِ، والجاحدُ لا يُسَمَّى سارِقًا. وردَّ هذَا ابنُ القيِّم (^٤) وقالَ: إنَّ الجحْدَ داخلٌ في اسمِ السرقةِ.\nقلتُ: أما دخولُ الجاحدِ تحتَ لفظِ السارقِ لغةً فلا تساعدُ عليهِ اللغةُ، وأما الدليلُ فثبوتُ قَطْعِ الجاحدِ بهذَا الحديثِ.\nقالَ الجمهورُ (^٥): وحديثُ المخزوميةِ قدْ وردَ بلفظِ أنَّها سرقتْ منْ طريقِ عائشةَ وجابرٍ وعروةَ بنِ الزبيرِ ومسعودِ بنِ الأسودِ، أخرجَهُ البخاريُّ ومسلم والبيهقي وغيرُهُمْ (^٦) مصرِّحًا بذكرِ السرقةِ، قالُوا: فقدْ تقرَّرَ أنَّها سرقتْ، وروايةُ جَحْدِ العاريةِ لا تدلُّ علَى أنَّ القطْعَ كانَ لها، بلْ إنَّما ذكرَ جَحْدَها العاريةَ [لأنه] (^٧) قدْ صارَ خُلُقًا لها معرُوفًا، فَعُرِفَتِ المرأةُ بهِ، والقطعُ كانَ للسرقةِ، وهذَا خلاصةُ ما أجابَ بهِ الخطابيُّ (^٨) ولا يخْفَى تكلُّفُه، ثمَّ هوَ مبنيٌّ على أنَّ المعبَّرَ عنهُ امرأةٌ واحدةٌ، وليسَ في الحديثِ ما يدلُّ على ذلكَ، لكنْ في عبارةِ المصنفِ (^٩) ما يُشعِرُ بذلكَ، فإنهُ جعلَ الذي ذكرهُ ثانيًا روايةً وهوَ يقتضي منْ حيثُ الإشعارُ العاديُّ\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٢٣٦)، و\"المحلَّى\" (١١/ ٣٦٢).\n(^٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٢).\n(^٣) \"المغني\" (١٠/ ٢٣٦).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٢).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٠) بتحقيقنا.\n(^٦) تقدَّم تخريجه قريبًا، انظر الحديث رقم (٥/ ١١٥١)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٠) بتحقيقنا.\n(^٧) في (أ): \"لأنها\".\n(^٨) انظر: \"معالم السنن\" الخطابي (٦/ ٢٠٩ - ٢١٢ رقم ٤٢٠٨).\n(^٩) انظر نص الحديث رقم (٥/ ١١٥٣).","vol":"7","page":144},{"text":"أنَّهما حديثٌ واحدٌ، أشارَ إليهِ ابنُ دقيقِ العيدِ (^١) في \"شرح العُمْدَةِ\"، والمصنفُ هُنَا صنَعَ ما صنَعَهُ صاحبُ العمدَةِ في سياقِ الحديثِ ثمَّ قالَ الجمهورُ (^٢): ويؤيدُ ما ذهبنَا إليهِ الحديثُ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>عقاب الخائن والمختلِس والمنتهِب</span>\n٦/ ١١٥٤ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ (^٣). [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعنْ جابرٍ - ﵁ - عنِ النبيِّ - ﷺ -: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ ولا منتهبٍ ولا مختلِس قَطْعٌ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ)، قالُوا: وجاحدُ العاريةِ خائِنٌ ولا يخْفَى أنَّ هذَا عامٌّ لكلِّ خائنٍ ولكنَّه [مخصوص] (^٤) بجاحدِ العاريةِ، ويكون القطعُ فيمَنْ جحدَ العاريةَ لا غيرِه منَ الخونةِ.\nوقدْ ذهبَ بعضُ العلماءِ (^٥) إلى أنهُ يُخَصُّ القطعُ بمَنِ استعارَ على لسانِ غيرِهِ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٢).\n(^٢) انظر: \"الدراري المضيئة\" (٢/ ٣٧٠) بتحقيقنا.\n(^٣) أحمد (٣/ ٣٨٠)، والدارمي (٢/ ١٧٥)، وأبو داود (٤٣٩١، و٤٣٩٢ و٤٣٩٣)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي (٨/ ٨٨ و٨٩)، وابن ماجه (٢٥٩١)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ١٧١)، والبيهقي (٨/ ٢٧٩)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ١٥٣)، وابن حبان (ص ٣٦٠ رقم ١٥٠٢ - الموارد).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال الشيخ عبد القادر الأرنؤوط في \"جامع الأصول\" (٣/ ٥٧٠): \"وفيه تدليس أبي الزبير قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": \"وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، وصرَّح بسماع أبي الزبير من جابر وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف عند ابن ماجه (٢٥٩٢)، بإسناد صحيح بنحو حديث الباب، وعن أنس عند ابن ماجه أيضًا والطبراني في \"الأوسط\" - كما في \"التلخيص\" (٤/ ٦٦) - وعن ابن عباس عند ابن الجوزي في \"العلل\" وضعَّفه. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، ولا سيما بعد تصحيح الترمذي وابن حبان لحديث الباب\" اهـ. قلت: والخلاصة أن الحديث صحيح.\n(^٤) في \"ب\" مخصص.\n(^٥) انظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٩٩) بتحقيقنا، و\"المحلَّى\" (١١/ ٣٥٨)، و\"المغني\" (١٠/ ٢٣٦).","vol":"7","page":145},{"text":"مخادِعًا للمستعَارِ منهُ ثمَّ تصرَّفَ في العاريةِ وأنكرَها لمَّا طُولِبَ بها، قالَ: فإنَّ هذا لا يُقْطَعُ بمجرَّدِ الخيانةِ بَلْ لمشاركةِ السارقِ في أخذِ المالِ خِفْيَةً.\nوالحديثُ فيهِ كلامٌ كثيرٌ للعلماءِ [الحديثِ] (^١) وقد صحَّحَهُ مَنْ سمعتَ، وهذا [دل] (^٢) على أنَّ الخائنَ لا قطعَ عليهِ.\nوالمرادُ (بالخائنِ) الذي يضمرُ ما لا يظهرهُ في نفسِه، والخائنُ هنا هوَ الذي يأخذُ المالَ خِفْيةً منْ مالكِهِ معَ إظهارهِ لهُ النصيحةَ والحِفْظَ. والخائنُ أعمُّ، فإنَّها قدْ تكونُ الخيانةُ في غيرِ المالِ ومنهُ خائنةُ الأعينِ وهيَ مسارقَةُ [النظر] (^٣) بِطَرْفِهِ ما لا يحلُّ لهُ [النظر إليه] (^٤).\n(والمنتهِبُ) المغيرُ، منَ النهبةِ وهي الغارةُ والسلبُ، وكأنَّ المرادَ هنَا ما كانَ على جهةِ الغلَبةِ والقهرِ. (والمختلِس) السالبُ، من اختلَسهُ إذا سلَبهُ.\nواعلمْ أنَّ العلماءَ اختلفُوا في شرطيةِ أنْ تكونَ السرقةُ في حِرْزٍ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ وهوَ قولٌ للناصرِ والخوارجُ (^٥) إلى أنهُ لا يشترطُ لعدمِ ورودِ الدليلِ باشتراطهِ منَ السنَّةِ لإطلاقِ الآيةِ، وذهبَ غيرُهم (^٦) إلى اشتراطهِ مستدلِّينَ بهذَا الحديثِ، إذْ مفهومُه لزومُ القطعِ فيما أُخِذَ بغيرِ ما ذُكِرَ وهوَ ما كانَ عنْ خفيةٍ، وأُجِيْبَ بأنَّ هذا مفهومٌ ولا تثبُتُ بهِ قاعدةٌ يقيدُ بها القرآنُ، ويؤيدُ عدمَ إعتبارِه أنهُ - ﷺ - قطعَ يدَ مَنْ أخذَ رداءَ صفوانَ (^٧) منْ تحتِ رأسِه منَ المسجدِ الحرامِ وبأنهُ - ﷺ - قطعَ يدَ المخزوميةِ (^٨)، وإنَّما كانتْ تجحدُ ما تستعيرُه.\nوقالَ ابنُ بطَّالٍ (^٩): الحِرْزُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ لغةً، فإنْ صحَّ فلا بدَّ منَ التوفيقِ بينَه وبينَ ما ذُكِرَ مما لا يدلُّ على اعتبار الحرزِ، فالمسألةُ كما تَرى والأصلُ عدمُ الشرطِ، وأنا أستخيرُ اللهَ تعالى وأتوقفُ حتَّى يفتحَ اللهُ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"دال\".\n(^٣) في (ب): \"الناظر\".\n(^٤) في (ب): \"نظره\".\n(^٥) \"المغني\" (١٠/ ٢٤٦ رقم ٧٢٥٧)، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٥)، و\"الدراري المضيئة\" (٢/ ٣٦٤).\n(^٦) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٤) بتحقيقنا.\n(^٧) أخرج الحديث النسائي (٨/ ٦٨ رقم ٤٨٧٨ و٤٨٧٩، و٤٨٨٠)، وتقدم تخريجه قريبًا.\n(^٨) تقدم تخريجه قريبًا، وانظر: \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٠) بتحقيقنا.\n(^٩) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٨).","vol":"7","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1235>سرقة الثمر والكثر</span>\n٧/ ١١٥٥ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَديج - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كثَرٍ\"، رَوَاهُ الْمَذْكُورُونَ، وَصَحّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (^١). [صحيح]\n(وعنْ رافعِ بنِ خديجٍ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: لا قطعَ في ثمرٍ) - في النهاية: الثمر هو الرطب ما دام على رأس النخلة فإذا قطع فهو الرطب، قال: ويقع على كل الثمار - (ولا كَثَرٍ) بفتحِ الكافِ وفتحِ المثلثةِ: جُمَّارُ النخلِ وهوَ شحمُه الذي في وسطِ النخلةِ كما في \"النهايةِ\"، (رواهُ المذكورونَ) وهمْ أحمدُ والأربعةُ (وصحَّحَه أيضًا الترمذيُّ وابن حِبَّانَ) كما صحَّحَا ما قبلَه.\nقالَ الطحاويُّ (^٢): الحديثُ تلقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ. والثمرُ المرادُ بهِ ما كانَ معلَّقًا في النخلِ قبلَ أنْ يُجَذَّ ويُحْرَزَ، وعلى هذَا تأوَّلَهُ الشافعيُّ وقالَ (^٣): وحوائطُ المدينةِ ليستْ بحرزٍ وأكثرُها تُدْخَلُ منْ جوانِبها. والثمرُ اسمٌ جامعٌ للرطبِ واليابسِ منَ الرطبِ والعنبِ وغيرِهما كما في \"البدرِ المنير\" (^٤).\nوأما الكَثَرُ فوقَعَ تفسيرُه في روايةٍ النسائيِّ (^٥) بالجُمَّارِ، والجُمَّارُ بالجيمِ آخرَه راءٌ بِزِنَةِ رُمَّانٍ، وهوَ شحْمُ النخلِ الذي في وسطِ النخلةِ كما في \"النهاية\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤) و(٤/ ١٤٠، ١٤٣)، و(٥/ ١٤٠ و١٤١)، وأبو داود (٤٣٨٨)، والنسائي (٨/ ٨٦، ٨٧)، وابن ماجه (٢٥٩٤)، والترمذي (١٤٤٩)، وابن حبان في \"الموارد\" رقم (١٥٠٥)، ومالك (٢/ ٨٣٩ رقم ٣٢)، والدارمي (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٨/ ٢٦٢)، والبيهقي في \"بيان خطأ من أخطأ على الشافعي\" (ص ٢٧٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦٢ رقم ٤٣٣٩ - ٤٣٥٢)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٣/ ٣٩١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٣١٧ - ٣١٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٢)، وهو حديث صحيح صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٤١٤).\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" الطحاوي (٣/ ١٧٢ - ١٧٣)، وانظر: \"مختصر البدر المنير\"، ابن الملقن (٢٤٩ رقم ١٨٩٣).\n(^٣) \"الأم\" الشافعي (٦/ ١٤٤).\n(^٤) \"مختصر البدر المنير\" لابن الملقن (٢٤٩ رقم ١٨٩٣).\n(^٥) النسائي (٨/ ٨٧ - ٨٨ رقم ٤٩٦٧).\n(^٦) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" ابن الأثير (١/ ٢٩٤).","vol":"7","page":147},{"text":"والحديثُ فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يجب القطع في سرقة الثَّمرِ والكثَرِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ على ظهرِ المنبتِ لهُ أوْ قدْ جُذَّ، وإلى هذَا ذهبَ أبو حنيفةَ.\nقالَ في \"نهاية المجتهدِ\" (^١): قالَ أبو حنيفةَ (^٢): لا قطعَ في طعامٍ ولا فيما أصلُهُ مباحٌ كالصيدِ والحطبِ والحشيشِ، وعمدتُه في [منع] (^٣) القطع في الطعامِ الرطبِ قولُه - ﷺ -: \"لا قطعِ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ\"، وعندَ الجمهورِ (^٤) [أنهُ] (^٥) يقطعُ في كلِّ [محرَزٍ] (^٦) سواءٌ كان على أصْلهِ باقيًا أو قدْ جُذَّ، وسواء كان أصلُه مباحًا كالحشيشِ ونحوِه أوْ لَا، قالُوا: لعمومِ الآيةِ والأحاديثِ الواردةِ في اشتراطِ النصابِ.\nوأما حديثُ: (لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرَ) فقالَ الشافعيُّ (^٧): إنهُ أخرج على ما كانَ عليهِ عادةُ أهلِ المدينةِ منْ عدمِ إحرازِ حوائطِها فتركَ القطعَ لعدمِ الحرزِ، فإذا أُحْرِزَتِ الحوائطُ كانتْ كغيرِهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1236>اعتراف السارق</span>\n٨/ ١١٥٦ - وَعَنْ أَبي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ - ﵁ - قَالَ: أُتيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِلصِّ قَدْ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ\"؟ قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، فَأَمَرَ بهِ، فَقُطِعَ. وَجيءَ بِهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِر اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ\"، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: \"اللَّهُمّ تُبْ عَلَيْهِ - ثَلَاثًا\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائيُّ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^٨). [ضعيف]\n_________\n(^١) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٧) بتحقيقنا.\n(^٢) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٧٣).\n(^٣) في (ب): \"يجوز\".\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٧) بتحقيقنا.\n(^٥) في (أ): \"أن\".\n(^٦) في (أ): \"محروز\".\n(^٧) \"الأم\" (٦/ ١٤٤)، والطحاوي (٣/ ١٧٢).\n(^٨) أبو داود (٤٣٨٠)، وأحمد (٥/ ٢٩٣)، والنسائي (٨/ ٦٧ رقم ٤٨٧٧). قلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٥٩٧)، والدارمي (٢/ ١٧٣)، والبيهقي (٨/ ٢٧٦)، وهو حديث ضعيف ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٤٢٦).","vol":"7","page":148},{"text":"(وعنْ أبي أميةَ المخزوميِّ - ﵁ -) لا يُعْرَفُ لهُ اسمٌ، عِدادُه في أهلِ الحجازِ، ورَوَى عنهُ أبو المنذرِ مولَى أبي ذرٍّ هذَا الحديثَ (قالَ: أُتيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بِلِصٍّ قدِ اعترفَ اعترافًا ولم يوجَدْ معَة متاعٌ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ما إخالكَ) بكسر الهمزة فخاء معجمة، أي أظنك (سرقتَ، قالَ: بلى، فأعادَ عليهِ مرتيْنِ أوْ ثلاثًا فأَمرَ بهِ فقُطِعَ، وجيءَ بهِ فقالَ: استغفرِ اللهِ وتبْ إليهِ، فقالَ: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ، فقالَ: اللهمَّ تبْ عليهِ، ثلاثًا. أخرجَه أبو داودَ واللفظُ لهُ، وأحمد والنسائيُّ ورجالُه ثِقَاتٌ).\nقالَ الخطابيُّ (^١): في إسنادِه مقالٌ، والحديثُ إذا رواهُ مجهولٌ لم يكنْ حجَّةً [ولم] (^٢) يجبِ الحكمُ بهِ. قالَ عبدُ الحق: أبو المنذرِ المذكورُ في إسنادهِ لم [يروه] (^٣) عنهُ إلَّا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ (^٤).\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي للإمامِ تلقينُ السارقِ الإنكارَ. وقدْ رُوِيَ أنهُ - ﷺ - قالَ لسارقٍ: \"أسرقْتَ؟ قلْ: لا\" (^٥)، قال الرافعيُّ (^٦): لم يصحِّحُوا هذا الحديثَ، قالَ الغزاليُّ (^٧): قولُه: قلْ لا، لم يصحِّحْه الأئمةُ. ورَوَى البيهقيُّ (^٨) موقُوفًا على أبي الدرداءِ أنهُ أتيَ بجاريةٍ سرقتْ فقالَ لها: أسرقتِ؟ قولي: لا، فقالتْ: لا، فخلَّى سبيلَها، ورَوَى عبدُ الرزاقِ (^٩) عنْ عمرَ أنهُ أُتيَ برجل سرقَ فسألَه: أسرقتَ؟ قلْ: لا، فقالَ: لا، فتركَه. وساقَ رواياتٍ عنِ الصحابةِ دالةٍ على التلقينِ.\nواختُلِفَ في إقرارِ السارقِ، فذهبتِ الهادويةُ وأحمدُ وإسحاقُ (^١٠) إلى أنهُ لا\n_________\n(^١) \"معالم السنن\" الخطابي (٦/ ٢١٧ رقم ٤٢١٥).\n(^٢) في (أ): \"ولا\".\n(^٣) في (ب): \"لم يرو\".\n(^٤) انظر في: \"معالم السنن\" (٦/ ٢١٨).\n(^٥) لم أره عن النبي - ﷺ -، ولا عن أبي بكر، إلا أن في مصنف عبد الرزاق (١٠/ ٢٢٤ رقم ١٨٩١٩ و١٨٩٢٠) عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: كان من مضى يؤتى إليهم بالسارق، فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمَّى أبا بكر وعمر. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٦٧).\n(^٦) و(^٧) \"التلخيص الحبير\" ابن حجر (٤/ ٦٧).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٦).\n(^٩) \"المصنف\" (١٠/ ٢٢٤ رقم ١٨٩٢٠).\n(^١٠) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٢)، و\"المغني\" (١٠/ ٢٨٨ رقم ٧٣١٣).","vol":"7","page":149},{"text":"بدَّ في ثبوتِ السرقةِ بالإقرارِ منْ إقرارِه مرتينِ، وكأنَّ هذَا [الحديث] (^١) دليلُهم، ولا دلالةَ فيهِ لأنهُ خرجَ مَخْرَجَ الاستثباتِ وتلقينُ المسقطِ، ولأنهُ تردَّدَ الراوي هلْ مرتيْنِ أو [ثلاث] (^٢)، وكانَ طريقُ الاحتياطِ لهمْ أنْ يشرطوا الإقرارَ ثلاثًا ولم يقولُوا بهِ. وذهبَ الفريقانِ وغيرُهم (^٣) إلى أنهُ يكفي الإقرارُ مرة واحدةً كسائرِ الأقاريرِ، ولأنَّها قدْ وردتْ عِدَّةُ رواياتٍ لم يُذْكرْ فيها اشتراطُ عددِ الإقرارِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>حسم القطع</span>\n٩/ ١١٥٧ - وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، فَسَاقَهُ بمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: \"اذْهَبُوا بهِ فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ\". وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: لَا بَأْسَ بإِسْنَادِهِ (^٤). [ضعيف]\n(وأخرجَهُ) أي حديثَ أبي أميةَ (الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - فساقَهُ بمعناهُ وقالَ فيهِ: اذهبُوا بهِ فاقطعُوه ثمَّ احسِمُوهُ) بالمهملتينِ (وأخرجَهُ البزارُ أيضًا) منْ حديثِ أبي هريرةَ (وقالَ: لا بأسَ بإسنادِهِ). الحديثُ دليل على وجوب حسمٍ ما قُطِعَ، والحسمُ الكيُّ بالنارِ، أي يكونُ محلَّ القطْعِ لينقطعَ الدمُ، لأنَّ منافِذ الدمِ تنسدُّ وإذا تُرِكَ فربَّما استرسلَ الدمَ فيؤدي إلى التلفِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"ثلاثًا\".\n(^٣) انظر: \"الروضة الندية\" (٢/ ٦٥١) بتحقيقنا، و\"الدراري المضيئة\" (٢/ ٣٦٦) بتحقيقنا.\n(^٤) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨١)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. وسكت عليه الذهبي والبزار (٢/ ٢٢٠ رقم ١٥٦٠) - كشف. والدارقطني (٣/ ١٠٢ رقم ٧١) وقال: وقد رواه الثوري عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن النبي - ﷺ - مرسلًا. اهـ. وقال الزيلعي في \"نصب الراية\": كذلك رواه أبو داود في \"المراسيل\" - رقم (٢٤٤) - عن الثوري به مرسلًا. ورواه عبد الرزاق في \"مصنفه\" - رقم (١٨٩٢٣) - أخبرنا ابن جريج، والثوري به مرسلًا، ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في \"غريب الحديث\" - (٢/ ٢٥٨) - حدثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن خصيفة به أيضًا مرسلًا. قال: ولم يسمع بالحسم في قطع السارق عن النبي - ﷺ - إلا في هذا الحديث. ورواه إبراهيم الحربي في كتابه \"غريب الحديث\". وقال: الحسم أن يكوى لينقطع الدم. وكذلك قال أبو عبيد، وقال ابن القطان في \"كتابه\": ويزيد بن خصيفة هو منسوب إلى جده، فإنه يزيد بن عبد الله بن خصيفة. وهو ثقة بلا خلاف\" اهـ. وانظر: \"إرواء الغليل\" رقم (٢٤٣١)، والخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"7","page":150},{"text":"وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ يأمرُ بالقطعِ والحسمِ الإمامُ وأجرةُ القاطعِ والحاسمِ منْ بيتِ المالِ، وقيمةُ الدواءِ الذي يحسمُ بهِ منهُ لأنَّ ذلكَ واجبٌ على غيرِه.\nفائدةٌ: منَ السنَّةِ أنْ تُعلَّقَ يدُ السارقِ في عُنُقِهِ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (^١) بسندهِ منْ حديثٍ فضالةَ بنِ عبيدٍ: \"أنهُ سُئِلَ: أرأيتَ تعليقَ يدِ السارقِ في عنقهِ منَ السنَّةِ! قالَ: نعمْ رأيتُ النبيَّ - ﷺ - قطعَ سارِقًا ثم أمرَ بيدِه فَعُلِّقتْ في عنقهِ\". وأخرجَ بسندهِ أنَّ عليًا (^٢) ﵇ قطعَ سارِقًا فمرَّ بهِ ويدُه معلَّقةٌ في عنقهِ، وأخرجَ عنهُ أيضًا (^٣) أنهُ أقرَّ عندَه سارقٌ مرتيْنِ فقطعَ يدَهُ وعلَّقَها في عنقهِ، قالَ الراوي: فكأني أنظرُ إلى يدِه تَضْربُ صدْرَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1238>لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد</span>\n١٠/ ١١٥٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لا يَغْرَمُ السارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ\". رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَبَيّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ (^٤). [ضعيف]\n_________\n(^١) و(^٢) و(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٥).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٩٢ - ٩٣ رقم ٤٩٨٤) وقال: هذا مرسل. وليس بثابت. وأخرجه الدارقطني (٣/ ١٨٢ رقم ٢٩٦) وقال: المسور بن إبراهيم لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، فإن صحَّ إسناده فهو مرسل، قال: وسعد بن إبراهيم: مجهول، وقال ابن القطان: وصدق فيما قال.\nورواه البزار في \"مسنده\" (٣/ ٢٦٧ رقم ١٠٥٩) بلفظ: \"لا يضمن السارق سرقته بعد إقامة الحد\". وقال: وهدا الحديث مرسلًا عن عبد الرحمن، لأن المسور بن إبراهيم لم يلق عبد الرحمن.\nوذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٥٢ رقم ١٣٥٧): ونقل عن أبيه بأنه قال: هذا حديث منكر ومسور لم يلق عبد الرحمن هو مرسل أيضًا.\nورواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٢٢) وقال: لم يروه عن سعد إلا يونس. ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٧) وقال: فهذا حديث مختلف فيه عن المفضل فروى عنه كذا، وروى عنه عن يونس عن الزهري عن سعد، وروى عنه عن يونس عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور … إلخ.\nوانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، و\"معرفة السنن والآثار\" (١٢/ ٤٢٣ =","vol":"7","page":151},{"text":"(وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: لا يُغْرَمُ السارقُ إذا أُقِيمَ عليهِ الحدُّ. رواهُ النسائيُّ وبيَّنَ أنهُ منقطعٌ، وقالَ أبو حاتمٍ: هوَ مُنْكَرٌ)، رواهُ النسائيُّ منْ حديثِ المسورِ بنِ إبراهيمَ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ والمسورُ لم يدركْ جدَّه عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ. قالَ النسائيُّ (^١): هذا مرسلٌ وليسَ بثابتٍ، وكذَا أخرجَهُ البيهقيُّ (^٢) وذكرَ له علةً أخْرَى.\nوفي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ العينَ المسروقةَ إذا تلفتْ في يدِ السارقِ لم يغرمْها بعدَ أنْ وجبَ عليهِ القطعُ سواءٌ أتلفَها قبلَ القطعِ أو بعدَهُ، وإلى هذا ذهبت الهادويةُ ورواهُ أبو يوسفَ عنْ أبي حنيفةَ (^٣). وفي \"شرح الكنز\" (^٤) علَى مذهبهِ تعليلُ ذلكَ بأنَّ اجتماعَ حقَّيْنِ في حقٍّ واحدٍ مخالِفٌ للأصولِ، فصارَ القطعُ [عوضًا] (^٥) منَ الغُرمِ ولِذلكَ إذا ثنَّى [السرقة فيما] (^٦) قُطِعَ بهِ لم يُقْطَعْ.\nوذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ وآخرونَ وروايةٌ عنْ أبي حنيفةَ (^٧) إلى أنهُ يُغْرَمُ لقولِه - ﷺ -: \"على اليدِ ما أخذتْ حتَى تؤدِّيَهُ\" (^٨)، وحديثُ عبدِ الرحمنِ هذَا لا تقومُ بهِ حُجَّةٌ معَ ما قيلَ فيهِ، ولقولهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٩)،\n_________\n= رقم ١٧٢٣٧)، و\"العلل\" للدارقطني (٤/ ٢٩٤ س ٥٧٥). وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^١) \"السنن\" (٨/ ٩٣).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٧).\n(^٣) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٤)، و\"المغني\" (١٠/ ٢٧٤ رقم ٧٢٩٣).\n(^٤) انظره في: \"كشف الحقائق شرح كنز الدقائق\" للشيخ عبد الحكيم الأفغاني (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).\n(^٥) في (ب): \"بدلًا\".\n(^٦) في (ب): \"سرقة\".\n(^٧) \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٧٧)، و\"المغني\" (١٠/ ٢٧٤ رقم ٧٢٩٣)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤١٠ - ٤١١) بتحقيقنا.\n(^٨) أبو داود (٩٠/ ٣٥٦١)، والترمذي (٣٩/ ١٢٦٦)، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١٥/ ٢٤٠٠)، والنسائي (٣/ ٤١١ رقم ٥٧٨٣/ ٣)، وأحمد (٥/ ٨ و١٣)، والحاكم (٢/ ٤٧)، كلهم من حديث الحسن عن سمرة، والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط البخاري، وقال الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٤٩): هو صحيح وعلى شرط البخاري لو أن الحسن صرَّح بالتحديث عن سمرة. فخلاصة القول: أن الحديث ضعيف. وقد ضعَّفه الألباني. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٥٣).\n(^٩) سورة البقرة: الآية ١٨٨.","vol":"7","page":152},{"text":"\"ولا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بطيبةٍ منْ نفسهِ\" (^١)، ولأنهُ اجتمعَ في السرقةِ حقَّانِ حقٌّ للهِ تعالَى وحقٌّ للآدميِّ فاقتضَى كلُّ [واحد] (^٢) موجِبَه، ولأنهُ قام الإجماعُ أنهُ إذا كانَ [المال] (^٣) موجُودًا بِعَيْنِهِ أُخِذَ منهُ فيكونُ إذا لم يوجْد في ضمانهِ قياسًا علَى سائرِ الأموالِ الواجبةِ.\nوقولُه: اجتماعُ الحقَّيْنِ مخالِفٌ للأصولِ، دعْوى غيرُ صحيحةٍ، لأن الحقَّيْنِ مختلفانِ، فالقطِع لحكمة الزجرِ، والتغريمُ [تفويت] (^٤) حقِّ الآدميِّ كما في الغصْبِ، ولا يَخْفى قوةُ هذا القولِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1239>اشتراط الحرز</span>\n١١/ ١١٥٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَن التَّمْرِ الْمُعَلَّق، فَقَالَ: \"مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيءٍ مِنْهُ\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٣/ ٢٦ رقم ٩١)، وفيه الحارث بن محمد الفهري مجهول. قاله الحافظ في \"التلخيص\" (٣/ ٤٦). وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٥ رقم ٨٨) وفيه داود بن الزبرقان وهو متروك الحديث. وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٥ رقم ٨٧) عن ابن عباس. وأحمد في \"المسند\" - مطولًا - (٥/ ٧٢ - ٧٣).\n• وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) وقال: \"رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي، وثَّقه أبو داود وضعَّفه ابن معين، وفيه علي بن زيد وفيه كلام\" اهـ. وفي \"السنن\" للدارقطني (٣/ ٢٦ رقم ٩٢) وفيه علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف قاله الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (٣/ ٤٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٠) من طريق ابن وهب: عبد الرحمن بن سعد، وقال البيهقي: عبد الرحمن هو ابن سعد بن مالك، وسعد بن مالك: هو أبو سعيد الخدري، ورواه أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان فقال عبد الرحمن بن سعيد وهذه الرواية وصلها البيهقي (٩/ ٣٥٨)، ثم ذكر أن ابن وهب قال: عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حميد.\n• وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (١٣/ ٣١٦ رقم ٥٩٧٨)، وانظر تخريجنا في: \"الروضة الندية\" (٢/ ٣١٧).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من. (أ).\n(^٤) في (ب): \"لتفويت\".","vol":"7","page":153},{"text":"بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^١). [حسن]\n(وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ - ﵄ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ سُئِلَ عنِ الثمرِ المعلَّقِ فقالَ: من أصاب بِفِيْهِ منْ ذي حاجةٍ غير متَّخِذٍ خُبْنَةً) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الموحدةِ فنونٍ، وهو معطفُ الإزارِ وطرفُ الثوبِ (فلا شيءَ عليهِ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فعليهِ الغرامةُ والعقوبةُ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ بعدَ أنْ يؤويَهُ الجرينُ) هوَ موضعُ التمرِ الذي يُجَفَّفُ فيهِ (فبلغَ ثمنَ المجنِّ فعليهِ القطعُ. أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَه الحاكمُ).\nقالَ المنذريُّ (^٢): والمرادُ بالتمرِ المعلَّقِ ما كانَ معلَّقًا في النخلِ قبلَ أنْ يُجَذَّ وُيجْرَنَ، والثمرُ اسمٌ جامعٌ للرطْبِ واليابسِ منَ التمرِ والعنبِ وغيرِهِما.\nوفي الحديثِ مسائلُ:\nالأُولَى: أنهُ إذا أخذَ المحتاجُ بفيهِ لسدِّ فاقتِهِ فإنهُ مباحٌ لهُ.\nالثانيةُ: أنهُ يحرمُ عليه الخروجُ بشيءٍ منهُ، فإنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فلا يخلُو أنْ يكونَ قبلَ أنْ يُجَذَّ ويؤويهِ الجرينُ أو بعدَه. إن كانَ قبلَ الجذِّ فعليهِ الغرامةُ والعقوبةُ، وإنْ كانَ بعدَ القطعِ وإيواءِ الجرينِ فعليه القطعُ معَ بلوغِ المأخوذِ النصابَ لقولِه - ﷺ -: \"فبلغَ ثمنَ المجنِّ\"، وهذا مبني على أنَّ الجرينَ حِرْزٌ كما هوَ الغالبُ، إذْ لا قَطْعَ إلَّا منْ حِرزٍ كما يأتي.\n_________\n(^١) وهو حديث حسن.\nأخرجه أبو داود رقم (١٧١٠) و(٤٣٩٠)، والنسائي (٨/ ٨٥)، والترمذي رقم (١٢٨٩)، وابن ماجه رقم (٢٥٩٦)، والدارقطني (٤/ ٢٣٦)، والحاكم (٤/ ٣٨١)، وأحمد (٢/ ١٨٠، ٢٠٣، ٢٠٧)، والبيهقي (٨/ ٢٧٨) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده.\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الحاكم: هذه سنة تفرد بها عمرو بن شعيب بن محمد، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة، فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر\"، ووافقه الذهبي.\nانظر: \"الإرواء\" (٨/ ٦٩ - ٧٢ رقم ٢٤١٣).\n(^٢) \"معالم السنن\" (٦/ ٢٢١ - ٢٢٢).","vol":"7","page":154},{"text":"الثالثةُ: أنهُ أجملَ في الحديثِ الغرامةَ والعقوبةَ، ولكنَّه أخرجَ البيهقيُّ (^١) تفسيرَها بأنَّها غرامةُ مِثْلَيْهِ وبأنَّ العقوبةَ جلداتٌ نكالًا.\nوقدِ استُدِلَّ بحديثِ البيهقيِّ هذَا (^٢) على جوازِ العقوبةِ بالمالِ فإنَّ غرامة مِثْلَيْهِ منَ العقوبةِ بالمالِ، وقدْ أجازَهُ الشافعيُّ في القديمِ ثمَّ رجعَ عنهُ وقالَ: لا تُضَاعَفُ الغرامةُ على أحدٍ في شيءٍ إنَّما العقوبةُ في الأبدانِ لا في الأموالِ، وقالَ: هذَا منسوخٌ والناسخُ لهُ قضاءُ رسولِ اللهِ - ﷺ - على أهلِ الماشيةِ بالليلِ ما أتلفتْ فهوَ ضامنٌ أي مضمونٌ على أَهْلِها، قالَ: وإنَّما يضمنُونَهُ بالقيمةِ. وقدْ قدَّمنا الكلامَ في ذلكَ في حديثِ بهزٍ في الزكاةِ.\nالرابعةُ: أُخِذَ منهُ اشتراطُ الحرزِ في وجوبِ القطعِ لقولِه - ﷺ -: (بعدَ أن يؤويَهُ الجرينُ)، وقولُه في الحديثِ الآخَرِ: \"لا قطْع في ثمرٍ [ولا كثر] (^٣) ولا في حريسة الجبلِ، فإذا آواهُ الجرينُ أوِ المِراحُ فالقطعُ فيما بلغَ ثَمَنَ المِجَنِّ\"، أخرجَهُ النسائيُّ (^٤).\nقالُوا: والإحرازُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ، فإنَّ السرقةَ والاستراقَ هوَ المجيءُ مُستَتِرًا في خفيةٍ لأَخْذِ مالِ غيرِه منْ حِرْزٍ كما في \"القاموس\" وغيرِه. فالحرزُ مأخوذٌ في مفهومِ السرقةِ لغةً ولِذَا لا يُقَالُ لِمَنْ خانَ أمانَتهُ سارقٌ، وهذا مذهبُ الجمهورِ (^٥).\nوذهبتِ الظاهريةُ وآخرونَ (^٦) إلى عدمِ اشتراطهِ عملًا بإطلاقِ الآيةِ الكريمةِ (^٧) إلَّا أنهُ لا يخْفَى أنهُ إذا كانَ الحرزُ مأخوذًا في مفهومِ السرقةِ فلا إطلاقَ في الآيةِ.\nواعلمْ أنَّ حريسةَ الجبلِ بالحاءِ المهملةِ مفتوحةً فراءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ فسينٍ مهملةٍ، والجبلُ بالجيمِ فموحدةٍ قيلَ هيَ المحروسةُ، أي ليسَ فيما يحرسُ بالجبلِ إذا سُرقَ قَطْعٌ لأنهُ ليسَ بموضعِ حرزٍ، وقيلَ حريسةُ الجبلِ الشاةُ التي يدركُها الليلُ\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٨).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) \"السنن\" (٨/ ٨٤ - ٨٥ رقم ٤٩٥٧).\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥) بتحقيقنا.\n(^٦) \"المحلَّى\" (١١/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٥) بتحقيقنا.\n(^٧) سورة المائدة: الآية ٣٨.","vol":"7","page":155},{"text":"قبلَ أنْ تصِلَ إلى مأْوَاها. والمراحُ الذي تأوي إليه الماشيةُ ليلًا، كذا في \"جامعِ الأصولِ\" (^١)، وهذَا الأخيرُ أقربُ بمرادِ الحديثِ، واللهُ أعلمُ.\n١٢/ ١١٦٠ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ - لَمّا أَمَرَ بقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ ردَاءَهُ فَشَفَعَ فِيهِ - \"هَلَّا كَانَ ذلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأَتِيَنِي بهِ؟ \". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ صفوانَ بنِ أميةَ - ﵁ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ له لما أمرَ بقطعِ الذي سرقَ رداءَه فشفعَ فيهِ: \"هلَّا كانَ ذلكَ قبلَ أنْ تأتيني بهِ\". أخرجَه أحمدُ والأربعةَ وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ والحاكمُ)، الحديثُ أخرجُوه منْ طُرُقٍ منْها عنْ طاوسٍ عنْ صفوانَ ورجَّحَها ابنُ عبدِ البرِّ (^٣) وقالَ: إنَّ سماعَ طاوسٍ منْ صفوانَ ممكنٌ لأنهُ أدركَ عثمانَ وقالَ: أدركتُ سبعينَ شيخًا منْ أصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -. وللحديثِ قصةٌ. أخرجَ البيهقيُّ (^٤) عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قالَ: \"بينَما صفوانُ بنُ أميةَ مضّطَجِعٌ بالبطحاءِ إذْ جاءَ إنسانٌ فأخذَ بردةً منْ تحتِ رأْسِهِ فأتَى بهِ النبيَّ - ﷺ - فأمرَ بقطعِه فقالَ: إني أعفُو وأتجاوزُ، فقالَ: فهلَّا قبلَ أنْ تأتيَنِي بهِ\"، ولهُ ألفاظٌ في بعضِها: \"أنهُ كانَ في المسجدِ الحرامِ\" (^٥)، وفي أُخْرَى: \"في مسجدِ المدينةِ نائمًا\" (^٦).\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنَّها تُقْطَعُ يدُ السارقِ فيما كانَ مالكُه حافِظًا لهُ وإنْ لم يكنْ مُغْلقًا عليهِ في مكان.\n_________\n(^١) \"جامع الأصول\" ابن الأثير (٣/ ٥٦٧).\n(^٢) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٤٦٦)، وأبو داود (٤٣٩٤)، وابن ماجه (٢٥٩٥)، والنسائي (٨/ ٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٦٥)، وابن الجارود رقم (٨٢٨)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٣٤ رقم ٢٨)، والشافعي في \"بدائع المنن\" (٢/ ٢٠٥ رقم ١٥٠٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٠) وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي. قلت: وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.\nانظر: \"الإرواء\" (٧/ ٣٤٥ - ٣٤٩).\n(^٣) \"التمهيد\" (١١/ ٢١٩).\n(^٤) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٦٥).\n(^٥) انظر: \"السنن الكبرى\" النسائي (٤/ ٣٢٩ رقم ٨/ ٧٣٦٧).\n(^٦) انظر: \"سنن النسائي\" (٨/ ٧٠ رقم ٥/ ٤٨٨٤)، \"الأم\" الشافعي (٦/ ١٤١).","vol":"7","page":156},{"text":"قالَ الشافعيُّ (^١): رداءُ صفوانَ كانَ مُحْرَزًا باضِّطِجَاعهِ عليهِ. وإلى هذَا ذهبَ الشافعيُّ والحنفيةُ والمالكيةُ (^٢)، قالَ في \"نهايةِ المجتهد\" (^٣): وإذا توسَّدَ النائمُ شيئًا فتوسُّدُه حرْزٌ له على ما جاءَ في رداءِ صفوانَ، قالَ في \"الكنز\" (^٤) للحنفيةِ: ومَنْ سرقَ منَ المسجدِ متاعًا وربُّه [ومالكه] (^٥) عندَه يُقْطَعُ؛ لأنه وإنْ كانَ غيرَ مُحْرَزٍ بالحائِطِ لأنَّ المسجدَ ما بني لإحرازِ الأموالِ فلمْ يكنِ المالُ مُحْرَزًا بالمكانِ، انتَهى.\nوتقدَّمَ الخلافُ في الحرزِ واختلَفَ القَائلونَ بشرْطِيَّتِهِ، فقالَ الشافعي ومالكٌ والإمامُ يَحْيى (^٦): إنَّ لكلِّ مالٍ حِرْزًا يخصُّه، فَحِرْزُ الماشيةِ ليسَ حرزُ الذهبِ والفضةِ.\nوقالَ الهادويةُ والحنفيةُ (^٧): ما أُحْرِزَ فيهِ مالٌ فهوَ حِرْز لغيرِه، إذِ الْحِرزُ ما وُضِعَ لمنعِ الداخلِ والخارجِ ألَّا يخرجَ، وما كانَ ليسَ كذلكَ فليسَ بحرزٍ لا لغةً ولا شَرْعًا، وكذلكَ قالُوا: المسجدُ والكعبةُ حرزانِ لآلاتِهِمَا ولكسوتِهِمَا.\nواختلفَوا في القبرِ هلْ هوَ حرزٌ للكفنِ فيقطعُ آخذُه أو ليسَ بحرزٍ؟ فَذَهَبَ إلى أنَّ النباشَ سارقٌ جماعةٌ منَ السلفِ والهادي والشافعيُّ ومالكٌ (^٨) وقالُوا: يُقْطَعُ؛ لأنَّهُ أَخَذَ المالَ خُفْيَةً منْ حرزٍ لهُ، وقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ ﵇ وعائشةَ (^٩) وقالَ الثوريُّ وأبو حنيفةَ (^١٠): لا يقطعُ النباشَ لأنَّ القبرَ ليسَ بحرزٍ.\n_________\n(^١) \"الأم\" (٦/ ١٦٠).\n(^٢) \"الأم\" (٦/ ١٦٠)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٦)، و\"كشف الحقائق\" (١/ ٢٩٨).\n(^٣) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٦) بتحقيقنا.\n(^٤) \"كشف الحقائق\" (١/ ٢٩٨).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٦٤ - ١٦٩)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٦)، و\"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٩).\n(^٧) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٩)، و\"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٨) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٦)، بتحقيقنا، و\"المجموع\" (٢٠/ ٨٥)، و\"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٣).\n(^٩) ذكره في \"البحر الزخار\": \"حدُّ النبَّاش حد السارق وهو أعظمها جرمًا\"، أما حديث عائشة، فذكره في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٠): \"سارق موتانا كسارق أحيائنا\"، ونسبه إلى الدارقطني من حديث عمرة عنها - وانظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٣).\n(^١٠) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٣٧)، و\"موسوعة فقه سفيان الثوري\" قلعه جي (٤٩٩).","vol":"7","page":157},{"text":"وفي \"المنارِ\" (^١): هذهِ المسألةُ فيها صعوبةٌ لأنَّ حرمةَ الميتِ كحرمةِ الحيِّ، لكنَّ حرمةَ يدِ السارقِ كذلكَ الأصلُ مَنْعُها، ولم يدخلِ النباشُ تحتَ السارقِ لغةً والقياسُ الشرعيُّ غيرُ واضحٍ، وإذا توقَّفْنَا امتنعَ القطعُ، انتَهى.\nواختُلِفَ في السارقِ منْ بيتِ المالِ، فذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (^٢) إلى أنهُ لا يُقْطَعُ مَنْ سرقَ منْ بيتِ المالِ [ومروي] (^٣) عنْ عمرَ (^٤)، وذهبَ مالكٌ (^٥) إلى أنهُ يقطعُ، واتفقُوا على أنهُ لا يقطعُ مَنْ سرقَ منَ الغنيمةِ والخُمسِ وإنْ لم يكنْ منْ أَهْلِها قالُوا: لأنهُ قدْ يشاركُ فيها بالرضخِ أوْ منَ الخُمسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1240>قتل من تكرَّرت سرقته</span>\n١٣/ ١١٦١ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: جِيءَ بِسَارق إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَقَالُوا: إِنَّما سَرَقَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: \"اقْطَعُوهُ\" فَقُطِعَ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمّ جِيءَ بهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الرّابعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَاسْتَنْكَرَهُ (^٦). [حسن]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: جيء بسارقِ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: اقتلُوه، فقالُوا: يا رسول اللهِ إنَّما سرق، فقالَ: اقطعوهُ، فَقُطِعَ، ثمَّ جيءَ بهِ الثانيةَ فقالَ: اقتلُوه، فذَكَرَ مثلَهُ، ثمَّ جيءِ بهِ الثالثةَ فذكرَ مثلَهُ، ثمَّ جيءَ بهِ الرابعةَ كذلكَ، ثمَّ جيءَ بهِ الخامسةَ فقالَ: اقتلُوه. أخرجَه أبو داودَ والنسائيُّ)، تمامُه عندَهُما: قال جابرٌ: فانطلقْنَا بهِ\n_________\n(^١) \"للمقبلي\" (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤ رقم ٦/ ١٧٣ س ١١).\n(^٢) \"الاعتصام\" (٥/ ١١٨)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ١٦٣)، و\"شرح فتح القدير\" (٥/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٣) في (ب): \"ورُوي\".\n(^٤) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٦٩ رقم ٦٥/ ١٧٨٤) ونسبة إلى ابن أبي شيبة.\n(^٥) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٤٠٩).\n(^٦) أخرجه أبو داود (٤٤١٠)، والنسائي (٨/ ٩٠)، والبيهقي (٨/ ٢٧٢)، وقال النسائي: \"وهذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث. والله تعالى أعلم\".\nومع ذلك حسَّنه الألباني في صحيح أبي داود وصحيح النسائي.","vol":"7","page":158},{"text":"فقتلْناهُ ثمَّ اجتررْناهُ فألقيناهُ في بِئْرٍ ورميْنَا عليهِ الحجارةَ (واستنكرَهُ) أي النسائيُّ فإنهُ قالَ: الحديثُ منكَرٌ ومصعبُ بنُ ثابتٍ ليسَ بقويٍّ في الحديثِ، قيلَ: لكنْ يشهدُ لهُ الحديثُ الآتي:\n١٤/ ١١٦٢ - وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْن حَاطِبٍ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ الشَّافِعيُّ أَنَّ الْقَتْلَ في الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ (^١). [منكر].\nوهو قولُه: (وأخرجَ) أي النسائيُّ (^٢) (منْ حديثٍ الحارثِ بنِ حاطبٍ نحوَهُ)، وأخرجَ حديثَ الحارثِ الحاكمُ (^٣). وأخرجَ [أبو نعيم] (^٤) في \"الحليةِ\" (^٥) عنْ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ الجهنيِّ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٦): حديثُ القتل منكرٌ لا أصْلَ لهُ (وذكرَ الشافعيُّ أنَّ القتلَ في الخامسةِ منسوخٌ) وزادَ ابنُ عبدِ البرِّ في كلامِ الشافعيِّ: لا خلافَ فيهِ بينَ أهلِ العلمِ، وفي النجمِ الوهَّاجِ: أنَّ ناسخَهُ حديثُ: \"لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بإِحْدى ثلاثٍ\" (^٧) تقدَّمَ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وهذَا يدلُّ على أنَّ حكايةَ أبي مُصْعَبِ عَنْ عثمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنهُ يُقْتَلُ لا أصْلَ لهُ، وجاءَ في روايةِ النسائيِّ (^٨): \"بعدَ قطعِ قوائمِهِ الأربعِ ثمَّ سرقَ الخامسةَ في عهدِ أبي بكرٍ - ﵁ - فقالَ أبو بكرٍ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أَعلمَ بهذَا حينَ قالَ اقتلُوه، ثمَّ دفعَهُ إلى فِتْيَةٍ منْ قريشٍ فقالَ: اقتلُوه، فقتلُوه\".\nقالَ النسائيُّ (^٩): لا أعلمُ في هذا البابِ حديثًا صحيحًا.\nوالحديثُ دليلٌ على قتْلِ السارقِ في الخامسةِ وأنَّ قوائِمَهُ الأربعَ تُقْطَعُ في\n_________\n(^١) أخرجه النسائي (٨/ ٨٩ - ٩٠ رقم ٤٩٧٧)، و\"المستدرك\" (٤/ ٣٨٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي (٨/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n(^٢) رقم (٤٩٧٧) كما تقدم.\n(^٣) (٤/ ٣٨٢) كما تقدم.\n(^٤) في (ب): \"لأبي نعيم\".\n(^٥) \"حلية الأولياء\" لأبي نعيم (٢/ ٦ رقم ٩١).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٢/ ١٠٠).\n(^٧) أخرجه البخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (٢٥/ ١٦٧٦).\n(^٨) \"السنن\" (٨/ ٨٩ - ٩٠ رقم ١٤/ ٤٩٧٧).\n(^٩) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٤٩ رقم ٢٥/ ٧٤٧١).","vol":"7","page":159},{"text":"الأربعِ المراتِ، والواجبُ قطعُ اليمينِ في السرقةِ الأُولى إجماعًا، وقراءةُ ابنِ مسعودٍ (١) مبيِّنةٌ لإجمالِ الآيةِ، فإنهُ قرأَ: فاقطَعُوا أيمانَهما، وفي الثانيةِ الرِّجلُ اليسرى عندَ الأكثرِ لفعلِ الصحابةِ (^١) وعندَ طاوسٍ (^٢) اليدُ اليسرى لِقُرْبِها منَ اليمنَى، وفي الثالثةِ يدُهُ اليُسرى، وفي الرابعةِ رجلُه [اليسرى] (^٣).\nوهذَا عندَ الشافعيِّ ومالكٍ (^٤) لما أخرجَهُ الدارقطنيُّ (^٥) منْ حديثٍ أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ في السارقِ: \"إنْ سرقَ فاقطعُوا يدَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا رِجْلَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا يدَه، ثمَّ إنْ سرقَ فاقطعُوا رِجْلَه\"، وفي إسنادِهِ الواقديُّ. وأخرجَهُ الشافعيُّ (^٦) منْ وَجْهٍ آخرَ عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا، وأخرجَ الطبرانيُّ والدارقطنيُّ (^٧) نحوَه عنْ عصمةَ بنِ مالكٍ وإسنادُه ضعيفٌ.\nوخالفتِ الهادويةُ والحنفيةُ (^٨) فقالُوا: يُحْبَسُ في الثالثةِ لما رواهُ البيهقيُّ (^٩) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ بعدَ أنْ قطعَ رِجْلَه وأُتِيَ بهِ في الثالثةِ: \"بأيِّ شيءٍ يتمسَّح وبأي شيء يأكلُ\" لَمَّا قيلَ لهُ تقطعُ يدَه اليُسرى، ثمَّ قالَ: \"أقطعُ رجلَه؟ على أيِّ شيءٍ يمشي؟ إني لأَسْتَحِي منَ اللهِ، ثمَّ ضربَهُ وخلدَ في السجنِ\". وأجابَ الأولونَ بأنَّ هذَا رأيٌ لا [يقاوِمُ] (^١٠) النصوصَ، وإنْ كانَ المنصوصُ فيهِ ضعيفٌ فقدْ عاضدتَهْ الرواياتُ الأُخَرْ.\nوأما محلُّ القطعِ فيكونُ منْ مفصلِ الكفِّ إذْ هوَ أقلُّ ما يُسَمَّى يَدًا، ولِفِعْلِهِ - ﷺ - فيما أخرجَه الدارقطنيُّ (^١١) منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ: \"أُتِيَ النبيُّ - ﷺ -\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٩).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٧).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) \"المجموع\" (٢٠/ ١٠٣)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٤١١) بتحقيقنا.\n(^٥) \"السنن\" (٣/ ١٨١ رقم ٢٩٢).\n(^٦) \"الأم\" (٦/ ١٦٢، وانظر: \"البيهقي\" (٨/ ٢٧٣).\n(^٧) \"المعجم الكبير\" الطبراني (١٧/ ١٨٢ رقم ٤٨٣)، والدارقطني (٣/ ١٨٠ - ١٨١ رقم ٢٨٩) من طريق جابر بن عبد اللهِ، وانظر: \"الإرواء\" (٨/ ٨٨)، أما من طريق عصمة بن مالك فقد عزاه إليهما صاحب \"التلخيص\" (٤/ ٦٨).\n(^٨) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٨)، \"وشرح فتح القدير\" (٥/ ١٥٤).\n(^٩) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٧٥).\n(^١٠) في (أ): \"لا يقابل\".\n(^١١) في \"السنن\" (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥ رقم ٣٦٣) وضعَّفه ابن القطان في \"كتابه\" فقال العرزمي: =","vol":"7","page":160},{"text":"بسارقٍ فقطعَ يدَهُ منْ مفصلِ الكفِّ\" وفي إسنادِه مجهولٌ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^١) منْ مُرْسَلِ رجاءِ بنِ حَيْوَةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قطعَ منَ المفصَلِ، وأخرجَهُ أبو الشيخِ (^٢) منْ وجْهٍ آخرِ عنْ رجاءِ عنْ عديٍّ رفعَهُ وعنْ جابرٍ رفعَه أخرج سعيدُ بنُ منصورٍ (^٣) عنْ عمرَ.\nوقالتِ الإماميةُ (^٤): ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ يقطعُ منْ أصولِ الأصابعِ إذْ هوَ أقلُّ ما يُسَمَّى يَدًا. وَرُدَّ ذلكَ بأنهُ لا يُقَالُ لِمَنْ قُطِعَتْ أصابِعُهُ مقطوعُ اليدِ لا لغةً ولا عُرْفًا، وإنَّما يقالُ مقطوعُ الأصابعِ. وقدِ اختلفَت الروايةُ عنْ عليٍّ (^٥) ﵇ فَرُوِيَ أنهُ كانَ يقطعُ منْ يدِ السارقِ الخُنْصُرَ والبُنْصُرَ والوسْطَى، وقالَ الزهريُّ والخوارجُ (^٦): إنهُ يقطعُ منَ الإبْطِ إذْ هوَ اليدُ [الحقيقية] (^٧)، والأقْوى الأولُ لدليلهِ المأثورِ. وأما محلُّ قطعِ الرِّجْلِ فتُقْطَعُ منْ مفصلِ القدمِ. ورُوِيَ عنْ عليٍّ (^٨) ﵇ أنهُ كانَ يقطعُ الرِّجْلَ منَ الكعبِ. ورُوِيَ عنهُ وهوَ للإماميةِ (^٩) أنهُ منْ معتقدِ الشراكِ.\nخاتمةٌ: أخرجَ [أحمدُ] (^١٠) وأبو داودَ (^١١) عنْ عطاءٍ عنْ عائشةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لها - وقدْ دَعَتْ علَى سارق سرق لها مِلْحَفَةً -: لا تسبخي عنهُ بدعائِكِ عليهِ\"، ومعناهُ لا تُخفِّفي [عليه] (^١٢) الإثمَ الذي يستحقُّه بالسرقةِ، وهذا يدلُّ على أنَّ الظالمَ يخفَّفُ عنهُ بدعاءِ المظلومِ عليهِ.\nورَوَى أحمدُ (^١٣) في \"كتاب الزهدِ\" عنْ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنهُ قالَ: بلغني\n_________\n= متروك، وأبو نعيم عبد الرحمن بن هانئ النخعي لا يتابع على ما له من حديث. وانظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٣٧٠).\n(^١) في \"المصنف\" (١٠/ ٢٩ - ٣٠ رقم ٨٦٤٨). وهو مرسل جيد رجاله كلهم ثقات.\n(^٢) عزاه ابن حجر في: \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٩ إلى أبي الشيخ في \"كتاب حد السرقة\".\n(^٣) انظره في \"فتح الباري\" (١٢/ ٩٩).\n(^٤) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٧).\n(^٥) انظر: \"موسوعة فقه علي\" قلعه جي (٣٣٥ - ٣٣٦).\n(^٦) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٧).\n(^٧) في (ب): \"حقيقةً\".\n(^٨) \"موسوعة فقه علي\" (٣٣٦).\n(^٩) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٨٨).\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) \"السنن\" (٣٥٨/ ١٤٩٧).\n(^١٢) في (ب): \"عنه\".\n(^١٣) لم أعثر عليه في \"كتاب الزهد\" عن عمر بن عبد العزيز.","vol":"7","page":161},{"text":"أنَّ الرجلَ ليظلمَ مظلمةً فلا يزالُ المظلومُ يشتمُ الظالمَ [وينتقصُه] (^١) حتَّى يستوفيَ حقَّه ويكونُ للظالمِ الفضلُ عليهِ.\nوفي الترمذيِّ (^٢) عنْ عائشةَ أنَّ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ دَعَا على مَنْ ظلمَهُ فقدِ انتصَر\"، فإنْ قيلَ: [فقد] (^٣) مدحَ اللهُ المنتصرَ مِنَ البغي ومدحَ العافي عنِ الجرمِ، قالَ ابنُ العربيِّ: فالجوابُ على أنَّ الأولَ محمولٌ على ما إذَا كانَ الباغي وَقِحًا ذا جُرْأَةٍ وفُجُورٍ، والثاني: على مَنْ وقعَ منهُ ذلكَ نادِرًا [فتُقَالُ] (^٤) عثرتُه بالعفوِ عنهُ.\nوقالَ الواحديُّ: إنْ كانَ الانتصارُ لأجلِ الدِّيْنِ فهوَ محمودٌ، وإنْ كانَ لأجلِ النَّفْسِ فهوَ مباحٌ لا محمود عليه.\nواختلفَ العلماءُ في التحليلِ منَ الظلامة على ثلاثةِ أقوالٍ: كانَ ابنُ المسيِّبِ لا يحلِّلُ أحدًا منْ عِرْضٍ ولا مالٍ، وكانَ سليمانُ بنُ يسارٍ وابنُ سيرينَ يحلِّلانِ منْهما، ورأَى مالكٌ التحليلَ منَ العِرْضِ دونَ المالِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"وينقصه\".\n(^٢) في \"السنن\" (٣٥٥٢) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي حمزة، وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي حمزة، وهو ميمون الأعور.\n(^٣) في (ب): \"قد\".\n(^٤) في (أ): \"فيقال\".","vol":"7","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1241>[الباب الرابع] باب حد الشارب، وبيان المسكر</span>\n١/ ١١٦٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بجَرِيدَتَيْن نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمن بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بهِ عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عنْ أنسِ بنِ مالكٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - أُتِيَ برجلٍ قدْ شربَ الخمرَ فجلدهُ بجريدتَيْنِ نحوَ أربعينَ قالَ) أنسٌ (وفعلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ استشارَ النَّاسَ فقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: [أخفُّ الحدودِ ثمانونَ فأمرَ بهِ عمرُ. متفقٌ عليهِ)] (^٢).\nالخمرُ مصدرُ خَمِرَ - كضربَ ونصرَ - خمْرًا، يسمَّى بهِ الشرابُ المعتصَرُ منَ العِنَبِ إذا غَلَى وقذَفَ بالزَّبَدِ وهيَ مؤنثةٌ وتُذَكَّرُ. ويقالُ: خمرةٌ.\nوفي الحديثِ مسائلُ:\nالأُولى: أنَّ الخمرَ [يُطلق] (^٣) على ما ذُكِرَ حقيقةً إجماعًا، ويُطْلَقُ على ما هوَ أعمُّ منْ ذلكَ، وهوَ ما أسكرَ منَ العصيرِ أو منَ النبيذِ أوْ غيرِ ذلكَ. وإنَّما اختلفَ العلماءُ هلْ هذَا الإطلاقُ حقيقةً أَوْ لا؟ قالَ صاحبُ \"القاموسِ\" (^٤):\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٧٧٣)، ومسلم رقم (١٧٠٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٤٧٩)، والترمذي رقم (١٤٤٣) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"تطلق\".\n(^٤) الفيروزآبادي (٤٩٥).","vol":"7","page":163},{"text":"العمومُ أصحُّ لأنَّها حُرِّمتْ وما بالمدينةِ خمرُ عنبٍ، ما كانَ إلَّا البسرُ والتمرُ، انتَهى. وكأنهُ يريدُ أنَّ العمومَ حقيقةٌ. وسُمِّيَتْ خمرًا، قيلَ: لأنَّها تخمرُ العقلَ أي تسترُهُ فيكونُ بمعنَى اسمِ الفاعلِ أي الساتر للعقلِ، وقيلَ: لأنَّها تُغَطَّى حتَّى تشتدَّ، يقالُ: خَمَّرهُ أي غطَّاه فيكونُ بمعنَى اسمِ المفعولِ، وقيلَ: لأنَّها تخالطُ العقلَ، مِنْ خامرَهُ إذا خالطَه، ومنهُ: هَنِيْئًا مَرِيْئًا غيرَ داءٍ مخامِرٍ، أي مخالِطٍ. وقيلَ: لأنَّها تُتْرَكُ حتَّى تُدْرَكَ، ومنهُ اختَمر العجينُ أي بلَغَ إدراكَهُ، وقيلَ: إنها مأخوذةٌ منَ الكلِّ لاجتماعِ المعاني هذهِ فيهَا.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١): الأوجهُ كلَّها موجودةٌ في الخمرِ لأنَّها تُرِكَتْ حتَّى أدركَتْ وسَكَنتْ، فإذا شُرِبَتْ خالطتِ العقلَ حتَّى تغلبَ عليهِ وتغطيهِ.\nقلتُ: فالخمرُ تُطْلَقُ على عصيرِ العِنَبِ المشتدِّ حقيقةً إجماعًا، وفي \"النجمِ الوهَّاجِ\": الخمرُ بالإجماعِ المسكرُ منْ عصيرِ العنبِ وإن لم يقذفْ بالزَّبَدِ. واشترطَ أبو حنيفةَ (^٢) أنْ يقذِفَ وحينئذٍ لا يكونُ مُجْمَعًا عليهِ. واختلفَ أصحابُنا في وقوعِ الخمرِ على الأنبذةِ حقيقة، فقالَ المزنيُّ وجماعةٌ بذلكَ لأنَّ الاشتراكَ في الصفةِ يقتضي الاشتراكَ في الاسمِ، وهوَ قياسٌ في اللغةِ وهوَ جائِزٌ عندَ الأكثرِ، وهوَ ظاهرُ الأحاديثِ، ونسبَ الرافعيُّ (^٣) إلى الأَكثريْنَ أنهُ لا يقعُ علَيْها إلَّا مَجَازًا.\nقلتُ: وبه جزمَ ابنُ سَيْدَهْ في المحكمِ (^٤) وجزمَ بهِ صاحبُ \"الهدايةِ\" (^٥) منَ الحنفيةِ حيثُ قالَ: الخمرُ عندَنا ما اعتُصرَ منْ ماءِ العنبِ إذا اشتدَّ، وهوَ المعروفُ عندَ أهلِ اللغةِ وأهلِ العلمِ. وَرَدَّ ذلكَ الخطابيِّ (^٦) [حيث] (^٧) قالَ: زعمَ قومٌ أنَّ العربَ لا تعرفُ الخمرَ إلَّا منَ العنبِ، فيقَالُ لهمْ: إنَّ الصحابةَ الذينَ سمُّوا غيرَ المتَّخَذِ منَ العنبِ خمرًا عربٌ فصحاءُ، فلوْ لمْ يكنِ هذا الاسمُ صحيحًا لما أطلقُوهُ.\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (١/ ٢٤٤).\n(^٢) \"شرح فتح القدير\" (٥/ ٨٠).\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩).\n(^٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩).\n(^٥) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧ - ٤٨)، و\"الهداية\" المرغيناني (٤/ ١٠٨).\n(^٦) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨).\n(^٧) في (ب): \"و\".","vol":"7","page":164},{"text":"قالَ القرطبيُّ (^١): الأحاديثُ الواردةُ عنْ أنسٍ وغيرِه على صِحَّتِها وكثرتِها تبطلُ مذهبَ الكوفيينَ القائلينَ بأنَّ الخمرَ لا تكونُ إلا منَ العنب، وما كانَ منْ غيرِه لا يُسمَّى خمرًا ولا يتناولُه اسمُ الخمرِ، وهوَ قولٌ مخالِف للغةِ العربِ وللسنَّةِ الصحيحةِ ولفَهمِ الصحابةِ، لأنَّهم لما نزلَ تحريمُ الخمرِ فهمُوا منَ الأمرِ [باجتنابها] (^٢) تحريمَ كلِّ مسكرٍ ولم يفرِّقُوا بينَ ما يُتَّخَذُ منَ العنبِ وبينَ ما يتخذُ منْ غيرِه، بلْ سوَّوْا بينَهما وحرَّمُوا ما كانَ منْ عصيرِ غيرِ العنبِ وهمْ أهلُ اللسانِ وبِلُغَتِهِم نزلَ القرآنُ، فلو كانَ عندَهم فيهِ تردُّدٌ لتوقَّفُوا عنِ الإراقةِ حتَّى يستفصلُوا ويتحقَّقُوا التحريمَ، ويأتي حديثُ عمرَ: \"أنهُ نزلَ تحريمُ الخمرِ وهي منْ خمسةٍ\" (^٣) الحديثَ، وعمرُ منْ أهلِ اللغةِ، وإنْ كانَ يُحْتَمَلُ أنهُ أرادَ بيانَ ما تعلَّقَ بهِ التحريمُ لا أنهُ المسمَّى في اللغةِ لأنهُ بصددِ بيانِ الأحكامِ الشرعيةِ، ولعلَّ ذلكَ صارَ اسمًا شرعيًا لهذا النوعِ فيكونُ حقيقةً شرعيةً، ويدلُّ لهُ حديثُ مسلمٍ عن ابنِ عمرَ (^٤) أنَّ النبيَّ (٤) - ﷺ - قالَ: \"كلُّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ خمرٍ حرامٌ\".\nقالَ الخطابيُّ: إنَّ الآيةَ لما نزلتْ في تحريمِ الخمرِ وكانَ مسمَّاها مجهولًا للمخاطَبيْنَ، بَيَّنَ أنَّ مسمَّاها هوَ ما أسكرَ فيكونُ مثلَ لفظِ الصلاةِ والزكاةِ وغيرِهما منَ الحقائقِ الشرعيةِ. انتَهى.\nقلتُ: هذا يخالفُ ما سلفَ عنهُ قريبًا، ولا يخْفَى ضعفُ هذا الكلامِ، فإنَّ الخمرَ كانتْ منْ أشهرِ أشْرِبَةِ العربِ واسمُها أشهر منْ كلِّ شيءٍ عندَهم وليستْ كالصلاةِ والزكاةِ، وأشعارُهم فيها لا تُحْصَى، فكأنهُ يريدُ أنهُ ما كانَ تعميمُ الاسمِ بلفظِ الخمرِ لكلِّ مُسْكِرٍ مَعْرُوفًا عندَهم فعرَّفَهُم بهِ الشرعُ، فإنَّهم كانُوا يسمُّونَ بعضَ المسكر بغيرِ لفظِ الخمرِ كالأمزارِ يضيفونَها إلى ما يُتَّخَذُ منهُ منْ ذرةٍ وشعيرٍ ونحوِهِما، ولا يطلقونَ عليهِ لفظَ الخمرِ [في] (^٥) الشرع بتعميمِ الاسمِ لكلِّ مسكرٍ.\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٩)، وانظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" القرطبي (١٠/ ١٢٨ - ١٣٣).\n(^٢) في (ب): \"باجتناب الخمر\".\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٥٥٨١) و(٥٥٨٨)، والنسائي (٨/ ٢٩٥ رقم ٥٥٨٧ و٥٥٧٩ و٥٥٨٠)، وابن أبي شيبة (٧/ ٤٦٣)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٩/ ٢٣٤ رقم ١٧٠٥١).\n(^٤) سيأتي تخريجه رقم (٨/ ١١٧٠) من كتابنا هذا.\n(^٥) في (ب): \"فجاء\".","vol":"7","page":165},{"text":"فيتحصل مما ذكرَ جميعًا أنَّ الخمرَ حقيقةٌ لغويةٌ في عصيرِ العنبِ المشتدِّ الذي يقذفُ بالزبدِ وفي غيرِه مما يسكرُ، حقيقةٌ شرعيةٌ أو قياسٌ في اللغةِ أوْ مجازٌ، فقدْ حصلَ المقصودُ منْ تحريمِ ما أسكرَ منْ ماءِ العنبِ أوْ غيرِه إمَّا بنقلِ اللفظِ إلى الحقيقةِ الشرعيةِ أو بغيرِه. وقدْ علمتَ أنهُ أطلقَ عمرُ وغيرُه منَ الصحابةِ (^١) الخمرَ على كلِّ ما أسكرَ، وهمْ أهلُ اللسانِ والأصلُ الحقيقةُ وقد أحسنَ صاحبُ \"القاموس\" (^٢) بقولِه والعمومُ أصحُّ.\nوأما الدَّعاوَى التي تقدَّمتْ علَى اللغةِ كما قالَه ابنُ سَيْدَهْ (^٣) وشارحُ \"الكنزِ\" (^٤) فما أظنُّها إلَّا بعدَ تقرُّرِ هذهِ المذاهبِ، [فكلٌ] (^٥) تكلَّمَ على ما يعتقدُه ونزلَ في قلبهِ منْ مذهبِه ثمَّ جعلَه لأهلِ اللغةِ.\nالمسألةُ الثانيةُ: وقولُه: (فجلدَ بجريدتيْنِ نحوَ أربعينَ) فيهِ دليلٌ على ثبوتِ الحدِّ على شاربِ الخمرِ، وادعَّى فيهِ الإجماعَ ونُوزِعَ في دعْواهُ لأنهُ قدْ نقلَ عنْ طائفةٍ منْ أهلِ العلمِ أنهُ لا يجبُ فيهِ إلَّا التعزيرُ لأنهُ - ﷺ - لم ينصَّ على حدٍّ معيَّنٍ وإنَّما ثبتَ عنهُ الضربُ المطْلَقُ.\nوفيهِ دليلٌ علَى أنهُ يكونُ الجلدُ بالجريدِ وهوَ سَعَفُ النخلِ. وقد اختلفَ العلماءُ هلْ يتعيَّنُ الجلْدُ بالجريدِ علَى ثلاثةِ أقوالٍ، أقربُها جوازُ الجلدِ بالعودِ غيرِ الجريدِ، ويجوزُ الاقتصارُ على الضربِ باليديْنِ والنعالِ. قالَ في \"شرح مسلمٍ\" (^٦): أجمعُوا علَى الاكتفاءِ بالجريدِ والنعالِ وأطرافِ الثيابِ، ثمَّ قالَ: والأصحُّ جوازُه بالسوطِ.\nوقالَ المصنفُ: توسَّطَ بعضُ المتأخرينَ فعيَّنَ السوطَ للمتمردينَ، وأطرافَ الثيابِ والنعالَ للضعفاءِ ومَنْ عدَاهم بحسبِ ما يليقُ بهِمْ، وقدْ عيَّن قولُه في الحديثِ (نحوَ أربعينَ)، ما أخرجَهُ البيهقيُّ وأحمدُ بلفظِ (^٧): \"فأمرَ قريبًا منْ\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٨).\n(^٢) \"القاموس المحيط\" (٤٩٥).\n(^٣) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٧ - ٤٨).\n(^٤) \"كشف الحقائق\" (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) \"صحيح مسلم شرح النووي\" (١١/ ٢١٨).\n(^٧) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣١٩).","vol":"7","page":166},{"text":"عشريْنَ رجُلًا فجلَدَهُ كلُّ واحدٍ جلدتيْنِ بالجريدِ والنعالَ\". قالَ المصنفُ: وهذا يجمعُ ما اختلِفَ فيهِ على تشعُّبِه وأنَّ جملةَ الضرب كانتْ أربعينَ لا أنهُ جلدهُ بجريدتيْنِ أربعينَ.\nالمسألةُ الثالثةُ: قولُه: (فلمَّا كانَ عمرُ استشار النَّاس - إلى آخرِه) سببُ استشارتهِ ما أخرجَهُ أبو داودَ والنسائيُّ (^١): \"أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ كتبَ إلى عمرَ: إنَّ النَّاسَ قدِ انهمَكُوا في الخمرِ وتحاقَروا العقوبةَ، قالَ: وعندَه المهاجرونَ والأنصارُ فسألهم فأجمعُوا علَى أنْ يُضْرَبَ ثمانينَ\".\nوأخرجَ مالكٌ في \"الموطأ\" (^٢) عنْ ثورِ بنِ يزيدَ: \"أنَّ عمرَ استشارَ في الخمْرِ فقالَ لهُ عليُّ (ابنُ أبي طالبٍ) ﵇: نَرَى أنْ تَجلِدَهُ ثمانينَ، فإنهُ إذا شربَ سَكِرَ، وإذَا سكرَ هذَى، وإذا هَذَى افترَى، فَجَلَدَ عمرُ في الخمرِ ثمانينَ\".\nوهذا حديثُ معضَلٌ، ولِهذَا الأثرِ طُرُقٌ عنْ عليٍّ وقدْ أنكرهُ ابنُ حزمٍ كما سلفَ، وفي معناهُ نكارةٌ لأنهُ قالَ: وإذا هذَى افتَرى، والهاذي لا يُعَدُّ قولُه فريةً لأنهُ لا عَمْدَ لهُ، ولا فِرْيَةَ إلا عنْ عمدٍ.\nوقدْ أخرجَ عبدُ الرزاقِ (^٣) قالَ: جاءتِ الأخبارُ متواترةً عنْ عليٍّ ﵇ أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يسنَّ في الخمرِ شيئًا، ولا يخْفَى أنَّ الحديثَ الآتي يؤيِّدُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1242>مقدارُ حدِّ الشارب</span>\n٢/ ١١٦٤ - وَلِمُسْلِم عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - في قِصّةِ الْوَلِيدِ بْنُ عُقْبَةَ: جَلَدَ النَّبيُّ - ﷺ - أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ عُمَرَ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهذَا\n_________\n(^١) \"مختصر السنن\" (٦/ ٢٩١ رقم ٤٣٢٤) عن عبد الله بن أزهر: قال أبو داود: أدخل عقيل بن خالد بين الزهري وبين ابن الأزهر في هذا الحديث: عبد الله بن عبد الرحمن بن الأزهر عن أبيه.\n(^٢) \"الموطأ\" (٢/ ٨٤٢ رقم ٤٢/ ٢)، و\"فتح الباري\" (١٢/ ٦٩)، وعبد الرزاق (٧/ ٣٧٨ رقم ١٣٥٤٢).\n(^٣) \"المصنف\" (٧/ ٣٧٨ رقم ١٣٥٤٣).","vol":"7","page":167},{"text":"أَحَبُّ إِلَيَّ. وَفي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا (^١). [صحيح]\n(ولمسلمٍ عنْ عليٍّ في قصةِ الوليدِ بنِ عقبةَ) حقَّقْنَاها في \"منحةِ الغفارِ حاشية ضوءِ النهارِ\" وفيها أنَّ عثمانَ أمرَ عليًّا بجلدِ الوليدِ بنِ عقبةَ في الخمرِ، فقالَ لعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ: اجْلِدْهُ، فجلَدَهُ، فلمَّا بلغَ أربعينَ قالَ: أَمْسِكْ (جلدَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أربعينَ، وجلدَ أبو بكرٍ أربعينَ، وجلدَ عمرُ ثمانينَ، وكلٌّ سُنَّةٍ، وهذا أحبُّ إليَّ) يعارضه وهو يريدُ أنهُ أحبُّ [إليه] (^٢) معَ جُرْأَةِ الشاربينَ لا أنهُ أحبُّ إليهِ مُطْلَقًا، فلا يُرَدُّ أنهُ كيفَ يجعلُ فعلَ عمرَ أحبَّ إليهِ منْ فعلِ النبيِّ - ﷺ -، فإنَّ ظاهرَ الإشارةِ إلى فعلِ عمرَ وهوَ الثمانونَ، ولكنَّه يقالُ إنَّ ظاهرَ قولِه أمسكْ بعدَ الأربعينَ دالٌّ على أنهُ لم يفعلِ [إلا] (^٣) الأحبَّ إليهِ.\nوأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ في صحيحِ البخاريِّ (^٤) منْ روايةِ عبدِ اللهِ بنِ عديِّ بنِ الخيارِ: \"أنَّ عليًا جلدَ الوليدَ ثمانينَ\"، والقصةُ واحدةٌ، والذي في البخاريِّ أرجحُ، وكأنهُ بعدَ أنْ قالَ وهذا أحبُّ إليَّ أمرَ عبدِ اللهِ بتمامِ الثمانينَ، وهذهِ أَوْلَى منَ الجوابِ الآخَرِ وهوَ أنهُ جلدهُ بسوطٍ له رأسانِ فضرَبَهُ أَربعينَ فكانتِ الجملةُ ثمانينَ، فإنَّ هذَا ضعيفٌ لعدمِ مناسبةِ سياقهِ لهُ.\nوالرواياتُ عنهُ - ﷺ - أنهُ جلدَ في الخمرِ أربعينَ كثيرةٌ إلَّا أنَّ في ألفاظِها نحوَ أربعينَ وفي بعضِها بالنعالِ، فكأنهُ فهمَ الصحابةُ أنَّ ذلكَ يتقدَّرُ بنحو [أربعينَ جلدةً] (^٥).\nواختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ وأحدُ قولَيْ الشافعيِّ (^٦) أنهُ يجبُ الحدُّ علَى السكرانِ ثمانينَ جلدةً، قالُوا: لقيامِ الإجماعِ عليهِ في عهدِ عمرَ (^٧) فإنَهُ لم ينكرْ عليهِ أحدٌ. وذهبَ الشافعيُّ في المشهورِ عنهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٣٨/ ١٧٠٧)، وأبي داود (٤٤٨٠).\n(^٢) في (أ): \"إليَّ\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) البخاري (٧/ ٣٦٩٦).\n(^٥) في (أ): \"الأربعين جلدة\".\n(^٦) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٩٦)، و\"شرح فتح القدير\" (٥/ ٨٣)، و\"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٩٤)، و\"المغني\" (١٠/ ٣٢٥ رقم ٧٣٤١)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ١٨٩).\n(^٧) \"موسوعة فقه عمر بن الخطاب\" (١٠٣).","vol":"7","page":168},{"text":"وداودُ (^١) أنهُ [أربعونَ] (^٢) لأنهُ الذي رُوِيَ عنهُ - ﷺ - فعلُه، ولأنهُ الذي استقرَّ عليهِ الأمرُ في خلافةِ أبي بكرٍ (^٣) - ﵁ -، ومَنْ تَتَبَّعَ ما في الرواياتِ واختلافِها علمَ أنَّ الأحْوطَ [الأربعونَ] (^٤) ولا يُزَادُ عليها.\nوفي هذَا الحديثِ: \"أنَّ رجلًا شهدَ عليه أي على الوليدِ أنهُ رآهُ يتقيأُ الخمرَ، فقالَ عثمانُ: إنهُ لم يتقيأْها حتَّى شربَها\"، في مسلم (^٥): \"أنهُ شهدَ عليهِ رجلانِ أحدُهما حمرانُ أنهُ شربَ الخمرَ، وشهدَ عليهِ آخَرُ أنهُ رآهُ يتقيؤُها … الحديث\".\nقالَ النوويُّ في \"شرح مسلمٍ\" (^٦): هذَا دليلٌ لمالكٍ وموافقيْهِ في أنَّ منْ تَقَيَّأَ الخمرَ يُحَدُّ حدَّ شاربِ الخمرِ، ومذهبُنا أنهُ لا يُحَدُّ بمجردِ ذلكَ لاحتمالِ أنهُ شربَها جاهلًا كونَها خمرًا أوْ مكرَهًا عليها وغيرَ ذلكَ منَ الأعذارِ المسقِطةِ للحدودِ، ودليلُ مالكٍ قويٌّ لأنَّ الصحابةَ اتفقُوا على جلدِ الوليدِ بنِ عقبةَ المذكورِ فى هذا الحديثِ اهـ.\nقلتُ: بمثلِ ما قالَهُ مالكٌ قالته الهادويةُ (^٧)، ثمَّ لا يخْفَى أنَّ اقتصارَ المصنفِ على الشاهدِ [على القيء] وحدَه تقصيرٌ لإيهامِهِ أنهُ جُلِدَ الوليدُ بشهادةِ واحدٍ على القيء [وليس كذلك كما عرفنا، لا بما ذكره مسلم من الرواية فلا يتم الدليل على أن الشهادة على القيء كافية في ثبوت الحد إلا أن يقوم دليل غير ما هنا] (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>قتل من شرب الخمر أربع مرات</span>\n٣/ ١١٦٥ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - عَن النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ في شَارب الْخَمْر:\n_________\n(^١) \"مغني المحتاج\" (٤/ ١٨٩)، و\"المحلَّى\" (١١/ ٣٦٥).\n(^٢) في (أ): \"أربعين\".\n(^٣) \"موسوعة فقه أبي بكر الصديق\" قلعه جي (١٠٩).\n(^٤) في (أ): \"أربعين\".\n(^٥) \"صحيح مسلم\" (٣٨/ ١٧٠٧).\n(^٦) \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١١/ ٢١٩).\n(^٧) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٩٤).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"7","page":169},{"text":"\"إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابعَةَ فَاضْرِبوا عُنُقَهُ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَريحًا عَن الزُّهْريِّ (^١). [إسناده حسن]\n(وعنْ معاويةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - أنهُ قالَ في شاربِ الخمرِ إذا شربَ فاجلِدُوهُ، ثم إذا شربَ فاجلدُوه، ثمَّ إذا شربَ الثالثةَ فاجلدُوه، ثمَّ إذا شربَ الرابعةَ فاضرِبُوا عُنُقَهُ. أخرجَهُ أحمد - وهذا لفظُه -[وأخرجه] (^٢) الأربعةُ).\nاختلفتِ الرواياتُ في قتلِه، هلْ يُقْتَلُ [إن] (^٣) شربَ الرابعةَ أوْ [إنْ شربَ] (^٤) الخامسةَ؟\nفأخرجَ أبو داودَ منْ روايةٍ أبانَ [العطار] (^٥) (^٦) وذكرَ الجلدَ ثلاثَ مراتٍ بعدَ\n_________\n(^١) \"المسند\" (٤/ ٩٦)، والترمذي (١٤٤٤)، وأبو داود (٤٤٨٢) و(٤٤٨٥) عن الزهري، وابن ماجه (٢٥٧٣).\nقلت: وأخرجه النسائي من طريق جابر في \"السنن الكبرى\"، انظر: \"تحفة الأشراف\" (٢/ ١٣٧٣ رقم ٣٠٧٣) والبزار (٢/ ٢٢١ رقم ١٥٦٢) وقال: كان ذلك ناسخًا لقتله ولا نعلم أحدًا حدَّث به إلا ابن إسحاق، وأخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٦١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٧٣) وسكت عنه لأنه أخرجه شاهدًا لما قبله. والبيهقي (٨/ ٣١٤)، وانظر تحقيق المسند للمحدث أحمد شاكر (٩/ ٥٣، ٥٤) ثم قال: وأسانيد حديث جابر كلها صحيحة وساقه من عدة طرق عن جابر، وكذلك انظر: \"نصب الراية\" (٣/ ٣٤٧) للزيلعي. وعبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٤٦ رقم ١٧٠٨٤)، والشافعي في \"الأم\" (٦/ ١٥٥) و(٦/ ١٩٥) وحديث الزهري عن قبيصة كلهم أخرجوه عن سفيان بن عيينة، وقبيصة ولد زمن النبي ولم يسمع منه والزهري لم يسمع من قبيصة أيضًا، وذكر الزيلعي أن قبيصة من ولد الصحابة، له رؤية، وفي صحبته خلاف. وفي \"الجوهر النقي\" (٨/ ٣١٣ - ٣١٤) ذكر ابن التركماني أنه مرسل منقطع. وفي تحقيق المسند (٩/ ٦١، ٦٢) قال أحمد محمد شاكر: هو حديث ضعيف حكمه حكم غيره من المراسيل. وانظر تخريجنا له في: \"الروضة الندية\" (٢/ ٦١٣، ٦١٤).\n(^٢) في (ب): \"و\".\n(^٣) في (أ): \"بعد\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"القصَّار\"، والصواب ما في (أ)، انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٥٦، ٥٧) ط: الرسالة.\n(^٦) \"السنن\" (رقم/ ٤٤٨٢).","vol":"7","page":170},{"text":"الأُولى ثمَّ قال: \"فإنْ شربُوا فاقتلُوهم\"، وأخرجَ منْ حديثِ ابنِ عمرَ (^١) منْ روايةِ نافعٍ عنهُ أنهُ قالَ: وأحسبُه قالَ في الخامسةِ: \"فإنْ شَرِبَها فاقتلُوه\".\nوإلى قتلِه ذهبَ الظاهريةُ واستمرَّ عليهِ ابنُ حزمٍ (^٢) واحتجَّ لهُ وادَّعى عدمَ الإجماعِ علَى نَسْخِهِ والجمهورُ (^٣) على أنهُ منسوخٌ ولم يذكُروا له ناسِخًا صريحًا إلَّا ما يأتي منْ روايةِ أبي داودَ عنِ الزهريِّ (^٤) أنهُ - ﷺ - تركَ القتلَ في الرابعةِ وقدْ يُقَالُ القولُ أقْوى منَ التركِ فلعلَّه - ﷺ - تركهُ لِعُذْرٍ، واللهُ أعلم.\n(وذكرَ الترمذيُّ ما يدلُّ علَى أنهُ منسوخٌ وأخرجَ ذلكَ أبو داودَ صريحًا عنِ الزهريِّ)، يريدُ ما أخرجَهُ منْ روايةِ الزُّهْرِيِّ عنْ قُبَيْصَةَ بنِ ذُؤَيْبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ شربَ الخمرَ فاجلِدُوهُ - إلى أنْ قالَ: ثمَّ إذا شربَ في الرابعةِ فاقتلُوه. قالَ: فَأُتِيَ برجُلٍ قدْ شربَ فجلدَه، ثمَّ أُتيَ بهِ قدْ شربَ فجلدَهُ ثمَّ أُتِيَ بهِ قدْ شربَ فجلَدَهُ، ثمَّ أُتِيَ بهِ الرابعةَ فجلدَه فَرُفِعَ القتلُ عنِ الناسِ فكانتْ رخصةً\" (^٥)، قالَ الشافعيُّ (^٦): هذا (يريدُ نسخَ القتلِ) مما لا [خلاف] (^٧) فيهِ بينَ أهلِ العلمِ، ومثلَه قالَ الترمذي (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1244>لا يحل ضرب الوجه</span>\n٤/ ١١٦٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٩). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إذا ضربَ أحدُكم فليتقِ الوجهَ. متفقٌ عليهِ).\n_________\n(^١) \"السنن\" (رقم/٤٤٨٣) وقال: وكذا في حديث أبي غطيف.\n(^٢) \"المحلى\" (١١/ ٣٧٠).\n(^٣) \"الروضة الندية\" (٢/ ٦١٤) بتحقيقنا.\n(^٤) \"السنن\" (رقم/ ٤٤٨٥).\n(^٥) انظر هامش رقم (٦).\n(^٦) \"الأم\" (٦/ ١٥٥، ١٥٦).\n(^٧) في (ب): \"اختلاف\".\n(^٨) في \"السنن\" (٤/ ٤٩).\n(^٩) البخاري (٢٥٥٩) وفيه إذا قاتل، ومسلم (١١٢/ ٢٦١٢)، وأبي داود (٤٤٩٣)، وأحمد (٢/ ٣١٣، ٣٢٧، ٣٤٧، ٤٤٩، ٤٦٣، ٥١٩).","vol":"7","page":171},{"text":"الحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يحلُّ ضربُ الوجهِ في حدٍّ ولا غيرِه، وكذلكَ لا يُضْرَبُ المحدودُ في المراقِ والمذاكيرِ، لما أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (^١) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ للجلَّادِ: \"اضربْ في أعضائِه، وأعطِ كلَّ عُضْوٍ حقَّه، واتقِ وجْهَهُ ومذاكيرَهُ\"، وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ وسعيدُ بنُ منصورٍ والبيهقيُّ (^٢) منْ طُرُقٍ عنْ عليٍّ ﵇.\nوإنَّما نَهَى عنِ المذاكيرِ والمراقِ؛ لأنهُ لا يُؤْمَنُ عليهِ معَ ضرْبِها، [واختُلِفَ] (^٣) في ضَرْبهِ في الرأسِ فذهبَ جماعةٌ منَ العلماءِ إلى أنهُ لا يُضْرَبُ فيهِ إذْ هوَ غيرُ مأمونٍ (^٤). وذهبتِ الهادويةُ وغيرُهم (^٥) إلى جوازِ ضَرْبهِ فيهِ، قالُوا: لقولِ عليٍّ ﵇ (^٦) للجلادِ \"اضربِ الرأسَ\"، ولقولِ أبي بكرٍ (^٧) - ﵁ -: \"اضربِ الرأسَ فإنَّ الشيطانَ فيهِ\"، أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ وفيهِ ضعفٌ وانقطاعٌ. وذهبَ مالكٌ (^٨) إلى أنهُ لا يُضْرَبُ إلَّا في رَأْسِهِ.\nفائدةٌ: في الحديثِ أنهُ - ﷺ - (^٩) أمرَ أنْ يُحْثَى عليهِ الترابُ ويبكتَ، فلمَّا ولَّى شرعَ القومُ يسبُّونه ويدعونَ عليهِ ويقولُ القائلُ: اللهمَّ العنْهُ، فقالَ - ﷺ -: \"لا تقولُوا هذَا ولكنْ قولُوا: اللهمَّ اغفرْ لهُ، اللهمَّ ارحمْهُ\". وأوجبَ المازريّ التبكيتَ والتثريبَ.\nوأمَّا صفةُ سوطِ الضربِ فأخرجَ مالكٌ في \"الموطأِ\" عنْ زيدِ بنِ أسلمَ مرسلًا: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - أرادَ أنْ يجلدَ رجلًا فأُتِيَ بسوطٍ خَلِقٍ، فقالَ: فوقَ هذَا،\n_________\n(^١) \"الكتاب المصنف\" (١٠/ ٤٨ رقم ٨٧٢٤).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" البيهقي (٨/ ٣٢٧)، و\"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٨).\n(^٣) في (أ): \"واختَلفوا\".\n(^٤) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٨٢).\n(^٥) \"البحر الزخار\" (٥/ ١٥٥).\n(^٦) قال صاحب \"البحر الزخار\": لم أقف عليه (٥/ ١٥٥).\n(^٧) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٥١ رقم ٩٠٨٢)، و\"نصب الراية\" (٣/ ٣٢٤) عن وكيع عن المسعودي وقال: والمسعودي ضعيف.\n(^٨) قال مالك: يضرب في الحدود الظهر وما يقاربه، \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٨٢) بتحقيقنا.\n(^٩) أخرجه أبو داود (٤٤٧٨). وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":172},{"text":"فَأُتِيَ بسوطٍ جديدٍ فقالَ: دونَ هذَا\"، فيكونُ بينَ الجديدِ والخلِقِ. وذكرَ الرافعيُّ عنْ عليٍّ (^١) ﵇: \"سوطُ الحدِّ بينَ سوطينِ، وضَرْبُه بينَ ضَرْبَيْنِ\"، قالَ ابنُ الصلاحِ: والسوطُ هوَ المتَّخَذُ منْ سُيُورٍ تُلْوَى وتُلَفُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1245>عدم إقامة الحد في المسجد</span>\n٥/ ١١٦٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لا تُقَامُ الْحُدُودُ في الْمَسَاجِدِ\"، رَوَاهُ الترْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ (^٢). [حسن لغيره]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تُقَامُ الحدودُ في المساجدِ. رواهُ الترمذيُّ والحاكمُ). وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٣)، وفي إسنادِه إسماعيلُ بنُ مسلمٍ المكيِّ ضعيفٌ منْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وأخرجَهُ أبو داودَ والحاكمُ وإبنُ السَّكَنِ والدارقطنيُّ والبيهقيُّ منْ حديثٍ حكيمِ بنِ حزامٍ (^٤)، ولا بأسَ بإسنادِه. ولهُ طُرُقٌ أُخَرُ والكلُّ متعاضِدَةٌ وقدْ عمِلَ بهِ الصحابةِ، فَأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٥) عنْ طارقِ بنِ شهابٍ قالَ: \"أُتِيَ عمرُ بنُ الخطابِ برجلٍ في حدٍّ، فقالَ: أخرجَاهُ منَ المسجدِ ثمَّ اضرِبَاهُ\"، وأسندَهُ على شرطِ الشيخينِ.\nوأخرجَ (^٦) عنْ عليٍّ ﵇: \"أنَّ رجلًا جاءَ إليهِ فسارَّهُ، فقالَ: يا قنبرُ أخرِجْهُ منَ المسجدِ فأقمْ عليهِ الحدَّ\"، وفي [إسناده] (^٧) مقالٌ. وإلى عدمِ جوازِ إقامةِ الحدِّ في المسجَدِ ذهبَ أحمدُ وإسحاقُ والكوفيونَ (^٨) لما ذُكِرَ منَ الدليلِ.\n_________\n(^١) \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٨). وقال الحافظ لم أره عنه هكذا.\n(^٢) أخرجه الترمذي رقم (١٤٠١) وفي إسناده: إسماعيل بن مسلم المكي، قال أحمد: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وأورد له الذهبي هذا الحديث في \"الميزان\" (١/ ٣٤٨) وقال: من مناكيره، وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٩) وله طرق أخرى فهو حديث حسن لغيره.\n(^٣) \"السنن\" (٢٥٩٩).\n(^٤) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٢٤٩٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٦٩)، والدارقطني (٣/ ٨٦ رقم ١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٢٨)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٢ رقم ٨٦٩٦)، وهو حديث حسن لغيره.\n(^٥) \"المصنف\" (١٠/ ٤٢ رقم ٨٦٩٥).\n(^٦) \"المصنف\" (١٠/ ٤٢ رقم ٨٦٩٤).\n(^٧) في (ب): \"سنده\".\n(^٨) \"المغني\": (١٠/ ٣٣٥ رقم ٧٣٥٩).","vol":"7","page":173},{"text":"وذهبَ ابنُ أبي لَيْلَى (والشعبيُّ) (^١) إلى جوازِهِ ولم يذكرْ لهُ دليلًا، وكأنَّه حَمَلَ النَّهْيَ على التنزيهِ.\nقالَ ابنُ بطَّالٍ: وقولُ مَنْ نزَّهَ المسجدَ أَوْلَى - يريدُ قولَ الأوَّلَيْنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1246>تسمية النبيذ خمرًا</span>\n٦/ ١١٦٨ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَحْريمَ الْخَمْر وَمَا بالْمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إلَّا مِنْ تَمْرٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قالَ: لقد أنزلَ اللهُ تعالَى تحريمَ الخمْرِ، وما بالمدينةِ شرابٌ يُشْرَبُ إلَّا منْ تمرٍ. أخرجَهُ مسلمٌ)، فيهِ دليلٌ على ما سلفَ منْ تسميةِ نبيذِ التمرِ خمرًا عندَ نُزُولِ آيةِ التحريمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1247>الخمر منَ خمسة أصناف</span>\n٧/ ١١٦٩ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِير. وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - قالَ: نزلَ تحريمُ الخمرِ وهيَ منْ خمسةٍ: منَ العنبِ والتمرِ والعسلِ والحنطةِ والشعيرِ، والخمرُ ما خامرَ العقلَ. متفقٌ عليهِ)، وأخرجَهُ الثلاثةُ أيضًا. لا يُقَالُ إنهُ مُعَارَضٌ بحديثِ أنسٍ (^٤) لأنَّ حديثَ أنسٍ إخبارٌ عمَّا كانَ منَ الشرابِ في المدينةِ، وكلامُ عمرَ ليسَ فيهِ تقييدٌ بالمدينةِ وإنَّما هوَ إخبارٌ عمَّا يشربُهُ النَّاسُ مطْلقًا، وقولُه: \"والخمرُ ما خامرَ العقلَ\"، إشارةٌ إلى وجْهِ التسميةِ، وظاهرُه\n_________\n(^١) \"المحلَّى\": (١١/ ١٢٤ رقم ٢١٦٥).\n(^٢) البخاري (٥٥٨٤)، ومسلم (١٩٨٢)، وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن جابر (٤/ ١٤١) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والنسائي أيضًا عن جابر (٨/ ٢٨٨ رقم ٥٥٤٦).\n(^٣) البخاري رقم (٥٥٨١)، ومسلم رقم (٣٠٣٢). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٦٦٩)، والترمذي رقم (١٨٧٤)، والنسائي (٨/ ٢٩٥).\n(^٤) انظر: تخريج الحديث رقم (١١٦٨).","vol":"7","page":174},{"text":"أنَّ كلَّ ما خالطَ العقلَ أو غطَّاهُ يُسمَّى خمرًا لغةً، سواءٌ كانَ مما ذُكِرَ أو غيرِه، ويدلُّ لهُ أيضًا الحديثُ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-1248>كل مسكر حرام</span>\n٨/ ١١٧٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: كلُّ مسكرٍ خمرٌ وكلُّ مسكرٍ حرامٌ. أخرجَهُ مسلمٌ)، فإنهُ دالٌّ على أنَّ كلَّ مسكرٍ يسمَّى خمرًا. وفي قولِه: \"وكلُّ مسكرٍ حرامٌ\" دليلٌ علَى تحريمِ كلِّ مسكرٍ، وهوَ عامٌّ لكلِّ ما كانَ منْ عصيرٍ أوْ نبيذٍ، وإنَّما اختلَفَ العلماءُ بالمرادِ بالمسْكِر هلْ يرادُ تحريمُ القدْرِ المسْكِرِ أوْ تحريمُ تناولِهِ مطْلَقًا وإنْ قلَّ ولم يسْكِرْ إذا كانَ في ذلكَ الجنسِ صلاحيةُ الإسكارِ؟ ذهبَ إلى تحريمِ القليلِ والكثيرِ مما أسكرَ جنسُه الجمهورُ منَ الصحابةِ وغيرُهم وأحمدُ وإسحاقُ والشافعيُّ ومالكٌ والهادويةُ (^٢) جميعًا، مستدلِّينَ بهذا الحديثِ وحديثِ جابرٍ (^٣) الآتي بعد هذا، وبما أخرجَهُ أبو داودَ (^٤) منْ حديثٍ عائشةَ: \"كلُّ مسكِرٍ حرامٌ، وما أسكرَ منهُ الفرقُ فَمِلءُ الكفِّ حرامٌ\"، وبما أخرجَهُ ابنُ حبَّانَ (^٥) والطحاويُّ (^٦) منْ حديثِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"أنْهَاكُمْ عنْ قليلِ ما\n_________\n(^١) مسلم (٢٠٠٣)، قلت: وأخرجه أبو داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي (٨/ ٢٩٧ رقم ٥٥٨٦)، وأحمد (٢/ ١٦)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٣١٢ رقم ١٣٢١٣) و(١٢/ ٣٣٢ رقم (١٣٢٦٨)، وابن ماجه (٩/ ٣٣٩٠)، وابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٣ رقم ١٧٨٥).\n(^٢) \"بداية المجتهد\" (٤/ ٣٩٤) بتحقيقنا، و\"المغني\" (١٠/ ٣٢٣ رقم ٧٣٣٨)، و\"المجموع\" (٢٠/ ١١٢)، و\"البحر الزخار\" (٥/ ١٩٢).\n(^٣) سيأتي تخريجه للحديث رقم (١١٧١).\n(^٤) \"السنن\" (٣٦٨٧)، وانظر تخريجنا له في \"الروضة الندية\" (٢/ ٤٣٦، ٤٣٧).\n(^٥) \"الإحسان\" (١٢/ ١٩٢ رقم ٥٣٧٠)، قلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٣٠١ رقم ٥٦٠٩)، والدارقطني (٤/ ٢٥١ رقم ٣١)، وابن الجارود (٣/ ١٥٤، ١٥٥ رقم ٨٦٢)، والدارمي (٢/ ١١٣)، والطحاوي (٤/ ٢١٦)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦) من طرق عن الضحاك بن عثمان.\n(^٦) في المخطوطة: البخاري، والمثبت الطحاوي (٤/ ٢١٦).","vol":"7","page":175},{"text":"أسكرَ كثيرُه\"، وفي معناهُ رواياتٌ كثيرةٌ لا تخلُو عنْ مقالٍ في أسانيدِها لكنَّها تعتضِدُ بما سمعتَ، قالَ أبو مظفَّرٍ السمعانيِّ: الأخبارُ في ذلكَ كثيرةٌ لا مساغَ لأحدٍ في العدولِ عنْها، وذهبَ الكوفيونَ وأبو حنيفةَ وأصحابُه وأكثرُ علماءِ البصرةِ (^١) إلى أنهُ يحلُّ دونَ المسكرِ منْ غيرِ عصيرِ العنبِ والرطبِ.\nوتحقيقُ مذهبِ الحنفيةِ قدْ بسطَهُ في \"شرحِ الكنز\" (^٢) حيثُ قالَ: إنَّ أبا حنيفةَ قالَ: الخمرُ هوَ النِّيءُ منْ ماءِ العنبِ إذا غُلِيَ واشتدَّ وقذَفَ بالزبَدِ حُرِّمَ قليلها وكثيرها، وقال: إن الغليان من آية الشدَّة وكمالهُ بقذف الزَّبد وبسكونِه، إذْ بهِ يتميزُ الصافي منَ الكدِرِ، وأحكامُ الشرعِ قطعيةٌ فتُنَاطُ بالنهايةِ كالحدودِ وإكفارِ المستحِلِّ وحُرمةِ البيعِ والنجاسةِ.\nوعندَ صاحِبَيْهِ إذا اشتدَّ صارَ خمرًا ولا يشتَرَطُ القذفُ بالزبدِ لأنَّ الاسمَ يثبتُ بهِ والمعنَى المقتضي للتحريمِ وهوَ المؤثرُ في الفسادِ وإيقاع العداوةِ، وأما الطِلاءُ بكسرِ الطاءِ فهو العصيرُ منَ العنبِ إنْ طُبِخَ حتَّى يذهبَ أَقلُّ منْ ثُلُثَيْهِ، والسَّكَرُ بفتحتينِ وهوَ النيءُ منْ ماءِ الرطبِ ونقيعِ الزبيبِ، وهوَ النِّيءُ منْ ماءِ الزبيبِ، والكل حرامٌ إن غَلَى واشتدَّ، وحرمتُها دونَ الخمرِ، والحلالُ منْها أربعةٌ: نبيذُ التمرِ والزبيبِ إنْ طُبِخَ أدنَى طَبْخٍ وإنِ اشتدَّ إن شربَ ما لا يسكرُ بِلَا لَهْوٍ وطربٍ، والخليطانِ وهوَ أنْ يُخْلَطَ ماءُ التمرِ وماءُ الزبيبِ، ونبيذُ العسلِ والتينِ والبرِّ والشعيرِ والذرةِ، طُبِخَ أوْ لَا، والمثلثُ العنبيُّ. انتَهى كلامُه ببعضِ تصرُّفٍ فيهِ.\nفهذهِ الأنواعُ هي التي لم يقل بحرمتها استدلَّ بأنَّها لا تدخلُ تحتَ مُسَمَّى الخمرِ فلا يشملُها أدلةُ تحريمِ الخمرِ، وتأول حديثُ ابنِ عمرَ (^٣) هذا بما قالَه الطحاويُّ (^٤) حيثُ قالَ في تأويلِ الحديثِ: قالَ بعضُهم، المرادُ بهِ ما يقعُ للسكر عندَه، قالَ: ويؤيدُه أنَّ القاتلَ لا يُسَمَّى قاتِلًا حتَّى يَقْتُلَ، قالَ: ويدلُّ لهُ حديثُ ابنِ عباسٍ يرفعُه: \"حُرِّمَتِ الخمرُ قليلُها وكثيرُها والسكرُ منْ كلِّ شرابٍ\". أخرجَهُ\n_________\n(^١) \"المغني\" (١٠/ ٣٢٣)، و\"كشف الحقائق\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٢) \"كشف الحقائق\" (٢/ ٢٤٦).\n(^٣) تقدم تخريجه قريبًا بالحديث رقم (١١٧٠).\n(^٤) الطحاوي (٤/ ٢١٤).","vol":"7","page":176},{"text":"النسائيُّ (^١) ورِجالُه ثِقَاتٌ إلَّا أنهُ اختُلِفَ في وصْلِهِ وانقطاعِهِ، وفي رفْعِهِ ووقْفِهِ، علَى أنهُ على تقديرِ صِحَّتِهِ فقدْ قالَ أحمدُ وغيرُه: إنَّ الراجحَ أنَّ الروايةَ فيهِ المُسْكِرُ بضمِّ الميمِ وسكونِ السينِ لا السُّكْرُ بضمِّ السينِ أو [بفتحتين] (^٢)، وعلى تقديرِ ثبوتهِ فهوَ حديثُ فردٍ لا يقاوِمُ ما عرفْتَ منَ الأحاديثِ التي ذكرنَاها، وقدْ سردَ لهم في الشرحِ أدلةً منْ آثارٍ وأحاديثَ لا يخلُو شيءٌ منْها عنْ قادحٍ فلا ينتهض على المدَّعَى. ثمَّ لفظُ الخمرِ قدْ سمعتَ أنَّ الحقَّ فيهِ لغةً عمومُه لكلِّ مُسْكِرٍ كما قالَه مجدُ الدِّينِ (^٣)، فقدْ تناولَ ما ذكرَ دليلَ التحريمِ.\nوقدْ أخرجَ البخاريُّ (^٤) عنِ ابنِ عباسٍ لما سألَه أبو جويريةَ عنِ الباذِق - بالباءِ الموحدةِ والذالِ المعجمة المفتوحةِ وقيلَ المكسورةُ، وهوَ فارسيٌّ معرَّبٌ أصلُه باذهْ - وهوَ الطلاءُ، فقالَ ابن عباسٍ: \"سبقَ محمدٌ - ﷺ - الباذِقَ، ما أسكرَ فهوَ حرامٌ، الشرابُ الحلالُ الطيِّبُ، ليسَ بعدَ الحلالِ الطيبِ إلا الحرامُ الخبيثُ\".\nوأخرجَ البيهقيُّ (^٥) عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ أتاهُ قومٌ يسألونَ عنِ الطلاءِ، فقالَ ابنُ عباسٍ: وما طلاؤُكم [هذا] (^٦)؟ إذا سألتموني فبيِّنوا لي الذي [سألتموني] (^٧) عنهُ، فقالُوا: هوَ العنبُ [يُعْصَرُ] (^٨) ثمَّ [يُطْبَخُ] (^٩) ثمَّ [يُجْعَلُ] (^١٠) في الدِّنانِ، قالَ: وما الدنانُ؟ قالُوا: دنانٌ مقيَّرةً (^١١)، قالَ: مزفتةٌ؟ قالُوا: نعمْ، قالَ: أيسكر؟ قالُوا: إذا كثر منه أسكر، قالَ: فكلُّ مسكرٍ حرامٌ.\nوأخرجَ عنهُ (^١٢) أيضًا أنهُ قالَ في الطلي: إنَّ النارَ لا تُحِلُّ شيْئًا ولا تحرِّمهُ، وأخرجَ أيضًا عنْ عائشةَ (^١٣) في سؤالِ أبي مسلمٍ الخولانيِّ لها قالَ: يا أمَّ\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٨٠ رقم ٦٧٨٠).\n(^٢) في (أ): \"بفتحها\".\n(^٣) الفيروزآبادي (٤٩٥).\n(^٤) البخاري (٥٥٩٨) قلت: وأخرجه البيهقي (٨/ ٢٩٤).\n(^٥) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩٤).\n(^٦) في (أ): \"هذه\".\n(^٧) في (ب): \"تسألوني\".\n(^٨) في (أ): \"تعصر\".\n(^٩) في (أ): \"تطبخ\".\n(^١٠) في (أ): \"تجعل\".\n(^١١) المقيَّرة: المطلية بالقار، شيء أسود تُطلى به السفن والإبل، أو هو الزفت، قاله في \"القاموس\"، فهو القطران على التفسير الأول. \"من المطبوعة\".\n(^١٢) البيهقي (٨/ ٢٩٤).\n(^١٣) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩٤، ٢٩٥).","vol":"7","page":177},{"text":"المؤمنينَ إنَّهم يشربُونَ شرابًا لهم يعني - أهلَ الشامِ - يُقَالُ لهُ الطلاءُ، قالتْ: صدقَ اللهُ وبلَّغَ حِبِّي (^١)، سمعتُ حِبِّي (١) رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"إنَّ أُناسًا مِنْ أُمَّتي يشربُونَ الخمرَ يسمُّونَها بغيرِ اسمِها\". وأخرجَ (^٢) مثلَه عنْ أبي مالكٍ الأشعريِّ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"ليشربَنَّ أناسٌ منْ أمتي الخمرَ يسمُّونَها بغيرِ اسمِها وتُضْرَبُ علَى رُؤوسِهِمُ المعازفُ، يخسفُ اللهُ بهمُ الأرضَ ويجعلُ منهمْ قِرَدَةً وخنازيرَ\".\nوأخرجَ (^٣) عنْ عمرَ أنهُ قالَ: \"إني وجدتُ منْ فلانٍ ريحَ شرابٍ فزعمَ أنهُ يشربُ الطلاءَ وإني سائلٌ عما يشربُ فإنْ كانَ يسكرُ جلدتُه، فجلدَه الحدَّ تامًا\". وأخرجَ (٣) عنْ أبي عبيدٍ أنهُ قالَ: جاءتْ في الأشربةِ آثارٌ كثيرةٌ مختلفةٌ عنِ النبيِّ - ﷺ - وأصحابهِ وكلٌّ لهُ تفسيرُ:\nفأولُها: الخمرُ وهيَ ما غلَى منْ عصيرِ العنبِ، فهذهِ مما لا اختلافَ في [تحريمِها] (^٤) منَ المسلمينَ، إنَّما الاختلافُ في غيرِها، (ومنْها): السَّكَرُ - يعني بفتحتين -، وهوَ نقيعُ التمرِ الذي لم تمسَّهُ النارُ، وفيهِ يُرْوَى عنِ ابنِ مسعودٍ (^٥) أنهُ قالَ: السَّكَرُ خمرٌ.\n(ومنْها): البَتْعُ، بكسرِ الباءِ الموحدةِ والمثناةِ أي الفوقيةِ الساكنةِ والمهملةِ وهوَ نبيذُ العسلِ، (ومنْها): الجِعةُ (^٦) بكسرِ الجيمِ وهيَ نبيذُ الشعيرِ، (ومنْها): المِزْرُ (^٧). وهوَ منَ الذُّرَةِ جاءَ تفسير هذهِ الأربعةِ عنِ ابنِ عمرَ (٨) - ﵁ -، وزادَ ابنُ المنذر (٨) في الروايةِ عنهُ قالَ: والخمرُ منَ العنبِ والسَّكَرُ منَ التمرِ.\n(ومنْها): السُّكْرُكَةُ، يعني بضمِّ السينِ المهملةِ وسكونِ الكافِ وضمِّ الراءِ فكافٍ مفتوحةٍ، جاء عنْ أبي موسَى (^٨) أنَّها منَ الذرةِ، (ومنْها): الفضيخُ، يعني\n_________\n(^١) الحِبُّ بكسر الحاء: الحبيب \"المطبوعة\".\n(^٢) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩٥). قلت: حديث صحيح كما في \"الصحيحة\" للألباني (١/ ١٣٦، ١٣٩ رقم ٩٠).\n(^٣) \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٩٥).\n(^٤) في (أ): \"تحريمهُ\".\n(^٥) البيهقي (٨/ ٢٩٥).\n(^٦) الجعة بكسر الجيم وفتح العين المهملة الخفيفة كما في \"اللسان\" \"من المطبوعة\".\n(^٧) المِزر بكسر الميم وسكون الزاي كما في \"اللسان\" و\"مختار الصحاح\".\n(^٨) البيهقي (٨/ ٢٩٥).","vol":"7","page":178},{"text":"بالفاءِ والضادِ المعجمةِ والخاءِ المعجمةِ، ما افتضخَ منَ البُسْرِ منْ غيرِ أنْ تمسَّه نارٌ، وسمَّاهُ ابنُ عمرَ (١) الفضوخُ، قالَ أبو عبيدٍ (١): فإنْ كانَ معَ البسرِ تمرٌ فهوَ الذي يُسَمَّى الخليطينِ، قالَ أبو عبيدٍ (^١): بعضُ العربِ [يسمي] (^٢) الخمرَ بِعَيْنِها [الطلي] (^٣)، (قالَ) عبيدُ بنُ الأبرصِ (^٤):\nهي الخمرُ تُكْنَى [الطلي] (^٥) … كما الذئبُ يُكْنَى أبا جعدةِ\nقالَ: وكذلكَ الخمرُ تسمَّى الباذقَ.\nإذا عرفتَ فهذهِ آثارٌ تؤيدُ العملَ بالعمومِ، ومعَ التعارضِ فالترجيحُ للمحرِّمِ على المبيحِ، ومنْ أدلةِ الجمهورِ الحديثُ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-1249>ما أسكر كثيره فقليله حرام</span>\n٩/ ١١٧١ - وَعَنْ جَابرٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَا أَسْكَرَ كثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ\"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: ما أسكرَ كثيرُه فقليلةُ حرامٌ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ الترمذيُّ (^٧) وحسَّنهُ ورجالُه ثِقَاتٌ.\nوأخرجَ النسائيُّ والدارقطنىُّ وابنُ حِبَّانَ (^٨) منْ طَريقِ عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ عنْ أبيهِ بلفظِ: \"نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عنْ قليلِ ما أسكرَ كثيرُه\"، وفي البابِ عنْ\n_________\n(^١) البيهقي (٨/ ٢٩٥).\n(^٢) في (ب): \"تسمى\".\n(^٣) في (ب): \"الطلاء\".\n(^٤) البيهقي (٨/ ٢٩٥).\n(^٥) في (ب): الطلاء.\n(^٦) أخرجه أحمد (٣/ ٣٤٣)، وأبو داود رقم (٣٦٨١)، والترمذي رقم (١٨٦٥) وقال: حديث حسن غريب. وابن ماجه رقم (٣٣٩٣)، وابن حبان رقم (٥٣٨٢) قلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (٨٦٠)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦)، والطحاوي (٤/ ٢١٧) وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ٧٣ رقم ١٧٨٧): ورجاله ثقات. قلت: وهو حديت صحيح.\n(^٧) في الترمذي رقم (١٨٦٥) كما تقدم.\n(^٨) أخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٣٠١ رقم ٥٦٠٩)، والدارقطني (٤/ ٢٥١ رقم ٣١)، وابن حبان رقم (٥٣٧٠). قلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (٨٦٢)، والطحاوي (٤/ ٢١٦)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦)، والدارمي (٢/ ١١٣).","vol":"7","page":179},{"text":"عليٍّ - ﵇ - (^١) وعائشةَ (^٢) - ﵂ - وعنْ خواتٍ (^٣) وعنْ سعيدِ (^٤) وعنِ ابنِ عمرَ (^٥) وزيدِ بنِ ثابتٍ (^٦) كلُّها مخرَّجةٌ في كتبِ الحديثِ، والكلُّ تقومُ به الحجةُ، وتقدَّمَ تحقيقُه.\nفائدةٌ: ويحرمُ ما أسكرَ مِنْ أيِّ شيءٍ وإنْ لم يكنْ مشرُوبًا كالحشيشةِ، قالَ المصنفُ: مَنْ قالَ إنها لا تسكرُ وإنما تُخدِّرُ فهيَ مكابرةٌ، فإنَّها تُحدثُ ما تُحدثُ الخمرَ منَ الطربِ والنشاة، قالَ: وإذا سُلِّمَ عدمُ الإسكارِ فهيَ مُفَتِّرَةٌ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٧) أنهُ: \"نَهَى رسولُ اللهِ عنْ كلِّ مسكرٍ ومفتِّرٍ\".\nقالَ الخطابيُّ (^٨): المفتِّرُ كلُّ شرابٍ يورِثُ الثبور والخَوَرَ في الأعضاءِ، وحَكَى العراقيُّ [وشيخ الإسلام] (^٩) ابنُ تيميةَ (^١٠) الإجماعَ على تحريمِ الحشيشةِ وأنَّ مَنِ استحلَّها كفرَ، قالَ ابنُ تيميةَ (^١١): إنَّ الحشيشةَ أولُ ما ظهرتْ في آخرِ المائةِ السادسةِ منَ الهجرةِ حينَ ظهرتْ دولةُ التتارِ، وهيَ منْ أعظمِ المنكراتِ\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٥٠ رقم ٢١)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦) من وجهين ضعيفين.\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٦٨٧)، والترمذي رقم (١٨٦٦)، والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٢٧)، وابن الجارود رقم (٨٦١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢١٦)، والدارقطني (٤/ ٢٥٠ رقم ٢٢)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦) من طرق عنها بألفاظ، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٥٧)، والحاكم (٣/ ٤١٣)، والدارقطني (٤/ ٢٥٤ رقم ٤٤) وسكت عليه الحاكم والذهبي، وضعَّفه العقيلي.\n(^٤) فلينظر من أخرجه.\n(^٥) أخرجه أحمد (٢/ ٩١)، وابن ماجه رقم (٣٣٩٢)، والبزار (٣/ ٣٥٠ رقم ٢٩١٥ - كشف)، والبيهقي (٨/ ٢٩٦) من أوجه عنه، وهو حديث صحيح.\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٥٧) بسند ضعيف.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٣٦٨٦) وقال المنذري (٥/ ٢٦٩): شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وتكلم فيه غير واحد، والترمذي: يصحِّح حديثه. والخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^٨) في \"معالم السنن\" (٥/ ٢٦٩) هامش المختصر.\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٣٤/ ٢١٠، ٢١٤).\n(^١١) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٣٤/ ٢٠٥).","vol":"7","page":180},{"text":"وهيَ شرٌّ منَ الخمرِ منْ بعضِ الوجوهِ، لأنَّها تورِثُ نشاة ولذةً وطَرَبًا كالخمرِ ويصعبُ الطعامُ عليها أعظمَ منَ الخمرِ، وقدْ أخطأَ (القائلُ):\nحرَّمُوها منْ غيرِ عقلٍ ونقلٍ … وحرامٌ تحريمُ غيرِ الحرامِ\nوأمَّا البنجُ فإنهُ حرامٌ.\nقالَ ابنُ تيميةَ (^١): إنَّ الحدَّ في الحشيشةِ واجبٌ، قالَ ابنُ البَيطارِ: إنَّ الحشيشةَ وتُسَمَّى القنبُ توجدُ في مصرَ مسكرةٌ جِدًا إذا تناولَ الإنسانُ منْها قَدْرَ دِرْهَمٍ أوْ درهميْنِ، وقبائحُ خصالِها كثيرةٌ، وعدَّ منْها بعضُ العلماءِ مائةً وعشرينَ مضرةً دينيةً ودنيويةً، وقبائحُ خصالِها موجودةٌ في الأفيونِ وفيهِ زيادةُ مضارٍّ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في الجوزةِ إنَّها مسكرةٌ، ونقلَه عنهُ متأخِّرُو علماءِ الفريقينِ (^٢) واعتمدُوهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1250>جواز شرب النبيذ إذا اشتد</span>\n١٠/ ١١٧٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُنْبَذُ لَهُ الزَّبيبُ في السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يُنْبَذُ لهُ الزبيبُ في السِّقَاءِ فيشربُه يومَه والغدَ وبعدَ الغدِ، فإذَا كانَ مساءُ الثالثةِ شربَه وسقاهُ، فإنْ فضلَ) بفتحِ الضادِ وكسرِهَا (شيءٌ أهْراقَهُ. أخرجَه مسلمٌ)، هذهِ الروايةُ إحدَى رواياتِ مسلمٍ ولهُ ألفاظٌ [أُخَرُ] (^٤) قريبةٌ منْ هذهِ في المعنَى.\nوفيهِ دليلٌ على جوازِ الانتباذِ ولا كلامَ في جوازِه، وقدْ احتجَّ مَنْ يقولُ بجوازِ شُرْبِ النبيذِ إذا اشتَدَّ بقولِه في روايةٍ أُخْرَى: \"سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ\n_________\n(^١) \"مجموع فتاوى ابن تيمية\" (٣٤/ ٢٠٦).\n(^٢) أي الشافعية والمالكية، لأن ابن دقيق العيد فقيه المذهبين.\n(^٣) مسلم (٧٩، ٨١، ٨٢/ ٢٠٠٤)، قلت: وأخرجه أحمد (١/ ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٤٠)، وأبو داود (٣٧١٣)، والنسائي (٨/ ٣٣٣)، وابن ماجه (٣٣٩٩)، والبيهقي (٨/ ٣٠٠).\n(^٤) في (أ): \"كثيرة\".","vol":"7","page":181},{"text":"بصبِّهِ\" (^١)، فإنَّ سَقْيَهُ الخادمَ دليلٌ على جوازِ شربهِ وإنَّما تركَهُ - ﷺ - تَنَزُّهًا عنهُ، وأُجِيْبَ بأنهُ لا دليلَ علَى أنهُ بلغَ حدَّ الإسكارِ وإنَّما بدا فيهِ بعضُ تَغَيُّرٍ في طَعْمِهِ منْ حموضةٍ أوْ نحوِها فسقاهُ الخادمَ مبادرةً لخشيةِ الفسادِ، ويحتملُ أنْ تكونَ أوْ للتنويعِ كأنهُ قالَ سقاهُ الخادمَ أوْ أمرَ بهِ فَأُهْرِيْقَ، أي إنْ كانَ بدَا في طعمهِ بعضُ تغيرٍ ولم يشتدَّ سقاهُ الخادمَ وإنِ اشتدَّ أمرَ بإهراقِه، وبهذَا جزمَ النوويُّ (^٢) في [تفسير] (^٣) معنَى الحديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1251>التداوي بالخمر حرام</span>\n١١/ ١١٧٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ\"، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [حسن]\n(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ - عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: إنَّ اللهَ لم يجعلْ شِفَاءَكُم فيما حرَّمَ عليكمْ. أخرجَه البيهقيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وأخرجَهُ أحمدُ (^٥) وذكرَهُ البخاريُّ (^٦) تعليقًا عنِ ابنِ مسعودٍ، ويأتي ما أخرجَهُ مسلمٌ (^٧) عنْ وائلِ بنِ حجرٍ.\nوالحديثُ دليلٌ علَى أنهُ يحرُمُ التداوي بالخمرِ؛ لأنهُ إذا لم يكنْ فيهِ شفاءٌ فتحريمُ شُرْبِها باقٍ لا يرفعُه تجويزُ أنهُ يُدْفَعُ بها الضررُ عنِ النفسِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ (^٨)، وقالتِ الهادويةُ (٩) إلا إذا غصَّ بلقمةٍ ولم يجدْ ما يسوِّغُها بهِ إلا الخمرَ جازَ. وادَّعى في \"البحرِ\" (^٩) الإجماعَ على هذَا وفيهِ خلافٌ.\n_________\n(^١) مسلم (٧٩، ٨٠/ ٢٠٠٤).\n(^٢) \"شرح النووي\" (١٣/ ١٧٤).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٥)، وابن حبان في صحيحه (٤/ ٢٣٣ رقم ١٣٩١)، قلت: وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٣٢٦، ٣٢٧ رقم ٧٤٩)، وأحمد في \"كتاب الأشربة\" (٦٣ رقم ١٥٩)، والحاكم (٤/ ٢١٨) من طريق الأعمش عن شقيق. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٨٦) وقال: رواه أبو يعلى والبزار. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق، وللحديث شواهد فهو حديث حسن، واللهُ أعلم.\n(^٥) \"كتاب الأشربة\" (٦٣/ ١٥٩).\n(^٦) البخاري (١٠/ ٧٨ باب رقم ١٥).\n(^٧) يأتي تخريجه في الحديث رقم (١٢/ ١١٧٤) من كتابنا هذا.\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٨٠).\n(^٩) \"البحر الزخار\" (٤/ ٣٥١).","vol":"7","page":182},{"text":"وقالَ أبو حنيفةَ (^١): يجوزُ التداوي بها كما يجوزُ شربُ البولِ والدمِ وسائرِ النجاساتِ للتداوي، قلْنا: القياسُ باطلٌ، فإنَّ المقيسَ عليهِ محرَّمٌ بالنصِّ المذكورِ لعمومِه لكلِّ محرَّمٍ. فائدةٌ: في \"النجمِ الوهاج\" قالَ الشيخُ: كلُّ ما يقولُ الأطباءُ منَ المنافعِ في الخمرِ وشُرْبِها كانَ عندَ شهادةِ القرآنِ (^٢) أنَّ فيها منافعَ للناسِ قبلُ، وأما بعدَ نزولِ آيةِ المائدةِ (^٣) فإنَّ اللهَ تعالَى الخالقَ [لكلِّ شيءٍ] (^٤) سلبَها المنافعَ جُمْلَةً، فليسَ فيها شيءٌ منَ المنافعِ، وبهذَا [تسقطُ] (^٥) مسألةُ التداوي بالخمرِ. والذي قالَه منقولٌ عنِ الربيعِ والضحاكِ، وفيهِ حديثٌ أسندهُ الثعلبيُّ وغيرُه أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ اللهَ تعالَى لما حرَّمَ الخمرَ سلَبها المنافعَ\" (^٦).\n١٢/ ١١٧٤ - وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَميِّ أنَّ طَارقَ بْنَ سُوَيْدٍ - ﵁ - سَأَلَ النَّبيَّ - ﷺ - عَن الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ\". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا (^٧). [صحيح]\n(وعنْ وائلٍ) هوَ ابنُ حُجرٍ بضمِّ الحاءِ وسكونِ الجيمِ (الحضرميِّ أنَّ طارقَ بنَ سويدٍ سألَ النبيَّ - ﷺ - عنِ الخمرِ يصنعُها [للتداوي] (^٨) فقالَ: إنَّها ليستْ بدواءٍ ولكنَّها داءٌ. أخرجَهُ مسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهما).\nأفادَ الحكمُ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ وهوَ تحريمُ التداوي بالخمرِ وزيادةُ الأخبارِ بأنَّها داءٌ، وقدْ عُلِمَ منْ حالِ مَنْ يستعملُها أنهُ يتولَّدُ عنْ شُرْبها أدواءٌ كثيرةٌ، وكيفَ لا يكونُ ذلكَ بعدَ [الإخبار من] (^٩) الشارعِ أنَّها داءٌ، فقبَّحَ اللهُ وُصَّافَها مِنَ الشعراءِ الخلعاءِ ووصَّافَ شُرْبِهَا وتشويقَ الناسِ إلى شربِها والعكوفَ عليها، كأنَّهم يضادونَ اللهَ تعالَى ورسولَه فيما حرَّمهُ، ولا شكَّ أنَهم يقولونَ تلكَ الأشعارَ بلسانٍ شيطانيٍّ يدعونَ إلى ما حرَّمهُ اللهُ ورسولُه.\n_________\n(^١) كذا قال، وفي المبسوط (٢٤/ ٢١) قال: ويكره للرجل أن يداوي بها جرحًا في بدنه أو يداوي بها دابته. وقال في (٢٤/ ٢٥): أما الاستشفاء بعين الخمر فقد بيَّنا أنه لا يحل عندنا.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢١٩.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٩١.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"سقط\".\n(^٦) فلينظر من أخرجه.\n(^٧) مسلم (١٢/ ١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، قلت: وأخرجه الترمذي (٢٠٤٦) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٣٥٠٠)، وأحمد (٤/ ٣١١، ٣١٧) و(٥/ ٢٩٢، ٢٩٣).\n(^٨) في (ب): \"للدواء\".\n(^٩) في (ب): \"إخبار\".","vol":"7","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1252>[الباب الخامس] باب التعزير وحكم الصائل</span>\nالتعزيرُ هو مصدرُ عزرَ منَ العَزْرِ، وهوَ الردُّ والمنعُ، وهوَ في الشرعِ: تأديبٌ على ذَنبٍ لا حدَّ فيهِ، وهوَ مخالِفٌ للحدودِ منْ ثلاثةِ أوجهٍ:\nالأولُ: أنهُ يختلفُ باختلافِ الناسِ، فتعزيرُ ذوي الهيئاتِ أخفُّ ويستوونَ في الحدودِ معَ الناسِ.\nوالثاني: أنَّها تجوزُ فيهِ الشفاعةُ دونَ الحدودِ.\nوالثالثُ: أن التالفَ بهِ مضمونٌ خلافًا لأبي حنيفةَ [والهادوية] (^١) ومالكٍ، وقدْ فرَّقَ قومٌ بينَ التعزيرِ والتأديبِ ولا يتمُّ لهم الفرقُ، ويسمَّى تعزيرًا [لدفعه] (^٢) وردِّهِ عنْ فعلِ القبائحِ، ويكونُ بالقولِ والفعلِ على حسبِ ما يقتضيهِ حالُ الفاعلِ، وقولُه: (وحكمُ الصائل)، الصائل اسمُ فاعلٍ منْ صالَ يصولُ على قَرْنِهِ، إذا سَطا عليهِ واستطالَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1253>الفرق بين الحدود والتعزيرات</span>\n١/ ١١٧٥ - عَنْ أَبي بُرْدَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"الدافعة\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٦٨٤٨)، ومسلم (٤٠/ ١٧٠٨)، وأبو داود (٤٤٩١)، والترمذي (١٤٦٣)، وابن ماجه (٢٦٠١)، وأحمد (٣/ ٤٦٦) و(٤/ ٤٥)، والبيهقي (٨/ ٣٢٨) و(١٠/ ١٤٢)، والدارمي (٢/ ١٧٦)، والدارقطني (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨ رقم ٣٧١).","vol":"7","page":184},{"text":"(عنْ أبي بردةَ الأنصاريِّ - ﵁ - أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: لا يُجْلَدُ) رُوِيَ مبنيًا للمعلومِ ومبنيًا للمجهولِ ومجزومًا على النَّهي، ومرفوعًا على النفي، قوله: (عَشَرَةَ أسواطٍ إلَّا في حدٍّ منْ حدودِ اللهِ تعالَى. متفقٌ عليهِ)، وفي روايةٍ عشرَ جلداتٍ (^١)، وفي روايةٍ: \"لا عقوبةَ فوقَ عشرِ ضرباتٍ\" (^٢).\nوالمرادُ بحدودِ اللهِ ما عيَّنَ الشارعُ [فيها] (^٣) عدَدًا منَ الضربِ أوْ عقوبةً مخصوصةً كالقطعِ والرَّجْمِ، وهذانِ داخلانِ في عمومِ حدودِ اللهِ، خارجانِ عما فيهِ السياقُ، إذِ السياقُ في الضربِ.\nاتفقَ العلماءُ على حدِّ الزِّنى والسرقةِ وشربِ الخمرِ وحدِّ المحاربِ وحدِّ القذْفِ بالزِّنى والقتلِ في الرِدَّةِ والقصاصِ في النفسِ، واختلفُوا في القصاصِ في الأطرافِ هلْ يُسَمَّى حدًا أمْ لا؟ كما اختلفُوا في عقوبةِ جَحْدِ العاريَّةِ واللواطِ وإتْيانِ البهيمةِ، وتحميلِ المرأةِ الفحلَ منَ البهائمِ عليها والسحاقِ، وأكلِ الدَّمِ والميْتَةِ ولحمِ الخنْزِيرِ لغيرِ ضرورةٍ، والسحرِ والقذفِ بشربِ الخمرِ وتركِ الصلاة تكاسُلًا والأكلِ في رمضانَ، والتعريض بالزنى، هلْ يُسَمَّى حدًا أوْ لا؟\nفمنْ قالَ يُسَمَّى حدًا أجازَ الزيادةَ في التعزيرِ عليْها على العشرةِ الأسواطِ، ومَنْ قالَ لا يُسَمَّى لم يُجِزْهُ، إلا أنهُ قدِ اختُلِفَ في العملِ بحديثِ البابِ، فذهبَ إلى الأخذِ بهِ الليثُ وأحمدَ وإسحاقُ وجماعةٌ منَ الشافعيةِ (^٤). وذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وزيدُ بنُ عليٍّ وآخرونَ (^٥) إلى جوازِ الزيادةِ في التعزيرِ على العشرةِ ولكنْ لا يبلغُ أدنَى الحدودِ. وذهبَ القاسمُ والهادي (^٦) إلى أنهُ يكونُ التعزيرُ في كلِّ حدٍّ دونَ حدِّ جِنْسِهِ لما يأتي منْ فعلِ عليٍّ - ﵇ -.\n_________\n(^١) البخاري (٦٨٤٨)، وأبو داود (٤٤٩١)، والترمذي (١٤٦٣)، وابن ماجه (٢٦٠١)، وأحمد (٣/ ٤٦٦) و(٤/ ٤٥)، والبيهقي (١٠/ ١٤٢).\n(^٢) كذا في المطبوعة، والصحيح عشر أسواط كما في مسلم (٤٠/ ١٧٠٨)، والدارمي (٢/ ١٧٦)، والدارقطني (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨ رقم ٣٧١).\n(^٣) في (ب): \"فيه\".\n(^٤) انظر: \"المغني\" (١٠/ ٣٤٢ رقم ٧٣٧٤)، و\"المحلَّى\" (١١/ ٤٠٢).\n(^٥) انظر: \"المغني\" (١٠/ ٣٤٢)، و\"المحلَّى\" (١١/ ٤٠١ رقم ٢٣٠٥).\n(^٦) \"البحر الزخار\" (٥/ ٢١١).","vol":"7","page":185},{"text":"قلتُ: ولا دليلَ لهمْ إلَّا أفعال بعضِ الصحابةِ كما رُوِيَ أنَّ عليًا (^١) - ﵇ - جلَدَ مَنْ وُجِدَ معَ امرأةٍ منْ غيرِ زِنَى مائةَ سوطٍ إلَّا سوطيْنِ، وأنَّ عمرَ (^٢) - ﵁ - ضربَ منْ نقشَ علَى خاتَمِهِ مائةَ سوطٍ، وكذَا رُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ (^٣)، ولا يَخْفَى أنَّ فعلَ بعضِ الصحابةِ ليسَ بدليلٍ ولا يُقَاوِمُ النصَّ الصحيحَ.\nوما نُقِلَ عنْ عمرَ لا يتمُّ لهم دليلًا ولعلَّه لم يبلغِ الحديثُ مَنْ فعلَ ذلكَ منَ الصحابة، كما أنهُ قالَ صاحبُ التقريبِ معتذِرًا لو بلغَ الخبرُ الشافعيَّ لقالَ بهِ لأنهُ قالَ: إذا صحَّ الحديثُ فهوَ مذهبي. ومثلُه قالَ الداودي (^٤) معتذِرًا لمالكٍ: لمْ يبلغْ مالِكًا هذا الحديثُ فرأَى العقوبةَ بقدرِ الذَّنْبِ، ولو بلغَهُ ما عدلَ عنهُ فيجبُ علَى منْ بلَغَهُ أنْ يأخذَ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1254>إقالة ذوي الهيئات ومن هم</span>\n٢/ ١١٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهمْ، إِلَّا الْحُدُودَ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ وَالْبَيْهَقيُّ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: أهيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عثراتِهِمْ إلَّا الحدودَ. رواهُ [أحمدُ] (^٦) وأبو داودَ والنسائيُّ [والبيهقيُّ]) (^٧)، وللحديثِ طُرُقٌ كثيرةٌ لا تخلُو عنْ مقالٍ. والإقالةُ هيَ موافقةُ البائع على نقضِ البيعِ، وأقيلُوا هُنَا مأخوذٌ منها، والمرادُ هنا موافقةُ [ذوي الهيئات] (^٨) على تركِ المؤاخذةِ لهُ أوْ تخفيفِها، وفسَّرَ الشافعيُّ ذوي الهيئاتِ بالذينَ لا يُعْرَفُونَ بالشرِّ فيزلُّ أحدُهم الزلةَ، والعثراتُ جمعُ عثرةٍ والمرادُ [هنَا] (^٩) الزلَّةُ، وحكَى الماورديُّ (^١٠) في ذلكَ وجْهَيْنِ:\n_________\n(^١) \"موسوعة فقه علي\" (١٥٣، ١٥٥).\n(^٢) \"موسوعة فقه عمر\" (٢٢٠).\n(^٣) \"موسوعة فقه عبد الله بن مسعود\" (١٤٣).\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ١٧٩).\n(^٥) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٦)، وأبو داود رقم (٤٣٧٥)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (١٢/ ٤١٣)، والبيهقي (٨/ ٢٦٧، ٣٣٤). وهو حديث صحيح.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب): \"ذي الهيئة\".\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) في كتابه \"الحاوي الكبير\" (١٧/ ٣٥١).","vol":"7","page":186},{"text":"أحدُهما: أنَّهم أصحابُ الصغائر دونَ [أهل] (^١) الكبائرِ.\nوالثاني: مَنْ إذا أذنبَ تابَ.\nوفي عثراتِهِم وجهانِ:\nأحدُهما: الصغائرُ، والثاني: أولُ معصيةٍ يزلُّ فيها مطيعٌ.\nواعلمْ أنَّ الخطابَ في أقيلُوا للأَئِمَةِ لأنَّهم الذينَ إليهم التعزيرُ لعمومِ ولايتهم فيجبُ عليهمُ الاجتهادُ في اختيارِ الأصلحِ لاختلافِ ذلكَ باختلافِ مراتبِ الناسِ وباختلافِ المعاصي، وليسَ لهُ أنْ يفوِّضَه إلى مستحقِّهِ ولا إلى غيرهِ، وليسَ التعزيرُ لغيرِ الإمامِ إلَّا لِثلاثةٍ، الأبُ فإنَّ لهُ تعزيرَ ولدِه الصغيرِ للتعليمِ والزجرِ عنْ سيِّءِ الأخلاقِ، والظاهرُ أنَّ [للأم في زمن كون الصبي في كفالتها] (^٢) لها ذلكَ، وللأمرِ بالصلاةِ والضربِ عليها، وليسَ للأبِ تعزيرُ البالغِ وإنْ كانَ سفيهًا.\nوالثاني: السيدُ يعزِّرُ رقيقَه في حقٍّ نفسهِ وفي حقِّ اللهِ تعالَى على الأصحَّ.\nوالثالثُ: الزوجُ لهُ تعزيرُ زوجتِه في أمرٍ النشوزِ كما [صرَّحَ] (^٣) بهِ القرآنُ [العظيم] (^٤)، وهلْ لهُ ضربُها على تركِ الصلاةِ ونحوِها؟ الظاهرُ أنَّ لهُ ذلكَ إنْ لم يكفِ فيها الزجرُ لأنهُ منْ بابِ إنكارِ المنكرِ، والزوجُ منْ جملةِ مَنْ يُكَلَّفُ بالإنكارِ باليدِ أو اللسانِ أو الجَنانِ، والمرادُ هنا الأولانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1255>ليس في الخمرِ حدٌّ محدود من رسول الله - ﷺ </span>-\n٣/ ١١٧٧ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدَ في نَفْسِي، إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح] (وعنْ عليٍّ - ﵁ - قالَ: ما كنتُ لأقيمَ على أحدٍ حدًا فيموتُ فأجدَ في نفسي إلَّا\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"لأم في مسألة زمن الصبا في كفالته\".\n(^٣) في (أ): \"نطق\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في صحيحه رقم (٦٧٧٨). قلت: وأخرجه مسلم رقم (١٧٠٧).","vol":"7","page":187},{"text":"شاربَ الخمرِ فإنهُ لو ماتَ وَدَيْتُه) بتخفيفِ الدالِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، أي غرِمتُ ديتَهُ [من بيت المال] (^١)، (أخرجَهُ البخاريُّ).\nفيهِ دليلٌ على أنَّ الخمرَ لم يكنْ فيهِ حدٌّ محدودٌ منْ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فهوَ منْ بابِ التعزيراتِ، فإنْ ماتَ ضمنَه الإمامُ، وكذَا كلُّ معزَّرٍ يموتُ بالتعزيرِ يضمنُه الإمامُ، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ.\nوذهب الهادويةُ (^٢) إلى أنهُ لا شيءَ فيمنْ ماتَ بحدٍّ أو تعزيرٍ قياسًا منْهم للتعزيرِ على الحدِّ بجامعِ أنَّ الشارعَ قدْ أذنَ فيهما، قالُوا: وقولُ عليٍّ - ﵇ - هذا إنَّما هوَ للاحتياطِ، وتقدَّمَ الجوابُ بأنهُ إذا أعنتَ في التعزيرِ دلَّ على أنهُ غيرُ مأذونٍ فيهِ منْ أصلِهِ بخلافِ الإعناتِ في الحدِّ فإنهُ لا يُضْمَنُ لأنهُ مأذونٌ في أصلهِ، فإنْ أعنتَ فإنهُ للخطأِ في صفتِه وكأنَّهم يريدونَ أنهُ لم يكنْ مأذونًا في غيرِ ما أَذنَ بهِ بخصوصِهِ كالضربِ مثلًا، وإلَّا فهوَ مأذونٌ في مطلقِ التعزيرِ.\nوتأويلُهم لقولِ عليٍّ - ﵇ - ساقطٌ، فإنهُ صريحٌ في أنَّ ذلكَ واجبٌ لا مِنْ بابِ الاحتياطِ، ولأنَّ في تمامِ حديثِه: \"لأنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - لم يسنَّهُ\"، وأما قولُه: \"جلَدَ رسولُ اللهِ - ﷺ - أربعينَ - إلى قولِهِ - وكلٌّ سنَّةٌ\" (^٣) تقدَّمَ، فلعلَّهُ يريدُ أنهُ جلدَ جلْدًا غيرَ مقدَّرٍ ولا تقرَّرتْ صفتُه بالجريدِ والنعالِ والأيدي، ولِذَا قالَ أنسٌ نحوَ أربعينَ.\nقالَ النوويُّ في \"شرحِ مسلمٍ\" (^٤) ما معناهُ: وأما مَنْ ماتَ في حدٍّ منَ الحدودِ غيرِ الشربِ فقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ إذَا جلدهُ الإمامُ أو جلَّادُه فماتَ فإنهُ لا دِيةَ ولا كفارةَ على الإمامِ ولا على جلَّادِهِ ولا [على] (^٥) بيتِ المالِ، وأما مَنْ ماتَ بالتعزيرِ فمذهبُنا وجوبُ الضمانِ للديةِ والكفارةِ، [ثم] (^٦) ذكرَ تفاصيلَ في ذلكَ مذهبيةً.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) انظر: \"البحر الزخار\" (٥/ ١٩٥).\n(^٣) تقدم تخريجه رقم (٢/ ١١٦٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) في \"شرح مسلم\" (١١/ ٢٢١).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"7","page":188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1256>وجوب الدفاع عن العرض والمال</span>\n٤/ ١١٧٨ - وَعَنْ سَعِيدٍ بْن زيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ انظر: - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهيدٌ\"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١). [صحيح]\nفي قتال الصائل - (وعنْ سعيدٍ بنِ زيدٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ قُتِلَ دونَ مالهِ فهوَ شهيدٌ. رواهُ الأربعةُ وصحَّحَه التِّرمذيُّ). في الحديثِ دليلٌ على جوازِ الدفاعِ عنِ المالِ وهوَ قولُ الجمهورِ وشذَّ مَنْ أوجَبَهُ، فإذا قُتِلَ فهوَ شهيدٌ كما صرَّحَ بهِ هذَا الحديثُ وحديثُ مسلمٍ عنْ أبي هريرةَ: \"أنهُ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ يا رسولَ اللهِ: أرأيتَ إنْ جاءَ رجلٌ يريدُ أَخْذَ مالي؟ قالَ: فلا تعطِهِ، قالَ: فإنْ قاتلَني؟ قالَ: فاقتلْهُ، قالَ: أرأيتَ إن قتلَني؟ قالَ: فأنتَ شهيدٌ، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلْتُهُ؟ قالَ: فهوَ في النارِ\"، قالُوا: فإنْ قتلَه فلا ضمان عليهِ لعدمِ التعدي منهُ، والحديثُ عامٌّ لقليلِ المالِ وكثيرِه.\nوقدْ أخرجَ أبو داودَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ عنهُ - ﷺ -: \"مَنْ قُتِلَ دونَ دينِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ دمِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ مالِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دونَ أهلِه فهوَ شهيدٌ\"، وفي الصحيحينِ ذكرَ المالَ فقطْ.\nووجْهُ الدلالةِ أنهُ لما جعلَهُ - ﷺ - شهيدًا دلَّ على أنَّ لهُ القتلَ والقتالَ. قالَ في \"النجمِ الوهَّاجِ\": ومحلُّ ذلكَ إذا لم يجدْ ملجأ كحصنٍ ونحوِه أو استطاع الهربَ وجبَ عليهِ.\nقلتُ: ولا أدري ما وجْهُ وجوبِ الهربِ عليهِ، قالُوا: ولا يجبُ الدفعُ عنِ المالِ بلْ يجوزُ لهُ أنْ يتظلَّمَ، إلَّا أنهُ قدْ تقدَّمَ أنَّ علماءَ الحديثِ كالمجمعينَ على استثناءِ السلطانِ للآثارِ الواردةِ بالأمرِ بالصبرِ على جَوْرِهِ فلا يجوزُ دفاعُه عنْ أخذِ المالِ ويجبُ الدفعُ عنِ البِضْعِ لأنهُ لا سبيلَ إلى إباحتِه.\nقالُوا: وكذلكَ يجبُ [الدفع عن] (^٢) النفسِ إنْ قَصَدَها كافرٌ لا إذا قصدَها\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٧٢)، والنسائي (٧/ ١١٦)، وابن ماجه رقم (٢٥٨٠)، والترمذي رقم (١٤٢١) وقال: هدا حديث حسن صحيح. وهو حديث صحيح، وقد تقدم.\n(^٢) في (ب): \"على\".","vol":"7","page":189},{"text":"مسلمٌ فلا يجبُ [لما تقدَّمَ قريبًا في شرحِ الحديثِ الأولِ] (^١)، وصحَّ [حديث] (^٢) أنَّ عثمانَ - ﵁ - منعَ عبيدَهُ أنْ يدفعُوا عنهُ وكانُوا أربعَ مائةٍ وقالَ: مَنْ ألقَى سلاحَه فهوَ حرٌّ، قالُوا: وخالفَ المضطرَ فإنَّ في القتلِ شهادةً بخلافِ تركِ الأكلِ، وهلْ تركُ الدفاعِ عنْ قتلِ النفسِ مباحٌ أوْ مندوبٌ؟ فيهِ خلافٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1257>ما الذي ينبغي سلوكه في الفتنة</span>\n٥/ ١١٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"تَكُونُ فِتَنٌ، فكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ الْقَاتِلَ\" أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَالدَّارَقُطْنيُّ.\nوَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (^٣) نَحْوَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ. [حسن لغيره]\n[في قتالِ الصائلِ الذي ذكرَه في الترجمةِ] (^٤) (وعنْ عبدِ اللهِ بنِ خبابٍ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ فموحَّدةِ مشددةٍ فألفٍ فموحدةٍ، وهوَ خبابُ بنُ الأرتِّ صحابيُّ تقدَّمتْ ترجمتُه في الصلاة في الجزء الأول (سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: تكونُ فِتَنٌ فكنْ فيها عبدَ اللهِ المقتولَ ولا تكنِ القاتلَ. أخرجَهُ ابنُ أبي خيثمةَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فمثلثةٍ (والدارقطنيُّ. وأخرجَ أحمدُ نحوَه عنْ خالدِ بنِ عُرفطةَ) (^٥) بضمِّ العينِ المهملةِ وسكونِ الراءِ وضمِّ الفاءِ وبالطاءِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المسند\" (٥/ ٢٩٢).\nقلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٥/ ٣٦ - ٣٧)، والحاكم (٤/ ٥١٧) وقال: تفرد به علي بن زيد القرشي عن أبي عثمان النهدي ولم يحتجَّا بعلي وسكت عليه الذهبي. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٣٠٢) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني وفيه علي بن زيد، وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات\" اهـ. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٨٤) وللحديث شواهد فهو بها حسن إن شاء الله.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: ترجمته في \"الثقات\" (٣/ ١٠٤)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (١/ ١٥٢)، و\"تقريب التهذيب\" (١/ ٢١٦)، و\"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٣٨):، و\"أسد الغابة\" رقم (١٣٧٨)، و\"الاستيعاب\" رقم (٦٣٦)، و\"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٣٧)، و\"الإصابة\" رقم (٢١٨٧).","vol":"7","page":190},{"text":"المهملةِ، وخالدٌ صحابيٌّ عِدَادُه في أهلِ الكوفةِ، رَوَى عنهُ أبو عثمانَ النهديُّ وعبدُ اللهِ بنُ يسارٍ ومسلمٌ مولاهُ، ولَّاهُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ القتالَ يومَ القادسيةِ وماتَ بالكوفةِ سنةَ ستينَ.\nوالحديثُ قدْ أُخرجَ منْ طُرُقٍ كثيرةٍ وفيها كلُّها راوٍ لم يُسَمَّ، وهوَ رجلٌ منْ عبدِ القيسِ كانَ معَ الخوارجِ ثمَّ فارقَهم.\nوسببُ الحديثِ أنهُ قالَ ذلكَ الرجلُ إنَّ الخوارجَ دخلُوا قريةً فخرجَ عبدُ اللهِ بنُ خبابٍ صاحبُ رسولِ اللهِ - ﷺ - ذُعْرًا يجرُّ رداءَه فقالَ: واللهِ رعبتُموني، قال ذلك مرتيْنِ، قالُوا: أنتَ عبدُ اللهِ بنُ خبابٍ صاحب رسول اللهِ - ﷺ -؟ قالَ: نعمْ، قالُوا: هلْ سمعتَ منْ أبيكَ شيئًا تُحدِّثُنا بهِ، قالَ: سمعتُه يحدِّثُ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -: \"أنهُ ذكرَ فتنةً القاعدُ فيها خيرٌ منَ القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ منَ الماشي، والماشي فيها خيرٌ منَ الساعي، فإنْ أدركَكَ ذلكَ فكنْ عبدَ اللهِ المقتولَ\" (^١)، قالُوا: أنتَ سمعتَ هذَا منْ أبيكَ عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ -؟ قالَ: نعمْ، فقدَّموهُ علَى ضفةِ النهرِ فضربُوا عنقَه وبَقَرُوا أمَّ ولدِه عما في بَطْنِها.\nوالحديثُ قدْ أخرجَهُ أحمدُ والطبرانيُّ وابنُ قانعٍ منْ غيرِ طريقِ المجهولِ إلَّا أنَّ فيهِ عليَّ بنَ زيدِ بنِ جدعانَ (^٢) وفيهِ مقالٌ، ولفظُه عنْ خالدِ بنِ عُرفُطَةَ: \"ستكونُ فِتْنَةٌ بعدي وأحداثٌ [واختلافٌ] (^٣)، فإنِ استطعتَ أنْ تكونَ عبدَ اللهِ المقتولَ لا القاتلَ فافعلْ\" (^٤). وأخرجَ أحمدُ (^٥) والترمذيُّ (^٦) منْ حديثٍ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ - ﵁ - قالَ: \"فإنْ دخلَ علي بيتي وبسطَ يدَه ليقتلَني\"؟ قالَ: \"كنْ كابنِ آدمَ\".\n_________\n(^١) أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني - كما في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣) وقال: \"ولم أعرف الرجل الذي من عبد القيس، وبقية رجاله رجال الصحيح\" اهـ.\n(^٢) وهو ضعيف، انظر: \"التقريب\" (٢/ ٣٧).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) تقدم تخريجه رقم (٥/ ١١٧٩) من كتابنا هذا.\n(^٥) في \"المسند\" رقم (١٦٠٩ - شاكرًا) وصحَّحه. وأخرجه مختصرًا من طريق عبد الرحمن بن حسين عن سعد به برقم (١٤٤٦ - شاكر)، وأخرجه أبو داود في \"السنن\" رقم (٤٢٥٧) من الطريق المختصرة إلا أنه قال: حسين بن عبد الرحمن الأشجعي.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢١٩٥) وقال: هذا حديث حسن.","vol":"7","page":191},{"text":"وأخرجَ أحمدُ (^١) [عن] (^٢) ابنِ عمرَ بلفظِ: \"ما يمنعُ أحدَكم إذا جاءَ أحدٌ يريدُ قَتْلَهُ أنْ يكونَ مِثلَ ابني آدمَ القاتلُ في النارِ والمقتولُ في الجنةِ\".\nوأخرجَ أحمدُ (^٣) وأبو داودَ (^٤) وابنُ حبانَ (^٥) منْ حديثٍ أبي موسَى أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ في الفتنةِ: \"كَسِّرُوا فيها قِسِيَّكم وأوتارَكمِ واضْرِبُوا سيوفَكم بالحجارةِ، فإنْ دُخِلَ على أحدِكم بيتَه فليكنْ كخيرِ ابنَيْ آدمَ\"، وصحَّحَهُ القشيريُّ في الاقتراحِ على شرطِ الشيخينِ.\nوالحديثُ [وما في معناه من الأحاديث التي سقناها دالة] (^٦) علَى تركِ القتالِ عندَ ظهورِ الفتنِ والتحذيرِ منَ الدخولِ فيها، قالَ القرطبيُّ: اختلفَ السلفُ في ذلكَ، فذهبَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ ومحمدُ بنُ مسلمةَ وغيرُهم إلى أنهُ يجبُ الكفُّ عنِ المقاتلةِ، فمنْهم مَنْ قالَ: إنهُ يجبُ عليهِ أنْ يلزمَ بيتَه، وقالتْ طائفةٌ: يجبُ عليهِ التحولُ منْ بلدِ الفتنةِ أصلًا، ومنْهم مَنْ قالَ: يتركُ المقاتلةَ وهوَ قولُ الجمهورِ وشذَّ مَنْ أوجَبَهُ حتَّى لو أرادَ أحدُهم قتلَه لم [يدفعْهُ] (^٧) عنْ نفسهِ، ومنْهم مَنْ قالَ: يدافعُ عنْ نفسهِ وعنْ أهلِه وعنْ مالِهِ وهوَ معذورٌ [سواء] (^٨) قَتَلَ أو قُتِلَ (^٩) [وهو الحق] (^١٠).\nوذهبَ جمهورُ الصحابةِ والتابعينَ إلى وجوبِ نصرِ الحقِّ وقتالِ الباغينَ وحملُوا هذهِ الأحاديثَ علَى مَنْ ضَعُفَ عنِ القتالِ أو قصرَ نظرُه عنْ معرفةِ الحقِّ، وقالَ بعضُهم بالتفصيلِ، وهوَ أنهُ إذا كانَ القتالُ بينَ طائفتينِ لا إمامَ لهمْ فالقتالُ حينئذٍ ممنوعٌ، وتنزَّلُ الأحاديثُ على هذَا وهو قولُ الأوزاعيِّ.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ١٠٠).\n(^٢) في (ب): \"من حديث\".\n(^٣) في \"المسند\" (٤/ ٤١٦ و(٤/ ٤٠٨).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٤٢٥٩) و(٤٢٦٢).\n(^٥) رقم (٥٩٦٢ - الإحسان).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٢٠٤)، وابن ماجه رقم (٣٩٦١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف (١٥/ ١٢)، والحاكم (٤/ ٤٤٠) وصححه. وهو حديث صحيح.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ): \"يدفع\".\n(^٨) في (ب): \"إن\".\n(^٩) وهو الأقوى قال الله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١].\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"7","page":192},{"text":"وقالَ الطبريُّ: إنكارُ المنكرِ واجبٌ على مَنْ يقدرُ عليهِ، فمنْ أعانَ المحقَّ أصابَ، ومَنْ أعانَ المبطلَ أخطأَ، وإنْ أشكلَ الأمرُ فهيَ الحالةُ التي وردَ النَّهيُ عنِ القتالِ فيها، وقيلَ: إنَّ النهيَ إنَّما هوَ في آخرِ الزمانِ حيثُ تكونُ المقاتلةُ [لغيرِ الدين] (^١).\nوفيهِ دليلٌ علَى أنهُ لا يجبُ الدفاعُ عنِ النفسِ، وقولُه: إنِ استطعتَ، يدلُّ على أنَّها لا تحرمُ المدافعةُ وأنَّ النَّهْيَ للتنزيهِ لا للتحريمِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"لطلب الملك\".","vol":"7","page":193},{"text":"[الكتاب الثالث عشر] كتابُ الجهَادِ\nالجهادُ مصدرُ جاهدتُ جهادًا، أي بلغتُ المشقةَ، هذا معناهُ لغةً، و[شرعًا] (^١): بذلُ الجهدِ في قتالِ الكفارِ أو البغاةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1260>وجوب العزم على الجهاد</span>\n١/ ١١٨٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَن مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفسَهُ بهِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ مِنْ نِفَاقِ\"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (^٢). [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ ماتَ ولم يغزُ ولم يحدِّثْ نفسَهُ بهِ) - أي بالغزو (ماتَ على شعبةٍ منْ نفاقٍ. رواهُ مسلمٌ).\nفيهِ دليلٌ على وجوبِ العزمِ على الجهادِ، وألحقُوا بهِ فعلَ كلِّ واجبٍ، قالُوا: فإنْ كانَ منَ الواجباتِ المطلقةِ كالجهادِ وجبَ العزمُ على فِعْلِهِ عندَ إمكانِه، وإنْ كانَ منَ الواجباتَ المؤقتةِ وجبَ العزمُ على فعلهِ عندَ دخولِ وقتهِ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الأصولِ (^٣). وفي المسألةِ خلافٌ معروفٌ، ولا يخْفَى أنَّ\n_________\n(^١) في (ب): \"وفي الشرع\".\n(^٢) في صحيحه (٣/ ١٥١٧ رقم ١٩١٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٢ رقم ٢٥٠٢). والنسائي (٦/ ٨ رقم ٣٠٩٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٧٤)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٧٩)، وذكره البغوي \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٧٥).\n(^٣) انظر: مذكرة في أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص ١٤). \"أصول الفقه الإسلامي\" للدكتور وهبة الزحيلي (١/ ٤٩).","vol":"7","page":195},{"text":"المرادَ منَ الحديثِ هُنَا أنَّ مَنْ لم يغزُ بالفعلِ ولمْ يحدِّثْ نفسَه بالغزوِ ماتَ على خصلةٍ منْ خصالِ النفاقِ.\nفقولُه: ولمْ يحدِّثْ نفسَه لا يدلُّ على العزمِ الذي معناهُ عقدُ النيةِ على الفعلِ بلْ معناهُ هُنَا لم يخطرْ ببالِه حينًا من الأحيان أنْ يغزوَ ولا حدَّثَ بهِ نفسَه ولو ساعةً منْ عُمُرِهِ، فلو حدَّثَها بهِ وأخطرَ الخروجَ للغزوِ ببالهِ حينًا منَ الأحيانِ خرجَ عن الاتصافِ بخصلةٍ منْ خصالِ النفاقِ، وهوَ نظيرُ قولِه - ﷺ -: \"ثمَّ صلَّى ركعتينِ لا يحدِّثُ فيهمَا نفسَه\" (^١)، أي لم يخطرْ ببالِه شيءٌ منَ الأمورِ، وحديثُ النفسِ غيرُ العزمِ وعقدِ النيةِ.\nودلَّ على أنَّ مَنْ حدَّثَ نفسَه بفعلِ طاعةٍ ثمَّ ماتَ قبلَ فِعْلِها أنهُ لا يتوجَّهُ عليهِ عقوبةُ مَنْ لمْ يحدِّثْ نَفسَه بها أصلًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>وجوب الجهاد بالنفس</span>\n٢/ ١١٨١ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"جَاهِدُوا الْمُشْرِكينَ بأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: جاهِدُوا المشركينَ بأموالِكُم وأنفسِكم وألسنتِكم. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وصحَّحَهُ الحاكمُ).\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (١/ ٢٥٩ رقم ١٥٩) (وأطرافه - ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣)، ومسلم (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥ رقم ٢٢٦).\n(^٢) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٥١) بسند صحيح.\n- وفي رواية لأحمد في مسنده (٣/ ١٥٣) بسند صحيح \"عن أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ -: \"جاهدوا المشركين بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم وأيديكم\"). - ورواه النسائي (٦/ ٧) (عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم\"). - وقال الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٨١) \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي.\nقلت: والإسناد فيه حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، ومسلم إنما احتج به عند ثابت، عن أنس، فيما نقله الذهبي عن الحاكم في الميزان (٣/ ٥٩٥). وخلاصة القول: أنه حديث صحيح.","vol":"7","page":196},{"text":"الحديثُ دليلٌ على وجوبِ الجهادِ بالنفسِ وهوَ بالخروجِ والمباشرة للكفارِ، وبالمالِ وهوَ بَذْلُه لما يقومُ بهِ منَ النفقةِ في الجهادِ والسلاح ونحوهِ، وهذا هو [المراد] (^١) منْ عِدَّةِ آياتٍ في القرآنِ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (^٢).\nوالجهادُ باللسانِ بإقامةِ الحجةِ عليهمْ ودعائِهم إلى اللهِ تعالَى، وبالأصواتِ عندَ اللقاءِ والزجرِ ونحوِه منْ كلِّ ما فيه نكايةٌ للعدوِّ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (^٣)، وقالَ - ﷺ - لحسانَ: \"إنَّ هجْوَ الكفارِ أشدُّ عليهمْ منْ وقعِ النبلِ\".\n٣/ ١١٨٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، هُوَ الْحَجُّ والْعُمْرَةُ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٤)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالَتْ: قلتُ يا رسولَ اللهِ علَى النساءِ جهادٌ؟) هوَ خَبَرٌ في معنَى الاستفهامِ، وفي روايةٍ: أَعَلَى النساءِ؟ (قالَ: نعمْ جهادٌ لا قتالَ فيهِ الحجُّ والعمرةُ. رواهُ ابنُ ماجهْ وأصلُه في البخاريِّ) بلفظِ: \"قالتْ عائشةُ: استأذنتُ النبيَّ - ﷺ - في الجهادِ فقالَ: جهادكنَّ الحجُّ\"، وفي لفظٍ لهُ آخرَ: \"سأله نساؤه فقالَ: نعمْ الجهادُ الحجُّ\"، وأخرجَ النسائيُّ عنْ أبي هريرةَ: جهادُ الكبيرِ - أي العاجزِ - والمرأةِ والضعيفِ الحجُّ (^٦).\nدلَّ ما ذكرَ [من الروايات] (^٧) علَى أنهُ لا يجبُ الجهادُ على المرأةِ، وعلَى أنّ الثوابَ الذي يقومُ مقامَ ثوابِ جهادِ الرجالِ حجُّ المرأةِ وعمرتُها، ذلكَ لأنَّ النساءَ مأموراتٌ بالسترِ والسكونِ، والجهادُ ينافي ذلكَ، إذْ فيهِ مخالطةُ الأقرانِ والمبارزةُ ورفعُ الأصواتِ، وأما جوازُ الجهادِ لهنَّ فلا دليلَ في الحديثِ على عدمِ\n_________\n(^١) في (ب): \"المفاد\".\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٤١.\n(^٣) سورة التوبة: الآية ١٢٠.\n(^٤) في \"السنن\" (٢٩٠١) وفي صدر الحديث. زيادة: \"عليهن\".\n(^٥) في صحيحه (٢٨٧٥). وانظر: \"الإرواء\": (٩٨١).\n(^٦) في \"السنن\" (٥/ ١١٣ - ١١٤ رقم ٢٦٢٦).\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"7","page":197},{"text":"الجوازِ، وقدْ أردفَ البخاريُّ هذَا البابَ ببابِ خروجِ النساءِ للغزوِ وقتالهِنَّ وغيرِ ذلكَ (^١).\nوأخرجَ مسلمٌ منْ حديثِ أنسٍ: \"أنَّ أمَّ سليمٍ اتخذتْ خِنْجَرًا يومَ حُنَيْنٍ وقالتْ للنبيِّ - ﷺ -: اتخذتُه إنْ دنا منِّي أحدٌ منَ المشركينَ بقرتُ بَطْنَهُ\" (^٢)، فهوَ يدلُّ على جوازِ القتالِ وإنْ كانَ فيهِ ما يدلُّ على أنَّها لا تقاتلُ إلَّا مُدَافَعَةً، وليسَ فيها أنَّها تقصدُ العدوَّ إلى صفِّهِ وطلبِ مبارزتِه، وفي البخاريِّ ما يدلُّ على أنَّ جهادَهُنَّ إذا حَضَرْنَ مواقفَ الجهادِ سقيُ الماءِ، ومداواةُ الجرحى ومناولةُ السِّهامِ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1262>بر الوالدين أفضل من الجهَاد</span>\n٤/ ١١٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵂ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - يَسْتَأْذِنُ في الْجِهَادِ. فَقَالَ: \"أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللهِ بنِ عمر - ﵄ - قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - يستأذنُ في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والدَاكَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: ففيهمَا فجاهدْ. متفقٌ عليهِ). سمَّى إتعابَ النفسِ في القيامِ بمصالحِ الأبويْنِ [وإرغام النفس] (^٥) في طلبِ ما يرضيْهمَا وبذلَ المال في قضاءِ حوائِجهماجهادًا منْ بابِ المشاكَلَةِ لما أستأذَنَهُ في الجهادِ منْ بابِ قولِه تعالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٦)، ويحتملُ أنْ يكونَ مجازًا بعلاقةِ الضديةِ لأنَّ الجهادَ فيهِ إنزالُ الضررِ بالأعداءِ فاسْتُعْمِلَ في إنزالِ النفعِ بالوالديْنِ.\n_________\n(^١) في صحيحه (٦/ ٧٨ رقم الباب رقم ٦٥).\n(^٢) في صحيحه (١٢/ ١٨٧ - ١٨٨). شرح النووي و(٣/ ١٤٤٢ - ١٤٤٣ رقم ١٨٠٩).\n(^٣) في صحيحه (٦/ ٧٩ - ٨٠ رقم ٢٨٨١ - ٢٨٨٢ - ٢٨٨٣).\n(^٤) البخاري رقم (٣٠٠٤، ومسلم رقم (٢٥٤٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١٨٨) و(٢/ ١٩٣، ١٩٧، ٢٢١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٦٣٨)، والنسائي (٦/ ١٠) والترمذي (١٦٧١)، والحميدي رقم (٥٨٥) من طرق.\n(^٥) في (ب): \"إرغامها\".\n(^٦) سورة الشورى: الآية ٤٠.","vol":"7","page":198},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يسقطُ فرضُ الجهادِ معَ وجودِ الأبويْنِ أو أحدِهما لما أخرجَهُ أحمدُ (^١) والنسائيُّ (^٢) منْ طريقِ معاويةَ بنِ جاهمةَ أنَّ أباهُ جاهمةَ جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ اللهِ أردتُ الغزوَ وجئتُ لأستشيركَ، فقالَ: \"هلْ لكَ منْ أمِّ؟ \" قالَ: نعمْ، قالَ: \"الزمْها\". وظاهرُه سواءٌ كانَ الجهادُ فرضَ عينٍ أوْ فرضَ كفايةٍ، وسواءٌ تضررَ الأبوانِ بخروجِه أَوْ لا.\nوذهبَ الجماهيرُ منَ العلماءِ إلى أنهُ يحرمُ الجهادُ على الولدِ إذا منعهُ الأبوانِ أو أحدُهما بشرطِ أنْ يكونا مسلميْنِ، لأنَّ برَّهُما فرضُ عينٍ والجهادُ فرضُ كفايةٍ، فإذا تعيَّنَ الجهادُ فلا يشترط إذنهما، (فإن قيلَ): برُّ الوالدينِ فرضُ عينٍ والجهادُ عندَ تعيينِه فرضُ عينٍ فَهُمَا مستويانِ فما وجْهُ تقديمِ الجهادِ؟\nقلتُ: لأنَّ مصلحتَهُ أعمُّ، إذْ هيَ لحفظِ الدينِ والدفاعِ عنِ المسلمينَ فمصلحتُه عامةٌ مقدَّمةٌ على غيرِها، وهوَ يقدَّمُ على مصلحةِ حفظِ البدنِ. وفيهِ دلالةٌ على عِظَمِ برِّ الوالدينِ فإنهُ أفضلُ منَ الجهادِ، وأنَّ المستشارَ يشيرُ بالنصيحةِ المحضةِ، وأنهُ ينبغي لهُ أنْ يستفصلَ من يستشير ليدله على ما هوَ الأفضلُ.\n٥/ ١١٨٤ - وَلأَحْمَدَ (^٣) وَأَبي دَاوُدَ (^٤) مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ نحوُهُ، وَزَادَ: \"ارْجِع فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا\". [حسن]\n(ولأحمدَ وأبي داودَ منْ حديثٍ أبي سعيدٍ نحوُهُ) في الدلالةِ على أنهُ لا يجبُ عليهِ الجهادُ ووالداهُ في الحياةِ إلَّا بإذنِهمَا كما دلَّ لهُ قولُه: (وزادَ) أي أبو سعيدٍ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٢٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٦/ ١١ رقم ٣١٠٤) بسند حسن.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٣٨) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات.\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٧٥، ٧٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٣٧ - ١٣٨) وقال: إسناد حسن. قلت: فيه درَّاج أبي السمح ضعيف.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٥٣٠).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، والبيهقي (٩/ ٢٦) وصحَّحه الحاكم. ولكن الذهبي تعقبه فقال: درَّاج واه. ولكن للحديث شواهد منها حديث عبد اللهِ بن عمرو المتقدم وغيره، فهو بها حسن.","vol":"7","page":199},{"text":"في روايةٍ: (ارجعْ فاستأْذنْهما فإنْ أَذِنا لكَ) بالخروجِ للجهادِ (وإلا فبرَّهُما) بعدمِ الخروجِ للجهادِ وطاعتِهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1263>وجوب الهجره من ديار المشركين</span>\n٦/ ١١٨٥ - وَعَنْ جَرِيرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - \"أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كلِّ مُسْلِم يُقِيمُ بَينَ الْمُشْرِكينَ\". رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجّحَ الْبُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ (^١). [صحيح بشواهده]\n(وعنْ جريرِ البجلي - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: أنا بريءٌ منْ كلِّ مسلمٍ يقيمُ بينَ المشركينَ: رواهُ الثلاثةُ وإسنادُه صحيحٌ ورجَّحَ البخاريُّ إرسالَهُ)، وكذلك رجّحَ أبو حاتمٍ وأبو داودَ والترمذيُّ والدارقطنيُّ إرسالَهُ إلى قيسِ بنِ حازمٍ. ورواهُ الطبرانيُّ موصُولًا (^٢).\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ الهجرةِ منْ ديارِ المشركينَ منْ غيرِ مكةَ وهوَ مذهبُ الجمهورِ لحديثِ جريرٍ، ولما أخرجَهُ النسائيُّ (^٣) منْ طريقِ بهزِ بنِ حكيمٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ مرفُوعًا [بلفظ] (^٤): \"لا يقبلُ اللهُ منْ مشركٍ عملًا بعدَ ما أسلمَ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (٢٦٤٥)، والترمذي رقم (١٦٠٤)، والنسائي (٥/ ٣٦) مرسلًا. وقال الترمذي: \"وأكثرُ أصحاب إسماعيل عن قيس بن أبي حازمٍ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - بعث سريةً ولم يذكروا فيه عن جَرير، ورواه حمَّادُ بن سلمة، عن الحجاج بن أرطأةَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيسٍ، عن جرير مثل حديثٍ أبي معاوية قال: وسمعتُ محمدًا - أي البخاري - يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي - ﷺ - مرسل … \" اهـ. لكن يشهد له ما أخرجه النسائي (٥/ ٨٢ - ٨٣)، وأحمد (٥/ ٤ - ٥)، وابن ماجه رقم (٢٥٣٦) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ -: \"لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين\". وسنده حسن. وأخرج أحمد (٤/ ١٦٠) من حديث جرير بن عبد اللهِ أنهُ حين بايع النبي - ﷺ - أخذ عليه ألا يشرك باللهِ شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وينصح المسلم، ويفارق المشرك\" وسنده صحيح. والخلاصة: أن الحديث صحيح بشواهده، واللهُ أعلم.\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٥٣)، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.\n(^٣) في \"السنن\" (٥/ ٨٢ - ٨٣) وسنده حسن كما تقدم قبل تعليقة.\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"7","page":200},{"text":"أوْ يفارقُ المشركينَ\"، ولعمومِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (^١) الآيةَ، وذهبَ الأقلُّ إلى أنَّها لا تجبُ الهجرةُ وأنَّ الأحاديثَ والآيةَ منسوخةٌ للحديثِ الآتي وهوَ قولُه:\n٧/ ١١٨٦ - وَعَنْ ابنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيةٌ. متفقٌ عليهِ). قالُوا: فإنهُ عامٌّ ناسخٌ لوجودِ الهجرةِ الدالِّ عليهِ ما سبقَ، وبأنهُ - ﷺ - لم يأمرْ مَنْ أسلمَ منَ العربِ بالمهاجرةِ إليهِ ولمْ ينكرْ عليهمْ مقامَهم ببلدِهمْ، ولأنهُ - ﷺ - كانَ إذا بعثَ سريةً قالَ لأميرِهمْ: \"إذا لقيتَ عدوَّكَ منَ المشركينَ فادْعُهم إلى ثلاثِ خلالٍ فأيتُهُنَّ أجابوكَ فاقبلْ منْهم وكُفَّ عنْهم، ثمَّ ادْعُهُمْ إلى التحولِ عنْ دارِهِم إلى دارِ المهاجرينَ، وأعلمْهُم أنَّهم إنْ فعلُوا ذلكَ أنَّ لهمْ ما للمهاجرينَ وعليهمْ ما على المهاجرينَ، فإنْ أَبَوْا واختارُوا دارَهم فأعلمْهُم أنَّهم يكونونَ كأعرابِ المسلمينَ يجري عليهمْ حكمُ اللهِ تعالَى الذي يجري على المؤمنينَ\"، الحديثُ [سيأتي] (^٣) بطولِه (^٤) فلم يوجبْ عليهمْ الهجرةَ.\nوالأحاديثُ غيرَ حديثِ ابنِ عباسٍ محمولةٌ على مَنْ لم يأمنْ على دينِه، قالُوا: وفي هذا جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ.\nوأجابَ مَنْ أوجبَ الهجرةَ بأنَّ حديثَ لا هجرةَ مراد بهِ نفيُها عنْ مكةَ كما يدلُّ لهُ قولُه بعدَ الفتحِ، فإنَّ الهجرةَ كانتْ واجبةً منْ مكةَ قبلَه، وقالَ ابنُ العربيِّ (^٥): الهجرةُ هي الخروجُ منْ دارِ الحربِ إلى دارِ الإسلامِ وكانتْ فرضًا في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - واستمرتْ بعدَه لمنْ خافَ على نفسِه، والتي انقطعتْ بالأصالةِ هيَ القصدُ إلى النبيِّ - ﷺ - حيثُ كانَ.\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٩٧.\n(^٢) البخاري رقم (٢٨٢٥)، ومسلم رقم (١٣٥٣). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٤٨٠)، والترمذي رقم (١٥٩٠).\n(^٣) في (أ): \"يأتي\".\n(^٤) برقم (١١/ ١١٩٠) من كتابنا هذا.\n(^٥) ذكره عنه ابن حجر في \"فتح الباري (٦/ ٣٩).","vol":"7","page":201},{"text":"وقولُه: \"ولكنْ جهادٌ ونيةٌ\"، قالَ الطيبيُّ (^١) وغيرُه: \"هذا الاستدراكُ يقتضي مخالفةَ حكمِ ما بعدَه لما قبلَه، والمعنَى أنَّ الهجرةَ التي هيَ مفارقةُ الوطنِ التي كانتْ مطلوبةً على الأعيانِ إلى المدينةِ قدِ انقطعتْ، إلَّا أنَّ المفارقةَ بسببِ الجهادِ باقيةٌ، وكذلكَ المفارقةُ بسببِ نيةٍ صالحةٍ كالفرارِ منْ دارِ الكفرِ والخروجِ في طلبِ العلمِ والفرارِ منَ الفتنِ، والنيةُ في جميعِ ذلكَ مُعْتَبَرةٌ.\nوقالَ النوويُّ (^٢): المعنَى أنَّ الخيرَ الذي انقطعَ بانقطاع الهجرةِ يمكنُ تحصيلُه بالجهادِ والنيةِ الصالحةِ. وجهادٌ معطوفٌ بالرفعِ على محلِّ اسمِ لا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1264>الإخلاص في الجهاد واجب</span>\n٨/ ١١٨٧ - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيلِ اللهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي مَوسَى الأشعريِّ قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: مَنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا فهوَ في سبيلِ اللهِ، متفقٌ عليهِ). وفي الحديثِ هُنَا اختصارٌ، ولفظُه: \"عنْ أبي موسَى أنهُ قالَ أعرابيٌّ للنبيِّ - ﷺ -: الرجلُ يقاتلُ للمغنَم، والرجلُ يقاتلُ ليُذكر، والرجلُ يقاتلُ لِيُرَى مكانَه، فمنْ في سبيلِ اللهِ؟ قَالَ مَنْ قاتلَ\" الحديثَ. والحديثُ دليلٌ علَى أنَّ القتالَ في سبيلِ اللهِ يكتبُ أجرُه لمنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا، ومفهومُه أنَّ مَنْ خَلَا عنْ هذهِ الخصلةِ فليسَ في سبيلِ اللهِ وهوَ مِنْ مفهومِ الشرطِ، [ويبقى] (^٤) الكلامُ فيما إذا انضمَّ إليها قصدُ غيرِها وهوَ المغنَمُ مَثَلًا، هلْ هوَ في سبيلِ اللهِ أَوْ لَا؟.\nقالَ الطبريُّ: إنهُ إذا كانَ أصلُ المقصدِ إعلاء كلمةِ اللهِ لم يضرَّ ما حصلَ\n_________\n(^١) ذكره عنه ابن حجر في \"فتح الباري (٦/ ٣٩).\n(^٢) انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (٩/ ١٢٣).\n(^٣) البخاري رقم (٢٨١٠)، ومسلم رقم (١٩٠٤). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٥١٧)، والترمذي رقم (١٦٤٦)، والنسائي (٦/ ٢٣)، وابن ماجه رقم (٢٧٨٣).\n(^٤) في (أ): \"وبقي\".","vol":"7","page":202},{"text":"منْ غيرِه ضِمْنًا، وبذلكَ قالَ الجمهورُ. والحديثُ يحتملُ أنهُ لا يخرجُ عنْ كونهِ في سبيلِ اللهِ معَ قصدِ التشريكِ؛ لأنهُ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العُلْيا ويتأيدُ بقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^١)، فإنَّ ذلكَ لا ينافي فضيلةَ الحجِّ، فكذلكَ في غيرِه، فَعَلَى هذَا العمدةُ [الباعثُ] (^٢) على الفعلِ، فإنْ كانَ هوَ إعلاءَ كلمةِ اللهِ لم يضرَّهُ ما انضافَ إليهِ ضمنًا، وبقيَ الكلامُ فيما [لو] (^٣) اسْتَوى القصْدانِ فظاهرُ الحديثِ والآيةِ أنهُ لا يضرُّ، إلَّا أنهُ أخرجَ أبو داودَ (^٤) والنسائيُّ (^٥) منْ حديثِ أبي أمامةَ - ﵁ - بإسنادٍ جيدٍ قالَ: \"جاءَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجلًا غَزَا يلتمسُ الأجْرَ والذِّكْرَ، ما لَهُ؟ قالَ: لا شيءَ لهُ فأعادَها ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ: لا شيءَ لهُ، ثمَّ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنَّ اللهَ (تعالى) لا يقبلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ خالِصًا وابتُغي بهِ وجْهَهُ\".\nقلتُ: فيكونُ هذا دليلًا علَى أنهُ إذا اسْتَوى الباعثانِ الأجرُ والذكرُ مثلًا بطلَ الأجْرُ، ولعلَّ بُطْلَانَهُ هنا لخصوصيةِ طلبِ الذِّكر، لأنه انقلب عملُه للرياء، والرياءُ مبطلٌ لما يشاركُه بخلافِ طلبِ المغنَمِ فإنهُ لا ينافي الجهادَ، بلْ إذا قصدَ بأخذِ المغنم إغاظةَ المشركينَ والانتفاعَ بهِ على الطاعةِ كانَ لهُ أجرٌ، فإنهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (^٦)، والمرادُ النيلُ المأذونُ فيهِ شَرْعًا، وفي قولِه - ﷺ -: \"مَنْ قَتلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ\" (^٧) قبلَ القتالِ دليلٌ علَى أنهُ لا ينافي [قصدُ المغنمِ] (^٨) القتالَ، بلْ ما قالَه إلَّا ليجتهدَ السامعُ في قتالِ المشركينَ.\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩٨.\n(^٢) في (أ): \"الباعثة\".\n(^٣) في (ب): \"إذا\".\n(^٤) لم أعثر عليه في سنن أبي داود، واللهُ أعلم.\n(^٥) في \"السنن\" (٦/ ٢٥).\nوأورده الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٧/ ٢٤٣)، وقال: هذا الحديث رواه أحمد والنسائي، وقال: حديث أبي أمامة جوَّد الحافظ إسناده في الفتح\" اهـ. وأورده الألباني في الصحيحة رقم (٥٢).\n(^٦) سورة التوبة: الآية ١٢٠.\n(^٧) أخرجه أبو داود رقم (٢٧١٨) من حديث أنس، وهو حديث صحيح.\n(^٨) في (أ): \"القصد للمغنم في\".","vol":"7","page":203},{"text":"وفي البخاريِّ (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ: قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"انتدبَ اللهُ ﷿ لمَنْ خرجَ في سبيلهِ لا يُخْرجُهُ إلَّا إيمانٌ بي وتصديقٌ برسولي أنْ أُرْجِعَهُ بما نالَ مِنْ أَجْرٍ أوْ غنيمةٍ أوْ أُدْخِلَهُ الجنةَ\"، ولا يَخْفَى أنَّ هذهِ الأخبارَ دليلٌ على جوازِ تشريكِ النيةِ، إذِ الإخبارُ بهِ يقتضي ذلكَ غالبًا، ثمَّ إنهُ قدْ يقصدُ المشركونَ لمجردِ نَهْبِ أموالِهم كما خرج رسولُ اللهِ - ﷺ - بمنْ معهُ في غزاةِ بدرِ لأَخْذِ عيرِ المشركينَ، ولا ينافي ذلكَ أنْ تكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا بلْ ذلكَ منْ إعلاءِ كلمةِ اللهِ تعالَى وأقرَّهم اللهُ تعالَى علَى ذلكَ، بلْ قالَ تعالَى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ (^٢)، ولم يذمَّهُم بذلكَ معَ أنَّ في [هذا] (^٣) الإخبارِ إخبارًا لهمْ بمحبَّتِهِمْ للمالِ دونَ القتالِ، فإعلاءُ كلمةِ اللهِ يدخلُ فيهِ إخافةُ المشركينَ وأَخْذُ أموالِهم وقَطْعُ أشجارِهم ونحوُهُ.\nوأما حديثُ أبي هريرةَ عندَ أبي داودَ (^٤): \"أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ يريدُ الجهادَ في [سبيلِ اللهِ] (^٥) وهوَ يبتغي عَرَضًا منَ الدنيا، فقالَ: لا أَجْرَ لهُ، فأعادَ عليهِ ثلاثًا كلُّ ذلكَ يقولُ: لا أَجْرَ لهُ\"، فكأنهُ فهمَ - ﷺ - أنَّ الحامِلَ هوَ الغَرَضُ منَ الدنيا فأجابَهُ بما أجابَ، وإلَّا فإنهُ قدْ كانَ تشريكُ الجهادِ [بطلبه] (^٦) الغنيمةِ أمرًا معروفًا في الصحابةِ، فإنهُ أخرجَ الحاكمُ (^٧) والبيهقيُّ (^٨) بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جحشٍ يومَ أُحُدٍ قالَ: اللهمَّ ارزقْني رَجُلًا شديدًا أقاتلُه ويقاتلُني ثمَّ ارزُقْني عليهِ الصبرَ حتَّى أقتلَه وآخذَ سَلَبَهُ. فهذَا يدلُّ على أنَّ طلبَ العَرَضِ منَ الدنيا معَ الجهادِ كانَ أمرًا معلومًا جوازُهُ للصحابةِ فيدعونَ اللهَ بِنَيْلِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1265>ثبوت حكم الهجرة</span>\n٩/ ١١٨٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا\n_________\n(^١) في صحيحه رقم (٣١٢٣)، قلت: وأخرجه مسلم رقم (١٨٧٦)، والنسائي (٦/ ١٦).\n(^٢) سورة الأنفال: الآية ٧.\n(^٣) في (أ): \"هذه\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٥١٦)، وهو حديث حسن.\n(^٥) في (أ): \"سبيلك\".\n(^٦) في (ب): \"بطلب\".\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٧٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٠٧).","vol":"7","page":204},{"text":"تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1266>ترجمة عبدالله بن السعدي</span>\n(وعنْ عبدِ اللهِ بنِ السعدي -﵁ -) (^٣) هوَ أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ السعديِّ وفي اسمِ السعدي أقوالٌ، وإنَّما قيلَ لهُ السعديُّ لأنهُ كانَ مسترضعًَا في بني سعدٍ. سكنَ عبدُ اللهِ الأردنَّ ومات بالشامِ سنةَ خمسينَ على قولٍ. لهُ صُحْبَةٌ وروايةٌ [قالَهُ] (^٤) ابنُ الأثيرِ، ويقالُ فيهِ: ابنُ السعدي المالكي نسبةً إلى جدِّهِ، ويُقَالُ فيهِ: الساعديِّ كما في أبي داودَ.\n(قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تنقطعُ الهجرةُ ما قوتلَ العدوُّ. رواهُ النسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، دلَّ الحديثُ على ثبوتِ حكمِ الهجرةِ وأنهُ باقٍ إلى يومِ القيامةِ، فإنَّ قتالَ العدوِّ مستمرٌّ إلى يومِ القيامةِ، ولكنَّهُ لا يدلُّ على وجوبِها ولا كلامَ في ثوابِها معَ حصولِ مقتضيها، وأما وجوبُها ففيهِ ما عرفْتَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1267>الإغاره على العدو بلا إنذار</span>\n١٠/ ١١٨٩ - وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَغَارَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيْهم، حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥)، وَفِيهِ: وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٧/ ١٤٦).\n(^٢) رقم (١٥٧٩ - موارد).\nونقل الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٩٨) عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: \"هذا الحديث عن عبد اللهِ بن السعدي حديث صحيح متقن، رواه الأثبات عنه\" اهـ.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٧٣٦)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٩٧٩)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٥٧٢)، و\"الوافي بالوفيات\" (١٧/ ١٩٣).\n(^٤) في (أ): \"قال\".\n(^٥) البخاري رقم (٢٥٤١)، ومسلم رقم (١٧٣٠). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦٣٣).","vol":"7","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1268>ترجمة نافع مولى ابن عمر</span>\n(وعنْ نافعٍ) (^١) هوَ مَوْلَى ابنِ عمرَ، يُقَالُ لهُ: أبو عبدِ اللهِ نافعُ بنُ سَرْجِسٍ بفتحِ السينِ وسكونِ الراءِ وكسرِ الجيمِ، كانَ منْ كبارِ التابعينَ مِنْ أهل المدينة، سمعَ ابنَ عمرَ وأبا سعيدٍ، وهوَ منَ الثقاتِ المشهورينَ [بالحديثِ] (^٢) المأخوذِ عَنْهم، ماتَ سنةَ سبعَ عَشْرَةَ ومائةٍ وقيلَ عشرينَ.\n(قالَ: أغارَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على بني المصطلق) بضمِّ الميمِ وسكونِ المهملةِ وفتحِ الطاءِ وكسر اللامِ بعدَها قافٌ، بطنٌ شهيرٌ منْ خُزَاعَةَ (وهمْ غارُّونَ) بالغينِ المعجمةِ وتشديدِ الراءِ جَمْعُ غارٍ، أي غافلونَ، فأخذَهم على غرَّةٍ (فقتلَ مقاتلَتهم وسَبَى ذراريْهم. حدثني بذلكَ عبدُ اللهِ بنِ عمرَ: متفقٌ عليهِ، وفيهِ: وأصابَ يومئذٍ جويريةَ) فيهِ مسألتانِ:\nالأولَى: الحديثُ دليلٌ على جوازِ المقاتلةِ قبلَ الدعاءِ إلى الإسلامِ في حقِّ الكفَّارِ الذينِ قدْ بلغتْهمْ الدعوةُ منْ غيرِ إنذارٍ، وهذا أصحُّ الأقوالِ الثلاثةِ في المسألةِ وهيَ عدمُ وجوبِ الإنذارِ مُطْلَقًا، ويردُّ عليهِ حديثُ بريدةَ الآتي (^٣)، الثاني: وجوبُه مطلقًا، ويردُّ عليهِ [هذا] (^٤) الحديثُ. الثالثُ: يجبُ إنْ لم تبلغْهُمُ الدعوةُ ولا يجبُ إنْ بلغتْهم ولكنْ يُسْتَحَبُّ، قالَ ابنُ المنذرِ: وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وعلَى معناهُ تضافرت الأحاديثُ الصحيحةُ وهذا أحدُها.\nوحديثُ كعبِ بنِ الأشرفِ (^٥)، وَقَتْلُ ابنِ أبي الحقيقِ (^٦) وغيرُ ذلكَ. وادَّعى في \"البحر\" (^٧) الإجماعَ علَى وجوبِ دعوةِ مَنْ لم تبلغْهُ دعوةُ الإسلامِ. [المسألة] (^٨) الثانيةُ: في قولِه: \"وسبى ذراريْهم\"، دليلٌ على جوازِ استرقاقِ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٣٦٨ - ٣٧٠)، و\"الثقات\" للعجلي (ص ٤٤٧) رقم (١٦٧٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) رقم (١١/ ١١٩٠) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"هذه\".\n(^٥) أخرج قصة قتله: البخاري رقم (٤٠٣٧)، ومسلم رقم (١١٩/ ١٨٠١). وأبو داود رقم (٢٧٦٨)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ١٩٥ - ١٩٦) وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٣٢، ٣٤).\n(^٦) أخرج قصة قتله: البخاري رقم (٤٠٣٩) و(٤٠٤٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٩١، ٩٢)، والبيهقي (٩/ ٨٠، ٨١)، وعبد الرزاق في مصنفه (٥/ ٤٠٧، ٤١٠).\n(^٧) (٥/ ٣٩٥)\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"7","page":206},{"text":"العربِ، لأنَّ بني المصطلقِ عَرَبٌ من خزاعة وإليه ذهب جمهور العلماء، وقال به مالك وأصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ جوازِ استرقاقِهم وليسَ لهم دليلٌ ناهضٌ، ومَنْ طالعَ كتبَ السِّيَرِ والمغازي علمَ يقينًا استرقاقَهُ - ﷺ - للعربِ غيرِ الكتابيينَ كهوازن وبني المصطلقِ، وقالَ لأَهْلِ مكةَ: اذهبُوا فأنتُم الطلقاءُ (^١)، وفادَى أهلَ بدرٍ، والظاهرُ أنهُ لا فرقَ بينَ الفداءِ والقتلِ والاسترقاقِ لثبوتِها في غيرِ العربِ قطعًا، وقدْ ثبت فيهمْ ولم يصحَّ تخصيصٌ ولا نَسْخٌ، قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا أذهبُ إلى قولِ عمرَ ليسَ علَى عربيٍّ مُلْكٌ، وقدْ سَبَى النبيُّ - ﷺ - مِنَ العربِ كما وردَ في غيرِ حديثٍ (^٢). وأبو بكرٍ (^٣) وعليٌّ (^٤) - ﵄ - سَبَيَا بني [حنيفة] (^٥) ويدلُّ له الحديثُ الآتي:\n_________\n(^١) حديث دخول الرسول - ﷺ - مكة وفيه: \"اذهبوا فأنتم الطلقاء\"، أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٤/ ٧٧ - ٧٨) ولم يسم ابن إسحاق من حدَّثه. وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ١٤١ - ١٤٢) وسنده منقطع، وفي سياقه اختلاف يسير. وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"ذم الغضب\" - كما في \"كنز العمال\" (١٠/ ٣٨٩) باختلاف يسير، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٣١٩) وفي سنده: عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف، انظر: \"الكامل\" لابن عدي (٤/ ١٤٥٤ - ١٤٥٦). اختلاف يسير. والخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^٢) (منها): حديث أبي هريرة في الصحيحين البخاري رقم (٢٥٤٣)، ومسلم رقم (١٩٨/ ٢٥٢٥). وغيرهما: أنها كانت عند عائشة سَبية - أسيرة - من بني تميم، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: \"أعتِقيها فإنها من ولد إسماعيل\". (ومنها): حديث مروان، والمسور بن مخرمة عند البخاري رقم (٢٥٣٩، ٢٥٤٠) وغيره: أن رسول اللهِ - ﷺ - قال حين جاء وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد عليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول اللهِ - ﷺ - أحبُّ الحديث إليَّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال\"، الحديث.\n(^٣) سبى أبو بكر بني ناجية وهم من العرب - كما في \"كشف الغمة\" (٢/ ٢١٦). وكذلك سبى نساء بني حنيفة وذراريهم وضرب عليهم الرق، وأعطى امرأة منهم علي بن أبي طالب، فولدت له محمد بن الحنفية. انظر: سنن البيهقي (٢/ ٣٧١) و\"كنز العمال\" (٨/ ١٤٧، و\"المحلى\" (٥/ ١١٢)، و\"موسوعة فقه أبي بكر الصديق\" (١٣٨).\n(^٤) قال: د. قلعة جي في \"موسوعة فقه علي\" (ص ٨٨): \"أما الفئة الثانية - أي أسرى مشركي العرب -: فإن كانوا، رجالًا خُير الإمام فيهم بين المنِّ أو الفداء أو القتل، ولكن لا يضرب الرق عليهم. وإن كن نساء أو ذرية، فإن الإمام يخير فيهن بين المن أو الفداء أو الرق - انظر: \"موسوعة فقه عمر بن الخطاب\". مادة أسر - وقد سبى أبو بكر وعلي بن أبي طالب بني ناجية وهم من العرب - كما في \"كشف الغمة\" (٢/ ٢١٦) \" اهـ.\n(^٥) في (ب): \"ناجية\".","vol":"7","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1269>وصايا النبي - ﷺ - لأمراء الجيوش</span>\n١١/ ١١٩٠ - وَعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: كَانَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ في خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمّ قَالَ: \"اغْزُوا عَلَى اسْمِ اللهِ، في سَبِيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلا تَغْدُرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرينَ، فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ في الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ عَلَيهِمْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُم.\nوَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذمَّةَ اللهِ وَذِمّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفُرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفُرُوا ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ تَعَالَى أَمْ لَا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ سليمانَ بنِ بريدةَ عنْ أبيهِ قالَ: كانَ رسول اللهِ إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ) همُ الجندُ أو السائرونَ إلى الحربِ أو غيرِه (أوْ سريةٍ) هي القطعةُ منَ الجيشِ تخرجُ منهُ تغيرُ على العدوِّ وترجعُ إليهِ (أوصاهُ بتقْوى اللهِ، وأوصاه بمنْ معة منَ المسلمينَ خيرًا، ثمَّ قالَ: اغزُوا على اسمِ اللهِ تعالَى في سبيلِ اللهِ تعالى، قاتِلُوا مَنْ كفرَ باللهِ، اغزُوا ولا تغُلُّوا) بالغينِ المعجمةِ، والغلولُ الخيانةُ في المغنَمِ مُطْلَقًا (ولا تغدُروا) الغدرُ ضدُّ الوفاءِ (ولا تمثِّلُوا) منَ الْمُثْلَةِ، يقالُ: مُثِّلَ بالقتيلِ إذا قُطِعَ أنفُه أو أُذُنُهُ أو مذاكيرُه أوْ شيئًا منْ أطْرافِهِ، (ولا تقتلُوا وليدًا)، المرادُ غيرُ البالغِ سنَّ\n_________\n(^١) في صحيحه رقم (١٧٣١). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦١٢)، والترمذي رقم (١٦١٧) وابن ماجه رقم (٢٨٥٨).","vol":"7","page":208},{"text":"التكليفِ (وإذا لقيتَ عدوَّكَ منَ المشركينَ فادْعُهم إلى ثلاثِ خصالٍ) أي إلى إحْدَى ثلاث [كما يدل له قوله]: (فَأَيَّتُهُنَّ أجابُوكَ إليها فاقبلْ منْهم وكُفَّ عنْهم) أي القتالَ. [وبيَّنَ الثلاث الخصال] (^١) بقولِه: (ادْعُهم إلى الإسلامِ، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منْهم، ثمَّ [ادْعُهم] (^٢) إلى التحوُّلِ منْ دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ فإنْ أَبَوْا فأخبرَهُم بأنَّهم يكونونَ كأعرابِ المسلمينَ) وبيانُ حكمِ أعرابِ المسلمينَ قولُه: (ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ) الغنيمةُ ما أُصِيبَ منْ مالِ أهلِ الحربِ وأوجفَ عليهِ المسلمونَ بالخيلِ والرِّكَابِ (والفيءِ) هوَ ما حصلَ للمسلمينَ منْ أموالِ الكفار منْ غيرِ حربٍ ولا جهادٍ (شيءٌ إلَّا أنْ يجاهدُوا معَ المسلمينَ، فإنْ هُمْ أَبَوْا) أي الإسلامَ (فاسألْهمُ الجزيةَ) هيَ الخصلةُ الثانيةُ منَ الثلاثِ (فإنْ همْ أجابوكَ فاقْبَلْ منْهم، وإنْ هُمْ أَبَوْا فاستعنْ عليهمْ باللهِ وقاتِلْهم) وهذهِ هيَ الخصلةُ الثالثةُ.\n(وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوكَ أنْ تجعلَ لهمْ ذِمَّةَ اللهِ وذمةَ نبِّيهِ فلا تفعلْ ولكنِ اجعلْ لهم ذِمَّتَكَ) علَّلَ النَّهيَ بقولِه: (فإنكُمْ إن تَخْفُرُوا) بالخاءِ المعجمةِ والفاءِ والراءِ من أَخْفَرْتَ الرجلَ إذا نَقَضْتَ عَهْدَهُ وذِمَامَهُ (ذِمَمَكم أهونُ مِنْ أن تخفُروا ذمةَ اللهِ، وإذا أرادوكَ أنْ تنزلَهم على حكمِ اللهِ فلا تفعلْ بلْ على حُكْمِكَ) علَّلَ النَّهْيَ بقولِه: (فإنكَ لا تدري أتصيبُ فيهمْ حكمَ اللهِ أمْ لا. أخرجَهُ مسلمٌ).\nفي الحديثِ مسائلُ:\nالأُولَى: دلَّ على أنهُ إذا بعثَ الأميرُ مَنْ يغزُو أَوْصَاهُ بتقْوى اللهِ وبمنْ يصحَبُهُ مِنَ المجاهدينَ خَيْرًا، ثمَّ يخبرهُ بتحريمِ الغُلولِ منَ الغنيمةِ وتحريمِ الغدْرٍ وتحريمِ المُثْلَةِ وتحريمِ قتلِ صبيانِ المشركينَ، وهذهِ محرماتٌ بالإجماعِ، [ويدل] (^٣) علَى أنهُ يدعُو الأميرُ المشركينَ إلى الإسلام قبلَ قتالِهم وظاهرُه وإنْ كانَ قدْ بلغتْهمُ الدعوةُ [لكنها] (^٤) معَ بلوغِها [تحمل] (^٥) علَى الاستحبابِ كما دلَّ لهُ إغارتُه - ﷺ - على بني المصطلقِ وهمْ غارّونَ وإلا وجبَ دعاؤُهم.\nوفيهِ دليلٌ على دعائِهم إلى الهجرةِ بعدَ إسلامِهم وهوَ مشروعٌ نَدْبًا بدليلٍ ما\n_________\n(^١) في (ب): \"وبينها\".\n(^٢) في (أ): \"أمرهم\".\n(^٣) في (ب): \"ودكَّ\".\n(^٤) في (ب): \"لكنه\".\n(^٥) في (ب): \"يحمل\".","vol":"7","page":209},{"text":"في الحديثِ منَ الإذنِ لهمْ في البقاءِ، وفيهِ دليلٌ على أنَّ الغنيمةَ والفيءَ لا يستحقها إلَّا المهاجرونَ وأنَّ الأعرابَ لا حقَّ لهم فيها إلَّا أنْ يحضُروا الجهادَ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ وذهبَ غيرُه إلى خلافِه وادَّعُوا نسخَ الحديثِ ولم يأتُوا ببرهانٍ على نسخِه.\nالمسألةُ الثانيةُ: في الحديثِ دليلٌ على أنَّ الجزيةَ تؤخذُ منْ كلِّ كافرٍ كتابيٍّ وغيرِ كتابيٍّ، عربي وغيرِ عربيٍّ، لقولِه: \"عدوَّكَ\" وهوَ عامٌّ، وإلى هذا ذهبَ مالكٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما، وذهبَ الشافعيُّ إلى أَنَّها لا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ أهلِ الكتابِ والمجوسِ عَرَبًا كانُوا أو عجمًا لقولِه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ (^١) بعدَ ذكرِ أهلِ الكتابِ، ولقولِه - ﷺ -: \"سنُّوا بهمْ سُنَّةَ أهلِ الكتاب\" (^٢)، وما عدَاهُم داخلونَ في عموم قولِه تعالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (^٣)، وقولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤)، [وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (^٥)] (^٦)، واعتَذَرُوا عنِ الحديثِ بأنهُ واردٌ قبلَ فتحِ مكةَ بدليلٍ الأمرِ بالتحولِ والهجرةِ، والآياتُ بعدَ الهجرةِ، فحديثُ بريدةَ منسوخٌ أوْ [مؤوَّل] (^٧) بأنَّ المرادَ [من عدوك] (^٨) مَنْ كانَ مِنْ أهلِ الكتابِ.\nقلتُ: الذي يظهرُ عمومُ أَخْذِ الجزيةِ منْ كلِّ كافرٍ لعمومِ حديثِ بريدةَ هذا،\n_________\n(^١) سورة التوبة (٢٩).\n(^٢) أخرجه مالك (١/ ٢٧٨ رقم ٤٢) ومن طريقه الشافعي في \"بدائع المنن\" (٢/ ٣٤ رقم ١١٨٣)، وكذا البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٨٩). عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه. أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول … \"، فذكره. وهو حديث ضعيف.\n• وله شاهد ولكنه ضعيف، وهو من حديث السائب بن يزيد قال: \"شهدت رسول الله - ﷺ - فيما عهد إلى العلاء حين وجهه إلى اليمن، قال: ولا يحل لأحد جهل الفرض والسنن، ويحل له ما سوى ذلك، وكتب للعلاء: أن سنُّوا بالمجوس سنة أهل الكتاب\". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٣): \"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٩٣.\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٥) سورة التوبة: الآية ٣٦.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"متأول\".\n(^٨) في (ب): \"بعدوك\".","vol":"7","page":210},{"text":"وأما الآيةُ فأفادتْ أَخْذَ الجزيةِ منْ أهلِ الكتابِ ولم تتعرضْ لأخْذِها منْ غيرِهِم ولا لعدمِ أَخْذِها، والحديثُ بيَّنَ أَخذَها منْ غيرِهم، وحَمْلُ عدوِّكَ علَى أهلِ الكتابِ في غايةِ البعدِ وإنْ قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: إنْ آيةَ الجزيةِ إنما نزلتْ بعدَ انقضاءِ حربِ المشركينَ وَعَبَدَةِ الأوثانِ ولم يبقَ بعدَ نُزُولِها إلَّا أهلُ الكتابِ، قالَه تقويةً لمذهبِ إمامِه الشافعيِّ، ولا يَخْفَى بطلانُ دعواهُ بأنهُ لم يبقَ بعدَ نزولِ آيةِ الجزيةِ إلَّا أهلُ الكتابِ، بلْ بقيَ عُبَّادُ النيرانِ منْ أهلِ فارسَ وغيرِهم، وعُبَّادُ الأصنامِ منْ أهلِ الهندِ.\nوأما عدمُ أخذِها منَ العربِ فإنَّها لم تُشْرَعْ إلَّا بعدَ الفتحِ وقدْ دخلَ العربُ في الإسلامِ ولم يبقَ منْهم عدو يحارب فلم يبقَ [منهم] (^١) بعدَ الفتح مَنْ يُسْبَى ولا مَنْ تضربُ عليهِ الجزيةُ، بلْ مَنْ خرجَ بعدَ ذلكَ عنِ الإسلامِ منهم فليسَ إلَّا السيفُ أوِ الإسلامُ كما ذلكَ الحكمُ في أهلِ الرِدَّةِ، وقدْ سَبَى - ﷺ - قبلَ ذلكَ منَ العربِ بني المصطلقِ وهوازنَ، وهلْ حديثُ ألاستبراءِ إلَّا في سبايا أوطاسٍ (^٢)، واستمرَّ هذا الحكمُ بعدَ عَصْرِهِ - ﷺ - ففتحتِ الصحابةُ - ﵃ - بلادَ فارسَ والرومِ وفي رعاياهُم العربُ خصوصًا الشامُ والعراقُ ولم يبحثُوا عنْ عربيٍّ منْ عجميٍّ بلْ عمَّمُوا حُكْمَ السبي والجزيةِ على جميعِ مَنِ استَوْلَوْا عليهِ.\nوبِهذَا يعرفُ أنَّ حديثَ بريدةَ كانَ بعدَ نزولِ فرضِ الجزيةِ وفرضُها كانَ بعدَ الفتحِ، فكانَ فرضُها في السنةِ الثانيةِ من الفتح عندَ نزولِ سورةِ براءةِ، ولهذا نَهى فيهِ عن الْمُثْلَة، ولم ينزلِ النَّهْيُ عنْها إلَّا بعدَ أُحُدٍ، وإلى هذا المعنَى جنحَ ابنُ القيِّمِ في الهدي (^٣) ولا يخْفَى [قُوَّتُهُ] (^٤).\n_________\n(^١) في (ب): \"فيهم\".\n(^٢) أوطاس: واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حُنين للنبي - ﷺ - ببني هوازن، [معجم البلدان: (١/ ٢٨١)].\n• وأما الحديث فقد أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٦٢)، وأبو داود رقم (٢١٥٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٥) وصححه على شرط مسلم. وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٨٧) من حديث أبي سعيد، أن النبي - ﷺ - قال في سبايا أوطاس: \"لا توطأ حامل حتَّى تضع، ولا غير حامل حتَّى تحيض حيضة\".\n(^٣) أي كتابه: \"زاد المعاد في هدي خير العباد\"، وهو أنفس ما ألف في السيرة النبوية والفقه\".\n(^٤) في (أ): \"قربة\".","vol":"7","page":211},{"text":"المسألةُ الثالثةُ: يتضمن الحديثُ النَّهْيَ عنْ إجابةِ العدوِّ إلى أنْ يجعلَ لهمْ الأميرُ ذِمَّةَ اللهِ وذمةَ رسولِه، بلْ يجعلُ لهم ذمتَه، وقدْ علَّلَهُ بأنَّ الأميرَ ومَنْ معَهُ إذأ أخْفَر ذمَّتهم أي نقضُوا [عهودهم] (^١) فهوَ أهونُ عندَ اللهِ من أنْ يخفُروا ذمَته تعالَى، وإنْ كانَ نقضُ الذمةِ محرَّمًا مُطْلقًا.\nقيلَ: وهذا النَّهْيُ للتنزيهِ لا للتحريمِ، ولكنّ الأصلَ فيهِ التحريمُ ودَعْوى الإجماعِ على أنهُ للتنزيهِ لا تتمُّ، وكذلكَ تضمنَ النَّهْيُ عنْ إنزالِهم على حكمِ اللهِ تعالى، وعلَّلَهُ بأنهُ لا يدري أيصيبُ فيهمُ حكمَ اللهِ أمْ لا فَلَا ينزلُهم على شيءٍ لا يدري أيقعُ أمْ لا، بلْ ينزلُهم على حُكْمِهِ، وهوَ دليلٌ على أنَّ الحقَّ في مسائلِ الاجتهادِ معَ واحدٍ وليسَ كلُّ مجتهدٍ مصيبًا للحقِّ، وقدْ أقمنا أدلةَ حقيَّة هذا القولِ في محلٍّ آخرَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1270>التورية عند الغزو</span>\n١٢/ ١١٩١ - وَعَنْ كَعْبِ بْن مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ كعبِ بنِ مالكٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا أرادَ غزوةً ورَّى) بفتحِ الواوِ وتشديد الراءِ أي سَتَرَها (بغيرِها. متفقٌ عليهِ). وقدْ جاءَ الاستثناءُ في ذلكَ بلفظِ: \"إلَّا في غزوةِ تبوكَ فإنهُ أظهرَ لهمْ مرادَه\". وأخرجَهُ أبو داودَ (^٣) وزادَ فيهِ: ويقولُ: \"الحربُ خدعةٌ\"، وكانتْ توريتُه أنهُ إذا أرادَ قَصْدَ جهةٍ سألَ عنْ طريقِ جهةٍ أُخْرَى إيهامًا أنهُ يريدُها وإنَّما يفعلُ ذلكَ، لأنهُ أتمَّ فيما يريدُه منْ إصابةِ العدوِّ وإتيانِهم علَى غفلةٍ منْ غيرِ تأهُّبِهم لهُ. وفيهِ دليلٌ على جوازِ مثلِ هذَا، وقدْ قالَ - ﷺ -: \"الحربُ خدعةٌ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1271>القتال أول النهار وآخره</span>\n١٣/ ١١٩٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرَّنٍ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ\n_________\n(^١) في (ب): \"عهدهم\".\n(^٢) البخاري رقم (٢٩٤٧)، ومسلم رقم (٥٤/ ٢٧٦٩).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٦٣٧).","vol":"7","page":212},{"text":"رَسُولَ اللهِ - ﷺ - إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالثَّلَاثَةُ (^٢)، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (^٤). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1272>ترجمة معقل بن النعمان بن مقرَّن</span>\n(وعنْ معقلِ بنِ النعمانِ بنِ مُقَرَّنٍ) (^٥) بضمِّ الميمِ وفتحِ القافِ وتشديدِ الراءِ فنونٍ، لم يذكرِ ابنُ الأثيرِ معقلَ بنَ مقرَّنٍ في الصحابةِ (^٦) إنَّما ذكرَ النعمانَ بنَ مقرَّنٍ وعزَا هذا الحديثَ إليهِ (^٧)، وكذلكَ البخاريُّ وأبو داودَ والترمذيُّ أخرجُوه عنِ النعمانِ بنِ مُقرَّنٍ فيُنْظَرُ فما أظنُّ لفظَ معقلٍ إلَّا سبقَ قلمٍ والشارحُ وقعَ لهُ أنهُ قالَ: هوَ معقلُ بنُ النعمانِ بنِ مقرَّنٍ المزنيِّ، ولا يخْفَى أنَّ النعمانَ، هو ابن مقرن، فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا ابن النعمان، قال ابن الأثير: إن النعمان هاجرَ ومعهُ سبعةُ إخوةٍ لهُ، يريدُ أنَّهم هاجَرُوا كلُّهم معهُ، فراجعتُ التقريبَ للمصنفِ فلمْ أجدْ فيهِ صحابيًا يُقَالُ لهُ معقلُ بنُ النعمانِ ولا ابنُ مقرَّن بلْ فيهِ النعمانُ بنُ مقرَّنٍ، فتعيَّنَ أنَّ لفظَ معقلٍ في نُسَخِ \"بلوغِ المرامِ\" سبقُ قلمٍ وهوَ ثابتٌ فيما رأَيْنَاهُ منْ نُسَخِهِ.\n(قالَ: شهدتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - إذا لم يقاتلْ أولَ النهارِ أخَّرَ القتالَ حتَّي تزولَ الشمسُ وتهبَّ الرياحُ وينزلَ النصرُ. رواهُ أحمدُ والثلاثةُ وصحَّحَهُ الحاكمُ وأصلُه في\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٤٤٥).\n(^٢) أبو داود رقم (٢٦٥٥)، والترمذي رقم (١٦١٣)، والنسائي في \"الكبرى تحفة الأشراف\" (٩/ ٣٢).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١١٦) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.\n(^٤) في صحيحه (٦/ ٢٥٨ رقم ٣١٦٠).\n(^٥) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨١٥٧)، و\"أسد الغابة\" رقم (٥٠٣٥)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٤٩٠).\n(^٦) قلت: بل ذكره في \"أسد الغابة\" رقم (٥٠٣٥) وقال: هو أخو النعمان بن مقرن، وكانوا سبعة إخوة، كلهم هاجر وصحب النبي - ﷺ -، وليس ذلك لأحد من العرب، قاله الواقدي، وابن نُمير.\n(^٧) في \"أسد الغابة\" رقم (٥٢٦٨).","vol":"7","page":213},{"text":"البخاريِّ)، فإنهُ أخرجَهُ عنِ النعمانِ بنِ مقرّنٍ بلفظِ: \"إذا لم يقاتلْ في أولِ النهارِ انتظرَ حتَّى تهبَّ الأرواحُ (^١) وتحضرَ الصلوات\"، قالُوا: والحكمةُ في التأخيرِ إلى وقتِ الصلاةِ أنهُ مظنةُ إجابةِ الدعاءِ وأما هبوبُ الرياحِ فقدْ وقعَ بهِ النصرُ في الأحزابِ كما قالَ تعالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (^٢) فكانَ تَوَخِي هبوبها مظنةً للنصرِ، وقدْ عُلِّلَ بأنَّ الرياحَ تهبُّ غالبًا بعدَ الزوالِ فيحصلُ بها تبريدُ حدِّ السلاحِ للحربِ والزيادةُ للنشاطِ، ولا يعارضُ هذَا ما وردَ منْ أنهُ - ﷺ - كانَ يغيرُ صباحًا؛ لأنَّ هذَا في الإغارةِ وذلكَ عندَ المصادفةِ للقتالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1273>النهي عن قتل النساء والصبيان</span>\n١٤/ ١١٩٣ - وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ - ﵁ - قَالَ: سُئِل رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وذَرَاريْهم، فَقَالَ: \"هُمْ مِنْهُم\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ الصعبِ بنِ جثامةَ) تقدَّم ضبطهما في الحجِّ (قالَ: سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -) ووقعَ في صحيحِ ابنِ حبَّانَ السائلُ هوَ الصعبُ، ولفظُه: سألتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، وساقَهُ [بمعنى ما هنا] (^٤) (عنِ أهل الدارِ منَ المشركينَ يُبَيِّتُونَ) بصيغةِ المضارعِ من بيَّتَه مبنيٌّ للمجهولِ (فيصيبونَ منْ نسائِهم وذراريْهم، قال: همْ منْهم. متفقٌ عليهِ). وفي لفظٍ للبخاري عنْ أهلِ الدارِ وهوَ تصريحٌ بالمضافِ المحذوفِ، والتبييتُ الإغارةُ عليهمْ في الليلِ على غفلةٍ معَ اختلاطِهم لصبيانهم ونسائِهم فيصابُ النساءُ والصبيانُ منْ غيرِ قصدٍ لقتلِهم ابتداءً.\n_________\n(^١) جمع الريح: رياح وأرياح، وأرواح قليل.\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٩.\n(^٣) البخاري رقم (٣٠١٢)، ومسلم رقم (٢٦/ ١٧٤٥).\nقلت: وأخرجه الحميدي رقم (٧٨١)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٢/ ٣٨٨)، وأحمد (٤/ ٣٧، ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣)، وأبو داود رقم (٢٦٧٢)، والترمذي رقم (١٥٧٠)، وابن ماجه رقم (٢٨٣٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٦٩٧)، وابن الجارود رقم (١٠٤٤)، والبيهقي (٩/ ٧٨) وغيرهم.\n(^٤) في (ب): \"بمعناه\".","vol":"7","page":214},{"text":"وهذَا الحديثُ أخرجَه ابنُ حبانَ (^١) منْ حديثِ الصعبِ بن جثامة وزادَ فيهِ: ثمَّ نَهَى عنْهم يومَ حُنَيْنٍ، وهيَ مدرجةٌ في حديثٍ الصعبِ. وفي سننِ أبي داودَ (^٢) زيادةٌ في آخرِه: قالَ سفيانُ. قالَ الزهريُّ: ثمَّ نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - بعدَ ذلكَ عنْ قَتْلِ النساءِ والصبيانِ، \"ويؤيدُ أنَّ النَّهْيَ في حنينٍ ما في البخاريِّ: فقال النبيُّ - ﷺ - لأحدِهم: \"الحقْ خالدًا فقلْ لهُ: لا [تقتل] (^٣) ذريةً ولا عَسِيْفًا\"، وأولُ مشاهدِ خالدٍ مَعَهُ - ﷺ - غزوةَ حنينٍ، كذا قيلَ: ولا يخْفَى أنهُ قدْ شهدَ معهُ - ﷺ - فتحَ مكةَ قبلَ ذلكَ\" (^٤).\nوأخرجَ الطبرانيُّ في \"الأوسطِ\" (^٥) منْ حديثِ ابنِ عمرَ قالَ: لما دخلَ النبيُّ - ﷺ - مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: \"ما كانتْ هذهِ تقاتلُ ونَهَى عنْ قتلِ النساءِ\".\nوقد اختلفَ العلماءُ في هذا، فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ والجمهورُ إلى جوازِ قتلِ النساءِ والصبيانِ في البيانِ عملًا بروايةِ الصحيحينِ، وقولُه: همْ منْهم، أي في إباحةِ القتلِ تِبْعًا لا قَصْدًا إذا لم يمكنِ انفصالُهم عمنْ يستحقُّ القتلَ.\nوذهبَ مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنهُ لا يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ بحالٍ حتَّى إذا تترَّسَ أهلُ الحربِ بالنساءِ والصبيانِ أوْ تحصَّنُوا بحصنٍ أو سفينةٍ هُما فيهما معَهُم لم يجزْ قتالُهم ولا تحريقُهم، وإليهِ ذهبَ الهادويةُ إلَّا أنَّهم قالُوا في التَّتَرُّسِ: يجوزُ قتلُ النساءِ والصبيانِ حيثُ جُعِلُوا تِرْسًا ولا يجوزُ إذا تترَّسُوا [بالمسلمين] (^٦) إلَّا معَ خشية [الاستئصال] (^٧)، ونقلَ ابنُ بطالٍ وغيرُه اتفاقَ الجميعِ على عدمِ جوازِ القصدِ إلى قتلِ النساءِ والصبيانِ للنَّهْي عنْ ذلكَ.\nوفي قولِه: همْ منْهم، دليلٌ بإطلاقِهِ لمنْ قالَ: همْ منْ أهلِ النارِ، وهوَ ثالثُ الأقوالِ في المسألةِ، والثاني أنَّهم منْ أهلِ الجنةِ وهوَ الراجحُ في الصبيانِ، والأَوْلَى الوقْفُ.\n_________\n(^١) رقم (١٣٧ - الإحسان) بسند حسن.\n(^٢) رقم (٢٦٧٢) بسند حسن.\n(^٣) في (ب): \"يقتل\".\n(^٤) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ١٤٧).\n(^٥) رقم (٦٧٣) وقال: لم يَرْوِ هذا الحديث عن محمد بن زيدِ إلَّا شريك.\n(^٦) في (ب): \"بالمسلم\".\n(^٧) في (ب): \"استئصال المسلمين\".","vol":"7","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1274>لا نستعين بمشرك في الحرب</span>\n١٥/ ١١٩٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ في يَوْمِ بَدْرٍ: \"ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لرجلٍ) أي مشركٍ (تَبِعَهُ يومَ بدرٍ: ارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ. رواهُ مسلمٌ). ولفظُه عنْ عائشةَ قالتْ: \"خرجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كانَ بحرَّةِ الوَبَرَةِ (^٢) أدركَهُ رجلٌ قدْ كانَ تُذْكَرُ فيهِ جرأةٌ ونَجْدةٌ، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - حينَ رَأَوْهُ، فلمَّا أدركَهُ قالَ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: جئتُ لأَتَّبِعَكَ وأصيبَ معكَ، قالَ: أتؤمنُ باللهِ، قالَ: لا، قالَ: فارجعْ فلنْ أستعينَ بمشركٍ، فلمَّا أسلمَ أذنَ لهُ\".\nوالحديثُ منْ أدلةِ مَنْ قالَ: لا يجوزُ الاستعانةُ بالمشركينَ في القتالِ وهوَ قولُ طائفةٍ منْ أهلِ العلمِ، وذهبَ الهادويةُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى جوازِ ذلكَ قالُوا: لأنهُ - ﷺ - استعانَ بصفوانَ بنِ أَميةَ يومَ حنينٍ (^٣) واستعانَ بيهودِ بني قينقاعٍ\n_________\n(^١) في صحيحه رقم (١٨١٧). قلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٥٥٨) وقال: هذا حديث حسن غريب. والطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢٥٧٥)، وأحمد (٣/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(^٢) وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة.\n(^٣) أخرجه ابن إسحاق معلقًا - كما في \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ١١٨) - وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٤٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٨٩) من طرق أحدها من طريق ابن إسحاق وقد صرَّح بالسماع، والأخرى مثل رواية أبي داود ولم يصرح شريك بالسماع وهو مدلس، وفي الأخرى قيس بن الربيع ضعفه البيهقي في باب من زرع أرض غيره، وفي الأخرى مجهول. انتهى بتصرف من \"الجوهر النقي\" (٦/ ٨٩).\nوأخرجه أبو داود رقم (٣٥٦٢) ولم يصرح شريك بالسماع وهو مدلس قاله الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ١١٧) وبذا يكون السند منقطعًا. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠١) (٦/ ٤٦٥). قال البيهقي (٦/ ٩٠) بعد روايته للحديث من طرق: \"وبعض هذه الأخبار وإن كان مرسلًا فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول\" اهـ. فيكون الحديث صحيحًا بطرقه، واللهُ أعلم.","vol":"7","page":216},{"text":"ورضخَ لهم، أخرجَهُ أبو داودَ في \"المراسيلِ\" (^١)، وأخرجَهُ الترمذيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ مرسلًا (^٢) ومراسيلُ الزهريِّ ضعيفةٌ.\nقالَ الذهبيُّ: لأنهُ كانَ خطَّاءً، ففي إرسالهِ شبهةُ تدليسٍ وصحَّحَ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ أبي حُمَيْدٍ الساعديِّ أنهُ ردَّهمْ، قالَ المصنفُ: ويجمعُ بينَ الرواياتِ بأنَّ الذي ردَّه يومَ بَدْرٍ تفرَّسَ فيهِ الرغبةَ في الإسلامِ فردَّه رجاءَ أنْ يسلمَ فصدَقَ ظنُّه، أوْ أنَّ الاستعانةَ كانتْ ممنوعةً فرخَّصَ فيها وهذا أقربُ، وقد استعانَ يومَ حنينٍ بجماعةٍ منَ المشركينَ تالَّفَهُم بالغنائمِ، اشترطَ الهادويةُ أنْ يكونَ معهُ مسلمونَ يستقلُّ بهمْ في إمضاءِ الأحكامِ.\nوفي \"شرحِ مسلمٍ\" (^٤) أنَّ الشافعيَّ قالَ: إنْ كانَ الكافرُ حسنَ الرأي في المسلمينَ ودعتِ حاجة إلى الاستعانةِ استُعِيْنَ بهِ وإلا فَيُكْرَهُ. ويجوزُ الاستعانةُ بالمنافقِ إِجْماعًا لاستعانتهِ - ﷺ -[بعبدِ] (^٥) اللهِ بنِ أُبيٍّ وأصحابِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1275>النهي عن قتل النساء في الحرب</span>\n١٦/ ١١٩٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولةً في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) رقم (٢٨١) ورجاله ثقات رجال الشيخين غيرَ (يزيد بن جابر) فإنه من رجال مسلم. وهو في سنن سعيد بن منصور رقم (٢٧٩٠)، وأخرجه عبد الرزاق رقم (٩٣٢٩)، وابن أبي شيبة (١٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، والبيهقي (٩/ ٥٣) عن سفيان الثوري، عن يزيد بن جابر، عن الزهري، به. قال البيهقي: والحديث المنقطع عندنا لا يكون حجة.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٥٥٨) وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"معرفة السنن والآثار\" (١٣/ ١٧٧ رقم ١٧٨٣٣).\nورواه إسحاق بن راهويه في \"مسنده\"، والواقدي في كتاب \"المغازي\" بلفظ مختلف - كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٤٢٣ - ٤٢٤).\n(^٤) (١٢/ ١٩٩) للنووي.\n(^٥) في (أ): \"لعبد\".\n(^٦) البخاري رقم (٣٠١٤)، ومسلم رقم (١٧٤٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦٦٨)، والترمذي رقم (١٥٦٩)، وابن ماجه رقم (٢٨٤١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٤٧ رقم ٩)، والدارمي (٢/ ٢٢٣)، وأحمد (٢/ ١٢٢ و١٢٣).","vol":"7","page":217},{"text":"(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - رأى امرأةً مقتولةً في بعضِ مغازيهِ فأنكرَ قَتْلَ النساءِ والصبيانِ. متفقٌ عليهِ). وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (^١) أنهُ - ﷺ - لمَّا دخلَ مكةَ أُتِيَ بامرأةٍ مقتولةٍ فقالَ: \"ما كانتْ هذهِ لتقاتل\"، أخرجهُ عنِ ابنِ عمر فيحتملُ أنَّها هذهِ.\nوأخرجَ أبو داودَ في \"المراسيلِ\" (^٢) عنْ عكرمةَ أنهُ - ﷺ -: \"رأى امرأةً مقتولةً بالطائفِ فقالَ: ألم أَنْهَ عنْ قتلِ النساءِ، مَنْ صاحبُها؟ فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ أردفْتُها فأرادتْ أنْ تصرعَني فتقتلَني، فقتْلتُها، فأمرَ بها أنْ توارَى\"، ومفهومُ قولِه: \"لتقاتل\" وتقريرُه لهذا القاتل يدلُّ على أنَّها إذا قاتلتْ قُتِلَتْ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ. واستدلَّ أيضًا بما أخرجَهُ أبو داودَ (^٣) والنسائيُّ (^٤) وابنُ حبَّانَ (^٥) منْ حديثِ رباحِ بنِ الربيع التميميِّ قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في غزوةٍ فرأَى النَّاسَ مجتمعينَ فرأَى امرأةً مقتولةً فقالَ: \"ما كانت هذه لتقاتل\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1276>قتل شيوخ المشركين وترك شبابهم</span>\n١٧/ ١١٩٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ\"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (^٦)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧). [ضعيف]\n(وعنْ سَمُرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: اقتلُوا شيوخَ المشركينَ واستبقُوا شرْخَهُم) بالشينِ المعجمةِ وسكونِ الراءِ والخاءِ المعجمةِ، وهمُ الصغارُ الذينَ لم يُدْرِكُوا، ذَكَرهُ في \"النهايةِ\" (^٨).\n_________\n(^١) في \"الأوسط\" رقم (٦٧٣) وقال: لم يَرْوِ هذا الحديث عن محمد بن زيد إلا شريك.\n(^٢) رقم (٣٣٣) ورجاله ثقات رجال الشيخين.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٦٦٩).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ١٦٦).\n(^٥) رقم (١٦٥٦ - موارد).\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٣٨٨) و(٤/ ٣٤٦)، وابن ماجه رقم (٢٨٤٢)، والبيهقي (٩/ ٩١)، والطبراني رقم (٤٦١٩) و(٤٦٢٠) و(٤٦٢١) و(٤٦٢٢) من طرق … وهو حديث صحيح.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٦٧٠).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (١٥٨٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب. قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٢، ٢٠) وهو حديث ضعيف.\n(^٨) (٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧).","vol":"7","page":218},{"text":"(رواهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ الترمذيُّ) وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وفي نسخةٍ صحيحٌ وهوَ منْ روايةٍ الحسنِ عنْ سَمُرةَ وفيها ما قدَّمْنا.\nوالشيخُ مَنِ استبانتْ فيهِ السنُّ أوْ مَنْ بلغَ خمسينَ سنةً أو إحدى وخمسينَ كما في \"القاموسِ\" (^١)، والمرادُ هنا الرجالُ الشبان أهلُ الْجَلَدِ والقوةِ على القتالِ ولم يردِ الهرْمَى، ويُحْتَمَلُ أنهُ أُرِيدَ بالشيوخِ مَنْ كانُوا بِالِغِيْنَ مطْلقًا فَيُقْتَلُ، ومَنْ كانَ صغيرًا فلا يُقْتَلُ، فيوافقُ ما تقدَّمَ منَ النَّهْي عنْ قَتْلِ الصبيانِ، ويحتملُ أنهُ أُرِيْدَ بالشرخِ مَنْ كانَ في أولِ الشبابِ فإنهُ يُطْلَقُ عليهِ كما قالَ حسَّانٌ (^٢):\nإنَّ شَرْخَ الشبابِ والشَّعْرِ الأَسْـ … ــوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كانَ جُنُونا\nفإنهُ يستبقى رجاءَ إسلامِهِ كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: الشيخُ لا يكادُ يسلمُ، والشبابُ أقربُ إلى الإسلامِ، فيكونُ الحديثُ مخصوصًا بِمَنْ يجوزُ تقريرُه على الكفرِ بالجزيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1277>المبارزة في الحرب</span>\n١٨/ ١١٩٧ - وَعَنْ عَليٍّ - ﵁ -، أَنَّهُمْ تَبَارَزوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ كرمَ اللهُ وجْهَهُ أنَّهم تبارزوا يومَ بدرٍ. رواهُ البخاريُّ وأخرجَهُ أبو داودَ مُطَوَّلًا). وفي المغازي منَ البخاري عنْ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجْهَهُ أنهُ قالَ: أنا أولُ مَنْ يجثُو للخصومةِ يومَ القيامةِ، قالَ قيسٌ الراوي. وفيهمْ أُنْزِلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (^٥)، قالَ: همُ الذينَ تبارزُوا [يوم] (^٦) بدرٍ حمزةُ وعليٌّ وعبيدةُ بنُ الحارثِ - ﵃ - وشيبةُ بنُ ربيعةَ وعتبةُ بنُ ربيعةَ والوليدُ بنُ عتبةَ [لعنهم اللهُ] (^٧)،\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٣٢٥).\n(^٢) في شرح ديوان حسان بن ثابت لعبد الرحمن البرقوقي (ص ٤٦٦).\n• شرخ الشباب: أوله وقوته ونضارته.\n• مَا لَمْ يعاص: أي ما لم يعص.\n(^٣) في صحيحه رقم (٤٧٤٤).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٦٦٥).\n(^٥) سورة الحج: الآية ١٩.\n(^٦) في (ب): \"في\".\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"7","page":219},{"text":"وتفصيلُه ما ذكرَهُ ابنُ إسحاقَ أنهُ برزَ عبيدةُ لعتبةَ وحمزةُ لشيبةَ وعليٌّ للوليدِ.\nوعندَ موسى بنِ عقبةَ: فَقَتَلَ عليٌّ وحمزةُ مَنْ بارزَاهُما، واختلفَ عبيدةُ ومَنْ بارزَهُ بضربتينِ فوقعتِ الضربةُ في ركبةِ عبيدةَ فماتَ منها لما رجعُوا بالصفراءِ. ومالَ عليٌّ وحمزةُ علَى مَنْ بارزَ عبيدةَ فَأَعَانَاهُ على قَتْلِه.\nوالحديثُ دليلٌ على جوازِ المبارزةِ وإلى [ذلكَ] (^١) ذهبَ الجمهورُ. وذهبَ الحسنُ البصريُّ إلى عدمِ جوازِها وشرطَ الأوزاعيُّ والثوريُّ وأحمدُ وإسحاقُ إِذْنَ الأميرِ كما في هذهِ الروايةِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1278>الحمل على صفوف الكفار</span>\n١٩/ ١١٩٨ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ - ﵁ - قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، يَعْني قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٣)، قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (^٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَابْنُ حِبَّانَ (^٦) والحاكِمُ (^٧). [صحيح]\n(وعنْ أبي أيوبَ - ﵁ - قالَ: إنَّما أُنْزِلتْ هذهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ يعني: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) قَالَهُ ردًّا علي مَنْ) أنكرَ على مَنْ (حملَ على صفِّ الرومِ حتَّى دخلَ فيهمْ. رواهُ الثلاثة وصحَّحَه الترمذيُّ) وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، (وابنُ\n_________\n(^١) في (أ): \"هذا\".\n(^٢) انظر: \"المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير\" (١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٩٥.\n(^٤) الترمذي رقم (٢٩٧٢)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٨٨)، وأبو داود رقم (٢٥١٢).\n(^٥) في \"السنن\" (٥/ ٢١٢) وقال: حديث حسن صحيح غريب.\n(^٦) رقم (١٦٦٧ - موارد) بإسناد صحيح.\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٢٧٥) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه الطيالسي رقم (٥٩٩)، والبيهقي (٩/ ٩٩)، والطبري رقم (٣١٧٩) و(٣١٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٤٠٦٠) من طرق … وخلاصة القول: أن الحديث صحيح.","vol":"7","page":220},{"text":"حبانَ والحاكمُ) أخرجَه المذكورونَ منْ حديثِ أسلمَ بنِ يزيدَ أبي عمرَانَ قالَ: \"كنَّا بالقسطنطينيةِ فخرجَ صفٌّ عظيمٌ منَ الرومِ فحملَ رجلٌ منَ المسلمينَ علَى صفِّ الرومِ حتَّى حصلَ فيهمْ ثمَّ رجعَ مقبلًا فصاحَ النَّاسُ، سبحانَ اللهِ أَلْقَى بيدهِ إلى التهلُكَةِ، فقالَ أبو أيوبَ: أيُّها النَّاسُ إنَّكم تُؤَوِّلُونَ هذهِ الآيةَ على هذا التأويلِ وإنَّما [أنزلت] (^١) هذهِ الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ [الإسلام] (^٢) وكَثُرَ ناصِرُوهُ قلْنا بينَنا سرًا: إنَّ أموالَنا قدْ ضاعتْ فلوْ أنا قمنا فيها وأصلحْنا ما ضاعَ منْها، فأنزلَ اللهُ تعالَى هذهِ الآيةَ، فكانتِ التهلُكةُ الإقامةَ التي أردْنا\".\nوصحَّ عنِ ابنِ عباسٍ - ﵁ - وغيرِه نحوُ [هذَا في تأويلِ] (٢) الآيةِ. قيلَ: وفيهِ دليلٌ على جوازِ دخولِ الواحدِ في صفِّ القتالِ ولوْ ظنَّ الهلاكَ.\nقلتُ: أما ظنُّ الهلاكِ فلا دليلَ فيهِ إذْ لا يعرفُ ما كانَ ظنُّ مَنْ حملَ هنا، وكأنَّ القائلَ يقولُ إنَّ الغالبَ في واحدٍ يُحْمَلُ على صفٍّ كثير أنهُ يظنُّ الهلاكَ.\nقالَ المصنفُ - ﵀ - في مسألةِ حَمل الواحدِ على العددِ الكثيرِ منَ العدوِّ. إنهُ صرَّحَ الجمهورُ أنهُ إذا كانَ لفرطِ شجاعتِه وظنِّه أنهُ يرهبُ العدوَّ بذلكَ أوْ يجزئُ المسلمينَ عليهمِ أوُ نحوَ ذلكَ منَ المقاصدِ الصحيحةِ فهوَ حسنٌ، ومَتى كانَ مجرَّدَ تهوُّرٍ فممنوعٌ لا سيَّما [إذا] (^٣) ترتَّبَ على ذلكَ وَهْنُ المسلمينَ.\nقلتُ: وأخرجَ أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ عطاءِ بنِ السائبِ - قالَ ابنُ كثيرٍ ولا بأسَ بهِ - عنِ ابنِ مسعودٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"عَجِبَ ربُّنَا مِنْ رجلٍ غَزَا في سبيلِ اللهِ فانهزمَ أصحابُه فعلمَ ما عليهِ فرجعَ رغبةً فيما عندي [وشفقةً مما عندي] (^٥) حتَّى أُهْرِيْقَ دمُه\". قالَ ابنُ كثيرٍ: والأحاديثُ والآثارُ في هذا كثيرةٌ تدلُّ\n_________\n(^١) في (ب): \"نزلت\".\n(^٢) في (ب): \"دينه\".\n(^٣) في (ب): \"إنْ\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٥٣٦). وفي إسناده (عطاء بن السائب) قال فيه أحمد: من سمع منه قديمًا فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، ووافقه على هذه التفرقة يحيى بن معين أيضًا كما في \"المختصر\" (٣/ ٣٨٢). قلت: وأخرجه أحمد مطولًا رقم (٣٩٤٩) وهو عنده وعند أبي داود من رواية حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، وحماد سمع من عطاء قبل تغيره، فالحديث صحيح - شاكر.\n(^٥) زيادة من سنن أبي داود.","vol":"7","page":221},{"text":"على جوازِ المبارزةِ لمنْ عرفَ مِنْ نفسهِ بلاءً في الحروبِ وشدةً وسَطْوةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1279>إتلاف أموال المحاربين</span>\n٢٠/ ١١٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابنِ عمرَ - ﵄ - قالَ: حرَّقَ رسولُ اللهِ - ﷺ - نخلَ بني النضيرِ وقطَعَ. متفقٌ عليهِ)، يدلُّ علَى جوازِ إفسادِ أموالِ أهلِ الحربِ بالتحريقِ والقطعِ لمصلحةٍ في ذلكَ، ونزلتِ الآيةُ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ (^٢) الآيةَ، قالَ المشركونَ: إنكَ تَنْهَى عن الفسادِ في الأرضِ فما بالُ قطعِ الأشجارِ وتحريقِها؟ قالَ في \"معالمِ التنزيلِ\" (^٣): اللِّيْنَةُ فِعلةٌ منَ اللونِ ويُجْمَعُ على أَلوانٍ، وقيلَ منَ اللِّيْنِ ومعناهُ النخلةُ الكريمةُ وجَمْعُها لِيْنٌ، وقدْ ذهبَ الجماهيرُ إلى جوازِ التحريقِ والتخريبِ في بلادِ العدوِّ وكَرهَهُ الأوزاعيُّ وأبو ثورٍ واحتجَّا بأنَّ أبا بكرٍ - ﵁ - وصَّى جيوشَهُ أنْ لا [يفعلُوا] (^٤) ذلكَ.\nوأُجِيْبَ بأنهُ رأَى المصلحةَ في بقائِها؛ لأنهُ قدْ علمَ أنَّها تصيرُ للمسلمينَ، فأرادَ بقاءَها لهم وذلكَ يدورُ على ملاحظةِ المصلحةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1280>النهي عن الغلول</span>\n٢١/ ١٢٠٠ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٥) وَالنَّسَائِيُّ (^٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٧). [حسن]\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣٠٢١)، ومسلم رقم (١٧٤٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦١٥)، وابن ماجه رقم (٢٨٤٥)، وأحمد (٢/ ٨، ٥٢، ٨٠، ١٢٣، ١٤٠).\n(^٢) سورة الحشر: الآية ٥.\n(^٣) للإمام البغوي (٨/ ٧١ - ٧٢).\n(^٤) في (أ): \"تفعلوا\".\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ٣١٨، ٣١٩ و٣١٩ - ٣٢٠، ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٢٤).\n(^٦) في \"السنن\" (٧/ ١٣١).\n(^٧) رقم (١٦٩٣ - موارد). =","vol":"7","page":222},{"text":"(وعنْ عبادةَ بنِ الصامتِ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا تغلُّوا فإنَّ الغُلُولَ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ وضمِّ اللامِ (نارٌ وعارٌ على أصحابهِ في الدنيا والآخرةِ. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ). تقدَّم أنَّ الغُلولَ الخيانةُ في الغنيمة.\nقالَ ابنُ قُتَيْبَةَ (^١): سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ صاحبَه يغلُّه في متاعِهِ أي يُخْفيهِ، وهوَ منَ الكبائرِ بالإجماعِ كما نقلَه النوويُّ (^٢)، والعارُ الفضيحةُ، ففي الدُّنيا إذا ظهرَ افتضحَ بهِ صاحبُه، وأما في الآخرةِ فلعلَّ العارَ يفيدُه ما أخرجَه البخاريُّ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: \"قامَ فينا رسولُ اللهِ - ﷺ - وذكرَ الغلولَ وعظَّم أمرَه فقالَ: لا ألفينَّ أحدَكم يومَ القيامةِ علَى رقبتهِ شاةٌ لها ثغاءٌ، على رقبتِه فرسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ يقولُ: يا رسولَ اللهِ أغثْني فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قدْ أبلغْتُكَ - الحديثُ\"، وذكرَ فيهِ البعيرَ وغيره.\nفإنهُ دلَّ الحديثُ علَى أنهُ يأتي الغالُّ بهذهِ الصفةِ الشنيعةِ يومَ القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ، فلعلَّ هذا هوَ العارُ يوم القيامة، ويحتملُ أنهُ شيءٌ أعظمُ منْ هذَا. ويُؤْخَذُ منْ هذا الحديثِ أنَّ هذا ذَنْبٌ لا يُغْفَرُ بالشفاعةِ لقولِه - ﷺ - \"لا أملكُ لكَ منَ اللهِ شيئًا\"، ويحتملُ أنهُ أوردَه في محلِّ التغليظِ والتشديدِ، ويُحْتَمَلُ [أنهُ] (^٤) يُغْفَرُ لهُ بعدَ تشهيرهِ في ذلكَ الموقفِ.\nوالحديثُ الذي سُقْنَاهُ وردَ في خطابِ العاملينَ على الصدقاتِ، فدلَّ على أنَّ الغلولَ عامٌّ لكلِّ ما فيهِ حقٌّ للعبادِ وهوَ مشتركٌ بينَ الغالِّ وغيرِه.\nفإنْ قلتَ: فهل يجبُ على الغالِّ ردُّ ما أخذَ.\nقلتُ: قالَ ابنُ المنذرِ: إنَّهم أجمعُوا على أنَّ الغالَّ يعيدُ ما غلَّ قبلَ القسمةِ،\n_________\n= قلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٥٦١)، وابن ماجه رقم (٢٨٥٢)، والطبري رقم (١٥٦٥٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠، ٢١، ٥٧) من طرق، وهو حديث حسن، انظر: \"الصحيحة\" رقم (٩٨٥).\n(^١) في \"غريب الحديث\" (١/ ٤٥).\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٢/ ٢١٧).\n(^٣) في صحيحه رقم (٣٠٧٣). قلت: وأخرجه مسلم رقم (٢٤/ ١٨٣١).\n(^٤) في (أ): \"أن\".","vol":"7","page":223},{"text":"وأمَّا بعدَها فقالَ الأوزاعيُّ والليثُ ومالكٌ؛ يدفعُ إلى الإمامِ خمُسَهُ ويتصدقُ بالباقي، وكانَ الشافعيُّ لا يَرَى في ذلكَ، وقالَ: إنْ كانَ ملكَه فليسَ عليهِ أنْ يتصدَّق بهِ وإنْ لم يكن [ملكه] (^١) فليسَ لهُ التَّصدقُ بمالِ [الغير] (^٢)، والواجبُ أنْ يدفَعَهُ إلى الإمامِ كالأموالِ الضائعةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1281>من قتل قتيلًا فله سلبه</span>\n٢٢/ ١٢٠١ - وَعَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ النّبِيَّ - ﷺ - قَضَى بالسَّلبِ لِلقَاتلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَأَصْلُهُ عِندَ مُسْلِمٍ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عوفِ بن مالكٍ أن النَّبيَّ - ﷺ - قَضَي بالسلبِ للقاتلِ، رواهُ أَبو داودَ، وأصلُه عندَ مسلمٍ).\nفيهِ دليلٌ على أن السلبَ الذي يُؤْخَذُ منَ العدوِّ الكافرِ يستحقّه قاتلُه سواءٌ قالَ الإمامُ قبلَ القتالِ: مَن قتلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ، أَوْ لا، وسواءٌ كانَ القاتل مُقْبِلًا أو مُنْهَزِمًا، وسواءٌ كانَ ممنْ يستحِقُّ السهمَ في المغنَمٍ أَوْ لا (^٥)، إذْ قولُه: \"قَضَى بالسلبِ للقاتلِ\" حُكْمٌ مُطْلَقٌ غيرُ مقيَّدٍ بشيءِ منَ الأشياءِ، قالَ الشافعيُّ: وقدْ حُفِظَ هذا الحكمُ عنْ رسولِ الله - ﷺ - في مواطنَ كثيرة منْها يومَ بدرٍ، فإنه - ﷺ - حكمَ بسلبِ أبي جهلٍ لمعاذِ بني الجموحِ لما كانَ هو المؤثِرُ في قتلِ أبي جهل، وكَذا في قَتْلِ حاطبِ بن أبي بلتعةَ لرجلٍ يومَ أُحُدٍ أعطاهُ النبيُّ - ﷺ - سَلَبَهُ. رواهُ الحاكمُ (^٦). والأَحاديثُ في هذا الحكمِ كثيرةٌ.\n_________\n(^١) في (ب): \"يملكه\".\n(^٢) في (ب): \"غيره\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٧١٩).\n(^٤) في صحيحه رقم (١٧٥٣).\n(^٥) كالمرأة والصبي والعبد …\nأخرجه البخاري رقم (٣١٤١)، ومسلم رقم (٤٢/ ١٧٥٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف.\n(^٦) في \"المستدرك\" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١) وسكت عليه الحاكم والذهبي. بينما قال في \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٤): \"إسناده مظلم\"؛ لأن هارون بن يحيى قال العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٣٦١): لا يتابع على حديثه، وأبو ربيعة مجهول.","vol":"7","page":224},{"text":"وقولُه - ﷺ - في يومِ حُنَيْنٍ: \"مَنْ قَتَلَ قتيلًا فلهُ سلبُه\" (^١)، بعدَ القتالِ لا ينافي هذا بلْ هوَ مقرِّرٌ للحكمِ السابِقِ، فإنَّ هذا كانَ معلومًا عندَ الصحابةِ منْ قبلِ حُنَيْنٍ ولِذَا قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ جحشٍ: اللهمَّ ارزُقني رجلًا شديدًا - إلى قولِه - أقتلُه وآخذُ سَلَبَهُ كما قدَّمناهُ قريبًا، وأما قولُ أبي حنيفةَ والهادويةِ إنهُ لا يكونُ السلبُ للقاتلِ إلا إذا قالَ الإمامُ قبلَ القتالِ مثلًا: مَنْ قتلَ قتيلًا فلهُ سلبُهُ، وإلَّا كانَ السَّلَبُ منْ جملةِ الغنيمةِ بينَ الغانمينَ فإنهُ قولٌ لا توافقُه الأدلةُ، قالَ الطحاويُّ: ذلكَ موكولٌ إلى رَأي الإمامِ فإنهُ - ﷺ - أعطَى سَلَبَ أبي جهلٍ لمعاذِ بن الجموحِ بعدَ قولِه لهُ ولمشاركهِ في قَتْلهِ كِلَاكُما قَتَلَهُ لما أَرَيَاهُ سَيْفَيْهِمَا.\nوأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ - ﷺ - إنَّمَا أعطاهُ معاذًا؛ لأنهُ الذي أَثَّر في قتلِه لمَّا رأَى عُمْقَ الجنايةِ في سيفهِ، وأما قولُه: كِلَاكُما قتلَه، فإنهُ قالَه تَطْيِيْبًا لنفسِ صاحبِهِ. وأما تخميسُ السَّلَبِ الذي يُعْطَاهُ القاتلُ فعمومُ الأدلةِ منَ الأحاديثِ قاضيةٌ بعدمِ تخميسهِ.\nوبهِ قالَ أحمدُ وابنُ المنذرِ وابنُ جريرٍ، وآخرونَ كأنَّهم يخصِّصُونَ عمومَ الآيةِ بالأحاديث، فإنهُ أخرجَ حديثَ عوفِ بن مالكٍ أبو داودَ (^٢) وابنُ حِبَّانَ (^٣) بزيادةِ: \"ولم يخمِّسِ السلبَ\"، وكذلكَ أخرجَهُ الطبرانيُّ (^٤).\nواختلفُوا هل تلزمُ القاتلَ البيِّنَةُ على أنهُ قَتَلَ مَنْ يريدُ أَخذَ سَلَبه؟ فقالَ الليثُ والشافعيُّ وجماعةٌ منَ المالكيةِ إنهُ لا يُقْبَلُ قولُه إلَّا بالبينةِ لورودِ ذلكَ في بعضِ الرواياتِ بلفظِ: \"مَنْ قَتَلَ قتيلًا لهُ عليهِ بيِّنةٌ فلهُ سَلَبَهُ\" (^٥)، وقالَ مالك والأوزاعيُّ:\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري رقم (٣١٤٢)، ومسلم رقم (٤١/ ١٧٥١) من حديث أبي قتادة.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٧٢١).\n(^٣) في صحيحه رقم (٤٨٤٤).\nقلت: وأخرجه سعيد بن منصور رقم (٢٦٩٨)، والبيهقي (٦/ ٢٦)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (١٠٧٧)، وأحمد (٦/ ٢٦).\nوهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٤٩ رقم … (٨٦).\n(^٥) تقدم تخريجه من حديث أبي قتادة في التعليقة المتقدمة رقم (٤).","vol":"7","page":225},{"text":"يُقْبَلُ قولُه بلا بَيِّنَةٍ، قالُوا: لأنهُ - ﷺ - قدْ قبلَ قولَ واحدٍ ولم يحلِّفْهُ بلِ اكْتَفَى بقولِه، وذلكَ في قصةِ معاذِ بن الجموحِ وغيرِها فيكونُ مخصِّصًا لحديثِ الدَّعْوى والبينةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1282>للإمام أن يعطي السلب لمن يشاء</span>\n٢٣/ ١٢٠٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - في - قِصَّةِ قَتْلِ أَبي جَهْلِ - قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتى قَتَلَاهُ، ثمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: \"أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيفَيكُمَا؟ \" قَالَا: لَا، قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا فَقَالَ: \"كِلاكُمَا قَتَلَهُ\"، فَقَضَى - ﷺ - بِسَلْبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ - ﵁ - في قِصَّةِ قَتْلِ أبي جهلٍ) يومَ بدرٍ (قالَ فابْتَدَرَاهُ) أي تسابقا إليهِ (بسيْفَيْهِمَا) أي ابني عفراءَ - (حتَّى قَتَلَاهُ ثمَّ انْصَرَفَا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأخبراهُ. فقالَ: أيُّكُمَا قتلَه؟ هلْ مسحْتُما سيفَكُما؟ قَالَا: لا، فنظرَ فيهِمَا) أي في سَيْفَيْهِمَا (فقالَ: كِلَاكما قتلَه فقضَى - ﷺ - بِسَلَبِهِ لمعاذِ بن الجَموحِ) بفتحِ الجيمِ آخرَه حاءٌ مهملةٌ بِزِنَةِ فَعُولٍ (متفقٌ عليهِ).\nاستدلَّ بهِ على أن للإمامِ أنْ يعطيَ السَّلَبَ لِمَنْ شاءَ وأنهُ مفوَّضٌ إلى رأيهِ؛ لأنهُ - ﷺ - أخبرَ أن ابني عفراءَ قَتلا أبا جهلٍ ثمَ جعلَ سَلَبَهُ لغيرِهِما، وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ إنَّما حكمَ بهِ - ﷺ - لمعاذِ بن عمرِو بن الجموحِ؛ لأنهُ رأَى أثرَ ضربتِه بسيفهِ هيَ المؤثرةُ في قَتْلِهِ لِعُمْقِها فأعطاهُ السلبَ، وطَيَّبَ قلبَ ابني عفراءَ بقولِه: كِلَاكُما قتلَه وإِلَّا فالجنايةُ القاتلةُ ضربةُ معاذِ بن عمرِو ونسبةُ القتلِ إليهما مجازٌ أيّ كِلَاكُما أرادَ قَتْلَه، وقرينةُ المجازِ إعطاءُ سَلَبِ المقتولِ [لأحدهما] (^٢)، وقدْ يُقَالُ هذا محلُّ النزاعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>يجوز قتل الكفار إذا تحصَّنوا بالمنجنيق</span>\n٢٤/ ١٢٠٣ - وَعَنْ مَكْحُولٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣١٤١)، ومسلم رقم (١٧٥٢).\n(^٢) في (ب): \"لغيرها\".","vol":"7","page":226},{"text":"الطَّائِفِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (^١). [موقوف]\nوَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيف (^٢) عَنْ عَلِيٍّ ﵁. [موضوع]\n\n<span data-type='title' id=toc-1284>ترجمة مكحول</span>\n(وعنْ مكحولٍ) (^٣) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ مكحولُ بنُ عبدِ اللَّهِ الشامي كانَ منْ سَبْي كابُلٍ (^٤)، وكانَ مَوْلَى لامرأةٍ منْ قيسٍ وكانَ سنديا لا يفصحُ، وهوَ عالمُ الشامِ ولم يكنْ أبصرَ منهُ بالفُتْيَا في زمانِه، سمعَ مِنْ أنسِ بن مالك وواثلةَ وغيرِهمَا، ويرْوِي عنهُ الزهريُّ وغيرُه وربيعةُ الرأْي وعطاءُ الخراساني، ماتَ سنةَ ثمانِ عشرةَ ومائةٍ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - نصبَ المنجنيقَ على أهلِ الطائفِ. أخرجَهُ أبو داودَ في \"المراسيل\" ورجالُه ثِقاتٌ، ووصلَه العقيليُّ بإسنادِ ضعيفِ عنْ عليٍّ ﵇)، وأخرجَهُ الترمذيُّ عنْ ثورٍ روايةِ عن مكحولٍ ولمْ يذكرْ مكحولًا فكانَ مِنْ قِسْمِ المعضلِ (^٥)، قالَ السُّهَيْليُّ: ذكرَ الرمي بالمنجنيقِ الواقديُّ كما ذكرهُ مكحولٌ، وذكرَ أن الذي أشارَ بهِ سلمانُ الفارسي - ﵁ -. وَرَوَى ابنُ أبي شيبةَ منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن سنانٍ ومنَ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ أنهُ - ﷺ - حاصرَهم خمسًا وعشرينَ ليلة ولم يذكرْ أشياءَ منْ ذلكَ.\nوفي الصحيحينِ (^٦) منْ حديثِ ابن عمرَ حاصرَ أهلَ الطائفِ شَهْرًا. وفي\n_________\n(^١) أبو داود في \"المراسيل\" رقم (٣٣٥) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ثور وهو ابن يزيد الكلاعي، فإنه من رجال البخاري.\n(^٢) العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٤٤) من حديث علي. وفيه عبد اللَّهِ بن خراش قال عنه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١/ ٨٠) منكر الحديث.\n(^٣) انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ١٥٥ - ١٦٠)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (٢/ ١١٣ - ١١٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٥٨)، و\"النجوم الزاهرة\" (١/ ٢٧٢).\n(^٤) من ثغور خراسان، وهي اليوم عاصمة \"أفغانستان\" وتقع في شمال شرقي البلاد على نهر كابل.\n(^٥) المعضل: وهو ما سقَطَ من إسنادِه اثنان فصاعدًا. ومنه ما يرسله تابع التابعين.\n\"الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث\" (١/ ١٦٧).\n(^٦) البخاري رقم (٤٣٢٥)، ومسلم رقم (٨٢/ ١٧٧٨)، وفيه حصار الطائف دون ذكر الشهر.","vol":"7","page":227},{"text":"مسلمٍ (^١) منْ حديثِ أنسٍ أن المدَّةَ كانتْ أربعينَ ليلةً. وفي الحديثِ دليل [على] (^٢) أنهُ يجوزُ قَتْلُ الكفَّارِ إذا تحصَّنُوا بالمنجنيقِ، ويُقَاسُ عليهِ غيرُه منَ المدافعِ وغيرها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1285>إقامة الحدود بالحرَم</span>\n٢٥/ ١٢٠٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأسِه الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - دخلَ مكَّةَ وعلى رأسهِ المِغْفَرُ) بالغينِ المعجمةِ ففاءٍ، في \"القامَّوَسِ\" (^٤): المغفرُ كمِنْبَرٍ وبهاءٍ وككتابةٍ، زَرَدٌ منَ الدرعِ يُلْبَسُ تحتَ الْقَلَنْسُوَةِ، أوْ حِلَقٌ يتقنَّعُ بها المسلَّحُ، (فلما نزعَ المغفرَ جاءهُ رجلٌ فقالَ: ابن خَطَلٍ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وفتحِ الطاءِ المهملةِ (متعلِّقٌ بأستارِ الكعبةِ، فقالَ: اقتلُوه. متفقٌ عليهِ).\nفيهِ دليلٌ علَى أنهُ - ﷺ - دخلَ مكّةَ غيرَ مُحرِم يومَ الفتحِ؛ لأنهُ دخلَ مقاتلًا، ولكنه يختصُّ بهِ ذلكَ، فإنهُ محرَّمٌ القتالُ فيها كما قالَ - ﷺ -: \"وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ\" الحديثَ، وهوَ متفقٌ عليهِ (^٥).\nوأما أمرُهُ - ﷺ - بِقتلِ ابن خَطَلٍ، وهوَ أحدُ جماعةٍ تسعةٍ أمرَ - ﷺ - بِقَتْلِهِمْ ولوْ\n_________\n(^١) في صحيحه رقم (١٣٦/ ١٠٥٩).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) البخاري رقم (٣٠٤٤)، ومسلم رقم (١٣٥٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦٨٥)، والترمذي رقم (١٦٩٣).\nوابن ماجه رقم (٢٨٠٥)، ومالك (٢/ ٩٣٨ رقم ٢٨٠٥)، والنسائي (٥/ ٢٠٠، ٢٠١) وغيرهم.\n(^٤) \"القاموس المحيط\" (ص ٥٨٠).\n(^٥) البخاري رقم (٤٢٩٥)، ومسلم رقم (١٣٥٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٨٠٩)، والنسائي (٥/ ٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦)، وأحمد (٤/ ٣١، ٣٢) من حديث أبي شريح.\n• وأخرجه مسلم رقم (١٣٥٣)، والنسائي (٥/ ٢٠٣) من حديث ابن عباس.\n• وأخرجه مسلم رقم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة.","vol":"7","page":228},{"text":"تعلَّقُوا بأستارِ الكعبةِ فأسلَم منهمْ ستةٌ وقتلَ ثلاثةً منْهم ابنُ خَطَلٍ. وكانَ ابنُ خَطَلٍ قدْ أسلَم فبعثَه النبي - ﷺ - مصدِّقًا وبعثَ معهُ رجلًا منَ الأنصارِ وكانَ معهُ مولَى يخدمُهُ مسلِمًا فنزلَ منزلًا وأمرَ مولاهُ أنْ يذبحَ لهُ تَيْسًا ويصنعَ لهُ طعامًا، فنامَ فاستيقظَ ولمْ يصنعْ لهُ شيئًا فعدَا عليهِ فقتلَه ثمَّ ارتدَّ مشرِكًا، وكانتْ له قينتانِ [تغنيانِه] (^١) بهجاءِ النبيِّ - ﷺ - فأمرَ بِقَتْلِهِمَا معهُ فَقُتِلَتْ إحدَاهُما واستُؤْمِنَ للأُخْرَى فأمَّنَها، قالَ الخطابيُّ (^٢): قتلَه - ﷺ - بحقِّ ما جَنَاهُ في الإسلامِ، فدلَّ على أن الحرمَ لا يعصمُ مِنْ إقامةِ واجبٍ ولا يؤخِّرُهُ عنْ وقْتِهِ، انتَهى.\nوقدِ اختلفَ الناسُ في هذا، فذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنهُ يستوفي الحدودَ والقصاصَ بكلِّ مكانٍ وزمانٍ لعمومِ الأدلةِ ولهذِه القصةِ، وذهبَ الجمهورُ منَ السلفِ والخلَفِ وهوَ قولُ الهادويةِ إلى أنهُ لا يستوفى [في مكة] (^٣) حدٌّ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^٤) ولقولِهِ - ﷺ -: \"لا يُسْفَكُ بها دمٌ\" (^٥)، [وأجيب] (^٦) عما احتجَّ بهِ الأولونَ بأنهُ لا عمومَ للأدلةِ في الزمانِ والمكانِ بلْ هيَ مطلقاتٌ مقيدةٌ بما ذكرْنَا منَ الحديثِ وهوَ متأخّرٌ، فإنهُ في يومِ الفتحِ بعدَ شرعيةِ الحدودِ، وأما قتلُ ابنُ خَطَلٍ ومَنْ ذكرَ معهُ فإنهُ كانَ في الساعةِ التي أُحِلَّتْ فيها مكةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ واستمرتْ منْ صبيحةِ يومِ الفتحِ إلى العصرِ، وقدْ قُتِلَ ابنُ خَطَلٍ وَقْتَ الضّحَى بينَ زمزمٍ والمقامِ.\nوهذا الكلامُ فيمنِ ارتكبَ في غيرِ الحرمِ ثمَّ التجأَ إليهِ، وأما إذا ارتكبَ إنسانٌ في الحرم ما يوجبُ الحدَّ فاختلفَ القائلونَ بأنهُ لا يُقَامُ فيهِ حدٌّ، فذهبَ بعضُ الهادويةِ أَنهُ يُخْرَجُ منَ الحرمِ ولا يُقَامُ عليهِ الحدُّ وهوَ فيهِ، وخالفَ ابنُ عباسٍ فقالَ: مَنْ سرقَ أوْ قَتَلَ في الحرمِ أُقِيمَ عليهِ الحد في الحرمِ. رواهُ أحمدُ (^٧) عنْ طاوسٍ عن ابن عباسٍ وذكرَ الأثرمُ عن ابن عباسٍ أيضًا: \"مَنْ أحدثَ حَدَثًا\n_________\n(^١) في (أ): \"يغنيان\".\n(^٢) في \"معالم السنن\" (٣/ ١٣٥ - هامش السنن).\n(^٣) في (ب): \"فيها\".\n(^٤) وهو جزء من الحديث السابق وقد تقدم تخريجه.\n(^٥) في (ب): \"وأجابوا\".\n(^٦) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٧) لم أعثر عليه؟!.","vol":"7","page":229},{"text":"في الحرمِ أُقيْمَ عليهِ ما أحدثَ فيهِ منْ شيء\"، واللَّهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (^١)، وفرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الملتجئِ إليهِ بأنَّ الجاني فيهِ هاتكٌ لِحُرْمَتِهِ والملتجئُ معظّمٌ لها، ولأنهُ لو لم يقمِ الحدَّ علَى مَنْ جَنَى فيهِ منْ أهلهِ لعظُمَ الفسادُ في الحرم وأدَّى إلى أن مَنْ أرادَ الفسادَ قصدَ الحرمَ ليسكُنه وفعلَ فيهِ ما [تتقاضاهُ] (^٢) شهوتُه.\nوأما الحدُّ بغيرِ القتلِ فيما دونَ النفسِ منَ القصاصِ ففيهِ خلافٌ أيضًا، فَذَهَبَ أحمدُ في روايةٍ عنه أنهُ يستوفى لأنَّ الأدلةَ إنَّما وردتْ فيمَنْ سفكَ الدمَ وإنَّما ينصرفُ إلى القتلِ ولا يلزمُ مِنْ تحريْمِهِ في الحرمِ تحريمُ ما دونَه لأنَّ حُرْمَةَ النفسِ أعظمُ والانتهاكُ بالقتلِ أشدُّ، ولأنَّ الحدَّ فيما دونَ النفسِ جارٍ مَجْرَى تأديبِ السيِّدِ عبدَه فلا يمنعْ منهُ. وعنهُ روايةٌ [أخرى] (^٣) بعدمِ الاستيفاءِ لشيء عملًا بعمومِ الأدلةِ. ولا يخْفَى أن الحكمَ للأخصِّ حيثُ صحَّ أن سفْكَ الدَّمِ لا ينصرفُ إلَّا إلى القتلِ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ الدليلَ قاض بالقتلِ، والكلامُ مِنْ أَولهِ في الحدودِ فلا بدَّ منْ حَمْلِها على القتلِ، إذْ حدُّ الزِّنَى غيرُ الرجمِ وحدُّ الشُّربِ والقذفِ يُقَامُ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1286>القتل صبرًا</span>\n٢٦/ ١٢٠٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَة صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيلِ، وَرِجَالُهُ ثِقَات (^٤). [سنده صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1287>ترجمة سعيد بن جبير</span>\n(وعنْ سعيدِ بن جبير - ﵁ -) (^٥) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ بضمِّ الجيمِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ فمثناةٍ فراءٍ، الأسديُّ مولَى بني والبةَ بطنٌ منْ بني أسدِ بن\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩١.\n(^٢) في (أ): \"اقتضى\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"المراسيل\" رقم (٣٣٧). زياد بن أيوب: ثقة من رجال مسلم، ومن فوقه من رجال الشيخين.\n(^٥) انظر ترجمته في: \"الجمع بين رجال الصحيحين\" (١/ ١٦٤)، و\"الكاشف\" (١/ ٢٨٢)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٧٦)، و\"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١١ - ١٣) وذكر أسماء التابعين (١/ ١٤٧).","vol":"7","page":230},{"text":"خزيمةَ، كوفيٌّ أحدُ أعلام التابعينَ. سمعَ ابنَ مسعودٍ وابنَ عباسٍ وابنَ عمرَ وابنَ الزبيرِ وأنسًا وأخذَ عنهُ عمرُو بنُ دينارٍ وأيوبُ. قتلَه الحجاجُ سنةَ خمسٍ وتسعينَ في شعبانَ منْها، وماتَ الحجاجُ في رمضانَ منَ السنةِ المذكورةِ.\n(أن النبيَّ - ﷺ - قتلَ ثلاثة يوم بدر صبرًا) في \"القاموس\" (^١): صَبْرُ الإنسانِ وغيرِه على القتلِ أنْ يُحْبَسَ ويُرْمَى حتَّى يموتَ، وقدْ قتلَه صَبْرا وصبَّره عليهِ، ورجلُ صبورةٌ مصبورٌ للقتلِ، انتَهى.\n(أخرجَه أبو داودَ في \"المراسيل\" ورجالُه ثِقَاتٌ)، والثلاثةُ همْ: طُعَيْمَةُ بنُ عديّ، والنضرُ بنُ الحارثِ، وعقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، ومَنْ قالَ بدلَ طعيمةَ المطعِمَ بنَ عديّ فقدْ صحَّفَ كما قالَه المصنفُ.\nوهذا دليلٌ علَى جوازِ قَتْلِ الصبْرِ، إلَّا أنهُ قدْ رُوِيَ عنهُ - ﷺ - برجالٍ ثقاتٍ وفي بعضِهم مقالٌ: \"لا يُقْتَلَنَّ قرشيٌّ بعدَ هذا صبْرًا\" (^٢)، قالَه - ﷺ - بعدَ قَتْلِ ابن خَطَلٍ يومَ الفتحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1288>جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين</span>\n٢٧/ ١٢٠٦ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَدَى\nرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلِ مُشْرِكٍ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (^٣)، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٥٤١).\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (١٦٥٣)، والبزار (٣/ ١٨١ - كشف) مختصرًا.\nمن حديث الزبير بن العوام.\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٩٩) وقال: وفي إسناد الطبراني أبو خيثمة مصعب بن سعد، وفي إسناد البزار عبد اللهِ بن شبيب، وكلاهما ضعيف.\n• وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٢٤٣) عن السائب بن يزيد. وأورده الهيثمي في \"مجمع البحرين\" (٥/ ١٢٣ رقم ٢٧٩٢) وقال: \"تفرد به أبو معشر\".\n• وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٦٠٢٨) من حديث ابن مُطيع عن أبيه وقال: تفرد به سليمان بن عمر بن خالد.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٥٦٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) في صحيحه رقم (١٦٤١).","vol":"7","page":231},{"text":"(وعنْ عِمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ منَ المسلمينَ برجلٍ مشركٍ. أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ وأصلُه عندَ مسلمٍ)، فيهِ دليلٌ علَى جوازِ مُفَاداةِ المسلمِ الأسيرِ بأسيرٍ منَ المشركينَ، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ.\nوقالَ أبو حنيفةَ: [لا تجوزُ] (^١) المفاداةُ ويتعيَّنُ إما قتلُ الأسيرِ أوِ اسْتِرْقَاقُهُ.\nوزادَ مالكٌ أو مفاداتُهُ بأسيرٍ.\nوقالَ صاحِبا أبي حنيفةَ: تجوزُ المفاداةُ بغيرِ، أو بمالٍ أو قتلِ الأسيرِ أو استرقاقِهِ، وقدْ وقعَ منهُ - ﷺ - قَتْلُ الأسيرِ كما في قصةِ عقبةَ بن أبي معيطٍ (^٢)، وفداؤُه بالمالِ كما في أَسَارَى بدرٍ (^٣)، والمنُّ عليهِ كما مَنَّ على أبي غرةَ يومَ بدرٍ على أنْ لا يقاتِلَ فعادَ إلى القتالِ يومَ أُحُدٍ فأسرَهُ وقتلَه وقالَ في حقِّه: \"لا يُلْدَغُ المؤمنُ منْ جُحْرٍ مرتينِ\" (^٤)، والاسترقاقُ وقعَ منهُ - ﷺ - لأهلِ مكةَ ثمَّ أعتقَهم (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1289>من أسلم من الكفار حرم دمه وماله</span>\n٢٨/ ١٢٠٧ - وَعَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"إِن الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (^٦). [سنده ضعيف]\n_________\n(^١) في (أ): \"لا يجوز\".\n(^٢) انظر: \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٣٤٧).\n(^٣) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم (٢٦٩١) عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة\". وفي سنده أبو العنبس وهو مقبول كما قال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٣٠٤ رقم ٢٤٥). وأخرجه الطبراني في \"الصغير\" (١/ ٢٣٣ - الروض الداني) وفيه الواقدي وهو ضعيف، انظر: \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٩٠)، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ١٤٠) باختلاف من طريق أبي داود حيث قال: أربع مائة دينار. وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٤٠٦، ٤٠٧ رقم ١٢١٥٤)، و\"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح، انظر: \"المجمع\" (٦/ ٨٩).\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، واللَّهُ أعلم.\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٦١٣٣)، ومسلم رقم (٢٩٩٨)، وأبو داود رقم (٤٨٦٢)، وابن ماجه رقم (٣٩٨٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ١٤١ - ١٤٢) بسند منقطع، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" وفي سنده عبد اللَّهِ بن المؤمل وهو ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٦) \"السنن\" رقم (٣٠٦٧) بسند ضعيف.","vol":"7","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1290>ترجمة صخر بن أبي العيلة</span>\n(وعنْ صخرِ) (^١) بالصادِ المهملةِ فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ فراءٍ (ابن العيلةِ) بالعينِ المهملةِ مفتوحةً وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، ويُقَالُ ابنُ أبي العيلةِ، عِدادُه في أهلِ الكوفةِ وحديثُه عندَهم، رَوَى عنهُ عثمانُ بنُ أبي حازمٍ وهوَ ابنُ ابنِه (أن النبيّ - ﷺ - قالَ: إن القومَ إذا أسلمُوا أحرزُوا دماءَهم وأموالَهم. أخرجَه أبو داودَ ورجالُه موثقونَ).\nوفي معناهُ الحديثُ المتفقُ عليهِ: \"أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ حتَّى يقولُوا: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، فإذا قالُوها أحرزُوا دماءَهم وأموالَهم\" (^٢)، الحديثَ.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٤٠٦٩)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٤٩٠)، \"والاستيعاب\" رقم (١٢١٢)، و\"الوافي بالوفَيات\" (١٦/ ٢٨٩).\n(^٢) وهو حديث متواتر وله طرق عن أبي هريرة.\n١ - سعيد بن المسيب، عنه:\nأخرجه مسلم (٣٣/ ٢١)، والنسائي (٦/ ٤ - ٦٥٥، ٧)، وابن حبان (١/ ٢٢٠ رقم ٢١٨)، والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٥٨ رقم ١٢٩٤) والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ٢١٣) وابن منده في \"الإيمان\" (١/ ١٦٢ رقم ٢٣) و(١/ ٣٥٩ رقم ١٩٩)، و(١/ ٣٦٠ رقم ٢٠٠) من طريق الزهري، عنه.\nقال ابن منده (١/ ١٦٣): \"هذا حديث غريب من حديث الزهري، عن سعيد عن أبي هريرة، رواه جماعة عنه غير يونس، فيهم مقال\".\n٢ - عبيد اللهِ بن عبد الله بن عتبة، عنه:\nأخرجه البخاري (١٣٩٩) و(٦٩٢٤) و(٧٢٨٤، ٧٢٨٥)، ومسلم (٣٢/ ٢٠)، وأبو داود (١٥٥٦)، والنسائي (٥/ ١٤ - ١٥)، (٦/ ٥)، والترمذي (٢٦٠٧) وقال حديث حسن صحيح، وأحمد (٢/ ٤٢٣ - ٥٢٨)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٢٣ رقم ٤٤ و٤٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٥١٢ رقم ٩٤٥)، وابن منده في \"الإيمان\" (١/ ١٦٤ رقم ٢٤) و(١/ ٣٨٠ رقم ٢١٥) و(١/ ٣٨٢ رقم ٢١٦) من طريق الزهري عنه قال ابن منده (١/ ١٦٥): \"هذا إسناد مجمع على صحته من حديث الزهري، وعنه مشهور\".\n٣ - أبو صالح، عنه:\nأخرجه مسلم (٣٥/ ٢١)، وأبو داود (٢٦٤٠)، والترمذي (٢٦٠٦) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٣٩٢٧)، وأحمد (٢/ ٣٧٧)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٣/ ٢١٣)، وابن منده (١/ ١٦٦ رقم ٢٦)، (١/ ١٦٨ رقم ٢٨).\n٤ - أبو صالح مولى التوأمة، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٤٧٥) من طريق سفيان عنه، وسنده حسن في المتابعات.\n٥ - الأعرج، عنه: =","vol":"7","page":233},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أخرجه الطحاوي (٣/ ٢١٣) عن أبي الزناد، عنه.\n٦ - أبو سلمة، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٥٠٢)، والشافعي في \"السنن المأثورة\" (ص ٤٣٢ رقم ٦٤٣)، وأبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٢٣ رقم ٤٣)، والطحاوي (٣/ ٢١٣)، والبغوي (١/ ٦٥ - ٦٦) من طريق محمد بن عمرو، عنه: وسنده حسن.\n٧ - عبد الرحمن بن يعقوب، عنه:\nأخرجه مسلم (٣٤/ ٢١)، وابن حبان (١/ ١٩٩ رقم ١٧٤) و(١/ ٢٢١ رقم ٢٢٠)، وابن منده (١/ ٣٥٨ رقم ١٩٦ و١٩٧، ١٩٨)، والدارقطني (٢/ ٨٩ رقم ٤).\n٨ - أبو حازم، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٥٢٧) من طريق يزيد بن كيسان، عنه. وسنده صحيح.\n٩ - همام بن منبه، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٣١٤)، وابن منده في \"الإيمان\" (١/ ١٦٧ رقم ٢٧)، والبغوي (١/ ٦٥).\n١٠ - عبد الرحمن بن أبي عمرة، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٤٨٢) من طريق هلال بن علي، عنه.\n١١ - مجاهد بن جبر، عنه:\nأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٠٦) من طريق ليث بن أبي سليم عنه وقال: \"هذا حديث صحيح غريب ثابت من طرق كثيرة. وحديث مجاهد عن أبي هريرة غريب من حديث ليث، لم نكتبه إلا من هذا الوجه\" اهـ.\nقلت: وليث بن أبي سليم ضعيف. [\"الميزان\" (٣/ ٤٢٠)، \"والمجروحين\" (٢/ ٢٣١ - ٢٣٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٧٧، ١٧٩)].\n١٢ - كثير بن عبيد، عنه:\nأخرجه أحمد (٢/ ٣٤٥)، وابن خزيمة (٤/ ٨ رقم ٢٢٤٨)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٥ - ٣٦)، والدارقطني (١/ ٢٣١ رقم ١) و(٢/ ٨٩ رقم ٣)، والحاكم (١/ ٣٨٧) من طريق سعيد بن كثير عن أبيه وسنده حسن في \"المتابعات\"، وسعيد بن كثير متكلم فيه ولكن تابعه عبد اللهِ بن دكين، عن كثير بن عبيد.\nأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٤٢).\nوعبد اللهِ بن دُكَين، وثقه أحمد، وقال ابن معين: \"لا بأس به\" وضعَّفه في رواية، وكذا أبو زرعة الرازي. [\"الميزان\" (٢/ ٤١٧ رقم ٤٢٩٦)] فالسند صحيح بمجموع الطريقين.\n١٣ - ابن الحنفية عنه:\nأخرجه الخطيب في \"التاريخ (١٢/ ٢٠١) من طريق منذر الثوري، عنه وسنده تالف.\nوفيه: عمرو بن عباد الغفار الفقيمي. قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث. [\"الميزان\" (٣/ ٢٧٢ رقم ٦٤٠٣)].=","vol":"7","page":234},{"text":"وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ مَنْ أسلمَ مِنَ الكفارِ حَرُمَ دمُهُ ومالُه وللعلماءِ تفصيلٌ في ذلكَ، قالُوا: مَنْ أسلمَ طَوْعًا مِنْ غير قتالٍ مَلَكَ مالَه وأرضَه وذلكَ كأرضِ اليمنِ، وإنْ أسلمُوا بعدَ القتالِ فالإسلامُ قدْ عصَمَ دماءَهم، وأما أموالُهم فالمنقولُ غنيمةٌ وغيرُ المنقولِ فيءٌ.\nثمَّ اختلفَ العلماءُ في هذهِ الأرضِ التي صارتْ فيئًا للمسلمينَ على أقوالٍ: الأولُ: لمالكٍ (^١) ونصرَهُ ابنُ القيمِ أنَّها تكونُ وقْفًا يُقْسَمُ خراجُها في مصالحِ المسلمينَ وأرزاقِ المقاتِلَةِ وبناءِ القناطرِ والمساجدِ وغيرِ ذلكَ منْ سُبُلِ الخيرات، إلَّا أنْ يَرَى الإمامُ في وقْتٍ منَ الأوقاتِ أنَّ المصلحةَ في قِسْمَتِها كانَ لهُ ذلكَ، قالَ ابنُ القيمِ (^٢): وبهِ قالَ جمهورُ العلماءِ وكانتْ عليهِ سيرةُ الخلفاءِ الراشدينَ ونازعَ في ذلكَ بلالٌ وأصحابُه وقالُوا لعمرَ: اِقسمِ الأرضَ التي فتحُوها في الشامِ، وقالُوا لهُ: خذْ خُمُسَها واقْسِمْها.\nفقالَ عمرُ: هذا غيرُ المالِ ولكنْ أحبِسُه فيئًا يجري عليكمْ وعلى المسلمينَ، ثمَّ وافقَ سائرُ الصحابةِ عمرَ - ﵁ -.\n_________\n=١٤ - زياد بن الحارث، عنه:\nأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٣٦٧) من طريق ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف - عنه، وقد اختلف في زياد هذا.\n١٥ - الحسن البصري، عنه:\nأخرجه الدارقطني (٢/ ٨٩ رقم ٢٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٥٩) و(٣/ ٢٥) وسنده ضعيف.\n١٦ - عجلان المدني، عنه:\nأخرجه الطحاوي (٣/ ٢٠٣) من طريق محمد بن عجلان، عنه. وسنده صحيح، قلت: وللحديث شواهد كثيرة - فهو متواتر - عن جماعة من الصحابة كأنس وابن عمر، وجابر، وأوس بن أبي أويس، وجرير بن عبد اللهِ، وأبو بكرة والنعمان بن بشير، وابن عباس، وأبي مالك الأشجعي، وسهل بن سعد.\nوانظر: \"قطف الأزهار المتناثرة\" للسيوطي (ص ٣٤ - ٣٥)، و\"نظم المتناثر من الحديث المتواتر\" للكتاني (ص ٢٩ رقم ٩).\n(^١) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (ص ١٦٧ - ١٦٨).\n(^٢) انظر: \"زاد المعاد\" (٣/ ١١٧ - ١١٩).","vol":"7","page":235},{"text":"وكذلكَ جَرَى في فتوحِ مصرَ والعراقِ وأرضِ فارسَ وسائرِ البلادِ التي فتحُوها عُنْوَةً، فلمْ يقسمْ منها الخلفاءُ الراشدونَ قريةً واحدةً: ثمَّ قالَ: ووافقَهُ على ذلكَ جمهورُ الأئمةِ وإن اختلفُوا في كيفيةِ بقائِها بلا قسمةٍ، فظاهرُ مذهبِ [الإمامِ] (^١) أحمدَ وأكثرُ نصوصِه أن الإمامَ مخيَّرٌ فيها تخييرَ مصلحةٍ لا تخييرَ شهوةٍ، فإنْ كانَ الأصلحُ للمسلمينَ قسمتُها قسمَها، وإنْ كانَ الأصْلَحُ أنْ يقفَها على المسلمينَ وقَفَها عليهمْ، وإنْ كانَ الأصلحُ [ترك] البعضِ ووقْفَ البعضِ فَعَلَه. فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعلَ الأقسامَ الثلاثةَ، فإنهُ قسمَ أرضَ قريظةَ والنضيرِ وتركَ قسمةَ مكةَ وقسمَ بعضَ خيبرَ وتركَ بعضَها لما ينوبُه منْ مصالحِ المسلمينَ.\nوذهبَ الهادويةُ إلى أن الإمامَ مخيَّرٌ فيها بينَ الأصْلحِ منَ الأربعةِ الأشياءِ: إما القسمُ بينَ الغانمينَ، أو يتركُها لأهلِها على خراجٍ، أو يتركُها على معاملةٍ منْ غِلَّتها، أو يمنُّ بها عليهم. قالُوا: وقدْ فعلَ مثلَ ذلكَ النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-1291>معرفة الجميل لأهله</span>\n٢٩/ ١٢٠٨ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ في أُسَارَى بَدْرٍ: \"لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي في هؤُلاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1292>ترجمة جبير بن مطعم</span>\n(وعنْ جبيرٍ) (^٣) بالجيمِ والموحدةِ والراءِ مصغَّرًا (ابن مطعمٍ) بِزِنَةِ اسمِ الفاعلِ أي ابن عديٍّ. وجبيرٌ صحابيٌّ [كان عارفًا] (^٤) بالأنسابِ. [قيل إنه أخذ ذلك عن أبي بكر، وكانت وفاته] (^٥) سنةَ ثمانٍ أو تسع وخمسينَ (أن النبيَّ - ﷺ - قالَ في\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في صحيحه رقم (٣١٣٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٦٨٩).\n(^٣) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (١٠٩٤)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٤٦)، و\"أسد الغابة\" رقم (٦٩٨)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣١٥)، و\"العقد الثمين\" (٣/ ٤٠٨).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).","vol":"7","page":236},{"text":"أُسَارى بدرٍ: لوْ كانَ المطعمُ بنُ عديٍّ) هوَ والدُ جبيرٍ [المذكور هنا حيًا] (^١) (ثمَّ كلَّمَني في هؤلاءِ النَّتْنَى) جمعُ نتنِ (^٢) بالنونِ والمثناةِ الفوقيةِ (لتركتُهم لهُ. رواهُ البخاريُّ).\nالمرادُ بهم أُسَارَى بدرٍ وصفَهم بالنتنِ لما همْ عليهِ منَ الشركِ كما وصفَ اللَّهُ تعالَى المشركينَ بالنجسِ (^٣)، والمرادُ: لو طلبَ مني تَرْكَهم وإطلاقَهم منَ الأسرِ بغيرِ فداءٍ لفعلتُ ذلكَ مكافأةً لهُ على يدٍ لهُ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وذلكَ أنهُ - ﷺ - لما رجعَ منَ الطائفِ دخلَ - ﷺ - في جوارِ المطعمِ بن عديٍّ إلى مكةَ، فإنَّ المطعِمَ بنَ عديٍّ (^٤) أمرَ أولادَه الأربعةَ فلبسُوا السلاحَ وقامَ كل واحدٍ منْهم عندَ ركن منَ الكعبةِ، فبلغَ ذلكَ قريشًا فقالُوا لهُ: أنتَ الرجلُ الذي لا تُخْفَرُ ذِمَّتُكَ، وقيلَ: إنَّ اليدَ التي كانتْ لهُ أنهُ أعظمُ مَنْ سَعَى في نقضِ الصحيفةِ (^٥) التي كتبتْها قريش في قطيعةِ بني هاشمٍ ومَنْ مَعَهُم منَ المسلمينَ حينَ حَصَرُوهم في الشِّعْبِ.\nوكانَ المطعِمُ قدْ ماتَ قبلَ وقعةِ بدر كما رواهُ الطبراني.\nوفيهِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ تركُ أَخْذِ الفداءِ منَ الأسيرِ والسماحةِ بهِ لشفاعةِ رجلٍ عظيمٍ وأنهُ يُكَافَأُ المحسنُ وإنْ كانَ كافِرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1293>لا توطأ مسبية حتى تستبرأ أو تضع</span>\n٣٠/ ١٢٠٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرّجُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٦) الآية. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) نَتن: بفتح النون وسكون المثناة الفوقية. كما في \"مختار الصحاح\" (ص ٢٦٩).\n(^٣) يشير المؤلف إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].\n(^٤) أخرج حديث دخول الرسول ﷺ في جوار المطعم بن عدي بن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢١٢) من طريق الواقدي وهو ضعيف. والخلاصة: أنَّ الحديث ضعيف.\n(^٥) انظر: \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٦ - ٢٥).\n(^٦) سورة النساء: الآية ٢٤.\n(^٧) في صحيح رقم (١٤٥٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢١٥٥)، والترمذي رقم (١١٣٢)، والنسائي (٦/ ١١٠).","vol":"7","page":237},{"text":"(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: أصبْنَا سبايا يومَ أوطاسٍ لهن أزواجٌ فتحرَّجُوا، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^١) الآيةَ. أخرجَهُ مسلمٌ قالَ أبو عبيدٍ البكريِّ أوطاسٌ وادٍ في ديارِ هوازنَ.\nوالحديثُ دليلٌ على انفساخِ نكاحِ المسبيةِ، فالاستثناءُ في الآية على هذا متصلٌ.\nوإلى هذا ذهبتَ الهادويةُ والشافعيُّ، وظاهرُ الآية الإطلاقُ سواءٌ سُبِيَ معَها زوجُها أم لا. ودل أيضًا على جوازِ الوطْءِ ولو قبلَ إسلامِ المسبيةِ سواءٌ كانت كتابيةً أو وثنيةً، إذِ الآيةُ عامةٌ ولم يعلمْ أنهُ - ﷺ - عرضَ على سَبَايا أوطاسٍ (^٢) الإسلامَ ولا أخبرَ أصحابَهُ أنَّها لا تُوطَأُ مسبيةٌ حتَّى تُسْلِمَ، معَ أنهُ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الحاجةِ.\nويدلُّ لِهَذَا ما أخرجَهُ الترمذيُّ (^٣) منْ حديثِ العرباضِ بن ساريةَ أن النبيَّ - ﷺ -: \"حرَّمَ وطءَ السبايا حتَّى يضعْنَ ما في بطونِهِنَّ\"، فجعلَ للتحريمِ غايةً واحدةً وهيَ وضعَ الحمْلِ، ولمْ يذكرِ الإسلامَ، وما أخرجَهُ في \"السنن\" (^٤) مرفُوعًا: \"لا يحل لامرئٍ يؤمنُ باللَّهِ واليوم الآخرِ أنْ يقعَ على امرأةٍ منَ السَّبْي حتَّى يستبرئَها\"، ولمْ يذكرِ الإسلامَ، أخرجَه أَحمدُ (^٥).\nوأخرجَ أحمدُ (^٦) أيضًا: \"مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ [فلا ينكحُ] (^٧) شيئًا منَ السبايا حتَّى تحيضَ حيضةً\"، ولم يذكرِ الإسلامَ، ولا يعرفُ اشتراطُ الإسلامِ في المسبيَّةِ في حديثٍ واحدٍ.\nوقدْ ذهبَ إلى هذَا طاوسُ وغيرُه. وذهبَ الشافعيُّ وغيرُهُ منَ الأئمةِ إلى أنهُ لا يجوزُ وَطْءُ المسبيةِ بالملْكِ حتَّى تُسْلِمَ إذا لم تكنْ كتابيةً، وسَبَايا أوطاسٍ هنَّ\n_________\n(^١) النساء: الآية ٢٤.\n(^٢) أوطاس: واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين للنبي - ﷺ - ببني هوازن. \"معجم البلدان\" (١/ ٢٨١).\n(^٣) في \"السنن رقم (١٥٦٤٠) وقال: حديث غريب. قلت: هو حديث صحيح بشواهده.\n(^٤) أخرجه أبو داود رقم (٢١٥٨)، والترمذي رقم (١١٣١) وقال: حديث حسن وهو كما قال من حديث رُويفع بن ثابت الأنصاري.\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٦) في \"المسند\" (٤/ ١٠٨) من حديث رويفع أيضًا.\n(^٧) في (أ): \"لا ينكحن\".","vol":"7","page":238},{"text":"وثنياتٌ فلا بدَّ عندَهم منَ التأويلِ بأنَّ حِلَّهُنَّ بعدَ الإسلامِ، ولا يتم ذلكَ إلا لمجردِ الدعْوى وقد عرفتَ أنهُ لم يأتِ دليلُ شَرطيهِ الإسلامِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1294>تنفيل المجاهدين بعد قسمة الفيء</span>\n٣١/ ١٢١٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَرِيّةً وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُم اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفلوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ سريةً) بفتحِ السينِ المهملةِ وكسرِ الراءِ وتشديدِ الياءِ (وأنا فيهمْ قِبَلَ) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ أي جهةَ (نَجْدٍ، فغنمُوا إبلًا كثيرة وكانتْ سُهْمَائهم) بضمِّ السينِ المهملةِ جَمْعُ سَهْمٍ وهوَ النصيبُ (اثني عشرَ بعيرًا ونُفِلُوا بعيرًا بعيرًا. متفقٌ عليهِ).\nالسريةُ قطعةٌ منَ الجيشِ تخرجُ منهُ وتعودُ إليهِ وهيَ منْ مائةِ إلى خمسمائةِ، والسريةُ التي تخرجُ بالليلِ والساريةُ التي تخرجُ بالنهارِ، والمرادُ منْ قولِه سُهْمَانِهم أي أنصبَاؤُهم، أي أنهُ بلغَ نصيبُ كلِّ واحدٍ منْهم هذا القدرَ، أعني اثني عشرَ بعيرًا، والنفلُ زيادةٌ يُزَادُها الغازي على نصيبِه منَ المغنَمِ.\nوقولُه: (نُفِلُوا) مبنيٌّ للمجهولِ فيحتَمَلُ أنهُ نفلَهم أميرُهم وهوَ أبو قتادةَ، ويُحْتَمَلُ أنهُ النبي - ﷺ -، وظاهرُ روايةِ الليثِ عنْ نافعٍ عندَ مسلمٍ (^٢) أن القسمَ والتنفيلَ كانَ منْ أميرِ الجيشِ وقرَّرَ النبي - ﷺ - ذلكَ؛ لأنَّه قالَ: ولم يغيرْهُ النبيّ - ﷺ -، وأما روايةُ ابن عمرَ عندَ مسلمٍ بلفظِ: \"ونفلَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ بعيرًا بعيرًا\"، فقدْ قالَ النوويُّ (^٣): نسبَ إلى النبيِّ - ﷺ - لما كانَ مقررًا لذلكَ، ولكنَّ الحديثَ عندَ أبي داودَ (^٤) بلفظِ: \"فأصبْنا نعمًا كثيرًا وأعطانا أميرُنا بعيرًا بعيرًا لكلِّ إنسانٍ، ثمَّ قدِمْنَا على النبيِّ - ﷺ - فقسمَ بينَنا غنيمتَنا، فأصابَ كل رجلٍ اثنى عشرَ بعيرًا بعدَ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣١٣٤) ومسلم رقم (١٧٤٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٧٤١) ومالك (٢/ ٤٥٠ رقم ١٥).\n(^٢) في صحيحه رقم (٣٦/ ١٧٤٩).\n(^٣) في \"شرح مسلم\" (١٢/ ٥٥).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر.","vol":"7","page":239},{"text":"الخمسِ\"، فدلَّ علَى أنَّ التنفيلَ منَ الأميرِ والقسمةَ منهُ - ﷺ -.\nوقدْ جمعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ التنفيلَ كانَ منَ الأميرِ قبل الوصول إلى النبي - ﷺ -، ثم بعد الوصولِ قسَم النبي - ﷺ -[بين] (^١) الجيشِ وتولى الأمير قبض ما هوَ للسريةِ جُمْلَةً ثمَّ قسمَ ذلكَ على أصحابِه، فمنْ نسبَ ذلكَ إلى النبيِّ - ﷺ - فَلِكَوْنِه الذي قسمَ أولَا، ومَنْ نسبَ ذلكَ إلى الأميرِ فباعتبارِ أنهُ الذي أعطَى ذلكَ أصحابَه آخِرًا.\nوفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ التنفيلِ للجيشِ ودَعْوَى أنهُ يختصُّ [ذلكَ] (^٢) بالنبيِّ - ﷺ - دليلَ عليهِ، بلْ تنفيلُ الأميرِ قبلَ الوصولِ إليهِ - ﷺ - في هذهِ القصةِ دليلٌ على عدمِ الاختصاصِ، وقولُ مالكٍ إنهُ يُكْرَهُ أنْ يكونَ التنفيلُ بشرطٍ منَ الأميرِ بأنْ يقولَ مَنْ فعلَ كَذَا، فَلَهُ نفل كَذَا قالَ: لأنهُ يكونُ القتالُ للدنيا فلا يجوزُ، يردُّهُ قولُه - ﷺ -: \"مَنْ قَتَلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ\" (^٣) سواءٌ قالَه - ﷺ - قبلَ القتالِ أو بعدَه؛ لأنهُ تشريعٌ عامٌّ إلى يوم القيامةِ، وأما لزومُ كونِ القتالِ للدنيا فالعمدةُ الباعثُ عليهِ فإنهُ لا يصيرُه قولُ الإمامِ: مَنْ فعلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا، قتالًا للدُّنيا بعدَ الإعلام أنَّ المجاهدَ في سبيلِ اللهِ مَنْ جاهدَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العُلْيَا.\nفمَنْ كانَ قصْدُه إعلاءَ كلمةِ اللهِ لم يضرَّهُ أنْ يريدَ معَ ذلكَ المغْنَم والاسترزاقَ كما قالَ - ﷺ -: \"واجعلْ رزقي تحتَ ظلِّ رُمْحِي\" (^٤).\nواختلفَ العلماءُ هلْ يكونُ التنفيلُ منْ أصلِ الغنيمةِ، أوْ منَ الخمسِ، أوْ\n_________\n(^١) في (أ): \"بعد\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) وهو حديث صحيح.\nأخرجه البخاري رقم (٢١٠٠)، ومسلم رقم (١٧٥١)، وأبو داود رقم (٢٧١٧)، والترمذي رقم (١٥٦٢)، وابن الجارود رقم (١٠٧٦)، والبغوي رقم (٢٧٢٤) وغيرهم مختصرًا ومطولًا من حديث أبي قتادة. وتقدم في شرح حديث رقم (٢٢/ ١٢٠٢).\n(^٤) أخرج أحمد (٢/ ٥٠)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٣١٣) عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له شيء، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصَّغار على من خالف أمري … \"، وأخرجه البخاري تعليقًا (٦/ ٩٨).\nوله شاهد بإسناد حسن، لكنه مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٣٢٢) عن طاووس عن النبي - ﷺ - مثل حديث ابن عمر.","vol":"7","page":240},{"text":"منَ خمسِ الخمسِ؟ قالَ الخطابيُّ (^١): أكثرُ ما رُوِيَ منَ الأخبارِ يدلُّ على أن التنفيل منْ أصلِ الغنيمةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1295>سهم الفارس والفرس والراجل</span>\n٣٢/ ١٢١١ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (^٢). [صحيح]\n- وَلأَبِي دَاوُدَ (^٣): أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُم: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ.\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: قسمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ خيبرَ للفرَسِ سهمينِ وللراجلِ سَهْمًا. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ. ولأبي داودَ) أي عن ابن عمرَ (أسهمَ للرجلِ ولفرسِه ثلاثةَ أَسْهُمٍ سهمينِ لفرسِه وسهمًا لهُ).\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ يسهمُ لصاحبِ الفرسِ ثلاثةَ سهامٍ منَ الغنيمةِ لهُ سهمٌ ولفرسهِ سهمانِ. وإليهِ ذهبَ الناصرُ والقاسمُ ومالكٌ والشافعيُّ لهذا الحديثِ، ولما أخرجَه أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ أبي عمرةَ أن النبيَّ - ﷺ -: \"أَعْطَى للفرسِ سهمينِ ولكلِّ إنسانِ سهمًا، فكانَ للفارسِ ثلاثةُ أَسهمٍ\"، ولما أخرجه النَّسَائِيُّ (^٥) من حديث الزبير أن النبيَّ - ﷺ -: \"ضربَ له أربعة أسهم: سهمينِ لفرسِهِ وسَهْمًا لهُ وسَهْمًا لقرابتِه\"، يعني منَ النبيِّ - ﷺ -.\nوذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أن الفرسَ لهُ سهمٌ واحدٌ لما في بعض\n_________\n(^١) في \"معالم السنن\" (٣/ ١٧٨ - هامش السنن).\n(^٢) البخاري رقم (٢٨٦٣)، ومسلم رقم (١٧٦٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٧٣٣)، وابن ماجه رقم (٢٨٥٤)، وأحمد (٢/ ٢، ٦٢، ٧٢)، والترمذي رقم (١٥٥٤)، والدارمي (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، والشافعي (٢/ ١٣٤ رقم ٤٠٩)، والدارقطني (٤/ ١٠١)، والبيهقي (٦/ ٣٢٥) من طرق.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٧٣٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٣٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٤٣٤/ ١).","vol":"7","page":241},{"text":"الروايات بلفظِ: \"فأعطَى للفارسِ سهمينِ وللراجلِ سَهْمًا\"، وهوَ منْ حديثٍ مجمعِ بن جاريةَ، ولا يقاوِمُ حديثَ الصحيحينِ. واختلفُوا إذا حضرَ بفرسينِ، فقالَ الجمهورُ: لا يُسْهَمُ إلا لفرسٍ واحدٍ ولا يُسْهَمُ لها إلا إذا حضرَ بها القتالَ.\n٣٣/ ١٢١٢ - وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ معنِ) بفتحِ الميمِ وسكونِ العينِ المهملةِ، هوَ أبو يزيدَ معنُ بنُ يزيدَ السُّلَميِّ بضمِّ السينِ المهملةِ وفتح اللام، لهُ ولأبيهِ ولجدِّهِ صحبةٌ، شهدُوا بَدرًا كما قيلَ ولا يعلمُ مَنْ شهدَ بدْرًا هوَ وأبوهُ وجدُّه غيرُهم، وقيلَ لا يصح شهودُه بَدْرًا. يُعَدُّ في الكوفيينَ (ابن يزيدَ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: لا نَفَلَ) بفتحِ النونِ وفتحِ الفاءِ هوَ الغنيمةُ (إلَّا بعدَ الخُمُسِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحَه الطحاويّ).\nالمرادُ بالنَّفَلِ هوَ ما يزيدُه الإمامُ لأحدِ الغانمينَ على نصيبهِ. وقدِ اتفقَ العلماءُ على جوازِه، واختلفُوا هل يكونُ من أصل الغنيمة أوْ منَ الخمُس، وحديثُ معنٍ هذا ليسَ فيهِ دليلٌ على أحدِ الأمرينِ بلْ غايةُ ما دل عليهِ [أنَّها] تُخَمَّسُ الغنيمةُ قبلَ التنفيلِ منْها.\nوتقدَّمَ ما قالَه الخطابيُّ منْ أنَّ أكثرَ الأخبارِ دالَّةٌ على أن التنفيلَ منْ أصلِ الغنيمةِ. واختلفوا في مقدارِ التنفيلِ، فقالَ بعضُهم: لا يجوزُ أنْ ينفلَ أكثرُ منَ الثلثِ أو منَ الربعِ كما يدلُّ عليهِ قولُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>تفويض مقدار ما يتنفل به إلى الإمام</span>\n٣٤/ ١٢١٣ - وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ - ﷺ - نَفَّلَ الرُّبُعَ في الْبَدْءَةِ، وَالثلُثَ في الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٧٠).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٧٥٣).\n(^٣) في شرح \"معاني الآثار\" (٣/ ٢٤٢).\nقلت: وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٥٠) و(٢٧٤٨) و(٣٧٤٩).","vol":"7","page":242},{"text":"الْجَارُودِ (^١) وَابْنُ حِبّانَ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-1297>ترجمة حبيب بن مسلمة</span>\n(وعنْ حبيبِ بن مسلمةَ) (^٤) بالحاءِ المهملةِ المفتوحةِ وموحدتيْنِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ، هوَ عبدُ الرحمنِ حبيبُ بنُ مسلمةَ القرشي الفهري وكانَ يُقَالُ لهُ حبيبُ الرومِ لكثرةِ مجاهدتِه لهمْ، ولَّاهُ عمرُ - ﵁ - أعمالَ الجزيرةِ وضمَّ إليهِ أرمينيةَ وأذربيجانَ، وكانَ فاضلًا مجابَ الدعوةِ. ماتَ بالشامِ أوْ بأرمينيةَ سنةَ اثنتينِ وأربعينَ ﵁ وأرضاه.\n(قالَ: شهدتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ نفَّلَ الربعَ في البدْأَةِ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ وسكونِ الدالِ المهملةِ (والثلثَ في الرجعةِ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحه ابنُ الجارودِ وابن حِبَّانَ والحاكمُ).\nدلَّ الحديثُ على أنهُ - ﷺ - لم يجاوزِ الثلثَ في التنفيلِ، وقالَ آخرونَ: للإمام أنْ ينفلَ السريةَ جميعَ ما غنمتْ لقولِه تعالَى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٥)، ففوَّضَها إليهِ - ﷺ -. والحديثُ لا دليلَ فيهِ على أنهُ لا يُنْفَلُ أكثرُ منَ الثلثِ.\nواعلمْ أنهُ اختُلِفَ في تفسيرِ الحديثِ فقالَ الخطابيُّ روايةً عن ابن المنذرِ: إنهُ - ﷺ - إنما فرق بينَ البدأةَ [والقفولَ] (^٦) حينَ فضلَ [إحدى] (^٧) العطيَّتينِ على الأخرى لقوةِ الظهرِ عندَ دخولِهم وضعْفِه عندَ خروجِهم، ولأنَّهم وهمْ داخلونَ\n_________\n(^١) في \"المنتقى\" رقم (١٠٧٨) و(١٠٧٩).\n(^٢) رقم (١٦٧٢ - موارد).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٢/ ١٣٣)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٥٩، ١٥٩ - ١٦٠، ١٦٠)، وابن ماجه رقم (٢٨٥١)، وسعيد بن منصور رقم (٢٧٠١) و(٢٧٠٢)، والطحاوي (٣/ ٢٤٠)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٣٥١٨ - ٣٥٢٧)، والبيهقي (٦/ ٣١٣، ٣١٤)، وعبد الرزاق رقم (٩٣٣١) و(٩٣٣٣) من طرق عن مكحول عن زياد بن جارية اللخمي عنه. والخلاصة: فالحديث حسن.\n(^٤) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٦٧ رقم ٣٤٩).\n(^٥) سورة الأنفال: الآية ١.\n(^٦) في (ب): \"الرجعة\".\n(^٧) في (أ): \"أحد\".","vol":"7","page":243},{"text":"أنشطُ وأشْهى للسيرِ والإمعانِ في بلادِ العدوِّ وأجمُّ، وهمْ عندَ القفولِ تضعف دوابِّهم وأبدانِهم وهمْ أشْهَى للرجوعِ إلى أوطانِهم وأهاليهم لطولِ عهدِهم بهمْ وحبِّهم للرجوعِ فيرَى أنهُ زادَهم في القفولِ لهذِه العلةِ، واللَّهُ أعلمُ.\nقالَ الخطابيُّ بعدَ نقلِه كلامَ ابن المنذرِ: هذا ليسَ بالبيِّنِ لأنَّ فحواهُ يوهمُ أن الرجعةَ هي القفولُ إلى أوطانِهم وليسَ هوَ معنَى الحديثِ، والبدأةُ إنَّما هيَ ابتداءُ السفرِ للغزوِ إذا نهضتْ سريةٌ منْ جملةِ العسكرِ، فإذا وقعتْ بطائفةِ منَ العدوِّ كانَ لهمْ فيهِ الربعُ ويشركُهم سائرُ العسكرِ في ثلاثةِ أرباعِه، فإنْ قفلُوا منَ الغزوةِ ثمَّ رجعُوا فأوقعُوا بالعدوِّ ثانيةً كانَ لهم مما غنمُوا الثلثُ لأنَّ نهوضَهم بعدَ القفولِ أشدُّ لكونِ العدوِّ علَى حَذَرٍ وحَزْمِ انتَهى، وما قالَه هوَ الأقربُ. واللَّهُ سبحانه أعلم.\n٣٥/ ١٢١٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يُنَفِّل بعضَ مَنْ يبعثُ منَ السَّرايا لأنفسِهم خاصة سوى قسمةِ عامةِ الجيشِ. متفقٌ عليهِ).\nفيهِ أنهُ - ﷺ - لمْ يكنْ ينفلُ كلَّ مَنْ [يبعثُه] (^٢) بلْ بحسبِ ما يراهُ منَ المصلحةِ في التنفيلِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1298>الأخذ من طعام العدو قبل القسمة</span>\n٣٦/ ١٢١٥ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ في مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنأْكُلُهُ ولَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣)، وَلأَبي دَاودَ (^٤): فَلَمْ يُؤخَذْ مِنْهُ الْخُمُسُ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣١٣٥)، ومسلم رقم (٤٠/ ١٧٥٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٧٤٦).\n(^٢) في (أ): \"بعثه\".\n(^٣) في صحيحه رقم (٣١٥٤).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٠١).\n(^٥) رقم (١٦٧٠ - موارد)، وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":244},{"text":"(وعنهُ قالَ: كنَّا نصيبُ في مغازيْنَا العسلَ والعنبَ فنأكلُه ولا نرفعُه. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ) أي عن ابن عمرَ (فلمْ يُؤْخَذْ [منه] (^١) الخمسُ، وصحَّحَهما ابنُ حبانَ). لا نرفعُه: لا نحملُه على سبيلِ الادِّخارِ، أوْ لا نرفعُه إلى مَنْ يتولَّى أمرَ الغنيمةِ ونستأذنُه في أكْلِهِ اكتفاءً بما عُلِمَ منَ الإذْنِ في ذلكَ.\nوذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجوزُ للغانمينَ أَخْذُ القوتِ وما يصلحُ بهِ وكلُّ طعامٍ اعْتِيْدَ أَكلُه عمومًا، وكذلكَ علفُ الدوابِّ قبلَ القسمةِ سواءٌ كانَ بإذنِ الإمامِ أو [بغيرِ إذنِه] (^٢). ودليلُهم هذا الحديثُ وما أخرجَهُ الشيخانِ (^٣) منْ حديثِ ابن مغفلٍ قالَ: \"أصبتُ جرابَ شحمٍ يوم خيبرَ فقلتُ: لا أُعطي منهُ أحدًا، فالتفتُّ فإذا رسولُ اللَّهِ ﷺ يبتسمُ\". وهذهِ الأحاديثُ مخصِّصَةٌ لأحاديثِ النَّهْي عن الغُلولِ، ويدلُّ له أيضًا الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>المحافظة على الفيء</span>\n٣٧/ ١٢١٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى - ﵁ - قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَصَحّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (^٥) وَالْحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أَوْفَى - ﵁ - قالَ: أصَبْنَا طعامًا يومَ خيبرَ فكانَ الرجلُ يجيءُ فيأخذُ منهُ مقدار ما يكفيه ثمَّ ينصرفُ. أخرجَهُ أبو داودَ وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ والحاكمُ)، فإنهُ واضحٌ في الدلالةِ على أخْذِ الطعامِ قبلَ القسمةِ وقَبْلَ التخميسِ، قالَه الخطابي (^٧).\nوأما سلاحُ العدوِّ ودوابُّهم فلا أعلمُ بينَ المسلمينَ خلافًا في جوازِ\n_________\n(^١) في (ب): \"منهم\".\n(^٢) في (أ): \"لا\".\n(^٣) البخاري رقم (٤٢١٤)، ومسلم رقم (٧٢/ ١٧٧٢).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٠٤) وإسناده قوي.\n(^٥) لم أعثر عليه في \"المنتقى\".\n(^٦) في \"المستدرك (٢/ ١٢٦) وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٦٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في \"معالم السنن\" (٣/ ١٥٣ - هامش السنن).","vol":"7","page":245},{"text":"استعمالِها، [فإذا] (^١) انقضتِ الحربُ فالواجبُ ردُّها في المغنَمِ. وأما الثيابُ والحرْثُ والأدواتُ فلا يجوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ، شيءٌ منْها إلا أنْ يقولَ قائل إنهُ إذا احتاجَ إلى شيءٍ مِنْها لحاجةٍ ضروريةٍ كانَ لهُ أنْ يستعملَهُ مثلَ أنْ يشتدَّ البردُ [فيستدفئِ] (^٢) بثوبٍ ويتقوَّى بهِ على المقامِ [بأرض] (^٣) العدوِّ ومرصدًا لقتالِهم. وسُئِلَ الأوزاعي عنْ ذلكَ فقالَ: لا يَلْبَسُ الثوبَ إلا أنْ يخافَ الموتَ.\nقلتُ: الحديثُ الآتي:\n٣٨/ ١٢١٧ - وَعَنْ رُويفِعِ بْن ثَابِتٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، حَتى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٤) وَالدَّارِمِيُّ (^٥)، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. [إسناده حسن]\n(وعنْ رويفعِ بن ثابتٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فلا يركبْ دابةً منْ فيءِ المسلمينَ حتَّى إذا أَعْجَفَها ردَّها فيهِ، ولا يلبسْ ثوبًا منْ فيءِ المسلمينَ حتَّى إذا أخْلَقَهُ ردَّهُ فيهِ. أخرجَهُ أبو داودَ والدارميُّ ورجالُه لا بأسَ بهمْ).\nيُوخَذُ منهُ جوازُ الركوبِ ولبسُ الثوبِ، وإنَّما يتوجهُ النَّهيُ إلى الإعجافِ والإخْلاقِ للثوبِ، ولو ركبَ منْ غيرِ إعجافٍ ولبسَ منْ غيرِ إخلاقٍ وإتلافٍ جازَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1300>يجير على المسلمين أدناهم</span>\n٣٩/ ١٢١٨ - وَعَنْ أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَاحِ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (^٦) وَأَحْمَدُ (^٧)، وَفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [صحيح لغيره]\n_________\n(^١) في (ب): \"فأمَّا إذا\".\n(^٢) في (أ): \"فيشتد في\".\n(^٣) في (ب): \"في بلاد\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٧٠٨).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ٢٣٠) وإسناده حسن.\n(^٦) في \"المصنف\" (١٢/ ٤٥٢ رقم ١٥٢٣٥).\n(^٧) في \"المسند\" (١/ ١٩٥).\nقلت: وأخرجه أبو يعلى في \"المسند\" رقم (٧/ ٨٧٦)، والبزار رقم (١٧٢٧ - كشف).=","vol":"7","page":246},{"text":"(وعنْ أبي عبيدةَ بن الجراحِ) [بالجيمِ والراءِ والحاءِ المهملةِ] (^١) (قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: يُجيْرُ) بالجيمِ والراءِ بينَهما مثناةٌ تحتيةٌ، منَ الإجارَةِ وهيَ الأمانُ (على المسلمينَ بعضهم. أخرجَهُ ابن أبي شيبةَ وأحمدُ وفي إسنادِه ضعفٌ) لأنَّ في إسنادِه الحجَّاجَ بنَ أرطأةَ ولكنَّه يَجْبُرُ ضَعْفَهُ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n٤٠/ ١٢١٩ - وَللطَّيَالِسِيِّ (^٢) مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: \"يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ\". [صحيح لغيره]\n(وللطيالسي منْ حديثِ عمروِ بن العاصِ: يجيرُ علَى المسلمينَ أَدْنَاهُمْ)، وما في الصحيحينِ وهوَ:\n٤١/ ١٢٢٠ - وَفي الصَّحِيحَيْنِ (^٣) عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -: \"ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَة يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ\"، زَادَ ابنُ مَاجَهْ (^٤) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: \"وَيُجِيرُ عَلَيهِمْ أَقْصَاهُمْ\". [صحيح]\n(عنْ عليٍّ - ﵁ - ذمةُ المسلمينَ واحدةٌ يسعَى بها أدناهُم. زادَ ابن ماجهْ) منْ حديثِ عليٍّ أيضًا (منْ وجْهٍ آخرَ: ويجيرُ عليهم أَقْصَاهم) كالدفعِ لتوهُّمِ أنهُ لا يجيرُ إلا أدناهم فتدخلُ المرأةُ في جوازِ إجارتها على المسلمينَ كما أفادَه الحديثُ الآتي:\n_________\n= وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٣٢٩) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس\" اهـ.\nوله شواهد كثيرة عن عدد من الصحابة، انظر: \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٣٢٩)، والحديث رقم (٤٠/ ١٢١٨)، (٤١/ ١٢١٩) و(٤٢/ ١٢٢٠) من كتابنا هذا.\nوالخلاصة: فالحديث صحيح لغيره، واللهُ أعلم.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) لم أعثر عليه في \"مسند الطيالسي\".\nبل أخرجه أبو يعلى رقم (٩/ ٧٣٤٤) إسناده ضعيف فيه جهالة.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٩٧) من حديث عمرو بن العاص.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٣٢٩) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفيه رجل لم يُسَمَّ وبقية رجال أحمد رجال الصحيح\" اهـ.\nويشهد له حديث أم هانئ عند البخاري رقم (٣٥٧)، ومسلم رقم (٣٣٦).\n(^٣) البخاري رقم (٦٧٥٥)، ومسلم رقم (١٣٧٠).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس.","vol":"7","page":247},{"text":"٤٢/ ١٢٢١ - وَفي الصَّحِيحَيْنِ (^١) مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئِ: \"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ\". [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1301>ترجمة أم هانئ</span>\n(وفي الصحيحينِ منْ حديثِ أمِّ هانئ) (^٢) بنتِ أبي طالبٍ، قيلَ اسمُها هندُ وقيلَ فاطمةُ وهيَ أختُ علي بن أبي طالبٍ كرم اللَّهُ وجهه (قدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) وذلكَ أنَّها أجارتْ رجلينِ منْ أحْمَائِها، وجاءتْ إلى النبيِّ - ﷺ - تخبرُهُ أن عليًا أخاها لم يُجِزْ إجارتَها فقالَ - ﷺ -: (قدْ أَجَرْنا) الحديثَ.\nوالأحاديثُ دالةٌ على صحةِ أمانِ الكافرِ منْ كل مسلم ذكرٍ أو أُنْثَى، حرٍّ أمْ عبدٍ، مأذونٍ أوْ غيرِ مأذونٍ، لقولِه: \"أدناهُم\" فإنهُ شاملٌ لكلّ وضيعٍ، وتُعْلَمُ صحةُ أمانِ الشريفِ بالأَوْلَى، وعلَى هذا جمهورُ العلماءِ إلَّا عندَ جماعةٍ منْ أصحابِ مالكٍ فإنَّهم قالُوا: لا يصحُّ أمانُ المرأةِ إلا بإذنِ الإمامِ وذلكَ لأنَّهم حملُوا قولَه - ﷺ - لأمِّ هانئٍ: \"قدْ أجرْنا مَنْ أَجَرْتِ\" على أنهُ إجازةٌ منهُ، قالُوا: [ولو] (^٣) لم يجزْ لم يصحَّ أمانُها، وحملَه الجمهورُ على أنهُ - ﷺ - أمضَى ما وقعَ منْها وأنهُ قدْ انعقدَ أمانُها لأنهُ - ﷺ - سمَّاها مجيرةً ولأنَّها داخلةٌ في عمومِ المسلمينَ في الحديثِ علَى ما يقولُه بعضُ أئمةِ الأصولِ، أوْ منْ بابِ التغليبِ بقرينةِ الحديثِ الآتي:\n\n<span data-type='title' id=toc-1302>لا يجتمع في جزيرة العرب دينان</span>\n٤٣/ ١٢٢٢ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: \"لأخرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري رقم (٣٥٧)، ومسلم رقم (٣٣٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٧٦٣)، والترمذي (٢٧٣٥)، والنسائي (١/ ١٢٦)، ومالك (١/ ١٥٢ رقم ٢٨)، وأحمد (٦/ ٣٤٣، ٤٢٣، ٤٢٥).\n(^٢) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١٢٢٨٩)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٦٢٠)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٦٨٤)، و\"طبقات ابن سعد\" (٨/ ٤٧)، و\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٦٧).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في صحيحه رقم (١٧٦٧).=","vol":"7","page":248},{"text":"(وعنْ عمرَ - ﵁ - سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى منْ جزيرةِ العربِ حتَّى لا أدعَ إلا مسلمًا. رواة مسلمٌ). وأخرجَهُ أحمدُ (^١) بزيادة: \"لئنْ عشتُ إلى قابلٍ\".\nوأخرجَ الشيخانِ (^٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵄ - أَنهُ - ﷺ - أوصَى عندَ موتِه بثلاثٍ: \"أخرجُوا المشركينَ منْ جزيرةِ العربِ\"، وأخرجَ البيهقي (^٣) منْ حديثِ مالكٍ عن ابن شهابٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: \"لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ\"، قالَ مالكٌ (^٤): قالَ ابنُ شهابٍ ففحصَ عمرُ عنْ ذلكَ حتَّى أتاهُ الثَّلَجُ واليقيَنُ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: \"لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ\"، فأجْلَى يهودَ خيبرَ، قالَ مالكٌ (^٥): وقدْ أَجْلَى يهودَ نجرانَ وفدكَ أيضًا.\nوالحديثُ دليلٌ على وجوبِ إخراجِ اليهودِ والنَّصارى والمجوسِ منْ جزيرةِ العربِ لعمومِ قولِه: \"لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ\"، وهوَ عامٌّ لكلِّ دينٍ، والمجوسُ بخصوصِهم حُكْمُهم حكمُ أهلِ الكتابِ كما عرف.\nوأما حقيقةُ جزيرةِ العربِ، فقالَ مجدُ الدينِ في \"القاموسِ\" (^٦): جزيرةُ العرب ما أحاطَ بهِ بَحرُ الهِندِ وبحرُ الشام ثمَّ دِجْلَةُ والفُراتُ، أو ما بينَ عَدَنِ أَبْيَنَ إلى أطَرافِ الشامِ طولًا، ومَنْ جُدَّةَ إلى [أَطرافِ] ريفِ العراقِ عرْضًا. انتَهى.\nوأضيفتْ إلى العربِ لأنَّها كانتْ أوطانَهم قبلَ الإسلامِ وأوطانَ أسلافِهم وهي تحتَ أيديْهم. وبما تضمنتْه الأحاديثُ منْ وجوبِ إخراجِ مَنْ له دينٌ غيرُ دينِ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٠٣٠)، والترمذي رقم (١٦٠٧) وقال: حديث حسن صحيح، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٧٥٦)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (٩٩٨٥) و(١٩٣٦٥) وهو حديث صحيح.\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٢٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٠٣١)، والبزار رقم (٢٢٩)، والحاكم (٤/ ٢٧٤)، والترمذي رقم (١٦٠٦)، والنسائي في \"الكبرى\" رقم (٨٦٨٦)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ١٢) من طرق.\n(^٢) البخاري رقم (٣٠٥٣)، ومسلم رقم (١٦٣٧).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٨).\n(^٤) في \"الموطأ\" (٢/ ٨٩٣).\n(^٥) في \"الموطأ\" (٢/ ٨٩٣) رقم (١٩).\n(^٦) \"القاموس المحيط\" (ص ٤٦٥) وما بين القوسين زيادة من القاموس.","vol":"7","page":249},{"text":"الإسلامِ منْ جزيرةِ العربِ قالَ مالكٌ والشافعي وغيرُهما، إلا أنَّ الشافعيَّ والهادويةَ خصُّوا ذلكَ بالحجازِ قالَ الشافعيُّ: وإنْ سألَ مَنْ يعطي الجزيةَ أنْ يعطيَها ويجري عليهِ الحكمَ على أنْ يسكنَ الحجازَ لم يكنْ له ذلكَ، والمرادُ بالحجازِ: مكةُ والمدينةُ واليمامةُ ومخاليفُها كلُّها، وفي \"القاموسِ\" (^١): الحجازُ مكةُ والمدينةُ والطائفُ ومخاليفُها، لكأنها حجزتْ بينَ نجدٍ وتهامةَ أوْ بينَ نجدٍ وتهامة السراةِ، أو لأنَّها احتجزتْ بالحرارِ الخمسِ، حرَّةِ بني سليمٍ، وواقمٍ، وليلَى، وشورانَ، والنارِ.\nقالَ الشافعيُّ: ولا أعلمُ أحدًا أَجْلَى أحدًا منْ أهلِ الذمةِ من اليمنِ وقدْ كانتْ لها ذمةٌ، وليسَ اليمنُ بحجاز فلا يجلِيهم أحدٌ منَ اليمنِ ولا بأسَ أنْ يصالحَهُم على مُقَامِهم باليمنِ.\nقلتُ: لا يخْفَى أن الأحاديثَ الماضيةَ فيها الأمرُ بإخراجِ مَنْ ذُكِرَ مِنْ أَهْلِ الأديانِ غيرِ دينِ الإسلام منْ جزيرةِ العربِ، والحجازُ بعضُ جزيرةِ العربِ. ووردَ في حديثِ أبي عبيدةَ (^٢) الأمرُ بإخراجِهم منَ الحجازِ وهوَ بعضُ مسمَّى جزيرةِ العربِ، والحكمُ على بعضِ مسمَّياتِها بحكمِ موافق للحكم عليها لا يعارِضُ الحكمَ عليها كلِّها بذلكَ الحكمِ، كما قرَّرَ في الأصولِ أنَّ الحكمَ على بعضِ أفرادِ العامِّ لا يخصِّصُ العامَّ وهذا نظيرُه، وليستْ جزيرةُ العربِ منْ ألفاظِ العمومِ كما وهمَ فيهِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وغايةُ ما أفادَه حديثُ أبي عبيدةَ زيادةُ التأكيدِ في إخراجِهم منَ الحجازِ لأنهُ دخلَ إخراجُهم منَ الحجازِ تحتَ الأمرِ بإخراجِهم منْ جزيرةِ العربِ، ثمَّ أفردَ بالأمرِ زيادة في التأكيدِ لا أنهُ تخصيصٌ أوْ نسخ، وكيفَ وقدْ كانَ آخرَ كلامِه - ﷺ -: \"أخرجُوا المشركينَ منْ جزيرةِ العربِ\" (^٣) كما قالَ ابنُ عباسٍ: أَوْصَى عندَ موتِه.\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٦٥٣).\n(^٢) ذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٢٦/ ٦٢ رقم ٣٨٧٠٩) ولفظه: وقال أبو عُبيدَةَ: جزيرةُ العربِ ما بين حفرِ أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وأما في العرض، فمن بئر يبرين إلى منقطع السماوة، وكذلك ذكره في التمهيد (١/ ١٧٢).\n(^٣) تقدَّم تخريجه وهو متفق عليه.","vol":"7","page":250},{"text":"وأخرجَ البيهقي (^١) منْ حديثِ مالكٍ عنْ إسماعيلَ بن أبي حكيمٍ أنهُ سمعَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقولُ: بلغني أنهُ كانَ منْ آخِرِ ما تكلَّم بهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنهُ قالَ: \"قاتلَ اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، لا يبقينَّ دينانِ بأرضِ العربِ\".\nوأما قولُ الشافعيِّ: ولم أعلم أحدًا أجلاهم منَ اليمنِ، فليسَ تركُ إجلائِهم بدليلٍ، فإنَّ أعذارَ مَنْ تَرَكَ ذلكَ كثيرةٌ، وقدْ تركَ أبو بكرٍ - ﵁ - إجلاءَ أهلِ الحجازِ معَ الاتفاقِ على وجوبِ إجلائِهم لشغلته بجهادِ أهلِ الرِدَّةِ ولم يكنْ ذلكَ دليلًا على أنَّهم لا يجلونَ بلْ أجلاهُم عمرُ - ﵁ -، وأما القولُ بأنهُ - ﷺ - أقرَّهم في اليمنِ بقولِه لمعاذٍ: \"خذْ منْ كلِّ حالمٍ دينارًا أو عَدْلُه معافريًا\" (^٢)، فهذَا كانَ قبلَ أمرِه - ﷺ - بإخراجِهم فإنهُ كانَ عندَ وفاتِه كما عرفتَ.\nفالحقُّ وجوبُ إجلائِهم منَ اليمنِ لوضوحِ دليلِه، وكذلك القولُ بأنَّ تقريرَهم في اليمنِ قدْ صارَ إجْماعًا سكوتيًا كلام لا ينهضُ على دَفْعِ الأحاديثِ، فإنَّ السكوتَ منَ العلماءِ على أمرٍ وقعَ منَ الآحادِ مِنْ خليفةٍ أو غيرِه مِنْ فعلٍ محظورٍ أوْ تركِ واجب لا يدلُّ على جوازِ ما وقعَ ولا علَى جوازِ ما تركَ، فإنهُ إنْ كان الواقعُ فعلًا أو تَرْكًا منكرًا وسكتُوا لم يدلَّ سكوتُهم على أنهُ ليسَ بمنكرٍ لما عُلِمَ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٨).\nوأورده ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ١٦٥)، وقال: \"هكذا جاء هذا الحديث عن مالك في الموطآت كلها مقطوعًا، وهو يتصل من وجوه حسان عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة، وعائشة، ومن حديث علي بن أبي طالب، وأسامة … \" اهـ.\n(^٢) وهو حديث صحيح.\nأخرجه أبو داود رقم (١٥٧٨)، والترمذي رقم (٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٥ - ٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٣٠)، وعبد الرزاق رقم (٦٨٤١)، والطيالسي رقم (٥٦٧)، والدارمي (١/ ٣٨٢)، والدارقطني (٢/ ١٠٢)، والحاكم (١/ ٣٩٨)، والبيهقي (٤/ ٩٨)، و(٩/ ١٩٣) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق عنه.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ٢٧٥): وقد روي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت؛ … قلت: وللحديث طرق أخرى انظرها في: \"إرواء الغليل\" رقم (٧٩٥).","vol":"7","page":251},{"text":"منْ أن مراتبَ [الإنكار] (^١) ثلاثٌ: باليدِ أو اللسانِ أو بالقلبِ، وانتفاءُ الإنكارِ باليدِ واللسانِ لا يدلُّ على انتفائِه بالقلبِ، فلعل الساكت أنكر بقلبه لعذر عن التغيير باليد واللسان، وحينئد فلا يدل سكوته علة تقريرِه لما وقعَ حتَّى يُقَالَ قد [أجمعت الأمة عليه] (^٢) إِجْمَاعًا سكوتيًا، إذْ لا يثبتُ أنهُ قدْ أجمعَ الساكت إلا إذا عُلِمَ رضاهُ بالواقعِ، ولا يَعْلمُ ذلكَ إلَّا علَّامُ الغيوبَ.\nبهذَا [يُعْرَفُ] (^٣) بطلان القولِ بأن الإجماعَ السكوتيَّ حجةٌ ولا أعلمُ أحدًا قدْ حرَّرَ هذا في ردِّ الإجماعِ السكوتيِّ معَ وضوحِه، والحمدِ للَّهِ المنعمِ المتفضلِ، وقد أوضحْناهُ في رسالةٍ مستقلةٍ، فالعجبُ ممن قالَ: ومثلُه قدْ يفيدُ القطعَ، وكذلكَ قولُ مَنْ قالَ: إنهُ يحتمل أن حديثَ الأمرِ بالإخراجِ كانَ عندَ سكوتِهم بغير جزيةٍ باطلٌ لأنَّ الأمرَ بإخراجهم عندَ وفاته - ﷺ - والجزيةُ فُرِضَتْ في التاسعة منَ الهجرةِ عندَ نزولِ براءةَ فكيفَ يتمُّ هذَا، ثمَّ إنَّ عمرَ أَجْلَى أهلَ نجرانَ وقدْ كانَ صالَحَهُمْ على مالٍ واسعٍ كما هوَ معروفٌ وهوَ جزيةٌ. والتكلفُ [بتقويم] (^٤) ما عليهِ الناسُ وردُّ ما وردَ من [النصوصُ] (^٥) بمثل هذهِ التأويلاتِ مما يطيلُ تعجبَ الناظرِ المنصفِ.\nقالَ النوويُّ: قالَ العلماءُ رحمَهم اللَّهُ تعالَى: ولا يُمْنعُ الكفارُ منَ الترددِ مسافرينَ إلى الحجازِ ولا يمكثونَ فيهِ أكثرَ منْ ثلاثةِ أيامٍ، قالَ الشافعيُّ ومَنْ وافقَهُ: إلَّا مكة وحَرَمَها فلا يجوزُ تمكينُ كافر منْ دخولِها بحالٍ. فإنْ دخل في خفيةٍ وجبَ إخراجُه، فإنْ ماتَ ودُفِنَ فيهِ نُبشَ وأُخْرِجَ [ما لم يتغيرْ] (^٦)، وحجَّتُه قولُه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (^٧).\nقلتُ: ولا يخفَى أن [البانيان] (^٨) همُ المجوسُ، والمجوس حكْمُهم منْ حكمِ أهلَ الكتابِ لحديثِ: \"سُنُّوا بهمْ سُنَّةَ أهلِ الكتاب\" (^٩)، فيجبُ إخراجُهم منْ\n_________\n(^١) في (أ): \"المنكر\".\n(^٢) في (ب): \"أجمع عليه\".\n(^٣) في (أ): \"تعرف\".\n(^٤) في (ب): \"التقويم\".\n(^٥) في (أ): \"المنصوص\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) سورة التوبة: الآية ٢٨.\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) • أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨ رقم ٤٢) من حديث عبد الرحمن بن عوف ورجاله ثقات إلا أنه منقطع السند.=","vol":"7","page":252},{"text":"أرضِ اليمنِ ومِنْ كلِّ محلٍّ منْ جزيرةِ العربِ، وعلَى فَرَضِ أنَّهم ليسُوا بمجوسٍ فالدليلُ علَى إخراجِهم دخولهُم تحتَ: \"لا يجتمعُ دينانِ في أرضِ العربِ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1303>إجلاء بني النضير من المدينة</span>\n٤٤/ ١٢٢٣ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبيِّ - ﷺ - خَاصّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ، عُدَّة في سَبِيلِ اللَّهِ ﷿. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنهُ) أي عمرَ - ﵁ - (قالَ: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ) بفتحِ النونِ وكسرِ الضادِ المعجمةِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ (مما أفاءَ الله علَى رسولِه مما لم يوجِفْ) الإيجافُ منَ الوجيف وهوَ السيرُ السريعُ (عليهِ المسلمونَ بخيلٍ ولا رِكابٍ) الرِّكابُ بكسرِ الراءِ الإبلُ (وكانت للنبيِّ - ﷺ - خاصةً، وكان ينفق على أهلهِ نفقة سنةٍ وما بقيَ [يجعلُه] (^٣) في الكُرَاعِ) بالراءِ والعينِ المهملةِ بزنةِ غُرابٍ اسمٌ لجميعِ الخيلِ (والسلاحِ عدةً في سبيلِ اللهِ تعالَى. متفقٌ عليهِ).\nبنو النَّضيرِ قبيلةٌ كبيرة منَ اليهودِ وادَعَهم النبيُّ - ﷺ - بعدَ قدومِه إلى المدينةِ علَى أنْ لا يحاربُوا وأنْ لا يعينُوا عليهِ عدوَّهُ وكانتْ أموالُهم ونخيلُهم ومنَازِلُهمْ بناحيةِ المدينةِ فنكثُوا العهدَ وسارَ معهُم كعبُ بنُ الأشرفِ في أربعينَ راكبًا إلى قريشٍ فحالفَهم وكانَ ذلكَ على رأسِ ستةِ أشهرٍ منْ واقعةِ بدرٍ كما ذكرهُ الزهريُّ،\n_________\n= • وأخرجه الطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٣) من حديث مسلم بن العلاء الحضرمي: \"سنُّوا بالمجوس سنَّة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط\"، وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم.\n• وأخرج أبو عبيد في \"الأموال\" (ص ٣٩) بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: لولا أني رأيت أصحابي يأخذون منهم الجزية ما أخذتها - يعني المجوس.\n(^١) تقدَّم تخريجه قريبًا.\n(^٢) البخاري رقم (٢٩٠٤)، ومسلم رقم (١٧٥٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٩٦٥)، والترمذي رقم (١٧١٩)، والنسائي (٧/ ١٣٢).\n(^٣) في (أ): \"جعله\".","vol":"7","page":253},{"text":"وذكرَ ابنُ إسحاقَ في \"المغازي\" أن ذلكَ كانَ بعدَ [وقعة] (^١) أُحُدٍ وبئرِ معونةَ (^٢) \"وخرجَ النبيَّ يستعينُهم في ديةِ رجلينِ قتلَهما عمرُو بنُ أميةَ الضميريُّ منْ بني عامر قد أمَّنهم النبي - ﷺ - ولم يشعر عمرو بذلك، فجلسَ النبيُّ - ﷺ - إلى جنب جدارٍ لهم فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدارِ وقامَ بذلكَ عمرُو بنُ جِحَاشِ بن كعبٍ، فأتاهُ الخبرُ منَ السماءِ فقامَ مظهرًا أنهُ يقضي حاجةً وقالَ لأصحابِه: لا تبرحُوا، ورجعَ مسرِعًا إلى المدينةِ، فاستبطأَهُ أصحابُه فأُخبرُوا أنهُ رجعَ إلى المدينةِ فلحقُوا بهِ فأمرَ بحربِهم والمسيرِ إليهم، فتحصَّنُوا فأمرَ بقطعِ النخلِ والتحريقِ وحاصرَهم ستَ ليالٍ، وكانَ ناسٌ منَ المنافقينَ (^٣) بعثُوا إليهم أنِ اثْبُتُوا وتمنَّعُوا فإنْ قُوتِلْتُم قاتلْنا معَكم، فتربَّصُوا فقذفَ اللَّهُ الرعبَ في قلوبِهم فلمْ ينصُروهُم، فسألُوا أنْ يجلُوا عن أَرْضِهم على أنَّ لهمْ ما حملتِ الإبلُ، فصُولِحُوا على ذلكَ إلا الحَلَقَة - بفتحِ الحاءِ المهملةِ وفتحِ اللامِ فقافٍ - وهيَ السلاحُ، فخرجُوا إلى أذرعاتٍ (^٤) وأريحاءٍ منَ الشامِ وآخرونَ إلى الحيرةِ، ولحقَ آلُ أبي الحقيقِ وآلُ حييِّ بن أخطبَ بخيبرَ وكانوا أولَ مَنْ أُجْلِيَ منَ اليهودِ كما قالَ تعالَى: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ (^٥)، والحشرُ الثاني مِنْ خيبرَ في أيامِ عمرَ - ﵁ -.\n[وقولُه] (^٦): ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الفيءُ ما أُخِذَ بغيرِ قتالٍ، قالَ في \"نهايةِ المجتهدِ\" (^٧): إنهُ لا خُمُسَ فيهِ عندَ جمهورِ العلماءِ. وإنما لم يوجَفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ لأنَّ بني النضيرِ كانتْ على ميلينِ منَ المدينةِ فَمَشَوْا إليها مشاةً غيرَ رسولِ الله ﷺ فإنهُ ركبَ جملًا أو حمارًا ولم تنلْ أصحابَهُ - ﷺ - مشقةٌ في ذلكَ. وقولُه: \"كانَ ينفقُ علَى أَهْلِهِ أي مما استبقاهُ لنفسهِ، والمرادُ أنهُ يعزلُ لهمْ نفقةَ سنةٍ ولكنَّه كانَ ينفقُه قبلَ انقضاءِ السنةِ في وجوهِ الخيرِ ولا يتم عليهِ السنةُ،\n_________\n(^١) في (ب): \"قضية\".\n(^٢) وهو الأرجح، انظر: \"سيرة ابن هشام\" (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(^٣) منهم: عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوْقل، وسُوَيد، وداعس.\n(^٤) أذرعات: بلدِ في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان. انظر: \"معجم البلدان\" (١/ ١٣٠).\n• أريحاء: بلد من الشام.\n(^٥) سورة الحشر: الآية ٢.\n(^٦) في (أ): \"وقولهم\".\n(^٧) \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد الحفيد (٢/ ٣٧٦) بتحقيقنا.","vol":"7","page":254},{"text":"ولهذَا تُوُفِّيَ - ﷺ - ودرعُه [مرهون] (^١) على شعيرٍ استدانَه لأهلِه (^٢).\nوفيهِ دلالةٌ على جوازِ ادِّخارِ قوتِ سنةٍ وأنهُ لا ينافي التوكلَ. وأجمعَ العلماءُ على جوازِ [الادخار] (^٣) مما يستغله الإنسانُ منْ أَرْضِهِ، وأما إذا أرادَ أنْ يشتريَهُ منَ السوقِ ويدَّخره فإنْ كانَ في وقتِ ضيقِ الطعامِ لم يجزْ بلْ يشتري ما لا يحصلُ بهِ تضييقٌ على المسلمينَ كقوتِ أيامٍ أو شهرٍ، وإنْ كانَ في وقتِ سَعَةٍ اشتَرى قوتَ السنةِ، وهذا التفصيلُ نقلُه القاضي عياض عنْ أكثرِ العلماءِ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1304>دليل على تنفيل الجيش</span>\n٤٥/ ١٢٢٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا في الْمَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٥)، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ. [حسن]\n(وعنْ معاذِ بن جبلٍ - ﵁ - قالَ: غزْونا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ خيبرَ فأصبْنا فيها غنمًا، فقسمَ فينا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - طائفةً وجعلَ بقيَّتَها في المغنمِ: رواهُ أبو داودَ ورجالُه لا بأسَ بهمْ). الحديثُ مِنْ أدلةِ التنفيلِ، وقدْ سلفَ الكلامُ فيهِ، ولو ضمَّه المصنف ﵀ إليها لكانَ أَوْلَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1305>لا يحبس الرسول ولا ينقض العهد</span>\n٤٦/ ١٢٢٥ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبيّ - ﷺ -: \"إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦) وَالنَّسَائيُّ (^٧)، وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"مرهونة\".\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٠٦٩)، وأحمد (٣/ ١٣٣)، والنسائي (٧/ ٢٨٨)، وابن ماجه رقم (٢٤٣٧)، والبيهقي (٦/ ٣٦).\n(^٣) في (أ): \"ادخار الإنسان\".\n(^٤) انظر: \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٢/ ٢٩٥).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٧٠٧)، وهو حديث حسن.\n(^٦) في \"السنن\" (رقم (٢٧٥٨).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" كما في \"التحفة\" (٩/ ١٩٩).\n(^٨) في صحيحه رقم (٤٨٧٧).=","vol":"7","page":255},{"text":"(وعنْ أبي رافعٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إني لا أَخِيسُ) بالخاءِ المعجمةِ فمثناةِ تحتيةِ فسينٍ مهملةٍ، في \"النهايةِ\": لا أنقضُه (بالعهدِ، ولا أحبِسُ الرسلَ، رواهُ أبو داودَ والنسائي وصحَّحَه ابن حِبَّانَ).\nفي الحديثِ دليلٌ على حفظِ العهدِ والوفاءِ بهِ ولوْ لكافرٍ، وعلَى أنهُ لا يُحْبَسُ الرسولُ بلْ يُرَدُّ جوابُه، فكأنَّ وصولَه أمان لهُ لا يجوزُ أنْ يُحْبَسَ بلْ يُرَدَّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1306>حكم الأرض المفتوحة</span>\n٤٧/ ١٢٢٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتيتُمُوهَا فَأَقَمْتمْ فِيهَا فَسَهْمُكمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإنَّ خُمُسَهَا للهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أيُّما قريةٍ أتيتمُوها فأقمتم فيها فسهمُكم فيها، وأيُّما قريةٍ عصتِ اللَّهِ ورسولَه فإن خُمُسَها للَّهِ ورسولِه ثمَّ هيَ لكمْ. رواهُ مسلمٌ).\nقالَ القاضي عياضٌ في \"شرح مسلم\" (^٢): \"يُحْتَمَلُ أنْ يكونَ المرادُ بالقريةِ الأُولى هي التي لم يوجِفْ عليها المسلمون بخيلٍ ولا رِكَابٍ بلْ أُجْلِيَ عنْها أهلُها أو صالَحُوا فيكونُ سهمُهم فيها أي حقُّهم منَ العطاءِ كما تقررَ في الفيءِ، ويكونُ المرادُ بالثانيةِ ما أُخِذَتْ عُنْوةً فيكونُ غنيمةً يخرجُ منْها الخمسَ والباقي للغانمينَ، [وهوَ] (^٣) معنَى قولِه: \"هي لكمْ\"، أي باقيْهَا. وقدِ احتجَّ بهِ مَنْ لم يوجبِ الخمسَ في الفيءِ، قالَ ابنُ المنذرِ: لا نعلمُ أحدًا قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمس في الفيءِ\" اهـ.\n* * *\n_________\n= قلت: وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٩٨)، والبيهقي (٩/ ١٤٥)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٩٦٣) وغيرهم، وهو حديث صحيح.\n(^١) في صحيحه رقم (١٧٥٦). قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٣١٧)، وأبو داود رقم (٣٠٣٦).\n(^٢) للنووي (١٢/ ٦٩).\n(^٣) في (أ): \"وهي\".","vol":"7","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1307>[الباب الثاني] باب الجزية والهدنة</span>\nالأظهرُ [في الجزيةِ] أنَّها مأخوذةٌ منَ الإجزاءِ لأنَّها تكفي مَنْ تُوضَعُ عليهِ في عصمةِ دمهِ، (والهدنةُ): هي متاركةُ أهلِ الحربِ مدةً معلومةً لمصلحةٍ، ومشروعيةُ (^١) الجزيةِ سَنةَ تسعٍ على الأظهرِ وقيلَ: سنةَ ثمانٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1308>أخذ الجزية من المَجوس</span>\n١/ ١٢٢٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَهَا يَعْني الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\nوَلَهُ طَرِيقٌ في \"الْمُوَطَّإ\" (^٣) فِيها انْقِطَاعٌ. [مرسل منقطع]\n(عنْ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ أن النبيّ - ﷺ - أخذَها - يعني الجزيةَ - منْ مَجوسِ هَجَرَ. رواة البخاريُّ ولهُ طريق في \"الموطأ\" فيها انقطاعٌ)، وهيَ ما أخرجَهُ الشافعيُّ (^٤) عن ابن شهابٍ أنهُ بلغَهُ \"أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أخذ الجزيةَ منْ مجوسِ\n_________\n(^١) هكذا في المخطوطات ولعلها \"وشرعت\".\n(^٢) في صحيحه رقم (٣١٥٧)، وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٢٦١): \"إن كان هذا من جملة كتاب عمر فهو متصل وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف، وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي رقم (١٥٨٦) ولفظه: \"فجاءنا كتاب عمر: انظر مجوس من قِبَلَكَ فخذ منهم الجزية، فمن عبد الرحمن بن عوف \"أخبرني\"، فذكره …\n(^٣) في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨) عن جعفر بن محمد عن أبيه: \"أن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّهِ ﷺ يقول: \"سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب\"، وهذا منقطع مع ثقة رجاله …\n(^٤) في \"الأم\" (٤/ ١٨٣) ط: دار الفكر.","vol":"7","page":257},{"text":"البحرينِ\". قالَ البيهقيُّ (^١): وابنُ شهاب إنَّما أخذَ حديثَه عن ابن المسيِّبِ وابن المسيِّب حسنُ المرسلِ، فهذا هوَ الانقطاعُ الذي أشارَ إليهِ المصنفُ.\nوأخرجَ الشافعيُّ (^٢) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ [بن عوف] (^٣) أن عمرَ بنَ الخطابِ ذكرَ المجوسَ فقالَ: لا أدري كيفَ أصنعُ في أمرِهم، فقالَ عبدُ الرحمنِ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: \"سنُّوا بهمْ سنَّةُ أهلِ الكتابِ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٤) والبيهقي (^٥) عن ابن عباسٍ قالَ: جاءَ رجلٌ منْ مجوسِ هَجَرَ (^٦) إلى النبيّ - ﷺ -، فلما خرجَ قلتُ لهُ: ما قضَى اللَّهُ ورسولُه فيكمْ؟ قالَ: شرًا، قلتُ: مهْ، قالَ: الإسلامُ أوِ القتلُ.\nقالَ: وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: قَبِلَ منهمُ الجزيةَ.\nقالَ ابنُ عباسٍ: وأخذَ الناسُ بقولِ عبدِ الرحمنِ وتركُوا ما سمعتُ أنا.\nقلتُ: لأنَّ روايةَ عبدِ الرحمنِ موصولة صحيحة وروايةُ ابن عباسٍ هيَ عنْ مجوسيٍّ لا تُقْبَلُ اتفاقًا. وأخرجَ الطبراني (^٧) عنْ مسلمِ بن العلاءِ الحضرميِّ في آخرِ حديثِه بلفظِ: \"سنُّوا بالمجوس سنةَ أهلِ الكتابِ\". وأخرجَ البيهقيُّ (^٨) عن المغيرةِ في حديثٍ طويلٍ معَ فارسَ وقالَ فيهِ: \"فأمرَنا نبيُّنا - ﷺ - أنْ نقاتَلكم حتَّى تعبدُوا اللَّهَ وحدَهُ أوْ تؤدُّوا الجزيةَ\". وكانَ أهلُ هجرَ خصُوصًا كما دلتِ الآيةُ على أخْذِها منْ أهلِ الكتابِ اليهودِ والنَّصارى، قالَ الخطابيُّ (^٩): وفي امتناعِ\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٠) بعد عبارة وابن المسيب حسن المرسل، عبارة: وكيف وقد انضم إليه ما تقدم.\n(^٢) في \"بدائع المنن\" (٢/ ٣٤ رقم ١١٨٣).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٣٠٤٤).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٠)، وهو حديث ضعيف الإسناد.\n(^٦) هَجَر: بفتح الهاء والجيم، مدينة في بلاد البحرين، وهناك قرية صغيرة بجانب المدينة المنورة.\n(^٧) في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٤٣٧ رقم ٠٠٠/ ١٠٥٩)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٣) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم. وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٣/ ٤١٦): ومدار الحديث على عمر بن إبراهيم وهو ساقط.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩١).\n(^٩) في \"معالم السنن\" (٣/ ٤٣٢ - هامش السنن).","vol":"7","page":258},{"text":"عمرَ - ﵁ - عن أَخْذِ الجزيةِ منَ المجوسَ حتَّى شهدَ عبدُ الرحمنِ أن النبيَّ - ﷺ - أخذَها منْ مجوسِ هجرَ، دليل علَى أن رأي الصحابةِ أنْ لا تُوخَذَ الجزيةُ منْ كلِّ مشركٍ كما ذهبَ إليهِ الأوزاعيُّ وإنَّما تُقْبَلُ منْ أهلِ الكتابِ.\nوقد اختلفَ العلماءُ في المعنَى الذي [منْ أجلِه] (^١) أُخِذَتِ الجزيةُ [مِنْهم] (^٢)، فذهبَ الشافعيُّ في أغلبِ قولَيْهِ إلى أنَّها إنَّما قُبِلتْ منْهم لأنَّهم منْ أهلِ الكتابِ، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب - ﵁ -. وقال أكثر أهل العلمِ: إنَّهم ليسُوا منْ أهلِ الكتابِ وإنَّما أُخِذَتِ الجزيةُ منَ اليهودِ والنَّصارى بالكتابِ ومنَ المجوسِ بالسنة، انتَهى.\nقلتُ: قد قدَّمْنا لكَ أن الحقَّ أخْذُ الجزيةِ منْ كلِّ مشركٍ كما دلَّ لهُ حديثُ بُريدةُ، ولا يخْفَى أن في قولِه: \"سنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب\" ما يُشْعِرُ أنهم ليسُوا بأهلِ كتابٍ. ويدلُّ لما قدَّمْنَاهُ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1309>أخذ الجزية من العرب</span>\n٢/ ١٢٢٨ - وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ - ﵃ - أَنَّ النبيَّ - ﷺ - بَعَثَ خَالِدَ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَأَخَذُوهُ فَأَتَوْا بِهِ. فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣). [حسن]\n\n<span data-type='title' id=toc-1310>ترجمة عاصم بن عمر</span>\n(وعنْ عاصمِ بن عمرَ) (^٤) هوَ أبو عمروٍ عاصمُ بنُ عمرَ بن الخطابِ - ﵁ - العدويُّ القرشيُّ. وُلدَ قبلَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بسنتيْنِ وكانَ وسيمًا جسيمًا خيِّرًا\n_________\n(^١) في (أ): \"لأجله\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٠٣٧)، وهو حديث حسن.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٤٦ رقم ٨٣)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٣١٩)، و\"الإصابة\" رقم (٦١٦٩)، و\"أسد الغابة\" رقم (٢٦٧٤)، و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٧٧)، و\"الثقات\" لابن حبان (٥/ ٢٢٣)، و\"الوافي بالوفيات\" (١٦/ ٥٧٠).","vol":"7","page":259},{"text":"فاضلًا شاعرًا، ماتَ سنةَ سبعينَ قبلَ موتِ أخيهِ عبدِ اللَّهِ بأربعِ سنينَ، وهوَ جدُّ عمرَ بن عبدِ العزيزِ لأُمِّهِ. رَوَى عنهُ أبو أمامةَ بنُ سهلِ بن حنيفٍ وعروةُ بنُ الزبيرِ.\n(عنْ أنسٍ) أي ابن مالكٍ (وعنْ عثمانَ بن أبي سليمانَ) أي ابن جبيرِ بن مطعمٍ القرشيِّ المكيِّ، سمعَ [أبا] (^١) أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمن وعامرَ بن عبد اللَّهِ بن الزبيرِ وغيرَهم (أن النبيَّ - ﷺ - بعثَ خالدَ بنَ الوليدَ إلى أُكيْدِرِ) بضمِّ الهمزةِ بعدَ الكافِ مثناةٌ تحتيةٌ فدالٌ مهملةٌ فراءٌ (ذومةِ) بضمِّ الدالِ المهملةِ وسكونِ الواوِ، وهي دُومةُ الجندلِ اسمُ محلٍّ (فأخذُوه فحقنَ دمَة وصالحَه على الجزيةِ. رواهُ أبو داودَ) قالَ الخطابيُّ (^٢): أكيدرُ دومةُ رجلٍ منَ العربِ يقالُ منْ غسَّانَ.\nففي هذا دليلٌ على أَخْذِ الجزيةِ منَ العربِ كجوازهِ منَ العجَم، انتَهى.\nقلتُ: فهوَ منْ أدلةِ ما قدَّمناهُ، وكانَ - ﷺ - بعثَ خالدًا منْ تبوكَ والنبيُّ - ﷺ - بها في آخرِ غزاةٍ غَزَاها وقالَ لخالدٍ: \"إنكَ تجدُه يصيدُ البقرَ\" (^٣)، فمضَى خالدٌ حتَّى إذا كانَ منْ حصنِه بمبصَرِ العينِ في ليلةٍ مقمرةٍ أقامَ وجاءتْ بقرُ الوحشِ حتَّى حكَّتْ قرونَها بباب القصرِ فخرجَ إليها أكيدرُ في جماعةٍ منْ خاصَّتِهِ فتلقتْهم خيل رسولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخذُوا أكيدرَ وقتلُوا أخاهُ حسانَ، فحقنَ رسولُ اللَّهِ دمَهُ وكانَ نصرانيًا واستلبَ خالدُ [منْ] حسانَ قباءَ ديباجٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ وبعثَ بهِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأجارَ خالدٌ أكيدرَ منَ القتلِ حتَّى يأتيَ بهِ رسولَ اللَّهِ ﷺ على أن يفتحَ لهُ دومةَ الجندلِ، ففعلَ، وصالحهُ على ألفيْ بعيرٍ وثمانمائةِ رأسٍ وألفي درعٍ وأربعمائةِ رمحٍ، فعزلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ صَفِيُّهُ (^٤) خَالصًا ثم قسمَ الغنيمةَ -\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"معالم السنن\" (٣/ ٤٢٧ - بهامش السنن).\n(^٣) وهو حديث ضعيف.\nأخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) من طريق ابن إسحاق، وقد صرَّح عنده بالسماع وسنده منقطع؛ لأن يزيد وعبد اللَّهِ لم يسمِّيا من حدَّثهما.\nوعزاه صاحب \"الكنز\" (١٠/ ٥٨٣ - ٥٨٤) إلى ابن منده، وابن عساكر.\n(^٤) الصَّفيُّ: ما كان يأخذُه رئيسُ الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القِسمة، ويقال له: الصَّفِيَة. والجمعُ الصَّفايا. \"النهاية\" (٣/ ٤٠).","vol":"7","page":260},{"text":"الحديثَ\"، وفيهِ أنهُ قدِمَ خالدٌ بأكيدرَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فدعاهُ إلى الإسلامِ فأبَى فأقرَّه على الجزيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1311>مقدار الجزية على كل حالم</span>\n٣/ ١٢٢٩ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: بَعَثَنِي النَّبيُّ - ﷺ - إِلَى الْيَمَنِ. فَأَمَرَنِي \"أَنْ آخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ معَافِريًّا\". أَخْرَجَهُ الثَّلَاثةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ معاذِ بن جبلٍ - ﵁ - قالَ: بعثني رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليمنِ وأمرني أنْ آخذَ منْ كلِّ حالِمٍ دينارًا أو عِدْلَه) بالعينِ المهملةِ مفتوحةً وتُكْسَرُ، المثلُ، وقيلَ بالفتحِ ما عادلَه منْ جِنْسهِ، [وبالكسرِ ما ليسَ منْ جنسه] (^٤)، وقيلَ بالعكس كما في \"النهايةِ\" (^٥) ثمَّ دالٌ مهملةٌ.\n(معافريًا) بفتحِ الميمِ فعينٍ مهملةٍ [بعدها ألفٌ] (^٦) ففاءٌ وراءٌ بعدَها ياءُ النسبةِ إلى معافرٍ وهيَ بلدٌ باليمنِ تُصْنَعُ فيها الثيابُ فنسبتْ إليها، فالمرادُ أو عدلَه ثوبًا معافريًا.\n_________\n(^١) أبو داود رقم (١٥٧٦) و(١٥٧٧) و(١٥٧٨)، والترمذي رقم (٦٢٣)، والنسائي (٥/ ٢٦).\n(^٢) في صحيحه رقم (٤٨٨٦).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (١١٠٤)، والدارقطني (٢/ ١٠٢ رقم ٢٩)، والبيهقي (٤/ ٩٨) و(٩/ ١٩٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ١٩)، وابن ماجه رقم (١٨٠٣)، وأبو عبيد في الأموال رقم (٦٤)، وعبد الرزاق (٤/ ٢١ رقم ٦٨٤١)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، والطيالسي (١/ ٢٤٠ رقم ٢٠٧٧ - منحة المعبود)، وأحمد (٥/ ٢٣٠).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث، عن سفيان عن الأعمش، عن مسروق، عن النبي - ﷺ -: \"بعث معاذًا إلى اليمن، فأمره أن يأخذ … \"، وهذا أصح. وقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ٢٧٥): \"وإسناده متصل، صحيح، ثابت. قلت: وقد تكلم بعض العلماء في سماع مسروق من معاذ، وذكره الترمذي وكذا الدارقطني في \"العلل\" ورجَّحا الرواية المرسلة.\nولكن الراجح أنه سمع منه. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"غريب الحديث\" (٣/ ١٩١).\n(^٦) زيادة من (ح).","vol":"7","page":261},{"text":"(أخرجَهُ الثلاثةُ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ) وقالَ الترمذيُّ (^١): حديثٌ حسنٌ. وذكرَ أن بعضَهم رواهُ مرسلًا وأنهُ أصحُّ وأعلَّه ابنُ حزمٍ (^٢) بالانقطاعِ وأنَّ مسروقًا لم يلقَ معاذًا، وفيهِ نظرٌ. وقالَ أبو داودَ (^٣): إنهُ منكرٌ، قالَ: وبلغني عنْ أحمدَ أنهُ كانَ ينكرُ هذا الحديثَ إنكارًا شديدًا، قالَ البيهقيُّ (^٤): إنَّما المنكرُ روايةُ أبي معاويةَ عن الأعمشِ عنْ إبراهيمَ عنْ مسروقٍ عنْ معاذٍ، فأما روايةُ الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ فإنَّها محفوظةً قدْ رواها عن الأعمشِ جماعةٌ منْهم سفيانُ الثوريُّ وشعبةُ ومعمرٌ وجرير وأبو عوانةَ ويحيى بنُ سعيد وحفصُ بنُ غياثِ، قالَ بعضُهم عنْ معاذٍ، وقالَ بعضُهم: إنَّ النبيَّ - ﷺ - لما بعثَ معاذًا إلى اليمنِ أو معناهُ.\nوالحديثُ دليلٌ على تقديرِ الجزيةِ بالدينارِ منَ الذهبِ علي كلِّ حالِمٍ أي بالغٍ، وفي روايةٍ محتلِم. وظاهرُ إطلاقِه سواءٌ كانَ غنيًا أو فقيرًا، والمرادُ أنهُ يُوخَذُ الدينارُ ممنْ ذكرَ في السنةِ، وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ فقالَ: أقل ما يؤخذُ منْ أهلِ الذِمَّةِ دينارٌ على كلِّ حالمٍ، وبهِ قالَ أحمدُ فقالَ: الجزيةُ دينارٌ أو عَدْلُه منَ المعافريِّ لا يزادُ عليهِ ولا يُنْقَصُ، إلا أن الشافعيَّ جعلَ ذلكَ حدًّا في جانبِ القلَّةِ، وأما الزيادةُ فتجوزُ لما أخرجَه أبو داودَ (^٥) منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - صالحَ أهل نجرانَ على ألفي حُلَّةٍ النصفُ في محرَّمٍ والنصفُ في رجبٍ يؤدُّونَها إلى المسلمينَ وعاريةً ثلاثينَ دِرْعًا وثلاثينَ فرسًا، وثلاثينَ بعيرًا وثلاثينَ منْ كلِّ صِنْفٍ منْ أصنافِ السلاحِ يغْزو بها المسلمونَ ضامنينَ لها حتَّى يردُّوها عليهمْ إنْ كانَ باليمنِ كيدٌ\".\nقالَ الشافعي: قدْ سمعتُ بعضَ أهلِ العلمِ منَ المسلمينَ ومنْ أهلِ الذمةِ منْ أهلِ نجرانَ يذكر أن قيمةَ ما أخذُوا منْ كلِّ واحدٍ أكثرُ منْ دينارٍ، وإلى هذا\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٢٠).\n(^٢) قلت: بل قال ابن حزم في \"المحلَّى\" (٧/ ٣٤٨): \"ومسروق أدرك معاذًا وشاهد حكمه باليمن\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٢٣٦).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٣).\n(^٥) في \"السنن\" (رقم (٣٠٤١)، وهو حديث ضعيف الإسناد.","vol":"7","page":262},{"text":"ذهبَ عمرُ فإنهُ أخذَ زائدًا على الدينارِ، وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى أنه لا توقيفَ في [قدرِ] (^١) الجزيةِ في القلةِ ولا في الكثرةِ وأنَّ ذلكَ موكولٌ إلى نظرِ الإمامِ، ويجعل هذهِ الأحاديثَ محمولةً على التخييرِ والنظرِ في المصلحةِ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنها لا تُوخَذُ الجزيةَ منَ الأُنْثَى لقولِه: \"حالمٍ\"، قالَ في \"نهاية المجتهدِ\" (^٢): اتفقُوا على أنها لا تجبُ الجزيةُ إلا بثلاثة أوصافٍ: الذكورية والبلوغِ والحريةِ. واختلفُوا في المجنونِ المقعدِ والشيخِ وأهلِ الصوامعِ، [والكبير] (^٣)، والفقيرِ، قالَ: وكلُّ هذهِ مسائلُ اجتهاديةٌ ليسَ فيها توقيفٌ شرعيٌّ، قالَ: وسببُ اختلَافِهم هلْ يقتلونَ أمْ لا. اهـ.\nهذا وأما روايةُ البيهقيُّ (^٤) عن الحكمِ بن عتيبةَ أن النبيَّ - ﷺ - كتبَ إلى معاذٍ باليمنِ \"على كلِّ حالمٍ أوْ حالمةٍ دينارًا أو قيمتُه\"، فإسنادُها منقطعٌ، وقدْ وصَلَه أبو شيبةَ عن الحكمِ بن عتيبةَ عنْ مقسم عن ابن عباسٍ بلفظِ: \"فعلَى كلِّ حالمٍ [دينارٌ] (^٥) أو عَدْلُه منَ المعافِرِ ذكرٍ أوْ أُنْثَى، حرٍّ أو عبدٍ، دينارٌ أو عِوَضُه منَ الثيابِ\"، لكنَّه قالَ البيهقيُّ (٤): أبو شيبةَ ضعيفٌ، وفي البابِ عنْ عمرِو بن حزمٍ (^٦) ولكنَّه منقطعٌ وعنْ عروةَ (^٧) وفيهِ انقطاعٌ. وعنْ معمرٍ عن الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ عنْ معاذٍ وفيهِ: \"وحالمةٍ\"، لكنْ قالَ أئمةُ الحديثِ: إن معمرًا إذا رَوَى عنْ غيرِ الزهريِّ يغلط كثيرًا. وبهِ يُعْرَفُ أنهُ لم يثبتْ في أَخْذِ الجزيةِ منَ الأُنْثَى حديثٌ يُعْمَلُ بهِ.\nوقالَ الشافعيُّ: سألتُ محمدَ بنَ خالدٍ وعبدِ اللَّهِ بنَ عمرِو بن مسلمٍ وعددًا منْ علماءِ أهلِ المدينةِ وكلُّهم حَكَوْا عنْ عددٍ مضُوا قَبْلَهم يحكونَ عنْ عددٍ مَضَوْا قَبلَهم كلُّهم ثقةٌ أن صلحَ النبيّ - ﷺ - كانَ لأهلِ الذمةِ باليمنِ على دينارٍ كلَّ سنةٍ ولا\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" لابن رشد الحفيد (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(^٥) في (أ): \"دينارًا\".\n(^٦) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٤) وهو منقطع.\n(^٧) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٤) وهو منقطع.","vol":"7","page":263},{"text":"يثبتونَ أن النساءَ كُنَّ ممنْ يؤخذُ منهُ الجزيةُ، وقالَ عامتُهم: ولم يؤخذْ مِنْ زروعِهم وقدْ كانَ لهم زروعٌ، ولا منْ مواشيْهم شيئًا علمْناهُ.\nقالَ: وسألتُ عددًا كثيرًا منْ ذمةِ أهلِ اليمنِ متفرقينَ في بلدانِ اليمنِ فكلهم أثبتَ لي لا يختلفُ قولُهم أنَّ معاذًا أخذَ منْهم دينارًا عنْ كلِّ بالغٍ منْهم وسموا البالغَ حالِمًا، قالُوا: وكانَ [ذلك] (^١) في كتابِ النبيِّ - ﷺ - معَ معاذٍ \"إنَّ علَى كلِّ حالمٍ دينارًا\".\nواعلمْ أنهُ يُفْهَمُ منْ حديثِ معاذٍ هذَا، وحديثِ بريدةَ المتقدمِ (^٢) أنهُ يجبُ قبولُ الجزية ممنْ بذلَها ويحرمُ قتلُه وهوَ المفهومُ منْ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ [عَن يَدٍ] (^٣)﴾ (^٤) الآيةَ، أنهُ ينقطعُ القتالُ المأمورُ بهِ في صدرِ الآيةِ منْ قولِه تعالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤) بإعطاءِ الجزيةِ، وأما جوازُه وعدمُ قَبولِ الجزيةِ فتدلُّ الآيةُ علَى النَّهْي عن القتالِ عندَ حصولِ الغايةِ وهوَ إعطاءُ الجزيةِ، فيحرمُ قتالُهم بعدَ إعطائِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1312>علو الإسلام بالوقوف عند العمل به</span>\n٤/ ١٢٣٠ - وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرو المُزنيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الإِسْلامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى\"، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (^٥). [حسن]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (١٧٣١).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة التوبة: الآية (٢٩).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٢٥٢ رقم ٣٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٠٥) وقال الدارقطني: وعبد الله بن حشرج وأبوه مجهولان، كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٢١٣).\nوقال الضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (ق ٦٠/ ١): \"وحشرج بن عبد الله، ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا\".\nوقال الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٠٦، ١٠٧) معقبًا على الضياء: \"ذكره - ابن أبي حاتم - (١/ ٢/ ٢٩٦) برواية جماعة من الثقات عنه، وقال عن أبيه: \"شيخ\".\nوعلة الحديث عندي أبوه عبد الله بن حشرج وجدّه، فقد أوردهما ابن أبي حاتم أيضًا (٢/ ٢/ ٤٠)، (١/ ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦) وقال في كل منهما عن أبيه: \"لا يعرف\"، وأقرّه الحافظ في \"اللسان\" … اهـ.=","vol":"7","page":264},{"text":"(وعنْ عائذِ بن عمرٍو المزني عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: الإسلامُ يعلُو ولا يُعْلَى. أخرجَهُ الدارقطنيُّ)، فيهِ دليلٌ على عُلُوِّ أهلِ الإسلامِ على أهلِ الأديانِ في كلِّ أمرٍ لإطلاقِه، فالحقُّ لأهلِ الإيمانِ إذا عارضَهم غيرُهم منْ أهلِ المللِ كما أُشِيْرَ إليهِ في إلجائِهم إلى مضايقِ الطرقِ، ولا يزالُ الدينُ الحق يزدادُ عُلُوًا والداخلونَ فيهِ أكثرُ في كلِّ عصرٍ منَ الأعصارِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1313>السلام على الكفار وحكمه</span>\n٥/ ١٢٣١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقِ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قالَ: لا تبدأوا اليهودَ والنَّصارى بالسلامِ، وإذا لقيتُم أحدَهم في طريقِ فاضْطَرُّوه إلى أضْيَقِهِ. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دليل على تحريمِ\n_________\n= • وأخرج بَحْشَل في \"تاريخ واسط\" (ص ١٥٥) عن معاذ مرفوعًا بلفظ: \"الإيمان يعلو ولا يعلى\". وعزاه إليه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢١٣) وسكت عليه وتبعه الحافظ في \"الدراية\" (٢/ ٦٦ رقم ٥٥٥).\nقلت: وفيه عمران ابن أبان وهو أبي موسى الطحان الواسطي، قال الحافظ في \"التقريب\" \"ضعيف\". وبقية رجاله ثقات معروفون غير إسماعيل بن عيسى وهو بغدادي واسطي وثقه الخطيب وغيره. قاله الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ١٠٨).\n• وأخرج الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٥٠)، والبخاري تعليقًا (٣/ ٢١٨ رقم الباب ٧٩) عن ابن عباس موقوفًا بلفظ: \"الإسلام يعلو ولا يُعلى\".\nوخلاصة القول: أن الحديث حسن بطرقه، والله أعلم.\n(^١) إنما يعلو شأن الإسلام إذا عملنا بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح … ومنها إعداد القوة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا … ومنها وحدة الصف وجمع الكلمة … ومنها العمل الدؤوب لإعلاء كلمة الله فوق كل جبل ورابية …\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢١٦٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣، ٢٦٦، ٣٤٦، ٤٤٤، ٤٥٩، ٥٢٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (١١٠٣، ١١١١)، وأبو داود رقم (٥٢٠٥)، والترمذي رقم (١٦٠٢)، والطيالسي رقم (٢٤٢٤)، والبيهقي (٩/ ٢٠٣) من طرق.","vol":"7","page":265},{"text":"ابتداءِ المسلمِ لليهودي والنصراني بالسلامِ لأنَّ ذلكَ أصلُ النَّهي، وحَمْلُهُ علَى الكراهةِ خلافُ أصلِه وعليهِ حملَه الأقل.\nوإلى التحريمِ ذهبَ الجمهورُ منَ السلفِ والخلفِ، وذهبَ طائفةٌ منهم ابنُ عباسٍ إلى جوازِ الابتداءِ لهم بالسلامِ وهوَ وجهٌ لبعضِ الشافعيةِ إلا أنهُ قالَ المازريُّ إنهُ يُقَالُ: السلامُ عليكَ بالإفرادِ، ولا يقالُ [السلامُ] عليكمْ، واحتجَّ له بعمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْنًا﴾ (^١)، وأحاديثُ الأمرِ بإفشاءِ السلامِ.\nوالجوابُ أنَّ هذهِ العموماتِ مخصوصةٌ بحديثِ البابِ، وهذا إذا كانَ الذميُّ [منفردًا] (^٢)، وأما إذا كانَ معهُ مسلمٌ جازَ الابتداءُ بالسلامِ ينوي بهِ المسلمَ؛ لأنهُ قدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - سلمَ علَى مجلسٍ فيهِ أخلاطٌ منَ المشركينَ والمسلمينَ.\nومفهومُ قولِه: لا تبدءُوا، أن لا نهي عن الجوابِ عليهمْ إن سلَّموا، ويدلُّ لهُ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٣)، وأحاديثُ: \"إذا سلَّمَ عليكمْ أهلُ الكتابِ فقولُوا: وعليكمْ\" (^٤)، وفي روايةٍ: \"إنَّ اليهودَ إذا سلَّموا عليكمْ [يقولُ أحدُهم السَّامُ عليكمْ] (^٥) فقولُوا: وعليكَ\" (^٦)، وفي روايةٍ: \"قلْ: وعليكَ\" (^٧)، أخرجَها مسلمٌ.\nواتفقَ العلماءُ علَى أنهُ يُرَدُّ على أهلِ الكتابِ ولكنَّه يقتصرُ على قولِه وعليكم وهوَ هكذَا بالواوِ عندَ مسلمٍ في رواياتٍ (^٨). قالَ الخطابيُّ: عامةُ المحدِّثينَ يَرْوُوْن هذا الحرفَ بالواوِ، قالُوا: وكانَ ابنُ عيينةَ يرويهِ بغيرِ الواوِ، وقالَ الخطابي: هذا هوَ الصوابُ لأنهُ إذا حَذَفَ الواو صارَ كلامُه بعينِه مردودًا عليهمْ خاصةً، وإذا\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٨٣.\n(^٢) في (أ): \"مفردًا\".\n(^٣) سورة النساء: الآية (٨٦).\n(^٤) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٦/ ٢١٦٣) من حديث أنس بن مالك.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٨/ ٢١٦٤) من حديث ابن عمر.\n(^٧) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٩/ ٢١٦٤) من حديث ابن عمر.\n(^٨) رقم (١١/ ٢١٦٥) من حديث عائشة، ورقم (١٢/ ٢١٦٦) من حديث جابر بالإضافة لما تقدم.","vol":"7","page":266},{"text":"أثبتَ الواوَ اقتضَى المشاركةَ معَهُم فيما [قالُوه] (^١)، قالَ النوويُّ (^٢): إثباتُ الواوِ وحذفُها جائزٌ إنْ صحَّتْ الرواية به، فإنَّ الواوَ وإن اقتضتِ المشاركةَ فالموتُ هوَ علينا وعليهم ولا امتناعَ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على إلجائِهم إلى مضايقِ الطُّرقِ إذا اشتركُوا همْ [والمسلمونَ] (^٣) في الطريقِ، فيكونُ [طريقهم الضيق، والأوسع] (^٤) للمسلمينَ، فإنْ خلتِ الطريقُ عن المسلمينَ فلا حرجَ عليهم، وأما ما يفعلُه اليهودُ في هذهِ الأزمنةِ منْ تعمدِ جَعْلِ [المسلم] (^٥) على يسارِهِم إذا لاقاهُم في الطريقِ، فشيءٌ ابتدعُوه لم يُرْوَ فيهِ شيءٌ، وكأنَّهَم يريدونَ التفاؤلَ بأنَّهم أصحابِ اليمينِ فينبغي مَنْعهُم مما يتعمَّدونَه منْ ذلكَ لشدةِ محافَظَتِهِمْ عليهِ ومضادةِ [المسلمينِ] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1314>وثيقة صلح الحديبية</span>\n٦/ ١٢٣٢ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ عامَ الْحُدَيْبِيَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: \"هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأمَنُ فِيهَا الناسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ\". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَأَصْلُهُ في الْبخارِيِّ (^٨). [صحيح]\n(وعنِ المسور بن مخرمةَ ومروانَ أن النبيَّ - ﷺ - خرجَ عامَ الحديبية وذكر الحديثِ)، هكذَا في نُسَخِ بلوغِ المرامِ بفرادِ [ضمير] (^٩) ذِكْرٍ، وكانَ الظاهرُ فَذَكَرا بضمير التثنيةِ يعودَ إلى [المسورِ] (^١٠) ومروانَ، وكأنهُ أرادَ فذكرَ أي الراوي (بطولِه وفيهِ: هذَا ما صَالَحَ عليهِ محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ سهيلَ بنَ عمرٍو على وضْعِ الحربِ عَشْرَ سنينَ يأمنُ فيها الناسُ ويكفُّ بعضُهم عنْ بعضٍ. أخرجَهُ أبو داودَ وأصلهُ في البخاريِّ).\n_________\n(^١) في (أ): \"قالوا\".\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ١٤٤).\n(^٣) في (أ): \"المسلمين\".\n(^٤) في (ب): \"واسعة\".\n(^٥) في (أ): \"المسلمين\".\n(^٦) في (ب): \"المسلم\".\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢٧٦٥) و(٢٧٦٦).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"7","page":267},{"text":"الحديثُ دليلٌ علَى جوازِ المهادنةِ بينَ المسلمينَ وأعدائِهم المشركينَ مدةً معلومةً لمصلحةٍ يراها الإمامُ وإن كرهَ ذلكَ أصحابُه، فإنهُ ذكرَ في المهادنةِ ما يفيدُه الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n٧/ ١٢٣٣ - وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ (^١) بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - وَفِيهِ: \"أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدُّهُ عَلَيكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَينَا\"، فَقَالوا: أَتَكْتُبُ هذَا يَا رسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، إِنهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا\". [صحيح]\n(وأخرجَ مسلمٌ بعضَه منْ حديثِ أنسٍ وفيهِ: أن مَنْ جاءَ منكمْ لم نردُّه عليكمْ ومَنْ جاءَكم منَّا رددتُموه علينَا)، أي مَنْ جاءَ منَ المسلمينَ إلى كفارِ مكةِ لم يردُّوهُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، ومَنْ جاءَ منْ أهلِ مكةَ إليهِ - ﷺ - ردَّه إليهمْ، فكرهَ المسلمونَ ذلكَ: (فقالُوا: أتكتبُ هذا يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: نعمْ إنهُ مَنْ ذهبَ منَّا إليهمْ فابعدَهُ اللَّهُ، ومنْ جاءَنا منْهم فسيجعلُ اللَّهُ لهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا)، فإنهُ - ﷺ - كتبَ هذا الشرطَ معَ ما فيهِ منْ كراهةِ أصحابِه لهُ.\nوالحديثُ طويلٌ ساقَه أئمةُ السِّيرِ في قصةِ الحديبيةِ واستوفاهُ ابنُ القيمِ في \"زادِ المعادِ\" (^٢) وذكرَ فيهِ كثيرًا منَ الفوائدِ، وفيهِ أنهُ - ﷺ - ردَّ إليهم أبا جندلٍ بنَ سهيلٍ وقدْ جاءَ مسلمًا قبلَ تمامِ كتابِ الصلحِ، وأنهُ بعدَ ردِّهِ إليهمْ جعلَ اللَّهُ لهُ فرجًا ومخرجًا، ففر من المشركين إلى أبي بصير عند سيف البحر حين أقام به على طريقهم يقطعها عليهم، وانضاف إليه جماعةٌ منَ المسلمينَ حتَّى ضيَّقَ على أهلِ مكةَ مسالكَهم، والقصةُ مبسوطةٌ في كتبِ السِّيَرِ.\nوقدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - يردَّ النساءَ الخارجاتِ إليهِ، فقيلَ لأنَّ الصلحَ إنما وقعَ في حقِّ الرجالِ فقط دونَ النساءِ، وأرادتْ قريشٌ تعميمَ ذلكَ في الفريقينِ، فإنَّها لما خرجتْ أمُّ كُلثومٍ بنتُ أبي معيطٍ مهاجرةً طلبَ المشركونَ رجوعَها فمنعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عنْ ذلكَ وأنزلَ اللَّهُ تعالَى الآيةَ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٧٨٤).\n(^٢) (٣/ ٢٨٦ - ٣١٦).","vol":"7","page":268},{"text":"وفيها: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (^١) الآيةَ. والحديثُ دليلٌ على جوازِ الصُّلحِ على ردِّ مَنْ وصلَ إلينا منَ العدوِّ كما [فعلَه] (^٢) - ﷺ -، وعلَى ألا يردُّوا مَنْ وصلَ إليهمْ منَّا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1315>النهي عن قتل المعاهد</span>\n٨/ ١٢٣٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنةِ، وَإِنَّ رِبحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ - ﵄ - عن النبيّ - ﷺ - قالَ: مَنْ قتلَ معاهدًا لم يَرِحْ) بفتحِ المثناةِ التحتيةِ وفتحِ الراءِ، أصلُه يَرَاح (^٤) أي لم يجدْ (رائحةَ الجنةِ، وإنَّ رِيْحَها ليوجدُ منْ مسيرةِ أربعينَ عامًا. أخرجَهُ البخاريُّ).\nوفي لفظٍ للبخاريِّ (^٥): \"مَنْ قتلَ نفسًا معاهدًا لهُ ذمةُ اللَّهِ وذمةُ رسولِه - الحديثَ\"، وفي لفظٍ لهُ تقييدُ ذلكَ \"بغيرِ جرْمٍ\"، وفي لفظٍ: بغيرِ حقٍّ، وعندَ أبي داودَ (^٦) والنسائيِّ (^٧): بغيرِ حلِّها، والتقييدُ معلوم منْ قواعدِ الشرعِ.\nوقولُه: (مسيرة أربعينَ عامًا) وقعَ عندَ الإسماعيليِّ (^٨) سبعينَ عامًا، ووقعَ\n_________\n(^١) سورة الممتحنة: الآية ١٠.\n(^٢) في (أ): \"فعل\".\n(^٣) في صحيحه رقم (٣١٦٦). قلت: وأخرجه النَّسَائِي (٨/ ٢٥)، وابن ماجه رقم (٢٦٨٦).\n(^٤) قوله: \"لم يَرَح رائحة الجنة\"، قال أبو عبيد: من رحتُ أراح: إذا وجد الريح. وقال أبو عمرو: لم يرِح بكسرِ الراء من رِحت، أريح: إذا وجد الريح، وقال الكسائي: لم يُرح بضم الياء من قولك: أرحتُ الشيء، فأنا أريحه: إذا وجدت ريحه \" اهـ.، شرح السنة\" للبغوي (١٠/ ١٥٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٦٩١٤).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٧٦٠).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٨/ ٢٤ رقم ٤٧٤٧) و(٨/ ٢٥ رقم ٤٧٤٨) من حديث أبي بكرة، قلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦، ٣٨، ٤٦، ٥٠، ٥٢)، والدارمي (٢/ ١٣٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٨) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٢٥٩).","vol":"7","page":269},{"text":"عندَ الترمذي (^١) منْ حديثِ أبي هريرةَ وعندَ البيهقيِّ (^٢) منْ [روايةِ] (^٣) صفوانِ بن سليمٍ عنْ ثلاثينَ منْ أبناءِ الصحابةِ بلفظِ: \"سبعينَ خريفًا\"، وعندَ الطبرانيِّ (^٤) منْ حديثِ أبي هريرة مائةَ عامٍ، وفيهِ (^٥) منْ حديثِ أبي بكرةَ خمسمائةِ عامٍ، وهوَ في \"الموطأ\"، منْ حديثٍ آخرَ في \"مسندِ الفردوسِ\" (^٦) عنْ جابرٍ: \"إنَّ ريحَ الجنةِ ليدرَكُ منْ مسيرةِ ألفِ عامٍ\". وقدْ جمعَ العلماءُ بينَ هذهِ الرواياتِ المختلفةِ.\nقالَ المصنفُ (^٧) ما حاصلُه: إنَّ ذلكَ الإدراكَ في موقفِ القيامةِ، وأنهُ يتفاوتُ بتفاوتِ مراتبِ الأشخاصِ، فالذي يدركُه منْ مسيرةِ خمسمائةِ عامِ أفضلُ منْ صاحبِ السبعينَ إلى آخرِ ذلكَ، وقدْ أشارَ إلى ذلكَ شيخُنا في \"شرحِ الترمذيِّ\" رأيتُ نحوَه في كلام ابن العربيِّ (^٨).\nوفي الحديثِ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ المُعَاهِدِ. وتقدَّمَ الخلافُ في الاقتصاص منْ قاتلِه، وقالَ المهلَّبُ: هذا فيهِ دليلٌ على أن المسلمَ إذا قتلَ الْمُعَاهِدَ أوِ الذِّمِّيَّ لا يُقْتَصُّ منهُ، قالَ: لأنهُ اقتصرَ فيهِ على ذِكْرِ الوعيدِ الأُخْرويِّ دونَ الدنيويِّ، هذا كلامُهُ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٤٠٣) وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢٦٨٧) وهو حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٠٥).\n(^٣) في (أ): \"حديث\".\n(^٤) في \"الأوسط\" رقم (٦٦٣) من حديث أبي هريرة.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٩٤) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن شيخه أحمد بن القاسم ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير معلل بن نفيل وهو ثقة.\n(^٥) أي في \"الطبراني\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٢٩٣)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه محمد بن عبد الرحمن العلاف ولم أعرفه.\n(^٦) عزاه إليه الحافظ في \"الفتح\" (١٢/ ٢٦٠).\n(^٧) في \"الفتح\" (١٢/ ٢٦٠).\n(^٨) انظر: \"فتح الباري\" (١٢/ ٢٦٠).","vol":"7","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1316>[الباب الثالث] باب السبقِ والرمي</span>\nالسَّبْقُ بفتحِ السينِ المهملةِ وسكونِ الموحدةِ، مصدرٌ، وهوَ المرادُ هنا. ويُقَالُ بتحريكِ الموحدةِ، وهوَ الرهنُ الذي يوضعُ لذلكَ. والرمي: مصدرُ رَمَى، والمرادُ هُنَا المناضلةُ بالسهام، وهي المراماة بالسهام للسبق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1317>سباق الخيل المضمرة وغيرها</span>\n١/ ١٢٣٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: سَابَقَ النَّبي - ﷺ - بِالْخَيْلِ الَّتي قَدْ ضُمِّرَتْ، مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنيّةَ الْوداعِ، وَسَبَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتي لَمْ تُضمَّرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَني زُريقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١).\nزَادَ الْبُخَارِيُّ (^٢)، قَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْودَاع خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقِ مِيلٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: سابقَ النبيّ - ﷺ - بالخيلِ التي قدْ ضُمِّرَتْ) منَ التضميرِ، وهوَ كما في \"النهايةِ\" (^٤): أنْ [يظاهرَ] (^٥) عليها بالعلفِ حتَّى تسمنَ ثمَّ لا تُعلفُ إلَّا قوتَها لتخفَّ، زادَ في الصحاحِ، وذلكَ في أربعينَ يومًا، وهذهِ المدةُ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٤٢٠)، ومسلم رقم (١٨٧٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٥٧٥)، والترمذي رقم (١٦٩٩)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وابن ماجه رقم (٢٨٧٧) وغيرهم.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢٨٦٨).\n(^٣) الميل= ١٨٤٨ م.\n(^٤) (٣/ ٩٩).\n(^٥) في (أ): \"تظاهر\".","vol":"7","page":271},{"text":"تسمَّى المضمارَ، والموضعُ الذي تضمر فيهِ الخيلُ [أيضًا] (^١) مِضْمارٌ، وقيلَ: تُشَدُّ عليها سروجُها وتُجَلَّلُ بالأَجِلَّةِ حتَّى تَعْرَفَ فيذهبَ رَهَلهَا ويشتدُّ لحمُها.\n(منَ الحَفياءِ) بفتحِ [الحاءِ] (^٢) المهملةِ وسكونِ الفاءِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ ممدودةٌ وقد تُقْصَرُ، مكانٌ خارجَ المدينةِ (وكانَ أمدُها) بالدالِ المهملةِ أي غايتُها (ثنيةَ الوداعِ)، محلٌّ قريبٌ منَ المدينةِ سُمِّيَتْ بذلكَ لأنَّ الخارجَ منَ المدينةِ يمشي معهُ المودعونَ إليها.\n(وسابقَ بينَ الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ منَ الثنيةِ إلى مسجدِ بني زُرَيْقٍ، وكانَ ابنُ عمرَ فيمنْ سابقَ. متفق عليهِ. زادَ البخاريُّ) منْ حديثِ ابن عمرَ (قالَ سفيانُ: منَ الحفياءِ إلى ثنيةِ الوداعِ خمسةُ أميالٍ أو ستةٌ، ومِنَ الثنيةِ إلي مسجدِ بني زُرَيْقٍ ميلٌ).\nالحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ المسابقة وأنهُ ليسَ منَ العبثِ بلْ منَ الرياضةِ المحمودةِ الموصلَةِ إلى تحصيلِ المقاصدِ في الغزوِ والانتفاعِ بها في الجهادِ، وهي دائرة بينَ الاستحبابِ والإباحةِ بحسبِ الباعثِ علَى ذلكَ.\nقالَ القرطبي: لا خلافَ في جوازِ المسابقةِ على الخيلِ وغيرِها منَ الدوابِّ وعلَى الأقدام، وكَذَا [الترامِي] (^٣) بالسهامِ واستعمالِ الأسلحةِ، لما في ذلكَ منَ [التدرب] (^٤) على الحربِ. وفيهِ دليلٌ على جوازِ تضميرِ الخيلِ المعدَّةِ للجهادِ، [وقيلَ] (^٥) إنهُ يستحبُّ.\n٢/ ١٢٣٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - أن النَّبيَّ - ﷺ - سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ في الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦) وَأَبُو دَاوُدَ (^٧)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٨). [صحيح]\n(وعنهُ) أي ابن عمرَ - ﵄ - (أن النبيّ - ﷺ - سابَقَ بينَ الخيلِ وفضَّل القُرَّحَ) جمعُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"المراماة\".\n(^٤) في (أ): \"التمرين\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"المسند\" (٢/ ١٥٧).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢٥٧٧).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٤٦٨٨).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٩٩)، وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":272},{"text":"قارحٍ، والقارحُ ما كملتْ سِنُّه كالبازِلِ في الإبلِ، (في الغايةِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ).\nفيهِ مثلُ الذي قبلَه دليلٌ على شرعية السِّباقِ بينَ الخيلِ وأنهُ يجعلُ غايةَ القُرَّحِ أبعدَ منْ غايةِ ما دونَها لِقُوَّتِها وجَلادتِها، وهوَ المرادُ منْ قولِه: وفضَّل القُرَّحَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1318>السباق على الخُف والحافر والنصل</span>\n٣/ ١٢٣٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا سَبَقَ إِلَّا في خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) والثَّلَاثَةُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: لا سَبَقَ) بفتحِ السينِ المهملةِ وفتحِ الباءِ الموحدةِ، هوَ ما يُجْعَلُ للسابِقِ [على السَّبْقِ] (^٤) منْ جُعَلٍ، (إلَّا في خفٍّ أو نصلٍ أو حافرٍ. رواهُ أحمدُ والثلاثةُ وصحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ)، ورواه الشافعي (^٥) والحاكمُ (^٦) منْ طُرقٍ، وصحَّحَهُ ابنُ القطَّانِ وابنُ دقيقِ العيدِ، وأعلَّ الدارقطني بعضَها بالوقْفِ (^٧)، ورواه الطبراني (^٨) وأبو الشيخ من حديث ابن عباس.\nوقولُه: (إلا في خفٍّ) المرادُ بهِ الإبلُ، والحافرُ: الخيلُ، والنصلُ: السهمُ، أي ذي خُفٍّ أو ذي حافرٍ أو ذي نصلٍ، على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مقامَهُ.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٤٧٤).\n(^٢) أبو داود رقم (٢٥٧٤)، والترمذي رقم (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٤٦٩٠).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، والبغوي في \"مسند ابن الجعد\" رقم (٢٨٥٥) و(٢٨٥٧)، والبيهقي (١٠/ ١٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٦٥٣).\nوحسَّنه الترمذي، وصحَّحه ابن القطان وابن دقيق العيد. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٦١).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٢٨، ١٢٩).\n(^٦) عزاه إليه الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٦١).\n(^٧) كما في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٦١).\n(^٨) في \"الكبير\" (١٠/ ٣٨٢ رقم ١٠٧٦٤). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٦٣) وقال: فيه عبد اللهِ بن هارون الفروي، وهو ضعيف بهذا الحديث وغيره.","vol":"7","page":273},{"text":"والحديثُ دليلٌ علَى جوازِ السباقِ على جُعَلٍ، فإنْ كانَ الْجُعَلُ منْ غيرِ المتسابقينِ كالإمام يجعلُه للسابِقِ حلَّ ذلكَ بلا خلافٍ، وإنْ كانَ منْ أحدِ المتسابقينَ لم يحلَّ لأَنهُ منَ القمارِ.\nوظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يشرعُ السَّبَقُ إلَّا فيما ذُكِرَ منَ الثلاثةِ، وعلى الثلاثةِ قَصَرَهُ مالكٌ والشافعي، وأجازَهُ عطاءٌ في كلِّ شيءٍ، وللفقهاءِ خلافٌ في جوازِه على عِوَضٍ أو لا، ومَنْ أجازَه عليهِ فلَهُ شرائطُ مستوفاةٌ وقد ذكرها في الشرح (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1319>محلِّل السباق</span>\n٤/ ١٢٣٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - عَنِ النبي ﷺ قَالَ: \"مَنْ أدْخَلَ فَرَسًا بَينَ فَرَسَينِ - وَهُوَ لَا يَأمَنَ أَنْ يُسْبَقَ - فَلَا بَأسَ بِهِ، فَإنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ (^٣) وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف]\n(وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ ﵁ (عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أَدخلَ فَرسًا بينَ فَرسَيْنِ وهوَ لا يأمن أن يُسْبَقَ) مغيَّر الصيغةِ أي يسبقُه غيرُه (فلا بأسَ بهِ، فإنْ أَمِنَ فهوَ قمارٌ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وإسنادُه ضعيفٌ).\nولأئمةِ الحديثِ في صحتِه إلى أبي هريرةَ كلامٌ كثيرٌ حتَّى قالَ أبو حاتمٍ (^٤): أحسنُ أحوالِه أنْ يكونَ موقوفًا على سعيدِ بن المسيبِ، فقدْ رواهُ يحيى بنُ سعيدٍ عنْ سعيدٍ منْ قولِه. انتَهى.\nوهوَ كذلكَ في \"الموطأِ\" (^٥) عن الزُّهريِّ عنْ سعيدٍ قالَ ابنُ أبي خيثمةَ: سألتُ ابنَ معينٍ عنهُ فقالَ: هذَا باطلٌ وضَرْبٌ على أبي هريرةَ، وقدْ غلَّطَ الشافعيُّ سعيد بن حسين في روايته عن الزهري عنْ سعيدٍ عنْ أبي هريرةَ.\n_________\n(^١) وهو \"البدر التمام\" للمغربي. وهو أصل \"سبل السلام\". ولديَّ مخطوطة له.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٥٠٥).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٥٧٩) بسند ضعيف لضعف سفيان بن حسين في روايته عن الزهري.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٨٧٦)، والحاكم (٢/ ١١٤)، والبيهقي (١٠/ ٢٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ١٧٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٩٦).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف. انظر ما قاله الحافظ في: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٦٣).\n(^٤) في \"علل الحديث\" (٢/ ٣١٨).\n(^٥) (٢/ ٤٦٨).","vol":"7","page":274},{"text":"وفي قولهِ: (وهوَ لا يَأْمَنُ أنْ يُسْبَقَ) دلالةٌ على أن المحلِّلَ وهوَ الفرسُ الثالثُ في الرهانِ يُشْتَرَطُ فيه أنْ لا يكونَ متحققَ السبقِ وإلا كانَ قمارًا. وإلى هذا الشرطِ ذهبَ البعضُ، وبهذَا الشرطِ يخرجُ عن القمارِ، ولعلَّ الوجْهَ أن المقصودَ إنَّما هوَ الاختبارُ للخيلِ، فإِذَا كانَ معلوم السبقِ فاتَ الغرضُ الذي يُشْرَعُ لأجلِه، وأما المسابقةُ بغيرِ جُعَلٍ فمباحةٌ إجماعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1320>شرعية التدرب على القوة</span>\n٥/ ١٢٣٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^١)، \"أَلَا إِن الْقُوّةَ الرّمْيُ، أَلَا إِن الْقُوّةَ الرّمْي، أَلَا إِن الْقُوَّةَ الرّمْيُ\"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عقبةَ بن عامر قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وهوَ على المنبرِ يقرأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، أَلَا إنَّ القوةَ الرميُ، ألا إنَّ القوةَ الرميُ ألا إنَّ القوةَ الرميُ، رواهُ مسلمٌ).\nأفادَ الحديثُ تفسيرَ القوةِ في الآيةِ بالرمي بالسهامِ لأنهُ المعتادُ في عصرِ النبوةِ، ويشملُ الرميَ بالبنادقِ للمشركينَ والبغاةِ، ويُؤخَذُ منْ ذلكَ شرعيةُ التدرب فيهِ لأنَّ الإعدادَ إنَّما يكونُ معَ الاعتيادِ، [لأن] (^٣) مَنْ لم يحسنِ الرميَ لا يُسَمَّى مُعِدًّا للقوة، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سورة الأنفال: الآية ٦٠.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٩١٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٥١٤)، وابن ماجه رقم (٢٨١٣)، وأحمد (٤/ ١٥٧)، والبيهقي (١٠/ ١٣).\nوللحديث طرق أخرى، انظر في: \"إرواء الغليل\" رقم (١٥٠٠).\n(^٣) في (ب): \"إذ\".","vol":"7","page":275},{"text":"[الكتاب الرابع عشر] كتاب الأطعمَة\n<span data-type='title' id=toc-1323>تحريم ما له ناب من السباع</span>\n١/ ١٢٤٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيّ - ﷺ - قَالَ: \"كُل ذِي نَابِ مِنَ السباع فَأكْلُهُ حَرَامٌ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيّ - ﷺ - قالَ: كلُّ ذي نابٍ منَ السباعِ فكلُه حرام. رواهُ مسلم).\nالحديثُ دليل على تحريمِ ما لَهُ نابٌ منْ سباعِ الحيواناتِ، والنابُ السنُّ خلفَ الرباعيةِ كما في \"القاموس\" (^٢)، والسبعُ هوَ المفترِسُ منَ الحيوانِ كما في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٩٣٣).\nقلت: وأخرجه مالك (٢/ ٤٩٦ رقم ١٤)، وعنه الشافعي في \"بدائع المنن\"، وأحمد (٢/ ٢٣٦)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٣٧٥).\nمن طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان عنه.\nوأخرجه الطحاوي (٤/ ٣٧٥)، والترمذي رقم (١٤٧٩)، وأحمد (٢/ ٣٦٦، ٤١٨)، والبيهقي (٩/ ٣٣١).\nمن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه.\nقال الترمذي: حديث حسن.\nوقال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ١٣٩): \"وهذا حديث ثابت صحيح مجتمع على صحته\".\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللهُ أعلم.\n(^٢) و\"لسان العرب\" (١٤/ ٣٤٥).","vol":"7","page":277},{"text":"\"القاموسِ\" (^١) أيضًا، وفيهِ الافتراسُ الاصطيادُ، وفي \"النهايةِ\" (^٢): نَهَى عنْ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ، هوَ ما يفترسُ الحيوانَ ويأكل قَهْرًا وقسرًا كالأسدِ والذئبِ والنمرِ ونحوِها.\nواختلفَ العلماءُ في المحرَّمِ منْها، فذهبَ الهادويةُ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ وداودُ إلى ما أفادهُ الحديثُ، ولكنَّهم اختلفُوا في جنسِ السباعِ المحرَّمةِ.\nفقال أبو حنيفةَ: كلُّ ما أكلَ اللحمَ فهوَ سَبُعٌ حتَّى الفيلُ [والضبعُ] (^٣) واليربوعُ والسِّنَّوْرُ.\nوقالَ الشافعيُّ: يحرمُ مِنَ السباعِ ما يعدُو على الناسِ كالأسدِ والذئبِ والنمرِ [ونحوها] (^٤) دونَ الضبُعِ والثعلبِ لأنَّهما لا يعدوانِ على الناسِ.\nوذهبَ ابنُ عباسٍ فيما حكاهُ ابنُ عبدِ البرِ (^٥) عنهُ وعائشةُ وابنُ عمرَ على روايةٍ عنهُ فيها ضعفٌ، والشعبيُّ [وسعيدُ] (^٦) بنُ جبيرٍ، إلى حلِّ لحومِ السباعِ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٧) الآيةَ. فالمحرَّمُ هوَ ما ذُكِرَ [في الآيةِ] (^٨) وما عدا حلالٌ.\n(وأُجِيْبَ) بأنَّ الآيةَ مكيةٌ (^٩) وحديثُ أبي هريرةَ بعدَ الهجرةِ فهو ناسخ للآيةِ عندَ مَنْ يَرى نسخَ القرآنِ بالسنةِ، وبأنَّ الآيةَ خاصةٌ بثمانيةِ الأزواجِ منَ الأنعام ردًّا علَى مَنْ حرَّم بعضَها كما ذكرَ اللَّهُ تعالى قبلَها منْ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١٠) إلى آخرِ الآياتِ.\nفقيلَ في الردِّ عليهم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٦) الآيةَ، أي أن الذي أحللتُموهُ هوَ المحرَّمُ، والذي حرَّمْتُمُوهُ هوَ الحلالُ وأنَّ ذلكَ افتراءٌ على اللَّهِ، وقرنَ بها لحمَ الخنزيرِ لكونِه مشارِكًا لها في علةِ التحريمِ وهوَ كونُه رجسًا.\n_________\n(^١) \"القاموس المحيط\" (ص ٩٣٨).\n(^٢) (٥/ ١٤٠).\n(^٣) في (ب): \"والضب\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"التمهيد\" (١/ ١٤٥).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) سورة الأنعام: (١٤٥).\n(^٨) في (أ): \"منها\".\n(^٩) انظر: \"فتح القدير\" للشوكاني - بتخريجنا - عند تفسير هذه الآية.\n(^١٠) سورة الأنعام: الآية ١٣٩.","vol":"7","page":278},{"text":"فالآيةُ وردتْ في الكفارِ الذينَ يحلونَ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ الله بهِ ويحرِّمونَ كثيرًا مما أباحه الشرعُ، وكانَ الغرضُ منَ الآيةِ بيانَ حالِهم وأنَّهم يضادونَ الحقَّ، فكأنهُ قيلَ: ما حرَّم إلَّا ما أحلَلْتُمُوهُ مبالغةً في الردِّ عليهم.\nقلتُ: ويحتملُ أن المرادَ قلْ لا أجدُ - الآيةَ - محرَّمًا إلا ما ذُكِرَ في الآيةِ، ثمَّ حرَّمَ الله منْ بعدُ كلَّ ذي نابٍ منَ السباع (^١)، ويُرْوَى عنْ مالكٍ (^٢) أنهُ إنَّما يُكْرَهُ أكلُ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ لا أنهُ [يحرمَ] (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1324>تحريم ذي المخلب من الطير</span>\n٢/ ١٢٤١ - وأَخْرَجَهُ (^٤) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - بِلَفْظِ: نَهَى. وَزَادَ: \"وَكُلِّ ذِي مخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ\". [صحيح]\n(وأخرجَهُ) أي أخرجَ معنَى حديثِ أبي هريرةَ مسلم (منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظِ: نَهَى) أي نهى عنْ كلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ (وزادَ) أي ابنُ عباسٍ: (وكلِّ ذي\n_________\n(^١) قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ١٤٥ - ١٤٦):\n\" … قال أكثر أهل العلم والنظر من أهل الأثر وغيرهم، أن الآية محكمة غير منسوخة، وكل ما حرَّمه رسول الله مضموم إليها. وهو زيادة من حكم الله على لسان رسوله - ﷺ -، ولا فرق بين ما حرَّم الله في كتابه أو حرَّمه على لسان رسوله، بدليل قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]. قال أهل العلم: القرآن والسنة … فقرَن الله ﷿ طاعته بطاعته، وأوعد على مخالفته، وأخبر أنه يهدي إلى صراطه، وبسط هذا القول موجود في كتب الأصول.\nوليس في هذه الآية دليل على أن لا حرام على آكل إلا ما ذكر فيها، وإنما فيها أن الله أخبر نبيه - ﷺ -، وأمره أن يخبر عباده أنه لم يجد في القرآن منصوصًا شيئًا محرمًا على الآكل، والشارب، إلا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أن يحرم الله في كتابه بعد ذلك وعلى لسان رسوله أشياء سوى ما في هذه الآية … \" اهـ.\n(^٢) انظر: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٥١٤) بتحقيقنا.\n(^٣) في (أ): \"حرم\".\n(^٤) أي مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٩٣٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٨٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٠٦).","vol":"7","page":279},{"text":"مِخْلَبٍ) بكسرِ الميمِ وسكونِ الخاءِ [المعجمةِ] (^١) وفتحِ اللامِ آخرَه موحدةٌ (منَ الطيرِ).\nوأخرجَ الترمذيُّ (^٢) منْ حديثِ جابرٍ تحريمُ كل ذي مخلبِ منَ الطيرِ، وأخرجَهُ (^٣) أيضًا منْ حديثِ العِرباضِ بن ساريةَ وزادَ فيهِ: يومَ خيبرَ. في \"القاموس\" (^٤): المخلبُ ظُفرُ كلِّ سَبُعٍ منَ الماشي والطائرِ أو لما يصيدُ منَ الطيرِ. والظفرُ لما لا يَصيدُ. وإلى تحريمِ كلِّ ذي مخْلَبٍ منَ الطير ذهبتِ الهادويةُ ونسبهُ النوويُّ (^٥) إلى الشافعيِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ وداود والجمهورِ.\nوفي \"نهاية المجتهدِ\" (^٦) نسبَ إلى الجمهورِ [القولَ] (^٧) بحلِّ كلِّ ذي مخلبٍ منَ الطيرِ وقالَ: وحرَّمها قومٌ، ونَقْلُ النوويِّ أثبتُ لأنهُ المذكورُ في كتبِ الفريقينِ وأحمدَ، فإنَّ في دليلِ الطالبِ على مذهبِ أحمدَ ما لفظُه: ويحرمُ منَ الطيرِ ما يصيدُ بمخلبهِ كعُقابِ وبازٍ وصقرٍ وباشقٍ وشاهينٍ، وعدَّ كثيرًا منْ ذلكَ، ومثلُه في \"المنهاج\" (^٨) للشافعيةِ، ومثلُه للحنفيةِ (^٩).\nوقالَ مالكٌ: يُكْرَهُ كلُّ ذي مخلبٍ منَ الطيرِ ولا يحرمُ. وأما النسرُ فقالُوا: ليسَ بذي مخلبٍ ولكن يحرم لاستخباثهِ. وقالتِ الشافعيةُ: يحرمُ ما ندبَ قتلُه كحيةٍ وعقربٍ وغرابٍ أبقعَ وحدأةٍ وفأرةٍ وكلّ سَبُعٍ ضارٍ، واستدلُّوا بقولِه - ﷺ -: \"خمسٌ فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحل والحرَمِ\" (^١٠)، تقدَّمَ في كتاب الحجّ، قالُوا: ولأنَّ هذهِ مستخبثاتٌ شرعًا وطبعًا.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٤٧٨) وقال: حديث جابر حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٤٧٤)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"القاموس\" (ص ١٠٤).\n(^٥) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٨٢ - ٨٣).\n(^٦) (٢/ ٥١٤) بتحقيقنا.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) \"مغني المحتاج شرح المنهاج\" (٤/ ٣٠٥). ط: البابي الحلبي.\n(^٩) \"الدر المختار\" (٥/ ٢٣٨). ط. البابي الحلبي.\nوقد أكرمني الله بتحقيقه وتخريج أحاديثه بالاشتراك مع الأخ عامر حسين.\n(^١٠) أخرجه البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (٦٧/ ١١٩٨) من حديث عائشة.","vol":"7","page":280},{"text":"قلتُ: وفي دلالةِ الأمرِ بقتلِها على تحريمِ أكْلِها نظرٌ، ويأتي لهمْ أن الأمرَ بعدمِ القتلِ دليلٌ على التحريم، وقدْ قالَ الشافعي: إنَّ الآدميَّ إذا وطئَ بهيمةً منْ بهائمِ الأنعامِ فقدْ أمرَ الشارع بقتلِها (^١) قالُوا: ولا يحرمُ أكلُها، فدلَّ على أنهُ لا ملازمةَ بينَ الأمرِ بالقتلِ والتحريمِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1325>حكم أكل الحُمُر الأهلية</span>\n٣/ ١٢٤٢ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيّةِ، وأذِنَ في لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٢)، وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: وَرَخَّصَ. [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: نَهَى رسول الله ﷺ يومَ خيبرَ عنْ لحومِ الحُمُرِ الأهليةِ وأنَّ في لحومِ الخيلِ. متفقٌ عليهِ، وفي لفظ للبخاريّ) [لروايةِ جابرٍ هذهِ] (^٣): (ورخص) عوضُ أَذِنَ. وقدْ ثبتَ في رواياتٍ (^٤) أنهُ - ﷺ - القدورَ تغلي بلحمِها\n_________\n(^١) يشير المؤلف رحمه الله تعالى إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (١/ ٢٦٩)، وأبو داود (٤/ ٦٠٩ رقم ٤٤٦٤)، والترمذي (٤/ ٥٦ رقم ١٤٥٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٥٦ رقم ٢٥٦٤) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"مَنْ وقعَ على بهيمةٍ فاقتلوه واقتلوا البهيمة\".\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عنه مرفوعًا.\nوقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٥٥) وفي إسناد هذا الحديث كلام وحديث ابن عباس الآتي يخالفه وهو أصح.\nفقد أخرجه الترمذي (٤/ ٥٧)، وأبو داود (٤/ ٦١٠ رقم ٤٤٦٥) من حديث أبي رُزين عن ابن عباس أنه قال: \"مَنْ أتى بهيمة فلا حدَّ عليهِ\"، وهو حديث صحيح.\nوقال الترمذي: إنه أصح من الحديث الأول. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم.\n(^٢) البخاري (٤٢١٩)، ومسلم رقم (١٩٤١).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤/ ١٤٩ رقم ٣٧٨٨)، والترمذي (١٤٧٨)، والنسائي (٧/ ٢٠٢).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) (منها) ما أخرجه البخاري (٤٤٢٦)، ومسلم (٣١/ ١٩٣٨)، والنسائي (٧/ ٢٠٣ رقم ٤٣٣٨).\nعن البراء بن عازب ﵁ قالَ: \"أمرنا النبي ﷺ في غزوة خيبرَ أن نُلْقِيَ الحُمرَ الأهليةَ نِيئةً ونضيجة، ثم لمَ يأمُرنا بأكله بعدُ\".=","vol":"7","page":281},{"text":"فأمرَ بإراقتِها وقالَ: لا تأكلُوا منْ لحومِها شيئًا، والأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ. وفي روايةٍ: إنَّها رجسٌ أو نجسٌ، وفي لفظٍ: إنَّها رجسٌ منْ عملِ الشيطانِ.\nوفي الحديثِ مسألتانِ:\nالأُولى: أنهُ دلَّ منطوقُه على تحريمِ أَكْلِ لحومِ الحمرِ الأهليةِ إذ النَّهْيُ أَصْلُه التحريمُ، وإلى تحريمِ أَكْلِ لحومِها ذهبَ [الجماهير من علماء] (^١) الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهمِ إلَّا ابنَ عباسٍ فقالَ: ليستْ بحرامٍ. وفي روايةِ ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ: وأَبَى ذلكَ \"البحرُ\" (^٢) وتلا قولَه تعالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٣) الآيةَ، ورُوِيَ عنْ عائشةَ، وعنْ مالكٍ برواياتٍ أنَّها مكروهةٌ أوْ حرامٌ أوْ مباحةُ (^٤).\nوأما ما أخرجَ أبو داودَ (^٥) عنْ غالبِ بن أبجرَ قالَ: \"أصابتْنا سَنَةٌ فلمْ يكنْ في مالي ما أطعمُ أهلي إلا سمانَ حُمُرٍ، فأتيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقلتُ: إنكَ حرَّمتَ لحومَ الحمُرِ الأهليةِ وقدْ أصابتْنا سَنَةٌ، فقالَ: أطعمْ أهلكَ منْ سمينِ حُمُركَ فإنَّما حرَّمتُها منْ جهةِ جوَّالِ القريةِ - يعني الجلَّالَةَ.\nفقدْ قالَ الخطابيُّ: أما حديثُ ابن أبجرَ فقدِ اختُلِفَ في إسنادِه، قالَ أبو داودَ (^٦): \"رواهُ شعب عنْ عبيدِ بن الحسنِ، عنْ عبدِ الرحمن بن معقلٍ، عنْ عبدِ الرحمنِ بن بشرٍ، عنْ ناسٍ منْ مُزْينَةَ، أن سيدَ مُزينةَ أبجر أوْ ابنُ أبي أبجر سألَ النبيَّ ﷺ\"، ورواهُ مسعرُ فقالَ: عن ابن عبيد عنْ ابن معقلٍ عنْ رجلَيْنِ منْ\n_________\n=ومنها أخرجه البخاري (٥٥٢١) و(٤٢١٧)، ومسلم (٣/ ١٥٣٨) رقم (٢٥/ ٥٦١)، والنسائي (٧/ ٢٠٣ رقم ٤٣٣٦).\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمرِ الأهلية\".\nوانظر مزيدًا من الأمثلة في: \"جامع الأصول\" (٧/ ٤٥٦ - ٤٦٢ رقم ٥٥٤٦ - ٥٥٥٤).\n(^١) في (ب): \"جماهير العلماء من\".\n(^٢) يعني عبد الله بن عباس.\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥١٧ - ٥١٨).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ١٦٣ رقم ٣٨٠٩)، وقال المنذري في \"المختصر\" (٥/ ٣٢٠). اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، قال: وقد ثبت التحريم من حديث جابر بن عبد اللهِ.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف الإسناد مضطرب.\n(^٦) في \"السنن\" (٤/ ١٦٣).","vol":"7","page":282},{"text":"مزينةَ، أحدُهما عن الآخرِ (^١). وقدْ ثبتَ التحريمُ منْ حديثِ جابرِ يريدُ هذا، وساقَهُ منْ طريقِ أبي داودَ متصلًا ثمَّ قالَ: وأما قولُه، وإنما حرَّمْتُها منْ أَجْلِ جوَّالِ القريةِ فإنَّ الجوَّالَ هي التي تأكلُ [العذرةَ] (^٢) وهي الجلَّةُ، إلا أنَّ هذا لا يثبتُ، وقدْ ثبتَ أنهُ إنَّما نَهَى عنْ لحومِها لأنَّها رجسٌ وساقَ سندَه إلى محمدِ بن سيرينَ عنْ أنسِ بن مالكٍ (^٣) قالَ: \"لما افتتحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ خيبرَ أصبْنا حُمُرًا خارجةٌ منَ القريةِ فنحرْنا وطبخْنا منْها، فنادى منادي رسولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ ورسولَه ينهيانِكم عنْها، وإنَها رجسٌ منْ عملِ الشيطانِ، فَأُكْفِئَتِ القدورُ\"، انتَهى.\nوبهذا يبطلُ القولُ بأنَّها إنَّما حرِّمتْ مخافةَ قلةِ الظَّهْرِ كما أخرجَه الطبرانيّ (^٤) وابنُ ماجهْ (^٥) عن ابن عباسٍ: إنَّما حرَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ الحمُرَ الأهليةَ مخافةَ قلةِ الظَّهْرِ. وفي روايةِ البخاريِّ (^٦) عن ابن عباسٍ في المغازي منْ روايةِ الشعبيِّ أنهُ قالَ ابنُ عباسٍ: لا أدري أنَهى عنها رسول اللَّهِ ﷺ منْ أَجْل أنَّها حمولةُ الناسِ فكرهَ أنْ تَذْهبَ حمولتُهم أو حرَّمها البتةَ [يومَ خيبرَ، فإنهُ] (^٧) قدْ عُلِمَ بالنصِّ أنهُ حرَّمها [لأنَّها] (^٨) رجسٌ، وكأنَّ ابنَ عباسٍ لم يعلمْ بالحديثِ فتردَّدَ في علة النَّهْي، وإذْ قدْ ثبتَ النَّهيُ وأصلُه التحريمُ عُمِلَ بهِ وإنْ جهلْنا عِلَّتَهُ.\nوأما ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (^٩) منْ حديثِ أمّ نصرٍ المحاربيةِ: \"أنَّ رجلًا سألَ النبيّ - ﷺ - عن الحُمُرِ الأهليةِ فقالَ: أليسَ ترعَى الكلأَ وتأكلُ الشجرَ؟ قالَ: فأصِبْ منْ لحومِها\"، فهيَ روايةٌ غيرُ صحيحةٍ لا تعارَضُ بها الأحاديثُ الصحيحةُ.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٤/ ١٦٤ رقم ٣٨١٠).\n(^٢) في (أ): \"العذرات\".\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٤١٩٨).\nومسلم رقم (١٩٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٠٤).\n(^٤) في الكبير (١١/ ٤٣٢ رقم ١٢٢٢٦) وفي \"الأوسط\" رقم (٤٠٩٤ - مجمع البحرين)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٤٧ - ٤٨) وقال: وفي الكبير حبان بن علي وفيه ضعف وقد وثق. وفي \"الأوسط\" محمد بن جابر وهو متروك، وقد وثق.\n(^٥) لم أعثر عليه الآن؟!\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٤٢٢٧).\n(^٧) في (أ): \"فتردد في علة النهي فيقال\".\n(^٨) في (أ): \"لأجل أنها\".\n(^٩) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٤٧) وقال الهيثمي: \"وفيه إسحاق ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر\" اهـ.","vol":"7","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1326>حل أكل لحوم الخيل</span>\nالمسالةُ الثانيةُ: دلَّ الحديثُ علَى حِلّ أكْلِ [لحومِ] (^١) الخيلِ، وإلى حِلّها ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ والشافعي وصاحِبا أبي حنيفةَ وأحمدُ وإسحاقُ وجماهيرُ السلفِ والخلَفِ لهذا الحديثِ (^٢) ولما في معناهُ منَ الأحاديثِ الصحيحةِ.\nوأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ بسندِهِ (^٣) على شرطِ الشيخينِ عنْ عطاءٍ أنهُ قالَ لابنِ جُرَيْجٍ: لم يزلْ سلفُك يأكلونَه، قالَ ابنُ جريجٍ: قلتُ لهُ: أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: نعمْ. ويأتي حديثُ أسماء (^٤): نحرْنا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فرسًا [أفأكلنا] (^٥).\nوذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ وهوَ المشهورُ عندَ الحنفيةِ إلى تحريمِ [أكلها] (^٦)، واستدلُّوا بحديثِ خالدِ بن الوليد (^٧): \"نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ لحومِ الخيلِ والبغالِ والحميرِ وكلِّ ذي نابٍ منَ السباعِ\"، وفي روايةٍ (^٨) بزيادةِ: \"يومَ خيبرَ\".\n_________\n(^١) في (أ): \"لحم\".\n(^٢) قال أبو عمر بن عبد البر في \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٣٢، ٣٣٣ رقم ٢٢٢٠٠): \"أما أهل العلم بالحديث فحديثُ الإباحةِ في لُحُومِ الخيل أصحَّ عندهم، وأثبت من النهي عن أكلِها\" اهـ. وقال الحسين بن أحمد السّيَاغي في \"الروض النضير\" (١/ ٢٩٠): \"الأول: الرخصة في أكل لحوم الخيل. وهو مذهب زيد بن علي، والمهدي محمد بن المطهر، وقرَّره في \"المنهاج\"، وقال به أيضًا محمد بن منصور المرادي مع زيادة أكل البراذين، وذهب إليه أيضًا الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وابن المبارك، وأبو ثور، ومن السلف القاضي شريح، والحسن، وابن الزبير، وعطاء، وسعيد بن جبير، وحماد بن زيد، والليث بن سعد، وابن سيرين، والأسود بن يزيد، وسفيان الثوري، وغيرهم .. \"، ثم ذكر أدلتهم.\n(^٣) في \"المصنف\".\n(^٤) في كتابنا هذا رقم (١١/ ١٢٤٩) وهو حديث متفق عليه.\n(^٥) في (أ): \"فأكلناها\".\n(^٦) في (ب): \"الخيل\".\n(^٧) أخرجه أبو داود رقم (٣٧٩٠)، وابن ماجه رقم (٣١٩٨)، والنسائي (٧/ ٢٠٢)، وأحمد (٤/ ٨٩)، والدارقطني (٤/ ٢٨٧ رقم ٦١)، وإسناده ضعيف لضعف صالح بن يحيى بن المقدام، قال البخاري: فيه نظر، والراوي عنه وهو أبوه لم يوثقه إلا ابن حبان، وهو حديث ضعيف.\n(^٨) أخرجها الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٨٧ رقم ٦٠)، وفيه محمد بن عمر الواقدي: وهو =","vol":"7","page":284},{"text":"وأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ قالَ البيهقيُّ فيهِ: هذا إسنادٌ مضَّطَرِبٌ مخالِفٌ لروايةِ الثقاتِ، وقالَ البخاريُّ: يُرْوَى عنْ [أبي صالحٍ] (^١) ثورِ بن يزيدَ وسليمانِ بن سليمٍ وفيهِ نظرٌ. وضعَّفَ الحديثَ أحمدُ والدارقطنيُّ والخطابيُّ وابنُ عبدِ البرِّ وعبدُ الحقِّ (^٢) واستدلُّوا بقولِه تعالَى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (^٣)، وتقريرُ الاستدلالِ بالآيةِ بوجوهٍ:\nالأولُ: أن العلةَ المنصوصةَ تقتضي الحصْرَ، فإباحةُ أكلها خلاف ظاهر الآية. وأجيب عنه بأن كون العلة منصوصةً لا تقتضي الحصر فيها. فلا تفيد الحصرَ في الركوبِ والزينةِ فإنهُ يُنْتَفَعُ بها في غيرِهما اتفاقًا، وإنَّما نصَّ عليهما لكونِهما أغلبَ ما يُطْلَبُ، ولو سلمَ الحصرُ لامتنعَ حملُ الأثقالِ على الخيلِ والبغالِ والحميرِ ولا قائلَ بهِ.\nالثاني: منْ وجوهٍ دلالةِ الآيةِ على تحريم الآكلِ عطفُ البغالِ والحميرِ فإنهُ دالٌّ على اشتراكها معَها في حُكْمِ التحريمِ، فَمَنْ أفردَ حكمَهُما عنْ حكمِ ما عطفَ عليهِ احتاجَ إلى دليلٍ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ هذا منْ دلالةِ الاقترانِ وهيَ ضعيفةٌ.\nالثالثُ: منْ وجوهِ دلالةِ الآيةِ أنَّها سيقَتْ للامتنانِ، فلوْ كانتْ مما يُؤْكَلُ لكانَ الامتنانُ بهِ أكثرَ لأنهُ يتعلَّقُ ببقاءِ البنيةِ، والحكيمُ لا يمتنُّ بأدْنَى النِّعمِ ويتركُ أعلاها سِيَّما وقدِ امتنَّ بالآكلِ فيما ذكرَ قبلَها.\nوأُجِيْبَ: بأنهُ تعالَى خصَّ الامتنانَ بالركوبِ لأنهُ غالبُ ما يُنْتَفَعُ بالخيلِ فيهِ عندَ العربِ فخُوطِبُوا بما عرفوهُ وألِفُوه كما خُوطِبوا في الأنعامِ بالأكلِ وحَمْلِ الأثقالِ لأنهُ كانَ أكثرُ انتفاعِهم بها لذلكَ، فاقتصرَ في كلّ منَ الصنفين بأغلبِ ما يُنْتَفَعُ بهِ [عليهِ] (^٤).\nالرابعُ: منْ وجوهِ دلالةِ الآيةِ أنه لو أُبيحَ أكْلُها لفاتتِ المنفعةُ التي امتنَّ بها وهيَ الركوبُ والزينةُ، وأجيبَ عنهُ: بأنهُ لو لزمَ منَ الإِذْنِ في أَكْلِها أَنْ تَفْنَى لَلَزِمَ\n_________\n= ضعيف. وفي سياق الحديث ما يشهد بضعفه وعدم صحته، فقد جاء فيه أن خالدًا شهد خيبر وهو خطأ فإنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح.\n(^١) كذا في (أ) و(ب)، والصواب: \"صالح بن يحيى\" كما في \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٨).\n(^٢) قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١٠/ ١٢٨) على حديث خالد بن الوليد المتقدم: \"وهذا حديث لا تقوم به حجة لضعف إسناده، وحديث الإباحة صحيح الإسناد\" اهـ.\n(^٣) سورة النحل: الآية ٨.\n(^٤) في (ب): \"فيه\".","vol":"7","page":285},{"text":"مثلُه في البقرِ [ونحوِها] (^١) مما أُبيحَ أكْلُه ووقعَ الامتنانُ بهِ لمنفعةٍ أُخْرى.\nوأجيبَ [عن الاستدلالِ بالآيةِ] (^٢) بجواب إجماليٍّ وهوَ أن آيةَ النحلِ مكيةٌ اتفاقًا، والإِذْنُ في أَكْلِ الخيلِ كانَ بعدَ الهجرَةِ منْ مكةَ بأكثرَ منْ ستِ سنينَ، وأيضًا فإنَّ آيةَ النحلِ ليستْ نصًا في تحريم الأكلِ والحديثُ صريحٌ في جوازِه، وأيضًا لو سَلِمَ ما ذكرَ كانَ غايتُه الدلالةَ على تركِ الأكلِ وهوَ أعمُّ منْ أنْ يكونَ للتحريمِ أو للتنزيهِ أو [لخلاف] (^٣) الأوْلَى، وحيثُ لم يتعينْ هُنَا واحدٌ منها لا يتمَّ التمسكُ، فالتمسك بالأدلةِ المصرِّحَةِ بالجوازِ أَوْلَى.\nوأما زَعْمُ البعضِ أن حديثَ جابرٍ دالٌّ على التحريمِ لكونِه وردَ بلفظِ الرخصةِ والرخصةُ استباحةُ المحظورِ معَ قيامِ [المانعِ] (^٤)، فدلَّ أنهُ رخَّصَ لهمْ فيها بسببِ المخمصةِ، فلا يدل على الحِلَّ المطلقِ، فهوَ ضعيفٌ لأنهُ وردَ بلفظِ أَذِنَ لنا، [وبلفظ] (^٥) أطعَمَنا، فعبّرَ الراوي بقولِه رخَّصَ عنْ أَذِنَ لا أنهُ أرادَ الرخصةَ الاصطلاحيةَ الحادثةَ بعدَ زمنِ الصحابةِ، فلا فَرْقَ بينَ العبارتينِ (أَذِنَ) ورخَّص في لسانِ الصحابةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1327>أكل الجراد</span>\n٤/ ١٢٤٣ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى - ﵁ - قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وعنِ ابن أبي أَوْفَى قالَ: غزوْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غزواتٍ نأْكلُ الجرادَ) هوَ جنسٌ والواحدةُ جرادةٌ يقعُ على الذكرِ والأُنثَى كحَمَامةٍ، متفقٌ عليهِ، هوَ دليل على حِلِّ الجرادِ، قالَ النوويُّ (^٧): هوَ إجماعٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (^٨) عنْ أنسٍ قالَ: \"كانَ أزواجُ النبيِّ - ﷺ - يتهادينَ الجرادَ في الأطباقِ.\n_________\n(^١) في (أ): \"ونحوه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"خلاف\".\n(^٤) في (أ): \"مانع\".\n(^٥) في (ب): \"ما قاله\".\n(^٦) البخاري رقم (٥٤٩٥)، ومسلم رقم (١٩٥٢).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٨١٢)، والترمذي رقم (١٨٢١، ١٨٢٢)، والنسائي (٧/ ٢١٠).\n(^٧) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٠٣).\n(^٨) \"السنن\" رقم (٣٢٢٠).=","vol":"7","page":286},{"text":"وقالَ ابنُ العربيِّ في شرح الترمذي (^١): إنَّ جرادَ الأندلسِ لا يُؤْكَلُ لأنهُ ضررٌ محضٌ. فإذا ثبتَ [ذلك] (^٢) فتحريْمُها لأجلِ الضررِ كما تحرَّمُ السمومُ ونحوُها. واختلفُوا هلْ أَكَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الجرادَ أم لا؟ وحديثُ الكتاب يحتملُ أنهُ كانَ [يأكلُ] (^٣) معهُم إلَّا أن في روايةِ البخاريِّ (^٤) زياد: \"نأكلُ الجرَادَ معهُ\"، قيلَ: وهيَ محتملةٌ أن المرادَ غزوْنا معهُ فيكونُ تأكيدًا لقولِه معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ويحتملُ أن المرادَ نأكلُ معهُ.\nقلتُ: وهذا الأخيرُ هوَ الذي يحسنُ حَمْلُ الحديثِ عليهِ، إذِ التأسيسُ أبلغُ منَ التأكيدِ، ويؤيدُه ما وقعَ في الطبِّ عندَ أبي نعيمٍ بزيادةِ: ويأكلُ معَنا. وأما ما أخرجَه أبو داودَ (^٥) منْ حديثِ سَلمانَ: \"أنهُ سُئِلَ رسولُ الله ﷺ الجرادِ فقالَ: \"لا آكلُه ولا أحرِّمُه\"، فقدْ أعلَّه المنذريُّ بالإرسالِ (^٦)، وكذلكَ ما أخرجَهُ ابنُ عديٍّ (^٧) في ترجمةِ ثابتِ بن زهيرٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ: \"أنهُ - ﷺ - سُئِلَ عن الضبِّ فقال: \"لا آكلهُ ولا أحرِّمه\"، وسُئِلَ عن الجرادِ \"فقالَ مثلَ ذلكَ\"، فإنهُ قالَ النَّسَائِي (^٨): ثابتُ ليسَ بثقةٍ. ويؤكلُ عندَ الجماهيرِ على كلِّ حالٍ، ولو ماتَ بغيرِ\n_________\n= قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٦٤ رقم ١١٠٨/ ٣٢٢٠): \"هذا إسناد ضعيف لضعف أبي سعد واسمه سعيد بن المرزبان\".\n(^١) في \"عارضة الأحوذي\" (٨/ ١٦).\n(^٢) في (ب): \"ما قاله\".\n(^٣) في (أ): \"أكل\".\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٥٤٩٥).\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ١٦٥ رقم ٣٨١٣) قال أبو داود: رواه المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ، لم يذكر سلمان.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه مسندًا (٢/ ١٠٧٣ رقم ٣٢١٩)، وأبو داود (٤/ ١٦٥ رقم ٣٨١٤). وقال أبو داود: رواه حمَّاد بن سلمة، عن أبي العوام، عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ، لم يذكر سلمان.\nوالخلاصة: أن الحديث اختلف في وصله وإرساله، والمحفوظ أنه مرسل فهو ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^٦) في \"المختصر\" (٥/ ٣٢٣).\n(^٧) في \"الكامل\" (٢/ ٥٢١) وفيه ثابت بن زهير عن نافع منكر الحديث.\nوقال ابن عدي: ولثابت بن زهير غير ما ذكرت عن نافع، وعن الحسن، وكل أحاديثه تخالف الثقات في أسانيدها ومتونها.\nوالخلاصة: أن الحديث موضوع، واللَّهُ أعلم.\n(^٨) في \"الضعفاء\" رقم (٩٧).","vol":"7","page":287},{"text":"سببٍ (^١) لحديثِ: \"أُحلَّ لنا ميتتانِ ودمانِ: السمكُ والجرادُ، والكبدُ والطحالُ\"، أخرجهُ أحمدُ (^٢) والدارقطني (^٣) مرفوعًا من حديثِ ابن عمرَ وقالَ: إنَّ الموقوفَ أصحُّ، ورجَّحَ البيهقيُّ (^٤) الموقوفَ وقالَ: لهُ حكمُ الرفعِ، واختُلِفَ فيهِ هلْ هوَ منْ صَيْدِ البحرِ أمْ منْ صَيْدِ البرِّ، ووردَ حديثانِ ضعيفانِ أنهُ منْ صيدِ البحرِ (^٥).\n_________\n(^١) واشترط المالكية ذكاته بقتل الآدمي من ضرب أو حرق أو طبخ. أفاده في هامش \"فتح العلام\".\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٩٧).\n(^٣) (٣) في \"السنن\" (٤/ ٢٧٢ رقم ٢٥).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٥٤).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٠٢ رقم ٣٣١٤) كلهم من حديث ابن عمر. قال المارديني في \"الجوهر النقي\": \"رواه يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال مرفوعًا كذا قال ابن عدي في \"الكامل\" اهـ.\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح.\n(^٥) الحديث الأول:\nأخرجه الترمذي (٣/ ٢٠٧ رقم ٨٥٠)، وأبو داود (٢/ ٤٢٩ رقم ١٨٥٤)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٤ رقم ٣٢٢٢) من طريق أبي المهزِّم.\nعن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة فاستقبلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَراد. فجعلنا نضربُهُ بسياطِنَا وعِصيِّنا، فقال النبي ﷺ: \"كُلُوهُ فإنه من صيدِ البحر\". قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفُهُ إلا من حديث أبي المُهَزِّمِ عن أبي هُريرةَ. وأبو المُهَزِّم اسمهُ يزيدُ بن سفيان، وقد تكلم فيه شعبة\" اهـ.\nقلت: بل قال الحافظ عنه في \"التقريب\" (٢/ ٤٧٨): متروك.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n• وأخرجه أبو داود (٢/ ٤٢٩ رقم ١٨٥٣) من طريق ميمون بن جابان، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الجراد من صيد البحر\".\nوفيه ميمون بن جابان، وهو مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، وقال المنذري: ميمون بن جابان لا يحتج به، وهو حديث ضعيف.\nالحديث الثاني:\nأخرجه الترمذي (٤/ ٢٦٩ رقم ١٨٢٣)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٤ رقم ٣٢٢١) من حديث جابر بن عبد الله وأنس بن مالك مرفوعًا بلفظ: \"إنها نَشْرَةُ حوت في البحر\". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي قد تُكُلِّم فيه وهو كثير الغرائب والمناكير. وأبوه محمد بن إبراهيم ثقة وهو مدني. قلت: والخلاصة أن الحديث ضعيف.","vol":"7","page":288},{"text":"ووردَ عنْ بعضِ الصحابةِ أنهُ يلزمُ المحرِمَ فيهِ الجزاءُ فدلَّ أنهُ عندَهُ منْ صيدِ البرِّ، والأصلُ فيهِ أنهُ بريٌّ حتَّى يقومَ دليل على أنهُ بحريٌّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1328>أكل الأرنب</span>\n٥/ ١٢٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - في قصَّةِ الأَرْنَبِ - قَالَ: فَذَبَحَهَا فَبَعَثَ بِوَرَكِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - في قصةِ الأرنب قالَ: فذبَحها فبعثَ بِوَرَكِها إلي رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَه. متفقٌ عليهِ). وفي القصةِ أنَّهُ قال أنسٌ: \"أَنْفَجْنا أرنَبًا [ونحنُ] (^٢) بمرِّ الظهرانِ، فسعَى القومُ ولغبوا (^٣) فأخذْتُها فجئتُ بها إلى أبي طلحةَ فبعثَ بورَكِها إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقبلَها\"، وهوَ لا يدَلُّ أنهُ أكلَ منْها، لكنْ في روايةِ البخاريِّ (^٤) في كتابِ الهِبَةِ قالَ الراوي - وهوَ هشامُ بنُ زيدٍ -: قلتُ لأنسٍ: وأكلَ منه؟ قالَ: وأكلَ منْه، ثمَّ [قالَ: فَقَبِلَهُ] (^٥). والإجماعُ واقعٌ على حِلِّ أكْلِها، إلَّا أن الهادويةَ وعبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ وعكرمةَ وابنَ أبي ليلَى قالُوا: يُكْرَهُ أكْلُها لما أخرجَهُ أبو داودَ (^٦) والبيهقي (^٧) منْ حديثِ ابن عمرَ أنَّها جِيءَ بها إلى النبيّ - ﷺ - فلمْ يأكلْها ولم يَنْهَ عنْها، وزعمَ ابنُ عمرَ أنَّها تحيضُ.\nوأخرجَ البيهقيُّ (^٨) عنْ عمرَ وعمارٍ مثلَ ذلكَ وأنهُ أمرَ بأكْلِها ولم يأكلْ منْها، قلتُ: لكنَّهُ لا يَخْفى أن عدمَ أَكْلِهِ - ﷺ - لا يدلُّ على كراهتها، وحَكَى الرافعيُّ عنْ أبي حُلَيْفَةَ تحريمَها.\nفائدةٌ: ذكرَ الدُّمَيْرِي في حياةِ الحيوانِ أن الذي تحيضُ منَ الحيوانِ المرأةُ والضبعُ والخفاشُ والأرنبُ، ويُقَالُ إنَّ الكلْبَةَ كذلكَ.\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٥٣٥)، ومسلم رقم (١٩٥٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٧٩١)، والترمذي رقم (١٧٨٩)، والنسائي (٧/ ١٩٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) لغبوا: اللَّغب: التعب والإعياء.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٧٢).\n(^٥) في (أ): \"قَبَلِهُ\".\n(^٦) في \"السنن\" (٤/ ١٥٢ رقم ٣٧٩٢).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٢١)، وهو حديث ضعيف الإسناد.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٢١).","vol":"7","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1329>حكم النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد</span>\n٦/ ١٢٤٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَأَبُو دَاوُدَ (^٢). وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: نَهَي رسول اللَّهِ - ﷺ - عنْ قَتْلِ أربع منَ الدوابِّ: النملةِ والنحلةِ والهدهدِ والصُّرَدِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ). قالَ البيهقيُّ: رجالُه رجالُ الصحيحِ، قالَ البيهقيُّ: هوَ أَقْوَى ما وردَ في هذا البابِ، وفيهِ دليلٌ على تحريمِ قَتْلِ ما ذُكِرَ، ويؤخَذُ منهُ تحريمُ أكْلِها؛ لأنهُ لو حل لما نَهَى عن القتلِ وتقدَّمَ لنا في هذا الاستدلالِ بَحْثٌ. وتحريمُ أكْلِها رَاُيُ الجماهيرِ وفي كلِّ واحدةٍ خلافٌ إلا النملةَ فالظاهرُ أنَّ تحريْمَهَا إجماعٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1330>حِل أكل الضبع</span>\n٧/ ١٢٤٦ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ - ﵁ -: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -؟ قَالَ: نَعَمْ. روَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَالأَرْبَعَةُ (^٥) وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ (^٦) وَابْنُ حِبَّانَ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٩/ ٣٣٢).\n(^٢) في \"السنن\" (٥/ ٤١٨ رقم (٥٢٦٧).\n(^٣) رقم (١٠٧٨ - موارد).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٧٤ رقم ٣٢٢٤)، والدارمي (٢/ ٨٩)، والبيهقي (٩/ ٣١٧)، وهو حديث صحيح.\nانظر: \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٧٥ رقم ١٠٩٣)، والألباني في \"الإرواء\" (٨/ ١٤٢ رقم ٢٤٩٠).\n• والصُّرَدُ: طائر فوق العصفور، وقال الأزهري يصيد العصافير. وقيل: الصُّرَدُ طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر، نصفه أبيض، ونصفه أسود ضخم المنقار. \"لسان العرب\" (٧/ ٣٢٠).\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٣١٨، ٣٢٢).\n(^٥) أبو داود رقم (٣٨٠١)، والترمذي رقم (١٧٩١)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وابن ماجه (٣٢٣٦).\n(^٦) و(^٧) قال الحافظ في \"التلخيص\" (٢/ ٢٧٨): وصحَّحه البخاري، والترمذي، وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي … \".","vol":"7","page":290},{"text":"(وعنِ ابن أبي عمَّارِ) هوَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي عمارٍ المكي وثَّقَهُ أبو زرعةَ والنسائيُّ ولم يتكلمْ فيهِ أحدٌ، ويسمَّى القسُّ لعبادتِه. ووهمَ ابنُ عبدِ البرِّ في إعلالِه وقالَ البيهقيُّ: إنَّ الحديثَ صحيحٌ.\n(قالَ: قلتُ لجابرٍ: الضبعُ صيدٌ هيَ؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: قالَه رسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: نعمْ. رواة أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ البخاريُّ وابن حِبَّانَ).\nالحديثُ فيهِ دليلٌ على حِلِّ أكْلِ الضَّبُعِ، وإليهِ ذهبَ الشافعي، فهوَ مخصَّصٌ منْ حديثِ تحريمِ كلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ. وأخرجَ أبو داودَ (^١) منْ حديثِ جابرٍ مرفُوعًا: \"الضَّبُعُ صيدٌ فإذا أصابُه المحرِمُ ففيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ ويؤكلُ\"، وأخرجَهُ الحاكمُ (^٢) وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.\nقالَ الشافعي: وما زالَ الناسُ يأكلونَها ويبيعونَها بينَ الصَّفا والمروةِ منْ غيرِ نكيرٍ، وحرَّمها الهادويةُ والحنفيةُ عملًا بالحديثِ العامّ كما أشرْنا إليهِ، ولكنَّ أحاديثَ التحليلِ تخصِّصُهُ. وأما استدلالُهم على التحريمِ بحديثِ خُزَيْمَةَ [بن جُزْءٍ] (^٣) وفيهِ: \"قالَ - ﷺ -: أوَ يأكُلُ الضبعَ أحدٌ؟ أخرجَهُ الترمذيُّ (^٤)، ففي إسنادهِ عبدُ الكريمِ أبو أميةَ وهوَ متفقٌ على ضَعْفِهِ (^٥).\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٨٠١).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٧٩١)، والنسائي (٧/ ٢٠٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤٥٢) وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عليه الذهبي. قلت: بل هو على شرط مسلم وحده؛ لأن عبد الرحمن بن أبي عمار لم يخرج له البخاري.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٢٥٣ رقم ١٧٩٢) وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقوي لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية.\nوقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية، وهو عبد الكريم بن قيس بن أبي المخارق، وعبد الكريم بن مالك الجزري ثقة.\n(^٥) قال النَّسَائِي والدارقطني: متروك.\n\"الضعفاء\" للنسائي رقم (٤٢٢)، والمجروحين (٢/ ١٤٤)، و\"الميزان\" (٢/ ٦٤٦).","vol":"7","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1331>حكم أكل القنفذ</span>\n٨/ ١٢٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنْفُذِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^١) الآيَةَ، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: \"إِنَّها خَبِيثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثَ\"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ هَذَا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٢) وَأَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَإسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف الإسناد]\n(وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنَّهُ سُئِلَ عن القُنفذِ) بضمّ القافِ وفَتْحِها وضمّ الفاءِ (فقالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٤)، فقالَ شيخٌ عندَه: سمعت أبا هريرةَ يقول: ذكِرَ عندَ النبيِّ ﷺ فقالَ: \"إنَّها خبيثةٌ من الخبائثِ\". أخرجَهُ أحمدُ وأبو داودَ بإسناد ضعيفٌ)، ضُعِّفَ بجهالةِ الشيخِ المذكورِ، قالَ الخطابيُّ (^٥): ليسَ إسنادُه بذاكَ ولهُ طُرُقٌ، قالَ البيهقيُّ: لم يردْ إلَّا منْ وجْهٍ ضعيفٍ وقدْ ذهبَ إلى تحريْمِهِ أبو طالب والإمامُ يَحْيى.\nوقالَ الرافعيُّ: في القنفذِ وجهانِ أحدهما أنهُ يحرمُ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ وأحمدُ لما رُوِيَ في الخبرِ أنهُ منَ الخبائثِ، وذهبَ مالكٌ وابنُ أبي ليلَى إلى أنهُ حلالٌ وهوَ أقْوى منَ القولِ بتحريمِهِ لعدمِ نهوضِ الدليلِ معَ القولِ بأنَّ الأصلَ الإباحةُ في الحيواناتِ. وهيَ مسألةٌ خلافيةٌ معروفةٌ في الأصولِ فيها خلافٌ بينَ العلماءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1332>النهي عن أكل الجلَّالة</span>\n٩/ ١٢٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْجَلَّالَةِ\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٣٨١).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٧٩٩).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٢٦) ولم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٥) في \"معالم السنن\" (٤/ ١٥٧) هامش السنن.","vol":"7","page":292},{"text":"وَأَلْبَانِهَا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ -) قياسُ قاعدتِه وعنهُ (قالَ: نَهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن الجلَّالةِ وألبانِها. أخرجَهُ الأربعةُ إلا النسائيَّ وحسَّنهُ الترمذيُّ). وأخرجَ الحاكمُ (^٢) والدارقطنيُّ (^٣) والبيهقيُّ (^٤) منْ حديثِ ابن عمرِو بن العاصِ نحوَه، وقالَ: \"حتَّى تُعْلَفَ أربعينَ ليلةً\"، ورواهُ أحمدُ (^٥) وأبو داودَ (^٦) والنسائيُّ (^٧) والحاكمُ (^٨) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه بلفظِ: \"نَهَى عن لحومِ الحمرِ الأهليةِ وعنِ الجلَّالةِ وعنْ ركوبِها\"، ولأبي داودَ: \"أنْ يركبَ عليها وأنْ يشربَ ألبانُها\".\nوالجلَّالةُ هي التي تأكلُ العذرةَ والنجاساتِ، سواءٌ كانتْ منَ الإبلِ أو البقرِ أو الغنمِ أو الدجاجِ (^٩).\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ الجلَّالةِ وألبانِها وتحريمِ الركوبِ عليها. وقدْ جزمَ ابنُ حزمٍ أن مَنْ وقفَ في عرفاتٍ راكبًا على جلالةٍ لا يصحُّ حجُّه. وظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا ثبتَ أنَّها أكلتِ الجلَّةَ فقدْ صارتْ محرَّمةً، وقالَ النوويُّ: لا تكونُ جلَّالة إلا إذا غلبَ على علفِها النجاسةُ، وقيلَ بلِ الاعتبارُ بالرائحةِ والنتنِ وبهِ جزمَ النوويُّ والإمامُ يحيى وقالَ: لا تطهرُ بالطبخِ ولا بإلقاءِ التوابلِ وإنْ زالَ الريحُ لأنَّ ذلكَ تغطيةٌ لا استحالةٌ، وقالَ الخطابيُّ: كرههُ أحمدُ وأصحابُ الرأي\n_________\n(^١) أبو داود رقم (٣٧٨٥)، والترمذي رقم (١٨٢٤)، وابن ماجه رقم (٣١٨٩). وقال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب. وصحّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٥٠٣).\nقلت: والخلاصة أنَّ الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٩) وقال: حديث صحيح الإسناد وتعقَّبه الذهبي بقوله: إسماعيل وأبوه ضعيفان.\n(^٣) في \"السنن\" (٤/ ٢٨٣ رقم ٤٤).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٣).\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ٢١٩).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٨١١).\n(^٧) في \"السنن\" (٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠ رقم ٤٤٤٧).\n(^٨) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٩).\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٨٣ رقم ٤٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٣).\nوهو حديث حسن، انظر: \"إرواء الغليل\" (٨/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٩) \"مشارق الأنوار على صحاح الآثار\" للقاضي عياض (ص ١٤٩).","vol":"7","page":293},{"text":"والشافعيُّ (^١) وقالُوا: لا [تؤكلْ] (^٢) حتى تحبسَ أيامًا.\nقلتُ: قد عيَّنَ في الحديثِ حبسَها أربعينَ يومًا، وكانَ ابنُ عمرَ يحبسُ الدجاجةَ ثلاثةَ أيامٍ ولم يرَ مالكٌ بأكلِها بأسًا منْ غيرِ حبسٍ.\nوذهبَ الثوريُّ وروايةٌ عنْ أحمدَ إلى التحريمِ كما هوَ ظاهرُ الحديثِ، ومَنْ قالَ: يكرهُ ولا يحرمُ قالَ: لأنَّ النهيَ الواردَ فيهِ إنما كانَ لتغيرِ اللحمِ وهوَ لا يوجبُ التحريمَ بدليلِ المذكى إذا جافَ، ولا يخْفَى أنَّ هذا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ. ولقدْ خالفَ الناظرونَ هذه السنةَ فقالَ المهدي في \"البحر\" (^٣): \"المذهبُ والفريقانِ، ندبُ حبسِ الجلَّالةِ قبلَ الذبحِ، الدجاجةُ ثلاثةَ أيامٍ، والشاةُ سبعة أيام، والبقرةُ والناقةُ أربعةَ عشرَ، وقالَ مالكٌ: لا وجْهَ لهُ.\nقلنا: \"لتطييبِ أجوافِها\" اهـ. والعملُ بالأحاديثِ هوَ الواجبُ وكأنَّهم حملُوا النهيَ على التنزيهِ ولا ينهضُ دليلٌ، وأما مخالفتُهم للتوقيتِ فلم يعرفْ وجهُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1333>حِلُّ الحمار الوحشي والخيل</span>\n١٠/ ١٢٤٩ - وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ - ﵁ - في قِصةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ - فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِي ﷺ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ أبي قتادةَ في قصةِ الحمارِ الوحشيِّ، فأكلَ منه النبيُّ - ﷺ -. متفقٌ عليهِ) تقدمَ ذكرُ قصةِ الحمارِ هذا الذي أهداهُ أبو قتادةَ في كتاب الحجِّ. وفي هذا دلالةٌ على أنهُ يحلُّ أكلُ لحمِه وهوَ إجماعٌ. وفيهِ خلافٌ شاذٌ أَنهُ إذا عُلِفَ وأَنِسَ صارَ كالأهليِّ.\n١١/ ١٢٥٠ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ - ﵄ - قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) انظر: \"مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج\" للخطيب الشربيني (٤/ ٣٠٤)، و\"المغني، لابن قدامة (١١/ ٧٢ - ٧٣)، و\"الحجة البالغة\" (٢/ ١٨٢).\n(^٢) في (أ): \"يؤكل\".\n(^٣) (٤/ ٣٣٤).\n(^٤) البخاري رقم (١٨٢٤)، ومسلم رقم (١١٩٦) وتقدم تخريجه في الحج.\n(^٥) البخاري رقم (٥٥١٠)، ومسلم رقم (١٩٤٢).","vol":"7","page":294},{"text":"(وعنْ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ - ﵄ - قالتْ: نحرْنا على عهدِ رسولِ الله ﷺ فرسًا فأكلْناه. متفقٌ عليهِ). وفي روايةٍ (^١) ونحنُ بالمدينةِ، وفي روايةِ الدارقطنيِّ (^٢) [هذا] (^٣): \"فأكلْنا نحنُ وأهلُ بيتِ النبيِّ - ﷺ - \".\nوالحديثُ دليلٌ على حِلِّ أكلِ لحمِ الخيلِ، وتقدمَ الكلامُ فيهِ لأنَّ الظاهرَ أنهُ - ﷺ - علم ذلكَ وقرَّرَهُ، كيفَ وقدْ قالتْ: إنهُ أكلَ منهُ أهلُه - ﷺ -، وقالتْ هنا: نحرْنا، وفي روايةِ الدارقطنيِّ: ذبحْنا.\nفقيلَ: فيهِ دليلٌ على أن النحرَ والذبحَ واحدٌ، قيلَ: ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُ اللفظينِ مجازًا إذِ النحرُ للإبلِ خاصةً وهوَ الضربُ بالحديدِ في لبَّةِ البدنةِ حتَّى تُفْرَى أوداجُها. والذبحُ: هوَ قطعُ الأوداجِ في غيرِ الإبلِ.\nقالَ ابنُ التينِ: الأصلُ في الإبلِ النحرُ وفي غيرِها الذبحُ، وجاءَ في القرآنِ في البقرةِ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ (^٤)، وفي السنةِ نحرَها. وقدِ اختلفَ العلماءُ في نحرِ ما يُذْبَحُ وذبحِ ما يُنْحَرُ، فأجازهُ الجمهورُ والخلافُ فيهِ لبعضِ المالكيةِ.\nوقولُه في الحديثِ: (ونحنُ بالمدينةِ)، يردُّ على مَنْ زعَم أن حِلَّها قبلَ فرضِ الجهادِ، فإنهُ فُرِضَ أولَ دخولِهم المدينةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1334>أكل الضبِّ</span>\n١٢/ ١٢٥١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵁ - قالَ: أُكِلَ الضبُّ على مائدةِ رسولِ الله. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دليلٌ على جوازِ أكْلِ الضبِّ وعليهِ الجماهيرُ. وحكَى عياضٌ عنْ قومٍ تحريْمَه\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٥١١).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ٢٩٠ رقم ٧٧).\n(^٣) في (ب): \"هنا\".\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٧١.\n(^٥) البخاري (٥٣٩١)، ومسلم (٤٤/ ١٩٤٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٧٩٤)، والنسائي (٧/ ١٩٨)، والدارمي (٢/ ٩٣)، وأحمد (٤/ ٨٨، ٨٩)، وابن ماجه (٢/ ١٠٧٩ رقم ٣٢٤١)، والبيهقي (٩/ ٣٢٣).\nعن الزهري قال: أخبرني أبو أمامةَ بن سهل بن حُنيف الأنصاري أن ابن عباس أخبره أن خالد بن الوليد - الذي يقال له سيف الله - أخبره ....","vol":"7","page":295},{"text":"وعنِ الحنفيةِ كراهتَه، وقالَ النوويُّ (^١): وأظنه لا يصحُّ عنْ أحدٍ، فإنْ صحَّ فهوَ محجُوجٌ بالنصِّ وبإجماعِ مَنْ قبلَه.\nوقدِ احتجَّ للقائلينَ بالتحريمِ بما أخرجَهُ أبو داودَ (^٢): \"أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن الضبِّ\" وفي إسنادِه إسماعيلُ بنُ عياشٍ ورجالُه شاميونَ وهوَ قويٌّ في الشاميينَ فلا يتمُّ قولُ الخطابيِّ: ليسَ إسنادُهُ بذلكَ ولا قولُ ابن حزمٍ: فيه ضعفًا ومجهولون فإن رجاله ثقات كما قال المصنف، ولا قول البيهقي فيهِ إسماعيلُ بنُ عياشٍ وليسَ بحجَّةٍ، لما عرفتَ منْ أنهُ رواهُ عن الشاميينَ وهوَ حجةٌ في روايتِه عنْهم (^٣).\nوبما أخرجَهُ أبو داودَ (^٤) منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن حسنةَ: \"أنَّهم طبخُوا ضبًّا فقالَ النبي ﷺ: إنَّ أمةً منْ بني إسرائيلَ مُسِخَتْ دوابَّ في الأرضِ فأخشَى أنْ تكونَ هذهِ. فألقُوها\"، وأخرجَهُ أحمدُ (^٥) وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (^٦) والطحاويُّ (^٧) وسندُه على شرطِ الشيخينِ.\nوأُجِيْبَ عن الأولِ بأنَّ النَّهْيَ وإنْ كانَ أصلُه التحريمَ لكنْ صرفَه هنَا إلى الكراهةِ ما أخرجَه مسلمٌ (^٨) أنهُ - ﷺ - قالَ: \"كلُوه فإنهُ حلالٌ ولكنهُ ليسَ منْ طعامي\". وهذهِ الروايةُ تردُّ ما رواهُ مسلمٌ (^٩) أنهُ قالَ بعضُ القومِ عندَ ابن عباسٍ - ﵁ -: إنَّ النبيّ - ﷺ - قالَ في الضبِّ: \"لا آكلُه ولا أنْهَى عنهُ ولا أحرِّمهُ\"، ولذَا أعلَّ ابنُ عباسٍ هذهِ الروايةَ فقالَ: \"بئسمَا قلتُم، ما بُعِثَ نبيُّ الله إلا محرِّمًا أو محلِّلًا\"، كذَا في مسلمٍ.\n_________\n(^١) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٩٧ - ٩٩).\n(^٢) في \"السنن\" (٤/ ١٥٥ رقم ٣٧٩٦)، وقال الخطابي: ليس إسناده بذاك، وحسَّنه الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٢٣٩٠).\n(^٣) وهو كما قال الأمير. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٨٠ - ٢٨٤ رقم ٥٨٤).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ١٥٤ رقم ٣٧٩٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في \"المسند\" (٤/ ١٩٦).\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٥٢٦٦).\n(^٧) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٧)، وفي \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٧٨). قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٢٦٦)، والبزار (١٢١٧)، وأبو يعلى رقم (٩٣١).\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٣٦ - ٣٧) وقال: رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\"، وأبو يعلى والبزار، ورجال الجميع رجال الصحيح\" اهـ.\n(^٨) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٤٢ رقم ٤٢/ ١٩٤٤).\n(^٩) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٤٥ رقم ٤٧/ ١٩٤٨).","vol":"7","page":296},{"text":"وأُجِيْبَ عن الثاني بأنهُ يحتملُ أنهُ وقعَ منهُ - ﷺ -، ذلكَ أعني خشيةَ أنْ تكونَ أُمة ممسوخةً قبلَ أنْ يُعلِّمهُ اللَّهُ تعالَى أن الممسوخَ لا ينسلُ.\nوقدْ أخرجَ الطحاويُّ (^١) [منْ حديثِ ابن مسعودٍ] (^٢) قالَ: \"سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن القردةِ والخنازيرِ أهيَ مما مُسِخَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يهلكْ قومًا أوْ يمسخْ قومًا فيجعلَ لهم نسلًا ولا عاقبة\"، وأصل الحديث في مسلم (^٣) ولم يعرفْه ابنُ العربي. فقالَ: قولُهم إنَّ الممسوخَ لا ينسلُ دعْوى فإنهُ لا يعرفُ بالعقلِ وإنَّما طريقُه النقلُ وليسَ فيهِ أمرٌ يعوَّلُ عليهِ.\n(وأُجِيْبَ) أيضًا بأنهُ لو سلمَ أنهُ ممسوخٌ فلا يقتضي تحريمَ أكْلِه فإنَّ كونَه كانَ آدميًا قدْ زالَ حكمهُ ولم يبقَ لهُ أثرٌ أصلًا، وإنَّما كره - ﷺ - الأكلَ منهُ لما وقعَ عليه منْ سخطِ اللَّهِ تعالى كما كرهَ الشربَ منْ مياهِ ثمودَ (^٤).\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لو لمْ يرَ تحريْمَهُ لما أمرَ بإلقائِها أوْ بتقريرِهمْ عليهِ لأنهُ إضاعةُ مالٍ، ولأَذِنَ لهم في أكْلِه، فالجوابُ الذي قبلَه هوَ الأحسنُ، فيستفاد المجموعِ جوازُ أكْلِه وكراهتِه للنَّهي.\n\n<span data-type='title' id=toc-1335>حكم الضفدع</span>\n١٣/ ١٢٥٢ - وَعَنْ عبدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَان الْقُرَشِيِّ - ﵁ -، أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الضِّفْاع يَجْعَلُهَا في دَوَاءٍ، فَنَهى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٥)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦). وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٧) وَالنَّسَائِيُّ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٩٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٥١ رقم ٣٣/ ٢٦٦٣).\n(^٤) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري (٦/ ٣٧٨ رقم ٣٣٧٩)، ومسلم (٤/ ٢٢٦ رقم ٢٩٨١) عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"إن الناسَ نزلوا مع رسول اللَّهِ ﷺ أرضَ ثمودَ، الحِجرَ، واستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول اللَّهِ ﷺ أن يُهريقوا ما استقوا من بئارِها وأن يَعْلِفوا الإبلَ العجينَ، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تَرِدُها الناقة\".\n(^٥) في \"المسند\" (٣/ ٤٩٩).\n(^٦) \"في المستدرك\" (٤/ ٤١١).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٣٨٧١).\n(^٨) في \"السنن\" (٧/ ٢١٠).=","vol":"7","page":297},{"text":"(وعنْ عبدِ الرحمنِ بن عثمانَ) (^١) هوَ ابنُ عبيد اللَّهِ التيميِّ القرشيِّ ابن أخي طلحةَ بن عبيد الله الصحابي، قيلَ أنهُ أدركَ النبيَّ ﷺ وليستْ لهُ رواية. أسلمَ يومَ الفتحِ وقيلَ يومَ الحديبيةِ، وقُتِلَ معَ ابن الزبيرِ في يومِ واحدٍ، رَوَى عنهُ ابناهُ وابنُ المنكدرِ (أن طبيبًا سألَ النبيّ - ﷺ - عن الضفدعِ) بزنةِ الخنصرِ (يجعلُها في دواءٍ فنَهى عنْ قَتْلِها. أخرجَهُ أحمدُ وصحَّحهُ الحاكمُ).\nوأخرجَه أبو داودَ والنسائي والبيهقيُّ بلفظِ: \"ذكرَ طبيبٌ عندَ النبيّ - ﷺ - دواءً وذكرَ الضفدعَ يجعلُها فيهِ، فنَهى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ قتلِ الضفدعِ\". قالَ البيهقي: هوَ أقْوى ما وردَ في النَّهْي عنْ قتلِ الضفدعِ.\nوأخرجَ (^٢) منْ حديثِ ابن عمرَو: \"لا تقتلُوا الضفدعَ فإنَّ نقيقَها تسبيحٌ، ولا تقتلُوا الخفاشَ فإنهُ لما خربَ بيتَ المقدسِ قالَ: يا ربِّ سلِّطني على البحرِ حتَّى أغرقَهم\"، قالَ البيهقي إسنادُه صحيحٌ. وعنْ أنسٍ: \"لا تقتلُوا [الضفدع] (^٣) فإنَّها مرتْ على نارِ إبراهيمَ فجعلتْ في أفواهِها الماءَ وكانتْ ترشهُ على النارِ\" (^٤).\nوالحديثُ دليلٌ على تحريمِ قتلِ الضفادعِ، قالُوا: ويؤخذُ منهُ تحريمُ أكْلِها لأنَّها لو حلَّتْ لما نَهَى عنْ قتلِها، وتقدمَ نظيرُ هذا الاستدلالِ وليسَ بواضحٍ.\n* * *\n_________\n= قلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥٨)، و(٩/ ٣١٨)، وفي \"المعرفة\" (١٤/ ٨٦ رقم ١٩٢١٢)، وابن ماجه رقم (٣٢٢٤)، وهو حديث صحيح.\n(^١) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٥١٧٥)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٤٤٤)، و\"أسد الغابة\" رقم (٣٣٥٥).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣١٨) موقوفًا بسند صحيح.\n(^٣) في (ب): \"الضفدع\".\n(^٤) كون الخفاش أغرق، والضفاع أطفأت، لا يثبت إلا بخبر صحيح.","vol":"7","page":298},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1336>[الباب الأول] باب الصيد والذبائح</span>\nالصيدُ يطلقُ على المصدرِ، أي التصيُّدِ، وعلى المصِيْدِ. واعلم أنهُ تعالَى أباحَ الصيدَ في آيتينِ منَ القرآنِ، قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (^١)، والثانيةُ: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٢) الآيةَ.\nالآلة التي يصادُ بها ثلاثةٌ: الحيوانُ الجارحُ، والمحدِّدُ، والمِثْقَلُ، ففي الحيوانِ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1337>اقتناء الكلاب</span>\n١/ ١٢٥٣ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: \"مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتُقِصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ\".\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ: منِ اتخذَ كلْبًا إلَّا كلبَ ماشيةٍ أو صيدٍ أو زرعٍ انتُقِصَ منْ أجرِه كلَّ يومٍ قيراطٌ. متفقٌ عليهِ).\nالحديثُ دليلٌ على المنعِ منِ اتخاذِ الكلابِ واقتنائِها وإمساكِها إلا ما\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٩٤.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٤.\n(^٣) البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (٥٨/ ١٥٧٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٤٢٥، ٤٧٣)، وأبو داود (٢٨٤٤)، والنسائي (٧/ ١٨٩)، وابن ماجه (٣٢٠٤).","vol":"7","page":299},{"text":"اسْتثناهُ منَ الثلاثةِ، وقدْ ورد بهذهِ الألفاظِ رواياتٌ في الصحيحينِ وغيرِهِما (^١).\nواختلفَ العلماءُ هلِ المنعُ للتحريمِ أوْ للكراهةِ؟ فقيلَ بالأولِ ويكونُ نقصانُ القيراطِ عقوبةً في اتخاذِها بمعنَى أن الإثمَ الحاصلَ باتخاذِها يوازنُ قَدْرَ قيراطٍ منْ أجرِ المتخذِ لهُ، وفي روايةٍ قيراطانِ، وحِكْمةُ التحريمِ ما في بقائِها في البيتِ منَ التسببِ إلى ترويعِ الناسِ وامتناع دخولِ الملائكةِ الذينَ دخولُهم [خير وبركة وتقرب] (^٢) إلى فعلِ الطاعاتِ ويبعد عنْ فعلِ المعصيةِ، وبعدُهم سببٌ لضدّ ذلكَ، ولتنجيسها الأواني، وقيلَ بالثاني بدليلِ نقصِ بعضِ الثوابِ على التدريجِ، فلوْ كانَ حرامًا لذهبَ [بالكلية] (^٣). وفيه أن فعلَ المكروهِ تنزيهًا لا يقتضي حبوط شيءٍ منَ الثوابِ.\nوذهبَ إلى تحريمِ اقتناءِ الكلبِ الشافعيةُ إلا المُسْتَثنى. واختُلِفَ في الجمعِ بينَ روايةِ قيراطٍ وروايةِ قيراطانِ، فقيلَ إنهُ باعتبار كثرةِ الأضرارِ كما في المدنِ ينقصُ قيراطانِ، وقلَّتُه كما في البوادي ينقصُ قيراطٌ، أو أن الأولَ إذا كانَ في المدينةِ النبويةِ والثاني في غيرِها، أوْ قيراطٌ منْ عملِ النهارِ وقيراطٌ منْ عملِ الليلِ، فالمقتصرُ في الروايةِ باعتبارِ كلّ واحدٍ منَ الليلِ والنهارِ، والمثنَّى باعتبارِ مجموعِهما.\n[واختلفُوا] (^٤) أيضًا هلِ النقصانُ منَ العملِ الماضي أوْ منَ الأعمالِ المستقبلةِ؟ قالَ ابنُ التينِ: المستقبلةُ، وحكَى غيرُه الخلافَ فيهِ (^٥) وفيهِ دليلٌ على\n_________\n(^١) • منها: أخرج البخاري (٢٣٢٣)، ومسلم (٥/ ١٥٧٤)، والنسائي (٧/ ١٨٨)، وابن ماجه (٣٢٠٦)، والدارمي (٢/ ٩٠)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٦٩ رقم ١٢)، وأحمد (٥/ ٢١٩، ٢٢٠) عن سفيان بن أبي زهير، قال: سمعت رسول اللَّهِ ﷺ يقول: \"من اقتنى كلبًا لا يُغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقصَ كلُّ يومٍ من عملهِ قيراط\".\n(ومنها): أخرج البخاري (٥٤٨٠)، ومسلم (٥١/ ١٥٧٤)، والنسائي (٧/ ١٨٨)، وأحمد (٢/ ٨)، والدارمي (٢/ ٩٠)، ومالك (٢/ ٩٦٩ رقم ١٣).\nعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقصَ من أجره كل يوم قيراطان\".\n(^٢) في (ب): \"يقرِّب\".\n(^٣) في (ب): \"الثواب مرة واحدة\".\n(^٤) في (أ): \"اختلف\".\n(^٥) الخلاف في أمثال هذه الأشياء لا فائدة فيه، بل هو مضر لأنَّه مضيعة للوقت، وتهجُّم على الغيب.","vol":"7","page":300},{"text":"أن منِ اتخذَ المأذونَ منْها فلا ينقص عليهِ، وقيسَ عليهِ اتخاذُه لحفظِ الدورِ إذا احتيجَ [إليهِ] (^١) أشارَ إليهِ ابنُ عبدِ البرِّ. واتفقُوا على أنهُ لا يدخلُ الكلبُ العقورُ في الإذنِ لأنهُ مأمورٌ بقتلهِ (^٢).\nوفي الحديثِ دليلٌ على التحذيرِ منَ الإتيانِ بما ينقصُ الأعمالَ الصالحةَ. وفيهِ الإخبارُ بلطفِ اللَّهِ تعالَى في إباحتِه لما يحتاجُ إليهِ في تحصيلِ المعاشِ وحفظِه.\nتنبيهُ: وردَ في مسلمٍ (^٣) الأمرُ بقتلِ الكلابِ، فقالَ القاضي عياضٌ: ذهبَ كثيرٌ منَ العلماءِ إلى الأخذِ بالحديثِ في قتلِ الكلابِ إلا ما استُثْنيَ، قالَ: وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابهِ. وذهبَ آخرونَ إلى جوازِ اقتنائِها جميعًا ونُسِخَ قتلُها إلا الأسودَ البهيمَ (^٤). قالَ: وعندي أن النهيَ أولًا كانَ عامًا من اقتنائِها جميعًا وأمرَ بقتلِها جميعًا، ثمَّ نَهَى عنْ قتلِ ما عدَا الأسودَ ومنعَ الاقتناءَ في جميعِها إلا المستثنَى اهـ.\n_________\n(^١) في (ب): \"إلى ذلك\".\n(^٢) أخرج البخاري (٣٣١٤)، ومسلم (٦٧/ ١١٩٨) وغيرهما.\nعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"خمسُ فواسق يُقتلنَ في الحرم: الفأرةُ، والعقرب، والحدَيَّا، والغرابُ، والكلب العقور\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤٨/ ١٥٧٣).\nعن عبد اللَّهِ بن مغفل قال: \"أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم\".\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٧/ ١٨٥)، وابن ماجه (٣٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٨٦)، و(٥/ ٥٦)، والدارمي (٢/ ٩٠).\n(^٤) • أخرج مسلم في \"صحيحه\" (٤٧/ ١٥٧٢) أن جابر بن عبد اللَّهِ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، حتى إنَّ المرأةَ تقدَمُ من البادية بكلبها فنقتلُهُ، ثم نهى النبي ﷺ عن قتلها. وقال: \"عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان\".\n• وأخرج الترمذي رقم (١٤٨٦) و(١٤٨٩)، وأبو داود رقم (٢٨٤٥)، وابن ماجه رقم (٣٢٠٥) عن عبد اللَّهِ بن مغفل قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ: \"لولا أنَّ الكلاب أمَّةٌ من الأمم لأمرتُ بقتلها كُلِّها، فاقتلُوا منها كُلِّ أسودَ بهيم\"، وقال الترمذي بعد (١٤٨٦): حديث حسن صحيح. وقال بعد (١٤٨٩): حديث حسن.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح.","vol":"7","page":301},{"text":"والمرادُ بالأسودِ البهيمِ ذوُ النقطتينِ، فإنهُ شيطانٌ. والبهيمُ الخالصُ السوادَ، والنقطتانِ معروفتانِ فوقَ عينيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1338>حِلُّ صيد الكلب المعلَّم</span>\n٢/ ١٢٥٤ - وَعَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيهِ، فَإنْ أَمْسَكَ عَلَيكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأكلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيرَهُ وَقدْ قَتَلَ فَلا تَأكُلْ، فَإنَّكَ لَا تَدْرِي أَيّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا في الْمَاءِ فَلَا تَأْكلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٌ. [صحيح]\n(وعنْ عديِّ بن حاتم - ﵁ - قالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: إذا أرسلْتَ كلبكَ) المعلَّمَ فاذكرِ اسمَ اللَّهِ تعالَى عليهِ، فإنْ أمسك عليكَ فأدركْتَه حيًا فاذبْحه، وإنْ أدركْته قدْ قَتَلَ ولم يأكلْ منهُ فكلْه، وإنْ وجدتَ معَ كلبكَ كلْبًا غيرَه وقدْ قَتَلَ فلا تأكلْ فإنك لا تدري أيُّهما قتلَه، وإنْ رميتَ بسهمك فاذكرِ اسمَ اللَّهِ) هذا إشارةٌ إلى آلةِ الصيدِ الثانيةِ أعني المحددَ، وهو قتلُه بالرماحِ والسيوفِ، لقولِه تعالَى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ (^٢)، ولكنَّ الحديثَ في السهمِ (فإنْ غابَ عنكَ يومًا فلم تجدْ فيهِ إلَّا أثرَ سهمِكَ فكلْ إنْ شئتَ، وإنْ [وجدَتُه] (^٣) غريقًا في الماءِ فلا تأكلْ. متفقٌ عليهِ وهذا لفظُ مسلمٌ).\nفي الحديثِ مسائلُ:\nالأولى: أنهُ لا يحلُّ صيدُ الكلبِ إلَّا إذا أرسلَه صاحبُه، فلو استرسلَ بنفسه لم يحلَّ ما يصيدُه عندَ الجمهورِ. والدليلُ قولُه - ﷺ -: (إذا أرسلتَ) فمفهومُ الشرطِ أن غيرَ المرسلِ ليسَ كذلكَ، وعنْ طائفةِ المعتبرُ كونُه معلَّمًا فيحل صيدُه وإنْ لم يرسلْه صاحبُه بناءً على أنهُ خرجَ قولُه إذا أرسلتَ مَخْرَجَ الغالبِ فلا مفهومَ لهُ.\nوحقيقةُ المعلَّمِ هوَ أنْ يكونَ بحيثُ يُغْرَى فيقصدُ، ويُزْجَرُ فيقعدُ. وقيلَ:\n_________\n(^١) البخاري رقم (٥٤٧٥)، ومسلم رقم (٦/ ١٩٢٩).\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٩٤.\n(^٣) في (أ): \"وجدت\".","vol":"7","page":302},{"text":"التعليمُ قَبولُ الإرسالِ والإغراءِ حتَّى يمتثلَ للزجرِ في الابتداءِ لا بعدَ العدْوِ ويتركَ أَكْلَ ما أمسكَ، فالمعتبرُ امتثالُه للزجرِ قبلَ الإرسال، أما بعدَ إرسالِه على الصيدِ فذلكَ متعذَّرٌ. والتكليبُ إلهامٌ منَ اللَّهِ تعالَى ومكتسبٌ بالعقلِ كما قالَ تعالَى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ (^١). قالَ جارُ الله (^٢): مما عرَّفَكُم أنْ تعلِّموهُ منِ اتباعِ الصيدِ بإرسالِ صاحبِه، وانزجارِه بزجْرِه، وانصرافِه بُدعائِه، وإمساكِ الصيدِ عليهِ، وأنْ لا يأكلَ منهُ.\nالمسالةُ الثانية: في قولِه: (فاذكرِ اسمَ اللَّهِ) هذا مأخوذٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٣)، فإنَّ ضميرَ عليهِ [يعودُ] (^٤) إلى ما أمسكْنَ على معنَى: وسمُّوا عليهِ إذا أدركتُم ذكاتَهُ، أو إلى ما علَّمتُم منَ الجوارحِ، أي سمُّوا عليهِ عندَ إرسالِه كما أفادَهُ الكشافُ (^٥)، وكذلكَ قولُه: (إنْ رميتَ بسهمك فاذكرِ اسمَ اللَّهِ عليه) دليلٌ على اشتراطِ التسميةِ عندَ الرَّميِ، وظاهرُ الكتابِ والسنةِ وجوبُ التسميةِ.\nواختلفَ العلماءُ في ذلك، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنَّ التسميةَ واجبةٌ على الذاكرِ عندَ الإرسالِ ويجبُ عليهِ أيضًا عندَ الذبحِ والنحرِ فلا تحلُّ ذبيحتُه ولا صيدُه إذا تركتْ عمدًا مستدلِّينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٦)، وبالحديثِ هذَا، قالُوا: وعُفِيَ عن الناسي لحديثِ: \"رُفِعَ عنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ\" (^٧)،\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٤.\n(^٢) الزمخشري في \"تفسير الكشاف\" (١/ ٣٢٣).\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٤.\n(^٤) في (ب): \"وفيه\".\n(^٥) أي الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٣٢٤).\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٢١.\n(^٧) وهو حديث صحيح.\nأخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٩٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٣٣ رقم ١١٢٧٤)، وابن حبان (رقم ١٤٩٨ - موارد)، والدارقطني (٤/ ١٧٠ رقم ٣٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦).\nعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"إن اللَّهَ وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\"، وفي لفظ: \"تجاوز الله لي عن أمتي الخطأ والنسيان\"، الحديث. وفي لفظٍ آخر: \"إن الله ﷿ تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان\"، الحديث.=","vol":"7","page":303},{"text":"ولما يأتي (^١) منْ حديثِ ابن عبابر بلفظِ: \"فإنْ نسيَ أنْ يسمِّيَ حينَ يذبحُ فليسمِّ ثمَّ ليأكلْ\"، سيأتي في آخرِ البابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.\nوذهبَ آخرونَ إلى أنَّها سنَةُ، منهمْ ابنُ عباسٍ ومالكٌ وروايةٌ عنْ أحمدَ، مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (^٢)، قالُوا: فأباحَ التذكيةَ منْ غيرِ اشتراطِ التسميةِ، بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (^٣) وهمْ لا يسمُّونَ، ولحديثِ عائشةَ الآتي (^٤)، وأنَّهم قالُوا: يا رسولَ الله إنَّ قومًا يأتونَنَا بلحم لا ندري أَذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ أم لا أفنأكُلُ منها؟ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: سمُّوا عليهِ أنتُم وكلُوا\".\nوأجابُوا عنْ أدلةِ الإيجابِ بأنَّ قولَه: \"ولا تأكلُوا\"، المرادُ بهِ ما ذُبِح للأصنامِ كما قالَ تعالَى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٥)؛ لأنهُ تعالَى قالَ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وقدْ أجمعَ المسلمونَ على أن مَنْ أكلَ متروكَ التسميةِ عليهِ فليسَ بفاسقٍ، فوجبَ حَمْلُها على ما ذُكِرَ جَمْعًا بينها وبينَ الآياتِ السابقةِ، وحديثُ عائشةَ.\nوذهبتِ الظاهرية إلى أنهُ يحرم أَكْلُ ما لم يسمَّ عليهِ ولو كانَ تارِكُها ناسيًا لظاهرِ الآيةِ الكريمةِ، وحديثُ عديٍّ - ﵁ - ولم يفصلْ. قالُوا: وأما حديثُ عائشةَ وفيهِ \"أنَّهم قالُوا: يا رسولَ الله إن قومًا حديث عهدِهم بالجاهليةِ يأتونَ بلحمانٍ - الحديثَ\"، فقد قالَ ابنُ حجرٍ إنهُ أعلَّه البعضُ بالإرسالِ، قالَ الدارقطني: الصوابُ أنهُ مرسلٌ على أنهُ لا حجةَ فيهِ لأنهُ أدارَ الشارعُ الحكمَ على المظنَّةِ وهيَ كونُ الذابحِ مسلمًا، وإنَّما شكَّكَ على السائلِ حداثةَ إسلامِ القومِ فألغاهُ - ﷺ -، بلْ فيهِ دليلٌ على أنهُ لا بدَّ منَ التسميةِ وإلا لبيَّنَ لهم - ﷺ - عدمَ لزومِها، وهذا وقتُ الحاجةِ إلى البيان.\nوأما حديثُ:\n_________\n= قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وحسنه النووي في \"الأربعين\" الحديث التاسع والثلاثون. وصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٨٢).\n(^١) برقم (١٣/ ١٢٦٤) من كتابنا هذا.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٣.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٥.\n(^٤) برقم (٥/ ١٢٥٦) من كتابنا هذا.\n(^٥) سورة المائدة: الآية ٣.","vol":"7","page":304},{"text":"(رُفِعَ عنْ أمتي الخطأُ والنسيانُ) (^١)، فهمْ متفقونَ علَى تقديرِ رفْعِ الإِثْمِ أو نحوِه ولا دليلَ فيهِ.\nوأما أهلُ الكتابِ فهمْ يذكرونَ اسمَ اللَّهِ علَى ذبائِحهم فيتحصَّلُ قوةُ كلامِ الظاهريةِ، فيتركُ ما تيقنَ أنهُ لم يسمِّ عليهِ، وأما ما شكَّ فيهِ والذابحُ مسلمٌ فكما قال - ﷺ -: \"اذكُروا اسمَ اللَّهِ وكلُوا\".\nالمسألةُ الثالثةُ: في قولِه: (فإِنْ أدركْتَه حيًا فاذبْحُه). فيهِ دليل على أنهُ يجبُ عليهِ تذكيتُه إذا وجدَه حيًا ولا يحلُّ إلَّا بها وذلكَ اتفاقٌ، فإنْ أدركَهُ [وبه] (^٢) بقيةُ حياةٍ فإنْ كانَ قدْ قطعَ حلقومَهُ أو مريئَه أوْ خرق أمعاءَه أوْ أخرجَ حشْوهُ فيحلُّ بلا ذكاةٍ، قالَ النوويُّ (^٣): بالإجماعِ، وقالَ المهدي (^٤) للهادويةِ: إنهُ إذا بقيَ فيهِ رمَقٌ وجبَ تذكيتُه، والرَمقُ إمكانُ التذكيةِ لو حضرتْ آلةٌ.\nودلَّ قولُه: (وإنْ أدركته قدْ قَتَلَ ولم يأكلْ [فكل]) (^٥)، أنهُ إذا أكلَ حرُمَ أكلُه، وقدْ عرفتَ أن مِنْ شرطِ المعلَّم أنْ لا يأكلَ، فأكْلُه دليلٌ على أنهُ غيرُ كاملِ التعليم. وقدْ وردَ في الحديثِ الآخرِ تعليلُ ذلك بقوله - ﷺ -: \"فإني أخاف أن يكون إنما أمَسك على نفسه\" (^٦)، وهو مستفادٌ منْ قولهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فإنهُ فسَّرَ الإمساكَ على صاحبِه بأنْ لا يأكلَ منهُ.\nوقدْ أخرجَ أحمدُ (^٧) منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵄ -: \"إذا أرسلتَ الكلبَ فأكلَ الصيدَ فلا تأكلْ، فإنَّما أمسكَ على نفسهِ، وإذا أرسلْتَهُ ولم يأكلْ فكلْ فإنَّما أمسكَ على صاحبه\"، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ العلماءِ، ورُوِيَ عنْ عليّ - ﵁ - وجماعةٍ منَ الصحابةِ أنهُ يحل، وهوَ مذهبُ مالكٍ لقولِه - ﷺ - في حديثِ أبي ثعلبةَ الذي أخرجَهُ أبو داودَ باسنادٍ حسنٍ (^٨) أنهُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه آنفًا، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في (ب): \"وفيه\".\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ٧٨).\n(^٤) في \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" (٤/ ٢٩٦).\n(^٥) في (ب): \"فكله\".\n(^٦) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري (٥٤٨٣)، ومسلم (٢/ ١٩٢٩).\n(^٧) في \"المسند\" (١/ ٢٣١).\n(^٨) في \"السنن\" (٢٨٥٧)، وهو حديث حسن، لكن قوله: \"وإن أكل منه\" منكر.","vol":"7","page":305},{"text":"قالَ: (يا رسولَ اللَّهِ إنَّ لي كِلَابًا مكلَّبةً (^١) فأفتني في صَيْدِها؟ [فقال] (^٢): كلْ مما أمسكْنَ عليكَ، قالَ: وإنْ أكَلَ؟ قالَ: وإنْ أكَلَ)، وفي حديثِ [سلمانَ] (^٣): \"كُلْه وإن لم تدركْ منهُ إلا نصفَه\" (^٤).\nقيلَ: فَيُحْمَلُ حديثُ عديٍّ على أن ذلكَ في كلبٍ قدِ اعتادَ الأكْلَ فخرجَ عن التعليمِ، وقيلَ إنهُ محمولٌ على [كراهةِ] (^٥) التنزيهِ، وحديثُ أبي ثعلبةَ لبيانِ أصلِ الحلِّ وقدْ كانَ عديٌّ موسرًا فاختار - ﷺ - لهُ الأَوْلَى، وكانَ أبو ثعلبةَ مُعْسِرًا فأفتاهُ بأصلِ الحِلِّ.\nوقالَ الأولونَ: الحديثانِ قدْ تعارضَا، وهذهِ الأجوبةُ لا يخْفَى ضعْفُها فيرجعُ إلى الترجيحِ. وحديثُ عديٍّ أرجحُ لأنهُ مُخْرَجٌ في الصحيحين ومتأيدٌ بالآيةِ، وقدْ صرَّحَ - ﷺ - بأنهُ يخافُ أنهُ إنَّما [أمسكه] (^٦) على نفسِه فَيُتْرَكُ ترجِيْحًا لجنبةِ [الحظْر] (^٧) كما [قالَ] (^٨) - ﷺ - في الحديثِ (^٩): \"وإنْ وجدْتَ معَ كلْبِكَ [كلْبًا] (^١٠) آخرَ - إلى قولِه: [فلا تأكَلْ] (^١١) فإنهُ نَهْيٌ عنهُ لاحتمالِ أن المؤثرَ فيهِ كلبٌ آخرُ غيرُ المرسَلِ [فيترك] (^١٢) ترجيحًا لجنبةِ الحظْرِ.\nوقولُه (^١٣): (فإنْ غابَ عنكَ يوما فلم تجدْ فيهِ إلا أثرَ سهْمِكَ فكلْه إنْ شِئْتَ)، اختلفتِ الأحاديثُ في هذَا. فرَوَى مسلمٌ (^١٤) وغيرُه منْ حديثِ أبي ثعلبةَ في الذي\n_________\n(^١) مكَلَّبة: المسلَّطة على الصيد، والمُعَوَّدة بالاصطياد التي ضرِبت به، والمُكَلِّب: بالكسر صاحبها الذي يصطاد بها. \"النهاية\" (٤/ ١٩٥).\n(^٢) في (ب): \"قال\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) فلينظر من أخرجه؟!. وقد أخرج مالك (٢/ ٤٩٣) بلاغًا عن مالك بن أنس بلغه عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: \"أنه سئل عن الكلب المعلَّم إذا قتلَ الصيد؟ فقال سعد: كل أن لم يبقَ إلا بضعة واحدة\"، وإسناده منقطع.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): \"أمسك\".\n(^٧) في (أ): \"الحفر\".\n(^٨) في (أ): \"قاله\".\n(^٩) أخرجه مسلم (٦/ ١٩٢٩). وهو حديث الباب.\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) في (أ): \"ولا تأكله\".\n(^١٢) في (ب): \"فيتركه\".\n(^١٣) أخرجه مسلم (٦/ ١٩٢٩)، وهو حديث الباب.\n(^١٤) في \"صحيحه\" (١٩٣١).","vol":"7","page":306},{"text":"يدركُ صيدَه بعدَ ثلاثٍ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"كلْ ما لمْ يُنْتِنْ\" (^١)، ورَوَى مسلمٌ أيضًا منْ حديثِه أنهُ قال - ﷺ -: \"إذا رمَيْتَ بسهْمكَ فغابَ عنكَ مصرعُه فكلْ ما لم يبتْ\" (^٢)، ولاختلافِها اختلفَ العلماءُ. فقالَ مالكٌ: إذا غابَ مصرعُه ثمَّ [وجدت] (^٣) بهِ أثرًا منَ الكلبِ فإنهُ [يأكل] (^٤) ما لمْ يبتْ فإذا باتَ كُرِهَ، وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ، والتعليلُ بما لم يُنْتِنْ وما لم يبِتْ هوَ النصُّ ويحملُ ذكرُ الأوقاتِ على التقييد بهِ وتركِ الأكلِ للاحتياطِ وترجيحِ جنبةِ الحظْرِ.\nوقولُه (^٥): (وانْ وجدتَه غريقًا فلا تأكلْ)، ظاهرُه وإنْ [وجدت] (٣) بهِ أثرَ السهمِ لأنهُ يجوزُ أنهُ ماتَ بالغرق لا بالسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1339>الصيد لغير الكلاب</span>\nالمسألة الرابعة: الحديثُ نصٌّ في صيدِ الكلبِ، واختُلِفَ فيما يعلَّمُ مِنْ غيرهِ كالفهدِ والنمرِ، ومنَ الطيورِ كالبازي والشاهينِ وغيرِهما، فذهبَ مالكٌ وأصحابُه إلى أنهُ يحلُّ صيدُ كلِّ ما قَبِلَ التعليمَ حتَّى السِّنَّوْرِ. وقال جماعة منهم مجاهدٌ: لا يحلُّ إلَّا صيدُ الكلب، وأما ما صادَه غيرُ الكلبِ فيُشْتَرَطُ إدراكُ ذكاتِه، وقولُه تعالَى: ﴿مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٦) دليل للثاني بناءً على أنهُ مشتق منَ الكلب بسكونِ اللامِ، فلا [يشملُ] (^٧) غيرَه منَ الجوارحِ، ولكنُه يحتملُ أنهُ مشتقٌّ منَ الكَلَبِ بفتحِ اللامِ وهوَ مصدرٌ بمعنَى التكليبِ وهوَ التضريةُ، فيشملُ الجوارحَ كلَّها. والمرادُ بالجوارحِ الكواسبُ علَى أهلِها وهوَ عامٌّ.\n_________\n(^١) ما لمْ يُنتنِ: بضم المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية من أنتن. وضم المثناة الفوقية من نتُن بضم المثناة الفوقية.\n(^٢) لا يوجد هذا الحديث في صحيح مسلم، ولا في باقي الكتب الستة. وبعد البحث تبين أنه من كلام الإمام مالك: ﵀ في \"الموطأ\" (٢/ ٤٩٢) ط البابي الحلبي. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: \"لا بأس بأكل الصيد وإن غاب عنك مصرعه. وإذا وجدت به أثرًا من كلبك أو كان به سهمك، ما لم يبت، فإذا بات فإنه يكره أكله\". من حاشية المطبوع.\n(^٣) في (ب): \"وجد\".\n(^٤) في (ب): \"يأكله\".\n(^٥) أخرجه مسلم (٦/ ١٩٢٩). وهو حديث الباب.\n(^٦) سورة المائدة: الآية ٤.\n(^٧) في (أ): \"يشتمل\".","vol":"7","page":307},{"text":"قالَ في \"الكشافَ\" (^١): والجوارحُ الكواسبُ منْ سباعِ البهائمِ والطيرِ كالفهدِ والكلب والنمرِ والعُقابِ والبازي والصقْرِ والشاهينِ. والمرادُ بالمكلِّبِ معلِّمُ الجوارحِ ومضريها بالصيدِ لصاحِبها ورائضُها لذلكَ [مما] (^٢) علِمَ منَ الحِيَلِ وطُرُقِ التأديبِ والتثقيفِ، واشتقاقُه منَ الكلبِ لأنَّ التأديبَ أكثرُ ما يكونُ في الكلابِ فاشتقَّ لهُ منهُ لكثرتِه في جنسه أوْ لأنَّ السبعَ يسمَّى كلْبًا ومنهُ قولُه - ﷺ -: \"اللهمَّ سلِّطْ عليهِ كلبًا منْ كلابِكَ\" (^٣) فأكلَه الأسدُ، أوْ منَ الكلَبِ الذي هو بمعنَى الضراوةِ، يقالُ: هوَ كلِبٌ بكذَا إذا كانَ ضاريًا بهِ\" اهـ.\nفدلَّ كلامُه على شمولِ الآيةِ للكلبِ وغيرِه منَ الجوارحِ علَى تقديرِ الاشتقاقينِ، ولا شكَّ أن الآيةَ نزلتْ والعربُ تصيدُ بالكلابِ والطيورِ وغيرِهما.\nوقدْ أخرجَ الترمذيُّ (^٤) منْ حديثِ عديِّ بن حاتم: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عنْ صيدِ البازي فقالَ: \"ما أمسكَ عليكَ فكلْ\". وقدْ ضعِّفَ بمجالدٍ، ولكنْ قدْ أوضحْنا في حواشي \"ضوءِ النهارِ\" (^٥) أنهُ يعملُ بما رواهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1340>صيد المِعراض</span>\n٣/ ١٢٥٥ - وَعَنْ عَدِيٍّ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، فَقَالَ: \"إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّه فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ\n_________\n(^١) أي الزمخشري (١/ ٣٢٣).\n(^٢) في (ب): \"بما\".\n(^٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٣٩) من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\nقلت: فيه العباس بن الفضل الأنصاري، أو العباس بن الفضل الأزرق وكلاهما متروك، انظر: التقريب (١/ ٣٩٨، ٣٩٩).\nوالخلاصة: أن الحديث موضوع، واللَّهُ أعلم.\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٦٦ رقم ١٤٦٧).\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفُهُ إلا من حديث مُجَالِدٍ عن الشعبي.\nوالعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بصيد البُزَاةِ والصقور بأسًا … \".\nوقال الألباني في ضعيف الترمذي: \"منكر\".\n(^٥) (٤/ ١٨٩٨ - ١٨٩٩).","vol":"7","page":308},{"text":"وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكلْ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عديٍّ قالَ: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عنْ صيدِ المِعراضِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ المهملةِ آخرَه معجمةٌ يأتي تفسيرُه (فقالَ: إذا أصبتَ بحدِّه فكلْ، وإذا أصبتَ بعرضِه فقتلَ فإنهُ وَقيذٌ) بفتحِ الواوِ وبالقافِ فمثناةٍ تحتيةٍ فذال معجمةِ بزنةِ عظيمٍ يأتي بيانُه (فلا تأكلْ. رواهُ البخاريُّ).\nاختُلفَ في تفسيرِ المعراضِ على أقوالٍ أقربَها ما قالَه ابنُ التينِ إنهُ عَصَا في [طرفِها حديدةٌ] (^٢) يرمي بها الصائدُ، فما أصابَ بحدِّه فهوَ ذكيٌّ يؤكلُ، وما أصابَ بعرضِه فهوَ وقيذٌ، أي موقوذٌ. والموقوذُ [ما رمي] (^٣) بعصَا أو حجرٍ أو ما لا حدَّ فيهِ. والموقوذةُ المضروبةُ بخشبةِ حتَّى تموتَ، منْ وقَذْتُه ضربتُه.\nوالحديثُ إشارةٌ إلى آلةِ منْ آلاتِ الاصطياد وهيَ المحدَّدُ، فإنهُ - ﷺ - أخبرَهُ أنهُ إذا أصابَ المعراض بحدِّه أكلَ فإنهُ محددٌ، وإذا أصابَ بعرضِه فلا يأكلْ. وفيهِ دليلٌ أنهُ لا يحلُّ صيدُ المثقلِ. وإلى هذا ذهبَ مالكٌ (^٤) والشافعيّ وأبو حنيفةَ وأحمدُ والثوريُّ. وذهبَ الأوزاعيُّ ومكحولٌ وغيرُهما منْ علماءِ الشامِ إلى أنهُ يحلُّ صيدُ المعراضِ مطْلقًا.\nوسببُ الخلافِ معارضةُ الأصولِ في هذا الباب بعضُها لبعضِ، ومعارضةُ الأثرِ لها، وذلكَ أن مِنَ الأصولِ في هذا البابِ أَنَّ الوقيذَ محرَّمٌ بالكتابِ والإجماعِ، [و] (^٥) منْ أصولِه أن العقرَ ذكاةُ الصيدِ فمنْ رأَى أن ما قتلَه المعراضُ وقيذًا منعهُ على الإطلاقِ، ومَنْ [رآهُ عقرًا] (^٦) مختصًا بالصيدِ، وأنَّ الوقيذ غيرُ معتبَرٍ فيهِ لم يمنعْه على الإطلاقِ، ومَنْ فرَّقَ بينَ ما أخرق منْ ذلكَ وما لم يخرقْ نظرَ إلى حديثِ عديٍّ وهوَ الصوابُ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٩/ ٥٩٩ رقم ٥٤٧٥).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٣/ ١٩٢٩)، وأبو داود رقم (٢٨٥٤)، والترمذي رقم (١٤٧١)، وابن ماجه رقم (٣٢١٤)، والنسائي (٧/ ١٨٠).\n(^٢) في (أ): \"طرفه حديد\".\n(^٣) في (ب): \"ما قُتلَ\".\n(^٤) انظر: \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧) بتحقيقي.\n(^٥) زيادة من (ج).\n(^٦) في (أ): (رأى عقره) والمثبت من (ب، ج).","vol":"7","page":309},{"text":"وقولُه: (فإنُه وقيذٌ) أي كالوقيذِ، وذلكَ لأنَّ الوقيذَ المضروبُ بالعصَا منْ دونِ حدٍّ وهذَا قد شاركَه في العلةِ وهي القتلُ بغيرِ حدٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1341>تحريم أكل ما أنتن</span>\n٤/ ١٢٥٦ - وَعَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا رَمَيتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكتَهُ، فَكُلْهُ، مَا لَمْ يَنْتُنْ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِم (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي ثعلبةَ عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: إذا رميتَ بسهمِكَ فغابَ عنكَ فأدركْتَه فَكُلْ ما لمْ ينتنْ. أخرجَهُ مسلمٌ). تقدمَ الكلامُ فيما غابَ عنْ مصرعِه منَ الصيدِ سواءٌ كانَ بسهمٍ أو جارحٍ. وفي الحديثِ دلالة على تحريمِ أَكْلِ ما أنتنَ منَ اللحمِ، قيلَ ويحملُ على ما يضرُّ الأكلُ أوْ صارَ مستخبثًا أو يحملُ على التنزيهِ ويُقَاسُ علَيهِ سائرُ الأطعمةِ المنتنَةِ.\n٥/ ١٢٥٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبيِّ ﷺ: \"إِنَّ قَوْمًا يَأتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي: أَذَكَروا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: \"سَمُّوا الله عَلَيهِ أَنتُمْ وَكلُوهُ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِي (^٢). [صحيح].\n(وعنْ عائشةَ ﵂ أن قومًا قالُوا للنبيِّ ﷺ: إنَّ قومًا يأتونَنَا باللحمِ لا ندري أَذُكِرَ اسمَ اللَّهِ عليهِ) أي عندَ ذكاتِه (أمْ لا؟ فقال: سمُّوا الله عليهِ أنتمْ وكلُوه. رواه البخاريُّ). تقدَّمَ أن في رواية: \"إنَّ قومًا حديثو عهد \"بالجاهليةِ\"، وهي هُنا في البخاريِّ منْ تمامِ الحديثِ بلفظِ: \"قالتْ وكانُوا حديثي عهدِ بالكفرِ\"، وفي روايةٍ مالكٍ (^٣) زيادةٌ: \"وذلكَ في أولِ الإسلامِ\"، والحديثُ قدْ أُعِلَّ بالإرسالِ وليسَ بعلةٍ عندنا على ما عرفتَ [غير مرة] (^٤) سيِّما وقدْ وصلَه البخاريُّ.\nوتقدَّم أنَّ الحديثَ منْ أدلةِ مَنْ قالَ بعدمِ وجوبِ التسميةِ ولا يتمُّ ذلكَ. وإنَّما هوَ دليلٌ على أنهُ لا يلزمُ أنْ يعلمُوا التسميةَ فيم يجلبُ إلى أسواقِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٣٢ رقم ١٩٣١).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٩/ ٦٣٤ رقم ٥٥٠٧).\n(^٣) في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٨ رقم ١) وهي من قول مالك.\n(^٤) زيادة من (أ).","vol":"7","page":310},{"text":"المسلمينَ، وكذَا ما ذبحَهُ الأعرابُ منَ المسلمينَ لأنَّهم قدْ عرفُوا التسميةَ، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١): لأنَّ المسلمَ لا يُظَنُّ بهِ في كلِّ شيءٍ إلا الخيرُ حتى يتبينَ خلافُ ذلكَ، ويكونُ الجوابُ عنْهم سمُّوا إلخ منَ الأسلوبِ الحكيمِ، وهوَ جوابُ السائلِ بغيرِ ما يترقبُ كأنهُ قال: الذي يهمُّكم أنتمْ أنْ [تذكُروا] (^٢) اسمَ اللَّهَ عليهِ وتأكلُوا منهُ، وهذا يقررُ ما قدَّمناه منْ وجوبِ التسميةِ، إلا أنْ نحملَ أمورَ المسلمينَ على السلامةِ (^٣).\nوأما ما اشتهرَ منْ حديثِ: \"المؤمنُ يذبحُ على اسمِ الله سمَّى أمْ لم يسمِّ\" (^٤)،\n_________\n(^١) في \"الاستذكار\" (١٥/ ٢١٤ رقم ٢١٦٣٢).\n(^٢) في (أ): \"يذكر\".\n(^٣) انظر: \"الفقه الإسلامي وأدلته\" (٣/ ٦٥٩)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ٢٧٢) و\"القوانين الفقهية\" (ص ١٨٥)، \"البدائع\" (٥/ ٤٦).\n(^٤) غريب بهذا اللفظ. وفي معناه أحاديث:\n• (منها): ما أخرجه الدارقطني (٤/ ٥٩٦ رقم ٩٨)، ثم البيهقي عن محمد بن يزيد بن سنان عن معقل بن عبيد الله الجزري عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: \"المسلم يكفيه اسمه، فمن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم، وليذكر اسم الله، ثم ليأكل\".\nوفيه محمد بن يزيد بن سنان، كان صدوقًا صالحًا، لكنه كان شديد الغفلة، قاله ابن القطان، وقال غيره: معقل بن عبيد الله - وإن كان من رجال مسلم - لكنه أخطأ في رفع هذا الحديث.\nوقد أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم ٩٦) عن محمد بن بكر بن خالد عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عين - عكرمة - عن ابن عباس، قال: \"إذا ذبح المسلم، فلم يذكر اسم الله، فلياكل، فإن المسلم فيه اسمًا من أسماء اللَّهِ\".\nقلت: وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٤٨١ رقم ٨٥٤٨)، والبيهقي (٩/ ٢٣٩).\nوالخلاصة: أن الحديث موقوف على ابن عباس.\n• (ومنها): ما أخرجه الدارقطني أيضًا (٤/ ٢٩٥ رقم ٩٤) عن مروان بن سالم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: سأل رجل النبي ﷺ: الرجل منا يذبح وينسى أن يسمِّي الله، قال: اسم اللَّهِ على كل مسلم. وفي لفظ: \"على فم كل مسلم\".\nقال الدارقطني: ومروان ضعيف، وأعله ابن القطان به أيضًا، وقال: هو مروان بن سالم العقاري، وهو ضعيف. وليس بمروان بن سالم المكي.=","vol":"7","page":311},{"text":"وإنْ قالَ الغزاليُّ في \"الإحياءِ\" (^١) إنهُ صحيحٌ فقدْ قالَ النوويُّ: إنهُ مُجْمَعٌ على ضعفِه. وقدْ أخرجَهُ البيهقي منْ حديثِ أبي هريرةَ وقالَ إنهُ منكرٌ لا يحتجُّ بهِ. وكذَا ما أخرجَهُ أبو داودَ في \"المراسيلِ\" (^٢) عن الصلتِ السدوسيِّ عن النبيّ - ﷺ - قالَ: \"ذبيحة المسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ اللَّهِ أو لمِ يذكرْ\"، فهوَ مرسلٌ وإنْ كانَ الصلتُ ثقةً فالإرسالُ علةٌ عندَ مَنْ لم يقبلْ المراسيلَ.\nوقولُنا فيما تقدَّمَ إنهُ ليسَ الإرسالُ علة نريدُ إذا أعلُّوا بهِ حديثًا موصولا ثمَّ جاءَ منْ جهة أُخْرَى [مرسلًا] (^٣).\n_________\n= وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٨١) وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي ووافقهما، وقال عامة ما يرويه لا يتابعه الثقات عليه.\n• (ومنها): ما أخرجه أبو داود في \"المراسيل\" رقم (٣٧٨) عن الصلت، عن النبي ﷺ قال: \"ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم اللَّهِ أم لم يذكر\".\nقال ابن القطان: وفيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد.\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٦٣٦): \"وهو مرسل جيد\".\nوالخلاصة: أن الحديث بطرقه مرسل لم يبلغ درجة الصحة.\nانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ١٨٢ - ١٨٣).\n(^١) • قال الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٣٣٩): أما \"الإحياء\" ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية … \" اهـ.\n• وقال القاضي عيَاض كما في \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٣٢٧): \"والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقة التصوف، وتجرَّد لنصر مذهبهم، وصار داعيةً في ذلك، وألَّف فيه تواليفَه المشهورة - الإحياء - أُخِذَ عليه فيها مواضِعُ، وساءَت به ظنونُ أمَّة، واللَّه أعلم بسرِّه، ونَفَذَ أمرُ السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبُعد عنها، فامْتُثِلَ ذلك … \" اهـ.\n• وقال المحدث الألباني في \"سلسلة الأحاديث الضعيفة\" (١/ ١٨): \"وكم في كتاب \"الإحياء\" من أحاديث جزم بنسبتها إلى النبي ﷺ، وهي مما يقول الحافظ العراقي وغيره فيها: لا أصل له\" اهـ.\nوانظر كتاب: \"إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين\" بقلم: علي حسن علي عبد الحميد. فقد أجاد وأفاد.\n(^٢) رقم (٣٧٨) وقد تقدم في التعليقة السابقة.\n(^٣) في (أ): \"مرسل\".","vol":"7","page":312},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1342>النهي عن الخذف</span>\n٦/ ١٢٥٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: \"إِنَّهَا لَا تَصيدُ صَيدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا ثَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مغفلٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عن الخَذْفِ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ ففاء (وقالَ إنَّها) أنَّثَ الضميرَ معَ أن مرجعَه الخذفُ وهوَ مذكرٌ نظرًا إلى المخذوفِ بهِ وهي الحصاةُ (لا تصيدُ صيدًا ولا تَنْكَأُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ وهمزةٍ في آخرهِ (عدوًا، ولكنَّها تكسرُ السن وتفقأُ العينَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلم).\nالخذفُ رميُ الإنسانِ بحصاةٍ أوْ نواةٍ أوْ نحوهما [يجعلُها] (^٢) بينَ إصبعيهِ السبابتينِ أوِ السبابةِ والإبهامِ. وفي تحريمِ ما قتل بالخذفِ منَ الصيدِ الخلافُ الذي مضَى في صيدِ المثقلِ؛ لأنَّ صيد الحصاة ثقيل بثقْلِها لا بحدٍّ، والحديثُ نَهَى عن الخذفِ لأنُه لا فائدةَ فيهِ ويخافُ منهُ المفسدةُ المذكورةُ، ويلحقُ بهِ كلُّ ما فيهِ مفسدةٌ.\nواختُلِفَ فيما يقتلُ بالبندقةِ، فقالَ النوويُّ (^٣): إنهُ إذا كانَ الرميُ بالبنادقِ [وبالخذفِ] (^٤) إنَّما هوَ لتحصيلِ الصيدِ وكانَ الغالبُ فيهِ عدمَ قتلِه فإنهُ يجوزُ ذلكَ إذا أدركَه الصائدُ وذكَّاه كرمي الطيورِ الكبارِ بالبنادقِ.\nوأما أثرُ ابن عمرَ وهوَ ما أخرجَهُ عنهُ البيهقيُّ أنهُ كانَ يقولُ: \"المقتولةُ\n_________\n(^١) البخاري (٦٢٢٠)، ومسلم (٥٥/ ١٩٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥٢٧٠)، والنسائي (٨/ ٤٧)، وابن ماجه (٣٢٢٦).\n• الخذفُ: رميكَ حصاة أو نواةً تأخُذها بين سبابتيك، أو تأخذُ خشبة فترمي بها بين إبهامك والسبابة.\n• يَنْكأُ: نَكَأتْ الجُرحَ: إذا قشرته، والنكأُ في العدو مستعار.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم للنووي\" (١٣/ ١٠٦).\n(^٤) في (أ): \"وبالحصى\".","vol":"7","page":313},{"text":"بالبندقةِ تلكَ الموقوذةُ\"، فهذَا في المقتولةِ بالبندقةِ، وكلامُ النووي في الذي لا يقتلُها وإنَّما تحبسها على الرامي حتَّى يذكيها، وكلامُ أكثرِ السلفِ أنهُ لا يؤكلُ ما [قتل] (^١) بالبندقةِ [وذلكَ] (١) لأنه قُتِلَ بالمثقلِ.\nقلتُ: وأما البنادقُ المعروفةُ الآنَ فإنَّها ترمي بالرصاصِ فتخرجُ وقدْ صيَّرتْه نارُ البارودِ كالميلِ فيقتلُ بحدِّه لا بصدمِه، فالظاهرُ حِلُّ ما قتلَتْه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1343>النهي عن جعل الحيوان هدفًا يرمى إليه</span>\n٧/ ١٢٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: \"لَا تَتخِذُوا شَيئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: لا تتخذوا شيئًا فيهِ الروح غَرَضًا) بفتحِ الغينِ المعجمةِ وفتحِ الراءِ فضادٍ معجمةٍ، هوَ في الأصلِ الهدفُ يُرْمَى إليهِ، ثمَّ جُعِلَ اسمًا لكل غايةٍ يتحرَّى إداركَها (رواة مسلمٌ).\nالحديثُ نَهْيٌ عنْ جَعْلِ الحيوانِ هدفًا يُرْمَى إليهِ، والنهيُ للتحريمِ لأنهُ أصلُه ويؤيدُه قوةُ حديثِ (^٤): \"لعنَ اللَّهُ مَنْ فعلَ هذَا\"، لما مرَّ - ﷺ - وطائر قدْ نصب وهمْ يرمونَه. وحكمةُ النهي أن فيهِ إيلامًا للحيوانِ وتضييعًا لماليتهِ وتفويتًا لذاتِه إنْ كانَ مما يُذَكَّى، ولمنفعتِه إنْ كانَ غيرَ مذكَّى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1344>الذبح بالحجر</span>\n٨/ ١٢٦٠ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ امْرَأَةَ ذَبَحتْ شَاةً بِحَجَرٍ،\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) وإلى حله ذهب الشوكاني في \"نيل الأوطار\" والسيد صدِّيق حسن خان. \"هامش فتح العلَّام\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٩٥٧).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٤٧٥)، وابن ماجه رقم (٣١٨٧)، والنسائي (٧/ ٢٣٨ رقم ٤٤٤٣).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٥٩/ ١٩٥٨) من حديث ابن عمر.","vol":"7","page":314},{"text":"فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذلِكَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِي (^١). [صحيح]\n(وعنْ كعبِ بن مالكٍ أن امرأة ذبحتْ شاةً بحجرٍ فَسُئِلَ النبيُّ - ﷺ - فأمرَ بأكْلِها.\nرواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ تذكيةِ المرأةِ وهوَ قولُ الجماهيرِ، وفيهِ خلافٌ شاذٌ أنهُ يُكْرَهُ ولا وجْهَ لهُ. ودليلٌ على صحةِ التذكيةِ بالحجرِ الحاد إذا فرى الأوداج؛ لأنَّه قد جاء في رواية أنها كسرت الحجر وذبحت به، والحجر إذا كُسِرَ يكونُ فيهِ الحدُّ. ودليلٌ على أنهُ يصحّ أكْلُ ما ذُبِحَ بغيرِ إذنِ المالكِ، وخالفَ فيهِ إسحاقُ بنُ راهويهْ وأهلُ الظاهرِ وغيرُهم، واحتجُّوا بأمرهِ - ﷺ - بإكفاءِ ما في القدور مما ذُبِحَ منَ المغنَمِ قبلَ القِسْمَةِ بذي الحليفةِ كما أخرجَهُ الشيخانِ (^٢).\nوأُجِيْب بأنهُ إنَّما أمرَ بإِراقةِ المرقِ، وأما اللحمُ فباق جُمِعَ ورُدَّ إلى المغنَم، فإنْ قيلَ لم ينْقلْ جمعُه وردُّه إليهِ، قلْنا: لم ينقلْ أنَّهم أتلفُوه وأحرقُوه، فيجبُ تأويلُه بما ذكرنا موافقةً للقواعدِ الشرعيةِ.\nقلتُ: لا يخْفَى تكلفُ الجوابِ، والمرقُ مال لو كانَ حلالًا لما أمرَ بإراقتِه فإنهُ من إضاعةِ المالِ.\nوأما الاستدلالُ على المدَّعي بشاةِ الأَسارى فإنَّها ذُبحتْ بغيرِ إذْنِ مالِكِها فأمرَ على بالتصدقِ بها على الأَسارى كما هوَ معروفٌ، فإنهُ استدلالٌ غيرُ صحيح، وذلكَ لأنهُ - ﷺ - لم يستحلَّ أكلَها ولا أباحَ لأحدٍ منَ المسلمينَ أكلَها بلْ أمرَ أنْ يطعم الكفارَ المستحلينَ للميتةِ.\nوقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ رجلٍ منَ الأنصارِ قالَ: \"خرجْنا معَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في سفرٍ فأصابَ الناسَ مجاعةٌ شديدةٌ وجَهْدٌ، فأصابُوا غنمًا فانتَهبُوها، فإنَّ قدورنَا تغلي إذْ جاءَ رسولُ اللَّه ﷺ على فرسِه فأكفَأ قدورنَا ثمَّ جعلَ [يرملُ] (^٤) اللحمَ بالترابِ وقالَ: إنَّ النهبةَ ليستْ بأحلَّ منَ الميتةِ\"، فهذا مثلُ الحديثِ الذي أخرجَه الشيخانِ (٢) وفيهِ\n_________\n(^١) في صحيحه (٥٥٠٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٣٨٦)، وابن ماجه (٣١٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٨١)، ومالك (٢/ ٤٨٩ رقم ٤).\n(^٢) البخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٧٠٥) وإسناده جيد.\n(^٤) في (أ): \"بزمل\".","vol":"7","page":315},{"text":"التصريحُ بأنهُ حرامٌ، وفيهِ إتلافُ اللحمِ لأنهُ ميتةٌ فعرفتْ قوةُ كلامِ أهلِ الظاهرِ.\nوأما حديثُ الكتابِ وأنهُ - ﷺ - أمرَ بأكلِ ما ذبحَ بغيرِ إذنِ مالكِه فإنهُ لا يردُّ علَى الظاهرية لأنَّهم يقولونَ بحلِّ ما ذبحَ بغيرِ إذنِ مالكِه مخافةَ أنْ يموتَ أو نحوَه.\nوفيهِ دليلٌ على أنَّهُ يجوزُ تمكينُ الكفارِ مما هوَ محرَّمٌ على المسلمينَ، ويدلُّ له أن - ﷺ - \"نَهَى عمرُ عنْ لُبْسِ الحلةِ منَ الحريرِ، فبعثَ بها عمرُ لأخيهِ المشركِ [بمكة] (^١) \"كما في البخاري (^٢) وغيرِه.\nقالَ المصنفُ في \"الفتحِ\" (^٣): ويدلُّ الحديثُ على تصديقِ الأجيرِ الأمينِ فيما اوْتُمنَ عليهِ حتَّى يتبيَّنَ عليهِ دليلُ الخيانةِ؛ لأنَّ في الحديثِ أنَّها كانتِ المرأةُ أَمَةً راعيةً لغنمِ سيِّدِها وهوَ كعبُ بنُ مالك فخشيتْ على الشاةِ أنْ تموتَ فذبحتْها. ويُؤْخَذُ منهُ جوازُ تصرُّف [المودَعِ] (^٤) لمصلحةٍ بغيرِ إذْنِ المالكِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1345>شروط الذبح</span>\n٩/ ١٢٦١ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خديجٍ - ﵁ - عَنِ النَّبيّ - ﷺ - قال: \"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ علَيهِ فَكُلْ، ليسَ السنَّ والظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ رافعِ بن خديجٍ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -[قالَ] (^٦):) سببُ الحديثِ أنهُ قالَ رافعُ بنُ خديجٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لاقُوا العدوِّ غدًا وليسَ معنا مُدَىً (^٧)،\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٨٨٦)، ومسلم رقم (٦/ ٢٠٦٨).\n(^٣) (٩/ ٦٣٣).\n(^٤) في (أ): \"الوديع\".\n(^٥) البخاري (٥٥٤٣)، ومسلم (٢٠/ ١٩٦٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٢١)، والترمذي (١٤٩١)، والنسائي (٧/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٣١٧٨)، وأحمد (٣/ ٤٦٣، ٤٦٤).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) مفردها: مُدْية: الشفرة. \"مختار الصحاح\" (ص ٢٥٨).","vol":"7","page":316},{"text":"فقالَ - ﷺ -: (ما أنهرَ الدمَ) بفتحِ الهمزةِ فنونٍ ساكنةٍ فهاءٍ مفتوحةٍ فراءٍ، أي أسالَه وصبَّهُ [بكثرةٍ] (^١) منَ النَّهَرِ (وذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليهِ فكلْ، ليسَ السنُّ والظُّفُرُ، أما السن فعظمٌ، وأما الظُّفُر فمُدَى) بضمِّ الميمِ [وبفتحِها] (^٢) وفتحِ الدالِ المهملةِ فألفٍ مقصورةٍ جَمعٌ مديةٍ مثلثةُ الميمِ وهي الشفرةُ [أي السكينُ] (^٣) (الحبشةِ. متفقٌ عليهِ)، فيهِ دلالةٌ صريحةٌ بأنهُ يُشْتَرَطُ في الذكاةِ ما يقطعُ ويجري الدمَ.\nواعلمْ أنهُ تكونُ الذكاةُ بالنحرِ للإبلِ وهوَ الضربُ بالحديدة في لبَّةِ البدنةِ حتَّى يفريَ أوداجَها، واللَّبَّةُ بفتحِ اللامِ وتشديدِ الباءِ موضعُ القِلادةِ منَ الصَّدْرِ. والذبحُ [لما] (^٤) عدَاها وهوَ قطعُ الأوداجِ، أي الودجينِ وهما عِرقَانِ محيطانِ بالحلقومِ، فقولُهم الأوداجُ تغليبٌ على الحلقومِ والمريءِ، فَسُمِّيتِ الأربعةُ أوداجًا.\nواختلفَ العلماءُ، فقيلَ: لا بدَّ منْ قطعِ الأربعةِ، وعنْ أبي حنيفةَ [يكْفي] (٢) قَطْعُ ثلاثةٍ منْ أيِّ جانبٍ، وقالَ الشافعي: يكفي قطعُ الأوداجِ والمريءِ، وعنِ الثوريّ يجزئُ قطعُ الودجينِ، وعنْ مالك يُشْتَرَطُ قطعُ الحلقومِ والودجينِ لقولِه - ﷺ -: \"ما أنهرَ الدمَ\" وإنهارُه أجراؤُه وذلكَ يكونُ بقطعِ الأوداجِ لأنَّها مَجْرَى الدمِ، وأما المريءُ فهو مَجْرَى الطعامِ وليسَ بهِ منَ الدمِ ما يحصلُ بهِ إنهارُه.\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يُجْزِئُ الذبحُ بكلّ محدَّدٍ فيدخلُ السيفُ والسكينُ والحجرُ والخشبةُ والزجاجُ والقصبُ والخزفُ والنحاسُ وسائرُ الأشياءِ المحددةِ.\nوالنَّهْيُ عن السنِّ والظفرِ مطلقًا منْ آدميٍّ أو غيرِه منفصل أو متصلٌ ولوْ [كانَ] (^٥) محدَّدًا، وقدْ بيَّنَ - ﷺ - وجْهَ النَّهْي في الحديثِ بقولِه: \"أما السنُّ فعظمٌ\"، فالعلةُ كونُها عظْمًا وكأنهُ قدْ سبقَ منهُ - ﷺ -[النَّهْيَ] (^٦) عن الذبحِ بالعظمِ، وقدْ علَّلَ النوويُّ وجْهَ النَّهْي عن الذبحِ بالعظمِ أنهُ يتنجسُ بهِ وهوَ منْ طعام الجنِّ فيكونُ كالاستجمارِ بالعظمِ. وعلَّلَ في الحديثِ النَّهْيَ عن الذبحِ بالظفرِ بكونِه مُدَى الحبشةِ أي وهمْ كفارٌ وقدْ نُهِيْتُمْ عن التشبه بهمْ، وأوردَ عليهِ بأنَّ الحبشةَ تذبحُ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"ما\".\n(^٦) في (أ): \"نهي\".","vol":"7","page":317},{"text":"بالسكينِ أيضًا فيلزمُ المنعُ منْ ذلكَ للتشبُّهِ، وأُجِيْبَ بأنَّ الذبحَ بالسكينِ هوَ الأصلُ وهوَ غيرُ مختصٍّ بالحبشةِ، وعلَّلَ ابنُ الصَّلاحِ ذلكَ بأنهُ إنَّما مُنِعَ لما فيهِ منَ [تعذيب الحيوان] (^١) ولا يحصلُ بهِ إلا الخنقَ الذي ليسَ على صفةِ الذبحِ.\n[وفي المعرفةِ للبيهقي] (^٢) روايةٌ عن الشافعيّ أنهُ حملَ الظفرَ في هذا الحديثِ على النوعِ الذي يدخلُ في الطيبِ وهوَ منْ بلادِ الحبشةِ، وهو لا يفري فيكونُ في معنَى الخنقِ. وإلى تحريمِ الذبحِ بما ذكرَ ذهبَ الجمهورُ. وعنْ أبي حنيفةَ وصاحبيْه أنهُ يجوزُ بالسن والظفرِ المنفصلينِ، واحتجُّوا بما أخرجَه أبو داوَد (^٣) منْ حديثِ عديٍّ بن حاتمٍ: \"أفرَّ الدمَ بما شئتَ\"، والجوابُ أنهُ عامٌّ خصَّصَهُ حديثُ رافعٍ بِن خُدَيْجٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1346>قتل الصبر</span>\n١٠/ ١٢٦٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَنْ يُقْتَلَ شَيءٌ مِنَ الدَّوابِّ صَبرًا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يُقْتَلَ شيءٌ من الدوابِّ صَبْرًا. رواهُ مسلمٌ)، هوَ دليل على تحريمِ قَتْلِ أيِّ حيوانٍ صَبْرًا وهوَ إمساكُهُ حيًا ثمَّ يُرْمَى حتَّى يموتَ، وكذلكَ مَنْ قُتِلَ منَ الآدميينَ في غيرِ معركةٍ ولا حرْبٍ ولا خطأٍ فإنهُ مقتولٌ صَبْرًا، والصبرُ الحبْسُ.\n_________\n(^١) في (ب): \"التعذيب للحيوان\".\n(^٢) في (أ): \"وقال\".\n(^٣) في \"السنن\" (٢٨٢٤).\nقلت: وأخرجه النَّسَائِي (٧/ ٢٢٥ رقم ٤٤٠١)، وابن ماجه (٣١٧٧)، والحاكم (٤/ ٢٤٠) وقال: صحيح على شرط مسلم. وتعقبه الألباني بقوله في \"الإرواء\" (٨/ ١٦٦): \"وهذا من أوهامه التي لم ينبه عليها الذهبي، فإن مري بن قطري لم يخرج له مسلم شيئًا ثم هو لا يُعرف كما قال الذهبي\".\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. انظر: \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٣٥ رقم ١٩٣٨).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٩٥٥).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٣١٨٨)، وأحمد (٣/ ٣١٨).","vol":"7","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1347>إحسان القِتلة والذِّبحة</span>\n١١/ ١٢٦٣ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِن الله كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذا ذَبَحْتُمُ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيرِحْ ذَبيحَتَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1348>ترجمة شدَّاد بن أوس</span>\n(وعنْ شدادِ بن أوسٍ) (^٢) شدادٌ بالشينِ المعجمةِ ودالينِ مهملتينِ، هوَ أبو يعلَى شدادُ بنُ أوسِ بن ثابتٍ النجاريِّ الأنصاريِّ وهوَ ابنُ أخي حسانَ بن ثابتٍ لم يصحَّ شهودُه بدرًا، نزلَ بيتَ المقدسِ وعِدَادُه في أهلِ الشامِ، ماتَ بهِ سنةَ ثمانٍ وخمسينَ وقيلَ غيرُ ذلكَ، قالَ عبادةُ بنُ الصامتِ وأبو الدرداءِ: كانَ شدادُ ممنْ أُوتي العلمَ والحِلمَ.\n(قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ اللَّهَ تعالَى كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلْتُم فأحسِنُوا القِتْلَةَ) بكسرِ القافِ مصدرٌ نوعيٌّ (وإذا ذبحتُم فأحسِنُوا الذِّبْحَةَ) بزنةِ [القِتْلَة] (^٣) (وليحدَّ أحدُكمِ شفَرتَه وليرحْ ذبيحتَه. رواهُ مسلمٌ).\nقولُه: كتبَ الإحسانَ، أي أوجبَه، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (^٤)، وهوَ فعلُ الحسنِ ضدَّ القبيحِ، فيتناولُ الحسنَ شرعًا والحسنَ عرفًا\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (٥٧/ ١٩٥٥).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، وابن ماجه (٣١٧٠)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)، وقال: حديث حسن صحيح. والطيالسي (١/ ٣٤١ - ٣٤٢ رقم ١٧٤٠ - منحة المعبود)، والبيهقي (٩/ ٢٨٠)، وابن الجارود رقم (٨٩٩)، والدارمي (٢/ ٨٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٢١٩)، والخطيب في \"التاريخ\" (٥/ ٢٧٨)، والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ٣٨٦ رقم ٦٤٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" رقم (٢٣٩٣)، \"و\"الإصابة\" رقم (٣٨٦٦)، \"والاستعاب\" رقم (١١٦٣)، و\"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٢٤)، \"وشذرات الذهب\" (١/ ٦٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ٣٢٨).\n(^٣) في (أ): \"القلة\".\n(^٤) سورة النحل: الآية ٩٠.","vol":"7","page":319},{"text":"وذكرَ منهُ ما هو أبعدُ شيءٍ عن اعتبارِ الإحسانِ وهوَ الإحسان في القتلِ لأيِّ حيوانٍ منْ آدميٍّ وغيرِه في حدٍّ وغيرِه. ودلَّ على نفي المُثلةِ مكافأةً إلا أنهُ يحتملُ أنه مخصَّصٌ بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^١)، وقدْ تقدَّم الكلامُ في ذلكَ.\nوأبانَ بعضَ كيفيه إحسانِها بقولِه: (وليُحدَّ) بضمِّ حرفِ المضارعةِ، منْ أحدَّ السكينَ أحسنَ حدَّها، والشفرةُ [بضم الشين] (^٢) المعجمه السكينُ العظيمةُ وما عَظُمَ منَ الحديدِ وحُدِّدَ.\nوقولُه: \"وليرحْ\" بضمِّ حرفِ المضارعةِ [أيضًا] (^٣) منَ الإراحةِ، ويكونُ بإحدادِ السكينِ وتعجيلِ إمرارها وحُسْنِ الصنعة.\n١٢/ ١٢٦٤ - وَعَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: \"ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٥).\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(^٢) في (ب): \"بفتح الشين\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"المسند\" (٣/ ٣٩).\n(^٥) (ص ٢٦٤ رقم ١٠٧٧) - الموارد.\nقلت: وأخرجه الدارقطني (٤/ ٢٧٤ رقم ٣٠)، والبيهقي (٩/ ٣٣٥)، والخطيب في \"الموضح\" (٢/ ٢٤٩) من طريق يونس بن أبي إسحاق عن أبي الودَّاك عن أبي سعيد.\nوأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٥٠٢ رقم ٨٦٥٠)، وأبو يعلى (٢/ ٢٧٨ رقم ٩٩٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٢١٨ رقم ٢٧٨٩) من طريق مجالد بن سعيد، عن أبي الودَّاك عن أبي سعيد.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٥)، وأبو يعلى (٢/ ٤١٥ رقم ١٢٠٦)، والطبراني في \"الصغير\" (١/ ١٥٦ رقم ٢٤٢)، والخطيب في \"التاريخ\" (٨/ ٤١٢) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد، وعطية ضعيف.\n• ولحديث أبي سعيد شاهد من حديث جابر - ﵁ -.\nأخرجه أبو داود (٢٨١٨)، والدارمي (٢/ ٨٤)، والدارقطني (٤/ ١٧٣ رقم ٢٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٦٠، ٧٣٣)، (٦/ ٢٤٠٣)، والحاكم (٤/ ١١٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٢) و(٩/ ٢٣٦) من طرق عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا به. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.\nقلت: وأبو الزبير مدلس، ولم يصرِّح بالسماع والخلاصة: أن الحديث صحيح.\nوللحديث شواهد أخرى عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي أمامة، وأبي الدرداء وغيرهم، ذكرتهم في كتابي: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء الصيد والربائح.","vol":"7","page":320},{"text":"(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ: ذكاة الجنينِ ذكاة أمهِ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانِ). الحديثُ لهُ طرقٌ (^١) عندَ الترمذيِّ وأبي داودَ والدارقطنيِّ إلَّا أنهُ قالَ عبدُ الحقِّ: إنهُ لا يُحْتَجُّ بأسانيدهِ كلِّها، وقالَ الجوينيُّ إنه صحيحٌ لا يتطرقُ احتمالٌ إلى متْنِهِ ولا ضعفٌ إلى سندِه، وتابعهُ الغزالي، والصوابُ أنهُ لمجموع طُرقِهِ يُعْمَلُ بهِ، وقدْ صحَّحَهُ ابنُ حبانَ (^٢) وابنُ دقيقِ العيدِ (^٣).\nوفي البابِ عنْ جابرٍ (^٤) وأبي الدرداءِ (^٥) وأبي أمامةَ (^٦) وأبي هريرةَ (^٧) قالُه الترمذيُّ. وفيهِ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ مما يؤيدُ العملَ بهِ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن الجنينَ إذا خرجَ منْ بطنِ أمهِ ميتًا بعدَ ذكاتِها فهوَ حلالٌ مذكَّى بذكاةِ أمهِ. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ حتَّى قالَ ابنُ المنذرِ لم يُرْوَ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ ولا منَ العلماءِ أن الجنينَ لا يُؤْكَلُ إلَّا باستئنافِ الذكاةِ فيهِ إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ وذلكَ لصراحةِ الحديثِ فيهِ، ففي لفظِ: (ذكاة الجنينِ بذكاةِ أمهِ) أخرجَهُ البيهقيُّ، فالباءُ سببيةٌ أي أن ذكاتَه حصلتْ بسببِ ذكاةِ أمهِ أو ظرفيةٌ ليوافقَ ما عندَ البيهقي أيضًا: \"ذكاةُ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ\".\n_________\n(^١) تقدم بعض الطرق في تخريج حديث الباب.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٥٨٨٩).\n(^٣) في كتابه: الإلمام بأحاديث الأحكام (ص ٢٩٩) رقم (٢/ ٧٥٢).\n(^٤) تقدم تخريجه في تخريج حديث الباب.\n(^٥) و(^٦) أخرجه البزار (٢/ ٧٠ رقم ١٢٢٦ - كشف) وعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٣٥) للطبراني وابن عدي في \"الكامل\" (٤٤٣/ ٢)، إلا أنه وقع عند البزار عن خالد بن معدان بدل راشد بن سعد، وبشر بن عمارة فيه مقال، وقال ابن عدي: ليس له حديث منكر وهو إلى الاستقامة أقرب.\n(^٧) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١١٤) وقال صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي: بأن عبد الله بن سعيد هالك.\nوأخرجه الدارقطني عن عمر بن قيس عن عمرو بن دينار عن طاوس عن أبي هريرة قال عبد الحق: لا يحتج بإسناده، قال ابن القطان: وعلته عمر بن قيس وهو المعروف بسندل فإنه متروك. كما في \"نصب الراية للزيلعي\" (٤/ ١٩٠).\nوقد أورده الذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢١٩) في ترجمة عمر بن قيس وقال: إنه منكر. لكنه قال: عن طاووس عن ابن عباس.","vol":"7","page":321},{"text":"واشترطَ مالكٌ أنْ يكونَ قدْ أُشعرَ لما رواهُ أحمدُ بنُ عصامٍ عنْ مالكٍ عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا: \"إذا أشعرَ الجنينُ فذكاتُه ذكاةُ أمهِ\" لكنهُ قالَ الخطيبُ: تفردَ بهِ أحمدُ بنُ عصامٍ وهوَ ضعيفٌ (^١) وهوَ في \"الموطأ\" (^٢) موقوفٌ على ابن عمرَ وهوَ أصحُّ، [وقد] (^٣) عُورِضَ بما رواهُ ابنُ المباركِ عن ابن أبي ليلَى قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: \"ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أو لم يشعِرْ\" وفيهِ ضعفٌ لسوءِ حفظِ ابن أبي ليلَى (^٤)، ولكنهُ أخرجَ البيهقي (^٥) منْ حديثِ ابن عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمهِ أشْعرَ أوْ لم يُشْعرْ\"، رُوِيَ منْ أوجُهٍ عن ابن عمرَ مرفُوعًا، قالَ البيهقيُّ (^٦): ورفْعُهُ عنهُ ضعيفٌ والصحيحُ أنهُ موقوفٌ.\nقلت: والموقوفانِ عنهُ قدْ صحَّا وتعارضَا فيطرحانِ ويرجعُ إلى إطلاقِ حديثِ البابِ وما في معناهُ، وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أن الجنينَ إذا خرجَ ميْتًا منْ المذكاةِ فإنهُ ميتةٌ لعمومِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ (^٧)، وكذا لو خرجَ حيًّا ثمَّ ماتَ وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ (^٨)، وأجابُوا عن الحديثِ بأنَّ معناهُ ذكاةُ الجنينِ إذا خرجَ حيًّا نحو ذكاةِ أمهِ، قالهُ [الإمام المهدي] (^٩) في \"البحرِ\" (^١٠).\nقلت: ولا يخْفَى أنهُ إلغاءٌ للحديثِ عن الإفادةِ، فإنهُ معلومٌ أن ذكاةَ الحيِّ منَ الأنعامِ ذكاةٌ واحدةٌ منْ جنينٍ وغيرِه، كيفَ وروايةُ البيهقيِّ بلفظِ: ذكاةِ الجنينِ في ذكاةِ أمهِ، فهيَ مفسِّرةٌ لروايةِ: ذكاةِ أمهِ، وفي أُخْرَى: بذكاةِ أمهِ (^١١).\n_________\n(^١) قاله الدارقطني في \"الضعفاء والمتروكين\" رقم (٤٢).\nوانظر: \"الميزان\" (١/ ١١٩)، و\"اللسان\" (١/ ٢٢٠)، و\"المغني\" (١/ ٤٧).\n(^٢) (٢/ ٤٩٠ رقم ٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) قال ابن حجر في \"التقريب\" (١/ ٤٩٦ رقم ١٠٩٤): ثقة، من الثانية، اختلف في سماعه من عمر.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٣٦).\n(^٧) سورة المائدة: الآية ٣.\n(^٨) انظر: \"المحلى\" (٧/ ٤١٩ - ٤٢١ رقم ١٠١٤).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) (٤/ ٣٠١).\n(^١١) انظر: \"البدائع\" (٥/ ٤٢)، \"القوانين الفقهية\" (ص ١٨٣)، \"مغني المحتاج\" (٤/ ٥٧٩، ٣٠٦)، والمغني (٨/ ٥٧٩)، والفقه الإسلامي وأدلته (٣/ ٦٦٧ - ٦٦٩).","vol":"7","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1349>ترك التسمية على الذبح</span>\n١٣/ ١٢٦٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لِيَأْكُلْ\". أَخْرَجَهُ الدَّارقُطْنيُّ (^١)، وَفيهِ رَاوٍ في حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفي إِسْنَادِهِ مُحْمّدُ بُنْ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ. [مرسل]\n- وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (١) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. [مرسل]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ في مَرَاسِيلِهِ (١) بِلَفْظِ: \"ذَبَيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسْمَ الله عَلَيهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْ\"، وَرِجَالُهُ مُوثَّقُونَ. [مرسل]\nوعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - قالَ: المسلمُ يكفيهِ اسمُه. الضميرُ للمسلمِ وقدْ فسَّرهُ حديثُ البيهقيِّ (^٢) عن ابن عباسٍ قالَ فيهِ: \"فإنَّ المسلمَ فيهِ اسمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ تعالى (فإنْ نسيَ أنْ يسمِّيَ حينَ يذبح فليسمِّ ثمَّ يأكل. أخرجَهُ الدارقطنيُّ وفيهِ راوٍ في حفظِه ضعفٌ) بيَّنَهُ بقولِه: (وفي إسنادِه محمدُ بنُ يزيدَ بن سنانٍ وهوَ صدوقٌ ضعيفٌ الحفظِ (^٣). وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ بإسنادٍ صحيح إلى ابن عباسٍ موقُوفًا عليهِ، ولهُ شاهدٌ عندَ أبي داودَ في مراسيلهِ بلفظِ: ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ ذكرَ اسمَ اللَّهِ عليها أمْ لمْ يذكر. ورجالُه موثقون).\nوفي البابِ مرسلٌ صحيحٌ ولكنَّها لا تُقَاوِمُ ما سلفَ منْ الأحاديثِ الدالةِ على وجوب التسميةِ مطلقًا، إلَّا أنَّها تفتُّ في عَضُدِ وجوبِ التسميةِ مطلقًا وتجعلُ تركَ [أكْلِ] (^٤) ما لم يسمَّ عليهِ منْ بابِ التورعِ.\n* * *\n_________\n(^١) تقدم تخريجها والكلام عليها في شرح الحديث رقم (٥/ ١٢٥٦) من كتابنا هذا.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٣٩ - ٢٤٠) موقوفًا على ابن عباس.\n(^٣) قال ابن حجر في \"التقريب\" (٩/ ٢١٢ رقم ٨٢٥): ليس بالقوي.\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"7","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1350>[الباب الثاني] باب الأضاحي</span>\nالأضاحي جمعُ أُضْحيةٍ بضمِّ الهمزةِ، ويجوزُ كسرُها، ويجوزُ حذفُ الهمزةِ فتفتح الضادَّ كأنَّها اشتُقَّتْ منِ اسم الوقتِ الذي شُرعَ ذبُحها فيهِ، وبها سمّيَ اليومُ يومَ الأضْحَى.\n١/ ١٢٦٦ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كَانَ يُضَحِّيِ بِكَبْشَيْنِ، أَقْرَنَيْنِ، ويُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. وَفي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. وَفي لَفْظ: سَمِينَيْنِ. وَلأَبي عُوَانَةَ في صَحِيحِهِ: ثَمِينَيْنِ - بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ - وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، وَيَقُولُ: \"بِسْمِ اللهِ وَاللَّه أكْبَرُ\" (^١). [صحيح]\n(وعنْ أنسِ بن مالك - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يضحِّي بكبشينِ أملحينِ أقرنينِ\n_________\n(^١) • أخرجه البخاري (٥٥٥٨)، ومسلم (١٧/ ١٩٦٦). والنسائي (٧/ ٢٣٠ رقم ٤٤١٦)، و(٧/ ٢٣٠ - ٢٣١ رقم ٤٤١٧)، وابن ماجه (٣١٢٠)، وأبو يعلى رقم (٣١٣٦) و(٣٢٤٧) و(٣٢٤٨) من طرق عن شعبة، به.\n• وأخرجه البخاري رقم (٥٥٦٤) و(٥٥٦٥)، (٧٣٩٩)، ومسلم رقم (١٨/ ١٩٦٦)، وأبو داود رقم (٢٧٩٤)، والترمذي رقم (١٤٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٢٠)، وأبو يعلى رقم (٢٨٥٩) و(٢٨٧٧) و(٣١١٨) و(٣١٦٦) و(٣٢٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥٩ و٢٨٣ و٢٨٥)، وفي \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٩ رقم ١٨٨٧٤)، وأحمد (٣/ ١٧٠ و٢١١ و٢١٤ و٢٥٨)، والطيالسي رقم (١٩٦٨)، وعبد الرزاق رقم (٨١٢٩) من طرق عن قتادة، به.\n• وأخرجه البخاري رقم (١٥٥١)، (١٧١٢)، (١٧١٤)، (٥٥٥٤)، وأبو داود رقم (٢٧٩٣)، والنسائي (٧/ ٢٢٠)، وأبو يعلى رقم (٢٨٠٦) و(٢٨٠٧)، وأحمد (٣/ ٢٨٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣ و٢٧٠) من طريق أبي قلابة، عن أنس.","vol":"7","page":324},{"text":"ويسمِّي ويكبرُ ويضعُ رجلَه على صفاحِهما) بالمهملتينِ، الأولى مكسورةٌ.\nفي \"النهايةِ\" صفحةُ كلِّ شيءٍ وجهُه وجانبُه، (وفي لفظٍ: ذبَحَهُما بيدِه. وفي لفظٍ: سمينينِ. ولأبي عُوانةَ في صحيحهِ) أي عنْ أنسٍ - ﵁ - (ثمينين بالمثلثةِ بدلَ السينِ) هذا مدرَجٌ منْ كلامِ أحدِ الرواةِ أو من كلام أبي عوانةَ أوْ من كلام المصنفُ [وهو الظاهر] (^١)، (وفي لفظٍ لمسلمٍ) [عن] (^٢) أنسٍ: (ويقولُ: بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ) الكبشُ هوَ الثنيُّ إذا خرجتْ رَباعيَّتُه، والأملحُ الأبيضُ الخالصُ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه شيءٌ منْ سوادٍ، وقيلَ: الذي يخالطُ بياضَه حمرةٌ، وقيلَ: هوَ الذي فيهِ بياضٌ وسوادٌ والبياضُ أكثرُ، والأقرنُ هوَ الذي لهُ قرنانِ.\nواستحبَّ العلماءُ التضحيةِ بالأقرنِ لهذا الحديثِ، وأجازوه بالأجمِّ الذي لا قَرْنَ لهُ أصْلًا. واختلفُوا في مكسور القرنِ فأجازهُ الجمهورُ، وعندَ الهادويةِ لا يُجْزِئُ إذا كانَ القرنُ الذاهبُ مما تحلُّه الحياةُ.\nواتفقُوا على استحبابِ الأملحِ، قالَ النوويُّ (^٣): إنَّ أفضَلَها عندَ أصحابه البيضاءُ، ثمَّ الصفراءُ، ثمَّ الغبراءُ وهيَ التي لا يصفُو بياضُها، ثمَّ البلقاءُ وهيَ التي بعضُها أسودُ وبعضُها أبيضُ، ثمَّ السوداءُ، وأما حديثُ عائشةَ - ﵂ -: (يطأُ في سوادٍ، [ويبركُ] (^٤) في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ)، فمعناهُ أن قوائمَهُ وبطْنَه وما حولَ عينيهِ أسودُ.\nقلتُ: إذا كانتِ الأفضليةُ في اللونِ مستندةً إلى ما ضحَّى بهِ - ﷺ -، فالظاهرُ أنهُ لم يتطلبْ لونًا معيَّنًا حتَّى يُحْكَمَ بأنهُ الأفضلُ، بلْ ضحَّى بما اتفقَ لهُ - ﷺ - وتيسَّرَ حصولُه فلا يدلُّ على أفضليةِ لونٍ منَ الألوانِ.\nوقولُه: (ويسمِّي ويكبِّرُ)، فسَّرهُ لفظُ مسلم (^٥) بأنهُ: \"بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ\"، أما التسميةُ فتقدَّمَ الكلامُ فيها، وأما التكبيرُ فكأنهُ خاص بالتضحيةِ والهدْي لقولِه تعالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (^٦)، وأما وضْعُ رجلِه - ﷺ - على صفحةِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (ب): \"من\".\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (١٣/ ١٢٠).\n(^٤) في (أ): \"ويترك\".\n(^٥) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٥٧ رقم … / ١٩٦٦).\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"7","page":325},{"text":"العُنُقِ وهيَ جانِبُه، فلتكون أثبتَ لهُ وأمكَنَ لئلَّا تَضْطَرِبَ الضحيةُ. ودلَّ هوَ وما بعدَه أنهُ يتولى الذبحَ بنفسهِ ندْبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1351>يستحب إضجاع الغنم على الجنب الأيسر ثم الدعاء بقبولها</span>\n٢/ ١٢٦٧ - وَلَهُ (^١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ -: أَمَرَ بِكَبْشِ أَقْرَنَ، يَطَأُ في سَوَادِ، ويَبْرُكُ في سَوَادِ، وَيَنْظُرُ في سَوَادِ، فَأُتِيَ بِهِ ليُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: \"يَا عَائَشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اشْحَذِيهَا بِحَجَر\" فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أخَذَهَا، وَأَخَذَهُ، فَأضْجَعَه، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"بِسْمِ اللهِ، اللَّهُم تَقَبلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وآل مُحَمدِ، وَمِنْ أُمةِ مُحَمدٍ\"، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. [صحيح]\n[(ولهُ من حديثِ) أي] (^٢) ولمسلمٍ من حديثِ (عائشةَ - ﵂ -: أمرَ بكبشٍ أقرنَ يطأُ في سوادٍ ويبركُ في سوادٍ وينظرُ في سوادٍ ليضحي بهِ، فقالَ: اشحذي المُدْيَةَ) تقدَّم ضبطُها وهوَ بمعنَى وليحدَّ أحدُكم شفرتَه (ثمَّ أخذَها) أي المديةَ (فأضجَعَهُ) أي الكبشَ (ثمَّ ذبحَه وقالَ: بسمِ اللهِ اللهمَّ تقبلْ منْ محمدٍ والِ محمدٍ وأمةِ محمدٍ ثمَّ ضحَّى بهِ).\nفيهِ دليل على أنهُ يستحبُّ إضجاعُ [الضحية من] (^٣) الغنمِ، ولا تذبحُ قائمةَ ولا بارِكةَ لأنهُ أرفقُ بها وعليهِ أجمعَ المسلمونَ. ويكونُ الإضجاعُ على جانِبها الأيسرِ لأنهُ أيسرُ للذابحِ في أخذِ السكينِ باليمنَى وإمساكِ رأسِها باليسارِ.\nوفيهِ أنهُ يستحبُّ الدعاءُ بقَبولِ الأضحيةِ وغيرها منَ الأعمالِ، وقدْ قالَ الخليلُ والذبيحُ - ﵇ - عند عمارةِ البيتِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ (^٤).\nوقدْ أخرجَ ابنُ ماجهْ (^٥) أنهُ - ﷺ - قالَ عندَ التضحيةِ وتوجيهِهَا\n_________\n(^١) أي لمسلم (١٩٦٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٧٩٢)، وأحمد (٦/ ٧٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٧ و٢٨٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٥٩١٥).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٢٧.\n(^٥) في \"السنن\" (٣١٢١). =","vol":"7","page":326},{"text":"القبلةَ (^١)؛ ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ - إلى - وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ اللهم تقبَّل من محمد وآله، ودلَّ قولُه: (وآلِ محمدٍ) [وفي (لفظٍ عنْ محمدٍ وآلِ محمدٍ)] (^٢) أنهُ تجزئُ التضحيةُ منَ الرجلِ عنه وعنْ أهلِ بيتِه ويشركهُم في ثوابها، ودل أنهُ يصحُّ نيابةُ المكلَّفِ عنْ غيرهِ في فعلِ الطاعاتِ وإنْ لم يكنْ منَ الغيرِ أمرٌ ولا وصيةٌ فيصحُّ أنْ يجعلَ ثوابَ عملِه لغيرِه من صلاةٍ كانتْ وغيرها، وقدْ تقَّدمَ ذلكَ في الجنائز، ويدل لهُ ما أخرجَهُ الدارقطنيُّ منْ حديثِ جابرٍ: أن رجلًا قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنهُ كانَ لي أبوانِ أبرُّهما في حالِ حياتِهما فكيفَ لي ببرِّهما بعدَ موتِهما؟ فقالَ - ﷺ -: \"إنَّ منَ البرِّ بعدَ البرِّ أنْ تصليَ لهما معَ صلاتِكَ، وأنْ تصومَ لهما معَ صيامِكَ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1352>ما حكم الأضحية</span>\n٣/ ١٢٦٨ - وَعَنْ أَبي هرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤) وَابْنُ مَاجَهْ (^٥)، وَصَححَهُ\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود (٢٧٩٥)، والدارمي (٢/ ٧٥ - ٧٦)، وأحمد (٣/ ٢٧٥) من طريق أبي عياش عن جابر.\nوأبو عياش هذا، هو المعافري ولم يوثقه أحد. وأشار الحافظ في \"التقريب\" إلى تليين حديثه.\nووقع في طريق ابن ماجه وحده أنه الزرقي، وهذا آخر، لكن السند بذلك ضعيف. لأن فيه إسماعيل بن عياش وهو ضعيف غير روايته عن الشاميين وهذه منها.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^١) قال الشوكاني في \"السيل الجرار\" (٤/ ٦٩) عند قول صاحب الأزهار: \"ونُدب الاستقبال\". \"أقول: ليس على هذا دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس، وما قيل من أن القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية فليس بصحيح لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه، بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع، والندب حكم من أحكام الشرع، فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة\" اهـ.\nوانظر: \"الروضة الندية\" لصدِّيق حسن خان (٢/ ٤٠٥) بتحقيقنا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) وهو حديث ضعيف، تكلَّمت عليه في تخريج أحاديث \"حاشية ابن عابدين\".\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٣٢١).\n(^٥) في \"السنن\" (٢/ ١٠٤٤ رقم ٣١٢٣).","vol":"7","page":327},{"text":"الْحَاكِمُ (^١)، وَرَجَّحَ الأَئِمَّةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ. [حسن]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: مَنْ كانَ لهُ سعةٌ ولم يضحِّ فلا يقربنَّ مصلَّانا. رواة أحمدُ وابن ماجهْ وصحَّحَه الحاكمُ ورجَّحَ الأئمة غيرُه) أي غيرَ الحاكمِ (وقْفَه). وقدِ استُدِلَّ بهِ على وجوبِ التضحيةِ علَى مَنْ كانَ لهُ سعةٌ، لأنهُ لما نَهَى عنْ قربانِ المصلَّى دلَّ علَى أنهُ تركَ واجبًا، كأنهُ يقولُ لا فائدةَ في الصلاةِ معَ تركِ هذا الواجبِ، وبقوله تعالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (^٢)، وبحديث مِحْنَفِ بن سليمٍ مرفُوعًا: \"على أهلِ كلِّ بيتٍ في كلّ عامٍ أضحيةٌ\" (^٣)، دلَّ لفظُه على الوجوبِ. والوجوبُ قولُ أبي حنيفةَ فإنهُ أوجَبَها على المعدَمِ والموسِرِ، وقيلَ: لا تجبُ، والحديثُ الأولُ موقوفٌ فلا حجةَ فيهِ، والثاني ضُعِّفَ بأبي رملةَ، قالَ الخطابيُّ (^٤): إنهُ مجهولٌ والآيةُ محتملةٌ، فقدْ فُسِّرَ قولُه: (وانحْر) بوضعِ الكفِّ على النحرِ في الصلاةِ، أخرجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ شاهينَ في سننهِ وابنُ مردويهْ والبيهقيُّ عن ابن عباسٍ (^٥)، وفيهِ رواياتٌ عن الصحابةِ مثلُ ذلكَ (^٦)، ولوْ سلمَ فهيَ دالةٌ على أن النحرَ بعدَ الصلاةِ، فهيَ تعيينٌ لوقتِه لا\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨٩) ووافقه الذهبي. قلت: ولكن عبد اللهِ بن عياش وهو القِتْباني فيه كلام من قبل حفظه. وقال الحافظ في \"التقريب\" (١/ ٤٣٩): \"صدوق يغلط، أخرج له مسلم في الشواهد\".\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٣): \"رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره\".\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، وانظر كلام المحدث الألباني في \"تخريج أحاديث مشكلة الفقر\" رقم (١٠٢).\n(^٢) سورة الكوثر: الآية ٢.\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢١٥)، وأبو داود (٢٧٨٨)، والنسائي (٤٢٢٤)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والترمذي (١٥١٨) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: في إسناده أبو رملة واسمه عامر، قال ابن حجر في \"التقريب\" (١/ ٣٩٠): \"عامر أبو رملة، شيخ لابن عون، لا يعرف من الثالثة\"، وقال الخطابي: \"مجهول\"، ومع هذا فقد حسَّنه المحدث الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٥٣٣).\n(^٤) في \"معالم السنن\" (٣/ ٢٢٦ - هامش السنن\".\n(^٥) عزاه إليهم السيوطي في \"الدُّر المنثور\" (٨/ ٦٥٠ - ٦٥١).\n(^٦) انظر: في \"الدُّر المنثور\" (٨/ ٦٥٠ - ٦٥٢).","vol":"7","page":328},{"text":"لوجوبِه، كأنهُ يقولُ إذا نحرتَ فبعدَ صلاةِ العيدِ، فإنهُ قدْ أخرجَ ابنُ جرير (^١) عنْ أنسٍ: \"كانَ النبيُّ - ﷺ - ينحر قبلَ أنْ يصلي فأُمرَ أنْ يصلي ثمَّ ينحرَ\".\nولضعفِ أدلةِ الوجوبِ ذهبَ الجمهورُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والفقهاءِ إلى أنها سنةٌ مؤكدةٌ، بلْ قالَ ابنُ حزمٍ (^٢): لا يصحَّ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ أنَّها واجبةٌ.\nوقدْ أخرجَ مسلمٌ (^٣) وغيرُه منْ حديثِ أمِّ سلمةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا دخلتِ العشرُ فأرادَ أحدُكم أنْ يضحيَ فلا يأخذْ منْ شعرهِ ولا بَشَرهِ شيئًا\"، قالَ الشافعيُّ (^٤): إنَّ قولَه: (فأرادَ أحدُكم) يدل على عدم الوجوبِ، ولما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٥) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرو: \"أن رجلَّا أَتَى النبيَّ - ﷺ -، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: أمرتُ بيومِ الأضحَى عيدًا جعلَه الله تعالى لهذِه الأمةِ، فقالَ: الرجلُ: فإنْ لم أجدْ إلَّا منيحة أنثَى أو شاة أهلي ومنيحتهم أذبُحها؟ قالَ: لا - الحديثَ\"، وبما أخرجَه البيهقيُّ (^٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"ثلاثُ هنَّ عليَّ فرْضٌ ولكمْ تطوعٌ، وعدَّ منْها الضحيةَ\".\n_________\n(^١) في \"جامع البيان\" (١٥/ ج ٣٠/ ٣٢٦).\n(^٢) في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٨). ثم قال: \"وصحَّ أن الأضحية ليست واجبة عن سعيد بن المسيب، والشعبي وأنه قال: لأن أتصدق بثلاثة دراهم أحبَّ إليَّ من أن أضحي، وعن سعيد بن جبير، وعن عطاء، وعن الحسن، وعن طاوس، وعن أبي الشعثاء جابر بن زيد، وروى أيضًا عن علقمة، ومحمد بن علي بن الحسين، وهو قول سفيان، وعبيد اللهِ بن الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبي سليمان: وهذا مما خالف فيه الحنفيون جمهور العلماء\".\n(^٣) في \"صحيحه\" (٤١/ ١٩٧٧).\n(^٤) انظر: \"المجموع\" للنووي (٨/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ٢٢٧ رقم ٢٧٨٩)، والنسائي (٧/ ٢١٢ رقم ٤٣٦٥) وفي إسناده عيسى بن هلال الصدفي، ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١/ ٢٩٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وهذا المسكوت عنه يعتبر مجهولًا. وإن ذكره ابن حبان في \"الثقات\" لأنه يوثق المجاهيل.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللَّهُ أعلم.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٤). قال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\": \"في سنده أبو خباب يحيى بن أبي يحيى الكلبي سكت عنه البيهقي هنا، وضعفه فيما مضى - في باب: =","vol":"7","page":329},{"text":"وأخرجَهُ أيضًا (^١) منْ طريقٍ أخرى بلفظِ: \"كُتِبَ عليَّ النحرُ ولم يُكْتَبْ عليكمْ\"، وبما أخرجَه أيضًا (^٢) منْ أنهُ - ﷺ - لما ضحَّى قالَ: \"بسمِ اللهِ واللَّهُ أكبرُ، اللهمَّ عنِّي وعمنْ لم يضحِّ منْ أمتي\".\nوأفعالُ الصحابة دالةٌ على عدمِ الإيجابِ، فأخرجَ البيهقيُّ (^٣) عنْ أبي بكرٍ وعمرَ - ﵄ - أنَّهما كانا لا يضحيان خشية أن يُقتدى بهما، وأخرج (^٤) عن ابن عباس أنه كان إذا حضرَ الأضحَى أعطَى مولًى لهُ درهمينِ فقالَ: اشترِ بهما لحمًا وأخبرْ الناسَ أنهُ ضحَّى ابنُ عباسٍ، ورُوِيَ أن بلالًا ضحَّى بديك، ومثلُهُ رُوِيَ عنْ أبي هريرةَ، والرواياتُ عن الصحابةِ في هذا المعنَى كثيرةٌ دالةٌ على أنَّها سُنَّةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1353>وقت الأضحية</span>\n٤/ ١٢٦٩ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ - ﵁ - قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحى مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَضى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، ومَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n_________\n= لا فرض أكثر من الخمس - وفي كتاب الضعفاء لابن الجوزي: كان يحيى القطان يقول: لا أستحل أن أروي عنه. وقال عمرو بن علي متروك الحديث، … \".\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٤).\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٤) قال ابن التركماني في \"الجوهر النقي\": \"فيه أشياء أحدها: أن المطلب لم يسمع من جابر كذا قال أبو حاتم. وذكر الترمذي هذا الحديث ثم قال: غريب. ويقال أن المطلب لم يسمِع من جابر، وفي موضع آخر من كتاب الترمذي قال محمد: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من الصحابة … قال محمد بن سعيد: لا يحتج بحديث المطلب لأنه يرسل عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وليس له لقاء. الثاني: أن مولى المطلب قال فيه ابن معين: ليس بالقوي وليس بحجة. الثالث: إن هذا الحديث متروك عند الشافعية … \" اهـ.\n(^٣) و(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٥)، وإسناد (٣) صحيح.\n(^٥) البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١/ ١٩٦٠).\nقلت: وأخرجه النسائي (٤٣٦٨)، وابن ماجه (٣١٥٢).","vol":"7","page":330},{"text":"(وعنْ جندبِ بن سفيانَ) (^١) هوَ أبو عبدِ اللهِ جندبُ بنُ سفيانَ البجلي العلقي الأحمسيِّ، كانَ بالكوفةِ ثمَّ انتقلَ إلى البصرةِ، ثمَّ خرجَ منْها، وماتَ في فتنةِ ابن الزبيرِ بعدَ أربعِ سنينَ (قالَ: شهدت الأضْحَى معَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فلما قضَى صلاتَهُ بالناسِ نظرَ إلى غنمٍ قدْ ذبحتْ فقالَ: مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ فليذبحْ شاةً مكانَها، ومَنْ لم يكنْ ذبحَ فليذبحْ على اسمِ اللهِ. متفقٌ عليه).\nفيهِ دليلٌ على أن وقتَ التضحيةِ منْ بعدِ صلاةِ العيدِ فلا تجزئُ قبلَه، والمرادُ صلاةُ المصلِّي نفسه، ويحتملُ أنْ يرادَ صلاةُ الإمامِ، وأنَّ اللامَ للعهدِ في قولِه الصلاةِ يرادُ بهِ المذكورةَ قبلَها وهي صلاتُه - ﷺ -، وإليهِ ذهبَ مالكٌ فقالَ: لا يجوزُ قبلَ صلاةِ الإمامِ وخطبتِه وذبحِهِ.\nودليلُ اعتبارِ ذبحِ الإمامِ ما رواهُ الطحاويُّ (^٢) منْ حديثِ جابرٍ أن النبيَّ - ﷺ - \"صلَّى يومَ النحرِ بالمدينةِ فتقدَّمَ رجالٌ [ونحروا] (^٣) وظنُّوا أن النبيَّ - ﷺ - قد نحرَ، فأمرهُم أن يعيدُوا\".\nوأجيبَ بأنَّ المرادَ زجُرُهم عن التعجيلِ الذي يؤدي إلى فعلِها قبلَ الوقتِ، ولذَا لم يأتِ في الأحاديثِ إلا تقييدُها بالصلاة. وقالَ أحمدُ مثلَ قولِ مالكٍ ولم يشترطْ ذبحَه، ونحوُهُ عن الحسنِ والأوزاعيِّ وإسحقَ بن راهويةْ، وقالَ الشافعيُّ وداودُ: وقتُها إذا طلعتِ الشمسُ ومضَى قدْرُ صلاةِ العيدِ وخطبتينِ وإنْ لم يصلِّ الإمامُ ولا المضحِّي، قالَ القرطبيُّ: ظواهرُ الحديثِ تدلُّ على تعليقِ الذبحِ بالصلاةِ، لكنْ لما رأَى الشافعيُّ أن مَنْ لا صلاةَ عليهِ مخاطبٌ بالتضحيةِ حملَ الصلاةَ على وقتِها.\nوقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هذا اللفظُ أظهرُ في اعتبارِ الصلاةِ، وهوَ قولُه في روايةٍ: (مَنْ ذبحَ قبلَ أنْ يصلِّيَ فليذبحْ مكانَها أُخْرَى) قالَ: لكنْ إنْ أجريْنَاهُ على ظاهرهِ اقتضَى أنَّها لا تجزئُ [الأضحيةُ] (^٤) في حقِّ مَنْ لمْ يصلِّ العيدَ، فإنْ ذهبَ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الوافي بالوفيات\" (١١/ ٩٣١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٣/ ١٧٤)، \"الإصابة\" رقم (١٢٢٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (٣٤٤)، و\"أسد الغابة\" رقم (٨٠٤).\n(^٢) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٧١).\n(^٣) في (ب): \"فنحروا\".\n(^٤) في (أ): \"التضحية\".","vol":"7","page":331},{"text":"إليهِ أحدٌ فهوَ أسعدُ الناسِ بظاهرِ [هذا] (^١) الحديثِ وإلَّا وجبَ الخروجُ عنْ هذَا الظاهرِ في هذهِ الصورةِ ويبقَى ما عداهَا في محلِّ البحثِ.\nوقدْ أخرجَ الطحاويُّ (^٢) من حديثِ جابرٍ: \"أن رجلًا ذبحَ قبلَ أنْ يصلِّي رسولُ اللهِ - ﷺ -، فنَهى أنْ يذبحَ أحدٌ قبلَ الصلاةِ\"، صحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ (^٣)، وقدْ عرفتَ الأقْوى دليلًا منْ هذهِ الأقوالِ، وهذا الكلامُ في ابتداءِ وقتِ التضحيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1354>آخر وقت الأضحية</span>\nوأما انتهاؤُه فأقوالٌ: [فعندَ] (^٤) الهادويةِ العاشرُ [من يوم الحجة] (^٥) ويومانِ بعدَه وبهِ قالَ مالكٌ وأحمدُ، وعندَ الشافعيِّ أن أيامَ الأضْحَى أربعةٌ: يومُ النحرِ وثلاثةٌ بعدَه. وعندَ داودَ وجماعةٍ منَ التابعينَ يومَ النحرِ فقطْ إلَّا في مِنًى فيجوزُ في الثلاثةِ الأيامِ، وعندَ جماعةٍ أنهُ إلى آخرِ يومٍ منْ شهرِ الحجَّةِ، قالَ في \"نهايةِ المجتهدِ\" (^٦): سببُ [اختلافِهم] (^٧) شيئانِ: أحدُهما الاختلافُ في الأيامِ المعلوماتِ ما هيَ في قولِه تعالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (^٨) الآية، فقيلَ يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه وهوَ المشهورُ، وقيلَ: العشرُ الأُوَلُ منْ ذي الحجَّةِ.\nوالسببُ الثاني معارضةُ دليلِ الخطابِ في هذه الآيةِ بحديثِ جبيرِ بن مطعمٍ (^٩) مرفُوعًا أنهُ - ﷺ - قالَ: \"كلُّ فِجَاجِ مكةَ منحَرٌ وكلُّ أيامِ التشريقِ ذَبْحٌ\"، فمن\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٧٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٣/ ٢٣٠ رقم ٥٩٠٩).\nقلت: وأخرجه أبو يعلى رقم (١٧٧٩)، وأحمد (٣/ ٣٦٤). وهو حديث صحيح.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى: ورجالهما رجال الصحيح.\n(^٤) في (أ): \"عند\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٨) بتحقيقنا.\n(^٧) في (أ): \"الخلاف\".\n(^٨) سورة الحج: الآية ٢٨.\n(^٩) وهو حديث حسن.\nأخرجه أحمد (٤/ ٨٢)، والبزار (٢/ ٢٧ رقم ١١٢٦ - كشف)، وابن حبان رقم (١٠٠٨ - موارد)، والطبراني في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٢٥١). وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" ورجاله موثقون\".\nوأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٣٩).","vol":"7","page":332},{"text":"قالَ في الأيامِ المعلوماتِ إنَّها يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه في هذهِ الآيةِ رجَّحَ دليلَ الخطابِ فيها على الحديثِ المذكورِ وقالَ: لا نحرَ إلا في هذه الأيامِ، ومنْ رأَى الجمعَ بينَ الحديث والآيةِ قالَ: لا معارضةَ بينَهما إذ الحديثُ اقتضَى حكْمًا زائدًا على ما في الآيةِ معَ أن الآيةَ ليسَ المقصودُ فيها تحديدَ أيامِ النحرِ، والحديثُ المقصودُ منهُ [التحديد] (^١) قالَ بجواز الذبحِ في اليومِ الرابعِ إذا كانَ منْ أيامِ التشريقِ باتفاقٍ، ولا خلافِ بينَهم أن [الأيامَ] (^٢) المعدوداتِ هي أيامُ التشريقِ وأنَّها ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ إلَّا ما يُرْوَى عنْ سعيدِ بن جبيرٍ أنهُ قالَ: يومُ النحرِ من أيام التشريقِ. وإنَّما اختلفُوا في الأيامِ المعلوماتِ على القولينِ.\nوأما مَنْ قالَ يومُ النحرِ فقطْ فبناهُ على أن المعلوماتِ العشرُ الأُوَلُ، قالُوا: وإذا كانَ الإجماعُ قدِ انعقدَ على أنهُ لا يجوزُ الذبحُ هنا إلا في اليومِ العاشرِ وهي محلُّ الذبحِ المنصوصِ عليهِ فوجبَ أنْ لا يكونَ إلا يومُ النحرِ فقطْ، انتَهى.\nفائدةٌ: في \"النهاية\" (^٣) أيضًا ذهبَ مالكٌ في المشهورِ عنهُ إلى أنهُ لا يجوزُ التضحيةُ ليالي أيامِ النحرِ، وذهبَ غيرُه إلى جوازِ ذلكَ. وسببُ الاختلافِ هوَ أن اليومَ يطلقُ على اليومِ والليلةِ نحوَ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (^٤)، ويطلقُ على النهارِ فقط دونَ الليلِ نحوَ: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (^٥)، فعطفَ الأيامَ علَى اللَّيالي والعطفُ يقتضي المغايرةَ، [ولكنْ] (^٦) بقيَ النظرُ في أيُّهما أظهرُ، والمحتجُّ بالمغايرةِ في أنهُ لا يصحُّ بالليلِ عملٌ بمفهومِ اللقبِ ولم يقلْ بهِ إلَّا الدقَّاقُ، إلا أنْ يقالَ دلَّ الدليلُ أنهُ يجوزُ في النهارِ والأصلُ في الذبحِ الحظْرُ فيبقى الليلُ على الحظْرِ والدليلُ على مجوزه في الليلِ اهـ.\nقلتُ: لا حظْرَ في الذبحِ، بلْ قدْ أباحَ اللهُ ذبحَ الحيوان في أيِّ وقتٍ، وإنما كان الحظْرُ عقلًا قبلَ إباحةِ اللهِ تعالَى [ذلك] (^٧).\n_________\n(^١) في (ب): \"ذلك\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) أي \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٤٤٨).\n(^٤) سورة هود: الآية ٦٥.\n(^٥) سورة الحاقة: الآية ٧.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"7","page":333},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1355>عيوب الأضحية</span>\n٥/ ١٢٧٠ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبَ - ﵁ - قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: \"أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلْعُهَا، وَالْكسير الَّتي لَا تُنْقِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَححَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبّانَ (^٣). [صحيح]\n(وعنِ البراءِ بن عازبٍ - ﵁ - قالَ: قامَ فينا رسول اللهِ - ﷺ - فقالَ: أربعٌ لا تجوزُ في الضَّحَايا: العوراءُ البيِّن عورُها، والمريضةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّنُ ضلْعُها، والكسير التي لا تُنْقي) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ وإسكانِ النونِ وكسرِ القافِ، أي التي لا نِقْيَ لها، بكسرِ النونِ وإسكانِ القاف، وهوَ المخُّ.\n(رواهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَهُ الترمذيُّ وابن حِبَّانَ) وصحَّحَهُ الحاكمُ (^٤) وقالَ: علَى شرطِهِمَا، وصوَّبَ كلامَهُ المصنفُ وقالَ: لم يخرجْه البخاريُّ ومسلمٌ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ٢٨٤ و٢٨٩، ٣٠٠ - ٣٠١).\n(^٢) أبو داود (٣/ ٢٣٥ رقم ٢٨٠٢)، والترمذي (٤/ ٨٥ رقم ١٤٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٤ - ٢١٥)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥٠ رقم ٣١٤٤).\n(^٣) رقم (١٠٤٦ - موارد).\nقلت: وأخرجه الدارمي (٢/ ٧٦ - ٧٧)، والطيالسي (١/ ٢٣٠ رقم ٢٠١٠ - منحة المعبود)، وابن خزيمة (٤/ ٢٩٢ رقم ٢٩١٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٨)، والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨)، والبيهقي (٥/ ٢٤٢) و(٩/ ٢٧٤) من طريق شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز عن البراء به.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: حديث صحيح ولم يخرجاه، لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن، وقد أظهر عليٌّ بن المديني فضائله، وإتقانه، ووافقه الذهبي.\nقلت: سليمان بن عبد الرحمن بن عيسى ثقة، كما قال ابن معين، وأبو حاتم،\nوالنسائي، والعجلي. وقال ابن المديني في \"العلل\": لم يسمع من عبيد بن فيروز.\nقلت: وقد صرَّح سليمان بسماعه من عبيد في رواية شعبة.\nولذلك قال أحمد: ما أحسن حديثه في الضحايا. [انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (٤/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٣٥٥)].\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٤٦٧ - ٤٦٧).","vol":"7","page":334},{"text":"في صحيحَيْهِما ولكنَّه صحيحٌ أخرجَهُ أصحابُ السننِ بأسانيدَ صحيحةٍ، وحسَّنهُ أحمدُ بنُ حنبلٍ (^١) فقالَ: ما أحسنَه منْ حديثٍ، وقالَ الترمذيُّ: حسن صحيحٌ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن هذهِ الأربعةَ العيوب مانعةٌ منْ صِحَّةِ التضحيةِ وسكتَ عنْ غيرِهَا منَ العيوب، فذهبَ أهلُ الظاهرِ (^٢) إلى أنهُ لا عيبَ [غيرُ هذهِ الأربعةِ] (^٣) وذهب الجمهورُ إلى أنهُ يقاسُ عليها غيرُها مما كانَ أشدَّ منْها أوْ مساويًا لها كالعمياءِ ومقطوعةِ الساقِ.\nوقولُه: (البيِّنُ عووُها) قالَ في \"البحرِ\" (^٤): إنهُ يُعْفَى عما كانَ الذاهبُ الثلثَ فما دونَ وكذا في العرج. قالَ الشافعيُّ: العرجاءُ إذا تأخرتْ عن الغنمِ [لأجلِ العرج] (^٥) فهوَ بيِّنٌ. وقولُه: (ضلعُها) أي اعوجاجُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1356>يستحب في الأضحية المسنَّة</span>\n٦/ ١٢٧١ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَذْبَحُوا إِلا مُسِنَّة، إِلا إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأنِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٦). [ضعيف]\n(وعنِ جابرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللهِ - ﷺ -: لا تذبحُوا إلا مسنةً إلَّا إنْ تعسَّر عليكمْ فتذبحُوا جذعةً منَ الضأْنِ. رواه مسلمٌ).\nالمسنَّةُ الثنيةُ منْ كلِّ شيءٍ منَ الإبلِ والبقرِ والغنمِ فما فوقَها كما قدَّمْنَا.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٨٢ - ١٨٣ رقم ٣٥٥).\n(^٢) انظر: \"المحلى\" لابن حزم (٧/ ٣٥٨ - ٣٦٠ رقم المسألة ٩٧٤).\n(^٣) في (أ): \"غيرها\".\n(^٤) (٤/ ٣١٢ و٣١٣).\n(^٥) في (ب): \"لأجله\".\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٣/ ١٩٦٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٧٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه رقم (٣١٤١)، وأحمد (٣/ ٣١٢، ٣٢٧)، والبيهقي (٩/ ٢٦٩)، وابن الجارود رقم (٩٠٤)، وابن خزيمة (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وأبو يعلى في \"المسند\" (٤/ ٢١٠ رقم ٢٣٢٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ٣٣٠) من طريق زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر.\nقلت: وفيه عنعنة أبي الزبير، وبها ضعفه المحدث الألباني في بحث له حول هذا الحديث في \"الضعيفة\" (١/ ٩١ - ٩٥)، فارجع إليه فإنه مفيد.","vol":"7","page":335},{"text":"والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجزئُ الجذعُ منَ الضأنِ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا عندَ تعسُّرِ المسنَّةِ، وقدْ نقلَ [القاضي] (^١) عياضٌ الإجماعَ على ذلكَ، ولكنَّه غيرُ صحيحٍ لما يأتي، وحُكِيَ عن ابن عمرَ والزُّهْريِّ أنهُ لا يجزئُ ولو معَ التعسُّرِ.\nوذهبَ كثيرونَ إلى إجزاءِ الجذعِ منَ الضأنِ مطلقًا، وحملُوا الحديثَ علَى الاستحباب بقرينةِ حديثِ أمِّ بلالٍ أنهُ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"ضحُّوا بالجذع منَ الضأنِ\"، أَخرجَهُ أحمدُ (^٢) وابنُ جريرٍ (^٣) والبيهقيُّ (^٤)، وأشارَ الترمذيُّ (^٥) إلى حديثِ: \"نعمتِ الأضحيةُ الجذْعُ منَ الضأنِ\"، ورَوَى ابنُ وهبٍ عنْ عقبةَ بن عامرٍ (^٦) بلفظٍ: \"ضحَّينا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالجذعِ منَ الضأنِ\".\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المسند\" (٦/ ٣٣٨).\n(^٣) لم أعثر عليه عند ابن جرير.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٧١).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٣١٣٩)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ٣٦٤) قال ابن حزم (٥/ ٣٦٥): \"أما حديث أم بلال فهو عن أم محمد بن أبي يحيى ولا ندري من هي عن أم بلال وهي مجهولة، ولا ندري لها صحبة أم لا\"، ووافقه الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ٨٩).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف …\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٨٧ رقم ١٤٩٩) وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٩/ ٢٧١)، وأحمد (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ٣٦٤)، وقال ابن حزم في \"المحلَّى\" (٥/ ٣٦٥): \"وطريق أبي هريرة الأولى أسقطها كلها وفضيحة الدهر لأنه عن عثمان بن واقد، وهو مجهول، عن كدام بن عبد الرحمن، ولا ندري من هو؟ وهنا جاء ما جاء أبو كباش وما أدراك ما أبو كباش ما شاء الله كان … \" اهـ.\nوقال الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ٨٧) موضحًا ومعقبًا على كلام ابن حزم: \"كأنه يتهم أبا كباش بهذا الحديث، وهو مجهول مثل الراوي عنه كدام. وقد صرَّح بذلك الحافظ في \"التقريب\". وللحديث علة أخرى وهي الوقف، فقال البيهقي عقبه: \"وبلغني عن أبي عيسى الترمذي قال: قال البخاري: رواه غير عثمان بن واقد عن أبي هريرة موقوفًا\".\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٦) أخرجه النسائي (٤٣٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٧٠) من طريق بكير بن الأشج عن معاذ بن عبد اللهِ بن حبيب عنه.\nقال الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ٨٩): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات، وإعلال ابن حزم - في \"المحلى\" (٧/ ٣٦٤) - له بقوله: \"ابن خبيب هذا مجهول\"، غير مقبول، فإن معاذًا =","vol":"7","page":336},{"text":"قلتُ: ويحتملُ أن ذلكَ كلَّه عندَ تعسُّرِ المسنَّة.\n٧/ ١٢٧٢ - وَعَنْ عَليٍّ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا ثَرْمَاءَ\". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^١) وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (^٣) وَالْحَاكِمُ (^٤). [حسن]\n(وعنْ عليٍّ - ﵁ - قالَ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ نستشرفَ العينَ والأذنَ) أي نشرفُ عليهما ونتأملهما لئلَّا يقعَ نقصٌ وعيبٌ (ولا نضحِّي بعوراءَ ولا مقابَلةٍ) بفتحِ الموحدةِ، ما قُطِعَ منْ طرفِ أذُنِها شيءٌ ثمَّ بقي معلَّقًا، (ولا مدابَرةٍ) والمدابرةُ بالدالِ المهملةِ وفتحِ الموحدةِ ما قُطِعَ منْ مؤخَّرِ أذنها شيءٌ وتُرِكَ معلَّقًا، (ولا خرقاءَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً والراءُ ساكنةٌ، المشقوقةُ الأذنينِ، (ولا ثَرْمَى) بالمثلثةِ فراءٍ وميمٍ وألفٍ مقصورةٍ (^٥) هي منَ الثَرمِ وهوَ سقوطُ الثنيةِ منَ الأسنانِ، وقيلَ: الثنيةُ والرَّباعيةُ، وقيلَ: هوَ أنْ تنقطعَ السنُّ منْ أصْلِها مطلقًا. وإنَّما نهَى عنْها لنقصانِ أَكْلِها قالَه في \"النهاية\" (^٦)، ووقعَ في نسخةِ الشرحِ شرقاء بالشين المعجمة والراء والقاف وعليها شرح الشارح، ولكن الذي في نسخ \"بلوغِ المرامِ\" الصحيحةِ الثرمَى كما ذكرنَاهُ.\n(أخرجه أحمدُ والأربعةُ وصحَّحة الترمذيُّ وابن حبانَ والحاكمُ).\nفيهِ دليلٌ على أنَّها تجزئُ الأضحيةُ بما ذكرَ وهوَ مذهبُ الهادويةِ، وقالَ\n_________\n= هذا وثقه ابن معين وأبو داود وابن حبان، وقال الدارقطني: \"ليس بذاك\"، ولهذا قال الحافظ في \"الفتح\" بعد أن عزاه للنسائي: \"سنده قوي\".\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، واللهُ أعلم.\n(^١) في \"المسند\" (٨٠، ١٠٨، ١٢٨، ١٤٩).\n(^٢) أبو داود (٣/ ٢٣٧) رقم (٢٨٠٤)، والنسائي (٧/ ٢١٧ رقم ٤٣٧٤)، والترمذي (١٤٩٨)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥٠ رقم ٣١٤٢).\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في صحيحه (١٣/ ٢٤٢ رقم ٥٩٢٠).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٢٤)، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٥)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٩)، وهو حديث حسن.\n(^٥) وتأتي بألف ممدودة بعدها همزة كما في حديث الباب.\n(^٦) (١/ ٢١٠).","vol":"7","page":337},{"text":"الإمامُ يحيى: تجزئُ وتكرهُ، وقوَّاهُ المهدي (^١)، وظاهرُ الحديثِ معَ الأولِ.\nووردَ النَّهيُ عن التضحيةِ بالمُصْفَرةِ بضمِّ الميم وإسكانِ الصادِ المهملةِ ففاءٍ مفتوحةٍ فراءٍ، أخرجَهُ أبو داودَ (^٢) والحاكمُ (^٣)، وهيَ المهزولةُ كما في \"النهايةِ\" (^٤)، وفي روايةٍ: المصفورةِ، وقيلَ: المستأصلَةُ الأذنِ.\nوأخرجَ أبو داودَ (^٥) منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ السُّلَميِّ أنهُ قالَ: \"إنَّما نَهَى رسولُ اللهِ - ﷺ - عن المصفَرةِ والمستأصَلَةِ والبخقَاء والمُشيَّعَةِ والكسراءِ\". فالمصفرةُ: هي التي تُستأصلُ أذنُها حتَّى يبدُو صماخُها، والمستأصَلَةُ: هي التي استؤْصِلَ قَرْنُها من أصْلِهِ، والبخقاء: التي تبخق عينُها (^٦)، والمشيَّعةُ: هي التي لا تتبعُ الغنمَ عجْفًا أو ضعفًا، والكسراءُ: الكسيرةُ. هذَا لفظُ أبي داودَ.\nوأما مقطوعُ الأَلْية والذنَب [فإنها تجزئُ] (^٧) لما أخرَجهُ أحمدُ (^٨) وابنُ ماجهْ (^٩) والبيهقيُّ (^١٠) منْ حديثِ أَبي سعيدٍ قالَ: \"اشتريتُ كبشًا لأضحِّيَ بهِ فعدَا الذئبُ فأخذَ منهُ الأليةَ، فسألتُ النبيَّ - ﷺ - فقالَ: ضحِّ بهِ\"، وفيهِ جابرُ الجعفيُّ (^١١)\n_________\n(^١) في \"البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار\" (٤/ ٣١٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٣/ ٢٣٦ رقم ٢٨٠٣).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٢٥) وقال: صحيح الإسناد. وسكت عليه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أحمد (١٣/ ٧٨ رقم ٦٨ - الفتح الرباني) والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣٣٠ - ٣٣١ رقم ٣٢٠٥) كلهم من حديث يزيد ذو مصر.\nقلت: ويزيد هذا لم يوثقه إلا ابن حبان، وفيه أبو حميد الرعيني مجهول.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) (٣/ ٣٦).\n(^٥) في \"السنن\" (٣/ ٢٣٦ رقم ٢٨٠٣) من حديث يزيد ذو مصر.\nوفي إسناده أبو حميد الرعيني، وهو مجهول، ويزيد ذو مصر لم يوثقه غير ابن حبان.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٦) قال في \"القاموس\": البخق محركة أقبح العور، وأكثره غمصًا، أو أن لا يلتقي شفر.\n(^٧) في (ب): \"فإنه لا يجزئُ\".\n(^٨) في \"المسند\" (٣/ ٧٨).\n(^٩) في \"السنن\" (٢/ ١٠٥١ رقم ٣١٤٦).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٨٩).\n(^١١) قال عنه النسائي: متروك، وقال البخاري: اتهم بالكذب. انظر: \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢١٠)، و\"المجروحين\" (١/ ٢٠٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧)، و\"الميزان\" (٢/ ٣٧٩).\nوهو حديث ضعيف.","vol":"7","page":338},{"text":"وشيخُه محمدُ بنُ قرطةَ مجهولٌ، إلَّا أن لهُ شاهدًا عندَ البيهقيِّ (^١)، واستدلَّ بهِ ابنُ تيميةَ في \"المنتقى\" (^٢) على أن العيبَ الحادثَ بعدَ تعيينِ الأضحيةِ لا يضرُّ، وذهبتِ الهادويةُ إلى عدمِ إجزاءِ مسلوبِ الأليةِ والذنب.\nوفي \"نهاية المجتهدِ\" (^٣) أنهُ وردَ في هذا البابِ منَ الأحاديثِ الحسانِ حديثانِ متعارضَانِ، فذكرَ النسائيُّ عنْ أبي بردةَ (^٤) أنهُ قالَ: \"يا رسولَ اللهِ أكرهُ النقصَ يكونُ في القرنِ والأذنِ، فقالَ النبيّ - ﷺ -: ما كرهتَه فدعْهُ ولا تحرِّمْهُ على غيرِكَ\"، ثمَّ ذكرَ حديثَ عليٍّ (^٥) - ﵁ -: \"أمرنا رسولُ اللهِ أن نستشرفَ العينَ الحديثَ\"، فمنْ رجَّحَ حديثَ أبي بُردةَ (٤) قالَ: لا تُتَّقَى إلَّا العيوبُ الأربعةُ وما هوَ أشدُّ منْها، ومَنْ جَمَعَ بينَ الحديثينِ حملَ حديثِ أبي بردةَ (٤) على العيبِ اليسيرِ الذي هوَ غيرُ بيِّن، وحديثُ عليٍّ على البيِّنِ الكثير.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٨٩).\n(^٢) (٢/ ٣٠٣).\n(^٣) \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨) بتحقيقنا.\n(^٤) قلت: هذا غلط فاحش، فليس الحديث لأبي بردة، بل هو للبراء بن عازب كما تقدم تخريجه رقم (٥/ ١٢٦٩) من كتابنا هذا.\nوكذلك ليس فيه، قلت: يا رسول اللهِ، بل فيه فقط: قلت، وواضح أن قائل \"قلت\": هو عبيد بن فيروز، والمجيب بقوله: ما كرهته فدعه، هو البراء بن عازب لا النبي - ﷺ -.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٢٨٠٤)، والنسائي (٧/ ٢١٦، ٢١٧)، والترمذي (١٤٩٨)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥٠ رقم ٣١٤٢)، والدارمي (٢/ ٧٧)، وأحمد (١/ ٨٠، ١٠٨، ١٢٨، ١٤٩)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٩)، والحاكم (٤/ ٢٢٤)، والبيهقي (٩/ ٢٧٥) من طرق عن أبي إسحاق، عن شريح عن علي قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\n• وروى الحاكم من طريق قيس بن الربيع قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح، قال: حدثني ابن أشوع عنه.\nقلت: وقيس بن الربيع وإن كان في حفظه مقال، فيستأنس بروايته هذه، لا سيما وأبو إسحاق السبيعي مدلس معروف، فيكون شيخه فيه هو ابن أشوع وهو ثقة لا بأس به.\n• وله طريق أخرى عن علي:\nأخرجه النسائي (٧/ ٢١٧)، والترمذي (٤/ ٩٠ رقم ١٥٠٣)، وابن ما جه (٢/ ١٠٥٠ رقم ٣١٤٣)، والدارمي (٢/ ٧٧)، وأحمد (١/ ١٠٥، ١٢٥، ١٥٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، والحاكم (٤/ ٢٢٥) من طريق سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي قال: سمعت عليًا يقول: \"أمرنا رسول اللهِ - ﷺ - أن نستشرف العين والأذن\". =","vol":"7","page":339},{"text":"فائدةٌ: أجمعَ العلماءُ على جوازِ التضحيةِ منْ جميعِ بهيمةِ الأنعام، وإنَّما اختلفُوا في الأفضلِ. والظاهرُ أن الغنَم في التضحية أفضلُ لفعلِه (^١) - ﷺ - وَأمْرِهِ (^٢)، وإنْ كانَ يحتملُ أن ذلكَ لأنَّها المتيسرةُ لهمْ، ثمَّ الإجماعُ أنهُ لا يجوزُ التضحيةُ بغيرِ بهيمةِ الأنعامِ (^٣) إلَّا ما حُكِيَ عن الحسنِ بن صالحِ [أنَّها تجوزُ] (^٤) التضحيةُ ببقرةِ الوحشِ عنْ عشرةٍ، والظبي عنْ واحدٍ (^٥)، وما رُوِيَ عنْ أسماءَ أنَّها قالتْ: ضحَّينا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - بالخيلِ، وما رُوِيَ عنْ أبي هريرةَ أنهُ ضحَّى بديكٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1357>لا يعطي الجزار من الأضحية</span>\n٨/ ١٢٧٣ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ - ﵁ - قَالَ: أَمَرَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ -\n_________\n= قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يحتجا بحجية بن عدي، وهو من كبار أصحاب أمير المؤمنين علي - ﵁ -، ووافقه الذهبي.\nقلت: وسنده صالح في المتابعات، وحجية بن عدي، يروي عن علي، روى عنه سلمة بن كهل، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٩٢)، ووثقه العجلي رقم (٢٦١).\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، واللهُ أعلم.\n(^١) كما في الحديث رقم (١/ ١٢٦٥) من كتابنا هذا.\n(^٢) يشير المؤلف - ﵀ - إلى الحديث الضعيف الذي أخرجه أبو داود (٣/ ٥٠٩ رقم ٣١٥٦)، والحاكم (٤/ ٢٢٨)، والبيهقي (٩/ ٢٧٣). من حديث عبادة بن الصامت. بلفظ: \"خيرُ الأضحية الكبش الأقرنُ\".\n• ومعلوم أن الحديث الضعيف لا تثبت بها الأحكام ولا فضائل الأعمال.\n(^٣) اتفق العلماء على أن الأضحية لا تصح إلا من نعم: إبل وبقر (ومنها الجاموس)، وغنم (ومنها المعز) بسائر أنواعها، فيشمل الذكر والأنثى، والخصي والفحل، فلا يجزئ غير النعم من بقر الوحش وغيره، والظباء وغيرها، لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه التضحية بغيرها، ولأن التضحية عبادة تتعلق بالحيوان فتختص بالنَّعَم كالزكاة.\n[انظر: \"البدائع\" (٥/ ٦٩)، و\"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣٥)، و\"مغني المحتاج\" (٤/ ٢٨٤)، و\"المغني\" (٨/ ٦١٩)].\n(^٤) في (أ): \"إنه يجوز\".\n(^٥) ذكر ذلك ابن رشد الحفيد في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٣٥) بتحقيقي.","vol":"7","page":340},{"text":"أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَن أُقَسِّمَ لُحُومَها وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطِيَ في جُزَارَتِهَا (^١) مِنْهَا شَيْئًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ كرم اللهُ وجهه قالَ: أمرني رسول اللهِ - ﷺ - أنْ أقومَ على بدنهِ وأنْ أقسمَ لحومَها وجلودَها وجلَالَها على المساكينِ ولا أعطي في جزارتِها منها شيئًا. متفقٌ عليه). هذا في بُدْنهِ - ﷺ - التي ساقَها في حجَّةِ الوداعِ وكانتْ معَ التي أَتَى بها عليٌّ - ﵁ - منَ اليمنِ مائةُ بدنةٍ نحرَها - ﷺ - يومَ النحرِ بمنَى، نحرَ بيدِهِ - ﷺ - ثلاثًا وستينَ ونحرَ بقيتَها عليٌّ - ﵁ -، وقدْ تقدَّم في كتابِ الحجِّ.\nوالبدنُ تُطْلَقُ لغةً على الإبلِ والبقرِ والغنمِ إلا أنَّها [ها هنا] (^٣) للإبلِ، وهكذَا استعمالُها في الأحاديثِ وفي كُتُبِ الفقهِ في الإبلِ خاصةً.\nودلَّ على أنهُ يتصدَّقُ بالجلودِ والجلالِ كما يتصدقُ باللحمِ، وأنهُ لا يعطي الجزَّارَ منْها شيئًا أجرةً لأنَّ ذلكَ في حكمِ البيعِ لاستحقاقِه الأجرةَ، وحكمُ الأضحيةِ حكمُ الهدي في أنهُ لا يباعُ لحمُها ولا جلدُها ولا يعطي الجزارَ منْها شيئًا، قالَ في \"نهاية المجتهدِ\" (^٤): العلماءُ متفقونَ فيما علمتَ أنهُ لا يجوزُ بيعُ لحمِها واختلفُوا في جلدِها وشعرِها مما ينتفعُ بهِ، فقالَ الجمهورُ: لا يجوزُ، وقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ بيعُه بغيرِ الدنانيرِ والدراهمِ يعني بالعروضِ، وقالَ عطاءٌ: يجوزُ بكلِّ شيءٍ دراهمَ وغيرِها. وإنَّما فرَّقَ أبو حنيفةَ بينَ الدراهمِ وغيرِها لأنهُ رأَى أن المعاوضةَ في العروضِ هيَ منْ بابِ الانتفاعِ فلإجماعِهم على أنهُ يجوزُ الانتفاعُ بهِ.\n_________\n(^١) قال ابن الأثير في \"النهاية\" (١/ ٢٦٧): \"الجُزَارة بالضم: ما يأخُذ الجَزَّار من الذبيحةِ عن أجرته؛ كالعُمَالةِ للعامِل. وأصل الجُزَارة: أطراف البعير: الرأسُ، واليدان، والرجلان، سميت بذلك لأنَّ الجزَّار كان يأخذها عن أجرته، فمنع أن يأخذ من الضحية جزاءً في مُقَابلةِ الأجرة\" اهـ.\n(^٢) البخاري (١٧١٦)، ومسلم (١٣١٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (١٧٦٩)، وابن ماجه رقم (٣٠٩٩).\n(^٣) في (ب): \"هنا\".\n(^٤) في \"بداية المجتهد ونهاية المقتصد\" (٢/ ٤٥١) بتحقيقنا.","vol":"7","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1358>إجزاء البدنة والبقرة عن سبعة</span>\n٩/ ١٢٧٤ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنِ جابرِ بن عبدِ اللهِ قالَ: نحرْنا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - عامَ الحديبيةِ البدَنَةَ عنْ سبعةٍ، والبقرةَ عنْ سبعةٍ. رواهُ مسلمٌ). دلَّ الحديثُ على جوازِ الاشتراكِ في البَدَنةِ والبقرةِ وأنَّهما يجزيانِ عنْ سبعةٍ وهذا في الهدْي ويقاسُ عليهِ الأضحيةُ، بلْ قدْ وردَ فيها نصٌّ، فأخرجَ الترمذيُّ (^٢) والنسائيُّ (^٣) منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: \"كُنَّا معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في السَّفرِ فحضرَ الأضْحَى فاشتركْنا في البقرةِ سبعةٌ وفي البعيرِ عشرةٌ\"، وقدْ صحَّ اشتراكُ أهلِ بيتٍ واحدٍ في ضحيّة واحدةٍ كما في حديثِ مخنفٍ (^٤).\nوإلى هذا ذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وحفيدُه أحمدُ بنُ عيسى والفريقانِ، قالَ النوويُّ (^٥) سواءٌ كانُوا مجتمعينَ أو متفرقينَ، مفترضينَ أوْ متطوعينَ، أو بعضُهم متقرِّبًا وبعضُهم طالبُ لحمٍ، وبهِ قالَ أحمدُ. وذهبَ مالكٌ إلى أنهُ لا يجوزُ الاشتراكُ في الهدْي إلَّا في هدْي التطوعِ، وهَدْيُ الإحصارِ عندي منْ هدي التطوعِ.\nواشترطتِ الهادويةُ في الاشتراكِ اتفاقَ الغرضِ، قالُوا: ولا يصحُّ معَ الاختلافِ لأنَّ الهديَ شيءٌ واحدٌ فلا يتبعضُ بأن يكونَ بعضُه واجبًا وبعضُه غيرُ واجبٍ وقالُوا: إنَّها تجزئُ البدنةُ عنْ عشرةٍ لما سلفَ منْ حديثِ ابن عباسٍ وقاسُوا الهدْيَ على الأضحيةِ وأُجيبَ بأنهُ لا قياسَ معَ النصِّ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٣٥٠/ ١٣١٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٢٨٠٩)، والترمذي (١٥٠٢)، وابن ماجه (٣١٣٢)، والبيهقي (٩/ ٢٩٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٧٤)، وأحمد (٣/ ٣٥٣، ٣٦٣)، ومالك (٢/ ٤٨٦ رقم ٩).\n(^٢) في \"السنن\" (١٥٠١) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"السنن\" (٧/ ٢٢٢).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٣١٣١) عنه، وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح.\n(^٤) تقدم تخريجه.\n(^٥) في \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٦٧).","vol":"7","page":342},{"text":"وادَّعى ابنُ رشدٍ (^١) الإجماعَ علَى أنهُ لا يجوزُ أنْ يُشْتَرطَ في النسكِ أكثرُ منْ سبعةٍ، قالَ: وإنْ كانَ رُوِيَ منْ حديثِ رافعِ بن خديجٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - عدلَ البعيرَ بعشرِ شياهٍ\"، أخرجَهُ في الصحيحين (^٢). ومنْ طريقِ ابن عباسٍ وغيرِهِ: \"البدنةُ عنْ عشرةٍ\" (^٣)، قالَ الطحاويُّ: وإجماعُهم دليلٌ على أن [الآثارَ] (^٤) في ذلكَ غيرُ صحيحةٍ (^٥) اهـ، ولا يخْفَى أنهُ لا إجماعَ معَ خلافِ مَنْ ذكرْنا، وكأنهُ لم يطَّلعْ على الخلاف] (^٦).\nواختلفُوا في الشاةِ، فقالت الهادويةُ تجزئُ عنْ ثلاثةٍ في الأضحيةِ، قالُوا: وذلكَ لما تقدَّمَ منْ تضحيةِ النبيِّ - ﷺ - بالكبشِ عنْ محمدٍ وآلِ محمدٍ، قالُوا: وظاهرُ الحديثِ أنَّها تجزئُ عنْ أكثرَ لكنَّ الإجماعَ قصَرَ الإجزاءَ [عن ثلاثة] (^٧).\nقلتُ: وهذا الإجماعُ الذي ادَّعَوْهُ يباينُ ما قالُه في \"نهاية المجتهدِ\" (^٨)، فإنهُ قالَ إنهُ وقعَ الإجماعُ على أن الشاةَ لا تجزئُ إلَّا عنْ واحدٍ. والحقُّ أنَّها تجزئُ الشاةُ عن الرَّجُلِ وعنْ أهلِ بيتِه لِفِعْلِهِ - ﷺ -، ولما أخرجَهُ مالكٌ في \"الموطأ\" (^٩) منْ حديثِ أبي أيوبِ الأنصاريِّ قالَ: \"كنَّا نضحِّي بالشاةِ الواحدةِ يذبحُها الرجلُ عنهُ وعنْ أهلِ بيتهِ ثمَّ تباهَى الناسُ بعدُ\".\nفائدةٌ: منَ السنَّةِ لمنْ أرادَ أنْ يضحِّيَ أنْ لا يأخذَ منْ شعرهِ ولا منْ أظفارهِ إذا دخلَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لما أخرجَهُ مسلمٌ (^١٠) منْ أربعِ طُرُقٍ منْ حديثِ أمِّ\n_________\n(^١) في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٤٤٣).\n(^٢) البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (٢١/ ١٩٦٨).\n(^٣) تقدم تخريجه في التعليقة أعلاه رقم (٢، ٣).\n(^٤) في (أ): \"الأثر\".\n(^٥) قلت: هذا خطأ، فالأحاديث صحيحة كما عرفت، وحكاية الإجماع باطلة.\n(^٦) في (ب): \"عليه\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) (٢/ ٤٤٢).\n(^٩) في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٦ رقم ١٠).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٥٠٥)، وابن ماجه (٣١٤٧)، والبيهقي (٩/ ٢٦٨). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nوصحَّحه الألباني في \"الإرواء\" (رقم: ١١٤٢).\n(^١٠) في \"صحيحه\" (٣/ ١٥٦٥ - ١٥٦٦ رقم ٣٩، ٤٠، ٤١، ٤٢/ ١٩٧٧).","vol":"7","page":343},{"text":"سلمةَ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا دخلتِ العشرُ فأرادَ أحدُكم أنْ يضحِّيَ فلا يمسَّ منْ شعرِه ولا بشرَهِ شيئًا\". وأخرجَ البيهقيُّ (^١) منْ حديثِ عمرِو بن العاصِ أنهُ - ﷺ - قالَ لرجلٍ سألهُ عن الضحيةِ وأنهُ قدْ لا يجدُها فقالَ: \"قلِّمْ أظافرَكَ، وقصَّ شاربكَ، واحلقْ عانتكَ، فذلكَ تمامُ أضحيتكَ عندَ اللهِ ﷿\".\nوهذا فيهِ شرعيةُ هذهِ الأفعالِ في يومِ التضحيةِ وإنْ لم يتركه منْ أولِ [شهرِ ذي الحجَّةِ] (^٢).\nوذهبَ أحمدُ وإسحقُ إلى أنهُ يحرمُ للنَّهْي، وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ (^٣).\nوقال مَنْ لم يحرِّمْهُ: قدْ قامتِ القرينةُ على أن النَّهْيَ ليسَ للتحريمِ وهوَ ما أخرجَهُ الشيخانِ (^٤) وغيرُهما منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: \"أنا فتلتُ قلائدَ هدي رسولِ اللهِ - ﷺ - بيدي، ثمَّ قلَّدها رسولُ اللهِ - ﷺ - بيدهِ، ثم بعثَ بها معَ أبي فلم يحرمُ على رسولِ اللهِ - ﷺ - شيءٌ مما أحلَّه اللهُ حتَّى نحرَ الهديَ\".\nقالَ الشافعيُّ: فيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يحرمُ على المرءِ شيءٌ ببعثهِ بهدي، والبعثُ بالهدي أكثرُ منْ إرادةِ التضحيةِ.\nقلتُ: هذا قياسٌ منهُ، والنصُّ قدْ خصَّ مَنْ [يريدُ] (^٥) التضحيةَ بما ذُكرَ.\n(فائدةٌ أُخْرى).\n\n<span data-type='title' id=toc-1359>أحكام لحوم الأضاحي</span>\nيُسْتَحَبُّ للمضحِّي أنْ يتصدقَ وأنْ يأكلَ، واستحبَّ كثيرٌ منَ العلماءِ أنْ يقسمَها أثلاثًا: ثلثًا للادِّخارِ، وثلثًا للصدقةِ، وثلثًا للأكلِ، لقولِهِ - ﷺ -: \"كلُوا، وتصدَّقوا، وادَّخِروا\" (^٦)\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٦٣ - ٢٦٤).\n(^٢) في (أ): \"الشهر\".\n(^٣) في \"المحلى\" (٧/ ٣٥٥) و(٧/ ٣٦٨ - ٣٧٠).\n(^٤) البخاري (١٧٠٠)، ومسلم رقم (٣٦٩/ ١٣٢١).\n(^٥) في (أ): \"أراد\".\n(^٦) أخرج البخاري (٥٥٦٩) عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي - ﷺ -: \"من ضحَّى منكم فلا يُصْبحنَّ بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء\"، فلما كان العامُ المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعلُ كما فعلنا العامَ الماضي؟ قال: \"كلوا، وأطعِموا، وادَّخِروا، فإن ذلك العام كان بالناس جَهْدٌ، فأردتُ أن تعينوا فيها\". =","vol":"7","page":344},{"text":"أخرجَهُ الترمذيُّ (^١) بلفظِ: \"كنتُ نهيتُكم عنْ لحوم الأضاحي فوقَ ثلاثٍ ليتسعَ ذو الطَّوْلِ على مَنْ لا طَوْلَ له، فكلُوا ما بدا لكم وتصدَّقُوا أو ادَّخِروا\"، ولعلَ الظاهريةَ توجِبُ التجزئةَ.\nوقالَ عبدُ الوهابِ: أوجبَ قومٌ الأكلَ وليسَ بواجبٍ في المذهبِ.\n* * *\n_________\n= • وأخرج مسلم (٢٨/ ١٩٧١). عن عائشة قالت: دَفَّ أهلُ أبياتِ من أهلِ البادية حِضْرَةَ الأضحى زمن رسول اللهِ - ﷺ -. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ادَّخِروا ثلاثًا، ثم تصدَّقوا بما بقي\"، فلما كان بعدَ ذلك قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الناس يتخذونَ الأسقيةَ من ضحاياهم، ويحملُونَ منها الودكَ. فقال رسول اللهِ - ﷺ -: \"وما ذاكَ\"؟ قالوا: نهيتَ أن تؤكلَ لحومُ الضحايا بعد ثلاثِ، فقال: \"إنما نهيتكم من أجل الدَّافةِ التي دفَّت فكلوا وادَّخروا وتصدَّقوا.\n• دف: أصل الدفيف من دفَ الطائر إذا ضرب بجناحيه دفيه (أي صفحتي جنبه) في طيرانه على الأرض، ثم قيل: دفت الإبل إذا سارت سيرًا لينًا.\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٩٤ - ٩٥ رقم ١٥١٠) من حديث بريدة.\nقال الترمذي: حديث بريدة حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح.","vol":"7","page":345},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1360>[الباب الثالث] باب العقيقة</span>\nالعقيقةُ هيَ الذبيحةُ التي تُذْبَحُ للمولودِ. وأصلُ العقِّ الشقُّ والقطعُ، وقيلَ للذبيحةِ عقيقةٌ لأنهُ يُشقُّ حلْقُها، ويقالُ عقيقة للشعرِ الذي يخرجُ على رأسِ المولودِ منْ بطنِ أمِّهِ، وجعلَه الزمخشريُّ أصلًا، والشاةُ المذبوحةُ مشتقةٌ منهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1361>مشروعية العقيقة</span>\n١/ ١٢٧٥ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (^٢) وَابْنُ الْجَارُودِ (^٣) وَعَبْدُ الْحَقِّ (^٤)، لكِنْ رَجحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (^٥). [صحيح]\n(عن ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - عقَّ عن الحسنِ والحسينِ كبشًا كبشًا. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ وعبدُ الحقِّ، لكنْ رجَّحَ أبو حاتمٍ إرسالَه).\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٨٤١).\n(^٢) في المفقود منه واللَّهُ أعلم.\n(^٣) في \"المنتقى\" رقم (٩١١).\n(^٤) ذكره الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٤٧). وزاد تصحيح ابن دقيق العيد.\n(^٥) في \"العلل\" (٢/ ٤٩ رقم ١٦٣١).\nقلت: وأخرجه النسائي (٧/ ١٦٥ - ١٦٦)، وعبد الرزاق (٤/ ٣٣٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٥٧)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (١١٨٣٨) و(١١٨٥٦)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩، ٣٠٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١١٦) وفي \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٥١)، والخطيب في \"التاريخ\" (١٠/ ١٥١) من طريق عكرمة عن ابن عباس.\nوخلاصة القول: أن الحديث صحيح.","vol":"7","page":346},{"text":"وقد أخرج البيهقيُّ (^١) والحاكمُ (^٢) وابنُ حبانَ (^٣) منْ حديثِ عائشةَ بزيادةٍ يومَ السابعِ وسمَّاهما وأمرَ أنْ يماطَ عنْ رأسيْهمَا الأذَى.\nوأخرج البيهقيُّ (^٤) والحاكم (^٥) منْ حديث عائشةَ - ﵂ - أن النبيَّ - ﷺ - ختنَ الحسنَ والحُسينَ - ﵄ - يوم السابع منْ ولادِتهما\". وأخرجَ البيهقيُّ (^٦) أيضًا منْ حديثِ جابرٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - \"عقَّ عن الحسنِ والحسينِ وختنَهما لسبعةِ أيامٍ\".\nقالَ الحسنُ البصريُّ (^٧): إماطةُ الأذى حلقُ الرأسِ. وصحَّحَهُ ابنُ السكنِ بأتمَّ منْ هذا وفيهِ: \"وكانَ أهلُ الجاهليةِ يجعلونَ قطنةً في دمِ العقيقةِ ويجعلونَها على رأسِ المولودِ، فأمرَهم النبيُّ - ﷺ - أن يجعلُوا مكانَ الدم خَلوقًا\"، ورواهُ أحمدُ (^٨) والنسائيُّ (^٩) منْ حديثِ بريدةَ وسندُه صحيحٌ، ويؤيدُ [هذهِ] (^١٠) الأحاديثَ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n٢/ ١٢٧٦ - وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ (^١١) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ. [صحيح]\n(وأخرجَ ابن حبانَ منْ حديثِ أنسٍ نحوَه)، والأحاديثُ دلَّتْ على مشروعيةِ العقيقةِ. واختلفتْ فيها مذاهبُ العلماءِ.\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٧) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n(^٣) في صحيحه (١٢/ ١٢٧ رقم ٥٣١١) بسند حسن.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وقال البيهقي: الحديث ليس بمحفوظ.\n(^٥) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٣٢٤).\n(^٧) قال البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٨) روى هشام عن الحسن البصري.\n(^٨) في \"المسند\" (٥/ ٣٥٥ و٣٦١).\n(^٩) النسائي في \"السنن\" (٧/ ١٦٤ رقم ٤٢١٣).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (٢٥٧٤)، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^١٠) في (أ): \"هذا\".\n(^١١) في \"صحيحه\" رقم (٥٣٠٩).\nقلت: وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ٤٥٦)، وأبو يعلى رقم (٢٩٤٥)، والبزار رقم (١٢٣٥ - كشف)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩) من طرق …\nقال البزار: لا نعلم أحدًا تابع جريرًا عليه.\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٥٧) وعزاه لأبي يعلى والبزار وقال: رجاله ثقات.\nقلت: ويشهد له حديث عائشة المتقدم.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللهُ أعلم.","vol":"7","page":347},{"text":"فعندَ الجمهورِ أنها سنَّةٌ (^١)، وذهبَ داودُ ومَنْ تبعهُ إلى أنها واجبةٌ (^٢).\nواستدلَّ الجمهورُ بأنَّ فعلَه - ﷺ - دليلٌ على السنيَّةِ وبحديثِ: \"مَنْ وُلدَ لهُ وَلَدٌ فأحبَّ أنْ ينسكَ عنْ ولدِه فليفعلْ\"، أخرجَهُ مالكٌ (^٣).\nواستدلَّتْ الظاهريةُ بما يأتي منْ قولِ عائشة (^٤) - ﵂ - أنهُ - ﷺ - أمرهُم بها. والأمرُ دليلُ الإيجابِ. وأجابَ الأولونَ بأنهُ صرفُه عن الوجوبِ قولُه: \"فأحبَّ أن ينسكَ عنْ ولدِه فليفعلْ\".\nوقولُه في حديثِ عائشةَ: (يومَ سابعهِ) دليل على أنهُ وقْتُها وسيأتي فيهِ حديثُ سَمُرَةُ (^٥) وأنهُ لا يُشْرَعُ قبلَه ولا بعدَه.\nوقالَ النووي (^٦): إنهُ يعقُّ قبلَ السابعِ، وكذَا عن الكبيرِ فقدْ أخرجَ البيهقيُّ (^٧) منْ حديثِ أنسٍ: \"أن النبيَّ - ﷺ - عقَّ عنْ نفسِه بعدَ البعثةِ\"، ولكنَّهُ قالَ: منكرٌ، وقالَ النوويُّ: حديثٌ باطلٌ، وقيلَ: تجزئُ في السابعِ الثاني والثالثِ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٨) عنْ عبدِ اللهِ بن بريدةَ عنْ أبيهِ عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"العقيقةُ تذبحُ لسبع ولأربعَ عشْرةَ ولإحدى وعشرينَ\".\nودلَّ الحديثُ على أنهُ يجزئُ عن الغلامِ شاةٌ لكنَّ الحديثَ الآتي وهوَ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1362>العقيقة عن الغلام والجارية</span>\n٣/ ١٢٧٧ - وَعَنْ عَائَشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - \"أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنْ الْغُلامِ\n_________\n(^١) انظر: \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥٠١).\n(^٢) انظر: \"المحلَّى\" (٧/ ٥٢٣).\n(^٣) في \"الموطأ\" (٢/ ٥٠٠ رقم ١). وفي الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (ص ٢٢٥) رقم (٦٥٩).\nومن طريق مالك أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (١٤/ ٧٠ رقم ١٩١٤٤).\n(^٤) يأتي رقم الحديث (٣/ ١٢٧٦) من كتابنا هذا.\n(^٥) يأتي رقم الحديث (٥/ ١٢٧٩) من كتابنا هذا.\n(^٦) انظر: \"روضة الطالبين وعمدة المفتين\" للنووي (٣/ ٢٢٩).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٠٠) وقال: وهو حديث منكر. وأضاف النووي في \"المجموع\" (٨/ ٤٣٢) قائلًا: \"فهو حديث باطل وعبد اللهِ بن محرر ضعيف متفق على ضعفه. قال الحافظ: هو متروك.\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٠٣).","vol":"7","page":348},{"text":"شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ\"، رواهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - أمرهُم أن يُعَقَّ عن الغلامِ شاتانِ مكافِئتانِ) قالَ النوويُّ (^٢): بكسرِ الفاءِ بعدَها همزةٌ ويأتي [تفسيرُه] (^٣) (وعنِ الجاريةِ شاةٌ. رواهُ الترمذيُّ [وصحَّحَهُ]) (^٤) وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، إلَّا أني لم أجدْ لفظة: \"أنْ يعقَّ\" في نسخِ الترمذيِّ.\nقالَ أحمدُ وأبو داودَ: معنَى مكافئتانِ متساويتانِ أو متقاربتانِ، وقالَ الخطابيُّ: المرادُ التكافؤُ في السنِّ فلا تكونُ إحداهُما مسنَّة والأخْرى غيرَ مسنَّةٍ بلْ يكونانِ مما يجزئُ في الأضحيةِ، وقيلَ معناهُ أنْ يذبحَ إحداهما مقابلة للأخرى.\nدلَّ على أنهُ يُعَقُّ عن الغلامِ بضعفِ ما يعقُّ عن الجاريةِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ وداودُ لهذا الحديثِ (^٥). وذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ (^٦) إلى أنهُ يجزئُ عن الذكرِ والأنثَى عنْ كلِّ واحدٍ شاةٌ للحديثِ الماضي.\nوأُجِيْب بأنَّ ذلكَ فعل وهذا قول والقولُ أقوى، وبأنهُ يجوزُ أنهُ - ﷺ - ذبحَ عن الذكرِ كبْشًا لبيانِ أنهُ يجزئُ وذبحُ الاثنينِ مستحبٌّ، على أنهُ أخرجَ أبو الشيخِ (^٧) حديثَ ابن عباسٍ منْ طريقِ عكرمةَ بلفظ كبشينِ كبشينِ. ومنْ حديثِ عمروِ بن شعيبٍ مثلَه وحينئذٍ فلا تعارضَ. وفي إطلاقِ لفظِ الشاةِ دليل على أنهُ لا يشترطُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٩٦ رقم ١٥١٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٣١، ١٥٨، ٢٥١)، وابن حبان (رقم: ١٠٥٨ - موارد)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٠١)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٣٩)، وابن ماجه رقم (٣١٦٣)، وعبد الرزاق رقم (٧٩٥٥) و(٧٩٥٦) من طرق …\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو كما قال: وإسناده صحيح على شرط مسلم وصحَّحه الألباني في \"إرواء الغليل\" (رقم: ١١٦٦).\n(^٢) في \"المجموع\" (٨/ ٤٢٩). ثم قال: أي متساويتان.\n(^٣) في (أ): \"تفسيرها\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) انظر: \"الاستذكار\" (١٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩) وزاد على ما تقدم: إسحاق، والطبري، وعائشة، وابن عباس.\n(^٦) كما في \"بداية المجتهد\" (٢/ ٥٠٤).\n(^٧) والنسائي في \"السنن\" (٧/ ١٦٥ - ١٦٦ رقم ٤٢١٩)، وهو حديث صحيح.","vol":"7","page":349},{"text":"فيها ما يشترطُ في الأضحية، ومن [اشترط ذلك] (^١) فبالقياسِ.\n٤/ ١٢٧٨ - وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (^٢) والأَرْبَعَةُ (^٣) عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيّةِ نَحْوَهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1363>ترجمة أم كرز</span>\n(وأخرجَ أحمدُ والأربعة عنْ أمِّ كُرْزٍ) (^٤) بضمِّ أولهِ وسكونِ الراءِ وزاي، الكعبيةِ المكيةِ، صحابيةٌ لها أحاديثُ، قاله المصنفُ في \"التقريبُ\" (^٥).\n(نحوَه) أي نحوَ حديثِ عائشةَ ولفظُه في الترمذيِّ (^٦): عنْ سباعِ بن ثابتٍ أن محمدَ بنَ ثابتٍ بن سباعِ أخبَره أن أمَّ كُرْزٍ أخبرتْه أنَّها سألتْ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن\n_________\n(^١) في (ب): اشتراطها.\n(^٢) في \"المسند\" (٦/ ٣٨١، ٤٢٢).\n(^٣) أبو داود (٢٨٣٥)، والترمذي (١٥١٦)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، وابن ماجه (٣١٦٢).\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه ابن حبان رقم (١٠٥٩ - الموارد)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٢٧ رقم ٧٩٥٣، ٧٩٥٤)، والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٤٥٧)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٣١٤ - ٣١٥)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ٢٣٥)، والحاكم (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي (٩/ ٣٠١)، وفي \"خطأ من أخطأ على الشافعي\" ص ٢٨٣ - ٢٨٤ من طريق سباع بن ثابت عنها.\nومن هذا الوجه: أخرجه الطيالسي (ص ٢٢٧ رقم ١٦٣٤، والحميدي (١/ ١٦٦ رقم ٣٤٥)، والبغوي في شرح السنة\" (١١/ ٢٦٥).\n• وله طرق أخرى عنها:\nأخرجه أبو داود (٢٨٣٤)، والنسائي (٧/ ١٦٥)، والدارمي (٢/ ٨١)، وابن حبان (رقم: ١٠٦٠ - موارد)، وأحمد (٦/ ٣٨١، ٤٢٢)، والحميدي (١/ ١٦٧ رقم ٣٤٦)، وابن حزم في \"المحلى\" (٦/ ٢٣٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٢٧) رقم ٧٩٥٣)، والبيهقي (٩/ ٣١٠).\nومن طريق حبيبة بنت ميسرة عنها.\nوحبيبة هذه مجهولة الحال، وحديثها حسن في الشواهد.\nولمزيد من المعرفة لطرق هذا الحديث، انظر: \"إرواء الغليل\" للألباني (٤/ ٣٩٠ رقم ٣٩٣).\n(^٤) انظر ترجمتها في: \"الإصابة\" رقم (١٢٢٢٣)، و\"أسد الغابة\" رقم (٧٥٧٨)، \"والاستيعاب\" رقم (٣٦٥٩)، و\"تجريد أسماء الصحابة\" (٢/ ٣٣٢)، و\"الثقات\" (٣/ ٤٥٩ - ٤٦٤)، و\"أعلام النساء\" (٤/ ٢٣٩).\n(^٥) (٢/ ٦٢٣ رقم ٧١).\n(^٦) في \"السنن\" (١٥١٦) وقد تقدم.","vol":"7","page":350},{"text":"العقيقةِ قالَ: \"عن الغلامِ شاتانِ وعنِ الأنثَى واحدةٌ، ولا يضرُّكم أذكرانًا كنَّ أم إناثًا\"، قالَ أبو عيسى: حسنٌ صحيحٌ. وهوَ يفيدُ [ما أفاده] (^١) الحديثُ الثالثُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1364>ارتهان الغلام بعقيقته</span>\n٥/ ١٢٧٩ - وَعَنْ سَمُرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"كُل غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُحْلَقُ، وَيُسَمَّى\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢) وَالأَرْبَعَةُ (^٣)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح]\n(وعنْ سمرةَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: كل غلامٍ مرتَهَنٌ بعقيقِته تُذْبَحُ عنه يومَ سابعهِ ويحلقُ ويسمَّى. رواة أحمدُ والأربعةُ وصحَّحهُ الترمذيُّ)، وهذا هو حديثُ العقيقةِ الذي اتفقُوا على أنهُ سمِعَهُ الحسنُ منْ سمُرةَ واختلفُوا في سماعه لغيرهِ منهُ منَ الأحاديثِ، قالَ الخطابيُّ (^٤): اختُلِفَ في قولِه مرتهنٌ بعقيقتهِ، فذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ أنهُ إذا ماتَ وهوَ طفلٌ لم يعقَّ عنهُ أنهُ لا يشفعُ لأبويْهِ.\nقلتُ: ونقله الحليميُّ (^٥) عنْ عطاءِ الخراسانيِّ (^٦)، ومحمدِ بن\n_________\n(^١) في (ب): ما يفيد.\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ٧ - ٨، ١٢، ١٧، ١٨، ٢٢).\n(^٣) أبو داود (٢٨٣٧) و(٢٨٣٨)، والترمذي (١٥٢٢)، والنسائي (٧/ ١٦٦ رقم ٤٢٢٠)، وابن ماجه (٣١٦٥).\nقلت: وأخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٣٠٧)، والطيالسي (ص ١٢٣ رقم ٩٠٩)، والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٤٥٣)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (رقم ٩١٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٩١)، والدارمي (٢/ ٨١)، والبيهقي (٩/ ٢٩٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٢٠٠ - ٢٠١) رقم (٦٨٢٧ - ٦٨٣٢)، والحاكم (٤/ ٢٣٧). وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\nوقد روى البخاري والنسائي عن الحسن أنه سمع هذا الحديث من سمرة، فانتفت شبهة تدليسه. انظر: \"صحيح البخاري\" (٩/ ٥٩٠ - مع الفتح)، و\"سنن النسائي\" (٧/ ١٦٦).\n(^٤) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٢٥٩ - هامش السنن).\n(^٥) في كتابه \"المنهاج في شعب الإيمان\" (٣/ ٢٨١ - ٢٨٢).\nوالحليمي: هو أبو عبد اللهِ الحسين بن الحسن الحليمي المتوفى سنة (٤٠٣ هـ / ١٠١٢ م).\n(^٦) هو عطاء بن أبي مسلم المحدث الواعظ، نزيل دمشق والقدس.\nوقال ابن معين: هو عطاء بن ميسرة، سمع من ابن عمر. =","vol":"7","page":351},{"text":"مُطَرِّفٍ (^١) وهما إمامانِ عالمانِ متقدِّمانِ على أحمدِ. وقيلَ: إنَّ المعنَى العقيقةُ لازِمةٌ لا بدَّ منْها، فشبَّه لزومَها للمولودِ بلزومِ الرهنِ للمرهونِ في يدِ المرتهنِ، وهوَ يقوي قولَ الظاهريةِ بالوجوبِ. وقيلَ المرادُ أنهُ مرهونٌ بأذى شعرهِ ولذلكَ جاءَ: \"فأميطُوا عنهُ الأذَى\".\nويقوِّي قولَ أحمدَ ما أخرجَهُ البيهقيُّ عنْ عطاءٍ الخراسانيِّ، وأخرجَهُ ابنُ حزمٍ (^٢) عنْ بريدةَ الأسلميِّ قالَ: إنَّ الناسَ يعرضونَ يومَ القيامةِ على العقيقةِ كما يعرضَونَ على [الصلوات] (^٣) الخمسِ، وهذا دليل - لو ثبتَ - لمن قالَ بالوجوبِ. وتقدَّمَ أنها مؤقتةٌ باليومِ السابعِ كما دلَّ لهُ ما مضَى ودلَّ لهُ أيضًا هذا.\nوقالَ مالكٌ: تفوتُ بعدَهُ، وقالَ: منْ ماتَ قبلَ السابعِ سقطتْ عنهُ العقيقةُ.\nوللعلماءِ خلافٌ في العقِّ [بعد السابع] (^٤)، وقول عائشة: أمرَهُم، أي المسلمينَ أن يعقَّ كل مولودٍ لهُ عنْ ولدهِ، فعندَ الشافعيُّ يتعينُ علَى كلِّ مَنْ تلزمُه\n_________\n= وقال مالك: هو عطاء بن عبد اللهِ.\nوقال النسائي: هو أبو أيوب، عطاء بن عبد اللهِ، بَلْخيٌّ، سكن الشام ليس به بأس.\nوقال مرة: هو عطاء بن ميسرة.\nوقال أحمد: ثقة.\nوقال يعقوب بن شيبة: ثقة معروف بالفتوى والجهاد.\nوقال أبو حاتم: لا بأس به.\nوقال حجاج بن محمد: حدثنا شعبة، حدثنا عطاء الخراساني، وكان نَسِيًا …\nمات عطاء سنة خمس وثلاثين ومئة. وقيل: مولده سنة خمسين.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ١٤٠ - ١٤٣ رقم ٥٢)، والجرح والتعديل\" (٦/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، و\"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٧٣ - ٧٥)، و\"العبر\" (١/ ١٤٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٧/ ١٩٠)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^١) هو محمد بن مُطَرِّف بن داود. الإمام المحدِّث الحجَّة، أبو غسَّان المدني.\nولد قبل المئة. وثقه أحمد بن حنبل وغيره.\nقال أبو بكر الخطيب: قيل: إنه من موالي عمر بن الخطاب - ﵁ -، وقد نزل عَسْقَلان.\nوقال الذهبي: ما ظفرتُ له بوفاة، وكأنه توفي سنة بضع وستين ومئة.\nانظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والجرح والتعديل\" (٨/ ١٠٠)، و\"الوافي بالوفيات\" (٥/ ٣٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٠٧)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ٢٥٨).\n(^٢) في \"المحلى\" (٧/ ٥٢٥).\n(^٣) في (أ): \"الصلاة\".\n(^٤) (ب): \"بعده\".","vol":"7","page":352},{"text":"النفقةُ للمولودِ، وعندَ الحنابلةِ يتعينُ على الأبِ إلَّا أنْ يموتَ أو يمتنعَ، وأُخِذَ منْ لفظِ تُذْبَحُ بالبناءِ للمجهولِ أنهُ يجزئُ أنْ يعقَّ عنهُ الأجنبيُّ، وقدْ تأيدَ بأنهُ - ﷺ - عقَّ عن الحسنين كما سلفَ إلَّا أنهُ يقالُ قدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - أبوهما كما وردَ بهِ الحديثُ بلفظِ: \"كلُّ بني أمِّ ينتمونَ إلى عصبةٍ إلا ولدَ فاطمةَ - ﵂ - فأنا وليُّهم وأنا عصبتُهم\"، وفي لفظٍ: \"وأنا أبوهُم\"، أخرجَهُ الخطيبُ منْ حديثِ فاطمةَ الزهراءِ (^١) - ﵂ - ومِنْ حديثِ عمرَ (^٢) رضيَ اللهُ تعالَى عنْهُ.\nوأما ما أخرجَهُ أحمدُ (^٣) منْ حديثِ أبي رافعٍ أن فاطمةَ - ﵂ - لما ولدتْ حَسَنًا - ﵁ - قالتْ: يا رسولَ اللهِ ألا أعق عن ولدي بدمٍ؟ قالَ: \"لا ولكنِ احلقي رأسَهُ وتصدَّقي بوزنِ شعرهِ فضةً\"، فهوَ منَ الأدلةِ أنهُ قدْ أجزأَ عنهُ ما ذبحَه\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٤٤) رقم ٢٦٣٢)، وأبو يعلى في \"المسند\" (١٢/ ١٠٩ رقم ٦٧٤١).\nوأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ١٧٢ - ١٧٣) وقال: \"رواه الطبراني وأبو يعلى وفيه شيبة بن نعامة ولا يجوز الاحتجاج به\".\nوقال ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٣٥٨) يروي - أي شيبة - عن أنس ما لا يشبه حديثه، وعن غيره من الثقات ما يخالف حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به\".\nوخلاصة القول: أن الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٤٤ رقم ٢٦٣١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ١٤٢)، والبيهقي (٧/ ٦٤)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٣)، وأبو نعيم في \"المعرفة\" (١/ ٢٣١ - ٢٣٢) رقم ٢١٤)، وفي \"الحلية\" (٢/ ٣٤).\nقلت: فيه بشر بن مهران. ترك أبو حاتم حديثه، انظر: \"لسان الميزان\" (٢/ ٣٤).\nوفيه: شريك بن عبد اللهِ: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة.\nانظر: \"التقريب\" (١/ ٣٥١).\nوفيه أخيرًا محمد بن زكريا الغلابي: ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف لا يتقوى بالشواهد لشدة ضعفه وتقاعد الجابر.\n(^٣) في \"المسند\" (٦/ ٣٩٠) من طريق شريك عن عبد اللهِ بن محمد بن عقيل عن ابن الحسين، عن أبي رافع به.\nقلت: سنده ضعيف، لضعف شريك. ولكن تابعه (عبد اللهِ بن عمرو) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٣٩٢)، وتابعه أيضًا (سعيد بن سلمة)، أخرجه البيهقي (٩/ ٣٠٤)، فيصبح الحديث حسنًا ولم يكن صحيحًا لأن عبد اللهِ بن محمد بن عقيل فيه مقال أيضًا، ولكن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن.","vol":"7","page":353},{"text":"النبيُّ - ﷺ -، وأنَّها ذكرتْ هذا فمنَعها ثمَّ عقَّ عنهُ وأرشدَها إلى [أنها تتولى] (^١) الحلقَ والتصدقَ، وهذا أقربُ لأنَّها لا تستأذنُه إلا قبلَ ذبحهِ وقبلَ مجيءِ وقْتِ الذبحِ وهوَ السابعُ.\nقوله في حديثِ سَمُرَةَ: \"ويحلقُ\"، دليلٌ على شرعيةِ حلقِ رأسِ المولودِ [يومَ] (^٢) سابعهِ، وظاهرُه عامٌّ لحلقِ رأسِ الغلامِ والجاريةِ. وحكَى عن المازريُّ كراهةَ حلْقِ رأسِ الجاريةِ، وعنْ بعضِ الحنابلةِ تحلقُ لإطلاقِ الحديثِ.\nوأما تثقيبُ أذنِ الصبيةِ لأجلِ تعليقِ الحليِّ فيها الذي يفعلُه الناسُ في هذهِ الأعصارِ وقبلَها فقالَ الغزاليُّ في \"الإحياءِ\" (^٣): إنهُ لا يَرى فيهِ رخصةً فإنَّ ذلكَ جرحٌ [يؤلم] (^٤) ومثلُه موجبٌ للقصاصِ فلا يجوزُ إلا [لحاجةٍ مهمةٍ] (^٥) كالفصدِ والحجامةِ والختانِ، والتزينُ بالحليِّ غيرُ مهمٍّ، فهوَ حرامٌ وإن كانَ معتادًا، والمنعُ منه واجبٌ والاستئجارُ عليهِ [حرام] (^٦)، والأجرةُ المأخوذةُ [في مقابلته] (^٧) حرامٌ. اهـ.\nوفي كتبِ الحنابلةِ (^٨) أن تثقيبَ آذانِ الصبية للحلية جائزٌ لأنهم كانوا في الجاهلية يفعلونه، ويكره للصبيانِ. وفي فتاوى قاضي خانْ منَ الحنفيةِ: لا بأسَ بثقبِ أذنِ الطفلِ لأنَّهم كانُوا في الجاهليةِ يفعلونَه ولم ينكرْ عليهمُ النبيُّ - ﷺ -.\nقولُه: \"ويُسَمَّى\"، هذا هوَ الصحيحُ في الروايةِ - وأما روايتُه بلفظِ: ويدمَّى - منَ الدمِ - أي يفعلُ في رأسهِ منْ دمِ العقيقةِ كما كانتْ تفعلُه الجاهليةُ فقدْ وهمَ راوْيها (^٩)، والمرادُ تسميةُ المولودِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"تولي\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) (٢/ ٢١٧).\n(^٤) في (ب): \"مؤلم\".\n(^٥) في (أ): \"للحاجة المهمة\".\n(^٦) في (ب): \"غير صحيح\".\n(^٧) في (ب): \"عليه\".\n(^٨) انظر كتاب: \"تحفة المودود بأحكام المولود\" لابن قيم الجوزية، بتحقيقنا.\nالباب العاشر: في ثقب أذن الصبي والبنت.\n(^٩) قال ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧): \"ثم اختُلِفَ في التدميةِ بعد هل هي صحيحة، أو غلط؟ على قولين. فقال أبو داود في سننه: هي وهم من همَّام بن يحيى. وقوله: ويُدَمَّى، إنما هو \"ويُسَمَّى\"، وقال غيره: كان في لسان هَمام لُثْغَةٌ فقال: \"ويُدَّمَّ\" =","vol":"7","page":354},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1365>يستحب اختيار الاسم الحسن</span>\nوينبغي اختيارُ الاسم الحسنِ لهُ لما ثبتَ منْ أنهُ - ﷺ - كانَ يغيرُ الاسمَ القبيحَ (^١). وصحَّ عنهُ [إنَّ] (^٢) أخنعَ الأسماءِ عندَ اللهِ رجلٌ تسمَّى شاهانِ شاهْ، ملكِ الأملاكْ، لا ملكَ إلا اللهُ تعالَى\" (^٣).\nفتحرم التسميةُ بذلكَ، وألحقَ بهِ تحريمَ التسميةِ بقاضي القضاةِ وأشنعُ منهُ حاكمُ الحكامِ، نصَّ عليهِ الأوزاعيُّ.\nومِنَ الألقابِ القبيحةِ ما قالَه الزمخشريُّ: إنهُ توسعَ الناسُ في زمانِنا حتَّى لقَّبوا السفلةَ بألقابِ العِليَةِ، وهبْ أن العذرَ مبسوطٌ فما أقولُ في تلقيبِ مَنْ ليسَ منَ الدينِ في قبيلٍ ولا دبيرٍ بفلانِ الدينِ؟ هيَ لَعَمْري واللَّهِ الغصَّةُ التي لا تُساغُ.\nوأحبُّ الأسماءِ [إلى اللَّهِ] عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ ونحوُهما، وأصدقُها حارثُ وهمامُ (^٤)،\n_________\n= وإنما أراد أن يُسمى، وهذا لا يصح، فإن همامًا إن كان وهم في اللفظ، ولم يُقِمْهُ لسانُه، فقد حَكى عن قتادة صفة التدمية، وأنه سئل عنها فأجاب بذلك، وهذا لا تحتملُه اللُّثغة بوجه، فإن كان لفظُ التدمية هنا وهمًا، فهو من قتادة، أو من الحسن، والذين أثبتوا لفظَ التدمية قالوا: إنه من سنة العقيقة، وهذا مروي عن الحسن وقتادة، والذين منعوا التدمية كمالك والشافعي، وأحمد، وإسحاق، قالوا: \"ويُدَمَّى\" غلط، وإنما هو \"ويُسمَّى\"، قالوا: وهذا كان من عمل أهلِ الجاهليةِ، فأبطله الإسلامُ\" اهـ.\n• وانظر كتاب: \"التصحيف وأثره في الحديث والفقه وجهود المحدثين في مكافحته\" إعداد: أسطيري جمال. (ص ٢٨٦ - ٢٩١) تدمية رأس المولود.\n(^١) كالحديث الذي أخرجه البخاري (٦١٩٠) عن ابن المسيب عن أبيه، أن أباه جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: ما اسمُك؟ قال: حَزْن. قال: أنت سهل، قال: لا أغيرُ اسمًا سمانيهِ أبي. قال ابن المسيب: فما زالتِ الحزونةَ فينا بعد.\nوأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٨٤١)، وأبو داود رقم (٤٩٥٦)، وأحمد (٥/ ٤٣٣)، والبيهقي (٩/ ٣٠٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" رقم (١٩٨٥١)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٢/ ٣٤٠)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٥/ ١١٩).\n(^٢) في (أ): \"أنه\".\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٥٨٥٢/ ٥٨٥٣ - البغا)، ومسلم (٢٠، ٢١/ ٢١٤٣، وأبو داود (٤٩٦١)، والترمذي (٢٨٣٧) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) وهو حديث ضعيف.\nأخرجه أبو داود (٥/ ٢٣٧ رقم ٤٩٥٠)، والنسائي (٦/ ٢١٨، ٢١٩)، وأحمد في \"المسند\" =","vol":"7","page":355},{"text":"ولا تكرهُ التسميةُ بأسماءِ الأنبياءِ (^١) ويس وطهَ خَلافًا لمالكٍ.\nوفي مسندِ الحارثِ بن أبي أسامةَ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"منْ كانَ لهُ ثلاثةٌ منَ الولدِ ولم يسمِّ أحدَهم بمحمدٍ فقدْ جهلَ\" (^٢)، فينبغي التسمِّي باسمِه - ﷺ -. فقدْ أخرجَ في كتابِ الخصائصِ لابنِ سبع عن ابن عباسٍ أنهُ إذا كانَ يومُ القيامةِ نادَى منادٍ: ألا ليقمْ منِ اسمُه محمدٌ فليدخلِ الجنةَ تكرمة لنبيهِ - ﷺ - (^٣).\nوقالَ مالكٌ: سمعتُ أهلَ المدينةِ يقولونَ: ما منْ أهلِ بيتٍ فيهمُ اسمُ محمدٍ إلا رُزِقُوا رزقَ خيرٍ (^٤)، قالَ ابنُ رشدٍ: يحتملُ أن يكونُوا عرفُوا ذلكَ بالتجربةِ أو عندَهم فيهِ أثرٌ.\n_________\n= (٤/ ٣٤٥)، وإسناده ضعيف من أجل عقيل بن شبيب لأنه مجهول.\nانظر: \"الإرواء\" رقم (١١٧٨)، والصحيحة رقم (١٠٤٠) و(٩٠٤).\n(^١) أخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٤٠ رقم ١٩٨٥٠): عن معمر قال: قلت لحماد بن أبي سليمان: كيف تقول في رجل يسمَّى بجبريل، وميكائيل؟ فقال: لا بأس به.\n• وأخرج البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٥) عن عبد اللهِ بن جراد قال: صحبني رجل من مؤتة فأتى النبي ﵊ وأنا معه فقال: يا رسول الله ولد لي مولود فما أخيرَ الأسماء؟ قال: إن خير أسماءكم الحارث وهمام، ونعمَ الاسم عبد اللهِ، وعبد الرحمن، وسمُّوا بأسماء الأنبياء ولا تسمُّوا بأسماء الملائكة، قال: وباسمك؟ قال: وباسمي ولا تكنوا بكنيتي. في إسناده نظر.\n(^٢) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢١٠٧) وقال عقبه: وهذا لا أعلم يرويه عن ليث غير موسى بن أعين.\nوالحديث أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\". ثم أخرجه السيوطي في \"اللآلئ\" (١/ ١٠١) وقال: ليث لم يبلغ أمره أن يحكم على حديثه بالوضع، فقد روى له مسلم والأربعة، ووثقه ابن معين وغيره.\nثم ذكر السيوطي له شاهد مرسل وقال: هذا مرسل يعضد حديث ابن عباس ويدخله في قسم المقبول.\nقلت: في هذا المرسل مجهول. وحديث ابن عباس أقل درجاته ضعيف.\n(^٣) إن مجرد التسمِّي باسم النبي - ﷺ - بأبي هو وأمي - لا يكفي دخول الجنة، بل لا بد من الاتباع والاقتداء به في جميع مجالات الحياة.\n(^٤) الرزق إنما هو بالسعي والجد والتقوى لله في العمل، كما نطق بذلك القرآن الكريم والسنة النبوية.","vol":"7","page":356},{"text":"فائدةٌ: رَوَى أبو داودَ (^١) والترمذيُّ (^٢) أن النبيَّ - ﷺ - أذَّنَ في أُذُنِ الحسنِ والحسينِ حينَ وُلِدا، ورواهُ الحاكمُ (^٣). والمرادُ الأذنُ اليمنَى.\nوفي بعض المسانيدِ (^٤): \"أن النبيَّ - ﷺ - قرأَ في أُذُنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ\".\nوأخرجَ ابنُ السنِّي (^٥) عن الحسنِ أن عليًا - ﵁ - قالَ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"منْ ولدَ لهُ مولودٌ (^٦) فأذَّنَ في أُذُنِهِ اليمنَى وأقامَ الصلاةَ في أُذُنِهِ اليُسرى لم تضرُّه أمُّ الصبيانِ\"، وهي التابعةُ منَ الجنِّ.\nويستحبُّ [تحنيكُه] (^٧) بتمرٍ لما في الصحيحين (^٨) منْ حديثِ أبي موسى\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٥١٠٥).\n(^٢) في \"السنن\" (١٥١٤) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٣/ ١٧٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: عاصم ضعيف.\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٩، ٣٩١، ٣٩٢)، والبيهقي (٩/ ٣٠٥)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٣٣٦ رقم ٧٩٨٦).\nوهو حديث حسن بشاهده عند البيهقى في \"الشعب\" من حديث ابن عباس. وانظر: \"الإرواء\" (٤/ ٤٠٠ رقم ١١٧٣).\n(^٤) فلينظر من أخرجه؟!\n(^٥) في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٦٢٣) عن الحسين بن علي.\nوفيه جبارة بن المغلس: ضعيف. [الميزان (١/ ٣٨٧)].\nويحيى بن العلاء: رمي بالوضع. [الميزان (٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨)].\nومروان بن سالم: ضعيف. [الميزان (٤/ ٩٠ - ٩٢)].\nوعزاه الهيثمي في \"المجمع (٤/ ٥٩) لأبى يعلى، وقال: فيه \"مروان بن سالم الغفاري وهو متروك\".\nوتعقبه المناوي في \"فيض القدير\" (٦/ ٢٣٨): بقوله: \"تعصيبه الجناية برأسه وحده يؤذن بأنه ليس فيه مما يحمل عليه سواه، والأمر بخلافه، ففيه: \"يحيى بن العلاء البجلي الرازي\"، قال الذهبي في \"الضعفاء والمتروكين\": قال أحمد: كذَّاب وضاع.\nوقال في \"الميزان\" قال أحمد: كذاب يضع، \"ثم أورد له أخبارًا هذا منها\" اهـ.\nوانظر: \"الضعيفة\" للألباني رقم (٣٢١).\nوخلاصة القول: أن الحديث موضوع، واللهُ أعلم.\n(^٦) في (أ): \"ولد\".\n(^٧) في (أ): \"تحنيك المولود\".\n(^٨) البخاري (٥٤٦٧) و(٦١٩٨)، ومسلم (٢١٤٥).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١١/ ٢٧١ رقم ٢٨٢٠)، وأحمد (٤/ ٣٩٩).","vol":"7","page":357},{"text":"قالَ: ولدَ لي غلامٌ فأتيت به النبيَّ - ﷺ - فسمَّاه إبراهيمَ، وحنَّكهُ بتمرةٍ ودعَا لهُ بالبركةِ.\nالتحنيكُ أن يضعَ التمر ونحوَه في حنكِ المولوكِ حتَّى ينزلَ إلى جوفِه منهُ شيءٌ، وينبغي أنْ يكونَ المحنِّكُ من أهلِ الخيرِ ممن تُرجى بركتُه.\n* * *\n\nتم بحمد الله المجلَّد السابع من\n\"سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\"\nولله الحمد والمنَّة\nويليه المجلَّد الثامن\nوأَوله: [الكتاب الخامس عشر]\nكتاب الأيمان والنذور\n* * *","vol":"7","page":358},{"text":"[الكتاب الخامس عشر] كتاب الأَيمان والنذور\nالأَيمانُ بفتحِ الهمزةِ جمعُ يمينٍ، وأصلُ اليمينِ في اللغةِ اليدُ [الجارحة] (^١)، وأُطْلِقَتْ على الحلفِ لأنَّهم كانُوا إذا تحالفُوا أَخَذَ كلٌّ بيمينِ صاحبِه. والنذورُ: جمعُ نذرٍ، وأصلُه الإنذارُ بمعنَى التخويفِ، وعرَّفَهُ الراغبُ بأنهُ إيجابُ ما ليسَ بواجبٍ لحدوثِ أمرٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1367>النهي عن الحلف بغير الله</span>\n١/ ١٢٨٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ في رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَخلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(عن ابن عمرَ - ﵄ - عنْ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنهُ أدركَ عمرَ بنَ الخطابِ - ﵁ - في ركْبٍ) الركبُ رُكْبانُ الإبِلِ، اسمُ جَمْعٍ، أو جمعٌ، وهمُ العَشَرةُ فصاعِدًا، وقدْ يكونُ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) البخاري رقم (٦٦٤٦)، ومسلم رقم (١٦٤٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٢٤٩)، والترمذي رقم (١٥٣٤)، والنسائي (٧/ ٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٤٣١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٤٨٠ رقم ١٤)، وأحمد (٢/ ١١، ١٧، ١٤٢)، والطحاوي في \"المشكل\" (١/ ٣٥٥) وابن ماجه رقم (٢٠٩٤)، والدارمي (٢/ ١٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٦٠)، والحميدي رقم (٦٨٦).","vol":"8","page":5},{"text":"للخيلِ، (وعمرُ يحلفُ بأبيهِ، فناداهمُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ألا إنَّ اللَّهَ ينْهاكم أن تحلفُوا بآبائِكم، فمنْ كانَ حالِفًا فليحلفْ باللَّهِ)، ليسَ المرادُ أنهُ لا يحلفُ إلا بهذَا اللفظِ بدليلِ أنهُ كانَ يحلفُ بغيرِه نحوَ: \"مقلِّبِ القلوبِ\" كما [سيأتي (^١)] (^٢)، (أوْ ليصمُتْ) بضمِّ الميمِ مثلَ قتلَ يقتُلُ (متفقٌ عليهِ).\n٢/ ١٢٨١ - وَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (^٣) وَالنَّسَائِيِّ (^٤) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا: \"لَا تَحلِفُوا بِابَائِكُمْ، وَلَا بِأمهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُم صَادِقُونَ\". [صحيح]\n(وفي روايةٍ لأبي داودَ، والنسائيِّ عن أبي هريرةَ مرفُوعًا: لا تحلفُوا بآبائِكم، ولا بأمهاتِكم، ولا بالأندادِ). الندُّ بكسرِ أولهِ المِثْلُ، والمرادُ هنا أصنامُهم وأوثانُهم التي جعلُوها للَّهِ (تعالَى) أمثالًا لعبادتِهم إيَّاها وحَلِفِهِمْ بها، نحوَ قولِهِم: واللاتِ والعُزَّى، (ولا تحلفُوا باللهِ إلا وأنتُم صادقونَ). الحديثانِ [دليلان] (^٥) على النَّهْي عن الحلفِ بغيرِ اللهِ تعالَى، وهوَ للتحريمِ كما هوَ أصلُه، وبهِ قالتِ الحنابلةُ والظاهريةُ (^٦).\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٧): لا يجوزُ الحلفُ بغيرِ اللهِ تعالَى بالإجماعِ. وفي روايةٍ عنهُ: أن اليمينَ بغيرِ اللهِ مكروهةُ مَنْهِيٌّ عنْها لا يجوزُ لأحدِ الحلفُ بها. وقولُه: لا يجوزُ، بيانُ أنهُ أرادَ بالكراهةِ التحريمَ كما صرَّحَ بهِ أولًا، وقالَ الماورديُ: لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يحلِّفَ بغيرِ اللهِ (تعالَى) لا بطلاقٍ، ولا [بعتاق] (^٨)، ولا نذرٍ، وإذا حلَّفَ الحاكمُ أحدًا بذلكَ وجبَ عزلُه. وعندَ جمهورِ الشافعيةِ، والمشهورُ عن المالكيةِ أنهُ للكراهةِ، ومثلُه للهادويةِ ما لم يسوِّ في التعظيمِ.\n_________\n(^١) برقم (٦/ ١٢٨٥) من كتابنا هذا.\n(^٢) في (ب): \"يأتي\".\n(^٣) في \"السنن\" (٣٢٤٨).\n(^٤) في \"السنن\" (٣٧٦٩).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩)، وابن حبان (رقم ١١٧٦ - موارد) وهو حديث صحيح.\n(^٥) في (ب): \"دليل\".\n(^٦) انظر: \"المحلَّى\" (٨/ ٣٠، ٣١).\n(^٧) في \"الاستذكار\" (١٥/ ٩٥ رقم ٢١١٤٥).\n(^٨) في (ب): \"عتاق\".","vol":"8","page":6},{"text":"قلتُ: لا يخْفَى أن الأحاديثَ واضحةٌ في التحريمِ لما سمعتَ، ولما أخرجَ أبو داودَ (^١)، والحاكمُ (^٢)، [واللفظُ له] (^٣) منْ حديثِ ابن عمرَ أنهُ قالَ - ﷺ -: \"مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ كفرَ\"، وفي روايةِ للحاكمِ (^٤): \"كلُّ يمينٍ يُحْلَفُ بها دونَ اللهِ تعالَى شِرْكٌ\"، ورواهُ أحمدُ (^٥) بلفظِ: \"مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ فقدْ أشركَ\". وأخرجَ مسلمٌ (^٦): \"مَنْ حلفَ منكُمْ [فقالَ] (^٧) في حَلِفِهِ: واللَّاتِ والعُزَّى فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ\". وأخرجَ النسائيُّ (^٨) منْ حديثِ سعدِ بن أبي وقاص أنهُ حلفَ باللَّاتِ والعُزى قالَ: فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ - ﷺ - فقالَ: \"قلْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ علَى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وانفثْ عنْ يسارِكَ ثلاثًا، وتعوَّذْ باللَّهِ منَ الشيطانِ الرجيمِ ولا تعدْ\". فهذهِ الأحاديثُ [الأخيرةُ] (^٩) تقوِّي القولَ [بأنهُ\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣٢٥١).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٥٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٤/ ١١٠ رقم ١٥٣٥) وابن حبان (رقم: ١١٧٧ - موارد)، والطيالسي رقم (١٨٩٦)، وأحمد (٢/ ١٢٥) من طرق عن سعد بن عبيدة.\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقد أعلَّ بالانقطاع فقد قال البيهقي (١٠/ ٢٩: \"وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر\".\nقلت: وللحديث شواهد يكون بها صحيح إن شاء الله.\nوقد صحَّحه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٥٦١).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٨).\n(^٥) في \"المسند\" (٢/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٥/ ١٦٤٧).\nقلت: وأخرجه البخاري أيضًا (٦٦٥٠) كليهما من حديث أبي هريرة.\n(^٧) في (أ): \"وقال\".\n(^٨) في \"السنن\" (٧/ ٨ رقم ٣٧٧٧).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٠٩٧)، وابن حبان (رقم: ١١٧٨ - موارد)، وأحمد (١/ ١٨٣، ١٨٦، ١٨٧) من طريق أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن أبيه.\nورجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن أبا إسحاق وهو السبيعي واسمه عمرو بن عبد اللهِ كان اختلط، ثم هو مدلس وقد عنعنه.\nقلت: وله شاهد من حديث أبي هريرة المتقدم.\nوخلاصة القول: فهو حديث صحيح لغيره، واللهُ أعلم.\n(^٩) في (أ): \"وما في معناها\".","vol":"8","page":7},{"text":"محرَّم] (^١) لتصريحِها بأنهُ شركٌ منْ غيرِ تأويلٍ، ولذَا أمرَ النبي - ﷺ - بتجديدِ الإسلامِ والإتيانِ بكلمةِ التوحيدِ. واستدلَّ القائلُ بالكراهةِ بحديثِ: \"أفلحَ - وأبيهِ - إنْ صدقَ\"، أخرجَهُ مسلمٌ (^٢). وأُجِيْبَ عنهُ أوَّلَا بأنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٣): إنَّ هذهِ اللفظةَ غيرُ محفوظةٍ وقدْ جاءتْ عن راويْها: \"أفلحَ واللَّهِ إنْ صدقَ\"، بل زعمَ بعضُهم أنَّ راوْيها [صحَّفها، أي] (^٤): صحَّفَ [لفظة] (^٥): (واللَّهِ)، إلى: (وأبيهِ).\nوثانيًا: أنَّها لم تخرجْ مخرجَ القَسَمِ، بلْ هيَ منَ الكلامِ الذي يجري على الألسنةِ [من غير قصد معناها] (^٦) مثلَ: تربتْ يداهُ. وقولُنا: منْ غيرِ تأويلٍ، إشارةً إلى تأويلِ القائلِ بالكراهةِ فإنهُ تأوَّلَ قولَه: \"فقدْ أشركَ\" بما قالَهُ الترمذيُّ: قدْ حملَ بعضهم مثلَ هذَا على التغليظِ كما حملَ بعضُهم قولَه: \"الرياءُ شركٌ\" علَى ذلكَ. وأجيبَ بأنَّ هذَا إنَّما [يدفعُ] (^٧) القولَ بكفرِ مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ ولا يرفعُ التحريمَ، كما أن الرياءَ محرَّمٌ اتفاقًا، ولا يكفرُ مَنْ فعلَه كما قالَ ذلكَ البعضُ. واستدلَّ القائلُ بالكراهيةِ بأنَّ اللَّهَ تعالَى قدْ أقسمَ في كتابهِ المجيد بالمخلوقاتِ منَ الشمسِ (^٨) والقمرِ (^٩) وغيرِهما (^١٠). وأُجِيْبَ بأنهُ ليسَ للعبدِ الاقتداءُ بالربِّ تعالَى،\n_________\n(^١) في (أ): \"بالتحريم\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٩/ ١١).\nقلت: وأجاب صاحب \"الروضة الندية\" (٢/ ٣٥٧) بتحقيقنا بجوابين: أحدهما: أن فيه إضمارًا معناه: \"ورب أبيه … \"، وثانيهما: وهو الأصح أن النهي إنما وقع عمَّا كان على قصد التعظيم للمحلوف باسمه.\n(^٣) في \"التمهيد\" (١٤/ ٣٦٧): \"فإن احتج محتج بحديث يروى عن إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد اللهِ في قصة الأعرابي النجدي أن النبي - ﷺ - قال: \"أفلح - وأبيه - إن صدق\"، قيل له: هذه لفظة غير محفوظة في هذا الحديث من حديث من يحتج به، وقد روى هذا الحديث مالك وغيره عن أبي سهيل، لم يقولوا ذلك فيه وقد روي عن إسماعيل بن جعفر هذا الحديث، وفيه: أفلح - واللهِ - إن صدق، أو دخل الجنة - واللهِ - إن صدق\"، وهذا أولى من رواية من روى \"وأبيه\" لأنها لفظة منكرة تردُّها الآثار الصِّحاح، وباللهِ التوفيق\" اهـ.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زياد من (أ).\n(^٧) في (أ): \"يرفع\".\n(^٨) كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١].\n(^٩) كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢].\n(^١٠) كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١].","vol":"8","page":8},{"text":"فإنهُ يفعلُ ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ على أنَّها كلُّها مؤوَّلةٌ بأنَّ المرادَ وربِّ الشمسِ ونحوِهِ. ووجْهُ التحريمِ أن الحِلفَ يقتضي تعظيمَ المحلوفِ بهِ، ومنعَ النفسِ عن الفعلِ أو عزْمَها عليهِ بمجردِ عظمةِ مَنْ حلفَ بهِ، وحقيقةُ العظمةِ مختصَّةٌ باللَّهِ تعالَى، فلا يلحقُ بهِ غيرُه. ويحرمُ الحلِفُ بالبراءةِ منَ الإسلامِ، أوْ منَ الدينِ، أو بأنهُ يهوديٌّ أوْ نحوُ ذلكَ لما أخرجَهُ أبو داودَ (^١)، وابنُ ماجهْ (^٢)، والنسائيُّ (^٣) بإسنادٍ على شرطِ مسلم منْ حديثِ بريدةَ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ حلفَ فقالَ إني بريءٌ منَ الإسلامِ، فإن كانَ كاذِبًا فهو كما قالَ، وإنْ كانَ صادِقًا فلنْ يرجِعَ إلى الإسلامِ سالِمًا\". والأظهرُ عدمُ وجوبِ الكفارةِ في الحلِفِ بهذهِ المحرَّماتِ، إذِ الكفارةُ مشروعةٌ فيما أذِنَ اللهُ (تعالَى) أنْ يحلفَ بهِ لا فيما نَهَى عنهُ، ولأنهُ لم يذكرِ الشارعُ كفارةً بلْ ذكرَ أنهُ يقولُ كلمةَ التوحيدِ لا غيرُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1368>اعتبار نية المستحلف في اليمين</span>\n٣/ ١٢٨٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَال: قَال رَسُول اللهِ - ﷺ -: \"يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ\" (^٤). [صحيح]\n- وَفي رِوَايَةٍ: \"الْيَمِينُ عَلَى نِيةِ الْمُسْتَحْلِفِ\" (^٥)، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: يمينُكَ علَى ما يصدِّقُكَ بهِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٢٥٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢١٠٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٧/ ٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥، ٣٥٦)، والحاكم (٤/ ٢٩٨) وعنه البيهقي (١٠/ ٣٠) من طريق الحسين بن واقد ثنا عبد اللهِ بن بريدة عن أبيه به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين\"، ووافقه الذهبي.\nقلت: الحسين بن واقد إنما أخرج له البخاري تعليقًا، فهو على شرط مسلم وحده.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، واللَّهُ أعلم.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (١٦٥٣)، وأحمد (٢/ ٢٢٨، ٣٣١)، والترمذي رقم (١٣٥٤)، وابن ماجه رقم (٢١٢١)، والدارمي (٢/ ١٨٧)، وأبو داود رقم (٣٢٥٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٥١٤).\n(^٥) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٢١/ ١٦٥٣)، وابن ماجه رقم (٢١٢٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٥١٥).","vol":"8","page":9},{"text":"صاحِبُكَ، وفي روايةٍ: اليمينُ على نيةِ المستحلِفِ. أخرجَهما مسلمٌ). دلَّ الحديث على أن اليمينَ تكونُ على نيةِ المحلِّفِ، ولا تنفعُ نيةُ الحالِفِ إذا نَوَى بها غيرَ ما أظهرهُ. وظاهرُه الإطلاقُ سواءً كانَ المحلِّفُ لهُ الحاكمَ أو المدَّعي للحقِّ، والمرادُ حيثُ كانَ المحلفُ له التحليفُ كما يشيرُ إليه قولُه: \"على ما يصدِّقكَ بهِ صاحبُكَ\"؛ فإنهُ يفيدُ أن ذلكَ حيثُ كانَ للمحلِّفِ التحليفُ وهوَ حيثُ كانَ صادِقًا فيما [ادَّعاهُ] (^١) على الحالِفِ، وأما لو كانَ غيرَ ذلكَ كانتِ النيةُ نيةَ الحالِفِ. واعتبرتِ الشافعيةُ أنْ يكونَ المحلِّفُ الحاكمَ وإلا كانتِ النيةُ نيةَ الحالِفِ.\nقالَ النوويُّ (^٢): وأما إذا حلفَ بغيرِ استحلافٍ، وورَّى فتنفعُه ولا يحنثُ، سواءٌ حلفَ ابتداءً منْ غيرِ تحليفٍ أوْ حلَّفه غيرُ القاضي، أو غيرُ نائبهِ، ولا اعتبارَ في ذلكَ نية المحلِّفِ [بكسرِ اللام غيرُ القاضي] (^٣). والحاصلُ أن اليمينَ علَى نيةِ الحالِفِ في جميعِ الأحوالِ إلَّا إذا استحلفَهُ القاضي أو نائبُه في دعْوى [توجَّهتْ] (^٤) عليهِ، فتكونُ [اليمينُ على] (^٥) نيةِ المستحلِفِ، وهوَ مرادُ الحديثِ. أما إذا حلفَ بغيرِ استحلافِ القاضي أو نائبِه في دعْوى توجَّهتْ عليهِ فتكونُ اليمينُ على نيةِ الحالفِ، وسواءٌ في هذا كلِّهِ اليمينُ باللهِ تعالَى، أوْ بالطلاقِ والعتاقِ، إلا أنهُ إذا حلَّفهُ القاضي بالطلاقِ والعتاقِ فتنفعُه التوريةُ، ويكونُ الاعتبارُ بنيةِ الحالِفِ لأنَّ القاضي ليسَ لهُ التحليفُ بالطلاقِ والعتاقِ، وإنما يستحلفُ باللهِ اهـ.\nقلتُ: ولا أدري مِنْ أينَ جاءَ تقييدُ الحديثِ بالقاضي أو نائبه، بلْ ظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا استحلفَه مَنْ لهُ الحقُّ فالنيةُ نيةُ المستحلِفِ [مُطْلقًا] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1369>من حلف فرأى الحِنث خيرًا كفَّر عن يمينه</span>\n٤/ ١٢٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n_________\n(^١) في (أ): \"دعواه\".\n(^٢) في \"شرح صحيح مسلم\" (١١/ ١١٧).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"توجه\".\n(^٥) في (أ): \"النية\".\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"8","page":10},{"text":"\"وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّر عَنْ يَمِينِكَ، وَائتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوفي لَفْظٍ للْبُخَارِيِّ (^٢): \"فَائتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ\". [صحيح]\nوَفي رِوَايَةٍ لأَبي دَاوُدَ (^٣): \"فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُم ائتِ الَّذِي هُوَ خَيرٌ\".\nوإسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ. [صحيح]\n(وعنْ عبدِ الرحمنِ بن سمرةَ) (^٤) بن حبيبٍ بن عبدِ شمسٍ العَبْشميِّ أبو سعيدٍ، [كنيته] (^٥)، صحابيٌّ منْ مسلمةِ الفتحِ، افتتحَ سجستانَ، ثمَّ سكنَ البصرةَ وماتَ بها سنةَ خمسينَ أو بعدَها. (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إذا حلفتَ على يمينِ) أي على محلوفٍ منهُ سمَّاهُ يمينًا مجازًا، (ورأيتَ غيرَها خيرًا منها فكفِّر عنْ يمينِكَ، وأتِ الذي هوَ خيرٌ. متفقٌ عليهِ. وفي لفظِ للبخاريِّ: فأتِ الذي هوَ خيرٌ، وكفِّر عنْ يمينِكَ. وفي روايةِ لأبي داودَ)، [عنْ عبدِ الرحمنِ أيضًا] (^٦): (فكفِّر عنْ يمينِكَ، ثمَّ ائْتِ الذي هوَ خيرٌ. وإسنادُهما) بالتثنيةِ أي: لفظُ البخاريِّ، وروايةُ أبي داودَ. والأَوْلَى إفرادُ الضميرِ ليعودَ إلى روايةِ أبي داودَ فقطْ لما عُلِمَ منْ عُرْفِهِمْ إنَّ ما في الصحيحينِ صحيحٌ لا يحتاجُ إلى أنْ يقالَ إسنادُه (صحيحٌ). الحديثُ دليلٌ على أن مَنْ حلفَ على شيءٍ وكانَ تركُهُ خيرًا منَ التمادي على اليمينِ وجبَ عليهِ التكفيرُ، وإتيانُ [الذي] (^٧) هوَ خيرٌ كما يفيدُه الأمرُ، ولكنَّه صرَّحَ الجماهيرُ [بأن ذلك\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٦٢٢)، ومسلم (١٩/ ١٦٥٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٦٢، ٦٣)، والدارمي (٢/ ١٨٦)، والطيالسي رقم (١٣٥١)، وأبو داود رقم (٣٢٧٨)، والنسائي (٧/ ١٠)، والبيهقي ١٠/ ٥٢، ٥٣)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٧١٤٧).\n(^٣) في السنن رقم (٣٢٧٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" رقم (١٤٤٠)، و\"الإصابة\" رقم (٥١٤٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٥٧١)، و\"أسد الغابة\" رقم (٣٣٢٣).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب)\n(^٧) في (ب): \"ما\".","vol":"8","page":11},{"text":"مستحب لا واجب] (^١). وظاهرُ وجوبِ تقديمِ الكفارةِ، ولكنَّهُ ادَّعَى الإجماعَ على عدمِ وجوب تقديمِها، وعلى جوازِ تأخيرها إلى بعدَ الحنثِ [لا يصحُّ تقديمُها قبلَ اليمينِ. وَدلتْ روايةُ: \"ثمَّ ائْتِ الذي هوَ خيرٌ\" على أنهُ يقدمُ الكفارةَ] (^٢) [قبل الحنث] (^٣) [للاقتضاء] (^٤)، (ثمَّ) الترتيبَ، وروايةُ الواوِ تُحْمَلُ علَى روايةِ (ثمَّ) حملًا للْمطلَقِ على المقيَّدِ، فإنْ تمَّ الإجماعُ [على جوازِ تأخيرِها] (^٥)، وإلا فالحديثُ دالٌ على وجوبِ تقديمِها. وممنْ ذهبَ إلى جوازِ تقديمِها على الحنْثِ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما، وأربعةَ عشر [صحابيًا] (^٦)، وجماعةٌ منَ التابعينَ، وهوَ قولُ جماهيرِ العلماء (^٧). لكنْ قالُوا: يستحبُّ تأخيرُها عن الحنثِ، وظاهرُه أن هذا جارٍ في جميعِ أنواعِ [الكفارات] (^٨).\nوذهبَ الشافعيُّ إلى عدمِ إجزاءِ تقديمِ التكفيرِ بالصومِ وقالَ: لا يجوزُ قبلَ الحنثِ لأنَّها عبادةٌ بدنيةٌ، لا يجوزُ تقديمُها على وقْتِها كالصلاةِ وصومِ رمضانَ، وأما التكفيرُ بغيرِ الصوم فجائزٌ تقديمُه كما يجوزُ تعجيلُ الزكاةِ. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا يجوزُ تقديمُ التكفيرِ على الحنثِ على كلِّ حالٍ.\nقالتَ الهادويةُ: لأنَّ سببَ وجوبِ الكفارةِ هوَ مجموعُ الحنثِ واليمينِ، فلا يصحُّ التقديمُ قبلَ تمامِ سببِ الوجوبُ، وعندَ الحنفيةِ السببُ الحِنْثُ (^٩).\n_________\n(^١) في (ب): \"بأنه إنه إنما يستحب له ذلك لا أنه يجب\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب): \"الاقتضاء\".\n(^٥) في (أ): \"فذلك\".\n(^٦) في (ب): \"من الصحابة\".\n(^٧) قال مالك، والشافعي، والليث بن سعد، والأوزاعي، وعبد اللهِ بن المبارك، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق: لا بأس أن يكفر قبل الحنث.\nوقال مالك، والشافعي، والثوري: ولو حنث ثم كفَّرَ كانَ أحبَّ إلينا.\nقال أبو عمر: رُويَ جوازُ الكفارة قبل الحنث عن ابن عمر، وسلمان، ومسلمةَ بن مخلد، وأبي الدرداء، وابن سيرين، وجابر بن زيد.\n[انظر: \"الاستذكار\" (١٥/ ٧٨ - ٧٩)].\n(^٨) في (ب): \"الكفارة\".\n(^٩) وقدم الحِنْثُ قبل الكفارة في حديث:\n• عدي بن حاتم: الذي أخرجه مسلم رقم (١٧/ ١٦٥١)، والنسائي (٧/ ١١)، والبيهقي =","vol":"8","page":12},{"text":"ولا يخْفَى أن الحديثَ [دلَّ] (^١) على خلافِ ما علَّلُوا بهِ، وذهبُوا إليهِ.\nفالقولُ الأولُ أقربُ إلى العملِ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1370>الاستثناء في اليمين</span>\n٥/ ١٢٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ (^٢) - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَالأَرْبَعَةُ (^٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ (٢) - ﵄ - أَن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: منْ حلفَ على يمينٍ فقالَ: إنْ شاءَ الله فلا حنثَ عليهِ. رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحَّحَة ابن حبَّانَ).\n_________\n= (١٠/ ٣٢)، وأحمد (٤/ ٢٥٧، ٢٥٩)، والطيالسي رقم (١٠٢٧).\n• وأبي الدرداء: الذي أخرجه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٨٤).\n• وعائشة: الذي أخرجه البخاري رقم (٤٦١٤) ورقم (٦٦٢١).\nوعبد الله بن عمرو الذي أخرجه أحمد (٢/ ١٨٥) و(٢/ ٢١١) و(٢/ ٢١٢)، والطيالسي رقم (٢٢٥٩)، والنسائي (٧/ ١٠)، وابن ماجه رقم (٢١١١)، والبيهقي (١٠/ ٣٣، ٣٤).\n• وأنس: أخرجه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح. كما في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٨٣).\n• وأبي موسى: الذي أخرجه البخاري رقم (٦٦٢٣)، ومسلم رقم (١٠/ ١٦٤٩)، وأبو داود رقم (٣٢٧٦)، وابن ماجه رقم (٢١٠٧)، والنسائي (٧/ ٩).\nكل هؤلاء روَوا عن النبي - ﷺ - هذا الحديث فقالوا فيه: \"فليأت الذي هو خير، ثم ليكفِّر عن يمينه بتبدية الحنث قبل الكفارة\".\n(^١) في (ب): \"دال\".\n(^٢) في \"المخطوطة\" (ب): عن أبي هريرة. وفي (أ): عن ابن عمر وهو الأوفق لكلام الصنعاني في شرحه.\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ٦٨، ١٢٧، ١٥٣).\n(^٤) أبو داود رقم (٣٢٦٢)، والترمذي رقم (١٥٣١)، وابن ماجه رقم (٢١٠٥)، والنسائي (٧/ ١٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٤٣٤٢). وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن.\nقلت: وأخرجه البيهقي (١٠/ ٤٦). والخلاصة: أن الحديث صحيح.","vol":"8","page":13},{"text":"قالَ الترمذيُّ (^١): لا نعلمُ أحدًا رفعَه غيرَ أيوبَ السختيانيِّ، قالَ ابنُ عليةَ: كانَ أيوبُ يرفعهُ تارةً وتارةً لا يرفعُه.\nقالَ البيهقيُّ: لا يصحُّ رفْعُه إلا عنْ أيوبَ معَ أنهُ شكَّ فيهِ.\nقلتُ: كأنهُ يريدُ أنهُ رفعهُ تارةً ووقفَهُ أُخْرى، ولا يخْفَى أن أيوبَ ثقةٌ حافظٌ لا يضرُّ تفردُه برفعِه، وكونُهُ وقفَه تارةً لا يقدحُ فيهِ، لأنَّ رفعَهُ زيادةُ عدلٍ مقبولةٌ، وقدْ رفعهُ عبدُ اللهِ العمريُّ، وموسى بنُ عقبةَ، وكثيرُ بنُ فرقدٍ، [وأيوبُ بنُ موسَى] (^٢)، وحسانُ بنُ عطيةَ كلُّهم عنْ نافعٍ مرفوعًا، [فقويَ] (^٣) رفْعُه على أنهُ وإنْ كانَ موقُوفًا فلهُ حكمُ الرفعِ؛ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ. وإلى ما أفادَه الحديثُ ذهبَ الجماهيرُ، وقالَ ابنُ العربي (^٤): أجمعَ المسلمونَ بأنَّ قولَه: إنْ شاءَ اللهُ، يمنعُ انعقادَ اليمينِ بشرطِ كونِه متصلًا. قالَ: ولو جازَ منفصِلًا كما [قالَ] (^٥) بعضُ السلفِ لم يحنثْ أحدٌ في يمينٍ ولم يحتجْ إلى [الكفارةِ] (^٦). واختلفُوا في زمنِ الاتصالِ.\nفقالَ الجمهورُ: هوَ أنْ يقولَ إنْ شاءَ اللهُ متصلًا باليمينِ من غيرِ سكوتٍ بينَهما [ولا يضرُّه التنفسُ] (^٧).\nقلتُ: وهذَا هوَ الذي تدلُّ لهُ الفاءُ في قولِه: \"فقالَ\". وعنْ طاوسٍ والحسنِ وجماعةٍ منَ التابعينَ أن لهُ الاستثناءَ ما لم يقمْ منْ مجلسِه، [وقال عطاءٌ] (^٨): قدْرَ حلبةِ الناقةِ.\nوقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ: بعدَ أربعةَ أشهرٍ، وقالَ ابنُ عباسٍ لهُ الاستثناءُ أبدًا حتى يذكرهُ.\nقلتُ: وهذهِ تقاديرُ خاليةٌ عن الدليلِ. وقدْ تأوَّلَ بعضُهم هذهِ الأقاويلَ بأنَّ مرادَهم أنهُ يستحبُّ لهُ أنْ يقولَ إنْ شاءَ اللهُ تبرّكًا أو وجوبًا كما ذهبَ إليهِ بعضُهم\n_________\n(^١) في السنن (٤/ ١٠٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"يقوي\".\n(^٤) في \"عارضة الأحوذي\" (٧/ ١٣).\n(^٥) في (أ): \"زعم\".\n(^٦) في (أ): \"كفارة\".\n(^٧) في (أ): \"ولا يضر النفس\".\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"8","page":14},{"text":"لقولِه تعالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^١)، فيكونُ الاستثناءُ رافِعًا للإثمِ الحاصلِ بتركهِ، أو لتحصيلِ ثوابِ الندبِ على القولِ باستحبابِه، ولم يريدُوا بهِ حلَّ اليمينِ ومنعَ الحِنْثِ. واختلفُوا: هلِ الاستثناءُ مانعٌ للحنثِ في الحلفِ باللَّهِ وغيرِه منَ الظهارِ والنذرِ والإقرارِ؟ فقالَ مالكٌ: لا ينفعُ إلا في الحلفِ باللَّهِ دونَ غيرِه واستقواهُ ابنُ العربي، واستدلَّ بأنهُ تعالَى قالَ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ (^٢)، قال: الاستثناء أخو الكفارة، فلا يدخلُ في ذلكَ إلا اليمينُ الشرعيةُ، وهيَ الحلفُ باللَّهِ. وذهبَ أحمدُ إلى أنهُ لا يدخلُ العتقُ لما أخرجَهُ البيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ معاذٍ مرفُوعًا: \"إذا قالَ لامرأتِه أنتِ طالقٌ إنْ شاءَ اللهُ لم تطلُقْ، وإذا قالَ لعبدِه أنتَ حرٌّ إنْ شاءَ اللهُ، فإنهُ حرٌّ\". إلا أنهُ قالَ البيهقيُّ: [تفرَّدَ] (^٤) بهِ حميدُ بنُ مالكٍ وهوَ مجهولٌ (^٥)، واختُلِفَ عليهِ في إسنادِهِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أن الاستثناءَ بقولِه إنْ شاءَ اللهُ يعتبر فيهِ أنْ يكونَ المحلوفُ عليهِ فيما يشاؤه اللهُ أوْ لا يشاؤُه، فإنْ كانَ مما يشاؤُه اللهُ بأنْ كانَ واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا في المجلسِ، أو حالَ التكلُّمِ، لأنَّ مشيئةَ اللهِ حاصلةٌ في الحالِ، فلا تبطلُ اليمينُ بل [تنعَقدُ] (^٦) بهِ، وإنْ كانَ لا يشاؤُه بأنْ يكونَ محظورًا أوْ مكْروهًا فلا تنعقدُ اليمينُ، فجعلُوا حكمَ الاستثناءِ بالمشيئةِ حكمَ التقييدِ بالشرطِ، فيقعُ المعلَّق عندَ وقوعِ المعلَّقِ بهِ وينتفي بانتفائِه، وكذا قولُه: إلا أنْ يشاءَ اللهُ، حكْمُه حكمُ إنْ شاءَ اللهُ. ولا يخْفَى أن الحديثَ لا تطابقُه هذهِ الأقوالُ. وفي قولِه: فقالَ \"إنْ شاءَ اللهُ\" دليلٌ على أنهُ لا يكفي في الاستثناءِ النيةُ، وهوَ قولُ كافةِ العلماءِ، وحُكِيَ عنْ بعضِ المالكيةِ صحةُ الاستثناءِ بالنيةِ منْ غيرِ لفظٍ. وإلى هذا أشارَ البخاريُّ وبوَّبَ عليهِ: بابُ النيةِ في الأَيْمانِ (^٧)، (يعني بفتحِ الهمزةِ). ومذهبُ الهادويةِ صحةُ الاستثناءِ بالنيةِ وإنْ لم يلفظْ بالعمومِ إلا منْ عددٍ منصوصٍ، فلا بدَّ منَ الاستثناءِ باللفظِ.\n_________\n(^١) سورة الكهف: الآية ٢٤.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٦١) بسند ضعيف جدًّا.\n(^٤) في (أ): \"يتفرد\".\n(^٥) انظر ترجمته في: \"الميزان\" (١/ ٦١٦)، والمغني في الضعفاء (١/ ١٩٥)، و\"الكامل\" (٢/ ٦٩٤).\n(^٦) في (أ): \"تنقيد\".\n(^٧) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٧١ رقم الباب ٢٣).","vol":"8","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1371>كيف كانت يمين النبي - ﷺ </span>-؟\n٦/ ١٢٨٥ - وَعَنْهُ - ﵄ - قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبيِّ - ﷺ -: \"لا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: كانتْ يمينُ رسولِ الله - ﷺ - لا ومقلِّبَ القلوبِ. رواهُ البخاريُّ). المرادُ أن هذا اللفظَ الذي كانَ يواظبُ عليهِ - ﷺ - في القسمِ. وقدْ ذكرَ البخاريُّ الألفاظَ التي كانَ - ﷺ - يقسمُ بها: \"لا ومقلِّبَ القلوبِ\"، وفي روايةٍ: (لا ومصرِّفِ القلوب (^٢)، والذي نفسي بيدِه (^٣) - والذي نفسُ محمدٍ بيدِه (^٤) - واللَّهِ (^٥) - وربِّ الكعبةِ) (^٦). ولابنِ أبي شيبةَ (^٧): (كانَ إذا اجتهدَ في اليمينِ قالَ: لا والذي نفسُ أبي القاسمِ بيدِه). ولابنِ ماجهْ (^٨): (كان يمينُ رسولِ اللهِ - ﷺ - التي يحلفُ بها: أشهدُ عندَ اللهِ، والذي نفسي بيدهِ). والمرادُ بتقليبِ القلوبِ تقليبُ أعراضِها وأحوالِها، [لا تقليبُ] (^٩) [ذات القلبِ] (^١٠).\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٢٣ رقم ٦٦٢٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٢٦٣)، والترمذي رقم (١٥٤٠)، والنسائي (٧/ ٢).\n(^٢) أخرجه النسائي (٧/ ٢، ٣ رقم ٣٧٦٢)، وابن ماجه رقم (٢٠٩٢) من حديث ابن عمر، وهو حديث صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري (١١/ ٥٢٣ رقم ٦٦٢٩) من حديث جابر بن سمرة.\n(^٤) أخرجه البخاري (١١/ ٥٢٣ رقم ٦٦٣٠) من حديث أبي هريرة.\n(^٥) أخرجه البخاري (١١/ ٥٢٣ رقم ٦٦٣١) من حديث عائشة.\n(^٦) أخرجه البخاري (١١/ ٥٢٤ رقم ٦٦٣٨)، ومسلم رقم (٩٩٠) من حديث أبي ذر.\n(^٧) وكذلك أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٣/ ٥٧٧ رقم ٣٢٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري وهو ضعيف.\n(^٨) في \"السنن\" (١/ ٦٧٦ رقم ٢٠٩١) من حديث رفَاعَةَ بن عَرَابَةَ الجهني وسنده ضعيف لضعف محمد بن مصعب، وعبد الملك بن محمد، ولكن لم ينفردا به عن الأوزاعي.\nكما رواه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" عن إسحاق بن منصور عن أبي المغيرة، وعن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة كلاهما عن الأوزاعي به.\nانظر: \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٤١ رقم ٧٣٦/ ٢٠٩١).\nقلت: الحديث صحيح بالمتابعة التي أخرجها أحمد في \"المسند\" (٤/ ١٦) والتي أخرجها النسائي.\nإحداهما على شرط الشيخين، والثانية: على شرط البخاري. انظر: \"الصحيحة\" رقم (٢٠٦٩).\n(^٩) في (أ): \"لا تقلب\".\n(^١٠) في (أ): \"ذوات القلوب\".","vol":"8","page":16},{"text":"قالَ الراغبُ (^١): \"تقليبُ اللهِ القلوبَ والبصائرَ صرفُها عنْ رأيٍ إلى رأيٍ. والتَّقَلُّبُ التصرفُ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ (^٢) قالَ ابنُ العربيِّ (^٣): القلبُ جزءٌ منَ البدنِ [خلقَهُ] (^٤) اللهُ وجعله للإنسانِ محلَّ العلمِ والكلامِ وغيرِ ذلكَ منَ الصفاتِ الباطنةِ، وجعلَ ظاهرَ البدنِ محلَّ التصرفاتِ الفعليةِ والقوليةِ، ووكَّلَ بهِ ملَكًا يأمرُ بالخيرِ، وشيطانًا يأمرُ بالشرِّ. والعقلُ بنوره يهديهِ، والهوَى بظلمتِه يُغْوِيهِ، والقضاءُ مسيطرٌ على الكلِّ. والقلبُ يتقلَّبُ بينَ الخواطرِ الحسنةِ والسيئةِ، [واللمَّةُ منَ الملكِ تارةً ومنَ الشيطانِ أُخْرى، والمحفوظُ] (^٥) [مَنْ حفظَهُ اللهُ] (^٦) اهـ.\nقلتُ: وقولُه: والكلام بناءً منهُ على إثباتِ الكلام النفسيِّ، وأنَّ محلَّه القلبُ. وقولُه - ﷺ -: (لا) ردٌّ ونفيٌ للسابقِ منَ الكلامِ. والحديثُ دليل على جوازِ الإقسام بصفةٍ منْ صفاتِ اللهِ، وإنْ لم تكنْ منْ صفاتِ الذاتِ. وإلى هذا ذهبتِ الهادوية حيثُ قالُوا: الحلفُ باللَّهِ أو بصفةٍ لذاتِه، أو لفعلِه لا يكونُ على ضدِّها، ويريدونَ بصفةِ الذاتِ كالعلمِ والقدرةِ، ولكنَّهم قالُوا: لا بدَّ منْ إضافَتِها إلى اللهِ تعالَى، كعلمِ اللهِ، ويريدونَ بصفةِ الفعلِ العهدَ والأمانة إذا أُضِيْفَتْ إلى اللهِ (تعالَى) إلَّا أنهُ قدْ وردَ حديثٌ في النهي عن الحلفِ بالأمانةِ أخرجَهُ أبو داودَ (^٧) منْ حديثِ بريدةَ بلفظِ: \"منْ حلفَ بالأمانةِ فليسَ منَّا\"؛ وذلكَ لأنَّ الأمانةَ ليستْ منْ صفاتِه تعالَى بلْ من فروضهِ على العبادِ، وقولُهم: لا يكونُ على ضدِّها احترازٌ عن الغضبِ والرِّضَا والمشيئةِ فلا [تنعقدُ] (^٨) بها اليمينُ. وذهبَ ابنُ حزم (^٩) - وهوَ ظاهرُ كلامِ المالكيةِ والحنفيةِ - أن جميعَ الأسماءِ الواردةِ في القرآنِ والسنةِ\n_________\n(^١) في \"المفردات في غريب القرآن\" (ص ٤١١).\n(^٢) سورة النحل: الآية ٤٦.\n(^٣) في \"عارضة الأحوذي\" (٧/ ٢٢).\n(^٤) في (أ): \"خلق\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٥٧١ رقم ٣٢٥٣)، وهو حديث صحيح.\nوأورده الألباني في الصحيحه رقم (٩٤).\n(^٨) في (أ): \"ينعقد\".\n(^٩) في \"المحلَّى\" (٨/ ٣٠).","vol":"8","page":17},{"text":"الصحيحةِ، وكذَا الصفاتُ صريحٌ في اليمينِ ويجبُ [به] (^١) الكفارةُ، وفصَّلتِ الشافعيةُ في المشهورِ عنْهم والحنابلةُ فقالُوا: إنْ [كانَ] (^٢) اللَّفظُ يختصُّ باللَّهِ تعالَى كالرحمنِ، وربِّ العالمينَ، وخالقِ الخلقِ، فهوَ صريحٌ تنعقد بهِ اليمينُ، سواءٌ قصدَ اللَّهَ تعالى أو أطْلَقَ، وإنْ كانَ يطلقُ عليهِ تعالَى وعلى غيرِه [لكنْ يقيَّدُ] (^٣) كالربِّ والخالقِ فتنعقدُ بهِ اليمينُ إلَّا أنْ يقصدَ بهِ غيرَه تعالَى، وإنْ كانَ يطلقُ عليهِ تعالَى وعلى غيرِه على السواءِ نحوَ الحيِّ والموجودِ، فإنْ نوَى غيرَ اللهِ تعالَى أو أطلقَ فليسَ بيمينٍ، وإنْ نَوى بهِ اللَّهَ تعالَى انعقدَ على الصحيحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1372>ما يُحلف عليه</span>\n٧/ ١٢٨٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: \"الْيَمِينُ الْغَمُوسُ\". وَفِيهِ: قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: \"الَّتي يَقْتَطِعُ بها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ\"، أَخْرَجَهُ البخاري (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عبدِ اللهِ بن عمرٍو) أي ابن العاصِ (قالَ: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما الكبائرُ؟ فذكرَ الحديثَ. وفيهِ: اليمين الغموسُ)، وهيَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وضمِّ الميمِ آخرَه مهملةٌ (وفيهِ قلتُ:) ظاهرُه أن السائلَ ابنُ عمرٍو راوي الحديثِ، والمجيبَ هوَ النبيُّ - ﷺ -، ويحتملُ أنْ يكونَ السائلُ غيرَ عبدِ اللهِ لعبدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ المجيبُ، والأولُ أظهرُ (^٥). (وما اليمين الغموسُ؟ قالَ: [التي يَقْتَطِعُ] (^٦) بها مالَ امريءٍ مسلمٍ هوَ فيها كاذبٌ. أخرجَه البخاريُّ).\nاعلمْ أن اليمينَ إما أنْ تكونَ بعقدِ قلبٍ وقصدٍ أوْ لا، بلْ تجري على\n_________\n(^١) في (أ): \"بها\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"لا يقيد\".\n(^٤) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٥٥ رقم ٦٦٧٥)، و(١٢/ ١٩١ رقم ٦٨٧٠) و(١٢/ ٢٦٤ رقم ٦٩٢٠).\n(^٥) قال الحافظ في \"فتح الباري\" (١١/ ٥٥٦): \"فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسؤول الشعبي وهو عامر، فللَّه الحمد على ما أنعم، ثم للهِ الحمد ثم للهِ الحمد، فإني لم أر من تحرَّر له ذلك من الشرَّاح\" اهـ.\n(^٦) في (أ): \"الذي يقطع\".","vol":"8","page":18},{"text":"اللسانِ بغيرِ عقدِ قلبٍ إنَّما يقع بحسبِ ما تعوَّدهُ المتكلمُ، سواءً كانتْ بإثباتٍ أوْ نفي نحوَ: واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ، ولَا واللَّهِ، فهذهِ هي اللغوُ الذي قالَ اللهُ تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^١) كما يأتي دليلُه، وإنْ كانتْ عنْ عقدِ قلبٍ فينظرُ إلى حالِ المحلوفِ عليهِ، فينقسمُ بحسبِه إلى أقسامٍ خمسةٍ: إمَّا أنْ يكونَ معلومَ الصدقِ، أوْ معلومَ الكذبِ، أوْ مظنونَ الصدقِ، أو مظنونَ الكذبِ، أو مشكوكًا فيهِ:\nفالأولُ: يمينٌ برَّةٌ صادِقةٌ وهيَ التي وقعتْ في كلامِ اللهِ تعالَى نحوَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ (^٢)، ووقعتْ في كلامِ رسولِ اللهِ - ﷺ -. قالَ ابنُ القيِّمِ (^٣): إنهُ - ﷺ - حلفَ في أكثرَ منْ ثمانينَ موضِعًا، وهذهِ هيَ المرادةُ في حديثِ: \"إنَّ اللَّهَ تعالَى يحبُّ أنْ يُحْلَفَ بهِ\" (^٤)، وذلكَ لما يتضمنُ منْ تعظيمِ اللهِ تعالَى.\nوالثاني: وهوَ معلومُ الكذبِ اليمينُ الغموسُ، ويُقَالُ لها الزورُ والفاجرةُ، وسُمِّيَتْ في الأحاديثِ: يمينَ صبرٍ ويمينًا مصبورةً، قالَ في \"النهايةِ\" (^٥): سمِّيتْ غموسًا لأنَّها تغمسُ صاحبَها في النارِ، فعلَى هذا هيَ فعولٌ بمعنَى فاعلٍ. وقدْ فسَّرها في الحديثِ بالتي يُقْتَطَعُ بها مالُ المرءِ المسلم، فظاهرُه أنَّها لا تكونُ غموسًا إلا إذا اقتُطِعَ بها مالُ امرئٍ مسلمٍ، [لا أن] (^٦) كلَّ محلوفٍ عليهِ كَذِبًا يكونُ غموسًا، ولكنَّها تُسَمَّى فاجرةُ.\nالثالثُ: ما ظُنَّ صدقُه وهوَ قسمانِ:\nالأولُ: ما انكشفَ فيهِ الإصابةُ، فهذَا ألحقَهُ البعضُ بما عُلِمَ؛ إذْ [بالانكشافِ] (^٧) صارَ مثلَه.\nوالثاني: ما ظُنَّ صدقُه وانكشفَ خلافُه، وقدْ قيلَ: لا يجوزُ الحلفُ في هذينِ القسمينِ، لأنَّ وضعَ الحلفِ لقطعِ الاحتمالِ، فكأنَّ الحالِفَ يقولُ: أنا أعلمُ مضمونَ الخبرِ، وهذا كذبٌ فإنهُ إنما حلفَ على ظنِّه.\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٥، والمائدة: الآية ٨٩.\n(^٢) سورة الذاريات: الآية ٢٣.\n(^٣) في \"زاد المعاد\" (١/ ٤١) و(٢/ ١٢٧، ١٢٨) ط: البابي الحلبي بمصر.\n(^٤) فلينظر من أخرجه؟!\n(^٥) (٣/ ٣٨٦).\n(^٦) في (أ): \"لأن\".\n(^٧) في (أ): \"الانكشاف\".","vol":"8","page":19},{"text":"الرابعُ: ما ظُنَّ كذبُه والحلفُ عليهِ محرَّمٌ.\nالخامسُ: ما شُكَّ في صِدْقِه وكذبِه وهوَ أيضًا محرَّمٌ. فتلخَّصَ أنهُ يحرمُ ما عدَا المعلومَ صدقُه. وقولُه: ما الكبائرُ؟ فيهِ دليلٌ على أنهُ قدْ كانَ معلومًا عندَ السائلِ أنّ في المعاصي كبائرُ وغيرُها. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ إمامُ الحرمينِ وجماعةٌ منْ أئمةِ العلمِ إلى أن المعاصي كلَّها كبائرُ. وذهبَ الجماهيرُ إلى أنَّها تنقسمُ إلى كبائرَ وصغائرَ، واستدلُّوا بقولِه تعالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (^١)، وقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ (^٢).\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ على [تسميةِ] شيءٍ منَ المعاصي صغائرَ، وهوَ محلُّ النزاعِ. وقيلَ: لا خلافَ في المعنَى، إنَّما الخلافُ لفظي لاتفاقَ الكلِّ علَى أن منَ المعاصي ما يقدحُ في العدالةِ، ومنْها ما لا يقدحُ فيها.\nقلت: وفيهِ أيضًا تأمُّلٌ. وقولُه: (فذكرَ الحديثَ) ذكرَ فيهِ الإشراكَ باللَّهِ، وعقوقَ الوالدينِ، وقتلَ النفسِ، واليمينَ الغموسِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1373>الكبر والصغر في الذنوب أمر نسبي</span>\nوقدْ تعرَّضَ الشارحُ (^٣) - ﵀ - إلى ما قالَهُ العلماءُ في تحديدِ [الكبيرةِ] (^٤)، وأطالَ نَقْلَ أقاويلِهم في ذلكَ، وهيَ أقوال مدخولةٌ. الحق أن الكِبَرَ والصِّغَرَ أمرٌ نِسْبي فلا يتمُّ الجزمُ بأنَّ هذا صغيرٌ وهذا كبيرٌ إلا بالرجوعِ إلى ما نصَّ الشارعُ على كِبَرِه، فما نصَّ على كبره فهوَ كبيرةٌ، وما عداهُ باقي على الإبهامِ والاحتمالِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1374>عدّ الكبائر عن العلائي</span>\nوقدْ عدَّ العلائيُّ في قواعده [الكبائرَ] المنصوصَ عليها بعدَ تَتَبُّعِها منَ النصوصِ فأبلغَها خمسًا وعشرين، وهي الشركُ باللَّهِ، والقتلُ، والزِّنَى، (وأفحشُه بحليلةِ الجارِ)، والفرارُ منَ الزحفِ، وأكْلُ الربا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وقذفُ المحصناتِ، والسحرُ، والاستطالةُ في عِرْض المسلمِ بغيرِ حقٍّ، وشهادةُ الزورِ،\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٣١.\n(^٢) سورة الشورى: الآية ٣٧.\n(^٣) أي المغربي صاحب \"البدر التمام\".\n(^٤) في (أ): \"الكبائر\".","vol":"8","page":20},{"text":"واليمينُ الغموسُ، والنميمةُ، والسرقةُ، وشربُ الخمرِ، واستحلالُ بيتِ اللَّهِ الحرامِ، ونكثُ الصفقةِ، وتركُ السنةِ، والتعرُّبُ بعدَ الهجرةِ، واليأسُ منْ رَوْحِ اللهِ، والأمنُ منْ مكْرِ اللَّهِ، ومنعُ ابن السبيلِ منْ فضلِ الماءِ، وعدمُ التنزهِ منَ البولِ، وعقوقُ الوالدينِ والتسببُ إلى شتْمِهِمَا، والإضرارُ في الوصيةِ.\nوتعقبَ بأنَّ السرقةَ لم يردِ النصَّ بأنَّها كبيرةٌ، وإنَّما في الصحيحينِ (^١): \"لا يسرقُ السارقُ حينَ يسرقُ وهوَ مؤمنٌ\"، وفي روايةِ النسائيِّ (^٢): \"فإنْ فعلَ ذلكَ فقدْ خلعَ ربْقةَ الإسلامِ منْ عُنُقِهِ. فإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عليهِ\". وقدْ جاءَ في أحاديثَ صحيحةٍ النصُّ على الغلولِ (^٣)، وهوَ إخفاءُ بعضِ الغنيمةِ بأنهُ كبيرةٌ. وجاءَ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ لغيرِ عذرٍ (^٤)، ومنعُ الفحْلِ، ولكنَّه حديثٌ ضعيفٌ (^٥). وجاءَ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٤٧٥)، ومسلم رقم (١٠٢/ ٥٧) من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في \"السنن\" (٤٨٧٢) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) (منها): ما أخرجه البخاري (١١/ ٥٩٢ رقم ٦٧٠٧)، ومسلم (٨/ ١٠١ رقم ١٨٣/ ١١٥)، ومالك (٢/ ٤٥٩ رقم ٢٥)، والنسائي (٧/ ٢٤)، وأبو داود (٣/ ١٥٥ رقم ٢٧١١).\nعن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول اللهِ - ﷺ - يومَ خيبر فلم نغنم ذهبًا ولا فِضَّة إلا الأموال والثيابَ والمتاعَ، فأهدى رجل من بني الضُّبَيب، يقال له رفاعة بن زيد لرسولِ اللهِ - ﷺ - غلامًا يقال له مدعمٌ، فوجَّهَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحطُّ رحلًا لرسولِ اللهِ - ﷺ - إذا سهمٌ عائر فقتله، فقال الناس هَنِيئًا له الجنة، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملةَ التي أخذها يومَ خيبرَ من المغانم لم تُصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا. فلما سمع ذلك الناسُ جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي - ﷺ - فقال: شِراك من نار أو شراكان من نار\".\nو(منها): حديث عمر بن الخطاب عند مسلم (١/ ١٠٧ رقم ١٨٢/ ١١٤). قال: لما كان يوم خيبر قتل نفر من أصحاب رسول اللهِ - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد، وفلانٌ شهيد، وفلانٌ شهيد حتى مَروا على رَجُلٍ فقالوا: فلانٌ شهيد، فقال رسول اللهِ - ﷺ -: \"كَلَّا إني رأيتُهُ في النار في بُردة غَلَّهَا أو عباءَةٍ\".\n(^٤) أخرج الحاكَم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٥) عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"من جَمَعَ بين صلاتين من غيرِ عُذر فقد أَتَى بابًا من أبواب الكبائر\".\nقال الحاكم: حنش بن قيس ثقة. وتعقبه الذهبي فقال: بل ضعَّفوه.\nوالخلاصة: أنّ الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٥) أخرج البزار - كما في الزواجر - (١/ ٢٣٠) عن بريدة أن رسول اللهِ - ﷺ - قال: \"أكبر الكبائر الإشراك باللهِ، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء، ومنع الفحل\".\nوقال ابن حجر الهيثمي: \"تنبيه: عدّ هذا كبيرة هو ما وقع في كلام الجلال البلقيني لكنه =","vol":"8","page":21},{"text":"في الأحاديثِ ذكرُ الكبائرِ كحديثِ أبي هريرةَ: \"إنَّ منْ أكبرِ الكبائرِ استطالةُ المرءِ المسلم في عرضِ رجلٍ مسلمٍ\"، أخرجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادٍ حسنٍ (^١)، ونحوُهُ منَ الأحاديثِ، ولا مانعَ منْ أنْ يكونَ في الذنوبِ الكبيرُ والأكبرُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا كفارةَ في الغموسِ. وقدْ نقلَ ابنُ المنذرِ وابنُ عبدِ البرِّ اتفاقَ العلماءِ على ذلكَ. وقدْ أخرجَ ابنُ الجوزي في التحقيق (^٢) عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - مرفوعًا أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"ليسَ فيها كفارةُ يمينٍ صبرٍ يقتطعُ بها مالًا بغيرِ حقٍّ\"، وفيهِ راوٍ مجهولٌ. وقدْ رَوَى آدمُ بنُ أبي إياسٍ، وإسماعيلُ القاضي (^٣)، عن ابن مسعودٍ موقوفًا: \"كنَّا نعدُّ الذنبَ الذي لا كفارةَ لهُ، اليمينُ الغموسُ أنْ يحلفَ الرجلُ على مالِ أخيهِ كاذِبًا ليقتطِعَهُ\". قالُوا: ولا مخالفَ لهُ منَ الصحابةِ، لكنه تكلَّمَ ابنُ حزمٍ في صحةِ أثرِ ابن مسعودٍ (^٤). وإلى عدمِ الكفارةِ ذهبتِ الهادويةُ. وذهبَ الشافعي وآخرونَ إلى وجوبِ الكفارةِ فيها، وهوَ الذي اختارَهُ ابنُ حزمٍ في \"شرحِ المحلَّى\" (^٥) لعمومِ قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ (^٦) الآية. واليمينُ الغموسُ معقودةٌ قالُوا: والحديثُ لا تقومُ بهِ حجةٌ حتَّى تخصصَ الآيةُ، والقولُ بأنهُ لا يكفِّرُها إلا التوبةُ، فالكفارةُ تنفعهُ في رفْعِ إثم اليمينِ، ويبقَى في ذمتهِ ما اقتطَعه بها منْ مالِ أخيهِ، فإنْ تحلَّلَ منهُ وتابَ محا اللهُ تعالَى عنهُ الإثمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1375>اللغو من الأيمان ما لا يكون عن قصد الحلف</span>\n٨/ ١٢٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٧)\n_________\n= قال بعد ذلك: إسناد حديثه ضعيف ولا يبلغ ضرره ضرر غيره من الكبائر. وإنما ذكرناه لتقدم ذكره في الحديث\" اهـ. قلت: والخلاصة: فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة.\n(^١) وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب \"الصمت وحفظ اللسان\" رقم (٧٢٧) من حديث أبي هريرة بلفظ: \"من الكبائر: استطالةُ الرجلُ في عرْض رجل مسلم … \".\n(^٢) وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٦١، ٣٦٢) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٠٣) وقال: \"رواه أحمد وفيه \"بقية\" وهو مدلس وقد عنعنه\" اهـ.\n(^٣) وأخرجه ابن حزم في \"المحلَّى\" (٨/ ٣٦) وفيه انقطاع لأن أبا العالية لم يلق ابن مسعود.\n(^٤) في \"المحلَّى\" (٨/ ٣٩، ٤٠).\n(^٥) (٨/ ٣٦، ٤٠).\n(^٦) سورة المائدة: الآية ٨٩.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٢٢٥.","vol":"8","page":22},{"text":"قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي (^١) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا (^٢) [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - في قولِه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [قالتْ] (^٣): هوَ قولُ الرجلِ: لا واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ. أخرجَه البخاريّ) موقوفًا على عائشةَ، (ورواهُ أبو داودَ مرفوعًا). فيهِ دليلٌ على أن اللَّغوَ منَ الأيمانِ ما لا يكونُ عنْ قصدِ الحلفِ، وإنَّما جَرى على اللسانِ منْ غيرِ إرادةِ الحلفِ. وإلى تفسيرِ اللغوِ بهذا ذهبَ الشافعي، ونقلَه ابنُ المنذرِ عن ابن عمرَ وابنِ عباسٍ وغيرِهما منَ الصحابةِ وجماعةٍ منَ التابعينَ (^٤). وذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ (^٥) إلى أن لغوَ اليمينِ أنْ يحلفَ على الشيءِ يظنُّ صدقَه فينكشفُ خلافُه، وذهبَ طاوسُ إلى أنَّها الحلفُ وهوَ غضبانُ، وفي ذلكَ تفاسيرُ أُخَرُ لا يقومُ عليها دليلٌ. وتفسيرُ عائشةَ أقربُ لأنَّها شاهدتِ التنزيلَ وهيَ عارفةٌ بلغةِ العربِ. وعنْ عطاءٍ والشعبيِّ وطاوسِ والحسنِ وأبي قلابةَ: لا واللَّهِ، وبلَى واللَّهِ لغةٌ منْ لغاتِ العربِ، لا يرادُ بها اليمينُ وهيَ منْ صلةِ الكلامِ، ولأنَّ اللغوَ في اللغةِ ما كانَ باطلًا، وما لا يعتدُّ بهِ منَ القولِ، ففي \"القاموسِ\" (^٦): اللغوُ واللغى [كالفَتى] (^٧) السَقَطُ وما لا يُعْتَدُّ بهِ منْ كلامٍ وغيرِهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1376>الخلاف في أسماء الله تعالى</span>\n٩/ ١٢٨٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتَسْعِينَ\n_________\n(^١) في صحيحه (١١/ ٥٤٧ رقم ٦٦٦٣) عن عائشة موقوفًا.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٢٥٤).\nوهو حديث صحيح.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) انظر: \"الدُّرُّ المنثور\" للسيوطي (١/ ٦٤٤، ٦٤٦).\n(^٥) انظر: \"عقود الجواهر المنيفه\" لمحمد مرتضى الزبيدي (١/ ٢٩٢).\n(^٦) \"القاموس المحيط\" (ص ١٧١٥، ١٧١٦).\n(^٧) في (أ): \"كالشيء\".","vol":"8","page":23},{"text":"اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، وَسَاقَ الترْمِذِيُّ (^٢) وَابْنُ حِبَّانَ (^٣) الأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ. [صحيح بدون سياق الأسماء]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إن للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا مَنْ أحصَاها)، وفي لفظٍ: منْ حفظَها (دخلَ الجنةَ. متفقٌ عليهِ. وساقَ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ الأسماءَ. والتحقيقُ أن سردَها إدراجٌ منْ بعضِ الرواةِ). اتفقَ الحفاظُ منْ أئمةِ الحديثِ أن سردَها إدراجٌ (^٤) منْ بعضِ الرواةِ. وظاهرُ الحديثِ أن أسماءَ اللَّهِ\n_________\n(^١) البخاري رقم (٦٤١٠) و(٢٧٣٦) و(٧٣٩٢)، ومسلم (٥/ ٢٦٧٧).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٨)، والحميدي رقم (١١٣٠)، والترمذي رقم (٣٥٠٨)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٢٠ رقم ٤) كلهم بدون سياق الأسماء.\n(^٢) في السنن رقم (٣٥٠٧) وقال: وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، ولا نعلم في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث … \".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٨٠٨).\n• ونقل ابن علان في \"الفتوحات الربانية (٣/ ٢٢١) عن ابن حجر أنه قال: \"اختلف الحفاظ في أن سرد الأسماء هل هو موقوف على الراوي أو مرفوع، ورجح الأول، وإن تعدادها مدرج من كلام الراوي\".\n• وقال البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٣٣): \"ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح\" اهـ.\nومع ذلك فقد صحَّحه الحاكم (١/ ١٦) وقال: \"هذا حديث قد خرَّجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه. والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقه بطوله، ولم يذكر الأسامي غيره، وليس هذا بعلة، فإني لا أعلم اختلافًا بين أئمة الحديث أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان، وبشر بن شعيب، وعلي بن عياش، وأقرانهم من أصحاب شعيب، يشير إلى أن بشرًا وعليًا وأبا اليمان روَوه عن شعيب بدون سياق الأسماء\" اهـ.\nوتعقبه الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٢١٥) بعد ما نقل كلام الحاكم هذا بقوله: \"وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج … \" اهـ.\n• والخلاصة: أنّ الحديث صحيح بدون سياق الأسماء، واللهُ أعلم.\n(^٤) المُدْرَجُ: ما ذُكِرَ في ضمن الحديث متصلًا به وليس منه. وهو قسمان: مدرج الإسناد، ومدرج المتن. انظر: \"شرح النخبة نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل =","vol":"8","page":24},{"text":"الحسنَى منحصرةٌ في هذا العددِ، بناءً على القولِ بمفهومِ العددِ (^١). ويحتملُ أنهُ حصرٌ لها باعتبارِ ما ذكرَ بعدَه منْ قولِه: مَنْ أحصَاها دخلَ الجنةَ وهوَ خبرُ المبتدأ. فالمرادُ أن هذهِ التسعةَ والتسعينَ تختصُّ بفضيلةٍ منْ بين سائرِ [أسمائِه] (^٢) تعالَى، وهوَ أن إحصاءَها سببٌ لدخولِ الجنةِ. وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ.\nوقالَ النوويُّ (^٣): ليسَ في الحديثِ حصرُ أسماءِ اللَّهِ تعالَى، وليسَ معناهُ أنهُ ليسَ لهُ اسمٌ [غيرَ التسعةِ والتسعينَ]، (^٤)، ويدلُّ عليهِ ما أخرجَه أحمدُ (^٥)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٦) منْ حديثِ ابن مسعودٍ مرفوعًا: \"أسألكَ بكلِّ اسم هوَ لكَ، سمَّيْتَ بهِ نفسَكَ، أوْ أنزلْتَهُ في كتابكَ، أو علَّمْتَهُ أحدًا منْ خَلْقِكَ، أوِ استأثرتَ بهِ في علمِ الغيبِ عندكَ\"؛ فإنهُ [دلَّ] (^٧) على أن لهُ تعالَى أسماءً لم يعرفْها أحد منْ خلْقِهِ بلِ استأثرَ بها. ودلَّ على أنهُ قدْ يعلمُ بعضُ عبادِه بعضَ أسمائِه، ولكنَّه يحتملُ أنَّها منَ التسعةِ والتسعينَ. وقدْ جزَم بالحصرِ فيما ذكرَ أبو محمدٍ بنُ حزمٍ (^٨) فقالَ: قدْ\n_________\n= الأثر\" للحافظ ابن حجر. تحقيق وتعليق: د: نور الدين عتر (ص ٩٠، ٩٢).\n(^١) مفهوم العدد: هو تعليق الحكم بعدد مخصوص نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فإن الآية تدل على تحريم الزيادة على ذلك.\nونحو قول عائشة - ﵂ -: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات\"، أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ١٠٧٥ رقم ١٤٥٢) يدل على أن ما كان أقل من ذلك لا يحرِّم.\n(^٢) في (أ): \"أسماء اللهِ\".\n(^٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٧).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"المسند\" (١/ ٣٩١، ٤٥٢).\n(^٦) رقم (٢٣٧٢ - موارد).\nقلت: وأخرجه الحاكم (١/ ٥٠٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢١٠ رقم ١٠٣٥٢).\nقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد اللهِ عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه من أبيه\" اهـ. وقال الذهبي: \"وأبو سلمة لا يدري من هو ولا رواية له في الكتب الستة\" اهـ.\nقلت: أبو سلمة الجهني هو موسى بن عبد اللهِ أو ابن عبد الرحمن الكوفى ثقة من رجال مسلم كما حقق ذلك المحدث الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٩٩).\nوللحديث شاهد من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٣٣٩).\nوالخلاصة: فالحديث حسن، واللهُ أعلم.\n(^٧) في (أ): \"دال\".\n(^٨) في \"المحلَّى\" (١/ ٣٠).","vol":"8","page":25},{"text":"صحَّ أن أسماءَهُ تعالَى لا تزيدُ على تسعةٍ وتسعين [اسمًا] (^١) لقولِه - ﷺ -: \"مائةٌ إلا واحدًا\" فنفى الزيادةَ وأبْطَلَها، ثمَّ قالَ: وجاءتْ أحاديثُ في إحصاءِ التسعةِ والتسعينَ اسمًا مضْطَّرِبةً لا يصحُّ منها شيءٌ أصلًا، وإنَّما يؤخذ منْ نصِّ القرآنِ، وما صحَّ عن النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ سردَ أربعةً وثمانينَ اسمًا استخرجَها منَ القرآنِ والسنةِ، وقالَ الشارحُ تبعًا لكلامِ المصنفِ في \"التلخيص\" (^٢): إنهُ ذكرَ ابنُ حزمٍ أحدًا وثمانينَ اسمًا، والذي رأيناهُ في كلامِ ابن حزمٍ أربعةٌ وثمانونَ. وقدْ نقلت كلامَه. وتعيينُ الأسماءِ الحسنَى على ما ذكرهُ في هامشِ \"التلخيصِ\". واستخرجَ المصنفُ منَ القرآنِ فقطْ تسعةً وتسعينَ اسمًا وسردَها في التلخيصِ (^٣) وغيرِه، وذكرَ السيدُ محمدُ إبراهيمَ الوزيرِ في \"إيثارِ الحقِ\" (^٤) أنهُ تَتَبَّعَها منَ القرآنِ فبلغتْ مائةً وثلاثة وسبعينَ اسمًا وإنْ قالَ صاحبُ الإيثارِ: مائةٌ وسبعةٌ وخمسينَ فإنا عددْناها فوجدْناها كما قلناه أوَّلًا، وعرفتَ منْ كلام المصنفِ أن مرادَه أن سردَ الأسماءِ الحسنَى المعروفةِ مدرجٌ عندَ المحققينَ، وأنهُ ليسَ منْ كلامِه - ﷺ -. وذهبَ كثيرونَ إلى أن [عدَّها] (^٥) مرفوعٌ، وقالَ المصنفُ (^٦) بعدَ نقلِه كلامَ العلماءِ في ذكرِ عدِّ الأسماءِ: والاختلافُ فيها ما لفظُه، وروايةُ الوليدِ بن مسلمٍ عنْ شعيبٍ هيَ أقربُ الطرقِ إلى الصحة، وعليها عوَّلَ غالبُ مَنْ شرحَ الأسماءَ الحسنَى، ثمَّ سردَها على روايةِ الترمذيِّ، وذكرَ اختلافًا في بعضِ ألفاظِها، وتبديلًا في إحدى الرواياتِ للفظ بِلفظٍ ثمَّ قالَ: واعلمْ أن الأسماءَ الحسنَى على أربعةِ أقسامٍ:\nالقسمُ الأولُ: الاسمُ العلَمُ وهوَ اللَّهُ.\nالثاني: ما يدلُّ علَى الصفاتِ الثابتةِ للذاتِ كالعليمِ، والقديرِ، والسميعِ، والبصيرِ.\n[والثالثُ] (^٧): ما يدلُّ على إضافةِ أمرٍ إليهِ كالخالقِ والرازقِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"شيئًا\".\n(^٢) (٤/ ١٧٣).\n(^٣) (٤/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٤) وهو \"إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد\" (ص ١٦٠، ١٥٩).\n(^٥) في (أ): \"عددها\".\n(^٦) في \"فتح الباري\" (١١/ ٢١٦).\n(^٧) في (أ): \"الثالثة\".","vol":"8","page":26},{"text":"والرابعُ: ما يدلُّ على سلبِ شيءٍ عنهُ كالعليِّ والقدُّوسِ، واختلفَ العلماءُ أيضًا هلْ هيَ توقيفيةٌ بمعنى أنهُ لا يجوزُ لأحدِ أنْ يشتقَ منَ الأفعالِ الثابتةِ للهِ تعالى اسمًا بلْ لا يطلقُ عليهِ إلا ما وردَ بهِ نصُّ الكتابِ والسنةِ، فقالَ الفخرُ الرازيُّ (^١): المشهورُ عنْ أصحابِنا أنها توقيفيةٌ.\nوقالتِ المعتزلةُ والكرَّاميةُ: إذا دل العقلُ على أن معنَى اللفظِ ثابتٌ في حقّ اللَّهِ تعالَى جازَ إطلاقُه على اللَّهِ تعالَى.\nوقالَ القاضي أبو بكرٍ (^٢) والغزاليُّ: الأسماءُ توقيفيةٌ دونَ الصفاتِ كما قالَ الغزاليُّ: كما أنهُ ليسَ لنا أن نسمِّيَ النبيَّ - ﷺ - باسمٍ لم يسمِّهِ بهِ أبوهُ ولا أمهُ، ولا سمَّى بهِ نفسَه، كذلكَ في حق اللَّهِ تعالَى. واتفقُوا علَى أنهُ لا يجوزُ أنْ يطلقَ عليهِ تعالَى اسمٌ أو صفةٌ توهِم نَقْصًا فلا يقالُ: ماهدٌ، ولا زارعٌ، ولا فالقٌ، وإنْ جاءَ في القرآنِ: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ (^٣) ولا يقالُ ماكرٌ ولا بنَّاءٌ وإنْ وردَ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ (^٤).\nوقال القشيريُّ: الأسماءُ تُوخَذُ [توقيفًا] (^٥) منَ الكتابِ والسنةِ والإجماعِ، فكلُّ اسمٍ وردَ فيها وجبَ إطلاقُه في وصْفِه، وما لمْ يردْ لم يجزْ ولو صحَّ معناهُ. وقدْ أوضحْنا هذا البحثَ في كتابِنا \"إيقاظُ الفكرةِ\" (^٦).\n_________\n(^١) في كتابه: \"شرح أسماء اللهِ الحسنى\" وهو المسمَّى: \"لوامعُ البينات شرح أسماء اللهِ تعالى والصفات\" (ص ٤٠).\n(^٢) وهو أبو بكر الباقلاني، واسمه محمد بن الطيب. متكلِّم فقيه ولد بالبصرة ومات ببغداد سنة (١٠١٣) من أكبر دعاة المذهب الأشعري.\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ٩٥.\n(^٤) سورة الذاريات: الآية ٤٧.\n(^٥) في (أ): \"توقيفٌ\".\n(^٦) وهو: \"إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة \"تأليف الأمير الصنعاني. والموجود منه: المقدمة والبحث الأول في الأسماء والصفات الإلهية، والبحث الثاني في الحكمة، والبحث الثالث في التحسين والتقبيح، والبحث الرابع في مسألة خلق الأفعال، والبحث الخامس في القضاء والقدر، والبحث السادس في الرجاء.\nوالذي فات البدر الكلام في بقية البدث السادس والبحث السابع والبحث الثامن والخاتمة. لأنه ذكر أن المقصود انحصر في ثمانية أبحاث وخاتمة.\nقلت: هذا ما وجدته على صفحة عنوان المخطوط الذي قمت بتحقيقه ولله الحمد والمنة. ط: دار ابن حزم - بيروت. =","vol":"8","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1377>أقوال العلماء في معنى أحصاها</span>\nوقولُه: \"منْ أحصَاها\" اختلفَ العلماءُ في الإحصاءِ، فقالَ البخاريُّ وغيرُه منَ المحققينَ: معناهُ حفظَها، وهوَ الظاهرُ فإنَّ إحدَى الروايتينِ مفسِّرةٌ للأُخْرَى، وقالَ الخطابي: يحتملُ وجوهًا:\nأحدَهما: أنْ يعدَّها حتَّى يستوفيَها، بمعنَى أنْ لا يقتصرَ على بعضِها، فيدعُو اللَّهَ تعالى بها كلِّها، [ويثني] (^١) عليهِ بجميعِها، [فيستوجبُ] (^٢) الموعودَ عليه منَ الثوابِ.\nوثانيها: منْ أطاقَ القيامَ بحقِّ هذهِ الأسماءِ والعملِ بمقتضَاها وهوَ أنْ يعتبرَ معانيها، فيلزِمُ نفسَه بموجبها، فإذا قالَ الرزاقُ وثقَ بالرزقِ وكذَا سائرُ الأسماءِ.\nوثالثُها: الإحاطةُ بمعانيها، وقيلَ: أحصَاها عملَ بها، فإذا قالَ: الحكيمُ، سلَّمَ لجميعِ أوامرهِ، لأنَّ جميعَها على الحكمةِ، وإذا قالَ: القدُوسُ، استحضرَ كونَه مقدَّسًا منزَّهًا عنْ جميعِ النقائصِ [ومنزهًا عن الظلم وعن الرضا بالقبائح وسائر المعاصي] (^٣)، واختارَهُ أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ.\nوقالَ ابنُ بطالٍ: هو أن ما كانَ يسوغُ الاقتداءَ بهِ فيها كالرحيمِ والكريم فيمرِّنُ العبدُ نفسَه على أنْ يصحَّ لهُ الاتصافُ بها، وما كانَ يختص [بهِ نفسَهُ] (^٤) كالجبارِ والعظيمِ، فعلَى العبدِ الإقرارُ بها، والخضوع لها، وعدمُ التحلِّي بصفةٍ منْها، وما كانَ فيهِ معنَى الوعدِ يقفُ فيهِ عندَ الطمع والرغبةِ، وما كانَ فيهِ معنَى الوعيدِ يقفُ منهُ عندَ الخشيةِ والرهبةِ، ويؤيدُ هذَا أن حِفْظَها لفظًا منْ دونِ اتصافٍ كحفظِ القرآنِ منْ دونِ عملٍ لا ينفعُ كما جاءَ: \"يقرأونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم\" (^٥)، ولكنَّ هذا الذي ذكره لا يمنعُ منْ ثوابِ منْ قرأَها سرْدًا، وإنْ كانَ\n_________\n= • وقد أوضح الأمير في البحث الأول (ق: ٦ ب - ق: ١٧ ب] هذا الموضوع.\n(^١) في (أ): \"وتثني\".\n(^٢) في (أ): \"فتستوجب\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"باللهِ تعالى\".\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤٤) وأطرافه (٣٦١٠، ٤٣٥١، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١، ٦٩٣٣، ٧٤٣٢، ٥٧٦٢).\nومسلم رقم (١٠٦٤)، وأبو داود رقم (٤٧٦٤)، والنسائي (٥/ ٨٧ رقم ٢٥٧٨) كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.","vol":"8","page":28},{"text":"متلبسًا بمعصيةٍ، وإنْ كانَ ذلكَ مقامَ الكمالِ الذي لا [يقومُ] (^١) بهِ إلا [أفرادٌ] (^٢) منَ الرجالِ (^٣) وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ لا تخلُو عن تكلُّفٍ تركْناها.\nفإنْ قلتَ: كيفَ يتمُّ أن المرادَ منْ حفظِها على ما هوَ قولُ المحققينَ ولم يأتِ بعددِها حديثٌ صحيحٌ.\nقلتُ: [لعلَّ] (^٤) المرادَ مَنْ حفِظَ كلَّ ما وردَ في القرآنِ، وفي السنةِ الصحيحةِ، وإنْ كانَ الموجودُ فيهما أكثرَ منْ تسعةِ وتسعينَ فقدْ حفظَ التسعةَ والتسعينَ في ضمنِها، فيكونُ حثًا على تطلبِها منَ الكتابِ والسنةِ [الصحيحةِ] (٤) وحفظِها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1378>الدعاء بخير لصانع المعروف</span>\n١٠/ ١٢٨٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ صُنِعَ إِلَيهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا فَقدْ أَبْلَغَ في الثنَاءِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٦). [صحيحٌ]\n(وعنْ أسامةَ بن زيَدٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: منْ صُنِعَ إليهِ معروف فقالَ لفاعلِه: جزاكَ اللهُ خيْرًا، فقدْ أبلغَ في الثناءِ. أخرجَهُ الترمذيُّ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ). المعروفُ الإحسانُ، والمرادُ مَنْ أحسنَ إليهِ إنسانٌ بأيِّ إحسانٍ فكافأهُ بهذا القولِ\n_________\n(^١) في (أ): \"تقوم\".\n(^٢) في (أ): \"الأفراد\".\n(^٣) والصواب من ذلك ما قاله ابن بطال: فإن الله تعالى مثل اليهود بالحمار يحمل أسفارًا لعدم عملهم بما حملوا فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥].\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٠٣٥) وقال: هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفُه من حديث أسامة بن زيد إلا من هذا الوجه.\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٣٤١٣).\nقلت: وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (١٨٠)، وعنه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٢٧٥)، والطبراني في \"الصغير\" (٢/ ٢٩١ رقم ١١٨٣ - الروض الداني)، وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":29},{"text":"فقدْ بلغَ في الثناءِ عليهِ مبلَغًا عظيمًا، ولا يدلُّ على أنهُ قدْ كافأَه على إحسانِه، بلْ دلَّ علَى أنهُ ينبغي الثناءُ على المحسِنِ. وقدْ وردَ في حديثٍ آخرَ: \"إنَّ الدعاءَ إذا عجزَ العبدُ عن المكافأةِ مكافأةٌ\" (^١). ولا يَخْفَى أن ذِكْرَ الحديثِ هنا غيرُ موافقٍ لبابِ الأيمانِ والنذورِ، وإنما محلُّه بابُ الأدبِ [الجامعِ] (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1379>حكم النذر</span>\n١١/ ١٢٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهى عَنْ النَّذْرِ وَقَالَ: \"إنَّهُ لَا يَأتِى بِخَيرٍ، وَإنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، مُتفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ ابن عمرَ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - أَنه نَهَي عن النذرِ وقالَ: إنهُ لا يأتي بخيرٍ، وانَّما يُسْتَخْرَجُ بهِ منَ البخيلِ. متفقٌ عليهِ) هذا أولُ الكلامِ في النذورِ. والنذرُ لغةً: التزامُ خيرٍ أو شرٍّ، وفي الشرعِ التزامُ المكلَّفِ شيئًا لم يكنْ عليهِ مُنْجَزًا أو معلَّقًا. واختلفَ العلماءُ في هذا النَّهْي، فقيلَ هوَ على ظاهرِه، وقيلَ: بلْ متأوَّلٌ، قالَ ابنُ [الأثيرِ في \"النهاية\" (^٤)] (^٥): \"تكررَ النَّهيُ عن النذرِ في [الحديثِ] (^٦)، وهوَ تأكيدٌ لأمرِه، وتحذيرٌ عن التهاونِ بهِ بعدَ إيجابهِ، ولوْ كانَ معناهُ الزجرَ عنهُ حتَّى لا يُفْعَلَ لكانَ في ذلكَ إبطالٌ لحكْمِه، وإسقاطٌ للزوم الوفاءِ بهِ، إذْ كانَ بالنَّهْي يصيرُ معصيةً فلا يلزمُ، وإنَّما وجْهُ الحديثِ أنهُ قدْ أَعلمَهم أن ذلكَ الأمرَ لا يجرُّ لهم في العاجلِ نَفْعًا، ولا يصرفُ عنْهم ضُرًّا ولا يردُّ قضاءً، فقالَ: لا تنذُروا على أنكم تدرونَ بالنذرِ شيئًا لم يقدِّرْهُ اللَّهُ لكم، أو [تصرفونَ به] (^٧) عنكمْ [ما قُدِّرَ\n_________\n(^١) أخرج أبو داود رقم (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢ رقم ٢٥٦٧).\nعن ابن عمر ولفظه: \" … ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه\"، وهو حديث صحيح.\n• ولم أعثر على اللفظ المذكور في الكتاب.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) البخاري رقم (٦٦٠٨)، ومسلم رقم (١٦٣٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٢٨٧)، والنسائي (٧/ ١٥، ١٦)، وابن ماجه رقم (٢١٢٢).\n(^٤) (٥/ ٣٩).\n(^٥) في (أ): \"عبد البر\".\n(^٦) في (أ): \"الأحاديث\".\n(^٧) في (أ): \"يصرف\".","vol":"8","page":30},{"text":"عليكمْ] (^١)، فإذا نذرتُم [ولم تعتقدُوا هذا] (^٢) فاخرجُوا عنهُ بالوفاءِ منه، فإنَّ الذي نذرتُموه لازمٌ لكمْ\" اهـ.\nوقالَ المازريُّ بعدَ نقلِ معناهُ عنْ بعضِ أصحابِه: وهذَا عندي بعيدٌ عنْ ظاهرِ الحديثِ. قالَ: ويحتملُ عندي أنْ يكونَ وجْهُ الحديثِ أن الناذِرَ يأتي بالقربةِ مستثقلًا لها لما صارتْ عليهِ ضربةَ لازبٍ، فلا ينشطُ للفعلِ [نشاطَ] (^٣) مُطْلَقِ الاختبار، أوْ لأنَّ الناذِرَ يصيِّرُ القربةَ كالعوضِ عن الذي نذرَ لأجلهِ، فلا تكونُ خالصةً. ويدلُّ له قولُه: \"إنهُ لا يأتي بخيرٍ\".\nقالَ [القاضي] عياضٌ: [إنَّ] (^٤) المعنَى [أنهُ يغالبُ القدرَ] (^٥)، وأن النَّهْيَ لخشيةِ أنْ يقعَ في ظنِّ بعضِ الجهلةِ ذلكَ. وقولُه: \"لا يأتي بخيرٍ\" معناهُ أن عقباهُ لا تُحْمَدُ. وقدْ يتعذَّر الوفاءُ بهِ، وأنهُ لا يكونُ سببًا لخيرٍ لم يقدَّرْ فيكونُ مباحًا. وذهبَ أكثرُ الشافعيةِ (^٦) - ونُقِلَ عن المالكيةِ (^٧) - إلى أنَّ النذرَ مكروهٌ لثبوتِ النَّهْي عنْهُ. واحتجُّوا بأنهُ ليسَ طاعةً محضةً، لأنهُ لم يقصدْ بهِ خالصَ القُربةِ، وإنَّما قصدَ أنْ ينفعَ نفسَه أوْ يدفعَ عنْها ضَرَرًا بما التزمَ. وجزمَ الحنابلةُ بالكراهةِ (^٨)، وعندَهم روايةٌ أنَّها كراهةُ تحريمٍ، ونقلَ الترمذيُّ (^٩) كراهتَهُ عنْ بعضِ أهلِ العلمِ منَ الصحابةِ.\nوقالَ ابنُ المباركِ: يُكْرَهُ النذرُ في الطاعةِ والمعصيةِ، فإنْ نذرَ [بالطاعةِ] (^١٠)، ووفَّى بهِ كانَ لهُ أجرٌ. وذهبَ النوويُّ في شرحِ المهذَّبِ إلى أن النذرَ مستحَبٌّ، وقالَ المصنِّفُ (^١١): وأنا أتعجَّبُ ممنْ أطلقَ لسانَهُ بأنهُ ليسَ بمكروهٍ معَ ثبوتِ النَّهْي الصريحِ، فأقلُّ درجاتهِ أنْ يكونَ مكروهًا.\n_________\n(^١) في (أ): \"شيئًا\".\n(^٢) هذه زيادة من \"النهاية\" لابن الأثير.\n(^٣) في (أ): \"نشط\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"لا ينفع في ذلك\".\n(^٦) انظر: \"مغني المحتاج\" (٤/ ٣٥٤).\n(^٧) انظر: \"قوانين الأحكام الشرعية\" لابن جزي (ص ١٨٨).\n(^٨) قال ابن قدامة في \"المغني\" (١٣/ ٦٢١) عقب حديث ابن عمر: \"وهذا نهيُ كراهةٍ لا نهيُ تحريم، لأنه لو كان حرامًا لما مدحَ الموفينَ به، لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشدُّ من طاعتِهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبًا، لفعله النبي - ﷺ - وأفاضلُ أصحابهِ\" اهـ.\n(^٩) في \"السنن\" (٤/ ١١٢).\n(^١٠) في (أ): \"في الطاعة\".\n(^١١) في \"فتح الباري\" (١١/ ٥٧٨).","vol":"8","page":31},{"text":"قالَ ابنُ العربيِّ: النذرُ شبيهٌ بالدعاءِ، فإنهُ لا يردُّ القدرَ لكنَّه منَ القدرِ، وقدْ ندبَ إلى الدعاءِ ونَهَى عن النذرِ، لأنَّ الدعاءَ عبادةٌ عاجلةٌ، ويظهرُ بهِ التوجُّهُ إلى اللهِ تعالى والخضوعُ والتضرُّعُ، والنذرُ فيهِ تأخيرُ العبادةِ إلى حينِ الحصولِ، وتركُ العملِ إلى حينِ الضرورة اهـ.\nقلتُ: القولُ بتحريمِ النذَرِ هوَ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ، ويزيدُه تأكيدًا تعليلُه بأنهُ لا يأتي بخيرٍ، فإنهُ يصيرُ إخراجُ المالِ فيهِ منْ بابِ إضاعةِ المالِ، وإضاعةُ المالِ محرَّمةٌ، فيحرُمُ النذرُ بالمالِ كما هوَ ظاهرُ قولِه: \"وإنَّما يُستخرجُ بهِ منَ البخيلِ\". وأما النذرُ بالصلاةِ والصيامِ والزكاةِ والحجِّ والعمرةِ ونحوِها منَ الطاعاتِ فلا يدخل في النَّهْي، ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (^١) بسندٍ صحيح عنْ قتادةَ في قولهِ تعالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (^٢)، قالَ: كانُوا ينذرونَ طاعة منَ الصلاةِ [والصيامِ] (^٣)، وسائرِ ما افترضَ اللَّهُ عليهمْ، وهوَ إنْ كانَ أثرًا فهوَ يقوِّيهِ ما ذُكِرَ في سببِ نزولِ الآيةِ. هذا وأما النذورُ المعروفةُ [في] هذهِ الأزمنةِ على القبورِ، والمشاهدِ، والأمواتِ، فلا كلامَ في تحريْمِها لأنَّ الناذِرَ يعتقدُ في صاحبِ القبرِ أنهُ ينفعُ ويضر، ويجلبُ الخيرَ ويدفعُ الشرَّ، ويعافي الأليمَ، ويشفي السقيمَ، وهذا هوَ الذي كانَ يفعلُهُ عُبَّادُ الأوثانِ بعينِه، فيحرمُ كما يحرمُ النذرُ على الوثنِ، ويحرمُ قبضُه لأنهُ تقريرٌ على الشركِ، ويجبُ النهيُ عنهُ [وإبانةُ أنهُ] (^٤) مِنْ أعظمِ المحرَّماتِ، وأنهُ الذي كانَ يفعلُه عُبَّادُ الأصنامِ، لكنْ طالَ الأمدُ حتى صارَ المعروفُ منكرًا، والمنكرُ معروفًا. وصارتْ تُعْقَدُ الولايات لقبَّاضِ النذورِ على الأمواتِ، ويُجعلُ للقادمينَ إلى محلِّ الميتِ الضيافاتُ، وينحرُ في بابِه النحائرُ منَ الأنعامِ، وهذا هوَ بعينِه الذي كانَ عليهِ عبَّادُ الأصنامِ، فإنا للَّهِ وإنا إليهِ راجعونَ، وقدْ أشبَعْنا الكلامَ في هذا في رسالةِ: \"تطهير الاعتقاد عنْ درَنِ الإلحادِ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في \"جامع البيان\" (١٤/ ج ٢٩/ ٢٠٨) بسند صحيح. وعزو الأثر للطبراني وهم.\n(^٢) سورة الإنسان: الآية ٧.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"أو بأنه\".\n(^٥) وقد أكرمني الله بتحقيقها وتخريج أحاديثها والتعليق عليها على مخطوطتين. ط مكتبة ابن تيمية، القاهرة.","vol":"8","page":32},{"text":"والحديثُ ظاهرٌ في النَّهْي عن النذرِ مطْلقًا ما ينذرُ بهِ ابتداءً، كمنْ ينذرُ أنْ يُخرجَ منْ مالِه كذَا، وما يتقرَّبُ بهِ معلَّقًا كأنْ يقولَ: إنْ قدِمَ زيدٌ تصدَّقتُ بكذَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1380>كفارة النذر كفَّارة يمين</span>\n١٢/ ١٢٩١ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كفارَةُ يَمينٍ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١)، وَزَادَ الترْمِذيُّ (^٢) فِيهِ: \"إِذَا لَمْ يُسَمِّهِ\" وَصَحَّحَهُ. [صحيح]\n(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -: كفَّارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ. رواهُ مسلمٌ. وزادَ الترمذيُّ فيهِ: إذا لم يسمِّه. وصحَّحَهُ). [ولمسلم (^٣) من حديث عمران: لا وفاء لنذر في معصيةٍ] (^٤). الحديثُ دليلٌ على أن مَنْ نذرَ بأيِّ نذرٍ منْ مالٍ أو غيرِه فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ولا يجبُ الوفاءُ بهِ. وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منْ فقهاءِ أهلِ الحديثِ كما قالَ النوويُّ (^٥). وقدْ أخرج البيهقيُّ (^٦) عنْ عائشةَ - ﵂ -: \"في رجلٍ جعلَ مالَه في [المساكينِ] (^٧) صدقة قالتْ: كفارةُ يمينٍ\".\nوأخرجَ أيضًا (^٨) عنْ صفيةَ أنَّها سمعتْ عائشةَ - ﵂ -، وإنسانٌ يسألُها عن الذي يقولُ: كلُّ مالِه في سبيلِ اللَّهِ، أوْ كل مالِه في رتاجِ الكعبةِ، ما يكفِّرُ ذلكَ؟ قالتْ عائشةُ: \"يكفِّره ما يكفِّرُ اليمينَ\"، وكذا أخرجَهُ (^٩) عنْ عمرَ وابنِ عمرَ وأمِّ سلمةَ، قالَ البيهقي: هذا في غيرِ العتقِ، فقدْ رُوِيَ عن ابن عمرَ منْ وجهٍ آخرَ أن العتاقَ يقعُ، وكذا عن ابن عباسٍ، ودليلُهم حديثُ عقبةَ هذَا. وذهبَ آخرونَ إلى\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٦٤٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٣٢٤)، والنسائي (٧/ ٢٦)، وأحمد (٤/ ١٤٤، و١٤٦ و١٤٧) وإسناده صحيح.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٥٢٨) وقال: هذ حديث حسن صحيح غريب.\nقلت: في سنده محمد مولى المغيرة وهو مجهول.\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٦٤١).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في شرحه لصحيح مسلم (١١/ ١٠٤).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٦٥).\n(^٧) في (أ): \"سبيل اللهِ\".\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٦٥).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٦٦).","vol":"8","page":33},{"text":"تفصيلٍ في المنذورِ بهِ، فإنْ كانَ المنذورُ بهِ فعلًا فالفعلُ إنْ كانَ غيرَ مقدورٍ فهوَ غير منعقدٍ، وإنْ كانَ مقدورًا فإنْ كانَ جنسُه واجبًا لزمَ الوفاءُ بهِ عندَ الهادويةِ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، وجماعةٍ آخرينَ، وقولٌ للشافعي أنهُ لا ينعقدُ النذرُ المطلقُ بل يكونُ يمينًا [فيكفِّرها] (^١)، ذكرَ هذا الخلافَ في \"البحرِ\" (^٢)، وذهبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (^٣) وذكرَ النوويُّ في \"شرح مسلمٍ\" (^٤): أنهُ أجمعَ المسلمونَ على صحةِ النذرِ، ووجوبِ الوفاءِ بهِ إذا كانَ الملتزَمُ طاعةً، فإنْ كان معصيةً أو مباحًا كدخولِ السوقِ لم ينعقدِ النذرُ، ولا كفارةَ عليهِ عندَنا. وبهِ قالَ جمهورُ العلماءِ.\nوقالَ أحمدُ وطائفةٌ: فيهِ كفارةُ يمينٍ. وقالَ في \"نهايةِ المجتهدِ\" (^٥): إنهُ وقعَ الاتفاقُ على لزومِ النذرِ بالمالِ إذا كانَ في سبيلِ البرِّ، وكانَ على جهةِ الجزم، وإنْ كانَ على جهةِ الشرطِ فقالَ مالكٌ: يلزمُ كالجزمِ ولا كفارةَ يمينٍ في ذلكَ، إلا أنهُ إذا نذرَ بجميعِ مالِه لزمَ ثلثُ مالِه إذا كانَ مطْلَقًا، وإنْ كانَ معيِّنا المنذورُ بهِ [لزمَهُ] (^٦)، وإنْ كَانَ جميعَ مالِه، وكذَا إذا كانَ المعيَّنُ أكثرَ منَ الثلثِ.\nوذهبَ الشافعيُّ أنَّها تجبُ كفارةُ يمينٍ لأنهُ ألحقَها بالأيمانِ. ثمَّ ذكرَ أقاويلَ في المسألةِ لا ينهضُ عليها دليلٌ، وذكرَ متمسكَ القائلينَ بأدلةٍ ليستْ منْ بابِ النذرِ، ولا تنطبقُ على المدَّعي، وحديثُ عقبة أحسنُ ما يَعْتمِدُ الناظرُ عليهِ، وقدْ حملَه جماعةٌ منْ فقهاءِ الحديثِ على جميعِ أنواعِ النذرِ، وقالُوا: هوَ مخيَّر في جميعِ أنواعِ المنذوراتِ بينَ الوفاءِ بما التزمَ، وبيَّنَ كفارةَ يمينٍ، ذكرهُ النوويُّ في \"شرح مسلمٍ\" (^٧)، وهوَ الذي دلَّ عليهِ إطلاقُ حديثِ عقبةَ.\n١٣/ ١٢٩٢ - وَلأَبي دَاوُدَ (^٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَباسٍ - ﵄ - مَرْفُوعًا: \"مَنْ نَذَرَ نَذْرًا\n_________\n(^١) في (أ): \"يكفرها\".\n(^٢) واسمه \"البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار\" لأحمد بن المرتضى (٤/ ٢٦٦، ٢٧٧).\n(^٣) هكذا في المخطوطتين ولعل صحته \"إلى مثل قول الشافعي\".\n(^٤) (١١/ ١٠١).\n(^٥) (٢/ ٤٢٥، ٤٢٦).\n(^٦) في (أ): \"لزم\".\n(^٧) (١١/ ١٠٤).\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٣٣٢٢) وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٤٥) قال أبو داود: روى هذا الحديث وكيع وغيره عن عبد اللهِ بن سعيد بن أبي هند فوقفوه على ابن عباس. قلت: الموقوف أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" عن وكيع به. =","vol":"8","page":34},{"text":"لَمْ يُسَمَّ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا في مَعْصِيَةٍ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفارَتُهُ كَفارَةُ يَمِينٍ\"، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، إلَّا أن الْحفَّاظَ رَجّحُوا وَقْفَهُ. [ضعيف] (ولأبي داودَ منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵄ - مرفوعًا: مَنْ نذرَ نذرًا لم يسمَّ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ، ومَنْ نذْرَ نذْرًا في معصيةِ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ، ومَنْ نذرَ نذْرًا لا يطيقُه فكفارتُه كفارةُ يمينٍ. وإسنادُه صحيحٌ لكنْ رجَّحَ الحفَّاظُ وقْفَهُ) [على ابن عباس في قوله] (^١): أما النذرُ الذي لم يسمَّ كأنْ يقولُ للَّهِ عليَّ نذْرٌ. فقالَ كثيرٌ منَ العلماءِ: في ذلكَ كفارةُ يمينٍ لا غيرُ. وعليهِ دلَّ حديثُ عقبةَ (^٢)، وحديثُ ابن عباسٍ. وأما النذرُ بالمعصيةِ فكفارتُه كفارةُ يمينٍ كما صرَّحَ بهِ الحديثُ، سواءٌ فعلَ المعصيةَ أمْ لا، وكذلكَ مَنْ نذرَ نذْرًا لا يطيقُه عقلًا ولا شرْعًا كطلوعِ السماءِ، وحجتينِ في عامٍ فلا ينعقدُ، ويلزم كفارةُ يمينٍ. وعندَ الشافعيِّ ومالكٍ وداودَ وجماهيرِ العلماءِ لا تلزُمه الكفارةُ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1381>من نذر أن يعصي الله فلا يعصه</span>\n١٤/ ١٢٩٣ - وَللْبُخَاريِّ (^٣) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵄ -: \"وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله فَلَا يَعْصِهِ\". [صحيح]\n_________\n= وهذا أصح، فإن طلحة بن يحيى الأنصاري مع ثقته وإخراج الشيخين له، فقد قال الحافظ عنه في \"التقريب\" (١/ ٣٨٠ رقم ٤٤): صدوق يهم.\nفالصواب في الحديث وقفه على ابن عباس.\nنعم قد تابعه خارجة بن مصعب إلا أنه لم يذكر نذر المعصية، وذكر مكانه: \"ومن نذر نذرًا أطاقه فليف به\"، أخرجه ابن ماجه رقم (٢١٢٨).\nلكن هذه المتابعة واهية جدًّا، فإن خارجة هذا متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال أن ابن معين كذبه كما في \"التقريب\" (١/ ٢١٠ رقم ٧).\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) تقدم تخريجه رقم (١٢/ ١٢٩١) من كتابنا هذا.\n(^٣) في \"صحيحه\" (١١/ ٥٨٥ رقم ٦٧٠٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٢٨٩)، والترمذي رقم (١٥٢٦)، وابن ماجه رقم (٢١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.","vol":"8","page":35},{"text":"(وأخرجَ البخاريُّ منْ حديثِ عائشةَ: مَنْ نذرَ أنْ يعصيَ الله فلا يعصِهِ)، ولمْ يذكرْ كفارةً. وحديثُ عمرَ: \"لا يمينَ عليكَ ولا نذْرَ في معصيةِ اللَّهِ\"، أخرجَهُ ابنُ ماجهْ. وذهبتِ الهادويةُ وابنُ حنبلٍ إلى وجوبِ الكفارةِ لحديثِ ابن عباسٍ - ﵄ - وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّ الأصحَّ أنهُ موقوفٌ. وأما الزيادةُ في حديثِ عمرانَ بن حصينٍ (^١): \"وكفارتُه كفارةُ يمينٍ\"، فقدْ أخرجَها النسائيُّ والحاكمُ\n_________\n(^١) وهو حديث ضعيف.\n• أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٣) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢١٦٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن رجل عن عمران بن الحصين، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا نذر في غضب، وكفارتُه كفارةُ يمين\". وإسناده ضعيف جدًّا، محمد بن الزبير هذا متروك كما قال الحافظ في \"التقريب\" (٢/ ١٦١ رقم ٢٢٠).\nوقد اضطربوا عليه في إسناده، فرواه عبد الوهاب وهو ابن عطاء عنه هكذا. ومن طريقه أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٠٥).\nوتابعه عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن الزبير الحنظلي، به. أخرجه النسائي (٧/ ٢٩ رقم ٣٨٤٦)، والبيهقي (١٠/ ٧٠)، والطيالسي رقم (٨٣٩)، وأحمد (٤/ ٤٤٠) وتابعه عنده إسماعيل بن إبراهيم أيضًا.\nوتابعه خالد بن عبد اللهِ عن محمد بن الزبير، به. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢١٦٤).\nوخالفه سعيد بن أبي عروبة عن محمد بن الزبير الحنظلي عن أبيه عن عمران به فلم يقل: \"عن رجل\". أخرجه البيهقي (١٠/ ٧٠).\nوتابعه جرير بن حازم عن محمد بن الزبير، به. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢١٦٠) وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٠٩).\nوتابعه حماد بن زيد عنه، به. أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢١٦١).\nوالخطيب في \"التاريخ\" (١٣/ ٥٦)، والبيهقي (١٠/ ٧٠) وقال: \"وهذا منقطع؛ الزبير الحنظلي لم يسمع من عمران،.\nوتابعه أيضًا عباد بن العوام عند الطحاوي رقم (٢١٦٢).\nوخالفهم محمد بن إسحاق فقال: عن محمد بن الزبير عن رجل صَحِبَهُ عن عمران. أخرجه النسائي (٧/ ٢٨ رقم ٣٨٤٥). وابن عدى في الكامل\" (٦/ ٢٢٠٩ - ٢٢١٠) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٧٠).\nوخالفهم سفيان، فقال: عن محمد بن الزبير عن الحسن عن عمران. أخرجه أحمد (٤/ ٤٤٣)، والنسائي (٧/ ٢٩ رقم ٣٨٤٧)، والحاكم (٤/ ٣٠٥)، والبيهقي ١٠/ ٧٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٧). =","vol":"8","page":36},{"text":"والبيهقيُّ، [ولكنَّ] (^١) فيهِ محمدَ بنَ الزبيرِ الحنظلي وليسَ بالقويِّ. لهُ طريقٌ أُخْرى فيها علةٌ، ورواهُ الأربعةُ (^٢) منْ حديثِ عائشةَ، وفيهِ راوٍ متروكٌ، ورواهُ\n_________\n= وتابعه أبو بكر النهشلي عن محمد بن الزبير به. أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٩ رقم ٣٨٤٨).\nوخالفهم جميعًا يحيى بن أبي كثير، فقال: حدثني رجل من بني حنظلة عن أبيه عن عمران به. أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢١٠)، وعنه البيهقي (١٠/ ٧٠)، وفي رواية له عن يحيى به إلا أنه لم يقل \"عن أبيه\"، وعلى الوجهين أخرجه النسائي (٧/ ٢٨ رقم ٣٨٤١، ٣٨٤٢، ٣٨٤٣) إلا أنه سمَّى الرجل فقال: محمد بن الزبير الحنظلي.\nقلت: وهذا اضطراب شديد في السند وكذلك اضطراب في المتن.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، واللهُ أعلم.\n(^١) في (أ): \"ولكنه\".\n(^٢) أبو داود رقم (٣٢٩٠)، والنسائي (٧/ ٢٦)، والترمذي رقم (١٥٢٤)، وابن ماجه رقم (٢١٢٥).\nقلت: وأخرجه الطحاوي رقم (٢١٥٨)، والبيهقي (١٠/ ٦٩)، وأحمد (٦/ ٢٤٧) والخطيب (٥/ ١٢٧) كلهم من طرق عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة به.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث لا يصحُّ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة. قال: سمعتُ محمد - البخاري - يقول روى غير واحدٍ منهم موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -. قال محمد: والحديث هو هذا\".\nوقال أبو داود: سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك - يعني في هذا الحديث -: حدَّث أبو سلمة، فدلَّ على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.\nوقال أحمد بن محمد المروزي: وتصديق ذلك ما حدثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره عن أبي سلمة، عن عائشة. قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير - قال النسائي: ضعيف لا تقوم بمثله حجة وقد اختلف عليه في هذا الحديث -، عن أبيه، عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ -. أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة، عن عائشة - ﵂ -.\nوقال النسائي: سليمان بن أرقم متروك الحديث واللهُ أعلم، خالفه غيرُ واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث.\nقلت: وقد جاء بسند صحيح عند النسائي (٧/ ٢٧) تصريح الزهري بسماعه من أبي سلمة. قال السندي في حاشية النسائي: ويرفع هذا الاختلاف بإثبات سماع الزهري مرة =","vol":"8","page":37},{"text":"الدارقطنيُّ (^١)، وفيهِ أيضًا متروكٌ. ولا يلزمُ الوفاءُ بنذرِ المعصيةِ لقولِه: \"فلا يعصِه\"، ولما يفيدُه قولُه:\n١٥/ ١٢٩٤ - وَلمُسْلِمٍ (^٢) مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: \"لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةٍ\". [صحيح]\n(ولمسلمٍ منْ حديثِ عمرانَ: لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةٍ)؛ فإنهُ صريحٌ في النَّهْي عن الوفاءِ كالذي قبلَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1382>حكم من نذرَ أن يمشي إلى بيت الله الحرام</span>\n١٦/ ١٢٩٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم. [صحيح]\n- وَلأَحْمَدَ (^٤)، وَالأَرْبَعَةِ (^٥): فَقَالَ: \"إِنْ الله تَعَالَى لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ\n_________\n= عن سليمان، عن يحيى، عن أبي سلمة، ومرة عن أبي سلمة نفسه، وعند ذلك لا قطع لضعفه، لا سيما حديث عقبة وعمران يؤيد الثبوت.\nقلت: وحديث عائشة له طريق صحيح على شرط الشيخين: ولفظه: \"من نذر أن يطيع الله ﷿ فليطعه، ومن نذرَ أن يعصي الله فلا يعصه، ويكفِّر عن يمينه\".\nأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" رقم (٢١٤٤)، وابن حبان في \"الإحسان\" رقم (٤٣٨٧)، و(٤٣٨٨)، و(٤٣٨٩) و(٤٣٩٠). وانظر: \"إرواء الغليل\" (٨/ ٢١٤، ٢١٧ رقم ٢٥٩٠).\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ١٥٩ رقم ٤). وقال صاحب \"التنقيح\": غالب بن عبيد اللهِ مجمع على تركه.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٦٤١).\n(^٣) البخاري رقم (١٨٦٦)، ومسلم رقم (١٦٤٤).\n(^٤) في المسند (٤/ ١٤٥).\n(^٥) أبو داود رقم (٣٢٩٣)، والترمذي رقم (١٥٤٤)، والنسائي (٧/ ٢٠ رقم ٣٨١٥)، وابن ماجه رقم (٣١٣٤). وقال الترمذي: حديث حسن وفي إسناده عبيد اللَّهِ بن زَحْر، وقد تكلَّم فيه غير واحد. قاله المنذري.\nقلت: ذكر المحدث الألباني متابعات وشواهد لهذا الحديث في \"إرواء الغليل\" (٨/ ٢١٩، ٢٢١) ثم قال في النهاية: \"وجملة القول أن ذكر الصيام في الحديث لم يأت من طريق تقوم به الحجة لا سيما وفي الطرق الأخرى خلافه وهو قوله: \"ولتهد بدنة\"، فهذا هو المحفوظ، واللهُ أعلم.","vol":"8","page":38},{"text":"شَيئا، مُرْهَا فلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ). [ضعيف]\n(وعنْ عُقبةَ بن عامرٍ - ﵁ - قالَ: نذرتْ أختي أنْ تمشيَ إلى بيتِ اللهِ حافيةً، [فأمرتْني أنْ أستفتيَ لها رسولَ اللهِ - ﷺ -، فاستفتيتُه]، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لتمشِ ولتركبْ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. ولأحمدَ والأربعةِ فقالَ: إن الله تعالَى لا يصنعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا، مُرْها فلتختمرْ ولتركبْ، ولتصمْ ثلاثةَ أيامٍ).\nدل الحديثُ على أنّ مَنْ نذرَ أنْ يمشيَ إلى بيتِ اللهِ لا يلزمُه الوفاءُ، ولهُ أنْ يركبَ لغيرِ عجزٍ، وإليهِ ذهبَ الشافعي. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ لا يجوزُ الركوبُ معَ القدرةِ على المشي، فإذا عجزَ جازَ لهُ الركوبُ ولزمَهُ دمٌ، مستدلينَ بروايةِ أبي داودَ (^١) لحديثِ عقبةَ بأنَّهُ قالَ فيهِ: \"إنَّ أختي نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، وإنَّها لا تطيقُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ اللَّهَ تعالَى لغنيٌّ عنْ مشيِ أختِكَ، فلتركبْ ولتهدِ بَدَنةً\"، قالُوا: فَتقَيَّدُ روايةُ الصحيحينِ بأنَّ المرادَ ولتمشِ إنِ استطاعتْ وتركبْ في الوقتِ الذي لا تطيقُ المشيَ فيهِ أو يشقُّ عليها، وقولُه: \"فلتختمرْ\"، ذكرَ ذلكَ لأنهُ وقعَ في الروايةِ أنَّها نذرتْ أنْ تحجَّ للَّهِ ماشيةً غيرَ مختمرةٍ، قالَ: فذكرتْ ذلكَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: \"مُرْها - الحديثَ\". ولعل الأمرَ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ لأجلِ النذرِ بعدمِ الاختمارِ فإنهُ نذرٌ بمعصيةٍ فوجبَ كفارةُ يمينٍ، وهوَ منْ أدلةِ مَنْ يوجِبُ الكفارةَ في النذرِ بمعصيةٍ، إلَّا أنهُ ذكرَ البيهقيُّ (^٢) أن في إسنادِه اختلافًا. وقدْ ثبتَ إهداء البدنة في روايةِ أبي داودَ (^٣) عن ابن عباسٍ بعدَ قولِه: فلتركبْ: \"ولتهدِ بَدَنَةً\". قيلَ: وهوَ على شرطِ الشيخينِ، إلَّا أنهُ قالَ البخاري (^٤): لا يصح في حديثِ عقبةَ بن عامرٍ الأمرُ بالإهداءِ، فإنْ صحَّ فهو أمرُ ندبٍ، وفي وجههِ خفاءٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1383>وفاء نذر الميت</span>\n١٧/ ١٢٩٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٣٠٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٨٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٣٠٣)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) ذكره البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٥/ ٨٠).","vol":"8","page":39},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - في نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: \"اقْضِهِ عَنْهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: استفتَى سعدُ بنُ عبادةَ النبيَّ - ﷺ - نذرٍ كانَ على أمهِ توفيتْ قبلَ أنْ تقضيَهُ فقالَ: اقضِهِ عنْها. متفقٌ عليهِ)، لم يبينْ في هذهِ الروايةِ ما هوَ النذرُ، وجاءَ في روايةٍ [البخاري (^٢)] (^٣): \"أفيجزي عنها أنْ أعتقَ عنْها فقالَ: اعتقْ عنْ أمِّكَ\"، فظاهرُ هذهِ الروايةِ أنَّها نذرتْ بعتقٍ. وأمَّا ما أخرجَ النسائي (^٤) عنْ سعدِ بن عبادةَ - ﵁ - قالَ: \"قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إن أمي ماتتْ أفأتصدقُ عنْها؟ قالَ: نعمْ، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: سقْيُ الماءِ\"؛ فإنهُ في أمرٍ آخرَ غيرِ الفُتيا إذْ [هنا] (^٥) في سؤالِه - ﷺ - عن الصدقةِ تبرُّعًا عنْها. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يلحقُّ الميتَ ما فُعِلَ إليهِ منْ بعدِه منْ عتاقة أو صدقةٍ، أو نحوِهما، وقدْ قدمنا ذلكَ في آخرِ كتابِ الجنائزِ، وفيما قرب، وهلْ يجبُ ذلكَ على الوارثِ؟ ذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجبُ على الوارثِ أنْ يقضيَ النذرَ عن الميتِ إذا كانَ ماليًا، ولم يخلِّفْ تَرِكَة، وكذا غيرُ الماليِّ. وقالتِ الظاهريةُ (^٦): يلزمهُ ذلكَ لحديثِ سعدٍ. وأُجِيْبَ بأنَّ حديثَ سعدٍ لا دلالةَ فيهِ على الوجوبِ، والظاهرُ معَ الظاهريةِ إذِ الأمرُ للوجوبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1384>نذر المكان المعين</span>\n١٨/ ١٢٩٧ - وَعَنْ ثابِتِ بْنِ الضَّحَاكِ - ﵁ - قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: \"هَلْ كَانَ\n_________\n(^١) البخاري (٢٧٦١)، ومسلم (١٦٣٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٣٠٧)، والنسائي (٣٨١٨)، والترمذي (١٥٤٦). ومالك (٢/ ٤٧٢ رقم ١).\n(^٢) لم أعثر عليه عند البخاري بهذا اللفظ، واللَّهُ أعلم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"السنن\" (٦/ ٢٥٥ رقم ٣٦٦٦)، وهو حديث حسن.\n(^٥) في (ب): \"إذ هذا\".\n(^٦) \"المحلَّى\" (٨/ ٢٧، ٢٨).","vol":"8","page":40},{"text":"فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ \" فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: \"أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإنَّهُ لا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا في قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، وَالطَّبَرَانِيُّ (^٢)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الإسْنَادِ. [صحيح]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كرْدَمَ عِنْدَ أَحْمَدَ (^٣). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1385>ترجمة ثابت بن الضحاك</span>\n(وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ) (^٤) هوَ ثابتُ بنُ الضحاكِ الأشهليُّ. قالَ البخاريُّ: هوَ ممنْ بايعَ تحتَ الشجرةِ، حدَّثَ عنهُ أبو قلابةَ وغيرُه (قالَ: نذرَ رجلٌ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - أنْ ينحرَ إبلًا بِبُوانَةَ) بضمِّ الموحدةِ وبفتحِها، بعدَ الألفِ نونٌ، موضعٌ بالشامِ، وقيلَ: أسفلَ مكةَ دونَ يلملمَ، (فأتَى رسولَ اللهِ - ﷺ - فسألَه\" فقالَ: هلْ كانَ فيها وثنٌ يُعْبَدُ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ كانَ فيها عيدٌ منْ أعيادِهم؟ فقالَ: لا، فقالَ: أَوْفِ بنذرِكَ فإنهُ لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةِ اللهِ تعالَى، ولا في قطيعةِ رحمٍ، ولا فيما لا يملكُ ابنُ آدمَ. رواهُ أبو داودَ، والطبرانيُّ، واللفظُ لهُ، وهوَ صحيحُ الإسنادِ، ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ كَردمَ) بفتحِ الكافِ وسكونِ الراءِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، (عندَ أحمدَ). والحديثُ لهُ سببٌ عندَ أبي داودَ (^٥)، وهوَ أنهُ \"قال\": يا رسول اللَّهِ، إني نذرتُ إنْ وُلِدَ لي ولدٌ ذكرٌ أنْ أذبحَ على رأسِ بوانةَ - في عقبةٍ منَ الصاعدةِ - عنهُ -\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣/ ٦٠٧ رقم ٣٣١٣)، وقال الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٨٠): بسند صحيح.\n(^٢) في \"الكبير\" (٢/ ٧٥، ٧٦ رقم ١٣٤١).\nوهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\".\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٤١٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٣١٤)، وابن ماجه رقم (٢١٣١) بمعناه، وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح أبي داود\" و\"صحيح ابن ماجه\".\n(^٤) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" رقم (٥٥٨)، و\"الإصابة\" (٨٩٥)، و\"الاستيعاب\" (٢٦٠)، و\"الوافي بالوفيات\" (١٠/ ٤٥٨)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٥٣).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٣٣١٤).","vol":"8","page":41},{"text":"الحديثَ\"، وهوَ دليلٌ على أن مَنْ نذرَ أنْ يتصدقَ أوْ يأتي بقربةٍ في محلِّ معيَّنٍ أنهُ يتعينُ عليهِ الوفاءُ بنذرِه ما لم يكنْ في ذلكَ المحلِّ شيءٌ منْ أعمالِ الجاهليةِ. وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ منْ أئمةِ الهادويةِ.\nوقالَ الخطابي (^١): إنهُ مذهبُ الشافعيِّ، وأجازَهُ غيرُه لغيرِ أهلِ ذلكَ المكانِ اهـ.\nولكنهُ يعارضُه حديثُ: (لا تُشَدُّ الرحالُ) (^٢)، فيكونُ قرينةً على أن الأمرَ هنا للندبِ كذا قيلَ، ويدلُّ لهُ أيضًا قولُه:\n\n<span data-type='title' id=toc-1386>لا يتعين المكان في النذر - وإن عُيِّن - إلا ندبًا</span>\n١٩/ ١٢٩٨ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ في بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: \"صَلِّ هَاهُنَا\"، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: \"صَلِّ هَاهُنَا\"، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: \"فَشَأنَكَ إِذًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ جابرٍ أن رجلًا قالَ يومَ الفتحِ)، [أي: فتحِ مكةَ] (^٦): (يا رسولَ اللَّهِ، إني نذرتُ إنْ فتحَ الله عليكَ مكةَ أنْ أصلِّيَ في بيتِ المقدسِ، فقالَ: صل هاهُنا، فسألَه فقالَ: صلِّ هاهُنا، فسأله فقالَ: فشأنكَ إذًا. رواة أحمدُ، وأبو داودَ، وصححه الحاكمُ)،\n_________\n(^١) في \"معالم السنن\" (٣/ ٦٠٨) - حاشية سنن أبي داود.\n(^٢) • أخرجه البخاري رقم (١١٩٧) و(١٩٩٥)، ومسلم (٢/ ٩٧٥) رقم (٤١٥/ ٨٢٧)، وأحمد (٣/ ٣٤، ٥١، ٥٢، ٧١، ٧٧)، والبغوي في شرح السنة\" رقم (٤٥٠) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري.\n• وأخرجه البخاري رقم (١١٨٩)، ومسلم (٥١١/ ١٣٩٧)، وأبو داود رقم (٢٠٣٣)، والنسائي (٢/ ٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٨)، والحميدي رقم (٩٤٣) وغيرهم من حديث أبي هريرة.\n(^٣) في \"المسند\" (٣/ ٣٦٣).\n(^٤) في \"السنن\" (رقم: ٣٣٠٥).\n(^٥) في \"المستدرك (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥) ووافقه الذهبي. وصحَّحه أيضًا ابن دقيق العيد في \"الاقتراح\" كما في \"التلخيص\" (٤/ ١٧٨) رقم (٢٠٦٧)، وكذلك صححه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٩٧٢).\n(^٦) زيادة من (ب).","vol":"8","page":42},{"text":"وصحَّحهُ ابنُ دقيقِ العيدِ في \"الاقتراحِ\" (^١)، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا يتعينُ المكانُ في النذرِ - وإن عُيِّنَ - إلا ندْبًا.\n٢٠/ ١٢٩٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هذَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]\n(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: لا تُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدِ الحرامِ، ومسجدِ الأقصَى، ومسجدي. متفقٌ عليهِ، واللفط للبخاريِّ). تقدَّمَ الحديثُ في آخرِ بابِ الاعتكافِ، ولعلَّه أوردَه هنا للإشارةِ إلى أن النذرَ لا يتعينُ فيهِ المكانُ إلا أحدَ الثلاثةِ المساجدِ. وقدْ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى لزومِ الوفاءِ بالنذرِ بالصلاةِ في أيِّ المساجدِ الثلاثةِ، وخالفَهم أبو حنيفةَ فقالَ: لا يلزمُ الوفاءُ، ولهُ أنْ يصلِّيَ في أيِّ محلٍّ شاءَ، وإنَّما يجبُ عندَه المشيُ إلى المسجدِ الحرامِ إذا كانَ لحجٍّ أوْ عمرةٍ، وأما غيرُ الثلاثةِ المساجدِ، فذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى عدمِ لزومِ الوفاءِ لو نذرَ بالصلاةِ فيها إلا ندْبًا، وأما شدُّ الرحالِ للذهاب إلى قبورِ الصالحينَ، والمواضعِ الفاضلةِ فقالَ الشيخُ أبو محمدِ الجوينيُّ (^٣): إنهُ حرامٌ، وهوَ الذي أشارَ القاضي عياضٌ إلى اختيارهِ.\nقالَ النوويُّ (٣): والصحيحُ عندَ أصحابِنا، وهوَ الذي اختارَه إمامُ الحرمينِ والمحققونَ - أنهُ لا يحرمُ ولا يُكْرَهُ. قالُوا: والمرادُ أن الفضيلةَ التامةَ إنما هيَ في شدِّ الرحالِ إلى الثلاثةِ خاصةً. وقدْ تقدَّمَ هذا في آخرِ بابِ الاعتكافِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1387>الوفاء بالنذر بعد الإسلام</span>\n٢١/ ١٣٠٠ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ في\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" كما تقدم أعلاه.\n(^٢) البخاري رقم (١١٩٧) و(١٩٩٥)، ومسلم (٢/ ٩٧٥) رقم (٤١٥/ ٨٢٧) وقد تقدم تخريجه في \"شرح الحديث\" رقم (١٨/ ١٢٩٧) من كتابنا هذا.\n(^٣) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (٩/ ١٠٦).","vol":"8","page":43},{"text":"الْجَاهِلِيّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: \"أَوْفِ بِنَذْرِكَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَاية: فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. [صحيح]\n(وعنْ عمرَ - ﵁ - قالَ: قلت: يا رسولَ اللهِ، إني نذرت في الجاهليةِ أنْ أعتكفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ، قالَ: فأوفِ بنذِركَ. متفقٌ عليهِ. وزادَ البخاريُّ في روايةٍ: فاعتكفَ ليلةً). دلَّ الحديثُ على أنهُ يجبُ على الكافرِ الوفاءُ بما نذرَ بهِ إذا أسلمَ. وإليهِ ذهبَ البخاريُّ، وابنُ جريرٍ، وجماعةٌ منَ الشافعيةِ لهذا الحديثِ، وذهبَ الجماهيرُ إلى أنهُ لا ينعقدُ النذرُ منَ الكافرِ.\nقالَ الطحاويُّ: لا يصحُّ منهُ التقربُ بالعبادةِ، قالَ: ولكنهُ يحتملُ أن النبيَّ - ﷺ - فهمَ منْ عمرَ - ﵁ - أنهُ سمحَ بفعلِ ما كانَ نذرَ فأمرَهُ بهِ لأنَّ فعلَه طاعةٌ وليسَ هوَ ما كانَ نذرَ بهِ في الجاهليةِ. وذهبَ بعضُ المالكيةِ إلى أنهُ - ﷺ - إنَّما أمرَ بهِ استحباب وإنْ كانَ التزمَه في حالٍ لا ينعقدُ فيها. ولا يخْفَى أن القولَ الأولَ أوفقُ بالحديثِ والتأويلُ تعسفٌ. وقدِ استدلَّ بهِ على أن الاعتكافَ لا يشترطُ فيهِ الصومُ؛ إذِ الليلُ ليسَ ظرفًا لهُ. وتعقبَ: بأنَّ في روايةٍ عندَ مسلمٍ (^٢) يومًا وليلةً، وقدْ وردَ ذكرُ الصومِ صريحًا في روايةِ أبي داودَ (^٣)، والنسائيّ (^٤): \"اعتكفْ وصمْ\"، وهوَ ضعيفٌ.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري رقم (٢٠٣٢)، (٢٠٤٣) و(٣١٤٤)، (٤٣٢٠)، (٦٦٩٧)، ومسلم (٣/ ١٢٧٧ رقم ١٦٥٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣/ ٦١٦ رقم ٣٣٢٥)، والترمذي (٤/ ١١٢ رقم ١٥٣٩)، والنسائي (٧/ ٢١ - ٢٢ رقم ٣٨٢٠، ٣٨٢١، ٣٨٢٢)، وابن ما جه (١/ ٦٨٧) رقم (٢١٢٩)، وأحمد (١/ ٣٧، ٤١٩)، والحميدي (٢/ ٣٠٤ رقم ٦٩١)، البيهقي (٤/ ٣١٨) و(١٠/ ٧٦، ٨٣، ٨٤)، والدارمي (٢/ ١٨٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٣/ ١٢٧٧ رقم … / ١٦٥٦).\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٨٣٧، ٨٣٨ رقم ٢٤٧٤) و(٣/ ٦١٦، ٦١٧ رقم ٣٣٢٥).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" - كما في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ١٨، ١٩ رقم ٧٣٥٤) من حديث ابن عمر. وهو حديث صحيح دون قوله: \"أو يومًا\"، وقوله: \"وصم\".","vol":"8","page":44},{"text":"[الكتاب السادس عشر] كتاب القضَاء\nالقضاءُ بالمدِّ الولايةُ المعروفةُ، وهوَ في اللغةِ مشترَكٌ بينَ [معان منها] (^١): إحكام الشيءِ والفراغِ منهُ. ومنهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (^٢)، وبمعنى وإمضاءِ الأمرِ، ومنهُ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٣)، وبمعنَى الحتمِ والإلزامِ، ومنهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (^٤). وفي الشرعِ إلزامُ ذي الولايةِ بعدَ الترافعِ. وقيلَ هوَ الإكراهُ بحكمِ الشرعِ في الوقائعِ الخاصةِ لمعيَّنٍ أو جهةٍ، والمرادُ بالجهةِ كالحكمِ لبيتِ المالِ أو عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1390>ينجو من النار من القضاة من عرف الحق وعمل به</span>\n١/ ١٣٠١ - عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْقُضَاةُ ثَلَاثةٌ: اثْنَانِ في النَّارِ، وَوَاحِدٌ في الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَق فَقَضَى بِهِ فَهُوَ في الْجَنةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَق فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ فَقَضَى لِلناسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ\". رَوَاهُ (^٥) الأَرْبَعَةُ، وَصحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) سورة فصلت: الآية ١٢.\n(^٣) سورة الإسراء: الآية ٤.\n(^٤) سورة الإسراء: الآية ٢٣.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (٣٣١٥)، وأبو داود في \"السنن\" (٣٥٧٣).\nوالترمذي في \"السنن\" (١٣٢٢).\nوالنسائي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٦١ رقم ٥٩٢٢/ ١).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٠) وقال: \"صحيح الإسناد\"، وردَّه الذهبي بقوله: \"قلت: ابن بكير الغنوي منكر الحديث\".\nوقال الألباني في \"الإرواء (٨/ ٢٣٦): \"وشيخه حكيم بن جبير مثله أو شر منه فقال فيه =","vol":"8","page":45},{"text":"(عنْ بريدةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: القضاةُ ثلاثةٌ: اثنانِ في النارِ، وواحدٌ في الجنة)، [وكأنهُ] (^١) قيلَ: مَنْ همْ؟ فقالَ: (رجلٌ عرفَ الحق فقضَى بهِ فهوَ في الجنةِ، ورجلٌ عرفَ الحق فلمْ يقضِ بهِ وجارَ في الحكمِ فهوَ في النارِ، ورجلٌ لم يعرفِ الحق فقضَى للناسِ على جَهْل فهوَ في النارِ. رواهُ الأربعةُ، وصحَّحهُ الحاكمُ).\nوقالَ في علومِ (^٢) الحديثِ: تفرَّد بهِ [الخراسانيونَ] (^٣)، ورواتُه مراوزةٌ. قالَ المصنِّفُ: لهُ طرقٌ غيرُ هذهِ جمعتُها في جزءٍ مفردٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا ينجُو منَ النارِ منَ القضاةِ إلا مَنْ عرفَ الحقَّ وعملَ بهِ. والعمدةُ العملُ، فإنَّ منْ عرفَ الحقَّ فلم يعملْ به [فهوَ] (^٤) ومنْ حكمَ بجهلٍ سواءٌ في النارِ. وظاهرُه أن مَنْ حكمَ بجهلٍ وإنْ وافقَ حكمهُ الحقَّ [فإنهُ] (^٥) في النار لأنهُ أطلقُه [وقالَ: فقضَى] (^٦) للناسِ على جهلٍ، فإنهُ يصدقُ على مَنْ وافقَ [الحقَّ وهوَ] (^٧) جاهلٌ في قضائِه - أنهُ قضَى على جهلٍ. وفيهِ التحذيرُ منْ الحكم بجهلٍ أوْ بخلافِ الحقِّ معَ معرفتهِ بهِ. والذي في الحديث أن الناجيَ مَنْ قضَى بالحقِّ عالمًا بهِ، والاثنانِ في النارِ. وفيهِ أنهُ يتضمَّنُ النَّهْيَ عنْ توليةِ الجاهلِ القضاءَ. قالَ في مختصرِ شرحِ السنة: \"إنهُ لا يجوزُ لغيرِ المجتهدِ أنْ يتقلَّدَ القضاءَ، ولا يجوزُ للإمامِ توليتُه.\nقالَ: والمجتهدُ مَنْ جمعَ خمسةَ علومٍ: علمَ كتابِ اللَّهِ تعالى، وعلمَ سنَّةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وأقاويلَ [علماءِ] (^٨) السلفِ منْ إجماعِهم واختلافِهم، وعلمَ اللغةِ، وعلمَ القياسِ، وهوَ طريقُ استنباطِ الحكمِ منَ الكتابِ والسنةِ إذا لم [يجدْه] (^٩) صريحًا في نصِّ كتابٍ أو سنةٍ أو إجماعٍ، فيجبُ أنْ يعلمَ مِنْ علمِ\n_________\n= الدارقطني: متروك، ولم يوثقه أحد بخلاف البغوي، فقد قال الساجي: \"من أهل الصدق، وليس بقوي. وذكر له ابن عدي مناكير وهذا كل ما جرح به. وذكره ابن حبان في الثقات\"، فقول الذهبي: منكر الحديث لا يخلو من مبالغة، وقد قال في \"الضعفاء\": ضعَّفوه ولم يُترك\".\nوهو حديث صحيح. وانظر: \"الإرواء\".\n(^١) في (أ) \"فكأنه\".\n(^٢) للحاكم النيسابوري (ص ٩٩).\n(^٣) في (أ) \"الخراسيون\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"في أنه\".\n(^٦) في (أ): \"فقال يقضى\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"على\".\n(^٩) في (أ): \"تجده\".","vol":"8","page":46},{"text":"الكتابِ الناسخَ والمنسوخَ، والمجملَ والمفسَّرَ، والخاصَّ والعامَّ، والمحكَمَ والمتشابِهَ، والكراهةَ والتحريمَ، والإباحةَ والندبَ، ويعرفُ منَ السنةِ هذهِ الأشياءَ، ويعرفُ منْها الصحيحَ والضعيفَ، والمسندَ والمرسلَ، ويعرفُ ترتيبَ السنةِ على الكتابِ وبالعكسِ، حتَّى إذا وجدَ حديثًا لا يوافقُ ظاهرُه الكتابَ اهتدَى إلى وجْهِ محمَلِهِ، فإنَّ السنةَ بيانُ للكتابِ فلا تخالفُه، وإنَّما تجبُ معرفةُ ما وردَ منْها منْ أحكامِ الشرعِ دونَ ما عدَاها منَ القصصِ والأخبارِ والمواعظِ، وكذَا يجبُ أنْ يعرفَ منْ علمِ اللغةِ ما أَتَى في الكتابِ والسنةِ منْ أمورِ الأحكامِ دونَ الإحاطةِ بجميعِ لغاتِ العربِ، ويعرفُ أقاويلَ الصحابةِ والتابعينَ في الأحكامِ، ومعظمِ فتاوَى فقهاءِ الأمةِ حتَّى لا يقعَ حكمهُ مخالفًا لأقوالِهم فيأمنُ فيهِ خرقَ الإجماعِ، فإذا عرفَ كلَّ نوعٍ منْ هذهِ الأنواعِ فهوَ مجتهدٌ وإذا لم يعرفْها فسبيلُه التقليدُ. اهـ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1391>التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه</span>\n٢/ ١٣٠٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّينٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٢)، وَالأَرْبَعَةُ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ (^٤) خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبّانَ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ وُلِّيَ القضاءَ فقدْ ذُبِحَ بغيرِ سكينٍ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حِبَّانَ). دلَّ الحديثُ على\n_________\n(^١) انظر: \"إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد\" للأمير الصنعاني بتحقيقي.\n(^٢) في \"المسند\" (٢/ ٢٣٠ و٣٦٥).\n(^٣) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٣٥٧١ و٣٥٧٢)، وابن ماجه في \"السنن\" (٢٣٠٨)، والترمذي في \"السنن\" (١٣٢٥). وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك (٤/ ٩١) وقال: حديث صحيح الإسناد، وأقرَّه الذهبي. والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٩٦)، والدراقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٠٤ رقم ٧)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٧٥٦ رقم ١٢٦)، والخطيب (٦/ ١٥٠، ١٥١).\n(^٤) و(^٥) قاله ابن الديبع في \"التمييز\" رقم الحديث (١٣٥٧): بتحقيقنا وصحَّحَهُ الألباني في \"صحيح الجامع\" رقم (٦١٩٠).","vol":"8","page":47},{"text":"التحذيرِ منْ ولايةِ القضاءِ، والدخولِ فيهِ كأنهُ يقولُ: منْ تولَّى القضاءَ فقدْ تعرضَ لذبحِ نفسهِ، فليحذرْه وليتوقَّهُ، لأنه إنْ حكمَ بغيرِ الحق معَ علمهِ بهِ أو جهلهِ لهُ فهوَ في النارِ، والمرادُ منْ ذبْحِ نفسهِ إهلاكُها، أي: فقدْ أهلكَها بتوليةِ القضاءِ، وإنَّما قالَ بغير سكينٍ للإعلامِ بأنهُ لم يردْ بالذبحِ فَرْيَ الأوداجِ الذي يكونُ في الغالبِ بالسكينِ، بلْ أُرِيدَ بهِ إهلاكُ النفسِ بالعذاب الأُخرويِّ. وقيلَ: ذبحَ ذبحًا معنويًا، وهوَ لازمٌ لهُ لأنهُ إنْ أصابَ الحقَّ فقدْ أَتعبَ نفسَه في الدُّنيا لإرادتِه الوقوفَ على الحق وطلبِه واستقصاءَ ما تجبُ عليهِ رعايتُه في النظرِ في الحكمِ، والموقفُ معَ الخصْمَيْنِ، والتسويةُ بينَهما في العدلِ والقسطِ وإنْ أخطأ في ذلكَ لزمَهُ عذابُ الآخرةِ، فلا بدَّ لهُ منَ التعبِ والنَّصبِ. ولبعضِهم كلامٌ في الحديثِ لا يوافقُ المتبادَرَ منْهُ.\n٣/ ١٣٠٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَتِ الْمُرْضِعَةُ (^١)، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ\" (^٢)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ - ﵁ - (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إنَّكم ستحرصونَ على الإمارةِ) عامٌّ لكلِّ إمارةٍ منَ الإمامةِ العظْمى، إلى أدنى إمارةٍ ولوْ على واحدٍ، (وستكونُ ندامةً يومَ القيامةِ، فنعمَ المرضعةُ) أي: في الدُّنيا، (وبئستِ الفاطمةُ) أي: بعدَ الخروجِ منْها. (رواهُ البخاريُّ). قال (^٤) الطيبيُّ: تأنيثُ الإمارةِ غيرُ حقيقيٍّ فتركَ تأنيثَ نِعْمَ وألحقَه ببئسَ نظرًا إلى كونِ الإمارةِ حينئذٍ داهيةً دهْياءَ. وقالَ غيرُه: أنَّثَ في لفظٍ وتركَه في لفظٍ للافتنانِ وإلَّا فالفاعلُ واحدٌ. وأخرجَ الطبرانيُّ (^٥) والبزارُ (^٦) بسندٍ صحيح منْ حديثِ عوفِ بن مالكِ بلفظِ: \"أوّلها\n_________\n(^١) ضرب المرضعة مثلًا للإمارة، وما توصلُهُ إلى صاحبها من المنافع.\n(^٢) ضرب الفاطمة مثلًا للموت الذي يهدم عليه لذاته ويقطع تلك المنافع.\n(^٣) في \"صحيحه\" (٧١٤٨).\n(^٤) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٢٦).\n(^٥) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٠٠): رواه البزار والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" (٧/ ٢٦ رقم ٦٧٤٧) باختصار، ورجال الكبير رجال الصحيح.\n(^٦) البزار (٢/ ٢٣٦ رقم ١٥٩٧ - كشف الأستار).","vol":"8","page":48},{"text":"ملامةٌ، وثانيها ندامةٌ، وثالثُها عذابُ يومِ القيامةِ، إلَّا مَنْ عدلَ\". وأخرجَ الطبرانيُّ (^١) من حديثِ زيدِ بن ثابتٍ يرفعُه: \"نعمَ الشيءُ الإمارةُ لمنْ أخذَها بحقِّها وحِلِّها، وبئسَ الشيءُ الإمارةُ لمنْ أخذَها بغيرِ حقِّها، تكونُ عليهِ حسرة يومَ القيامةِ\". وهذا يقيِّدُ ما أطلقَ فيما قبلَه. وقد أخرجَ (^٢) مسلمٌ منْ حديثِ أبي ذرٍ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ألا تستعملُني؟ قالَ: \"إنكَ ضعيفٌ، وإنَّها أمانةٌ، وإنَّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ وندامةٌ إلَّا مَنْ أخذَها بحقِّها، وأدَّى الذي عليهِ فيها\". قالَ النوويُّ (^٣): هذا أصلٌ عظيمٌ في اجتنابِ الولايةِ لا سيَّما لمنْ كانَ فيه ضعفٌ، وهو في حقِّ من دخَلَ فيها بغيرِ أهليَّةٍ ولم يعدلْ، فإنّه يندمُ على مَا فرَّط فيهِ إذا جُوزِيَ بالجزاءِ يوم القيامةِ، وأما مَنْ كانَ أهلًا لها وعدلَ فيها فأجرُه عظيمٌ كما تضافرتْ بهِ الأخبارُ، ولكنْ في الدخولِ فيها خطرٌ عظيمٌ، ولذلكَ امتنعَ الأكابرُ منْها، فامتنعَ الشافعيُّ لمَّا استدْعاهُ المأمونُ لقضاءِ الشرقِ والغرب، وامتنعَ منهُ أبو حنيفةَ لمَّا استدْعاهُ المنصورُ فحبسَهُ وضربهُ، والذينَ امتنعُوا منَ الأَكابرِ جماعةٌ كثيرونَ، وعدَّ في النجمِ الوهَّاجِ جماعةً.\nتنبيهٌ: قوله: [\"ستحرصونَ\"] (^٤)، دلالةٌ على محبةِ النفوسِ للإمارة لما فيها منْ نيلِ حظوظِ الدنيا ولَذَّاتِها، ونفوذِ الكلمةِ، ولذَا وردَ النَّهْيُ عنْ طَلَبها كما أخرجَ الشيخانِ (^٥) أنهُ - ﷺ - قالَ لعبدِ الرحمن: \"لا تسألِ الإمارةَ فإنكَ إنْ أُعْطِيتَها\n_________\n(^١) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٠٠): رواه الطبراني عن شيخه حفص بن عمر بن الصباح الرقي وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٨٢٥).\n(^٣) في \"صحيح مسلم\" بشرح النووي (١٢/ ٢١٠، ٢١١).\n(^٤) في (أ) \"ستحرصوا\".\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٦٢٢) و(٦٧٢٢)، و(٧١٤٦) و(٧١٤٧).\nومسلم في \"صحيحه\" (١٦٥٢).\nقلت: وأخرجه النسائي (٨/ ٢٢٥)، وأبو داود (٢٩٢٩)، والترمذي (١٥٢٩)، وأحمد (٥/ ٦٢، ٦٣)، وعبد الرزاق (٢٠٦٥٤)، وأبو يعلى في \"المسند\" رقم (١٥١٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٣٧، ٣٨، ٣٤٩) و(٢/ ١٨٦)، والبيهقي (١٠/ ١٠٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٣٠)، (٨/ ٣٨٧)، (٩/ ١٨، ١٩)، والخطيب في \"التاريخ\" (٢/ ٤٠٠) و(٤/ ١٨٩، ٢٨٨) و(٧/ ١٦١) و(٨/ ٤٨٠) و(١٢/ ٤٢١، ٤٥٠، ٤٥١)، والدارمي (٦/ ١٨٦)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ٩١ رقم ٩٤٨)، وابن الجارود (٩٩٨).","vol":"8","page":49},{"text":"عنْ مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإنْ أعطيتَها عنْ غيرِ مسألةٍ أُعِنْتَ عليها\". وأخرجَ أبو داودَ (^١) والترمذيُّ (^٢) عنهُ - ﷺ -: \"مَنْ طَلَبَ القضاءَ واستعانَ عليهِ وُكِلَ إليهِ، ومَنْ لم يطلبْه ولم يستعنْ عليهِ أنزلَ اللَّهُ مَلكًا يسدِّده\". وفي صحيحِ (^٣) مسلمٍ أنهُ - ﷺ - قالَ: \"واللَّهِ لا نولِّي هذا الأمرَ أحدًا سألَه، ولا أحدًا حرَصَ عليهِ\" حرَصَ بفتحِ الراءِ. قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤)، ويتعينُ على الإمامِ أنْ يبحثَ عنْ أَرضَى الناسِ وأفضلِهم فيوليهِ، لما أخرجَه الحاكمُ (^٥) والبيهقيُّ (^٦) أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"من استعملَ رجلًا على عصابةٍ وفي تلكَ العصابةِ مَنْ هوَ أرضَى للَّهِ تعالَى منهُ فقدْ خَانَ الله ورسولَه وجماعةَ المسلمينَ\"؛ وإنَّما نَهَى عنْ طلبِ الإمارةِ لأنَّ الولايةَ تفيدُ قوةً بعدَ ضعفٍ، وقدرةً بعدَ عجزٍ تتخذُها النفسُ المجبولةُ على الشرِّ وسيلةً إلى الانتقامِ منَ العدوِّ، والنظرِ للصديقِ، وتتبعِ الأغراضِ الفاسدةِ، ولا يوثقُ بحسنِ عاقبتِها، ولا سلامةِ مجاورتها، فالأَوْلَى أن لا [تطلبَ] (^٧) ما أمكنَ. وإنْ كانَ قدْ أخرجَ أبو داودَ (^٨) بإسنادٍ حسنٍ عنهُ - ﷺ -: \"مَنْ طلبَ قضاءَ المسلمينَ [حتى ينالَهُ] (^٩) فغلبَ عدْلُه جورَه فلهُ الجنةُ، ومَنْ غَلبَ جورُه عدلَه فلهُ النارُ\".\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣٥٧٨).\n(^٢) في \"السنن\" (١٣٢٣) وحسَّنه من حديث أنس.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (٢٣٠٩).\nوهو حديث ضعيف. انظر: \"الضعيفة\" للألباني (٣/ ٢٩٦ رقم ١١٥٤).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٤/ ١٧٣٣) من حديث أبي موسى.\nقلت: وأخرجه البخاري (٧١٤٩).\n(^٤) سورة يوسف: الآية ١٠٣.\n(^٥) في المستدرك\" (٤/ ٩٢). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٨) كلاهما عن ابن عباس.\nقلت: وأخرجه العقيلي (١/ ٢٤٨) بنحوه وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٦٣) بلفظ: \"من استعمل عاملًا على قوم … \" الحديث بنحوه. وفيه حسين بن قيس الرحبي الملقب بحنش متروك. والحديث ضعيف.\n(^٧) في (أ): \"يطلب\".\n(^٨) في \"السنن\" (٣٥٧٥) وإسنادهُ ضعيف.\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"8","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1392>شرط الحاكم الاجتهاد</span>\n٤/ ١٣٠٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُم أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُم أَخْطَأ فَلَهُ أَجْرٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ عمرِو بن العاصِ أنهُ سمعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يقولُ: إذا حكمَ الحاكمُ) أي: أرادَ الحكمُ لقولِه (فاجتهدَ)، فإنَّ الاجتهادَ قبلَ الحكمِ، (ثمَّ أصابَ فلهُ أجرانِ، فإذا حكمَ واجتهدَ ثمَّ أخطأَ) أي: لم [يوافقْ] (^٢) ما [هوَ] (^٣) عندَ اللَّهِ منَ الحُكم (فله أجرٌ. متفقٌ عليه). الحديثُ منْ أدلةِ القولِ بأنَّ الحكمَ عندَ الله تعالَى في كلِّ قضيةٍ واحدٌ معيَّنٌ قدْ يصيبُه مَنْ أعملَ فكْرَهُ وتتبعَ الأدلةَ، [ووفَّقَه] (^٤) اللَّهُ، فيكونُ لهُ أجرانِ: أجرُ الاجتهادِ، وأجرُ الإصابةِ. والذي لهُ أجرٌ واحدٌ منِ اجتهدَ فأخطأَ فلهُ أجرُ الاجتهادِ. واستدلُّوا بالحديثِ على أنهُ يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ الحاكمُ مجتهدًا. قال الشارحُ وغيرُه: وهوَ المتمكِّنُ منْ أَخْذِ الأحكامِ منَ الأدلةِ الشرعيةِ قالَ: ولكنَّه\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٣٥٢)، ومسلم رقم (١٧١٦)، وأحمد (٤/ ١٩٨، ٢٠٤)، والدارقطني (٤/ ٢١١)، والبيهقي (١٠/ ١١٨، ١١٩)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" رقم (١٦٦٢).\n• وأخرجه مسلم (١٧١٦)، وأبو داود رقم (٣٥٧٤)، والدارقطني (٤/ ٢١٠، ٢١١، ٢١١)، والبغوي رقم (٢٥٠٩) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ، به.\nقلت: وفي الباب من حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهدَ فأصاب فله أجرانِ، وإذا حكمَ، فاجتهد فأخطأ فله أجرٌ\".\n• أخرجه البخاري رقم (٧٣٥٢)، ومسلم رقم (١٧١٦)، وأبو داود (٣٥٧٤)، وابن ماجه رقم (٢٣١٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٥٨). والدارقطني (٤/ ٢١٠، ٢١١ و٢١١)، والبيهقي (١٥/ ١١٩)، والبغوي رقم (٢٥٠٩)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" رقم (١٦٦٤)، وأحمد (٤/ ١٩٨، ٢٠٤، ٢٠٥)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٦، ١٧٧) من طريق يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، به وأخرجه الترمذي رقم (١٣٢٦)، والنسائي (٨/ ٢٢٣، ٢٢٤)، والبيهقى (١٠/ ١١٩) من طرق عن عبد الرزاق به.\n(^٢) في (أ): \"يوافقه\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"ووفق\".","vol":"8","page":51},{"text":"يعزُّ وجودُه بلْ كادَ يعدمُ بالكليةِ، ومعَ تعذُّرهِ فمنْ شرطَه أنْ يكونَ مقلّدًا مجتهدًا في مذهبِ إمامِه. ومنْ شرطِه أنْ يتحققَ أصولَ إمامهِ وأدلَّتَه، وينزلَ أحكامَه عليها فيما لم يجدْه منصُوصًا منْ مذهبِ إمامه، انتهى.\nقلت: ولا يخْفَى ما في الكلامِ منَ البطلانِ، وإنْ تطابقَ عليهِ الأعيانُ، وقدْ بيَّنَّا بطلانَ دعْوى تعذرِ الاجتهادِ في رسالتِنا المسمَّاةِ بإرشادِ النقادِ إلى تيسيرِ الاجتهادِ (^١) بما لا يمكنُ دفعُه، وما أَرى هذه [الدعْوى] (^٢) التي تطابق عليها الأنظارُ إلَّا منْ كفرانِ نعمةِ اللَّهِ عليهم، فإنَّهم - أعني المدعينَ لهذِه الدعْوى والمقررينَ لها - مجتهدونَ يعرفُ أحدُهم مِنَ الأدلةِ ما يمكنُه بها الاستنباطُ مما لم يكنْ قدْ عرفَه عتابُ بن أسيدٍ قاضي رسولِ اللَّهِ - ﷺ - على مكةَ، ولا أبو موسَى [الأشعريُّ] (^٣) قاضي رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في اليمنِ، ولا معاذُ بن جبل قاضيْه فيها [وعاملُه عليها] (^٤)، ولا شريحٌ قاضي عمرَ وعليٍّ - ﵁ -[على الكوفة] (^٥).\nويدلُّ لذلكَ قولُ الشارحِ: فمنْ شرطِه، أي [المقلدِ] (^٦) أنْ يكونَ مجتهدًا في مذهبِ إمامه، فإنَّ هذَا هوَ الاجتهادُ الذي حكمَ بكيدودةِ عدمِه بالكليةِ وسمَّاهُ متعذِّرًا، فهلَّا جعلَ هذا المقلِّدُ إمامَه كتابَ اللَّهِ وسنةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عِوَضًا عنْ إمامِه، وتتبعَ نصوصَ الكتابِ والسنةِ عوضًا عن [تَتَبُّع] (^٧) نصوصِ إمامهِ والعباراتُ كلُّها ألفاظٌ دالة على معاني، فهلَّا استبدلَ بالفاظِ إمامِه ومعانيها ألفاظَ الشارعِ ومعانيها، ونزَّلَ الأحكامَ عليها إذا لم يجدْ نصًا شرعيًا عِوَضًا عنْ تنزيلِها على مذهبِ إمامهِ فيما لم يجدْه منصُوصًا، تاللَّهِ لقدِ استبدلَ الذي هوَ أدنَى بالذي هوَ خيرٌ منْ معرفةِ الكتابِ والسنةِ إلى معرفةِ كلام الشيوخِ والأصحابِ وتفهمِ مرامِهم، والتفتيشِ عنْ كلامهم. ومنَ المعلومِ يقينًا أَنَّ كلامَ اللَّهِ تعالى وكلامَ رسولِه - ﷺ - أقربُ إلى الأفهامِ وأدنى إلى إصابة بلوغ (^٨) المرامِ، فإنهُ أبلغُ الكلامِ بالإجماعِ، وأعذبُه في الأفواهِ والأسماعِ، وأقربُه إلى الفهمِ والانتفاعِ، ولا ينكرُ هذا إلا\n_________\n(^١) طبع بتحقيقي ولله الحمد.\n(^٢) في (أ): \"الدعاوي\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"بالكوفة\".\n(^٦) في (أ): \"التقليد\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أي بأنه لا يكاد يوجد.","vol":"8","page":52},{"text":"جلمودُ الطباعِ، ومَنْ لا حظَّ لهُ في النفعِ والانتفاعِ، والأفهامُ التي فهمَ بها الصحابةُ الكلامَ الإلهيَّ، والخطابَ النبويَّ هيَ كأفهامِنا، وأحلامُهم كاحلامِنا، إذْ لوْ كانتِ الأفهامُ متفاوتةً تفاوتًا يسقطُ معهُ فهمُ العباراتِ الإلهيةِ، والأحاديثِ النبويةِ لما كنَّا مكلَّفينَ ولا مأمورينَ ولا منهيينَ، لا اجتهادًا ولا تقليدًا. أما الأولُ فلإحالته، وأما الثاني فَلانَّا لا نقلِّدُ حتَّى نعلمَ أنهُ يجوزُ لنا التقليدُ، ولا نعلمُ ذلكَ إلا بعدَ فهمِ الدليلِ منَ الكتابِ والسنةِ على جوازِه لتصريحِهم بأنهُ لا يجوزُ التقليدُ في جوازِ التقليدِ، فهذا الفهمُ الذي فهمْنا بهِ هذا الدليلَ نفهمُ بهِ غيرَه منَ الأدلةِ منْ كثيرٍ وقليلٍ، على أنهُ قدْ شهدَ المصْطَفَى - ﷺ - بأنهُ يأتي مِنْ بعدِه مَنْ هوَ أفقهُ ممنْ هو في عصرِه، وأوعَى لكلامِه حيثُ قالَ: \"فربَّ مبلغٍ أفقهُ منْ سامعٍ\" (^١)، وفي لفظٍ: \"أوعَى لهُ من سامع\" (^٢). والكلامُ قدْ وفَّيْنَاهُ حقَّه في الرسالةِ المذكورةِ، ومنْ أحسنِ ما [يعرفُه] (^٣) القضاةُ كتابُ عمرَ - ﵁ - الذي كتَبه إلى أبي موسَى الذي رواهُ أحمدُ (^٤) والدارقطني (^٥)، والبيهقيّ (^٦)، قالَ الشيخُ أبو إسحاقَ: هوَ أجلّ كتابٍ فإنهُ بيَّنَ آدابَ القضاةِ، وصفةَ الحكمِ، وكيفيةَ الاجتهادِ واستنباطَ القياسِ،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٧ - مع التحفة)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١/ ٨٥ - ٢٣٢)، وأحمد (١/ ١٦٦ - الفتح الرباني).\nقلت: مدار حديث ابن مسعود في كل طرقه على ابنه عبد الرحمن وهو مدلس من المرتبة الثالثة، ولم يصرح بالسماع. ولكن يشهد له حديث زيد بن ثابت الذي أخرجه الترمذي (٧/ ٤١٥ - مع التحفة). وقال: حديث حسن، وأبو داود (١٠/ ٩٤ - مع العون)، وأحمد (١/ ١٦٤ - الفتح الرباني)، وابن ماجه (١/ ٨٤ - ٢٣٠). وكذلك يشهد له من حديث: جبير بن مطعم الذي أخرجه أحمد (١/ ١٦٥ - الفتح الرباني)، وابن ماجه (١/ ٨٥ - ٢٣١) فالحديث صحيح لغيره.\nوقد صحَّحه الترمذي، والألباني في \"صحيح الجامع\" (٦/ ٢٩ - ٦٦٤٠).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" (٢٣٣).\n(^٣) في (أ): \"يعرف\".\n(^٤) في \"مسنده\".\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٢٠٦، ٢٠٧ رقم ١٥) وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد وهو ضعيف.\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٥).\nوقال ابن القيم في \"إعلام الموقعين\" (١/ ٨٦) بعد أن أورده: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، إلى تأمله والتفقه فيه.","vol":"8","page":53},{"text":"ولفظُه: \"أما بعدُ فإنَّ القضاءَ فريضةٌ محكمةٌ وسنةٌ متَّبعةٌ، فعليكَ بالعقلِ والفهمِ وكثرةِ الذكرِ، فافهمْ إذا أدلَى إليكَ الرجلُ الحجةَ فاقضِ إذا فهمتَ، وامضِ إذا قضيتَ. فإنهُ لا ينفعُ [تكلُّمٌ] (^١) بحقٍ لا نفاذَ لهُ. آسِ بينَ الناسِ في وجهكَ ومجلسِكَ وقضائِكَ حتَّى لا يطمعَ شريفٌ في حيفكَ، ولا ييأسَ ضعيفٌ منْ عدلِكَ. البينةُ على المدَّعي واليمينُ على مَنْ أنكرَ، والصلحُ جائزٌ بينَ المسلمينَ إلا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا. ومن ادَّعى حقًّا غائبًا أو بينةً فاضربْ لهُ أمدًا ينتهي إليهِ، فإنْ جاءَ ببيِّنتِه أعطيتَهُ حقَّهُ، وإلَّا استَحْلَلْتَ عليهِ القضيّةَ، فإنَّ ذلكَ أبلغُ في العُذرِ، وأجْلَى للعَمى. ولا يمنعكُ قضاءٌ قضيتَ فيهِ اليومَ فراجعتَ فيهِ عقلكَ وهُدِيْتَ فيهٍ لرشدَكَ أنْ ترجَع إلى الحقِّ، فانَّ الحقَّ قديمٌ ومراجعةُ الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطلِ. الفهمَ الفهمَ فيما يختلجُ في صدركَ مما ليسَ في كتابِ اللَّهِ ولا سنةِ رسولِهِ - ﷺ -، ثمَّ اعرفْ الأشباهَ والأمثالَ وقسِ الأمورَ عندَ ذلكَ، واعمدْ إلى أقربها إلى اللَّهِ تعالَى وأشبهِهَا بالحقِّ. المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلَّا مجلُودًا في حدٍّ، أو مجرَّبًا عليهِ شهادةُ زورٍ، أو ظِنِّيْنًا في ولاءٍ أو نسبٍ أو قرابةٍ، فإنَّ الله تعالَى تولَّى منكمُ السرائرَ. وادرأ بالبيناتِ والأيمانِ، وإياك والغضبَ والقلقَ والضجرَ، والتأذيَ بالناسِ عندَ الخصومةِ، [والتفكرِ] (^٢) عندَ الخصوماتِ، فإنَّ القضاءَ عندَ مواطنِ الحقَّ، يوجبُ اللَّهَ تعالى بهِ الأجرَ، ويحسنُ بهِ الذكرَ. فمنْ خلصتْ نيتُه في الحقِّ ولوْ على نفسِه كفاهُ اللَّهُ (تعالى) ما بينَه وبينَ الناسِ، ومَنْ تخلَّق للناسِ بما ليسَ في قلبِهِ شانَهُ اللَّهُ تعالَى، فإنَّ اللَّهَ تعالَى لا يقبلُ منَ العبادِ إلَّا ما كانَ خالصًا، فما ظنكَ بثوابٍ منَ اللَّهِ في عاجلِ رِزْقه، وخزائن رحمتِهِ، والسلامُ اهـ\". ولأمير المؤمنينَ عليٍّ - ﵇ - في عهدٍ عهِده إلى الأشترِ لما ولَّاه مصرَ فِيْهِ عدةُ نصائح وآدابٍ ومواعظَ وحكمٍ، وهوَ معروفٌ في النهجِ لم أنقلْه لشهرتِه. وقدْ أُخِذَ منْ كلامِ عمرً أنهُ ينقضُ القاضي حُكْمُه إذا أخطأَ، ويدلُّ لهُ ما أخرجَه (^٣) الشيخانِ منْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"بينَما امرأتانِ معَهُما ابناهُما جاءَ الذئبُ فذهبَ بابنِ إحداهُما\n_________\n(^١) في (أ): \"كلام\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٢٤٤ - البغا)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٧٢٠).","vol":"8","page":54},{"text":"فقالتْ هذهِ لصاحِبَتها: إنما ذهبَ بابنِكِ، وقالتِ الأُخرى: إنما ذهبَ بابنِكِ، فتحاكَمَتَا إلى داودَ - ﵇ - فقضَى بهِ للكُبرى فخرجَتَا إلى سليمانَ فأخبرتاهُ فقال: ائتوني بالسكينِ أشقُّه بينَكُما نصفينِ، فقالتِ الصغْرى: لا تفعلْ يرحمْك اللَّهُ هوَ ابنُها فقضَى بهِ للصُّغْرى\". وللعلماءِ قولانِ في المسألةِ: قولٌ إنهُ ينقضه إذا أخطأ، والآخرُ لا ينقضُهُ لحديث: \"وإنْ أخطأ فلهُ أجرٌ\" (^١).\nقلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ لأنَّ المرادَ: أخطأَ ما عندَ اللَّهِ، وما هوَ في نفسِ الأمرِ [من الحقِّ وهذا الخطأُ] (^٢) لا يعلمُ إلا يومَ القيامةِ، أوْ بوحيٍ منَ اللَّهِ تعالَى، والكلامُ في الخطأِ يظهرُ [له في الدنيا منْ] (^٣) عدمِ استكمال شرائطِ الحكمِ أو نحوِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1393>لا يقضي القاضي وهو مشوش الفكر</span>\n٥/ ١٣٠٥ - وَعَنْ أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَان\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وعَنْ أبي بكرةَ - ﵁ - قالَ: سمعت رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: لا يحكمُ أحدٌ بينَ اثنينِ وهوَ غضبانٌ. متفقٌ عليهِ). النَّهْيُ ظاهرٌ في التحريمِ، وحملَه الجمهورُ علَى الكراهةِ، وترجَم النوويُّ في شرحِ مسلم (^٥) لهُ ببابِ كراهةِ قضاءِ القاضي وهوَ غضبانُ. وترجمَ البخارى (^٦) ببابِ هلْ يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهوَ غضبانُ؟ وصرَّحَ النوويُّ (^٧) بالكراهةِ في ذلكَ، وإنَّما حملُوه على الكراهةِ نظَرًا إلى العلةِ المستنبَطَةِ المناسبةِ لذلكَ، وهو أنهُ لما رتَّبَ النَّهْيَ على الغضبِ، والغضبُ بنفسِه لا مناسبةَ فيهِ لمنعِ الحكمِ، وإنَّما ذلكَ لما هوَ مظنةٌ لحصولِه، وهوَ تشويشُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه حديث (٤/ ١٣٠٤) من كتابنا هذا.\n(^٢) في (أ) \"ولم يعلم بخطأه وهذا\".\n(^٣) في (أ) \"بعد الحكم بسبب\".\n(^٤) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧١٥٨)، ومسلم (١٦/ ١٧١٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٣٥٨٩)، والترمذي (١٣٣٤)، والنسائي (٨/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٦)، والبيهقي (١٠/ ١٠٤، ١٠٥).\n(^٥) (١٢/ ١٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١٣/ ١٣٦).\n(^٧) في \"شرحه لمسلم\" (١٢/ ١٥).","vol":"8","page":55},{"text":"[الفكرِ ومشغلةُ] (^١) القلبِ عن استيفاءِ ما يجبُ منَ النظرِ، وحصولُ هذا قدْ يفضي إلى الخطأِ عن الصوابِ، ولكنهُ غيرُ مطَّرِدٍ معَ كلِّ غضبٍ، ومعَ كلِّ إنسانٍ، فإنْ أفَضَى الغضبُ إلى عدم تمييزِ الحق منَ الباطلِ فَلَا كلامَ في تحريمهِ، وإنْ لم يفضِ إلى هذا الحدِّ فأقلُّ أحوالِهِ الكراهةُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا فرقَ بينَ مراتبِ الغضبِ، ولا بينَ أسبابهِ. وخصَّهُ البغويُّ (^٢) وإمامُ الحرمينِ (^٣) بما إذا كان الغضبُ لغيرِ اللَّهِ تعالى، وعللَّ بأنَّ الغضبَ للَّهِ يؤمَنُ معَهُ منَ التعدِّي بخلافِ الغضبِ للنفسِ، واستبعدَه جماعةٌ لمخالفتِه لظاهرِ الحديثِ، والمعنَى الذي لأجلِه نُهِيَ عن الحكمِ معَهُ، ثمَّ لا يخْفَى أن الظاهرَ في النَّهْي التحريمُ، وأنَّ جَعْلَ العلةِ المستنبطةِ صارفةً إلى الكراهةِ بعيدٌ. وأما حكمهُ - ﷺ - (^٤) معَ غضبِه في قصةِ الزبيرِ، فلمَا عُلِمَ منْ أن عصمتَه مانعةٌ عنْ إخراجِ الغضبِ لهُ عن الحقِّ، ثمَّ الظاهرُ عدمُ نفوذِ الحكمِ معَ الغضبِ؛ إذِ النهْيُ يقتضي الفسادَ. والتفرقة بينَ النهي للذاتِ والنهي للوصفِ كما يقولُه الجمهورُ غيرُ واضحٍ كما قررَ في غيرِ هذا المحلِّ. وقدْ أُلْحِقَ بالغضبِ الجوعُ والعطش المفرطينِ لما أخرجه الدارقطنيُّ (^٥) والبيهقيُّ (^٦) بسندٍ تفردَ بهِ القاسمُ العمريُّ وهوَ ضعيفٌ عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"لا يقضي القاضي إلَّا وهوَ شبعانٌ ريَّانُ\"، وكذلك أُلْحِقَ بهِ كلُّ ما يشغلُ القلبَ، ويشوشُ الفكرَ منْ غلبةِ النعاسِ، أو الهمِّ أو المرضِ أو نحوهما.\n_________\n(^١) في (أ): \"الخاطر وشغل\".\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ١٣٨).\n(^٤) يشير المؤلف ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، ومسلم رقم (٢٣٥٧)، وأبو داود رقم (٣٦٣٧)، والترمذي رقم (١٣٦٣)، والنسائي (٥٤٠٩)، وابن ماجه رقم (٢٤٨٠)، والبيهقي (١٠/ ١٠٤ و١٠٥) من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه: \"أنه اختصم هو وأنصاري فقال النبي - ﷺ - للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى أخيك، فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أنْ كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله - ﷺ - ثم قال: \"اسقِ يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\".\n(^٥) في \"السنن\" (٤/ ٢٠٦ رقم ١٤) وفيه القاسم العمري وهو متهم بالوضع كذا في التلخيص (٤/ ١٨٩ رقم ٢٠٩٠).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٠٥، ١٠٦) والخلاصة: أنّ الحديث ضعيف.","vol":"8","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1394>لا يقضي القاضي حتى يسمع من الخصمين</span>\n٦/ ١٣٠٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا تَقَاضَى إِلَيكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ للأَوَّلِ حَتى تَسْمَعَ كَلامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْري كَيفَ تَقْضِي\"، قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢): وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣) وَحَسّنَهُ، وَقَوّاهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٤). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ - ﵁ - قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إذا تقاضَى إليكَ رجلانِ فلا تقضِ للأولِ حتَّى تسمعَ كلامَ الآخرِ، فسوفَ تدري كيفَ تقضي. قالَ عليٌّ - ﵁ -: فما زلتُ قاضيًا بعدُ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وحسَّنهُ، وقوَّاهُ ابنُ المديني، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ). الحديثُ أخرجُوه منْ طرقٍ أحسنُها روايةُ البزارِ (^٥) عنْ عمرِو بن مُرَّةَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن سلمةَ عنْ عليٍّ - ﵁ -، وفي إسنادِه عمرُو بنُ أبي المقدامِ، واختُلِفَ فيهِ على عمرِو بن مُرَّةَ، فرواهُ شعبةُ عنْ أبي البختريِّ قالَ: حدثني مَنْ سمعَ عليًا - ﵁ - أخرجَهُ أبو يعلى (^٦)، وإسنادُه صحيحٌ لولا هذَا [المبهمُ] (^٧)، ولهُ طرقٌ أُخَرُ تشهدُ لهُ، ويشهدُ لهُ الحديثُ الآتي:\n_________\n(^١) في \"المسند\" (١/ ٩٠، ٩٦، ١١١).\n(^٢) في \"السنن\" (٣٥٨٢).\n(^٣) في \"السنن\" (١٣٣١) وقال: حديث حسن.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٥٠٦٥).\nقلت: وأخرجه الطيالسي رقم (١٢٥)، والنسائي في \"خصائص علي\" رقم (٣٤)، والبيهقي (١٠/ ١٣٧) من طرق عن سماك بن حرب، عن حنش، عن علي، به.\n• وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣١٠)، والحاكم (٣/ ١٣٥) والنسائي في \"خصائص علي\" رقم (٣١، ٣٢، ٣٣) من طريق عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن علي. وصحَّحه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. مع أن فيه انقطاعًا، فإن أبا البختري - واسمه سعيد بن فيروز، لم يسمع من علي شيئًا.\n• وأخرجه أحمد (١/ ١٣٦)، والطيالسي رقم (٩٨)، والبيهقي (١٠/ ٨٦، ٨٧) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عمن سمع عليًا، عن علي، والخلاصة فالحديث صحيح. وصححه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٦٠٠).\n(^٥) لم أجده في \"البحر الزخار مسند علي\".\n(^٦) في \"المسند\" (١/ ٣٠٥ رقم ١١١/ ٣٧١).\n(^٧) في (أ): \"المتهم\".","vol":"8","page":57},{"text":"٧/ ١٣٠٧ - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِم (^١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَباسٍ. [إسناده حسن]\nوهوَ قولُه: (وله شاهدٌ عندَ الحاكمِ منْ حديثِ ابن عباسٍ - ﵁ -). والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الحاكمِ أنْ يسمعَ دعْوى المدَّعي أولًا، ثمَّ يسمعُ [جوابَ] (^٢) المجيبِ، ولا يجوزُ لهُ أنْ يبنيَ الحكمَ على [مجرد] (^٣) سماعِ دعْوى المدَّعي قبلَ جوابِ المجيبِ، فإنْ حكمَ قبلَ سماعِ الإجابةِ عَمْدًا بطلَ قضاؤُه، وكانَ قدْحًا في عدالته [ينعزل به] (^٤)، وإن كانَ خطأَ لم [يكن قادحًا] (^٥)، وأعادَ الحكمَ على وجْهِ الصحةِ، وهذا حيثُ أجابَ الخصمُ، فإنْ سكتَ عن الإجابةِ أوْ قالَ: لا أقرُّ ولا أنكرُ ففي البحر (^٦) عن الإمام يحيى ومالك يحكمُ عليهِ [لتصريحهِ] (^٧) [بالتمرُّد] (^٨)، وإنْ شاءَ حبَسهُ حتَّى [يقرَّ] (^٩) [أو ينكرَ] (^١٠). وقيلَ: بلْ يلزمُه الحقُّ بسكوته؛ إذ الإجابةُ تجبُ فورًا فإذا سكتَ كانَ كنكولِه.\nوأجيبَ بأنَّ النكولَ الامتناعُ [من] (^١١) اليمينِ، وهذا ليسَ منهُ، وقيلَ يحبسُ حتَّى يقرَّ أو ينكرَ. وأجيبَ بأنَّ التمردَ كافٍ في جوازِ الحكمِ؛ إذِ الحكمُ شرعٌ لفصلِ الشجارِ، ودفعِ [الضرر] (^١٢)، هذا حاصلُ ما في البحرِ والأوْلَى أنْ يُقالُ: ذلكَ حكْمه حكمُ الغائبِ فمنْ أجازَ الحكمَ على الغائبِ أجازَه على الممتنعِ عن الإجابةِ، لاشتراكِهما في عدمِ الإجابةِ، وفي الحكمِ على الغائبِ قولانِ: الأولُ أنهُ لا يحكمُ على الغائبِ لأنهُ لوْ كانَ الحكمُ عليهِ جائزًا لم يكنِ الحضورُ عليهِ واجبًا، ولهذَا الحديثِ فإنهُ دل على أنهُ لا يحكمُ حتَّى يسمعَ كلامَ المدَّعَى عليهِ، والغائبُ لا يُسْمَعُ لهُ جوابٌ، وهذا [الذي ذهبَ إليهِ] (^١٣) زيدُ بنُ علي وأبو حنيفةَ، والثاني يحكمُ عليهِ لما تقدَّمَ منْ حديثِ هندٍ. وتقدمَ الكلامُ فيهِ مستوفَى.\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٣) من حديث علي وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٢) في (أ): \"إجابة\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"بغير\".\n(^٦) (٥/ ١٢٩).\n(^٧) في (أ): \"لتمرده\".\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"يجب\".\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) في (أ): \"عن\"\n(^١٢) في (ب): \"الضرار\".\n(^١٣) في (أ): \"مذهب\".","vol":"8","page":58},{"text":"وهذا مذهبُ الهادويةِ ومالكٍ والشافعيّ وأحمدَ (^١)، وحملُوا حديثَ عليٍّ هذا على الحاضرِ، وقالُوا: الغائبُ لا يفوتُ عليه حق [فإنه إذا] (^٢) حضرَ [كانتْ] (^٣) حجتُه [قائمة] (^٤)، وتُسْمَعُ ويعملُ بمقتضَاها، ولو أدَّى إلى نقضِ الحكمِ لأنهُ في حكم المشروط.\n\n<span data-type='title' id=toc-1395>حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له الباطل</span>\n٨/ ١٣٠٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵁ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضِ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا فَإنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أمِّ سلمةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إنكم تحْتصمونَ إليَّ، فلعل بعضَكم أنْ يكونَ ألحنَ بحجَّتِهِ منْ بعضٍ فأقضي لهُ علَى نحوِ ما أسمعُ منهُ، فمنْ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"على\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) • أخرجه مسلم (٤/ ١٧١٣)، والترمذي (١٣٣٩)، والنسائي (٨/ ٢٣٣)، وابن ماجه رقم (٢٣١٧)، وابن الجارود رقم (٩٩٩)، وأحمد (٦/ ٢٠٣، ٢٩٠، ٢٩١، ٣٠٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٣٣)، والدارقطني (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي (١٠/ ١٤٩) والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ رقم ٩٠٦، ٩٠٧).\nمن طرق عن هشام بن عُروة عن أبيه، عن زينب عن أم سلمة، به.\n• وأخرجه البخاري رقم (٢٤٥٨) و(٧١٨١) و(٧١٨٥)، ومسلم رقم (٥، ٦/ ١٧١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ رقم ٨٠٣، ٩٠٢، ٩٠٣)، والدارقطني (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي (١٠/ ١٤٣، ١٤٩، ١٥٠) من طريقين عن عروة، به.\n• وأخرجه أحمد (٦/ ٣٢٠، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٣٤)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٤) و\"مشكل الآثار\" (١/ ٣٢٩، ٣٣٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ رقم ٦٦٣)، وابن الجارود رقم (١٠٠٠)، والدارقطني (٤/ ٢٣٩)، والبيهقي (٦/ ٦٦)، والبغوي في شرح السنة\" رقم (٢٥٠٨) من طريق أسامة بن زيد الليثي، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة بنحوه في حديث طويل.","vol":"8","page":59},{"text":"قطعتُ لهُ منْ أخيهِ شيئًا) زادَ في (^١) روايةٍ: \"فلا يأخذْهُ\" رواهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ، (فإنَّما أقطعُ لهُ قطعةً منَ النارِ. متفقٌ عليهِ). اللحن هوَ الميلُ [عن] (^٢) جهةِ الاستقامةِ، والمرادُ أن بعضَ الخصماءِ يكونُ أعرفَ بالحجةِ وأفطنَ لها منْ غيرِه. وقولُه: \"على نحوِ ما أسمعُ\" أي منَ الدَّعْوى والإجابةِ والبينةِ واليمينِ، وقدْ تكونُ باطلةً في نفسِ الأمرِ فيقتطعُ منْ مالِ أخيهِ قطعةً منْ [نارٍ] (^٣)، باعتبارِ ما يؤولُ إليهِ منْ بابِ: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (^٤). والحديثُ دليلٌ على أن حكمَ الحاكمِ لا يحلُّ بهِ للمحكومِ عليه ما حكمَ لهُ بهِ على غيرهِ، إذا كانَ ما ادَّعاهُ باطلًا في نفسِ الأمرِ، وما أقامهُ منَ الشهادةِ كاذِبًا، وأما الحاكمُ فيجوزُ لهُ الحكمُ بما ظهرَ لهُ والإلزامُ بهِ، وتخليصُ المحكومِ عليهِ مما حكمَ بهِ لو امتنعَ، وينفذُ حكْمَهُ ظاهرًا ولكنَّهُ لا يحلُّ بهِ الحرامَ إذا كانَ المدّعي [مبطلًا وشهادتُه] (^٥) كاذبةً، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ. وخالفَ أبو حنيفةَ فقالَ: إنهُ ينفذُ [حكمه] ظاهرًا وباطِنًا، وإنهُ لو حكمَ الحاكمُ بشهادةِ زورٍ أن هذهِ المرأةَ زوجةُ فلانٍ حلَّتْ لهُ، واستدلَّ بآثارٍ لا [يقومُ] (^٦) بها دليلٌ وبقياسٍ لا يقْوى على مقاومةِ النصِّ.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ - ﷺ - يقرُّ على الخطأ. وقدْ نُقِلَ الاتفاقُ عن الأصوليينَ أنهُ لا يقرُّ [فيما حكمَ فيهِ باجتهادِه بناءً على جوازِ] (^٧) الخطإِ في الأحكام، وجمعَ بينَ اتفاقِهم وبين ما أفادَهُ الحديثُ بأنَّ مرادَهم أنهُ لا يقرُّ فيما حكمَ فيهِ باجتهادِه بناءً على جوازِ الخطأ عليهِ فيهِ، وذلكَ كقصةِ أُسَارَى بدرٍ والإذنِ للمتخلفينَ.\nوأما الحكمُ الصادرُ عن الطريقِ التي فرضتْ، كالحكمِ بالبينةِ أو يمينِ المحكوم عليهِ، فإنهُ إذا كانَ مخالفًا للباطنِ لا يسمَّى الحكمُ بهِ خطأً بلْ هوَ صحيحٌ لأَنَّهُ على وفقِ ما وقعَ بهِ التكليفُ منْ وجوبِ العملِ بالشاهدينِ، وإنْ كانَا شاهدَيْ زورٍ فالتقصيرُ منْهما. وأما الحاكمُ فلا حيلةَ لهُ في ذلكَ، ولا عتْبَ عليهِ بسببهِ، بخلافِ ما إذا أخطأَ في الاجتهادِ الذي وقعَ الحكمُ على وفقهِ، مثلَ أنْ\n_________\n(^١) عند البخاري في \"صحيحه\" (٦٩٦٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٤٣).\n(^٢) في (أ): \"على\".\n(^٣) في (أ): \"النار\".\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٠.\n(^٥) في (أ): \"باطلًا ولشهادة\".\n(^٦) في (أ): \"يقام\".\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"8","page":60},{"text":"يحكمَ بأنَّ الشفعةَ مثلًا للجارِ، وكانَ الحكمُ في ذلكَ في علمِ اللَّهِ أنَّها لا تثبتُ إلا للخليطِ، فإنهُ إذا كانَ مخالِفًا للحقِ الذي في علمِ اللَّهِ فيثبتُ فيهِ الخطأُ للمجتهدِ على مَنْ يقولُ الحقَّ مَعَ واحدٍ، وهذا هوَ الذي تقدَّمَ أنهُ إذا أخطأَ كانَ لهُ أجرٌ. واستدلَّ بالحديثِ على أنهُ لا يحكمُ الحاكمُ بعلمِه لأنه - ﷺ - كانَ يمكنُه اطلاعُه على أعيانِ القضَايا مفصلًا، كذَا قالهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ.\nقلتُ: وفيهِ تأملٌ لأنهُ - ﷺ - أنما أخبرَ أنهُ يحكمُ على نحوِ ما يسمعُ، ولم ينفِ أنهُ يحكمُ بما علمَ، والتعليلُ بقولِه: \"فإنما أقطعُ لهُ قطعةً منَ النارِ\" دالٌ على أن ذلكَ في حكمِه بما يسمعُ، فإذا حكمَ بما علمهُ فلا تجري فيهِ العلةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1396>الاهتمامُ بالعدل بين الناس</span>\n٩/ ١٣٠٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"كَيْفَ تُقَدِّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ\"، رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ (^١). [حسن بشواهده]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: كيفَ تُقَدَّسُ أمةٌ) أي: تطهرُ (لا يؤخذُ منْ شديدِهم لضعيفِهم. رواهُ ابنُ حِبَّانَ). وأخرجَ حديثَ جابرٍ أيضًا ابنُ خزيمةَ (^٢)، وابنُ ماجهْ (^٣)، ويشهد لهُ الحديثُ:\n١٠/ ١٣١٠ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، عِنْدَ البزَّارِ (^٤). [حسن بشواهده]\n١١/ ١٣١١ - وآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (^٥). [حسن بشواهده]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٤٥ رقم ٥٠٥٩). رجاله رجال الصحيح عند الفضل بن العلاء فقد روى له البخاري مقرونًا بغيره وقال ابن معين: لا بأس به، وقال علي بن المديني: ثقة. وأخرجه الخطيب البغدادي في \"تاريخه\" (٧/ ٣٩٦) من طريق الحسن بن عمرو السبيعي عن علي بن المديني بهذا الإسناد.\n(^٢) لعله في الجزء المفقود. والخلاصة: فالحديث حسن بشواهده.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٠١٠).\n(^٤) في \"كشف الأستار\" (٢/ ٢٣٥ رقم ١٥٩٦). قلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٩٥)، و(١٠/ ٩٤). وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٠٨) ونسبه للبزار، وفيه عطاء بن السائب، وهو ثقة، لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٤٢٦). قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٥٩٢)، وأبو =","vol":"8","page":61},{"text":"وهوَ قولُه: (ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ بريدةَ عندَ البزارِ). وفي البابِ عنْ قابوسِ بن المخارقِ عنْ أبيهِ رواهُ (^١) الطبرانيُّ، وابنُ قانعِ، وفيهِ عنْ خولةَ غيرَ منسوبةٍ. قيل: إنها امرأةُ حمزةَ، رواهُ الطبرانيُّ (^٢) وأبو نعيمٍ (^٣) [وشواهدُ حديث هذا البابِ] (^٤) كثيرةٌ منْها ما ذكرَ ومنْها الحديثُ:\nوهوَ قولُه: (وآخرُ) أي ولهُ شاهدٌ آخر (منْ حديثِ أبي سعيدٍ عندَ ابن ماجهْ). والمرادُ أنَّها لا تطهرُ أمةٌ منَ الذنوبِ لا يُنْتَصَفُ لضعيفِها منْ قويِّها فيما يلزمُ منَ الحقِّ له، فإنهُ يجبُ نصرُ الضعيفِ حتَّى يأخذَ حقَّه منَ القويِّ كما يؤيدُه حديثُ: \"انصر أخاكَ ظالمًا أو مظْلُومًا\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1397>خطر القضاء وكبير مسؤوليته</span>\n١٢/ ١٣١٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"يُدْعَى بِالْقَاضِي الْعَادِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَينَ اثْنَينِ في عُمْرِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ حِبّانَ (^٦)، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (^٧)، ولَفْظُهُ: \"في تَمْرَةٍ\". [ضعيف]\n_________\n= يعلى في \"المسند\" (٢/ ٣٤٤ رقم ١١٧/ ١٠٩١). قال البوصيري: هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات …\n(^١) في \"الأوسط\" (٥/ ٢٥٢ رقم ٥٢٣٤).\n(^٢) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩) وقال: رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\" وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة لكنه اختلط وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) في \"الحلية\" (٦/ ١٢٨).\n(^٤) في (أ): \"وشواهده\".\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٢٤٤٣) و(٢٤٤٤)، وأحمد (٣/ ٢٠١)، والترمذي رقم (٢٢٥٥)، وأبو يعلى رقم (٣٨٣٨)، والطبراني في \"الصغير\" (٥٧٦)، والقضاعي في \"الشهاب\" (٦٤٦)، والبيهقي (٦/ ٩٤) و(١٠/ ٩٠)، والبغوي في شرح السنة\" (٣٥١٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٤٠٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" (١١/ ٤٣٩ رقم ٥٠٥٥).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٩٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٧٥) ووكيع في \"أخبار القضاة\" (١/ ٢٠، ٢١)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٩٢) ونسبه إلى أحمد وقال: إسناده حسن.","vol":"8","page":62},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: سمعت رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: يدْعَى بالقاضي العادلِ يومَ القيامةِ فيلقَى منْ شدةِ الحسابِ ما يتمنَّى أنه لم يقضِ بينَ اثنينِ في عمرِهِ. رواهُ ابن حِبَّانَ وأخرجَهُ البيهقيُّ ولفظُه: في تمرةٍ). في الحديثِ دليلٌ على شدةِ حسابِ القضاةِ يومِ القيامةِ، وذلكَ لما يتعاطونَهُ منَ الخطرِ، فينبغي لهُ أنْ يتحرَّى الحقَّ، ويبلغَ فيهِ جهدَه ويحذرُ منْ خلطاءِ السوءِ منَ الوكلاءِ والأعوانِ.\nفقدْ أخرجَ البخاريُّ (^١) وغيرُه منْ حديثِ أبي سعيد [الخدريِّ] (^٢) مرفُوعًا: \"ما استخلفَ اللَّهُ منْ خليفةٍ إلَّا لهُ بطانتانِ، بطانةٌ تأمرهُ بالخيرِ وتحضُّه عليهِ، وبطانةٌ تأمرهُ بالشرِّ وتحضُّهُ عليهِ، والمعصومُ مَنْ عصمَهُ اللَّهُ تعالَى\"، وأخرجَهُ النسائيُّ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا بلفظِ: \"ما مِنْ والٍ [إلَّا لهُ بطانتانِ (^٤)] \" الحديثَ. ويحذِّرُ الغرماءَ والوكلاءَ ويروي لهمْ حديثَ: \"مَنْ خاصمَ في باطلٍ وهوَ يعلمهُ، لم يزلْ في سخطِ اللَّهِ حتَّى ينزعَ\" (^٥)، وفي لفظٍ: \"مَنْ أعانَ على خصومةٍ بظلمٍ فقدْ باءَ بغضبٍ منَ اللَّهِ\" (^٦). رواهُما أبو داودَ منْ حديثِ ابن عمرِ. ولما [عرفتَه] (^٧) تجنبَ أكابرُ العلماءِ ولايةَ القضاءِ كما قدمناهُ. وإذا كانَ هذا في القاضي العدل فكيفَ بقضاةِ الجَورِ والجهالةِ، وفي ترجمةِ عبدِ اللَّهِ بن وهبٍ في الغربالِ أنهُ كتبَ إليهِ الخليفةُ بقضاءِ مصرَ فاختفَى في بيتِه، فاطلعَ عليه بعضُهم [يومًا] (^٨) فقالَ: يا ابنَ وهبٍ ألا تخرجُ بينَ الناسِ بكتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -؟ فقالَ: أما علمتَ أن العلماءُ يُحْشَرون معَ الأنبياءِ والقضاةُ معَ السلاطينِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧١٩٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"السنن\" (٧/ ١٥٨).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٣٥٩٧)، وهو حديث صحيح.\nقلت: وأخرجه الحاكم (٤/ ٩٩، ٣٨٣)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٩١): رواه الطبراني في \"الكبير والأوسط\"، ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٥٩٨) وهو حديث ضعيف.\nانظر: \"الإرواء\" (٧/ ٣٥٠).\n(^٧) في (أ): \"عرفت\".\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"8","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1398>لا يجوز تولية المرأة شيئًا من أمور المسلمين العامة</span>\n١٣/ ١٣١٣ - وَعَنْ أَبي بَكرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: \"لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً\"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أبِي بكرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قَالَ: لنْ يفلحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً، رواهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على عدمِ جوازِ توليةِ المرأةِ شيئًا منَ الأحكامِ العامةِ بينَ المسلمينَ، وإنْ كانَ الشارعُ قدْ أثبتَ لها أنَّها راعيةٌ في (^٢) بيتِ زوجِها، وذهبَ الحنفيةُ (^٣) إلى جوازِ تولِيَتِهَا الأحكامَ إلَّا الحدودَ. وذهبَ ابنُ جريرٍ (^٤) إلى جوازِ توليتِها مطلقًا. والحديثُ إخبارٌ عنْ عدمِ فلاحِ منْ ولِّيَ أمرَهم امرأةً، وهمْ منهيونَ عنْ جلبِ عدمِ الفلاحِ لأنفسِهم بل مأمورونَ باكتسابِ ما يكونُ سببًا [للفلاح] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1399>من ولي من أمور المسلمين شيئًا فلا يحتجب عنهم</span>\n١٤/ ١٣١٤ - وَعَنْ أَبي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٤٢٥) و(٧٥٩٩).\nقلت: وأخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٢٢٧)، والحاكم (٣/ ١١٨، ١١٩) و(٤/ ٢٩١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٩٠)، (١٠/ ١١٧، ١١٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٤٨٦)، والترمذي (٢٢٦٢).\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٨، ٤٣، ٤٧، ٥١)، والطيالسي (٨٧٨) والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (٨٦٤، ٨٦٥) من طرق … وهو حديث صحيح.\n(^٢) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥١٨٨)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٨٢٩) عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول \"كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيِّده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته\".\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ١٢٨).\n(^٤) بل ذكر ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ١٢٨) كلامًا يخالف ما ذكره الصنعاني في \"السُّبل\" فقال: \"أجاز الطبري أن تلي المرأة الإمارة والقضاء\"، وقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٥٦): \"وخالف الطبري فقال: يجوز أن تقضي فيما شهادتها فيه\".\n(^٥) في (أ): \"لفلاحهم\".","vol":"8","page":64},{"text":"وَلَّاهُ اللهُ شَيئًا مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١)، والتِّرْمِذِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ أبي مريمَ الأزديِّ)، هوَ صحابيٌّ اسمُه عمرُو بنُ مرَّة الجهنيُّ رَوَى [عن] (^٣) ابن عمِّهِ أبو الشماخِ (^٤)، [وأبو] (^٥) المعطلِ، وغيرِهِما، (عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: مَنْ ولَّاهُ اللهُ شيئًا منْ أمورِ المسلمينَ، فاحتجبَ عنْ حاجتِهم وفقيرِهم، احتجبَ اللهُ دونَ حاجتِهِ. أخرجه أبو داودَ والترمذيُّ). ولفظُه عندَ الترمذيِّ (^٦): \"ما منْ إمامٍ يغلقُ بابهُ دونَ ذوي الحاجةِ والخلةِ والمسكنةِ، إلا أغلقَ اللهُ تعالى أبوابَ السماءِ دونَ خلتهِ وحاجتِه ومسكنتِه\"، وأخرجَهُ الحاكمُ (^٧) عنْ [أبي] (^٨) مخيمرة، عنْ أبي مريمَ، ولهُ قصةٌ معَ معاويةَ، وذلكَ أنهُ قالَ لمعاويةَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"مَنْ ولَّاهُ اللهُ - الحديث\" فجعلَ معاويةُ رجلًا علَى حوائجِ المسلمينَ.\nورواهُ أحمدُ (^٩) منْ حديثِ معاذٍ بلفظِ: \"مَنْ وُلِّيَ مِنْ أمورِ المسلمينَ شيئًا، فاحتجبَ عنْ أُولي الضعفِ والحاجةِ، احتجبَ اللهُ (تعالَى) عنهُ يومَ القيامةِ\"، ورواهُ الطبراني (^١٠) في الكبيرِ [من حديثِ ابن عباسٍ] (^١١) بلفظِ: \"أيُّما أميرٍ احتجبَ عن الناسِ فأهمَّهم، احتجبَ اللهُ تعالَى عنهُ يومَ القيامةِ\". وقالَ ابنُ أبي حاتمٍ (^١٢)\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٩٤٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٣٣٣).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٩٣) وصححه، ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح.\n(^٣) في (ب): \"عنه\".\n(^٤) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٠) رواه أبو يعلى - رقم (٧٣٧٨)، وأحمد (٣/ ٤٨٠)، و(٣/ ٤٤١) و(٤/ ٤٤١، ٤٨٠)، وأبو الشماخ لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\nوهو حديث حسن بشواهده.\n(^٥) في (أ): \"ابن\" وهو خطأ.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٣٣٢).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٣).\n(^٨) في (ب): \"ابن\" وهو الصواب.\n(^٩) في \"المسند\" (٥/ ٢٣٩). وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٠): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات.\n(^١٠) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٠): دارواه أحمد - (٥/ ٢٣٩) - والطبراني ورجال أحمد ثقات\" من حديث معاذ بن جبل.\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) في \"العلل\" (٢/ ٤٢٨، ٤٢٩ رقم ٢٧٩٣).","vol":"8","page":65},{"text":"عنْ أبيهِ في هذا الحديثِ: منكرٌ. وأخرجَ الطبرانيُّ (^١) برجالٍ ثقاتٍ إلا شيخَه، فإِنهُ قالَ المنذريُّ (^٢): لم يقفْ فيهِ على جُرْحٍ ولا تعديلٍ منْ حديثِ أبي جحيفةَ أنهُ قالَ لمعاويةَ: سمعتُ منْ رسولِ اللهِ - ﷺ - حديثًا أحْبَبْتُ أنْ أضَعَهُ عندَكَ مخافَةَ أنْ لا تَلْقَانِي، سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"يا أيُّها الناسُ، مَنْ وُلِّيَ منكمْ عملًا فحجبَ بابَه عنْ ذي حاجةٍ للمسلمينَ، حجبَهُ اللهُ أنْ يلجَ بابَ الجنَّةِ، ومَنْ كانتْ همَّتُهُ الدُّنْيا حَرَّمَ اللهُ عليهِ جوارِي. فإني بُعِثْتُ بخرابِ الدُّنْيَا، ولم أُبْعَثْ بعمارَتها\" (^٣).\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ وُلِّيَ أيَّ أمرٍ منْ أمورِ عبادِ اللهِ أنْ لا يحتجبَ عنْهم، وأنْ يسهلَ الحجابَ ليصلَ إليهِ ذو الحاجةِ منْ فقيرٍ وغيرِه. وقولُه: \"احتجبَ اللهُ عنهُ\" كنايةً عنْ منعِه لهُ منْ فضلِه وعطائِه ورحمتِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1400>النهي عن الرشوة والسعي بها</span>\n١٥/ ١٣١٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الراشي وَالْمُرْتَشِيَ في الْحُكْم\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٤)، والأَرْبَعَةُ (^٥)، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١١): \"رواه الطبراني عن شيخه جبرون بن عيسى عن يحيى بن سليمان الجفري ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٢) في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ١١٧)، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) وبهذا تعلم الأثر السيء للأحاديث الضعيفة على المسلمين، وكيف أن انتشارها أدَّى إلى مفاسد كثيرة، منها ما هو من الأمور الاعتقادية الغيبية، ومنها ما هو من الأمور التشريعية، وغيرها.\n(^٤) في \"المسند\" (٢/ ٣٨٧، ٣٨٨).\n(^٥) أخرجه الترمذي في \"السنن\" (١٣٣٦).\nقلت: وأخرجه ابن الجارود رقم (٥٨٥)، والحاكم (٤/ ١٠٣)، الخطيب (١٠/ ٢٥٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قلت: كذا قال: وعمر بن أبي سلمة ضعفه غير واحد من النفاد. قال أبو حاتم: هو عند صالح، صدوق في الأصل، ليس بذاك القوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، ويخالف في بعض الشيء\". قلت: فمثله يحسن حديثه إذا لم يخالف، وقد توبع في أصل الحديث. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وابن عوف، وثوبان، وحذيفة، وعائشة، وأم سلمة.\n(^٦) في \"السنن\" (٣/ ٦٢٢).\n(^٧) في \"الموارد\" (ص ٢٩٠ رقم ١١٩٦).","vol":"8","page":66},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: لعنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الراشيَ والمرتشيَ) في النهايةِ: الراشي مَنْ يعطي الذي يعينُه على الباطلِ، والمرتشيَ الآخذُ (في الحكْمِ. رواهُ أحمدُ، والأربعة، وحسَّنه الترمذيُّ وابن حبانَ) (^١). زاد في النهاية: والرائشَ، وهوَ الذي يمشي بينَهما، وهو السفيرُ بين الدافعِ والآخذِ، وإنْ لم يأخذْ علَى سفارتِه أجرًا، فإنْ أخذَ فهوَ أبلغُ.\n١٦/ ١٣١٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو، عِنْدَ الأَرْبَعَةِ (^٢) إلَّا النَّسَائِيَّ. [صحيح]\n(ولهُ شاهدٌ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو عندَ الأربعةِ إلَّا النسائيَّ) إلَّا أنهُ لم يذكر لفظَ [في] (^٣) الحكم في روايةِ أبي داودَ، وإنَّما زادَها في [روايةِ] (^٤) الترمذيِّ. والرشوةُ حرامٌ بالإجماعِ سواءٌ كانتْ للقاضي، أوْ للعاملِ على [الصدقة] (^٥)، أو لغيرِهِما. وقد قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٦).\nوحاصلُ ما يأخذُه القضاةُ منَ الأموالِ على أربعةِ أقسامٍ: رشوةٍ، وهديةٍ، وأجرةٍ، ورزقٍ (^٧). فالأولُ الرشوةُ إنْ كانتْ ليحكمَ لهُ الحاكمُ بغيرِ حقٍّ فهيَ حرامٌ على الآخذِ والمعطي، وإنْ كاثتْ ليحكمَ لهُ بالحقِّ على غريمِه فهيَ حرامٌ على الحاكمِ دونَ المعطي، لأنها لاستيفاء حقه فهي كجُعل الآبق، وأجرة الوكالة على الخصومة، وقيل تحرمُ [لأنَّها] (^٨) توقعُ الحاكم في الإثْمِ. وأما الهديةُ وهيَ الثاني\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢٧٩).\n(^٢) أخرجه أبو داود في \"السنن\" رقم (٣٥٨٠)، وابن ماجه في \"السنن\" رقم (٢٣١٣)، والترمذي في \"السنن\" رقم (١٣٣٧) وقال: حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٦٤ و١٩٠ و١٩٤ و٢١٢)، والطيالسي رقم (٢٢٧٦)، وابن الجارود رقم (٥٨٦)، والبيهقي (١٠/ ١٣٨، ١٣٩). وصححه ابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٥٠٧٧)، والحاكم (٤/ ١٠٢، ١٠٣)، والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ س: ٥٥٨).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"صدقة\".\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٨٨.\n(^٧) انظر كتاب: \"الروضة الندية\" لصدِّيق حسن خان بتحقيقي (٢/ ٥٤٢، ٥٤٥).\n(^٨) في (أ): \"على المعطي لأنه\".","vol":"8","page":67},{"text":"فإنْ كانتْ ممنْ يهاديهِ قبلَ الولايةِ فلا تحرمُ استدامتُها، وإنْ كانَ لا يُهْدَى [إليه] (^١) إلَّا بعدَ الولايةِ فإنْ كانتْ ممنْ لا خصومةَ بينَه وبينَ أحدٍ عندَه جازتْ وكُرِهَتْ، وإنْ كانتْ ممنْ بينَه وبينَ [غريمه] (^٢) خصومةٌ عندَه فهيَ حرامٌ على الحاكمِ والمُهدي. ويأتي فيهِ ما سلفَ في الرشوةِ على باطلٍ أو حقٍّ. وأما الأجرةُ وهي الثالثُ فإنْ كانَ للحاكمِ جرايةٌ منْ بيتِ المالِ ورزقٌ حُرمتْ بالاتفاقِ، لأنهُ إنَّما أُجْرِيَ لهُ الرزقُ لأجلِ الاشتغالِ [بالحكمِ] (^٣)، فلا وجْهَ للأجرةِ وإنْ كانَ لا جرايةَ له منْ بيتِ المالِ جازَ له أخذُ الأجْرةِ على قدرِ عملِهِ غير حاكِمٍ، فإنْ أخذَ أكثر مما يَستحقُّه حرم عليه لأنَّهُ إنّما يُعطى الأجرةَ [لكونهِ عملَ عملًا] (^٤)، لا لأجلِ كونِه حاكمًا، فأخْذُه [لما] (^٥) زادَ على أجرةِ مثلِه غيرَ حاكمٍ إنما أخذَها لا في مقابلةِ شيءٍ بلْ في مقابلةِ كونِه حاكمًا، ولا يستحقُّ لأجلِ كونِه حاكمًا شيئًا من [أموالٍ اتفاقًا] (^٦)، فأجرةُ العملِ أجْرةُ مثلِه فأخْذُ الزيادة [على أجرةِ مثلِه] (^٧) حرامٌ. ولذا قيلَ: إنَّ توليةَ القضاءِ [لمنْ كان غنيًا] (^٨) أَوْلَى منْ توليةِ [مَنْ كَان فقيرًا] (^٩)؛ وذلكَ لأنهُ لفقرِه يصيرُ متعرِّضًا للتناولِ ما لا يجوزُ لهُ [تناولُه إذا لم يكنْ له] (^١٠) [رزقٌ منْ بيتِ المالِ] (^١١).\nقالَ المصنفُ: لم ندركْ في زمانِنا هذا مَنْ يطلبُ القضاءَ إلا وهوَ مصرِّحٌ بأنهُ لم يطلبْه إلا لاحتياجِهِ إلى ما يقومُ بأوَدِهِ معَ العلمِ بأنهُ لا يحصلُ لهُ شيءٌ منْ بيتِ المالِ، انتهَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1401>تسوية القاضي بين الخصوم في المجلس</span>\n١٧/ ١٣١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - ﵄ - قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أن الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الْحَاكِم. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^١٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^١٣). [إسناده ضعيف]\n_________\n(^١) في (أ): \"له\".\n(^٢) في (أ): \"غيره\".\n(^٣) في (أ): \"بالقضاء\".\n(^٤) في (أ): \"لأجل عمله\".\n(^٥) في (أ): \"ما\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"للمغني\"\n(^٩) في (أ): \"للفقر\".\n(^١٠) زيادة في (ب)\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) في \"السنن\" رقم (٣٥٨٨).\n(^١٣) لم أجده في \"المستدرك\". وعزاه إليه ابن حجر في \"التخليص\" (٤/ ١٩٣).","vol":"8","page":68},{"text":"(وعنْ عبدِ اللهِ بن الزبيرِ - ﵄ - قَالَ: قضَى رسولُ اللهِ - ﷺ - أن الخصمينِ يقعدانِ بينَ يدي الحاكم. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحَهُ الحاكمُ)، [وأخرجَه] (^١) أحمدُ (^٢)، والبيهقيُّ (^٣)، كلُّهم منْ [روايةِ] (^٤) مصعبِ (^٥) بْنِ ثابتِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ وفيهِ كلامٌ. قالَ أبو حاتم (^٦): إنهُ كثيرُ الغلطِ. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ قعودِ الخصمينِ بينَ يدي الحاكمِ، ويسوَّى بينَهما في المجلسِ ما لم يكنْ أحدُهما غيرَ مسلمٍ، فإنهُ يُرْفَعُ المسلمُ كما في قصةِ عليٍّ - ﵇ - معَ غريمهِ [الذميِّ] (^٧) عندَ شريحٍ، وهو ما أخرجَه أبو نعيم (^٨) في الحليةِ بسندِه قالَ: \"وجدَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - ﵁ - دِرْعًا لهُ عندَ يهوديٍّ التَقَطها فعرفَها فقالَ: درعي سقطتْ عنْ جملٍ لي\n_________\n(^١) في (أ): \"وأخرج\".\n(^٢) في \"المسند\" (٤/ ٤).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٣٥).\n(^٤) في (أ): \"طريق\".\n(^٥) مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف.\n(^٦) في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٠٤) وانظر: \"المجروحين\" (٣/ ٢٨) و\"الميزان\" (٤/ ١١٨) و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٢٥١).\nقال الحافظ: لين الحديث، وكان عابدًا. قال أحمد: أراه ضعيف الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط ليس بالقوي.\nوقال أبو زرعة والنسائي: ليس بقوي. وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٧٨) وقال: أدخلته في \"الضعفاء\" وهو ممن استخرت الله فيه.\n(^٧) في (أ): \"اليهودي\".\n(^٨) (٤/ ١٣٩).\nقلت: ذكر القصة الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٥٨٥) في ترجمة أبي سُمير حكيم بن خِذام. وذكر الحافظ الذهبي أن أبا حاتم قال: إنه متروك الحديث، وقال البخاري منكر الحديث .. فعلم بذلك أن القصة ضعيفة جدًّا من طريق سمير هذا. وكذلك أوردها أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٣٩).\n• وأورد القصة أيضًا محمد بن خلف الملقب بوكيع في كتابه \"أخبار القضاة\" (٢/ ١٩٤) بسند آخر مظلم.\n• وأورده ابن الجوزي في \"العلل\" (٢/ ٣٨٨) من هذا الوجه وقال: لا يصح.\n• ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٣٦) من وجه آخر من طريق جابر الجعفي عن الشعبي وذكر الحديث. وفي إسناده (عمرو بن شَمِر) - انظر ترجمته في: \"الكبير\" (٦/ ٣٤٤)، و\"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٩)، و\"الميزان\" (٣/ ٢٦٨) - عن جابر الجعفي - انظر ترجمته في: \"المجروحين\" (١/ ٢٠٨)، و\"الميزان\" (٢/ ٣٧٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٧)، و\"الكبير\" (٢/ ٢١٠) - وهما ضعيفان.","vol":"8","page":69},{"text":"أورقَ، فقالَ اليهوديُّ: درعي وفي يدي، ثمَّ قالَ اليهوديُّ: بيني وبينَك قاضي المسلمينَ، فأتَوا شُرَيْحًا، فلمَّا رأى عليًا ﵇ قد أقبلَ تحرفَ عنْ موضعِه وجلسَ عليٌّ فيهِ ثمَّ قالَ عليٌّ: لو كانَ خصمي منَ المسلمينَ لساويتُه في المجلس لكنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ: \"لا تساووهم في المجلسِ\"، [وساق الحديثَ] (^١).\nقالَ شريحٌ: ما تشاءُ يا أميرَ المؤمنينَ؟ قالَ: درعي سقطَ عنْ جملٍ لي أورقَ فالتقطَها هذا اليهوديُّ. قالَ شريحٌ: ما تقولُ يا يهوديُّ؟ قالَ: درعي وفي يدي، قال شريحٌ: صدقتَ واللَّه يا أميرَ المؤمنينَ إنَّها لَدِرْعُكَ، ولكنْ لا بدَّ لكَ منْ شاهدينِ فدعا قنبرًا والحسنَ بنَ عليّ عليهما الصلاة والسلام وشهدا أنها لَدِرْعُهُ. فقال شريحٌ: أما شهادةُ مولاكَ فقد أَجَزْنَاهَا. وأما شهادةُ ابنِكَ لك فلا نجيزُها، فقال عليٌّ ﵇: ثكلتكَ أمكَ، أما سمعتَ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: قال رسول الله - ﷺ -: \"الحسنُ والحسينُ سيِّدا شباب أهلِ الجنةِ\"؟ قالَ: اللَّهمَّ نعمْ، قالَ: أفلا تجيزُ شهادةَ سيدِ شبابِ أهلِ الجنةِ؟ ثمَّ قالَ [لليهوديِّ] (^٢): خذِ الدرعَ. فقالَ اليهوديُّ: أميرُ المؤمنينَ جاءَ معي إلى قاضي المسلمينَ فقضَى لي، ورَضِيَ. صدقتَ واللهِ يا أميرَ المؤمنينَ إنها لدرعكَ، سقطتْ عن جملِ لكَ التقطتُها، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، فوهَبَها لهُ عليٌّ ﵇ وأجازَهُ بتسعمائةٍ، وقُتِلَ معهُ يومَ صِفِّينَ: اهـ\".\nوقولُ شريحٍ: [واللَّهِ] (^٣) إنها لدرعكَ كأنهُ عرفَها، ويعلمُ أنها درعُه لكنَّه لا يرى الحكمَ بعلمِه كما أنهُ لا يَرَى شهادةً الولدِ لأبيهِ، فانظرْ ما أَبْرَكَ العملَ بالحقِّ منَ الحاكمِ والمحكومِ عليهِ، وما آلَ إليهِ منَ الخيرِ للمدَّعى عليهِ.\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"اليهودي\".\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"8","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1402>[الباب الأول] باب الشهادات</span>\nالشهادةُ مصدرُ شهدَ، جمعٌ لإرادةِ [أنواعِ الشهادة] (^١). قالَ الجوهريُّ: الشهادةُ خبرٌ قاطعٌ، والشاهدُ حاملُ الشهادةِ ومؤدِّيها لأنه [مشاهِدٌ] (^٢) لما غابَ عنْ غيرِه. وقيلَ: [هي] (^٣) مأخوذةٌ منَ الإعلامِ منْ قولِه تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٤)، أي: علمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1403>خير الشهودِ الذي يشهد قبل أن يُسأل</span>\n١/ ١٣١٨ - عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدِ الْجُهَنِيِّ أن النَّبِيَّ - ﷺ -: قَالَ: \"ألَا أخْبِرُكُمْ بِخَيرِ الشهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأتِي بالشَّهادةِ قَبْلَ أنْ يُسْألهَا\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"الأنواع\".\n(^٢) في (أ): \"شاهد\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة آل عمران: الآية ١٨.\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٩/ ١٧١٩).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٣)، وأبو داود رقم (٣٥٩٦)، والترمذي رقم (٢٢٩٥ و٢٢٩٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٢٣٢ رقم ٥١٨٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥٩)، ومالك (٢/ ٢٧٠).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن، وأكثر الناس يقولون عبد الرحمن أبي عمرة، واختلفوا على مالكٍ في رواية هذا الحديث، فروى بعضهم عن أبي عمرة، وروى بعضهم عن ابن أبي عمرة، وهو عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، وهذا أصحُّ لأنه قد روى من غير حديث مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد.\nوقد رُوِيَ عن ابن أبي عمرة عن زيد بن خالد غير هذا الحديث، وهو حديث صحيح أيضًا، وأبو عمرة مولى زيد بن خالد الجهني وله حديث الغلول، وأكثر الناس يقولون عبد الرحمن بن أبي عمرة.","vol":"8","page":71},{"text":"(وعنْ زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: ألا أخبرُكم بخيرِ الشهداءِ؟ الذي يأتي بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها. رواه مسلمٌ). دلَّ [الحديث] (^١) على أن خيرَ الشهداءِ مَنْ يأتي بشهادتِه لمن هيَ لهُ قبلَ أنْ [يسأِلَه] (^٢)، إلَّا أنهُ يعارضُه الحديثُ الثاني (^٣)، وهوَ حديثُ عمرانَ، وفيه: \"ثمَّ يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ\" في سياقِ الذمِّ لهمْ. ولما تعارضَا اختلفَ العلماءُ في الجمعِ بينَهما على ثلاثةِ أوجهٍ:\nالأوَّلُ: أن المرادَ بحديثِ زيدٍ إذا كانَ عندَ الشاهدِ شهادةٌ بحقِّ لا يعلمُ بها صاحبُ الحقِّ فيأتي إليه فيخبرُه بها، أو يموتُ صاحبُها فيخلفُ ورثةً، فيأتي إليهم فيخبرُهم بأنَّ عندَه لهمْ شهادةً، وهذا أحسنُ الأجوبةِ وهوَ جوابُ يحيى بن سعيدٍ شيخِ مالكٍ.\nالثاني: أن المرادَ بها شهادةُ الحسبةِ وهيَ ما لا تتعلقُ بحقوقِ الآدميينَ المختصةِ بهم محضًا، ويدخلُ في الحسبةِ ما يتعلقُ بحقِّ اللهِ (تعالى)، أوْ ما فيهِ شائبةٌ للهِ تعالى، كالصلاةِ والوقْفِ، والوصيةِ العامةِ، ونحوها. وحديثُ عمرانَ المرادُ بهِ الشهادةُ في حقوقِ الآدميينَ المحضةِ.\nالثالثُ: أن المرادَ بقولِ أنْ يأتيَ بالشهادةِ قبلَ أنْ يُسْألها المبالغةُ في الإجابةِ، فيكونُ لقوةِ استعدادِه كالذي أَتَى بها قبلَ أنْ يسألَها كما يُقالُ في حقِّ الجوادِ إنهُ ليعطي قبلَ الطلب، وهذهِ الأجوبةُ مبنيةٌ على أن الشهادةَ [لا تُؤَدَّى] (^٤) قبلَ أن يطلبَها صاحبُ الحَقِّ. ومنْهم مَنْ أجازَ ذلكَ عملًا بروايةِ زيدٍ، وتأولَ حديثَ عمرانَ بأحدِ تأويلاتٍ:\nالأولُ: أنهُ محمولٌ على شهادةِ الزورِ أي يؤدونَ شهادة لم يسبقْ لهم بها علمٌ، حكاهُ الترمذيُّ عنْ بعض أهل العلمِ.\nالثاني: أن المرادَ إتيانُه بالشهادةِ بلفظِ الحلفِ نحوَ: أشهدُ باللهِ ما كانَ إلَّا كذا، [وهذا] (^٥) جوابُ (^٦) الطحاويِّ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"سال\".\n(^٣) سيأتي تخريجه رقم (٢/ ١٣١٩) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"لا ترد\".\n(^٥) في (أ): \"وهو\".\n(^٦) في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٢).","vol":"8","page":72},{"text":"الثالثُ: أن المرادَ بالشهادةِ على ما لم يعلم ما سيكونُ منَ الأمورِ المستقبلةِ، فيشهدُ على قومٍ بانَّهم منْ أهلِ النّارِ، وعلى قومٍ بأنّهم منْ أهلِ الجنةِ بغير دليلٍ كما يصنعُ ذلكَ أهلُ الأهواءِ. حكاهُ الخطابيُّ (^١)، والأولُ أحسنُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1404>خير القرون الثلاثة الأولى</span>\n٢/ ١٣١٩ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إنَّ خَيرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: إنَّ خَيرَكم قرني، ثمَّ الذينَ يلونُهم، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثم يكونُ قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَذونَ، ويخونونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، وينذرونَ ولا يوفونَ، ويظهرُ فيهمُ السِّمَن. متفقٌ عليهِ).\nالقرنُ أهلُ زمانٍ واحدٍ متقاربٍ اشتركُوا في أمرٍ منَ الأمورِ المقصودةِ، ويقالُ إن ذلكَ مخصوصٌ بما إذا اجتمعُوا في زمانٍ [أو رئيسٍ] (^٣) يجمعُهم على ملةٍ أوْ مذهبٍ أو عملٍ، ويطلقُ القرنُ على مدةٍ منَ الزمانِ، واختلفُوا في تحديدِها منْ عشرةِ أعوامٍ إلى مائةٍ وعشرينَ. قالَ المصنفُ: إنهُ لم يُرَ مَنْ صرَّح بالتسعينَ\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٢٦٠).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٦٥١) و(٣٦٥٠) و(٦٤٢٨) و(٦٦٩٥)، ومسلم رقم (٢١٤/ ٢٥٣٥)، وأحمد (٤/ ٤٢٧ و٤٣٦)، والنسائي (٧/ ١٧، ١٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ رقم ٥٨٠ و٥٨١ و٥٨٢)، والبيهقي (١٠/ ١٢٣) وفي \"دلائل النبوة\" (٦/ ٥٥٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٨٥٧). من طريق زهدم بن المضرِّب، عن عمران بن حصين.\n• وأخرجه مسلم رقم (٢١٥/ ٢٥٣٥)، وأحمد (٤/ ٤٤٠)، وأبو داود رقم (٤٦٥٧)، والترمذي رقم (٢٢٢٢)، والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ رقم ٥٢٧) من طرق عن أبي عوانة، به.\n• وأخرجه مسلم رقم (٢١٥/ ٢٥٣٥)، وأحمد (٤/ ٤٢٦)، والطحاوي في \"المشكل\" (٣/ ١٧٦) الطبراني في \"الكبير\" (١٨/ رقم ٥٢٦ و٥٢٨ و٥٢٩)، والبيهقي (١٠/ ١٦٠) والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٨٥٨) من طرق عن قتادة، به.\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"8","page":73},{"text":"ولا بمائةٍ وعشرينَ، وما عدا ذلكَ فقدْ قالَ بهِ قائلٌ. قلتُ: أما التسعونَ فنعمْ، وأما المائةُ والعشرونَ] (^١) فصرَّح بهِ في القاموسِ (^٢)، فإنهُ قالَ: أو مائةٌ، أو مائةٌ وعشرونَ. والأولُ أصحُّ لقولِه - ﷺ - لغلامٍ: \"عِشْ قَرْنًا\" فعاشَ مائةَ سنةٍ (^٣) انتهَى.\nقالَ صاحبُ (^٤) المطالعِ: القرنُ أمةٌ هلكتْ فلمْ يبقَ منْهم أحدٌ. وقرنُه (^٥) - ﷺ - المرادُ بهِ همُ المسلمونَ في عصرِه. وقولُه: \"ثمَّ الذين يلونَهم\" همُ التابعونَ، والذينَ يلونَ التابعينَ أتباع التابعينَ. وهذا يدلُّ على أن الصحابةَ أفضلُ منَ التابعينَ، والتابعينَ أفضلُ منْ تابعيهم، وأنَّ التفضيلَ بالنظرِ إلى كلِّ فردٍ فردٍ، وإليه ذهبَ الجماهيرُ. وذهبَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٦) إلى أن التفضيلَ بالنسبةِ إلى مجموعِ الصحابةِ لا إلى الأفرادِ، فمجموعُ الصحابةِ أفضلُ ممنْ بعدَهم لا كلُّ فردٍ منْهم، إلَّا أهلَ بدرٍ، وأهلَ الحديبيةِ فإنَّهم أفضلُ منْ غيرهم، يريدُ أن أفرادَهم أفضلُ منْ أفرادِ [مَنْ يأتي بعدَهم] (^٧). واستدلَّ على ذلكَ بما أخرجَه الترمذي (^٨) منْ حديثِ أنسٍ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ (^٩) منْ حديثِ عمارٍ منْ قولِه - ﷺ -: \"أمتي مثلُ المطرِ لا\n_________\n(^١) في (أ): \"والعشرين\".\n(^٢) \"المحيط\" (ص ١٥٧٨).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٩)، والبزار في مسنده رقم (٣٥٠٢)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٤٠٤) وقال: \"ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة\" اهـ.\nوأخرجه الحاكم (٤/ ٥٠٠) من طريق محمد بن القاسم الطائي عن عبد الله بن بسر بلفظ: \"لتدركن قرنًا\". وخلاصة القول: أن الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) ذكره الفيروزآبادي في \"القاموس المحيط\" (ص ١٥٧٨).\n(^٥) انظر: \"مقدمة الاستيعاب\".\n(^٦) في (أ): \"غيرهم\".\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٢٨٦٩) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ١٣٠، ١٤٣)، والطيالسي رقم (٢٠٢٣)، وأبو الشيخ في \"الأمثال\" رقم (٣٣٠) و(٣٣١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (١٣٥١) و(١٣٥٢)، والرامهرمزي (ص ١٠٨، ١٠٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٩١٨) و(٤/ ١٦٣٨).\n(^٨) في \"صحيحه\" (١٦/ ٢٠٩، ٢١٠ رقم ٧٢٢٦)\nقلت: وأخرجه الرامهرمزي في \"الأمثال\" (ص ١٠٩)، والبزار رقم (٢٨٤٣ - كشف)، وأحمد (٤/ ٣١٩)، والطيالسي رقم (٦٤٧) من طرق.\n(^٩) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٦٨) وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة، وعبيد بن سلمان الأغر، وهما ثقتان، وفي عبيد خلاف لا يضر. =","vol":"8","page":74},{"text":"يدرى أوَّلُه خيرٌ أمْ آخِرُه\"، وبما أخرجَهُ أحمدُ (^١) والطبرانيُّ (^٢)، والدارميُّ (^٣) منْ حديثِ أبي جمعة قالَ: قَالَ أبو عبيدةَ: يا رسولَ اللهِ، أحدٌ خيرٌ مِنَّا؟ أسلمْنا معكَ، وهاجرْنا معكَ، قالَ: \"قومٌ يكونونَ منْ بعدِكُم يؤمنونَ بي ولم يروني\"، وصحَّحَه الحاكمُ (^٤). وأخرجَ أبو داود (^٥) والترمذيُّ (^٦) منْ حديثِ (أبي) ثعلبةَ يرفعُه: \"تأتي أيامٌ للعاملِ فيهنَّ أجرُ خمسينَ، قيلَ: منْهم أو منَّا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: \"بل منكم\". وأخرجَ أبو الحسنِ (^٧)\n_________\n= وذكره أيضًا، وقال: رواه الطبراني، وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.\nومن شواهده:\n• عن ابن عمر عند أبي نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٣١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٣٤٩ و١٣٥٠). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٦٨) وقال: رواه الطبراني وفيه عيسى بن ميمون وهو متروك.\n• وعن عمران بن حصين أخرجه البزار (٢٨٤٤) وقال: لا نعلمه يُروى عن النبي - ﷺ - بإسناد أحسن من هذا.\nوذكره الهيثمي (١٠/ ٦٨) وقال: رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٧٨ رقم ٣٦٦٠). وإسناد البزار حسن.\nوالخلاصة: فالحديث حسن بشواهده، والله أعلم.\n(^١) في \"المسند\" (٤/ ١٠٦).\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٦٦).\nوقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات.\n(^٣) في \"السنن\" (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٤/ ٨٥) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٤٣٤١).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٠٥٨).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه (٤٠١٤)، وهو حديث ضعيف.\n(^٧) وهو جزء من حديث أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي رقم (٣٠٥٨)، وابن ماجه رقم (٤٠١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٩١، ٩٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٤١٥٦)، ومحمد بن نصر في \"السنة\" رقم (٣١) من طرق عن أبي ثعلبة الخشنيِّ.\n• وأخرجه محمد بن نصر في \"السنة\" رقم (٣٢) عن عتبة بن غزوان - أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة.\nقال الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٤٩٤): \"وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات لولا أن إبراهيم بن أبي عبلة عن عتبة بن غزوان مرسل كما في \"التهذيب\". =","vol":"8","page":75},{"text":"القطانُ في مشيخَتِه عنْ أنسٍ يرفعُه: \"يأتي على الناسِ زمانٌ الصابرُ فيهِ على دينِه لهُ أجرُ خمسينَ منكمْ\". وجمعَ الجمهورُ بينَ الأحاديثِ بأنَّ للصحبةِ فضيلةً ومزيةً لا يوازيْها شيءٌ منَ الأعمالِ، فَلِمَنْ صحبَهُ - ﷺ - فضيلتُها وإنْ قَصُرَ عملُه، وأجرُه باعتبارِ الاجتهادِ في العبادةِ، وتكونُ خيرية منْ يأتي باعتبارِ كثرةِ الأجرِ بالنظرِ إلى ثوابِ الأعمالِ، وهذا قدْ يكونُ في حقِّ بعضِ الصحابةِ.\nوأما مشاهيرُ الصحابةِ فإنَّهم حازُوا السبقَ منْ كلِّ نوعٍ منْ أنواعِ الخيرِ، وبهذَا يحصلُ الجمعُ بينَ الأحاديثِ. وأيضًا فإنَّ المُفاضلَةَ بينَ الأعمالِ بالنظرِ إلى الأعمالِ المتساويةِ في النوعِ، وفضيلةُ الصحبةِ مختصةٌ بالصحابةِ لم يكنْ لِمَنْ عداهُم شيءٌ منْ ذلكَ النوعِ.\nوفي قولهِ: \"ثمَّ يكونُ قومٌ إلى آخرهِ\" دليلٌ على أنهُ لم يكنْ في القرون الثلاثة مَنْ يتَّصِفُ بهذِه الصفات المذمومةِ، ولكنَّ الظاهرَ [أن المراد] (^١) بحسبِ الأغلبِ. واستدلَّ بهِ على تعديلِ القرونِ الثلاثةِ، ولكنَّه أيضًا باعتبارِ الأغلبِ، وقولُه: \"ولا يؤتمنونَ\"، أي: لا يراهُم الناسُ أمناءَ، ولا يثقونَ بهم لظهورِ خيانَتِهم. وقدْ ثبتَ أن الأمانةَ أولُ [ما تُرْفَعُ] (^٢) منَ الناسِ، ومعنَى قولِه: (يظهرُ فيهمُ السِّمَنُ) أنهم يتوسَّعونَ في المأكل والمشربِ، وهي أسبابُ السِّمَنِ، وقيلَ أرادَ كثرةَ المالِ، وقيلَ المرادُ أنَّهم يتسمنونَ أي يتكثرونَ بما ليس فيهم، ويدَّعونَ ما ليسَ لهمْ منَ الشرفِ. وفي حديثٍ أخرجَهُ الترمذيُّ (^٣) بلفظ: \"ثمَّ يجيءُ قومٌ يتسمَّنونَ ويحبونَ السمنَ\"، فجمعَ بينَ السمنِ أي التكثرِ بما ليسَ عندَهم، وتعاطي أسبابِ السِّمَنِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1405>من لا تجوز شهادته</span>\n٣/ ١٣٢٠ - وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا\n_________\n= وله شاهد عن ابن مسعود أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٢٢٥) رقم (١٠٣٩٤) من طريقين …\nوقال الألباني: \"وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم\"، والخلاصة: فالحديث حسن، والله أعلم.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب) \"ما يرفع\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٢).","vol":"8","page":76},{"text":"تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لأَهْلِ الْبَيتِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢). [حسن].\n(وعنْ عبدِ اللهِ بن عمرو - ﵄ - قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﵌: لا تجوز شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذي غَمَرٍ) بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وفتحِ الميمِ وكسرِها، بعدَها راءٌ، فسَّرَهُ أبو داودَ بالحنةِ بالحاءِ المهملةِ، وهيَ الحقدُ والشحناءُ، (على أخيهِ، ولا تجوزُ شهادة القانعِ) بالقافِ وبعدَ الألفِ نونٌ، ثمَّ عينٌ مهملةٌ يأتي بيانهُ، (لأهلِ البيتِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ)، وأخرجَهُ أبو داودَ (^٣) منْ حديثِ عمروِ بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّه بلفظٍ: \"ردَّ رسولُ اللهِ ﵌ شهادةَ الخائنِ والخائنةِ\"، وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٤)، والبيهقيُّ (^٥)، وإسنادُه قويٌّ. وأخرجَهُ الترمذيُّ (^٦) والدارقطنيُّ (^٧) والبيهقيُّ (^٨) منْ حديثِ عائشةَ - ﵂ - بلفظٍ: لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذي غَمَرٍ لأخيهِ. وفيهِ ضعفٌ، قالَ الترمذيُّ (^٩): لا يصحُّ إسنادُه. وقالَ أبو زُرعةَ (^١٠) في العِلَلِ: منكرٌ، وضعَّفَهُ عبدُ الحقِّ وابن حزمٍ وابنُ الجوزي (^١١). قالَ البيهقيُّ (^١٢): لا يصحُّ من هذا شيءٌ\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢/ ٢٠٤، ٢٢٥، ٢٢٦).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٦٠٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٠٠)، وابن ماجه رقم (٢٣٦٦)، وهو حديث حسن.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٦٠١)، وهو حديث حسن.\nوقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ١٩٨ رقم ١٢٠٩): إسناده قوي.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٣٦٦).\n(^٥) في \"السنن\" (١٠/ ٢٠٠)، وهو حديث حسن.\nانظر: \"الإرواء\" رقم (٢٦٦٩).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٢٩٨).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٢٤٤ رقم ١٤٥).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥٥).\nوهو حديث ضعيف. وضعفه الألباني في \"الإرواء\" رقم (٢٦٧٥) وابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ ٤٧٦).\n(^٩) في \"السنن\" (٤/ ٥٤٦).\n(^١٠) في \"علل ابن أبي حاتم (١/ ٤٧٦).\n(^١١) ذكره الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٩٩).\n(^١٢) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٥٥).","vol":"8","page":77},{"text":"عن النبيِّ - ﷺ -. وقولهُ: \"الخائنُ\"، قالَ أبو عُبيدة (^١): لا نراه خصّ به الخيانةَ في أماناتِ النّاس دون ما افترض اللهُ علىَ عبادهِ، وأْتَمَنَهُمْ عليهِ، فإنهُ قدْ سمَّى ذلك أمانةً قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (^٢)، فمنْ ضيَّعَ شيئًا مما أمرَ اللهُ تعالَى بهِ، أو ركب ما نهَى عنهُ [فلا] (^٣) ينبغي أنْ يكونَ عدْلًا فإنهُ إذا كانَ خائِنًا فليسَ لهُ تقوى تردُّه عن ارتكاب محظوراتِ الدينِ التي منها الكذبُ، فلا يحصلُ الظنُّ بخبرهِ، ولأنهُ مظنةُ تهمةِ أوَ مسلوبُ الأهليةِ، وأما ذو الغَمَرِ فالمرادُ بهِ ما ذكرنَاه منَ الحقدِ والشحناءِ، والمرادُ بأخيهِ المسلمِ المشهودُ عليهِ، والكافرُ مثلُه لا يجوزُ أنْ يشهدَ ذو حقدٍ عليهِ إذا كانت العداوةُ لسببٍ غيرِ الدينِ، فإنَّ ذا الحقدِ مظنةُ عدمِ صدقِ خبرهِ لمحبتهِ إنزالَ الضررِ بمنْ [يحقدُ] (^٤) عليهِ، وأما المسلمُ إذا لم يكنْ ذا حقدِ على الكافرِ بسببِ غيرِ الدينِ فإنَّها تُقْبَلُ شهادتُه عليهِ، وإنْ كانَ بينَهما عداوةٌ في الدينِ، فإنَّ عداوةَ الدينِ لا تقتضي أنْ يشهدَ عليهِ زورًا، فإنَّ الدينَ لا يسوِّغُ ذلكَ. وإنما خَرَجَ الحديثُ على الأغلبِ. والقانعُ هوَ الخادمُ لأهلِ البيتِ، والمنقطعُ إليهم للخدمةِ وقضاءِ الحوائج، [وموالاتِهم عندَ الحاجةِ] (^٥). وفي تمامِ الحديثِ: وأجازَها، أي: شهادةَ القانعِ لغيرِهمْ أي لغيرِ مَنْ هَو تابعٌ لهم، وإنما مُنِعَ منْ شهادتهِ لمنْ هوَ تابعٌ لهمْ لأنهُ مظنة تهمةٍ، فيجبُ دفعُ الضرِّ عنْهم، وجلبُ الخيرِ إليهم فمنعَ منَ الشهادةِ. ومَنْعُ هؤلاءِ منَ الشهادةِ دليلٌ علَى اعتبار العدالةِ في الشاهدِ عليهِ، دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٦)، وقدْ رسمُوا العدالةَ بأنَّها محافظةٌ دينيةٌ تحملُ على ملازمةِ التقْوى والمروءةِ ليسَ معَها بِدْعَةٌ. وقدْ نازعنْاهُم في هذا الرسمِ (^٧) في عدةِ منَ المباحث [كرسالتنا] (^٨) المسمَّاة: \"المسائلِ المهمةِ فيما تعمُّ بهِ البلْوى حكامَ الأمةِ\" (^٩)، وحقَّقْنا الحقَّ في العدالةِ في رسالةِ \"ثمراتِ النظرِ، في علمِ الأثرِ\" (^١٠).\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن منظور في \"لسان العرب\" (٤/ ٢٥٤) مادة: خون.\n(^٢) سورة الأنفال: الآية ٢٧.\n(^٣) في (ب): \"فليس\".\n(^٤) في (أ): \"حقد\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(^٧) في (أ): \"الحد\".\n(^٨) في (ب): \"كرسالة\".\n(^٩) مخطوط رقم (١١٨٢) مؤلفات الزيدية (٣/ ١٠).\n(^١٠) وهي حاشية على \"نخبة الفكر\" لابن حجر العسقلاني، وبحوزتي مخطوط لها.","vol":"8","page":78},{"text":"وفي \"منحةِ الغفارِ، حاشيةِ ضوءِ النهارِ\" (^١) وللهِ الحمدُ. واخترْنا أن العدلَ هوَ مَنْ غلبَ خيرُه شرَّهُ، ولم يجربْ عليهِ اعتيادُ كذبٍ، وأقمنا عليهِ الأدلةَ هنالكَ، والشارحُ هنا مشَى معَ الجماهيرِ. وذكرَ بعضَ ما يتعلقُ بتفسيرِ مرادِهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1406>لا تقبل شهادة بدوي على صاحب قرية</span>\n٤/ ١٣٢١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَة\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: لا تجوز شهادة بدويٍّ على صاحبِ قريةٍ. رواهُ أبو داودَ، وابن ماجهْ). البدويُّ مَنْ سكنَ الباديةَ، نسِبَ على غيرِ قياس النسبةِ، والقياسُ بادويٌّ، والقريةُ بفتحِ القافِ وقدْ تكسرُ، المصرُ الجامعُ. وفيهِ دليلٌ على عدمِ صحةِ شهادةِ البدويِّ على صاحبِ القريةِ، لا لبدوي مثله فتصحُّ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (^٤)، وجماعةٌ منْ [الصحابةِ] (^٥).\nوقالَ أحمدُ: أخْشَى أنْ لا تُقْبَلَ شهادةُ البدويِّ على صاحبِ القريةِ لهذا الحديثِ، لأنهُ متَّهم حيثُ أشهدَ بدويًا ولم يشهِدْ قرويًا. وإليهِ ذهبَ مالكٌ (^٦)، إلَّا أنهُ قالَ: لا تُقْبَلُ شهادةُ البدويِّ لما فيهِ منَ الجفاءِ في الدينِ، والجهالةِ بأحكامِ الشرائعِ، ولأنَّهم في الغالبِ لا يضبطونَ الشهادةَ على وجْهِهَا. وذهبَ الأكثرُ إلى قبولِ شهادتِهم، وحملُوا الحديثَ على مَنْ لا تُعْرَفُ عدالتُه منْ أهلِ الباديةِ؛ إذِ\n_________\n(^١) وهي حاشية على \"ضوء النهار\" للجلال. وقد طبعت معه.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٦٠٢).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٣٦٦).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٥٠).\nوقال المنذري في \"المختصر\" (٥/ ٢١٩ رقم ٣٤٥٧) رجال إسناده احتج بهم مسلم في \"صحيحه\".\nوهو حديث صحيح. صححه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٨٩ رقم ٢٦٧٤).\n(^٤) في \"المغني\" (١٣/ ٥٠٤).\n(^٥) في (ب): \"أصحابه\".\n(^٦) في \"قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية\" محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي (ص ٣٣٧).","vol":"8","page":79},{"text":"الأغلبُ أن عدالتَهم غيرُ معروفةٍ. واستدلَّ في البحرِ (^١) لقَبولِ شهادتِهم بقَبولهِ - ﷺ - شهادة الأعرابيِّ [على] (^٢) هلالِ رمضانَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1407>عدالة الشاهد بما يظهر من حاله</span>\n٥/ ١٣٢٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: إِنَّ أُنَاسا كَانُوا يُؤخَذُونَ بِالْوَحْي في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُم الآنَ بِمَا ظَهَرَ لنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وعنْ عمرَ بن الخطاب - ﵁ - أنهُ خطبَ فقالَ: إنَّ أناسًا كانُوا يُؤخذونَ بالوحي في عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وإنَّ الوحْيَ قدِ انقطعَ، وإنَّما نأخذُكم الآنَ بما ظهرَ لنا منْ أعمالِكم. رواهُ البخاريُّ)، وتمامهُ: \"فمنْ أظهرَ لنا خيرًا أمِنَّاه وقرَّبناهُ، وليسَ لنا من سريرِته شيءٌ، اللهُ يحاسبُه في سريرتِه. ومَنْ أظهرَ لنا سوءًا لم نأمنْه ولم نصدِّقْه، وإنْ قالَ إنَّ سريرتَه حسنةٌ\". استدلَّ بهِ على قبولِ شهادةِ مَنْ لم يظهرْ منهُ ريبةٌ نظرًا إلى ظاهرِ الحالِ، وأنهُ يكفي في التعديلِ ما يظهرُ منْ حالِ المعدِّلِ منَ الاستقامةِ منْ غيرِ كشفٍ عنْ حقيقةِ سريرته، لأنَّ ذلكَ متعذَّرٌ إلَّا بالوحْي وقدِ انقطعَ، وكأنَّ المصنفَ أوردَه وإنْ كانَ كلامَ صحابيٍّ لا حجةَ فيهِ، لأنهُ خطبَ بهِ عمرُ، وأقرَّه مَنْ سمعَهُ فكانَ قولَ جماهيرِ الصحابةِ، ولأنَّ الذي قالَه هوَ الجاري على قواعدِ الشريعةِ [الغرَّاء] (^٤)، وظاهرُ كلامهِ أنهُ لا يُقْبَلُ المجهولُ. ويدلُّ لهُ ما رواهُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: \"أنهُ شهدَ عندَ عمرَ رجلٌ، فقالَ لهُ عمرُ: لستُ أعرفُك ولا\n_________\n(^١) لم أجده في \"البحر\". أما الحديث فقد أخرجه أبو داود رقم (٢٣٤٠)، والنسائي (٤/ ١٣٢)، والترمذي (٦٩١)، والدارمي (٢/ ٥)، وابن ماجه رقم (١٦٥٢)، والدارقطني (٢/ ١٥٨ رقم ٩)، والحاكم (١/ ٤٢٤)، والبيهقي في \"السنن\" (٤/ ٢١١، ٢١٢) من طرق عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. وقال الحاكم: هذا الحديث صحيح.\nاحتجَّ البخاري بأحاديث عكرمة، واحتجَّ مسلم بأحاديث سماك بن حرب.\nوهو حديث ضعيف.\nانظر: \"الإرواء\" (٩٠٧).\n(^٢) في (أ): \"في\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٤١).\n(^٤) زياد من (أ).","vol":"8","page":80},{"text":"يضرُّك أنْ لا أعرفَكَ، ائتِ بمنْ يعرفُكَ، فقالَ رجلٌ منَ القومِ: أنا أعرفُه، قالَ: بأيِّ شيءِ تعرفُه؟ قالَ: بالعدالةِ والفضلِ، فقالَ: هوَ جارُك الأَدْنى تعرفُ ليلَه ونهاره، ومدخلَه ومخرجَه؟ قالَ لا، قالَ فمعاملك بالدينارِ والدرهمِ اللذيْنِ يُسْتَدلُّ بهما على الورعِ، قالَ: لا، قالَ: فرفيقُكَ في السفرِ الذي يُسْتَدَلُ بهِ على مكارمِ الأخلاقِ، قالَ: لا، قالَ: لستَ تعرفُه، ثمَّ قالَ للرجلِ: ائتِ بمنْ يعرفُك\". قالَ ابنُ كثيرِ: رواهُ البغويُّ (^١) بإسنادِ حسنٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1408>من أكبر شهادة الزور</span>\n٦/ ١٣٢٣ - وَعَنْ أَبي بَكرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ في أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢)، في حَدِيثِ طَوِيلٍ. [صحيح]\n(وعنْ أبي بكرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ عدَّ شهادةَ الزورِ في أكبرِ الكبائرِ. متفقٌ عليهِ في حديثِ). ولفظ الحديث أنهُ - ﷺ -: \"ألا أنبّئُكم بأكبرِ الكبائرِ - ثلاثًا - قالُوا: بلَى، قالَ: [الإشراكُ] (^٣) باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ […] (^٤)، وكانَ متكئًا [فجلس] (^٥) ثمَّ قالَ: \"ألا وقولَ الزورِ\" فما زال يكررهُا حتَّى قلْنا ليتَه سكتَ. تقدَّم تفسيرُ شهادةِ الزورِ. قالَ الثعلبيُّ (^٦): الزورُ تحسينُ الشيءِ ووصفهُ بخلافِ\n_________\n(^١) وهو حديث صحيح.\nأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٥٤ رقم ١٥٠٨)، والبيهقي (١٠/ ١٢٥)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٣٦٠).\nقال الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٩٧): قال العقيلي: الفضل مجهول وما في هذا الكتاب حديث لمجهول أحسن من هذا.\nوصحَّحه أبو عليّ بن السكن. وكذلك صححه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٦٠ رقم ٢٦٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٦٥٤).\nومسلم في \"صحيحه\" (٨٧/ ١٤٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي (١٩٠١).\n(^٣) في (أ): \"الشرك\".\n(^٤) في (ب): \"وجلسَ\". حذفتها لأنها مخلَّة بالمعنى.\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) وقد ذكرها الحافظ في \"الفتح\" عن الطبري (٥/ ٢٦١).","vol":"8","page":81},{"text":"صفتهِ حتَّى يُخَيَّلَ إلى مَنْ سمعَه أوْ رآهُ أنهُ بخلافِ ما هوَ بهِ، فهوَ تمويهُ الباطلِ بما يوهِمُ أنهُ حقٌّ، وقدْ جعلَ - ﷺ - قولَ الزورِ عديلًا [للإشراكِ] (^١)، ومساويًا لهُ. قالَ النوويُّ (^٢): وليسَ على ظاهرهِ المتبادَرِ، وذلكَ لأنَّ الشركَ أكبرُ بلا شكٍّ، وكذلكَ القتلُ فلا بدَّ منْ تأويلهِ، وذلكَ بأنَّ التفضيلَ لها بالنظرِ إلى ما يناظرُها في المفسدةِ وهو التسبُّبُ إلى أكلِ المالِ بالباطلِ، فهيَ أكبرُ الكبائرِ بالنسبةِ إلى الكبائرِ التي يتسبَّبُ بها إلى أكلِ المالِ بالبَاطلِ، فهيَ أكبرُ منَ السرقةِ [والربا] (^٣)، وإنما اهتَمَّ - ﷺ - بإخبارِهم عنْ شهادةِ الزورِ وجلسَ وأَتَى بحرفِ التنبيهِ، وكرَّرَ الإخبارَ لكونِ قولِ الزورِ وشهادةِ الزورِ أسهلَ على اللسانِ، والتهاونُ بها أكثرُ، ولأنَّ الحواملَ [عليهِ] (^٤) كثيرةٌ منَ العداوةِ والحسدِ وغيرِهما، فاحتيجَ إلى الاهتمامِ بشأنهِ، بخلافِ [الشرك فإنه وإن كان كبيرة إلَّا أنه] (^٥) ينبو عنهُ قلبُ المسلمِ، لأنها لا تتعدَّى مفسدتُه إلى غيرِ المشركِ، بخلافِ قولِ الزورِ فإنهُ يتعدَّى إلى مَنْ قيلَ فيهِ، والعقوقُ يصرفُ عنهُ كرمُ الطبعِ والمروءةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1409>الشهاده على ما استيقن</span>\n٧/ ١٣٢٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِرَجُلٍ: \"تَرَى الشَّمْسَ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ (^٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٧) فَأَخْطَأَ. [ضعيف]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ لرجلٍ: ترى الشمسَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: على مثِلها فاشهدْ أو دعْ. أخرجَهُ ابنُ عدي بإسنادٍ ضعيفٍ. وصحَّحهُ الحاكمُ فأخطأ)، لأنَّ في إسنادِه محمدَ بنَ سليمانَ بنَ مشمولٍ ضعَّفهُ النسائيُّ (^٨). وقالَ البيهقيُّ: لم يُرْوَ\n_________\n(^١) في (أ): \"للشرك\".\n(^٢) في \"شرحه\" لمسلم (٢/ ٨٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"عليها\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"الكامل\" (٦/ ٢٢١٣).\n(^٧) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٨، ٩٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، وتعقَّبه الذهبي بقوله: واهٍ، فعمرو قال ابن عدي: كان يسرق الحديث، وابن مشمول ضعَّفه غير واحد\".\n(^٨) في \"الضعفاء والمتروكين\" (ص ٢١٢ رقم ٥٤٢). =","vol":"8","page":82},{"text":"منْ وجهٍ يعتمدُ عليهِ، وفيهِ دليل على أنهُ لا يجوزُ للشاهدِ أنْ يشهدَ إلَّا علَى ما يعلمهُ علْمًا يقينًا كما يعلم الشمسَ بالمشاهدة، ولا تجوزُ الشهادةُ بالظنِّ، فإنْ كانتِ الشهادةُ على فعلٍ فلا بدَّ منْ رؤيتهِ، وإنْ كانتْ على صوتٍ فلا بدَّ منْ سماع الصوتِ، ورؤيةِ المصوِّتِ، أو التعريفِ بالمصوِّتِ بعدلَيْنِ أو عدلٍ عندَ منْ يكتفي بهِ إلَّا في مواضعَ فإنها تجوزُ الشهادةُ بالظنِّ. وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (^١) للشهادةِ على الظنِّ بقولهِ: (بابُ الشهادةِ على الأنسابِ والرضاعِ المستفيضِ، والموتِ القديمِ) وذكرَ أربعةَ أحاديثَ (^٢) في ثبوتِ الرضاعِ، وثبوتُه إنَّما هوَ بالاستفاضةِ ولم يذكرْ حديثًا على رؤيةِ الرضاعِ، وأشارَ بذلكَ إلى ثبوتِ النسبِ، فإنَّ لازمَ الرضاعِ ثبوتُ النسبِ، وأما ثبوتُ الرضاعةِ نفسها بالاستفاضةِ فإنهُ مُسْتَفَادٌ منْ صريحِ الأحاديثِ، فإنَّ الرَّضاعةَ المذكورةَ فيها كانتْ في الجاهليةِ، وكانَ ذلكَ مستفيضًا عندَ مَنْ وقعَ لهُ. وحدُّ الاستفاضةِ عندَ الهادويةِ شهرةٌ في المحلَّةِ تثمرُ ظنًا أو عِلْمًا، وإنَّما اكْتُفي\n_________\n= وذكره العقيلي والساجي والدولابي وابن الجارود في \"الضعفاء\"، وقال ابن حزم: منكر الحديث. انظر \" (لسان الميزان\" (٥/ ١٨٥، ١٨٦)، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٣٩).\nوقال الشيخ: ولمحمد بن مشمول غير هذا الحديث وعامة ما يرويه لا يتابع عليه في إسناده ولا متنه، \"الكامل\" (٦/ ٢٢١٤).\n(^١) في \"صحيحه\" (٥/ ٢٥٣).\n(^٢) • (منها): ما أخرجه برقم (٢٦٤٤) عن عائشة قالت: \"استأذن عليَّ أفلح فلم آذن له فقال: أتحتجبين مني وأنا عمُّك؟ فقلتُ: وكيف ذلك؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، فقالت: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدق أفلح، ائذني له\".\n• (ومنها): ما أخرجه برقم (٢٦٤٥) عن ابن عباس قال: \"قال النبي - ﷺ - في بنت حمزة: لا تحلُّ لي، يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب، هي ابنة أخي من الرَّضاعة\".\n• (ومنها): ما أخرجه برقم (٢٦٤٦) عن عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - أخبرتها أن رسول الله - ﷺ - كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله أراه فلانًا لعمِّ حفصة من الرِّضاعة - فقالت عائشة: يا رسول الله هذا رجل يستأذنُ في بيتك. قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: أراه فلانًا، لعمِّ حفصة من الرضاعة. فقالت عائشة: لو كان فلانٌ حيًا - لعمِّها من الرضاعة - دخل عليّ. فقال رسول الله - ﷺ -: نعم، إن الرضاعة تُحَرِّم ما يحرُم من الولادة\".\n• (ومنها): ما أخرجه برقم (٢٦٤٧) عن مسروق أن عائشة - ﵂ - قالت: \"دخل النبي - ﷺ - وعندي رجل فقال: يا عائشة من هذا؟ قلتُ: أخي من الرِّضاعة، قال: يا عائشة انظرن من إخوانكنَّ، فإنما الرضاعة من المجاعة\".","vol":"8","page":83},{"text":"بالشهرةِ في المذكورةِ؛ إذْ لا طريقَ لهُ إلى التحقيقِ بالنسبِ لتعذُّرِ التحققِ فيهِ في الأغلبِ. وأرادَ البخاريُّ (^١) بالموتِ القديمِ ما تطاولَ الزمانُ عليهِ، وحدَّهَ البعضُ بخمسينَ (^٢) سنةٍ، وقيلَ أربعينَ، وذلكَ لأنهُ يشقُّ فيهِ التحقيقُ. وإلى العملِ بالشهرةِ في النسبِ ذهبَ الهادويةُ والشافعيةُ، وأحمدُ، ومثلُه الموتُ، كذلكَ ذهبت الهادويةُ، وفي ثبوتِ الولاءِ، وقالَ المصنفُ (^٣) في الفتحِ: اختلفَ العلماءُ في ضابطِ ما تفيدُ فيهِ الشهادةُ بالاستفاضةِ، فيصحُّ عندَ الشافعيةِ في النسبِ قطْعًا والولادةِ، وفي الموتِ، والعتقِ، والولاءِ، [والولايةِ] (^٤)، والوقفِ، والعزلِ، والنكاحِ، وتوابعهِ، والتعديلِ، والتجريحِ، والوصيةِ، والرشدِ، والسفهِ، والملك على الراجحِ في جميع ذلكَ، وبلغَها بعضُ المتأخرينَ منَ الشافعيةِ بضعةً وعشرينَ موضعًا، وهي مستوفاةٌ في قواعدِ العلائي إلى آخرِ كلامهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1410>القضاء باليمين والشاهد</span>\n٨/ ١٣٢٥ - وَعَنْهُ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَالنَّسَائيُّ (^٧)، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قضَى بيمينٍ وشاهدٍ. أخرجَهُ مسلمٌ، وأبو داود، والنسائيُّ. وقالَ: إسنادُه جيدٌ)، قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٨): لا مطعنَ لأحدٍ في\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٢٥٤).\n(^٢) قال ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٢٥٤): ونسبه إلى مالك فقال: وحدَّه بعض المالكية بخمسين سنة، وقيل بأربعين.\n(^٣) (٥/ ٢٥٤).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"صحيحه\" (١٧١٢).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦٠٨).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩٠ رقم ٦٠١١/ ١).\nقلت: وأخرجه الشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٨)، وأحمد (١/ ٣١٥، ٣٢٣، ٣٤٨)، وابن ماجه (٢٣٧٠)، وابن الجاورد رقم (١٠٠٦)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٤٤)، والبيهقي (١٠/ ١٦٧)، والدارقطني (٤/ ٢١٤) وهو حديث صحيح. انظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٩٧، ١٠٠). وفيه رد على كلام الطحاوي في تضعيف الحديث.\n(^٨) في \"الاستذكار\" (٢٢/ ٤٨ رقم ٣١٧٥٤).","vol":"8","page":84},{"text":"إسنادِه كذَا قالَ، لكنَّه قالَ الترمذيُّ في العللِ (^١): سألتُ محمَّدًا يعني البخاريَّ عنهُ فقالَ: لم يسمعْه عندي عمرٌو منِ ابن عباسٍ، يريدُ عمرَو بنَ دينارٍ راويه عن ابن عباسٍ. قالَ الحاكم: قدْ سمعَ عمرٌو منِ ابن عباسٍ عدةَ أحاديثَ، وسمعَ منْ جماعةٍ منْ [الصحابةِ] (^٢)، فلا ينكرُ أن يكونَ سمعً منهُ حديثًا. وسمعَهُ منْ أصحابهِ عنهُ، ولهُ شواهدُ منها:\n٩/ ١٣٢٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ مِثْلُهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَصَحّحَهُ (^٥) ابْنُ حِبَّانَ. [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرة - ﵁ - مثلُهُ. أخرجَه أبو داودَ، والترمذيُّ، وصحَّحه ابن حبانَ)، وأخرجَهُ أيضًا الشافعي (^٦). قالَ ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ (^٧) عنْ أبيهِ: هوَ صحيحٌ. وقدْ أخرجَ الحديثَ عن اثنينِ وعشرين منَ الصحابةِ (^٨)، [وقدْ] سردَ الشارحُ أسماءَهم. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يثبتُ القضاءُ بشاهدٍ ويمينٍ، وإليهِ ذهبَ جماهيرُ منَ الصحابةِ والتابعينَ وغيرِهم، وهوَ مذهبُ فقهاءِ المدينةِ السبعةِ، والهادويةِ، ومالك، قالَ الشافعيُّ: وعمدتُهم هذهِ الأحاديثُ، واليمينُ وإنْ كانَ حاصلُها تأكيدُ الدَّعْوى لكنْ يعظُم شأنُها، فإنَّها إشهادٌ للهِ سبحانَه تعالى أن\n_________\n(^١) في \"العلل الكبير\" (ص ٢٠٤ رقم ٣٦١).\n(^٢) في (ب): \"أصحابه\"، وهو خطأ.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٦١٠).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٣٤٣) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٥٠٧٣).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٦٨)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٤٤)، والبيهقي (١٠/ ١٦٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٥٠٣)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٩) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن ربيعة، به.\n• وأخرجه أبو داود رقم (٣٦١١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٤٤)، والبيهقي (١٠/ ١٦٨) من طرق عن سليمان بن بلال، به.\n• وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٥٥)، والبيهقي (١٠/ ١٦٩) من طريقين عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوللحديث شواهد من حديث جابر، وسُرَّق، وسعد بن عبادة، وعلي، انظر تخريجها في كتابنا: \"إرشاد الأمة إلى فقه الكتاب والسنة\" جزء القضاء.\n(^٦) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٧٩) كما تقدم أعلاه.\n(^٧) (١/ ٤٦٣).\n(^٨) انظر: \"الاستذكار\" (٢٢/ ٤٦، ٦٥).","vol":"8","page":85},{"text":"الحقيقةَ كما يقولُ ولو كانَ الأمرُ على خلافِ الدَّعْوى لكانَ مفتريًا علَى اللهِ أنّهُ يعلمُ صدقَهُ، فلمّا كانتْ بهذهِ [المثابةِ] (^١) العظيمةِ هَابها المؤمِنُ بإيمانِهِ وعظَمة شأنِ اللهِ تعالى عندَهُ أن يَحْلفَ بهِ كاذِبًا، وهَابها الفاجِرُ لِمَا يراهُ منْ تعجيلِ عقُوبة اللهِ تعالى لمنْ حلفَ يمينًا فاجرةً، فلمَّا كانَ لليمينِ هذا الشأنَ صلحتْ للهجومِ على الحكمِ كشهادةِ الشاهدِ، وقد اعتُبرتِ الأيمانُ فقطْ في اللعانِ، وفي القَسَامةِ في مقامِ الشهودِ.\nوذهبَ زيدُ بنُ عليّ وأبو حنيفةَ (^٢) وأصحابهُ إلى عدم الحكمِ باليمينِ والشاهدِ، مستدلينَ بقولهِ تعالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٤)، قالُوا: وهذا يقتضي الحصرَ ويفيدُ مفهومُ المخالفة لا بغير ذلكَ، وزيادةُ الشاهدِ واليمين مخالفة، وزيادة الشاهد واليمين تكونُ نسخًا لمفهومِ المخالفةِ.\nوأُجِيْبَ عنهُ بأنهُ على تقديرِ اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ يصحُّ نسخهُ بالحديثِ الصحيحِ أعني حديثَ ابن عباسٍ. واستدلُّوا بقولهِ - ﷺ -: \"شاهداكَ أو يمينُه\" (^٥). وأُجِيْبَ بأنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ، وحديثُ الشاهدِ واليمينِ صحيحٌ يُعْمَلُ بهمِا في منطوقِهمَا، ومفهومُ أحدهما لا يقاومُ [صريح] (^٦) الآخرِ.\nهذا وفي سنن أبي داودَ (^٧) أنهُ قالَ سلمةُ في حديثهِ: قالَ عمرٌو (في الحقوقِ) يريدُ أن عمرَو بنَ دينارِ [راوي الحديث] (^٨) عن ابنِ عباسٍ خصَّ الحكمَ بالشاهدِ واليمينِ [بالحقوقِ] (^٩). [واليمين في الحقوق دون الحدود ونحوها] (^١٠).\n_________\n(^١) في (أ): \"المنزلة\".\n(^٢) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ١٠١)، و\"الاستذكار\" (٢٢/ ٥٢، ٥٦).\n(^٣) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٦٦٩، ٢٦٧٠)، ومسلم رقم (٢٢٠/ ١٣٨) من حديث الأشعث بن قيس.\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٢١١)، وأبو داود رقم (٣٦٢١)، والترمذي رقم (٢٩٩٦)، وابن ماجه (٢٣٢٢)، وعزاه إلى النسائي المنذري في \"المختصر\" (٥/ ٢٣٤ رقم ٣٤٧٤).\n(^٦) في (أ): \"منطوق\".\n(^٧) في \"السنن، رقم (٣٦٠٩).\n(^٨) في (أ): \"الراوي\".\n(^٩) في (أ): \"في الحقوق\".\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"8","page":86},{"text":"قالَ الخطابيُّ (^١): وهذا خاصُّ بالأموالِ دونَ غيرِها؛ [فإنَّ] (^٢) الراوي وقفَه عليها، والخاصُّ لا يعدَّى بهِ محلَّه، ولا يقاسُ عليهِ غيرهُ، [واقتضاءُ] العمومِ منهُ غيرُ جائزٍ، لأنهُ حكايةُ فعلٍ، والفعلُ لا عمومَ لهُ اهـ.\nوالحقُّ أنهُ لا يخرجُ من الحكمِ (^٣) بالشاهدِ واليمينِ إلَّا الحدَّ والقصاصَ للإجماعِ أنَّهما لا يثبتانِ بذلكَ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"معالم السنن\" حاشية لسنن أبي داود (٤/ ٣٣).\n(^٢) في (أ): \"قال\".\n(^٣) في (أ): \"الشر\".","vol":"8","page":87},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1411>[الباب الثاني] باب الدعاوى والبيِّنات</span>\nالدعاوى جمعُ دعوى، وهي اسمُ مصدرٍ من ادَّعى [شيئًا] (^١) إذا زعمَ أنهُ لهُ [حقًّا] (^٢)، سواء كان حقًّا أوْ باطلًا، والبيِّناتُ: جمعُ بيِّنةٍ وهيَ الحجَّةُ الواضحةُ، سُميّتْ الحجةُ بيِّنةً لوضوحِ الحقِّ وظهورِه بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>لا تُقبل دعوى إلَّا ببيِّنة</span>\n١/ ١٣٢٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاس - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"لَوْ يُعْطَى الناسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رجَال وَأمْوَالَهُمْ، وَلَكِن اليَمِين عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n- وَللْبَيْهقِيِّ (^٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ\". (عن ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: لو يُعْطَى الناسُ بدعْواهُم لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ اليمين على المدَّعى عليهِ. متفقٌ عليهِ. وللبيهقي) [أي من\n_________\n(^١) في (أ): \"الشيء\".\n(^٢) في (أ): \"حق\".\n(^٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٤٥٥٢) و(٢٥١٤) و(٢٦٦٨)، ومسلم رقم (١٧١١).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٦١٩)، والترمذي رقم (١٣٤٢)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، وأبو يعلى رقم (٢٥٩٥).\nوعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٥١٩٣)، والشافعي (٢/ ١٨١)، والطبراني (١١٢٢٤) و(١١٢٢٥) و(١١٢٢٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٥٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢٥٠١) من طرق.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٥٢).","vol":"8","page":88},{"text":"حديثِ، (^١) ابن عباس (بإسنادٍ صحيحِ: البيِّنةُ على المدَّعي واليمينُ على مَنْ أنْكرَ).\nوفي البابِ عن ابن عمرَ عند ابن حِبَّانَ (^٢)، وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عندَ الترمذيِّ (^٣). والحديثُ دالُّ على أنهُ لا يُقْبَلُ قولُ أحدٍ فيما يدَّعِيْهِ لمجرَّدِ دعْواهُ، بلْ يحتاجُ إلى البيِّنةِ أوْ تصديقِ المدَّعَى عليهِ، فإن طلبَ يمينَ المدَّعى عليهِ فلهُ ذلكَ، وإلى هذا ذهبَ سلفُ الأمَّةِ وخلفُها. قالَ العلماءُ: والحكمةُ في كونِ البيِّنةِ على المدَّعي أن جانبَ المدَّعي ضعيفٌ لأنهُ يدَّعي خلافَ الظاهرِ، فكُلِّفَ الحجةَ القويةَ وهي البيِّنةُ، فيقوى بها [ضعفَ المدَّعي] (^٤)، وجانبُ المدَّعى عليه قويُّ لأنَّ الأصلَ فراغُ ذمته فاكْتُفِيَ منهُ باليمينِ، وهيَ حجةٌ ضعيفةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1413>القرعة بين الخصوم في اليمين</span>\n٢/ ١٣٢٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - عرضَ على قومٍ اليمينَ فأسرعُوا، فأمرَ أنْ يُسْهَمَ بينَهم في اليمينِ أيّهم يحلفُ. رواهُ البخاريُّ). يفسِّرهُ ما رواهُ أبو داودَ (^٦)، والنسائيُّ (^٧) منْ طريقِ أبي رافعٍ عنْ أبي هريرةَ أن رجلَيْنِ اختصمَا في متاع ليسَ لواحدٍ منْهما بينةٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"استَهِمَا على اليمينِ ما كانَ أحبَّا ذلكَ أو كرِهَا\". قالَ الخطابيُّ (^٨): ومعنَى الاستهام هنا الاقتراعُ، يريدُ أنهَّما يقترعانِ فأيُّهما خرجتْ\n_________\n(^١) في (أ): \"عن\".\n(^٢) عزاه إليه ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ٢٠٨).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٣٤١)، وهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٨/ ٢٦٥، ٢٦٧).\n(^٤) في (أ): \"ضعفه\".\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٧٤).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦١٦).\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٨٧ رقم ٦٠٠١/ ٣).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٤٦).\n(^٨) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٢٨٦).","vol":"8","page":89},{"text":"لهُ القرعةُ حلفَ وأخذَ ما ادَّعى، ورُوِيَ مثلُه عنْ عليّ بن (^١) أبي طالبٍ ﵇ وهوَ أنهُ أتِيَ بنعلٍ وُجِدَ في السوقِ يباعُ فقالَ رجلٌ: هذا نعلي لم أبعْ ولم أهبْ، ونَزَعَ علَى خمسةٍ يشهدونَ، وجاءَ آخرُ يدَّعيهِ يزعمُ أنهُ نعلُه، وجاءَ بشاهِدْينِ. [قال الراوي] (^٢): فقالَ عليٌّ - ﵁ -: إنَّ فيهِ قضاءً وصُلْحًا، وسَوفَ أبيِّنُ لكمْ ذلكَ، أما صلْحهُ أن يُبَاعَ النعلُ فيقسمَ على سبعةِ أسهمٍ لهذا خمسةٌ، ولهذَا اثنانِ، وإنْ لم يصْطَلِحا فالقضاءُ أن يحلفَ أحدُ الخصمينِ أنهُ ما باعهُ ولا وهبهُ، وأنهُ نعلُه فإنْ تشاحَحتُما (^٣) أيُّكما يحلفُ فإنهُ يقرعُ بينَكُما على الحلِف، فأيُّكما قرعَ حلفَ. انتهَى كلامُ الخطابيِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1414>غضب الله على من أكل مال غيره بالباطل</span>\n٣/ ١٣٢٩ - وَعَنْ أَبي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيهِ الْجَنةَ\"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: \"وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكِ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح].\n(وعنْ أبي أمامةَ الحارثيِّ - ﵁ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: منِ اقتطعَ حقَ امرئٍ مسلمٍ بيمينهِ فقدْ أوجبَ اللهُ لهُ النارَ، وحرَّم عليهِ الجنةَ. فقالَ لهُ رجلٌ: وانْ كانَ شيئًا يسيرًا يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: وانْ كانَ قضيبًا منْ أراكٍ. رواهُ مسلمٌ).\n_________\n(^١) ذكره الخطابي في \"معالم السنن\" (٤/ ٣٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) المشاحَّة: الضِّنَّة، وتشاحَّا على الأمر: لا يريدان أن يفوتهما، وتشاحَّ القوم في الأمر: شحَّ بعضهم على بعض حَذَرَ فوتِه. القاموس المحيط ٢٨٩.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢١٨/ ١٣٧).\nقلت: وأخرجه مالك (٢/ ٢٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٦٠)، والدارمي (٢/ ٢٦٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٦)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٧٩٦) و(٧٩٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٥٠٧)، والبيهقي (١٠/ ١٧٩) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن مَعْبَدِ بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبي أمامة، به.\n• وَأخرجه مسلم رقم (٢١٩/ ١٣٧)، وابن ماجه رقم (٢٣٢٤)، والدارمي (٢/ ٢٦٦) والدولابي في \"الكنى والأسماء\" (١/ ١٢)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١/ ١٨٦)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٧٩٩) من طريقين عن محمد بن كعب، عن عبد الله بن كعب، به.","vol":"8","page":90},{"text":"الحديثُ دليلٌ على شدةِ الوعيدِ لمنْ حلفَ ليأخذَ حقًّا لغيرهِ، أو يسقطَ عنْ نفسهِ حقًّا، فإنهُ يدخلُ تحتَ الاقتطاعِ لحقِّ المسلمِ، والتعبيرُ بحقِّ المسلمِ يدخلُ فيهِ ما ليسَ بمالٍ شرعًا كجِلْدِ الميتةِ ونحوِه. وذِكْرُ المسلمِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، وإلا فالذميُّ مثلُه في هذَا الحكمِ. وقيلَ: ويحتملُ أن هذهِ العقوبةَ تختصُّ بمنِ اقتطعَ بيمينهِ حقَّ المسلم لا حقَّ الذميِّ، وإنْ كانَ محرَّمًا فلَه عقوبةٌ أخرى، وإيجابُ النارِ وتحريمُ الجنةِ مقيَّدٌ بما إذا لم يتبْ ويتخلَّصْ منَ الحقِّ الذي أخذَه باطلًا، ثمَّ المرادُ باليمينِ اليمينُ الفاجرةُ، وإنْ كانتْ مطلقةً في الحديثِ فقدْ قَيَّدَها الحديثُ الآتي:\n٤/ ١٣٣٠ - وَعَنِ الأَشْعَتِ بْنِ قَيسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْريء مُسْلِم هُوَ فيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nوهوَ قولُه: (وعن الأشعثِ) [بن قيس الأشعث] (^٢) بشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، فمثلثةٍ، هو أبو محمدٍ (ابن قيسٍ) بن معدِيكربَ الكنديِّ، قدمَ على النبيِّ - ﷺ - في وفدِ كنْدَةَ، وكانَ رئيسَهُم [وذلكَ] (^٣) في سنةِ عشرٍ، وكانَ [رئيسًا في الجاهليةِ]، (^٤)، مُطَاعًا في قومهِ، وجيهًا في الإسلامِ، وارتدَّ عن الإسلامِ بعدَ موتِ النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ رجعَ إلى الإسلامِ في خلافةِ أبي بكر - ﵁ -، وخرجَ للجهادِ معَ سعدِ بن أبي وقاصٍ، وشهدَ القادسيةَ وغيرهَا، ثمَّ سكنَ الكوفةَ، ومات بها سنةَ اثنتينِ وأربعينَ، وصلَّى عليهِ الحسنُ بنُ عليّ ﵇ (أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: منْ حلفَ على يمينٍ يقتطعُ بها مالَ امِريء مسلمٍ هوَ فيها فاجرٌ لقيَ الله وهوَ عليهِ غضبانُ. متفقٌ عليهِ). والمرادُ بكونهِ فاجرًا أنْ يكونَ متعمِّدًا عالمًا أنه غيرُ محقٍّ، وإذا كانَ الله تعالى عليهِ غضبانَ حرمَهُ [جنته] (^٥)، وأوجبَ عليهِ عذابَه.\n٥/ ١٣٣١ - وَعَنْ أبي مُوسى رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في دَابَّةٍ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا نِصفَيْنِ. رَوَاهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٧١٨٣)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٢٠/ ١٣٨).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"الجنة\".","vol":"8","page":91},{"text":"أَحَمْدُ (^١)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيِّ (^٣)، وَهذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. [ضعيف]\n(وعنْ أبي موسى - ﵁ - أن رجلينِ اختصمَا في دابه ليسَ لواحد منهما بينةٌ، فقضَى بها رسولُ اللهِ - ﷺ - بينَهما نصفينِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وهذا لفظهُ. وقال: إسنادة جيدٌ). قالَ الخطابيُّ (^٤): يشبهُ أنْ يكونَ هذا [البعيرُ أو الدابةُ كانتْ] (^٥) في أيديهمِا معًا، فجعلهُ النبيُّ - ﷺ - بينَهما لاستوائِهما في الملكِ باليدِ، ولولا ذلكَ لم يكونا بنفسِ الدَّعْوى يستحقانِه لوْ كانَ الشيءُ في يدِ أحدِهما.\nوقدْ رَوَى أبو داودَ (^٦) عقيبَهُ حديثًا فقالَ: \"ادَّعَيا بعيرًا في عهدِ رسول اللهِ - ﷺ -، فبعثَ كلُّ واحدٍ منهما بشاهدينِ، فقسمهُ النبيُّ - ﷺ - بينَهما نصفينِ\". قالَ الخطابيُّ (^٧): وهوَ مرويٌّ بالإسنادِ الأولِ إلَّا أن في الحديثِ المتقدِّمِ لم يكنْ لواحدٍ منهما بينةٌ، وفي هذا أن [كلَّ] (^٨) واحدٍ منْهما [قدْ جاءَ بشاهدينِ] (^٩)، فاحتملَ أنْ تكونَ [القضيةُ] (^١٠) واحدةَ إلَّا أن [الشهاداتِ] (^١١) لمَّا تعارضت [تهاترتْ] (^١٢) فصارا كمنْ لا بيِّنةَ له، وحكمَ بالشيءِ بينَهما نصفينِ لاستوائِهمِا في اليدِ، ويحتملُ أنْ يكونَ البعيرُ في يدِ غيرِهما، فلمَّا أقامَ كلُّ واحدٍ [منْهما شاهدينِ] (^١٣) على دعواهُ نُرعَ الشيءُ منْ يدِ المدَّعى عليهِ، ودفعهُ إليهما، وقد اختلفَ العلماءُ في الشيءِ يكونُ في يدِ الرجلِ يتداعاهُ اثنانِ يقيمُ كلُّ واحدٍ منْهما ببينةٍ، فقالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ بنُ راهويْه: يقرعُ بينَهما فمنْ خرجتْ لهُ القرعةُ صارَ لهُ، وكانَ الشافعيُّ يقولُ بهِ قديمًا، ثمَّ قالَ في الجديدِ: فيهِ\n_________\n(^١) في \"الفتح الرباني\" (١٥/ ٢١٧ رقم ٣٤).\n(^٢) في \"السنن\" (٣٦١٣).\n(^٣) في \"السنن\" (٨/ ٢٤٨).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٣٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٥٤، ٢٥٧)، وهو حديث ضعيف، انظر الكلام عليه بتوسع في \"الإرواء\" رقم (٢٦٥٦).\n(^٤) في \"معالم السنن\" (٤/ ٣٧ رقم ٣٦١٣ - مع سنن أبي داود).\n(^٥) في (أ): \"الحيوان\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦١٥).\n(^٧) في \"معالم السنن\" (٤/ ٣٨ رقم ٣٦١٥ - مع سنن أبي داود).\n(^٨) في (أ): \"ككل\".\n(^٩) في (أ): \"ببينة\".\n(^١٠) في (أ): \"القصة\".\n(^١١) في (أ): \"الشهادتان\".\n(^١٢) في (أ): \"تهاترتا\".\n(^١٣) في (أ): \"البينة\".","vol":"8","page":92},{"text":"قولانِ: أحدُهما يُقْضَى بهِ بينَهما نصفينِ، وبهِ قالَ أصحابُ الرأي، وسفيانُ الثوري، والقولُ الثاني يقرعُ بينَهما فأيُّهما خرجَ سهمهُ حلفَ: لقدْ شهدَ شهودُه بحقٍّ ثمَّ يقْضَى بهِ له، وقالَ مالكٌ: لا أحكم بهِ لواحدٍ منهما إنْ كانَ في يدِ غيرِهما، وحُكِيَ عنهُ أنهُ قالَ: هوَ لأَعْدَلهِما شهودًا، وأشهرِهما [صلاحًا] (^١)، وقالَ الأوزاعيُّ: يؤخذُ بأكثرِ البيِّنتينِ عددًا، وحكيَ عن الشعبيِّ أنهُ قالَ: هوَ بينَهما على حصصِ الشهودِ، اهـ كلامُ الخطابيِّ. وفي المنار (^٢) [للمفتي] (^٣) أن القرعةَ ليسَ هذا محلَّها، وإنَّما وظيفتُها حيثُ تعذرَ التقريبُ إلى الحقيقةِ منْ كلِّ وجهٍ، [وكونُ] (^٤) المدَّعى هنا [غير] (^٥) مشتركًا أحدُ [المحتملاتِ] (^٦) فلا وجْهَ لإبطالهِ بالقرعةِ، واختارَ قسمةَ المدَّعي، وهوَ الصوابُ في هذهِ الصورةِ [كما هو مذهب الهادوية] (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-1415>هل تغلظ اليمين بالزمان والمكان</span>\n٦/ ١٣٣٢ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهُ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هذا بيَمِينٍ آثمةٍ تبوأَ مقعدَه منَ النارِ\". رواهُ أحمدُ (^٨)، وأبو داودَ (^٩)، والنسائيُّ (^١٠)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ\" (^١١). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): \"الصلاح\".\n(^٢) للمقبلي (٢/ ٢٩٣).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"ويكون\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"الاحتمالات\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"المسند\" (٣/ ٢٤٤).\n(^٩) في \"السنن\" رقم (٣٢٤٦).\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩١ رقم ٦٠١٨/ ١).\n(^١١) في \"صحيحه\" رقم (٤٣٦٨).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٧٦)، و(٧/ ٣٩٨)، ومالك (٢/ ٧٢٧)، والشافعي في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٧٣)، وابن ماجه رقم (٢٣٢٥)، والحاكم (٤/ ٣٩٦) وصحَّحه ووافقه الذهبي.\n• وله شاهد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح عند أحمد (٢/ ٣٢٩، ٥١٨)، وابن ماجه رقم (٢٣٢٦)، والحاكم (٤/ ٢٩٧) وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nقلت: الحسن بن يزيد ثقة لم يخرجا له ولا أحدهما.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"8","page":93},{"text":"وعن جابرٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قال: من حَلَفَ على منبري هذا بيمينٍ آثمة تبوَّأ مقعده من النار. رواه أحمد وأبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحه ابن حبان)، وأخرجَ (^١) النسائيُّ برجالٍ ثقاتٍ منْ حديثِ أبي أمامةَ مرفُوعًا: \"مَنْ حلفَ عندَ منبري هذا بيمينٍ كاذبةٍ، يستحلُّ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، لا يقبلُ اللهُ منهُ صرْفًا ولا عدْلًا\". والحديثُ دليلٌ على عظمةِ إثمِ منْ حلفَ على منبرهِ - ﷺ - كاذِبًا. واختَلَفَ العلماءُ في تغليظِ الحلفِ بالمكانِ والزمانِ هلْ يجوزُ للحاكم أوْ لا. والحديثُ لا دليلَ فيهِ على أحدِ القولينِ، إنَّما فيهِ عظمةُ إثمِ مَنْ حلفَ على منبرهِ - ﷺ -. وذهبت الهادويةُ والحنفيةُ والحنابلةُ إلى أنهُ لا تغليظَ بزمانٍ ولا مكانٍ، وأنهُ لا يجبُ على الحالِفِ الإجابةُ إلى ذلكَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجبُ التغليظُ في الزمانِ والمكانِ، قالُوا: ففي المدينةِ على المنبرِ، وفي مكةَ بينَ الركنِ والمقامِ، وفي غيرهما في المسجدِ الجامعٍ، وكأنَّهم يقولونَ في الزمانِ ينظرُ إلى الأوقاتِ الفاضلةِ كبعدَ العصرِ، وليلةَ الجمعةِ ويومَها، ونحوَ ذلكَ. احتجَّ الأولونَ بإطلاقِ أحاديثِ: \"اليمينُ على المدَّعى عليهِ\" (^٢)، وبقولهِ: \"شاهِدَاكَ أوْ يمينُه\" (^٣). واحتجَّ الجمهورُ بحديثِ جابرٍ، وحديثِ أبي أمامةَ، وبفعلِ عمرَ وعثمانَ وابنِ عباسٍ وغيرِهم منَ السلفِ. واستدلُّوا للتغليظِ بالزمانِ بقولهِ تعالَى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (^٤). قالَ المفسرونَ (^٥): هي صلاةُ العصرِ. وقالَ آخرونَ: يستحبُّ التغليظُ في الزمانِ والمكانِ ولا يجبُ. وقيلَ: هوَ موضعُ اجتهادٍ للحاكمِ إذا رآه [حسنًا] (^٦) ألزمَ بهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1416>الثلاثة الذين لا يكلِّمهم الله يوم القيامة</span>\n٧/ ١٣٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"ثَلَاثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ، وَلَا\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٩٢ رقم ٦٠١٩/ ٢) ورجاله ثقات.\n(^٢) سبق تخريجه حديث رقم (١/ ١٣٢٧) من كتابنا هذا.\n(^٣) تقدم تخريجه في شرح الحديث رقم (٩/ ١٣٢٦) من كتابنا هذا.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ١٠٦.\n(^٥) انظر: \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٦/ ٣٥٣).\n(^٦) في (أ) \"صلاحًا\".","vol":"8","page":94},{"text":"يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابْ أَليمٌ: رجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاةِ فَمنعَه مِن ابْنِ السّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ لأَخَدَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ اِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَّى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: ثلاثةٌ لا يكلِّمُهُمُ اللهُ يومَ القيامةِ، ولا ينظرُ إليهمْ)، هذا كنايةٌ عن غضبِه تعالَى، وإشارةٌ إلى حِرْمانِهِمْ من رحمتهِ، (ولا يزكِّيهمْ) أي: لا يطهِّرُهم عنْ أدناسِ الذنوبِ بالمغفرةِ، (ولهمْ عذابٌ أليمٌ: رجلٌ على فضلِ ماءٍ بالفلاة فمنعه من ابن السبيلِ، ورجلٌ بايعَ رجلًا بسلعةٍ بعدَ العصرِ، فحلفَ لهُ باللهِ لأخذَها بكذَا وكذَا وصدَّقَة وهوَ على غيرِ ذلكَ، ورجلٌ بايعَ إمامًا لا يبايعُه إلَّا للدُّنيا، فإن أعطاهُ منْها وفَّى، وإنْ لم يُعْطِه منْها لم يفِ. متفقٌ عليهِ).\nقولُه: \"على فضلِ ماءٍ\"، أي على ماءٍ فاضلٍ عنْ كفايتهِ، فهذَا منعُ ما لا حاجة إليه مَنْ هوَ محتاجٌ لهُ، وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ البيعِ. وقولُه: \"فصدَّقهُ\" أي: المشتري، وضميرُ \"هوَ\" للأَخذ، مصدرُ قولِه: لأخذَها، لدلالةِ فعلهِ عليهِ، مثلُ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢)، أي: والأخذُ على غيرِ ما حلفَ عليهِ، فهذَا ارتكبَ أمْرينِ عظيمينِ: الحلفَ باللهِ، والكذبَ في قيمةِ السلعةِ، وخصَّ بعدَ العصرِ لشرفِ الوقتِ وهوَ منْ أدلةِ مَنْ غلَّظَ بالزمانِ. وقولُه: \"بايعَ إمامًا لا يبايعهُ إلَّا للدنيا\"، أي لما يعطِيهِ منْها. والوعيدُ يحتملُ أن يكون لمجموعِ ما ذكرَ منَ المبايعةِ لأجلِ الدنيا، فإنَّها نيةٌ غيرُ صالحةٍ، ولعدمِ الوفاءِ بالخروجِ عن الطاعةِ، وتفريقِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٣٥٨)، (٢٦٧٢)، و(٧٢١٢)، ومسلم (١٠٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٤٧٤)، وابن ماجه رقم (٢٢٠٧)، و(٢٨٧٠)، وابن منده في \"الإيمان\" (٦٢٢) و(٦٢٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣٣٠) و(٨/ ١٦٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٥١٦) من طرق عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، به.\n• وأخرجه البخاري رقم (٢٣٦٩) و(٧٤٤٦)، ومسلم رقم (١٧٤/ ١٠٨)، وابن منده في \"الإيمان\" رقم (٦٢٦)، والبيهقي في السنن الكبرى\" (٦/ ١٥٢) و(١٠/ ١٧٧، ١٧٨)، والبغوي رقم (١٦٦٩) و(٢٥١٦) من طرق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح عن أبي هريرة، به.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٨.","vol":"8","page":95},{"text":"الجماعةِ. والأصلُ في بيعةِ الإمامِ أنْ يقصدَ بها إقامةَ الشريعةِ [والعملَ] (^١) بالحقِّ، ويقيمَ ما أمرَ اللهُ بإقامتهِ، ويهدمَ ما أمرَ اللهُ بهدمهِ.\nووقعَ في البخاريِّ (^٢): \"ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ، ليقتطعَ بها مالَ رجلٍ مسلمٍ\"، فيكونُ مَنْ توعَّدَ بهذا النوعِ منَ الوعيدِ أربعةٌ. وفي مسلمٍ (^٣) مثلُ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: وشيخٌ زانٍ، وملِكٌ كذَّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ\". وأخرجَ أيضًا منْ حديثِ أبي ذرٍّ (^٤) مرفُوعًا: \"ثلاثة لا يكلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ: المنانُ الذي لا يعطي شيئًا إلَّا مِنَّةً، والمنفقُ سلعتَه بالحلفِ الفاجرِ، والمسبلُ إزارَه\"، فيحصلُ منْ مجموعِ الأحاديثِ تسعُ خصالٍ إنْ حملْنا المنفقَ سلعته [بالحلف الكاذبِ] (^٥)، والذي حلفَ بعدَ العصرِ لقدْ أَعْطِيَ كذَا وكذَا، شيئًا واحدًا، وإنْ جعلناهما شيئينِ كما هوَ الظاهرُ، فإنَّ المنفقَ سلعتهَ بالكذبِ أعمُّ منَ الذي يحلفُ لقدْ أُعْطِيَ فتكونُ عشرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1417>اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها</span>\n٨/ ١٣٣٤ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا في نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: نُتِجَتْ هذ النَّاقَةُ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضى بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمَنْ هِيَ في يَدِهِ (^٦). [إسناده ضعيف]\n(وعنْ جابرٍ - ﵁ - أن رجلَيْنِ اختصَما في ناقةٍ، فقالَ كلُّ واحدٍ منْهما نُتِجَتْ هذهِ الناقة عندي، وأقاما) أي: كلُّ واحدٍ [منهما] (^٧) (بيِّنةً، فقضَى [بها] (^٨) رسولُ اللهِ - ﷺ - لمن هيَ في يدهِ). سيأتي مَنْ أخرجَهُ، وأخرجَ الذي بعدَه. وقدْ أخرجَ هذا\n_________\n(^١) في (ب): \"ويعملَ\".\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٧٦ و٢٦٧٧).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٧٢/ ١٠٧).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١/ ١٠٢ رقم ٠٠٠/ ١٠٦).\n(^٥) في (أ): \"بالكذب\".\n(^٦) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٠٩) رقم (٢١) وفيه يزيد بن نعيم: لا يعرف حاله وإسناده ضعيف.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"8","page":96},{"text":"البيهقيُّ (^١)، ولم يضعِّفْ إسنادَه. وأخرجَ نحوَه عن الشافعيِّ (^٢) إلَّا أن فيهِ: \"تداعيا دابةَ\"، ولم يضعِّفْ إسناده أيضًا. والحديثُ دليل على أن اليدَ مرجِّحةٌ للشهادةِ الموافقةِ لها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشافعيُّ ومالكٌ وغيرُهما. قالَ الشافعيُّ: يُقَالُ لهما قدِ استويتُما في الدَّعْوى والبيِّنةِ وللذي هوَ في يدهِ سببٌ بِكَيْنُونيَّتِهِ في يدهِ هوَ أقْوى منْ سَبَبِكَ فهوَ لهُ الفضلُ قوةُ سببهِ، وذكرَ هذا الحديثَ. وذهبَ الهادويةُ وجماعةٌ منَ الآلِ وابنُ حنبلٍ إلى أنَّها ترجَّحُ بيِّنةُ الخارج وهوَ مَنْ لم يكنْ في يدهِ، قالُوا: إذْ شُرِعَتْ لهُ - وللمنكر - اليمينُ، ولقولِه - ﷺ -: \"البينةُ على المدَّعي\" (^٣) فإنه يقْتَضِي أنهُ لا تفيدُ بينةُ المنكرِ. ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: \"مَنْ كانَ في يدهِ شيءٌ فبيِّنتُه لا تعملُ لهُ شيئًا\". ذكرهُ في البحرِ، وأُجِيْبَ عنْ ذلكَ بأنَّ حديثَ جابرٍ خاصٌّ، وحديثَ: \"البينةُ على المدَّعي\" عامّ، والخاصُّ مخصَّصٌ مقدَّمٌ، وأثرُ عليّ ﵇ لم يصحَّ، وعلى صِحَّتِهِ فمعارَضٌ بما سبقَ. وعنِ القاسمِ أنهُ يقسَم بينَهما، لأنَّ اليدَ مقوِّيةٌ لِبيِّنةِ الداخلِ فسارتْ بيِّنةُ الخارجِ. ويُرْوَى عنهُ كقولِ الشافعي. وللحنفيةِ تفصيلٌ لم يقمْ عليهِ دليل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1418>ردُّ اليمين على طالب الحق</span>\n٩/ ١٣٣٥ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالبِ الْحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ (^٤)، وَفي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ. [ضعيف]\n_________\n(^١) البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٥٦).\n(^٢) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ١٨٠ رقم ٦٣٧).\n(^٣) سبق تخريجه بحديث رقم (١/ ١٣٢٧).\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٢١٣ رقم ٣٤).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٠٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه، وردهُ الذهبي قال: لا أعرف محمدًا وأخشى أن يكون الحديث باطلًا.\nوقال الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ٢٠٩):\n\"رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه. ورواه تمام في \"فوائده\" من طريق أخرى عن نافع.\nوقد ضعَّفه الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٦٨ رقم ٢٦٤٢).","vol":"8","page":97},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - ردَّ اليمينَ على [طالب] (^١) الحقَ. رواهُما) أي: هذَا والذي قبلَه (الدارقطنيُّ، وفي إسنادِهما ضَعْفٌ). وجه ضعف هذا الحديث أن مداره على محمد بن مسروقٍ عنْ إسحاقَ بن الفراتِ، ومحمدٌ لا يُعْرَفُ، وإسحاقُ مختلَفٌ فيهِ كما قال المصنفُ. قالَ الذهبيُّ في الكاشفِ (^٢): إنَّ إسحاقَ بن الفراتِ قاضي مصرَ ثقةٌ معروفٌ. قالَ البيهقيُّ: الاعتمادُ في هذا البابِ على أحاديثِ القسامةِ، فإنهُ قالَ - ﷺ - لأولياءِ الدمِ: تحلفون؟ فأَبَوْا، فقال: تحلف يهودُ\" (^٣)، وهوَ حديثٌ صحيحٌ، وساقَ الرواياتِ في القَسَامةِ، وفيها ردُّ اليمينِ، قالَ: فهذهِ الأحاديثُ هيَ المعتمدَةُ في ردِّ اليمينِ على المدَّعي إذا لم يحلفْ المدَّعَى عليهِ.\nقلت: وهذَا منهُ قياسٌ إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ [عندَهم] (^٤) أن القسامةَ على خلافِ القياسِ، [وثبتَ أنهُ] (^٥) لا يُقَاسُ علَى ما خالفَ القياسَ. وقدِ استُدِلَّ بحديثِ الكتابِ علَى ثبوتِ ردِّ اليمينِ على المدَّعي، والمرادُ به أنَّها تجبُ اليمينُ على المدَّعي ولكنْ إذا لم يحلفْ المدَّعَى عليهِ. وذهبَ الشافعي وآخرونَ إلى أنهُ إذا نَكَلَ المدَّعَى عليهِ فإنهُ لا يجبُ بالنكولِ شيءٌ إلَّا إذا حلفَ المدَّعي. وذهبَ الهادويةَ وجماعةٌ إلى أنهُ يثبتُ الحقُّ بالنكولِ منْ دونِ تحليفِ للمدَّعي. وقالَ الميؤيدُ: لا يحكمُ بهِ ولكنْ يُحْبَسُ حتَّى يحلفَ أوْ يقرَّ. استدلَّ الهادويةُ بأن النكولَ كالإقرارِ. ورُدَّ أنهُ مجرَّدُ تمرُّدٍ عنْ حقٍّ معلومٍ، وجوابهُ عليهِ وهوَ اليمينُ فيحبسُ لهُ حتَّى يوفِّيهُ أو يُسْقِطَه بالإقرارِ، واستدلُّوا أيضًا بأنهُ حكمَ بهِ عمرُ وعثمانُ وابنُ عباسٍ وأبو موسَى، وأُجِيْبَ [بأن ذلك ليس بحجة؛ إذ هو فعل صحابي] (^٦)، نعمْ لو صحَّ حديث ابن عمر كان الحجة فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1419>الاعتبار بالقيافة في ثبوت النسب</span>\n١٠/ ١٣٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِي - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ\n_________\n(^١) في (أ): \"صاحب\".\n(^٢) (١/ ٦٤ رقم ٣١٤).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١١٧، ١٢٤).\n(^٤) في (أ): \"عند أهل الأصول\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (ب): بعدم حجة أفعالهم.","vol":"8","page":98},{"text":"مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: \"أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ (^١) الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: هَذِهِ الأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ\"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنْ عائشةَ - ﵂ - قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - ذاتَ يومٍ مسرورًا، تبرقُ) بفتحِ المثناةِ الفوقيةِ، وضمِّ الراءِ (أساريرُ وجْهِهِ)، هي الخطوطُ التي في الجبهةِ، واحدُها سِرٌّ وسَرَرَ (^٣)، وجمعُها أسرارٌ وأسرَّةٌ، وجمْعُ الجمعِ أساريرُ، أي تضيءُ وتستنيرُ منَ الفرحِ والسرورِ. (فقالَ: ألم تري إلى مجزِّزٍ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ الجيمِ، ثمَّ زاي مشددةٍ مكسورةٍ، ثمَّ زايٍ أُخْرَى، اسمُ فاعلٍ لأنهُ كانَ في الجاهليةِ إذا أَسَرَ أسيرًا جزَّ ناصيته وأطلقَه، (المدلجيِّ) بضمِّ الميمِ وبالدالِ المهملةِ، وجيمٍ بزنةِ مخرجٍ، نسبةً إلي بني مدلجِ بن مُرَّةَ بن عبدِ منافِ بن كنانةَ (نظَرَ آنِفًا) أي الآنَ (إلى زيدِ بن حارثةَ، وأسامةَ بن زيد فقالَ: هذهِ الأقدام بعضها منْ بعضٍ. متفقٌ عليهِ). في روايةٍ للبخاريِّ (^٤) أنهُ - ﷺ - قالَ: \"ألمْ تَرَيْ أن مُجَزِّزًا لمُدلِجيَّ دخلَ فرأى أسامةَ وزيدًا، وعليهمَا قطيفةٌ قدْ غطيا رؤوسَهما وبدتْ أقدامُهما فقالَ: إنَّ هذهِ الأقدامَ بعضُها منْ بعضٍ\". واعلمْ أن الكفارَ كانُوا يقدحونَ في نسب أسامةَ لكونهِ [كانَ] (^٥) أسودَ شديدَ السوادِ، وكانَ زيدٌ أبيضَ كذَا قالَه أبو داودَ (^٦). وأمٍّ أسامةَ هيَ أمُّ أيمنَ (^٧) كانتْ حبشيةً سوداءَ. ووقعَ في الصحيحِ (^٨) أنَّها كانتْ حبشيةً\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"أسد الغابة\" (٤٦٧٩)، و\"الاستيعاب\" (٢٥٥٠)، و\"الإصابة\" (٥/ ٥٧٥ رقم ٧٧٤٧).\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٧٠)، ومسلم رقم (١٤٥٩).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢١٢٩)، والنسائي (٦/ ١٨٤)، والدارقطني (٤/ ٢٤٠)، وأحمد (٦/ ٨٢)، وأبو داود في \"السنن\" رقم (٢٢٦٧)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٤١٠٢).\n(^٣) في هامش المخطوط (ج): \"كذا في البدر مفرده \"سر\"، وفي الصِّحاح أن مفرده \"سِرر\" كعنب وجمعه \"أسرار\" وجمع الجمع \"أسارير\"، وفيه لغة \"سرار\" وجمعه أسرة مثل: حمار وأحمرة\" اهـ.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٦٧٧١).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" (٢/ ٦٩٩).\n(^٧) انظر ترجمتها في: \"أسد الغابة\" (٧/ ٣٥ رقم ٦٧٦٩)، و\"الإصابة\" (١٠٩٢١)، و\"الاستيعاب\" (٣٢٩٨).\n(^٨) في \"صحيح البخاري\" (١٢/ ٥٧).","vol":"8","page":99},{"text":"وصيفةً لعبدِ اللهِ والدِ النبيِّ - ﷺ -. ويقالُ كانتْ منْ سبي الحبشةِ الذينَ قدِمُوا زمنَ الفيلِ، فصارتْ لعبدِ المطلب، فوهبَها لعبدِ اللهِ والدِ النبيِّ - ﷺ -. وتزوجتْ قبلَ زيدِ عُبَيْدًا الحبشيَّ فولدتْ لهُ أَيمنَ فَكُنِّيَتْ بهِ، واشتهرتْ بِكُنيتِها، واسمُها بَرَكَةُ. والحديثُ دليل على [اعتبارِ القيافةِ] (^١) في ثبوتِ النسبِ. وهيَ: مصدرُ قافَ قيافةً، والقائفُ الذي يتتبعُ الآثارَ ويعرفُها ويعرفُ [شِبْهَ] (^٢) الرجلِ بأبيهِ وأخيهِ [ونحوهما] (^٣). وإلى اعتبارها في ثبوتِ النسبِ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وجماهيرُ العلماءِ مستدلين بهذا الحديثِ. ووجْهُ دلالتِه [على العمل بها] (^٤) ما عُلِمَ منْ أن التقريرَ منهُ - ﷺ - حجةٌ [شرعية] (^٥)، لأنُه أحدُ أقسامِ السنةِ [النبوية] (^٦).\nوحقيقةُ التقريرِ أَنْ يَرَى النبيُّ - ﷺ - فعلًا منْ فاعلٍ، أو يسمعَ قولًا منْ قائلٍ، أو يعلمُ بهِ، وكانَ ذلكَ الفعلُ منَ الأفعالِ التي لا يعلمُ تقدّمَ إنكارها منه - ﷺ - كمضيِّ كافرٍ إلى كنيسةٍ، أو معَ عدمِ القدرةِ [على إنكار ذلك الفعل أو القول كما] (^٧) كانَ يشاهدهُ منْ كفارِ مكةَ منْ عبادةِ الأوثانِ، وأذاهُم للمسلمينَ، ولم ينكرهُ، كانَ ذلكَ تقريرًا دالًا على جوازهِ، فإنِ استبشرَ بهِ فأوضحَ كما في هذهِ القصةِ فإنهُ استبشرَ بكلامِ مجزَّزٍ في (^٨) إثباتِ نسبِ أسامةَ [إلى زيدٍ] (^٩)، فدلَّ ذلكَ على تقريرِ كونِ القيافةِ طريقًا إلى معرفةِ الأنسابِ. [واستدل للعمل بها] (^١٠) بما رواهُ (^١١) مالكٌ عنْ سليمانَ بن يسارٍ \"أن عمرَ بنَ الخطاب كانَ يليطُ أولادَ الجاهليةِ بمنِ ادَّعاهُم في الإسلامِ، فأَتَى [ذات يوم رجلان إليه] (^١٢) كلاهُما يدَّعي\n_________\n(^١) في (أ): \"العمل بالقيافة واعتبارها\".\n(^٢) في (أ): \"بهاشبه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (ب): \"كالذي\".\n(^٨) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٧٧٠)، ومسلم رقم (١٤٥٩). وقد تقدم تخريجه كاملًا برقم (١٠/ ١٣٣٦).\n(^٩) في (أ): \"من أبيه\".\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٤٠ رقم ٢٢)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧/ ٣٦٠، ٣٦١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٦٣). وذكره ابن عبد البر في \"الاستذكار\" (٢٢/ ١٨١ رقم ١٤١٨).\n(^١٢) في (أ): \"رجلان إلى عمر - ﵁ - \".","vol":"8","page":100},{"text":"ولدَ امرأةٍ فدَعا قائِفًا فنظرَ إليهِ القائفُ فقالَ: لقدِ اشتركَا فيهِ، فضربَهُ عمرُ بالدرَّةِ، ثمَّ دَعَا المرأةَ فقالَ: أخبريني خبَرِك، فقالتْ: كانَ هذَا -[لأحدِ] (^١) الرجُلينِ - يأتيني في إبلٍ [لأهلِها] (^٢) فلا يفارقُها حتَّى يظنَّ أنهُ قد استمرَّ بها حملٌ ثمَّ ينصرفُ عنْها فأهريقتْ عليهِ دمًا ثم خلفَ عليها [هذَا - يعني] (^٣) الآخرَ - فلا أدري منُ أيِّهِمَا هوَ، فكبَّر القائفُ، فقالَ عمرُ للغلامِ: فإلى أيِّهما شئتَ فانتسبْ\"، فقضَى عمرُ بمحضَرٍ الصحابةِ بالقيافةِ منْ غيرِ إنكارٍ منْ أحدٍ منْهم، فكانَ كالإجماعِ تَقْوى بهِ أدلةُ القيافةِ.\nقالُوا [أيضًا] (^٤): وهوَ مَرْويٌّ عن ابن عباسٍ (^٥) وأنسِ (^٦) بن مالكٍ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ - ﵄ -، ويدلُّ [عليهِ] (^٧) حديثُ اللِّعانِ، وقولُه - ﷺ -: \"إنْ جاءتْ بهِ على صفةِ كذَا وكذا فهوَ لفلانٍ، أو على صفةِ كذَا وكذَا فهوَ لفلانٍ\" (^٨)، فجاءتْ بهِ على الوصفِ المكروهِ، فقالَ النبي - ﷺ -: \"لولا الأيمانُ لكانَ لي ولها شأن\" (^٩). فقوله: فهوَ لفلانٍ، إثباتٌ للنسبِ بالقيافةِ، وإنَّما منعت الأيمانُ عنْ إلحاقهِ بمنْ جاءَ علَى صفتِه.\nوذهبتِ الهادوية والحنفيةُ إلى أنهُ لا يعملُ بالقيافةِ في إثباتِ النسبِ، والحكمُ في الولدِ المتنازَع فيهِ أنْ يكونَ للشريكَيْنِ أوِ المشتريَيْنِ أو الزَّوجيْنِ. وللهادويةِ في الزَّوجينِ تفاصيلُ معروفةٌ في الفروعِ. وتأوَّلُوا حديثَ مجزَّزٍ هذا وقالُوا: ليسَ منْ بابِ التقريرِ لأنَّ نسبَ أسامةَ كانَ معلُومًا إلى زيدٍ، وإنَّما كانَ يقدحُ الكفارُ في نسبِه لاختلافِ اللَّونِ بينَ الولدِ وأَبِيْهِ، والقيافةُ كانتْ منْ أحكامِ الجاهليةِ، وقدْ جاءَ الإسلامُ بإِبطَالِها ومَحْوِ آثارِها، فسكوتُه - ﷺ - عن الإنكارِ على مجزَّزٍ ليسَ تقريرًا لفعلِه، واستبشارُه إنَّما هوَ لإلزامِ الخصْمِ الطاعنِ في نسبِ\n_________\n(^١) في (أ): \"يعني أحد\".\n(^٢) في (أ): \"لأهله\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) انظر: \"الاستذكار\" (٢٢/ ١٨١، ١٩٥).\n(^٦) أخرجه البيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٢٦٤، ٢٦٥).\n(^٧) في (أ): \"على العمل بها\".\n(^٨) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٤٧٤٥).\n(^٩) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٤٧٤٧).","vol":"8","page":101},{"text":"أسامةَ بما [يقولُه] (^١) ويعتمدُه، فلا حجَّةَ في ذلكَ.\nقلتُ: ولا يخْفَى أن هذا الجوابَ مبنيٌّ على أنهُ قدْ سبقَ - ﷺ - إنكارٌ للقيافةِ، وإلحاقُ النسبِ بها، كتقَدُّمِ إنكارِه مضيِّ كافرٍ إلى كنيسةٍ، وهذا لا دليلَ عليهِ، بلِ الدليلُ قائمٌ على خلافهِ، وهو قولهُ - ﷺ - في قصةِ اللِّعانِ بما سمعتَ، ثمَّ فعلُ الصحابةِ منْ بعدهِ.\nوقولُهم: ثبوتِ النسبِ بهِ، منَ الأدلةِ على عدمِ إنكارِه - ﷺ -، وأما قولُه: \"الولدُ للفراشِ\" (^٢)، فذلكَ فيما إذا عُلِمَ الفراشُ، فإنهُ معلومٌ أن الحكمَ بهِ مقدَّمٌ قطْعًا، وإنَّما القيافةُ عندَ عدمهِ، ثمَّ الأصحُّ عندَ القائلينَ بالإلحاقِ أنهُ يكفي قائفٌ واحدٌ، وقيلَ: لا بدَّ منِ اثنينِ.\nوحديثُ البابِ دالُّ على الاكتفاءِ بالواحدِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"يقويه\".\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٥٠) و(٦٨١٨)، ومسلم رقم (١٤٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٣٩، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩)، والنسائي (٦/ ١٨٠)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٦) كلهم عن أبي هريرة.","vol":"8","page":102},{"text":"[الكتاب السابع عشر] كتاب العتق\nالعِتْقُ الحريةُ، يُقَالُ: عتقَ عِتْقًا بكسرِ العينِ وبفتحِها فهوَ عتيقٌ وعاتِقٌ. وفي (النجم الوهَّاجِ): العتقُ إسقاطُ المُلكِ منَ الآدميِّ تقرُّبًا للهِ، وهوَ مندوبٌ وواجبٌ في الكفاراتِ، وقدْ حثَّ الشارعُ عليهِ كما قالَ تعالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (^١)، فُسِّرتْ بعتقِها من الرقِّ. والأحاديثُ في فضلهِ كثيرةٌ منْها:\n\n<span data-type='title' id=toc-1422>الترغيب في العتق</span>\n١/ ١٣٣٧ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"أَيُّمَا امْرِئٍ \"مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرًا مُسْلِمًا، إسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(عنْ أبي هريرة - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"أيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ أمرأ مسلِمًا، استنقذَ اللهُ بكلِّ عضْوٍ) بكسرِ العينِ وضمِّها (منة عُضْوًا منَ النارِ. متفقٌ عليهِ). وتمامُه في البخاريِّ: \"حتَّى [فرجهَ بفرجِهِ] (^٣) فيهِ [دليل] (^٤) \"أنهُ إذا كانَ المعتِقُ والمعتَقُ مسلمينِ أعتقَه اللهُ منَ النارِ\" (^٥). وفي قولهِ: \"استنقذَه\" ما يشعرُ بأنهُ بعدَ استحقاقهِ لها واشتراطِ [إسلامِهِ] (^٦) لأجلِ هذَا الأجرِ، وإلَّا فإنَّ عِتْقَ\n_________\n(^١) سورة البلد: الآية ١٣.\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥١٧)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٤/ ١٥٠٩).\n(^٣) في (أ): \"فرحه بفرحه\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٧١٥)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٢/ ١٥٠٩).\n(^٦) في (أ): \"الإسلام\".","vol":"8","page":103},{"text":"الكافرِ يصحُّ، وقولُهم: لا قُرْبةَ لكافرٍ، ليسَ المرادُ أنهُ لا ينفذُ منهُ ما منْ شأنهِ أنْ يتقرَّبَ بهِ كالعتقِ والهبةِ والصدقةِ وغيرِ ذلكَ، إنَّما المرادُ أنهُ لا يثابُ عليها، وإلَّا فهيَ نافذةٌ منهُ لكنْ لا نجاةَ لهُ بسببهِ منَ النارِ. وفي تقييدِ الرقبةِ المعتقة بالإسلامِ أيضًا دليلٌ على أن هذهِ الفضيلةَ لا تُنَالُ إلَّا بعتقِ المسلمةِ، وإنْ كانَ في عتقِ الكافرةِ فضلٌ، لكنْ لا يبلغُ ما وعدَ بهِ هُنا من الأجرِ. ووقعَ في روايةِ مسلمٍ (^١): \"إرْبٌ\" عوضَ عضوٍ، وهوَ بكسرِ الهمزةِ وإسكانِ الراءِ فموحدةٍ، العضوُ. وفيهِ أن عتقَ كاملِ الأعضاءِ أفضلُ منْ عتقِ ناقصِها، فلا يكونُ خَصْيًا ولا فاقدَ غيرِه منَ الأعضاءِ، والأَغْلى ثمنًا أفضلُ كما يأتي. وعِتقُ الذكرِ أفضلُ منْ عتقِ الأنثى كما يدلُّ لهُ:\n٢/ ١٣٣٨ - وَللترْمِذِيِّ (^٢)، وَصَحّحَهُ، عَنْ أُمَامَةَ - ﵁ -: \"وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَينِ مُسْلِمَتَينِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النارِ\". [صحيح]\nقولُه: (وللترمذِيِّ وصحَّحه عنْ أبي أمامةُ: وأيُّما امرئٍ مسلمٍ أعتقَ امرأتينِ مُسلمتينِ كانتا فكاكَه منَ النارِ)، فعتقُ المرأةِ أجرْهُ على النصفِ منْ عتْقِ الذَّكرِ، فالرجلُ إذا أعتقَ امرأةً كانتْ فكاكَ نصفِه منَ النارِ، والمرأةُ إذا أعتقتِ المرأة كانتْ فكاكَها منَ النارِ كما دلَّ لهُ مفهومُ هذا ومنطوقُ:\n٣/ ١٣٣٩ - وَلأَبي دَاوُدَ (^٣) مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ - ﵁ -: \"وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النارِ\". [صحيح]\n(ولأبي داودَ منْ حديثِ كعب بن مُرَّةَ: وأيُّما امرأةٍ مسلمةٍ أعتقتِ امرأةً مسلمةً كانتْ فِكاكَها منَ النارِ)، وبهذا والذي قبلَه استدلَّ منْ قالَ عِتقُ الذكَرِ أفضلُ. ولما في الذَّكَرِ منَ المعاني العامةِ والمنفعةِ التي لا توجدُ في الإناثِ منَ الشهادةِ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢١/ ١٥٠٩).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٥٤٧). وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٩٦٧).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه في \"السنن\" رقم (٢٥٢٢).\nوهو حديث صحيح.","vol":"8","page":104},{"text":"والجهادِ والقضاءِ وغيرِ ذلكَ مما يختصُّ [بالرجال] (^١)، إما شرْعًا أو عُرفًا، ولأنَّ في الإمَاءِ مَنْ تضيعُ [بالعتقِ] (^٢) ولا يُرْغَبُ فيها بخلافِ العبدِ. وقالَ آخرونَ: عِتْقُ الإناثِ أفضلُ لأنهُ يكونُ ولدُها حُرًّا، سواءٌ تزوَّجَها حرٌّ أو عبدٌ. وقولُه في روايةٍ: \"حتى فرجَهُ بفرجِهِ\" استشكَلَهُ ابنُ العربي (^٣) قال: لأنَّ المعصية التي [تتعلقُ] (^٤) بالفرجِ هي الزّنَى، والزّنَى كبيرةٌ لا تكفَّرُ إلَّا بالتوبةِ إلَّا أنْ يقالَ إنَّ العتقَ يُرَجَّحُ عندَ الموازنةِ بحيثُ تكونُ حسناتُ العتقِ راجحةً توازي سيئةَ الزّنَى، معَ أنهُ لا اختصاصَ لهذَا بالزّنَى، فإنَّ اليدَ يكونُ بها القتلُ، والرّجلُ يكونُ بها الفرارُ منَ الزحفِ وغيرُ ذلكَ.\nفائدة: في \"النجمِ الوهاجِ\" أنه أعتقَ النبيُّ - ﷺ - (^٥) ثلاثًا وستينَ نسمةً عددَ سنيِّ عمرِه، وعدَّ أسماءَهم قالَ: وأَعْتَقَتْ عائشةُ سبعًا وستينَ، وعاشتْ كذلكَ، وأعتقَ أبو بكرٍ كثيرًا، وأعتقَ العباسُ سبعينَ عبدًا. رواهُ الحاكمُ (^٦)، وأعتقَ عثمانُ وهوَ محاصَرٌ عشرينَ، وأعتقَ حكيمُ بنُ حزامٍ مائةً مطوَّقينَ بالفضةِ، وأعتقَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ألفًا، واعتمرَ ألفَ عُمرةٍ؟ وحجَّ ستينَ حَجَّةً، وحبسَ ألفَ فرسٍ في سبيلِ اللهِ، وأعتقَ ذو الكُلاعِ الحميريُّ في يومٍ واحدٍ ثمانيةَ آلافِ عبدٍ، وأعتقَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ثلاثينَ ألفِ نسمةٍ. انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1423>عتق الأغلى أفضل من عتق الأدنى</span>\n٤/ ١٣٤٠ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ النَّبيَّ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ\"، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَال: \"أَغْلاهُ ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"بالرجل\".\n(^٢) في (ب): \"بإعتاقها\".\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ١٤٨).\n(^٤) في (أ): \"تعلق\".\n(^٥) فلينظر من أخرجه؟!.\n(^٦) في \"المستدرك\" (٣/ ٣٢١) من حديث عليٌّ بن عبد الله بن عباس، وعلي لم يدرك جده العباس.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥١٨)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٣٦/ ٨٤).","vol":"8","page":105},{"text":"(وعنْ أبي ذرٍّ - ﵁ - قالَ: سألتُ النبيَّ - ﷺ - أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سبيلهِ. قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضل؟ قالَ: أغلاهَا)، رُوِيَ بالعينِ المهملةِ والغينِ المعجمةِ، (ثمنًا، وأنفسُها عندَ أهلِها. متفقٌ عليهِ). دلَّ على أن الجهادَ أفْضَلُ أعمالِ البِرِّ بعد الإيمان، وقدْ تقدَّمَ في كتابِ الصَّلاةِ أنّ الصّلاةَ في أولِ وقتِها أفضلُ الأعمالِ على الإطلاقِ. وتقدَّم الجمعُ بينَ الأحاديثِ هنالكَ. ودلَّ على أن الأغْلَى ثمنًا أفضلُ منَ الأَدنَى قيمةً. قالَ النوويُّ (^١): محلُّه واللهُ أعلمُ فيمنْ أرادَ أنْ يعتقَ رقبةً واحدةً، أما لو كانَ معَ شخصٍ ألفُ درهمٍ مثلًا فأرادَ أنْ يشتريَ بها رقابًا يعتقُها فوجدَ رقبةً نفيسةً ورقبتينِ مفضولَتينِ قالَ: فثنتانِ أفضلُ بخلافِ الأُضحيةِ، فإنَّ الواحدةَ السمينةَ أفضلُ، لأنَّ المطلوبَ في العِتْق فكُّ الرقبةِ، وفي الأُضحيةِ طيبُ اللحمِ، انتهَى. والأَوْلى أن هذا [لا يُوخَذُ قاعدةً] (^٢) كليةً بلْ يختلفُ باختلافِ الأشخاصِ، فإنهُ إذا كانَ شخصٌ بمحلِّ عظيمِ منَ العلمِ والعملِ، وانتفاعِ المسلمينَ بهِ فعتقُه أفضلُ منْ عتقِ جماعةٍ ليسَ فيهمْ هذهِ [السماتُ] (^٣)، فيكونُ الضابطُ اعتبارَ الأكثرِ نَفْعًا. وقولُه: \"وأنفسُها عندَ أهلِها\"، أي ما كانَ [اغتباطُهم] (^٤) بها أشدَّ، وهوَ الموافقُ لقولِه تعالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1424>من أعتق حظه من عبد عتق عليه كل العبد وضمن لشريكه نصيبه</span>\n٥/ ١٣٤١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في شرحه لمسلم (٢/ ٧٩).\n(^٢) في (أ): \"ليس بقاعدة\".\n(^٣) في (أ): \"الخصال\".\n(^٤) في (أ): \"محبتهم لها\".\n(^٥) سورة آل عمران: الآية ٩٢.\n(^٦) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥٢٢)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١/ ١٥٠١) قلت: وأخرجه أحمد (٢/ ١١٢)، وأبو داود رقم (٣٩٤٠)، والترمذي رقم (١٣٤٦)، والنسائي (٧/ ٣١٩)، وابن ماجه رقم (٢٥٢٨)، وابن الجارود (٩٧٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٠٦)، والدارقطني (٤/ ١٢٣ رقم ٧٥٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧٤).","vol":"8","page":106},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ فكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قُوِّمَ قيمةَ عدلٍ) بفتح العينِ، أي: لا زيادةٌ فيهِ ولا نقصٌ، (فأعْطَى شركاءَه حِصَصَهُم، وعتقَ عليهِ العيدُ، وإلَّا) يكنْ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ (فقدْ عتق) بفتحِ العينِ المهملةِ (منهُ ما عتقَ) بفتحِ العينِ، ويجوزُ ضمُّها (متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على أن مَنْ لهُ حِصةٌ في عبدٍ إذا أعتقَ حِصَّته فيهِ وكانَ موسِرًا، لزمَهُ تسليمُ حصةِ [شريكهِ] (^١) بعدَ [تقويمِ حصةِ الشريكِ تقويمُ مثلهِ] (^٢)، وعُتِقَ العبدُ جميعهُ. وقد أجمعَ العلماءُ أن نصيبَ المعتِقِ يعتقُ بنفسِ [الإعتاقِ] (^٣).\nودلَّ [الحديث] (^٤) على أنهُ لا يعتقُ نصيبُ شريكهِ إلَّا معَ يسارِ المعتِقِ لا معَ إعسارهِ، لقولهِ في الحديث: \"وإلَّا\"، أي: وإن لا يكون لهُ مالٌ \"فقدْ عتقَ منهُ ما عَتَقَ\"، وهي حِصَّتُه. وظاهرُ الحديث تبعيضُ العتقِ، إلَّا أنهُ وقعَ في هذَا اللفظ نزاع بين أئمة العلم، فقال ابن وضَّاح: ليس هذا من كلام النبي - ﷺ - لأنه رواه أيوبُ عنْ نافعٍ، قالَ: قالَ نافعٌ: \"وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ\"، ففصلَه الراوي من الحديث [ولم يجعله من كلامِ النبي - ﷺ -] (^٥)، وجعلَه [منْ قولِ نافعٍ] (^٦)، قالَ أيوبُ مرةً: لا أدري هوَ منَ الحديثِ أوْ هوَ شيءٌ قالَه نافعٌ. وقالَ غيرُه: قدْ رواهُ مالكٌ (^٧) وعبيدُ اللهِ العمريُّ فوصلَاهُ بكلامِ النبيِّ - ﷺ -، [وجَعلاهُ منهُ] (^٨). قالَ [القاضي] (^٩) عياضٌ (^١٠): وما قالَه مالكٌ وعبيدُ اللهِ العمريُّ أَوْلَى وقدْ جوَّداه، وهما في نافعٍ أثبتُ منْ أيوبَ [عندَ أهلِ هذا الشأنِ] (^١١)، كيفَ وقدْ شكَّ أيوبُ فيهِ كما ذكرْنا. وقدْ رجَّحَ الأئمةُ روايةَ مَنْ أثبتَ هذهِ الزيادةَ منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -. قالَ الشافعيُّ: لا أحسبُ عالمًا في الحديثِ [يتشكَّكُ] (^١٢) في أن مالكًا أحفظُ لحديثِ نافعٍ منْ أيوبَ، لأنهُ كانَ ألزمَ به، حتَّى لو تساوَيا وشكَّ أحدُهما في\n_________\n(^١) في (أ): \"الشريك\".\n(^٢) في (أ): \"تقويمها تقويم عدل\".\n(^٣) في (أ): \"العتق\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) من \"الموطأ\" (٢/ ٧٧٢ رقم ١).\n(^٨) زيادة من (ب)\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) ذكره النووي في شرحه لمسلم (١٠/ ١٣٩).\n(^١١) في (أ): \"عن أئمة الحديث\".\n(^١٢) في (أ): \"يشك\".","vol":"8","page":107},{"text":"شيءٍ ولم يشكَّ فيهِ صاحبُه كانَ الحجةُ معَ مَنْ لم يشكَّ. هذَا وللعلماءِ في المسألةِ أقوالٌ: أقواها ما وافقَه هذا الحديثُ وهوَ أنه لا يُعْتَقُ نصيبُ الشريكِ إلَّا بدفعِ القيمةِ، وهوَ المشهورُ [منْ مذهبِ] (^١) مالكٍ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ، وهوَ قولٌ للشافعيِّ. وقالتِ الهادويةُ وآخرونَ: إنهُ يعتقُ العبدُ جميعهُ، وإنْ لم يكنْ للمعتقِ مالٌ فإنهُ يستسعي العبدَ في حصةِ الشريكِ مستدلّينَ بقوله:\n٦/ ١٣٤٢ - ولَهُمَا (^٢) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: \"وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيهِ وَاسْتُسْعِيَ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ\"، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ في الْخَبَرِ. [صحيح]\n(ولهَمُا) أي: الشيخينِ (عنْ أبي هريرةَ - ﵁ -: وإلَّا قُوِّمَ - العبدُ - عليهِ واستُسعيَ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، [وقد] (^٣) قيلَ: إنَّ السعايةَ مدرجةٌ في الخبرِ). فإنهُ ظاهرٌ أنهُ إذا لم يكنْ للشريكِ مالٌ قُوِّمَ العبدَ واستُسعيَ في [قيمةِ] (^٤) حصةِ [الشريكِ] (^٥)، وأجيبَ بأنَّ ذِكرَ السعايةِ ليستْ منْ كلامِهِ - ﷺ - بلْ مُدْرَجَةٌ منْ بعضِ الرواةِ في الخبرِ، كما أشارَ إليهِ المصنفُ. قالَ ابنُ العربيِّ (^٦): واتفقُوا على أن ذكرَ الاستسعاء ليسَ منْ قولِ النبيِّ - ﷺ -، [وأنهُ] (^٧) منْ قولِ قتادةَ. قالَ النسائيُّ (^٨): بلغني أن همَّامًا رواهُ فجعلَ هذا الكلامَ أعني الاستسعاء منْ قولِ قتادةَ. وكذا قالَ الإسماعيليُّ (^٩): إنَّما هوَ منْ قولِ قتادةَ مدرَجٌ علَى ما روى همَّام، وجزم ابن المنذر والخطابي بأنه من فتيا قتادة. وقد ورد جمع ما ذكر من إدراجِ السعايةِ باتفاقِ الشيخين على رفْعهِ، فإنَّهما في أعلَى درجاتِ التصحيحِ. وقدْ رَوَى السعايةَ في الحديثِ سعيدُ بنُ أبي عروبةَ عنْ قتادةَ وهوَ أعرفُ بحديثِ قتادةَ لكثرةِ ملازمتهِ له، [ولكثرةِ] (^١٠) أخْذِه عنهُ منْ همَّامٍ وغيرِه وهشام وشعبة، وإن كانا أحفظ من\n_________\n(^١) في (أ): \"عن\".\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥٢٧)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٣/ ١٥٠٣).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"قدر\".\n(^٥) في (أ): \"شريكه\".\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ١٥٧).\n(^٧) في (أ): \"وإنما هو\".\n(^٨) انظر: \"سنن النسائي الكبرى\" (٣/ ١٨٠، ١٨٧) لترى ألفاظ الناقلين لخبر ابن عمر، وخبر أبي هريرة.\n(^٩) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ١٥٧).\n(^١٠) في (أ): \"وكثرة\".","vol":"8","page":108},{"text":"سعيد، فإنهُ كانَ أكثرَ ملازمةً لقتادةَ منهما وما رَوَياهُ لا ينافي روايةَ سعيدٍ، لأنهَّمَا اقتصرا في روايةِ الحديثِ على بعضهِ، وأما إعلالُ روايةِ سعيدِ بن أبي عروبةَ بأنهُ اختلطَ فمردودٌ لأنَّ روايتَه في الصحيحينِ (^١) قبلَ الاختلاطِ، فإنهُ فيهما منْ روايةِ يزيدَ بن زُرَيْعٍ وروايتهُ عنْ سعيدٍ قبلَ اختلاطِه ثمَّ رواهُ البخاريُّ (^٢) منْ روايةِ جريرِ بن حازمٍ لمتابعتهِ لهُ لينفي عنهُ التفرُّدَ، ثمَّ أشارَ إلى أن غيرَهُما تابَعَهُما ثمَّ قالَ: اختصرَه شعبةُ كأنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ تقديرهُ: إنَّ شعبةَ أحفظُ الناسِ لحديثِ قتادةَ فكيفَ لم يذكرِ الاستسعاءَ؟ فأجابَ بأنَّ هذَا لا يؤثرُ فيهِ ضَعفًا لأنهُ أوردَه مختصَرًا، وغيرُه ساقَه بتمامهِ والعددُ الكثيرُ أَوْلَى بالحفظ منَ [الواحدِ] (^٣).\nقلتُ: وبهذَا تعرفُ المجازفةَ في قولِ ابن (^٤) العربيِّ، اتفقُوا على أن ذِكْرَ الاستسعاءِ ليسَ من [قولٍ (^٥) النبيِّ - ﷺ -. وبعدَ تقرُّر هذا لكَ فقدْ عرفتَ تعارضَ كلامِ هؤلاءِ الأئمةِ الحفاظِ في هذهِ الزيادةِ، ولا كلامَ أنَّها قدْ رُوَيتْ مرفوعةً والأصلُ عدمُ الإدراجِ حتَّى يقومَ عليهِ دليلٌ ناهضٌ. وقدْ تقاومتِ الأدلةُ هنا ولكنَّه عضدَ القولَ برفعِ زيادةِ السِّعايةِ إليه - ﷺ - أن الأصلَ عدمُ الإدراجِ، ومعَ ثبوتِ رفْعِها فقدْ عارضتْ روايةَ: \"وإلَّا فقدْ عتقَ منه ما عتقَ\". وقد جُمِعَ بينَهما بوجهينِ، الأولُ: أن معنَى قولهِ: وإلا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ، أي بإعتاقِ مالكِ الحصةِ حصتَه وحصةُ شريكه يعتق بالسعايةِ، فيعتقُ العبدُ بعدَ تسليمِ ما عليهِ، ويكونُ كالمكاتبِ وهذا هوَ الذي جزمَ بهِ البخاريُّ، ويظهرُ أن ذلكَ يكونُ باختيارِ العبدِ لقولهِ غيرَ مشقوقٍ عليهِ، فلو كانَ ذلكَ على جهةِ [اللزوم] (^٦) بأنْ يكلَّفَ العبدُ الاكتسابَ والطلبَ حتَّى يحصلَ ذلكَ لحصلَ لهُ غايةُ المشقةِ، وهوَ لا يلزمُ في الكتابةِ ذلكَ عندَ الجمهورِ لأنَّها غيرُ واجبةٍ، فهذَا مثلُها، وإلى هذا [الجمع] (^٧) ذهبَ البيهقيُّ (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥٢٧).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (٤/ ١٥٠٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٢٦).\n(^٣) في (أ): \"واحد\".\n(^٤) في \"عارضة الأحوذي\" (٦/ ٩٧).\n(^٥) في (أ): \"كلام\".\n(^٦) في (أ): \"الإكراه له\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٢، ٢٨٤).","vol":"8","page":109},{"text":"[وقالَ: لا تبقَى ببنَ الحديثينِ معارضةٌ أصْلًا] (^١)، وهوَ كما قالَ: إلَّا أنهُ يلزمُ منهُ أنهُ يبقَى الرقّ في حصَّةِ الشريكِ إذا لم يخترِ العبدُ السِّعايةَ. ويحملُ حديثُ أبي المليحِ (^٢) عنْ أبيهِ أن رجلًا أعتقَ شقصًا له في غلامٍ فذكرَ ذلكَ للنبيِّ - ﷺ - فقالَ: \"ليسَ لله شريك\". وفي رواية: فأجاز (^٣) عتقه. وأخرجه النسائي (^٤) بإسناد قوي. ومثله ما أخرج (^٥) أحمد بإسنادٍ حسنِ منْ حديثِ سَمُرَةَ أن رجلًا أعتقَ شقصًا في مملوكِ فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"هوَ كلُّه فليسَ للهِ شريكٌ\"، [فيُحمل ذلك] (^٦) على الموسِرِ فتندفعُ المعارضةُ.\nوأما ما أخرجه أبو داودَ (^٧) منْ طريقِ ملقامَ عنْ أبيهِ: \"أن رجلًا أعتقَ [نصيبَه في مملوكِ] (^٨) فلم يضمنْه النبيُّ - ﷺ - \" وإسنادُه حسنٌ، [فيُحمل] (^٩) في حقِّ المُعسِرِ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ النسائيُّ (^١٠) عن ابن عمرَ - ﵄ - بلفظِ: \"منْ أعتقَ عبْدًا ولهُ فيهِ شركاءُ، ولهُ وفاءٌ فهوَ حرٌّ، ويضمنُ نصيبَ شركائِه بقيمتهِ لما أساءَ منْ مشاركتِهم، وليسَ على العبدِ شيءٌ\" فقالَ: ولهُ وفاءٌ، [فإنه دال على ما ذكره من وجه الجمع باعتبار الإيسار والإعسار في العتق وعدمه] (^١١)، والثاني منْ وجْهَي الجمعِ: أن المرادَ بالاستسعاءِ أن العبدَ يستمرُّ في خدمةِ سيِّدهِ الذي لم [يعتقه ويبقى رقيقًا] (^١٢) بقدرِ حصَّته. ومعنَى غيرُ مشقوقٍ عليهِ: أنهُ لا [يكلِّفهُ] (^١٣) سيدُه منَ الخدمةِ فوقَ طاقته، ولا فوقَ حصَّتهِ منَ الرقِّ،\n_________\n(^١) في (أ): في الجمع بين الحديثين وقال تبقى بينهما معارضة.\n(^٢) و(^٣) أخرجه أبو داود في \"السنن رقم (٣٩٣٣).\nوهو حديث صحيح. انظر: \"الإرواء\" (٥/ ٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٨٦ رقم ٤٩٧٠/ ١) و(٤٩٧١/ ٢) و(٣/ ٤٩٧٢).\n(^٥) في \"مسنده\" (٥/ ٧٤، ٧٥).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧٣).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٣٩٤٨).\n(^٨) في (أ): \"عبدًا وله فيه\".\n(^٩) في (ب): \"فهو\".\n(^١٠) في \"السنن الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٩٩ رقم ٧٦٧٥).\nقلت: وأخرجه البيهقى في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧٦).\n(^١١) زيادة من (أ).\n(^١٢) في (ب): \"يعتق\".\n(^١٣) في (ب): \"يكلف\".","vol":"8","page":110},{"text":"وقيل: أنهُ [يتعدَّى] (^١) هذا الجمعُ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (^٢) والبيهقيُّ (^٣) منْ حديثِ رجلٍ منْ بني عذرةَ: \"أن رجلًا منْهم أعتقَ مملوكًا لهُ عندَ موتهِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرهُ، فأعتقَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ثُلُثَهُ وأمرهُ أنْ يسعَى في الثلُثينِ\".\nقلت: قدْ يقولُ منِ اختارَ هذا [الوجْهَ (^٤) منَ] الجمعِ أن المرادَ منْ أمْرهِ - ﷺ - أنْ يسعَى في الثلثينِ يسعَى علَى مواليهِ بقدرِ ثلثي رقبتهِ منَ الخدمةِ، لأنهُ الذي بقيَ رقًّا لهُم. وإيضاحُ الجمعِ بينَ الأحاديثِ أن قولَه - ﷺ -: \"لا شريكَ للهِ\" فيما إذا كانَ مالكُ الشقصِ غنيًا فهوَ في حُكْمِ المالكينِ فيعتقُ العبدَ كلَّه، ويسلِّمُ قيمةَ [حصة شركائه] (^٥)، ويحملُ حديثُ السعايةِ على ما إذا كانَ العبدُ قادِرًا عليها كما يرشدُ إليه قولُه - ﷺ -: غيرَ مشقوقٍ عليه\"، ويحمل حديثُ: \"وإلَّا فقدْ عتقَ منهُ ما عتقَ\" على ما إذا كانَ المعتِقُ فقيرًا، والعبدُ لا قدرةَ لهُ على السِّعاية، واعلمْ أن هذا كلَّه فيما إذا كانَ المعتِقُ يملكُ بعضَ العبدِ، وأما إذا كانَ يملكُه كلَّه فأعتقَ بعضَه فجمهورُ العلماءِ يقولونَ: يُعتقُ كلُّه. وقالَ أبو حنيفةَ [والظاهرية] (^٦): يعتقُ منهُ ذلكَ القدرِ الذي عتقَ، ويسعَى في الباقي، وهوَ قولُ طاوسٍ وحمادٍ. وحجةُ الأوَّليْنَ حديثُ أبي المليحِ وغيرُه، والقياس على عتقِ الشقصِ؛ فإنهُ إذا سَرَى إلى ملكِ الشريكِ فبالأَوْلَى إذا لم يكن شريكٌ. وحجةُ الآخرينَ أن السببَ في حقِّ الشريكِ هوَ ما [يدخله] (^٧) علَى شريكِه [من الضَّرَر] (^٨)، فإذا كانَ العبدُ لهُ جميعهُ لم يكنْ ضررٌ فلا قياسَ، ولا يخْفَى أنهُ رأي في مقابلةِ النصِّ.\n_________\n(^١) في (ب): \"يبعد\".\n(^٢) في \"الأوسط\" (٢/ ٣٢٤ رقم ٢١١١).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٨).\nقلت: وأخرجه مسلم (٣/ ٧٨، ٧٩، ٥/ ٩٧) ولم يسق لفظه. وأبو داود رقم (٣٩٥٧)، وأحمد (٣/ ٣٠٥، ٣٦٩)، والنسائي (١/ ٣٥٣ و٢/ ٢٣٠) كلهم عن جابر.\nوهو حديث صحيح.\nانظر: \"الإرواء (٣/ ٣١٥ رقم ٨٣٣).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"ما هو لشركائه\".\n(^٦) في (ب): \"وأهل الظاهر\".\n(^٧) في (ب): \"يدخل\".\n(^٨) في (ب): \"بالضرر\".","vol":"8","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1425>من ملك ذار رحم محرم عتق عليه</span>\n٧/ ١٣٤٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لا يَجْزي) بفتحِ حرفِ المضارَعةِ أي لا يكافئُ (ولدٌ والدَه إلَّا أنْ يجدَه مملوكًا فيشتريَه، فيعتقَه. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يعتقُ عليهِ بمجردِ الشراءِ، وأنهُ لا بدَّ منَ الإعتاقِ بعدَه، وإلى هذا ذهبَ الظاهريةُ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يعتقُ بنفسِ الشراءِ، وتأوَّلُوا قولُه فيعتقَه بأنهُ لما كانَ شراؤُه تسببَ [عنهُ العتقُ نُسِبُ] (^٢) إليهِ العتقُ مجازًا، ولا يَخْفَى أن الأصلَ الحقيقةُ إلَّا أنهُ صَرَفَهُ عن الحقيقةِ حديثُ سَمُرَةَ الآتي، وفيهِ تعليقُ الحريةِ بنفسِ الملكِ كما يأتي. وإنَّما كانَ عتقُه جزاءً لأبيهِ لأنَّ العتقَ أفضلُ ما مَنَّ بهِ أحدٌ على أحدٍ لتخليصهِ بذلكَ منَ الرقِّ فيكملُ لهُ أحوالُ الأحرارِ منَ الولايةِ والقضاءِ والشهادةِ بالإجماعِ. والحديثُ نصٌّ في عتقِ الوالدِ، ومثلُه قولُ منْ عدا داودَ في حقِّ الأمِّ [في قول بالقياس] (^٣).\n٨/ ١٣٤٤ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمِ فَهُوَ حُرٌّ\". رَوَاهُ أحْمَدُ (^٤)، وَالأَرْبَعَةُ (^٥)، وَرَجّحَ جَمعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢٥/ ١٥١٠).\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٢٣٠، ٣٧٦، ٤٤٥)، وأبو داود رقم (٥١٣٧): والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٠٩)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٩) من طرق عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.\nوأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥٣٩) ومن طريقه مسلم رقم (١٥١٠)، وابن ماجه رقم (٣٦٥٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢٤٢٥)، والترمذي رقم (١٩٠٦).\nوالبيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٢٨٩) من طريق عبد الرحيم بن منيب. ثلاثتهم عن جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح به.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"مسنده\" (٥/ ١٥ و٢٠).\n(^٥) أخرجه أبو داود في \"السنن\" رقم (٣٩٤٩). =","vol":"8","page":112},{"text":"(وعنْ سمرةَ بن جندبٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: مَنْ ملكَ ذا رحمٍ محرَّمٍ فهوَ حرٌّ). رواهُ أحمدُ والأربعةُ، ورجحَ [جماعة وقفه] (^١). وأخرجَهُ أبو داودَ (^٢) مرفُوعًا منْ روايةِ حمادٍ. وموقوفًا منْ روايةٍ (^٣) شعبةَ وقالَ: شعبةُ أحفظُ منْ حمادٍ، فالوقفُ حينئذٍ أرجحُ. وأخرجهُ (^٤) أيضًا منْ طريقِ [سعيد] (^٥) عنْ قتادةَ أن عمرَ [بنَ الخطابِ] (^٦) \"قالَ: مَنْ ملكَ - الحديثَ\" فوقَفَهُ على عمرَ. قالَ أبو داودَ (^٧): لم يحدِّثْ بهذَا الحديثِ إلَّا حمادُ وقدْ شكَّ فيهِ. قالَ ابنُ المديني (^٨): هو حديثٌ منكَرٌ. وقالَ البخاريُّ (^٩): لا يصحُّ. ورواهُ ابنُ ماجهْ (^١٠)، والنسائيُّ (^١١)، والترمذيُّ (^١٢) والحاكمُ (^١٣) منْ طريقِ ضمرةَ عن الثوريِّ، عنْ عبدِ اللهِ بن دينارٍ، عن ابن عمرَ. قالَ النسائيُّ (^١٤): حديثٌ منكرٌ. وقالَ الترمذيُّ (^١٥): لم يتابعْ\n_________\n= والترمذي في \"السنن\" رقم (١٣٦٥).\nوابن ماجه في \"السنن\" رقم (٢٥٢٤).\nوالنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٦٣ رقم ٤٥٨٠) وهو حديث صحيح.\n(^١) في (ب): \"جمع من الحفاظ أنه موقوف\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٩٤٩)، وهو حديث صحيح.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٩٤٨)، وإسناده ضعيف.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٣٩٥٠) وهو موقوف لأن قتادة لم يسمع من عمر فإن مولده بعد وفاة عمر بنيف وثلاثين سنة.\n(^٥) في (أ) و(ب): \"شعبة\" والصواب ما أثبتناه من السنن.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"السنن\" (٤/ ٢٦٠).\nقلت: وأخرجه الطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ٢٤٥ رقم ١٢٠٥)، وابن الجارود رقم (٩٧٣)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٠٩)، والبيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٢٨٩)، و\"الحاكم\" (٢/ ٢١٤).\nوهو حديث صحيح لغيره. وصححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٦٩ رقم ١٧٤٦).\n(^٨) نقله عنه الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٩).\n(^٩) نقله عن الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٩).\n(^١٠) في \"السنن\" رقم (٢٥٢٥).\n(^١١) عزاه إليه المزي في \"الأطراف\" (٥/ ٤٥١).\n(^١٢) تعليقًا (٣/ ٦٤٧).\n(^١٣) في \"المستدرك\" (٢/ ٢١٤). قلت: ضمرة بن ربيعة ثقه ثبت.\n(^١٤) نقله عنه المزي في \"الأطراف\" (٥/ ٤٥١).\n(^١٥) في \"السنن\" (٣/ ٦٤٧).","vol":"8","page":113},{"text":"ضمرةُ عليهِ وهوَ خطأٌ. قالَ الطبرانيُّ (^١): وهم في هذا الإسنادِ، والمحفوظُ بهذَا الإسنادِ: \"نَهَى عنْ بيعِ الولاءِ وعنْ هِبَتهِ\". وردَّ الحاكمُ (^٢) هذا وقالَ: إنهُ رُوِيَ منْ طريقِ ضمرةَ الحديثين بالإسنادِ الواحدِ، وصحَّحهُ ابنُ حزمٍ (^٣)، وعبدُ الحقِّ (^٤)، وابنُ القطانِ (^٥)، وقالُوا: ضمرةُ بنُ ربيعةَ لا يضرُّ تفرُّدهُ لأنهُ ثقةٌ لم يكن في الشامِ رجلٌ يشبههُ. قلتُ: فقدْ رفعهُ ثقةٌ فإرسالُ غيره لهُ لا يضرُّ كما كَرَّرْنَاهُ.\nوالحديثُ دليلٌ على أن مَنْ ملكَ منْ بينَهُ وبينَه رحامةٌ محرمةٌ للنكاحِ فإنهُ يعتقُ عليهِ، وذلكَ، كالآباءِ [وإنْ عَلَوْا] (^٦)، والأولادِ [وإنْ سَفُلُوا] (^٧)، والإخوةُ وأولادُهم، [والأخوالُ والأعمامُ لا أولادهم] (^٨)، وإلى هذا ذهب الهادويةُ والحنفيةُ مستدلينَ بالحديثِ. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنهُ لا يعتقُ إلَّا الآباءُ والأبناءُ للنصِّ في الحديثِ الأولِ عن الآباءِ، وقياسًا للأبناءِ عليهم، [وبناءً] (^٩) منهُ على عدمِ صحةِ هذا الحديثِ، وزادَ مالكٌ الإخوةُ والأخواتُ قياسًا على الآباءِ، وذهبَ داودُ إلى أنهُ لا يعتقُ أحدٌ بهذَا السببِ لظاهرِ حدب أبي هريرةَ الماضي، فيشْتريَه فيعتقه، فلا يعتقُ أحدٌ إلَّا بالإعتاقِ عنده. وهذَا الحديثُ كما عرفتَ قدْ صححهُ أئمةٌ، فالعملُ بهِ متعيّنٌ، وظاهرُه أن مجرَّدَ الملكِ سببٌ للعتقِ فيكونُ قرينةً لحملِ \"فيعتقَه\" على المعنَى المجازي كما قالَه الجمهورُ، فلا يكونُ حجةٌ لداودَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1426>حكم التبرع في المرض حكم الوصية</span>\n٩/ ١٣٤٥ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُم، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَجَرَّأَهُمْ أثْلَاثًا، ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١٠). [صحيح]\n_________\n(^١) لم أعثر على كلام الطبراني الآن …\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٢١٤).\n(^٣) في كتابه \"المحلَّى بالآثار\" (٨/ ١٩٥).\n(^٤) و(^٥) نقله عنها الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٧٩).\nوالخلاصة حديث ضمرة صحيح، صححه الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"هذا\".\n(^١٠) في \"صحيحه\" رقم (٥٦/ ١٦٦٨). =","vol":"8","page":114},{"text":"(وعنْ عمرانَ بن حصينٍ - ﵁ - أن رجلًا أعتقَ ستةَ مماليكَ عندَ موتهِ لم يكنْ لهُ مالٌ غيرَهم، فدعا بهمْ رسولُ اللهِ - ﷺ - فجزَّأَهم أثلاثًا، ثمَّ أقرعَ بينَهم، فأعتقَ اثنينِ، وأرقَّ أربعةً، وقالَ له قولًا شديدًا)، وهوَ ما رواهُ النسائيُّ (^١)، وأبو داودَ (^٢) أنهُ - ﷺ - قالَ: \"لوْ شهدتَه قبلَ أنْ يدفَنَ لم يدفنْ في مقابرِ المسلمينَ\" (رواهُ مسلمٌ).\nدلَّ الحديثُ على أن حكمَ التبرعِ في المرضِ حكمُ الوصيةِ، ينفذُ منَ الثلثِ، وإليهِ ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ. وإنَّما اختلفُوا هل تعتبرُ القيمةُ أوِ العددُ منْ غيرِ تقويمٍ، فقالَ مالكٌ: يعتبرُ التقويمُ، فإذا كانُوا ستَّةَ أعْبُدٍ أعتقَ الثلثَ بالقيمةِ، سواءً كانَ الحاصلُ منْ ذلكَ اثنينِ منْهم أوْ أقلَّ أوْ أكثرَ. وذهبَ البعضُ إلى أن المعتبرَ العددُ منْ غيرِ تقويمٍ فيعتقُ اثنانِ من مسألةِ الستةِ الأعبدِ، ويكون تعين المعتق بالقرعة على هذين القولين. وخالفتِ الهادويةُ والحنفيةُ وذهبُوا إلى أنهُ يعتقُ منْ كلِّ عبدٍ ثلثَه، ويسعَى كلُّ واحدٍ في ثلثي قيمتهِ للورثةِ، قالُوا: وهذَا الحديثُ [أحاديٌّ] (^٣) خالفَ الأصولَ، وذلكَ لأنَّ السيدَ قدْ أوجبَ لكلّ واحدٍ منْهمُ العتقَ، فلو كانَ لهُ مالٌ لنفذَ العتقُ في الجميع [بِالإِجماعِ] (^٤). وإذا لم يكنْ لهُ مالٌ وجبَ أنْ ينفذَ لكلّ واحدٍ بقدرِ الثلثِ الجائزِ تصرُّف السيدِ فيهِ، وَرُدَّ بأنَّ الحديثَ الأحاديَّ منَ الأصولِ فكيفَ يُقَالُ إنهُ خالفَ الأصولَ، ولو سلمَ فمنِ الأصولِ أنهُ لا يدخلُ ضرَرًا على الغيرِ، وقدْ أدخلتُم الضررَ على الورثةِ وعلى العبيدِ المعتقينَ، وإذا جمعَ العتقُ في شخصينِ كما في مسألةِ الحديثِ حصلَ الوفاءُ بحقِّ العبدِ وحق الواردِ، ونظيرُ مسألةِ العبدِ لوْ أوصَى بجميعِ التركةِ فإنهُ يقفُ ما زادَ على الثلثِ على إجازةِ الورثةِ اتفاقًا، ثمَّ إذا أريدَ القسمةَ تعيَّنتِ الأنصباء بالقرعةِ اتفاقًا.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٩٥٨)، والترمذي رقم (١٣٦٤)، والنسائي (٤/ ٦٤ رقم ١٩٥٨)، وابن ماجه رقم (٢٣٤٥)، والطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ٢٨٢ رقم ١٤٣٤)، البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٨٥).\n(^١) في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٢٠٠).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٩٦٠) بإسناد صحيح.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"8","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1427>يصح تعليق العتق</span>\n١٠/ ١٣٤٦ - وَعَنْ سَفِينَةَ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لأُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا عِشْتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١) وَأَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَالنَّسَائِيُّ (^٣)، وَالْحَاكِمُ (^٤). [حسن]\n(وعنْ سفينةَ - ﵁ -) بالسينِ المهملةِ، ففاءٍ فمثناةٍ تحتيةٍ، فنونٍ، (قالَ: كنتُ\nمملُوكًا لأمِّ سلمةَ فقالتْ: أعتقكَ واشترطتُ عليكَ أنْ تخدمَ رسولَ اللهِ - ﷺ - ما عشتَ.\nرواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والحاكمُ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ اشتراطِ الخدمةِ على العبدِ المعتَقِ، وأنهُ يصحُّ تعليقُ العتقِ بشرطٍ، فيقعُ بوقوعِ الشرطِ. ووجهُ دلالتهِ أنهُ علمَ أنهُ النبي - ﷺ - قررَ ذلكَ؛ إذِ الخدمة لهُ. ورُوِيَ عنْ عمرَ أنهُ أعتقَ رقيقَ الإمارةِ وشرطَ عليهمْ أنْ يخدمُوا الخليفةَ بعدَه ثلاثَ سنينَ. قالَ في نهايةِ المجتهدِ: ولم يختلفُوا على أن العبدَ إذا أعتقَه سيِّدُه على أنْ يخدمَه سنينَ أنهُ لا يتمُّ عِتْقُهُ إلَّا بخدمتهِ. وبهذا قالتِ الهادويةُ والحنفيةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1428>الولاء لمن أعتق</span>\n١١/ ١٣٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥) في حَدِيثٍ طَوِيل. [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٥/ ٢٢١) و(٦/ ٣١٩).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٩٣٢).\n(^٣) نسبه المنذري إلى النسائي.\n(^٤) في \"المستدرك\" (٣/ ٦٠٦) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٥٢٦)، وابن الجارود رقم (٩٧٦)، والبيهقي (١٠/ ٢٩١) وهو حديث حسن لأن سعيد بن جهمان وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه البخاري والساجي فمثله يحسن حديثه إذا لم يخالف، والله أعلم.\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٠٩٧) و(٥٢٧٩).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٧٣/ ١٠٧٥) و(١٤/ ١٥٠٤).\nقلت: وأخرجه النسائي (٦/ ١٦٢)، والبيهقي في \"السنن\" (٦/ ١٦١)، والبغوي رقم (١٦١١). ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٥٦٢).","vol":"8","page":116},{"text":"(وعنْ عائشةَ - ﵂ - أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: إنَّما الولاءُ لمن أعتقَ. متفقٌ عليهِ). في حديثٍ تقدَّم في البيعِ في قصةِ بريرةَ، وتقدمَ شرحه بما فيهِ كفايةٌ، وأفادتْ كلمةُ \"إنَّما\" الحصرَ، وهوَ إثباتُ الولاءِ لمنْ ذكرَ ونفيهُ عمنْ عدَاهُ، فاستدلَّ بهِ على أنهُ لا وَلَاءَ بالإسلامِ خلافًا للهادويةِ والحنفيةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1429>عدم صحة بيع الولاء ولا هبته</span>\n١٢/ ١٣٤٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الوَلاءُ لُحْمَةْ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ\". رَوَاهُ (^١) الشَّافِعِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢) وَالْحَاكمُ (^٣)،\n_________\n(^١) في \"ترتيب المسند\" (٢/ ٧٢، ٧٣).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٤٩٥٠).\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٤١).\nوقال الحاكم صحيح الإسناد ورده الذهبي مشنعًا عليه بقوله: (قلت: بالدبوس) قال الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١١٠): وعلته محمد بن الحسن وهو الشيباني ويعقوب بن إبراهيم وهو أبو يوسف القاضي وهما صاحبا أبي حنيفة رحمهما الله تعالى لم يخرج لهما شيئًا وضعفهما غير واحد من الأئمة وأوردهما الذهبي في \"الضعفاء\". وقال البيهقي (١٠/ ٢٩٢) عقب الحديث: قال: أبو بكر بن زياد النيسابوري: هذا الحديث خطأ، لأن الثقات لم يرووه هكذا وإنما رواه الحسن مرسلًا).\nثم ساق البيهقي إسناده إلى الحسن به مرفوعًا.\nقال الألباني: وإسناده هذا المرسل صحيح. وهو مما يقوي الموصول الذي قبله على ما يقتضيه بحثهم في المرسل من علوم الحديث، فإن طريق الموصول غير طريق المرسل، ليس فيه راوٍ واحد مما في المرسل فلا أرى وجهًا لتخطئته بالمرسل، بل الوجه أن يقوى أحدهما بالآخر. لا سيما وقد جاء موصولًا من طرق أُخرى عن عبد الله بن دينار به.\nفلا بد من ذكرها حتى تتبين الحقيقة.\nثم أخذ الألباني يسرد في الطريق عن عبد الله بن دينار ولكنها لا تصح لأنها مخالفة لرواية الجماعة. ثم قال الألباني: ويشهد له حديث علي - ﵁ - أخرجه البيهقي (١٠/ ٢٩٤) بسند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري إلى العباس النرسي، وأما الحسن بن سفيان فهو الفسوي، حافظ مشهور ثبت وأما أبو الوليد فهو حسان بن محمد بن أحمد القزويني الأموي النيسابوري الحافظ الفقيه الشافعي أحد الأعلام، له ترجمة في \"تذكرة الحفاظ\" (١٠٣، ١٠٥) وهذا إسناد قوي كالشمس وضوحًا ومع ذلك سكت عنه البيهقي ثم ابن التركماني.\n• وله شاهد آخر عن عبد الله بن أبي أوفى ولا يصح.\n• وله شاهد موقوف عن عبد الله بن مسعود أخرجه الدارمي (٢/ ٣٩٨) بسند صحيح عنه.=","vol":"8","page":117},{"text":"وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ (^١) بِغَيْرِ هذَا اللَّفْظِ. [حسن]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: الولاءُ لحمةٌ) في القاموسِ بضمِّ اللامِ وفتحِها في النسبِ والثوبِ، (كلحمةِ النسبِ لا يباعُ ولا يُوهَبُ. رواهُ الشافعيُّ، وصحَّحهُ ابن حبانَ والحاكمُ، وأصلُه في الصحيحينِ بغيرِ هذَا اللفظِ). يريدُ أن فيهما بلفظِ: \"نَهَى النبيُّ - ﷺ - عنْ بيعِ الولاءِ وعنْ هبتهِ\"، أخرجَهُ البخاريُّ (^٢) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن دينارٍ عن ابن عمرَ، وأخرجَهُ مسلمٌ (^٣) منْ هذهِ الطريقِ، وقالَ الترمذيُّ (^٤) بعدَ تخريجهِ: حسنٌ صحيحٌ.\nومعنَى تشبيههِ بلحمةِ النسبِ أنهُ يجري الولاءُ مَجْرَى النسبِ في الميراثِ كما تخالطُ اللحمةُ سُدَى الثوبِ حتَّى يصيرَ كالشيءِ الواحدِ كما يفيدُه كلامُ النهايةِ.\nوالحديثُ دليلٌ على عدمِ صحةِ بيعِ الولاءِ ولا هبتهِ؛ فإنَّ ذلكَ أمرٌ معنويٌّ كالنسبِ لا يتأتَّى انتقالُه كالأبوَّةِ والأخوَّةِ لا يَتَأَتَّى انتقالُهما، وقدْ كانُوا في الجاهليةِ ينقلونَ الولاء بالبيعِ وغيرِه فنَهى عنه الشارع، وعليهِ جماهيرُ العلماءِ. ورُوِيَ عنْ بعضِ السلفِ جوازُ بيعهِ، وعنْ آخرينَ منْهم جوازُ هبتهِ وكأنَّهم لم يطَّلِعُوا على الحديثِ أو حملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وهوَ خلافُ أصْلِهِ.\n* * *\n_________\n= وخلاصة القول أن الحديث حسن من طريق عليّ ومرسل الحسن البصري وموقوف ابن مسعود، والله تعالى أعلم.\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥٣٥).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٦/ ١٥٠٦).\n(^٢) في \"صحيحه\"رقم (٢٥٣٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٦/ ١٥٠٦).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٢٣٦) وقال: حسن صحيح.","vol":"8","page":118},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1430>[الباب الأول] باب المدبَّر، والمكاتَب، وأم الولد</span>\nالمدبَّرُ اسمُ مفعولٍ، وهوَ الرقيقُ الذي عُلِّقَ عتقُه بموتِ مالكِه، سُمِّي بذلكَ لأنَّ مالكَه دبَّرَ أمر دنياهُ وأمر آخرتِه، أما دنياهُ فاستمرارُ انتفاعِه بخدمةِ عبدهِ، وأما آخرتُه فتحصيلُ ثوابِ العتقِ. والمكاتَبُ اسمُ مفعولٍ، وهو الرقيق الذي وقعتْ عليهِ الكتابةُ، وحقيقةُ الكتابةِ تعليقُ عتقِ المملوكِ على أدائِه مالًا أو نحوَه منْ مالكٍ أو نحوِه، وهيَ على خلافِ القياسِ عندَ مَنْ يقولُ إنَّ العبدَ لا يملكُ. وأمُّ الولدِ تقدّم ذكرُها في كتابِ البيعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1431>يباع المكاتب لحاجة السيد</span>\n١/ ١٣٤٩ - عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيَّ - ﷺ - فَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنيِّ؟ \"، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). وَفي لَفْظٍ لِلْبُخَارِي (^٢): فَاحْتَاجَ. وَفي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (^٣): وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَيم، فَأعْطَاهُ، وَقَالَ: \"اقْضِ دَينَكَ\". [صحيح]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢٥٣٤).\nومسلم رقم (٥٨/ ٩٩٧). قلت: وأخرجه النسائي في \"المجتبى\" (٥/ ٦٩، ٧٠).\nوأبو داود رقم (٣٩٥٥)، وابن ماجه رقم (٢٥١٣).\n(^٢) في \"صحيحه\"رقم (٢١٤١).\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٢ رقم ٥٠٠٤/ ٨).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"8","page":119},{"text":"(عنْ جابرٍ - ﵁ - أن رجلًا من الأنصار) اسمهُ \"مذكور\" كما في روايةٍ مسلمٍ. وتقدَّم في البيعِ منْ روايةٍ أبي داودَ والنسائيُّ أن اسمهُ مذكور، واسمُ غلامِه أبو يعقوبَ (أعتق غلامًا لهُ) وهو يعقوبُ كما في مسلم (عنْ دُبُرٍ) بضمِّ الدالِ المهملةِ وبضمِّ الموحدةِ وسكونِها (لم يكنْ له مالٌ غيرَه، فبلغَ ذلكَ النبيَّ - ﷺ - فقالَ: مَنْ يشتريهِ منيِّ؟ فاشتراهُ نعيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بثمانمائةِ درهمٍ. متفقٌ عليهِ. وفي لفظِ البخاريِّ: فاحتاجَ. وفي روايةٍ النسائيِّ (^١): وكانَ عليهِ دينٌ فباعَه بثمانمائةِ درهمٍ فأعطاهُ وقالَ: اقضِ دَيْنَكَ). الحديثُ دليل على شرعية التدبيرِ، وهو متفقٌ على مشروعيتهِ.\nواختلفَ العلماءُ هلْ ينفذُ منْ رأسِ المالِ أوْ منَ الثلثِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ينفذُ منَ الثلثِ، وذهبَ جماعة منَ السلفِ والظاهريةُ إلى أنهُ ينفذُ منْ رأسِ المالِ. استدلَّ الجمهورُ بقياسهٍ على الوصيةِ بجامعِ أنهُ مال ينفذُ بعدَ الموتِ، وبحديثِ ابن (^٢) عمرَ مرفوعًا: \"المدبَّرُ منَ الثلثِ\"، ورُدَّ الحديثُ بأنهُ جزمَ أئمةُ الحديثِ بضعفِه وإنكارِه، وأنَّ رفْعَهُ باطلٌ، وإنَّما هوَ موقوفٌ على ابن عمرَ كما قالَه البيهقيُّ (^٣): [الصحيحُ أنهُ موقوفٌ] (^٤). ورَوَى البيهقيُّ (^٥) عنْ أبي قلابةَ مرسلًا: \"أن رجلًا أعتقَ عبدًا عنْ دُبُرٍ، فجعلَه النبي - ﷺ - من الثلثِ\". وأخرجَ (^٦) عنْ عليٍّ كذلكَ موقُوفًا. واستدلَّ الآخرونَ بالقياسِ علَى الهبةِ ونحوِها مما يخرجُه الإنسانُ منْ مالهِ في حياتهِ، ودليلُ الأولينَ أولى لتأيدِ القياسِ بالمرسلِ والموقوفِ، ولأنَّ قياسَه على الوصيةِ أَوْلَى منَ القياسِ على الهبةِ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ بيعِ المدبرِ لحاجتهِ لنفقتهِ، أوْ لقضاء دينهِ. وذهبَ طائفة إلى عدمِ جوازِ بيعهِ مطلقًا مستدلينَ بقولهِ تعالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٧). وردَّ بأنهُ عامٌّ [خصَّصَهُ] (^٨) [حديثُ الكتابِ] (^٩).\n_________\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٢ رقم ٥٠٠٤/ ٨).\n(^٢) أخرجه البيهقيُّ مرفوعًا وموقوقًا في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣١٤)، والدارقطني في \"السنن\" (٤/ ١٣٨ رقم ٤٩) وهو حديث موضوع.\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣١٤).\nانظر: \"الضعيفة\" رقم (١٦٤)، وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٢٨٤، ٢٨٥).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣١٤).\n(^٦) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣١٤).\n(^٧) سورة المائدة: الآية ١.\n(^٨) في (أ): \"مخصوص\".\n(^٩) في (أ): \"بحديث الباب\".","vol":"8","page":120},{"text":"وذهبَ آخرونَ منْهمُ الشافعيُّ وأحمدُ إلى جوازِ بيعهِ مطلقًا، مستدلِّينَ بحديثِ جابرٍ، وتشبيهه بالوصيةِ، فإنهُ إذا احتاجَ الموصي باعَ ما أوصَى بهِ، وكذلكَ معَ استغنائِه. قالُوا: والحديثُ ليسَ فيهِ قصرُ البيعِ على الحاجةِ والضرورةِ،، وإنَّما الواقعُ جزئيٌّ منْ جزئياتِ صورِ جوازِ بيعهِ، وقياسُه على الوصيةِ يؤيدُ اعتبارَ الجوازِ المطلَقِ، والظاهرُ هو القولُ الأوَّلُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1432>المكاتب إذا لم يفِ بما كوتب عليه فهو عبد</span>\n٢/ ١٣٥٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِي عَلَيهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^١). [حسن]\n(وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: المكاتِبُ عبدٌ ما\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٤/ ٢٤٢ رقم ٣٩٢٦) وعنه البيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٢٤) من طريق أبي عتبة إسماعيل بن عياش: حدثني سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وعمرو بن شعيب فيه الخلاف المشهور، وإسماعيل بن عياش ثقة في الشاميين، وهذا منه، فإن سليمان بن سليم شامي أيضًا.\nوقد تابعه جماعة بمعناه.\n(منهم): حجاج بن أرطاة عن عمرو به بلفظ:\n\"أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق\"، أخرجه ابن ماجه رقم (٢٥١٩)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٤)، وأحمد (٢/ ١٧٨، ٢٠٦، ٢٠٩).\nو(منهم): عباس الجريري ثنا عمرو بن شعيب به، ولفظه:\n\"أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشرة أواق، فهو عبد، وأيما عبد كاتب على مائة دينار، فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد\".\nأخرجه أبو داود رقم (٣٩٢٧)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٤)، وأحمد (٢/ ١٨٤)، والحاكم (٢/ ٢١٨) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.\nو(منهم): يحيى بن أبي أنيسة عن عمرو بن شعيب بلفظ:\n\"من كاتب عبده على مائة أوقية فأداه إلا عشرة أواق. أو قال: عشرة دراهم ثم عجز فهو رقيق\".\nأخرجه الترمذي رقم (١٢٦٠) وقال: حديث حسن غريب، ويحيى هذا ضعيف.\nلكن الحديث يقوى بالمتابعات المتقدمة.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن، والله أعلم. وقد حسَّنه الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٦٧٤).","vol":"8","page":121},{"text":"بقي عليهِ منْ مكاتبتهِ درهمٌ. أخرجَه أبو داودَ بإسنادٍ حسنن، وأصلُه عندَ أحمدَ والثلاثةِ، وصححَة الحاكمُ). ورُوِيَ منْ طرقٍ كلُّها لا تخلُو عنْ مقالٍ. قالَ الشافعيُّ في حديثٍ عمروِ بن شعيب: لا أعلمْ أحدًا رَوَى هذا إلَّا عمروُ بنُ شعيبٍ، ولم أرَ مَنْ رضيتُ منْ أهلِ العلَمِ يثبتُه. وعلى هذا فُتْيَا المفتينَ. والحديثُ دليَلٌ على أن المكاتِبَ إذا لم يفِ [بما كُوتِبَ عليهِ] (^١) فهوَ عبدٌ، لهُ أحكامُ [الرق] (^٢)، وإلى هذا ذهبَ الجمهورُ، الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيُّ، ومالكٌ، وفي المسألةِ خلافٌ فروي عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ يعتقُ إذا أدَّى شرط ما كتب عليه. ويُرْوَى عنهُ أنهُ يُعْتَقُ بقدرِ ما أدَّى، ودليلهُ ما أخرجه النسائيُّ (^٣) منْ طريق عكرمةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"يودَى المكاتبُ بحصةِ ما أدَّى ديةَ حرٍّ، وما بقىَ ديةُ عبدٍ\". قالَ البيهقيُّ (^٤): قالَ أبو عيسَى فيما بلغني عنهُ: سألتُ البخاري عنْ هذَا الحديثِ فقالَ: رَوَى بعضُهم (^٥) هذا الحديثَ عنْ أيوب عن عكرمةَ عنْ على. قال البيهقي: فاختلفَ [على] (^٦) عكرمةَ فيهِ، وروايةُ عكرمةَ عنْ عليٍّ مرسلةٌ، ورواية عكرمة عن النبيِّ - ﷺ - مرسلةٌ، ورُوِيَ عنْ عليٍّ - ﵁ - منْ طرقٍ مرفوعًا وموقُوفًا.\nقلت: فقدْ ثبتَ لهُ أصلٌ إلا أنهُ قدْ عارضَه حديثُ الكتابِ. وقولُ الجمهورِ دليلهُ الحديثُ، وإنْ كانَ ما خلتْ طرقُه عنْ قادحٍ، إلَّا أنهُ أيدتْهُ آثارٌ سلفيةٌ عن الصحابةِ، ولأنهُ أخذَ بالاحتياطِ في حق السيِّدِ، فلا يزولُ ملكُه إلا بما قدْ رضي بهِ منْ تسليمِ ما عندَ عبدِه، فالأقربُ كلامُ الجمهورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1433>المكاتب كالحر إذا كان معه ما كوتب عليه</span>\n٣/ ١٣٥١ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كَانَ\n_________\n(^١) في (أ): \"بحال الكتابة\".\n(^٢) في (ب): \"المماليك\".\n(^٣) في \"السنن\" (٨/ ٤٥ رقم ٤٨٠٩).\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٢٦).\n(^٥) أخرجه الترمذي (٣/ ٥٦٠) معلقًا، ووصله أبو داود (٤٥٨١)، والنسائي (٨/ ٤٥/ رقم ٤٨٠٩)، وأحمد (١/ ٢٦٠، ٢٩٢، ٣٦٣)، والبيهقي (١٠/ ٣٢٥)، والحاكم (٢/ ٢١٨)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٩٨٢).\nقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. ووافقه الذهبي.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. وقد صحّحه الألباني في \"الإرواء\" (١٧٢٦).\n(^٦) في (أ): \"عن\".","vol":"8","page":122},{"text":"لأِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤدِّي فَلْتَحْتَجِب مِنْهُ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَالأَرْبَعَةُ (^٢)، وَصَحّحَهُ الترْمذِيُّ (^٣). [حسن]\n(وعنْ أُمِّ سلمةَ - ﵂ - قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا كانَ لإحداكنُّ مكاتَبٌ، وكانَ عندَه ما يؤدِّي فلتحتجبْ منهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ). وهوَ دليلٌ على مسألتينِ:\nالأولى: أن المكاتَبَ إذا صارَ معهُ جميعُ مالِ [المكاتبةِ] (^٤) فقدْ صارَ لهُ ما للأحرارِ [فتحتجِبُ] (^٥) منهُ سيدتُه إذا كانَ مملُوكًا لامرأةِ، وإنْ لم يكنْ قد سلمَ ذلكَ، وهوَ معارضٌ بحديثِ عمروِ بن شعيبِ، وقدْ جمعَ بينَهما الشافعيُّ (^٦) فقالَ: هذا خاصٌّ بأزواجِ النبيِّ - ﷺ -، وهوَ احتجابهنَّ عن المكاتبِ، وإنْ لم يكنْ قدْ سلمَ مالَ الكتابةِ إذا كانَ واحدًا لهُ، وإلا منعَ منْ ذَلكَ كما منعَ سودةَ (^٧) منْ نظرِ ابن\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٢٨٩/ ٦، ٣٠٨، ٣١١).\n(^٢) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٣٩٢٨). وابن ماجه في \"السنن\" (٢٥٢٠)، والترمذي في \"السنن\" (١٢٦١). وقال: حديث حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي بنحوه في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٨ رقم ٥٠٢٩/ ٢) ورقم (٥٠٣٠/ ٣).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٢٦١).\nقلت: وأخرجه الحاكم (٢/ ٢١٩) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. كذا قال، ونبهان مولى أم سلمة، وأورده الذهبي في \"ذيل الضعفاء\"، \"وقال ابن حزم: مجهول\"، قاله الألباني في \"الإرواء\" (٦/ ١٨٣).\nقلت: قال ابن حجر في \"التقريب\" عنه (٢/ ٢٩٧): \"مقبول\".\nوقال الذهبي في \"الكاشف\" (٣/ ١٧٥): \"ثقة\". وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٤٨٦)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٥٠٢) وسكت عنه، فالحديث قابل للتحسين.\nوقد حسنه الشيخ عبد القادر في \"جامع الأصول\" (٨/ ٩٣) بشواهده.\nوأما المحدث الألباني فقد ضعفه في \"الإرواء\" (١٧٦٩) لما تقدم عن حال \"نبهان \"عنده وقال: \"ومما يدل على ضعف هذا الحديث عمل أمهات المؤمنين على خلافه، وهن اللاتي خوطبن به فيما زعم راويه! وقد صح ذلك عن بعضهن كما يأتي بيانه\".\n(^٤) في (أ): \"الكتابة\".\n(^٥) في (أ): \"فلتحتجب\".\n(^٦) في \"بدائع المنن\" (٢/ ٤٥).\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (٢٠٥٣) ورقم (٢٢١٨)، ومسلم رقم (٣٦/ ١٤٥٧)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٧٣٩ رقم ٢٠)، وأحمد في \"المسند\" (٦/ ١٢٩، ٢٠٠، ٣٣٧)، وأبو داود في \"السنن\" رقم (٢٢٣٧)، والنسائي (٦/ ١٨٠ رقم ٣٤٨٤)، وابن ماجه رقم (٢٠٠٤)، والدارمي مختصرًا (٢/ ١٥٢).","vol":"8","page":123},{"text":"زمعةَ إليها مع أنهُ قدْ قالَ: \"الولدُ للفراشِ\" (^١).\nقلتُ: ولكَ أن تجمعَ بينَ الحديثين أن المرادَ أنهُ قِنٌّ إذا لم يجدْ ما بقيَ عليهِ ولو كانَ درهمًا. وحديثُ أمِّ سلمةَ في مكاتب واجدٍ لجميعِ مالِ الكتابةِ، ولكنهُ لم يكنْ قدْ سلَّمهُ. وأما حديثُ أمِّ سلمةَ (^٢) أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ لها: \"إذا كاتبتْ إحداكنَّ عبدَها فليرَها ما بقيَ عليهِ شيءٌ منْ [كتابتهِ] (^٣)، فإذا قضَاها فلا تكلِّمْهُ إلا منْ وراءِ حجابٍ\". فإنهُ حديث ضعيفٌ لا يُقَاوِمُ حديثَ الباب.\nالمسألةُ الثانيةُ: دلَّ [الحديث] (^٤) بمفهومه أنهُ يجوزُ لمملوكِ المرأةِ النظرُ إليها ما لم يكن يكاتبْها ويجد مالَ الكتابةِ، وهوَ الذي دلَّ لهُ منطوقُ قولهِ تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (^٥) في سورةِ النورِ، وفي سورةِ الأحزابِ (^٦). ويدلُّ لهُ أيضًا قولُه - ﷺ - لفاطمةَ ﵇ لما تقنَّعتْ بثوبٍ وكانتْ إذا قنعتْ رأسهَا لم يبلغْ رِجْليهَا، وإذا غطتْ رجلَيها لم يبلغْ رأسها، فقالَ النبي - ﷺ -: \"ليسَ عليكِ بأسٌ إنما هو أبوكِ وغلامُكِ\" أخرجه أبو داودَ (^٧)، وابنُ مردويهْ (^٨)، والبيهقي (^٩) منْ حديثٍ أنسٍ، وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (^١٠) عنْ مجاهدٍ. قالَ: كانَ العبيدُ يدخلونَ على أزواجِ النبيِّ - ﷺ - يريدُ مماليكهنَّ. وفي تيسيرِ البيانِ للموزعيِّ أنَّ رؤيةَ المملوكِ لمالِكَتِه هو المنصوصُ، أي للشافعيِّ. وذكرَ الخلافَ لبعضِ الشافعيةِ وردَّه، وهوَ خلافُ ما نقلْنا عنهُ فيما يأتي، فيحتملُ أن ذلكَ قوله. وإلى ما أفاده مفهوم الحديث ذهمبَ أكثرُ العلماءِ منَ السلفِ، وهوَ قولٌ للشافعيِّ. وذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ إلى أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في (٦٨١٨).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (٣٧/ ١٤٥٨)، والترمذي رقم (١١٥٧)، والنسائي (٦/ ١٨٠ رقم ٣٤٨٢، ٣٤٨٣)، وابن ماجه (١/ ٦٤٧ رقم ٢٠٠٦)، وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٣٩، ٢٨٠، ٣٨٦، ٤٠٩، ٤٦٦)، والدارمي (٢/ ١٥٢).\n(^٢) أخرجه النسائيُّ في \"السنن الكبرى\" بنحوه (٣/ ١٩٨ رقم ٥٠٣٣/ ٦).\n(^٣) في (أ): \"للكتابة\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة النور: الآية ٣١.\n(^٦) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٤١٠٦).\n(^٨) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٨٣).\n(^٩) في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٩٥).\n(^١٠) عزاه إليه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٨٣).","vol":"8","page":124},{"text":"المملوكَ كالأجنبيِّ. قالُوا: يدل له صحةُ تزويجِها إياهُ بعدَ العتقِ، وأجابُوا عن هذا الحديثِ بأنهُ مفهومٌ لا يعملُ بهِ. وعن الآيةِ بأنَّ المرادَ بما ملكتْ أيمانُهنَّ المملوكاتُ منَ الإماءِ للحرائرِ، وخصَّهنَّ بالذكرِ رفْعًا لتوهُّم مغايرتِهنَّ للحرائرِ في قولهِ تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (^١)؛ إذِ الإماءُ لَسْنَ منْ نسائِهن. ولا يخْفَى ضعفُ هذا وتكلُّفهُ، والحقُّ [أحق] (^٢) بالاتِّباعِ.\n٤/ ١٣٥٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قَالَ: \"يُوْدَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبَقَدْرِ مَا رقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٣)، وَأَبُو دَاوُدَ (^٤)، وَالنَّسَائِي (^٥). [صحيح]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: يُودَى) بضمِّ حرفِ المضارَعةِ مبنيٌّ للمجهولِ من ودَاهُ يديهِ (المكاتبُ بقدرِ ما عتِقَ منهُ ديةَ الحرِّ، وبقدرِ ما رق منهُ ديةَ العبده رواهُ أحمدُ، وبو داود، والنسائيُّ). سقطَ هذا الحديثُ بشرحهِ منَ الشرح، وهوَ دليلٌ على أن للمكاتبِ حكمَ الحرِّ في قدْر ما سلَّمهُ منْ [مال الكتابة] (^٦)، فتبعضُ ديتُه إنْ قتلَ [وكذلكَ] (^٧) الحدُّ وغيرُه منَ الأحكامِ التي تنصَّفُ، وهذا قولُ الهادويةِ. وذهبَ عليٌّ ﵇ وشريحٌ إلى أنهُ يعتقُ كلُّه إذا سلَّمَ قِسْطًا منْ مالِ الكتابةِ، وعنْ عليٍّ ﵇ روايةُ مثلِ كلامِ الهادويةِ. واستدل مَنْ قالَ لا تتبعَّضُ أحكامُه بأنهُ عبدٌ ما بقيَ عليه درهمٌ لحديثِ ابن عمرَ: \"المكاتبُ عبدٌ ما بقيَ عليهِ درهمٌ\" (^٨)، إلَّا أنهُ موقوفٌ. وقدْ رفعَه ابنُ قانعٍ، وأعل بالانقطاعِ، وأخرجَه منْ\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٣١.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"المسند\" (١/ ٢٦٠، ٢٩٢، ٢٦٣).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٤٥٨١).\n(^٥) في \"السنن\" (٨/ ٤٥ رقم ٤٨٠٩).\nقلت: وأخرجه الترمذي في \"السنن\" (٣/ ٥٦٠) معلقًا.\nوالطيالسي في \"منحة المعبود\" (١/ ٢٤٥ رقم ٢٠٩)، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم (٩٨٢)، والحاكم (٢/ ٢١٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٢٦) وهو حديث صحيح.\nوقد صححه الألباني في \"الإرواء\" رقم (١٧٢٦) وقد تقدم.\n(^٦) في (ب): \"كتابته\".\n(^٧) في (أ): \"وكذا\".\n(^٨) تقدم تخريجه في كتابنا هذا برقم (٢/ ١٣٥٠).","vol":"8","page":125},{"text":"طريقِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدّهِ أبو داود (^١)، والنسائي (^٢). لكنْ قالَ الشافعيُّ: لم أرَ مَنْ رضيتُ منْ أهلِ العلمِ يثبتُه كما تقدَّمَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٣) والترمذيُّ (^٤) والنسائيُّ (^٥) منْ حديثٍ عليٍّ ﵇ وابنِ عباسٍ مرفوعينِ بلفظِ: \"المكاتبُ يعتقُ بقدْرِ ما أدَّى، ويرثُ ويقامُ عليهِ الحا بقدْرِ ما عُتقَ\". ولا علةَ لهُ، وهوَ يؤيدُ حديثَ الكتابِ. ولعلَّه هوَ وإنَّما اختلفَ لفظُه. وتقدَّمَ الخلافُ في المسألةِ وبيانِ الراجحِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1434>تركة الرسول - ﷺ </span>-\n٥/ ١٣٥٣ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ - أَخِي جُوَيْرَيةَ أُمّ الْمُؤمِنِينَ - ﵂ - قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا، وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (^٦). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1435>ترجمة عمرو بن الحارث</span>\n(وعنْ عمروِ بن الحارثِ) (^٧) وهوَ عمروُ بنُ الحارثِ بن أبي ضرارٍ بكسرِ الضادِ المعجمةِ، وراءٍ خفيفةٍ، عدادُه في أهلِ الكوفةِ، رَوَى عنهُ أبو وائلٍ شقيقُ بنُ سلمةَ وغيرُه [قاله المصنف في التقريب] (^٨). (أخي جويريةَ أمِّ المؤمنينَ - ﵂ - قالَ: ما تركَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عندَ موتهِ درهمًا، ولا دينارًا، ولا عبْدًا، ولا أَمَةً، ولا شيئًا إلا بَغْلَتَه البيضاءَ، وسلاحَه، وأرضًا جعلَها صدقةً. رواهُ البخاريُّ).\n_________\n(^١) و(^٢) تقدم تخريجه في كتابنا هذا في شرح الحديث (٢/ ١٣٥٠).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٥٨٢) عن ابن عباس.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٢٥٩) من حديث ابن عباس. وقال: حديث حسن.\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٦ رقم ٥٠٢١/ ١) عن ابن عباس، ورقم (٥٠٢٢/ ٢) عن علي.\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٤٤٦١).\n(^٧) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٥٨١٦)، و\"أسد الغابة\" رقم (٣٨٩٦)، و\"الاستيعاب\" رقم (١٩٢٧) و\"تقريب التهذيب\" (٢/ ٦٧) و\"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٠٨).\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"8","page":126},{"text":"الحديثُ دليل على ما كانَ عليهِ - ﷺ - منْ تنزههِ عن الدُّنيا وأدناسِها وأعراضِها، وخلوِّ قلبِه وقالَبِه عن الاشتغالِ بها، لأنهُ متفرِّغٌ للإقبالِ على تبليغِ ما أُمِرَ بهِ، وعبادةِ مولاهُ، والاشتغالِ بما يقربُه إليهِ وما يرضَاه. وقولهُ: \"ولا عبدًا ولا أَمَةً\"، وقدْ قدَّمنا أنهُ - ﷺ - أعتقَ ثلاثًا وستين رقبةً فلم يمتْ وعندَه مملوكٌ، والأرضُ التي جعلَها صدقةً، قالَ أبو داودَ (^١): كانتْ نخلُ بني النضيرِ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - خاصةً له أعطاهُ اللَّهُ إيَّاها فقالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (^٢)، فأعطَى أكثرَها المهاجرينَ، وبقيَ منْها صدقةُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - التي في أيدي بني فاطمةَ. ولأبي داودَ (^٣) أيضًا منْ طريقِ ابن شهابٍ: كانتْ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - ثلاثُ صفايا: بنو النضير، وخيبرُ، وفدكُ. فأما بنو النضيرِ فكانتْ حَبْسًا لنوائِبه، وأما فدَكُ فكانتْ حَبْسًا [لأبناءِ] (^٤) السبيلِ، وأما خيبرُ فجزَّأَها بينَ المسلمينَ ثمَّ قسمَ جزءًا لنفقةِ أهلِه، وما فضلَ منهُ جعلَه في فقراءِ المهاجرينَ.\n٦/ ١٣٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَنُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتهِ\". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^٥)، وَالْحَاكِمُ (^٦) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَرَجّحَ (^٧) جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ - ﵁ -. [ضيف]\n(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: أيُّما أمةٍ وَلَدَتْ منْ سيِّدِها فهيَ حرَّةٌ بعدَ موتِه. أخرجَه [ابنُ ماجهْ] (^٨) والحاكمُ بإسنادٍ ضعيف)؛ إذْ في سندهِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٩٦٥)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) سورة الحشر: الآية ٧.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٩٦٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في (أ): \"ابن\".\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٥١٥).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٢/ ١٩) وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وردَّه الذهبي بقوله: حسين متروك.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٣٤٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٣٠٣، ٣١٧، ٣٢٠)، والدارقطني (٤/ ١٣٠)، والدارمي (٢/ ٢٥٧) وإسناده ضعيف جدًّا. وللحديث متابعات ضعيفة لا تقوِّي الحديث، فهو ضعيف.\nانظر: \"الإرواء\" رقم (١٧٧١).\n(^٨) في (أ): \"أبي حاتم\".","vol":"8","page":127},{"text":"الحسينُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهاشميُّ ضعيفٌ جدًّا. (ورجَّح جماعةٌ وقْفَه على عمرَ - ﵁ -). الحديثُ دالٌّ على حريةِ أمِّ الولدِ بعدَ وفاةِ سيِّدِها، وعليهِ دلَّ الحديثُ الأوَّلُ حيثُ قالَ: ولا أمةٍ، فإنهُ - ﷺ - تُوفِّيَ وخلَّفَ ماريَّةَ القبطيةَ أمَّ إبراهيمَ - ﷺ -، وتوفيتْ في أيامِ عمرَ، فدلَّ أنَّها عتقتْ بوفاتِه - ﷺ -، ولأَجْلِ هذا الحكمِ ذكرَ المصنفُ الحديثَ الأولَ. وتقدَّمَ الكلامُ في أمِّ الولدِ مستوفَى في كتابِ البيعِ.\n٧/ ١٣٥٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ غَارِمًا في عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا في رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (^١)، وَصَحّحَهُ (^٢) الْحَاكِمُ. [ضعيف]\n(وعنْ سهلِ بن حنيفٍ - ﵁ - أن رسول اللَّهِ - ﷺ - قالَ: مَنْ أعانَ مجاهِدًا في سبيلِ اللَّهِ، أوْ غارِمًا في عُسرتهِ)، الغارمُ الذي يلتزمُ ما ضمنَه ويكفل له ويؤذيهِ، قالهُ في النهايةِ، (أوْ مكاتبًا في رقبتهِ، أظلَّه اللَّهُ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه. رواة أحمدُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ).\nفيهِ دليلٌ على عِظَمِ أجر هذهِ الإعانةِ لمنْ ذكرَ، وذُكِرَ هنا لأجلِ المكاتبِ. وقدْ قالَ تعالَى في المكاتب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (^٣).\nوقدْ أخرجَ النسائيُّ (^٤) منْ حديثٍ عليٍّ - ﵁ - مرفُوعًا أنهُ - ﷺ - قالَ: \"في الآيةِ ربعُ الكتابة\" (^٥). قالَ النسائيُّ (^٦): أي الصوابُ وقْفُه. قالَ الحاكمُ (^٧) في روايةٍ الرفعِ: صحيحُ الإسنادِ.\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٣/ ٤٨٧).\n(^٢) في \"المستدرك\" (٢/ ٨٩، ٩٠) جاء به الحاكم كشاهد لحديث عمر بن الخطاب، وسكت عليه الذهبي، وهو حديث ضعيف.\n(^٣) سورة النور: الآية ٣٣.\n(^٤) في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٨، ١٩٩ رقم ١/ ٥٠٣٤ ورقم ٥٠٣٥/ ٢).\n(^٥) الآية ليس فيها تعرض لمقدار ما يعطى، إنما فيها الأمر بالمساعدة فقط. ولهذا صوَّب وقفه.\n(^٦) لم أجدها في \"السنن الكبرى\" عقب الحديث.\n(^٧) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٩٧) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وعبد الله بن حبيب هو أبو عبد الرحمن السلمي وقد أوقفه أبو عبد الرحمن عن علي في رواية أخرى.\nوقال الذهبي: هذا حديث صحيح، وروي موقوفًا.","vol":"8","page":128},{"text":"وقدْ فسَّرَ (^١) قولَه تعالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (^٢) بإعانةِ المكاتبينَ. وأخرجَ ابنُ جريرٍ (^٣) وغيرُه (^٤) عنْ عليٍّ ﵇ أنهُ قالَ: أمرَ اللَّهُ تعالى السيِّدَ أنْ يدعَ الربعَ للمكاتبِ منْ ثمنهِ، وهذا تعليمٌ منَ اللَّهِ تعالى وليسَ بفريضةٍ، ولكنْ فيهِ أجرٌ.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره ابن جرير في \"تفسيره\" (٢/ ٩٨).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٧٧، وسورة التوبة: الآية ٦٠.\n(^٣) في \"جامع البيان\" (١٠/ ١٢٩، ١٣٢).\n(^٤) في \"الجامع لأحكام القرآن\" للقرطبي (٢٥١، ٢٥٣).","vol":"8","page":129},{"text":"[الكتاب الثامن عشر] كتاب الجَامع\nأي الجامعُ لأبوابٍ ستةٍ: الأدب، والبرِّ والصلةِ، والزهدِ والورعِ، والترهيبِ منْ مساوئ الأخلاقِ، والترغيبِ في مَكارمِ الأخلاقِ، والذكرِ والدعاءِ. الأولُ:\n\n<span data-type='title' id=toc-1437>[الباب الأول] باب الأدب</span>\n<span data-type='title' id=toc-1438>حقوق المسلم على المسلم</span>\n١/ ١٣٥٦ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَفتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ\"، رَوَاهُ مُسْلِمُ (^١). [صحيح]\n(عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -: حقُّ المسلمِ علَى المسلمِ ستٌّ: إذا لقيتَه فسلِّمْ عليْهِ، وإذا دعاكَ فأجِبْه، وإذا استنصحَكَ فانصحْه، وإذا عطسَ فحمدَ اللَّهَ فشمِّتْهُ) بالسينِ المهملةِ والشينِ المعجمةِ، (وإذا مرض فعدْه، وإذا ماتَ فاتبعْهُ. رواهُ مسلمٌ)، وفي روايةٍ (^٢) لهُ: خمسٌ، أسقطَ مما عدَّه هنَا: \"وإذا استنصحكَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥/ ٢١٦٢).\n(^٢) أي لمسلم في \"صحيحه\" رقم (٤/ ٢١٦٢).\nقلت: وأخرجه البخاري (١٢٤٠)، وأبو داود (٥٥٣٠).","vol":"8","page":131},{"text":"فانصحْه\". والحديثُ دليلٌ على أن هذهِ حقوقُ المسلم على المسلم، والمرادُ بالحقِّ ما لا ينبغي تركُه، ويكونُ فِعلُه إما واجبًا أو مندُوبًا ندْبأ مؤكَّدًا شبيهًا بالواجبِ الذي لا ينبغي تركُه، ويكونُ استعمالُه في المعنيينِ منْ بابِ استعمالِ المشتركِ في معنيَيْهِ، فإنَّ الحقَ يستعملُ في معنَى الواجبِ، كذا ذكرهُ ابنُ الأعرابيِّ.\nفالأوُلىَ منَ الستِّ: السلامَ عليهِ عندَ ملاقاتِه لقولهِ: \"إذا لقيتَه فسلِّمْ عليهِ\"، والأمرُ دليلٌ على وجوب الابتداءِ بالسلامِ، إلَّا أنهُ نقلَ ابنُ عبدِ البرّ (^١) وغيرهُ أن الابتداءَ بالسلامِ سنةٌ، وَأنَّ ردَّه فرضٌ. وفي صحيح مسلمٍ (^٢) مرفُوعًا: الأمرُ بإفشاءِ السلامِ، وأنهُ سببٌ للتحابِّ. وفي الصحيحينِ (^٣): \"أن أفضلَ الأعمالِ إطعامُ الطعامِ، وتقرأ السلامَ على مَنْ عرفتَ ومَنْ لم تعرفْ\"، قالَ عمارٌ: ثلاثٌ مَنْ جمعَهنَّ فقدْ جمعَ الإيمانَ: إنصافٌ منْ نفسِكَ، وبذلُ السلامِ للعالَمِ، والإنفاقُ منَ الإِقْتَارِ. ويا لها منْ كلماتٍ ما أجمعَها للخيرِ. والسلامُ اسمٌ منْ أسماءِ (^٤) اللَّهِ تعالَى، فقولُه: السلامُ عليكم أي اسم الله عليكم، أي أنتُم في حفظِ اللَّهِ كما يُقَالُ: اللَّهُ معَكَ، واللَّهُ يصحبُكَ. وقيلَ: السلامُ بمعنى السلامةِ، أي: سلامةُ اللَّهُ ملازِمة لكَ. وأقلُّ السلامِ أنْ يقولَ السلامُ عليكْم، وإنْ كانَ المسلَّمُ عليهِ واحدًا يتناولُه وملائكتهُ، وأكملُ منهُ أنْ يزيدَ ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، ويجزيهِ السلامُ عليكَ، وسلامٌ عليكَ بالإفرادِ والتنكيرِ، فإنْ كانَ المسلَّمُ عليهِ واحدًا أوجبَ الردُّ عليهِ\n_________\n(^١) في \"التمهيد\" (٥/ ٢٨٨، ٢٨٩).\n(^٢) رقم (٩٣/ ٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥١٩٣)، والترمذي رقم (٢٦٨٨) وقال: حسن صحيح.\nوابن ماجه رقم (٣٦٩٢).\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٢٨)، ومسلم رقم (٦٣/ ٣٩)، والنسائي (٨/ ١٠٧).\n(^٤) كما في الحديث الذي أخرجه البزار كما في \"كشف الأستار\" (١٩٩٩)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٩): رواه البزار بإسنادين، والطبراني بأسانيد؛ وأحدهما رجاله رجال الصحيح.\nمن حديث ابن مسعود عن النبي قال - ﷺ -: \"السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فأفشوه بينكم، فإن الرجل المسلم إذا مرَّ بقوم فسلَّم عليهم فردُّوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم\".","vol":"8","page":132},{"text":"عينًا، وإنْ كانَ المسلَّمُ عليهمْ جماعةً فالردُّ فرضُ كفايةٍ في حقهم. ويأتي قريبًا حديثُ (^١): \"يجزئُ عن الجماعةِ إذا مروا أنْ يسلِّمَ أحدُهم، وهذا هو سنةُ الكفايةِ، ويشترطُ كونُ الردِّ على الفورِ، وعلى الغائبِ في ورقةٍ أو رسولٍ. وبأتي حديثُ (^٢): \"أنهُ يسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثيرِ\". ويُؤْخَذُ منْ مفهومِ قولِه: حقُّ المسلمِ على المسلم أنهُ ليسَ للذميِّ حقٌّ في ردِّ السلامِ، وما ذكرَ معهُ. ويأتي (^٣) حديثُ: \"لا تبدؤُوا اليهودَ والنصارَى بالسلامِ\"، ويأتي الكلامُ.\nوقولُه: \"إذا لقيتَه\" يدلُّ أنهُ لا يسلِّمُ عليهِ إذا فارقَه لكنَّه قدْ ثبتَ حديثُ: \"إذا قعدَ أحدُكم فليسلِّمْ، وإذا قامَ فلْيسلِّمْ، [وليستِ] (^٤) الأُولى بأحقَّ منَ الآخرةِ\" (^٥)، فلا يعتبرُ مفهومُ إذا لقيتَه، ثمَّ المرادُ بلقيه وإنْ لم يطلْ بينَهما الافتراقُ لحديثِ أبي داودَ (^٦): \"إذا لقيَ أحدُكم صاحبُه فليسلِّمْ عليهِ، فإنْ حالَ بينَهما شجرةٌ أو جدارٌ ثمَّ لقيهُ فليسلِّمْ عليه\". وقالَ أنسٌ (^٧): كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يتماشونَ، فإذا لقيتْهم شجرةٌ أوْ أكَمةٌ تفرَّقُوا يمينًا وشمالًا، فإذا الْتَقَوْا من ورائِها يسلِّمُ بعضُهم على بعضٍ.\nالثانيةُ: \"وإذا دعاكَ فأجِبْه\"، ظاهرُه عمومُ [حقيةِ] (^٨) الإجابةِ في كلِّ دعوةٍ يدعُوه بها، وخصَّها العلماءُ بإجابةِ دعوةِ الوليمةِ ونحوِها، والأَوْلَى أنْ يُقَالَ: إنَّها في دعوةِ الوليمةِ واجبةٌ وفيما عَدَاها مندوبةٌ لثبوتِ الوعيدِ على مَن لم يجبِ في الأُولى دونَ الثانيةِ.\nوالثالثةُ: قولُه: \"وإذا استنصَحَكَ\" أي طلبَ مِنْكَ النصيحةَ \"فانصحْهُ\"، دليل\n_________\n(^١) برقم (٨/ ١٣٦٣) من كتابنا هذا.\n(^٢) برقم (٧/ ١٣٦٢) من كتابنا هذا.\n(^٣) برقم (٩/ ١٣٦٤) من كتابنا هذا.\n(^٤) في (أ): \"فليست\".\n(^٥) أخرجه أبو داود رقم (٥٢٠٨)، والترمذي رقم (٢٧٠٦)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٦٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٠٨). وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٢٨٧، ٤٣٩). ورواية رزبن في \"جامع الأصول\" (٦/ ٥٩٣).\nوهو حديث حسن.\n(^٦) في \"السنن\" (٥٢٠٠)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٤).\n(^٨) في (أ): \"حقيقة\".","vol":"8","page":133},{"text":"على وجوب نصيحةِ مَنْ يستنصحُ، وعدمِ الغشِّ لهُ، وظاهرهُ أنها لا يجبُ نصيحةٌ إلا عندَ طَلَبِها. [والنصحُ] (^١) بغيرِ طلبٍ مندوبٌ، لأنهُ منَ الدلالةِ على الخيرِ والمعروفِ.\nالرابعةُ: قولُه: \"وإذا عطسَ فحمِدَ اللَّهَ فشمِّتْهُ\" بالسينِ المهملةِ والشينِ المعجمةِ، قال ثعلبٌ: يقالُ [شمتُّ] (^٢) العاطسَ [وسمَّتهُ] (^٣) إذا دعوتُ لهُ بالهدَى، وحسنِ السَّمْتِ المستقيمِ، قالَ: والأصلُ فيهِ السينُ المهملةُ، فقلبتْ شينًا معجمةً. فيهِ دليلٌ على وجوبِ التشميتِ للعاطسِ الحامدِ. وأما الحمدُ على العُطاسِ فما في الحديثِ دليلٌ على وجوبهِ، قالَ النووي (^٤): إنهُ متفقٌ علَى استحبابهِ. وقدْ جاءَ كيفيةُ الحمدِ، وكيفيةُ تشميت العاطس، وكيفيةُ جوابِ العاطسِ، فيما أخرجَهُ البخاري (^٥) منْ حديثٍ أبي هريرةَ عنهُ - ﷺ -: \"إذا عطسَ أحدُكم فليقلْ الحمدُ للَّهِ، وليقلْ لهُ أخوهُ أو صاحبُه: يرحمُكَ اللَّهُ، وليقلْ هوَ: يهديْكُم اللَّهُ ويصلحُ بالَكُمْ\". وأخرجَه أبو داودَ (^٦) وغيرهُ بإسنادٍ صحيحِ. وفيهِ زيادةٌ منْ حديثٍ أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"إذا عطسَ أحدُكم فليقلْ: الحمدُ للَّهِ على كلِّ حالٍ، وليقلْ لهُ أخوهُ أو صاحبُه: يرحمُكَ اللَّهُ، ويقولُ هو: يهدْيكُم اللَّهُ ويُصْلِحُ بالَكُمْ\"، أي شأنَكُم. وإلى هذا الجوابِ ذهبَ الجمهورُ. وذهبَ الكوفيونَ إلى أنهُ يقولُ: يغفرُ اللَّهُ لنا ولكمُ. [بدليل ما] (^٧) أخرجَهُ الطبرانيُّ (^٨) عن ابن مسعودٍ، وأخرجَهُ البخاري في الأدبِ المفردِ (^٩) [بلفظ: يغفر الله لنا ولكم] (^١٠). وقيلَ: يتخيَّرُ أي اللفظينِ [أحب] (^١١). وقيلَ: يجمعُ بينَهما. وإلى جواب التشميت بما ذكرَ ذهبتِ الظاهريةُ وابنُ العربيِّ، وأنهُ يجبُ\n_________\n(^١) في (أ): \"والنصيح\".\n(^٢) في (أ): \"سمته\".\n(^٣) في (أ): \"شمتهُ\".\n(^٤) في \"الأذكار\" (ص ٤٢٧).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٦٢٢٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥٠٣٣)، والنسائي (٢٣٢) في \"اليوم والليلة\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٥٠٣٣).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"الكبير والأوسط\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٥٧) وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.\n(^٩) رقم (٩٣٣/ ث ٢١٣) بإسناد صحيح عن ابن عمر.\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) زيادة من (أ).","vol":"8","page":134},{"text":"على كلِّ سامِعٍ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ البخاري (^١) منْ حديثٍ أبي هريرةَ: \"إذا عطسَ أحدُكم وحمدَ اللَّهَ كانَ حقًّا على كلِّ مسلمٍ يسمعهُ أنْ يقولَ: يرحمُكَ اللَّهُ\"، وكأنهُ مذهبُ أبي داود صاحبِ السننِ، فإنهُ أخرجَ عنهُ ابن عبد البر بسندٍ جيِّدٍ أنهُ كانَ في سفينةٍ فسمعَ عاطِسًا على الشطِّ [حمد الله] (^٢)، فاكترَى قاربًا بدرهمٍ حتَّى جاءَ إلى العاطسِ فشمَّتهُ، ثمَّ رجعَ، فَسُئِلَ عنْ ذلكَ فقالَ لعلَّهُ يكونُ مجابَ الدعوةِ، فلمَّا رقدُوا سمعُوا قائلًا يقولُ لأهلِ السفينةِ إنَّ أبا داودَ اشتَرى الجنةَ من اللَّهِ بدرهمٍ انتهَى (^٣). ويحتملُ أنهُ إنَّما أرادَ طلبَ الدعوةِ كما قالَه ولم يكنْ يراهُ واجبًا، قالَ النووي (^٤): ويُستحبُّ لمنْ حضَر مَنْ عطَس فلمْ يحمدْ أنْ يذكِّرَهُ الحمدَ ليحمدَ فيشمِّتَه وهوَ منْ باب النصحِ والأمرِ بالمعروفِ. ومنْ آدابِ العاطسِ ما أخرجَهُ الحاكمُ (^٥) والبيهقي (^٦) منْ حديثٍ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"إذا عطسَ أحدُكم فليضعْ كفَّيْهِ على وجْهِهِ، وليخفضْ بها صوتَه\"، وأن يزيدَ بعدَ الحمدِ للَّهِ كلمةَ ربِّ العالمينَ، فإنهُ أخرجَ الطبراني (^٧) منْ حديثٍ ابن عباسٍ مرفوعًا: \"إذا عطسَ أحدُكم فقالَ: الحمدُ للَّهِ قالتَ الملائكةُ: ربِّ العالمينَ، فإذا قالَ: ربِّ العالمينَ قالتِ الملائكةُ: رحمكَ اللَّهُ\"، وفيهِ ضعْفٌ. ويشرعُ أنْ يشمِّتَهُ ثلاثا إذا كرَّرَ العُطاسَ، ولا يزيدُ عليها لما أخرجَه أبو داودَ (^٨) [من حديث] (^٩) أبي هريرةَ\n_________\n(^١) في \"الأدب المفرد\" (٩٢٨) وفي \"صحيحه\" رقم (٦٢٢٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) بما أن أبا داود قد سمع العاطس وهو في السفينة فلم يشمته وهو فيها وفي إمكانه أن يسمعه صوته كما أسمعه ذاك عطاسه من غير إجهاد وكيف يستحق الجنة في مقابلة ذلك الدرهم الذي أنفقه في غير مصلحة وهل الجنة ثمنها درهم؟ ألا أن ثمنها الإيمان والعمل الصالح وتطهير النفوس وحسن الخلق.\n(^٤) \"الأذكار\" (ص ٤٣٢).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٤/ ٢٦٤). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(^٦) أخرجه البيهقي في \"الأدب\" (٣٢٢) بنحوه.\n(^٧) كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٥٧) وقال الهيثمي: فيه عطاء بن السائب وقد اختلط.\n(^٨) في \"السنن\" رقم (٥٠٣٤)، وهو حديث حسن.\n(^٩) في (ب): \"عن\".","vol":"8","page":135},{"text":"مرفُوعًا: \"إذا عطسَ أحدُكم فليشمِّتْهُ جليسُه، فإنْ زادَ على ثلاثِ فهوَ مزكومٌ، ولا يشمَّتُ بعدَ ثلاثٍ\". قالَ ابنُ أبي جمرةَ: في الحديثِ دليلٌ على عِظَم نعمةِ اللَّهِ تعالى على العاطسِ، يؤخذُ ذلكَ مما رتبَ عليهِ منَ الخيرِ، وفيهِ إشارةٌ إلى عظمةِ أفضلِ، (^١) اللَّهِ تعالى علَى عَبْدِهِ، فإنهُ أذهبَ عنهُ الضررَ بنعمةِ العُطَاسِ، ثمَّ شرعَ لهُ الحمدَ الذي يثابُ عليهِ، ثمَّ الدعاءَ بالخيرِ لمنْ يشمِّتهُ بعدَ الدعاءِ منهُ لهُ بالخيرِ، ولما كانَ العاطسُ قدْ حصلَ لهُ بالعطاسِ نعمةٌ ومنفعةٌ بخروج الأبخرةِ المحتقنةِ في دماغهِ التي لو بقيتْ فيهِ أحدثتْ أدواءَ عَسِرةً شُرعَ لهُ حمدُ اللهِ على هذهِ النعمةِ معَ بقاءِ أعضائه على هيئتِها والتئامِها بعدَ هذهِ الزلزلةِ التي هيَ للبدنِ كزلزلةِ الأرضِ.\nومفهومُ الحديثِ أنهُ لا يشمتُ غيرُ المسلمِ كما عرفتَ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (^٢) والترمذيُّ (^٣) وغيرُهما (^٤) بأسانيدَ صحيحةٍ منْ حديثٍ أبي موسَى قالَ: كانَ اليهودُ يتعاطسونَ عندَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، يرجونَ أنْ يقولَ لهم: يرحمُكم اللَّهُ، فيقولُ: \"يهديكمُ الله ويصلحُ بالَكُم\"، ففيهِ دليلٌ على أنهُ يقالُ لهم ذلكَ ولكنْ إن حمد الله.\nالخامسةُ: قولُه: \"وإذا مرضَ فعدْهُ\"، فيه دليلٌ على وجوبِ عيادةِ المسلم للمسلمِ، وجزمَ البخاريُّ بوجوبِها. قيلَ: يحتملُ أنَّها فرضُ كفايةٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّهّا مندوبةٌ. ونقلَ النوويُّ الإجماعَ على عدمِ الوجوبِ. قالَ المصنفُ: يعني على الأعيانِ. وإذا كانت حقًّا للمسلمِ على المسلمِ فسواءٌ فيهِ منْ يعرفُه ومَنْ لا يعرفُه، وسواءٌ القريبُ وغيرهُ، وهوَ عامٌّ لكل مرضٍ، وقد استثنَى منهُ الرمدَ ولكنَّه قدْ أخرجَ أبو داودَ (^٥) منْ حديثٍ زيدِ بن أرقمَ: \"قالَ: عادني\n_________\n(^١) في (أ): \"نعمة\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٥٠٣٨).\n(^٣) في \"الأدب\" رقم (٢٧٤٠) وقال: حسن صحيح.\n(^٤) وأخرجه البخاري في \"الأدب\" رقم (٩٤٠).\nوحديث أبي موسى صحيح، والله أعلم.\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٣١٠٢). وقال: حديث زيد بن أرقم هذا حديث حسن، قاله المنذري.\nوذكر بعضهم عيادة المضمر عليه. وقال: هذا الحديث ردٌّ لما يعتقده عامة الناس أنه لا يجوز عندهم زيارة من مرض من عينيه. وزعموا أن ذلك لأنهم يرون في بيته ما لا يراه هو. وقال: حالة الإغماء أشد من حالة الرمد. وقد عاد النبي - ﷺ - جابرًا وهو مغمى عليه - وبقي في داره حتى أفاق، وفعله - ﷺ - هو الحجة.","vol":"8","page":136},{"text":"رسولُ اللَّهِ - ﷺ - منْ وجعِ بعيني\" وصحَّحَهُ الحاكمُ (^١)، وأخرجَهُ البخاريُّ (^٢) في الأدبِ المفردِ، وظاهرُ العبارةِ ولوْ في أولِ المرضِ إلَّا أنهُ أخرجَ ابنُ ماجهْ (^٣) منْ حديثِ أنسٍ: \"كانَ النبيُّ - ﷺ - لا يعودُ إلا بعدَ ثلاثٍ\"، وفيهِ راوٍ متروكٌ. ومفهومهُ كما عرفتَ دالٌّ على [أنهُ لا يعادُ الذميُّ] (^٤)، إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ أنهُ - ﷺ - (^٥) عادَ خادمهُ الذميَّ، وأسلمَ ببركةِ عيادتِه - ﷺ -، وكذلكَ (^٦) زارَ عمَّهُ أبا طالبٍ في مرضِ موتهِ وعرضَ عليهِ كلمةَ الإسلامِ.\nالسادسةُ: قولُه: \"وإذا ماتَ فاتبعْهُ\"، دليلٌ على وجوب تشييعِ جنازةِ المسلمِ معروفًا كانَ أوْ غيرَ معروفٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1439>انظر لمن هو دونك تعرف نعمة الله</span>\n٢/ ١٣٥٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اتْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"المستدرك\" (١/ ٣٤١).\n(^٢) رقم (٥٣٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٣٧٥) وقال الحافظ ابن حجر: سند أحمد جيد.\n(^٣) في \"السنن\" (١٤٣٧).\n• وقال في الزوائد: في إسناده مسلمة بن علي. قال فيه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة: منكر الحديث، ومن منكراته حديث: (كان لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث أيام).\nقال أبو حاتم: هذا منكر باطل. وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة واتفقوا على تضعيفه.\nقال السنديّ: قلت: لكن الأحاديث ذكرها السخاوي في \"المقاصد الحسنة\".\nوقال: يتقوى بعضها ببعض. وكذلك أخذ به بعض التابعين.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٦٥٦)، وأبو داود في \"سننه\" رقم (٣٠٩٥).\n(^٦) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٦٥٦) عن سعيد بن المسيب عن أبيه لما حُضرَ أبو طالب جاءه النبي - ﷺ -.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٤٩٠) بنحوه ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٩/ ٢٩٦٣).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٥١٣) وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه رقم (٤١٤٢).","vol":"8","page":137},{"text":"(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: انظُروا إلى مَنْ هوَ أسفلَ منكمْ، ولا تنظُروا إلى مَنْ هوَ فوقَكم، فهو أجْدَرُ) بالجيمِ والدالِ المهملةِ فراء [أي] (^١) أحقُّ (أنْ لا تزدَرُوا) تحتَقِروا (نعمةَ اللَّهِ عليكمْ). [علةٌ للأمرِ والنهي معًا] (^٢) (متفقٌ عديهِ). الحديثُ إرشادُ للعبدِ إلى ما يشكرُ بهِ النعمةَ.\nوالمرادُ بمنْ هوَ أسفلَ منَ الناظرِ في الدنيا فينظرُ إلى المبتلَى بالأسقامِ، وينتقلُ منهُ إلى ما فضلَ بهِ عليهِ منَ العافيةِ التي هي أصلُ كلِّ إنعامٍ، وينظرُ إلى مَنْ في خَلْقِهِ نقصٌ منْ عَمَى أو صممٍ أوْ بَكَمٍ، وينتقلُ إلى ما هوَ فيهِ منَ السلامةِ عنْ تلكَ العاهاتِ التي تجلبُ الهمَّ والغمَّ، وينظرُ إلى مَنِ ابتُلِيَ بحب الدنيا وجمع حطامها والامتناعِ عما يجبُ عليه منَ الحقوقِ فيعلم أنهُ قدْ فضلَ [منها عليه من الحقوق فيعلم أنه قد فضل عليه] (^٣) بالإقلالِ، [وأنعمَ] (^٤) عليهِ بقلةِ تبعةِ الأموالِ في الحالِ والمآلِ، وينظرُ إلى منِ ابتُلِيَ بالفقر المدقعِ أو [بالدَّيْنِ] (^٥) المفظِع [ويعلمُ] (^٦) ما صارَ إليهِ منَ السلامةِ منَ الأمريْنِ وتقرُّ بما أعطاهُ ربُّه العَيْنُ، وما منْ مبتلَى في الدنيا بخيرٍ أو شرٍّ إلا ويجدُ مَنْ هو أعظمُ منهُ بليةً فيتسلَّى بهِ ويشكرُ ما هوَ فيهِ مما يرى غيرَه ابُتلي بهِ، وينظرُ مَنْ هوَ فوقَه في الدينِ فيعلمُ أنهُ منَ المفرِّطينَ، فبالنظرِ الأولِ يشكرُ ما للَّهِ عليهِ منَ النعمِ، وبالنظرِ الثاني يستحْيي منْ مولاهُ ويقرعُ بابَ المتابِ بأناملِ الندمِ فهوَ بالأولِ مسرورٌ بنعمة اللَّهِ [عليه من النعم] (^٧)، وفي الثاني منكسرُ النفسِ حياءً منْ مولاهُ.\nوقدْ أخرجَ مسلمٌ (^٨) منْ حديثٍ أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"إذا نظرَ أحدُكم إلى مَنْ فضلَ عليهِ في المالِ والخلقِ فلينظرْ إلى مَنْ هوَ أسفلَ منهُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1440>البر حسن الخلق</span>\n٣/ ١٣٥٨ - وَعَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"المدين\".\n(^٦) في (أ): \"فليعلم\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٢٩٦٣).","vol":"8","page":138},{"text":"عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْم، فَقَالَ: \"الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، والإِثْمُ مَا حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n\n<span data-type='title' id=toc-1441>ترجمة النواس</span>\n(وعنِ النواسِ) (^٢) بفتحِ النونِ، وتشديدِ الواوِ، وسينٍ مهملةٍ (ابن سمعانَ)، بفتحِ السينِ المهملةِ وكسْرِها، وبالعينِ المهملةِ. وردَ أبوه سمعانُ [الكلابيُّ] (^٣) على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وزوَّجه ابنته، وهي التي تعوَّذتْ منَ النبيِّ - ﷺ -. سكنَ النواسُ الشامَ وهوَ معدودٌ منْهم. وفي صحيحِ مسلمٍ [نسبتُه] (^٤) إلى الأنصارِ: قالَ المازريُّ [والقاضي] (^٥) عياضٌ: المشهورُ أنهُ كلابيٌّ، ولعلَّه حليفُ الأنصارِ (قالَ: سألتُ رسول اللَّهِ - ﷺ - عن البرِّ والإثمِ، فقالَ: البرِّ حسن الخلقِ، والإثمُ ما حاكَ في صدْرِكَ، وكرِهتَ أنْ يطَّلعَ عليهِ الناسُ. أخرجَه مسلمٌ). قالَ النوويُّ (^٦): قال العلماءُ: البر يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدقة، وبمعنى اللطف والمبرَّة، وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعات، وهذه الأمور هي [مجامع] (^٧) حسنُ الخلقِ.\nقال القاضي (^٨) عياض: حسن الخلق مخالقةُ الناسِ بالجميلِ، والبِشْرِ والتوددِ لهم، والإشفاقِ عليهم، واحتمالِهم، والحلم عنْهم، والصبرِ عليهم في المكارهِ، وتركِ الكِبْرِ والاستطالةِ عليهم، ومجانبةِ الغلظةِ والغضبِ والمؤاخذةِ. وحكَى فيهِ خلافًا هلْ هوَ غريزةٌ أو مكتَسبٌ؟ والصحيحُ أنهَّ منهُ ما هوَ غريزةٌ، ومنهُ ما هوَ مكتَسَبٌ بالتخلُّقِ والاقتداءِ بغيرهِ. [و] (^٩) قالَ الشريفُ في التعريفاتِ (^١٠): [قيلَ] (^١١): حسنُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١٤/ ٢٥٥٣).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الاستيعاب\" رقم (٢٦٩٥)، \"الإصابة\" رقم (٨٨٤٥) و\"أسد الغابة\" رقم (٥٣١٤)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٢٦).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"نسبه\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) ذكره النووي في شرح مسلم\" (١٦/ ١١١).\n(^٧) في (أ): \"تجامع\".\n(^٨) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١٦/ ١١١).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) في \"التعريفات\" (ص ١٠٩). ونقله الغزالي في \"الإحياء\" (٣/ ٥٣).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"8","page":139},{"text":"الخلقِ هيئةٌ راسخةٌ تصدرُ عنْها الأفعالُ المحمودةُ بسهولةٍ [وُيسر] (^١) منْ غيرِ حاجةٍ إلى [تكلُّف و] (^٢) إعمالِ فكرٍ وروَّيةٍ، انتهَى. قيلَ: ويجمعُ حسنَ الخلقِ قولُه:\n\"طلاقةُ الوجْهِ وكفُّ الأذى … وبَذْلُكَ المعروفِ حسنُ الخلقِ\" (^٣).\nوقولُه: \"والإثمُ ما حاكَ في صدركَ، وكرهتَ أنْ يظَلعَ عليهِ الناسُ\"، [أي: تحركَ الخاطرُ في صدْرِكَ، وترددتَ] (^٤) هلْ تفعلُه [أو لا تفعلهُ، فلم ينشرح له الصدر لخشية اللَّوم من الله تعالى، أو من الناس، ولم يحصل الطمأنينة في فعله] (^٥) لكونه [إثمًا] (^٦) [لا لومَ فيهِ، أو تتركُه خشيةَ اللَّومِ عليهِ منَ اللَّهِ ﷾ ومنَ الناسِ، لو فعلْتَه فلمْ ينشرحْ بهِ الصدرُ، ولَا حصلتِ (الطمأنينةُ بفعلهِ خوفَ كونِه ذنبًا)] (^٧)، ويفهمُ منهُ أنهُ ينبغي تركُ ما ترددَ إباحته [أو حظره] (^٨). وفي معناهُ حديثُ: \"دعْ ما يريبكَ إلى ما لا يريبكَ\"، أخرجَهُ البخاريُّ (^٩) منْ حديثٍ الحسنِ بن علي. وفيهِ دليلٌ على أن الله تعالَى قدْ جعلَ للنفسِ إدراكًا لما لا يحلُّ فعلُه وزاجرًا عنْ فعلهِ [بمجرد النفس] (^١٠).\n\n<span data-type='title' id=toc-1442>لا يتناجى اثنان دون الثالث</span>\n٤/ ١٣٥٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (^١١). [صحيح]\n_________\n(^١) في (ب): وتيسَّر.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) ويؤيد هذا البيت الحديث الذي أخرجه مسلم رقم (١٤٤/ ٢٦٢٦) عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق\".\n(^٤) في (أ): (أي تردد في صدرك)، والمثبت من (ب).\n(^٥) و(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) أخرجه الترمذي رقم (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٣) و(٤/ ٩٩)، والدارمي (٢/ ٢٤٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٠٣٢). وصحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي. وكذلك صحَّحه ابن حبان رقم (٥١٢ - موارد) وقد وهم المؤلف رحمه الله تعالى بعزوه للبخاري من حديث الحسن بن علي.\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) البخاري رقم (٦٢٩٠)، ومسلم رقم (٣٧/ ٢١٨٤).","vol":"8","page":140},{"text":"(وعنِ ابن مسعودٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا كنتمُ ثلاثةً فلا يتناجي اثنانِ) [دون الثالث] (^١). المناجاةُ: المشاورةُ والمسارَّةُ ([دونَ الآخرِ] (^٢)، حتى تختلطوا بالناسِ)، وعلَّلَه بقولهِ: (منْ أجلِ أن ذلكَ يحزنُه. متفقٌ عليه. واللفظُ لمسلمٍ). فيهِ النَّهْيُ عنْ تناجي الاثنينِ إذا كانَ معَهما ثالثٌ، لا إذا كانُوا أكثر من ثلاثةٍ لانتفاءِ العلَّةِ التي نصَّ عليها، وهيَ أنهُ يحزنُه انفرادُه وإيهامُ أنهُ ممنْ لا يؤهلُ للسرِّ، أو يوهمهُ أن التناجي منْ أجلهِ. ودلَّت العلةُ على أنَّهم إذا كانُوا أربعةً فلا نهيَ عن انفرادِ اثنينِ بالمناجاةِ لفقدِ العلةِ. وظاهرُ الحديث عام لجميعِ الأحوالِ في سفر وحضر. وإليهِ ذهب ابنُ عمرَ (^٣) ومالكٌ وجماهيرُ العلماءِ، وادَّعى بعضُهم (^٤) نسخَه ولا دلَّيَلَ عليهِ. وأما الآياتُ في سورةِ المجادلةِ (^٥) فهيَ في نهي اليهودِ عن التناجي كما أخرجَهُ عبدُ بنُ حميدٍ (٤)، وابنُ المنذر (^٦) عنْ مجاهدٍ في قولهِ تعالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ الآية، قالَ: اليهودُ. وأخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ (^٧) عنْ مقاتلٍ بن حيانَ قالَ: \"كانَ بينَ اليهودِ وبينَ النبيِّ - ﷺ - موادعة، فكانُوا إذا مرَّ بهمْ رجلٌ منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ - ﷺ - جلسُوا يتناجونَ بينَهم حتَّى يظنَّ المؤمنُ أنَّهم يتناجون بقتلِه، أَو بما [يكرهه] (^٨)، فإذا [رآهم] (^٩) المؤمنُ خشيَهم فتركَ طريقَه عليهم فنهاهم النبيُّ - ﷺ - عن النَّجْوى، فلم ينتَهوا فأنزلَ اللَّهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-1443>من جلس في مكان مباح فهو أحق به</span>\n٥/ ١٣٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١٠). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٦٣).\n(^٤) كما في \"الدر المنثور\" (٨/ ٧٩).\n(^٥) سورة المجادلة: الآية ٩.\n(^٦) كما في \"الدر المنثور\" (٨/ ٧٩).\n(^٧) كما في \"الدر المنثور\" (٨/ ٨٠).\n(^٨) في (ب): \"يكره\".\n(^٩) في (ب): \"رأى\".\n(^١٠) أخرجه البخاري رقم (٦٢٧٠).\nومسلم رقم (٢٨/ ٢١٧٧).","vol":"8","page":141},{"text":"(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يقيمُ الرجلَ الرجلَ منْ مجلسِه ثمَّ يجلسُ فيهِ، ولكنْ تفسَّحوا وتوسَّعوا. متفقٌ عليهِ). وفي لفظٍ [لمسلمٍ] (^١): \"لا يقيمنَّ\" بصيغةِ النَّهي مؤكَّدًا، فلفظُ الخبرِ في هذا الحديثِ الذي أَتَى بهِ المصنفُ في معنَى النَّهْي، وظاهرُه التحريمُ، فمنْ سبقَ إلى موضعٍ مباحٍ منْ مسجدٍ أو غيرهِ لصلاةٍ أو غيرِها منَ الطاعاتِ فهوَ أحقُّ بهِ، ويحرمُ على غيرِه أنْ يقيمَهُ منهُ، إلا أنهُ قدْ أفادَ حديثُ: \"منْ قامَ منْ مجلسِه ثمَّ رجعَ إليهِ فهوَ أحقُّ بهِ\"، أخرجَهُ مسلمٌ (^٢): أنهُ إذا كانَ قدْ سبق فيهِ حق لأحدٍ [بقعودِه] (^٣) فيهِ منْ مصلٍّ أو غيرهِ، ثمَّ فارقَه [لأيِّ حاجةٍ] (^٤)، ثمَّ عادَ إليه وقد قعدَ فيهِ أحدُ كان لهُ أنْ يقيمَه منهْ، وإلى هذا ذهب الهادويةُ والشافعيةُ. وقالت الشافعية: لا فرقَ في المسجدِ بينَ أنْ يقومَ ويتركَ فيهِ سجادةً أو نحوَها أوْ لا، فإنهُ أحقُّ بهِ. قالُوا: وإنَّما يكونُ أحقَّ بهِ في تلكَ الصلاةِ وحدَها دونَ غيرِها. والحديثُ يشملُ مَنْ قعدَ في موضعٍ مخصوصٍ لتجارةٍ أو حرفةٍ أو غيرِهِما، [قالُوا: وكذلكَ] (^٥) منِ اعتادَ في المسجدِ محلًا يدرسُ فيهِ فهوَ أحقُّ بهِ، [قالَ المهديُّ] (^٦): إلى العشيِّ. [وقالَ الغزاليُّ] (^٧): إلى الأبدِ ما لمْ يضربْ. وأما إذا قامَ القاعدُ منْ محلِّه لغيرِه فظاهرُ الحديثِ جوازهُ، ورُوِيَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ إذا قامَ لهُ الرجلُ منْ مجلسِه لا يقعدُ فيهِ، وحُمِلَ على أنهُ تركَه تورُّعًا لجوازِ أنه قامَ له حياءً منْ غيرِ طيبِة نفسٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1444>لعق الأصابع والصحفة</span>\n٦/ ١٣٦١ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"مسلم\".\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢١٧٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٥٣)، وابن ماجه رقم (٣٧١٧).\n(^٣) في (أ): \"يتعوده\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"كذا\".\n(^٦) في (أ): \"قيل\".\n(^٧) في (أ): \"وقيل\".\n(^٨) أخرجه البخاري رقم (٥٤٥٦)، ومسلم رقم (٢٠٣١) \"١٢٩\".\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٨٤٧)، وابن ماجه رقم (٣٢٦٩).","vol":"8","page":142},{"text":"(وعنِ ابن عباسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إذا أكلَ أحدُكم طعَامًا فلا يمسحْ يدَه حتَّى يلْعقَها) بنفسِه، (أو يُلْعِقَها) غيرَه. الأولُ بفتح حرف المضارعَةِ منْ لعقَ، والثاني [بضمِّه] (^١) من ألعقَ [رباعي والأول ثلاثي] (^٢) (متفقٌ عليهِ). والحديثُ دليلٌ على عدمِ [تعيينِ] (^٣) غسلِ اليدِ منَ الطعامٍ، وأنهُ يجزئُ مسحُها، وفيهِ دليل على أنهُ يجبُ لعقُ اليدِ أو إلعاقُها الغيرَ، وعلَّلهُ في الحديثِ: \"بأنهُ لا يدري في أيِّ طعامِه البركةُ\" كما أخرجَهُ مسلمٌ (^٤) أنهُ - ﷺ -: \"أمرَ بلعقِ الأصابعِ والصحفةِ وقالَ: \"إنكمُ لا تدرونَ في أيٍّ البركةُ\"، \"وكذلكَ أمرَ - ﷺ - بالتقاطِ اللقمةِ [من الأرض] (^٥) ومسْحِها وأكْلِها\" كما في روايةٍ (^٦) لمسلمٍ أيضًا بلفظٍ: \"إذا وقعتْ لقمةُ أحدِكم فلْيُمِطْ ما بها منَ الأذى، وليأكلْها، ولا يدعْها للشيطانِ\". وهذهِ الأمورُ منَ اللعقِ والإلعاقِ، ولعقِ الصحفةَ، وأكلِ ما يسقطُ، ظاهرُ الأوامر وجوبها. وإلى هذا ذهبَ أبو محمدِ بن حزمٍ، وقالَ: إنَّها فرضٌ. والبركةُ هي النماءُ والزيادةُ والخيرُ، والمرادُ هنا ما يحصلُ بهِ التغذيةُ وتسلمُ عاقبتُه من أذَى والتقوى علَى طاعةِ اللَّهِ وغيرِ ذلكَ. وهذهِ البركةُ قدْ تكونُ في لعق اليد، أو لعقِ الصحفةِ، أوْ أكْلِ ما [سقط على الأرض، وإذا] (^٧) كانَ علَّلَ أكْلَ الساقطِ بأنهُ لا يدعُها للشيطانِ. والمرادُ منْ قولهِ يدَه هوَ أصابعُ يدهِ الثلاثِ كما وردَ أنهُ (^٨) - ﷺ - كان يأكل بثلاثِ أصابعَ ولا يزيدُ الرابعةَ والخامسةَ إلا إذا احتاجَهما، بأنْ يكونَ الطعامُ غيرَ مشتدٍّ أو نحو ذلك. وقدْ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٩): \"أنهُ - ﷺ - كانَ إذا أكلَ أَكَلَ بخمسٍ\" وهوَ مرسلٌ. وفي الحديث دلالةٌ على أنهُ لا بأسَ بإلعاقِ الغيرِ أصابعَه منْ زوجةٍ وخادمٍ وولدٍ وغيرِهم، فإنْ تنجستِ اللقمةُ الساقطةُ فيزيلُ ما فيها منْ نجاسةٍ إنْ أمكنَ، وإلا أطعَمَها حيوانًا، ولا يدعُها للشيطانِ كما [قاله] (^١٠)\n_________\n(^١) في (أ): \"بضمها\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٠٣٣).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٢٠٣٣).\n(^٧) في (ب): \"ما يسقط من لقمةٍ وإنْ\".\n(^٨) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١٣١ و١٣٢/ ٢٠٣٢).\n(^٩) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٨/ ٧٨٢ رقم ٤٥١٧) عن الزهري.\n(^١٠) في (ب): \"ذكره\".","vol":"8","page":143},{"text":"النوويُّ (^١) بناءً على جوازِ إطعامِ [الحيوان الطعام] (^٢) المتنجس، وهو إجْماعُ الأمة خلَفًا عنْ سلفٍ. وتقدَّم الكلامُ في ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1445>يسلِّم الصغير الكبير</span>\n٧/ ١٣٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكثِيرِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣)، وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (^٤): \"وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي\". [صحيح]\n(وعنْ أبي هريرةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: ليسلِّمِ الصغير علَى الكبيرِ، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير. متفقٌ عليه. [وفي رواية لمسلمٍ) منْ روايةٍ أبي هريرةَ] (^٥): (والراكبُ على الماشي)، بلْ هوَ في البخاريِّ. وقالَ المصنفُ: إنهُ لم يقعْ تسليمُ الصغيرِ على الكبيرِ في صحيحِ مسلمٍ، فيشكلُ جعل الحديثِ منَ المتفقِ عليهِ. وظاهرُ الأمرٍ الوجوبُ. وقالَ المازريُّ (^٦): إنهُ للندبِ. قالَ: فلوْ تركَ المأمورُ بالابتداءِ فبدأَ الآخرُ كانَ المأمورُ تارِكًا للمستحَبِّ والآخرُ فاعلًا للسنةِ.\nقلتُ: والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، وكأنهُ صرفَه عنهُ الاتفاقُ على عدمِ وجوب البداءةِ بالسلام. والحديثُ فيهِ شرعية ابتداءِ السلامِ منَ الصغيرِ على الكبيرَ. قالَ ابنُ بطالٍ (^٧) عن المهلَّبِ: وإنَّما شُرعَ للصغيرِ أنْ يبتدئَ الكبيرَ لأجلِ حقِّ الكبيرِ، ولأنهُ أُمِرَ بتوقيرهِ والتواضعِ لهُ. ولو تعارضَ الصغرُ المعنويُ والحسيُّ كأنْ يكونُ الأصغرُ أعلمَ مثلًا. قالَ المصنفُ: لم أرَ فيهِ نقلًا، والذي يظهرُ اعتبارُ السنِّ لأنَّ الظاهرَ تقديمُ الحقيقةِ على المجازِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ المارِّ بالسلامِ\n_________\n(^١) في \"المجموع شرح المهذب\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٢٣١)، ومسلم رقم (٢١٦٠).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥١٩٧) و(٥١٩٩)، والترمذي (٢٧٠٤) و(٢٧٠٥).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢١٦٠).\n(^٥) في (أ): \"ولمسلم\".\n(^٦) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٦).\n(^٧) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٧).","vol":"8","page":144},{"text":"للقاعدِ. قال المازريُّ (^١): لأنهُ قدْ يتوقعُ القاعدُ منهُ الشرَّ، ولا سيِّما إذا كانَ راكِبًا، فإذا ابتدأَه بالسلامِ أمِنَ منهُ، وأنسَ إليهِ، أو لأنَّ في التصرفِ في الحاجاتِ امتهانًا فصارَ للقاعدِ مزيةٌ فأمرَ [المارَّ] (^٢) بالابتداءِ، أو لأنَّ القاعدَ يشقُّ عليهِ مراعاةُ المارِّينَ معَ كثرتِهم فسقطتِ البداءةُ عنهُ للمشقةِ عليهِ، وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ القليلِ بالسلامِ على الكثيرِ. وذلك لفضيلةِ الجماعةِ، أوْ لأنَّ الجماعةَ لو ابتدؤُوا لخِيفَ على الواحدِ الزهوُّ فاحتيطَ لهُ، لو مرَّ جمعٌ كثيرٌ على جمع قليلٍ، أو مرَّ الكبيرُ على الصغيرِ: قالَ المصنفُ: لم أرَ فيه نصًا. واعتبرَ النوويُّ (^٣) المرورَ فقالَ: الواردُ يبدأُ سواءٌ كانَ صغيرًا أو كبيرًا. وذكرَ الماورديُّ (^٤) أن منْ مشَى في الشوارعِ المطروقةِ كالسوقِ أنهُ لا يسلِّم إلا على البعضِ لأنهُ لو سلَّم على كلِّ منْ لقي لتشاغلَ به على المهمِّ الذي خرجَ لأجلهِ، وخرجَ بهِ عن العرفِ. وفيهِ شرعيةُ ابتداءِ الراكبِ على الماشي، وذلكَ لأنَّ للراكبِ مزيةً على الماشي، فعوَّضَ الماشيَ بأنْ يبدأهُ الراكبُ بالسلامِ احتياطًا على الراكبِ منَ الزهوِّ لو حازَ الفضيلتينِ، وأما إذا تلاقَى راكبانِ أو ماشيانِ فقدْ تكلَّم فيها المازريُّ (^٥) فقالَ: يبدأُ الأَدْنَى [منهما] (^٦) على الأعلَى قدْرًا في الدينِ إجلالًا لفضلِه، لأنَّ فضيلةَ الدينِ مرغَّبٌ فيها في الشرعِ، وعلَى هذَا لو التقَى راكبانِ ومركوبُ أحدِهما أعلَى في الجنسِ منْ مركوبِ الآخرِ كالجملِ والفرسِ فيبدأُ راكبُ الفرسِ، أو يُكْتَفَى بالنظرِ إلى أعلاهُما قدْرًا في الدينِ، فيبدأُ الذي [هوَ] (^٧) فوقَه، والثاني أظهرُ، كما لا ينظرُ إلى مَنْ يكونُ أعلاهُما قدْرًا منْ وجهةِ الدنيا إلَّا أنْ يكونَ [سلطانًا] (^٨) يُخْشى منهُ، وإذا تساوى المتلاقيانِ منْ كلِّ جهةٍ فكلٌّ منْهما مأمورٌ بالابتداءِ، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلامِ كما ثبتَ في حديثٍ (^٩) المتهاجرَيْنِ.\nوقَدْ أخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (^١٠) بسندِ صحيحٍ منْ حديثٍ جابرٍ:\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٧).\n(^٤) انظر: \"الأذكار\" للنووي (ص ٤٠٩).\n(^٥) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ١٦).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٠٧٧)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٥٦٠).\n(^١٠) رقم (٩٩٤ ث ٢٢٩).","vol":"8","page":145},{"text":"(الماشيانِ إذا اجتمَعا فأيُّهما بدأَ بالسلامِ فهوَ أفضلُ\". وأخرجَ (^١) الطبرانيُّ بسندٍ صحيحٍ عن الأغرِّ المزنيِّ قالَ: قالَ لي أبو بكر: لا يسبقكَ أحدٌ بالسلام. وأخرجَ الترمذيُّ (^٢) منْ حديثٍ أبي أمامةَ مرفُوعًا: \"أنَّ أَوْلَى الناسِ باللَّهِ مَنْ بدأَ بالسلامِ؛ وقالَ: حسن. [وأخرج] (^٣) الطبراني (^٤) [في] (^٥) حديثٍ: \"قلْنا يا رسولَ اللَّهِ، إنا نلتقي فأيُّنا يبْدأُ بالسلامِ؟ قالَ: أطوعُكم للَّهِ تعالَى\".\n٨/ ١٣٦٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَبُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ\"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (^٦)، وَالْبَيْهَقِي (^٧). [صحيح]\n(وعنْ عليٍّ - ﵁ - وكرَّم الله وجهه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: يجزئُ عن الجماعةِ إذا مرُّوا أنْ يسلِّمَ أحدُهم، ويجزئ عن الجماعةِ أنْ يردَّ أحدُهم. رواة أحمدُ، والبيهقيُّ). فيهِ أنهُ يجزئُ تسليمُ الواحدِ عن الجماعةِ ابتداءً وردًّا. قالَ النوويُّ (^٨): يُسْتَثْنَى منْ العموم بابتداء السلامِ منْ كانَ يأكلُ، أوْ يشربُ أوْ يجامعُ، أوْ كانَ في الخلاءِ، أوْ في الحمام، أوْ نائمًا، أوْ ناعِسًا، أو مصليًا (^٩)، أو مؤذِّنًا ما دامَ متلبّسًا بشيءٍ مما ذُكِرَ، إلَّا أَنَّ السلامَ على مَنْ كانَ في الحمامِ إنَّما كُرِهَ إذا لم يكنْ عليهِ إزارٌ، وإلَّا فلا كراهةَ، وأما السلامُ حالَ الخطبةِ في الجمعةِ [فيكرهُ] (^١٠) للأمرِ بالإنصاتِ، فلو\n_________\n(^١) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٢): رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) في \"السنن\" (٢٦٩٤) وقال: حسن.\nقلت: وأخرجه أبو داود (٥١٩٧)، وقال الحافظ: هذا حديث حسن، وابن حبان (٩١١).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) كما في \"مجمع الزوائد\" للهيثمي (٨/ ٣٢) وقال: وفيه من لم أعرفهم.\n(^٥) في (أ): \"من\".\n(^٦) لم أعثر عليه.\n(^٧) في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٤٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود في \"السنن\" رقم (٥٢١٥)، وهو حديث حسن رجاله رجال الصحيح. انظر: \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣٠٥).\n(^٨) في \"الأذكار\" (ص ٤٥١).\n(^٩) في هذا نظر فإن النبي - ﷺ - كان يسلَّم عليه وهو في الصلاة فيرد بالإشارة ولم ينكر ذلك.\n(^١٠) زيادة من (ب).","vol":"8","page":146},{"text":"سلَّمَ لم [يجبِ الردُّ عليهِ] (^١) عندَ مَنْ قالَ [الإنصاتُ واجبٌ] (^٢). [ويجبُ عندَ] (^٣) مَنْ قالَ بأنهُ سنةٌ، وعلَى الوجهينِ لا ينبغي أنْ يردَّ أكثرُ منْ واحدٍ. وأما المشتغلُ بقراءةِ القرآنِ فقالَ الواحديُّ (^٤): الأَوْلَى تركُ السلامِ عليهِ، فإنْ سلَّم [عليه أحد] (^٥) كفاهُ الردُّ بالإشارةِ وإنْ ردَّ لفظًا استأنفَ الاستعاذةَ وقرأَ. قالَ النوويُّ (^٦): فيهِ نظرٌ، والظاهرُ أنهُ يُشْرَعُ السلامُ عليهِ ويجبُ عليهِ الردُّ. ويندبُ (^٧) السلامُ على مَنْ دخلَ بيتًا [وإن لم يكن] (^٨) فيهِ أحدٌ لقوِله تعالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (^٩) الآيةَ. وأخرجَ البخاريُّ (^١٠) في الأدبِ المفردِ، وابنُ أبي شيبةَ (^١١) بإسنادٍ حسنِ عن ابن عمرَ - ﵁ -: \"يستحبُّ إذا لم يكنْ في البيتِ أحدٌ أنْ يقولَ السلامُ علينا وعلَى عبادِ اللَّهِ الصالحين\". وأخرجَ الطبرانيُّ (^١٢) عن ابن عباسٍ نحوَه. فإنْ ظَنَّ المارُّ أنهُ إذا سلَّم على القاعدِ لا يردُّ عليهِ فإنهُ يتركُ ظنَّه ويسلِّمُ، فلعلَّ ظنَّه يخطئ وإنْ لم يردَ عليهِ سلامه ردتْ عليهِ الملائكةُ كما وردَ ذلكَ، وأما مَنْ قالَ لا يسلِّم على مَنْ ظنَّ أنهُ لا يردُّ عليهِ لأنهُ يكونُ سببًا لتأثيمِ الآخرِ فهوَ كلامٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ المأموراتِ الشرعيةَ لا تُتْرَكُ لمثلِ هذَا، ذكرَ [معناهُ] (^١٣) النوويُّ (^١٤)، وقالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^١٥): لا ينبغي أنْ يسلِّمَ عليهِ الأنَّ توريطَ المسلمِ في المعصيةِ أشدُ منْ مصلحةِ السلامِ عليهِ، وامتثالُ حديثٍ الأمرِ بالإفشاءِ يحصلُ\n_________\n(^١) في (أ): \"يستحق ردًا\".\n(^٢) في (أ): \"بوجوب الإنصات كما في الظاهر\".\n(^٣) في (أ): \"وأما\".\n(^٤) \"الأذكار\" (ص ٤٠١).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) \"الأذكار\" (ص ٤٠١).\n(^٧) انظر: \"الأذكار\" (ص ٤١٠).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) سورة النور: الآية ٦١.\n(^١٠) رقم (١٠٥٥ ث ٢٦١) وفي ذيله أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه.\n(^١١) في \"مصنفه\" رقم (٥٨٨٦).\n(^١٢) لم أجده عند الطبراني، ولعله الطبري، فقد أخرجه في \"جامع البيان\" (١٠/ ج ١٨/ ١٧٤، ١٧٥)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢/ ٤٠١) وزاد السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٢٧) نسبته لعبد الرزاق، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٣) زيادة من (ب).\n(^١٤) \"الأذكار\" (ص ٤١١).\n(^١٥) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٢٠).","vol":"8","page":147},{"text":"معَ غيرِ هذَا (^١). فإنْ قيلَ: هلْ يحسنُ أنْ يقولَ: \"ردُّ السلامِ فإنهُ واجبٌ\"، قيلَ: نعمْ فإنهُ منَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ فيجبُ، فإنْ لم يجبْ حَسُنَ أن يحلِّلَه منْ حقِّ الردِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1446>هل يُبدأُ الذمي بالسلام</span>\n٩/ ١٣٦٤ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَبْدَأُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وعنه) أي عن علي (- ﵁ - قالَ: قالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -: لا تبدأوا اليهودَ والنَّصَارَى بالسلامِ، وإذا لقيتُموهُم في طريقِ فاضْطَّرُوهُم إلى أضيقِه. أخرجَه مسلمٌ). ذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ لا يجوزُ ابتداءُ اليهودِ والنَّصارى بالسلامِ. وهوَ الذي دلَّ عليهِ الحديثُ؛ إذْ أصلُ النَّهي التحريمُ. وحُكِيَ عنْ بعضِ الشافعيةِ أنهُ يجوزُ الابتداءُ لهم بالسلامِ، ولكنْ يقتصِر على قولِ: السلامُ عليكمُ، ورُوِيَ ذلكَ عن ابن عباسٍ وغيرهِ، وحَكى القاضي عياضٌ عنْ جماعةٍ جوازَ ذلكَ لكنْ للضرورةِ والحاجةِ، وبهِ قالَ علقمةُ والأوزاعيُّ. ومنْ قالَ لا يجوزُ يقولُ: إنْ سلَّم على ذميٍّ ظنَّه مُسلمًا، ثم بانَ لهُ أنهُ يهوديٌّ فينبغي له أنْ يقولَ لهُ: رُدَّ عليَّ سلامي. ورُوِيَ عن ابن عمرَ (^٣) أنهُ فعلَ ذلكَ والغرضُ منهُ أنْ يوحِشَه ويظهرَ لهُ أنهُ ليسَ بينَهما ألفةٌ. وعنْ مالكٍ أنهُ لا يُسْتَحَبُّ أنْ يستردَّه، واختارَه ابنُ العربيِّ (^٤)، فإنِ ابتدأَ الذميُّ\n_________\n(^١) الإصرار على عدم رد السلام معصية، فالذي ينبغي إلقاء السلام عليه تذكيرًا له بالواجب وعساه يجيب. يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٢١٦٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥٢٠٥)، والترمذي رقم (٢٧٠٠) كلهم من حديث أبي هريرة وهو الصواب.\n(^٣) ذكره النووي في \"الأذكار\" (ص ٤٥٥)، قال: قال الحافظ لم يذكر المصنف من خرَّجه وقد وجدته في جامع ابن وهب، وأخرجه البيهقيُّ في \"شعب الإيمان\"، \"الفتوحات الربانية\" (٥/ ٣٤٤).\n(^٤) انظر: \"الأذكار\" (ص ٤٠٥).","vol":"8","page":148},{"text":"مسلِّمًا بالسلامِ ففي الصحيحينِ (^١) عنْ أنسٍ مرفُوعًا: \"إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولُوا: وعليكم\". وفي صحيحِ (^٢) البخاريِّ عن ابن عمرَ أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"إذا سلَّمَ عليكمْ اليهودُ [فقولوا: وعليكم] (^٣)، فإنَّما يقولُ أحدُهم السامُ عليكَ فقل وعليكَ\". وإلى هذهِ الروايةِ بإثباتِ الواوِ ذهبَ طائفة منَ العلماءِ، واختارَ بعضُهم حذفَ الواوِ لئلَّا يقتضي التشريكَ، وقدْ قدَّمْنَا ذلكَ، وما ثبتَ بهِ النصُّ أَوْلَى بالاتباعِ. قالَ الخطابيُّ: عامةُ المحدِّثينَ يروونَ هذا الحرفَ وعليكمْ بالواوِ، وكانَ ابنَ عيينةَ يرويهِ بغيرِ واو، قالَ الخطابيُّ: وهذا هوَ الصَّوابُ.\nقلت: وحيثُ ثبتتِ الروايةُ بالواوِ وبغيرها فالوجهانِ جائزانِ. وفي قولهِ: \"فقولُوا وعليكَ\"، ما يدلُّ على إيجاب الجوابِ عليهمْ في السلامِ. وإليهِ ذهبَ [عامة] (^٤) العلماءِ، ويُرْوَى عنْ آخرينَ أَنهُ لا يردُّ عليهمْ. والحديثُ يدفعُ ما قالُوهُ. وفي قولهِ: \"فاضْطّرُّوهم إلى أضْيَقِهِ\"، دليل على وجوب ردّهم عن وسطِ الطرقاتِ إلى أضيقِها. وتقدَّم فيهِ الكلامُ.\n١٠/ ١٣٦٥ - وَعَنْهُ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا عَطَسَ أَحَدُكمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ لَهُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح]\n(وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - (عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: إذا عطسَ أحَدُكْم فليقلْ الحمدُ للَّهِ، وليقلْ لهُ أخُوهُ: يرحمُكَ اللَّهُ، فإذا قالَ يرحمُكَ اللَّهُ فليقلْ: يهديْكُمُ اللَّهُ ويصلحُ بالَكُمْ. أخرجَه البخاريُّ) تقدَّم فيهِ الكلامُ، ولو أَتَى بهِ المصنفُ بعدَ أولِ حديثٍ في البابِ لكانَ الصوابُ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٦٢٥٨)، ومسلم رقم (٢١٦٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥٢٥٧)، وابن ماجه (٣٦٩٧).\n(^٢) لم أعثر عليه عند البخارى، بل أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢١٦٤).\nومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٦٠)، وأبو داود رقم (٥٣٠٦)، والترمذي رقم (١٦٠٣) عن ابن عمر - ﵁ -.\n(^٣) زيارة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"جماعة من\".\n(^٥) تقدم في شرح الحديث (١/ ١٣٥٦) من كتابنا هذا.","vol":"8","page":149},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1447>الكلام على الشرب قائمًا</span>\n١١/ ١٣٦٦ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَشْرَبَن أَحَدُكُمْ قَائِمًا\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يشربنَّ أحدُكم قائمًا. أخرجَهُ مسلمٌ)، وتمامُه: \"فمنْ نسيَ فليستقئْ\" من القيءِ، وأخرجَهُ أحمدُ (^٢) منْ وجهٍ آخرَ عنْ أبي هريرةَ \"أنهُ - ﷺ - رأَى رجلًا يشربُ قائمًا فقالَ: مه، فقالَ: لِمهْ؟ فقالَ: أيسرُّكَ أنْ يشربَ معكَ الهرُّ؟ قالَ: لا، قالَ: قدْ شربَ معكَ مَنْ هَو شرٌّ منهُ الشيطانُ\". وفيهِ راوٍ لا يُعْرَفُ، ووثَّقهُ يحيى بنُ معينِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الشربِ قائمًا، لأنهُ الأصلُ في النَّهْي (^٣) وإليهِ ذهبَ ابنُ حزمٍ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ خلافُ الأَوْلَى، وآخرونَ إلى أنهُ مكروهٌ، كأنَّهم صرفُوه عنْ ذلكَ لما في صحيحِ مسلمٍ (^٤) منْ حديثٍ ابن عباسٍ: \"سَقَيْتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - منْ زمزمَ فشربَ وهوَ قائمٌ\"، وفي صحيحِ البخاريِّ (^٥): \"أن عليًا - ﵁ - شربَ قائِمًا، وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كما رأيتموني فعلتُ\"، فيكونُ فعلُه - ﷺ - بيانًا لكونِ النَّهي ليسَ للتحريمِ. وأما قولُه: \"فليستقئْ\" فإنهُ [نقل اتفاقَ] (^٦) العلماءِ على أنهُ ليسَ على مَنْ شربَ قائمًا أنْ يستقيءَ، وكأنَّهم حملُوا الأمرَ أيضًا على الندبِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1448>يبدأ باليمين في التنعل</span>\n١٢/ ١٣٦٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١١٦/ ٢٠٢٦).\n(^٢) في \"المسند\" (١٧/ ١٠٩ رقم ١٩) \"الفتح الرباني\".\n(^٣) النهي هنا لا يصح أن يكون للتحريم، لأنه ثبت عنه - ﷺ - أنه شرب قائمًا. فالحكم النهي صرف من التحريم إلى الكراهة، والله أعلم.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١١٧) (٢٠٢٧) من حديث أبي هريرة وهو الصواب خلافًا للمخطوط عن علي - ﵁ -.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٥٦١٥).\n(^٦) في (أ): \"اتفق\".","vol":"8","page":150},{"text":"تُنْعَلُ، وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنهُ) أي عنْ أبي هريرةَ - ﵁ - (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إذا انتعلَ أحدُكم فليبدأْ باليمينِ، وإذا نزعَ) [أي نَعْلَه] (^٢) (فليبدأْ بالشمالِ. ولتكنِ اليمينُ أوّلَهما تُنعلُ، وآخرَهما تُنزعُ). أخرجَهُ مسلمٌ إلى قوله بالشمالِ، وأخرجَ باقيه مالكٌ (^٣)، والترمذي (^٤)، وأبو داود (^٥). [ظاهرُ] (^٦) الأمرِ على الوجوبُ، ولكنَّه قد ادّعى [القاضي] (^٧) عياضٌ الإجماعَ على أنهُ للاستحبابِ. قالَ ابنُ العربيِّ (^٨): البداءةُ باليمينِ مشروعةٌ في جميعِ الأعمالِ الصالحةِ، لفضلِ اليمينِ حِسًا في القوةِ، وشرْعًا في الندبِ إلى تقديمِها. قالَ الحليميُّ (^٩): إنَّما [يندب البدأ] (^١٠) بالشّمالِ عندَ الخلعِ لأنَّ اللُّبْسَ كرامة لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمين أكرم من اليسرى بدئ فيها باللبس، وأُخِّرتْ في النزعِ لتكونَ الكرامةُ لها أدومَ، وحصتُها منْها أكثرُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرّ (^١١): منْ بدأَ في الانتعالِ باليُسرى أساءَ لمخالفةِ السنةِ، ولكنْ لا يحرمُ عليه لبسُ نعليهِ. وقالَ [غيرهُ] (^١٢): ينبغي أنْ ينزع النعلُ منَ اليُسرى، ويُبْدَأَ باليمينِ، فلعل ابن عبدِ البرّ يريدُ أنهُ لا يُشْرَعُ لهُ الخلْعُ إذا بدأَ باليُسْرَى، ثم يستأنفُ لُبْسهَما على الترتيبِ المشروعِ لأنهُ قدْ فاتَ محلُّه. وهذا الحديثُ لا يدل على استحبابِ الانتعالِ لأنهُ قالَ إذا انتعلَ أحدُكم، ولكنَّه يدلُّ على مشروعيته ما\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٨٥٦).\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٦٧/ ٢٠٩٧).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"الموطأ\" (٢/ ٩١٦ رقم ١٥).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٧٧٩).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٤١٣٩).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٦١٦).\n(^٦) في (أ): \"دلَّ\".\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) ذكره الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١١).\n(^٩) ذكره الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٢).\n(^١٠) في (ب): \"يبدأ\".\n(^١١) في \"الاستذكار\" (٢٦/ ١٩٧ رقم ٣٩٢٠٨).\n(^١٢) في (أ): \"بعضهم\".","vol":"8","page":151},{"text":"أخرجَهُ مسلمٌ (^١): \"استكثرُوا منَ النِّعالِ، فإنَّ الرجلَ لا يزالُ راكِبًا ما انتعلَ\"، أي يُشْبهُ الراكبَ في خفةِ المشقةِ، وقلةِ النَّصَبِ، وسلامةِ الرجل منْ أَذَى الطريقِ، فإنَّ الأمَرَ إذا لم يُحْمَلْ على الإيجابِ فهوَ للاستحبابِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1449>النهي من المشي في نعل واحدة</span>\n١٣/ ١٣٦٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ في نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَلْينْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا\"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وعنهُ) أي عنْ علي - ﵁ - (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يمشِ أحدُكم في نعلٍ واحدةٍ، ولْيُنعِلْهما) بضمِّ حرفِ المضارعَةِ منْ أنعلَ كما ضبطَه النوويُّ، وضميرُ التثنيةِ للرجلينِ، وإنْ لم يجرِ لهما ذكرٌ [فإنهُ قد ذكرَ] (^٣) ما يدلُّ عليهما منَ النعلِ (جميعًا، أو ليخْلَعْهما) أي النعلينِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ (^٤): \"أو ليحفِهما جميعًا\"، وهوَ للقدمينِ (جميعًا. متفقٌ عليهِ) ظاهرُ النهي التحريمُ عن المشي في نعلٍ واحدةٍ. وحملهُ الجمهورُ على الكراهةِ، كأنهم جعلُوا القرينةَ حديثَ الترمذيِّ (^٥) عنْ عائشةَ قالتْ: \"ربَّما انقطعَ شسعُ نعل رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فمشَى في النعلِ الواحدةِ حتَّى يُصْلِحهَا\"، إلَّا أنهُ رجَّحَ البخاريُّ (^٦) وقْفَهُ [على عائشة من فعلها] (^٧). وقدْ ذكرَ رزينٌ (^٨) عنْها قالتْ: \"رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - ينتعلُ قائمًا، ويمشي في نعلٍ واحدٍ\". واختلفُوا في علةِ النَّهْي، فقالَ قومٌ (^٩): علَّتُه أن النعالَ شُرِعتْ لوقايةِ الرِّجْلِ عمَّا يكونُ في الأرضِ منْ شوكٍ ونحوِه، فإذا انفردتْ إحدَى الرِّجْلَيْنِ احتاجَ الماشي أنْ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦٦/ ٢٠٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٨٥٥).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (٦٨/ ٢٠٩٧)، كليهما من حديث أبي هريرة وهو الصواب.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٥٨٥٥).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (١٧٧٧).\n(^٦) كما في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٠).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) كما في \"جامع الأصول\" (١٠/ ٦٥٣) وهي رواية ضعيفة، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي عن الانتعال قائمًا، وعن المشي في نعل واحد.\n(^٩) ذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٠).","vol":"8","page":152},{"text":"يتوقَّى لإحدَى رجليهِ ما لا يتوقَّى للأُخرى، فيخرجُ لذلكَ عنْ سجيةِ مِشْيَتِهِ، ولا يأمنُ معَ ذلكَ العثارَ. وقيلَ إنَّها مِشيةُ الشيطانِ. وقالَ البيهقيُّ (^١): الكراهةُ لما في ذلكَ منَ الشهرةِ في الملابسِ. وقدْ وردَ في روايةٍ لمسلمٍ (^٢): \"إذا انقطعَ شسعُ أحدِكم فلا يمشِ في نعلٍ واحدةٍ حتَّى يصلِحَها\". وتقدَّم ما [يعارضُه] (^٣) منْ حديثٍ عائشةَ فيحملُ على الندبِ. وقدْ ألحقَ بالنعلينِ كلَّ لباسٍ شَفْعِ كالخفين. وقد أخرجَ ابنُ ماجهْ (^٤) منْ حديثٍ أبي هريرةَ: \"لا يمشِ أحدُكمْ في نعلٍ واحدةٍ، ولا خفٍّ واحدٍ\"، وهوَ عندَ مسلمٍ (^٥) منْ حديثٍ جابرٍ، وعندَ أحمدَ (^٦) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ، وعندَ الطبرانيِّ (^٧) منْ حديثٍ ابن عباسٍ (^٨). وقالَ الخطابيُّ (^٩): وكذَا إخراجُ اليدِ الواحدةِ منَ الكُمِّ دونَ الأُخْرى، [والتردي على أحد المنكبين دون الأخرى] (^١٠).\nقلتُ: ولا يخْفَى أنَّ هذا منْ بابِ القياسِ، ولم تُعْلَم العِلَّةُ حتَّى يلحقَ بالأصلِ، فالأَوْلَى الاقتصارُ على محلِّ النصِّ، [والله أعلم] (^١١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1450>لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خُيلاء</span>\n١٤/ ١٣٦٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٦٩/ ٢٠٩٨).\n(^٣) في (أ): \"عارضه\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٣٦١٧)، وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ١٥٤ رقم ١٢٦١/ ٣٦١٧): \"هذا إسناد صحيح رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ولم يذكروا فيه الخف فلذلك أوردته، وروَوه من حديث جابر كرواية ابن ماجَهْ، ورواه الترمذي في \"الجامع\" من حديث عائشة مرفوعًا وموقوفًا وصحَّح كونه موقوفًا اهـ.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٧١/ ٢٠٩٩).\n(^٦) و(^٧) أورده الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٣٩) وقال: \"رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد وجادة عن كتاب أبيه وقال: ضرب عليه أبي ولم يحدثنا به، ورجال أحمد رجال الصحيح وكذلك رجال الطبراني إلا أن عبد الله نقل عن أبيه أنه ضرب على الحديث من أجل الحسن بن ذكوان، قلت: وهو من رجال الصحيح.\n(^٨) زيادة من (أ): وهي مكررة [لا يمشي أحدكم في نعلٍ واحدةٍ ولا خُفٍّ واحد، وهو عند مسلم من رواية جابر].\n(^٩) ذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" (١٠/ ٣١١).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) زيادة من (أ).","vol":"8","page":153},{"text":"إِلَى مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وعنِ ابن عمرَ - ﵄ - قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا ينظرُ اللَّهُ إلى مَنْ جرَّ ثوبَه خيَلَاءَ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ، والمدِّ، البطرُ والكبرُ (متفقٌ عليهِ). نفيُ [نظرِ اللَّهِ بنفي] (^٢) رحمتِه، أي لا يرحمُ اللَّهُ مَنْ جرَّ ثوبَه خُيلاءَ، سواءٌ كانَ منَ النساءِ أوِ الرجالِ. وقد فهمتْ ذلكَ أمُّ سلمةَ - ﵄ - فقالتْ عندَ سماعِها الحديثَ منهُ - ﷺ -: فكيفَ تصنعُ النساءُ بذيولهنَّ؟ فقالَ - ﷺ -: \"يزدْنَ فيهِ شبرًا\". [قالتْ] (^٣): إذًا تنكشفُ أقدامُهنَّ، قالَ: \" [فيرخينَهُ] (^٤) ذِراعًا ولا تزدنَ عليهِ\" أخرجَهُ النسائيُّ (^٥)، والترمذيُّ (^٦). والمراد بالذراعِ ذراعُ اليدِ وهوِ شبرانِ باليدِ المعتدِلَةِ، والمرادُ جرُّ الثوب على الأرضِ وهوَ الذي [يدلُّ] (^٧) لهُ حديثُ البخاري (^٨): \"ما أسفلَ منَ الكعبيَنِ منَ الإزارِ في النارِ\". وتقييدُ الحديثِ بالخيلاءِ دالُّ بمفهومهِ أنهُ لا يكونُ مَنْ جرَّه غيرَ خُيلاء داخلًا في الوعيدِ. وقدْ صرَّح بهِ ما أخرجَ البخاريُّ (^٩) وأبو داودَ (^١٠) والنسائيُّ (^١١) أنهُ قالَ أبو بكرٍ - ﵁ - لما سمعَ هذا الحديثَ: \"إنَّ إزاري يسترخي إلَّا أنْ أتعاهدَه، فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنكَ لستَ ممنْ يفعلُه خُيلاءَ\"، وهوَ دليلٌ على اعتبارِ المفاهيمِ منْ هذا النوعِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^١٢): إن من جرَّه لغيرِ الخيلاء مذمومٌ، قالَ النووي (^١٣): مكروهٌ، وهذا نصُّ الشافعيِّ. وقدْ صرَّحتِ السنةُ أنَّ أحسنَ الحالاتِ أنْ يكونَ إلى نصفِ الساقِ كما أخرجَهُ الترمذيُّ (^١٤)، والنسائيُّ (^١٥) عنْ عبيدِ بن خالدِ قالَ: \"كُنتُ أمشي وعليَّ بردٌ أجرُّه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٧٩١)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٤٢/ ٢٠٨٥).\n(^٢) في (أ): \"النظر منه تعالى عبارة عن نفي\".\n(^٣) في (أ): \"فقالت\".\n(^٤) في (ب): \"فترخينهن\".\n(^٥) في \"السنن\" (٨/ ٢٠٩).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٧٣١). وقال الترمذي: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\n(^٧) في (أ): \"دل\".\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٥٧٨٧).\n(^٩) في \"صحيحه\" رقم (٥٧٨٤).\n(^١٠) في \"السنن\" رقم (٤٠٨٥).\n(^١١) في \"السنن\" (٨/ ٢٠٨).\n(^١٢) في \"التمهيد\" (٣/ ٢٤٦).\n(^١٣) في \"شرح النووي\" (١٣، ١٤/ ٢٨٧ - ط المعرفة).\n(^١٤) في \"الشمائل\" (٥٨/ ١١٣) بإسناد ضعيف.\n(^١٥) في \"السنن الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٢٢٣، ٢٢٤). =","vol":"8","page":154},{"text":"فقالَ لي رجلٌ: ارفعْ ثوبَكَ فإنهُ أبقَى وأنقَى، فنظرتُ فإذا هوَ النبي - ﷺ -، فقلتُ: إنَّما هيَ بردةٌ ملحاءُ، فقاكَ: ما لكَ فيَّ أسوةٌ، فنظرتُ فإذا إزارهُ إلى نصفِ ساقَيْهِ\". وأما ما هوَ دونَ ذلكَ فإنهُ لا حرجَ على فاعلهِ إلى الكعبينِ، وما [دونَ] (^١) الكعبينِ فهوَ حرامٌ إنْ كانَ للخيلاءِ، وإنْ كانَ لغيرِها فقالَ النوويُّ وغيرهُ: إنهُ مكروهُ. وقد يتجهُ أنْ يقالَ إنْ كانَ الثوبُ على قدرِ لابسهِ لكنَّه يسدلُه فانْ كانَ لا عنْ قصدٍ كالذي وقعَ لأبي بكرٍ - ﵁ - فهوَ غيرُ داخلٍ في الوعيدِ، وإنْ كانَ الثوبُ زائدًا على قَدْرِ لابسِه فهوَ ممنوعٌ منْ جهةِ الإسرافِ، محرَّم لأجلِه، ولأجلِ التشبهِ بالنساءِ، ولأجلِ أنهُ لا يأمنُ أنْ تعلق بهِ النجاسةُ. وقالَ ابنُ العربيِّ (^٢): لا يجوزُ للرجلِ أنْ يجاوزَ بثوبهِ كعبَه ويقول: لا أجرُّهُ خيلاء، لأنَّ النّهي قدْ تناولَه لفظًا، ولا يجوزُ لمنْ يتناولُه اللفظُ أنْ يخالِفَه إذْ صارَ حكمهُ أنْ يقولَ لا أمتثلُه، لأنَّ تلكَ العلةَ ليستْ فيَّ، فإنَّها دعْوى غيرُ مسلَّمةٍ بلْ إطالةُ ذيلهِ [يستلزم الخيلاء] (^٣) دالةٌ علَى تكبُّرِهِ اهـ. وحاصلُه أن الإسبالَ يستلزمُ جرَّ الثوب، وجرُّ الثوبِ يستلزمُ الخُيلاء، ولوْ لمْ يقصدْه اللابسُ. وقدْ أخرجَ ابنُ منيعٍ (^٤) عن ابن عمرَ في أثناء حديثٍ رفعَه: \"إياكَ وجرَّ الإزارِ، فإنَّ جرَّ الإزارِ منَ المخيلةِ\". وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (^٥) منْ حديثٍ أبي أمامةَ، وفيهِ قصةٌ لعمروِ بن زرارة الأنصاريِّ: \"إنَّ اللَّهَ لا يحبّ المسبلَ\". والقصةُ أن أبا أمامةَ قالَ: \"بينَما نحنُ معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - لحقَنا عمروُ بنُ زرارةَ [الأنصاريُّ] (^٦) في حُلَّةِ إزارٍ ورداءٍ قدْ أسبلَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يأخذُ بناحيةِ ثوبهِ ويتواضعُ للَّهِ، ويقولُ: عبدُك وابنُ عبدكَ وأَمَتِكَ. حتى سمعَها عمروُ فقالَ: يا رسُولَ اللَّهِ، إني حمشُ الساقينِ فقالَ: يا عمرُو، إنَّ اللَّهَ قدْ أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقه، إنَّ اللَّهَ لا يحبُّ المسبلَ\". وأخرجَهُ (^٧) [الطبراني] (^٨) عنْ عمروِ بن\n_________\n= وأخرج الحديث أحمد في \"المسند\" (٥/ ٣٦٤) من طريقين، والطيالسي رقم (١١٩٠) من طرق.\n(^١) في (أ): \"تحت\".\n(^٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٦٤).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) عزاه إليه ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٢٦٤).\n(^٥) و(^٦) ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٢٤). وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (ب) \"الطبري\".","vol":"8","page":155},{"text":"زرارةَ وفيهِ: \"وضربَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أربعَ أصابعَ تحتَ ركبةِ عمروٍ وقالَ: يا عمرُو، وهذا موضعُ الإزارِ، ثمَّ ضربَ بأربعِ أصابعَ تحت الأربعِ ثم قالَ: يا عمرُو وهذَا موضعُ الإزارِ\" الحديثُ، ورجالُه ثقاتٌ. وحكمُ غيرِ الثوبِ والإزارِ حكْمُهما، وكذلكَ لما سألَ شعبةُ محاربَ بنَ دثارٍ قالَ شعبةُ: أذكرَ الإزارَ؟ قالَ: ما خصَّ إزارًا ولا قميصًا. ومقصودُه أن التعبيرَ بالثوبِ يشملُ الإزارَ وغيرَه. وأخرجَ أهل السننِ (^١) إلَّا الترمذيَّ عن ابن عمرَ عنْ أبيهِ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"الإسبالُ في الإزارِ والقميصِ والعمامةِ، منْ جرَّ شيئًا منها خُيلاء لم ينظرِ اللَّهُ إليهِ يومَ القيامةِ\"، وإنْ كانَ في إسناده عبدُ العزيزِ بنُ أبي روادَ، وفيهِ مقالٌ، قالَ ابنُ بطالٍ (^٢): وإسبالُ العمامةِ المرادُ بهِ [إرسالُ] (^٣) العذبةِ زائدًا على ما جرتْ بهِ العادةُ. وأخرجَ النسائيُّ (^٤) منْ حديثٍ عمروِ بن أميةَ أن النبيَّ - ﷺ -: \"أرخَى طرفَ عمامتِه بينَ كتفيهِ\"، وكذلكَ تطويلُ [أكمامِ] (^٥) القميصِ زيادةً على المعتادِ كما يفعلُه بعضُ أَهلِ الحجازِ إسبالٌ محرَّمٌ. وقدْ نقلَ [القاضي] (^٦) عياضٌ (^٧) عن العلماءِ كراهةَ كلِّ ما زادَ على العادةِ وعلَى المعتادِ في اللباسِ منَ الطولِ والسَّعةِ.\nقلت: وينبغي أنْ يُرَادَ بالمعتادِ ما كانَ في عصرِ النبوةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1451>لا يأكل ولا يشرب بشماله</span>\n١٥/ ١٣٧٠ - وَعَنْهُ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأَكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَكْلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) أبو داود رقم (٤٠٩٤)، وابن ماجه رقم (٣٥٧٦)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٣٥٨ قم ٦٧٦٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٦٣).\n(^٣) في (أ): \"إسبال\".\n(^٤) في \"السنن\" (٨/ ٢١١) رقم (٥٣٤٦)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) في (أ): \"الأكمام في\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٢٦٣).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٢٠٢٠).\nقلت: وأخرجه الترمذي في \"الأطعمة\" (١٨٠٠)، وأبو داود رقم (٣٧٧٦).","vol":"8","page":156},{"text":"(وعنهُ) أي ابن عمرَ - ﵄ - (أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: إذا أكلَ أحدُكم فليأكلْ بيمينهِ، وإذا شربَ فليشربْ بيمينهِ، فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بشمالهِ، ويشربُ بشمالهِ. أخرجَهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ الأكلِ والشربِ بالشمالِ، فإنهُ علَّلَهُ بأنهُ فعلُ الشيطانِ وخُلُقُهُ. [والمسلمُ] (^١) مأمورٌ بتجنبِ طريقِ أهلِ الفسوقِ فضلًا عن الشيطانِ. وذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يُسْتَحَبُّ الأكلُ باليمينِ والشربُ بِها لا أنهُ بالشمالِ محرَّمٌ. وقد زادَ نافعٌ: الأخذُ والإعطاءُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1452>لا يحل مجاوزة الحد في أي شيء</span>\n١٦/ ١٣٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْ جَدِّهِ - ﵃ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُلْ، وَاشْرَبْ، وَالْبِسْ، وَتَصَدَّقْ في غَيرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢)، وَأَحْمَدُ (^٣)، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (^٤). [حسن]\n(وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: كلْ واشربْ، والبسْ وتصدَّقْ في غيرِ سَرَفٍ ولا مَخِيْلَةٍ) بالخاءِ المعجمةِ، ومثناةٍ تحتيةٍ، وزنُ عظيمةٍ، التكبرُ (أخرجَهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وعلَّقهُ البخاريِّ). دلَّ على تحريم الإسرافِ في المأكلِ والمشْربِ والملْبَسِ والتصدقِ. وحقيقةُ الإسرافِ مجاوزةُ الحدِّ في كلِّ فعلٍ، أو قولٍ، وهوَ في الإنفاقِ أَشْهَرُ. والحديثُ مأخوذٌ منْ قول الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (^٥)، وفيه تحريمُ الخُيَلَاءِ والكِبْرِ.\nقالَ عبدُ اللطيفِ البغداديُّ (^٦): هذا الحديثُ جامعٌ لفضائلِ تدبيرِ الإنسانِ نفسهِ، وتدبيرُ مصالحِ النفسِ والجسدِ في الدُّنيا والآخرةِ، فإنَّ السرَفَ في كلِّ شيءٍ مضر بالجسدِ، ومضر بالمعيشةِ، ويؤدي إلى الإتلافِ، فيضرُّ بالنفسِ إذا كانتْ\n_________\n(^١) في (أ): \"المؤمن\".\n(^٢) لم أعثر عليه عند أبي داود. وقد أخرجه ابن ماجه رقم (٣٦٠٥)، والنسائي (٥/ ٧٩ رقم ٢٥٥٩).\n(^٣) في \"المسند\" (٢/ ١٨١، ١٨٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" (١٠/ ٢٥٢)، وهو حديث حسن.\n(^٥) سورة الأعراف: الآية ٣١.\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٢٥٣).","vol":"8","page":157},{"text":"تابعةً للجسدِ في أكثرِ الأحوالِ، والمخيلةُ تضرُّ بالنفسِ حيثُ تُكْسِبُها العُجْبَ، وتضرُّ بالآخرةِ حيثُ يُكْسِبُ الإثمَ، وبالدنيا حيثُ يكسبها المقْتَ منَ الناسِ.\nوقد علَّق البخاريِّ (^١) عن ابن عباسٍ: \"كلْ ما شِئْتَ واشربْ ما شئْتَ ما أخطأتْكَ [اثنتانَ] (^٢): سرفٌ ومَخِيْلَةٌ\".\n* * *\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" تعليقًا (١٠/ ٢٥٢).\n(^٢) في (أ): \"خصلتان\".","vol":"8","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1453>[الباب الثاني] باب البر والصلة</span>\nالبِرُّ بكسرِ الموحدةِ التوسُّعُ في فعلِ الخيرِ. والبَرُّ بفتحِها المتوسعُ في الخيراتِ، وهو منْ صفاتِ اللَّهِ تعالى. والصلةُ بكسرِ الصادِ المهملةِ مصدرُ وصله كوعدهَ عِدَةً. في النهايةِ تكرَّرَ في الحديثِ صلةُ الأرحامِ، وهيَ كنايةٌ عن الإحسانِ إلى الأقربينَ منْ ذوي النسبِ والأصهارِ، والتعطفِ عليهم، والرفقِ بهم، والرعايةِ لأحوالِهم، وكذلكَ إنْ بعدوا وأساءُوا، وضدُّ ذلكَ قطيعةُ الرحمِ. اهـ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1454>يبارك الله في العمر بصلة الرحم</span>\n١/ ١٣٧٢ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزِقْهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يبْسَطَ) أي يبسطُ اللَّهُ (لَهُ في رِزْقِهِ) أي يوسعُ لهُ فيهِ، (وَأَنْ يُنْسَأَ) مثلُه مغير صيغة بالسينِ المهملةِ مخففةً، أي يؤخرُ لهُ (في أَثَرِهِ) بفتحِ الهمزةِ والمثلثةِ فراء، أي أَجَلِه، (فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). وأخرجَ الترمذيُّ (^٢) عنْ أبي هريرةَ: \"أنَّ صلةَ الرحمِ محبَّةٌ في الأهلِ، مثراةٌ في المالِ، منسأةٌ في الأجلِ\". وأخرجَ أحمدُ (^٣) عنْ عائشةَ - ﵂ - مرفُوعًا: \"صلةُ الرحمِ وحسنُ الجوارِ يعمرانِ الديارَ، ويزيدانِ في\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٥٩٨٥).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٩٧٩) وقال: حديث غريب.\n(^٣) (٥) في المسند (١٩/ ٥٣ رقم ٦٠ - الفتح الرباني).","vol":"8","page":159},{"text":"الأعمارِ\". وأخرجَ أبو يَعْلَى (^١) منْ حديثٍ أنسٍ مرفُوعًا: \"إنَّ الصدقةَ وصلةَ الرحمِ يزيدُ اللَّهُ بهما في العمرِ، ويدفعُ بهما مِيْتَةَ السوء\"، وفي سندهِ ضعفٌ. قالَ ابنُ التينِ (^٢): ظاهرُ الحديثِ أي حديثٍ البخاريِّ معارِضٌ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^٣) قالَ: والجمعُ بينَهما منْ وجهينِ: أحدِهما أن الزيادةَ كنايةٌ عن البركةِ في العمرِ بسببِ التوفيقِ للطاعةِ، وعمارةِ وقتهِ بما ينفعُه في الآخرةِ، وصيانتِهِ عن تضييعِه في غيرِ ذلكَ، ومثلُ هذا ما جاءَ [أَنَّ] (^٤) النَّبيَّ (^٥) - ﷺ - تقاصرَ أعمارَ أمتهِ بالنسبةِ إلى منْ مضى منَ الأممِ، فأعطاهُ اللَّهُ ليلةَ القدرِ. وحاصلهُ أن صلةَ الرحمِ تكونُ سببًا للتوفيقِ للطاعةِ، والصيانةِ عن المعصيةِ، فيبقَى بعدهَ الذكر الجميلُ فكأنهُ لم يمتْ. ومنْ جملةِ ما يحصلُ لهُ منَ التوفيقِ العلمُ الذي ينتفعُ بهِ مَنْ بعدَه بتأليفٍ ونحوِه، والصدقةُ الجاريةُ عليهِ، والخلفُ الصالحُ. وثانيهمَا: أن الزيادةَ على حقيقتِها، وذلكَ بالنسبةِ إلى علمِ الملكِ الموكَّلِ بالعمرِ، والذي في الآيةِ بالنسبةِ إلى علمِ اللَّهِ كأن يُقالَ للملَكِ مثلًا: إنَّ عمُرَ فُلانِ مِائةٌ إنْ\n_________\n(^١) في المسند رقم (١٣٤٩/ ٤١٠٤) بإسناد ضعيف جدًّا لضعف صالحٍ بن بشير المري ولضعف يزيد بن أبان الرقاشي.\n• وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١٥١): وقال رواه أبو يعلى وفيه صالح المري وهو ضعيف.\n(^٢) ذكره الحافظ في الفتح (١٠/ ٤١٦).\n(^٣) سورة الأعراف: الآية ٣٤.\n(^٤) في (أ): \"عن\".\n(^٥) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٣٢١ رقم ١٥).\n• قال الزرقاني في \"شرح الموطأ\" (٢/ ٢١٨، ٢١٩): \"قال ابن عبد البر: هذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد في غير الموطأ لا مسندًا ولا مرسلًا … وليس منها حديث منكر، وما لا يدفعه أصل. قال السيوطى: ولهذا شواهد من حيث المعنى مرسلة. وذكر له شاهدين.\nأحدهما: عن علي بن عروة مرسلًا.\nوالثاني: عن مجاهد مرسلًا أيضًا.\n• وقال الباجي في \"المنتقى\" (٢/ ٨٩): يحتمل أن يريد أنه رأى أعمار سائر الأمم أطول فخاف أن لا تبلغ أمته من العمل في قصر أعمارها ما بلغه غيرها من الأمم في طول أعمارها فتفضل الله ﵎ على هذه الأمة بليلة القدر وهي تقتضي اختصاص هذه الأمة بهذه الليلة\" اهـ.","vol":"8","page":160},{"text":"وصلَ رحِمهُ، وإنْ قَطَعَها فستُّونَ، وقدْ سبق في علمِهِ تعالى أنَّهُ يَصِلُ أوْ يَقْطعُ، فالذي في علمِ اللَّهِ لا يتقدمُ ولا يتأخرُ، والذي في علمِ الملَكِ هوَ الذي يمكنُ فيهِ الزيادةُ والنقصُ وإليهِ الإشارة بقولِه تعالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ (^١)؛ فالمحو والإثباتُ بالنسبهِ إلى ما في علمِ الملكِ وما في أمِّ الكتابِ، وأما الذي في علمِ اللَّهِ سبحانه فلا محوَ فيهِ ألبتةَ. ويقالُ لهُ القضاءُ المبرَمُ، ويقال للأولِ القضاءُ المعلَّقُ، انتهى. والوجهُ الأولُ أَلْيَقُ؛ فإنَّ الأثرَ ما يَتْبَعُ الشيءَ فإذا أخِّر حَسُنَ أنْ يحملَ على الذكرِ الحسنِ بعدَ فَقْدِ المذكورِ، ورجَّحه الطيبي (^٢)، وأشارَ إليهِ في الفائقِ (^٣). ويؤيدهُ ما أخرجَهُ الطبراني (^٤) في الصغيرِ بسندٍ ضعيفٍ عنْ أبي الدرداءِ قالَ: ذُكِرَ عندَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ وصلَ رحِمَهُ أُنْسِئَ لهُ في أجلهِ؟ فقالَ: \"إنهُ ليسَ زيادةً في العمر، قالَ تعالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، ولكنَّ الرجلَ تكونُ لهُ الذريةُ الصالحةُ يدعونَ لهُ منْ بعدِه\"، وأخرجَهُ في الكبيرِ (^٥) مرفوعًا منْ طريقٍ أُخْرَى. وجزم (^٦) ابنُ فَوْرَكِ بأنَّ المرادَ بزيادةِ العمرِ نفيُ الآفاتِ عنْ صاحبِ البرِّ في فهمهِ وعقلهِ. وقالَ غيرهُ: في أعمَّ منْ ذلكَ، وفي وجود البركة في عمله ورزقِه. ولابنِ القيمِ في كتابِ الداءِ والدواءِ (^٧) كلامٌ [يقضي] (^٨) بأنَّ مدةَ حياةِ العبدِ وعمرِه هي مهْمَا كانَ قلبهُ مقِبلًا على الله تعالى، ذاكرًا لهُ، مطيعًا غيرَ عاصٍ فهذهِ هيَ عمرهُ [وحياته] (^٩)، ومتى أعرض القلبُ عن اللَّهِ تعالَى، واشتغلَ بالمعاصي ضاعتْ عليهِ أيامُ حياةِ عمرهِ، فعلَى هذا أنهُا ينسأُ لهُ في أَجلهِ، أي يعمرُ اللَّهُ قلبَه بذكرِه وأوقاتهِ بطاعتهِ. ويأتي تحقيقُ صلةِ الرحمِ.\n_________\n(^١) سورة الرعد: الآية ٣٩.\nقلت: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، فإنها ذكرت في الآيات الكونية فتأمل.\nويجب أن تفهم آيات القرآن مجتمعة لا مفرقة.\n(^٢) و(^٣) ذكرهما الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤١٦).\n(^٤) عزاه إليه الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٥٣).\nوقال: ليس في إسناده متروك ولكنهم ضعفوا.\n(^٥) عزاه الهيثمي إلى الطبراني في \"الأوسط\" كما في \"مجمع البحرين\" رقم (٢٨٥٨)، وكذلك في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٣).\n(^٦) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤١٦).\n(^٧) ص ٩٠، ٩١.\n(^٨) في (أ): \"يقتضي\".\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"8","page":161},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1455>عقوبة قاطع الرحم</span>\n٢/ ١٣٧٣ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ\" يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\nفي شرح قوله: (وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ - يعني قاطعَ رحمٍ - متفقٌ عليهِ). وأخرجَ أبو داودَ (^٢) منْ حديثٍ أبي بُكْرةَ يرفعهُ: \"ما منْ ذنبٍ أجدرُ أنْ يعجِّلَ اللَّهُ لصاحبهِ العقوبةَ في الدنيا معَ ما ادخرَ اللَّهُ لهُ في الآخرةِ منْ قطيعةِ الرحمِ\". وأخرجَ البخاريُّ في الأدب المفردِ (^٣) منْ حديثٍ أبي هريرةَ [يرفعهُ] (^٤): \"إن أعمالَ أمتي تُعْرَضُ عشيةَ الخميَس ليلةَ الجمعةِ، فلا يقبلُ عملَ قاطعِ رحمٍ\". وأخرجَ فيهِ (^٥) منْ حديثٍ ابن أبي أَوْفَى: \"إنَّ الرحمةَ لا تنزلُ على قومٍ فيهم قاطعُ رحمٍ\". وأخرجَ الطبراني (^٦) منْ حديثٍ ابن مسعودٍ: \"إنَّ أبوإبَ السماءِ مغلقةٌ دونَ قاطعِ الرحمِ\". واعلمْ أنهُ اختلفَ العلماءُ في [حدِّ] (^٧) الرَّحِمِ التي تجبُ صلتُها، [ويحرم قطعها] (^٨)، فقيلَ: هيَ الرحمِ التي يحرمُ النكاحُ بينهَما، بحيثُ لوْ كانَ أحدُهما ذكرًا حرمُ على الآخرِ. فعلَى هذا لا يدخلُ أولادُ الأعمامِ، ولا أولادُ الأخوالِ. واحتجَّ هذا القائلُ بتحريمِ الجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وخالتِها في النكاحِ لما يؤدي إليهِ منَ التقاطعِ. وقيلَ: هوَ مَنْ كانَ متصلًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٩٨٤)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٥٥٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٩٠٩).\n(^٢) في السنن رقم (٤٩٠٢).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٥١٣)، وابن ماجه رقم (٤٢١١).\nوقال الترمذي: حديث صحيح.\n(^٣) رقم (٦١) عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٤٨٤)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٥١): رواه أحمد ورجاله ثقات. وخلاصة القول: أن الحديث ضعيف.\n(^٤) في (أ): \"مرفوعًا\".\n(^٥) في \"الأدب المفرد\" رقم (٦٣) عن ابن أبي أوفى، وهو حديث ضعيف.\n(^٦) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٥١) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن الأعمش لم يدرك ابن مسعود. وهو حديث ضعيف.\n(^٧) في (أ): \"حقيقة\".\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"8","page":162},{"text":"بميراثٍ. ويدلُّ عليهِ قولُه (^١) - ﷺ -: \"أدناكَ أدناك\". وقيلَ مَنْ كانَ بينَه وبينَ الآخرِ قرابةٌ سواءٌ كانَ يرثُه أَوْ لا. ثمَّ صلةُ الرحمِ كما قالَ القاضي عياضٌ: درجات بعضُها أرفعُ منْ بعضٍ، وأدْناها تركُ المهاجرةِ، وصلتُها بالكلام ولو بالسلامِ، ويختلفُ ذلكَ باختلافِ القدرةِ والحاجةِ، فمنْها واجبٌ، ومنْها مستحبٌ، فلو وصلَ بعضَ الصلةِ ولم يصلْ غايتَها لم يُسَمَّ قاطعًا، ولو قصرَ عما [يقدرُ] (^٢) عليهِ وينبغي لهُ: لم يسمَّ واصلًا. قالَ القرطبيُّ (^٣): الرحمُ التي توصلُ عامةٌ وخاصةٌ، فالعامةُ رحمُ الدينِ، وتجبُ صلتُها بالتوادُدِ، والتناصحِ، والعدلِ، والإنصافِ، والقيامِ بالحقوقِ الواجبةِ والمستحبَّةِ. والرحمُ الخاصةُ تزيدُ بالنفقةِ على القريبِ وتَفَقُّدِ حالِه، والتغافلِ عنْ زلَّتهِ. وقالَ ابنُ جمرةَ (^٤): المعنَى الجامعُ إيصالُ ما أمكنَ منَ الخيرِ، ودفعُ ما أمكنَ منَ الشرِّ بحسبِ الطاقةِ، وهذا في حقّ المؤمنينَ. وأما الكفارُ والفساقُ [فتجبُ] (^٥) المقاطعةُ لهم إذا لم تنفعِ الموعظةُ.\nواختلفَ العلماءُ أيضًا بأيِّ شيءٍ تحصلُ القطيعةُ للرحمِ، فقالَ الزينُ العراقيُّ: تكونُ بالإساءةِ إلى الرحمِ، [وقالَ] (^٦) غيرهُ: [تكونُ] (^٧) بتركِ الإحسانِ لأن الأحاديثَ آمرةٌ بالصلةِ، ناهيةٌ عن القطيعةِ، ولا واسطةَ بينَهما، والصلةُ نوعٌ منَ الإحسانِ كما فسرَّها بذلكَ غيرُ واحدٍ، والقطيعةُ ضدُّها، وهيَ تركُ الإحسانِ. وأما ما أخرجَهُ الترمذيُّ (^٨) منْ قولهِ - ﷺ -: \"ليسَ الواصلُ بالمكافئِ، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا [قُطِعَتْ] (^٩) رحمهُ وصلَها\"؛ فإنهُ ظاهرٌ في أن الصلةَ إنَّما هيَ ما كانَ\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم رقم (٢/ ٢٥٤٨)، وابن ماجه رقم (٣٦٥٨).\n(^٢) في (أ): \"يجب\".\n(^٣) ذكره الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٤١٨).\n(^٤) ذكره الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٤١٨).\n(^٥) في (أ): \"يجب\".\n(^٦) في (أ): \"وقيل\".\n(^٧) في (أ): \"تكوين\".\n(^٨) في \"السنن\": (١٩٠٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: أخرجه البخاري رقم (٥٩٩١)، وأبو داود رقم (١٦٩٧)، وأحمد في \"المسند\" رقم (٦٥٢٤) و(٦٧٨٥) و(٦٨١٧) وانظر رقم (٦٧٠٠) شاكر.\n(^٩) في (أ): \"قطعهُ\".","vol":"8","page":163},{"text":"للقاطِع صلةَ رحمهِ، وهذا على روايةٍ قُطِعَتْ بالبناءِ للفاعلِ، وهي روايةٌ، فقالَ ابنُ العربيِّ في شرحِه: المرادُ الكاملةُ في الصلةِ. وقالَ الطيبيُّ (^١): معناهُ ليسَ حقيقةُ الواصلِ، ومنْ يعتدُّ بصلتِه مَنْ يكافئ صاحبَه بمثل [فعلِه] (^٢)، ولكنَّ مَنْ يتفضلُ على صاحبهِ، قالَ المصنفُ: لا يلزم مِنْ نفي الوصلِ ثبوتُ القطع، فهمْ ثلاثُ درجاتٍ: مواصل، ومكافئٌ، وقاطعٌ، فالواصلُ هوَ الذي يتفضلُ ولا يُتَفَضَّلُ عليهِ، والمكافئُ الذي لا يزيدُ في الإعطاءِ على ما يأخذُه، والقاطعُ [هو] (^٣) الذي لا يُتَفَضَّلُ عليهِ، ولا يَتَفَضَّلُ. قالَ الشارحُ: وبالأَوْلى أن من تفضل عليهِ ولا يَتَفضَّلُ أنهُ قاطعٌ. قالَ المصنفُ: وكما تقعُ المكافأةُ بالصلةِ مِنَ الجانبيْنِ كذلكَ تقعُ بالمقاطعةِ من الجانبين، فمنْ بدأَ فهوَ القاطعُ، فإنْ جُوزِيَ سُمِّيَ مَنْ جازاهُ مكافِئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1456>النهي عن عقوق الوالدين</span>\n٣/ ١٣٧٤ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَرّمَ عَلَيكُمْ: عُقُوقَ الأُمّهَاتِ، وَوَأدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعّا وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإضَاعَةَ المَالِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - ﵁ - عن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إِن اللَّهَ حَرّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمُّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الأمهاتُ جمعُ [أمهةٍ] (^٥) لغةً في الأمِ، ولا تطلقُ إلَّا على مَنْ يعقلُ بخلافِ أمِّ فإنَّها تعمُّ. وإنَّما خُصَّتِ الأمُّ هنا إظهارًا لعِظَمِ حقِّها، وإلَّا فالأبُ محرَّمٌ عقوقُه، وضابطُ العقوقِ المحرَّمِ كما نقلَ خلاصتَه عن البُلقيني، وهوَ أنْ يحصلَ منَ الولدِ للأبوْينِ أوْ أحدهما إيذاءٌ ليسَ بالهيِّنِ عرفًا، فيخرجُ منْ هذا ما إذا حصلَ منَ الأبوينِ أمرٌ أو نَهْيٌ فخالفَهما بما لا يعدُّ في العرفِ مخالفتُه\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٣).\n(^٢) في (أ): \"ما فعله\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٥٩٧٥)، ومسلم (٣/ ١٣٤١ رقم ١٢/ ٥٩٣).\n(^٥) في (أ): \"أمه\".","vol":"8","page":164},{"text":"عقوقًا، فلا يكونُ ذلكَ عقوقًا، وكذلِكَ لو كانَ مثلًا على الأبوينِ دينٌ للولدِ، أو حقٌّ شرعي فرافعُه إلى الحاكمِ فلا يكونُ ذلكَ عقوقًا كما وقعَ منْ بعضِ أولاد الصحابةِ شكايةُ الأبِ إلى النبيِّ - ﷺ - في احتياجهِ [لِمَالِهِ] (^١)، فلمْ يعدَّ النبي - ﷺ - شكايتَه عقوقًا.\nقلتُ: في هذا تأملٌ، فإنَّ قولَه - ﷺ -: \"أنتَ ومالُكَ لأبيكَ\" (^٢) دليلٌ على نهيهِ عنْ منعِ أبيهِ عنْ مالهِ، وعنْ شكايتِه، ثمَّ قالَ صاحبُ الضابطِ: فعلَى هذا، العقوقُ أنْ يؤذيَ الولدُ أحدَ أبويْهِ بما لو فعلَه معَ غيرِ أبويْهِ كانَ محرَّمًا منْ جملةِ الصغائرِ، فيكونُ في حقِّ الأبويْنِ كبيرةً، أو مخالفةَ الأمرِ أو النهْي فيما يدخلُ فيهِ الخوفُ على الولدِ منْ فواتِ نفسهِ، أو عضوٍ منْ أعضائِه في غيرِ الجهادِ الواجبِ عليهِ، أوْ مخالفتَهما في سفرٍ يشقُّ عليهمَا وليسَ بفرضٍ على الولدِ، أو في غيبةٍ طويلةٍ فيما ليسَ لطلبِ علمٍ نافع أو كسبٍ، أوْ تركِ تعظيمِ الوالدينِ، فإنهُ لو قدمَ عليهِ أحدَهما ولم يقمْ [إليهِ] (^٣) أو قطَّبَ في وجههِ، فإنَّ هذا وإنْ لم يكنْ في حقِّ الغيرِ معصيةً، فهوَ عقوق في حقِّ الأبوينِ. قولُه: \"ووأدَ البناتِ\" بسكونِ الهمزة هوَ دفنُ البنتِ حية، وهوَ محرَّم، وخصَّ البناتِ لأنهُ الواقعُ منَ العربِ، فإنَّهمْ كانوا يفعلونَ ذلكَ في الجاهليةِ كراهة لهنَّ. يقالُ: أولُ مَنْ فعلَه قيسُ بنُ عاصم التميمي (^٤)، وكانَ منَ العربِ مَنْ يقتلُ أولادَه مطلقًا خشيةَ الفاقةِ والنفقةِ. وقولُه:\n_________\n(^١) في (أ): \"إلى ماله\".\n(^٢) وهو حديث صحيح ورد من حديث عبد الله بن عمرو، وجابر، وابن مسعود، وابن عمر، وسمرة.\n• أما حديث عبد الله بن عمر فقد أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤)، وأبو داود (٢٢٩١)، وابن ماجه رقم (٢٢٩٢)، وابن الجارود في \"المنتقى\" (٩٥٩) بسند حسن.\n• وأما حديث جابر فقد أخرجه ابن ماجه رقم (٢٢٩١)، والطحاوي بـ (شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٥٨) بسند صحيح. والطبراني في \"الأوسط\" رقم (٣٥٣٤).\n• وأما حديث ابن مسعود فقد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" رقم (١٠٠١٩) وفي \"الأوسط\" رقم (٥٧) و\"الصغير\" (١/ ٨).\n• وأما حديث ابن عمر أخرجه البزار رقم (١٢٥٩).\n• وأما حديث سمرة فقد أخرجه البزار رقم (١٢٦٠)، والطبراني في \"الأوسط\" رقم (٧٠٨٨)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٦٩٦١).\n(^٣) في (أ): \"عليه\".\n(^٤) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٦).","vol":"8","page":165},{"text":"\"منعًا وهاتِ\" المنعُ مصدرٌ منْ منعَ يمنعُ، والمرادُ منعُ ما أمرَ اللَّهُ تعالى به أنْ لا يمنعَ، وهاتِ فعلُ أمرٍ مجزومٌ، والمرادُ به النَهيُ عنْ طلبِ ما لا يستحقُّ طلبَه. وقولُه: \"وكرهَ لكم قيلَ وقالَ\" يروى بغيرِ تنوينٍ حكايةَ للفظِ الفعلِ: ورُوِيَ منونًا وهي في رواية البخاريِّ (^١)، قيلًا وقالًا، على بالنقلِ منَ الفعليةِ إلى الاسميةِ والأولُ أكثرُ. والمرادُ بهِ نقلُ الكلام الذي [يسمعهُ] (^٢) إلى غيرهِ، فيقولُ: قيلَ كذَا وكذَا بغيرِ تعيينِ القائلِ، وقالَ فلان كذَا وكذَا، وإنَّما نَهَى عنهُ لأنهُ منَ الاشتغالِ بما لا يعني المتكلِّم، ولكونهِ قدْ يتضمنُ الغيبةَ والنميمةَ والكذبَ لا سيَّما معَ الإكثارِ منْ ذلكَ قلَّما يخلو عنهُ، قالَ المحبُّ الطبريُّ: فيهِ ثلاثةُ أوْجْهٍ:\nأحدُها: أنَّهما مصدرانِ للقولِ، تقولُ: قلتُ قولًا وقيلًا. وفي الحديث الإشارةُ إلى كراهةِ كثرةِ الكلامِ.\nثانيها: إرادةُ حكايةِ أقاويلِ الناسِ، والبحثُ عنْها لتخبرَ عنْها فيقول قالَ فلانٌ كذَا، وقيلَ لهُ كذا. والنهيُ عنهُ إما للزجرِ عن الاستكثار [منهُ] (^٣)، وإما لما يكرهه المحْكَى عنهُ.\nثالثُها: أن ذلكَ حكايةُ الاختلافِ في أمورِ الدينِ كقولِه: قالَ فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذَا. ومحل كراهةِ ذلكَ في أنْ يكثرَ [منهُ] (^٤) بحيثُ لا يأمنْ منَ الزللِ، وهوَ في حقِّ منْ ينقلُ بغيرِ تثبتِ في نقلهِ لما يسمعُه ولا يحتاطُ لهُ، ويؤيدُ هذا الحديثَ الصحيحَ: \"كفَى بالمرءِ إثمًا أن يحدِّثَ بكلِ ما سمعَ\"، أخرجه مسلمٌ (^٥).\nقلتُ: ويحتملُ إرادةُ كلٍّ منَ الثلاثةِ. وقولُه: \"وكثرةُ السؤالِ\" هوَ السؤالُ للمالِ أو عن المشكلاتِ منَ المسائلِ، أو مجموعُ الأمريْنِ وهوَ أَوْلَى. وتقدَّمَ في الزكاة تحريمُ مسألة المالِ، وقدْ نَهَى عن الأغلوطاتِ. أخرجَهُ أبو داودَ (^٦)، وهي المسائلُ التي يغلطُ بها العلماءُ ليزلُّوا، فينتجَ بذلكَ شرٌّ وفتنةٌ. وإنَّما نهَى عنْها\n_________\n(^١) انظر \"الفتح\": (١٠/ ٤٠٧) وقال: \"ووقع في رواية الكشميهني هنا: قيلًا وقالًا.\n(^٢) في (أ): \"يستمعه\".\n(^٣) في (أ): \"عنه\".\n(^٤) في (أ): \"عنه\".\n(^٥) في \"صحيحه\" في المقدمة رقم (٥/ ٥).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦٥٦)، وهو حديث ضعيف.","vol":"8","page":166},{"text":"لكونها غيرَ نافعةٍ في الدين، ولا يكادُ أنْ يكونَ إلَّا فيما لا ينفعُ. وقدْ ثبتَ عنْ جمع منَ السلفِ كراهة تكلُّفِ المسائلِ التي [يستحيلُ] (^١) وقوعُها عادةً، أوْ يندرُ وقوعُها جدًّا لما في ذلكَ منَ التنطعِ، والقولُ بالظنِّ الذي لا يخلُو صاحبُه عن الخطأِ. وقيلَ: كثرةُ السؤالِ عنْ أخبارِ الناسِ، وأحداثِ الزمانِ، وكثرةِ سؤالِ إنسانٍ معينٍ عنْ تفاصيلِ حالِه وكانَ مما يكرهُه المؤوِّلُ. وقولُه: \"وإضاعةُ المالِ\" المتبادرُ منَ الإضاعةِ ما لم يكنْ لغرضٍ دينيٍ ولا دنيويٍ، وقيلَ هوَ الإسرافُ في الإنفاقِ. وقيدَه بعضُهم [بالإنفاقِ في الحرام] (^٢). ورجَّحَ المصنفُ أنهُ ما أُنفِقَ في غير وجهه المأذونِ فيه شرعًا، سواءٌ كانتْ دينيةً أو دنيويةً، لأنَّ اللَّهَ تعالَى جعلَ المالَ قيامًا لمصالحِ العبادِ، وفي التبذيرِ تفويتُ تلكَ المصالحِ، إما في حقِّ صاحبِ المالِ، أو في حقِّ غيرِه. قالَ: والحاصلُ أن في كثرةِ الإنفاقِ ثلاثةَ وجوهٍ:\nالأولُ: [الإنفاقُ] (^٣) في الوجوهِ المذمومةِ شرْعًا، ولا شكَّ في تحريمهِ.\nوالثاني: الإنفاقُ في الوجوهِ المحمودةِ شرْعًا، ولا شكَّ في كونهِ مطلوبًا ما لم يفوِّتْ حقّا آخرَ أهمَّ منْ ذلكَ المنفقِ فيهِ.\nالثالثُ: الإنفاقُ في المباحاتِ، وهوَ منقسمٌ إلى قسمينِ، أحدِهما أن يكونَ على وجهٍ يليقُ بحالِ المنفقِ، وبقدرِ مالهِ فهذا ليسَ بإضاعةٍ ولا إسرافٍ، والثاني أنْ يكونَ فيما لا يليقُ عُرْفًا، فإنْ كانَ لدفعِ مفسدةٍ إما حاضرةً أو متوقعةً فذلكَ ليسَ بإسرافٍ، وإنْ لم يكنْ كذلكَ فالجمهورُ على أنهُ إسرافٌ، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^٤): ظاهرُ القرآنِ أنهُ إسرافٌ وصرَّحَ بذلكَ القاضي (^٥) حسينٌ فقالَ في كتاب قسمِ الصدقاتِ: هوَ حرامٌ، وتبعُه الغزاليُّ (^٦)، وجزمَ بهِ الرافعيُّ (^٧) في الكلام على الغارمِ، وقالَ الباجيُّ (^٨) منَ المالكيةِ: إنهُ يحرمُ استيعابُ جميعِ المالِ بالصدقةِ. قالَ: ويُكْرَهُ كثرةُ [الإنفاق] (^٩) في مصالح الدُّنيا، ولا بأسَ بهِ إذا وقعَ نادرًا\n_________\n(^١) في (أ): \"تستحيل\".\n(^٢) في (أ): \"أن في الإنفاق المحرم\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) ذكرهم الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٨).\n(^٥) و(^٦) و(^٧) ذكرهم الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٨).\n(^٨) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٨).\n(^٩) في (ب): \"إنفاقه\".","vol":"8","page":167},{"text":"لِحَادثٍ كضيفٍ أو عيدٍ أو وليمةٍ. والاتفاقُ على كراهةِ الإنفاقِ في البناءِ الزائدِ على قدْرِ الحاجةِ، ولا سيَّما [إذا] (^١) انضافَ إلى ذلكَ المبالغةُ في الزخرفةِ، وكذلكَ احتمالُ الغبنِ الفاحش في المبايعاتِ بلا سببٍ. وقالَ السبكيُّ (^٢) في الحلبياتِ: وأما إنفاقُ المالِ في الملاذِّ المباحةِ فهوَ موضعُ اختلافٍ، وظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (^٣)، أن الزائدَ الذي لا يليقُ بحال المنفقِ إسرافٌ. ومَنَ بذلَ مالًا كثيرًا في عرَضٍ يسيبر فإنهُ يعدُّهُ العقلاءُ مضيِّعًا، انتهى. وقدْ تقدَّم الكلامُ في الزكاةِ على التصدُّق بجميعِ المالِ بما فيهِ كفايةٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1457>برُّ الوالدين من رضى الله</span>\n٤/ ١٣٧٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بن العَاصِ - ﵄ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"رِضى اللَّهِ في رِضى الوالدَين، وَسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٥)، وَالْحَاكِمُ (^٦). [حسن]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - ﵂ - عن النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: رِضا اللَّهِ في رِضا الولدَين، وَسَخطُ اللَّهِ في سَخَطِ الْوَالِدَين. أَخْرَجَة التِّرْمِذِيُّ وَصَحَحَة ابْن حِبّانَ، وَالْحَاكِمُ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ رضى الولدِ لوالديْهِ، وتحريمِ إِسخاطِهما؛ فإنَّ الأولَ فيهِ مرضاةُ اللَّهِ، والثاني: فيهِ سخطُه، فيقدَّمُ رضاهُما على فعلِ ما\n_________\n(^١) في (ب): \"إن\".\n(^٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٩).\n(^٣) سورة الفرقان: الآية ٦٧.\n(^٤) في \"السنن\" رقم (١٨٩٩).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٤٢٩).\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ١٥١، ١٥٢) وصحَّحه ووافقه الذهبي مع أن الذهبي قال في الميزان أن عطاء والد يعلى: \"لا يعرف\".\nقلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣٤٢٣).\nوقد أورده المحدث الألباني في \"الصحيحة\" رقم (٥١٦) وقال: إن الحديث لا ينزل عن رتبة الحسن بمجموع طرقه … \".","vol":"8","page":168},{"text":"يجبُ عليهِ مِنْ فروضِ الكفايةِ كما في حديث ابن عمرَو (^١): \"أنهُ جاءَ رجلٌ [يستأذِنُ رسول الله] (^٢) - ﷺ - في الجهادِ فقالَ: أحيٌّ والداكَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: ففيهِمَا فجاهدْ\". وأخرجَ أبو داودَ (^٣) منْ حديثٍ أبي سعيدٍ: \"أن رجلًا هاجرَ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - منَ اليمنِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إني قدْ هاجرتُ، قالَ: هلْ لكَ أهلٌ باليمنِ؟ فقالَ: أبوايَ، قالَ: أذِنا لكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فارجعْ فاستأذنْهما، فإنْ أذِنَا لكَ فجاهدْ، وإلا فبرَّهُما\". وفي إسنادِه مختلَفٌ فيهِ، وكذلكَ غيرُ الجهادِ منَ الواجباتِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ من العلماءِ كالأميرِ الحسين ذكرَهُ في الشفاءِ، والشافعيِّ فقالُوا: يتعيَّنُ تركُ الجهادِ إذا لم يرضَ الأبوانِ، إلا فرضَ العينِ كالصلاةِ [الواجبة] (^٤)، فإنَّها تقدَّمُ وإنْ لم يرضَ بها الوالدان بالإجماعِ. وذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يجوزُ فعلُ فرضِ الكفايةِ والمندوبِ وإنْ لم يرضَ الأبوانِ ما لم يتضرَّرْ بسببِ فقدِ الولدِ، وحملُوا الأحاديثَ على المبالغةِ في حقِّ الوالدينِ وأنهُ يتبعُ رضَاهُما في ما لم يكنْ في ذلكَ سخطُ اللَّهِ كما قالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (^٥). قلتُ: الآيةُ إنَّما هيَ فيما إذا حملاهُ على الشركِ ومثلُه غيرُه منَ الكبائرِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ يطيعُهما في ترك فرضِ الكفايةِ والعينِ، لكنَّ الإجماعَ خصَّص فرضَ العينِ، وأما إذا تعارضَ حقُّ الأبِ وحقُّ الأمِّ، فحقُّ الأمّ [أقدم] (^٦) لحديثِ البخاريِّ (^٧): \"قالَ رجلٌ يا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٣٠٠٤)، ومسلم رقم (٢٥٤٩)، وأحمد (٢/ ١٨٨) و(٢/ ١٩٣، ١٩٧، ٢٢١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥)، والبغوي في شرح السنة\" رقم (٢٦٣٨)، والنسائي (٦/ ١٠)، والترمذي رقم (١٦٧١)، والحميدي رقم (٥٨٥) من طرق.\n(^٢) في (ب): \"يستأذنه - ﷺ - \".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٥٣٠).\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٧٥، ٧٦)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٣٧، ١٣٨) وقال: إسناده حسن. قلت: فيه درَّاج أبي السمح ضعيف. والحاكم (٢/ ١٠٣، ١٠٤)، والبيهقي (٩/ ٢٦)، وصحَّحه الحاكم، ولكن الذهبي تعقبه فقال: درَّاج واه.\nولكن للحديث شواهد منها حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وغيره فهو به حسن.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة لقمان: الآية ٥.\n(^٦) في (أ): الأقدم، والمثبت من (ب) و(ج).\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (٥٩٧١) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":169},{"text":"رسولَ اللهِ مَنْ أحقُّ بحسنِ صحبتي؟ قالَ: أمكَ ثلاثَ مراتٍ، ثمَّ قالَ: أبوكَ\"، فإنهُ دل على تقديمِ رضَا الأمِّ على رضَا الأبِ، قالَ ابنُ بطالٍ (^١): مقتضاهُ أنْ يكونَ للأمِّ ثلاثةُ أمثالِ ما للأبِ، قالَ: وكأن ذلكَ لصُعوبةِ الحملِ ثمَّ الوضعِ ثمَّ الرضاعِ.\nقلتُ: وإليهِ الإشارةُ بقولِه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ (^٢)، ومثلُها: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (^٣).\nقالَ القاضي عياضٌ (^٤): ذهبَ الجمهورُ إلى أن الأمَّ تُفَضَّلُ على الأب في البرِّ، ونقلَ الحارثُ المحاسبيُّ الإجماعَ على هذَا. واختلفُوا في الأخِ والجدَ مَنْ أحقُّ ببرِّه منْهما؟ [فقالَ] (^٥) القاضي (^٦): الأكثرُ الجدُّ، [وبه جزم الشافعي] (^٧). ويقدَّم من أدلى بسببين على من أدلى بسببٍ، ثم القرابةُ منْ ذوي الرحمِ، ويقدَّم منْهم المحارِمُ على مَنْ ليسَ بمحرَمٍ، ثم العصباتُ، ثمَّ المصاهرةُ، ثم الولاءُ، ثم الجارُ. وأشارَ ابنُ بطالٍ إلى أن الترتيبَ حيثُ لا يمكنُ البرُّ دفعةً واحدةً. ووردَ في تقديمِ الزوجِ ما أخرجهَ أحمدُ والنسائيُّ، وصحَّحُه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ: \"سألتُ النبيَّ - ﷺ -: أيُّ الناسِ أعظمُ حقًّا على المرأةِ؟ قالَ: زوجُها، قلتُ: فعلَى الرجلِ؟ قالَ: أُمُّه\". ولعلَّ مثلَ هذا مخصوصٌ بما إذا حصلَ التضررُ مع الوالدين؛ فإنهُ يقدَّمُ حقهما على حقِّ الزوجِ جَمْعًا بينَ الأحاديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1458>حق الجار أن يحبَّ له ما يحب لنفسه</span>\n٥/ ١٣٧٦ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أو لأخيه - مَا يُحِبُ لِنَفْسِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ وقعَ في لفظِ مسلمِ بالشكِّ\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٢)\n(^٢) سورة الأحقاف: الآية ١٥.\n(^٣) سورة لقمان: الآية ١٤.\n(^٤) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٢).\n(^٥) في (أ): \"قال\".\n(^٦) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٢).\n(^٧) في (ب): \"جزم به الشافعية\".\n(^٨) البخاري رقم (١٣)، ومسلم رقم (٧١/ ٤٥).","vol":"8","page":170},{"text":"في قوله لأخيهِ أو لجارهِ، ووقعَ في البخاريِّ لأخيهِ بغيرِ شكٍّ. الحديثُ دليلٌ على عِظَم حقِّ الجارِ والأخِ، وفيه نفيُ الإيمانِ عمنْ لا يحبُّ لهما ما يحبُّ لنفسِه. وتأوَّله العلماءُ بأنَّ المرادَ نفُي كمالِ الإيمانِ [عمن لا يحب لهما] (^١)، إذْ قدْ عُلِمَ منْ قواعد [الشريعةِ] (^٢) أن مَنْ لم يتصفْ بذلكَ [لا يخرجُ] (^٣) عن الإيمانِ، وأطلقَ المحبوبَ، ولم يعيِّنْ. وقدْ عيَّنه ما في روايةِ النسائيِّ (^٤) في هذا الحديثِ بلفظِ: \"حتَّى يحبَّ لأخيهِ منَ الخيرِ ما يحبُّ لنفسهِ\"، قالَ العلماءُ: والمرادُ: منَ الطاعاتِ والأمورِ المباحةِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وهذا قدْ يعدُّ منَ الصعبِ الممتنعِ، وليسَ كذلكَ؛ إذْ معناهُ لا يكملُ إيمانُ أحدكم حتى يحبَّ لأخيهِ في الإسلامِ ما يحبُّ لنفسِه مِنَ الخيرِ، والقيامُ بذلكَ يحصلُ بِأنْ يحبَّ لهُ مثلَ حصولِ ذلك منْ جهةٍ لا يزاحمُه فيها، بحيثُ لا تنقصُ النعمةُ على أخيه شيئًا منَ النعمةِ عليهِ، وذلك [سهلٌ] (^٥) على القلبِ السليمِ، وإنَّما يعسرُ على القلبِ الدغلِ. عافانا اللهُ وإخوانَنا أجمعينَ. اهـ. هذا على روايةِ الأخِ. وروايةُ الجارِ عامةٌ للمسلمِ، والكافرِ، [والفاسقِ] (^٦)، والصديقِ، والعدوِّ، والقريبِ، والأجنبيِّ، والأقربِ جِوارًا والأبعدِ، فمنِ اجتمعتْ فيهِ الصفاتُ الموجبةُ لمحبةِ الخيرِ لهُ فهوَ في أعلى المراتبِ، ومَنْ كانَ فيهِ أكثرُها فهوَ لاحقٌ بهِ وهلمَّ جرًّا إلى الخصلةِ الواحدةِ، فيعطَى كلُّ ذي حق حقه بحسبِ حالِه. وقد أخرجَ الطبراني (^٧) منْ حديثِ جابرٍ: \"الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ لهُ حق وهوَ المشركُ لهُ حق الجوارِ، وجارٌ لهُ حقانِ وهوَ المسلمُ لهُ حقُّ الجوارِ، وحقُّ الإسلامِ، وجارٌ لهُ ثلاثةُ حقوقٍ جارٌ [مسلمٌ] (^٨) له رحمٌ، لهُ حقُّ الإسلامِ، والرحمِ، والجوارِ\". وأخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (^٩) والترمذي، وحسنه عن عبد اللهِ بن عمرو أنه ذبحَ شاةً فأهدَى منها لجارهِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"الشرع\".\n(^٣) في (أ): \"لا يخرجه\".\n(^٤) في \"السنن\" (٨/ ١١٥ رقم ٥٠١٨).\n(^٥) في (أ): \"يسهل\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو وضاع - كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٦٤).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) رقم (١٠٥). =","vol":"8","page":171},{"text":"اليهوديِّ. فإنْ كانَ الجارُ أخًا أحبَّ لهُ ما يحبُّ لنفسِه، وإنْ كانَ كافرًا أحب لهُ الدخولَ في [الإسلام أولًا] (^١) معَ ما يحب لنفسه [مَنْ المنافعِ بشرطِ الإيمانِ] (^٢). قال الشيخُ محمدُ بنُ أبي جمرةَ (^٣): حفظُ حقِّ الجارِ منْ [كمالِ] (^٤) الإيمانِ، والإضرارُ بهِ منَ الكبائرِ لقولِه - ﷺ -: \"منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذي جارهَ\" (^٥). قالَ: ويفترقُ [الحالُ] (^٦) في ذلكَ بالنسبةِ إلى الجارِ الصالحِ وغيرِهِ. والذي يشملُ الجميعَ إرادةُ الخيرِ، وموعظتُه بالحسنَى، والدعاءُ له بالهدايةِ، وتركُ الإضرارِ لهُ إلا في الموضعِ الذي يحلُّ لهُ الإضرارُ به بالقولِ والفعلِ. والذي يخصُّ الصالحَ هوَ جميعُ ما تقدَّمَ وغيرُ الصالحِ كفُّه عن الأذَى، وأمرهُ بالحسنَى على حسبِ مراتبِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكرِ. والكافرُ يعرضُ الإسلام عليهِ والترغيبُ فيهِ برفقٍ، والفاسقُ يعظُه بما يناسبُه بالرفقِ، ويسترُ عليهِ زَللَه، وينهاهُ بالرفقِ فإن نفعَ وإلا هجرهُ قاصِدًا التأديب بذلكَ معَ إعلامِه بالسببِ ليكفَّ. ويقدِّمُ عندَ التعارضِ مَنْ كانَ أقربَ إليهِ بابًا كما في حديثِ عائشةَ: \"قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إن لي جاريْنِ، فإلى أيّهما أُهدي؟ قالَ: إلى أقربهما بابًا\" أخرَجهُ البخاريُّ (^٧). والحكمةُ فيهِ أن الأقربَ بابًا يرى ما يدخلُ بيتَ جارهِ منْ هديةٍ وغيرَها، فيتشوَّفُ إليها بخلافِ الأبعدِ. وتقدَّمَ أن حدَّ الجارِ (^٨) أربعونَ دارًا منْ كلِّ جهةٍ، وجاءَ عن عليٍّ ﵇ (^٩): \"منْ سمعَ النداءَ فهوَ جارٌ\"، وقيلَ (٩): منْ صلَّى معكَ صلاةَ الصبحِ في المسجدِ فهوَ جارٌ.\n_________\n= قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥١٥٢)، والترمذي رقم (١٩٤٣).\nوقال: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث صحيح.\n(^١) في (ب): \"الإيمان\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٤٢).\n(^٤) في (أ): \"إكمال\".\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦٠١٨)، ومسلم رقم (٧٥/ ٤٧).\nوأبو داود رقم (٥١٥٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٦) في (أ): \"الجار\".\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (٦٠٢٠). قلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥١٥٥).\n(^٨) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (١٠٩ ث ٣١) عن الحسن بإسناد حسن.\n(^٩) ذكر ذلك الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٤٧).","vol":"8","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1459>أعظم الذنوب أن تجعل لله ندًّا</span>\n٦/ ١٣٧٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: أَي الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًا وَهُوَ خَلَقَكَ\"، قُلْتُ: ثُمّ أَيُّ؟ قَالَ: \"أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأكُلَ مَعَكَ\"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: \"أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ\" (^١)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ - ﵁ - قَالَ: سَأَلْتْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ الذنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا) هوَ الشبهُ ويقالُ لهُ: نِدٌّ ونديدٌ (وَهُوَ خَلَقَكَ. قالَ قُلْتُ: ثمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ بحَلِيلَةِ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ الزوجةِ (جَارِكَ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ) قالَ تعالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (^٤)، والآيةُ الأُخْرَى: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (^٥)، وقولُه: أنْ تزانيَ بِحَليلةِ جاركَ، أي بزوجَتهِ التي تَحلُّ لهُ، وعبَّر بِتزَاني لأنَّ معناهُ تزني بها برضَاها. وفيهِ فاحشةُ الزنَى وإفسادُ المرأةِ على زوجِها، واستمالةُ قلبِها إلى غيرِه، وكلُّ ذلك فاحشةٌ عظيمةٌ، وكونُها حليلةَ الجارِ أعظمُ، لأنَّ الجارَ يتوقعُ منْ جارهِ الذبَّ عنهُ، وعن حريمهِ، ويأمنُ بوائقَه، ويركنُ إليهِ. وقدْ أمرَ اللَّهُ تعالَى برعايةِ حقِّه، والإحسانِ إليهِ، فإذا قابلَ هذَا بالزنا بامرأتِه وإفسادِها عليهِ معَ تمكنهِ منْها على وجْهٍ لا يتمكنُ [منها] (^٦) غيرهُ، كانَ غايةً في القُبحِ. والحديثُ دليلٌ أن أعظمَ المعاصي الشركُ، ثمَّ القتلُ بغيرِ حقٍّ، وعليهِ نصَّ الشافعيُّ، ثم تختلفُ الكبائرُ باختلافِ مفاسدِها الناشئةِ عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1460>من الكبائر أن يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه</span>\n٧/ ١٣٧٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ:\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) البخاري رقم (٦٠٠١)، ومسلم رقم (١٤١/ ٨٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٢٣١٠)، والترمذي رقم (٣١٨٢)، والنسائي (٧/ ٨٩)، وأحمد (١/ ٢٨٠، ٤٢١، ٤٢٤، ٤٦٢) و(٦/ ٢٨٤، ٢٨٥).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ١٥١.\n(^٥) سورة الإسراء: الآية ٣١.\n(^٦) في (ب): \"منه\".","vol":"8","page":173},{"text":"\"مِنْ الْكَبَائرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ\"، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيُسُبُّ أُمَّهُ فَيسُبُّ أُمَّهُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَن رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: مِنَ الْكَبَائِرِ شَتمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيسُبُّ أُمَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قولُه: شتمُ الرجلِ والديهِ، أي يتسببُ إلى شتمِهمَا، فهوَ منَ المجازِ المرسلِ استعمال للسبب في المسيِّبَ [عنه] (^٢). وقدْ بينَّه - ﷺ - بجوابهِ عمنْ سأَله بقولهِ: (نعمْ)، وفيهِ تحريمُ التسببِ إلى أذيةِ الوالدينِ وشتمِهما، ويأثمُ الغيرُ بسبِّهِ لهمَا. قالَ ابنُ بطالٍ: هذا الحديثُ أصلٌ في سدِّ الذرائعِ. ويُؤخَذُ منهُ أنهُ إنْ آلَ أمرهُ إلى محرَّم حرمَ عليهِ الفعلُ، وإن لم يقصدِ المحرَّمَ، وعليهِ دلَّ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^٣). واستنبطَ منهُ الماورديُّ (^٤) [في الحديث] (^٥) تحريمَ بيعِ الثوبِ الحريرِ إلى منْ يتحققُ منهُ لبسهُ، والغلامُ الأمردُ إلى منْ يتحققُ منهُ فعلُ الفاحشةِ، والعصيرُ [إلى من] (^٦) يتخذُه خمرًا. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يعملُ بالغالبِ، لأنَّ الذي يسبُّ أبا الرجلِ قدْ لا يجازيهِ بالسبِّ لكنَّ الغالبَ المجازاةُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1461>بماذا يزول التهاجر بين الأخوين</span>\n٨/ ١٣٧٩ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ: يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هذَا، ويُعْرِضُ هذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٩٧٣)، ومسلم (١٤٦/ ٩٠).\nقلت: وأخرجه الترمذى رقم (١٩٠٢)، وأحمد (٢/ ١٦٤).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٠٨.\n(^٤) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٠٤).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب) \"ممّن\".\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (٦٠٧٧) وطرفه في رقم (٦٢٣٧)، ومسلم رقم (٢٥٦٠). =","vol":"8","page":174},{"text":"(وعن أَبي أَيُّوبَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هذَا، وَيُعْرِضُ هذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسّلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). نفيُ الحلِّ دالٌّ على التحريمِ، فيحرمُ هجرانُ المسلمِ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ. ودلَّ مفهومُه على جوازهِ في ثلاثَة أيامٍ. وحكمةُ جوازِ ذلكَ في هذهِ المدةِ أنَّ الإنسانَ مجبولٌ على الغضبِ، وسوءِ الخلقِ، ونحوِ ذلكَ فَعُفيَ لهُ هجرُ أخيهِ ثلاثةَ أيامٍ، ليذهبَ ذلكَ العارضُ تخفيفًا على الإنسانِ، ودفعًا للإضرارِ بهِ، ففي اليومِ الأولِ يسكنُ غضبهُ، وفي الثاني يراجعُ نفسَه، وفي الثالثِ يعتذرُ، وما زادَ على ذلكَ كانَ قطعًا لحقوقِ الأخوَّةِ. وقد فسَّر معنَى الهجرِ [بقَوْلِه] (^١) \"يلتقيانِ - إلى آخرهِ\"، وهوَ الغالبُ منْ حالِ المتهاجريْنِ عندَ اللقاءِ. وفيهِ دلالةٌ على زوالِ الهجْرِ لهُ بردِّ السلامِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ ومالكٌ والشافعيُّ. واستدلَّ لهُ بما رواهُ الطبرانيُّ (^٢) منْ طريقِ زيدِ بن وهبٍ عن ابن مسعودٍ في أثناءِ حديثٍ موقوفٍ وفيهِ: \"ورجوعهُ أنْ يأتيَ فيسلِّمَ عليهِ\". وقالَ أحمدُ (^٣) وابنُ القاسمِ (^٤): إنْ كانَ يؤذيهِ تركُ الكلامِ، فلا يكفيهِ ردُّ السلامِ بلْ لا بدَّ منْ الرجوعِ إلى الحالِ الذي كانَ بينَهما. وقيلَ: ينظرُ إلى حالِ المهجور، فإنْ كانَ خطابُه بما زادَ على السلامِ عند اللقاءِ مما [تطيبُ] (^٥) بهِ نفسه، ويزيلُ علةَ الهجرِ كانَ منْ تمامِ الوصلِ وتركِ الهجرِ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى ذلكَ كفى السلامُ. وأما فوقَ اليومِ الثالثِ فقالَ ابنُ عبد البرِّ (^٦): أجمعُوا على أنهُ يجوزُ الهجْرُ فوقَ [ثلاثٍ] (^٧) لمنْ كانتْ مُكالمتُهُ تجلبُ نقصًا على المُخاطبِ لهُ في دينهِ، أو مضرَّةً تحصُلُ عليهِ في نفسهِ أو دنياهُ، فربَّ هجْرٍ جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيةٍ. وتقدَّمَ الكلامُ في هجرِ منْ يأتي ما يلامُ عليهِ شرْعًا. وقدْ\n_________\n= قلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٦، ٩٠٧)، وأبو داود رقم (٤٩١١)، والترمذي رقم (١٩٣٢) وقال: حديث حسن صحيح.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في الكبير (٩/ ٢٠٥ رقم ٨٩٠٤) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦٧). وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير عصمة بن سليمان وهو ثقة\".\n(^٣) و(^٤) ذكرهما الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٩٦).\n(^٥) في (أ): \"يطيب\".\n(^٦) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٩٦).\n(^٧) في (أ): \"الثلاث\".","vol":"8","page":175},{"text":"وقعَ منَ السلفِ التهاجرُ بينَ جماعةٍ منْ أعيانِ [الصحابةِ] (^١) والتابعينِ [وتابعيهم] (^٢). وقدْ عدَّ الشارحُ جماعةً [منْ أولئكَ] (^٣) يستنكرُ صدورَه منْ أمثالِهم، وأقامُوا عليهِ، ولهمْ أعذارٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. والحملُ على السلامةِ متعيَّنٌ، والعبادُ مظنةُ المخالفةِ. وأما قولُ الذهبيِّ (^٤) إنهُ لا يُقْبَلُ جرحُ الأقرانِ بعضَهمِ على بعضٍ سيِّما السلفُ قالَ: وحدُّهم رأسُ ثلاثمائةٍ منَ الهجرةِ، فقدْ بينَّا اختلَالَ ما قالَ في ثمراتِ النظرِ (^٥) في علمِ الأثرِ، وقد نقلَ في الشرح قضايا كثيرةً لا يحسنُ ذكرُها؛ إذْ طيُّ ما لا يحسنُ ذكرُه لا يحسنُ نشرُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1462>كل معروف صدقة</span>\n٩/ ١٣٨٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). المعروفُ ضدُّ المنكرِ. قالَ ابنُ أبي جمرة: اسمُ المعروفِ [اسم لما] (^٧) عرفَ بأدلةِ الشرعِ أنهُ منْ أعمالِ البرِّ، سواءٌ جرتْ بهِ العادةُ أمْ لا، فإنْ قارنتْه النيةُ أُجِرَ صاحبُه جزمًا، وإلا ففيهِ احتمالٌ. والصدقةُ هي ما يعطيهِ المتصدقُ للَّهِ تعالَى فيشملُ الواجبةَ والمندوبةَ، والإخبارُ بأنَّهُ صدقةٌ منْ بابِ التشبيهِ البليغِ، وهوَ إخبارٌ بأنَّ لهُ حكمَ الصدقةِ في الثوابِ، وأنهُ لا يحتقرُ الفاعلُ شيئًا منَ المعروفِ، ولا يبخلُ بهِ. وفي الحديثِ: \"إنَّ كلَّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، والأمرُ بالمعروفِ [صدقةٌ] (^٨)، والنهيُ عن المنكرِ صَدَقةٌ\". وقال - ﷺ -: \"في بُضع أحدِكمْ صَدَقةٌ، والإمساكُ عن الشرِّ صدقةٌ\" (^٩)، وغيرُ ذلكَ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"أو الصحابة\".\n(^٣) في (أ): \"منهم بأسمائهم\".\n(^٤) في \"ميزان الاعتدال\" (١/ ١١١).\n(^٥) مخطوط. جامع المكتبة الغربية مجاميع (٣) المكتبة التيمورية (٣٨١).\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٦٠٢١).\n(^٧) في (ب): \"ما\".\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) وهو جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (٥٣/ ١٠٠٦)، وأبو داود رقم (٥٢٤٣)، وأحمد في \"المسند\" (٥/ ١٦٧، ١٦٨) من حديث أبي ذر.","vol":"8","page":176},{"text":"منَ الأعمال الصالحةِ. ولفظُ كلِّ معروف عامٌّ. وقدْ أخرجَ الترمذيُّ (^١)، وحسَّنهُ مرفُوعًا منْ حديثِ أبي ذرٍّ: \"تبسُّمكَ في وجْهِ أخيكَ صدقةٌ لكَ، وأمْرُكَ بالمعروفِ ونهيُكَ عن المنكرِ صدقةٌ لكَ، وإرشادكَ الرجلَ في أرضِ الضلالةِ صدقةٌ لكَ، وإماطتُك الحجرَ والشوكَ والعظمَ عن الطريقِ لكَ صدقةٌ، وإفراغُك منْ دلوكَ في دلْوِ أخيكَ [صدقةٌ] (^٢). وأخرجَهُ ابنُ حبانَ (^٣) في صحيحهِ.\nوفي الأحاديثِ إشارةٌ إلى أن الصدقةَ لا تنحصرُ فيما هو أصلُها، وهوَ ما أخرجَه الإنسانُ منْ مالهِ متطوِّعًا، فلا تختصُّ بأهلِ اليسارِ، بلْ كلُّ واحد قادرٌ على أن يفعلَها في أكثرِ الأحوالِ منْ غيرِ مشقةٍ، فإنَّ كلَّ شيءٍ يفعلُه الإنسانُ، أوْ يقولُه منَ الخيرِ يكتبُ لهُ بهِ صدقةٌ.\n١٠/ ١٣٨١ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ\" (^٤). [صحيح].\n(وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَا تَحْقِرَن مِنَ الْمَعْروفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) بإسكانِ اللامِ، ويقالُ: طليقٍ، والمرادُ سهل منبسطٌ.\n١١/ ١٣٨٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا طَبَخْتَ مَرقَةً فَأَكْثِر مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ\" (^٥)، أَخْرَجَهُما مُسْلِمٌ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنْهُ) أي أبي ذرٍّ (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: إذَا طَبَخْتَ [مَرَقًا] (^٧) فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ. أَخْرَجَهُما مُسْلِمٌ). [في الحديثين] (^٨) الحثُّ على [فعل] (^٩) المعروفِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٩٥٦). وقال: هذا حديث حسن وغريب.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) رقم (٤٧٤)، ورقم (٥٢٩).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٨٩١)، وأحمد (٥/ ١٦٨) من طريق أُخرى.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح. انظر: \"الصحيحة\" (٥٧٢).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٢٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٨٣٣).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (١٤٢/ ٢٦٢٥).\n(^٦) في \"صحيحه\" رقم (٣٨/ ٢٦٩٩).\n(^٧) في (ب): \"مرقة\".\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) زيادة من (ب).","vol":"8","page":177},{"text":"ولو بطلاقةِ الوجْهِ [والبِشْرِ] (^١)، والابتسامِ في وجْهِ مَنْ يلاقيهِ منْ إخوانِهِ. وفيهِ الوصيةُ بحقِّ الجارِ وتعاهدهِ، ولو بمرقةٍ تهديْها إليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1463>الترغيب في التفريج عن المسلم والتيسير عليه</span>\n١٢/ ١٣٨٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ نَفسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ نَفَّسَ) لفظُ مسلمٍ: مَنْ فرَّجَ (عَنْ مُسْلِمٍ كُربةً مِنْ كُرَب الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ [عَنْهُ] (^٣) كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِر يَسَّرَ الله عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ). هذا ليسَ في مسلمٍ كما قالَ الشارحُ، وقدْ أخرجَه غيرهُ (^٤)، (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخيهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). [هذا حديث جليل عظيم القدر] (^٥)، وفيه مسائلُ:\nالأُولى: فضيلةُ منْ فرَّجَ [عن المسلمِ] (^٦) كربةً منْ كربِ الدنيا، وتفريجُها إما بإعطائِه منْ مالهِ إنْ كانتْ كُرْبَتُهُ منْ حاجةٍ، أو بذلِ جاههِ في طلبِه لهُ منْ غيرهِ، أوْ قرضِه، وإنْ كانتْ كربتُه منْ ظلم ظالمٍ لهُ فرَّجَها بالسعي في رفْعِها عنهُ، أو تخفيفِها، وإنْ كانتْ كربةُ مرضٍ أَصَابَهُ أعانه على الدواءِ إنْ كانَ لديهِ، أو على\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٣٨/ ٢٦٩٩).\n(^٣) في (أ): \"عليه\".\n(^٤) أخرجه أبو داود رقم (٤٩٤٦)، والترمذي رقم (١٩٣٠)، وابن ماجه رقم (٢٢٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٥٣٤) مختصرًا، والحاكم (٤/ ٣٨٣).\nقلت: وهم الشارح حينما قال عن هذا الحديث أنه ليس في مسلم.\n(^٥) في (ب): \"الحديث\".\n(^٦) في (أ): \"على مسلم\".","vol":"8","page":178},{"text":"[طبيبٍ] (^١) ينفعُه، وبالجملةِ تفريجُ الكربِ بابٌ واسعٌ فإنهُ يشملُ إزالةَ كل ما ينزلُ بالعبدِ أوْ تخفيفه.\nالثانيةُ: التيسيرُ على المُعسرِ هوَ أيضًا منْ تفريجِ الكرب، وإنَّما خصُّه لأنهُ أبلغُ وهو [يشمل الإنظار للغريم] (^٢) في الدَّينِ، أو إبراؤُه لهُ منهُ، أوْ غير ذلكَ؛ فإنَّ الله تعالى ييسِّرُ عليهِ أمورَه، ويسهِّلُها لهُ لتسهيلهِ لأخيه فيما عندَه. والتيسيرُ لأمورِ الآخرةِ بأنْ يهوِّنَ عليهِ المشاق فيها، ويرجحَ وزنَ الحسناتِ ويلقى في قلوبِ مَنْ لهمْ عندَهُ حق يجبُ استيفاؤهُ منه في الآخرِة المسامحةُ وغيرُ ذلكَ، ويؤخذُ منهُ أن مَنْ عسَّر على معسِر عسَّر عليهِ، ويؤخذُ منهُ أنّهُ لا بأسَ على مَنْ عسَّر على موسِر لأنَّ مطْلَه ظلمٌ يحلُّ عرضُه وعقوبتُه.\nالثالثةُ: منْ سترَ مسلمًا اطّلعَ منهُ على ما لا ينبغي إظهارهُ منَ الزلَّاتِ والعثراتِ، فإنهُ مأجورٌ [بستره عنه] (^٣) بما ذكرهُ منْ سترهِ في الدنيا والآخرةِ، فيسترُه في الدنيا بأنْ لا يأتي زلَّةً يكرهُ اطلاعَ غيرِه عليها، وإنْ أتاهَا لم يُطلعِ اللهُ عليها أحدًا، وسترُه في الآخرةِ بالمغفرةِ لذنوبِه، وعدمِ إظهارِ قبائحِه، وغيرِ ذلكَ. وقد حثَّ - ﵀ على السترِ للمسلمِ ققالَ في حقِّ ماعزٍ: \"هلَّا سترتَ عليهِ بردائِكَ يا هزالُ\" (^٤). قالَ العلماءُ: وهذا السترُ مندوبٌ لا واجبٌ، فلو رفعهُ إلى السلطان كان جائزًا له، ولا يأثمُ به. قلتُ: ودليله أنه - ﷺ - لم يلم هزالًا، ولا أبانَ لهُ أنهُ آثمٌ، بلْ حرَّضَهُ على أنهُ كانَ ينبغي لهُ سترهُ، فإنْ علمَ أنهُ تابَ وأقلعَ حرُمَ عليهِ ذكرُ ما وقعَ منهُ، ووجبَ عليهِ سترهُ، وهوَ في حقِّ منْ لا يُعْرَفُ بالفسادِ والتمادي في الطغيانِ، وأما مَنْ عُرِفَ بذلكَ فانهُ لا يستحبُّ السترُ عليهِ، بَلْ يرفعُ أمرُه إلى مَنْ لهُ الولايةُ إذا لم يخفْ منْ ذلكَ مفسدةَ، وذلكَ لأنَّ الستر عليهِ يغريهِ على الفسادِ، ويجزئه على أذيةِ العبادِ، ويجرئُ غيرهَ منْ أهلِ الشرِّ والعِنادِ، وهذا بعدَ انقضاءِ فعلِ المعصيةِ. فأما إذا رآهُ وهو فيها فالواجبُ المبادرةُ لإنكارِها، والمنعُ منْها معَ القدرةِ على ذلكَ. ولا يحل تأخيرُه لأنهُ منْ بابِ إنكارِ المنكرِ لا يحلُّ\n_________\n(^١) في (أ): \"طلب ما\".\n(^٢) في (ب): \"إنظاره لغريمه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه أبو داود رقم (٤٣٧٧)، وهو حديث ضعيف.","vol":"8","page":179},{"text":"تركُه معَ الإمكانِ، وأما إذا رآهُ يسرقُ مالَ زيدٍ فهلْ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ بذلكَ أو سترُ السارقِ؟ الظاهرُ أنهُ يجبُ عليهِ إخبارُ زيدٍ، وإلا كانَ مُعيِنًا للسارقِ بالكتْمِ منهُ على الإِثْمِ، واللَّهُ تعالَى يقولُ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١). وأما جرحُ الشهودِ والرواةِ والأمناءِ على الأوقافِ والصدقاتِ وغير ذلكَ فإنهُ منْ بابِ نصيحةِ المسلمينَ الواجبةِ على كل من اطلعَ عليها، وليسَ منَ الغيبةِ المحرَّمةِ، بلْ مِنَ النصيحةِ الواجبةِ، وهوَ مجمعٌ عليهِ.\nالرابعةُ: الإخبارُ بأنَّ اللَّهَ تعالى في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ؛ فإنهُ دالٌّ على أنهُ تعالَى يتولَّى إعانةَ مَنْ أعانَ أخاهُ وهوَ يدلُّ على أنهُ يتولَّى عونَه في حاجةِ أخيه التي يسعَى فيها، وفي حوائجِ نفسهِ، فينالُ منْ عونِ اللَّهِ ما لمْ يكنْ ينالُه بغيرِ إعانتِه وإنْ كانَ تعالَى هوَ المعينُ لعبدهِ في أمورِهِ لكنْ إذا كانَ في عونِ أخيهِ زادتْ [إعانةُ اللَّهِ] (^٢)، فيؤخذُ منهُ أنهُ ينبغي للعبدِ أنْ يشتغلَ بقضائه حوائجِ أخيهِ، ويقدمها على حاجةِ نفسهِ، لينالَ منَ اللَّهِ تعالى كمالَ الإعانةِ في [حاجته] (^٣).\nوهذهِ الجملُ المذكورةُ في الحديثِ دلَّتْ على أنهُ تعالَى يجازي العبدَ منْ جنسِ فعلِه، فمنْ سترَ سترَ عليهِ، ومنْ يسَّرَ يسَّرَ عليهِ، ومنْ أعانَ أُعِيْنَ. ثمَّ إنهُ تعالَى بفضِله وكرمِه جعلَ الجزاءَ في الدارينِ في حقِّ الميسرِ على المعسرِ، والساترِ للمسلمِ، وجعلَ تفريجَ الكربةِ يجازي بهِ يومِ القيامةِ كأنهُ لعظائمِ يومِ القيامةِ أُخِّرَ جَزاءُ تفريجِ الكربةِ، ويحتملُ أنْ يفرجَ عنه في الدُّنيا أيضًا لكنَّهُ طُوِيَ في الحديثِ وذكرَ ما هوَ أهمُّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1464>الدال على الخير كفاعله</span>\n١٣/ ١٣٨٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٢) في (أ): \"إعانته تعالى\".\n(^٣) في (ب): \"حاجاته\".\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (١٨٩٣).\nقلت: وكذلك أخرجه الترمذي رقم (٢٦٧١)، وأحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٧٢).","vol":"8","page":180},{"text":"(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أجْرِ فَاعِلِهِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). دلَّ الحديثُ على أن الدلالةَ على الخيرِ يؤجَرُ بها الدالُّ عليهِ كأجْرِ فاعلِ الخيرِ، وهوَ مثلُ حديثِ: \"منْ سنَّ سنةً حسنةً في الإسلامِ، كانَ لهُ أجرُها، وأجرُ منْ عملَ بها\" (^١). والدلالةُ تكونُ بالإشارةِ على الغيرِ بفعلِ الخيرِ، وعلى إرشادِ ملتمسِ الخيرِ على أنهُ يطلبَهُ منْ فلانٍ، والوعظُ والتذكيرُ، وبالتأليف للعلوم النافعةِ. ولفظُ خيرٍ [يشملُ] (^٢) الدلالةَ على خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، فللهِ درُّ الكلامِ النبويّ ما أشملَ معانيه: وأوضحَ مبانيهِ، ودلالتَه على خيرِ الدنيا والآخرةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1465>من استعاذ وسأل بالله أعيذ وأعطي</span>\n١٤/ ١٣٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِن لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ\"، أَخْرَجُه الْبَيْهَقيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَألَكُمْ باللهِ فَأعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ. [رواه] (^٤) الْبَيْهَقيُّ). وقدْ أخرجَه أبو داودَ (^٥) وابنُ حبانَ (^٦) في صحيحهِ، والحاكمُ (^٧) [وصحَّحه] (^٨) وفيهِ زيادةُ: \"ومنِ استجارَ باللَّهِ فأجيرُوه، ومنْ أتى إليكمْ معروفًا فكافِئُوه، فإنْ لم تجدُوا فادعُوا لهُ، حتَّى تعلمُوا أنكُم قدْ كافأْتموهُ\".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (١٥/ ١٠١٧)، والنسائي (٥/ ٧٦ رقم ٢٥٥٤)، وأحمد في \"المسند\" (٤/ ٣٥٧، ٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١).\n(^٢) في (أ): \"تشمل\".\n(^٣) في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٩٩).\n(^٤) في (ب): \"أخرجه\".\n(^٥) في \"السنن\" رقم (١٦٧٢) و(٥١٠٩).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٨/ ١٩٩ رقم ٣٤٠٨).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ٤١٢، ٢/ ٦٣، ٦٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.\nقلت: وهو حديث صحيح.\n(^٨) زيادة من (أ).","vol":"8","page":181},{"text":"وفي روايةٍ (^١): \"فإنْ عجزْتُم عنْ مكافأتهِ فادعُوا لهُ حتَّى تعلمُوا أنْ قدْ شكرتُم، فإنَّ الله يحبُّ الشاكرينَ\". وأخرجَ الترمذيُّ (^٢) وقالَ: حسنٌ غريبٌ: \"منْ أعطَى عطيةً فوجدَ فليجْزهِ، فإنْ لم يجدْ فليثنِ فإنَّ منْ أثنَى فقدْ شكرَ، ومنْ كتَم فقدْ كفرَ، ومنْ تحلَّى بباطلٍ فهوَ كلابسِ ثوبي زورٍ\".\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ منِ استعاذَ باللهِ عنْ أيِّ أمرٍ طُلبَ منهُ غيرُ واجبٍ عليهِ، فإنهُ يعاذُ بترك ما طُلِبَ منهُ أنْ يفعلَ، وأنهُ يجبُ إعطاءُ من يسأل بالله، وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة فمن سأل من المخلوقين بالله شيئًا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيًا عن إعطائه. وقد أخرج الطبراني بسند رجاله رجالُ الصحيحِ إِلا شيخَه - وهوَ ثقةٌ على كلامٍ فيهِ - منْ حديثِ أبي موسَى (^٣) الأشعريِّ أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"ملعون منْ سألَ بوجهِ اللَّهِ، وملعونٌ منْ سُئِلَ بوجهِ اللَّهِ ثمَّ منعَ سائلَه ما لم يسألْ هُجْرًا\" بضمِّ الهاءِ، وسكونِ الجيمِ، أي أمرًا قبيحًا لا يليقُ، ويحتملُ ما لم يسألْ سؤالَا قبيحًا أي بكلامِ يقبحُ، ولكنَّ العلماءَ حملُوا هذا الحديثَ علَى الكراهةِ، ويحتملُ أنهُ يرادف بهِ المضطر ويكونُ ذكرهُ هنا أن منعَه معَ سؤالهِ باللهِ تعالى أقبحُ وأفظعُ، ويحملُ لعنُ السائلِ على ما إذا ألحَّ في [المسألةِ] (^٤) حتَّى أضجرَ المسؤولَ.\nودلَّ الحديثُ علَى وجوبِ المكافأةِ للمحسنِ، إلا إذا لم يجدْ فإنهُ كافأه بالدعاءِ، وأجزأَه إنْ علمَ أنهُ قدْ طابتْ نفسُه أو لم تطبْ بهِ وهو ظاهرُ الحديثِ.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤١٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، والبيهقي (٤/ ١٩٩).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٠٣٤).\n(^٣) وهو حديث حسن. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٥٣): رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن على ضعف في بعضه مع توثيق.\n(^٤) في (أ): \"السؤال\".","vol":"8","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1466>[الباب الثالث] باب الزهد والورع</span>\n<span data-type='title' id=toc-1467>معنى الزهد والورع وما قيل فيهما</span>\nالزهدُ هوَ قلةُ الرغبةِ في الشيءِ، وإنْ شئتَ قلتَ الرغبةِ عنهُ، وفي اصطلاح أهلِ الحقيقةِ: بغضُ الدنيا والإعراضُ عنْها، وقيلَ: تركُ راحةِ الدنيا لراحةِ الآخَرةِ، [وقيل: ترك نعيم الدنيا وشهواتها لنعيم الآخرة ولذاتها] (^١)، وقيلَ: أنْ يخلُوَ قلبُك مما خلتْ منهُ يدُك، وقيلَ: بذلُكَ ما تملكُ ولا تؤثرُ ما تدرُكَ. وقيلَ تركُ الأسَفِ على معدومٍ، ونفيُ الفرح بمعلوم، قالَه المناويُّ في تعريفاتِه، وأخرجَ الترمذيُّ (^٢) وابنُ ماجه (^٣) منْ حديثِ أَبي ذرٍّ مرفُوعًا: \"الزهادةُ في الدُّنيا ليستْ بتحريمِ الحلالِ، ولا إضاعةِ المالِ، ولكنَّ الزهادةَ في الدنيا أنْ لا يكون بما في يدك أوثقُ منكَ بما في يدي الله، وأنْ تكونَ في ثوابِ المصيبةِ إذا أنتَ أصبْتَ بها أرغبَ منك فيها لو أنها بقيتْ لكَ\"، انتَهى. فهذا [تفسير الزهادة في الحديث والورع في التعريفات للمناوي] (^٤). والورعُ تجنب الشبهاتِ خوفَ الوقوعِ في محرَّمٍ. وقيلَ: تركُ ما يريبكَ، ونفيُ ما يعيبُكَ، وقيلَ: الأخذُ بالأوثقِ، وحملُ النفسِ على الأشقِّ. وقيلَ: النظرُ في المطعمِ واللباسِ، وتركُ ما بهِ باسٌ، وقيلَ: تجنبُ الشبهاتِ، ومراقبة الخطراتِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٣٤٠). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بن عبد الله وعمرو بن واقد منكر الحديث.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤١٠٠).\nوهو حديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٤) في (ب): \" [التفسير النبويُّ يقدم على كلِّ تفسير] \".","vol":"8","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1468>الحلال بيِّن والحرام بيِّن</span>\n١/ ١٣٨٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْه إِلَى أُذُنَيْهِ: \"إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُن كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ: كَالرَّاعِي يَرْعى حَوْلَ الْحِمى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيه، أَلَا وَإنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإنَّ حمِى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِن في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلبُ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - ﵄ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ - وَأَهْوَى النّعْمَان بِإصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: إِن الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ)، ويُرْوَى مُشَبَّهاتٌ بضمِّ الميمِ وتشديدِ الموحدةِ، ومُشبَهات [بضمّها أيضًا] (^٢) وتخفيفِ الموحدةِ، (لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ) بالهمزةِ منَ البراءةِ، أي: حصلَ لهُ البراءُ منَ الذمِّ الشرعيِّ، وصانَ عرضَه منْ ذمِّ الناسِ (لِدِينهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشبُهَاتِ وَقَعَ في الْحَرَامِ)، أي يُوشكُ أنْ يقعَ فيهِ، وإنَّما حذفَهُ لدلالةِ ما بعدَه عليهِ؛ إذْ لوْ كانَ الوقوعُ في الشبهاتِ وقوعًا في الحرامِ لكانتْ منْ قسمِ الحرامِ البيِّنِ، وقدْ جعلَها قسمًا برأسِه، وكما يدلُّ له التشبيهُ بقولِه: (كَالرَّاعِي يرعي حَوْلَ الْحِمي، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيه، أَلَا وَإن لِكُل مَلِك حِمَي، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محَارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كلُّهُ، وإذا فسدت فسد الجسدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلبُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). أجمع الأئمةُ على عظمِ شأنِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٥٢).\nومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٠٧/ ١٥٩٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٣٣٢٩)، (٣٣٣٠)، والترمذي رقم (١٢٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٤١)، وابن ماجه رقم (٣٩٨٤).\n• انظر تحقيقنا لرسالة: \"تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام\".\n(^٢) زيادة من (ب).","vol":"8","page":184},{"text":"هذا الحديثِ، وأنهُ منَ الأحاديثِ التي تدورُ عليها قواعدُ الإسلامِ. قالَ جماعةٌ: هوَ ثلثُ الإسلامِ؛ فإنَّ دَوَرَانَهُ عليهِ وعلى حديثِ: \"إنما الأعمالُ بالنياتِ\" (^١)، وعلى حديثِ: \"مِنْ حسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعْنِيْهِ\" (^٢). قالَ أبو داودَ (^٣): إنهُ يدورُ على أربعةِ، هذه [ثلاثة، والرابع] (^٤) حديثُ: \"لا يؤمنُ أحدُكم حتَّى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسهِ\" (^٥). وقيلَ [الرابع] (^٦) حديثُ: \"ازهدْ في الدنيا يحبُّكَ اللَّهُ، وازهدْ فيما في أيدي النّاسِ يُحبُّكَ الناسُ\" (^٧). وقولُه: \"الحلالُ بيِّنٌ\" أي قدْ بيَّنه اللَّهُ ورسولُه إما بالإعلامِ بأنهُ حلالٌ نحوَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (^٨) الآية، وقولُه تعالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^٩)، أو سكتَ عنهُ تعالَى ولم يحرِّمهُ فالأصلُ حِلُّه، أوْ بما أخبرَ عنهُ رسولُهُ - ﷺ - بأنَّهُ حلالٌ، أو امتنَّ اللَّهُ تعالى به ورسُولُهُ فإنهُ لازمٌ حِلُّه. قولُه: \"والحرامُ بيِّنٌ\" أي بيَّنه اللَّهُ تعالى لنا في كتابِه، أو على لسانِ رسولهِ - ﷺ - نحوَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١٠)، أوْ بالنَّهْي عنهُ نحوَ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^١١) ونحوه، والإخبارُ عن الحلالِ بأنهُ بَيّنٌ إعلامٌ بحلِّ الانتفاعِ، بهِ في وجوهِ النفعِ، كما أن الإخبارَ بأنَّ الحرامَ بَيِّنٌ إعلامٌ باجتنابهِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (١).\nومسلم رقم (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذي رقم (١٦٤٧)، والنسائي (١/ ٥٩، ٦٠).\n(^٢) أخرجه الترمذي رقم (٢٣١٨)، وابن ماجه رقم (٣٩٧٦) عن أبي هريرة.\n• وأخرجه الترمذي رقم (٢٣١٩)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٣) عن علي بن الحسين مرسلًا.\n(^٣) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١١/ ٢٧).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (١٣) ومسلم (٤٥)، والنسائي (٨/ ١١٥)، والترمذي رقم (٢٥١٧) من حديث أنس بن مالك.\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) أخرجه ابن ماجه رقم (٤١٠٢) من حديث سهل بن سعد، وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده خالد بن عمرو وهو ضعيف متفق على ضعفه واتهم بالوضع. وأورد له العقيليّ هذا الحديث وقال: ليس له أصل من حديث الثوري. لكن قال النووي عقب هذا الحديث: رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة. انظر: مصباح الزجاجة (٣/ ٢٦٩).\n(^٨) سورة المائدة: الآية ٩٦.\n(^٩) سورة الأنفال: الآية ٦٩.\n(^١٠) سورة المائدة: الآية ٣.\n(^١١) سورة البقرة: الآية ١٨٨.","vol":"8","page":185},{"text":"وقولُه: \"وبينهَما مشتبهاتٌ، لا يعلمهنَّ كثيرٌ منَ الناسِ\"، المرادُ بها التي لم يعرفْ حِلَّها ولا حرمتهَا، فصارتْ مترددةَ بينَ الحلِّ والحرمةِ عندَ الكثيرِ منَ الناسِ، وهمُ الجهالُ فلا يعرفُها إلا العلماءُ بنصٍّ، فما لم يوجدْ فيهِ شيءٌ منْ ذلكَ اجتهدَ فيهِ العلماءُ وألحقوهُ بأيّهما بقياسٍ أو استصحابٍ أو نحوِ ذلكَ؛ فإنْ خفيَ دليلُه فالورعُ تركُه ويدخلُ تحتَ: \"فمنِ اتقى الشبهاتِ فقدِ استبرأ\"، أي: أخذَ البراءةِ \"لدينهِ وعرضِه\"، فإذا لم يظهرْ للعالمِ دليلُ تحريمهِ ولا [حلِّه] (^١) فإنهُ يدخلُ في حكمِ الأشياء قبلَ ورودِ الشَّرعِ، فمنْ لا يثبتُ للعقلِ حكمًا يقولُ لا حكمَ فيها بشيءٍ، لأن الأحكامَ شرعيةٌ، والفرضُ أنهُ لم يُعْرَفُ فيها حكمٌ شرعيٌّ ولا حكمٌ للعقلِ. والقائلونَ بأنَّ العقلَ حاكمٌ لهم في ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ: التحريمُ، والإباحةُ، والوقفُ. وإنما اختُلِفَ في [المشتَبِهاتِ] (^٢) هلْ هيَ مما اشتبهَ تحريمُه، أو ما اشتبهَ بالحرامِ الذي قدْ صحَّ تحريمهُ؟ رجحَ المحققونَ الأخيرَ، ومثَّلُوا ذلكَ بما وردَ في حديثِ عقبةَ بن الحارثِ الصحابيِّ (^٣) الذي أخبرتْه أمةٌ سوداءٌ بأنَّها أرضعتْه، وأرضعتْ زوجتَه، فسألَ النبيَّ - ﷺ - عنْ ذلكَ فقالَ له - ﷺ -: \"كيفَ وقدْ قيلَ\"؛ فقدْ صحَّ تحريمُ الأختِ منَ الرضاعةِ شرْعًا قطعًا، وقد التبستْ عليهِ زوجتهُ بهذَا الحرامِ المعلومِ، ومثلُه التمرةُ التي وجدَها - ﷺ - في الطريقِ فقالَ: \"لولا أني أخافُ [أنها] (^٤) منَ الزكاةِ [أو منَ الصدقةِ] (^٥) لأكلْتُها\" (^٦)؛ فقدْ صحَّ تحريمُ [الصدقة] (^٧) عليهِ، ثمَّ والتبستْ هذهِ التمرةُ بالحرامِ المعلومِ. وأما ما التبسَ هلْ حرَّمه اللَّهُ علينا أم لا؟ فقدْ وردتْ أحاديثُ دالةٌ على أنهُ حلالٌ، منها حديثُ سعدِ بن أبي وقاصٍ (^٨): \"إنَّ مِنْ أعظمِ الناسِ إثمًا في المسلمينَ مَنْ سألَ عنْ\n_________\n(^١) في (أ): \"تحليله\".\n(^٢) في (أ): \"المشبهات\".\n(^٣) أخرجه البخاري (٩/ ١٥٢ رقم ٥١٠٤)، والطيالسي في \"المسند\" (ص ١٩٠ رقم ١٣٣٧).\nوأحمد في \"المسند\" (٤/ ٧)، والدارمي (٢/ ١٥٧، ١٥٨)، وأبو داود (٤/ ٢٧ رقم ٣٦٠٣)، والترمذي ٣١/ ٤٥٧ رقم ١١٥١). والنسائي (٦/ ١٠٩)، والبيهقي (٧/ ٤٦٣).\n(^٤) في (أ): \"أن يكون\".\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) أخرجهُ مسلم رقم (١٦٤/ ١٠٧١).\n(^٧) في (أ): \"الزكاة\".\n(^٨) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٩)، ومسلم رقم (٢٣٥٨)، وأبو داود في \"السنن\" رقم (٤٦١٠) عن سعد بن أبي وقاص بلفظ: \"إن أعظم المسلمين جرمًا .. \".","vol":"8","page":186},{"text":"شيءٍ لم يحرَّمْ فحرُمَ منْ أجلِ مسألته\"؛ فإنهُ يفيدُ أنهُ كانَ قبلَ سؤالهِ حلالًا، ولما اشتبَهَ عليه سألَ عنهُ، فحرمَ منْ أجلِ مسألتهِ، ومنْها أحاديث: \"ما سكتَ اللهُ عنهُ فهوَ مما عُفِيَ عنْه\" (^١) لهُ طرقٌ كثيرةٌ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (^٢). فكلُّ ما كانَ طيبًا ولم يثبت تحريمهُ فهوَ حلالٌ وإن اشتَبَهَ علينا تحريمهُ، والمرادُ بالطيبِ ما أحلَّه اللهُ تعالى على لسانِ رسول اللهِ - ﷺ - أو سكتَ عنهُ، والخبيثُ ما حرَّمهُ وإنْ عدَّتْهُ النفوسُ طَيِّبًا، كالخمرِ فإنهُ أحدُ الأَطْيَبَيْنِ في لسانِ العربِ في الجاهليةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٣): إن الحلالَ الكسبُ الطيبُ وهوَ الحلالُ المحضُ، وأنَّ المتشابهَ عندنَا في حيّز الحلالِ بدلائلَ ذكَرْناها [في غيرِ هذا الموضعِ] (^٤). ذكرهَ صاحبُ تنضيد [التمهيدِ] (^٥) في الترغيبِ في الصدقةِ نقلَه عنهُ السيدُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزير، وقدْ حقَّقْنَا أنهُ منْ قسمِ الحلالِ البينِ في رسالتِنا المسمَّاةِ: القولُ المبينُ. وقالَ الخطابيُّ (^٦): ما شككتَ فيهِ فالأَوْلَى اجتنابُه، وهوَ على ثلاثةِ أحوالٍ: واجبٍ، ومستحبٍّ، ومكروهٍ، فالواجبُ اجتنابُ ما يستلزمُ المحرَّمَ، والمندوبُ اجتنابُ معاملةِ منْ غلبَ على مالهِ الحرامُ، والمكروهُ اجتنابُ الرخصةِ المشروعةِ اهـ. قالَ في الشرحِ: وقدْ ينازعُ في المندوبِ، فإنهُ إذا كانَ الأغلبُ الحرامَ فالأولى أنْ يكونَ واجبَ الاجتنابِ، وهوَ الذي بنى عليهِ الهادويةُ في معاملةِ الظالمِ فيما لم يظنَّ تحريْمَهُ، لأنَّ الذي غلبَ عليهِ الحرامُ يظنُّ فيهِ التحريمُ اهـ. وقدْ أوضحْنا هذا في حواشي ضوءِ النهارِ. وقسَّمَ الغزاليُّ (^٧) الورعَ أقسامًا: ورعَ الصدِّيقينَ، وهوَ تركُ ما لم يكنْ بينته واضحةً على حلّه، وورعُ المتقينَ، وهوَ ما لا شبهةَ فيهِ ولكنْ يخافُ أنْ يجرَّ إلى الحرامِ،\n_________\n(^١) وهو جزء من حديث أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٥) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.\nقلت: فيه رجاء بن حيوه قال فيه ابن معين: صويلح، وقال أبو زرعة: لا بأس به.\n• وأورد الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٥) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن.\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٧.\n(^٣) كما في \"فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر\" (٧/ ١٧٢).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"المذهب\".\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٤/ ٢٩٣).\n(^٧) انظر: \"الأحياء\" (٢/ ٩٤ - ٩٦).","vol":"8","page":187},{"text":"وورعُ الصالحينَ وهوَ تركُ ما [لم] (^١) يتطرقْ إليهِ احتمالُ التحريم بشرطِ أنْ يكونَ لذلكَ الاحتمالِ موقعٌ، وإلا فهوَ ورعُ الموسوَسينَ. وقدْ بوَّبَ لهُ البخاريُّ (^٢) فقالَ: (بابُ مَنْ لم يرَ الوسواسَ في الشبهاتِ) كمن يمتنعُ منْ أكلِ الصيدِ خشيةَ أنْ يكونَ انفلتَ منْ إنسانٍ، وكمنْ تركَ شراءَ [ما] (^٣) يحتاجُ إليهِ منْ مجهولٍ لا يدري أمالُه حرامٌ أم حلالٌ، ولا علامةَ تدلُّ على ذلكَ التحريمِ، وكمنْ تركَ تناولَ شيء لخبرٍ وردَ فيهِ متفقٌ على ضعفهِ، ويكونُ دليلُ إباحتِه قويًا وتاويلُه ممتنعٌ أو مستبعدٌ، والكلامُ في الحديثِ متسعٌ وفي هذا كفايةٌ. قولهُ: \"لكلِّ ملكٍ حِمًى\" إخبارٌ عما كانتْ عليهِ ملوكُ العربِ وغيرُهم، فإنهُ كانَ لكلِّ واحدٍ حِمَى يحميهِ منَ الناسِ ويمنعُهم عنْ دخولِه، فمنْ دخلَه أوقعَ بهِ العقوبةَ، ومنْ أرادَ نجاةَ نفسِه منَ العقوبةِ لم يقرْبهُ خوفًا منَ الوقوعِ فيهِ، وذكرَ هذا كضربِ المثلِ للمخاطبين، ثمَّ أعلمَهُم أن حمى الله تعالَى [هو] (^٤) الذي حرَّمه على العبادِ. وقولُه: \"ومنْ وقعَ في الشبهاتِ إلخ\"، أي: منْ وقعَ فيها فقدْ حامَ حولَ الحمى فيقربُ ويشرع أنْ يقعَ فيهِ. وفيهِ إرشادٌ إلى البعدِ عنْ ذرائعِ الحرامِ وإن كانتْ غيرَ محرَّمةٍ، فإنهُ يخافُ منَ الوقوعِ فيها الوقوعُ [في الحرام] (^٥)، فمنِ احتاطَ لنفسهِ لا يقربُ الشبهاتِ لئلَّا يدخلَ في المعاصي: ثم أخبرَ - ﷺ - منبِّهًا مؤكَّدًا أن في الجسدِ مضغةً، وهي القطعةُ منَ اللحمِ سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّها تمضغُ في الفمِ لصغَرِها، وأنَّها معَ صِغَرِها عليها مدارُ [صلاحِ الجسدِ] (^٦) وفسادِه، فإنْ صلحتْ صلُحَ وإنْ فسدتْ فسدَ. [ثم قال: ألا وهي القلب] (^٧). وفي كلامِ الغزاليِّ (^٨) أنهُ لا يرادُ بالقلبِ هذه المضغةُ؛ إذْ هيَ موجودةٌ للبهائمِ مدركَةٌ بحاسةِ البصرِ، بلِ المرادُ من القلبِ لطيفةٌ ربانيةٌ روحانيةٌ لها بهذا القلبِ الجسمانيِّ تعلُّقٌ، وتلك اللطيفةُ هي حقيقةُ الإنسانِ وهيَ المدرِكَةُ العارِفةُ منَ الإنسانِ، وهوَ المخاطَبُ والمعاقَبُ والمطالَبُ، ولهذهِ اللطيفةِ علاقةٌ معَ القلبِ الجسمانيِّ، وذكرَ أن جميعَ الحواسِّ والأعضاءِ أجنادٌ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٩٤) الباب (٥).\n(^٣) في (أ): \"مما\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (ب): \"فيه\".\n(^٦) في (أ): \"كله في صلاحه وفساده\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) انظر: \"الإحياء\" (٣/ ٥).","vol":"8","page":188},{"text":"مسخَّرةٌ للقلبِ، وكذلكَ الحواس الباطنةُ [في حكمِ الخدمِ والأعوانِ] (^١)، وهوَ المتصرفُ فيها والمردُّ لها، وقد خُلِقَتْ مجبولةً علَى طاعةِ القلبِ لا تستطيعُ لهُ خلافًا ولا تمردًا؛ فإذا أمرَ العينَ بالانفتاحِ انفتحتْ، وإذا أمرَ الرِجْلَ بالحركةِ تحركتْ، وإذا أمرَ اللسانَ بالكلامِ [وجزمَ بهِ تكلَّم] (^٢)، وكذَا سائرُ الأعضاءِ. وتسخيرُ الأعضاءِ والحواسِ للقلب يشبهُ منْ وجهٍ تسخيرَ الملائكةِ للَّهِ تعالَى، فإنَّهم جُبِلُوا على طاعتِه لا يستطيعون لهُ خلافًا، وإنَّما يفترقانِ في شيءٍ وهو أن الملائكةَ [عاملة] (^٣) بطاعتِها الله تعالى وامتثالِهَا، والأجفانُ تطيعُ القلبَ بالانفتاحِ والانطباقِ على سبيل التسخيرِ، ولا خيرَ لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقرَ القلبُ إلى الجنودِ منْ حيثُ افْتِقَارِه إلى المركب والزادِ لسفرهِ إلى اللهِ تعالَى، وقطعِ المنازلِ إلى لقائهِ، فلأجْلِه تعالى خُلِقَتِ القَلوب، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ (^٤)، وإنما مركَبُه البدنُ وزادهُ العلمُ، وإنما الأسبابُ التي توصِلُه إلى الزادِ وتمكنهُ منَ التزوُّدِ منهُ هوَ العملُ الصالحُ، ثمَّ أطالَ في هذا المعنَى بما يحتملُ مجلدةً لطيفة، وإنَّما أشرْنا إلى كلامِه ليعلمَ مقدارَ الكلام النبويّ، وأنهُ بحرٌ قطراتُه لا تنزفُ، وأما كون القلب محلَّ العقلِ، أو محله الدماغ فليستْ منْ مسائلِ علمِ الآثارِ حتَّى يشتغلَ بذكرِها وذكرِ الخلافِ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1469>التحذير من حب الدنيا</span>\n٢/ ١٣٨٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِي (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: تَعِسَ)، في القاموسِ أنه كسمِعَ ومنَعَ، وإذا خاطبتَ قلتَ: تعسَ كمنعَ، وإذا حكيتَ قلتَ: تعِسَ كفرِحَ (^٦)، وهوَ الهلاكُ والعثارُ، والسقوطُ والشرُّ، والبعدُ، والانحطاطُ، (عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ\n_________\n(^١) في (أ): \"كالخدم للقلب\".\n(^٢) في (أ): \"تكلمت\".\n(^٣) في (أ): \"عالمة\".\n(^٤) سورة الذاريات: الآية ٥٦.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٢٨٨٦) و(٢٨٨٧).\n(^٦) في القاموس المحيط ص ٦٨٨: قلت: تَعَسْتَ … قلت: تعس كسمِع.","vol":"8","page":189},{"text":"وَالْقَطِيفَةِ)، الثوبُ الذي لهُ خملٌ (إنْ أُعطِيَ رَضِيَ، وَإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضىَ. أَخْرَجَهُ الْبخَارِيُّ). المراد بعبدِ الدينارِ والدرهمِ منِ استعبدتْه الدنيا بطلبِها، وصارَ كالعبدِ لها تصرف فيهِ تصرفَ المالكِ لينالَها، وينغمسُ في شهواتِها [ومطالبها] (^١)، وذكرُ الدينارِ والقطيفةِ مجردُ مثالٍ، وإلا فكلُّ منِ استعبدتْه الدنيا في أيِّ أمرٍ، وشغلتْه عما أمرَ اللَّهُ تعالَى، وجعلَ رضَاهُ وسخطَه متعلقًا بنيلِ ما يريدُ أو عدمِ نيلهِ، فمنَ الناسِ مَنْ [يستعبده] (^٢) حبُّ الإماراتِ، ومنْهم منْ [يستعبدُه]، (^٣) حبُّ الصورِ، ومنْهم منْ يستعبدُه حبُّ الأطيان.\nواعلمْ أن المذمومَ منَ الدنيا كلُّ ما يبعدُ العبدَ عن اللَّهِ تعالَى، ويشغلُه عنْ واجبِ طاعتهِ وعبادتِه، لا ما يعينُه على الأعمالِ الصالحةِ، فإنهُ غيرُ مذمومٍ، وقد يتعينُ طلبُه ويجبُ عليهِ تحصيلُه. وقولُه: \"رضيَ\" أي عن اللَّهِ تعالى بما نالَه منْ حُطامِها، \"وإنْ لم يُعْطَ لمْ يرض\" أي عن اللَّهِ تعالَى، ولا عنْ نفسهِ، فصارَ ساخِطًا، فهذا هو الذي تعسَ لأنهُ أدارَ رضَاه على مولاهُ، وسخطَه على نيلِ الدنيا وعدمِه. والحديثُ نظيرُ قولهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ (^٤) الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-1470>الحث على الزهد في الدنيا</span>\n٣/ ١٣٨٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَنْكِبَيِّ فَقَالَ: \"كُنْ في الدْنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ\" وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمَنْكِبَيَّ) يُرْوَى بالإفرادِ والتثنيةِ،\n_________\n(^١) في (أ): \"ومطلبها\".\n(^٢) في (أ): \"تستعبده\".\n(^٣) في (أ): \"تستعبده\".\n(^٤) سورة الحج: الآية ١١.\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٦٤١٦).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٣٣٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٦٩)، وأحمد (٢/ ٢٤/ ٤١)، وابن ماجه رقم (٤١١٤) وابن حبان رقم (٦٩٨).","vol":"8","page":190},{"text":"وهوَ بكسرِ الكافِ مَجْمَعُ العضُدِ والكتِفِ (فَقَالَ: كنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ. وَكَانَ ابْن عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ).\nالغريبُ هو مَنْ لا مسكنَ لهُ يأويهِ، ولا سكنَ يأنسُ بهِ، ولا بلدَ يستوطنُ فيهِ كما قيلَ في المسيحِ بن مريم سعدُ المسيحِ يسيحُ، لا ولدَ يموتُ، ولا بناءَ يخربُ. وعطفَ أوْ عابر سبيلِ منْ عطفِ الترقي و\"أوْ\" ليستْ [للشكِ] (^١) بلْ للتخييرِ أوِ الإباحةِ. والأمرُ للإرشادِ، والمعنَى: قدِّرْ نفسَك ونزِّلْها منزلةَ مَنْ هوَ غريبٌ، أو عابرُ سبيلِ. ويحتملُ أنْ [يكون] (^٢) أوْ للإضرابِ، والمعنى: بلْ كنْ في الدنيا كأنكَ عابرُ سبيلٍ، لأنَّ الغريبَ قدْ يستوطنُ بلدًا بخلافِ عابرِ السبيلِ، فهمُّه قطعُ المسافةِ إلى مقصدهِ، والمقصدُ هنا إلى اللهِ: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾.\nقالَ ابنُ بطالٍ (^٣): لما كانَ الغريبُ قليلَ الانبساطِ إلى الناسِ، بلْ هوَ مستوحشٌ منْهم لا يكادُ يمرُّ بمنْ يعرفُه فيأنسُ بهِ، فهوَ ذليلٌ في نفسِه، خائفٌ، وكذلكَ عابرُ السبيلِ لا ينفذُ في سفرهِ إلا بقوتِه وتخفيفِه منَ الأثقالِ غيرَ متشبثٍ بما يمنعهُ عنْ قطعِ سفرهِ، معهُ زادهُ وراحلتهُ، يبلغانِه إلى ما يعنيهِ منْ مقصدهِ. وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى الزهدِ في الدنيا، وأخذِ البُلغةِ منْها والكفافِ، فكما لا يحتاجُ المسافرُ إلى أكثرَ مما يبلِّغُه إلى غايةِ سفرهِ [فكذلك] (^٤) المؤمنُ لا يحتاجُ في الدنيا إلى أكثرِ ممَّا يبلِّغُهُ المحل. وقولُه: \"وكانَ ابنُ عمرَ إلخ\" قالَ بعضُ العلماءِ (^٥): كلامُ ابن عمرَ متفرعٌ منَ الحديثِ المرفوعِ، وهوَ متضمنٌ لنهايةِ تقصيرِ الأمل من الدنيا، وأن العاقل إذا أمسَى ينبغي لهُ أنْ لا ينتظرَ الصباحَ، وإذا أصبحَ ينبغي لهُ أنْ لا ينتظرَ المساءَ، بلْ يظنُ أن أجلَه قد يدركُه قبلَ ذلكَ. وفي كلامِه الإخبارُ بأنهُ لا بدَّ للإنسانِ منَ الصحةِ والمرضِ، فَيغْتَنِمُ أيامَ صحتهِ، وينفقُ ساعاتِهِ [في الخير وفيما] (^٦) يعودُ عليهِ نفعُه، فإنهُ لا يدري متَى ينزلُ بهِ مرضٌ يحولُ بينَه وبينَ فعلِ الطاعاتِ، ولأنهُ إذا مرضَ كُتِبَ لهُ ما كانَ يعملُ صحيحًا،\n_________\n(^١) في (أ): \"لذلك\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٣٤).\n(^٤) في (أ): \"كذلك\".\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٣٥).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"8","page":191},{"text":"فقدْ أخذَ منْ صحتِه لمرضهِ حظَّه منَ الطاعاتِ. وقولُه: \"مِنْ حياتِكَ لموتِكَ\"، أي: خذْ منْ أيامِ الصحةِ والحياة والنشاطِ لموتك بتقديمِ ما ينفعكَ بعدَ الموتِ، وهوَ نظيرُ حديثِ: \"بادِرُوا بالأعمالِ سبعًا، ما تنتظرونَ إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مُطْغيًا، أو مرضًا مفسِدًا، أوْ هرَمًا مفندًا، أو موتًا مجهِزًا، أو الدجالَ، فإنهُ شرُّ منتظرٍ، أو الساعةَ والساعةُ أدْهى وأمرُّ\"، أخرجَهُ الترمذيُّ (^١)، والحاكمُ (^٢) منْ حديثِ أبي هريرة - ﵁ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-1471>يحرم التشبه بالكفار في زيٍّ وغيره</span>\n٤/ ١٣٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٤) [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. أَخْرَجَهُ\nأَبُو دَاوُدَ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ). الحديثُ [فيهِ ضعيف] (^٥)، ولهُ شواهدُ عندَ جماعةٍ منْ أئمةِ الحديثِ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ [تخرجهُ عن الضعفِ] (^٦)، ومنْ شواهدِه ما أخرجه أبو يعلَي (^٧) مرفُوعًا منْ حديثِ ابن مسعودٍ: \"منْ رضيَ عملَ قومٍ كانَ منْهم\". والحديثُ دالٌّ على أن منْ تشبَّه بالفسَّاقِ كانَ منْهم، أو بالكفارِ أو\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٣٠٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفهُ من حديث الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث محرز بن هارون، وقد روى بشر بن عمر وغيره عن محرز بن هارون هذا. وقد روى معمر هذا الحديث عمَّن سمع سعيدًا المقبري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه قال: تنتظرون.\n(^٢) في \"المستدرك\" (٤/ ٥١٦)، من حديث أبي هريرة وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي ولفظه: \"بادروا بالأعمال ستًا قبل طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٠٣١) بسند حسن.\n(^٤) لم أعثر عليه عند ابن حبان.\nقلت: وأخرجه أحمد (٢/ ٥٠، ٩٢)، وعبد بن حميد رقم (٨٤٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٣)، وغيرهم. وهو حديث صحيح.\n(^٥) زيادة من (ب)، والضعيف هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. انظر: \"الإرواء\" (٥/ ١٠٩).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) لم أعثر عليه في \"المسند\" المطبوع، والله أعلم.","vol":"8","page":192},{"text":"بالمبتدِعَةِ في أيِّ شيءٍ [كان] (^١) ممَّا يختصون بهِ منْ ملبوسٍ أو مركوبٍ أو هيئةٍ، قالُوا: فإذا تشبَّه بالكافرِ في زيٍّ، واعتقدَ أنْ يكونَ بذلكَ مثلَه كفرَ، فإنْ لم يعتقدْ ففيهِ خلافٌ بينَ [الفقهاءِ] (^٢) منْهم مَنْ قالَ: يكفرُ وهوَ ظاهرُ الحديثِ، ومنْهم منْ قالَ: لا يكفرُ ولكنْ يؤدَّبُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1472>حفظ الله أن تحفظ حدوده</span>\n٥/ ١٣٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبيِّ - ﷺ - يَوْمًا فَقَالَ: \"يَا غُلامُ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبَاسٍ - ﵄ - قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -[يَوْمًا] (^٤)، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، احْفَظِ الله يَحْفَظكَ) بالجزم جوابُ الأمرِ، (احْفَظِ الله تَجِدْهُ) مثلُه (تُجَاهَكَ)، في القاموسِ وجِاهكَ وتُجاهَكَ مِثْلَيْنِ: تلقاءَ وجهِكَ، (وَإِذَا سَأَلْتَ) [حاجةً منْ حوائجِ الداريْنِ] (^٥) (فَاسْأَلِ الله)، [فإنَّ بيدِه أمورَهما] (^٦)، (وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ) وتمامُه: \"واعلمْ أنّ الأمَّة لوِ اجْتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلَّا بشيءٍ قدْ كَتَبه اللَّهُ لكَ، وإن اجتمعُوا على أنْ يضرُّوكَ لم يضرُّوكَ إلا بشيءٍ قدْ كتبه اللَّهُ عليكَ، جفَّتِ الأقلامُ، وطُويَتِ الصُّحفُ\". وأخرجَهُ أحمدُ (^٧) عن ابن عباسٍ بإسنادٍ حسنٍ بلفظِ: \"كنتُ رديفَ النبيّ - ﷺ - فقالَ: يا غلامُ أو يا غليِّمُ، ألا أعلمُكَ كلماتٍ ينفعُكَ اللَّهُ بهنَّ؟ فقلتُ: بلى، قال: \"احفظِ اللَّهَ يحفظْكَ، احفظِ اللَّهَ تجدْه [أمامَكَ] (^٨)، تعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرخاءِ يعرفْكَ في الشدةِ، وإذا سألتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعنتَ فاستعنْ باللَّهِ، قد جفَّ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"العلماء\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٢٥١٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.\nوانظر: \"السنة\" لابن أبي عاصم ومعه \"ظلال الجنة\" رقم (٣١٦).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (أ): \"تجاهك\".\n(^٧) في \"المسند\" (١/ ٣٠٧): بسند منقطع ولكن الحديث صحيح بطرقه وشواهده.\n(^٨) في (أ): \"تجاهك\".","vol":"8","page":193},{"text":"القلمُ بما هوَ كائنٌ، فلوْ أن الخَلْقَ جميعًا أرادوا أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لمْ يقضِهِ اللَّهُ تعالى لمْ يقدروا عليهِ، وإنْ أرادوا أن يضروكَ بشيءٍ لم يكتبْهُ اللَّهُ عليكَ لمْ يقدروا عليه، واعلمْ أنَّ في الصبرِ على ما تكرهُ خير كثير، وأنَّ النصرَ معَ الصبرِ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربةِ، وأنّ معَ العسرِ يسرًا\". ولهُ ألفاظٌ (^١) أُخَرُ، وهو حديثٌ جليلٌ أفردَهُ بعضُ علماءِ الحنابلةِ بتصنيفٍ مفردٍ (^٢)، فإنَّهُ اشتملَ على وصايا جليلةٍ. والمرادُ منْ قولِهِ: (احفظِ اللَّهَ) أيْ حدوده وأوامره بالامتثال ونواهيه. وحِفْظُ ذلكَ هو الوقوفُ عندَ أوامرِه بالامتثالِ، وعندَ نواهيهِ بالاجتنابِ، وعندَ حدودِهِ أنْ لا يتجاوزَها، ولا يتعدّى ما أمرَ بهِ إلى ما نُهِيَ عنهُ، فيدخلُ في ذلكَ فِعلُ الواجباتِ كلِّها، وتركُ المنهياتِ كلِّها. وقال الله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (^٣)، وقال: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ (^٤). فسَّر العلماءُ الحفيظَ بالحافظِ لأوامرِ اللَّهِ تعالى، وفُسِّرَ بالحافظِ لذنوبهِ حتَّى [يتوب] (^٥) منْها، فأمْرُه - ﷺ - اللَّهِ يدخلُ فيهِ كلُّ ما ذُكِرَ وتفاصيلُها واسعةٌ. وقولهُ: \"تجدْه [أمامكَ] (^٦) \"، وفي [اللفظِ الآخرِ] (^٧): (يحفْظكَ)، والمعنَى متقارِبٌ، أي تجدْه أمامَكَ بالحفظِ لكَ منْ شرورِ الداريْنِ جزاءً وِفَاقًا منْ بابِ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (^٨)؛ يحفظه في دنياه [من] (^٩) غشيان الذنوبِ عن كلِّ أمرٍ مَرْهوبٍ، ويحفظُ ذريتَهُ من بعدِه كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (^١٠)، وقولُه: (فاسأل اللَّهَ) أمرٌ بإفراد اللَّهِ تعالى بالسؤالِ وإنزالِ الحاجاتِ بهِ وحدَه. وأخرجَ الترمذيُّ (^١١) مرفُوعًا: \"سلُوا اللَّهَ منْ فضله فإنه يحبُّ أنْ يُسْأَلَ\". وفيهِ منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"مَنْ لا يسألِ اللَّهَ يغضبْ عليهِ\" (^١٢)، وفيهِ:\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح الجامع الصغير\" (٦/ ٣٠٠).\n(^٢) وهي: \"نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي - ﷺ - لابن عباس\"، للإمام عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.\n(^٣) سورة التوبة، الآية ١١٢.\n(^٤) سورة ق: الآية ٣٢.\n(^٥) في (أ): \"يرجع\".\n(^٦) في (أ): \"تجاهك\".\n(^٧) في (أ): \"لفظ\".\n(^٨) سورة البقرة: الآية ٤٠.\n(^٩) في (ب): \"عن\".\n(^١٠) سورة الكهف: الآية ٨٢.\n(^١١) في \"السنن\" رقم (٣٥٧١).\n(^١٢) أخرجه الترمذي رقم (٣٣٧٣)، عن أبي هريرة بلفظ: \"من لم يسأَل الله يغضب عليه\".\nوقال: روى وكيع وغير واحد عن أبي المليح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. =","vol":"8","page":194},{"text":"\"إنَّ اللَّهَ يحبُّ الملحِّينَ في الدعاءِ\" (^١)، وفي حديثٍ آخرَ: \"يسألُ أحدُكم ربَّه حاجتَه كلَّها حتى شِسْعَ نعلِه إذا انقطعَ\" (^٢). وقدْ بايعَ النبيَّ (^٣) - ﷺ - جماعةٌ منْ الصحابةِ على أنْ لا يسأَلُوا الناسَ شيئًا، منهمْ: الصِّدِّيقُ، وأبو ذرِّ، وثوبانُ، فكان أحدُهم يسقطُ سوطُه، أو يسقطُ خطامُ ناقتِه، فلا يسألْ أحدًا أنْ يناولَه. وإفرادُ اللَّهِ بطلبِ الحاجاتِ دونَ خلقِه يدلُّ لهُ العقلُ [والسمعُ] (^٤)، فإنَّ السؤالَ بذلٌ لماءِ الوجهِ وذلٌّ، ولا يصلحُ ذلك لغير الله، لأنهُ القادرُ على كلِّ شيءٍ، الغنيُّ مطلقًا، والعبادُ بخلافِ هذا. وفي صحيحِ مسلمٍ (^٥) عنْ أبي ذرٍّ - ﵁ - حديثٌ قدسيٌّ فيهِ: \"يا عبادي لو أن أوَّلكُم وآخرَكُم، وإنْسَكُم وجِنَّكُم، قامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه، ما نقصَ ذلكَ مما عندي إلَّا كما ينقُصُ المِخْيَطُ إذا غُمِسَ فيْ البحرِ\". وزادَ في الترمذيِّ (^٦) وغيرهِ: \"وذلكَ بأنِّي جوادٌ واجِدٌ ماجِدٌ أفعَلُ ما أريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إذا أردتُ شيئًا فإنَّما أقولُ لهُ كنْ فيكونُ\". وقولُه: (إذا استعنتَ فاستعنْ باللَّهِ)، مأخوذٌ منْ قول الله ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٧)، أي نفردُكَ بالاستعانةِ. أمرهُ - ﷺ - أن [يستعينَ] (^٨) بالله وحدَه [في كلِّ أمورهِ] أي، (^٩) إفراده تعالى بالاستعانةِ [على ما يريدهُ. وفي إفرادهِ تعالَى بالاستعانةِ فائدتان] (^١٠): فالأولى أنْ العبدَ عاجِزٌ عن\n_________\n= • وذكره صاحب \"المشكاة\" رقم (٢٢٣٨ - ١٦).\nوأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٦٥٨). وهو حديث حسن.\n(^١) أورده ابن قيم الجوزية في \"الجواب الكافي\" (ص ٩ - ١٠)، عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة به.\n(^٢) أخرجه الترمذي رقم ٣٦١٢، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٨٦٦)، والبزار في \"مسنده\" رقم (٣١٣٥ - كشف). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٥٠) وقال: رجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة.\n(^٣) أخرجه مسلم رقم (١٠٨/ ١٠٤٣) من حديث أبي إدريس الخولاني.\n(^٤) في (أ): \"الشرع\".\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٧٧).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٤٩٥) وقال: حديث حسن.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٤٢٥٧)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٢٦٣).\n(^٧) سورة الفاتحة: الآية ٥.\n(^٨) في (ب): \"يستعان\".\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) زيادة من (ب).","vol":"8","page":195},{"text":"الاستقلالِ بنفسهِ في عملِ الطاعاتِ، [والثانيةُ أنهُ لا معينَ لهُ على مصالحِ دينهِ ودنياهُ] (^١) إلا اللَّهُ ﷿، فمنْ أعانَه اللَّهُ فهوَ المعانُ، ومَنْ خذلَه فهوَ المخذولُ. وفي الحديثِ الصحيح عنه - ﷺ - \"احرصْ على ما ينفعُكَ، واستعنْ باللَّهِ ولا تعجزْ\" (^٢). وعلَّمَ - ﷺ - (^٣) العبادَ أنْ يقولُوا في خُطبة [الحاجةِ] (^٤): \"الحمدُ للَّهِ نستعينُه\"، وعلَّم معاذًا (^٥) أنْ يقولَ دُبُرَ الصلاةِ: \"اللهمَّ أعني على ذكرِكَ، وشكرِكَ، وحسنِ عبادتِكَ\"؛ فالعبدُ أحوجُ إلى مولاهُ في طلبِ إعانتهِ في فعلِ المأموراتِ، وتركِ المحظوراتِ، والصبرِ على المقدوراتِ. قال يعقوبُ - ﷺ - في الصبرِ على المقدورِ: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ (^٦). وما ذكرَ منْ هذهِ الوصايا النبويةِ لا ينافي القيامَ بالأسبابِ، فإنَّها مِنْ جملةِ سؤالِ اللَّهِ، والاستعانةِ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه مسلم رقم (٢٦٦٤)، والنسائي (٦٢١) في \"عمل اليوم والليلة\"، وابن ماجه رقم (٧٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم (٢١١٨)، والترمذي رقم (١١٠٥)، والنسائي (٦/ ٨٩). وابن ماجه رقم (١٨٩٢)، وابن الجارود رقم (٦٧٩)، والحاكم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٧٨)، والبيهقي (٧/ ١٤٦)، والدارمي (٢/ ١٤٢). وأحمد (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، ٤٣٢)، والطيالسي (ص ٤٥ رقم ٣٣٨) من حديث ابن مسعود، وزاد الطيالسي عن شعبة قال: قلت لأبي إسحاق: هذه خطبة النكاح وفي غيرها؟ قال: في كل حاجة. وقال الألباني في كتابه \"خطبة الحاجة التي كان رسول الله - ﷺ - يعلمها أصحابه \" ص ١٢\" \"وردت هذه الخطبة المباركة عن ستة من الصحابة وهم: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، ونبيط بن شريط، وعائشة - ﵃ -، وعن تابعي واحد، هو الزهري ﵀ ثم تكلم عليها على هذا النسق\". وقال في الخاتمة (ص ٣١): \"وقد تبين لنا من مجموعة الأحاديث المتقدمة، أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب، سواء كانت خطبة نكاح أو خطبة جمعة أو غيرها، فليست خاصة بالنكاح كما قد يظن، وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك كما تقدم، وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح فكانوا يفتتحون بهذه الخطبة ثم ذكر بعضًا منهم … \" اهـ.\n(^٤) في (أ): \"النكاح\".\n(^٥) أخرجه أبو داود رقم (١٥٢٢)، والنسائي في \"السنن\" (٣/ ٥٣)، وفي \"عمل اليوم والليلة\" رقم (١٠٩).\nوالحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٣) وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٢٠٢١)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) سورة يوسف: الآية ١٨.","vol":"8","page":196},{"text":"بهِ، فإنَّ مَنْ طلبَ رزقَه بسببٍ منْ أسبابِ المعاشِ المأذونِ فيها فرُزق منْ جهتِه فهوَ منهُ تعالَى، وإنْ حُرِمَ فهوَ لمصلحة لا يعلمُها، ولو كُشِفَ الغطاءُ لعَلِمَ أن الحرمانَ خيرٌ منَ العطاء. والكسبُ الممدوحُ المأجورُ فاعلُه هوَ ما كانَ [بسبب مأذون فيه شرعًا، وكان] (^١) لطلبِ الكفايةِ لهُ ولمنْ يعولُه، أوِ الزائدِ على ذلكَ إذا كان يعدُّه [لغرض صحيح] (^٢) [محتاجٍ، أو صلةِ رحمٍ، أو إعانةِ طالبِ علمٍ، أو نحوِه] (^٣) منْ وجوهِ الخيرِ لا [لغيرِ ذلكَ] (^٤)، فإنهُ يكونُ منَ الاشتغال بالدنيا، وفتحِ بابِ محبَّتِها الذي هوَ رأسُ كلِّ خطيئةٍ. وقدْ وردَ في الحديثِ: \"كسبُ الحلالِ فريضةٌ\"، أخرجَهُ الطبراني (^٥)، والبيهقي (^٦)، والقضاعي (^٧) عن ابن مسعودٍ [مرفوعًا] (^٨)، وفيهِ عبادُ بنُ كثير ضعيفٌ. ولهُ [حديث] (^٩) شاهدٌ منْ حديثِ أنسٍ عندَ الديلميِّ (^١٠): \"طلبُ الحلالِ واجبٌ\". ومنْ حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا: \"طلبُ الحلالِ جهادٌ\"، رواهُ القضاعيُّ (^١١)، ومثلُه في الحليةِ (^١٢) عن ابن عمرَ. قالَ العلماءُ: الكسبُ الحلالُ مندوبٌ، أوْ واجبٌ إلا للعالمِ المشتغلِ بالتدريسِ، والحاكمِ المستغْرَقَةِ أوقاتهُ في إقامةِ الشريعةِ، ومنْ كانَ منْ أهلِ الولاياتِ العامةِ كالإمامِ [الأعظمِ] (^١٣)، فتركُ الكسبِ [بهمْ] (^١٤) أَوْلَى لما فيهِ منَ الاشتغالِ عن القيامِ بما [هم فيهِ] (^١٥)، ويُرزَقُونَ منَ الأموالِ المعدةِ للمصالحِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"كصلة الرحم وطالب العلم أو نحو ذلك\".\n(^٤) في (أ): \"للتكثر\".\n(^٥) كما في \"المجمع\" (١٠/ ٢٩١) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الهيثمي، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك.\n(^٦) في \"شعب الإيمان\" رقم (٨٧٤١)، وقال أبو عبد الله: تفرَّد به عباد بن كثير عن الثوري وبلغني عن محمد بن يحيى أنه قال: لم أكره ليحيى بن يحيى شيئًا قط غير رواية هذا الحديث.\n(^٧) في \"مسند الشهاب\" رقم (١٢١).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) \"مسند الفردوس\" رقم (٣٩١٩).\n(^١١) في \"مسند الشهاب\" رقم (٨٢)، وفيه ليث بن أبي سُليم ضعيف.\n(^١٢) والخلاصة: أن الحديث ضعيف بجميع طرقه المتقدمة، والله أعلم.\n(^١٣) زيادة من (أ).\n(^١٤) في (أ): \"لهم\".\n(^١٥) في (أ): \"إليهم\".","vol":"8","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1473>كيف يكون العبد محبوبًا من الناس</span>\n٦/ ١٣٩١ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: \"ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ\"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١)، وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ، وَأَحَبّنِي النَّاسُ، فَقَالَ: ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يحِبَّكَ النَّاسُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ). فيهِ خالدُ بنُ عمرَ القرشيُّ مجمَعٌ على تركهِ، [وقد] (^٢) نُسِبَ إلى الوضعِ. وقدْ أخرجه أبو نعيمِ في الحليةِ منْ حديثِ مجاهدٍ عنْ أنسٍ برجالٍ ثقاتٍ، إلا أنهُ لم يثبتْ سماعُ مجاهدٍ منْ أنسٍ، وقدْ رُويَ مرسلًا. وقدْ حسَّنَ النوويُّ الحديثَ [كأنهُ] (^٣)\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم ٤١٠٢. وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩) رقم (١٤٥٢/ ٤١٠٢): \"هذا إسناد ضعيف. خالد بن عمرو قال أحمد وابن معين: أحاديثه موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.\nوقال ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحل الاحتجاج بخبره، ثم غفل فذكره في الثقات، وضعفه أبو داود والنسائي.\nوقال ابن عدي: عامة أحاديثه - أو كلها - موضوعة.\nقلت: وأورد له العقيلي - (٢/ ١٠ - ١١) - هذا الحديث بهذا الإسناد.\nوقال: ليس له أصل من حديث الثوري، انتهى.\n• وأورده ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" من طريق خالد بن عمرو وضعف الحديث.\n• وقال النووي عقب هذا الحديث: رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.\n• وقال الحافظ عبد العظيم المنذري في كتاب الزهد من الترغيب - (٤/ ٥٦):\nوقد حسَّن بعض مشايخنا إسناده وفيه بعد لأنه من رواية خالد بن عمرو. وقد ترك واتُّهم ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي - ﷺ - قاله. وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان ومحمد هذا قد وُثق على ضعفه وهو أصلح حالًا من خالد، والله أعلم\".\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"8","page":198},{"text":"لشواهدهِ. الحديثُ دليلُ على شرفِ الزهدِ [في الدنيا] (^١) وفضلهِ، وأنهُ يكونُ سببًا لمحبةِ اللَّهِ تعالى لعبدهِ، ولمحبةِ الناسِ لهُ، لأنَّ مَنْ زهِدَ فيما هوَ عندَ العبادِ أحبُّوه لأنها جُبِلَت الطباع على استثقالِ مَنْ أنزلَ [بالمخلوقينَ حاجاتِه] (^٢)، وطمعَ فيما في أيديهمْ. وفيهِ أنهُ لا بأسَ بطلبِ محبةِ العبادِ، والسعي فيما يكسبُ ذلكَ، بلْ هو مندوبٌ إليهِ كما قالَ - ﷺ -: \"والذي نفسي بيدهِ لا تؤمِنُوا حتَّى تحابوا\" (^٣)، وأرشد - ﷺ -[العباد] (^٤) إلى إفشاء السلام، فإنه من جوالب المحبة، وإلى التهادي ونحو ذلك.\n٧/ ١٣٩٢ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"إِن الله يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيِّ الْخَفِيَّ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، النقي، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). فسَّرَ العلماءُ محبةَ اللَّهِ تعالى لعبدهِ [بأنَّها إرادتهُ] (^٦) الخيرَ لهُ، وهدايتهُ ورحمتهُ [ولطفه] (^٧)، ونقيضُ ذلكَ بُغضُ اللهِ تعالى. والتقيُّ وهوَ الآتي بما يجبُ عليهِ المجتنِبُ لما يحرمُ عليهِ. [ومراتب التقوى متفاوتة] (^٨). والغِنَى هوَ غِنَى النفسِ، فإنهُ الغِنَى المحبوبُ إليه تعالى، قالَ - ﷺ -: \"ليسَ الغِنَى بكثرةِ العرضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النفسِ\" (^٩).\nوأشارَ عياضٌ إلى أنَّ المرادَ بهِ غِنَى المالِ وهوَ محتملٌ، والخفيُّ بالخاءِ المعجمةِ والفاءِ، أي: الخاملُ المنقطعُ إلى عبادةِ اللَّهِ، والاشتغالِ بأمورِ نفسِه، وضَبَطَهُ بعضُ رواةِ مسلمٍ بالحاءِ المهملةِ، ذكرَهُ القاضي عياضٌ. والمرادُ بهِ الوصولُ للرحمِ اللطيفِ بهم وبغيرِهم منَ الضعفاءِ. وفيهِ دليلٌ على تفضيلِ الاعتزالِ وتركِ الاختلاطِ بالناسِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"حاجته بالمخلوقين\".\n(^٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (٩٣/ ٥٤) من حديث أبي هريرة.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (١١/ ٢٩٦٥).\n(^٦) في (أ): \"بإرادة\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) أخرجه البخاري رقم (٦٤٤٦)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٢٠/ ١٠٥١) من حديث أبي هريرة.","vol":"8","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1474>من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه</span>\n٨/ ١٣٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (^١)، وَقَالَ: حَسَنٌ. [صحيح].\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ) أي: [ما لا] (٢) يهمُّه، مِنْ عناهُ يعنيه ويعنوه، [إذا] (^٢) أهمَّهُ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ و[حسَّنه] (^٣). هذا الحديثُ منْ جوامعِ [الكلام النبوي] (^٤) يعمُّ الأقوالَ [والأفعال] (^٥)، كما رُوِيَ أن في صُحُفِ إبراهيمَ ﵇: منْ عدَّ كلامَهُ منْ عملهِ قلَّ كلامُه إلا فيما يعنيهِ، ويعمُّ الأفعالَ فيندرجُ [تحته] (^٦) تركُ التوسُّعِ في الدُّنيا (^٧)، وطلبُ المناصبِ والرياسةِ، وحبُّ [المَحمدةِ و] (^٨) الثناءِ، [وغيرُ] (^٩) ذلكَ مما لا يحتاجُ إليهِ المرءُ في إصلاحِ دينهِ و[كفاية] (^١٠) دنياهُ. وأما اشتغالُ العلماءِ بالمسائلِ الفرضيةِ فقيلَ إنهُ ليسَ منَ الاشتغالِ بما لا يعني، بلْ هوَ مما يؤجرونَ فيهِ لأنَّهم لما عرفُوا منَ الأحاديثِ النبويةِ أنهُ في آخرِ الزمانِ يقلُّ العلمُ، ويفشو الجهلُ، اجتهدُوا في ذلكَ لما يأتي منَ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٣١٧) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٩٧٦).\n• وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٥٣) عن علي مرسلًا، وكذلك الترمذي رقم (٢٣١٨)، وقال: \"وهكذا رَوَى غير واحد من أصحاب الزهري عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي - ﷺ - نحو حديث مالك مرسلًا. وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة، وعلي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (ب): \"وقال\".\n(^٤) في (ب): \"الكلم النبوية\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (ب): \"فيه\".\n(^٧) لما أنْ توسَّع الأجانب في الدنيا وشؤون العمران امتلكوا البحار وبطونها، والأرض وهواءها، وامتلكونا فيما امتلكوه، فأصبحنا لا أمر لنا ولا نهي في بلادنا، وأصبحنا ممنوعين من الجهر بالحق والصدع بالدعوة الدينية، وكان الواجب أن نسبقهم في علوم الحياة فإن الله يقول: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ويقول ﷾: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"نحو\".\n(^١٠) في (ب): \"وكفايته من دنياه\".","vol":"8","page":200},{"text":"الزمان، ومنْ يأتي منَ العبادِ المحتاجينَ إلى معرفةِ الأحكامِ معَ عجْزِهِمْ عن البحثِ، فإنْهم أتعبُوا القرائحَ، وخرَّجُوا التخاريجَ، وقدَّرُوا التقاديرَ. والأعمالُ بالنياتِ.\nقلتُ: لا يَخْفَى أنْ تخريجَ التخريج، وتقديرَ التقاديرِ ليسَ منَ العلمِ المحمودِ، لأنَّ غالبها أقوالٌ خرجتْ منْ أقوالِ المجتهدينَ، وليست أقوالًا لهمْ ولا أقوالًا لمنْ يخرجُها، ولا احتياجَ إليها. والعملُ بها مشكلٌ؛ إذْ ليستْ لقائلٍ؛ إذِ القائلُ بها ليسَ [بمجتهدٍ] (^١) ضرورةً فلا يقلدُ لأنهُ إنَّما يقتَدُ مجتهدٌ عدلٌ، والفرضُ أن المخرجينَ ليسُوا مجتهدينَ. وأما تقديرُ التقاديرِ فإنهُ قسمٌ منَ التخاريجِ إذْ غالبُ ما يقدرُ أنهُ يجابُ عنهُ بأقوالِ المخرجينِ. وفي كلامِ عليٍّ - ﵇ -: العلمُ نقطةٌ [كثَّرها] (^٢) الجُهَّالُ. بل هذهِ الموضوعاتُ في التخاريجِ كانتْ مضرَّةً للنظر في الكتاب والسنةِ؛ إذْ شغلتِ الناظرين عن النظرِ فيهمَا، [ونيلِ] (^٣) بركتِهمَا، فقطعُوا الأَعمارَ في تقريرِ تلكَ التخاريج. وقد أشبعَ الكلامَ على ذلكَ، وعلى ذمِّ الاشتغالِ بهِ طوائفُ منْ أئمة التحقيقِ، وإنْ كانَ الاشتغالُ بها قدْ عمَّ كل فريقٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1475>النهي عن كثرة الأكل</span>\n٩/ ١٣٩٤ - وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَا مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًا مِنْ بَطْنِهِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤) وَحَسَّنَهُ. [صحيح]\n(وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيَكرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا مَلأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ)، وأخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٥) في صحيحهِ، وتمامُه: \"بحسب ابن آدمَ أكلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ فاعلًا لا محالةَ (وفي لفظِ ابن ماجهْ) (^٦):\n_________\n(^١) في (أ): \"مجتهد\".\n(^٢) في (أ): \"كثره\".\n(^٣) في (أ): \"ونقل\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٣٨٠) وقال: حسن صحيح.\n(^٥) رقم (٥٢٣٦).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٣٤٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٢١)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣ رقم ٦٤٤، ٦٤٥)، وأحمد (٤/ ١٣٢)، وابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٦٠٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٤٠٤٨)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (١٣٤٠) و(١٣٤١) من طرق …","vol":"8","page":201},{"text":"فإنْ غلبتِ ابنَ آدمَ نفسُه [فثلثٌ] (١) لطعامِه، و[ثلثٌ] (١) لشرابهِ، و[ثلثٌ] (^١) لنفَسِه\". الحديثُ دليلٌ على ذمِّ التوسعِ في المأكولِ والشبَعِ والامتلاءِ، والإخْبارُ عنهُ بأنهُ [شرٌّ لما فيهِ] (^٢) منَ المفاسدِ الدينيةِ والبدنيةِ، فإنَّ فضولَ الطعامِ مجلبَةُ [السقام] (^٣)، ومثبِّطةٌ عن القيامِ بالأحكامِ، وهذا الإرشادُ إلى جعلِ الأكلِ ثلثَ ما يدخلُ المعدةَ مِنْ أفضلِ ما يرشد إليه سيدُ الأنامِ - ﷺ -؛ فإنه يخفُّ على المعدة، ويستمدُّ منه البدنُ الغذاءَ، وتنتفعُ به القِوى، ولا يتولَّدُ عنهُ شيءٌ منَ الأدْواءِ. وقدْ وردَ منَ الكلامِ النبوي شيءٌ كثيرٌ في ذمِّ الشِّبعِ، [فقد أخرج] (^٤) البزار (^٥) [بإسنادينِ أحدِهما رجالُه ثقاتٌ مرفوعًا] (^٦) بلفظِ: \"أكثرُ الناسِ شَبَعًا في الدنيا أكثرُهم جُوعًا يومَ القيامةِ\"، قالَهُ - ﷺ - لأبي جحيفةَ لما تجشأَ فقالَ: \"ما ملأتُ بطني منذُ ثلاثينَ سنةً\". وأخرجَ الطبرانيُّ (^٧) بإسنادٍ حسنٍ: \"أهلُ الشبعِ في الدنيا همْ أهل الجوعِ غدًا في الآخرة\"، زادَ البيهقي (^٨): الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنةُ الكافرِ. وأخرجَ الطبراني (^٩) بسندٍ جيدٍ أنهُ - ﷺ - رأى رجلًا عظيمَ البطنِ فقالَ بأُصبَعِهِ: \"لوْ كانَ هذا في غيرِ هذا لكانَ خيرًا لكَ\". وأخرجَ البيهقيُّ (^١٠) واللفظُ لهُ، [وأخرجه] (^١١)\n_________\n(^١) في (ب): \"فثلثًا\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"للأسقام\"\n(^٤) في (أ): \"فأخرج\".\n(^٥) رقم (٣٦٦٩ - كشف) وأورده في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٢٣) وقال: رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٣٤٧٨)، وقال: حديث غريب، وابن ماجه رقم (٣٣٥٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥٦٤٦). والخلاصة: أن الحديث ضعيف. وانظر: \"مجمع البحرين\" (٧/ ٦٧ - ٦٨ رقم ٤٠٥٥).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) كما في \"مجمع الزوإئد\" (١٠/ ٢٥٠). قال الهيثمي: \"رواه الطبراني وفيه يحيى بن سليمان الجفري، قال الذهبي: ما علمت به بأسًا وبقية رجاله ثقات\".\nوهو حديث حسن.\n(^٨) في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٦٤٥).\n(^٩) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٣١)، قال الهيثمي: رواه الطبراني وأحمد (٤/ ٣٣٩) ورجال الجميع رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة.\nقلت: وأخرجه الحاكم (٤/ ٣١٧) وصححه، ووافقه الذهبي. والبيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٦٦٦).\n(^١٠) في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٦٧٠).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"8","page":202},{"text":"الشيخانِ مختصرًا: \"ليؤتينَّ يومَ القيامةِ بالعظيمِ الطويلِ الأكُولِ الشروب فلا يزنُ عندَ اللَّهِ جناحَ بعوضةٍ، اقرؤُوا إنْ شئتُم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^١). وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (^٢): \"أنهُ - ﷺ - أصابَهُ جوعٌ يومًا، فعمدَ إلى حجرٍ فوضَعَهُ على بطنِه [الشريف] (^٣)، ثمَّ قال: ألا رُبَّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يومَ القيامةِ، ألا رُبَّ مُكرمٍ لنفسِه وهوَ لها مُهينٌ، ألا رُبَّ مُهينٍ لنفسِه وهوَ لها مُكرِمٌ\". وصحَّ حديثُ (^٤): \"منَ الإسرافِ أنْ تأكلَ كلَّ ما اشتهيتَ\". وأخرجَ البيهقي (^٥) [بإسناد] (^٦) فيهِ ابنُ لهيعةَ عنْ عائشةَ: \"رآني النبيُّ - ﷺ - وقدْ أكلتُ في اليوم مرتينِ فقال: يا عائشةُ أما تحبينَ أنْ لا يكونَ لكِ شغلٌ إلا جوفَكِ، الأكلُ في اليومِ مرتينِ منَ الإسرافِ، واللَّهُ لا يحبُّ المسرفينَ\". وصحَّ [حديث] (^٧): \"كلُوا واشربُوا والبسُوا في غيرِ إسرافٍ ولا مخيلةٍ\" (^٨). وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (^٩) والطبرانيُّ (^١٠): \"سيكونُ رجالٌ منْ أمتي يأكلونَ ألوانَ الطعامِ، ويشربونَ ألوانَ\n_________\n(^١) سورة الكهف: الآية ١٠٥.\n(^٢) عزاه إليه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٧٣ رقم ٣١٦٧).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (١٤٦١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم ٨٧٠١) وفي إسناده سعيد بن سنان الكندي. قال عنه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك. \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ١٤٣).\nوالخلاصة: فالحديث ضعيف جدًّا، والله أعلم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٣٥٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٧٢١)، وفيه نوح بن ذكوان: ضعيف.\nوهو حديث موضوع، انظر: \"الضعيفة\" رقم (٢٤١).\n(^٥) في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٦٤٠) وفي رواية ثانية رقم (٥٦٦٥) وقال: في إسناده ضعف.\n(^٦) في (أ): بسند.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) أخرجه النسائي (٥/ ٧٩)، وابن ماجه رقم (٣٦٠٥)، وهو حديث حسن.\n(^٩) في \"الغيبة والنميمة\" رقم (١٠).\n(^١٠) في \"الوسط\" رقم (٢٣٧٢)، وفي \"الكبير\" رقم (٧٥١٣)، وفي إسنادهما أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف.\nقلت: وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٥٦)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٦٦٩). والخلاصة: أن الحديث ضعيف.","vol":"8","page":203},{"text":"الشرابِ، ويلبسونَ ألوانَ الثيابِ، ويتشدَّقونَ في الكلامِ، فأولئكَ شِرارُ أمتي\". وقالَ لقمانُ لابنِه (^١): يا بنيَّ إذا امتلأتِ المعدةِ نامتِ الفكرةُ، وخرستِ الحكمةُ، وقعدتِ الأعضاءُ عن العبادةِ، وفي الخلوّ عن الطعامِ فوائدُ، وفي الامتلاءِ مفاسدُ، ففي الجوعِ صفاءُ القلبِ، وإيقادُ القريحةِ، ونفاذُ البصيرةِ، والشبعُ يورثُ البلادةَ، ويعمي القلبَ، ويكثرُ البخارَ في المعدةِ والدماغِ، كشبهِ السكرِ حتَّى يحتويَ على معادنِ الفكرِ، فيثقل القلبُ بسببهِ عن الجريانِ في الأفكارِ، ومنْ فوائدِه كسرُ شهوات المعاصي كلّها، والاستيلاءُ على النفسِ الأمارةِ بالسوءِ، فإنَّ منشأ المعاصي كلِّها الشهواتُ والقُوى، ومادةُ القُوى الشهواتُ، والشهواتُ [لا محالةَ] (^٢) الأطعمةُ فتقليلُها يضعفُ كلَّ شهوةٍ وقوةٍ، وإنَّما السعادةُ كلُّها في أنْ يملكَ الرجلُ نفسَه، والشقاوةُ كلُّها في أنْ تملكَه نفسُه. قالَ ذُو النونِ (^٣): ما شبعتُ قطُّ إلا عصيتُ، أو هممتُ بمعصيةٍ. وقالتْ عائشةُ (^٤) - ﵂ -: أولُ بدعةٍ حدثَتْ بعدَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - الشبعُ، إنَّ القومَ لما شبعتْ بطونُهم جمحتْ بهم نفوسُهم إلى الدنيا. ويقالُ: الجوعُ خزانةٌ منْ خزائنِ الله تعالى، وأولُ ما يندفع بالجوعِ شهوةُ [الفرج] (^٥)، وشهوةُ الكلامِ فإنَّ الجائعَ لا تتحركُ له شهوة فضولِ الكلامِ [فيتخلصُ] (^٦) من آفاتِ اللسانِ، ولا تتحركُ عليهِ شهوةُ الفرجِ، فيتخلصُ منَ الوقوعِ في [الحرام] (^٧). ومنْ فوائِده قِلَّةُ النومِ؛ فإنَّ مَنْ أكلَ كثيرًا شربَ كثيرًا، فنام طويلًا، وفي كثرةِ النومِ خسرانُ الداريْنِ، [وفواتُ] (^٨) كلِّ منفعةٍ دينيةٍ ودنيوية. [وقد] (^٩) عدَّ الغزاليُّ في الإحياءِ (^١٠) عشرَ فوائدَ لتقليلِ الطعامِ، وعدَّ عشرَ مفاسدَ [للتوسعِ منهُ] (^١١)، فلا ينبغي للعبدِ أن يعوِّدَ نفسَه ذلكَ، فإنَّها تميلُ بهِ\n_________\n(^١) ذكره الغزالي في \"الإحياء\" (٣/ ٨٤).\n(^٢) في (أ): \"من\".\n(^٣) ذكره الغزالي في \"الإحياء\" (٣/ ٨٦).\n(^٤) قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" رقم (٣١٦٢): \"رواه البخاري في كتاب \"الضعفاء\"، وابن أبي الدنيا في كتاب \"الجوع\".\n(^٥) في (أ): \"الجماع\".\n(^٦) في (أ): \"فيندفع ويتخلص\".\n(^٧) في (أ): \"المحظور\".\n(^٨) في (أ): \"فوت\".\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) (٣/ ٨٠ - ٨٩).\n(^١١) في (أ): \"لتكثيره\".","vol":"8","page":204},{"text":"إلى الشَّرَهِ، ويصعبُ تداركُها وليُرْضِها منْ أولِ الأمرِ على السدادِ، فإنَّ ذلكَ أهونُ لهُ منْ أن يجرئَها على الفسادِ وهذا أمرٌ لا يحتملُ الإطالةَ؛ إذْ هوَ منَ الأمورِ التجريبيةِ التي قدْ جرَّبها كلُّ إنسانٍ، والتجربةُ منْ أقسامِ البرهانِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1476>دليل على قبول توبة من أخطأ</span>\n١٠/ ١٣٩٥ - وَعَنْ أَنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"كُلُّ بَنِي آدمَ خَطَّاءٌ، وَخَيرُ الْخَطَّائِينَ التَّوابُونَ\". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١)، وابْنُ مَاجَهْ (^٢)، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ. [حسن]\n(وَعَنْ أنسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَابُونَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْن مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌ). [خطَّاؤون كثيرو الخطأ، إذ هو صيغة مبالغةٍ] (^٣). والحديثُ دالٌّ على أنهُ لا يخلو من الخطيئةِ إنسانٌ لما جُبلَ عليهِ هذا النوعُ منَ الضعفِ، وعدمِ الانقيادِ لمولاهُ في فعل ما إليهِ دعاهُ وتركِ ما عنهُ [نهاه] (^٤)، ولكنهُ تعالَى بلطفِه فتحَ بابَ التوبةِ لعبادِه، وأخبرَ أن خيرَ الخطائينَ التوابونَ الكثيرونَ للتوبةِ على قدرِ كثرةِ الخطأِ. وفي الأحاديثِ أدلةٌ على أن العبدَ إذا عصَى وتابَ تابَ اللَّهُ عليهِ، [ولا] (^٥) يزالُ كذلكَ، ولنْ يهلكَ على اللَّهِ إلا هالكٌ. وقدْ خُصَّ منْ هذا العمومِ يحيى (^٦) بنُ زكريا، فإنهُ وردَ أنهُ ما همَّ بخطيئةٍ. ورُوِيَ أنهُ لقيهُ إبليسُ ومعهُ معاليقُ منْ كلِّ شيءٍ، فسألَهُ عنْها فقالَ: هي الشهواتُ التي أصيبُ بها [بني] (^٧) آدمَ، فقالَ: هلْ لي فيها شيءٌ؟ قالَ: ربَّما شبعتَ فشغلناكَ عن الصلاةِ والذكرِ، قالَ: هلْ غيرُ ذلكَ؟ قالَ لا، قالَ: للَّهِ عليَّ أنْ لا\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٤٩٩) وقال: هذا حديث غريب.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٢٥١)، وهو حديث حسن.\n(^٣) في (ب): \"أي كثير الخطأ وهو صيغة مبالغة\".\n(^٤) في (أ): \"نهى\".\n(^٥) في (أ): \"ولن\".\n(^٦) حقيقة أن الشيطان يفتن بني آدم عن الواجبات بالشهوات، ولكن ما نسب لزكريا وقول الشيطان له من أمور الغيب التي لا تعرف إلا من الوحي ولم نعرف ذلك من طريق صحيح انظر: \"الإحياء\" (٣/ ٣٣).\n(^٧) في (أ): \"بنو\".","vol":"8","page":205},{"text":"أملأَ بطني منْ طعامٍ أبدًا، فقالَ إبليسُ: [للهِ] (^١) عليَّ أنْ لا أنصحَ مسلِمًا أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1477>فضل الصمت وقلة الكلام</span>\n١١/ ١٣٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ\" أخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ (^٢) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَ أنهُ مَؤقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكيمِ. [موقوف]\n(وعنْ أنسٍ - ﵁ - قال: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، [وَصَحَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ] (^٣) مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ)، وسببُه أنَّ لقمانَ دخلَ على داودَ - ﵇ - فرآهُ يسردُ دِرْعًا لم يكنْ رآه قبلَ ذلكَ، فجعلَ يتعجَّبُ مما رأى فأرادَ أنْ يسأله عنْ ذلكَ فمنعتْه [حكمتُه] (^٤) عنْ ذلكَ، فتركَ ولم يسألْهُ فلما فرغَ داود قام ولبسَها ثمَّ قالَ: نعمَ الدرعُ للحربِ، فقالَ لقمانُ: الصمتُ حكمةٌ - الحديثَ. وقيلَ: ترددَ إليهِ سنةً وهوَ يريدُ أنْ يعلمَ ذلكَ ولم يسألْه. وفيهِ دليلٌ على حسنِ الصمتِ، ومدْحِه، والمرادُ بهِ عنْ فضولِ الكلامِ. وقدْ وردتْ عِدَّةُ أحاديثَ دالةٍ على مدحِ الصمتِ، ومدحَهُ العقلاءُ والشعراءُ، وفي الحديثِ (^٥): \"منْ\n_________\n(^١) في (أ): \"الله\".\n(^٢) رقم (٥٠٢٧). وقال البيهقي: غلط في هذا عثمان بن سعيد هذا، والصحيح رواية ثابت رقم (٥٠٢٦) قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالوية نا إسحاق بن الحسن بن ميمون نا عفان نا حماد بن سلمة نا ثابت عن أنس أن لقمان كان عند داود وهو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده فجعل لقمان يتعجّب (ويريد أن يسأله) فتمنعه حكمته أن يسأل، فلما فرغ منها ضمها على نفسه وقال: نعم درع الحرب هذه.\nفقال لقمان: إن الصمت من الحكم وقليل فاعله، كنت أريد أن أسألك فسكتٌ حتى كفيتني. هذا هو الصحيح عن أنس أن لقمان قال: الصمت حكم وقليل فاعله.\nقلت: وأخرجه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ١٦٨)، وابن حبان في \"روضة العقلاء\" ص ٤١ بسند صحيح إلى أنس. وانظر: \"فيض القدير\" (٤/ ٢٤٠).\n(^٣) في (أ): \"وقيل إنه\".\n(^٤) في (أ): \"الحكمة\".\n(^٥) أخرجه الترمذي رقم (٢٥٠١)، من حديث عبد الله بن عمرو، وأحمد (٢/ ١٥٩)، وابن المبارك في \"الزهد\" رقم (٣٨٥)، وابن أبي الدنيا في \"الصمت\" رقم (١٠).\nوقال النووي في \"الأذكار\" رقم (٨٨٨) بعد عزوه للترمذي: إسناد ضعيف.","vol":"8","page":206},{"text":"صمتَ نجَا\". وقال عقبةُ (^١): قلتُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: ما النجاةُ؟ قالَ: \"أمسكْ عليكَ لسانَكَ\" الحديثَ. وقال - ﷺ -: \"من تكفَّلَ لي بما بينَ لحييهِ ورجليهِ أتكفلُ لهُ بالجنةِ\" (^٢). وقالَ معاذٌ - ﵁ - لهُ - ﷺ -: أنُؤَاخَذُ بما نقولُ؟ قالَ: \"ثكلتكَ أمُّكَ، وهلْ يَكُبُّ الناسَ على مناخِرِهِم [في النار] (^٣) إلَّا حصائدُ ألسِنتهم\" (^٤). وقالَ - ﷺ -: \"منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ\" (^٥).\nوالأحاديثُ واسعةٌ جدًّا [في حسن الصمت] (^٦)، والآثارُ عن السلفِ، واعلمْ أن فضولَ الكلامِ لا تنحصرُ، بلِ المهمُّ محصورٌ في كتابِ اللهِ تعالى حيثُ قالَ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية (^٧). وآفاتُه لا تنحصرُ فعدَّ منْها الخوضَ في الباطلِ، وهوَ الحكايةُ للمعاصي من مخالطةِ النساءِ، ومجالسِ الخمرِ، ومواقفِ الفساقِ، وتنعُّم الأغنياء، وتجبُّرِ الملوكِ ومراسِمهم المذمومةِ، وأحوالِهم المكروهةِ؛ فإنَّ كلَّ ذلكَ مما لا يحلُّ الخوضُ فيهِ فهذا حرامٌ. ومنها الغيبةُ والنميمةُ وكفَى بهمَا هلاكًا في الدينِ، ومنْها المِراءُ والمجادلةُ والمِزاحُ، ومنْهَا الخصومةُ والسبُّ والفحشُ وبذاءةُ اللسانِ، والاستهزاءُ بالناس، واللعن والسخريةُ، والكذبُ. وقدْ عدَّ الغزاليُّ في الإحياءِ (^٨) عشرينَ آفةً، وذكرَ في كلِّ آفةٍ كلامًا بسيطًا حسنًا، وذكرَ علاجَ هذهِ الآفاتِ.\n* * *\n_________\n(^١) وهو حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٤٠٦) وقال: حسن.\nوابن أبي الدنيا في \"الصمت\" رقم (٢)، وأحمد (٥/ ٢٥٩)، وفي \"الزهد\" رقم (٨٢)،\nوالبيهقي في \"الشعب\" (٨٠٥)، وفي \"الزهد\" (١٣٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في (٦٤٧٤)، والترمذي رقم (٢٤٠٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٦١٦)، وابن حبان رقم (١٥٦٩ - موارد) من حديث جابر، وهو حديث صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦٠١٨)، ومسلم رقم (٤٧)، وأبو داود رقم (٥١٥٤).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) سورة النساء: الآية ١١٤.\n(^٨) (٣/ ١٠٧ - ١٦٢).","vol":"8","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1478>[الباب الرابع] باب الترهيب من مساوئ الأخلاق</span>\n<span data-type='title' id=toc-1479>ذمُّ الحسد وذكر مساويه</span>\n٧/ ١٣٩٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١). [حسن بشواهده]\n- وَلابْنِ مَاجَهْ (^٢) مِنْ حَدِيثِ أنَسٍ نحوُهُ. [ضعيف]\n(عَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارَ الْحَطَبَ. أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوُهُ). إياكُم ضميرٌ منصوبٌ على التحذيرِ، والمحذَّرُ منهُ الحسدُ. وفي [ذم] (^٣) الحسدِ أحاديثُ وآثارٌ كثيرةٌ. ويُقالُ (^٤): كانَ أولَ ذنبِ عُصِيَ اللهُ بهِ الحسدُ، فإنهُ أمرَ إبليسَ بالسجودِ لآدمَ فحسدَه فامتنعَ عنهُ فعصَى الله تعالى فطردَه، [وتولَّدَ منْ طردِه كلُّ بلاءٍ وفتنةٍ عليهِ وعلى العبادِ] (^٥).\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٩٠٣)، والحديث حسن بشواهده.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" رقم (٦٦٠٨).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٢١٠).\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" رقم (٦٦١٠)، وقال في \"الزوائد\": فيه عيسى بن أبي عيسى وهو ضعفيف. قلت: وهو حديث ضعيف.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) انظر: الإحياء (٣/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"8","page":208},{"text":"والحسدُ لا يكونُ إلَّا على نعمةٍ، فإذا أنعمَ اللهُ على [أخيكَ] (^١) نعمةً فلكَ فيها حالتانِ، إحداهُما أن تكرهَ تلكَ النعمةَ وتحبَّ زوالَها، وهذهِ الحالةُ تُسَمَّى حسدًا، والثانيةُ أنْ لا تحبَّ زوالَها، ولا تكرهَ وجودَها ودوامَها، ولكنَّكَ تريدُ لنفسكَ مثلَها فهذا يسمَّى غِبْطَةً، فالأولُ حرامٌ على كلِّ حالٍ إلا نعمةً على كافرٍ أو فاجرٍ، وهوَ يستعينُ بها على [الفسادِ و] (^٢) تهييج الفتنةِ وإفسادِ ذاتِ البينِ [والصلح] (^٣) وإيذاءِ العبادِ، فهذهِ لا يضركَ كراهتُك لها، ومحبتُك زوالَها فإنكَ لم تحبَّ زوالَها منْ حيثُ [أنها] (^٤) نعمةٌ بل منْ حيثُ هي آلةٌ للفسادِ والبغي ووجْهُ تحريمِ الحسدِ معَ ما عُلِمَ منَ الأحاديثِ أنهُ [تَسَخُّطٌ لقدرِ] (^٥) اللهِ تعالَى [وحكمتِه في تفضيلِ بعضِ عبادِه على بعض، ولذا قيل] (^٦):\nألا قلْ لمنْ كانَ لي حاسِدًا … أتدري على مَنْ أسأتَ الأدبْ\nأسأتَ على اللهِ في فعلِه … لأنكَ لم ترضَ لي ما وهبْ\n[فجازاك عني بأن زادني … وسدَّ عليك وجوه الطلب] (^٧)\nثمَّ الحاسدُ إنْ وقعَ لهُ [الخاطرُ بالحسدِ فدفعَهُ] (^٨) وجاهدَ نفسَه [في دفعه] (^٩) فلا إثمَ عليهِ، بلْ لعلّهُ مأجورٌ في [مدافعته] (^١٠). فإنْ [سعَى في زوالِ] (^١١) نعمةِ المحسود، [أو سعى في إزالتها] (^١٢) فهوَ باغٍ [على أخيه] (^١٣)، وإنْ لم يسعَ ولم يظهرْه، فإن كان لمانع العجزِ فإنْ كانَ بحيثُ لو أمكنَه لفعلٍ فهو مأزورٌ، وإن كان لمانع التقوى فقد يعذرَ لأنهُ لا يستطيعُ دفعَ الخواطرِ النفسانيةِ فيكفيهِ في مجاهدِتها أنْ لا يعملَ بها، ولا يعزمَ على العمل بها. وفي الإحياءِ (^١٤): فإنْ كانَ بحيثُ لو أُلقِيَ الأمرُ إليهِ ورُدَّ إلى اختيارِه لسعَى في إزالةِ النعمةِ فهوَ حسد حسدًا مذمومًا،\n_________\n(^١) في (أ): \"العبد\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"هي\".\n(^٥) في (أ): \"كراهة لنعمه\".\n(^٦) في (أ): \"على المحسود وقد أحسن القائل في قوله\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) في (ب): \"مدافعة نفسه\".\n(^١١) في (أ): \"فإن أزال\".\n(^١٢) زيادة من (أ).\n(^١٣) زيادة من (أ).\n(^١٤) (٣/ ١٩١).","vol":"8","page":209},{"text":"وإنْ كانَ تردعه التقْوى [عنْ إزالةِ ذلكَ] (^١) فيعفَى عنهُ ما يجدُه في نفسِه منِ ارتياحِه إلى زوالِ النعمةِ عنْ محسودِه مهْمَا كانَ كارهًا لذلكَ منْ نفسِه بعقلِه ودِينه، وهذا التفصيلُ يشيرُ إليهِ ما أخرجَهُ عبدُ الرزاقِ (^٢) مرفوعًا: \"ثلاثٌ لا يسلمُ مِنهنَّ أحدٌ: الطِّيَرةُ، والظنُّ، والحسدُ، قيلَ: فما المخرجُ منْها يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: إذا تَطيّرت فلا ترجعْ، وإذا ظننتَ فلا تُحقّقُ، وإذا حسدتَ فلا تبغِ\".\nوأخرجَ أبو نعيمٍ (^٣): \"كلُّ ابن آدمَ حسودٌ ولا يضرُ حاسدًا حسدُه ما لم يتكلَّم باللسانِ أو يعملْ باليدِ\". وفي معناهُ أحاديثُ (^٤) لا تخلو عن مقالٍ. وفي الزواجرِ (^٥) لابن حجر الهيتميِّ: أن الحسدَ مراتبٌ، وهي إما محبةُ زوالِ نعمةِ الغيرِ وإنْ لم تنتقلْ إلى الحاسدِ، وهذا غايةُ الحسدِ، أو معَ انتقالِها إليهِ أوِ انتقالِ مِثْلِهَا إليه، [وإلَّا] (^٦) أحبَّ زوالَها لئلَّا يتميزُ عليهِ أو لا مع محبةِ زوالِها، وهذا الأخيرُ هوَ المعفوُّ عنهُ منَ الحسدِ إنْ كانَ في الدُّنيا، والمطلوبُ إنْ كانَ في الدِّينِ [انتهَى] (^٧). وهذا القسمُ الأخيرُ يسمَّى غيرةً، فإنْ كانَ في الدينِ فهوَ المطلوبُ وعليهِ حُمِلَ ما رواهُ الشيخانِ منْ حديثِ (^٨) ابن عمرَ أنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا حسدَ إلا في اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللَّهُ القرآنَ، فهوَ يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا، فهوَ ينفقُ منهُ آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ\". والمرادُ أنهُ يغارُ ممنِ اتصفَ بهاتينِ الصِّفتينِ فَيُقْتَدَى بهِ محبةً للسلوكِ في هذا المسلكِ، ولعلَّ تسميتَه حسدًا مجازٌ.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"المصنف\" (١٠/ ٤٠٣ رقم ١٩٥٠٤).\nوقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٢١٣): وهذا مرسل أو معضل. ثم ذكر له شواهد.\nفانظرها إن شئت، وأظنها لا ترفع من قوته.\n(^٣) في \"أخبار أصفهان\" (١/ ٢٢٧)، عن أنس بلفظ: \"كل بني آدم حسود وبعض الناس في الحسد أفضل من بعض، فلا يضر حاسد حاسدًا ما لم يتكلم بلسان أو يعمل به باليد\".\n(^٤) انظر: \"الترغيب والترهيب\" للمنذري (٣/ ٥٢٤ - ٥٣٠ رقم ٤٢٥١ - ٤٢٦٤)، تحت عنوان: \"الترهيب من الحسد وفضل سلامة الصدر\".\n(^٥) (١/ ٥٧ - ٥٨).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٥٠٢٥)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٧/ ٨١٥).","vol":"8","page":210},{"text":"والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الحسدِ، وأنهُ من الكبائرِ فإنه إذا أكل الحسنات فقد أحبطها ولا تحبط إلا كبيرة. ونسبةُ الأكلِ إليهِ مجازٌ منْ بابِ الاستعارةِ. وقولُه: كما تأكلُ النارُ الحطبَ تحقيقٌ لذهابِ الحسناتِ بالحسدِ كما يذهبُ الحطبُ بالنارِ، ويتلاشَى جرمُه. واعلمْ أن دواءَ الحسدِ الذي يزيلُه عن القلبِ [معرفةُ] (^١) الحاسدِ أنهُ لا يضرُّ بحسدهِ المحسودَ في الدينِ ولا في الدُّنيا، وأنهُ يعودُ وبالُ حسدِه عليهِ [في الدارينِ] (^٢)؛ إذْ لا تزولُ نعمةٌ بحسدٍ قطُّ وإلا لم تبقَ للَّهِ تعالى نعمةٌ [على أحدٍ] (^٣) حتَّى نعمةُ الإيمانِ، لأنَّ الكفارَ يحبونَ زوالَه عن المؤمنينَ، بلِ المحسودُ يتمتعُ بحسناتِ الحاسدِ لأنهُ مظلومٌ منْ جهته إذا أطلقَ لسانَه بالانتقاصِ والغيبةِ وهتكِ السترِ، فيلقَى الله تعالى مفلِسًا منَ الحسناتِ، محرُومًا منْ نعمةِ الآخرةِ كما حرمَ سلامة الصدرِ في الدنيا، وسكون القلبِ والاطمئنانِ [في الدنيا] (^٤)، فإذا تأملَ العاقلُ هذا عرفَ أنهُ جرَّ لنفسِه بالحسدِ كلَّ غمٍّ ونكدٍ في [الدنيا والآخرة] (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1480>جهاد النفس أعظم من جهاد العدو</span>\n٢/ ١٣٩٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَيْسَ الشدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n_________\n(^١) في (أ): \"أن يعرف\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"لأحد\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"الدارين\".\n(^٦) البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦١١٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٩).\nقلت: وأخرج مالك (٢/ ٩٨، ٩٩)، وأحمد (٢/ ٢٣٦)، والبغوي في شرح السنة\" رقم (٣٥٨١)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (١٢١٢). كلهم عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة.\n• وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" رقم (٢٠٢٨٧)، ومن طريقه أحمد (٢/ ٢٦٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٣٥)، عن معمر، ومسلم رقم (١٠٨/ ٢٦٠٩) من طريق شعيب والزبيدي ثلاثتهم عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.\n• وأخرجه الطيالسي في \"المسند\" رقم (٢٥٢٥)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٥٨٢)، من طريق مسدد، كلاهما عن أبي الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي حازم عن أبي هريرة.","vol":"8","page":211},{"text":"(وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، وفتح الراءِ، وبالعينِ المهملةِ على زنةِ هُمَزَةٍ صيغةُ مبالغةٍ، أي: كثيرُ الصرعِ لغيره، (إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ). المرادُ بالشديدِ هُنا شدةُ القوةِ المعنويةِ، وهيَ مجاهدةُ النفسِ وإمساكُها عندَ الشرّ، ومنازعتُها للجوارحِ للانتقامِ ممنْ أغضَبها، فإنَّ النفسَ في حكمِ الأعداءِ الكثيرينَ وغلبتها عما تشتهيهِ في حُكمِ مَنْ هوَ شديدُ القوةِ في غلبةِ الجماعةِ الكثيرين فيما يريدونه منهُ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن مجاهدةَ النفسِ أشدُّ منْ مجاهدةِ العدوِّ، لأنهُ - ﷺ - جعل الذي يملكُ نفسَه عندَ الغضبِ أعظمَ الناسِ قوةً. وحقيقةُ الغضبِ حركةُ النفسِ إلى خارجِ الجسدِ لإرادةِ الانتقام. والحديثُ فيه إرشادٌ إلى أن مَنْ أغضبَه أمرٌ، وأرادتِ النفسُ المبادرةَ إلى الانتقامِ ممنْ [أغضَبه] (^١) أنْ يجاهِدَها ويمنعَها عما طلبتْ، والغضبُ غريزةٌ في [الإنسانِ] (^٢)، فمهما قصدَ أو نُوزعَ في غرضٍ اشتعلتْ نارُ الغضبِ وثارتْ، حتَّى يحمرَّ الوجهُ والعينانِ، [وينتفخ الودجان، ويحمر البدن غالبًا] (^٣) [منَ الدمِ] (^٤)، لأنَّ البشرةَ تحكي لونَ ما وراءَها، وهذا إذا غضبَ على مَنْ دونَه واستشعرَ القدرةَ عليهِ، وإنْ [كانَ ممنْ] (^٥) فوقَه تولَّدَ منهُ انقباضُ الدمِ منْ ظاهرِ الجلدِ إلى جوفِ القلبِ، فيصفرُّ اللونُ خوفًا، وإنْ [غضب] (^٦) على [من هو نظيره] ومثله، (^٧) تردَّدَ الدمُ بينَ [انقباضٍ وانبساطٍ] (^٨)، فيحمرُّ ويصفرُّ، والغضبُ يترتبُ عليهِ تغيرُ الباطنِ والظاهرِ تغيرِ اللونِ والرعدةِ في الأطرافِ، وخروجِ الأفعالِ على غيرِ ترتيبٍ، واستحالةِ الخلقةِ حتَّى لو رأى الغضبانُ نفسَه حالةَ [غضبِه] (^٩) لسكَنَ غضبُه حياء منْ قبحِ صورتِه، واستحالةِ خِلْقتِه، هذا [في] (^١٠) الظاهرِ، وأما في الباطنِ [فقبحُه] (^١١) أشدُّ منَ الظاهرِ لأنهُ [يولدُ حِقْدًا] (^١٢) في القلبِ، وإضمارُ السوءِ على اختلافِ أنواعِه، بلْ قبحُ باطِنِه\n_________\n(^١) في (أ): أغضبها.\n(^٢) في (أ): النفس.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"غضب عليها\".\n(^٦) في (أ): \"كانَ\".\n(^٧) في (ب): \"النظير\".\n(^٨) في (أ): \"الانقباض والانبساط\".\n(^٩) في (أ): \"الغضب\".\n(^١٠) في (أ): \"بغير\".\n(^١١) في (أ): \"بقبحه\".\n(^١٢) في (أ): \"يتولد منه حقد\".","vol":"8","page":212},{"text":"متقدِّمٌ على تغيُّرِ ظاهرِه، فإنَّ تغيُّرَ الظاهرِ ثمرةُ تغيُّرِ الباطنِ، فيظهرُ علَى اللسانِ الفحشُ والشتْمُ، ويظهرُ في الأفعالِ بالضربِ والقتلِ وغيرِ ذلكَ منَ المفاسدِ.\nوقدْ وردَ في الأحاديثِ دواءُ هذا الداءِ. فأخرجَ ابنُ عساكرَ (^١) موقُوفًا: \"الغضبُ منَ الشيطانِ، والشيطانُ خُلِقَ منَ النارِ، والماءُ يطفىُء النارَ، فإذا غضبَ أحدُكم فليغتسلْ\"، وفي روايةٍ (^٢): \"فليتوضأ\". وأخرجَ ابنُ أبي الدنيا (^٣) مرفوعًا: إذا غضبَ أحدُكم فقالَ: أعوذُ باللَّهِ من الشيطان سكنَ غضبُه. وأخرجَ أحمدُ (^٤): مرفوعًا: \" [إذا غضبَ أحدُكم فليسكتْ\". وأخرجَ أحمدُ (^٥)، وأبو داودَ (^٦)، وابنُ حبانَ (^٧)] (^٨): \"إذا غضبَ أحدُكم فليجلسْ، فإذا ذهبَ عنه الغضبُ وإلَّا فليضطجِعْ\". وأخرجَ أبو الشيخِ (^٩) مرفوعًا: \"الغضبُ منَ الشيطانِ، فإذا وجده أحدُكم قائمًا فليجلسْ، وإن وجدَه جالِسًا فليضطجعْ\". والنَّهيُ [في الغضبِ] (^١٠) متوجهٌ إلى الغضبِ [في] (^١١) غيرِ الحقِّ. وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (^١٢): (بابُ ما يجوزُ\n_________\n(^١) عزاه إليه ابن حجر الهيتمي في \"الزواجر\" (١/ ٥٢).\n(^٢) قلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٢٢٦)، وأبو داود (٤٧٨٤). وهو حديث حسن.\nعند أبي داود في \"السنن\" رقم (٤٧٨٤).\n(^٣) في \"العفو وذم الغضب\" بإسناد صحيح. قاله العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٣/ ١٧٥).\n(^٤) في \"المسند\" رقم (٢٥٥٦) و(٢١٣٦) و(٣٤٤٨)، من حديث ابن عباس وإسناده صحيح، قاله أبو الأشبال.\nقلت: وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٣١). وقال: رواه أحمد والبزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.\n(^٥) في \"المسند\" (٥/ ١٥٢).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٧٨٣).\n(^٧) في \"الإحسان\" رقم (٥٦٨٨)!! وقال: حديث صحيح. رجاله ثقات رجال الصحيح إلا أن فيه انقطاعًا، لأن أبا حرب بن أبي الأسود لا يعرف له سماع من أبي ذر. قال في \"التهذيب\" (١٢/ ٦٩): أبو حرب بن أبي الأسود الدؤلي البصري روى عن أبيه وأبي ذر والصحيح عن أبيه لكن وصله أحمد (٥/ ١٥٢)، عن أبي معاوية عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبي الأسود عن أبي ذر. وهذا سند صحيح على شرط مسلم.\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) عزاه إليه الهيتمي في \"الزواجر\" (١/ ٥٢).\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) في (أ): \"على\".\n(^١٢) في \"صحيحه\" (١٠/ ٥١٦ رقم ٧٥).","vol":"8","page":213},{"text":"منَ الغضب والشدةِ لأمرِ اللَّهِ). وقدْ قالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (^١). وذكرَ خمسةَ (^٢) أحاديثَ في كلِّ منْها غضبُه - ﷺ - في أسبابٍ مختلفةٍ مرجعه إلى أن كلَّ ذلكَ كانَ لأمرِ اللَّهِ تعالى، وإظهارِ الغضبِ [فيه] (^٣) منهُ - ﷺ -، ليكونَ أَوْكَدَ. وقدْ ذكرَ تعالَى في قصة موسَى وغضبِه [لما عُبِدَ العجلُ] (^٤)، وقال: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1481>الظلم ظلمات يوم القيامة</span>\n٣/ ١٣٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٦). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مُتفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الظلمِ، [وهو قبيح شرعًا وعقلًا] (^٧)، وهوَ يشملُ جميعَ أنواعِه سواءٌ كانَ في نفسٍ أو مالٍ أو عرضٍ في [حقِّ مؤمنٍ، أو كافرٍ، أو فاسقٍ] (^٨). والإخبارُ عنهُ بأنهُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ فيهِ [ثلاثةُ أقوالٍ] (^٩): قيلَ هوَ على ظاهرهِ فيكونُ ظلماتٍ على صاحبِه لا يهتدي يومَ القيامةِ سبيلًا حيثُ يسعَى نورُ [المؤمنينَ يومَ القيامةِ] (^١٠) بينَ أيديهمْ وبأيمانِهم. وقيلَ: إنه أُريدَ بالظلماتِ الشدائدُ، [وبه فُسِّرَ] (^١١) قولُه تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (^١٢)، أي: منْ شدائدِهما. وقيل: إنهُ كنايةٌ عن النكالِ والعقوباتِ.\n_________\n(^١) سورة التوبة: الآية ٧٣.\n(^٢) وهذه الأحاديث في \"صحيحه\" رقم (٦١٠٩ و٦١١٠ و٦١١١ و٦١١٢ و٦١١٣).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) سورة الأعراف: الآية ١٥٤.\n(^٦) أخرجه البخاري رقم (٢٤٤٧)، ومسلم رقم (٢٥٧٩).\nقلت: وأخرجه الترمذي (٢٠٣٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر.\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) في (أ): \"تأويلات\".\n(^١٠) في (أ): \"المتقين\".\n(^١١) في (أ): \"كما\".\n(^١٢) سورة الأنعام: الآية ٦٣.","vol":"8","page":214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1482>التحذير من الشح</span>\n٤/ ١٤٠٠ - وَعَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اتقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ جَابِرِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) في الشحِّ، وفي التفرقةِ بينَه وبينَ البخلِ أقوالٌ: فقيلَ في تفسيرِ الشُحِّ، إنهُ أشدُّ منَ البخلِ وأبلغُ في المنعِ منَ البخلِ. وقيلَ: هوَ البخلُ معَ الحرصِ. وقيلَ: البخلُ في بعضِ الأمورِ، والشحُّ عامٌّ. وقيلَ: البخلُ بالمالِ خاصةً، والشحُّ بالمالِ، والمعروفِ، وقيلَ: الشحُّ الحرصُ على ما ليسَ عندَه والبخلُ بما عندَه. وقيل: (فإنهُ أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم) يحتملُ أنْ يريدَ الهلاكَ الدنيويَّ المفسَّرَ بما بعدَه في تمامِ الحديثِ، وهوَ قولُه: \"حملَهم على أنْ سفكُوا دماءهم، واستحلُّوا محارِمَهُم\" (^٢)، وهذا هلاكٌ دنيويٌّ. والحاملُ لهمْ هوَ شحُّهم على حفظِ المالِ وجمعِه، وازديادِه وصيانتِه عنْ ذهابِه في النفقاتِ، فضمُّوا إليهِ مالَ الغيرِ صيانةً لهُ، ولا يُدْرَكُ مالُ الغيرِ إلا [بالحرب] (^٣) [والغصبيةِ] (^٤) المفضيةِ إلى القتلِ، واستحلالِ المحارمِ، ويحتملُ أنْ يرادَ بهِ الهلاكُ الأُخرويُّ فإنهُ يتفرعُ عما اقترفوهُ منِ ارتكابِ هذهِ المظالمِ، والظاهرُ حملُه على الأمريْنِ. واعلمْ أن الأحاديثَ (^٥) في ذمِّ الشحِّ والبخلِ كثيرةٌ والآياتُ القرآنيةُ: ﴿الَّذِينَ [يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (^٦)، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (^٧)، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ] (^٨) ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٧٨).\n(^٢) وهو تمام الحديث المتقدم أعلاه.\n(^٣) في (أ): \"بالجور\".\n(^٤) في (أ): \"والمعصية\".\n(^٥) انظرها في: \"الترغيب والترهيب\" للمنذري (٣/ ٣٥٨ - ٣٦٧ رقم ٣٨٣٠ - ٣٨٥٥) تحت عنوان: \"الترهيب من البخل والشح، والترغيب في الجود والسخاء\".\n(^٦) سورة النساء: الآية ٣٧.\n(^٧) سورة محمد: الآية ٣٨.\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"8","page":215},{"text":"خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ (^١)، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢). وفي الحديث: \"ثلاثٌ مهلِكاتٌ: شحٌّ مطاعٌ، وهوىً متَّبعٌ، وإعجابُ كل ذي رأيٍ برأيِه\". أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (^٣). وفيهِ زيادةٌ وفي الدعاءِ النبوي: \"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ - إلى قولهِ - والبخلِ\"، أخرجَهُ الشيخانِ (^٤). وقالَ - ﷺ -: \"شرُّ ما في الرجلِ شحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ\"، أخرجَهُ البخاريُّ في التاريخِ (^٥)، وأبو داودَ (^٦) عنْ أبي هريرةَ مرفُوعًا. [والآثارُ] (^٧) فيهِ كثيرةٌ.\nفإن قلتَ: وما حقيقةُ البخلِ المذمومِ وما منْ أحدِ إلَّا وهوَ يرى نفسَه أنهُ غيرُ بخيلٍ، وَيرَى غيرَه بخيلًا، وربَّما صدرَ فعلٌ منْ إنسانٍ فاختلفَ فيهِ الناسُ فيقولُ جماعةٌ: إنهُ بخيلٌ ويقولُ أخرونَ: ليس بخيلَا، فماذا حدُّ البخلِ الذي يوجِبُ الهلاكَ، وما حدُّ البذلِ الذي يستحقُّ به العبدُ صفةَ السخاوةِ وثوابَها.\nقلتُ: السخاءُ هوَ أنْ يؤديَ ما أوجبَ اللَّهُ عليهِ، والواجبُ واجبانِ: واجبُ الشرعِ، وهوَ ما فرضَهُ اللَّهُ تعالَى منَ الزكاةِ والنفقاتِ لمنْ يجبُ عليهِ إنفاقُه وغيرُ ذلكَ، وواجبُ المروءةِ والعادةِ. والسخِيُّ هوَ الذي لا يمنعُ واجبَ الشرعِ ولا واجبَ العادة والمروءةِ، فإنْ منعَ واحدًا منْهما فهوَ بخيلٌ لكنَّ الذي يمنعُ واجبَ الشرعِ [أشد بخلًا] (^٨)، فمنْ أعْطَى زكاةَ ماله مثلًا ونفقةَ عيالِه بطيبةِ نفسِه، ولا يتيممُ الخبيثَ منْ مالِه في حقِّ اللَّهِ، فهوَ السخي، والسخاءُ في المروءةِ أنْ يتركَ\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ١٨٠.\n(^٢) سورة الحشر: الآية ٩.\n(^٣) رقم (٥٧٥٤) عن ابن عمر.\nقلت: وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٩١) وقال: فيه ابن لهيعة وهو لا يعرف.\n• ورقم (٥٤٥٢) عن أنس قلت: وأخرجه البزار رقم (٨١)، والعقيلي (٣/ ٤٤٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٤٣)، والقضاعي في \"مسنده\" (١/ ٢١٥)، من حديث أنس.\n• وهذا الحديث ذكره الألباني في \"الصحيحة\" رقم (١٨٠٢)، وذكر له طرقًا وشواهد ثم قال: وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن على أقل الدرجات إن شاء الله تعالى.\n(^٤) البخاري رقم (٥١٠٩ - البغا)، ومسلم رقم (١٣٦٥)، من حديث أنس - ﵁ -.\n(^٥) (٦/ ٨).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٢٥١١)، وهو حديث صحيح.\n(^٧) في (أ): \"والأثر\".\n(^٨) في (ب): \"أبخل\".","vol":"8","page":216},{"text":"المضايقةَ والاستقصاءَ في المحقَّراتِ [وغيرها] (^١)، فإنَّ ذلكَ مُسْتَقْبَحٌ، ويختلفُ استقباحُه باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، وتفصيلُه يطولُ فمنْ أرادَ استيفاءَ ذلكَ راجعَ الإحياءَ للغزاليِّ (^٢) - ﵀ -. واعلمْ أن البُخْلَ داءٌ لهُ دواءٌ، وما أنزلَ اللَّهُ منْ داءٍ إلَّا ولهُ دواءٌ، وداءُ البخلِ سببهُ أمرانِ: الأولُ حبُّ الشهواتِ التي لا يُتَوصَّلُ إليها إلَّا بالمالِ وطولِ الأملِ، والثاني: حبُّ ذاتِ المالِ والشغفُ بهِ وببقائِه لديْهِ، فإنَّ الدنانيرَ مثلًا رسولٌ ينال بها الحاجاتُ والشهواتُ فهوَ محبوبٌ لذلكَ، ثمَّ صارَ محبُوبًا لنفسِه لأنَّ الموصِلَ إلى اللذاتِ لذيذٌ، فقدْ تُقضى الحاجاتُ والشهواتُ، وتصيرُ الدنانيرُ عندَه هيَ المحبوبةُ، وهذَا غايةُ الضلالِ، فإنهُ لا فرقَ بينَ الحَجَرِ والذهبِ إلَّا منْ حيثُ أنها تُقْضَى بهِ الحاجاتُ، فهذَا سببُ حبِّ المالِ، ويتفرعُ منهُ الشحُّ وعلاجُه بضدِّهِ، فعلاجُ الشهواتِ القناعةُ باليسيرِ، وبالصبرِ، وعلاجُ [حب المال و] (^٣) طولِ الأمل [الإكثارُ منْ] (^٤) ذكرِ الموتِ، وذكرِ موتِ الأقرانِ، والنظر في [ذلك] (^٥) طولِ تعبهم في جَمْعِ المالِ، ثمَّ ضياعِه بعدَهم، وعدمَ نفعِه لهم. وقدْ يشحُّ بالمالِ شفقةً على مَنْ بعدَه منَ الأولادِ، وعلاجُه أنْ يعلمَ أن اللَّهَ هوَ الذي خلقَهم فهو يرزقُهم، وينظرُ في نفسِه فإنهُ ربَّما لم يخلِّفْ لهُ أبوهُ فَلْسًا، ثمَّ ينظرُ ما أعدَّه اللَّهُ تعالى لمنْ تركَ الشحَّ وبذلَ ماله في مرضاةِ اللَّهِ تعالى، وينظرُ في آياتِ القرآنِ المجيد الحاثَّةِ على الجودِ المانعةِ عن البخلِ، ثمَّ ينظرُ في عواقبِ البخلِ في الدنيا، فإنهُ لا بدَّ لجامعِ المال، (^٦) منْ آفاتٍ تُخْرجُهُ على رُغْمِ أنفهِ [وذل أمره] (^٧)، فالسخاءُ خيرٌ كلُّه ما لم يخرجْ إلى حدِّ الإسرافِ المنْهيِّ عنهُ. وقدْ أدَّبَ الله تعالى عبادَه أحسنَ الآدابِ فقالَ:\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) (٣/ ٢٥٩ - ٢٦٢)، واعلم أن في \"الإحياء\" فوائد كثيرة لكن فيه مواد مذمومة فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، … وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وتُرَّهاتهم.\nوانظر: \"إحياء علوم الدين في ميزان العلماء والمؤرخين\" علي حسن علي عبد الحميد.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (ب): \"ذكر\".\n(^٦) في (أ): \"الأموال وكانزها\".\n(^٧) زيادة من (أ).","vol":"8","page":217},{"text":"﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (^١)، فخيارُ الأمورِ أوسطُها. وخلاصتُه أنهُ إذا وجدَ العبدُ المالَ أنفقَه في وجوهِ المعروفِ [بالتي هيَ أحسنُ] (^٢)، ويكونُ بما عند اللهِ أوثقُ منهُ بما هوَ لديْهِ، وإنْ لم يكنْ لديهِ مالٌ لزمَ القناعةَ والتكفُّفَ وعدمَ الطمعِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1483>ذمُّ الرياء</span>\n٥/ ١٤٠١ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"إن أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمْ الشرْك الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ\"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ (^٣) حَسَنٍ. [حسن]\n([وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - ﵁ -) (^٤)] (^٥) هوَ محمودُ بن لبيدٍ بن رافع الأنصاريُّ الأشهليُّ، وُلدَ على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وحدَّثَ عنهُ أحاديثَ. قالَ البخاريُّ: لهُ صحبة. وقالَ أبو حاتم: لا نعرف لهُ صحبة. وذكرهُ مسلم في التابعينَ. قالَ ابنُ عبدِ البرّ: والصوابُ قولُ البخاريّ، وهوَ أحدُ العلماءِ، ماتَ سنةَ ستٍّ وسبعينِ. (قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكَ الأصْغَرَ)، كأنهُ قيلَ: وما هوَ؟ فقالَ - ﷺ -: (الرِّيَاءُ. أَخْرَجَه أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ).\nالرياءُ مصدرُ راءَى فاعَل، ومصدَرهُ يأتي على بناءِ مفاعلة وفعالٍ، وهوَ\n_________\n(^١) سورة الفرقان: الآية (٦٧).\n(^٢) في (أ): \"والخير\".\n(^٣) في \"المسند\" (٥/ ٤٢٩) ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٤٨٣١)، وقال الطبراني: رواه أحمد والبيهقي في \"شعب الإيمان\" من حديث محمود بن لبيد. وله رواية ورجاله ثقات.\nورواه الطبراني من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج كما في تخريج الإحياء (٥/ ١٩٧١ رقم ٣١١١).\nوانظر: \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٠٢) و(١٠/ ٢٢٢). والخلاصة: أن الحديث حسن.\n(^٤) انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٧٨٣٨)، و\"أسد الغابة\" رقم (٤٧٨٠)، و\"الاستيعاب\" رقم (٢٣٨٥)، و\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٠٢)، و\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٨٩)، و\"شذرات الذهب\" (١/ ١١٢).\n(^٥) زيادة من (ب).","vol":"8","page":218},{"text":"مهموزُ العينِ لأنهُ منَ الرؤيةِ، ويجوزُ تخفيفُها بقلْبِها ياءً، و[حقيقة الرياء] (^١) لغةً [هو] (^٢) أنْ يرَى غيرَه خلافَ ما هوَ عليهِ، وشرْعًا أنْ يفعلَ الطاعةَ ويتركَ المعصيةَ معَ ملاحظةِ غيرِ اللَّهِ تعالى، أو يخبرُ بها، أوْ يحبُّ أنْ يطَّلعَ عليها لمقصدٍ دنيويٍّ منْ مالٍ أو [غيره، والكلُ محرم] (^٣). وقدْ ذمَّه اللَّهُ في كتابِه، وجعلَه منْ صفاتِ المنافقينَ في قولِهِ تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٤)، وقالَ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٥)، [﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) - إلى قولِه - الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾ (^٦)] (^٧). ووردَ فيهِ من الأحاديثِ الكثيرةِ الطيبةِ الدالةِ على عظمةِ عقابِ المرائي، فإنهُ في الحقيقة عابدٌ لغيرِ اللَّهِ، وفي الحديثِ القدسيِّ: \"يقولُ اللَّهُ تعالَى: منْ عملَ عملًا أشركَ فيهِ غيري فهوَ لهُ كلُّه، وأنا منه بريءٌ، أنا أغْنَى الأغنياءِ عن الشركِ\" (^٨). واعلمْ أن\n_________\n(^١) في (ب): \"حقيقتُه\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (ب): \"نحوه\".\n(^٤) سورة النساء: الآية ١٤٢.\n(^٥) سورة الكهف: الآية ١١٠.\n(^٦) سورة الماعون: الآيات ٤ - ٦.\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) • أخرجه أحمد (٢/ ٣٠١)، وفي \"الزهد\" (ص ٥٧)، عن محمد بن جعفر و(٢/ ٣٠١) أيضًا عن روح و(٢/ ٤٣٥)، عن يحيى القطان ثلاثتهم عن شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة.\n• وأخرجه الطيالسي رقم (٢٥٥٩) عن ورقاء، ومسلم رقم (٢٩٨٥)، من طريق روح بن القاسم، وابن ماجه رقم (٤٢٠٢) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، ثلاثتهم عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه عن أبي هريرة.\n• وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (٤١٣٦)، من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ورقم (٤١٣٧)، من طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة وله شواهد:\nالأول: من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري، أخرجه الترمذي رقم (٣١٥٤)، وابن ماجه رقم (٤٢٠٣).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٤/ ٨٦): سنده صالح.\nالثاني: من حديث شداد بن أوس أخرجه الطيالسي رقم (١١٢٠).\nالثالث: من حديث محمود بن لبيد أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٤١٣٥).\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.","vol":"8","page":219},{"text":"الرياء يكونُ بالبدنِ وذلك بإظهارِ النحولِ والاصفرارِ ليوهمَ بذلكَ شدةَ الاجتهادِ والحزنِ على أمر الدينِ وخوفِ الآخرةِ، وليدلَّ بالنحولِ على قلةِ الأكلِ، [وبتشعثِ الشعرِ] (^١) ودرنِ [الثوبِ يوهِمُ] (^٢) أن همَّه بالدينِ ألهاهُ عنْ ذلكَ، وأنواعُ هذا واسعةٌ، وهوَ ليرى أنهُ منْ أهلِ الدين [والصلاح] (^٣)، ويكونُ [الرياء] (^٤) بالقولِ بالوعظِ في المواقفِ وبذكرِ حكاياتِ الصالحينَ ليدلَّ على عنايتهِ بأخبارِ السلفِ، وتبحُّرِه في العلمِ، ويتأسفُ على مقارفةِ النّاسِ للمعاصي والتأوُّه من ذلك، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ بحضْرَةِ الناس، والرياءُ بالقولِ لا تنحصرُ [أبوابهُ] (^٥)، وقد تكونُ المراءاةُ بالأصحاب والأتباع والتلاميذِ فيقالُ فلانُ متبوعٌ، قُدْوَةٌ، والرياءُ بابٌ واسعٌ، إذا عرفتَ ذلكَ فبعضُ أَبوابِ الرياءِ أعظمُ منْ بعضٍ لاختلافهِ باختلافِ أركانِه، وهيَ ثلاثةٌ: المراءى بهِ، والمراءَى لأجْلهِ، ونفسُ قصدِ الرياءِ [فقصْدُ الرياءِ] (^٦) لا يخلو منْ أنْ يكونَ مجرَّدًا عنْ قصدِ الثوابِ، أو مصحُوبًا بإرادتِه، والمصحوبُ بإرادةِ الثوابِ لا يخلُو [عنْ] (^٧) أنْ تكونَ إرادةُ الثوابِ أرجحُ أوْ أضْعَفُ أو متساوية، فكانتْ صورٌ أربع: الأولَى أنْ لا يكونَ قصدُ الثوابِ بلْ فعلُ الصلاةِ مثلًا ليراهُ غيرُه، وإذا انفردَ [لم] (^٨) يفْعلها، وأخرجَ الصدقةَ لئلَّا يقالَ إنهُ بخيلٌ، وهذا أغلظُ أنواعِ الرياءِ وأخبثُها، وهوَ عبادةٌ [للعباد] (^٩). الثانيةُ: قصدُ الثوابِ لكنْ قَصْدًا ضعيفًا بحيثُ إنهُ لا يحملُه على الفعلِ إلا [الرياء] (^١٠)، ولكنَّه قصدَ الثوابَ فهذا الذي قبْلَه. والثالثة: تساوي القصْدانِ بحيثُ لم يبعثْه على [العمل] (^١١) إلا مجموعُهُما، ولو خلَى عنْ كلِّ واحدٍ منْهما لم يفعلْه، فهذَا تساوى صلاحِ قصدِه وفسادِه، فلعلَّه يخرجُ رأسًا برأسٍ لا لهُ ولا عليهِ. الرابعةُ: أنْ يكونَ اطلاعُ الناسِ مرجّحًا ومقوِّيًا لنشاطِه، ولو لم يكنْ لما تركَ العبادةَ.\n_________\n(^١) في (أ): \"ويوهم بشعثه\".\n(^٢) في (أ): \"ثوبه\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"من\".\n(^٨) في (ب): \"لا\".\n(^٩) في (أ): \"للغير\".\n(^١٠) في (ب): \"مراءاة العباد\".\n(^١١) في (ب): \"الفعل\".","vol":"8","page":220},{"text":"قال الغزاليُّ (^١): والذي نظنُّه - والعلمُ عندَ اللَّهِ - أنهُ لا يحبطُ أصلُ الثوابِ ولكنَّهُ ينقصُ ويُعَاقَبُ على مقدارِ قصدِ الرياءِ، ويثابُ على مقدارِ قصدِ الثواب. وحديثُ: \"أنا أَغْنَى الأغنياءِ عن الشركِ\" (^٢) محمولٌ على ما إذا تساوَى القصدانِ، أوْ كان قصدَ الرياءِ أرجحُ. وأما المراءَى بهِ وهوَ الطاعاتُ فينقسم إلى الرياءِ بأصولٍ العباداتِ، وإلى الرياءِ بأوصافها، وهوَ ثلاثُ درجات: الرياءُ بالإيمانِ، وهوَ إظهارُ كلمةِ الشهادةِ، وباطنُه مكذِّبُ فهوَ مخلَّد في النارِ في الدركِ الأسفلِ منها، وفي هؤلاء أنزلَ اللَّهُ تعالَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ (^٣) الآية. وقريبٌ منْهم الباطنيةُ الذينَ يُظْهِرونَ الموافقةَ في الاعتقادِ ويبطنونَ خلافَه، ومنْهمُ الرافضةُ [أهل التُّقْيةِ] (^٤) الذينَ يظهرونَ لكل فريقٍ أنَّهم منهمْ تُقْيَةً. وإلى الرياء بالعباداتِ كما قدمنا، وهذا إذا كان الرياءُ في أصلِ المقصِدِ، وأما إذا عرضَ الرياءُ بعدَ الفراغِ منْ فعلِ العبادةِ لم يؤثرْ فيهِ إلَّا إذا ظهرَ العملُ للغيرِ وتُحُدِّثَ بهِ. وقدْ أخرجَ الديلمي (^٥) مرفُوعًا: \"إنَّ الرجلَ يعمل عملًا سِرًا [فيكتبُه الله عندَه]، (^٦) سِرًّا، فلا يزالُ بهِ الشيطانُ حتَّى يتكلَّمَ بهِ فيُمْحَى منَ السرِّ ويكتبُ علانيةً، فإنْ عادَ تكلَّمَ الثانيةَ مُحِيَ منَ السرِّ والعلانيةِ وكُتِبَ رياءً\".\nوأما إذا قارنَ باعِثُ الرياءِ باعِثَ العبادةِ ثمَّ ندمَ في أثناءِ العبادةِ فأوجبَ [البعضُ] (^٧) منَ العلماءِ الاستئنافَ لعدمِ انعقادِها. وقالَ بعضُهم: يلغُو جميعَ ما فعلَه إلا التحريمَ. وقالَ بعضهم: يصحُّ لأنَّ النظرَ إلى الخواتمِ كما لو ابتدأ بالإخلاصِ وصحبَه الرياءُ منْ بعدِه. قال الغَزاليُّ (^٨): والقولانِ الآخرانِ خارجانِ عنْ [قياسِ] (^٩) الفقهِ. وقدْ أخرجَ الواحديُّ (^١٠) في أسبابِ النزولِ جوابَ جندبِ بن\n_________\n(^١) انظر: \"الإحياء\" (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٥).\n(^٢) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٣) سورة المنافقون: الآية ١.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"الفردوس\" رقم (٧٢٢) من حديث أبي هريرة. وعزاه الزبيدي للديلمي عن أبي الدرداء ولفظه عند البيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٦٨١٣ و٦٨٦٤)، عن بقية موقوفًا بخلاف لفظ الديلمي.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٦) في (أ): \"فيكتب عند الله\".\n(^٧) في (أ): \"بعض\".\n(^٨) انظر: \"الإحياء\" (٣/ ٣٠٩).\n(^٩) في (أ): \"القياس\".\n(^١٠) في \"أسباب النزول\" (ص ٢٩٩).","vol":"8","page":221},{"text":"زهيرٍ لما قالَ للنبيِّ - ﷺ -: إني أعملُ العملَ وإذا اطُّلِعَ عليهِ سرَّني، فقالَ - ﷺ -: لا شريكَ للَّهِ في عبادتِه. وفي روايةٍ: \"إنَّ اللَّهَ لا يقبلُ ما شُورِكَ فِيهِ\"، رواهُ ابنُ عباس (^١). ورُوِيَ عنْ مجاهدٍ (^٢) أنهُ جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: إني أتصدَّقُ وأصلُ الرحمَ، ولا أصنعُ ذلكَ إلَّا للَّهِ، فيُذْكَرُ ذلكَ منِّي فيسرني وأُعجَبُ بهِ فلمْ يقلِ النبيُّ - ﷺ - لهُ شيئًا حتَّى نزلتِ الآيةُ يعني قولَه تعالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٣)، ففي الحديثِ دلالةٌ على أن السرورَ بالاطلاعِ على العملِ رياءٌ، ولكنَّه يعارضُه ما أخرجَهُ الترمذيُّ (^٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ، وقالَ: حديثٌ غريبٌ قالَ: \"قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ بينا أنا في بيتي في [صلاتي] (^٥)؛ إذْ دخلَ عليَّ رجلٌ فأعجبني الحالُ التي رآني [عليها] (^٦) فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لكَ أجرانِ\". وفي الكشافِ (^٧) منْ حديثِ جندب أنهُ - ﷺ - قالَ لهُ: \"لكَ أجرانِ أجرُ السرِّ، وأجرُ العلانيةِ\"، وقدْ يرجِّحُ هذا الظاهرَ قولُه تعالَى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ (^٨)، فدلَّ على أن محبةَ الثناءِ منْ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لا تنافي الإخلاصَ، ولا تُعَدُّ منَ الرياءِ. [ويُتَأوَّلُ] (^٩) الحديثُ الأوّلُ بأنَّ المرادَ بقولِه: \"إذا اطُّلِعَ عليهِ سرَّني\" لمحبتهِ للثناءِ عليهِ فيكونُ الرياءُ في محبتِه الثناءَ على\n_________\n(^١) أخرج ابن منده وأبو نعيم في \"الصحابة\" وابن عساكر كما في \"فتح القدير\" (٣/ ٣١٨) من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - ﵄ -.\nقال: كان جندب بن زهير إذا صلَّى أو صام أو تصدَّق فذكر بخير ارتاح له فزاد في ذلك لقالة الناس، فلا يريد به الله فنزلت الآية، قلت: وهذا إسناد مظلم كله كذابون، فالحديث باطل.\n(^٢) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ٢٩٩) بدون سند.\n(^٣) سورة الكهف: الآية ١١٠.\n(^٤) في \"السنن\" (٤/ ٥٩٤ رقم ٢٣٨٤) وعزاه إليه العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٣/ ٣٠٨) من رواية ذكوان عن أبي هريرة وقال الترمذي: غريب، وقال: إنه رُوي عن أبي صالح وهو ذكر أنه مرسل.\n(^٥) في (أ): أصلي.\n(^٦) في (أ): فيها.\n(^٧) (٢/ ٤٠٤).\n(^٨) سورة التوبة: الآية ٩٩.\n(^٩) في (أ): \"ويتناول\".","vol":"8","page":222},{"text":"العملِ، وإنْ لم يخرجِ العملُ عنْ كونِه خالِصًا، وحديثُ أبي هريرةَ ليسَ فيهِ تعرُّضٌ [لمحبته] (^١) الثناءَ منَ المطَّلِعِ عليهِ، وإنَّما هوَ مجرّدُ محبةٍ لما يصدرُ عنْه وعَلِمَ بهِ غيرُه، ويحتملُ أنْ يرادَ بقولِه فيعجبني أي يعجبُه شهادةُ الناسِ لهُ بالعملِ الصالحِ لقولِه - ﷺ -: \"أنتمُ شهداءُ اللهِ في الأرضِ\".\nقالَ الغزالي (^٢): أما مجردُ السرورِ باطلاع الناسِ إذا لم يبلغْ أمرُه بحيثُ يؤثّرُ في العملِ فبعيدٌ أنْ يفسِدَ [في] (^٣) العبادةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1484>خصال النفاق</span>\n٦/ ١٤٠٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"آيَة المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائتُمِنَ خَانَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n- ولَهُمَا (^٥) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو: \"وَاذَا خَاصَمَ فَجَرَ\".\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: آيَة الْمنَافِقِ) [أي علامةُ نفاقِه] (^٦) (ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإذَا ائْتُمِنَ خَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وقد ثبتَ عندَ الشيخينِ منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو رابعةٌ وهيَ: وإذا خاصمَ فجرَ). والمنافقُ مَنْ يظهرُ الإيمانَ ويبطنُ الكفرَ. وفي الحديثِ دليلٌ على أن منْ كانتْ فيهِ خَصْلَةٌ منْ هذهِ كانتْ فيهِ خصلةٌ منَ النفاقِ، فإنْ كانتْ فيهِ هذهِ كلُّها فهو منافقٌ [كامل النفاق] (^٧) وإنْ كانَ موقِنًا مصدّقًا بشرائعِ [الإسلامِ] (^٨) [لحديث: وإن صلَّى\n_________\n(^١) لمحبته.\n(^٢) \"الإحياء\" (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٣)، ومسلم رقم (٥٩)، وزاد مسلم في رواية له: \"وإن صلَّى وصام وزعم أنه مسلم\".\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٦٣١).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٤)، ومسلم رقم (٥٨).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٦٨٨)، والنسائي (٨/ ١١٦)، والترمذي رقم (٢٦٣٢).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في (أ): \"الدين\".","vol":"8","page":223},{"text":"وصام، وزعم أنه مسلم] (^١). وقدِ استشكلَ الحديثُ بأنَّ هذه الخصالَ قدْ توجدُ في المؤمنِ المصدقِ القائم [بشرائعِ الدينِ] ولما كانَ كذلك اختلفَ] (^٢) العلماءُ في معنى الحديث. قالَ النوويُّ (^٣): قالَ المحققونَ: والأكثرونَ - وهوَ الصحيحُ المختارُ - إنَّ هذهِ الخصالَ هي خصالُ المنافقينَ، فإذا اتصفَ بها أحدٌ منَ [المصدِّقينَ] (^٤) أشبهَ [المنافقَ] (^٥)، فيطلقُ عليهِ اسمُ النفاقِ مجازًا، فإنَّ النفاقَ هوَ إظهارُ ما يبطنُ خلافَه، وهوَ موجودٌ في صاحبِ هذِه الخصالِ، ويكونُ نفاقُه في حقِّ مَنْ حدَّثَهُ، ووعدَهُ، وأْتَمَنهُ، وخاصَمهُ، وعاهدَه منَ الناسِ، لا أنهُ منافقٌ في الإسلامِ، وهوُ يبطنُ الكفرَ، وقيلَ: إنَّ هذا كانَ في حقِّ المنافقينَ الذينَ كانُوا في أيامِه - ﷺ -[تحدَّثوا] (^٦) بإيمانهم فكذبُوا، وأتُمِنُوا على دينهم فخانُوا، ووعِدُوا في الدينِ بالنصرِ فأخلفُوا وفجرُوا في خصوماتِهم. وهذا قولُ سعيدٍ بن جبيرٍ (^٧)، وعطاءٍ بن أبي رباحٍ (^٨)، [ورجعَ إليهِ الحسنُ (^٩) بعدَ أنْ كانَ على خلافِه، وهوَ مرويٌ عن ابن عباسٍ] (^١٠)، وابنِ عمرَ وروياه عن النبي - ﷺ -. قالَ القاضي (٩) عياضٌ: وإليهِ مالَ كثيرٌ منَ الفقهاءِ. وقالَ الخطابيُّ (٩) عنْ بعضِهم إنهُ وردَ الحديثُ في رجلٍ معيَّنٍ، وكانَ النبيُّ - ﷺ - لا يواجِهُهُم بصريحِ القولِ، فيقولُ فلانٌ منافقٌ وإنما يشيرُ إشارةً.\nوحَكَى الخطابيُّ (^١١) أن معناهُ التحذيرُ للمسلمِ أنْ يعتادَ هذهِ الخصالَ التي يخافُ عليهِ منْها أنْ تفضيَ بهِ إلى حقيقةِ النفاقِ، وأيدَ هذا القولَ بقصةِ ثعلبةَ الذي [أنزل الله تعالى] (^١٢) فيهِ: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا [فِي قُلُوبِهِمْ] (^١٣) إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، فإنهُ آلَ بهِ خُلْفُ الوعدِ والكذبِ إلى الكفرِ، فيكونُ الحديثُ للتحذيرِ منَ التخلقِ بهذهِ [الخلالِ] (^١٤) التي تؤولُ بصاحِبها إلى النفاقِ الحقيقيِّ الكاملِ.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"بالشرائع فاختلف\".\n(^٣) في \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٤٧).\n(^٤) في (أ): \"المؤمنين\".\n(^٥) في (أ): \"المنافقين\".\n(^٦) في (أ): \"يتحدثون\".\n(^٧) و(^٨) و(^٩) ذكرها النووي في شرحه (٢/ ٤٧ - ٤٨).\n(^١٠) زيادة من (ب).\n(^١١) انظر النووي (٢/ ٤٨).\n(^١٢) في (ب): \"قال\".\n(^١٣) زيادة من (ب).\n(^١٤) في (ب): \"الأخلاق\".","vol":"8","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1485>النهي عن سب المسلم وقتاله</span>\n٧/ ١٤٠٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوق، وَقِتَالُهُ كفْرٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: سِبَابُ) [بكسرِ السينِ المهملةِ مصدرُ سبَّه] (^٢) (المُسْلِمُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كفْرٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). السبُّ لغةً: الشتمُ والتكلمُ في أعراضِ الناسِ [بما لا يعني كالسباب] (^٣)، الفسوقُ مصدرُ فسقَ، وهوَ لغةً: الخروجُ، وشرْعًا: الخروجُ منْ طاعةِ اللهِ. وفي مفهوم قولِه: \"المسلمُ\"، دليلٌ على جوازِ سبِّ الكافرِ، فإنْ كانَ معاهِدًا فهوَ أذيةٌ وقدْ نُهِيَ عنْ أذيَّتِهِ، فلا يُعْمَلُ بالمفهومِ في حقِّه، وإنْ كانَ حربيًا جازَ سبُّه إذْ لا حرمةَ لهُ، وأما الفاسقُ فقد اختلفَ العلماءُ في جوازِ سبِّهِ بما هوَ مرتكبٌ لهُ منَ المعاصي، فذهبَ الأكثرُ إلى جوازِهِ، لأنَّ المرادَ بالمسلمِ في الحديثِ الكاملِ الإسلامُ، والفاسقُ ليسَ كذلكَ، وبحديثِ: (اذكُروا الفاسق بما فيهِ كي يحذرَه الناسُ)، وهوَ حديثٌ ضعيفٌ، وأنكرهُ أحمدُ (^٤)، وقالَ البيهقيُّ (^٥): ليسَ بشيءٍ، فإنْ صحَّ حُمِلَ على فاجرٍ معلِنٍ بفجورِهِ، أو يأتي بشهادةٍ أوْ يعتمدُ عليهِ فيحتاجُ إلى بيانِ حالهِ لئلَّا يقعَ الاعتمادُ عليهِ، انتهَى كلامُ البيهقيِّ؛ ولكنهُ أخرجَ الطبرانيُّ (^٦) في الأوسطِ [والصغيرِ] (^٧) بإسنادٍ حسنٍ رجالُه موثوقونَ، وأخرجَهُ في الكبيرِ أيضًا منْ حديثِ معاويةَ بن حيدةَ قالَ: خَطَبَهم رسولُ اللهِ - ﷺ - فقال: \"حتَّى متَى ترعوونَ عنْ ذكرِ الفاجرِ، اهتكوهُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٠٤٤)، ومسلم رقم (٦٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (١٩٨٣)، والنسائي (٧/ ١٢١ و١٢٢) وابن ماجه رقم (٦٩).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) ذكر ذلك ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٩٥).\n(^٥) في \"شعب الإيمان\" (٧/ ١٠٩ رقم ٩٦٦٦).\n(^٦) في \"الأوسط\" رقم (٤٣٧٢)، وفي \"الصغير\" رقم (٥٩٨)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٤٩) وقال: \"رواه الطبراني في الثلاثة وإسناد الأوسط\" و\"الصغير\" حسن رجاله موثقون واختلف في بعضهم اختلاف لا يضر\".\n(^٧) زيادة من (ب).","vol":"8","page":225},{"text":"حتَّى يحذرَه الناسُ\". وأخرجَ البيهقيُّ (^١) منْ حديثِ أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ: \"مَنْ ألقَى جلبابَ الحياءِ فلا غيبةَ لهُ\". وأخرجَ مسلمٌ (^٢): \"كلُّ أمتي معافَى إلا المجاهرونَ\" وهمُ الذينَ جاهَرُوا بمعاصِيْهم، فهتكُوا ما سترَ اللَّهُ عليهم، فيتحدثون بها بلا ضرورةَ ولا حاجةَ. والأكثرُ يقولون بأنهُ يجوزُ أنْ يُقَالَ للفاسقِ يا فاسقُ، يا مفسِدُ، وكذَا في غيبتِه بشرطِ قصدِ النصيحةِ لهُ أو لغيرِه، لبيانِ حالِه أو للزجرِ عنْ صنيعهِ، لا لقصدِ الوقيعةِ فيهِ فلا بدَّ منْ قصدٍ صحيحٍ إلا أن يكونَ جوابًا لمنْ يبدأُه بالسبِّ، فإنهُ يجوزُ لهُ الانتصارُ لنفسهِ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (^٣)، ولقولِه - ﷺ -: \"المتسابَّانِ ما قالا فعلَى البادي ما لم يعتدِ المظلومُ\"، أخرجَهُ مسلم (^٤). ولكنهُ لا يجوزُ أنْ يعتديَ ولا يسبَّه بأمرٍ كذبٍ. قالَ العلماءُ: وإذا انتصرَ المسبوبُ استوفَى ظلامتَه، وبرئَ الأولُ منْ حقِّهِ، وبقيَ عليهِ إثمُ الابتداءِ، والإثمُ المستَحقُّ للهِ تعالَى. وقيلَ: يرتفع عنه الإثمُ، ويكونُ على البادئِ اللومُ والذمُّ لا الإثمُ. ويجوزُ في حالِ الغضبِ للهِ تعالَى لقولِه - ﷺ - ذرٍّ: \"إنكَ امرؤٌ فيكَ جاهليةٌ\" (^٥)، وقولُ عمرَ (^٦) في قصةِ حاطبٍ: دعني أضربْ عُنُقَ هذا المنافقِ، وقولُ أُسَيْدِ (^٧) لسعدٍ: إنما أنتَ منافقٌ تجادلُ عن المنافقين. ولم ينكرْ - ﷺ - هذهِ الأقوالَ، وهيَ بمحضرِه. وقولُه - ﷺ -: (وقتالُه كفرٌ) دالٌّ على أنهُ يكفرُ مَنْ يقاتلُ المسلمَ بغيرِ حقٍّ، وهوَ ظاهرٌ فيمنِ استحلَّ قتلَ\n_________\n(^١) في \"شعب الإيمان\" (٧/ ١٠٨ رقم ٩٦٦٤)، وقال: \"فهذا إن صحَّ في الفاسق المعلن بفسقه وفي إسناده ضعف، والله أعلم\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٢٩١ رقم ٢٩٩٠)، بل والبخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٠٦٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٣) سورة الشورى: الآية ٤١.\n(^٤) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٠٠ رقم ٦٨/ ٢٥٨٧).\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١/ ٨٤ رقم ٢٢، ٣٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (٣/ ١٢٨٢ رقم ١٦٦١)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٤٠٢).\n(^٦) أخرجه البخاري (٧/ ٣٠٤ رقم ٣٩٨٣)، ومسلم في \"صحيحه\" (٤/ ١٩٤١ رقم ١٦١/ ٢٤٩٤) من حديث علي.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧/ ٤٣١ - ٤٣٥ رقم ٤١٤١).","vol":"8","page":226},{"text":"المسلمِ أو قاتلَه حالَ إسلامِه. وأما إذا كانتِ المقاتلةُ لغيرِ ذلكَ [فأطلق عليه] (^١) الكفر مجازًا ويرادُ بهِ كفرُ النعمةِ والإحسانِ وأخوةِ الإسلامِ، لا كفرُ الجحودِ، وسمَّاهُ كفرًا لأنهُ قد يؤولُ به إلى الكفر لما يحصلُ منَ المعاصي منَ الرينِ على القلبِ حتى يعمَى عن الحقِّ فقدْ [تصير] (^٢) كفرًا، أو إنهُ فِعلٌ كفعلِ الكافرِ الذي يقاتلُ المسلمَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1486>التحذير من الظن لأنه أكذب الحديث</span>\n٨/ ١٤٠٤ - وَعَن أَبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإن الظَّنَّ أكذَبُ الْحَدِيثِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَدِيثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). المرادُ بالتحذيرِ التحذيرُ منَ الظنِّ بالمسلمِ شرًا نحوَ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، والظنُّ هوَ ما يخطرُ بالنفسِ منَ التجويزِ المحتملِ للصحةِ والبطلانِ، فيحكمُ بهِ ويعمل عليهِ، كذا فسَّرَ الحديثَ في مختصرِ النهايةِ. وقالَ الخطابيُّ: المرادُ التهمةُ ومحلُّ التحذيرِ. والنَّهيُ إنَّما هوَ عن التهمةِ التي لا سببَ لما يوجِبُها كمن اتُّهم بالفاحشةِ ولم يظهرْ عليهِ ما يقتضي ذلكَ. قال النوويُّ: والمرادُ التحذيرُ منْ تحقيقِ التهمةِ والإصرارِ عليها، وتقرُّرِها في النفس دونَ ما يعرضُ ولا يستقرُّ، فإنَّ هذا لا يكلَّفُ بهِ كما في الحديثِ: \"تجاوزَ اللَّهُ عما [تحدثتْ] (^٤) بهِ الأمةُ أنفسَها ما لم تتكلمْ أو تعملْ\" (^٥)، ونقلَه عياضٌ عنْ سفيانَ. والحديثُ واردٌ في حقِّ مَنْ لم يظهرْ منهُ شر ولا فُحْشٌ ولا فجورٌ، ويقيدُ إطلاقَه حديثُ: \"احترِسُوا منَ الناسِ بسوءِ الظنِّ\" (^٦) أخرجَهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ (٦)،\n_________\n(^١) في (ب): \"فإطلاق\".\n(^٢) في (ب): \"يصير\".\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٦٠٦٦)، ومسلم رقم (٢٨/ ٢٥٦٣).\nقلت: وأخرجه مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٧، ٩٠٨)، وأحمد (٢/ ٤٦٥ و٥١٧)، وأبو داود رقم (٤٩١٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٥٣٣)، والبيهقي (٦/ ٨٥)، و(٨/ ٣٣٣)، و(١٠/ ٢٣١).\n(^٤) في (أ): \"تحدث\".\n(^٥) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٦٦٤)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١٢٧).\n(^٦) رقم (٥٩٨ و٩٤٥٨) وقال: لم يرو هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به بقية.=","vol":"8","page":227},{"text":"والبيهقي (^١) والعسكريُّ (^٢) منْ حديثِ أنسٍ مرفُوعًا. قالَ البيهقيُّ: تفرَّدَ بهِ بقيةٌ. وأخرجَ الديلميُّ (^٣) عنْ عليٍّ - ﵁ - موقوفًا: \"الحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ\". وأخرجَهُ القُضَاعيُّ (^٤) مرفُوعًا منْ حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عائذٍ مرسلًا، وكلُّ طرقِه ضعيفةٌ، وبعضُها يقوِّي بعضًا، ويدلُّ على أن لها أصلًا. وقدْ قالَ - ﷺ -: \"أخوكَ البكريُّ ولا تأمنْه\"، أخرجَهُ الطبراني في الأوسطِ (^٥) عنْ عمرَ، وأبو داودَ (^٦) عنْ عمرِو بن [العاص] (^٧). وقدْ قسَّمَ الزمخشريُّ (^٨) الظنَّ إلى واجبٍ ومندوبٍ وحرامٍ ومباحٍ، فالواجبُ حُسْنُ الظنِّ باللهِ، والحرامُ سوءُ الظنّ بهِ تعالَى، وبكلِّ مَنْ ظاهرُه العدالةُ منَ المسلمينَ، وهوَ المرادُ بقولِه - ﷺ -: \"إياكم والظنَّ\"، الحديثَ. والمندوبُ حسنُ الظنّ بمنْ ظاهرُه العدالةُ منَ المسلمينَ، والجائزُ مثلُ قولِ أبي بكرٍ لعائشةَ: إنما هو أخوك أو أُختكِ لما وقعَ في قلبه أن الذي في بطنِ امرأتِه أنثى. ومنْ ذلكَ\n_________\n= قلت: وليس كما قال، فقد أخرجه تمام في \"فوائده\" رقم (٦٩٢) من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبان بن عياش، عن أنس به. وأبان متروك.\n(^١) في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٢٩). وقال البيهقي (٩/ ٢٥٦): \"لا يحتج بما يتفرد به بقية فكيف بما يخالف فيه\". وانظر كلام ابن عدي في بقية هذا (٢/ ٥٠٤). وانظر: \"فيض القدير\" (١/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) في \"الأمثال\" من طريقين.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف جدًّا، والله أعلم.\n(^٣) في \"مسند الفردوس\" كما في \"فيض القدير\" (٣/ ٤١٢ رقم ٣٨١٥).\n(^٤) في \"مسند الشهاب\" (١/ ٤٨ رقم ٢٤)، فيه علي بن الحسين بن بندار، قال ابن النجار: ضعيف. واتَّهمه ابن طاهر بالوضع. وأبو تقي قال أبو حاتم والنسائي: ليس بشيء. والوليد بن كامل، ضعَّفه أبو حاتم والأزدي وقال البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٢/ ١٩٤): عنده عجائب. وعبد الرحمن بن عائذ تابعي، وهو حديث ضعيف جدًّا.\n(^٥) رقم (٣٧٧٤) وقال: لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به إسماعيل بن أبي أويس.\nقلت: وأخرجه العقيلي (٢/ ٧٢)، في ترجمة زيد بن عبد الرحمن وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢١٥): رواه الطبراني في \"الأوسط\" من طريق زيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه وكلاهما ضعيف.\n(^٦) لم أعثر عليه!!\n(^٧) في (ب): \"العفواء\".\n(^٨) في \"الكشاف\" (٤/ ١٤ - ١٥).","vol":"8","page":228},{"text":"سوءُ الظنِّ بمن اشتهرَ بينَ الناسِ بمخالطةِ الريبِ، والمجاهرةِ بالخبائثِ، فلا يحرمُ سوءُ الظنِّ بهِ لأنهُ قدْ دلَّ على نفسهِ، ومن سترَ على نفسِه لم يُظَنَّ بهِ إلا خيرٌ، ومنْ دخلَ في مداخلِ السوءِ اتُّهِم، ومنْ هتكَ نفسَه ظننا بهِ السوءَ.\nوالذي يميزُ الظُّنونَ التي يجبُ اجتنابُها عما سواها أن كلَّ ما لا تُعْرَفُ لهُ أمارةٌ صحيحةٌ وسببٌ ظاهرٌ كانَ حرامًا واجبَ الاجتنابِ، وذلك كأهل السترِ والصلاح ومنْ آنست منهُ الأمانة في الظاهرِ، ومقابله بعكسِ ذلكَ. ذكرَ معناهُ في الكشافِ (^١). وقولُه: \"فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث\"، سمَّاه حديثًا لأنهُ حديثُ نفسٍ، وإنَّما كانَ الظنُّ أكذبَ الحديثِ لأنَّ الكذبَ لمخالفته الواقعَ منْ غيرِ استنادِ إلى أمارةٍ، وقبحُه ظاهرٌ لا يحتاجُ إلى إظهارهِ، وأما الظنُّ فيزعمُ صاحبُه أنهُ استندَ إلى شيءٍ فيخفَى على السامعِ كونُه كاذِبًا بحسبِ الغالبِ [فكان] (^٢) أكذبَ الحديثِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1487>من ضيَّع من استرعاه الله أو خانهم حرَّم الله عليه الجنة</span>\n٩/ ١٤٠٥ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيتِهِ، إلَّا حَرّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ مَعقِلِ بْنِ يَسَارٍ - ﵁ - سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مَا مِنْ عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إلَّا حَرّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ). أخرجَهُ البخاريُّ منْ روايةِ الحسنِ، وفيهِ قصةٌ، وهي: أن عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ زيادٍ عادَ معقلَ بنَ يسارٍ في مرضِه الذي ماتَ فيهِ، وكانَ عبيدُ اللهِ عاملًا على البصرةِ في إمارةِ معاويةَ وولدِهِ يزيدَ. أخرجه الطبرانيُّ (^٤) في الكبير منْ وجهٍ آخرَ\n_________\n(^١) في \"الكشاف\" (٤/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) في (أ): وكان.\n(^٣) أخرجه البخاري رقم (٧١٥٠)، ورقم (٧١٥١)، ومسلم (٣/ ١٤٦٠ رقم ٢١/ ١٤٢).\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥٠/ ٢٠٧ رقم ٤٧٤)، والبيهقي (٩/ ٤١)، والبغوي في \"الجعديات\" رقم (٣٢٦١)، وفي \"شرح السنة\" رقم (٢٤٧٨)، والطيالسي رقم (٩٢٩)، والدارمي (٢/ ٣٢٤)، من طرق.\n(^٤) (٢٠/ ٤٠٨ رقم ٤٧٦).","vol":"8","page":229},{"text":"عن الحسنِ قالَ: قدمَ علينا عبيدُ اللَّهِ بنُ زيادٍ أميرًا أمَّرهُ علينا معاويةُ غُلامًا سَفِيهًا يسفكُ الدماءِ سَفْكًا شديدًا، وفيها معقلُ المزنيُّ فدخلَ عليهِ ذاتَ يومٍ فقالَ لهُ: انتهِ عما أراكَ تَصْنعُ فقال لهُ: وَمَا أَنتَ وَذَاكَ؟ ثم خرج إلى المسْجِدِ فقُلنَا لهُ: مَا كنتَ تصنعُ بكلامِ هذا السفيهِ على رؤوسِ الناسِ؟ فقالَ: إنهُ كانَ عندي علمٌ فأحببتُ أنْ لا أموتَ حتَّى أقولَ بهِ على رؤوسِ الناسِ، ثمَّ مرضَ فدخلَ عليهِ عبيدُ اللهِ يعودُه فقالَ لهُ معقلُ بنُ يسارٍ: إني أحدِّثُكَ حديثًا سمعتُه منْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"ما منْ عبدٍ يسترعيهِ اللهُ رعيَّةً فلم يُحِطْها بنصيحةٍ لم يرحْ رائحةَ الجنةِ\". ولفظُ روايةِ المصنِّفِ أحدُ روايتي مسلمٍ. وأخرجَ مسلمٌ (^١): \"ما مِنْ أميرٍ يلي أمرَ المسلمينَ، لا يجتهدُ لهم، ولا ينصحُ لهم إلا لم يدخلْ معهمُ الجنةَ\". ورواهُ الطبرانيُّ (^٢)، وزادَ: كنُصْحِه لنفسِه. وأخرجَ الطبرانيُّ (^٣) بإسنادٍ حسنٍ: \"ما منْ إمامٍ ولا والٍ باتَ ليلةً سوداءَ غاشًّا لرعيتِه إلا حرَّم اللَّهُ عليهِ الجنةَ، وعَرْفُها يوجدُ يومَ القيامةِ منْ مسيرةِ سبعينَ عامًا\". وأخرجَ الحاكمُ (^٤) وصحَّحَهُ منْ حديثِ أبي بكرٍ - ﵁ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"مَنْ وُلِّيَ منْ أمرِ المسلمينَ شيْئًا فأمَّرَ عليهمْ أحدًا محاباةً فعليهِ لعنةُ اللَّهِ، لا يقبلُ اللَّهُ منهُ صرْفًا ولا عدْلًا حتَّى يدخلَه جهنَّمَ\". وأخرجَ أحمدُ (^٥) والحاكمُ (^٦) أيضًا وصحَّحهُ منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"من استعملَ رجلًا على عصابةٍ وفيهمْ منْ هوَ أرْضَى للهِ منهُ، فقدْ خانَ اللَّهَ ورسولَه\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" (١/ ١٢٦ / … / ١٤٢) و(٣/ ١٤٦٠ رقم ٢٢/ ١٤٢).\n(^٢) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٣).\n(^٣) كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٢ - ٢١٣) وقال الهيثمي: رواه الطبراني عن شيخه ثابت بن نعيم الهوجي ولم أعرفه، بقية رجال الطريق الأول ثقات. وفيه الثانية محمد بن عبد الله بن مغفل ولم أعرفه، وهو حديث حسن.\n(^٤) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: بكر - بن فنيس - قال الدارقطني: متروك.\n(^٥) لم يخرجه أحمد.\n(^٦) في \"المستدرك\" (٤/ ٩٢/ ٩٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nولم يورده الذهبي في \"التلخيص\"، وفي إسناده: حسين بن قيس الرَّحبي ولقبه: حنش.\nقال أحمد: متروك، وقال البخاري: لا يكتب حديثه. وقال السعدي: أحاديثه منكرة جدًّا، \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٤٦)، وهو حديث ضعيف، والله أعلم.","vol":"8","page":230},{"text":"والمؤمنينَ\"، وفي إسنادِه واهٍ، إلَّا أن ابنَ نُمَيْرٍ وثَّقَهُ، وحسَّنَ لهُ الترمذيُّ أحاديثَ.\nوالراعي هوَ القائمُ بمصالحِ مَنْ يرعاهُ.\nوقولُه: (يومَ يموتُ) مرادُه أنهُ يدركُه الموتُ وهوَ غاشٌّ لرعيتِه غيرَ تائبٍ منْ ذلكَ. والغِشُّ بالكسرِ ضدُّ النصحِ، ويتحققُ غِشُّهُ بظلمِه لهمْ بأخذِ أموالِهم، وسفْكِ دمائِهم، وانتهاكِ أعراضِهم، واحتجابِه عنْ خلتهم وحاجتهم، وحبْسهِ عنْهم ما جعلَه اللَّهُ لهم منْ مالِ اللهِ سبحانَه المعيَّنِ للمصارِف، وتركِ تعرِيفهم بما يجبُ عليهمْ منْ أمرِ دينهم ودنياهُم، وإهمالِ الحدودِ، وردعِ أهلِ الفسادِ، وإضاعةِ الجهادِ وغيرِ ذلكَ مما فيهِ مصالحُ العبادِ. ومنْ ذلك توليتُه لمنْ لا يحوطُهم، ولا يراقبُ أمرَ اللَّهِ فيهم، وتوليتُه منْ غيره أرضَى لله تعالى معَ وجودِه. والأحاديثُ دالةٌ على تحريمِ الغِشِّ وأنهُ من الكبائرِ لورودِ الوعيدِ عليهِ بعينِه، فإنَّ تحريمَ الجنةِ هو وعيدُ الكافرينَ في القرآنِ كما قال تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ (^١)، وهوَ على رأي مَنْ يقولُ بخلودِ أهلِ الكبائر في النارِ واضحٌ، وقدْ حمَلَهُ مَنْ لا يَرَى خلودَ أهلِ الكبائرِ في النارِ على الزجرِ والتغليظِ.\nقال ابنُ بطالٍ: هذا وعيدٌ شديدٌ على أئمةِ الجورِ، فمنْ ضَيَّعَ من استرْعَاه اللهُ، أو خانَهم، أوْ ظلَمَهُم فقدْ توجَّه إليهِ الطلبُ بمظالمِ العبادِ يومَ القيامةِ، فكيفَ يقدِرُ على التحلُّلِ منْ ظلمِ أمةٍ عظيمةٍ. ومعنَى: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي أنفذَ [عليهِ] (^٢) الوعيدَ، ولمْ يُرْضِ عنهُ المظلومينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1488>أمر الوالي بالرفق برعيته</span>\n١٠/ ١٤٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"اللَّهُم مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيهِ\"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَة - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: اللَّهُمّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٧٢.\n(^٢) في (أ): \"إليه\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٨٢٨).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٦٢ و٩٣ و٢٦٠)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" رقم (٨٨٧٣) وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":231},{"text":"فَشَق عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). شقَّ عليهمْ أدخلَ عليهمْ المشقةَ، أي المضرةَ. والدعاءُ عليهِ منْهُ - ﷺ - بالمشقةِ جزاءٌ مِنْ جِنْسِ الفعلِ، وهوَ عامٌّ لمشقةِ الدنيا والآخرةِ، وتمامُه: \"ومَنْ ولي منْ أمرِ أمتي شيئًا فرفقَ بهم فارفقْ بهِ\". ورواهُ أبو عوانة (^١) في صحيحهِ بلفظِ: \"ومنْ ولي منْهم شيئًا فشقَّ عليهمْ فعليهِ بهلةُ اللَّهِ، [فقالوا] (^٢): يا رسولَ اللهِ، وما بهلةُ اللَّهِ؟ قال: لعنةُ الله\".\nوالحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الوالي تيسيرُ الأمورِ على منْ وَليَهم، والرفقُ بهمْ، ومعاملتُهم بالعفوِ والصفحِ وإيثارِ الرخصةِ على العزيمةِ في حقِّهم، [لئلا] (^٣) يدْخِلَ عليهمُ المشقةَ، ويفعلُ بهم ما يحبُ أنْ يفعلَ بهِ اللهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1489>النهي عن ضرب الوجه</span>\n١١/ ١٤٠٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ\"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِذَا قَاتَلَ أحَدُكُمْ) أي غَيْرَه كما يدلُّ لهُ فاعلُ، (فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ. مُتفَقٌ عليهِ). وفي روايةٍ: \"إذا ضربَ أحدُكم (^٥) \"، وفي روايةِ: \"فلا يلطمنَّ الوجْهَ\" (^٦)، الحديثَ. وهوَ دليل على تحريمِ ضرب الوجْهِ، وأنهُ يُتَّقَى فلا يُضْرَبُ ولا يُلْطَمُ، ولو في حدٍّ منَ الحدودِ الشرعيةِ، ولوَ في الجهادِ، وذلكَ لأنَّ الوجْهَ لطيفٌ يجمعُ المحاسنَ، وأعضاؤهُ لطيفة نفيسة، وأكثرُ الإدراكِ بها فقدْ يبطلُها ضربُ الوجهِ، وقدْ ينقصُها، وقدْ يشينُ الوجهَ، والشَّيْنُ فيهِ فاحشٌ لأنهُ بارزٌ ظاهرٌ لا يمكنُ ستْرُهُ، ومتَى أصابَهُ ضرب لا يسلمُ غالِبًا منْ شَيْنٍ وهذا النَّهْيُ عامُّ لكلِّ ضربٍ ولطمٍ منْ تأديبٍ وغيرِه.\n_________\n(^١) في \"مسنده\" (٤/ ٤١٢).\n(^٢) في (أ): \"قالوا\".\n(^٣) في (أ). \"وأن لا\".\n(^٤) البخاري في \"صحيحه\" (٥/ ١٨٢ رقم ٢٥٥٩)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (١١٢/ ٢٦١٢).\n(^٥) لمسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠١٦ رقم (…) / ٢٦١٢).\n(^٦) لمسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠١٦ رقم (١١٤/ ٢٦١٢).","vol":"8","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1490>النهي عن الغضب</span>\n١٢/ ١٤٠٨ - وَعَنْهُ - ﵁ - أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: \"لَا تَغْضَبْ\"، فَرَدَّدَ مِرَارًا، وَقَالَ: \"لَا تَغْضَبْ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وعَنْهُ) أي أبي هريرةَ (أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أوَصْنِي، قَالَ: لَا تَغضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لَا تَغْضَبْ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). جاءَ في روايةِ أحمدَ تفسيرُه بأنهُ جاريةُ بالجيمِ ابنُ قدامةَ، وجاءَ في حديثٍ [آخر] (^٢) أنهُ سفيانُ بنُ عبدِ اللَّهِ الثقفيُّ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قلْ لي قولًا أنتفعُ بهِ وأقْلِلْ، قالَ: \"لا تغضبْ، ولكَ الجنةُ\". ووردَ عنْ آخرينَ منَ الصحابةِ (^٣) مثلُ ذلكَ. والحديثُ نهيٌ عن الغضبِ، وهوَ كما قالَ الخطابي (^٤) نهيٌ عن اجتنابِ أسبابِ الغضبِ، [وعدم] (^٥) التعرضِ لما يجلبهُ. وأما نفسُ الغضبِ فلا يتأتى النَّهْيُ عنهُ لأنهُ أمرٌ جِبِلِّيٌّ. وقالَ غيرُه: وقعَ النهيُ [عمَّا] (^٦) كانَ من قبيلِ ما يكتسَبُ فيدفعُه بالرياضةِ. وقيلَ: [هوَ] (^٧) نهيٌ عما ينشأُ عنهُ الغضبُ وهوَ الكِبْرُ لكونِه يقعُ عندَ مخالفةِ أمرٍ يريدُه فيحملُه الكبرُ علَى الغضبِ، والذي يتواضعُ حتَّى [تذهبَ] (^٨) عنهُ عِزَّةُ النفسِ يسلَمُ منْ شرِّ الغضبِ، وقيلَ: معناهُ لا تفعلْ ما يأمرُكَ بهِ الغضبُ. قيلَ: وإنَّما اقتصرَ - ﷺ - على هذهِ اللفظة لأنَّ السائلَ كانَ غضُوبًا، وكانَ - ﷺ - يفتي كلَّ أحدٍ بما هوَ أَوْلَى بهِ.\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦١١٦).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) (منها): ما أخرج أحمد (٥/ ٣٧٣) عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: \"لا تغضب\".\nقال: ففكرت حين قال رسول الله - ﷺ - ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦٩)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن.\n(ومنها): ما أخرج أحمد (٢/ ١٧٥) عن ابن عمرو - ﵄ - أنه سأل رسول الله - ﷺ - ما يباعدني من غضب الله ﷿؟ قال: \"لا تغضب\". وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦٩) وقال: رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن.\n(^٤) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٢٠).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (أ): \"كما\".\n(^٧) في (أ): \"هي\".\n(^٨) في (أ): \"يذهب\".","vol":"8","page":233},{"text":"قالَ ابنُ التينِ (^١): جمعَ النبيُّ - ﷺ - في قولِه: \"لا تغضبْ\" خيرَ الدنيا والآخرةِ، لأنَّ الغضبَ يؤُولُ إلى التقاطعِ، ومنعِ الرفقِ، ويؤولُ إلى أن يؤذيَ الذي غضبَ عليهِ بما لا يجوزُ فيكونُ نَقْصًا في دينِه، انتَهى. ويحتملُ أنْ يكونَ منْ بابِ التنبيهِ بالأعْلَى على الأدْنى، لأنَّ الغضبَ ينشأ عن النفسِ والشيطانِ، فمنْ جاهدَهما حتَّى يغلبَهُما مع مَا في ذلكَ منْ شدةِ المعالجةِ كانَ لقهرِ نفسِه عنْ غيرِ ذلكَ بالأَوْلَى. وتقدَّمَ كلامٌ يتعلَّقُ بالغضبِ وعلاجِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1491>لا يحل لمن ولي شيئًا من الأموال العامة أن يأخذ فوق حاجته</span>\n١٣/ ١٤٠٩ - وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إن رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ الله بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ الْقِيَامَةِ\"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: إنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُّونَ في مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْم الْقِيَامَةِ. أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ).\nالحديثُ دليلٌ على أنهُ يحرمُ على مَنْ لم يستحقَّ شيئًا منْ مالِ اللَّهِ بأنْ لا يكونَ منَ المصارِفِ التي عيَّنَها الله تعالَى أنْ يأخذَه ويتملَّكَه، وأنَّ ذلكَ منَ المعاصي الموجبةِ للنارِ.\nوفي قولِه يتخوضُونَ دلالةٌ على أنهُ يقبحُ توسُّعُهم منهُ زيادةً على ما يحتاجونَ، فإنْ كانُوا منْ ولاةِ الأموالِ أُبِيْحَ لهم قدْر ما يحتاجونَه لأنفسِهم منْ غيرِ زيادةٍ. وقدْ تقدَّم [من] (^٣) الكلامُ في ذلكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1492>تحريم الظلم</span>\n١٤/ ١٤١٠ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ: \"يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا\"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٥٢٠).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٦/ ٢١٧ رقم ٣١١٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٥٥/ ٢٥٧٧) قلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم=","vol":"8","page":234},{"text":"(وَعَنْ أبي ذَرٍّ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا يَروِيهِ عَنْ رَبِّهِ تعالى) منَ الأحاديثِ القدسيةِ (قَالَ) الربُّ ﵎: (يَا عِبَادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)، وأخبرَ [بأنهُ] (^١) لا يفعلُه في كتابِه بقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^٢)، (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). التحريم لغةً: المنعُ عن الشيءِ، وشرْعًا: ما يستحقُّ فاعلُه العقابَ. وهذا غيرُ صحيحٍ إرادتُه في حقِّه تعالَى، بلِ المرادُ بهِ أنهُ تعالَى منزَّهٌ متقدِّسٌ عن الظلمِ، وأطلقَ عليهِ لفظَ التحريمِ لمشابهتِه الممنوعَ بجامعِ عدمِ الشيءِ، والظلمُ مستحيلٌ في حقِّه تعالَى، لأنَّ الظلمَ في عُرْفِ اللغةِ التصرفُ في غيرِ الملكِ، أوْ مجاوزةُ الحدِّ، وكلاهُما محالٌ في حق الله تعالَى، لأنهُ المالكُ للعالم كلِّه، المتصرفُ بسلطانِه في دِقِّهِ وجُلِّهِ. وقولُه: (فلا تَظَالَمُوا) تأكيدٌ لقولِه: وجعلته بينَكم محرَّمًا. والظلمُ قبيحٌ عقلًا أقرَّه الشارعُ، وزادَه قُبْحًا، وتوعدَ عليهِ بالعذابِ، وقال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (^٣) وغيرُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1493>الغيبةُ وتغليظ النهي عنها</span>\n١٥/ ١٤١١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ \"، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ\"، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: \"إنْ كانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإنْ لمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n= (٤٩٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٢٥، ١٢٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٤١) من طرق عن أبي مهر عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر.\n• وأخرجه الترمذي رقم (٢٤٩٥)، وابن ماجه رقم (٤٢٥٧)، من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر.\n• وأخرجه الطيالسي رقم (٤٦٣)، وأحمد (٥/ ١٦٠) ومسلم (… / ٢٥٧٧) من طريق همام، عن قتادة، عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبى عن أبي ذره.\n(^١) في (أ): \"أنهُ\".\n(^٢) سورة فصلت: الآية ٤٦.\n(^٣) سورة طه: الآية ١١١\n(^٤) في \"صحيحه\" (٤/ ١٠٠٢ رقم ٢٥٨٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٧٤)، والترمذي رقم (١٩٣٤)، والدارمي (٢/ ٢٩٧)، =","vol":"8","page":235},{"text":"(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: أتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟) بكسرِ الغينِ المعجمةِ (قالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، [قالَ] (^١): أَفَرَأَيْتَ إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَانْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ) بفتحِ الموحدةِ، وفتحِ الهاءِ، من البهتانِ، (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ كأنهُ سِيقَ لتفسيرِ الغيبةِ المذكورةِ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (^٢). ودلَّ الحديثُ علَى حقيقةِ الغيبةِ. قالَ في النهايةِ (^٣): هيَ أنْ تذكرَ الإنسانَ في غيبتهِ بسوءٍ، وإنْ كانَ فيهِ. وقال النوويُّ (^٤) في الأذكارِ تبعًا للغزاليِّ: ذكرُ المرءِ بما يكْرَهُ سواءٌ كانَ في بدنِ الشخصِ أوْ دينِه [أو دنياهُ] (^٥)، أو نفسِه أو خُلُقِهِ، أو خلقه، أوْ مالِه، أوْ والدِه، أوْ ولدِه، أو زَوْجِهِ، أو خادمِه، أوْ حركتِه، أو طلاقتِه، أو عبوستِه، أوْ غيرِ ذلكَ مما يتعلَّقُ بهِ ذكرُ سوءٍ، سواءٌ ذُكِرَ باللفظِ، أو بالرمزِ، أوْ بالإشارةِ.\nقالَ النوويُّ (^٦): ومَنْ ذلكَ التعريضُ في كلامِ المصنفينَ كقولِهم: قالَ من يدَّعي العلمَ، أو بعضُ مَنْ يُنْسَبُ إلى الصلاحِ، أوْ نحوُ ذلكَ مما يُفْهِمُ السامعَ المرادَ بهِ، ومنهُ قولُهم عندَ ذكرِه: اللَّهُ يعافينا، اللَّهُ يتوبُ علينا، نسألُ الله السلامةَ، ونحوَ ذلكَ [فكلُّ ذلكَ] (^٧) منَ الغيبةِ. وفي قوله: \"ذِكْرُكَ أخاكَ بما يكرهُ\" شاملٌ لذكرِه في غيبتهِ وحضرتِه، وإلى هذا ذهبَ طائفةٌ، ويكونُ الحديثُ بيانًا لمعناها الشرعيِّ. وأما معناها لغة: فاشتقاقها من الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح جماعة أن معناهَا الشرعيَّ موافِقٌ لمعناها اللغويّ، ورَوَوْا في ذلكَ حديثًا مسندًا إلى النبيِّ - ﷺ - أنهُ قالَ: \"ما كرهتُ أنْ تواجِهَ بهِ أخاكَ فهوَ غيبةٌ\" (^٨)،\n_________\n= وأحمد (٢/ ٣٨٤، ٣٨٦)، من طريقين عن العلاء به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيحٍ، والبغوي رقم (٣٥٦١) من طريق عثمان بن عمر عن شعبة عن العلاء به مختصرًا، وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٤٥٨) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن العلاء به.\n(^١) في (أ): \"قيل\".\n(^٢) سورة الحجرات: الآية ١٢.\n(^٣) (٣/ ٣٩٩).\n(^٤) في \"الأذكار\" (ص ٥٢٦).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) \"في الأذكار\" (ص ٥٢٦).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) أخرج ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" رقم (٢١٤)، وفي \"الغيبة\" رقم (٨٠) عن هشام بن حسان الأزدي البصري قال: \"الغيبة أن يقول الرجل ما هو فيه مما يكره\". وإسناده صحيح. =","vol":"8","page":236},{"text":"فيكونُ هذا إن ثبتَ مخصِّصًا لحديثِ أبي هريرة، وتفاسيرُ العلماءِ دالةٌ على هذَا ففسَّرها بعضُهم بقولِه: ذِكْرُ العيبِ بظهر الغيبِ، وآخرُ بقولِه: هيَ أنْ تذكرَ الإنسانَ منْ خَلْفِه بسوءٍ وإنْ كانَ فيهِ. نعمْ ذكرُ العيب في الوجْهِ حرامٌ لما فيهِ منَ الأذَى وإنْ لم يكنْ غيبةً. وفي قولِه: (أخاكَ) أي أخُ الدينِ، دليلٌ على أن غيرَ المؤمنِ تجوزُ غيبتُه، وتقدَّم الكلامُ في ذلكَ. قالَ ابنُ المنذرِ: في الحديثِ دليلٌ على أن مَنْ ليسَ بأخٍ كاليهوديِّ والنصرانيِّ وسائرِ أهلِ المللِ، ومَنْ قدْ أخرجَتْه بدعتُه عن الإسلامِ لا غيبةَ له. وفي التعبيرِ عنهُ بالأخِ جذبٌ للمغتاب عنْ غيبتِه لمنْ يغتابُ لأنهُ إذا كانَ أخاهُ فالأَوْلَى الحنوُّ عليهِ، وطيُّ مساويهِ، والتأولُ لمعايبهِ لا نشرُها بذكرِها. وفي قولِه: \"بما يكْرَهُ\" ما يشعرُ بهِ بأنهُ إذا كانَ لا يكرهُ ما يُعابُ بهِ كأهلِ الخلاعةِ [والمجونِ] (^١)، فإنهُ لا يكونُ غيبةً. وتحريمُ الغيبةِ معلومٌ منَ الشرعِ ومتفقٌ عليهِ. وإنما اختلفَ العلماءُ هلْ هوَ منَ الصغائرِ أو من الكبائرِ؟ فنقلَ القرطبي (^٢) الإجماعَ على أنَّها منَ الكبائر. وقد استدلَّ لكبرِها بالحديثِ الثابت: \"إن دماءَكُم، وأعراضَكم، وأموالَكم، عليكُم حرامٌ\" (^٣). وذهبَ الغزاليُّ وصاحبُ العمدةِ منَ الشافعيةِ إلَى أنَّها منَ الصغائرِ. قالَ [الأوزاعيُّ] (^٤): لم أرَ مَنْ صرَّحَ أنَّها منَ الصغائرِ غيرُهما، وذهبَ المهدي إلى أنَّها محتملةُ بناءً على أن ما لم يقطعْ بكبرِه فهوَ محتملٌ كما تقولُه المعتزلةُ، قالَ الزركشيُّ: والعجبُ ممنْ يعدُّ\n_________\n= • هشام بن حسان هو أبو عبد الله أكثر كلامه ما أسنده عن أستاذه الحسن البصري، لزمه عشر سنين وأدرك الأئمة الأعلام واقتبس عنهم الأقضية والأحكام، فسمع محمد بن سيرين، وقتادة، وعكرمة، وهشام بن عروة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة. انظر ترجمته في: \"حلية الأولياء\" (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٧).\n(^١) وفي (أ): \"والمجنون\".\n(^٢) في تفسيره (١٦/ ٣٣٧).\n(^٣) • أخرجه البخاري رقم (١٠٥)، و(١٧٤١) و(٣١٩٧) و(٤٤٠٦) و(٤٦٦٢) و(٥٥٥٠) و(٧٠٧٨) و(٧٤٤٧)، ومسلم رقم (١٦٧٩)، وأبو داود رقم (١٩٤٨)، وابن ماجه رقم (٢٣٣)، وابن خزيمة رقم (٢٩٥٢)، وأحمد (٥/ ٣٧، ٣٩، ٤٩)، والبيهقي (٥/ ١٤٠، ١٦٥ - ١٦٦)، والبغوي رقم (١٩٦٥)، من طرق عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبي بكرة.\n• وأخرجه البخاري رقم (٦٧)، والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٥٠) من طريقين عن بشر بن المفضل، عن ابن عون، عن ابن سيرين به.\n(^٤) كذا في (أ) و(ب)، وفي الفتح (١٠/ ٤٧٠): \"الأذرعي\".","vol":"8","page":237},{"text":"أكَل الميتةِ كبيرةً، ولا يعدُّ الغيبةَ كذلكَ، واللَّهُ أنزَلهما منزلةَ أكْلِ لحمِ الآدميِّ، أي: ميتًا. والأحاديثُ (^١) في التحذيرِ منَ الغيبةِ واسعةٌ جدًّا دالةٌ على شدةِ تحريمها.\nواعلمْ أنهُ قد استثنَى العلماءُ منِ الغيبةِ أمورًا ستةً:\nالأول: التظلمُ، فيجوزُ أنْ يقولَ المظلومُ فلانٌ ظلمني وأخذَ مالي، أوْ أنهُ ظالمٌ، ولكنْ إذا كانَ ذكرُه لذلكَ شكاية لمن له قدرةٌ على إزالتها أو تخفيفِها، ودليلُه قولُ هندٍ عندَ شكايتها عليه - ﷺ - مِنْ أبي سفيانَ إنهُ رجلٌ شحيحٌ.\nالثاني: الاستعانةُ على تغييرِ المنكرِ بذكرهِ لمنْ يظنُّ قدرتَه على إزالتِه، فيقولُ: فلانٌ فعلَ كذَا، في حقِّ مَنْ لم يكنْ مجاهِرًا بالمعصيةِ.\nالثالث: الاستفتاءُ، بأنْ يقولَ للمفتي: فلانٌ ظلمني بكذَا فما [طريقي] (^٢) إلى الخلاصِ عنهُ، ودليلُه أنهُ لا يعرفُ الخلاصَ عما يحرُم عليهِ إلا بذكرِ ما وقعَ منهُ.\nالرابع: التحذيرُ للمسلمينَ منَ الاغترارِ به، كجرحِ الرواةِ والشهودِ، ومنْ يتصدَّرُ [للتدريسِ] (^٣) والإفتاءِ معَ عدمِ الأهليةِ، ودليلهُ قوله - ﷺ -: \"بئسَ أخو العشيرةِ\" (^٤)، وقولُه - ﷺ -: \"أما معاويةُ فصعلوكٌ\" (^٥)، وذلك أنَّها جاءتْ فاطمةُ بنتُ\n_________\n(^١) أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٦٧)، ومسلم رقم (١٦٧٩)، عن أبي بكرة قال: إن النبي - ﷺ - قال في خطبته في حجة الوداع: \"إن دماءَكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت\".\n• وما أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤)، والترمذي رقم (١٩٢٧)، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كل المسلم على المسلم حرام دمُهُ وعرضُهُ وماله\".\n• وما أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٦٨٩) عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"تدرون أربى الربا عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم\"، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].\n• وما أخرجه أحمد (٦/ ١٨٩)، وأبو داود رقم (٤٨٧٥)، والترمذي رقم (٢٥٠٣) عن عائشة - ﵂ - قالت: قلت للنبي - ﷺ -: حسبُك من صفيةكذا وكذا. قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: \"لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته\". قالت: وحكيتُ له إنسانًا فقال: \"ما أحب أني حكيتُ إنسانًا وأنَّ لي كذا وكذا\".\n(^٢) في (أ): \"طريقتي\".\n(^٣) في (أ): \"بالتدريس\".\n(^٤) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣١٣٢)، وأحمد في \"مسندهِ\" (٦/ ١٥٨)، والترمذي رقم (١٩٩٦)، وأبو داود رقم (٤٧٩٢).\n(^٥) أخرجه مسلم (٢/ ١١١٩ رقم ٤٧/ ١٤٨٠)، وابن ماجه رقم (١٨٦٩). بلفظ: \"أما معاوية=","vol":"8","page":238},{"text":"قيسٍ تستأذنُه - ﷺ - وتستشيرُه، وتذكرُ أنهُ خطبَها معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وخطبَها أبو جهمٍ فقال: \"أما معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ لهُ، وأما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عن عاتقِه، ثمَّ قالَ: انكحي فلانًا\"، الحديث.\nالخامس: ذكرُ منْ جاهرَ بالفسقِ أو بالبدعةِ كالمكَّاسينَ، وذوي الولايات الباطلة، [فيجوزُ ذكرُهم] (^١) بما يجاهرونَ بهِ دونَ غيرِه، وتقدَّمَ دليلُه في حديثِ: \"اذكروا الفاجرَ\".\nالسادس: التعريفُ بالشخصِ بما فيه مِنَ العيبِ كالأعورِ والأعرجِ والأعمشِ، ولا يرادُ بهِ نقصُه وغيبتُه، وجَمَعَها ابنُ أبي شريفٍ:\nالذمُ ليسَ بغيبةٍ في ستةٍ … متظلم ومعرِّفٍ ومحذِّر\nولمظهرٍ فسقًا ومستفتٍ ومَنْ … طلبَ الإعانةَ في إزالةِ منكرِ\n\n<span data-type='title' id=toc-1494>النهي عن أسباب البغض بين المسلمين</span>\n١٦/ ١٤١٢ - وَعَنْهُ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَانًا، المُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يُحَقرُهُ، التقْوَى هَا هُنَا - ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ، ثَلَاثَ مَرّاتٍ - بِحَسَبِ امْرِئ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْهُ) أي أبي هريرةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشوا) بالجيمِ والشينِ المعجمةِ، (وَلَا تَبَاغَضوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبْغِ) بالغينِ المعجمةِ منَ البغيَ، وبالمهملةِ منَ البيعِ (بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِ، وَكونُوا عِبَادَ اللهِ) مَنْصوبٌ على\n_________\n= فرجل ترب لا مال له\".\nوأخرجه أحمد في \"مسند\" (٦/ ٤١٢)، بلفظ: \"وأما معاوية فصعلوك لا مال له\".\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٩٨٦ رقم ٣٢/ ٢٥٦٤).","vol":"8","page":239},{"text":"النداءِ، (إخْوانًا، الْمُسْلِمُ أَخو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ) بفتحِ حرفِ المضارَعَةِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ، وبالقافِ، فراءٍ. قالَ القاضي عياضٌ: ورواهُ بعضُهم: لا يُخفرُه بضمِّ الياءِ وبالخاءِ المعجمةِ وبالفاءِ، أي: لا يغدرُ بعهدِه ولا ينقضُ أمانه. قالَ: والصوابُ الأولُ: (التَّقْوَى هَاهُنَا ويشِيرُ إِلَي صَدْرِهِ ثَلاثِ مَراتٍ. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ. كل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الحديثُ اشتملَ على أمورٍ نهَى عنْها الشارعُ.\nالأولُ: التحاسدُ وهوَ تفاعلٌ يكونُ بينَ اثنينِ. فهو نَهَى عنْ حسد كلِّ واحدٍ منْهما صاحبَه منَ الجانبيْنِ، ويُعْلَمُ منهُ النَّهْيُ عن الحسدِ منْ جانب واحدٍ بطريقِ الأوْلَى، لأنهُ إذا نُهِيَ عنهُ معَ مَنْ يكافِئُه ويجازيهِ بحسدِه لا معَ أنهُ منْ بابِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^١)، فهوَ معَ عدمِ ذلكَ أوْلَى بالنَّهْي. وتقدَّمَ تحقيقُ الحسدِ.\nالثاني: النَّهْيُ عن المناجشةِ [في البيعِ، وقد تقدم في كتاب] (^٢) البيعِ، ووجْهُ النهي عنْها أنَّها منْ أسبابِ العداوةِ والبغضاءِ، وقدْ رُوِيَ بغيرِ هذَا اللفظِ في الموطأ (^٣) بلفظِ: \"ولا تنافسُوا\" منَ المنافسةِ، وهيَ الرغبةُ في الشيءِ، ومحبةُ الانفرادِ بهِ. ويُقَالُ: نافستُ في الشيءِ منافسة ونَفَاسًا إذا رغبتُ فيهِ، والنَّهيُ [عنها] (^٤) نهيٌ عن الرغبةِ في الدُّنيا وأسبابِها وحظوظِها [كما قال: يا خاطب الدنيا الدنيَّة إنها يسرك الرد وقراره الأوجه] (^٥).\nالثالث: النَّهيُ عن التباغضِ وهوَ تفاعلٌ، وفيه أما في \"تحاسدُوا\" منَ] (^٦) النهيَ عن التقابلِ في المباغضةِ، والانفرادِ بها بالأولَى، وهوَ نهيٌ عنْ تعاطي أسبابِه، لأنَّ البغضَ لا يكونُ إلَّا عنْ سبب، [والنهي] (^٧) متوجهٌ إلى [البغض] (^٨) لغيرِ اللَّهِ تعالى، فأما ما كانتْ للهِ فهيَ واجبةٌ، فإنَّ البغضَ في اللَّهِ، والحبَّ في اللَّهِ منَ الإيمانِ، بلْ وردَ في الحديثِ حصرُ الإيمانِ عليهمَا.\n_________\n(^١) سورة الشورى: الآية ٤٠.\n(^٢) في (ب): \"وتقدَّم تحقيقها في\".\n(^٣) ٢/ ٩٠٧ - ٩٠٨ رقم ١٥).\n(^٤) في (أ): \"هنا\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"مبالغة في \".\n(^٧) في (ب): \"والذم\".\n(^٨) في (ب): \"البغاضة\".","vol":"8","page":240},{"text":"الرابع: النهيُ عن التدابرِ. قالَ الخطابيُّ (^١): أي لا تهاجَرُوا فيهجرَ أحدُكم أخاهُ، مأخوذٌ منْ توليةِ الرجلِ للآخرِ دُبُرَهُ إذا أعرضَ عنهُ حينَ يراهُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٢): قيلَ للإعراضِ تدابرٌ لأنَّ منْ أبغضَ أعرضَ، ومَنْ أعرضَ ولَّى دُبُرَهُ، والمحبُّ بالعكسِ. وقيلَ: معناهُ لا يستأثرْ أحدُكم على الآخرِ، وسمَّى المستأثِرَ مستدبرًا لأنهُ يولِّي دُبُرَهُ حينَ يستأثرُ بشيءٍ دونَ الآخرِ: وقال المازري (^٣): معنَى التدابرِ المعاداةِ، تقولُ دابرتُه أي عاديتُه، وفي الموطأِ عن الزهريِّ: التدابرُ الإعراضُ عن السلامِ [يعرض] (^٤) عنهُ بوجْههِ، وكأنهُ أخذَهُ منْ بقيةِ الحديث، وهيَ: \"يلتقيانِ فيعرضُ هذا، ويعرضُ هذا، وخيرُهُما الذي يبدأ بالسلامِ\" (^٥)، فإنهُ يفهمُ منهُ أن صدورَ السلامِ منْهما أوْ منْ أحدِهِما يرفعُ الإعراضَ.\nالخامس: النهيُ عن البغي إنْ كانَ بالغينِ المعجمةِ، وإنْ كانَ بالمهملةِ فعنْ بيعِ بعضٍ على بعضٍ، وقدْ تقدَّم في كتابِ البيعِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: تضمَّنَ الحديثُ تحريمَ بُغْضِ المسلم، والإعراضِ عنهُ، وقطيعتهِ بعدَ صحبته بغيرِ ذنب شرعيٍّ، والحسدِ لهُ [بما] (^٦) أَنعمَ اللَّهُ تعالى عليهِ، ثمَّ أمرَ أنْ يعامِلَه معاملةَ الأخِ [من النسب] (^٧)، ولا يبحثُ عن معايبه، ولا فَرْقَ في ذلكَ بينَ الحاضِرِ والغائبِ، والحيِّ والميِّتِ، وبعدَ هذهِ المناهي الخمسةِ حثَّهم بنولِه: \"وكونُوا عبادَ اللَّهِ إخْوانًا\" فأشارَ بقولِه عبادَ اللَّهِ إلى أن منْ حقِّ العبوديةِ لله تعالى الامتثالَ لما أمروا به، قالَ القرطبيُّ (^٨): المعنَى كونُوا [كإخوانِ] (^٩) النَّسَبِ في الشفقةِ والرحمةِ والمحبةِ، والمواساةِ والمعاونةِ، والنصيحةِ، وفي روايةٍ لمسلم (^١٠) زيادةٌ: \"كما أمركم اللَّهُ\" بهذهِ الأمورِ فإنَّ أمرَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - أمرٌ منهُ تعالَى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٨٢).\n(^٢) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٨٢).\n(^٣) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٨٣).\n(^٤) في (ب): \"يدبر\".\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦٢٣٧)، ومسلم رقم (٢٥٦٠)، والترمذي رقم (١٩٣٢)، وأبو داود (٤٩١١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٧)، وهو حديث صحيح.\n(^٦) في (ب): \"ما\".\n(^٧) في (أ): \"النسيب\".\n(^٨) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٨٣).\n(^٩) في (أ): \"إخوان\".\n(^١٠) في \"صحيحه\" (٤/ ٩٨٦ رقم (…) / ٢٥٦٣).","vol":"8","page":241},{"text":"رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^١)] (^٢). وزادَ المسلمُ حثًا على [أخوةِ] (^٣) أخيه المسلمِ بقولِه: \"المسلمُ أخُو المسلمِ\"، وذكرَ منْ حقوقِ الأخوَّةِ أنَّهُ لا يظلمُه، وتقدَّم تحقيقُ الظلمِ وتحريمُه والظلمُ محرَّمٌ في حق الكافرِ أيضًا، وإنَّما خصَّ المسلمَ لشرفِه. \"ولا يخذُلُه\" والخذلانُ تركُ الإعانةِ والنصرِ، ومعناهُ إذا استعانَ بهِ في دفعِ أي ضُرٍّ، أو جَلْبِ أي نفع أعانَهُ، \"ولا يحقرُه\" لا يحتقرُه ولا يتكبَّرُ عليهِ ويستخفُّ بهِ. ويُرْوَى: \"ولا يحتقرُه\" وهوَ بمعناهُ. وقولُه: \"التقوى هاهُنا\" إخبارٌ بأنَّ عمدةَ التَّقْوى ما يحلُّ في القلب منْ خشيةِ اللَّهِ تعالى وعظمته ومراقبتِه وإخلاصِ الأعمالِ لهُ. [كما] (^٤) دلَّ حديثُ مسلمٍ: \"إنَّ اللَّهَ لا ينظرُ إلى أجسامِكُم، ولا إلى صورِكُم، ولكنْ ينظرُ إلى قلوبِكم\" (^٥)، أي: أن المجازاةَ والمحاسبةَ إنَّما تكونُ على ما في القلبِ دونَ الصورةِ الظاهرةِ، والأعمالِ البارزةِ، فإنَّ عُمدَتَها النياتُ، ومحلَّها القلبُ. وتقدَّم أن في الجسدِ مضغةً إذا صلُحتْ صَلُحَ الجسدُ، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ. وقولُه: (بحسبِ امرئٍ منَ الشرِّ أنْ يحقرَ أخاهُ) أي يكفيهِ أنْ يكونَ منْ أهلِ الشرِّ بهذهِ الخصلةِ وحدَها. وفي قولِه: (كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ) [إخبارٌ] (^٦) بتحريمِ الدماءِ والأموالِ والأعْراضِ، هذا هو معلومٌ منَ الشرعِ عِلْمًا قَطْعيًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1495>استعاذة الرسول - ﷺ - من منكرات الأخلاق</span>\n١٧/ ١٤١٣ - وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: \"اللهُمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأخْلاقِ وَالأَعْمَالِ، والأَهْوَاءِ، وَالأَدْواءِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٧)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٨). وَاللَّفْظُ لَهُ. [صحيح]\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٦٤.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (ب): \"وعليه\".\n(^٥) أخرجه مسلم رقم (٢٥٦٤)، وأحمد (٢/ ٥٣٩)، وابن ماجه رقم (٤١٤٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٣٤٠ رقم ٤١٥٠).\n(^٦) في (أ): \"أخبر\".\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٣٥٩١) وقال: حديث حسن غريب.\n(^٨) في \"المستدرك\" (١/ ٥٣٢)، ووافقه الذهبي. =","vol":"8","page":242},{"text":"(وَعَنْ قُطْبَةَ) بضمِّ القافِ وسكونِ الطاءِ المهملةِ، وفتحِ الموحدةِ (ابن مالكٍ) يُقَالُ لهِ التغلبيُّ بالمثناةِ الفوقيةِ، والغينِ المعجمةِ. ويقالُ الثعلبيُّ بالمثلثةِ والعينِ المهملةِ (قَالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقول: اللَّهمَّ جَنِّبْنِي مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ وَالأَدْوَاء أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَه الْحَاكِمُ، وَاللَّفْظ لَهُ). التجنيبُ المباعدةُ، أي باعدْني. والأخلاقُ جمعُ خُلُقٍ، قالَ القرطبيُّ (^١): الأخلاقُ أوصافُ الإنسانِ التي يعامِلُ بها غيرَه، وهيَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فالمحمودةُ على الإجمالِ أنْ [تكونَ] (^٢) معَ غيرِكَ على نفسِكَ فتنتصفَ [منْها، ولا تنتصفَ] (^٣) لها، وعلى التفصيلِ العفوُ، والحلمُ، والجودُ، والصبرُ، وتحمُّلُ الأذَى، والرحمةُ، والشفقةُ، وقضاءُ الحوائجِ، والتودُّدُ، ولينُ الجانبِ، ونحوُ ذلكَ. والمذمومةُ ذلكَ وهيَ منكراتُ الأخلاقِ التي سألَ - ﷺ - ربَّه أنْ يجنبهُ إيَّاهَا في هذا الحديثِ. وفي قولِه: \"اللَّهمَّ كما حسَّنْتَ خَلْقي فحسِّنْ خُلُقِي\"، أخرجَهُ أحمدُ (^٤)، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٥). وفي دعائِه - ﷺ - في الافتتاحِ: \"واهدني لأحسنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأحسنها سواكَ، واصرفْ عني سيِّئهَا، لا يصرفُ سيّئَها غيرُكَ\" (^٦). ومنكراتُ الأعمالِ ما يُنْكَرُ شرْعًا أوْ عادةً، ومنكراتُ الأهواءِ هي جمعُ هوًى، والهوَى هو\n_________\n= قلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ١٩ رقم … / ٣٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٩٦٠) وهو حديث صحيح.\n(^١) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٠/ ٤٥٦).\n(^٢) في (أ): \"يكون\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"المسند\" (١/ ٤٠٣).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٩٥٩)، وسنده حسن.\nقلت: وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٩/ ٩ رقم ١٠٩/ ٥٠٧٥) و(٩/ ١١٢ رقم ٢١٥/ ٥١٨١)، والطيالسي (١/ ٢٥٦ رقم ١٢٧١).\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٧٣)، وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير عوسجة بن رماح وهو ثقة.\nوللحديث شاهد من حديث عائشة أخرجه أحمد (٦/ ٦٨، ١٥٥) وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٧٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بشاهده، والله أعلم.\n(^٦) أخرجه النسائي في \"السنن\" (٢/ ١٢٩ رقم ٨٩٦).\nوالدارقطني في \"السنن\" (١/ ٢٩٨) وأبو داود في \"السنن\" (٧٦٠) من حديث جابر، وهو حديث صحيح. وقد صحَّحه الألباني في \"صحيح النسائي\" رقم (٨٦١).","vol":"8","page":243},{"text":"ما تشتهيهِ النفسُ منْ غيرِ نظرٍ إلى مقصدٍ يحمل عليهِ شرْعًا. ومنكراتُ الأدواءِ جمعُ داء، وهيَ الأسقامُ المنفردةُ التي كانَ النبيُّ - ﷺ - يتعوذُ منْها كالجذامِ والبرصِ، والمهلكةِ كذاتِ الجنبِ، وكانَ - ﷺ - يستعيذُ منْ سيءِ الأسقامِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1496>تشديد الرسول - ﷺ - في المراء</span>\n١٨/ ١٤١٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ، وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخْلِفَهُ\"، أَخْرَجَ الترْمِديُّ (^٢) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا تُمَارِ) منَ الممارةِ المجادلةُ (أَخَاكَ، [وَلَا تُمَازِحْهُ]) (^٣) منَ المزحِ، (وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فَتُخلِفَهُ. أَخْرَجَه التِّرمِذِيُّ بسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٍ) لكنَّ في معناهُ أحاديثَ سيَّما في المراءِ، فإنهُ رَوَى الطبرانيُّ (^٤) أن جماعةً منَ الصحابةِ قالُوا: \"خرجَ علينا رسول اللَّهِ - ﷺ - ونحنُ نتمارَى في شيءٍ منْ أمرِ الدينِ، فغضِبَ غضَبًا شديدًا لم يغضبْ مثله، ثمَّ [انتهرنا] (^٥) وقالَ: أبهذَا يا أمَّةَ محمدٍ أُمِرْتُمْ؟ إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلَكُم بمثلِ هذَا، ذرُوا المراءَ لقلةِ خيرِه، ذرُوا المراءَ فإن المؤمنَ لا يماري، ذرُوا المراءَ فإنَّ المماري قدْ تمتْ خسارتُه، ذروا المراءَ، كفَى إثْمًا أنْ لا تزالَ مماريًا، ذرُوا المراءَ فإنَّ المماري لا\n_________\n(^١) أخرج الطبراني في \"الصغير\" (١/ ١١٤)، والحاكم (١/ ٥٣٠) عن أنس قال: كان النبي - ﷺ - يدعو يقول: \"اللَّهمَّ إني أعوذ بك من العجز والكسل، والبخل والهرم، والقسوة والغفلة، والذلَّة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر والشرك والنفاق، والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم، والجنون، والبرص والجذام، وسيء الأسقام\".\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٤٣): رجاله رجال الصحيح. وفي الصحيح بعضه. وقال ابن حجر في \"المستدرك\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٩٩٣) وقال: هذا: هو حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وعبد الملك عندي هو ابن بشير.\nوهو حديث ضعيف. وقد ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" رقم (٦٢٧٤).\n(^٣) في (أ) \"ولا تمارق من المزح\".\n(^٤) في \"الكثير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٥٦) و(٧/ ٢٥٩) وقال: \"فيه كثير بن مروان وهو ضعيف جدًّا\".\n(^٥) في (أ): \"انتهزنا\".","vol":"8","page":244},{"text":"[أشفعُ] (^١) لهُ يومَ القيامةِ، ذرُوا المراءَ فأنا زعيمٌ بثلاثةِ أبياتٍ في الجنة ورياضِها أسفلِها وأوسطِها وأعلاهَا لمنْ تركَ المراءَ وهو صادقٌ، ذرُوا المراءَ فإنهُ أولُ ما نهاني عنهُ ربي بعدَ عبادةِ الأوثانِ\". وأخرجَ الشيخانِ (^٢) مرفُوعًا: \"إنَّ أبغضَ الرجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخصِمُ\"، أي الشديدُ الخصومةِ أي الذي يُحِجُّ صاحبَه. وحقيقةُ المراءِ طعنُكَ في كلامِ غيرِك لإظهارِ خللٍ فيهِ لغيرِ غرضٍ سوى تحقيرِ قائله وإظهارِ مزيَّتِكَ عليهِ. والجدالُ هوَ ما يتعلقُ بإظهارِ المذاهبِ وتقريرِها. والخصومةُ لجاجٌ في الكلامِ ليستوفي بهِ مالًا أو غيرَه، ويكونُ تارةً ابتداءً وتارةً اعتراضًا، [والمِراءُ] (^٣) [أن] (^٤) لا يكونَ [إلا اعتراضًا] (^٥)، والكلُّ قبيحٌ إذا لم يكنْ لإظهارِ الحقِّ وبيانِه، وإدحاضِ الباطلِ وهدمِ أركانِه.\nوأما مناظرةُ أهلِ العلم للفائدةِ وإنْ لم تخلُ عن الجدالِ فليستْ داخلةً في النَّهْي. وقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٦)، وقدْ أجمعَ عليهِ المسلمونَ سلفًا وخلَفًا. وأفادَ الحديثُ النَّهيَ عن ممازحةِ الأخِ، والمزاحُ الدعابةُ. والمنهيُّ عنهُ ما يجلبُ الوحشةَ أوْ كانَ بباطلٍ، وأما ما فيهِ بسطُ الخلُقِ، وحسنُ التخاطبِ، وجبرُ الخاطرِ فهوَ جائزٌ. فقدْ أخرجَ الترمذيُّ (^٧) من حديثِ أبي هريرةَ: \"أنَّهم قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنكَ لتداعِبُنا قالَ: إنِّي لا أقولُ إلَّا حقًّا\". وأفادَ الحديثُ النَّهْيَ عنْ إخلافِ الوعدِ. وتقدَّمَ أنهُ منْ صفاتِ المنافقينَ - وظاهرُه التحريمُ - وقدْ قيَّدهُ حديثُ: \"أنْ تعدَه وأنتَ مضمِرٌ لخلافِه\". وأما إذا وعدتَه وأنتَ عازِمٌ على الوفاءِ فعرضَ مانعٌ فلا يدخلُ تحتَ النَّهي.\n_________\n(^١) في (أ): \"يشفع\".\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٢٤٥٧) و(٤٥٢٣) و(٧١٨٨)، ومسلم رقم (٢٦٦٨).\nقلت: وأخرجه الترمذى رقم (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، وأحمد (٦/ ٥٥، ٦٣، ٢٠٥)، والبيهقي (١٠/ ١٠٨)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٢٤٩٩)، من طرق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة.\n(^٣) في (أ): \"والمراد\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"الاعتراض\".\n(^٦) سورة العنكبوت: الآية ٤٦.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (١٩٩٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه في \"الشمائل\" وأحمد (٢/ ٣٦٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣٦٠٢)، وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1497>سوء الخلق يفسد كل خير</span>\n١٩/ ١٤١٥ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - \"خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ في مُؤْمِنٍ: البُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^١)، وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: خَصْلَتَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مُؤمِنٍ، الْبُخْلُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ. وقدْ ذمَّه الله تعالى في كتابِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ (^٢)، بلْ ذمَّ مَنْ لم يأمرِ الناسَ بالبحث على خلافِه فقالَ تعالَى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (^٣)، جعلَه منْ صفاتِ الذينَ يُكَذِّبُونَ بالدين. وقالَ في الحكايةِ عنِ الكفارِ إنَّهم قالُوا وهمْ في طبقاتِ النارِ: [لم نكن من المصلين] (^٤) ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (^٥).\nوإنَّما اختلفَ العلماءُ في المذمومِ منهُ، وقدَّمْنا كلامَهُم في ذلكَ. وحدَّهُ بعضُهم بأنهُ في الشرعِ منعُ الزكاةِ: والحقُّ أنهُ منعُ كلِّ واجبٍ، فمنْ منعَ ذلكَ كانَ بخيلًا ينالُه العقابُ، قال الغزاليُّ (^٦): وهذا الحدُّ غيرُ كافٍ فإنَّ مَنْ يردَّ اللحمَ والخبزَ إلى القصابِ والخبازِ لنقصِ وزنِ حبةٍ يُعَدُّ بخيلًا اتفاقًا، وكذَا من يضايقُ عياله في لقمةٍ أو تمرةٍ أكلُوها من ماله بعدَ ما سلَّم لهم ما فرض القاضي لهمْ، وكذا من بين يديه رغيفٌ فحضرَ من يظنُّ أنهُ يشاركُه فأخفاهُ يعدُّ بخيلًا. اهـ. قلت: هذا في البخيلِ عُرفًا لا من يستحقُّ العقابَ فلا يردُّ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (١٩٦٢) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى. قلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٨٢). في مسنده صدقة بن موسى. ضعفه ابن معين، والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، ويكتب حديثه، وقال ابن حبان: كان شيخًا صالحًا، إلا أن الحديث لم يكن من صتاعته، فكان إذا روى قلب الأخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به، انظر: المجروحين (١/ ٣٦٩)، و\"الميزان\" (٢/ ٣١٢)، \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٩٧)، \"الضعفاء\" للعقيلي (٧٤١)، \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣٢)، والخلاصة: أنّ الحديث ضعيف.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٣٧.\n(^٣) سورة الماعون: الآية ٣.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة المدثر: الآية ٤٤.\n(^٦) في \"الإحياء\" (٣/ ٢٥٩).","vol":"8","page":246},{"text":"نقْضًا. وأما حسنُ الخلقِ فقدْ تقدَّم القولُ فيهِ، وسوءُ الخلقِ ضدُّه. وقدْ وردتْ فيهِ أحاديثُ دالَّةٌ على أنهُ ينافي الإيمانَ، فأخرجَ (^١) الحاكمُ: \"سوءُ الخلقِ يفسدُ العملَ كما يفسدُ الخلُّ العسلَ\"، وأخرجَ ابنُ منده (^٢): \"سوءُ الخلقِ شُومٌ، وطاعةُ النساءِ ندامةٌ، وحسنُ الملكةِ نماءٌ\". وأخرجَ الخطيبُ (^٣): \"إنَّ لكلِّ شيءٍ توبةً إلا صاحبَ سوءِ الخلقِ، فإنهُ لا يتوبُ صاحبه منْ ذنبٍ إلا وقعَ فيما هو شرٌّ منهُ\"، وأخرجَ الصابوني (^٤): \"ما منْ ذنبٍ إلا ولهُ عندَ اللَّهِ توبةٌ إلا سوءُ الخلقِ فإنهُ لا يتوبُ صاحبُه منْ ذنبٍ إلا وقعَ إلى ما هوَ شرٌ منهُ\". وأخرجَ الترمذيُّ (^٥) وابنُ ماجهْ (^٦):\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في \"الكنى والألقاب\" من حديث ابن عمر كما في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٤/ ١٥٧٨).\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ٥١) من حديث أبي هريرة والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨ رقم ٨٥٣٦) من حديث ابن عباس وأبي هريرة وضعفهما.\nوقال ابن السبكي (٦/ ٣٣٢): لم أجد له إسنادًا.\nقلت: والخلاصة أن الحديث موضوع.\n(^٢) عزاه إليه صاحب \"كشف الخفاء\" (١/ ٥٥٩ رقم ١٥١٠) عن الربيع الأنصاري.\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٥٠٢)، وأبو داود (٥١٦٢)، والطبراني (٤٤٥١) بلفظ: \"حسن الملكة نماء، وسوء الخلق شؤم\" في سنده عثمان بن زمز قال الحافظ: مجهول، لم يخرج له إلا الترمذي. انظر: \"التقريب\" (٢/ ٨)، \"التهذيب\" (٧/ ١١٦) وفي سنده جهالة ولد رافع الذي لم يسم.\n• وقوله: \"حسن الملكة نماء\" أي الرفق بالمماليك والعفو عنهم والتعهد لمهماتهم من الأمور التي ينتج عنها البركة وبالعكس سوء الخلق والصنيع من المماليك.\n(^٣) عن عائشة وفيه محمد بن إبراهيم التيمي وثقوه إلا أحمد فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث منكرة. \"فيض القدير\" (٢/ ٥١٠ رقم ٢٤١٦).\n(^٤) أخرجه في الأربعين التي جمعها عن عائشة، قال الزين العراقي: إسناده ضعيف وقضيتُه تصرف المؤلف أن هذا مما لم يخرجه أحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز وإلا لما أبعد النجعة وهو ذهول، فقد خرجه الطبراني عن عائشة بلفظ: \"ما من شيء إلا وله توبة إلا صاحب سوء خلقٍ فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه\".\nوأخرجه الطبراني في \"الصغير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٥)، وقال الهيثمي: فيه عمرو بن جميع وهو كذاب. وأخرجه الأصبهاني في \"ترغيبه\" (١١٩٨).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (١٩٤٦) بلفظ: \"لا يدخل الجنة سيء الملكة\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦٩١) بلفظ: \"لا يدخل الجنة سيء الملكة\".","vol":"8","page":247},{"text":"\"لا يدخلُ الجنةَ سيءُ الخلُقِ\". والأحاديثُ (^١) في البابِ واسعةٌ، ولعلَّهُ يحملُ المؤمنَ في الحديثِ على كامل الإيمانِ، وأنهُ خرجَ مخْرَجَ [الزجر] (^٢) والتحذيرِ، وأرادَ إذا تركَ [إخراجَ الزكاةِ] (^٣) مستحِلًّا لتركِ واجبٍ قطعيٍّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1498>انتصاف المرء لنفسه</span>\n٢٠/ ١٤١٦ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: الْمُسْتَبّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). دَلَّ الحديثُ على جوازِ مجازاةِ منِ ابتدَأ الإنسانَ بالأذيةِ بمثلِها، وأنَّ إثمَ ذلكَ عائدٌ على البادي، لأنهُ المتسببُ لكلِّ ما قالَهُ المجيبُ، إلَّا أنْ [يعتديَ] (^٥) المجيبُ في أذيتِه بالكلامِ اختص بهِ إثمٌ ذلكَ، لأنهُ إنما أذنَ لهُ في [المجازاة] (^٦) مثلَ ما عُوقِبَ بهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٧)، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) منها: ما أخرجه الترمذي في \"السنن\" رقم (٢٠١٨) عن جابر - ﵁ - أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إنَّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقًا\"، وهو حديث حسن بشواهده.\n(ومنها): ما أخرجه الحاكم (١/ ٦٠)، وأبو يعلى في \"مسنده\" رقم (٤١٦٦) وذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" رقم (٢٥٤١)، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ الله لَيبلِّغُ العبد بحسن خلقه درجة الصوم والصلاة\".\n(ومنها): ما أخرجه الترمذي رقم (٢٠٠٢)، وأبو داود رقم (٤٧٩٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: \"إنَّ من خياركم أحسنكم أخلاقًا\"، وهو حديث صحيح.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ) الواجب \"كالزكاة ونحوه\".\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٨٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٩٤)، والترمذي رقم (١٩٨١)، وهو حديث صحيح.\n• المستبَّان: اللذان يشتم بعضهما بعضًا بالألفاظ الخشنة والقبيحة.\n(^٥) في (أ): \"يتعدى\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) سورة الشورى: رقم ٤٠.\n(^٨) سورة البقرة: رقم ١٩٤.","vol":"8","page":248},{"text":"هذا وعدمُ المكافأةِ والصبرُ [هو الأَولى والأفضل] (^١)، فقدْ ثبتَ: \"أن رجلًا سبَّ أبا بكرٍ - ﵁ -[بحضرتِه] (^٢) - ﷺ - فسكتَ أبو بكرٍ، والنبيّ - ﷺ - قاعدٌ، ثمَّ أجاب أبو بكرٍ (^٣) فقامَ النبيُّ - ﷺ -، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: إنهُ لما سكتَ أبو بكرٍ كانَ ملكٌ يجيبُ عنهُ، فلمَّا انتصفَ لنفسِه حضرَ الشيطانُ. هذا اللفظ [أو نحوه] (^٤) \"، قالَ تعالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1499>النهي عن مضارَّة المسلم</span>\n٢١/ ١٤١٧ - وَعَنْ أَبي صِرْمَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا شَق اللهُ عَلَيهِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٦)، وَالتِّرْمِذيُّ (^٧)، وَحَسَّنَهُ. [حسن]\n(وَعَنْ أبي صِرمَةَ) بكسرِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، اشتُهِرَ بكُنيتِه، واختُلِفَ في اسمِه اختلافًا كثيرًا، وهوَ منْ بني مازنِ بن النجارِ، شهدَ بدرًا وما بعدَها منَ المشاهدِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ مُسْلِمًا [شَقَّ] (^٨) اللهُ عليهِ. أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والتَّرمِذِيُّ، وَحَسَنَهُ)، أي: مَنْ أدخلَ على مسلمٍ مضرةً في مالِه أوْ نفسِه أو عِرْضِه بغير حقٍّ ضارَّهُ اللَّهُ، أي: جازاهُ منْ جنسِ فعلِه، وأدخلَ عليهِ المضرَّةَ. والمشقةَ المنازعةُ، أي: مَنْ نازعَ مسلِمًا ظُلْمًا وتعدِّيًا أنزلَ اللَّهُ عليهِ [المضرة] (^٩) والمشقةَ جزاءً وفاقًا. والحديثُ تحذير [من] (^١٠) أذَى المسلمِ بأيِّ شيءٍ.\n_________\n(^١) في (ب): \"والاحتمالُ أفضلُ\".\n(^٢) في (أ): \"بمحضر النبي\".\n(^٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٩٦)، مرسلًا، ورقم (٤٨٩٧)، متصلًا عن ابن المسيِّب وهو حديث ضعيف مرسل.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) سورة الشورى: الآية ٤٢.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٦٣٥).\n(^٧) في \"السنن\" رقم (١٩٤١)، وقال: حديث حسن غريب.\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٣٤٢)، والبيهقي (٦/ ٧٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٣) وفيه \"لؤلؤة\"، قال الحافظ في \"التقريب\": مقبولة: يعني عند المتابعة. والخلاصة: أن الحديث حسن.\n(^٨) في (أ): \"شاقه\".\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في (ب): \"عن\".","vol":"8","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1500>المسلم ليس بذيئًا ولا فاحشًا</span>\n٢٢/ ١٤١٨ - وَعَنْ أَبي الدَّرْداءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إن الله يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ\"، أَخْرَجَهُ الترْمِذِيُّ (^١)، وَصَحّحَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ - ﷺ -: إنَّ الله يبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ. أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ [وَصَحَّحَه]) (^٢). البغضُ ضدُّ المحبةِ، وبغضُ اللَّهِ عبدَه إنزالُ العقوبةِ بِهِ، وعدمُ إكرامهِ إياهُ، والبذيُّ فعيلٌ منَ البذاءِ، وهوَ الكلامُ القبيحُ الذي ليسَ منْ صفاتِ المؤمنِ [كما دلَّ لهُ الحديثُ الآتي] (^٣).\n٢٣/ ١٤١٩ - وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - رَفَعَهُ: \"لَيسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ\" وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤)، وَرَجّحَ الدَّارَقُطْنيُّ (^٥) وَقْفَهُ. [صحيح]\n[(وَلَهُ) أي للترمذيِّ (مِنْ حَدِيثِ] ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ. [أخرجه الترمذي] (^٦) وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَه الْحَاكِمُ،\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٢٠٠٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤٠٥)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٦٤) وقال: رجاله ثقات.\n• وأخرجه أحمد (٥/ ٢٠٢)، وهو حديث صحيح.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ١٢)، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.\n(^٥) ذكر ذلك المناوي في \"فيض القدير\" (٥/ ٣٦٠).\nقلت: وأخرجه البزار رقم (١٠١)، من طريق عبد الرحمن بن مفراء عن الحسن بن عمرو به. وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ١٨)، وأحمد (١/ ٤٠٤، ٤٠٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣١٢)، والترمذي رقم (١٩٧٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٥٥٥) والخطيب في \"تاريخه\" (٥/ ٣٣٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٣٥)، و(٥/ ٥٨)، والبيهقي في \"السنن\" (١٠/ ٢٤٣)، و\"شعب الإيمان\" رقم (٥١٤٩)، كلهم من طريق محمد بن سابق عن إسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.\nوقال الترمذي: حديث حسن غريب.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"8","page":250},{"text":"وَرَجّحَ الدَّارَقطنيُّ وَقْفَهُ). الطعنُ السبُّ، يقالُ: طعن في عرضِه، أي سبَّه. واللعَّانُ: اسمُ فاعلٍ للمبالغةِ بزنةِ فعَّالٍ، أي: كثيرُ اللعنِ، ومفهومُ الزيادةِ غيرُ مرادٍ، فإنَّ اللعنَ محرَّمٌ قليلُه وكثيرُه. والحديثُ إخبارٌ بأنهُ ليسَ منْ صفاتِ المؤمنِ [الكاملِ الإيمانِ] (^١) السبُّ واللعنُ، إلَّا أنهُ [يُسْتَثْنَى] (^٢) منْ ذلكَ لعنُ الكافرِ، وشاربِ الخمرِ، ومَنْ لَعَنهُ اللَّهُ ورسولُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1501>النهي عن سبِّ الأموات</span>\n٢٤/ ١٤٢٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوا إلَى ما قَدَّمُوا\"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵄ - قَالَتْ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا تَسبُّوا الأَمْوَاتَ [فقد] (^٤) أَفْضَوْا إلَى ما قَدَّمُوا. أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). سبُّ الأمواتِ عامُّ للكافرِ وغيرِه، وتقدَّم. وعلَّلهُ - ﷺ - بإفضائِهم إلى ما قدَّموا منْ أعمالِهم، وصارَ أمرُهم إلى اللَّهِ ﷿. وقدْ مرَّ الحديثُ بلفظِه [في آخرِ] (^٥) الجنائزِ [والكلامُ عليهِ] (^٦).\n٢٥/ ١٤٢١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ) \"استثنى\".\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٣٩٣).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٩٩)، ورواه ابن حبان رقم (٣٠٢١)، والنسائي (٤/ ٥٣)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٩٢٣)، والبيهقي (٤/ ٧٥)، والبغوي في (شرح السنة\" (١٥٠٩)، من طريق شعبة عن الأعمش به.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) في (أ): \"وشرحه في\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (٦٠٥٦)، والحميدي رقم (٤٤٣)، والترمذي رقم (٢٠٢٦)، وأحمد (٥/ ٣٩٧، ٤٠٤)، والبيهقي (١٠/ ٢٤٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٥٦٩)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (٨٧٦).\nوالبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٢٢)، كلهم من طريق سفيان بن عيينة والثوري كلاهما عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن حذيفة.\nوأخرجه مسلم رقم (١٠٥) و(١٦٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جرير عن منصور =","vol":"8","page":251},{"text":"(وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّة قَتَّاتٌ) [متفق عليه] (^١). [القتات] (^٢) بقافٍ ومثناةٍ فوقيةٍ، وبعدَ الألفِ مثناةٌ وهوَ النمامُ، وقدْ رُوِيَ بلفظِه [(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)] (^٣). وقيلَ إنَّ بينَ القتاتِ والنمَّامِ [فرْقًا] (^٤)؛ فالنمَّامُ الذي يحضرُ القضية فيبلغها، والقتاتُ الذي يتسمعُ منْ حيثُ لا يعلمُ بهِ ثمَّ ينقلُ ما سمعَه، وحقيقةُ النميمةِ نقلُ كلامِ الناسِ بعضُهم إلى بعضٍ للإفسادِ بينَهم. قالَ الغزاليُّ (^٥): إنَّ حدَّها كشفُ ما يُكْرهُ كشفُه سواءٌ كرهَهُ المنقولُ إليهِ، أو المنقولُ عنهُ، [أوْ ثالثٌ] (^٦)، وسواءٌ كانَ الكشفُ بالرمزِ [أو الإشارة] (^٧)، أو بالكتابةِ، [أو بالإيماءِ] (^٨). قالَ: فحقيقةُ النميمةِ إفشاءُ السرِّ وهتكُ الستر [عمَّا يُكْرَهُ كشفُه] (^٩)، فلو رآهُ يُخْفِي مالًا لنفسِه فذكرهُ فهوَ نميمة، كذَا قالَه.\nقلتُ: ويحتملُ أنَّ مثلَ هذا لا يدخلُ في النميمةِ بلْ يكونُ منْ إفشاءِ السرِّ، وهوَ محرَّمٌ أيضًا. ووردَ في النميمةِ عِدَّةُ أحاديثَ أخرجَ الطبرانيُّ (^١٠) مرفُوعًا: \"ليسَ مِنَّا ذو حسدٍ ولا نميمةٍ، ولا كهانةٍ ولا أنا منْهُ\". ثمَّ تلا قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (^١١) الآية. وأخرجَ أحمدُ (^١٢): \"خيارُ عبادِ اللَّهِ الذينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ،\n_________\n= عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن حذيفة.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٣٨٢)، و(٣٨٩ و٤٠٢)، ومسلم رقم (١٠٥، ١٧٠)، وأبو داود رقم (٤٨٧١)، والبيهقي (٨٦٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣٥٧٠) من طريق الأعمش.\nوأحمد (٥/ ٣٩٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٣٠٢١)، من طريق الحكيم بن عتيبة والطبراني في \"الصغير\" رقم (٥٦١)، من طريق إبراهيم بن المهاجر ثلاثتهم عن إبراهيم النخعي به. والخلاصة: أن الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"فرق\".\n(^٥) ذكره في \"الإحياء\" (٣/ ١٥٦).\n(^٦) في (أ): \"أو غيرهما\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩١)، وقال: رواه الطبراني وفيه سليمان بن سلمة الخبائري، وهو متروك. وهو حديث ضعيف.\n(^١١) سورة الأحزاب: الآية ٥٨.\n(^١٢) في \"المسند\" (٤/ ٢٢٧). =","vol":"8","page":252},{"text":"وشرُّ عبادِ اللَّهِ المشَّاؤونَ بالنميمةِ، الباغونَ للبُرَآءِ العيبَ، يحشرُهم اللَّهُ في وجوه الكلابِ\". وغيرُ هذا منَ الأحاديثِ (^١).\nوقدْ تجبُ النميمةُ كما إذا سمعَ شخصًا يتحدَّثُ بإرادةِ إيذاءِ إنسانٍ [أو ضرِّه] (^٢) ظُلْمًا وعُدْوانًا، فيحذِّرُهُ منهُ، فإنْ أمكنَ تحذيرُه بغيرِ منْ سمعَهُ منهُ وإلا [ذَكَرَ لهُ ذلكَ] (^٣). والحديثُ دليلٌ على عِظَمِ ذنب النميمةِ. قالَ الحافظُ المنذريُّ (^٤): أجمعتِ الأمةُ على أن النميمةَ محرَّمةٌ، وأنَّها منْ أعظمِ الذنوبِ عندَ اللَّهِ، وفي كلام للغزاليِّ (^٥) ما يدلُّ على أنَّها لا تكونُ كبيرةً إلا معَ قَصْدِ الإفسادِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1502>من كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه</span>\n٢٦/ ١٤٢٢ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ\". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٦) في الأَوْسَطِ. [ضعيف جدًّا]\n- وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (^٧). [ضعيف]\n_________\n= قلت: وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩٣): رواه أحمد، وفيه شهر بن حوشب وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني من حديث عبادة بن الصامت وفيه يزيد بن ربيعة وهو متروك.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا رقم (١١٨) و(٢٥٧).\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢١): رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\"، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف.\n(^١) انظر هذه الأحاديث في: \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٤٨١ - ٤٨٣) رقم (٤١٥٢ - ٤١٥٤).\nكلها ضعيفة.\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"وجب ذكره\".\n(^٤) في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).\n(^٥) \"الإحياء\" (٣/ ١٥٦).\n(^٦) رقم (١٣٢٠)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٧٠)، وقال: وفيه عبد السلام بن هلال وهو ضعيف.\nوأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٤) عن شيخ المصنف.\nوأورده المحدث الألباني في \"الضعيفة\" رقم (١٩١٦) وقال: ضعيف جدًّا.\n(^٧) في \"ذم الغضب\" عن أبي هريرة وعن ابن عمر، ورمز السيوطي لضعفه، ونقل المناوي أن العراقي حسن إسناده. انظر: \"فيض القدير\" (٦/ ٢١٧ رقم ٨٩٩٨).","vol":"8","page":253},{"text":"(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ. أَخْرَجَه الطَّبَرَانيُّ [في الأوْسَطِ] (^١)، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيا). تقدَّمَ الكلامُ في الغضبِ مرارًا. وهذا الحديثُ في فضلِ مَنْ كَفَّ غضبَه، ومنعَ نفسَه منْ إصدارِ ما يقتضيهِ الغضبُ، ولا يكونُ ذلكَ إلا بالحلمِ والصبرِ، وجهادِ النفسِ، وهو أمرٌ شاقٌّ، ولذا جعلَ اللهُ جزاءَه كفَّ عذابه عنهُ، وقدْ قالَ تعالَى في صفاتِ المؤمنينَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (^٢).\n٢٧/ ١٤٢٣ - وَعَنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خَبٌّ، وَلَا بَخِيلٌ، ولَا سَيءُ الْمَلَكَةِ\". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٣)، وَفَرّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ أَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) [منْ أولِ الأمرِ] (^٤) (خَبٌّ) بالخاءِ المعجمةِ، مفتوحةً وبالموحدةِ، الخدَّاعُ، (وَلَا بَخيلٌ) [تقدَّم] (٤) [الكلامُ على البخيلِ] (^٥)، (وَلَا سَيِّءُ الْمَلَكَةِ)، وهوَ مَنْ يتركُ ما يجبُ عليهِ منْ حقِّ المماليكِ، أو تجاوز الحدِّ في عقوبَتهِم [وتأديبهم] (^٦)، [ومثلُه تركهُ لتأديبِهم بالآداب الشرعيةِ] (^٧) منْ تعليمِ فرائضِ اللَّهِ وغيرِها، وكذلكَ البهائمُ سوءُ الملكة [فيها] (^٨) يكونُ بإهمالِها عن [الإطعامِ] (^٩)، وتحميلِها ما لا تطيقه من الأحمال، والمشقةِ عليها [بالسير] (^١٠) والضربِ العنيفِ وغيرِ ذلكَ.\n(أخْرَجَهُ التِّرمَذِيُّ، وَفَرّقَهُ حَدِيثَيْنِ. وفي إِسْنادِهِ ضَعْفٌ)، ولكنْ لهُ شواهدُ كثيرةٌ وقدْ مضَى كثيرٌ منْها.\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) سورة الشورى: الآية ٣٧.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٩٦٣) وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرج الترمذي القسم الثاني من الحديث رقم (١٩٤٦)، وقال: هذا حديث غريب وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قِبَل حِفظه، وهو حديث ضعيف.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ): \"ومثل ترك تأديبهم بأدب الشريعة\".\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) في (أ): \"الطعام والشراب\".\n(^١٠) في (أ): \"في السير\".","vol":"8","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1503>لا يحل تسمُّع حديث من يكره سماع حديثه</span>\n٢٨/ ١٤٢٤ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَومٍ وَهُم لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ في أُذُنَيهِ الآنُكُ يَوْمَ القِيَامَةِ\"، يَعْنِي: الرَّصَاصُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: مَنْ تَسَمّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، صُبَّ في اُذنَيْهِ الآنُكُ) بفتحِ الهمزةِ والمدِّ، وضمِّ النونِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْني الرَّصاصِ) هوَ مدرجٌ في الحديثِ [من الراوي] (^٢) تفسيرًا [لما قبلَه] (^٣)، (أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) [هكذا] (^٤) في نسخِ بلوغِ المرامِ. تسمَّع بالمثناةِ الفوقيةِ وتشديدِ الميمِ، ولفظُ البخاريِّ: منِ استمعَ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ استماعِ حديثِ منْ يكرهُ [سماعَ] (^٥) [حديثهِ] (^٦)، ويُعْرَفُ بالقرائنِ أو التصريحِ. ورَوَى البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (^٧) منْ روايةِ سعيدٍ المقبريِّ قالَ: مررتُ على ابن عمرَ ومعَهُ رجلٌ يتحدثُ فقمتُ إليهما، فلطم [في] (^٨) صدري وقالَ: إذا وجدتَ اثنينِ يتحدثانِ فلا تقمْ معهُما حتَّى تستأذنَهم. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (^٩): لا يجوزُ لأحدٍ أن يدخلَ على المتناجينَ في حالِ لَناجيهمَا. قالَ المصنفُ: ولا ينبغي للداخلِ عليهِمَا القعودُ [عندَهمَا] (^١٠)، ولو تباعدَ عنْهما إلَّا بإذنهما، لأنَّ [افتتاحهما] (^١١) الكلامَ سِرًّا [وليس عندَهما] (^١٢) [أحدٌ] (^١٣) دلَّ على أنَّهما لا يريدانِ الاطلاع [عليه] (^١٤). وقدْ يكونُ لبعضِ الناسِ قوةُ فهمٍ إذا سمعَ بعضَ الكلامِ استدلَّ بهِ على باقيهِ، فلا بدَّ لهُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٧٠٤٢).\nقلت: وأخرجه الحميدي (٥٣١)، وأحمد (١/ ٢١٦، ٣٥٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٨٥٥) و(١١٩٦٠)، والبيهقي (٧٢٦٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٣٨١٨).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في (أ): \"له\".\n(^٤) في (أ): \"وكذا\".\n(^٥) في (أ): \"سماعه\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) رقم (١١٦٦).\n(^٨) زيادة من (أ).\n(^٩) في \"التمهيد\" (١٥/ ٢٩٢).\n(^١٠) في (أ): معهما.\n(^١١) في (أ): افتتاح.\n(^١٢) زيادة من (أ).\n(^١٣) زيادة من (أ).\n(^١٤) في (أ): \"على حديثهما\".","vol":"8","page":255},{"text":"منْ معرفةِ الرضَا [منهما] (^١)، فإنهُ قدْ يكونُ في الإذنِ حياءٌ منه، وفي الباطنِ الكراهةُ. [ويلحقُ] (^٢) باستماع الحديثِ استنشاقُ الرائحةِ، ومسُّ الثوبِ، واستخبارُ صغارِ أهلِ الدارِ ما يقولُ الأَهلُ والجيرانُ منْ كلامٍ، أوْ ما يعملونَ منَ الأعمالِ، وأما لو أخبرَهُ عدلٌ عنْ منكر جازَ له أنْ يهجمَ ويستمعَ الحديثَ لإزالةِ المنكرِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1504>العاقل يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب الناس</span>\n٢٩/ ١٤٢٥ - وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ\"، أَخْرَجَهُ (^٣) الْبَزَّارُ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ. [ضعيف جدًّا]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ). طُوبَى مصدرٌ من الطيبِ، أو اسمُ شجرةٍ في الجنةِ يسيرُ الراكبُ في ظِلِّها مائةَ عامٍ لا يقطعُها. والمرادُ أنَّها لمنْ شغلَه النظرُ في عيوبِه، وطلبَ إزالتَها، أو السترَ عليها عن الاشتغالِ بذكرِ عيوبِ غيرِه، [والتعرف] (^٤) لما يصدرُ منْهم منَ العيوبِ، وذلكَ بأنْ يقدِّمَ النظرَ في عيبِ نفسِه إذا أرادَ أنْ يعيبَ غيرَه، فإنهُ يجدُ مِنْ نفسِه ما يردعُه عنْ ذكرِ غيرِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1505>التحذير من التعاظم في النفس</span>\n٣٠/ ١٤٢٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ في مَشْيَتِهِ لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانٌ\"، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (^٥)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [حسن]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في (أ): \"فيلحق\".\n(^٣) أخرجه الديلمي في \"الفردوس\" عن أنس. وأخرجه العسكري عنه أيضًا وعدَّه من الحكم والأمثال. وأخرجه أبو نعيم من حديث الحسين بن علي. والبزار من حديث أنس أوله وآخره. والطبراني والبيهقي وسطه. وقال الحافظ العراقي: كلها ضعيفة. \"فيض القدير\" للمناوي (٤/ ٢٨١ رقم ٥٣٠٦) ورمز السيوطي لحسنه. وحكم عليه الألباني في ضعيف الجامع رقم (٣٦٤٦) بأنه ضعيف جدًّا وهو كما قال الألباني.\n(^٤) في (أ): \"التعريف\".\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٦٠) وصحَّحه ووافقه الذهبي. =","vol":"8","page":256},{"text":"(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مَشْيَتِهِ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ). تفاعلَ يأتي بمعنَى فعلَ، مثلَ توانيتُ بمعنى ونيتُ، وفيهِ مبالغةٌ، وهوَ المرادُ هنا، أي: مَنْ عظَّمَ نفسَه إما باعتقادٍ أنهُ يستحقُّ منَ التعظيمِ فوقَ ما يستحقُّه غيرُه ممنْ لا يعلمُ استحقاقَهُ الإهانةَ. ويحتملُ هنا أن تعاظَمَ بمعنَى تعظَّمَ مشددةً، أي اعتقدَ في نفسِه أنهُ عظيمٌ كتكبَّرَ اعتقدَ أنهُ كبيرٌ، أو يكونُ تفعَّل بمعنَى استفعل أي طلبَ أنْ يكونَ عظيمًا، وهذا يلاقي معنَى تكبَّرَ والكبر كما قال المهدي في كتابِ تكملةِ الأحكامِ: هوَ اعتقادُ أنهُ يستحقُّ منَ التعظيمِ فوقَ ما يستحقُّه غيرُه ممنْ لا يعلمُ استحقاقَه الإهانةَ. وقد أخرجَ مسلمٌ (^١)، والحاكمُ (^٢)، والترمذيُّ (^٣) من حديثِ ابن مسعودٍ أنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لا يَدخلُ الجنةَ مَنْ في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ\"، قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الرجلَ يحبُّ أنْ يكونَ ثوبَه حسنًا، ونعلُه حسنًا، قالَ - ﷺ -: \"إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُ الجمالَ، الكِبْرُ بطرُ الحقِّ، وغمطُ الناسِ\"، قيلَ: هوَ أن يتكبَّرَ عن الحقِّ فلا يراهُ حقًّا، وقيلَ: أن يتكبَّرَ عن الحقِّ فلا يقبلُه. وقالَ النوويُّ: معناهُ الارتفاعُ عن الناس واحتقارُهم ودفعُ الحقِّ وإنكارُه ترفُّعًا وتجبُّرًا. وجاءَ في روايةِ الحاكمِ (^٤): \"ولكنَّ الكبرَ منْ بطرَ الحقَّ وازدَرى الناسَ\". بطر الحقِّ دفْعُه وردُّه، وغمطُ الناسِ بفتْحِ المعجمةِ، وسكونِ الميمِ، وبالطاءِ المهملةِ، احتقارُهم وازدراؤُهم. هكذَا جاءَ مفسَّرًا عندَ الحاكم، [قالهُ المنذريُّ] (^٥). ولفظُه (مَنْ) رُوِيتْ بالكسرِ لميمِها على أنها حرفُ جرٍّ وبفتحِها على أنَّها موصولةٌ، والتفسيرُ النبويُّ دلَّ على أنهُ ليسَ مِنْ قبيلِ الاعتقادِ وإنَّما هوَ [بمعنى] (^٦) عدمِ الامتثالِ [للحق] (^٧) تعززًا وترفُّعًا، واحتقارًا للناس. قالَ ابنُ حجرٍ في الزواجرِ (^٨): الكِبْرُ إما باطنٌ وهوَ خلق في النفس، واسم الكبر بهذا أحق،\n_________\n= قلت: وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٩٨) وقال الهيثمي: رواه أحمد (٢/ ١١٨)، ورجاله رجال الصحيح. وهو حديث حسن.\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (١٤٧/ ٩١).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (١٩٩٩).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٢٦).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) (١/ ٧٥).","vol":"8","page":257},{"text":"وإما ظاهرٌ وهو أعمالٌ تصدُرُ مِنَ الجوارحِ، وهيَ ثمراتُ ذلكَ الخلُقِ، وعندَ ظهورِها يُقَالُ تكبَّرَ، وعندَ عدمِها يقالَ كِبرَ، فالأصلُ هوَ خلُقُ النفسِ الذي هوَ الاسترواحُ والركونُ إلى رؤيةِ النفسِ فوقَ المتكبَّرِ عليهِ، فهوَ يستدعي متكبَّرًّا عليهِ ومُتكَبِّرًا بهِ، وبهِ فارقَ العُجْبَ فإنهُ لا يستدعي غيرَ المعجَبِ بهِ، حتَّى لو فرضَ انفرادَه دائمًا أمكنَ أنْ يقعَ منهُ العُجْبُ دونَ الكِبْرِ، فالعجبُ مجردُ استعظامُ الشيءِ، فإنْ صحبَهُ مَنْ يَرَى أنهُ فوقَه كانَ [تكبُّرًا] (^١) اهـ. والاختيالُ في المِشْيَةِ هوَ [من] (^٢) التكبرِ وعطفُه عليهِ منْ عطفِ أحدِ نوعي الكبرِ على الآخرِ، كأنهُ يقولُ مَنْ جَمَعَ بينَ نوعينِ منْ أنواعِ هذا الكِبْرِ يستحقُّ الوعيدَ، ولا يلزمُ منهُ أن أحدَهما لا يكونُ بهذِه المثابة لأنهُ قدْ ثبتتْ الأحاديثُ (^٣) في ذمِّ الكِبْرِ مُطْلقًا. والحديثُ [وغيرُه] (^٤) دالٌّ على تحريمِ الكبرِ وإيجابهِ لغضبِ اللَّهِ تعالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1506>العجلة من الشيطان</span>\n٣١/ ١٤٢٧ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"العَجَلَةُ مِنَ الشَّيطَانِ\"، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَقَالَ: حَسَنٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الْعَجَلَة مِنَ الشَّيْطَانِ.\n_________\n(^١) في (أ): كبيرًا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) • (منها): ما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٣٤٨٥)، والنسائي (٨/ ٢٠٦)، عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ -: \"بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة\".\n• (ومنها): ما أخرجه الترمذي في \"السنن\" عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم\"، وهو حديث حسن.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"السنن\" رقم (٢٠١٢)، وقال: هذا حديث غريب وقد تكلَّم بعض أهل الحديث في عبد المهيمن بن عباس بن سهل وضعفه من قبل حفظه، والأشج بن عبد القيس اسمه المنذر بن عائذ.\nوهو حديث ضعيف، وضعفه الألباني في \"ضعيف الترمذي\" رقم (٣٤٦).","vol":"8","page":258},{"text":"أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ [وقَالَ: حَسَنٌ)] (^١). العجلةُ السرعةُ في الشيءِ، وهيَ مذمومةٌ فيما كانَ المطلوبُ فيهِ الأناةُ، محمودةٌ فيما يُطْلَبُ تعجيلُه منَ المسارعةِ إلى الخيراتِ ونحوها. وقدْ يُقَالُ: لا منافاةَ بينَ الأناةِ [والمسارعة] (^٢)، فإنْ سارعَ بِتُؤَدَةٍ وتأنٍّ فيتمُّ لهُ الأمرانِ، والضابطُ أن خِيارَ الأمورِ أوسطُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1507>الشؤم سوء الخلق</span>\n٣٢/ ١٤٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: \"الشؤمُ سُوءُ الخُلُقِ\"، أخْرَجَهُ أَحْمَدُ (^٣) وفي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: الشّؤمُ سُوءُ الْخلُقِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ). الشؤمُ ضدُّ اليُمْنِ وتقدَّمَ الكلامُ على حقيقةِ سوءِ الخلُقِ، وأنهُ الشؤمُ، وأنَّ كلَّ ما يلحقُ منَ الشرورِ فسببهُ سوءُ الخُلُقِ. وفيهِ إشعارٌ بأنَّ سوءَ الخلُقِ وحسنها اختيارٌ مكْتَسَبٌ للعبدِ. وتقدَّمَ تحقيقُهُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1508>النهي عن اللعن</span>\n٣٣/ ١٤٢٩ - وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكونُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَومَ الْقِيَامَةِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ اللَّعَّانِينَ [لَا يَكُونُونَ] (^٥) شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) تقدَّمَ الكلامُ في اللعنِ قريبًا. والحديثُ إخبارٌ بأنَّ كثيري اللعنِ ليسَ لهم عندَ اللَّهِ تعالى قبولُ شفاعةٍ يومَ\n_________\n(^١) في (أ): \"وحسنه\".\n(^٢) في (أ): \"والسرعة\".\n(^٣) في \"مسنده\" (٦/ ٨٥).\nوأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٤٣٦٠)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٥) وقال: وفيه أبو بكر بن أبي مريم. وهو ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٨٩).\nقلت: وأخرجه أبو داود (٤٩٠٧) بلفظ: \"لا يكونُ اللعَّانونَ شفعاء ولا شهداء\".\n(^٥) في (أ): \"لا يكونوا\".","vol":"8","page":259},{"text":"القيامةِ، أي: لا يشفعونَ حينَ يشفعُ المؤمنونَ في إخوانهم. ومعنَى: ولا شهداءَ قيلَ: لا يكونونَ يومَ القيامةِ شهداءَ على تبليغِ الأممِ رسلهم إليهم الرسالاتِ، وقيلَ: لا يكونونَ شهداء في الدنيا، ولا تُقْبَلُ شهادتُهم لفسقهم، لأنَّ إكثارَ اللعنِ منْ أدلةِ التساهلِ في [أمور] (^١) الدينِ، وقيلَ: لا يرزقونَ الشهادةَ وهي القتلُ في سبيلِ اللَّهِ؛ (فيومَ القيامةِ) متعلِّقٌ بشفعاءَ وحدَه على الأخيرينِ، ويحتملُ عليهما أنْ يتعلَّقَ بهما ويرادُ أن شهادتَه لما لم تقبلْ في الدنيا لم يكتبْ لهُ في الآخرةِ ثوابُ مَنْ شهدَ بالحقِّ، وكذلكَ لا يكونُ لهُ في الآخرةِ ثوابُ الشهداءِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1509>ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة</span>\n٣٤/ ١٤٣٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"مَنْ عَيّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتى يَعْمَلَهُ\"، أَخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (^٢)، وَحَسَّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ. [موضوع]\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٥٠٥)، وقال: \"حديث حسن غريب وليس إسناده بمتصل، خالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل\".\nوتعقبه الألباني في \"الضعيفة\" (١/ ٢١٤)، بقوله: \"أنَّى له الحُسن، فإنه مع هذا الانقطاع فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني -، كذبه ابن معين، وأبو داود كما في \"الميزان\". ثم ساق له هذا الحديث.\nولهذا أورده الصغاني في \"الموضوعات\" ص ٦ ومن قبله ابن الجوزي، ذكره من طريق ابن أبي الدنيا ثم قال: \"لا يصح محمد بن الحسن كذاب\".\nوتعقبه السيوطي في \"اللآلئ\" (٢/ ٢٩٣) بقوله: أخرجه الترمذي وقال: \"هذا حديث حسن غريب، وله شاهد\".\nقلت: ثم ذكر الشاهد، وهو من طريق الحسن قال: \"كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنب تاب إلى الله منه، لم يمت حتى يبتليه الله به\" وهو مع أنه ليس مرفوعًا إليه - ﷺ -، فإن في سنده صالح بن بشير المري، وهو ضعيف كما في \"التقريب\" فلا يصح شاهدًا لضعفه وعدم رفعه\" اهـ.\nقلت: وله شاهد أخرجه الترمذي رقم (٢٥٠٦)، بإسنادين. وقال: هذا حديث حسن\nغريب. أما الإسناد الأول ففيه عمر بن إسماعيل بن مجالد وهو كذاب هالك.\nوأما الإسناد الثاني ففيه أمية بن القاسم، وصوابه القاسم بن أمية الحذاء البصري، قال ابن =","vol":"8","page":260},{"text":"(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ) مَنْ عابَه بهِ، (لم يَمُتْ حَتى يَعْمَلَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسّنَهُ، وَسَنَدُهُ مُنْقَطِعٌ) كأنهُ حسَّنَهُ الترمذيُّ لشواهدِه فلا يضرُّ انقطاعُه. وكأنَّ مَنْ عَيَّرَ أخاهُ أي عابَهُ منَ العارِ، وهوَ كلُّ شيءٍ يذم بهِ عيبٌ كما في القاموسِ (^١) يُجَازَى بسلبِ التوفيقِ حتَّى يرتكبَ ما عيَّرَ أخاهُ بهِ، وذاكَ إذا صحبهُ إعجابهُ بنفسِه بسلامته مما عيَّرَ بهِ أخاهُ. وفيهِ أن ذِكْرَ الذنبِ لمجردِ التعييرِ قبيحٌ يوجبُ العقوبةَ، وأنهُ لا يُذْكَرُ عيبُ الغيرِ إلا للأمورِ الستةِ التي سلفتْ مَعَ حسنِ القصدِ فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1510>ويل لمن يكذب ليضحك القوم</span>\n٣٥/ ١٤٣١ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثُمّ وَيْلٌ لَهُ\"، أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ (^٢)، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. [حسن]\n_________\n= حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢١٣): \"شيخ يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد\"، ثم روى له هذا الحديث وقال: \"وهذا لا أصل له من كلام رسول الله - ﷺ -.\nفتعقبه الحافظ ابن حجر في \"التهذيب\" (٧/ ٢٧٧) بقوله: \"كذا قال، وشهادة أبي زرعة وأبي حاتم له أنه صدوق أولى من تضعيف ابن حبان له\".\nوقد تعقب العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي الحافظ ابن حجر في قوله هذا في تعليقه على \"الفوائد المجموعة\" للشوكاني ص ٢٦٥، فقال: \"بل الصواب تتبع أحاديثه، فإن وجد الأمر كما قال ابن حبان ترجح قوله، وبان أن هذا الرجل تغيرت حاله بعد أن لقيه الرازيان\".\nوالخلاصة: أن الحديث موضوع، والله أعلم.\n(^١) المحيط (ص ٥٧٤).\n(^٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٩٩٠)، والترمذي رقم (٢٣١٥)، وقال حديث حسن، والبيهقي في \"الشعب\" رقم (٤٨٣١)، وفي \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٩٦)، وأحمد (٥/ ٢، ٣، ٥) وله شاهد من حديث عطية عن أبي سعيد الخدري يرفعه، بنحوه. أخرجه أحمد (٣/ ٣٨) وعطية ضعيف.\nوالخلاصة: أن الحديث حسن.","vol":"8","page":261},{"text":"(وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ) معاويةَ بن حَيدةَ [تقدمَ] (^١). (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَيْلٌ لِلَّذِي يحَدِّث فَيَكْذِب لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، ثمّ وَيْلٌ لَهُ. أَخْرَجَه الثلَاثَة، وإسْنَادُهُ قَوِيٌ)، وحسَّنهُ الترمذيُّ، وأخرجَهُ البيهقيُّ. والويلُ الهلاكُ، ورفْعُه علَى أنهُ مبتدأٌ خبرُه الجارُّ والمجرورُ، وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأنهُ منْ بابِ سلامٌ عليكمُ، وفي معناهُ الأحاديثُ الواردةُ في تحريمِ الكذبِ على الإطلاقِ مثلُ حديثِ: \"إياكُم والكذبَ؛ فإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجورِ، والفجورُ يهدي إلى النار\" سيأتي. وأخرجَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (^٢): \"إياكم والكذبَ؛ فإنهُ مَعَ الفجورِ وهما في النارِ\"، ومثلُه عندَ الطبرانيِّ (^٣). وأخرجَ أحمدَ (^٤) منْ حديثِ ابن لهيعةَ: \"ما عملُ أهلِ النارِ؟ قالَ الكذبُ. فإنَّ العبدَ إذا كذبَ فجرَ، وإذا فجرَ كفرَ، وإذا كفرَ دخلَ النارَ\". وأخرجَ البخاريُّ (^٥) أنهُ قالَ - ﷺ - الحديثِ الطويلِ ومِنْ جُمْلَتِه قولُه: \"رأيتُ الليلةَ رجلينِ أتياني قالا لي: [الرجل] (^٦) الذي رأيته يُشَقُّ شدقُه فكذابٌ يكذبُ الكذبةَ تُحْمَلُ عنهُ حتَّى تبلغَ الآفاقَ\" في حديثِ رؤياهُ - ﷺ -. والأحاديثُ (^٧) في البابِ كثيرة. والحديثُ دليل على تحريمِ الكذبِ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) رقم (٥٧٣٤).\nقلت: وأخرجه أحمد (١/ ٧)، عن روح بن عبادة.\nوأخرجه الطيالسي ص ٣، وابن ماجه رقم (٣٨٤٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢٤) من طرق عن شعبة به.\n(^٣) كما في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٩٣) قال الهيثمي: رواه الطبراني في \"الكبير\" وإسناده حسن.\n(^٤) لم أجده في المسند؟!\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (١٣٨٦، ٢٧٩١، ٧٠٤٧).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) (منها): ما أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" رقم (٤١٨٤) عن أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عليكم بالصدق، فإنه مع البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار\".\n(ومنها): ما أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٢، ٢٦٤) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء، وإن كان صادقًا\".\n(ومنها): ما أخرجه البخاري رقم (٣٣)، ومسلم رقم (٥٩) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر\".","vol":"8","page":262},{"text":"لإضحاكِ القومِ، وهذا تحريمٌ خاصٌّ. ويحرمُ على السامعينَ استماعه إذا علموهُ كذِبًا، لأنهُ إقرارٌ على المنكرِ بلْ يجبُ عليهم [الإنكار أو الانصراف] (^١) منَ الموقف. وقدْ عُدَّ الكذبُ منَ الكبائرِ. قالَ الروياني منَ الشافعيةِ: إنهُ كبيرةٌ ومن كذب قصدًا رُدَّت شهادته وإن لم يضر بالغير، لأن الكذب حرامٌ بكلِّ حالٍ. وقالَ المهدي - ﵇ -: إنهُ ليسَ بكبيرةٍ، ولا يتمُّ له نفي كبرِه على العمومِ، فإنَّ الكذبَ على النبيِّ - ﷺ -[والإضرار] (^٢) بمسلم [أو معاهدٍ] (^٣) كبيرةٌ. وقسمَ الغزالي (^٤) الكذبَ في الإحياءِ إلى: واجبٍ، ومُبَاحٍ، ومحرَّم. وقالَ: إنَّ كلَّ مقصدٍ محمودٌ يمكنُ التوصلُ إليهِ بالصدقِ والكذبِ جميعًا فالكذبُ فيهِ حرامٌ. وإنْ أمكنَ التوصلُ إليهِ بالكذبِ وحدَه فمباحٌ إنْ أنتجَ تحصيلَ ذلكَ المقصودِ، وواجبٌ إنْ وجبَ تحصيلُ ذلكَ وهوَ إذا كانَ فيهِ عصمةُ مَن يجبُ إنقاذُه، وكذا إذا خشي على الوديعةِ منْ ظالمٍ وجبَ الإنكارُ والحلفُ، وكذَا إذا كانَ لا يتمُّ مقصودُ حربٍ أوْ إصلاحٍ ذاتِ البينِ أو استمالةِ قلبِ المجني عليهِ إلا بالكذبِ فهو مباحٌ، وكذا إذا وقعتْ منهُ فاحشةٌ كالزنَى وشربِ [الخمرِ وسأله السلطانُ] (^٥) فله أنْ يكذبَ ويقولُ: ما فعلتُ (؟)، ثمَّ قال: وينبغي أنْ [تقابلَ] (^٦) مفسدةُ الكذبِ بالمفسدةِ المترتبةِ على الصدقِ، فإنْ كانتْ مفسدةُ الصدقِ أشدَّ فلهُ الكذبُ، وإنْ [كانتْ] (^٧) بالعكسِ أو شكَّ فيها حَرُمَ الكذبُ، وإنْ تعلَّقَ بنفسِه استحبَّ أنْ لا يكذبَ، وإنْ تعلَّقَ بغيرِه لم [تحسن] (^٨) المسامحةُ بحقِّ الغيرِ. والحزمُ تركُه حيثُ أبيحَ. واعلمْ أنهُ يجوزُ الكذبُ اتفاقًا في ثلاثِ صورٍ كما أخرجَهُ مسلمٌ (^٩) في الصحيح. قالَ ابنُ شهابٍ: لم أسمعْ يرخَّصُ في شيءٍ مما يقولُ الناسُ كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاحِ بينَ الناسِ، وحديثِ الرجلِ امرأتَه، وحديثِ المرأةِ زوجَها. قالَ القاضي عياضٌ (^١٠): لا\n_________\n(^١) في (ب): \"النكير أو القيام\".\n(^٢) في (ب): \"أو لإضرار\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في \"الإحياء\" (٣/ ١٣٧ - ١٣٩).\n(^٥) في (أ): \"يسأله ظالم\".\n(^٦) في (أ): \"يقابل\".\n(^٧) في (أ): \"كان\".\n(^٨) في (أ): \"يحسن\".\n(^٩) في \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٦/ ١٥٧ - ١٥٨).\n(^١٠) في \"صحيح مسلم بشرح النووي\" (١٦/ ١٥٨).","vol":"8","page":263},{"text":"خلافَ في جوازِ الكذبِ في هذِه الثلاثِ الصورِ. وأخرجَ ابنُ النجارِ (^١) عن النوَّاسِ بن سمعانَ مرفُوعًا: \"الكذبُ يكتبُ على ابن آدمَ إلا في ثلاثٍ: الرجلُ يكونُ بينَ الرجلينِ ليصلحَ بينَهما، والرجلُ يحدِّثُ امرأتَه ليرضيَها [بذلك] (^٢)، والكذبُ في الحرب\"، [واعلم أن ذلك لحكمة الاجتماع ومصلحته] (^٣).\nوانظرْ في حكمةِ اللهِ ومحبَّتِه لاجتماعِ القلوب كيفَ حرَّمَ النميمةَ وهيَ صدقٌ لما فيها منْ إفسادِ القلوب، وتوليدِ العداوةِ، والوَحشةِ، وأباحَ الكذبَ وإنْ كانَ حرامًا إذا كانَ لجمعِ القلوبَ، وجلبِ المودةِ، وإذهابِ العداوةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1511>من اغتاب أخاه فليتحلَّل منه</span>\n٣٦/ ١٤٣٢ - وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالَ: \"كفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ\"، رَوَاهُ الْحَارِثُ (^٤) بْنُ أبي أُسَامَةَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف]\n(وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ. رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أبي أُسَامَةَ بِإسْنَادٍ ضَعِيفٍ)، وأخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ في مسندهِ،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٥٤)، والترمذي مختصرًا رقم (١٩٣٩) وقال: هذا حديث لا نعرفه من حديث أسماء إلا من حديث ابن خثيم. وذكره صاحب الكنز رقم (٨٢٦٥)، وعزاه إلى الطبراني وأحمد وأبي نعيم في \"الحلية\" والبيهقي وابن جرير (٣/ ٦٣٤) عن أسماء بنت يزيد - ﵄ - أن النبي - ﷺ - خطب الناس فقال: \"أيها الناس: ما يحملكم أن تتابعوا بالكذب كما تتابعُ الفراشُ في الناس، كل الكذب يكتب على ابن آدم … \"، وانظر \"الصحيحة\" رقم (٥٤٥).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٩٧)، وعزاه إلى البيهقي عن أنس بسند ضعيف.\n• وذكره في \"الفتح الكبير\" (٢/ ٣١٩) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في \"الصمت\" عن أنس وهو في \"الإحياء\"، وعزاه العراقي إلى ابن أبي الدنيا في \"الصمت\"، والحارث بن أبي أسامة في \"مسنده\" من حديث أنس بسند ضعيف (٩/ ١٦١٦).\nكما ذكره ابن عبد البر في كتاب \"بهجة المجالس\" عن حذيفة - ﵁ - (١/ ٣) وفي الآداب الشرعية قال عبد الله بن المبارك لسفيان بن عيينة: التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبت، قال سفيان: بل تستغفر مما قلت فيه، فقال ابن المبارك: لا تؤذه مرتين.\nذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" وفيه عنبسة بن عبد الرحمن: متروك (١/ ٧٣).","vol":"8","page":264},{"text":"والبيهقيُّ (^١) في شعبِ الإيمانِ، وغيرُهما بألفاظٍ مختلفةٍ منْ حديثِ أنسٍ. وفي [أسانيدهما] (^٢) ضعفٌ. ورُوِيَ منْ طريقٍ أُخْرى بمعناهُ، [وأخرجه] (^٣) الحاكِمُ (^٤) منْ حديثِ حذيفةَ والبيهقي (^٥) قالَ: وهوَ أصحُّ، ولفظُه قالَ: \"كانَ في لساني ذرَبٌ على أهلي، فسألتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: أينَ أنتَ منَ الاستغفارِ يا حذيفةُ؟ إني لأستغفرُ اللَّهَ في كلِّ يومٍ مائةَ مرةٍ\". وهذا الحديثُ لا [دليل فيه نصًّا] (^٦) أنهُ لأجلِ الاغتيابِ، بلْ لعلَّهُ لدفعِ ذَرَبِ اللسانِ. الحديثُ دليلٌ أن الاستغفارَ يكفي منَ المغتابِ لمنِ اغتابهُ ولا يحتاجُ إلى الاعتذارِ منهُ. وفصَّلتِ الهادويةُ والشافعيةُ فقالُوا: إذا علمَ المغتابُ وجبَ الاستحلالُ منهُ، وأما إذا لم يعلمْ فلا، ولا يُسْتَحَبُّ أيضًا لأنهُ يجلب [العداوة] (^٧) والوحشةَ وإيغارَ الصَّدْرِ، إلَّا أنهُ أخرجَ البخاريُّ (^٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"مَنْ كَانتْ عندَه مظلمةٌ لأخيهِ في عِرْضِهِ أو شيءٍ [فليستحلل] (^٩) منهُ اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ لهُ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ لهُ عملٌ صالحٌ أُخِذَ منهُ بقدرِ مظلمتِه، وإنْ لم يكنْ له حسناتٌ أُخِذ منْ سيِّئَاتِ صاحبهِ فَحُمِلَ عليهِ\". وأخرجَ نحوَه البيهقيُّ (^١٠) منْ حديثِ أبي موسَى، وهوَ دالٌّ على أنهُ يجبُ الاستحلالُ وإنْ لم يكنْ قدْ علمَ، إلَّا أنهُ يحملُ على مَنْ بَلَغَهُ ويكونُ حديثُ أنسٍ فيمنْ لم يعلمْ ويُقَيَّدْ بهِ إطلاقُ حديثِ البخاريِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1512>الخصومة مذمومة ولو في الحق</span>\n٣٧/ ١٤٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أَبْغَضُ\n_________\n(^١) (٥/ ٣١٧ رقم ٦٧٨٦).\n(^٢) في (أ): \"إسنادها\".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في \"المستدرك\" (٢/ ٥١١)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٥) في \"الشعب\" (٥/ ٣١٧ رقم ٦٧٨). قلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨١٧)، والنسائي (٤٥٠)، وابن السني (٣٦٤)، من طريق النسائي وفي \"الزوائد\": في إسناده أبو المغيرة البجلي، مضطرب الحديث عن حذيفة. قال الذهبي في الكاشف.\n(^٦) في (أ): \"نص فيه\".\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) في \"صحيحه\" رقم (٣٥٣٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٤١٩).\n(^٩) في (ب): \"فليتحللُه\".\n(^١٠) في \"شعب الإيمان\" رقم (٧٤٦٧).","vol":"8","page":265},{"text":"الرِّجَالِ إِلَى الله الأَلَدُّ الْخَصِمُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلى اللهِ الألَدُّ الْخَصِمُ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وكسرِ الصادِ المهملةِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الألدُّ مأخوذٌ منْ لديدي الوادي، [وهما] (^٢) جانباهُ، والخصِمُ شديدُ الخصومةِ الذي يحجُّ مخاصِمَهُ، وجهُ الاشتقاق [أنهُ] (^٣) كلما احتجَّ عليهِ بحجةٍ أخذَ في جانبٍ آخرَ. وقدْ وردتْ أحاديثُ في ذمِّ الخصومةِ كحديثِ: \"مَنْ جادلَ في خصومةٍ بغيرِ علمٍ لم يزلْ في سخطِ اللَّهِ حتَّى ينزعَ\" (^٤)، تقدَّم [تخريجه] (^٥). وأخرجَ الترمذيُّ (^٦) [وقالَ: غريبٌ] (^٧) منْ حديثِ ابن عباسٍ مرفُوعًا: \"كفَى بكَ إثمًا أنْ لا تزالَ مخاصِمًا\". وظاهرُ إطلاقِ الأحاديثِ أن الخصومةَ مذمومةٌ ولوْ كانتْ في حقٍّ. قالَ النوويُّ في الأذكارِ: فإنْ قُلتَ لَا بُدَّ للإنْسَانِ منَ الخُصومةِ لاستيْفاءِ حقِّهِ. فالجوابُ ما أجابَ بهِ الغزاليُّ (^٨) أن الذمَّ إنَّما هوَ [لمنْ] (^٩) خاصَمَ بباطل، وبغيرِ علمٍ، كوكيلِ القاضي، فإنهُ يتوكلُ قبلَ أنْ يعرفَ الحقَّ في أيِّ جانبٍ.\nويدخلُ في الذمِّ مَنْ يطلبُ حقًّا لكنْ لا يقتصرُ على قدْرِ الحاجةِ، بلْ يظهرُ\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٦٨).\nقلت: وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٠٨)، وأحمد (٦/ ٥٥، ٦٣، ٢٠٥)، والبخاري رقم (٢٤٥٧)، (٤٥٢٣)، و(٧١٨٨)، والترمذي رقم (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨)، والبغوي (٢٤٩٩)، من طرق عن ابن جريج به.\n(^٢) في (أ): \"أن\".\n(^٣) في (أ): \"أن\".\n(^٤) أخرجه أبو داود رقم (٣٥٩٧)، والحاكم (٤/ ٩٩، ٣٨٣)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٩١): رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في \"السنن\" رقم (١٩٩٤)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وهو حديث ضعيف، انظر: الضعيفة (٤٠٩٦).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) ذكره في \"الإحياء\" (٣/ ١١٨).\n(^٩) في (أ): \"فيمن\".","vol":"8","page":266},{"text":"اللَّدَدَ والكذبَ لإيذاءِ خصْمِه، وكذلكَ مَنْ يحملُه على الخصومةِ محضُ العِنَادِ لقهرِ خصْمِهِ وكسرِه، ومثلُه مَنْ [يخلُط] (^١) الخصومةَ بكلماتٍ تؤذي وليسَ إليها ضرورةٌ في التوصُّلِ إلى غرضِه، فهذا هوَ المذمومُ، بخلافِ المظلومِ الذي ينصرُ حجَّتَه بطريقِ الشرعِ منْ غيرِ لَدَدٍ وإسرافٍ وزيادةِ لجاجٍ على الحاجةِ، منْ غيرِ قصدِ عنادٍ ولا إيذاءٍ، ففعلُه هذا ليسَ مذمُومًا، ولا حَرامًا، لكنَّ الأَوْلَى تركُه ما وجدَ إليهِ سبيلًا.\nوفي بعضِ كتبِ الشافعيةِ أنَّها تُرَدُّ شهادةُ مَن يكثرُ الخصومةَ لأنها تنقصُ المروءةَ، لا لكونِها معصيةً.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"يخالط\".","vol":"8","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1513>[الباب الخامس] باب الترغيب في مكارم الأخلاق</span>\n<span data-type='title' id=toc-1514>معنى الصدق والكذب والبر والفجور</span>\n١/ ١٤٣٤ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"عَلَيكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِرِّ، وَإن الْبِرَّ يَهْدي إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتى يُكْتَبَ عِنْدَ الله كَذابًا\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: عَلَيْكمْ بِالصِّدْقِ، فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي) [بفتح حرفِ المضارَعَةِ] (^٢) (إلَى الْبِرِّ، وَإنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُل يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإيَّاكمْ وَالْكَذِبَ، فَإنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَال الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الصدقُ ما طابقَ الواقعَ، والكذبُ ما خالفَ الواقعَ، هذهِ حقيقتُهما عندَ الجمهورِ [منَ الهادويةِ وغيرِهم] (^٣)، والهدايةُ الدلالةُ الموصلةُ إلى المطلوبِ، والبرُّ بكسرِ الموحدةِ أصلُه التوسُّعُ في فعلِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٠٩٤)، ومسلم رقم (٢٦٠٧).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٩٨٩)، والترمذي (١٩٧١)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٨٩ رقم ١٦).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"8","page":268},{"text":"الخيراتِ، وهوَ اسمٌ جامعٌ للخيراتِ كلِّها، ويطلقُ على العملِ الصالح الخالصِ. وقالَ ابنُ بطالٍ: قولُهُ: \"وإنَّ البِرَّ\" إلى آخرِه مصداقُه قولُه تعالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ (^١). وقالَ: قولُهُ: \"وما يزالُ الرجلُ يصدقُ\" إلى آخرِه المرادُ يتكررُ منهُ الصدقُ حتَّى يستحقَّ اسمَ المبالغةِ، وهوَ الصِدِّيقُ. وأصلُ الفجورِ الشقُّ، فهوَ شقُّ الديانةِ، وَيُطْلَقُ على الميلِ إلى الفسادِ، وعلَى الانبعاثِ في المعاصي، وهوَ اسمٌ جامعٌ للشرِّ. وقولُه: \"وما يزالُ الرجلُ يكذبُ\" هوَ كما مرَّ في قولهِ: \"وما يزالُ الرجلُ يصدقُ\" في أنهُ إذا تكررَ منهُ الكذبُ استحقَّ اسمَ المبالغةِ وهوَ الكذَّابُ، وفي الحديثِ إشارةٌ إلى أن مَنْ تحرَّى الصدقَ في أقوالِه صارَ سجيةً له، ومَنْ تَعمَّدَ الكذبَ وتحرّاهُ صارَ لهُ سجيةً، وأنهُ بالتدرُّبِ والاكتسابِ [تثبت] (^٢) صفاتُ الخيرِ والشرِّ. والحديثُ دليلٌ على عظمةِ شأنِ الصدقِ، وأنهُ ينتهي بصاحبِه إلى الجنة، ودليلٌ على عظمةِ قُبْحِ الكذب، وأنهُ ينتَهي بصاحبِه إلى النارِ، وذلكَ مِن غيرِ [ما لصاحبِهمَا في] (^٣) الدنيا، فإنَّ الصدوقَ مقبولُ الحديثِ عندَ الناسِ، [مرغوب إليه] (^٤)، مقبولُ الشهادةِ عندَ الحكَّامِ، محبوبٌ مرغوبٌ في أحاديثِه، والكذوبَ بخلافِ هذا كلِّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1515>النهي عن الظن</span>\n٢/ ١٤٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَدِيثِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) [بالنصب محذَّرٌ منهُ] (^٦)، (فإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). تقدم بيانُ معناهُ، وأنهُ تحذيرٌ منْ أنْ يحققَ ما ظنَّهُ. وأما نفسُ الظنِّ [فقدْ] (^٧) يهجمُ على القلبِ فيجبُ دفعُه والإعراضُ عن العملِ [به] (^٨).\n_________\n(^١) سورة الانفطار: الآية ١٣.\n(^٢) في (ب): \"تستمر\".\n(^٣) في (أ): \"مع ما يصاحبهما\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) أخرجه البخاري رقم (٦٠٦٤)، ومسلم رقم (٢٥٦٣)، وأبو داود رقم (٤٩١٧)، والترمذي رقم (١٩٨٨)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٠٨).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"فهو\".\n(^٨) في (ب): \"عليه\".","vol":"8","page":269},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1516>حقوق الجلوس على قوارع الطرقات</span>\n٣/ ١٤٣٦ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إيَّاكُمْ وَالْجُلُوسُ بالطُّرُقَاتِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: \"فَأمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ\"، قَالُوا: وَمَا حَقَّهُ؟ قَالَ: \"غَضُّ الْبَصَرِ، وَكفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إيّاكُمْ وَالْجُلُوسُ بالطُّرقاتِ) بضمتينِ جمعُ طريقِ (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَنَا بدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فإذَا أَبَيْتُمْ)، أي: امتنعتُم عنْ تركِ الجلوسِ على الطرقاتِ، (فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ) عنِ المحرماتِ، (وَكَفُّ الأذَى) عنِ المارِّينَ بقولٍ أو فعلٍ، (وَرَدُّ السّلَامِ) إجابتُه على مَنْ [سلَّم] (^٢) عليكمْ من المارِّينَ، إذِ السلامُ يسنُّ ابتداءً للمارِّ لا للقاعدِ، (والأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قالَ القاضي عياضٌ (^٣): فيهِ دليلٌ على أنَّهم فهِمُوا أنَّ الأمرَ ليسَ للوجوبِ، [وإنما هو] (^٤) للترغيبِ [فيما] (^٥) هو الأَوْلَى؛ إذْ لو فهمُوا الوجوبَ لم يراجعُوا. قالَ المصنفُ: ويحتملُ أنَّهم رَجَوْا وقوعَ النسخِ تخفيفًا لما شَكَوْا منَ الحاجةِ إلى ذلكَ. وقدْ زيدَ في أحاديثِ حقِّ الطريقِ على هذهِ الخمسةِ المذكورةِ، زادَ أبو داودَ (^٦): وإرشادُ ابنِ السبيلِ، وتشميتُ العاطسِ [إذا حمِدَ اللهَ] (^٧). وزادَ سعيدُ بنُ منصورٍ (^٨): وإغاثةُ الملهوفِ، وزادَ البزارُ (^٩): والإعانةُ علَى الحمْلِ،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٦٥)، ومسِلم رقم (٢١٢١).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٣٣٨)، وأبو داود رقم (٤٨١٥).\n(^٢) في (ب): \"رده\".\n(^٣) ذكره في \"الفتح\" (١١/ ١٢).\n(^٤) في (ب): \"أنه\".\n(^٥) في (أ): \"في\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٤٨١٦).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) لم يطبع الكتاب بعد فيما أعلم.\n(^٩) في \"كشف الأستار\" (٢/ ٤٢٥ رقم ٢٠١٩).","vol":"8","page":270},{"text":"وزادَ الطبرانيُّ (^١): وأعينُوا المظلومَ، واذكُروا اللَّهَ كثيرًا. وزاد أبو داود وكذا في مراسيل يحيى بن يعمر: وتهدوا الضالة. وزاد في حديث أبي طلحة: حسن الكلام. وزاد في حديث البراء عند أحمد والترمذي: وأفشوا السلام. قال السيوطيُّ في التوشيحِ: فاجتمعَ منْ ذلكَ ثلاثةَ عشرَ أدبًا، وقدْ نَظَمَهَا شيخُ الإسلامِ ابنُ حجرٍ -﵀-. قال المصنف -﵀- وقد نظمتها في أربعةِ أبياتٍ:\nجمعتُ آدابَ منْ رامَ الجلوسَ على الـ … ــــطريقِ منْ قولِ خيرِ الخلقِ إنسانًا\nافشِ السلامَ وأحسنْ في الكلامِ وشمـ … تْ عاطِسًا وسلامًا رُدَّ إحسانًا\nفي الحملِ عاونْ ومظْلُومًا أعِنْ وأغِثْ … لهفانَ اهدِ سبيلًا واهدِ حَيْرانًا\nبالعرفِ مرْ وانهَ عنْ نكْرٍ وكفَّ أذَى … وغضَّ طَرْفًا وأكثرْ ذِكرَ مَوْلانا\nوالحكمةُ في النَّهي عنِ الجلوسِ في الطرقاتِ أنهُ لجلوسِه يتعرَّضُ للفتنةِ، فإنهُ قدْ ينظرُ إلى الشهواتِ ممنْ يخافُ الفتنةَ على نفسِه [منَ النظرِ إليهنَّ] (^٢) معَ مرورهنَّ، وفيهِ التعرُّضُ للزومِ [حقوقِ اللَّهِ] (^٣) والمسلمينَ، ولوْ كانَ قاعدًا في منزلِه لما عرفَ ذلكَ، ولا لزمتْه الحقوقُ [التي في الجالس على الطريق] (^٤) [التي قدْ لا يقومُ بها] (^٥). ولما طلَبُوا الإذْنَ في البقاءِ في مجالسِهم، وأنهُ لا بدَّ لهم منْها عرَّفَهُم بما يلزمُهُم منَ الحقوقِ، وكلُّ ما [ورد] (^٦) منَ الحقوقِ قدْ وردتْ بهِ الأحاديثُ [مفرقةً] (^٧) تقدَّمَ بعضُها ويأتي بعضُها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1517>من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين</span>\n٤/ ١٤٣٧ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يُرِدِ الله بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٨). [صحيح]\n_________\n(^١) عزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦٢) إلى الطبراني وقال: فيه أبو بكر بن عبد الرحمن الأنصاري تابعي لم أعرفه وبقية رجاله وثقوا.\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ) \"واجب عليه لله تعالى\".\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في (أ) \"متفرقة\".\n(^٨) أخرجه البخاري رقم (٧١) وطريقه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٣١) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١/ ١٩) عن سعيد بن عفير. والبخاري رقم (٧٣١٢)، عن إسماعيل بن =","vol":"8","page":271},{"text":"(وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحديثُ دليلٌ على [عظمةِ] (^١) شأن [التفقهِ] (^٢) في الدينِ، وأنهُ لا يُعطَاهُ إلا مَنْ أرادَ اللَّهُ [بهِ] (^٣) خيرًا عظيمًا كما يرشدُ إليهِ التنكيرُ، ويدلُّ لهُ المقامُ. والفقهُ في الدينِ تعلُّمُ قواعدِ الإسلامِ، ومعرفةُ الحلالِ والحرامِ، ومفهومُ الشرطِ أنَّ مَنْ لم يتفقَّهْ في الدينِ لم يردِ اللَّهُ بهِ خيرًا. وقدْ وردَ هذا المفهومُ منطوقًا في روايةِ أبي يَعْلَى: \"ومَنْ لم يفقهْ لم يبالِ اللَّهُ بهِ\" (^٤).\nوفي الحديثِ دليلٌ ظاهرٌ على شرفِ الفقهِ في الدينِ والمتفقِّهينَ فيهِ على سائرِ العلومِ والعلماءِ، والمرادُ بهِ معرفةُ الكتابِ والسنَّةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1518>فضل حسن الخلق</span>\n٥/ ١٤٣٨ - وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ\n_________\n= أبي أويس، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٢٧٨) عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١/ ١٨) من طريق سحنون. أربعتهم عن ابن وهب، به.\n• وأخرجه البخاري رقم (٣١١٦) عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، به.\n• وأخرجه أحمد (٤/ ١٠١)، والدارمي (١/ ٧٣، ٧٤)، من طريق عبد الوهاب بن أبي بكر، عن الزهري، به.\n• وأخرجه مالك (٢/ ٩٠٠، ٩٠١)، وأحمد (٤/ ٩٢، ٩٣، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨ و٩٩ و١٠٤)، ومسلم رقم (٩٨/ ١٠٣٧)، وابن ماجه رقم (٢٢١)، والدارمي (١/ ٧٤)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ رقم ٧٢٩، ٧٨٢، ٧٨٣، ٧٨٤، ٧٨٥، ٧٨٦، ٧٨٧، ٧٩٢، ٧٩٧، ٨١٠، ٨١٥، ٨٦٠، ٨٦٤، ٨٦٨، ٨٦٩، ٨٧١، ٩٠٤، ٩٠٦، ٩١١، ٩١٢، ٩١٨، ٩٢٩)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم (٣٤٦)، و(٩٥٤)، وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١/ ١٨، ١٩)، من طرق عن معاوية.\n(^١) في (أ): \"عظم\".\n(^٢) في (أ): \"الفقه والعلم\".\n(^٣) في (أ): له.\n(^٤) في \"المسند\" (١٣/ ٣٧١ رقم ٢٨/ ٧٣٨١).\nوأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٨٣)، وقال: \"رواه أبو يعلى وفي الصحيح منه: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\"، وفيه الوليد بن محمد الموقري وهو ضعيف\".","vol":"8","page":272},{"text":"شَيء في الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ\"، أخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^١) وَالتّرْمِذِيُّ (^٢) وَصَحّحَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ). وتقدَّم الكلامُ في [حقيقة حسن الخلق] (^٣) بما لا يحتاجُ فيهِ إلى الإعادةِ لقربِ عهدهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1519>الحياء من الإيمان</span>\n٦/ ١٤٣٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"الْحَيَاءُ مِنَ الإيمَانِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الحياءُ في اللغةِ تغيُّرٌ وانكسارٌ يلحقُ الإنسانَ منْ خوفِ ما يُعابُ بهِ. وفي الشرعِ خُلُقٌ يبعثُ على اجتنابِ القبيحِ، ويمنعُ منَ التقصيرِ في حقِّ ذي الحقِّ، والحياءُ وإنْ كانَ قدْ يكونُ غريزةً فهو في استعمالِه على وِفقِ الشرعِ يحتاجُ إلى اكتسابٍ وعلمٍ ونيةٍ، فلذلكَ كانَ منَ الإيمانِ. وقدْ يكونُ كَسْبِيًّا، ومعنَى كونِه منَ الإيمانِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٧٩٩).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٠٠٢).\nقلت: وأخرجه ابن حبان رقم (٥٦٩٣)، وأحمد (٦/ ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٤٨، ٤٥١)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٤٩٦) وهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) في (ب): \"حقيقته\".\n(^٤) أخرجه البخاري رقم (٢٤) وفي \"الأدب المفرد\" رقم (٦٠٢)، وأبو داود رقم (٤٧٩٥)، والنسائي (٨/ ١٢١)، وابن منده في \"الإيمان\" رقم (١٧٦)، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، به وأخرجه مسلم رقم (٣٦)، والترمذي رقم (٢٦١٥)، وابن ماجه رقم (٥٨)، وابن منده رقم (١٧٤)، والحميدي رقم (٦٢٥)، وأحمد (٢/ ٩)، من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري في \"صحيحه\" رقم (٦١١٨) وفي \"الأدب المفرد\" رقم (٦٠٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٣٥٩٤)، وابن منده رقم (١٧٦)، وابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" رقم (٧٣) من طريق عبد العزيز الماجشون. وابن منده رقم (١٧٦) من طريق شعيب بن أبي حمزة. والطبراني في \"الصغير\" (١/ ٢٦٣) من طريق قرة بن عبد الرحمن، أربعتهم عن الزهري به.","vol":"8","page":273},{"text":"أنَّ المستحي ينقطعُ بحيائهِ عنِ المعاصي فيصيرُ كالإيمانِ القاطعِ بينَه وبينَ المعاصي. وقالَ [ابن قتيبة] (^١): معناهُ أنَّ الحياءَ يمنعُ صاحِبَه منِ ارتكابِ المعاصي كما يمنعُ الإيمانُ، فسُمِّيَ إيمانًا كما يُسَمَّى الشيءُ باسمِ ما قامَ مقامَه، والحياءُ مركَّبٌ منْ جُبْنٍ وعِفَّةٍ. وفي الحديثِ: \"الحياءُ خيرٌ كلُّه، ولا يأتي إلا بخيرٍ\" (^٢). فإنْ قلت: الحياءُ قدْ يمنعُ صاحِبَه عنْ إنكارِ المنكرِ، وهوَ إخلالٌ ببعضِ ما يجبُ فلا يتمُّ عمومُ: \"إنهُ لا يأتي إلا بخيرٍ\".\nقلتُ: قدْ أُجِيبَ عنهُ بأنَّ المرادَ منَ الحياءِ في الأحاديثِ الحياءُ الشرعيُّ، والحياءُ الذي ينشأُ عنهُ تركُ بعضِ ما يجبُ ليسَ حياءً شرعيًا بلْ هوَ عجزٌ ومهانةٌ، وإنَّما يُطْلَقُ عليهِ الحياءُ لمُشَابَهَتِه الحياءَ الشرعيَّ، وبجوابٍ آخرَ وهوَ أنّ مَنْ كانَ الحياءُ منْ خُلُقِه فالخيرُ عليهِ أغلبُ، أو أنهُ إذا كانَ الحياءُ من خُلُقِهِ كانَ الخيرُ فيهِ بالذاتِ فلا ينافيهِ حصولُ التقصيرِ في بعضِ الأحوالِ. قالَ القرطبيُّ في المفهمِ شرحُ مسلمٍ: وكانَ النبيُّ -ﷺ- قدْ جُمِعَ لهُ النوعانِ منَ الحياءِ المكتَسبِ والغريزيِّ، وكانَ في الغريزيِّ أشدَّ حياءً منَ العذراءِ في خِدْرِها، وكانَ في المكتسب في الذُّرْوَةِ العلْيا -ﷺ-.\n\n<span data-type='title' id=toc-1520>إذا لم تستح فاصنع ما شئت</span>\n٧/ ١٤٤٠ - وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إنَّ ممَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). لفظُ الأُولى ليسَ في\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٧٤). في (أ): \"القتيبي\".\n(^٢) أخرجه البخاري رقم (٦١١٧)، ومسلم رقم (٦٠/ ٣٧)، من حديث عمران بن حصين.\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٣٤٨٣).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٤١٨٣)، وأبو داود رقم (٤٧٩٧)، وأحمد (٥/ ٢٧٣).","vol":"8","page":274},{"text":"البخاريِّ بلْ في سُنَنِ أبي داودَ (^١)، ووقعَ في حديثِ حذيفةَ: \"إنَّ آخرَ ما تعلَّقَ بهِ أهلُ الجاهليةِ مِنْ كلامِ النبوةِ الأُولى -إلى آخرِه\" أخرجَهُ أحمدُ (^٢)، والبزارُ (^٣). والمرادُ منَ النبوةِ الأُولى ما اتفقَ عليهِ الأنبياءُ ولمْ يُنْسَخْ كما نُسِخَتْ شرائِعهُم، لأنهُ أمرٌ أطبقتْ عليهِ العقولُ. وفي قولِه: \"فَاصْنَعْ ما شِئْتَ\" قولانِ:\nالأولُ: أنهُ بمعنى الخبرِ، أي صنعتَ ما شئتَ، وعبَّر عنهُ بلفظِ الأمر للإشارةِ إلى أنَّ الذي يكفُّ الإنسانَ عنْ مواقعة الشرِّ هوَ الحياءُ، فإذا تركَه توفرتْ دواعيهِ على مواقعةِ الشرّ حتَّى كأنهُ مأمورٌ بهِ، أوِ الأمرُ فيهِ للتهديدِ أي اصنعْ ما شئتَ فإنَّ اللَّهَ مجازيكَ على ذلكَ.\nالثاني: أنَّ المرادَ انظرْ إلى ما تريدُ فعله فإنْ كان مما لا يستحى منهُ فافعلْه، وإنْ كانَ مما يُسْتَحَى منهُ فدعْه، ولا تبالِ بالخلْقِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1521>المؤمن القوي خير من الضعيف</span>\n٨/ ١٤٤١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى الله مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفِي كُلِّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجَزْ، وَإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٧٩٧).\n(^٢) في \"المسند\" (٥/ ٢٧٣).\n(^٣) كما في \"كشف الأستار\" (٢/ ٤٢٩ رقم ٢٠٢٨). وقال: قد اختلفوا عن ربعي فقال أبو مالك هكذا، وقال منصور: عن ربعي عن أبي مسعود.\nقلت: وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٧). وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح.\n(^٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٥٢ رقم ٣٤ - ٢٦٦٤).\nقلت:\n• وأخرجه أحمد (٢/ ٣٦٦، ٣٧٠)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦٢٣، ٦٢٤)، والطحاوي (٢٦٠، ٢٦١) من طريق محمد بن عجلان عن ربيعة بن عثمان عن الأعرج عن أبي هريرة. =","vol":"8","page":275},{"text":"(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفي كُلٍّ) [مَنْ القويِّ والضعيفِ] (^١) (خَيْرٌ) لوجودِ الإيمانِ [في القوي والضعيفِ] (^٢) (احْرِصْ) مِنْ حَرَصَ [يحرِصُ] (١) كضربَ يضرِبُ، ويقالُ: حرِصَ كسمِعَ (على ما يَنْفَعُكَ) في دينكَ ودنياكَ، (وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) عليهِ (وَلَا تَعْجَزْ) بفتحِ الجيم وكسرِها، (وَإنْ اصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلتُ كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). المرادُ منَ القويِّ قويُّ عزيمةِ النفسِ في الأعمالِ الأخرويةِ، فإنَّ صاحِبَها أكثرُ إقدامًا في الجهادِ، وإنكارِ المنكَرِ، والصبرِ على [تحمل] (^٣) الأذَى في ذلكَ، واحتمالِ المشاقِ في ذاتِ اللَّهِ تعالى، والقيامِ بحقوقِهِ منَ الصلاةِ والصومِ وغيرهما. والضعيفُ بالعكس منْ [ذلك كله] (^٤)، إلا أنهُ لا يخلو عنِ الخيرِ لوجودِ الإيمانِ فيهِ، ثم أمرهُ بالحِرْصِ على طاعةِ اللهِ تعالى وطلبِ ما عندَه وعلى طلب الاستعانة به تعالى [في كلِّ أمورِه] (٣)؛ إذْ حرصُ العَبْدِ بغيرِ إعانةِ اللَّهِ لا [تنفعُه] (^٥) [كما قال] (^٦):\nإذا لم يكنْ عونٌ منَ اللَّهِ للفتَى … فأكثُر ما يجني عليهِ اجتهادُه\nونهاهُ عنِ العجزِ، وهوَ التساهلُ في الطاعاتِ، وقدِ استعاذَ منهُ -ﷺ- بقولِه: \"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منَ الهمِّ والحزَنِ، ومنَ العجزِ والكسلِ\" وسيأتي. ونهاهُ بقولِه إذا أصابهُ شيءٌ منْ حصولِ ضررٍ أو فواتِ نفعٍ عنْ أنْ يقولَ \"لو\". قالَ بعضُ العلماءِ: هذا إنَّما هوَ لمنْ قاله معتقِدًا ذلكَ حتْمًا، وأنهُ لو فعلَ ذلكَ لم يصِبْه قطعًا، فأما مَنْ ردَّ ذلكَ إلى مشيئةِ اللَّهِ، وأنهُ لا يصيبُه إلَّا ما شاءَ اللهُ فليسَ مِنْ هذَا. واستدلَّ لهُ بقولِ أبي بكرٍ -﵁- لرسول اللَّهِ -ﷺ- في الغارِ: \"ولوْ أنَّ أحدَهم رفعَ رأسَهُ لرآنا، وسكوتُه -ﷺ-\" (^٧) قالَ القاضي عياضٌ (^٨): وهذا لا حجةَ فيهِ لأنهُ\n_________\n= • وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢٩٦)، والخطيب في \"تاريخه\" (١٢/ ٢٢٣)، من طريق ابن عيينة عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة.\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (أ): \"فيهما\".\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"هذا\".\n(^٥) في (أ): \"ينفعه\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) أخرج البخاري (٧/ ٢٥٧ رقم ٣٩٢٢) و(٨/ ٣٢٥ رقم ٤٦٦٣).\n(^٨) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٢٢٨).","vol":"8","page":276},{"text":"إنَّما أخبرَ عن أمرٍ مستقبلٍ، وليسَ فيهِ [دعْوى لردِّ قَدرِه] (^١) بعدَ وقوعِه.\nقالَ: وكذَا جميعُ ما ذَكرهُ البخاريُّ [في الصحيح] (^٢) في بابِ ما يجوزُ منَ اللّوِ كحديثِ: لولا حدَثانُ قومِكِ بالكفرِ\" (^٣) الحديثَ. \"ولو كنتُ راجمًا بغيرِ بيِّنةٍ\" (^٤) الحديث. \"ولولا أنْ أشقَّ على أمتي\" (^٥)، وشبيهُ ذلكَ؛ [فكلُّهُ] (^٦) مستقبلٌ، [ولا اعتراضَ فيهِ على قَدَرٍ] (^٧)، فلا كراهيةَ فيهِ لأنهُ إنَّما أخبرَ عنِ اعتقادِه فيما كانَ يفعلُ لولا المانعُ، [وعما هوَ في قدرتِه. فأما] (^٨) ما ذهبَ فليسَ في قدرتِه.\nقالَ القاضي عياض (^٩): فالذي عندي في معنَى الحديثِ أنَّ النَّهْيَ على ظاهرِه وعمومِه لَكنْ نَهْيُ تنزيهٍ. ويدلُّ عليهِ قولُه -ﷺ-: \"فإنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطانِ\".\nقالَ النوويُّ (^١٠): وقدْ جاءَ من استعمالِ لو في الماضي [الحديث] (^١١) قولُه -ﷺ-: \"لو استقبلتُ منْ أمري ما استدبرتُ ما سُقْتُ الهدْي\" (^١٢)، وغيرُ ذلكَ. فالظاهرُ أنَّ النّهيَ إنما هو عنْ إطلاقِ ذلكَ فيما لا فائدةَ فيهِ فيكونُ نهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ، وأما ما قالَهُ تأسُّفًا على ما فات منْ طاعةٍ اللَّهِ، وما هوَ متعذِّرٌ عليهِ منْ ذلكَ [ونحوِ هذا] (^١٣) فلا بأسَ بهِ، وعليهِ يُحملُ أكثرُ الاستعمالِ [الموجودِ] (^١٤) في الأحاديثِ.\n_________\n(^١) في (ب): \"رد قدر\".\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١٥٠٨ - البغا).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٧٢٣٩) بلفظ: \"لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم -﵇-، فإنَّ قريشًا استقصرت بناءهُ وجعلت له خلفًا\".\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٧٢٣٩) ورقم (٧٢٤٠).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ): \"وأما\".\n(^٩) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٢٢٨)، وذكره النووي في \"شرح مسلم\" (١٦/ ٢١٦).\n(^١٠) ذكره النووي في \"شرحه لمسلم\" (١٦/ ٢١٦).\n(^١١) زيادة من (أ).\n(^١٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٢/ ٥٩٤ رقم ١٥٦٨ - البغا) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^١٣) زيادة من (ب).\n(^١٤) زيادة من (ب).","vol":"8","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1522>عدم التواضع يؤدي إلى البغي</span>\n٩/ ١٤٤٢ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إنَّ اللهَ تَعَالَى أَوْحى إلَيَّ أنْ تَوَاضَعُوا، حَتى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أحَدٍ\"، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: إنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). التواضعُ عدمُ الكبرِ، وتقدَّمَ تفسيرُ التكبر. وعدمُ التواضع يؤدي إلى البغي، لأنهُ يَرَى لنفسِه مزيةً على الغيرِ فيبغي عليهِ [بقولهِ أوْ فعلِه] (^٢)، ويفخرُ عليهِ ويزدريهِ. والبغيُ والفخرُ مذمومانِ. ووردتْ أحاديثُ في [سرعةِ] (^٣) عقوبةِ البغي منْها عنْ أبي بكرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ -ﷺ-: \"ما مِنْ ذَنبٍ أجدرُ أوْ أحقَّ منْ أنْ يعجِّلَ اللهُ لصاحبهِ العقوبةَ في الدنيا معَ ما يدخرُ لهُ في الآخرةِ منَ البغي، وقطيعةِ الرحمِ\" أخرجَهُ الترمذيُّ (^٤)، والحاكمُ (^٥)، وصحَّحاهُ. وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (^٦). وأخرجَ البيهقيُّ (^٧): \"ليسَ شيءٌ مما عُصِيَ اللهُ بهِ هوَ أسرعُ عقوبةً منَ البغي\".\n١٠/ ١٤٤٣ - وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ رَدّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٨)، وَحَسّنَهُ. [حسن]\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦٤/ ٢٨٦٥).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٩٥)، وابن ماجه رقم (٤٢١٤).\n(^٢) في (أ) \"بقول أو فعل\".\n(^٣) في (أ) \"شرعية\".\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٢٥١١).\n(^٥) في \"المستدرك\" (٢/ ٣٥٦) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\n(^٦) في \"السنن\" (٤٢١١).\nقلت: وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦، ٣٨)، وأبو داود رقم (٤٩٠٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٣٤)، والطيالسي رقم (٨٨٠)، والخلاصة: فهو حديث صحيح.\n(^٧) في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٢١٧ رقم ٤٨٤٢).\n(^٨) في \"السنن\" رقم (١٩٣١) وقال: حديث حسن.\nقلت: وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٦/ ١١١ رقم ٧٦٣٥).","vol":"8","page":278},{"text":"(وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: مَنْ رَدّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ رَدَّ اللَّه عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيًّ، وَحَسّنَهُ).\n١١/ ١٤٤٤ - وَلأَحْمَدَ (^١) مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ نحوُهُ. [صحيح]\n(وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ [نَحْوَهُ]) (^٢). في الحديثينِ دليلٌ على فضيلةِ الردِّ على منِ اغتابَ أخاهُ عندَه، وهوَ واجبٌ لأنهُ منْ بابِ الإنكارِ للمنكرِ، ولِذَا وردَ الوعيدُ على تركِهِ كما أخرجَه أبو داود (^٣)، وابنُ أبي الدنيا (^٤): \"ما منْ مسلمٍ يخذلُ مسلِمًا في موضعٍ ينتهك فيهِ حرمتُه، ويُنْتَقَصُ منْ عِرْضِهِ إلا خذلَه اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيهِ نُصْرَتَهُ، وما من مسلم ينصر امرءًا مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته\". وأخرجَ أبو الشيخِ: \"مَنْ رَدّ عنْ عرضِ أخيهِ ردَّ اللهُ [عنهُ] (^٥) النارَ يومَ القيامةِ\"، وتلا رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٦). وأخرجَ أبو داودَ (^٧) وأبو الشيخ [أيضًا] (^٨): \"مَنْ حمَى [عن] (^٩) عِرْضَ أخيهِ في الدنيا بعثَ اللهُ لهُ ملَكًا يومَ القيامةِ يحميهِ منَ النارِ\". وأخرجَ الأصبهانيُّ (^١٠): \"منِ اغْتِيبَ عندَه أخوهُ فاستطاعَ نصرتَه فنصرَهُ، نصرَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ، وإنْ لم ينصرْهُ أذلَّهُ اللهُ في\n_________\n(^١) في \"المسند\" (٦/ ٤٤٩، ٤٥٠).\nوهو حديث صحيح. انظر الكلام عليه بتفصيل طيب في \"غاية المرام\" رقم (٤٣١) للمحدث الألباني.\n(^٢) في (أ): \"مثله\".\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٤٨٨٤).\n(^٤) في \"الغيبة والنميمة\" رقم (١٠٤)، وفي \"الصمت\" رقم (٢٤٣).\nقلت: وأخرجه أحمد (٤/ ٣٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٦٧ - ١٦٨) وهو حديث حسن بشواهده.\n(^٥) في (أ): \"عليه\".\n(^٦) سورة الروم: الآية ٤٧.\n(^٧) في \"السنن\" رقم (٤٨٨٣).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) في \"ترغيبه\" رقم (٢٢٠٧) وفيه إياس بن أبي عباس متروك.\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ١٠٧)، وابن أبي الدنيا في \"الغيبة\" رقم (١٠٦) وذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٢٧٠٦) وعزاه للحارث وأبي يعلى. وهو حديث ضعيف جدًا، والله أعلم.","vol":"8","page":279},{"text":"الدنيا والآخرةِ\". بلْ وردَ في الحديثِ أنَّ المستمعَ للغيبةِ أحدُ المغتابِيْنَ، فمنْ حضرَ الغيبةَ وجبَ عليه أحدُ أمورٍ: الردُّ عنْ عرضِ أخيهِ ولو بإخراجِ منِ اغتابَ إلى حديثٍ آخرَ، أو القيامِ عنْ [موقفِ] (^١) الغيبةِ، أو الإنكارِ بالقلبِ، أو الكراهةِ للقولِ. وقدْ عدَّ بعضُ العلماءِ السكوتَ [على الغيبة] (^٢) كبيرةً لورودِ هذا الوعيدِ، ولدخولِه في وعيدِ مَنْ لم يغيِّرِ المنكرَ، ولأنهُ أحدُ المغتابينَ حكْمًا وإن لم يكنْ مغتابًا لغةً وشرْعًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1523>الصدقة لا تنقص المال</span>\n١٢/ ١٤٤٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًا، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوِ إلَّا عِزًا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ الله (تَعَالَى). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). فَسَّرَ العلماءُ [عدمَ] (^٤) النقصِ بمعنيينِ:\nالأولُ: أنهُ يبارِكُ لهُ فيهِ ويدفعُ عنهُ الآفاتِ، فيجبرُ [نقصَ] (^٥) الصورةِ بالبركةِ الخفية.\nوالثاني: أنهُ يحصلُ بالثوابِ الحاصلِ عن الصدقةِ جبرانُ نقصِ عَيْنِها، فكأنَّ الصدقةَ لم تنقصِ المالَ لما يكتبُ اللَّهُ منْ مضاعفةِ [الحسنةِ] (^٦) إلى عشرِ أمثالِها إلى أضعافٍ كثيرةٍ.\nقلتُ: والمعنَى الثالثُ أنهُ تعالَى يخلفُها بِعَوضٍ يظهرُ بهِ عدمُ نقصِ المالِ، بلْ\n_________\n(^١) في (أ): \"موقع\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٢٥٨٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٢٠٢٩)، ومالك (٢/ ١٠٠٠) مرسلًا. وقال: لا أدري أيرفع هذا الحديث عن النبي -ﷺ- أم لا؟\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"بنقص\".\n(^٦) في (أ): \"الحسنات\".","vol":"8","page":280},{"text":"ربَّما زادتْه، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (^١)، وهوَ مجرَّبٌ محسوسٌ، وفي قولِه: \"وما زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًا\"، حثٌّ على العفوِ عنِ المسيءِ، وعدم مجازاتهِ على إساءتِه وإنْ كانتْ جائزةً، قالَ تعالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٢). وفيهِ أنهُ يجعلُ اللَّهُ تعالى للعافي عِزًا وعظمةً في القلوبِ لأنَّه [بالانتصافِ] (^٣) يظنُّ أنهُ يُعَظِّمُ ويصانُ جانبُه، ويهابُ ويظنُّ أنَّ الإغضاءَ والعفوَ لا يحصلُ بهِ ذلكَ فأخبرَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ- بأنهُ [يزدادُ] (^٤) بالعفو عزًّا. وفي قولهِ: \"وما تواضعَ أحدٌ للَّهِ\"، أي لأجلِ ما أعدَّه اللَّهُ للمتواضعينَ، \"إلًّا رفعهُ اللَّهُ\" دليلٌ على أنَّ التواضعَ سببٌ للرفعةِ في الدارينِ لإطلاقِه. وفي الحديثِ حثٌّ على الصدقةِ، وعلى العفوِ، وعلى التواضعِ، وهذهِ منْ أمهاتِ مكارمِ الأخلاقِ.\n١٣/ ١٤٤٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السّلَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٥) وَصَحّحَهُ. [صحيح]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الأرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطِّعَامَ، وَصلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ). الإفشاءُ لغةً الإظهارُ، والمرادُ نشرُ السلامِ علَى مَنْ [يعرفُه] (٦) وعلى منْ لا [يعرفُه] (^٦). وأخرجَ الشيخانِ (^٧) منْ حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرَ أنَّ رجلًا سألَ النبيَّ -ﷺ-: أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قالَ: \"تُطْعِمُ الطعامَ، وتقرأُ السلامَ على مَنْ عرفْتَ ومَنْ لمْ تعرفْ\". ولا بدَّ في السلام أنْ يكونَ بلفظٍ مسمعٍ لمنْ [يردُّ] (^٨) عليهِ، وقدْ أخرجَ البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (^٩) بسندٍ صحيحٍ عنِ ابنِ\n_________\n(^١) سورة سبأ: الآية ٣٩.\n(^٢) سورة الشورى: الآية ٤٠.\n(^٣) في (أ): \"بالاتصاف\".\n(^٤) يراد.\n(^٥) أخرجه الترمذي رقم (٢٤٨٥) وقال: صحيح، وهو كما قال.\n(^٦) في (أ): \"تعرفه\".\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (١٢)، ومسلم (٣٩).\nقلت: وأخرجه النسائي (٨/ ١٠٧).\n(^٨) في (أ): ترد.\n(^٩) رقم (١٠٠٥) (ث ٢٣٥).","vol":"8","page":281},{"text":"عمرِ: \"إذا سلَّمتَ فأسمعْ، فإنَّها تحيةٌ منْ عندِ اللَّهِ\". قال النوويُّ (^١): أقلُّه أنْ يرفعَ صوتَهُ بحيثُ يسمعُ المسلَّمُ عليهِ، فإنْ لم يسمعْه لم يكنْ آتيًا بالسنةِ فإنْ شكَّ استظهرَ. وإنْ دخلَ مكانًا فيهِ أيقاظٌ ونيامٌ فالسنةُ ما ثبتَ في صحيحِ مسلمٍ (^٢) عنِ المقدادِ قالَ: \"كانَ النبيُّ -ﷺ- يجيءُ منَ الليلِ، فيسلِّمُ تسليمًا لا يوقِظُ نائمًا، ويسمعُ اليقظانَ، فإن لقيَ جماعةً سلم عليهمْ جميعًا، ويكرهُ أنْ يخصَّ أحدَهم بالسلام، لأنهُ يولِّدُ الوحشةَ. ومشروعيةُ السلامِ لجلبِ التحابِّ والألفةِ، فقدْ أخرجَ مسلمٌ (^٣) منْ حديثِ أبي هريرة مرفوعًا: \"ألا أدُّلكمُ على ما تحابُّونَ بهِ؟ أفشُوا السلامَ بينَكم\". ويُشْرَعُ السلامُ عندَ القيامِ منَ الموقفِ، كما يشرعُ عندَ الدخولِ لما أخرجَهُ النسائيُّ (^٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"إذا قعدَ أحدُكم فليسلِّمْ، وإذا قامَ فليسلِّمْ، فليستِ الأُولَى أحقُّ منَ الآخرةِ\". [وتُكْرهُ أوْ تَحرُمُ] (^٥) الإشارةُ باليدِ أو [الرأسِ] (^٦) لما أخرجَهُ النسائيُّ (^٧) بسندٍ جيِّدٍ عنْ جابرٍ مرفُوعًا: \"لا تسلِّمُوا تسليمَ اليهودِ، فإنَّ تسليمَهم بالأكفِّ والرؤوسِ\"، إلا أنهُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذلكَ حالَ الصلاةِ [فقدْ] (^٨) وردتْ أحاديثُ [بأنهُ] (^٩) -ﷺ- كانَ يردُّ على مَنْ يسلِّمُ عليهِ وهوَ يصلِّي بالإشارةِ. وقدْ قدَّمنا تحقيقَ ذلكَ في شرحِ الحديث العشرين بابِ شروطِ الصلاةِ في الجزءِ الأولِ. وجُوِّزَتْ الإشارةُ بالسلامِ علَى مَنْ بَعُدَ عنْ سماعِ\n_________\n(^١) في \"شرحه لصحيح مسلم\" (١٤/ ١٤).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (١٧٤/ ٢٠٥٥).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٥٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥١٩٣)، والترمذي رقم (٢٦٨٨). وقال: حسن صحيح وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٦٩٢). وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٦٩).\nقلت: أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٠٨)، وأبو داود رقم (٥٢٠٨)، والترمذي رقم (٢٧٠٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٠، ٢٨٧، ٤٣٩).\n(^٥) في (أ): \"ويكره أو يحرم\".\n(^٦) في (أ): \"بالرأس\".\n(^٧) في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٣٤٠)، وفيه عنعنة أبي الزبير عن جابر، وقول ثور بن يزيد: حدث أبو الزبير وهي تشعر أنه لم يسمعه منه.\nوقد جاء نحوه عند الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسنده ضعيف. قاله د. حماده. والخلاصة فالحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٨) في (أ): \"وقد\".\n(^٩) في (أ): \"أنه\".","vol":"8","page":282},{"text":"لفظِ السلامِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (^١): وقدْ يستَدِلُّ بالأمرِ بإفشاءِ السلامِ مَنْ قَالَ بوجوبِ الابتداءِ بالسلامِ، ويُرَدُّ عليهِ أنهُ لو كانَ الابتداءُ فرضَ عينٍ على كلِّ أحدٍ كانَ فيهِ حرجٌ ومشقةٌ، والشريعةُ على التخفيفِ والتيسيرِ، فيحملُ على الاستحبابِ اهـ. قالَ النوويُّ (^٢): في التسليمِ علَى مَنْ لم يعرفْ إخلاصُ العملِ للهِ تعالَى، واستعمالُ التواضعِ، وإفشاءُ السلامِ الذي هوَ شعارُ الأمةِ [المحمَّديةِ] (^٣).\nوقالَ ابنُ بطالٍ (^٤): في مشروعيةِ السلامِ على غيرِ معروفٍ استفتاحُ المخاطبةِ للتأنيسِ، ليكونَ المؤمنونَ كلُّهم إخوةً فلا يستوحشُ أحدٌ منْ أحدٍ. وتقدَّمَ الكلامُ على صلةِ الأرحامِ مستوفَى، وعلى إطعامِ الطعامِ، فيشملُ مَنْ يجبُ عليهِ إنفاقُه، ويلزمُه إطعامُه ولو عُرْفًا أو عادةً، وكالصَّدقةِ على السائلِ للطعامِ وغيرِه، فالأمرُ محمولٌ على فعلِ ما هوَ أَوْلَى منْ تركِه [ليشملَ] (^٥) الواجبَ والمندوبَ. والأمرُ بصلاةِ الليلِ في قولِه: \"وصلُّوا بالليلِ\"، قدْ وردَ تفسيرهُ بصلاةِ العشاءِ، والمرادُ بالناسِ اليهودُ والنَّصارى، [فإنهم لا يصلُّون تلك الساعة] (^٦)، ويُحتملُ أنهُ أُرِيدَ ذلك وما يشملُ نافلةَ الليلِ. وقولُه: \"تدخلُوا الجنةَ بسلامٍ\"، إخبارٌ بأنَّ هذهِ الأفعالَ منْ أسبابِ دخولِ الجنةِ، وكأن بِسبَبِهَا يحصلُ لفاعِلها التوفيقُ، وتجنبُ ما يوبِقُها منَ الأعمالِ، وحصولُ الخاتمةِ الصالحةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1524>الدِّين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم</span>\n١٤/ ١٤٤٧ - وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"الدِّينُ النَّصِيحةُ -ثَلَاثًا-\"، قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ولأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٧). [صحيح]\n_________\n(^١) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٩).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢١).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢١).\n(^٥) في (أ): \"فيشمل\".\n(^٦) زيادة من (أ).\n(^٧) في \"صحيحه\" رقم (٥٥).\nقلت: وأخرجه النسائي (٧/ ١٥٦)، وأبو داود رقم (٤٩٤٤)، والترمذي رقم (١٩٢٦).\nوقال: حديث حسن صحيح.\n• انظر ترجمته في: \"الإصابة\" رقم (٨٣٨)، والوافي بالوفيات (١٠/ ٤٩٠٨) و\"الإكمال\" (٤/ ٨٨).","vol":"8","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1525>ترجمة تميم الداري</span>\n(وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -﵁-) هوَ أبو رُقَيَّةَ تميمُ بنُ أوسِ بنِ خارجةَ، نُسِبَ إلى جَدِّهِ دارٍ، ويقالُ الديريُّ نسبةً إلى ديرٍ كانَ فيهِ قبلَ الإسلامِ، وكانَ نصرانيًا، وليسَ في الصحيحينِ والموطأِ داريٌّ ولا ديريٌّ إلا تميمٌ، أسلمَ سنةَ تسعٍ، كانَ يختمُ القرآنَ في رَكعةٍ، وكانَ ربما ردَّدَ الآيةَ الواحدةَ الليلَ كلَّه إلى الصباحِ (^١)، سكنَ المدينةَ ثمَّ انتقلَ منْها إلى الشامِ، ورَوَى عنهُ النبيُّ -ﷺ- في خطبته قصةَ الجسَّاسةِ والدجالِ (^٢)، وهي مَنْقَبةٌ لهُ وهي داخلةٌ في روايةِ الأكابرِ عنِ الأصاغرِ، وليسَ لهُ في صحيحِ مسلمٍ إلا هذا الحديثُ وليسَ لهُ في البخاري شيءٌ (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلَاثًا) أي قَالَها ثلاثًا (قُلْنَا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي مَنْ يستحقُّها (قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). هذا [الحديثُ] (^٣) جليلٌ. قالَ العلماءُ: إنهُ أحدُ الأحاديثِ الأربعةِ التي يدورُ عليها الإسلامُ. قالَ النوويُّ (^٤): ليسَ الأمرُ كما قالُوه بلْ عليهِ مدارُ الإسلامِ، قالَ الخطابيُّ (^٥): النصيحةُ كلمةٌ جامعةٌ معناها حيازةُ الحظِ للمنصوحِ لهُ، ومعنَى الإخبارِ عنِ الدينِ بها أن عماد الدين وقوامُه النصحيةُ. قالُوا: والنصحُ للَّهِ الإيمانُ بهِ ونفيُ الشريك عنهُ، وتركُ الإلحادِ في صفاتِه، ووصْفِه تعالى بصفاتِ الكمالِ والجلالِ كلِّها، وتنزيههِ تعالَى عنْ جميعِ أنواعِ النقائصِ، [وتقديسه تعالى عن الشر وإرادته] (^٦)، والقيامِ بطاعتهِ، واجتنابِ معاصيهِ، والحبِّ فيهِ، والبعضِ فيهِ، وموالاةِ مَنْ أطاعَهُ، ومعاداةِ منْ عصاهُ، وغيرِ ذلِكَ مما يجبُ\n_________\n(^١) ذكر ابن حجر في \"الإصابة\" (١/ ٤٨٨) وقال: كان كثير التهجُّد قام ليلة بآية حتى أصبح وهي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ …﴾ [الجاثية: ٢١].\nوقال: رواه البغوي في \"الجعديات\" بإسناد صحيح إلى مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم! فذكره.\n(^٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم (١١٩/ ٢٩٤٢).\n(^٣) في (أ): \"حديث\".\n(^٤) انظر: \"صحيح مسلم شرح النووي\" (٢/ ٣٧).\n(^٥) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"8","page":284},{"text":"لهُ تعالَى. قالَ الخطابيُّ: وجميعُ هذهِ الأشياءِ راجعةٌ إلى العبدِ في نصيحةِ نفسِه، واللَّهُ تعالَى غنيٌّ عنْ نُصْحِ الناصحِ، والنصيحةُ لكتابِه الإيمانُ بأنهُ كلام الله تعالى، [وأنه من عنده] (^١)، وتحليلُ ما حلَّلَه، وتحريمُ ما حرَّمهُ، والاهتداءُ بما فيهِ، والتدبرُ لمعانيهِ، والقيامُ بحقوقِ تلاوتِه، والاتعاظُ بمواعظِه، والاعتبارُ بزواجرِه، والمعرفةُ لهُ. والنصيحةُ لرسولِ اللهِ -ﷺ- تصديقُه بما جاءَ بهِ، واتباعُه فيما أمرَ بهِ ونَهَى عنهُ، وتعظيمُ حقِّه وتوقيرُه [واحترامه] (^٢) حيّا وميِّتًا، ومحبةُ مَنْ أمرَ بمحبتِه منْ آله وصحبهِ، ومعرفةُ سنتهِ [النبوية] (^٣)، والعملُ بها ونشرُها، والدعاءُ إليها، والذبُّ عنْها. والنصيحةُ لأئمة المسلمينَ إعانتُهم على الحقِّ وطاعتُهم فيهِ، وأمرُهم به [والعمل به] (^٤)، وتذكيرُهم لحوائج العبادِ، ونصحُهم في الرفقِ والعدلِ، [وترك الباطل والظلم، وإزالة العسف والجور] (^٥).\nقالَ الخطابيُّ (^٦): ومنَ النصيحةِ لهم الصلاةُ خلفَهم، [والجهادُ معهُم] (^٧)، وتعداد أسبابِ الخيرِ في كلِّ منَ الأقسامِ هذه لا تنحصرُ. قيلَ: وإذا أريدَ بأئمةِ المسلمينَ العلماءُ: فنصْحُهم بقبولِ أقوالِهم، وتعظيمِ حقِّهم، والاقتداءِ بهم، ويُحْتَملُ أنهُ يحملُ عليهما الحديثُ فهوَ حقيقةٌ فيهمَا. والنصيحةُ لعامةِ المسلمينَ بإرشادهم إلى مصالِحهم في [دنياهمُ وأُخْراهُم] (^٨)، وكفُّ الأَذى عنْهم، وتعليمُهم ما جهلوهُ، وأمْرهُم بالمعروفِ، ونَهْيهُم عنِ المنكرِ ونحوُ ذلكَ، والكلامُ على كلِّ قسم يحتملُ الإطالةَ، [وفي هذا] (^٩) كفايةٌ، وقدْ بسطْنا الكلامَ عليهِ في شرحِ الجامعِ الصغيرِ. قالَ ابنُ بطالٍ (^١٠): في الحديثِ دليلٌ على أنَّ النصيحةَ تُسَمَّى دِيْنًا وإسلامًا، وأنَّ الدينَ [يقع] (^١١) علَى العملِ. كما [يقع] (^١٢) على القولِ، قالَ:\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ٣٧ - ٣٨).\n(^٧) زيادة من (ب).\n(^٨) في (أ) \"الدين والدنيا\".\n(^٩) في (أ) \"وفيما ذكرنا النووي\".\n(^١٠) ذكره النووي في \"شرح مسلم\" (٢/ ٣٩).\n(^١١) في (أ): \"يطلق\".\n(^١٢) في (أ): \"يطلق\".","vol":"8","page":285},{"text":"والنصيحةُ فرضُ كفايةٍ يجزئُ فيها مَنْ قَامَ بها، وتسقطُ عنِ الباقينَ، والنَّصيحةُ لازمةٌ على قدرِ الطاقةِ البشريةِ إذا علمَ الناصحُ أنهُ يقبلُ نصحُهُ، ويطاعُ أمرُه، وأَمِنَ على نفسِه المكروهَ، فإنْ خَشيَ أذىً فهوَ في [حلٍّ و] (^١) سَعَةٍ، واللهُ أعلمُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1526>حُسن الخلق من أسباب دخول الجنة</span>\n١٥/ ١٤٤٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى الله وَحُسْنُ الْخُلُقِ\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٣). [إسناده حسن]\n(وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ). الحديثُ دليلٌ على عظمةِ تقْوى اللَّهِ، وحسنِ الخلقِ. وتقوى اللهِ هيَ الإتيانُ [بالطاعاتِ] (^٤)، واجتنابُ المقبحاتِ، فمنْ أتَى بها وانتهَى عنِ المنهياتِ فهيَ مِنْ أعظمِ أسبابِ دخولِ الجنةِ. وأما حسنُ الخلُقِ [فتقدَّم] (^٥) الكلامُ فيهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1527>ممَّا يساعد على جلب التحابُب</span>\n١٦/ ١٤٤٩ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ\". أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى (^٦)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٧). [حسن]\n(وَعَنْهُ) [أي أبي هريرة] (^٨) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ لِيَسَعْهُمْ مِنْكمْ بَسْطُ الْوَجْهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. أخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى، وَصَحّحَهُ الحَاكِمُ). أي لا يتمُّ لكمْ شمولُ الناسِ بإعطاءِ المالِ لكثرةِ الناسِ وقلَّةِ المالِ، فهوَ\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٠٠٤)، وقال: هذا حديث صحيح غريب.\n(^٣) في \"المستدرك\" (٤/ ٣٢٤) ووافقه الذهبي. قلت: وهو حسن الإسناد.\n(^٤) في (أ): \"بالواجبات\".\n(^٥) في (أ): \"فقد تقدم\".\n(^٦) في \"مسنده\" (١١/ ٤٢٨ رقم ٧١٠/ ٦٥٥٠).\n(^٧) في \"المستدرك\" (١/ ١٢٤).\n(^٨) زيادة من (ب).","vol":"8","page":286},{"text":"غيرُ داخلِ في [مقدورِ] (^١) البشرِ، ولكنْ عليكمُ أنْ تسعُوهُم ببسطِ الوجْهِ والطلاقةِ، ولينِ الجانبِ، وخفضِ الجناحِ، ونحوِ ذلكَ مما يجلبُ التحابَّ بينَكُم، فإنهُ مرادٌ للَّهِ، وذلكَ فيما عدا الكافرَ، ومَنْ أمرَ بالإغلاظِ عليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1528>المؤمن مرآة آخيه</span>\n١٧/ ١٤٥٠ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ أخِيهِ الْمُؤْمِنِ\"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (^٢) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن]\n(وَعَنْهُ) [أي أبي هريرة] (^٣) (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: الْمُؤْمِنُ مِرآةُ أخِيهِ الْمؤمِنِ. أَخْرَجَهُ أَبو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ). أي المؤمنُ لأخيهِ المؤمنِ كالمرآةِ التي ينظرُ فيها وجهَهُ، فالمؤمنُ يطلعُ أخاهُ على ما فيهِ منْ عيبٍ، وينبهُه على إصلاحِه، ويرشدهُ إلى ما يزينُه عندَ مولاهُ تعالَى، وإلى ما يزينُه عندَ عبادِه، وهذا داخلٌ في النصيحةِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1529>مخالطة الناس والصبر على أذاهم</span>\n١٨/ ١٤٥١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصبِرُ\n_________\n(^١) في (أ): \"قدرة\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٩١٨)، وهو حديث حسن.\nقلت: وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢٥)، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٢)، وقال: \"رواه أبو يعلى، والبزار وزاد: \"وحسن الخلق\"، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري وهو ضعيف.\nوأورده الحافظ في \"المطالب العالية\" (٢/ ٣٨٧ رقم ٢٥٣٩) بزيادة \"وحسن الخلق\" وعزاه إلى ابن أبي شيبة ثم قال: \"عبد الله بن سعيد، به\" وعزاه إلى أبي يعلى. وأخرجه البزار رقم (١٩٧٧ - كشف) ورقم (١٩٧٨) ورقم (١٩٧٩) من طرق. في الحديث رقم (١٩٧٨)، طلحة لين الحديث قاله البزار. قلت: بل هو متروك. وأما الحديث رقم (١٩٧٩) رجاله ثقات. والخلاصة: أنَّ الحديث حسن.\n(^٣) زيادة من (ب).","vol":"8","page":287},{"text":"عَلَى أَذَاهُمْ\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيُّ (^٢) إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ الصَّحَابِيَّ. [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المؤمن الَّذي لا يُخَالِطُ النَّاسَ ولا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرمذيِّ إلَّا أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ الصَّحَابِيَّ).\nفيهِ أفضليةُ مَنْ يخالطُ الناسَ مخالطةً يأمرُهم فيها بالمعروفِ وينهاهُم عنِ المنكرِ، ويحسنُ معاملتَهم فإنهُ أفضلُ منَ الذي يعتزلُهم ولا يصبرُ على المخالطةِ، والأحوالُ تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ والأزمانِ، ولكلِّ حالٍ مقالٌ، ومَنْ رجَّحَ العُزلةَ فلهُ على فضلِها أدلةٌ. وقدِ استوفَاها الغزاليُّ في الإحياءِ (^٣) [وغيرِه] (^٤).\n١٩/ ١٤٥٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمّ كَمَا حَسّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي\"، رَوَاهُ أحْمَدُ (^٥)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّان (^٦). [صحيح بشاهده]\n(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: اللَّهُمْ كَمَا حَسّنْتَ خَلْقِي) بفتحِ\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٤٠٣٢) ولفظه: \"المؤمنُ الذي يخالِطُ النَّاسَ، ويصبرُ على أذاهُم، أعظَمُ أجرًا من المؤمن الذي لا يخالطُ الناس، ولا يصبر على أذاهم\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٢٥٠٧) وقال: قال ابن عدي: كان شعبة يرى أنه ابن عمر.\nولفظه: \"المسلمُ إذا كانَ يخالط الناسَ، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالطُ الناسَ ولا يصبر على أذاهُم\".\nوالخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، انظر الكلام عليه في \"الصحيحة\" رقم (٩٣٩).\n(^٣) (٢/ ٢٢٤ - ٢٣٦).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في \"مسنده\" (١/ ٤٠٣).\n(^٦) في \"صحيحه\" (٣/ ٢٣٩ رقم ٩٥٩).\nقلت: وأخرجه الطيالسي (١/ ٢٥٦)، وابن سعد (١/ ٣٧٧)، وأبو يعلى (٩/ ٩ رقم ١٠٩/ ٥٠٧٥)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٧٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير عوسجة بن رماح وهو ثقة.\nوللحديث شاهد من حديث عائشة أخرجه أحمد (٦/ ٨٦، ١٥٥)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٧٣) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح بشاهده، والله أعلم.","vol":"8","page":288},{"text":"الخاءِ المعجمةِ، وسكونِ اللامِ (فحسِّنْ خُلُقي) بضمِّها وضمِّ اللامِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان).\nقدْ كانَ -ﷺ- منْ أشرفِ العبادِ خَلْقًا وخُلُقًا، [وسؤالهُ] (^١) ذلكَ اعترافًا بالمِنَّةِ، وطَلبًا لاستمرارِ النعمةِ، وتعليمًا للأمةِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (أ): \"فسؤاله\".","vol":"8","page":289},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1530>[الباب السادس]: باب الذكر والدعاء</span>\nالذكرُ مصدرُ ذَكرَ، وهوَ ما يجري على اللسانِ والقلبِ، والمرادُ بهِ ذكرُ اللَّهِ تعالى. (والدعاءُ) مصدرُ دعا وهوَ الطلبُ، ويقال على الحثِّ على [فعلِ] (^١) الشيءِ نحوَ: دعوتُ فلانًا، استعنتُه، ويُقَالُ: دعوتُ فلانًا، [استغثت به] (^٢)، ويُطْلَقُ على العبادةِ وغيرِها.\nواعلم أنَّ الدعاءَ ذكرُ اللَّهِ تعالى وزيادةٌ، فكلُّ حديثٍ في فضلِ الذكرِ يصدقُ عليهِ، وقدْ أمرَ اللَّهُ تعالَى عبادَهُ بدعائِه فقالَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٣)، وأخبرَهُم بأنهُ قريبٌ [مجيب دعوة الداع] (^٤) فقالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٥)، وسمَّاهُ مخَّ العبادةِ، ففي الحديثِ عندَ الترمذيِّ (^٦) منْ حديثِ أنسٍ مرفُوعًا: \"الدعاءُ مخُّ العبادةِ\".\nوأخبرَ -ﷺ- أنَّ اللَّهَ تعالَى يغضبُ على منْ لم يدْعُه، [فإنهُ أخرج] (^٧) البخاريُّ في الأدبِ المفردِ (^٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: \"من لم يسألِ اللَّهِ يغضبْ\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) في (ب): \"سألته\".\n(^٣) سورة غافر: الآية ٦٠.\n(^٤) في (ب): \"يجيب دعاءهم\".\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٨٦.\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٣٧١) وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة، وهو حديث ضعيف.\nوقد ضعفه الألباني في \"ضعيف الترمذي\" رقم (٦٦٩)، وفي \"ضعيف الجامع الصغير\" وزيادته (٣٠٠٣).\n(^٧) في (أ): \"فأخرج\".\n(^٨) رقم (٦٥٨) وهو حديث حسن، انظر: \"الصحيحة\" رقم (٢٦٥٤).","vol":"8","page":290},{"text":"عليهِ\"، وأخبرَ -ﷺ- أن [الله] (^١) يحبُّ أنْ يُسْأَلَ فأخرجَ الترمذيُّ (^٢) منْ حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفُوعًا: \"سلُوا اللَّهَ منْ فضْلِه فإنهُ يحبُّ أنْ يُسْأَلَ\". والأحاديثُ في الحثِّ عليهِ كثيرةٌ، وهوَ يتضمنُ حقيقةَ العبوديةِ والاعترافَ بغِنَى الربِّ تعالى، وافتقارَ العبدِ، وقدرتُه تعالَ وعجزُ العبدِ وإحاطتُه تعالَى بكلِّ شيءٍ علْمًا. فالدعاءُ يزيدُ العبدَ قُرْبًا منْ ربِّه تعالى واعتِرافًا بحقِّه، ولِذَا حثَّ -ﷺ- على الدعاءِ وعلَّمَ اللَّهُ عبادَه دعاءَه بقولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (^٣) الآيةَ ونحوَها. وأخبرَنا بدعواتِ رُسُلِهِ [وأنبيائهم] (^٤) وتضرُّعِهم [فقال] (^٥) أيوبُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (^٦). وقالَ زكريا -﵇-: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ (^٧)، وقالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (^٨)، وقالَ أبو البشرِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ (^٩) الآيةَ. وقالَ يوسفُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [الآية بتمامها] (^١٠)، إلى قولهِ (^١١): ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^١٢). وقالَ يونسُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١٣)، ودعا نبيُّنا -ﷺ- في مواقفَ لا تنحصرُ عندَ لقاءِ [الأعداء] (^١٤) وغيرِها، ودعواتُه في الصباحِ (^١٥)، والمساءِ (^١٦)،\n_________\n(^١) في (ب): \"أنه تعالى\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٥٧١) وقال الترمذي: \"هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وحماد ليس بالحافظ وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي -ﷺ-، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون صحيحًا\" اهـ.\nقلت: وحكيم بن جبير أشد ضعفًا من ابن واقد فقد اتهمه الجوزجاني بالكذب، وإذا كان الأصح أن الحديث حديثه، فهو حديث ضعيف جدًا.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) سورة الأنبياء: الآية ٨٣.\n(^٧) سورة الأنبياء: الآية ٨٩.\n(^٨) سورة مريم: الآية ٥.\n(^٩) سورة الأعراف: الآية ٢٣.\n(^١٠) زيادة من (أ).\n(^١١) زيادة من (ب).\n(^١٢) سورة يوسف: الآيات ١ - ١٠.\n(^١٣) سورة الأنبياء: الآية ٨٧.\n(^١٤) زيادة من (ب).\n(^١٥) و(^١٦) (منها): ما أخرجه مسلم رقم (٢٦٩١)، وأبو داود، (٥٠٩١)، والترمذي رقم (٣٤٦٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥١٨) وصحَّحه على شرط مسلم، وأخرجه البخاري رقم (٦٤٠٥).\nعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله =","vol":"8","page":291},{"text":"والصلوات (^١)، وغيرِها معروفةٌ. فالعجبُ منَ الاشتغالِ بذكرِ الخلافِ بينَ مَنْ قالَ التفويضُ والتسليمُ أفضلُ منَ الدعاءِ، فإنَّ قائلَ هذا ما ذاقَ حلاوةَ المناجاةِ لربِّهِ، ولا تضرُّعَه واعترافَه بحاجتِه وذنبه.\nواعلمْ أنهُ قدْ وردَ منْ حديثِ أبي سعيدٍ عندَ أحمدَ (^٢) [مرفوعًا] (^٣): \"إنهُ لا يضيعُ الدعاءَ بلْ لا بدَّ منْ إحدَى خلال ثلاثٍ: إما أنْ يعجِّلَ لهُ دعوتَه، وإما أنْ [يدَّخِرَها له] (^٤) في الآخرةِ، وإمَّا أنْ يصرفَ عنهُ منَ السوءِ مثلَها\"، وصحَحهُ الحاكمُ (^٥). وللدعاءِ شرائطُ، ولقبولِه موانعُ قدْ أودعْناها أوائلَ الجزءِ الثاني من التنويرِ شرحِ الجامعِ الصغيرِ (^٦)، وذكرْنا فائدةَ الدعاءِ معَ سبقِ القضاءِ.\n_________\n= وبحمده مئة مرة، لم يأت أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه\".\n(ومنها): ما أخرجه الترمذي رقم (٣٣٨٨)، وأبو داود رقم (٥٠٦٨)، وابن ماجه رقم (٣٨٦٨)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨)، وابن حبان في \"الإحسان\" (٩٦٤) عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: كان إذا أصبح يقول: \"اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، وإليك النشور\". وإذا أمسى قال: \"اللهم بك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير\".\n(^١) (منها): ما أخرجه مسلم رقم (٥٢/ ٣٩٩) عن عمر، وأبو داود رقم (٧٧٥)، والترمذي رقم (٢٤٢) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"أنه كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: سبحانَك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرَك\".\n(ومنها): ما أخرجه البخاري رقم (٧٩٤)، ومسلم رقم (٤٨٤)، وأبو داود رقم (٨٧٧)، عن عائشة -﵂- أنها قالت: كان النبي -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللَّهمَّ ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي\".\n(ومنها): ما أخرجه مسلم رقم (٤٨٣)، وأبو داود رقم (٨٧٨)، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في ركوعه وسجوده: \"اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلّه، أوله وآخره، وعلانيته وسره\".\n(^٢) في \"مسنده\" (٣/ ١٨) بلفظ: \"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث … \".\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) في (أ): \"يؤخرها إلى\".\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٣)، ووافقه الذهبي.\n(^٦) هو كتاب للأمير الصنعاني ولا يزال مخطوطًا، وبحوزتي صورة له. وانظر: \"فيض القدير\" (٢/ ٤٤ رقم ١٢٨١).","vol":"8","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1531>فضل ذكر الله</span>\n١/ ١٤٥٣ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ\"، أَخْرَجَهُ ابنُ مَاجَهْ (^١)، وَصَحَّحَهُ (^٢) ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخُارِيُّ (^٣) تَعْلِيقًا. [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَقُولُ اللهُ تَعَالَي: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرّكَتْ بي شَفَتَاهُ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) وهُوَ في البخاريِّ (^٤) بلفظِ قالَ النبيُّ -ﷺ-: \"يقولُ اللهُ ﷿: أنا عندَ ظنَّ عبدي بي، وأنا معَهُ إذا ذكرني؛ فإنْ ذكرَني في نفسِه ذكرْتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منْهم، وإنْ تقرَّبَ إليَّ شِبْرًا تقربتُ إليهِ ذِرَاعًا، وإنْ تقرَّبَ إليَّ ذِراعًا تقربتُ إليهِ باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً\".\nوهذهِ معيةٌ خاصةٌ تفيدُ عظمةَ ذكرِه تعالَى، وأنهُ معَ ذاكرِه برحمتِه ولُطْفِهِ وإعانتِهِ والرِّضَا بحالِه. وقالَ ابنُ أبي جمرةَ (^٥): معناهُ أنا معَهُ بحسبٍ ما قصدَه منْ ذكرِه لي ثمَّ قالَ: يحتملُ أنْ يرادَ الذكرُ بالقلبِ، أوْ باللسانِ، أو بهمَا معًا، أو بامتثالِ الأمرِ واجتنابِ النَّهي. قالَ: والذي تدلُّ عليهِ الأخبارُ أنَّ الذكرَ على نوعينِ، أحدِهما مقطوعٍ لصاحبهِ بما تضمنُه هذا الخبرُ، والثاني على خطرٍ قالَ: والأولُ مستفادٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (^٦)، والثاني منَ الحديث الذي فيهِ: \"مَنْ لم تنْهَهُ صلاتُه عنِ الفحشاءِ والمنكرِ لم يزددْ منَ اللَّهِ إلا بُعْدًا\" (^٧)، لكنْ إنْ كانَ في حالِ المعصيةِ يذكرُ اللَّه [لخوفٍ] (^٨) ووجلٍ فإنهُ يُرْجَى لهُ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٧٩٢).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٨١٢).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٣/ ٤٩٩ رقم الباب ٤٣) تعليقًا، وهو حديث صحيح.\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٧٤٠٥).\nقلت: وأخرجه مسلم رقم (٢٦٧٥)، والترمذي رقم (٣٦٠٣)، وابن ماجه رقم (٣٨٢٢). وأحمد (٣/ ١٣٨)، وهو حديث صحيح.\n(^٥) ذكره الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٣٨٦).\n(^٦) سورة الزلزلة: الآية ٧.\n(^٧) ذكره الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ١٥٥) بلفظ قال علي: وحدثنا إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: قال رسول الله -ﷺ- من صلى صلاةً … \". وذلك من عدة طرق كلها عن الحسن.\n(^٨) في (أ): \"بخوف\".","vol":"8","page":293},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1532>ذكرُ اللَّه ينجي من عذابه</span>\n٢/ ١٤٥٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ الله مِنْ ذِكْرِ الله\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (^١)، والطَّبَرَانيُّ (^٢) بِإِسْنَادٍ حَسَنِ. [صحيح]\n(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، والطَّبرانيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ). الحديثُ منْ أدلَّةِ فضلِ الذكرِ، وأنهُ من أعظم أسباب النجاة من مخاوف عذاب الآخرة، وهو أيضًا منَ المُنجياتِ منْ عذابِ الدنيا ومخاوفها، ولذا يُقرن الله تعالى الأمر بالثبات لقتال الأعداء وجهادِهم بالأمرِ بذكرِه، قال [عزَّ قائلًا كريمًا] (^٣): ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٤)، وغيرُها منَ الآياتِ القرآنية، والأحاديثِ الواردةِ في مواقفِ الجهادِ.\n٣/ ١٤٥٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلسًا يَذْكُرُونَ الله إلَّا حَفَّتْهُم الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥).\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا حَفَّتْهُم الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. أَخْرَجَهُ\n_________\n(^١) في \"المصنف\": (١٠/ ٣٠٠ رقم ٩٥٠١).\n(^٢) عزاه إليه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٧٣)، وقال: رجاله رجال الصحيح.\nقلت: وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٣٩)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٧٣)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذًا.\nوكذلك أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١/ ٣٩٤ رقم ٥١٩)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٤٦).\nوالخلاصة: أنّ الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) سورة الأنفال: الآية ٤٥.\n(^٥) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٧٤ رقم ٣٨/ ٢٦٩٩).","vol":"8","page":294},{"text":"مُسْلِمٌ). دلَّ على فضيلةِ مجالسِ الذِّكرِ والذَّاكرينَ، [وعلى] (^١) فضيلةِ الاجتماعِ على الذِّكرِ. وأخرجَ البخاريُّ (^٢): \"إنَّ للَّهِ ملائكةً يطوفونَ في الطرقِ يلتمسونَ أهلَ الذِّكرِ، فإذا وجدُوا قومًا يذكرونَ اللَّهَ تعالَى تنادَوْا هلُمُّوا إلى حاجتِكُم، قالَ: فيحفُّونَهم بأجنحَتِهم إلى السماءِ الدُّنْيا\"، الحديثَ. وهذَا منْ فضائلِ مجالسِ الذكرِ تحضرُها الملائكةُ بعدَ التماسِهم لها. والمرادُ بالذكرِ: التسبيحُ [والتهليل والتكبير] (^٣) والتحميدُ وتلاوةُ القرآنِ ونحوُ ذلكِ. وفي حدِيثِ البزَّارِ (^٤): \"إنّهُ تعالَى يسألُ ملائكتَه ما يصنعُ العبادُ؟ وهوَ أعلمُ بهمْ، فيقولونَ: يعظِّمونَ آلاءَك، ويتلونَ كتَابَكَ، ويصلُّونَ على نبيِّكَ، ويسألونكَ لآخِرَتِهِمْ ودنياهُم\". والذِّكرُ حقيقةً في ذكرِ اللِّسانِ، ويُؤْجَرُ عليهِ الناطقُ، ولا يُشْتَرطُ استحضارُ معناهُ، وإنَّما يُشْتَرَطُ أنْ لا يقصدَ غيرَه، فإنِ انضافَ إلى الذكرِ باللسانِ الذكرُ بالقلبِ فهوَ أكملُ، وإنِ انضافَ إليهمَا استحضارُ معنَى الذكرِ، وما اشتملَ عليهِ منْ تعظيمِ اللهِ تعالَى ونفي النقائصِ عنهُ، ازدادَ كمالًا، فإنْ وقعَ ذلكَ في عملٍ صَالحِ [مما فرضَ] (^٥) منْ صلاةِ أو جهادٍ [أوْ غيرِهما] (^٦) فكذلكَ، فإنْ صحَّ التوجُّهُ وأخلصَ للَّهِ تعالى فهوَ أبلغُ في الكمال. وقالَ الفخرُ الرازيُّ (^٧): المرادُ بذكرِ اللِّسانِ الألفاظُ الدالةُ على التسبيحِ والتحميدِ [والتمجيدِ] (^٨). والذكرُ بالقلبِ التفكرُ في أدلَّةِ الذاتِ والصفاتِ، وفي أدلَّةِ التكاليفِ منَ الأمرِ والنَّهْي حتَّى يطَّلعَ على أحكامِه، وفي أسرارِ مخلوقاتِ اللَّهِ، والذكرُ بالجوارحِ هوَ أنْ تصيرَ مستغرقةً [بالطاعاتِ] (^٩)، ومنْ ثمَّةَ سمَّى اللَّهُ تعالى الصلاةُ ذِكْرًا في قولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١٠). وذكرَ بعضُ العارفينَ أنَّ الذِّكرَ علَى سبعةِ أنحاءٍ: فذكرُ العينين بالبكاءِ، وذكرُ الأذنينِ\n_________\n(^١) في (ب): \"و\".\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٦٤٠٨).\n(^٣) زيادة من (أ).\n(^٤) رقم (٣٠٦٢ - كشف) وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٧٧)، وقال: رواه البزار من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري وكلاهما وثق على ضعفه فعاد هذا إسناده حسن\" اهـ.\n(^٥) زيادة من (ب).\n(^٦) في (أ): \"أو صوم أو نحو ذلك\".\n(^٧) في \"تفسيره\" (٤/ ١٤٣ - ١٤٤).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) سورة الجمعة: الآية ٩.","vol":"8","page":295},{"text":"بالإصغاءِ، وذكرُ اللسانِ بالثناءِ، وذكرُ اليدينِ بالعطاءِ، وذكرُ البدنِ بالوفاءِ، وذكرُ القلبِ بالخوفِ والرجاءِ، وذكرُ الروحِ بالتسليمِ والرضاءِ، ووردَ في الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ الذكرَ أفضلُ الأعمالِ جميعِها، وهوَ ما أخرجَهُ الترمذيُّ (^١)، وابنُ ماجهْ (^٢)، وصحَّحَه الحاكمُ (^٣) منْ حديثِ أبي الدرداءِ مرفُوعًا: \"ألا أخبِرُكُم بخيرِ أعمالِكم، وأزكَاها عندَ مليككُم، وأرفعِها في درجاتِكم، وخيرٌ لكمْ منْ إنفاقِ الذهبِ والورِقِ، وخيرٌ لكمْ منْ أنْ تلْقَوْا عدوَّكم فتضربُوا أعناقَهم، ويضربُوا أعناقَكُم؟ قالُوا: بلَى، قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ\". ولا [تعارضُه] (^٤) أحاديثُ فضلِ الجهادِ، وأنهُ أفضلُ منَ الذكرِ، لأنَّ المرادَ بالذكرِ الأفضل منَ الجهادِ ذكرُ اللسانِ والقلبِ والتفكرِ في المعنَى، واستحضارِ عظمةِ الله تعالى، فهذَا أفضلُ منَ الجهادِ، والجهادُ أفضلُ منَ الذكرِ باللسانِ فقطْ. قالَ ابنُ العربيِّ: أنه ما مِنْ عملٍ صالحٍ إلا والذكرُ مشترطٌ في تصحيحِهِ، فمنْ لم يذكرِ اللَّهَ عندَ صدقتِهِ، أو صيامِه، [أو صلاته، أو حجه] (^٥)، فليس عملُه كاملًا، فصارَ الذكرُ أفضلَ الأعمالَ منْ هذهِ الحيثيةِ، ويشيرُ إليهِ حديثُ: \"نيةُ المؤمنِ خيرٌ مِنْ عَمَلِهِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1533>يطلب ممن جلس مجلسًا أن يذكر الله</span>\n٤/ ١٤٥٦ - وَعَنْهُ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٦) وَقَالَ: حَسَنٌ. [حسن]\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٣٧٧).\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٣٧٩٠).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٦).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ٤٤٦)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٧٣)، وقال: \"رواه أحمد وإسناده حسن\"، وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٥١٩). والخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^٤) في (أ): \"يعارضه\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ١٨٥ - ١٨٦ رقم ٥٩٤٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٥)، وقال أبو نعيم: \"هذا حديث غريب من حديث أبي حازم وسهل، لم يكتبه إلا من هذا الوجه\". وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٦١) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\"، ورجاله موثقون، إلا حاتم بن عباد بن دينار الجرشي، لم أر من ذكر له ترجمة\". =","vol":"8","page":296},{"text":"(وَعَنْهُ) أي أبي هريرة (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: مَا قَعَدَ قَوْمٌ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ)، \"فَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وإن شَاءَ غفرَ لهمْ\". وأخرجَهُ أحمدُ (^١) بلفظِ: \"ما جلسَ قومٌ مجلِسًا لم يذكرُوا اللَّهَ تعالَى فيهِ إلَّا كانَ عليهمْ تِرَةً، وما مِنْ رجلٍ يمشي طريقًا فلمْ يذكرِ اللَّهِ تعالَى إلَّا كانَ عليهِ تِرَةً، وما مِنْ رجل أوَى إلى فراشِه فلم يذكرِ اللَّهَ إلَّا كانَ عليهِ تِرَةً\". وفي روايةٍ (^٢): \"إلَّا كانَ حسرةً يومَ القيامةِ، وإنْ دخلوا الجنةَ للثوابِ\". والتِرةُ بمثناةٍ فوقيةٍ مكسورةٍ فراءٍ، بمعنَى الحسرةِ، وقالَ ابنُ الأثيرِ (^٣): هي النقصُ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الذكرِ [للهِ] (^٤)، والصلاةِ على النبيِّ -ﷺ- في المجلسِ، [لورودِ الوعيد علَى ترك ذلك] (^٥)، سيِّما معَ تفسيرِ التِّرةِ بالنارِ أو العذابِ فقدْ فُسِّرتْ بهِمَا، فإنَّ التعذيبَ لا يكونُ إلا لتركِ واجبٍ، أو فعلِ محظورٍ. وظاهرهُ أنَّ الواجبَ هوَ الذكرُ لله تعالى، والصلاةُ على النبي -ﷺ- معًا. وقدْ عُدَّتْ مواضعُ الصلاةِ على النبي -ﷺ- فبلغتْ ستةً وأربعينَ موضِعًا، قالَ أبو العاليةِ (^٦): معنَى صلاةِ اللَّهِ على نبيهِ ثناؤه\n_________\n= ونسبه المتقي الهندي في \"الكنز\" (٣/ ٤١٩) رقم (٧٢٣٧) إلى الطبراني في \"الكبير\".\n• ويشهد له حديث أنس عند القضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ١١٩ رقم ١٤٧) وحديث النواس بن سمعان فيه أيضًا رقم (١٤٨)، وإسناداهما ضعيفان.\nوالخلاصة: إنَّ الحديث ضعيف.\nوانظر: \"فيض القدير\" للمناوي (٦/ ٢٩١ رقم ٩٢٩٥)، و\"كشف الخفاء\" (٢/ ٤٣٠ - ٤٣١ رقم ٢٨٣٦) و\"المقاصد الحسنة\" رقم (١٢٦٠) وغيرها.\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٣٨٠). وقال: حديث حسن صحيح.\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٤٨٥٦)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٠٤)، وأحمد (٢/ ٤٣٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" رقم (٥٩١)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" رقم (٥٤٦). والخلاصة: فهو حديث حسن، والله أعلم.\nفي \"مسنده\" (٢/ ٤٣٢).\n(^٢) في \"مسنده\" (٢/ ٤٦٣) وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٧٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\nقلت: وأخرجه ابن حبان في \"الإحسان\" (٥٩٠)، والحاكم (١/ ٥٥٠).\n(^٣) في \"النهاية\" (١/ ١٨٩).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٥٥، ١٥٦).","vol":"8","page":297},{"text":"عليهِ عندَ ملائكتِه، ومعنَى صلاةِ الملائكةِ عليهِ الدعاءُ لهُ بحصولِ الثناءِ والتعظيمِ، [وفيها] (^١) أقوالٌ أُخَرُ هذا أجودُها. وقالَ غيرُه: الصلاةُ منهُ تعالَى على رسولِه -ﷺ- تشريفٌ وزيادةُ تَكْرِمَةٍ، [والصلاة] (^٢) على مَنْ دونَ النبيِّ رحمةٌ، فمعنَى قولِنا: اللَّهمَّ صلِّ على محمدٍ: عظِّمْ محمدًا، والمرادُ بالتعظيمِ إعلاءُ ذِكْرِهِ، وإظهارُ دينهِ، وإبقاءُ شريعتِه في الدنيا وفي الآخرةِ بإحرازِ مثوبتِه، وتشفيعُه في أمته، والشفاعةُ العظْمَى للخلائقِ أجمعينَ في المقامِ المحمودِ، ومشاركةُ الآلِ والأزواجِ بالعطفِ يرادُ بهِ في حقِّهم التعظيمُ اللائقُ بهمْ، وبهذَا يظهرُ وجهُ اختصاصِ الصلاةِ بالأنبياءِ استقلالًا دونَ غيرِهم، ويتأيدُ هذا بما أخرَجَهُ الطبرانيُّ (^٣) منْ حديثِ ابنِ عباسٍ يرفعُه: \"إذا صليتُم عليَّ، فصلُّوا على أنبياءِ اللَّهِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالَى بعثَهم كما بعثَني\"، فجعلَ العِلَّةَ البعثَة فتكونُ مختصةَ بمنْ بعثَ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (^٤) بسندٍ صحيحٍ عنِ ابنِ عباسِ: \"ما أعلمُ الصلاةَ تنبغي لأحد على أحدٍ إلَّا علَى النَّبيِّ -ﷺ-\". وحكَى القولَ بهِ عنْ مالكٍ (^٥) وقالَ: ما تعبَّدنا بهِ. قالَ القاضي عياضٌ (^٦): عامةُ أهلِ العلمِ على الجوازِ قالَ: وأنا أميلُ إلَى قولِ مالكٍ، وهوَ قولُ المحققينَ منَ المتكلمينَ والفقهاءِ. قَالُوا: يذكرُ غيرُ الأنبياءِ بالترضي -[لا بالصلاة] (^٧)، [والغُفرانِ] (^٨)، والصلاةُ على غيرِ الأنبياءِ يعني استقلالًا لم تكنْ منَ الأمرِ بالمعروفِ، وإنما حدثتْ في دولةِ بني هاشمٍ يعني العبيديينَ، وأما الملائكةُ [عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام] (^٩) فلا أعلمُ فيهِ حديثًا، وإنَّما يؤخذُ\n_________\n(^١) في (أ): \"فيه\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) ضعيف الإسناد، لضعف موسى بن عبيدة. وأخرجه الجهضمي في \"فضل الصلاة على النبي -ﷺ-\" (ص ٤٦ رقم ٤٥)، عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: \"صلُّوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني\" وإسناده واه جدًا. عمر بن هارون هو البلخي: متروك، وشيخه موسى بن عبيدة مثله أو أقل منه ضعفًا.\nقاله الألباني في تحقيق \"فضل الصلاة على النبي\".\n(^٤) في \"مصنفه\" (٢/ ٥١٩).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٧٠).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ٥١٩).\n(^٧) زيادة من (أ).\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) زيادة من (أ).","vol":"8","page":298},{"text":"ذلكَ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ (^١)، لأنَّ اللهُ سمَّاهُم رسلًا. وأما المؤمنونَ فقالتْ طائفةٌ: لا تجوزُ استقلالًا، وتجوزُ تِبْعًا فيما وردَ بهِ النصُّ كالآلِ والأزواجِ والذريةِ، ولم يذكرْ في النصِّ غيرَهم، فيكونُ ذلكَ خاصًا، ولا يقاسُ عليهمُ الصحابةُ ولا غيرُهم، وقدْ بيَّنا أنهُ يدْعَى للصحابةِ ونحوِهم بما ذكره اللهُ تعالى منْ أنهُ رضيَ عنْهم وبالمغفرةِ كما أمرَ بها رسولُه في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢). وأما الصلاةُ عليهمْ استقلالًا فلم تردْ، والمسألةُ فيها خلافٌ معروفٌ، فقالَ بجوازِه البخاريُّ (^٣)، ووردتْ أحاديثُ بأنهُ -ﷺ- صلَّى على آلِ سعدِ بنِ عبادةَ. [كما] (^٤) أخرجَهُ أبو داودٍ (^٥)، والنسائيُّ (^٦)، بسندٍ جيِّدٍ، ووردَ أنهُ -ﷺ- (^٧) صلَّى على آلِ أبي أَوْفَى، فمنْ قالَ بجوازِها استقلالًا على سائِرِ المؤمنينَ فهذَا دليلُه. ومِنْ أدلَّتهِ أنَّ اللَّهَ تعالَى قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ (^٨)، ومَنْ منعَ قالَ: هذا وردَ منَ اللَّهِ ومِنْ رسولِه -ﷺ- ولم يردِ الإذنُ لنا. وقالَ ابنُ القيِّم (^٩): يُصَلَّى على غيرِ الأنبياءِ والملائكةِ، وأزواجِ النبيِّ -ﷺ- وذريَّتِهِ، وأهلِ طاعتِه على سبيلِ الإجمالِ، ويُكْرَهُ في غيرِ الأنبياءِ لشخصٍ مفردٍ بحيثُ يصيرُ شِعَارًا، لا سيَّما إذا تركَ في حقِّ مِثله أو أفضلَ منهُ كما تفعلُه الرافضةُ، فلو اتفقَ وقوعُ ذلكَ مفردًا في بعضِ الأحايينِ منْ غيرِ أنْ يتخذَ شعارًا لم يكنْ فيهِ بأسٌ. اختلفُوا أيضًا في السلامِ على غيرِ الأنبياءِ بعدَ الاتفاقِ على مشروعيتِه في تحيةِ الحيِّ فقيلَ: يُشْرَعُ مُطْلَقًا، وقيلَ: تِبْعًا، ولَا يفردُ بواحدٍ لكونِه صارَ شِعَارًا للرافضةِ. ونقلَه النوويُّ (^١٠) عنِ [الشيخ محمدٍ] (^١١) الجوينيِّ.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة فى \"مصنفه\" (٢/ ٥١٩).\n(^٢) سورة محمد: الآية ١٩.\n(^٣) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٤) زيادة من (أ).\n(^٥) لم أعثر عليه.\n(^٦) لم أعثر عليه.\n(^٧) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٢٥٩).\nوأبو داود في \"السنن\" رقم (١٥٩٠)، والنسائي (٥/ ٣٠ رقم ٢٤٥٩).\n(^٨) سورة الأحزاب: الآية ٤٣.\n(^٩) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٧٠).\n(^١٠) في \"الأذكار\" (٢٠٩ - ٢١١)، وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^١١) زيادة من (ب).","vol":"8","page":299},{"text":"قلتُ: هذا التعليلُ بكونِه صار شِعَارًا لا ينهضُ على المنعِ، والسلامُ علَى الموتَى قدْ شرَعه اللَّهُ على لسانِ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"السلامُ عليكمْ دارَ قومٍ مؤمنينَ\" (^١)، وكان ثابِتًا في الجاهليةِ كما قالَ الشاعرُ:\nعليكَ سلامُ اللَّهِ قيسَ بنَ عاصمٍ … ورحمتُه ما شاءَ أنْ يترحَّمَا\nفما كانَ قيسٌ موتُه موتُ واحدٍ … ولكنَّه بنيانُ قومٍ تهدَّما\n\n<span data-type='title' id=toc-1534>فضل الذكر بعد الصبح وبعد المغرب</span>\n٥/ ١٤٥٧ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَشْرَ مَرَّاتِ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَنْ قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَشرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). زادَ مسلمٌ (^٣): \"لهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\"، وفي لفظٍ (^٤): \"مَنْ قَالَ ذلكَ في يومٍ مائةَ مرةٍ، كانتْ لهُ عِدْلُ عشرِ رقابٍ، وكُتِبَتْ لهُ مائةُ حسنةٍ، ومُحِيَتْ عنهُ مائةُ سيئةٍ، وكانتُ لهُ حِرْزًا منَ الشيطانِ يومَه ذلكَ حتَّى يمسيَ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ بهِ إلَّا أحدٌ عملَ أكثرَ منْ ذلكَ\".\nوأخرجَ أحمدُ (^٥) منْ طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ يعيشٍ عنْ أبي أيوبَ وفيهِ: \"مَنْ قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم رقم (٢٤٩)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٨)، والنسائي (١/ ٩٣، ٩٥)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٦)، والبيهقي في \"السنن\" (١/ ٨٢ - ٨٣)، والبغوي في شرح السنة\" (١٥١)، وأحمد (٢/ ٣٠٠، ٤٠٨)، وابن ماجه رقم (٤٣٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٤٠٤)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٩٣)، قلت: وأخرجه الترمذي رقم (٣٥٥٣)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٢٠ - ١٢١)، وأحمد (٥/ ٤١٨).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٢٦٩٣).\n(^٤) عند مسلم في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٧٠) رقم (٢٨/ ٢٦٩١) عن أبي هريرة -﵁-.\n(^٥) في \"مسنده\" (٥/ ٤١٥).","vol":"8","page":300},{"text":"إذَا صلَّى الصبحَ: لا إله إلَّا اللَّهُ \" فذكرهُ بلفظِ: \"عشرُ مرات كُنَّ كعدلِ أربعِ رقابٍ، وكُتِبَ لهُ بهِنَّ عشرُ حسناتٍ، ومحيَ عنهُ بِهِنَّ عشرَ سيئاتٍ، ورُفِعَ لهُ بهنَّ عشرُ درجاتٍ، وكُنَّ لهُ حِرْزًا منَ الشيطانِ حتَّى يمسيَ، وإذا قالَها بعدَ المغربِ فمثلُ ذلكَ\"، وسندُه حسنٌ. وأخرجَهُ جعفرُ (^١) في الذكرِ عنْ أبي أيوبَ رفعَهُ: \"قال: مَنْ قالَ حينَ يصبحُ فذكرَ مثلَه\". لكنْ زادَ: يُحْيِي ويُمِيتُ وقالَ: تعدلُ عشرَ رقابٍ، وكانَ لهُ مسلحةٌ منْ أولِ نهارِه إلى آخرهِ، ولم يعملْ يومئذٍ عملًا يقهرهنَّ، وإنْ قال [مثلَ] (^٢) ذلكَ حينَ يمسي فمثلُ ذلكَ\". وذكرَ العشرَ الرقابِ في بعضِها، والأربعَ في بعضِها كأنهُ باعتبارِ [الذاكرينَ] (^٣) في استحضارِ [هم] (^٤) معاني الألفاظِ [بالقلوبِ] (^٥)، وإمحاضِ التوجهِ والإخلاصِ لعلَّامِ الغيوبِ، فيكونُ اختلافُ مراتبِهم باعتبارِ ذلكَ وبحسبهِ كما قال القرطبيُّ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1535>فضل التسبيح والتحميد مائة مرة</span>\n٦/ ١٤٥٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ حُطّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٧). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ، [حُطَّتْ] (^٨) عَنْهُ خَطَايَاهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\n[معنَى] (^٩) سبحانَ اللَّهِ تنزيههُ عن كل ما لا يليقُ بهِ منْ نقصٍ، فيلزمُ نفيُ الشريكِ، والصاحبِ، والولدِ، وجميعِ الرذائل. والتسبيحُ يُطْلَقُ على جميعِ ألفاظِ الذِّكرِ، ويطلقُ على صلاةِ النافلةِ، ومنهُ صلاةُ التسبيحِ خُصَّتْ بذلكَ لكثرةِ التسبيحِ\n_________\n(^١) ذكر ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٠٥).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) في (أ): \"الذكر\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"بالقلب\".\n(^٦) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٠٥).\n(^٧) أخرجه البخاري رقم (٦٤٠٥)، ومسلم رقم (٢٦٩١).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٣٤٦٦)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٢٦)، ومالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٠٩)، وابن ماجه رقم (٣٨١٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٢٦٢).\n(^٨) في (أ): \"حطَّ\".\n(^٩) في (أ): \"يعني\".","vol":"8","page":301},{"text":"فيها. [وفي الحديث دلالة أنه يُكفِّرُ بهذا] (^١) الذِّكرِ الخطايا، وظاهرُه ولو كبائرُ، والعلماءُ يقيدونَ ذلكَ بالصغائر، ويقولونَ: لا تُمْحَى الكبائرُ إلا بالتوبةِ. وقدْ أوردَ على هذا سؤالٌ، وهوَ أنهُ يدلُّ على أنَّ التسبيحَ أفضلُ منَ التهليلِ فإنهُ قالَ في التهليلِ: \"إنَّ مَنْ قالَ مائةَ مرةٍ في يومٍ مُحِيَتْ عنهُ مائةُ سيئة\" كما قدَّمناهُ، وهُنَا قالَ: حُطَّتْ عنهُ خَطاياهُ ولو كانتْ مثلَ زبدِ البحرِ. والأحاديثُ دالةٌ على أنَّ التهليلَ أفضلُ، فقدْ أخرجَ الترمذيُّ (^٢)، والنسائيُّ (^٣)، وصحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ (^٤) والحاكمُ (^٥) منْ حديثِ جابرٍ مرفُوعًا: \"أفضلُ الذكرِ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيونَ منْ قبلي: لا إلهَ إلا اللَّهُ\"، وهيَ كلمةُ التوحيدِ والإخلاصِ، [وهيَ اسمُ اللَّهِ الأعظمِ] (^٦)، ومعنَى التسبيح داخلٌ فيها، [فإنه] (^٧) التنزيهُ عما لا يليقُ بالله ﷿، وهوَ داخلٌ في لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، إلخَ. وفضائلُها عديدةُ. وأُجيبَ عنهُ بأنهُ انضافَ إلى ثوابِ التهليلِ معَ التكفيرِ ثلاثةُ أمورٍ: رفعُ الدرجات، وكَتْبُ الحسناتِ، وعِتْقِ الرقابِ. والعِتْقُ يتضمنُ تكفيرَ جميعِ السيئاتِ، فإنَّ مَنْ أعتقَ رقبةً أعتق اللَّهُ بكلِّ عضوٍ منْها عضوًا منهُ في النارِ كما سلفَ. وظاهرُ الأحاديثِ أنَّ هذهِ الفضائلَ لكلِّ ذاكرٍ. وذكرَ القاضي (^٨) [عياض] (^٩) عنْ بعضِ العلماءِ أنَّ الفضلَ الواردَ في مثلِ هذهِ الأعمالِ الصالحةِ والأذكارِ إنَّما هوَ لأهلِ الفضلِ والدينِ والطهارةِ منَ الجرائمِ العظامِ، وليسَ مَن أصرَّ على شهواتِه وانتهكَ دينَ اللَّهِ وحرماتِه بلا حقٍّ، بالأفاضل المطهرينَ في ذلكَ، ويشهدُ لهُ قولُه تعالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (^١٠) الآية.\n_________\n(^١) في (ب): \"فيه أنه تُكفَّرَ بهذا\".\n(^٢) الجزء الأول منه في \"السنن\" رقم (٣٣٨٣). وقال: حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٣١).\n(^٤) في \"صحيحه\" (٨٤٦).\n(^٥) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٠٣)، وصحَّحه ووافقه الذهبي. أما الجزء الثاني من الحديث؛ فقد أخرجه الترمذي في \"السنن\" رقم (٣٥٨٥)، وقال: حديث غريب وحماد بن أبي حميد ليس بالقوي عند أهل الحديث.\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"فإن\".\n(^٨) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٠٨).\n(^٩) زيادة من (أ).\n(^١٠) سورة الجاثية: الآية ٢١.","vol":"8","page":302},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1536>فضل تكرار القول بكلمات الحديث</span>\n٧/ ١٤٥٩ - وَعَن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ -﵂- قَالَتْ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ قُلْتُ بعدكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ جوَيْرِيةَ بِنْتِ الْحَارِثِ -﵂- قَالَتْ: قَالَ [لي] (^٢) رَسُولُ اللهِ -ﷺ- لَقَدْ قُلْتُ بعدكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ) بكسرِ التاءِ خطابٌ لهَا (مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَاءَ نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). عَدَدَ خَلْقِهِ مَنصوبٌ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ تقديرُه أسبِّحهُ تسبيحًا، ومثلُه أخواتُه وخلقُه شاملٌ [لما في] (^٣) السماواتِ والأرضِ وفي الدنيا والآخرةِ. ورضاءَ نفسِه: أي عددَ مَنْ ﵃ منَ النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ، ورضاهُ عنْهم لا ينقضي ولا ينقطعُ، وزنةُ عرشِه: أي زنةُ ما لا يعلمُ قدرَ وزنهِ إلا اللهُ. ومدادُ كلماتِه: بكسرِ الميمِ، هو ما تمدُّ بهِ الدواةُ كالحبرِ، والكلماتُ: هيَ معلوماتُ اللَّهِ ومقدوراتُه، وهيَ لا تنحصرُ، وهي لا تتناهى، ومدادُها هوَ كلُّ مدَّةٍ يكتبُ بها معلومٌ أو مقدورٌ، وذلكَ لا ينحصرُ، فمتعلقهُ غيرُ منحصرٍ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (^٤) الآيةَ. الحديثُ دليلٌ علَى فضلِ هذهِ الكلماتِ، وأنَّ قائلَها يدركُ فضيلةَ تكرارِ القولِ بالعددِ المذكورِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1537>بيان الباقيات الصالحات في الحديث</span>\n٨/ ١٤٦٠ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢٧٢٦).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (١٥٠٣)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٦١)، وابن ماجه رقم (٣٨٠٨)، والترمذي رقم (٣٥٥٥)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٤٨ رقم ٩٩٩٠/ ٨).\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) سورة الكهف: الآية ١٠٩.","vol":"8","page":303},{"text":"\"الْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وسُبْحَانَ الله، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلَّا بِاللَّهِ\"، أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣). [حسن]\n(وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: الْبَاقِيَاتُ الصّالِحَاتُ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالله أكْبَرُ، والْحَمْدُ للهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلَّا بِاللهِ. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْن حِبّانَ وَالْحَاكِمُ). الباقياتُ الصالحاتُ يرادُ بها الأعمالُ الصالحةُ التىِ يبقَى لصاحِبها أجْرُها أبدَ الآباد، وفسَّرها -ﷺ- بهذِه الكلماتِ، ويحتَملُ أنهُ تفسيرٌ لقولِه تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الآية (^٤). وقد جاءَ في الأحاديثِ تفسيرُها بأفعالِ الخيرِ. فأخرجَ ابنُ المنذرِ (^٥)، وابنُ أبي حاتم (^٦)، وابنُ مردويْه (^٧) منْ حديثِ ابن عباسٍ: \"الباقياتُ الصالحاتُ هنَّ ذِكرُ اللَّهِ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، وسبحانَ اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، وتباركَ اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ، وأستغفرُ اللَّهِ، وصلَّى اللَّهُ علَى رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، والصيامُ، والصلاةُ، والحجُّ، والصدقةُ، والعتقُ، والجهادُ، والصلةُ، وجميعُ أنواع الحسناتِ، وهنَّ الباقياتُ الصالحاتُ التي تبقَى لأهلها في الجنةِ. وأخرجَ ابنُ أَبي شيبةَ (^٨)، وابنُ المنذرِ (^٩) عنْ قتادةَ: \"الباقياتُ الصالحاتُ، كلُّ شيءٍ منْ طاعةِ اللَّهِ فهوَ منَ الباقياتِ الصالحاتِ\". ولا ينافي تفسيرُها في الحديثِ بما ذُكِرَ فإنهُ لا حصرَ فيهِ عليْها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1538>أحب الكلام إلى الله أربع</span>\n٩/ ١٤٦١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:\n_________\n(^١) في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٨٤٨) عن أبي هريرة بنحوه.\n(^٢) في \"صحيحه\" (٨٤٠).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٥١٢) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أحمد (٣/ ٧٥)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٨٧): رواه أحمد وأبو يعلى (١٣٨٤)، وإسنادهما حسن.\nوخلاصة القول: أنّ الحديث حسن، والله أعلم.\n(^٤) سورة الكهف: الآية ٤٦.\n(^٥) و(^٦) و(^٧) عزاه إليهم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٣٩٨).\n(^٨) و(^٩) عزاه إليهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٣٩٩).","vol":"8","page":304},{"text":"\"أَحَبُّ الْكَلَامِ إلَى الله أرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بأيِّهِنَّ بَدَأتَ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: أَحَبُّ الكَلَامِ إلَى اللهِ أَرْبَعٌ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). إنما كانتْ أحبَّها إليهِ تعالَى لاشتمالها على تنزيهِهِ، وإثباتِ الحمدِ لهُ، والوحدانيةِ والأكبريةِ، وقولُه: \"لَا يَضُرُّكَ بِأَيّهِنَّ بَدَأْتَ\"، [دلَّ] (^٢) على أنهُ لا ترتيبَ بينَها، ولكنَّ تقديمَ التنزيهِ أَوْلَى، لأنها تقديم التخليةِ بالخاءِ المعجمةِ على التحلية [بالحاء المهملةِ] (^٣)، والتنزيهُ تخليةٌ عنْ كلِّ قبيحِ، وإثباتُ الحمدِ والوحدانيةِ والأكبريةِ تحليةٌ [بكلِّ صفات] (^٤) الكمالِ، لكنَّه لما كانَ تعالَى منزَّهًا ذاتًا عنْ كلِّ قبيحٍ لم [تضرَّ البداءةُ] (^٥) بالتحليةِ، وتقديمُها على التخليةِ. والأحاديث في فضلِ هذهِ الكلماتِ مجموعةً ومتفرِّقةً بحرٌ لا تنزفُه الدِّلاءُ، ولا يتَّسع له الإملاءُ، وكفَى بما في الحديثِ منْ أنَّها الباقياتُ الصالحاتُ، وأنَّها أحبُّ الكلامِ إلى اللَّهِ تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1539>من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله</span>\n١٠/ ١٤٦٢ - وَعَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: \"يَا عَبْدَ الله بْنِ قَيْسٍ، أَلَا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلَّا بِالله\"،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٢١٣٧).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨١١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٤٦)، وأحمد (٥/ ١٠، ٢١)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٢٧٦)، والطبراني في \"الكبير\" رقم (٦٧٩١)، وابن حبان رقم (٨٣٥) كلهم من حديث سمرة بن جندب.\n• وأخرجه النسائي (٨٤١) في \"عمل اليوم والليلة\"، وابن حبان في \"صحيحه\" (٨٣٣)، من حديث أبي هريرة.\n• وأخرجه أحمد (٤/ ٣٦)، والنسائي (٨٤٢)، في \"عمل اليوم والليلة\" عن بعض أصحاب النبي -ﷺ-.\n(^٢) في (أ): \"دال\".\n(^٣) في (أ): \"بالمهملة\".\n(^٤) في (أ): \"بصفات\".\n(^٥) في (أ): \"يضر ابتدائية\".","vol":"8","page":305},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^١)، زَادَ النَّسَائِيُّ (^٢): \"لَا مَلْجَأ مِنَ الله إلَّا إِلَيْهِ\". [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي مُوسَى الأشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: يَا عَبْدَ اللهِ بنِ قَيْسٍ، أَلَا أدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلَّا بِاللَّهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. زَادَ النَّسَائِيُّ منْ حَدِيثِ أبي مُوسَى: لَا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلَّا إِلَيْهِ)، أي: إنَّ ثوابَها مدَّخَرٌ في الجنةِ، وهوَ ثوابٌ نفيسٌ كما أنَّ الكنزَ أنفسُ أموالِ العبادِ، فالمرادُ مكنونُ ثوابها عندَ اللَّهِ لكمْ، وذلكَ لأنَّها كلمةُ استسلامٍ وتفويضٍ إلى اللَّهِ تعالى، واعترافٍ بالإذعانِ لهُ، وأنَّهُ لا صانعَ غيرهُ، ولا رادَّ لأمرِه، وأنَّ العبدَ لا يملكُ شيئًا منَ الأمرِ والحولُ والحركةُ والحيلةُ، أي: لا حركةَ، ولا استطاعةَ، ولا حيلةَ إلا بمشيئةِ اللَّهِ. ورُويَ تفسيرُها مرفُوعًا: \"أي لا حولَ عنِ المعاصي إلَّا بعصمةِ اللَّهِ، ولا قوةَ على طاعةِ اللَّهِ إلَّا باللَّهِ\"، ثمَّ قالَ -ﷺ-: \"كذلكَ أخبرني جبريلُ عنِ اللَّهِ ﵎\" (^٣). وقوله: \"ولا ملجأ\" مأخوذٌ منْ لجأَ إليهِ، وهوَ بفتحِ الهمزةِ، يقالُ: لجأتُ إليهِ والتجأتُ إذا استندتُ إليهِ واعتضدتُ بهِ، أي لا مستندَ منَ اللَّهِ ولا مهربَ عنْ قضائهِ إلَّا إليهِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1540>فضل الدعاء</span>\n١١/ ١٤٦٣ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: قَالَ: \"إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ\"، رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٤). [صحيح]\n_________\n(^١) البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٣٨٤)، ومسلم في صحيحه رقم (٢٧٠٤).\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (١٥٢٦)، والترمذي رقم (٣٤٦١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٥٦)، وابن ماجه رقم (٣٨٢٤).\n(^٢) في \"عمل اليوم والليلة\" (١٣، ٣٥٨).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٣٦٠١)، والبزار في \"كشف الأستار\" رقم (٣٠٨٩)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٩٩): رواه البزار مطولًا ومختصرًا. ورجالهما رجال الصحيح غير كميل بن زياد وهو ثقة …\nوأخرجه الحاكم (١/ ٥١٧)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه هكذا ووافقه الذهبي.\n(^٣) انظر تفسير ذلك في: \"الدر المنثور\" (٥/ ٣٩٣).\n(^٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٢٤٧)، وأحمد (٤/ ٢٦٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٣٨٤)، والحاكم (١/ ٤٩٠، ٤٩١)، وصحَّحه ووافقه الذهبي من طريق سفيان، عن =","vol":"8","page":306},{"text":"(وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ. رَوَاهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ). ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (^١). وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ.\n١٢/ ١٤٦٤ - وَلَهُ (^٢) مِنْ حَدِيثِ أنسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: \"الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ\". [ضعيف]\n(وَلَهُ) أي للترمذيُّ (مِنْ حَدِيثِ أنسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ) أي خَالِصُها، لأنَّ مخَّ الشيءِ خالصُه، وإنَّما كانَ مخُّها لأمرينِ:\nالأول: أنهُ امتثالٌ لأمرِ اللهِ تعالى حيثُ قالَ: ﴿ادْعُونِي﴾.\nالثاني: أنَّ الداعيَ إذا علمَ أنَّ نجاحَ الأمورِ منَ اللَّهِ انقطعَ عما سِواهُ، وأفردَه بطلبِ الحاجاتِ، وإنزالِ الفاقاتِ، وهذا هوَ مرادُ اللهِ تعالى مِنَ العبادةِ.\n١٣/ ١٤٦٥ - وَلَهُ (^٣) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- رَفَعَهُ: \"لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى الله مِنَ الدُّعَاءِ\"، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٤) وَالْحَاكِمُ (^٥). [حسن]\n_________\n= منصور، عن ذر، عن يُسَيْع الحضرمي عن النعمان. وأخرجه أبو داود رقم (١٤٧٩) والبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٧١٤)، والطيالسي في \"المسند\" رقم (٨٠١)، والحاكم (١/ ٤٩١)، وصحَّحه ووافقه الذهبي، من طريق شعبة، عن منصور، به.\nوأخرجه ابن ماجه رقم (٣٨٢٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٩/ ٣٠) كما في \"تحفة الأشراف\"، والترمذي رقم (٣٣٧٢)، وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦) من طرق عن الأعمش، عن ذر، به.\nوالخلاصة: أنَّ الحديث صحيح، والله أعلم.\n(^١) سورة غافر: الآية ٦٠.\n(^٢) أي للترمذي في \"السنن\" رقم (٣٣٧١)، وقال: حديث غريب.\nقلت: وهو حديث ضعيف. وقد ضعفه المحدث الألباني في \"ضعيف الترمذي\".\n(^٣) أي للترمذي في \"السنن\" رقم (٣٣٧٠).\n(^٤) في \"صحيحه\" رقم (٨٧٠).\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٠) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٧١٢)، والطيالسي (١/ ٢٥٣ منحة المعبود) ومن طريقه أحمد (٢/ ٣٦٢)، وابن ماجه رقم (٣٨٢٩).\nوالخلاصة: أنَّ الحديث حسن.","vol":"8","page":307},{"text":"(وَلَهُ) أي للترمذيِّ (عنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- رَفَعَهُ: لَيْسَ شَيْءٌ عَلَى اللَّهِ أَكْرَمَ مِنَ الدُّعَاءِ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ وَالْحَاكِمُ).\n١٤/ ١٤٦٦ - وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّعَاءُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ لَا يُرَدُّ\"، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^١) وَغَيْرُهُ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٣) وَغَيْرُهُ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ. أَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ وَغَيْرهُ، وَصَحّحَهُ ابْن حِبّانَ وَغَيْرهُ). تقدَّمَ الحديثُ [بلفظهِ] (^٥) آخرَ بابِ الأذانِ، وتقدَّمَ الكلامُ عليهِ، ويتأكدُ الدعاءُ بعدَ الصلاةِ المكتوبةِ لحديث الترمذيِّ (^٦). وعنْ أبي أمامةَ قال: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الدعاءِ أسمعُ؟ قالَ: \"جوفُ الليلِ، وأدبارُ الصلواتِ [المكتوباتِ] (^٧) \". وأما هذهِ الهيئةِ التي يفعلُها الناسُ في الدعاءِ بعدَ السلامِ منَ الصلاةِ بأنْ يبقى الإمامُ مستقبلَ القبلةِ، والمؤتمُّونَ خلفَه يدعونَ، فقالَ ابنُ القيِّمِ (^٨): لم يكنْ ذلكَ منْ هدْي النبيِّ -ﷺ-، ولا رُوِيَ عنهُ في حديثٍ صحيحٍ ولا حسن. وقدْ وردتْ أحاديثُ في الدعاءِ بعدَ الصلاةِ معروفةً، ووردَ التسبيحُ [والتحميدُ] (^٩) والتكبيرُ كما سلفَ في الأذكارِ [بعدَ الصلاة] (^١٠).\n_________\n(^١) في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٦٨، ٦٩).\n(^٢) كعبد الرزاق في \"مصنفه\" رقم (١٩٠٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ٢٢٥)، وأحمد (٣/ ١١٩)، وأبو داود رقم (٥٢١)، والبيهقي (١/ ٤١٠).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (١٦٩٦).\n(^٤) كالترمذي في \"السنن\" رقم (٢١٢) و(٣٥٩٤) و(٣٥٩٥).\nوالخلاصة: أنَّ الحديث صحيح.\n(^٥) في (أ): \"باللفظ\".\n(^٦) في \"السنن\" رقم (٣٤٩٩) وقال: حديث حسن.\nقلت: أخرجه النسائي (١٠٨) في \"عمل اليوم والليلة\". وفي إسناده انقطاع بين عبد الرحمن بن سابط وأبي أُمامة وفيه عنعنة ابن جريج ولمتنه شواهد.\nوالخلاصة: فهو حديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٧) في (أ): \"المكتوبة\".\n(^٨) في \"زاد المعاد\" (١/ ٢٥٧).\n(^٩) زيادة من (ب).\n(^١٠) زيادة من (أ).","vol":"8","page":308},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1541>مد اليدين بالدعاء</span>\n١٥/ ١٤٦٧ - وَعَنْ سَلْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنَّ رَبَّكُمْ حَييٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا\"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (^١) إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ سَلْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إنَّ رَبَّكمْ حَييٌّ) من الحياءِ بزنةِ نسيٍّ وحشيٍّ (كَريمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، [وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ]) (^٣). وصفُهُ تعالَى بالحياءِ يحملُ على ما يليقُ بجلاله وكبريائه كسائرِ صفاتِه نؤمنُ بها ولا نكيفُها، ولا يقالُ إنهُ مجازٌ، [وتطلبُ] (^٤) لهُ العلاقاتُ، هذا مذهبُ أئمةِ الحديثِ والصحابةِ وغيرِهم. \"وصِفْرًا\" بكسرِ الصادِ المهملةِ وسكونِ الفاءِ، أي: [خاليةً] (^٥). وفي الحديثِ دلالةٌ على استحبابِ رفعِ اليدينِ في الدعاءِ. والأحاديثُ فيهِ كثيرةُ (^٦). وأما حديثُ أنسٍ (^٧): \"لم يكن النبيُّ -ﷺ- يرفعُ يديْهِ في شيءٍ منَ الدعاءِ إلا في الاستسقاءِ\"، فالمرادُ بهِ المبالغةُ في الرفعِ، وأنهُ لم يفعله إلا في الاستسقاءِ. وأحاديثُ رفعِه -ﷺ- يديْهِ في الدعاءِ أفردَها الحافظُ المنذريُّ (^٨) في جزءٍ. وأخرجَ أبو داودَ (^٩) وغيرُه منْ حديثِ ابنِ عباسٍ: \"المسألة أنْ ترفعَ يديكَ حذوَ منكبيكَ، والاستسقاءُ أنْ تشيرَ بأصبعٍ واحدةٍ، والابتهالُ أنْ تمدَّ يديكَ جميعًا\"، وهوَ موقوفٌ. وأما مسحُ اليدينِ بعدَ الدعاءِ فوردَ فيهِ الحديثُ الآتي:\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي رقم (٣٥٥٦) وحسَّنه عن محمد بن بشار، وابن ماجه رقم (٣٨٦٥) عن بكر بن خلف، كلاهما عن ابن عدي بهذا الإسناد، وأخرجه أبو داود رقم (١٤٨٨).\n(^٢) في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٧).\nوالخلاصة: فهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) في (أ): \"ويطلب\".\n(^٥) في (أ): \"خائبة\" وهو خطأ.\n(^٦) منها: ما أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٣٤١) قال أبو عبد الله: وقال الأويسيُّ حدثني محمد بن جعفر عن يحيى بن سعيد وشريك: سمعا أنسًا عن النبي -ﷺ- رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه\".\n(^٧) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (١٠٣١).\n(^٨) وكذلك جمع السيوطي رسالة: (فض الوعاء في أحاديث رفع اليدين في الدعاء).\n(^٩) في \"السنن\" رقم (١٤٨٩)، وهو حديث صحيح.","vol":"8","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1542>مسح الوجه باليدين بعد الدعاء</span>\n١٦/ ١٤٦٨ - وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ (^١) التِّرْمِذِيُّ. وَلَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا: [ضعيف]\n- حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ -﵄- عِنْدَ أَبي دَاوَدَ (^٢)، وَغَيْرِهِ (^٣)، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ضعيف]\n(وَعَنْ عُمَرَ رَضَيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ في\n_________\n(^١) في \"السنن\" (٣٣٨٦).\nقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى وقد تفرد به، وهو قليل الحديث، وقد حدث عنه الناس\".\nقلت: ولكنه ضعيف كما في \"التقريب\" (١/ ١٩٧).\nوقال ابن حبان: يروي عن ابن جريج وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز أشياء مقلوبة يتخايل إلى من هذا الشأن صناعته أنها معمولة لا يجوز الاحتجاج به.\nانظر: \"المجروحين\" (١/ ٢٥٣)، و\"الجرح والتعديل\" (١/ ٢/ ١٤٥)، و\"الضعفاء والمتروكين\" للدارقطني رقم (١٦٥).\nقلت: فمثله لا يحسن حديثه.\n(^٢) في \"السنن\" رقم (١٤٨٥)، وقال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضًا.\nقلت: لأن فيه راويًا مجهولًا، وهو الذي رواه عن محمد بن كعب القرظي.\nوالخلاصة: أنّ الحديث ضعيف.\n(^٣) كابن ماجه رقم (١١٨١، ٣٨٦٦)، والحاكم (١/ ٥٣٦)، من طريق صالح بن حسان عن محمد بن كعب عن ابن عباس.\nقلت: وهذا سند ضعيف، من أجل ابن حسان فإنه منكر الحديث. وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ ٣٥١): \"سألت أبي عن هذا الحديث؟ فقال: منكر\".\n• وأخرج أبو داود رقم (١٤٩٢) عن ابن لهيعة عن حفص بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن السائب بن يزيد عن أبيه: \"أن النبي -ﷺ- كان إذا دعا فرفع يديه فمسح وجهه بيديه\".\nقلت: هذا سند ضعيف، لجهالة حفص بن هاشم، وضعف ابن لهيعة.\nوالخلاصة: فجميع هذه الطرق لا يتقوى الحديث بها لشدة ضعفها. فهو ضعيف.","vol":"8","page":310},{"text":"الدُّعَاءِ لَمْ يَرُدَّهُمَا حَتى يَمْسَحَ بهِمَا وَجْهَهُ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. ولَهُ شَوَاهِدُ، مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ، وَغَيْرِهِ، وَمَجْمُوعُهَا يَقْضِي بِأنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ). فيهِ دليلٌ على مشروعيةِ مسحِ الوجْهِ باليدينِ بعدَ الفراغِ منَ الدعاءِ، قيلَ: وكأنَّ المناسبةَ أنهُ تعالَى لما كانَ لا يردُّهما صِفْرًا فكأنَّ الرحمةَ أصابتْهما [فناسبَ] (^١) إفاضةَ ذلكَ على الوجْهِ الذي هوَ أشرفُ الأعضاءِ وأحقُّها بالتكريمِ.\n١٧/ ١٤٦٩ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيّ صَلَاةً\"، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (^٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٣). [ضعيف]\n(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيّ صَلاةً. أَخْرَجَهُ التِّرمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ). المرادُ أحقُّهَم بالشفاعةِ، أو القربِ منْ منزلتِه في الجنةِ، وفيهِ فضيلةُ الصلاةِ عليهِ -ﷺ-. وقدْ تقدَّمت قريبًا، ولوَ أضافَ هذا [الحديثَ] (^٤) إلى ما سلفَ [لكانَ] (^٥) أوفقَ [الحديث] (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1543>سيد الاستغفار</span>\n١٨/ ١٤٧٠ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أوْسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إله إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ\n_________\n(^١) في (أ): \"فيناسب\".\n(^٢) في \"السنن\" رقم (٤٨٤). وقال: حديث حسن غريب.\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٩١١).\nقلت: وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٧٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم (٦٨٦)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٤٢) من طرق.\nوالخلاصة: أنَّ الحديث ضعيف، والله أعلم.\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) في (أ): \"كان\".\n(^٦) زيادة من (أ).","vol":"8","page":311},{"text":"لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِر لِي، فَإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أْنْتَ\"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (^١). [صحيح]\n(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ أنْ يَقولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِر لِي، فَإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ). وتمامُ الحديثِ: \"مَنْ قالَها منَ النهارِ موقِنًا بها فماتَ منْ يومِه قبلَ أنْ يمسيَ [فهو مِنْ أهلِ] (^٢) الجنةِ، ومَنْ قالَها منَ الليلِ وهوَ موقِنٌ بها فماتَ قبلَ أنْ يصبِحُ فهوَ منْ أهلِ الجنةِ\".\nقالَ الطيبيُّ (^٣): لما كانَ هذا الدعاءُ جامِعًا لمعاني التوبةِ أستُعير لهُ اسمُ السيدِ، وهوَ في الأصلِ الرئيسُ الذي يقصدُ إليهِ في الحوائجِ، ويرجعُ إليهِ في الأمورِ. وجاءَ في روايةِ الترمذيِّ (^٤): \"ألا أدلُّكَ على سيِّدِ الاستغفارِ\"، وفي حديثٍ جابرٍ عندَ النسائيِّ (^٥): \"تعلَّمُوا سيِّد الاستغفارِ\". وقولُه: \"لا إله إلا أنتَ خلَقتني\" إلخ وقعَ في روايةٍ (^٦): \"اللهمَّ لكَ الحمدُ لا إلهَ إلا أنتَ خلقْتني إلخ\"، وزادَ فيهِ: \"آمنتُ لكَ مخلِصًا لكَ ديني\". وقولُه: \"وأنا عبدُكَ\" جملةٌ مؤكدةٌ لقولِه: أنتَ ربي، ويحتملُ أنَّ عبدَكَ بمعنَى عابِدُكَ فلا يكونُ تأكيدًا، ويؤيدهُ عطفُ قولِه: وأنا على عهدِكَ. ومعناهُ كما قالَ الخطابيُّ (^٧): أنا على ما عاهدتُكَ عليهِ وواعدتُكَ منَ الإيمانِ بكَ، وإخلاصِ الطاعةِ لكَ ما استطعتُ، ومتمسكٌ بهِ ومنجز وعدَكَ في التوبةِ والأجْرِ. وفي قولهِ: \"ما استطعت\"، اعترفَ بالعجزِ والقصورِ عنِ القيامِ بالواجبِ منْ حقِّه تعالَى.\nقالَ ابنُ بطالٍ (٧): يريدُ بالعهدِ الذي أخذَهُ الله على عبادِهِ حيثُ أخرجَهُم أمثالَ الذرِّ، وأشهدَهُم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ (^٨)؟ فأقرَّوا لهُ بالربوبيةِ،\n_________\n(^١) في \"صحيحه\" رقم (٦٣٠٦).\n(^٢) في (أ): \"دخل\".\n(^٣) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٩٩).\n(^٤) في \"السنن\" رقم (٣٣٩٣).\n(^٥) في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٢١ رقم ١٠٣٠١/ ٤).\n(^٦) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" رقم (٨٣٠٩)، وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١١٩)، وقال: فيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك.\n(^٧) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٩٩).\n(^٨) سورة الأعراف: الآية ١٧٢.","vol":"8","page":312},{"text":"وأذعنُوا لهُ بالوحدانيةِ، وبالوعدِ ما قالَ على لسانِ نبيِّهِ أنَّ منْ ماتَ لا يشركُ بي شيئًا [أن يدخلَهُ] (^١) الجنةَ. ومعنَى \"أبوءُ\": أقِرُّ وأعترفُ، وهوَ مهموزٌ، وأصلهُ البواءَ، ومعناهُ اللزومُ، ومنهُ: بوَّأهُ اللَّهُ منزلًا أي أسكنَه فكأنهُ ألزمهُ بهِ، \"وأبوءُ بذنْبي\" أعترفُ بهِ وأقرُّ. وقولُه: \"فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوبَ إلَّا أنتَ\"، اعترفَ بذنبِه أولًا ثمَّ طلبَ غفرانَه ثانيًا. وهذا من أحسنِ الخطاب، وألطفِ الاستعطافِ كقولِ أبي البشرِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٢).\nوقد اشتملَ الحديثُ على الإقرارِ بالربوبيةِ لله تعالَى، وبالعبوديةِ للعبدِ، [وبالتوحيد لله تعالى] (^٣)، والإقرارِ بأنهُ الخالقُ، والإقرارُ بالعهدِ الذي أخذَهُ على الأممِ، [والإقرار] (^٤) بالعجزِ عنِ الوفاءِ منَ العبدِ بالعهدِ، والاستعاذةُ بهِ تعالَى منْ شرِّ السيئاتِ، نحوُ: \"نعُوذُ باللَّهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيئاتِ أعمالِنا\" (^٥). والإقرارُ بنعمتِه تعالى على عبادِه [وإفرادها] (^٦) للجنسِ، والإقرارُ بالذنبِ، وطلبُ المغفرةِ، وحصرُ الغفرانِ فيهِ تعالَى. وفيهِ أنهُ لا ينبغي طلبُ الحاجاتِ إلا بعدَ الوسائلِ، وأما استشكال أنهُ كيفَ يستغفرُ النبي وقدْ غُفِرَ (^٧) لهُ -ﷺ- ما تقدَّمَ [مِنْ ذنبِه] (^٨) وما تأخرَ، وهوَ أيضًا معصومٌ، فإنهُ منَ الفضولِ لأنهُ -ﷺ- أخبرَ بأنهُ يستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ إليهِ في اليومِ سبعينَ (^٩) مرةً، وعلَّمنا الاستغفارَ فعلينا التأسيّ\n_________\n(^١) في (أ): \"دخل\".\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ٢٣.\n(^٣) في (ب): \"في التوحيد له\".\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) وهو جزء من حديث خطبة الحاجة. أخرجه أبو داود (٢/ ٥٩١ رقم ٢١١٨)، والترمذي (٣/ ١٣ رقم ١١٠٥)، والنسائي (٦/ ٨٩)، وابن ماجه (١/ ٦٠٩) رقم (١٨٩٢)، وابن الجارود رقم (٦٧٩)، الحاكم (٢/ ١٨٢ - ١٨٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٧٨)، والبيهقي (٧/ ١٤٦)، والدرمي (٢/ ١٤٢)، وأحمد (١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، ٤٣٢)، والطيالسي (٤٥ رقم ٣٣٨) من حديث ابن مسعود.\n(^٦) في (ب): \"وأفردها\".\n(^٧) يشير إلي قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١، ٢].\n(^٨) زيادة من (ب).\n(^٩) ما أخرجه البخاري (١١/ ١٠١ رقم ٦٣٠٧) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\".","vol":"8","page":313},{"text":"والامتثالُ لا إيرادُ السؤالِ والإشكالِ. وقدْ علم مَنْ خاطَبَهم بذلكَ فلم يوردوا إشكالًا ولا سؤالًا، ويكفينا كونُه ذكرَ اللَّهَ تعالى على كلِّ حالٍ، وهوَ مثلُ طلِبنَا للرزقِ، وقدْ تكفَّلَ بهِ وتعليمُه لنا ذلكَ: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^١)، وكلُّه تعبدٌ وذكرٌ للَّهِ تعالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1544>سؤال العافية في الدين والدنيا والأهل والمال</span>\n١٩/ ١٤٧١ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي. اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وآمِنْ رَوْعَاتِي، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِيني، وَعَنْ شِمَالي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي\"، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (^٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (^٣)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (^٤). [صحيح]\n(وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدَعُ هَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمّ إنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ في دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ [عَوْرَاتِي] (^٥) وآمِنْ [رَوْعَاتِي] (^٦)، وَاحْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ). العافيةُ في الدينِ السلامةُ منَ المعاصي والابتداعِ وتركِ ما يجبُ والتساهلِ في الطاعاتِ، وفي الدّنيا السلامةِ من شُرورِهَا ومَصَائِبِها، وفي الأهلِ السَّلامةُ مِنْ سوءِ العِشرَةِ والأمراض والأسقام، شغلهُم بطلب التوسُّع في الحطام وفي المالِ منَ الآفاتِ التي تحدثُ فيه، وسترُ العوراتِ عامٌّ لعورةِ البدنِ والدينِ والأهلِ والدنيا والآخرةِ، وتأمينُ الروعاتِ كذلكَ، والروعاتُ جمعُ روعةٍ\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ١١٤.\n(^٢) في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٦٦).\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٨٧١).\n(^٤) في \"المستدرك\" (١/ ٥١٧) وصحَّحه، ووافقه الذهبي.\nقلت: وأخرجه أبو داود رقم (٥٠٧٥). وهو حديث صحيح، والله أعلم.\n(^٥) في (أ): \"عورتي\".\n(^٦) في (أ): \"روعتي\".","vol":"8","page":314},{"text":"وهي الفزعُ. [وسألَ] (^١) الله الحفظَ لهُ منْ جميعِ الجهاتِ لأنَّ العبدَ بينَ أعدائهِ منْ شياطينِ الإنس والجن كالشاةِ بين الذئابِ إذا لم يكن له حافظٌ من اللَّهِ من قوةٍ. وخصَّ الاستعاذةَ بالعظمةِ عنِ الاغتيالِ منْ تحتِه، لأنَّ الاغتيالَ أخذُ الشيءِ خفيةً، وهوَ أنْ يخسفَ بهِ الأرضَ كما صنعَ اللَّهُ تعالَى بقارونَ، أوْ بالغرقِ كما صنعَ بفرعونَ، فالكلُّ اغتيالٌ منَ التَّحتِ.\n٢٠/ ١٤٧٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: يَقُولُ: \"اللَّهمّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ زوَالِ نِعْمِتِكَ، وَتَحوُّل عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وجَميع سَخَطِكَ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: اللَّهُمّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيع سَخَطِكَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ). الفجأةُ بفتح الفاءِ وسكونِ الجيمِ مقصورٌ، وبضمِّ الفاءِ وفتحِ الجيمِ والمدِّ، وهي البغتةُ، وزوالُ النعمةِ لا يكونُ منهُ تعالَى إلا بذنبٍ [يُصيبُه] (^٣) العبدُ، فالاستعاذةُ منَ الذنبِ في الحقيقةِ كأنهُ قالَ: نعوذُ بك مِنْ سيِّئَاتِ أعْمالِنَا، وهو تعليمٌ للعِبادِ، وتحوُّلُ العافية: انتقالُها، ولا يكونُ إلّا بحصولِ ضدِّهَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1545>الاستعاذة من غلبة الدَّين والعدو وشماتة الأعداء</span>\n٢١/ ١٤٧٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^٤)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (^٥). [حسن]\n(وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عمرو -﵄- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: اللَّهُمّ إني أعوذُ بِكَ\n_________\n(^١) في (أ): \"نسأل\".\n(^٢) في \"صحيحه\" (٤/ ٢٠٩٧ رقم ٩٦/ ٢٧٣٩).\nقلت: وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٣١)، وأبو داود في \"السنن\" رقم (١٥٤٥).\n(^٣) في (أ): \"من\".\n(^٤) في \"السنن\" (٨/ ٢٦٥ رقم ٥٤٧٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.\n(^٥) في \"المستدرك\" (١/ ٥٣١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه.","vol":"8","page":315},{"text":"مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الْعَدُوِّ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ). غلبةُ الدَّيْنِ ما يغلبُ المدينُ قضاؤُه. ولا ينافي الاستعاذةَ كونُه -ﷺ- استدانَ (^١) وماتَ ودرعُه مرهونةٌ في شيءٍ منْ شعيرٍ، فإنَّ الاستعاذةَ منَ الغلبةِ بحيثُ لا يقدرُ على قضائِه، ولا ينافيهِ أنَّ اللَّهَ معَ المدينِ حتَّى يقضيَ دينَه ما لم يكنْ فيما يكرهُ اللَّهُ تعالى، ورُوِيَ هذَا عنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ جعفرٍ (^٢) مرفُوعًا لأنهُ يحملُ على ما لا غلبةَ فيهِ، فمنِ استدانَ دَيْنًا يعلمُ أنهُ لا يقدرُ على قضائِه فقدْ فعلَ محرَّمًا، وفيهِ وردَ حديثُ: \"منْ أخذَ أموالَ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّاها اللَّهُ عنهُ، ومنْ أخذَها يريدُ إتلافَها أتلفَهُ اللَّهُ\" أخرجَهُ البخاريُّ (^٣)، وقدْ تقدَّمَ. ولذَا استعاذَ -ﷺ- منَ المغرَمِ وهوَ الدَّينُ، ولمَّا سألْته عائشةُ عنْ وجهِ إكثارِه منَ الاستعاذةِ منهُ قالَ: إنَّ الرجلَ إذا غرِمَ حدَّثَ فكذبَ، ووعد فأخلفَ\" (^٤)، فالمستدينُ يتعرَّضُ [لهذا الأمرِ العظيمِ] (^٥). وأما غلبةُ العدوِّ أي الباطلِ لأنَّ العدوَّ في الحقيقةِ إنَّما هو المعادي في أمرٍ باطلٍ، إما لأمرٍ دينيٍّ، أو [لأمرٍ] (^٦) دنيويٍّ، كغصبِ الظالمِ لحقِّ غيرِه معَ عدمِ القدرةِ على الانتصافِ منهُ أو غيرِ ذلكَ، وأما شماتةُ الأعَداءِ [فهيَ] (^٧) فرحُ العدوِّ [بضرٍّ نزلَ] (^٨) بعدوِّهِ. قالَ ابنُ بطالٍ: شماتةُ الأعداءِ ما ينكأُ القلبَ، [وتبلغُ] (^٩) بهِ النفسُ أشدَّ مبلغٍ. وقدْ قالَ هارونُ لأخيهِ -﵇-: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ (^١٠)، أي لا تفرحْهم بما يصيبني [من عتابك ووجدك عليَّ بالمعصية] (^١١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥/ ١٤٠ رقم ٢٥٠٨) و(٥/ ١٤٠ رقم ٢٥٠٩ ورقم ٢٥١٣) من حديث أنس، وأخرجه البخاري رقم (١٩٦٢ - البغا)، ومسلم رقم (١٦٠٣)، من حديث عائشة.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في \"السنن\" رقم (٢٤٠٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٣) وصحَّحه ووافقه الذهبي. وهو حديث صحيح. انظر: الصحيحة رقم (١٠٠٠) و(١٠٢٩).\n(^٣) في \"صحيحه\" رقم (٢٣٨٧).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٤١١).\n(^٤) أخرجه النسائي في \"السنن\" (٨/ ٢٦٤ رقم (٥٤٧٢).\nوهو حديث صحيح. وقد صححه الألباني في \"صحيح النسائي\" رقم (٥٠٥٤).\n(^٥) في (أ): \"لهذين الأمرين العظيمين\".\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في (أ): \"فهو\".\n(^٨) في (أ): \"لضر ينزل\".\n(^٩) في (أ): \"يبلغ\".\n(^١٠) سورة الأعراف: الآية ١٥٠.\n(^١١) زيادة من (أ).","vol":"8","page":316},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1546>معنى الصمد</span>\n٢٢/ ١٤٧٤ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلهَ إلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفوًا أحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أجَابَ\". أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَسْأَلُكَ بِأَنِّي [أشْهَدُ] (^٣) أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلهَ إلَّا أنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفوًا أَحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ). الأحدُ صفةُ كمالٍ لأنَّ الأحدَ الحقيقيَّ ما يكون منزَّهَ الذاتِ عنْ [أنحاءِ] (^٤) التركيبِ والتعددِ، وما يستلزمُ أحدَهما كالجسميةِ والتحيزِ والمشاركةِ في الحقيقةِ وخواصها، كوجوبِ الوجود والقدرةِ الذاتيةِ، والحكمةِ الناشئةِ عنِ الألوهيةِ. والصمدُ السيدُ الذي يُصمدُ إليهِ في الحوائجِ، ويقصدُ، والمتصفُ بهِ على الإطلاقِ هوَ الذي يستغني عنْ غيرِه مُطلَقًا، وكلُّ ما عداهُ [محتاجٌ] (^٥) إليهِ وليس ذلك إلَّا اللَّهُ تعالَى وتقدَّس. ووصفُه بأنهُ لم يلدْ معناهُ لم يجانسْ ولم يفتقرْ إلى ما يعينُهُ أو يخلفُ عنهُ لامتناعِ الحاجةِ والفناءِ عليهِ، وهوَ ردٌّ على مَنْ قالَ: الملائكةُ بناتُ اللَّهِ (^٦)، ومَنْ قالَ: عزيرٌ ابنُ اللَّهِ (^٧)،\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود رقم (١٤٩٣)، والترمذي رقم (٣٤٧٥)، وابن ماجه رقم (٣٨٥٧).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٨٩١).\nقلت: وصحَّحه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٠٤)، إلا أنه قال: \"لقد سألت الله باسمه الأعظم\" وقال: صحيح على شرطهما.\n(^٣) في (أ): \"أشهدك\".\n(^٤) في (أ): \" أجزاء\".\n(^٥) في (أ): \"يحتاج\".\n(^٦) يشير إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾. [الإسراء: ٤٠].\n(^٧) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ....﴾ [التوبة: ٣٠].","vol":"8","page":317},{"text":"والمسيحُ ابنُ اللَّهِ (^١). وقولُه: لم يولد [أي] (^٢) لم يسبقْه عدمٌ.\nفإنْ قلتَ: المعروفُ تقدمُ كونِ المولودِ مولُودًا على كونِه والدًا فكانَ هذا يقتضي أنْ يقالَ: [الذي] (^٣) لم يولدْ ولم يلدْ. قلتُ: القصدُ الأصليُّ هنا نفيُ كونِه تعالَى ليسَ لهُ ولدٌ كما ادَّعاهُ أهلُ الباطلِ، ولم يدَّعِ أحدٌ أنهُ تعالَى مولودٌ، فالمقامُ مقامُ تقديمِ نفي ذلكَ.\nفإنْ قلتَ: فَلِمَ ذكرَ ولم يولدْ معَ عدمِ منْ يدَّعيهِ؟ قلتُ: تتميمًا لتفردِ اللَّهِ تعالَى عنْ مشابهاتِ المخلوقينَ، وتحقيقًا لكونِه ليسَ كمثلِه شيءٌ. والكُفُؤُ المماثلُ، أي لم يكنْ أحدٌ يماثلُه في شيءٍ منْ صفاتِ كمالِه وعلُوِّ ذاتِه.\nوفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي تحرِّي هذهِ الكلماتِ عندَ الدعاءِ، لإخبارِه -ﷺ- أنه تعالى إذا سُئِلَ بها أعطَى، وإذا دُعِيَ بها أجابَ، والسؤالُ الطلبُ للحاجاتِ، والدعاءُ أعمُّ منهُ فهوَ منْ عطفِ العامِّ على الخاصِّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1547>دعاء الصباح والمساء</span>\n٢٣/ ١٤٧٥ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إذَا أصْبَحَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ بكَ أصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ\"، وإِذَا أمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلَّا أنَّهُ قَالَ: \"وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ\"، أَخْرَجَهُ الأَرْبَعةُ (^٤). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ. وَإِذَا أَمْسَى قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ،\n_________\n(^١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ …﴾ [التوبة: ٣٠].\n(^٢) زيادة من (ب).\n(^٣) زيادة من (ب).\n(^٤) أبو داود رقم (٥٠٦٨)، والترمذي رقم (٣٣٩١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٥٦٤)، وابن ماجه رقم (٣٨٦٨).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (١٣٢٥)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (١١١٩)، وابن حبان رقم (٢٣٥٥ - موارد).\nقال الترمذي: حديث حسن وصححه النووي في \"الأذكار\" وابن حجر في \"أماليه\" كما في \"الفتوحات الربانية\" (٣/ ٨٦).","vol":"8","page":318},{"text":"إلَّا أَنَّهُ [قَالَ] (^١): وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ). متعلِّقٌ الظرفُ [مقدر] (^٢) أي بقوتِك وقدرتِكَ وإيجادكَ أصبحْنا، أي: دخلْنا في الصباحِ؛ إذْ أنتَ الذي أوجدْتَنا، وأوجدتَ الصباحَ، ومثلُه أمسيْنا. والنشورُ منْ نشرَ الميتَ إذَا أحياهُ، وفيهِ مناسبةٌ لأنَّ النومَ أخو الموتِ، فالإيقاظُ منهُ كالإحياءِ بعدَ الإماتةِ كما ناسبَ في المساءِ ذكرُ المصيرِ، لأنه ينامُ فيهِ، والنومُ كالموتِ. وفيهِ الإقرارُ بأنَّ كلَّ إنعامٍ منَ اللَّهِ تعالَى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1548>الدعاء بالحسنة في الدنيا والآخرة</span>\n٢٤/ ١٤٧٦ - وَعَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَبّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفي الآخِرَةِ حَسَنةَ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ أكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).\nقال [القاضي] (^٤) عياضٌ (^٥): إنما كانَ يدعُو بهذهِ الآية لِجمعِها معاني الدعاءِ كلِّه منْ أمرِ الدنيا والآخرةِ. قالَ: والحسنةُ عندَهم [ههنا] (^٦) النعمةُ، فسألَ نعيم الدنيا والآخرة، والوقايةَ منَ العذابِ نسألُ اللَّهَ أنْ يمنَّ علينا بذلكَ. وقدْ كثرَ كلامُ السلفِ في تفسيرِ الحسنةِ. فقالَ ابنُ كثيرٍ (^٧): الحسنةُ في الدنيا تشملُ كلَّ مطلوبٍ دنيويٍّ منْ عافيةٍ ودارٍ رحْبةٍ، وزوجةٍ حسناءَ، وولدٍ بارٍّ، ورزقٍ واسعٍ، وعلمٍ نَافعٍ، وعملٍ صالحٍ، ومرْكَبٍ هنيٍّ، وثيابٍ جميلةٍ، إلى غيرِ ذلكَ مما شملتْه عباراتُهم؛ فإنَّها مندرجةٌ في حسناتِ الدنيا، وأما الحسنةُ في الآخرةِ فأعلاها\n_________\n(^١) في (أ): \"يقول\".\n(^٢) زيادة من (أ).\n(^٣) البخاري رقم (٦٣٨٩)، ومسلم رقم (٢٦٩٠).\n(^٤) زيادة من (ب).\n(^٥) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٩٠ - ١٩٢).\n(^٦) زيادة من (ب).\n(^٧) في \"تفسيره\" (١/ ٢٥١)، وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ١٩٢).","vol":"8","page":319},{"text":"دخول الجنةِ وتوابعُه منَ الأمنِ، وأما الوقايةُ منَ النارِ فهو يقتضي تيسيرُ أسبابِه في الدنيا منِ اجتنابِ المحارِمِ، وتركِ الشبهاتِ أوِ العفوِ [محضًا] (^١)، ومرادُه بقولِه: وتوابعُه، ما يلحقُ بهِ في الذكرِ لا ما يتبعه حقيقةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-1549>الدعاء بغفران الجهل والخطأ والعمد والهزل </span>…\n٢٥/ ١٤٧٧ - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْعُو: \"اللَّهُمّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْري، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: كان النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْعُو: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتي، وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليَ جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). الخطيئةُ الذنبُ، والجهلُ ضدُّ العلمِ، والإسْرافُ مجاوزةُ الحدِّ في كلِّ شيءٍ. وقولُه: في (أمري) يحتملُ تعلُّقهُ بكلِّ ما تقدَّمَ، أو بقولهِ إسرافي فقط. والجدُّ بكسرِ الجيم ضدُّ الهزلِ. وقولُه: (وخطئي وعمدي) منْ عطْفِ الخاصِّ علَى العامِّ؛ إذِ الخطيئةُ تكونُ عنْ جدٍّ وعنْ هزْلٍ، وتكريرُ ذلكَ لتعددِ الأنواعِ التي تقعُ منَ الإنسانِ منَ المخالفاتِ، والاعترافِ بها، وإظهارِ أنَّ النَّفسَ غيرُ مبرَّأةٍ منَ العيوبِ إلا ما رحمَ علامُ الغيوبِ. وقولُه: (وكلُّ ذلكَ عندي) خبرُه محذوفٌ أي موجودٌ. ومعنَى (أنْتَ المقدِّمُ) أي تقدِّمُ مَنْ تشاءُ منْ خَلْقِكَ، فيتصفُ بصفاتِ الكمالِ، ويتحققُ بحقائقِ العبوديةِ بتوفيقك، وأنتَ المؤخِّرُ لمنْ [تشاءُ] (^٣)\n_________\n(^١) زيادة من (ب).\n(^٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه \" (١١/ ١٩٦ رقم ٦٣٩٨)، ومسلم في \"صحيحه \" (٤/ ٢٠٨٧ رقم ٧٠/ ٢٧١٩).\n(^٣) في (أ): \"يشاء\".","vol":"8","page":320},{"text":"منْ عبادِكَ [بخذلانِكَ وتبعيدكَ] (^١) لهُ عنْ درجاتِ الخيرِ. قالَ المصنفُ: وقعَ في حديثِ ابنِ عباسٍ أنهُ -ﷺ- كانَ يقولُه في صلاةِ الليلِ، وتقدَّمَ بيانُه. ووقعَ في حديثِ عليٍّ (^٢) -﵇- أنهُ كانَ يقولُه بعدَ الصلاةِ. واختلفتِ الرواياتُ هلْ كانَ يقولُه بعدَ السلام أو قبلَه؟ ففي مسلمٍ (^٣): \"أنهُ كانَ يقوله بينَ التشهُّدِ والسلامِ\"، وأوردَهُ ابنُ حِبَّانَ (^٤) في صحيحهِ بلفظِ: \"كانَ إذا فرغَ من الصلاةِ\"، وهوَ ظاهرٌ في أنهُ بعدَ السلامِ، ويحتملُ حمله على قبل السلام، ويحتمل أنهُ كانَ يقولُه قبلَه وبعدَه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1550>الدعاء بخير الدَّارين</span>\n٢٦/ ١٤٧٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُؤ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي إلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادةَ لِي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ\"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (^٥). [صحيح]\n(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: اللَّهُمّ أَصْلِحْ لِي دِيني الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتي إِلَيْهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي في كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ)، تضمَّنَ الدعاءُ بخيرِ الدَّاريْنِ، وليسَ فيهِ دلالةٌ على جوازِ الدعاءِ بالموتِ، بلْ إنَّما دلَّ على سؤالِ أنْ يجعلَ الموتَ في قضائِه عليهِ ونزولهِ بهِ راحةً منْ شرورِ الدنيا، ومِنْ شرورِ القبرِ لعمومِ كلِّ شرِّ، أي منْ كلِّ شرٍّ قبلَه وبعدَه.\n_________\n(^١) في (أ): \"بتبعيدك\".\n(^٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٥ رقم ٢٠١/ ٧٧١).\n(^٣) في \"صحيحه\" (١/ ٥٣٦ رقم ٢٠٢/ ٧٧١).\n(^٤) (٥/ ٢٩٧ رقم ١٩٦٦).\nقلت: وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" رقم (٥٧٢)، والترمذي رقم (٣٤٢١) ورقم (٣٤٢٢) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٢).\n(^٥) في \"صحيحه\" رقم (٢٧٢٠).","vol":"8","page":321},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1551>على المؤمن أن يطلب العلم النافع</span>\n٢٧/ ١٤٧٩ - وَعَنْ أنسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَني، وَعَلِّمْني مَا يَنْفَعُنِي، وارْزُقْني عِلْمًا يَنْفَعَني\"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (^١) وَالْحَاكِمُ (^٢). [صحيح]\n(وَعَنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النبيُّ -ﷺ- يَقُولُ: اللَّهُمَّ انْفَعْني بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقُنِي عِلْمًا يَنْفَعَني. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ).\n٢٨/ ١٤٨٠ - وَللتِّرْمِذِيِّ (^٣) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- نحوُهُ، وَقَالَ في آخِرِهِ: \"وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ\" وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [صحيح دون الحمد لله]\n(وَلِلتِّزمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبي هُريرةَ نحوُهُ، وَقَالَ في آخِرِهِ: وَزِدْني عِلْمًا، الْحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ. وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ). فيهِ أنهُ لا يطلبُ منَ العلمِ إلَّا النافعَ، [والنافعُ فيما] (^٤) يتعلقُ بأمرِ الدين والدنيا مما يعودُ فيها على نفعِ الدينِ، [وما] (^٥) عدا [هذا] (^٦) العلمَ [فإنهُ ممنْ] (^٧) قالَ اللَّهُ فيهِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (^٨)، أي: [ينفعهم في الدين] (^٩)؛ فإنهُ نفى النفعِ عنْ علمِ السحر لعدمِ نفعِه في الآخرةِ، [بلْ] (^١٠) لأنهُ ضارٌّ فيها، وقدْ ينفعُهم في الدنيا لكنَّهَ لم يعدَّهُ نفعًا.\n_________\n(^١) لم يخرجه النسائي، انظر: \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ٣١٩ رقم ١٤٣٥٦).\nقلت: وأخرجه ابن ماجه رقم (٢٥١)، من حديث أبي هريرة.\n(^٢) في \"المستدرك \" (١/ ٥١٠) صححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^٣) في \"السنن\" رقم (٣٥٩٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوالخلاصة: أن الحديث صحيح دون قوله: \"الحمد لله على كل حال\".\n(^٤) في (أ) \"أن\".\n(^٥) زيادة من (أ).\n(^٦) في (أ): \"هذه\".\n(^٧) في (أ): \"مما قال\".\n(^٨) سورة البقرة: الآية ١٠٢.\n(^٩) في (ب): \"في أمر الدين\".\n(^١٠) زيادة من (ب).","vol":"8","page":322},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1552>من أدعية متنوعة للنبي -ﷺ</span>-\n٢٩/ ١٤٨١ - وَعَنْ عَائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّه عَاجِلِهِ وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ مِنْهُ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمّ إنِّي أسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَولٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا\"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (^١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (^٢) وَالْحَاكِمُ (^٣). [صحيح]\n(وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَّمَهَا هَذَا الدُّعَاءَ: اللَّهُمّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ، وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لِي خَيْرًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ [وَالْحَاكِمُ]) (^٤).\nالحديثُ تضمَّنَ الدعاءَ بخيرِ الدنيا والآخرةِ، والاستعاذةِ منْ شرِّهِما، وسؤالِ الجنةِ وأعمالِها، وسؤالِ أنْ يجعلَ اللَّهُ كلَّ قضاءِ خيرًا، وكأنَّ المرادَ سؤالُ اعتقادِ العبدِ أنَّ كلَّ ما أصابَهُ خيرٌ، وإلا فإنَّ كلَّ قضاءٍ قضَى اللَّهُ بهِ خيرٌ، وإنْ رآهُ العبدُ شرًا في الصورةِ. وفيهِ أنهُ ينبغي للعبدِ تعليمُ أهلِه أحسنَ الأدعيةِ، لأنَّ كلَّ خيرٍ ينالونَهُ فهوَ لهُ، وكلُّ شرٍّ يصيبُهم فهوَ مضرةٌ عليهِ.\n_________\n(^١) في \"السنن\" رقم (٣٨٤٦).\n(^٢) في \"صحيحه\" رقم (٨٦٩).\n(^٣) في \"المستدرك\" (١/ ٥٢١ - ٥٢٢).\nقلت: وأخرجه أحمد (٦/ ١٣٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ٢٦٤)، والبخاري في \"الأدب المفرد\"، رقم (٦٣٩) كلهم من حديث عائشة. وهو حديث صحيح، انظر: \"الصحيحة\" رقم (١٥٣٢).\n(^٤) زيادة من (ب).","vol":"8","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1553>الوزن للأعمال يوم القيامة</span>\n٣٠/ ١٤٨٢ - وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ (^١) عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"كلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمنِ، خَفِيفَتَانِ عَلى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ\". [صحيح]\n(وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلَى الرَّحْمنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ) هذا آخرُ حديثٍ خَتَمَ بهِ البخاريُّ صحيحَهُ، وتبعَهُ جماعةٌ منَ الأئمةِ في خَتْمِ تصانيفهم في الحديث. والمرادُ منَ الكلمتانِ الكلامُ نحوُ كلمةِ الشهادةِ، وهوَ خبرٌ مقدَّمٌ. وقولُه: (سبحان اللَّهِ إلخ) مبتدأٌ مؤخرٌ، وصحَّ الابتداءُ وإنْ كان جملةً لأنهُ في معنَى هذا اللفظِ، وإنَّما قُدِّمَ الخبرُ تشويقًا للسامعِ إلى المبتدأِ، سيِّما بعدَ ما ذكرَ منَ الأوصافِ. والحبيبةُ بمعنَى المحبوبةِ، أي محبوبتانِ لهُ تعالَى، والخفيفةُ فعيلةٌ بمعنَى فاعلةٌ، والثقيلةُ فعيلةٌ بمعنَى فاعلةٌ أيضًا، قالَ الطيبيُّ (^٢): الخفةُ مستعارةٌ للسهولةِ، شبَّه سهولةَ جريانِها على اللسانِ بما خفَّ على الحاملِ منْ بعضِ الأمتعةِ فلا يتعبه كالشيءِ الثقيلِ. وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّ سائرَ التكاليفِ شاقةٌ على [النفسِ] (^٣) ثقيلةٌ، وهذهِ سهلةٌ [مع ثقلها] (^٤) في الميزانِ كثقلِ الشاقِ منَ الأعمالِ. وقدْ سُئِلَ بعضُ السلفِ عنْ سببِ ثقلِ الحسنةِ وخفةِ السيئةِ فقال: لأنَّ الحسنةَ حضرتْ مرارتُها وغابتْ حلاوتُها فثقلتْ، فلا يحملنَّكَ ثقلُها علَى تركِها، والسيئةُ حضرتْ حلاوتُها وغابتْ مرارتُها فلذلكَ خَفَّتْ، فلا تحملنَّكَ خفتُها علَى ارتكابِها، والحديثُ منَ الأدلةِ على ثبوتِ الميزانِ [كما دلَّ عليهِ] (^٥)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم (٦٤٠٦)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٦٩٤).\nقلت: وأخرجه الترمذي رقم (٣٤٦٧)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٨٣٠)، وابن ماجه رقم (٣٨٠٦).\n(^٢) ذكره ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٢٠٨).\n(^٣) في (أ): \"الإنسان\".\n(^٤) في (ب): \"عليها مع أنها تثقل\".\n(^٥) في (أ): \"وقد نطق به\".","vol":"8","page":324},{"text":"القرآنُ. واختلفَ العُلماءُ في الموزونِ فقيلَ: الصحفُ لأنَّ الأعمالَ أعراضٌ فلا توصفُ بثقلٍ ولا خِفَّةٍ، ولحديثِ: السجلاتُ والبطاقةُ. وذهبَ أهلُ الحديثِ والمحقِّقونَ إلى أنَّ الموزونَ نفسُ الأعمالِ [حقيقة] (^١)، وأنَّهَا تجسدُ في الآخرةِ، ويدلُّ لهُ حديثُ جابرٍ مرفُوعًا: \"تُوضَعُ الموازينُ يومَ القيامةِ، فتوزنُ الحسناتُ والسيئاتُ، فمنْ ثقلتْ حسناتُه على سيئاتِه مثقالَ حبةٍ دخلَ الجنةَ، ومَنْ ثقلتْ سَيِّئَاتُهُ على حسناتِه مثقالَ حبةٍ دخلَ النارَ، قيلَ فمنِ استوتْ حسناتُه وسَيِّئَاتُهُ؟ قالَ: أولئكَ أصحابُ الأعرافِ\" أخرجَهُ خيثمةُ (^٢) في فوائدِه، وعندَ ابنِ المباركِ في الزهدِ (^٣) عنِ ابنِ مسعودٍ نحوُه مرفُوعًا.\nوالأحاديثُ ظاهرةٌ أنَّ أعمالَ بني آدمَ توزنُ، وأنَّهُ عامٌّ لجميعِهم. وقالَ بعضُهم: إنهُ يخصُّ المؤمِنَ الذي لا سيئةَ لهُ ولهُ حسناتٌ كثيرةٌ زائدةٌ على محضِ الإيمانِ فيدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ كما جاءَ في حديثِ السبعينَ الألفِ. ويخصُّ منهُ الكافرَ الذي لا حسنةَ لهُ ولا ذنبَ لهُ غيرُ الكفرِ، فإنهُ يقعُ في النارِ بغيرِ حسابٍ ولا ميزانٍ. ونقلَ القرطبيُّ (^٤) عنْ بعضِ العلماءِ أنهُ قالَ: الكافرُ مطلقًا لا ثوابَ لهُ، ولا توضعُ حسناتُه في الميزانِ لقولِه تعالَى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (^٥)، ولحديث أبي هريرة (^٦) في الصحيحِ: \"الكافرُ لا يزنُ عندَ اللَّهِ جناحَ بعوضةٍ\".\nوأُجِيبَ: بأنَّ هذا مجاز عنْ حقارةِ قدْرهِ، ولا يلزمُ منهُ عدمُ الوزنِ، والصحيحُ أنَّ الكافرَ تُوزَنُ أعمالُه إلَّا أنهُ على وجهينِ، أحدِهما أنَّ كفرَهُ يوضَعُ في الكِفَّةِ ولا يجدُ حسنةً يضعُها في الأُخرى لبطلانِ الحسناتِ معَ الكفرِ فتطيشُ التي لا شيءَ فيها.\n_________\n(^١) زيادة من (أ).\n(^٢) عزاه إليه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٧/ ٢١١) بدون ذكر السند.\n(^٣) في \"زوائد نعيم بن حماد\" (رقم ٤١١)، بسند ضعيف جدًا لأن في سنده أبو بكر الهذلي من المتروكين.\n(^٤) في \"الجامع لأحكام القرآن\" (١١/ ٦٦).\n(^٥) سورة الكهف: الآية ١٠٥.\n(^٦) أخرجه البخاري رقم (٤٧٢٩)، ومسلم رقم (٢٧٨٥).","vol":"8","page":325},{"text":"قالَ القرطبيُّ (^١): وهذا ظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٢)؛ فإنهُ وصفَ الميزانَ بالخِفَّةِ.\nوالثاني: أنهُ قدْ يقعُ منهُ العتقُ والبرُّ والصلةُ وسائرُ أنواعِ الخيرِ الماليةِ، مما لو فعلَها [المسلمُ] (^٣) لكان لهُ حسناتٌ، فمنْ كانتْ لهُ جُمِعَتْ ووضُعِتْ في الميزانِ، غيرَ أنَّ الكفرَ إذا قابلَها رجَحَ بها. ويحتملُ أنَّ هذهِ الأعمالَ توازِنُ ما يقعُ منهُ منَ الأعمالِ السيئةِ كظلمِ غيرهِ، وأخْذِ مالِه، وقطعِ الطريقِ، فإنْ ساوتْها عُذِّبَ بالكفرِ، وإنْ زادتْ عُذِّبَ بما كانَ زَائِدًا على الكفرِ، وإنْ زادتْ أعمالُ الخيرِ معهُ طاحَ عقابُ سائِرِ المعاصي [وبقي عقابُ] (^٤) الكفرِ كما جاءَ في حديثِ (^٥) أبي طالبٍ أنهُ في ضَحْضَاحٍ منْ نارٍ.\nاللَّهمَّ ثقِّلْ موازينَ حسناتِنا إذا وُزِنَتْ، وخفِّفْ موازينَ سيئاتِنا إذا [وضعت] (^٦) في كفةِ الميزانِ وُضِعَتْ. واجعلْ سجلاتِ ذنوبِنا عندَ بطاقةِ توحيدِنا طائشةً منْ كفةِ الميزانِ، ووفقْنا بجعلِ كلمةِ التوحيدِ عندَ المماتِ آخرَ ما ينطقُ بهِ اللسانُ.\nقدِ انتهَى بحمدِ وليِّ الإنعامِ ما قصدْناهُ منْ شرْحِ بلوغِ المرامِ (سبل\n_________\n(^١) في \"التذكرة\" في باب: (بيان كيفية الميزان ووزن الأعمال فيه ومن قضى لأخيه حاجة).\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ٩، والمؤمنون: الآية ١٠٣.\n(^٣) في (أ): \"المؤمن\".\n(^٤) في (أ): \"وعذب على الكفر\".\n(^٥) • أخرج البخاري في \"صحيحه\" (٧/ ١٩٣ رقم ٣٨٨٥)، ومسلم في صحيحه رقم (٢١٠)، عن أبى سعيد الخدري -﵁أنه سمع رسول الله -ﷺ-- وذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعلَّهُ تنفعُه شفاعتي يوم القيامة، يجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه أمُّ دماغه\"، وفي رواية: \"يغلي منه دماغه من حرارة نعليه\".\n• وأخرج البخاري في \"صحيحه\" (٧/ ١٩٣ رقم ٣٨٨٥)، ومسلم في \"صحيحه\" رقم (٢٠٩) عن العباس -﵁- قال: \"قلت: يا رسول الله ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار\".\n• وفي رواية: \"أنه كان يحوطك، وينصرك ويغضب لك فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجته إلى ضحضاح\".\n(^٦) في (ب): \"وزنت\".","vol":"8","page":326},{"text":"السلام)، نسألُ اللَّهَ أنْ يجعلَه منْ موجباتِ دخولِ دارِ السلامِ، وأنْ يتجاوزَ عما ارتكبناهُ منَ الخطايا والآثامِ، وأنْ يجعلَ في [صحائف] (^١) الحسناتِ ما جرتْ بهِ فيهِ، وفي غيرِه الأقلامُ، وأنْ ينفعَ بهِ الأنامَ إنهُ ذو الجلالِ والإكرامِ، والمولَى لعبادِه منْ إفضالِه كلَّ مرامٍ.\nوالحمدُ للَّهِ حمدًا لا يفنَى ما بقيتِ الليالي والأيامُ، ولا يزولُ إنْ زالَ دورانُ الشهورِ والأعوامُ. والصلاةُ والسلامُ على رسولهِ الكاشفِ بأنوارِ الوحي كلَّ ظلامٍ، وعلى آلهِ العلماءِ الأعلامِ.\nقال المؤلف بلَّ اللَّه تعالى بوابل رحمته ثراه: وافقَ الفراغُ منهُ في صباحِ الأربعاءِ ليلةَ السابعِ والعشرينَ منْ شهرِ ربيعٍ الآخرِ سنة ١١٦٤ ختمَها اللَّهُ تعالَى بخيرِ، ومَا بعدَها منَ الأعوامِ اهـ.\n[وَافَقَ الفراغُ من رقم هذه النسخة يوم الأحد لعله غرة شهر صفر المظفر، جعلنا اللَّهُ ظافرين بحسنات الدنيا والآخرة بجاه (^٢) سيد المرسلين، وآله الأطهرين. ذلك الشهر ثاني شهور سنة سبعة وعشرين وثلاث مائة وألف من هجرة من له العز والشرف، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وصحبه الأخيار. والحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، ونسأل الله العفو والعافية في الدارين، وأن يلطفَ بنا ويحسن الختام، بجاه (٢) سيد الأنام وآله الكرام، وأن يغفر لكاتبه ولجميع المؤمنين والمؤمنات، ولا حول ولا قوة إلا بالله] (^٣).\n[ووافق الفراغ من تحرير هذا الكتاب المبارك صباح يوم الثلاثاء شهر الحجة الحرام سنة (١٣٠٨ هـ) كتبه بخط أفقر عباد اللَّهِ إليه، الراجي عفوه وغفرانه علي بن محسن المعافى سامحهما الله تعالى على نسخة صحيحة بخط مولانا السيد العلامة القدوة عبد الله بن محمد الأمير جزاه الله خير الدارين، وقد كتب في آخرها بالقبطية بلغ قراءة مع بعض الطلبة، وتصحيحًا عن نسخة المؤلف -﵀-\n_________\n(^١) في (ب): \"صفات\".\n(^٢) انظر: \"التوسل وأنواعه وأحكامه\" للمحدث محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله. آلف بينها ونسَّقها: محمد عيد العباسي.\n(^٣) زيادة من النسخة (أ).","vol":"8","page":327},{"text":"وقدس الله روحه، ومراجعة البدر التمام. فأرجو أنه قد صحَّ صحة كاملة وإن كان الخطأ والنسيان من طبيعة الإنسان. كان ذلك ليلة الأحد سادس شهر صفر (١١٩٦ هـ)، كتبه عبد الله بن محمد الأمير عفا الله عنهما. انتهى.\nفالحمد لله ولي الإعانة، والتوفيق على كل حال، وصلَّى اللَّهُ على محمد وآلهِ وصحبه وَسَلَّمَ] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) زيادة من من النسخة (ب).\n• وبهذا يتمُّ تحقيقنا لكتاب: \"سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام\"، للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى.\nهو تحقيق متوسِّط، بذلتُ فيه جهدًا طيبًا، ووقتًا طويلًا، رجَوت به خدمة الإسلام، وتذليل الصعاب أمام طلاب العلم. فأسأله سبحانه أنه ينفع به، ويجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.\nوفي الختام أشكر كل من ساعدني في هذا الكتاب بأي جهد وبأي عمل، وأخص منهم زوجتي \"محفوظة علي شرف الدين\"، التي سهرت معي الليالي الطوال أثناء خدمة هذا السِّفر العظيم، سائلًا المولى أن يبقيها خير قرين ومُعين.\n\nالمحقِّق\nمحمد صبحي بن حسن حلاق\nأبو مصعب","vol":"8","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1554>استدراكات عقيدية في سبل السلام</span>\nأولًا: قال العلّامة محمد بن إسماعيل الأمير (٣/ ١٠٨): \" … فُسِّرت محبةُ الله برضاه، وكراهتهُ بخلافها\". اهـ.\nأقول: الحب والمحبة من صفات الله تعالى الفعلية الاختيارية الثابتة بالكتاب والسنة:\n* الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].\n* الدليل من السنة:\nحديث سهل بن سعد -﵁-: \" … لأعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحبُّ الله ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسوله … \" [البخاري رقم (٣٠٠٩) ومسلم رقم (٢٤٠٥)]. فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله -﷿-، ويقولون: هي صفة حقيقية لله -﷿-، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب كما يقول المؤولة، كما يثبت أهل السنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب، وإكرام من يحبه سبحانه.\n[انظر: صفات الله -﷿- الواردة في الكتاب والسنة ص ٨٩].\n• والكره صفة فعلية ثابتة لله -﷿- بالكتاب والسنة:\nالدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦].\nالدليل من السنة:\nحديث عائشة -﵂-: \" … وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه\". [مسلم رقم (٢٦٨٤)].\n[انظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٥].\n\nثانيًا: نقل العلَّامة محمد بن إسماعيل الأمير في \"سبل السلام\" (٨/ ٢٧) عن","vol":"9","page":338},{"text":"المعتزلة والكرامية ما يلي: \"وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دلَّ العقل على أنَّ معنى اللفظ ثابت في حق الله تعالى جاز إطلاقه على الله تعالى\".\nأقول: قولهم هذا هو ما يسمى عند علماء الكلام بالطريقة القياسية المبنية على تقديم العقل على النقل وهو مذهب معلوم الفساد، لما فيه من القول على الله بلا علم والعياذ بالله.\n[انظر: البيهقي وموقفه من الآلهيات ص ١٢٤].\n\nثالثًا: نقل العلَّامة محمد بن إسماعيل الأمير في \"سبل السلام\" (٨/ ٢٧): عن القاضي أبو بكر والغزالي قولهم: \"وقال القاضي أبو بكر والغزالي: الأسماء توقيفية دون الصفات … \". اهـ.\nأقول: وهذا التفريق بين الأسماء والصفات بجعل الأسماء توقيفية دون الصفات فهذا تفريق غير مقبول نقلًا ولا عقلًا، بل هذا من تناقضات المتكلمين في التفريق في المتمثلاث بلا برهان وما احتج به الغزالي في إثبات أن أسماء الله توقيفية حجة عليه فيما ذهب إليه من التفريق؛ لأنه إذا كان يمتنع في حق الله تعالى أن يسمى بما لم يسمى به نفسه، فلذلك يمتنع أن يوصف بما لم يصف به نفسه وهذا ما يدل عليه العقل والنقل.\nوقال ابن أبي زمنين في أصول السنة ص ٦٠ ما نصه: (باب في الإيمان بصفات الله وأسمائه): \"وأعلم أن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به ﵎ عن نفسه علمًا والعجز عما لم يدع إليه إيمانًا وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه -ﷺ-\".\nوقال أبو الحسن القابسي: أسماء الله وصفاته لا تُعلم إلا بالتوقيف من الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، ولا يدخل فيها القياس [فتح الباري (١١/ ٢١٧)].\n[وانظر: القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ص ١٦].\n\nرابعًا: قال العلَّامة محمد بن إسماعيل الأمير في \"سبل السلام\" (٨/ ٩٥): \" .... هذا كناية عن غضبه تعالى وإشارة إلى حرمانهم من رحمته\". اهـ.\nانظر التعليقة الآتية.\n\nخامسًا: قال العلَّامة محمد بن إسماعيل الأمير في \"سبل السلام\" (٨/ ١٥٤):","vol":"9","page":339},{"text":"\" .... نفيُ نظر الله بنفي رحمته؛ أي: لا يرحمُ اللهُ من جرَّ ثوبَه خُيلَاء، سواء كان من النساء أو الرجال … \". اهـ.\nأقول: بل النظر صفة فعلية ثابتة لله -﷿- بالكتاب والسنة:\n* الدليل من الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧].\n* الدليل من السنة:\nحديث أبي هريرة -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا ينظر اللهُ يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا\".\n[البخاري رقم (٥٧٨٨) ومسلم رقم (٢٠٨٧)].\nقال ابن أبي العز الحنفي في شرح العقيدة الطحاوية ص ١٩٠: (النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه، فإن عُدي بنفسه؛ فمعناه: التوقف والانتظار: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].\nوإنْ عُدي بـ (في)؛ فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].\nوإنْ عُدي بـ (إلى)؛ فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩].\nوأنت ترى أنَّ النظر فيما سبق من أدلة متعد بـ (إلى)، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله -﷿- يرى ويُبصر وينظر إلى ما يشاء بعينه -﷾-، كما يليق بشأنه العظيم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].\n[الحجة (١/ ١٨١) \"وصفات الله -﷿- … \" ص ٢٥٣].\n\nسادسًا: قال العلَّامة: محمد بن إسماعيل الأمير في \"سبل السلام\" (٨/ ١٩٩): \"فسَّر العلماء محبة اللهِ تعالى لعبده، بأنها إرادته الخير له، وهدايته ورحمته ولطفه، ونقيض ذلك بغض الله تعالى\".\n* أقول: إن أهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله -﷿- ويقولون: هي صفة حقيقية لله -﷿-. على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب كما يقول المؤولة، كما يثبت أهل السنة لازم المحبة، وهو إرادة الثواب، وإكرام من يحبه سبحانه.","vol":"9","page":340},{"text":"وقد تقدم الأدلة من الكتاب والسنة في الاستدراك (أولًا).\n* والبغض من الصفات الفعلية الثابتة لله -﷿- بالأحاديث الصحيحة (منها): حديث أبي هريرة -﵁-: \"أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها\".\n[مسلم رقم (٦٧١)].\nقال الشيخ محمد خليل الهراس في شرحه للواسطية (ص ١٠٨) تعليقًا على بعض الآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية فيها بعض صفات الله -﷿- الفعلية: \"تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل؛ من الرضا لله، والغضب، واللعن، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله -﷿-، على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق\".\n[وانظر: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٥].\n\nسابعًا: قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام (٨/ ٢٥٠).\n\"البغض ضدُ المحبة، وبغضُ اللهِ عبدَه إنزال العقوبة به، وعدم إكرامه إياهُ \".\nأقول: البغض من الصفات العقلية الثابتة لله -﷿-، بالأحاديث الصحيحة (منها):\nحديث أبي هريرة -﵁-: \"إنَّ الله تعالى إذا أحب عبدًا … وإذا أبغض عبدًا، دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانًا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانًا فابغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض\". [مسلم رقم (٢٦٣٧)].\nقال الحافظ ابن كثير في رسالته \"العقائد\": \"فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك؛ وجب اعتقاد حقيقته؛ من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله -﷿- ورسوله -﵁-؛ من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك\".\n[انظر: \"علاقة الإثبات والتفويض\" ص ٥١ لرضا نعسان معطي].","vol":"9","page":341}]}